عقد هذا الباب لبيان ثلاثة أشياء هي العدة والنفقة والاستبراء، وقدم النفقة على الاستبراء في الترجمة، وخالف ذلك تحتها وهو المناسب، وقد تبرع بذكر غير ما ترجم له مما له علاقة به، وهو الإحداد والحضانة.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
عدة ذوات الحيض من الحرائر والإماء
حكمة إيجاب العدة
• قوله:
١ - «وعدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء، كانت مسلمة، أو كتابية، والأمة ومن فيها بقية رق؛ قرآن، كان الزوج في جميعهن حرا، أو عبدا».
العدة بكسر العين مرجعها عد يعد عدا وعدة إذا حسب، سميت كذلك لأن فيها عددا من الحيض أو الشهور، وهي عند العلماء تربص المرأة زمانا قدره الشرع علامة على براءة الرحم»، وفصل بعضهم في التعريف فقال: «هي مدة منع النكاح لفسخه، أو موت الزوج، أو طلاقه»، والقيد الأخير في الأول مشعر أن جميع العدة لبيان حال الرحم، والظاهر خلافه، فإن براءة الرحم تتبين بحيضة، وأهل المذهب يقولون إن عدة الأمة قرآن، وعدة أم الولد من وفاة زوجها حيضة، ولو كانت المدة كلها للعلة التي ذكروها لما اختلفت عدة الحرة عن عدة الأمة، والظاهر أنها روعي فيها أمور قد يجتمع بعضها، وقد لا يجتمع، منها براءة الرحم، وإفساح المجال للإبقاء على إمكان مراجعة الزوج زوجته، ورعاية حق الزوج المتوفى، والفصل بين النكاحين، والتعبد في عدة المتوفى عنها أظهر، ولا ينتقض ذلك بالطلاق البائن لأنه يقال إن تلك الحال أجريت مجرى الأصل تطريدا للقاعدة وتيسيرا على الناس.
والعدة نوعان عدة بالأقراء وعدة بالشهور، أما عدة الأقراء فهي للمطلقة المدخول
[ ٣ / ٢٧٩ ]
بها من ذوات الحيض حرة كانت أو أمة، مسلمة كانت أو كتابية، غير أن عدة الحرة ثلاثة قروء لقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أما الأمة القن، ومن فيها بقية رق كالمكاتبة، والمدبرة؛ فعدتها قرآن، وقد تقدم أن الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، وقد حكى ابن عبد السلام كما هو في شرح زروق قولا في المذهب بأن عدة الأمة المطلقة ثلاثة قروء لعموم الدليل، وهو الظاهر ما لم يأت ما يستوجب الانتقال عنه.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
• قوله:
٢ - «والأقراء هي الأطهار التي بين الدمين».
تقدم بيان ذلك، وعليه فإن المرأة المطلقة إذا دخلت في الحيضة الثالثة؛ حلت للأزواج، وروى ابن وهب أنها لا تحل مطلقة إلا بانقطاع الحيضة الثالثة كقول أهل العراق، وفي أخذ ذلك من الرواية عن مالك نظر.
[ ٣ / ٢٨١ ]
عدة من لم تحض وعدة اليائسة
• قوله:
٣ - «فإن كانت ممن لم تحض، أو ممن قد يئست من المحيض؛ فثلاثة أشهر في الحرة والأمة»
هذا هو القسم الثاني من العدة وهو ما كان بالشهور، واللاتي تعتد بها من النساء ست، أشار هنا إلى اثنتين منهن، وهما الصغيرة التي لم تحض بعد، واليائسة من المحيض، وهذا في الحرة، مسلمة كانت أو كتابية باتفاق، وفي الأمة على المشهور، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ (٤)﴾ [الطلاق: ٤]، والعبرة بثلاثة أشهر قمرية، فإذا طلقت في أثناء الشهر؛ عملت على الأهلة في الشهرين الباقيين، وكملت الذي طلقت فيه ثلاثين يوما من الشهر الرابع، وأين نحن من حساب الشهور القمرية وهي عدة الشهور عند الله؟، قالوا وإنما اعتبرت الثلاثة الأشهر؛ لأن الحمل لا يظهر غالبا في أقل منها.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
عدة المستحاضة
• قوله:
٤ - «وعدة الحرة المستحاضة أو الأمة في الطلاق؛ سنة».
هذه هي الثالثة، وهي الحرة المستحاضة، مسلمة كانت أو كتابية أو أمة؛ فإن عدتها سنة، تسعة أشهر منها للاستبراء، وثلاثة للعدة، لكنها إن ميزت دم الحيض من دم الاستحاضة برائحة، أو بلون، أو بكثرة؛ فالمشهور أن عدتها بالقروء.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
عدة الحامل في الوفاة والطلاق
• قوله:
٥ - «وعدة الحامل في وفاة، أو طلاق؛ وضع حملها، كانت حرة، أو أمة، أو كتابية».
عدة الحامل دلّ عليها قول الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وهو عموم كما ترى، لكن إن كان في بطن المرأة أكثر من ولد؛ فلا تنقضي العدة حتى ينزل الأخير، لأنه بعض الحمل، وهذه الآية مخصصة لآية القروء، ولآية اعتداد المتوفى عنها بأربعة أشهر وعشر ليال عند الجمهور، ودليل ذلك من السنة حديث أم سلمة قالت: «ولدت سبيعة الأسلمية بعد وفاة زوجها بنصف شهر فخطبها رجلان أحدهما شاب، والآخر كهل، فحطت إلى الشاب، فقال الشيخ لم تحلي بعد وكان أهلها غيبا، ورجا إذا جاء أهلها أن يؤثروه بها، فجاءت رسول الله ﷺ فقال: «قد حللت، فانكحي من شئت»، رواه مالك في الموطإ (١٢٤٦) والشيخان (خ/ ٥٣١٨) و(م/ ١٤٨٥).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
لا عدة على من لم يدخل بها
• قوله:
٦ - «والمطلقة التي لم يدخل بها؛ لا عدة عليها».
وهذا نص كتاب الله تعالى إذ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قالوا ولا عدة عليها أيضا وإن دخل بها إن كان الزوج لا يمكن قربانه لصغر أو غيره.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
عدة غير الحامل المتوفى عنها
• قوله:
٧ - «وعدة الحرة من الوفاة أربعة أشهر وعشر، كانت صغيرة، أو كبيرة، دخل بها، أو لم يدخل، مسلمة كانت، أو كتابية، وفي الأمة ومن فيها بقية رق؛ شهران وخمس ليال، ما لم ترتب الكبيرة ذات الحيض بتأخيره عن وقته، فتقعد حتى تذهب الريبة».
الرابعة المتوفى عنها غير الحامل مستحاضة أو غيرها؛ عدتها أربعة أشهر وعشر ليال، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ولا فرق في المتوفى عنها بين أن تكون مدخولا بها، أو غير مدخول بها، مسلمة كانت أو كتابية، إلا أن تكون أمة، أو فيها بقية رق؛ فعدتها شهران وخمس ليال، وهي الخامسة، وقوله ما لم ترتب الكبيرة،،، الخ، يظهر أنه قيد في الحرة والأمة في الوفاة، وذهاب الريبة يكون بحيضة، أو بتمام تسعة أشهر.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
عدة من لا تحيض ثلاثة أشهر
• قوله:
٨ - «وأما التي لا تحيض لصغر أو كبر، وقد بني بها؛ فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر»
هذه هي الأخيرة ممن يعتددن بالشهور، وهي الأمة المدخول بها المعتدة من وفاة، وليست من ذوات الحيض لصغر أو يأس؛ فإنها تعتد بثلاثة أشهر كالحرة، أمن حملها، أو لم يؤمن، لأن براءة الرحم لا تتحقق إلا بثلاثة أشهر، وهي رواية أشهب، ورواية ابن القاسم التنصيف بالجري على القاعدة، وليس بين القولين فرق، فإنما الثلاثة لمن يخاف عليها الحمل، ولذلك قال أشهب عمن أمن حملها إن عدتها شهران ونصف، كرواية ابن القاسم، وقوله هذا في شرح زروق.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
الإحداد وحكمة مشروعيته
• قوله:
٩ - «والإحداد أن لا تقرب المعتدة من الوفاة شيئا من الزينة بحلي، أو كحل، أو غيره، وتجتنب الصباغ كله، إلا الأسود، وتجتنب الطيب كله، ولا تختضب بحناء، ولا تقرب دهنا مطيبا، ولا تمتشط بما يختمر في رأسها».
الإحداد من الحد وهو المنع، ويطلق على وسيلة المنع أيضا، يقال أحدت المرأة إذا امتنعت من الزينة بعد وفاة زوجها، فهي محد، ويقال أيضا حدت المرأة فهي حاد، وهذا معناه في الشرع، والحكمة منه المحافظة على حق الميت، وسد الذريعة إلى الخطبة في العدة، أو تشوف المرأة إلى النكاح فيها، وحكمه الوجوب، ووقته وقت عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشر ليال، أو وضع الحمل إن كان المتوفى عنها حاملا، وقد جاء في كلام الله تعالى الإشارة إليه، وبينت السنة حدوده، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والمراد ببلوغ الأجل انقضاء العدة، ولا يجوز أن يكون المراد بالمعروف الذي أبيح لهن فعله في أنفسهن هو الزواج، لأنه ليس لهن أمره استقلالا، فيكون المراد التزين والتهيؤ لما بعد العدة، ويجوز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام لا أكثر، لقول النبي ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا»، رواه أحمد والشيخان عن أم عطية.
والحديث نص في تحريم الإحداد أكثر من ثلاثة أيام على غير الزوج، وعلى جواز الإحداد على الزوج أربعة أشهر وعشرا، لأن الاستثناء جاء بعد المنع، أما دليل وجوب الإحداد مدة العدة؛ فما في حديث أم سلمة قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟، فقال رسول الله ﷺ:
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ما يحرم على المرأة المحد
«لا»، مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول، قال حميد: فقلت لزينب: ما ترمي المرأة بالبعرة على رأس الحول؟، فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها؛ دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة: حمار، أو شاة، أو طير، فتفتض به، فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره»، رواه مالك (١٢٦٥) والشيخان، والحفش بكسر الحاء فسره مالك بالبيت الرديء، والأحلاس جمع حلس بكسر الحاء، وأصله ما يكون على ظهر الدابة تحت القتب والبرذعة، والمراد به هنا الثياب، شبهت بالحلس في القذارة والنتانة، والافتضاض بالدابة هو التمسح بها جعل ذلك التمسح كأنه تجميل وتحسين يبلغ لون الفضة!!، قال مالك وتفتض به تمسح به جلدها كالنشرة، والمراد أنها تمسح به فرجها، فلا يكاد يعيش ما تتمسح به، أي من نتانة جلدها، ولعل رمي البعرة هو تفاؤل بمخالفة ما يأتي لما سبق مما كانت فيه من الشدة، وفيه دلالة على أن مدة الإحداد في الجاهلية كانت سنة.
وقد أقر ذلك الشرع في أول الأمر ثم نسخ كما عليه كثير من أهل العلم، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فخفف الله تعالى من مدة العدة إلى أربعة أشهر وعشر لغير الحامل، وجعلها للحامل وضع الحمل، وهو دال على ما كانوا عليه من التشدد في الإحداد حتى تبلغ المرأة من القذارة والنتن هذا المبلغ، فاحتفظ الشرع من ذلك بما لا يضر بها، مع مراعاة حق زوجها المتوفى.
وقد جاء بيان بعض ما تمنع منه المرأة المحد في حديث أم عطية قالت: «كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تكتحل، ولا تتطيب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من حيضها في نبذة من كست وأظفار»، رواه الشيخان، والنبذة بضم النون وسكون الباء القطعة، والكست بضم الكاف، وهو القسط بالقاف المضمومة أيضا نوع من البخور،
[ ٣ / ٢٨٩ ]
رخص فيهما للمحد كي تزيل أثر دم الحيض، لا تريد به التطيب، وقال العلماء إن المعتدة من وفاة تجتنب الطيب كله مذكره ومؤنثه، ولا تدهن، ولا تكتحل، ولو لضرورة على ظاهر الحديث الصحيح، وهو قول ابن عبد الحكم، والذي في المدونة والموطإ أنها يجوز لها أن تكتحل للضرورة، قالوا تفعل ذلك بالليل، وتمسحه بالنهار، كما هو في الموطإ (١٢٦٧ و١٢٧٠) بلاغا عن أم سلمة، ورواه أبو داود (٢٣٠٥) عنها موصولا مرفوعا، وهو في ضعيف أبي داود للألباني، ولو صح فإنما هو من قياس أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، قال مالك: وإذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر»، ولا تختضب بالحناء، ولا تلبس الحلي ذهبا كان أو فضة، أما ما عدا ذلك من الاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاحتجام، والاستحمام؛ فهي باقية على الأصل، فأما استثناء المؤلف الصبغ بالأسود من المنع؛ فهو قول مالك في الموطإ، ولأنه ليس لباس زينة، فإذا كانت عادة الناس أن يتزين به؛ فإنه يعطى حكم الزينة فيمتنع، وإذا لم يكن لباس زينة؛ فلا ينبغي لبسه مع قصد كونه لباس حداد، لأن فيه تشبها بالكفار، فالحاصل أنه يجب على المرأة أن لا تلبس لباس الزينة، ولا لباسا خاصا يميز المتوفى عنها من غيرها، ولا ما اعتاد الكفار لبسه في الحداد، ولو لم يكن لباس زينة.
واعلم أنه قد جاء ما اعتبر معارضا لحديث أم سلمة المأخوذ منه وجوب الإحداد، وهو حديث أسماء بنت عميس قالت: دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب فقال: «لا تحدي بعد يومك»، رواه أحمد وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٠٣): «قوي الإسناد»، وقد اعتبره بعضهم ناسخا، وإذا أمكن الجمع فهو مقدم، وهو ممكن، وللعلماء كلام في أوجهه، فانظرها إن شئت في المرجع السابق وغيره.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
الإحداد واجب في الوفاة لا الطلاق
• قوله:
١٠ - «وعلى الأمة والحرة الصغيرة والكبيرة الإحداد، واختلف في الكتابية، وليس على المطلقة إحداد».
إنما ذكر الله تعالى في عدة الوفاة الأزواج، فقال: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، ولم يأت من الأدلة ما يستثني منها ولا من الإحداد؛ صغيرة، ولا أمة، ولا غير المسلمة؛ فوجب استصحاب العموم حيث لم يثبت مخصص، ولفظ امرأة الوارد في الحديث خرج مخرج الغالب، فأما الكتابية؛ فإن كانت تحت سلطان المسلمين؛ فالظاهر أنها تجبر على ذلك، وإن كانت على غير هذا الحال كالحربية ومن تقيم في غير بلاد الإسلام؛ فما الحيلة؟، وقوله «وليس على المطلقة إحداد»؛ بين به أن الإحداد خاص بالمتوفى عنها للحكمة السالفة، فلا يقاس عليها غيرها، وقد رام بذلك الرد على من ذهب من أهل العلم إلى أن على المطلقة الإحداد رعاية للمصيبة التي أصيبت بها بسبب الفراق، وهو رأي عجيب.
[ ٣ / ٢٩١ ]
إجبار الحرة الكتابية على العدة من المسلم
• قوله:
١١ - «وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة والطلاق».
هناك فرق بين العدة وبين الإحداد، فإن الزواج في العدة تضييع للأنساب وخلط بين الأنكحة، فتجبر عليها المرأة كيفما كانت، ولأنه لا يصح فيها النكاح، أما الإحداد فإنه سد لذريعة التشوف إلى النكاح في العدة، مع ما في ذلك من رعاية لحق المتوفى، وهذا كله قد يفوت فيما إذا تزوج المسلم الكتابية في بلاد الكفر في هذا العصر لاختلاف الأنظمة، وضعف المسلمين.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
عدة أم الولد من وفاة سيدها
• قوله:
١٢ - «وعدة أم الولد من وفاة سيدها؛ حيضة، وكذلك إذا أعتقها، فإن قعدت عن الحيض؛ فثلاثة أشهر».
أم الولد ليست زوجة، لكنها ليست أمة بما للأمة من أحكام، لذلك اختلف في مدة تربصها من وفاة سيدها، فقيل أربعة أشهر وعشر، وهذا كما ترى إنما هو للأزواج، وقيل شهران وخمس ليال، وهذه عدة الإماء المزوجات، وقيل ثلاث حيض، وهذه عدة المطلقات، والمذهب أن عدتها إن كانت ممن تحيض حيضة واحدة، وهي في الحقيقة عندهم مدة استبراء لا عدة، وإنما سموها كذلك؛ لقوة الخلاف فيها كما رأيت، لكنهم قالوا إنها تتربص بحيضة ولو كان سيدها قد استبرأها قبل موته، ومثلها الأمة يعتقها سيدها وقد استبرأها، لما لها من شبه بالحرة، فإن كانت يائسة فثلاثة أشهر.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
استبراء الأمة بحيضة عند انتقال الملك
• قوله:
١٣ - «واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة، انتقل الملك ببيع، أو هبة، أو سبي، أو غير ذلك».
الاستبراء في اللغة الاستقصاء، والبحث، والكشف عن الأمر الغامض، وهذا هو معناه في كلام الفقهاء، غير أنهم يريدون به الكشف عن حال رحم المرأة بخاصة ليعلم أهو مشغول بحمل أو لا؟، وهو واجب وجوب العدة للزوجات لحفظ الأنساب، ودليله قول النبي ﷺ في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل؛ حتى تحيض حيضة»، رواه أبو داود وأصله في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، وعن رويفع بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها»، رواه أبو داود، واستبراء الأمة بما ذكر مطلوب كيفما كان سبب انتقال الملك، وانتقاله يكون بالبيع والهبة والسبي والميراث والصدقة فلا فرق هنا بين أسباب الانتقال في لزوم الاستبراء.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
الحالات التي لا استبراء فيها
• قوله:
١٤ - «ومن هي في حيازته قد حاضت عنده، ثم إنه اشتراها؛ فلا استبراء عليها، إن لم تكن تخرج، واستبراء الصغيرة في البيع إن كانت توطأ؛ ثلاثة أشهر، واليائسة من المحيض ثلاثة أشهر، والتي لا توطأ فلا استبراء فيها».
الاستبراء معلل بالكشف عن حال الرحم، فإذا علم حاله؛ فلا حاجة لما هو وسيلة إليه، ومن ذلك أن تكون الأمة في حيازة الرجل بِرَهْن أو وديعة، وقد حاضت عنده، ثم يشتريها، أو يملكها بغير الشراء، وهي ملازمة للبيت، أو تخرج منه خروجا لا يخشى أن يغاب عليها فيه، فإنه متى ملكها؛ حل له قربانها من غير استبراء، ولا استبراء كذلك على الأمة التي ينتقل ملكها، متى كانت ممن لا يوطأ مثلها كالصغيرة، فإن كانت ممن يوطأ مثلها، أمن حملها أو لم يؤمن؛ فاستبراؤها ثلاثة أشهر، لأن الحمل لا يظهر في أقل منها، ومثلها في الاستبراء اليائسة من المحيض؛ فإن استبراءها يكون بثلاثة أشهر، لكن يقال هل يكفي في إثبات عدم الحمل الكشف بالوسائل الحديثة؟، الظاهر كفاية ذلك، كما في وطء المرأة بالشبهة، أو بالزنا، لان مدة الاستبراء ليس متعبدا بها، بل معللة كما سبق، فالحاصل أن الأَمَة إنما تستبرأ لزوما بهذه القيود الأربعة: أن لا يعلم براءة رحمها، وأن تكون ممن يوطأ مثلها، وأن تكون محرمة على من ملكها قبل ملكه لها، وأن تكون حلالا له بعد الملك.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
لا يستمتع بالأمة الحامل من غيره حتى تضع
• قوله:
١٥ - «ومن ابتاع حاملا من غيره، أو ملكها بغير البيع فلا يقربها، ولا يتلذذ منها بشيء؛ حتى تضع».
دليل ما ذكره هو ما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في سبايا أوطاس، وقد تقدم، لكن الذي ذكر فيه هو المنع من الوطء بخاصة، أما المنع من مقدمات الوطء كالقبلة وسائر أفراد الاستمتاع فهو متجه، لكونه ذريعة إلى المنهي عنه، فيعطى حكمه، وجوّزه ابن حبيب، وعلّل صاحب مسالك الدلالة (ص ٢١١) المنع من الاستمتاع بقوله: «ولأنها في حالة الحمل أم ولد لغيره، والبيع باطل، فلا يجوز معه الاستمتاع»، انتهى، قال كاتبه: البائع قد يكون سيد الأمة، وقد يكون غيره، فإن كان السيد فالبيع باطل كما قال، أما إن كان غير السيد فلا يبطل البيع، فحمل كلام المؤلف على الأمة الحامل من غير السيد أو من زنا أولى، وسيأتي مزيد كلام على هذه المسألة عند الحديث عن المواضعة في البيوع، والله أعلم.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وجوب السكنى لكل مطلقة مدخول بها
• قوله:
١٦ - «والسكنى لكل مطلقة مدخول بها».
مما يجب على الزوج لزوجته إسكانها، فإذا طلقها بعد الدخول؛ استمر ذلك الواجب عقب الطلاق مدة العدة، ولو كان الطلاق بائنا، أو كانت الزوجة مخالعة، أو حبست باغتصاب، أو فسخ النكاح الفاسد لقرابة، أو رضاع، أو صهر، أو لعان، لأنها محبوسة عن الزواج بسببه، هكذا قالوا، ودليل وجوب السكنى قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، أما إن طلقها قبل الدخول؛ فلا يجب عليه إسكانها، لأنها لا عدة عليها، فمدار وجوب السكنى على الزوج وجوب العدة، باستثناء المطلقة ثلاثا عندهم، لكن ينبغي أن تعلم أن آية الأمر بإسكان الزوجات إنما وردت في سياق ذكر المطلقات الرجعيات، فيظهر أن المطلقة ثلاثا ليس لها سكنى ولا نفقة، وقياس الملاعنة عليها متجه قوي، بل هو قياس أولوي، ويذكر هنا حديث فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- قالت قال رسول الله ﷺ: «المطلقة ثلاثا ليس لها سكنى ولا نفقة»، رواه النسائي، وهو في صحيح الجامع، وهو بعمومه أقوى دلالة مما في صحيح مسلم من قول النبي ﷺ لها: «لا نفقة لك ولا سكنى»، والمسألة من أعظم مسائل العلم التي يتبين بها الأخذ بالخبر عن النبي ﷺ متى صح من غير نظر إلى راويه ومخالفه، وحسبك من ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يرى لها النفقة والسكنى.
قال القرطبي في التفسير (١٨/ ١٦٧): «وعن الشعبي قال لقيني الأسود بن يزيد فقال: يا شعبي اتق الله وارجع عن حديث فاطمة بنت قيس، فإن عمر كان يجعل لها النفقة والسكنى، قلت: لا أرجع عن شيء حدثتني به فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﷺ، قال
[ ٣ / ٢٩٧ ]
القرطبي: «ما أحسن هذا، وقد قال قتادة وابن أبي ليلى: «لا سكنى إلا للرجعية، لقوله تعالى: «لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا»، وقولُه تعالى: «أسكنوهن» راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية، ولأن السكنى تابعة للنفقة وجارية مجراها فلما لم تجب للمبتوتة نفقة لم تجب لها سكنى»، انتهى.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
لا تجب النفقة إلا لمن طلقت دون الثلاث
لزوم الإنفاق على الحامل كيفما كان الطلاق
• قوله:
١٧ - «ولا نفقة إلا للتي طلقت دون الثلاث، وللحامل كانت مطلقة واحدة، أو ثلاثا».
دلّ على هذا الحكم حديث فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- مرفوعا: «إنما النفقة والسّكن للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» رواه النسائي، والمطلقة دون الثلاث باقية في العصمة، زوجها أحق بها ما دامت في العدة، فيجب الإنفاق عليها، أما من بت طلاقها فلا نفقة لها، والمطلقة الحامل تجب لها النفقة كيفما كان الطلاق، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (٦)﴾ [الطلاق: ٦]، فالإنفاق عليها لأجل الحمل.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
من لا يجب الإنفاق عليهن من النساء
• قوله:
١٨ - «ولا نفقة للمختلعة إلا في الحمل، ولا نفقة للملاعنة وإن كانت حاملا، ولا نفقة لكل معتدة من وفاة ولها السكنى إن كانت الدار للميت، أو قد نقد كراءها».
ذكر هنا ثلاثا ممن لا نفقة لهن، أولاهن: المختلعة، لأنها أعطت العوض لفراقه، لكن إن كانت حاملا حملا يلحقه؛ وجبت لها النفقة لدخولها في عموم الآية السابقة، والثانية: الملاعنة، لأن الطلاق بائن والتحريم مؤبد، وقد انتفى من الحمل باللعان، فإن كان اللعان لتهمة الزنا، أو استلحق الولد؛ لزمه الإنفاق عليها لأجل الحمل، ورجعت بالنفقة عليه إن لم يكن قد فعل، والثالثة: المتوفى عنها لا نفقة لها، ولا سكنى، لأن المال بالموت صار للورثة، إلا أن تكون مدخولا بها، والدار للميت، أو كان نقد كراءها في حياته، فتجب لها السكنى، وتكون أحق من الورثة والغرماء، أما قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فإن ظاهره وجوب السكنى للمتوفى عنها، لكن الجمهور على نسخه، وقال ابن عباس ﵄ إنه منسوخ بآية الميراث: بما فرض الله لها من الربع، والثمن، ونسخ أجل الحول أن جعل أربعة أشهر وعشرا»، رواه أبو داود (٢٢٩٨) والنسائي.
وقد روى مالك (١٢٥٠) وأصحاب السنن وغيرهم (د/ ٢٣٠٠) و(ت/ ١٢٠٤) وصححه عن الفريعة بنت مالك قالت: «خرج زوجي في طلب أعلاج له، فأدركهم في طريق القدوم، فقتلوه فأتاني نعيه، وأنا في دار شاسعة من دور أهلي، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي، ولم يدع نفقة ولا مالا لورثته، وليس المسكن له، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني،
[ ٣ / ٣٠٠ ]
قال: «تحولي»، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي، فدعيت، فقال: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله»، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا»، وأمر النبي ﷺ لها بالمكث مع أنه لا بيت لزوجها يدل بالأولى على مكثها لو كان لزوجها بيت، قاله الغماري في مسالك الدلالة.
[ ٣ / ٣٠١ ]
لا تخرج المرأة المطلقة والمتوفى عنها من بيتها خروج نقلة
• قوله:
١٩ - «ولا تخرج من بيتها في طلاق، أو وفاة؛ حتى تتم العدة، إلا أن يخرجها رب الدار، ولم يقبل من الكراء ما يشبه كراء المثل؛ فلتخرج، وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة».
تقدم بيان من تجب لها السكنى من المطلقات وهي كل مطلقة مدخول بها كيفما كان الفراق بطلاق أو بفسخ على المذهب، وقد بين هنا أنها لا تخرج من بيتها حتى تنقضي العدة من الطلاق أو الوفاة، والمقصود من الخروج المنفي خروج الانتقال، والمبيت في غير الدار التي تقيم فيها، لا الخروج المشروع في النهار لقضاء الحوائج، على أن تخرج في الأوقات المأمونة، ومكث المرأة في بيتها سواء كانت ذات بعل أو أيما تشترك فيه النساء قاطبة، لقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣] قالوا: ويجب على الإمام أن يرجع من خرجت خروج نقلة إلى بيتها، ولو اقتضى ذلك تأديبها!!، وقد روى مسلم (١٤٨٣) عن جابر ابن عبد الله قال: «طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي ﷺ فقال: «فجدي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي او تفعلي معروفا»، وقول المؤلف مستثنيا: إلا أن يخرجها،،، يعني أن مالك الدار المكتراة إذا أخرج المتوفى عنها، أو غالى في ثمن الكراء، ولم يقبل منه ما هو مقارب لما تعورف عليه من قيمة كراء مثلها؛ جاز للمرأة الانتقال إلى دار أخرى تقيم فيها، ولا تنتقل عنها حتى تنقضي العدة، فإن قبلت ما فرضه صاحب الدار ولو مرتفعا؛ فلها ذلك.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
ترضع المرأة ولدها ما كانت في العصمة
• قوله:
٢٠ - «والمرأة ترضع ولدها في العصمة، إلا أن يكون مثلها لا يرضع».
غذاء الطفل إلى تمام الحولين ليس كغذائه فيما بعد، لذلك من الله عليه بأن جعل له ثدي أمه وعاء يحوي غذاء لا يدانيه من الأغذية غيره، فلا حاجة به إلى حفظ، ولا إلى تبريد أو تسخين، في أي فصل من فصول العام، والأطباء يؤكدون أن لا شيء من الأغذية والألبان يوائم الطفل مواءمة لبن أمه له، وأنت ترى كيف أن الرضاعة الصناعية يغير فيها اللبن بحسب سن الرضيع تغييرا قد يصل إلى ثلاث مرات، على أن يفصل بين الأنواع بفترة لا يعطى فيها الرضيع لبنا، ولعلك تلحظ أن قلة الرضاعة الطبيعية في هذا العصر رافقها كثرة أمراض الأطفال، وأمراض النساء من أثدائهن بهذه الأورام الخطيرة التي غالبا ما تنتهي باستئصال الثدي، وحسبنا من ذلك أن ربنا ﷾ قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا ليس مجرد تقرير للواقع، بل هو تشريع من رب العالمين خرج في صورة الخبر تأكيدا له، وحض للنساء أن لا يكون طلاقهن سببا في إهمال أولادهن وعدم العناية بهم.
وقد ذكر المصنف أنه يجب على المرأة أن ترضع ولدها متى كانت في العصمة، وذلك يشمل غير المطلقة، ومن طلقت طلاقا رجعيا، وليس لها أجر نظير ذلك، قال أبو الحسن: لأن عرف المسلمين على توالي الأعصار، في سائر الأمصار جار على أن الأمهات يرضعن أولادهن، من غير طلب أجرة على ذلك»، انتهى، وهذا الذي استدل به من القوة بموضع، فأما قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فهو عام، وكونه في
[ ٣ / ٣٠٣ ]
اسنثناء الإمام مالك الشريفة من لزوم الإرضاع
سياق الطلاق حيث أوجب الرزق والكسوة نظير الرضاع، ونهي كل من الزوجين عن مضارة الآخر، وذكر التراضي على الفصال، وهي أمور ليست مما يحدث بين الزوجين دون طلاق، هذا لا ينافي ذلك العموم.
فإن كانت الزوجة من لا يرضع مثلها لمرض، أو قلة لبن؛ فإن ذلك يكون في مالها، قالوا لأنها لما وجب عليها الأصل؛ وجب عليها البدل، وفي هذا نظر، ثم وقفت على كلام الشيخ زروق يجعل ذلك في مال الوالد، قالوا فإن لم يكن لها مال؛ فمن مال الأب، وإلا فمن مال الابن، هكذا قرره الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته، والذي يظهر تقديم مال الابن على مال الأب، وهو في تفسير القرطبي للآية المذكورة.
واعلم أن مالكا ﵀ قد انفرد بالقول إن المرأة إذا كان مثلها لا يرضع لشرفها وقدرها؛ فلا يتعين عليها أن ترضع ولدها، وعمدة الإمام في هذا الذي قاله مراعاة المصلحة والعرف المنزل منزلة الشرط، كما قال ابن العربي، وقد تقدم نظيره على إحدى الروايتين في تزويج الدنية بالولاية العامة، وأقول إن كان المقصود أن ذلك يزري بالمرأة ذات المكانة ويشق عليها أو دعوى أن الرضاع يذهب بجمال ورشافة ثدييها، فليس بمتجه، فقد تبين أن في إرضاع المرأة ولدها حفظا لصحتها كما سبق.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
استحقاق المرأة المطلقة الأجرة نظير إرضاع ولدها
• قوله:
٢١ - «وللمطلقة رضاع ولدها على أبيه، ولها أن تأخذ أجرة رضاعها إن شاءت».
كلام المؤلف هذا يدل على أن أهل المذهب لا يحملون الوالدات في آية سورة البقرة على العموم كما تقرّر سابقا، اللهم إلا أن يكون المقصود منها أحقية الأم في رضاع ولدها، لا وجوب ذلك عليها، فهذا لا بأس إذا حمل معه لفظ الوالدات على العموم، لكنهم يقولون بوجوبه عليها في العصمة، ودليل ما ذكره هو قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ومعنى كلامه أن المطلقة طلاقا بائنا، أو رجعيا مع خروجها من العدة؛ ترضع ولدها أيضا، لكن إن اشترطت الأجرة على ذلك؛ أجيبت إلى طلبها، ويقضى لها بإرضاع ولدها، ولو قال الوالد عندي من ترضعه بلا أجرة، أو بأقل من أجرة المثل، لكنها إن طلبت أكثر من أجرة المثل؛ فالخيار للوالد بين تركها ترضع ولدها، أو استرضاع غيرها، والظاهر أن أهل المذهب يرون أن الرضاع يكون تارة حقا على الأم وذلك فيما إذا كانت في العصمة، وتارة حقا لها كما هو الأمر هنا، ولا مانع من القول إن الرضاع حق لها، كما أنه حق عليها باستمرار، ما لم يمنع من ذلك مانع شرعي كحالة تزوجها، لقول النبي ﷺ: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، فإنه من البعيد أن تمنع الحضانة، ثم تلزم الرضاع، ولا ينافي أنه حق عليها أن تأخذ أجرها، فإنها حينئذ تكون كأم موسى ترضع ابنها، وتأخذ أجرها، ولا يصح أن نرتب على أنه حق لها ثبوت الأجرة، ولا على أنه حق عليها سقوط الأجرة كما ذهب إليه الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
الحضانة والحكمة منها
أحقية الأم في حضانة ولدها ما لم تتزوج
• قوله:
٢٢ - «والحضانة للأم بعد الطلاق إلى احتلام الذكر، ونكاح الأنثى، ودخول بها».
الحضانة مما لم يترجم له المؤلف، لكنها تابعة للنفقة كالرضاع، فساغ بذلك إدماجهما معها، وهي بفتح الحاء وكسرها كالحضارة تلتقي مع الحضن في المادة، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، لأن الحاضن يضم المحضون إليه، ويقال حضن الطائر بيضه؛ إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه، ولا يختلف معنى الحضانة عند الفقهاء عن هذا، فإنها الكفالة والتربية والقيام بأمور المحضون ومصالحه لعجزه عن القيام بذلك، وقد اعتنى بها الشرع عناية خاصة صيانة للصغار من الضياع، ومتى لم يكن للصغير ولي كانت حضانته من فروض الكفاية، إذ أجمع المسلمون على وجوب كفالة الأطفال الصغار، لأنهم خلق ضعيف مفتقر لكافل يربيهم، لكن ذلك لا يتعين إلا على الأب والأم في زمان رضاعه، وما قيل في أحقية الأم في الرضاع يقال هنا، والحضانة تكون على أحسن ما يرام إذا كان الوالدان مجتمعين، فإن تفرقا جاء زمان النزاع في الأحقية، فتدخل الشرع لإزالة الخلاف.
ومتى حصل الطلاق؛ كانت الأم أحق بحضانة ولدها من غيرها، لما هي عليه من مزيد الإشفاق والحنان، ما لم تتزوج، وقد ذكر الله تعالى مدة الفصال مع مدة الحمل فقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا (١٥)﴾ [الأحقاف: ١٥].
ولما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، رواه أحمد وأبو داود (٢٢٧٦)، قالوا: فإذا نكحت؛ فلا يسقط حقها حتى يدخل بها، وهو قيد مفتقر إلى دليل، ومعتمده المعنى، وهو اشتغالها عن ولدها بالزوج، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص هذا قد اعتمد عليه أئمة
[ ٣ / ٣٠٦ ]
شروط استحقاق الحضانة
المذاهب الأربعة في هذا الحكم الذي لم يأت فيه حديث غيره كما قال بعض العلماء، ومع ذالك ينبري للطعن في السند الذي جاء في هذا الحديث بعض الصغار كي يعطوا المشروعية للنهي الوارد عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة بهذا السند متابعين أهل الأهواء والجهال، مساندين لهم، غير مكتفين بالمخالفة العملية التي قد يعذرون فيها إن أحسنوا التعامل معها، فإلى الله المشتكي.
ولكي يستحق الشخص ذكرا كان أو أنثى الحضانة حسب الترتيب الذي سيأتي ذكره ينبغي أن تتوفر فيه شروط، وهي أقسام ثلاثة مشتركة بين الذكر والأنثى وهي العقل، وعدم العجز عن القيام بشؤون المحضون، وكون منزله حرزا بالنسبة إلى الأنثى، وأن يكون مأمونا في دينه، وأن يكون رشيدا، وأن لا يكون به مرض يخشى انتقاله للولد، ولا يشترط الإسلام، وفيه نظر، والقسم الثاني الخاص بالذكر، وهو أن يكون عنده من يحضن الطفل من زوجة أو خادم، وأن يكون من عصبة المحضون، والثالث هو المختص بالأنثى أن تكون خالية من زوج، وإنما كان النكاح مسقطا لحق الأم فضلا عن غيرها في الحضانة لأنها تشتغل بشؤون زوجها وقد يؤدي ذلك إلى الإخلال بما ينبغي للصغير من كمال الرعاية والعناية، ولذلك قيدوا كون الزواج مسقطا بما إذا لم يكن الزوج محرما للمحضون، ولو لم يكن له حق في الحضانة كالخال، فضلا عن كونه وليا للمحضون كابن العم، وهكذا إذا لم يقبل غيرها، أو لم يوجد من يرضعه عند من تستحق الحضانة.
أما أن الحضانة تستمر إلى أن يبلغ الذكر، وتتزوج الأنثى، ويدخل بها زوجها؛ فلأن ذلك هو زمان بلوغ الذكر مبلغ الرجال، واستغناء الأنثى عن غيرها بدخولها تحت رعاية زوجها، فتتم لها الصيانة والحفظ، لكن جاء ما يدل على تخيير المحضون متى بلغ سن التمييز في الحديث الذي رواه أبو داود (٢٢٧٧) عن أبي هريرة وفيه قول النبي ﷺ للزوجين «استهما عليه»، فقال أبوه: من يحاقني في ولدي؟، فقال النبي ﷺ: «هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت»، فأخذ بيد أمه فانطلقت به»
[ ٣ / ٣٠٧ ]
ترتيب مستحقي الحضانة
• قوله:
٢٣ - «وذلك بعد الأم إن ماتت أو نكحت؛ للجدة، ثم للخالة، فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد؛ فالأخوات والعمات، فإن لم يكونوا؛ فالعصبة».
متى سقطت حضانة الأم لفقد شرط، أو لم تكن موجودة؛ كان الأحق بالحضانة أم الأم، ومثلها أم أبي الأم، فمراد المؤلف بالجدة الجدة من جهة الأم، وهي تشمل جهتي الإناث والذكور، وإن كانت الأولى مقدمة في الترتيب، ثم الخالة، ثم خالة الخالة، ثم عمة أم المحضون، وعمة خالته، ثم الجدة من جهة أبيه، ثم الأب، ولعل المؤلف لم يذكر بعض هذا لاكتفائه بالإشارة إلى كثير مما تقدم بقوله قبل ذكر مرتبة الأخوات: فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد،،، ويأتي بعد الأب الأخوات، وتقدم الشقيقة، ثم التي للأم، ثم التي للأب، ثم العمات، وهن أخوات أبيه، وأخوات أب أبيه، ثم الخالات من جهة الأب، سواء كن أخوات أم الأب، أو أخوات أم أم الأب، ثم بنات الأخ شقيقا أو لأب أو لأم، ثم بنات الأخت شقيقة أو لأب أو لأم، فإن لم يكن فالعصبة، وهم الإخوة والأعمام ويقدم الشقيق على الذي للأب، ولا حضانة لأخ لأم عندهم.
وقد روى الشيخان عن البراء بن عازب أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقال علي: «أنا أحق بها هي ابنة عمي»، وقال جعفر: «بنت عمي، وخالتها تحتي»، وقال زيد: «ابنة أخي»، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: «الخالة بمنزلة الأم»، فلا نص يرجع إليه في تقديم من عدا الأم والخالة إذ جعلت في منزلة الام ثم الأب لما في قوله ﷺ: «أنت أحق به» أي منه، قاله الشوكاني، غير أنه لما قدم الشرع الأم على الأب، دل ذلك على اهتمامه بتوفير الإشفاق والحنان والرعاية للطفل، فهي المعتبرة في ذلك، ولهذا قدموا الأقارب من جهة الأم على الأقارب من جهة الأب، لكن متى علم عدم ملاءمة الحاضن
[ ٣ / ٣٠٨ ]
للمحضون كعدم إشفاقه عليه أو وجود عداوة بينه وبين والده، يخشى على المحضون منها؛ روعي ذلك، وترك من كان مستحقا بحسب الترتيب المتقدم، فإن المراعى في الحضانة الحقان حق الحاضن، وحق المحضون، وعند التعارض يقدم حق المحضون كما علمت في سقوط حضانة الأم بالزواج.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
الذين يجب على المرء الإنفاق عليهم
• قوله:
٢٤ - «ولا يلزم الرجل النفقة إلا على زوجته كانت غنية، أو فقيرة، وعلى أبويه الفقيرين، وعلى صغار ولده الذين لا مال لهم، على الذكور حتى يحتلموا، ولا زمانة بهم، وعلى الإناث حتى ينكحن، ويدخل بهن أزواجهن، ولا نفقة لمن سوى هؤلاء من الأقارب».
المراد بالنفقة ما يلزم من أكل وشرب وكسوة ومسكن بالمعروف، وقد حض الشرع على الإنفاق مطلقا، حتى جاء في الحديث القدسي «أنفق يا ابن آدم؛ أنفق عليك»، وهو في الصحيح عن أبي مسعود الأنصاري، وامتدح الله تعالى التوسط في الإنفاق من غير تبذير ولا تقتير، كما تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩]، وفي الحديث: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار»، أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، وإنما شرع من إنفاق التطوع ما كان فضلا كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)﴾ [البقرة: ٢١٩]، والمطلوب أن يبدأ المنفق بمن يعول، ولذلك كان النبي ﷺ يدخر لأهله قوت سنة، لكن إذا ألم به صاحب الحاجة أعطاه وعوضهم، وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير اشتراه منه إلى أجل، والمطلوب في الإنفاق بعد ذلك الأقارب، فإن الإنفاق عليهم صدقة وصلة.
وأسباب وجوب النفقة ثلاثة: القرابة والنكاح والملك، فالزوجة يجب الإنفاق عليها ولو غنية إذا دخل بها، أو دعي إلى الدخول، وثمة قيود أخرى منها أن يكون الزوج بالغا،
[ ٣ / ٣١٠ ]
وأن تكون الزوجة مطيقة للوطء ممكنة من الدخول بها، وأن لا يكون أحد الزوجين مشرفا على الموت، وفي هذه الشروط ولا سيما الأخير نظر، ودليل وجوب الإنفاق على الزوجة؛ قول رسول الله ﷺ في خطبة حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف،،،»، رواه مسلم عن جابر من حديث طويل، ولقول النبي ﷺ لهند بنت عتبة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، وفيه دليل على لزوم إنفاق الرجل على زوجته وولده، ولولا أن ذلك واجب عليه؛ ما جوز لها أن تأخذ من ماله ما يكفيهم بالمعروف من غير إذنه.
وأما الوالدان الفقيران ولو كافرين؛ فلأن الله تعالى أمر بالإحسان إليهما، والإنفاق عليهما بسد حاجتهما يأتي على رأس ذلك، وإذا لم يدخل في الإحسان إليهما هذا؛ فأين الإحسان الموصى به كما قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا (٨)﴾ [العنكبوت: ٨]، ولأن الله تعالى ذكرهما في مقدمة من ينفق عليهم إذ قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥].
والنوع الثالث الإنفاق على الأولاد الصغار الذين لا مال لهم، أما الذكور؛ فحتى يبلغوا قادرين على الكسب، ويجدوا ما يكتسبون فيه، والمراد بالزمانة بفتح الزاي في كلام المؤلف المرض والآفة التي تمنع الاكتساب والعمل، وأما أجل الإنفاق على الإناث؛ فحتى يدخل بهن أزواجهن، البالغون الموسرون، أو يدعون إلى الدخول فيمتنعون، ومن الأدلة على ذلك ما في حديث هند بنت عتبة، ومنها ما في كتاب الله تعالى من إيجابه سبحانه أجرة الإرضاع على الوالد وقد تقدم، وهذا وإن كان خاصا بزمن الرضاع؛ فإن العلة بعده موجودة، وهي عدم القدرة على الكسب والعمل، فيكون الأمد المضروب هو البلوغ قطعا للنزاع، ولعل في هذا ما يكمم أفواه دعاة حقوق الطفل والمانعين من استغلال الأطفال في الحروب والأعمال في هذا العصر، وقد رد النبي ﷺ عبد الله بن عمر، ولم يأذن له في القتال لكونه كان صغيرا، ثم أذن له بعد، وعمره خمس عشرة سنة، ومن ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، عندي دينار، قال:
[ ٣ / ٣١١ ]
أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على ولدك»، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك»، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أعلم»، وهذا الترتيب مراعى عند شح النفقة وضيقها، وقد يؤخذ من الحديث التطليق بالإعسار، لأنه إذا ضاق العيش قدم الأولاد على الزوجة فتطلق عليه، كما يؤخذ منه بيع العبيد على السيد إذا لم يجد ما ينفق عليهم، وقد صح عن أبي هريرة ﵁ (خ/ ٥٣٥٥) قوله: «تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني»؟.
أما أنه لا يجب على المرء أن ينفق على من عدا هؤلاء من الأقارب كالأجداد، والإخوة، وغيرهم؛ فلأن «النفقة إنما تجب ابتداء، لا انتقالا، ونفقة الجد لازمة للابن، فلا تنتقل إلى بنيه، ونفقة أولاد الأولاد لازمة لأبيهم، فلا تنتقل إلى جدهم»، هكذا علل أبو الحسن، والإنفاق على من عد الأولاد والأبوين من الأقارب إنما هو من باب صلة الرّحم.
[ ٣ / ٣١٢ ]
يخدم الزوج زوجته إن كان موسرا
• قوله:
٢٥ - «وإن اتسع؛ فعليه إخدام زوجته».
الأصل في هذا أن تترك المشاحة والمضارة معا، فأما المشاحة؛ فلأنها لا تستقيم علاقة المتساكنين معها، فكيف بالزوجين؟، وأما المضارة فقواعد الشريعة تمنعها، والمؤلف بين أن الزوج إذا كان ذا سعة بحيث يمكنه توفير من يخدم زوجته الشريفة التي لم تجر العادة باستخدامها؛ وجب عليه ذلك، إما بأن يتولى الخدمة بنفسه!!، أو يؤاجر من يقوم بها، لكنها لا تطلق عليه بعجزه عن توفير من يخدمها ولو كانت ذات شرف في رواية أصبغ وابن الماجشون عن مالك، لأنها دخلت على ذلك، فيلزمها حينئذ الخدمة الباطنة كالطبخ والعجن، بخلاف الخدمة الظاهرة كالطحن، وسقي الماء، إلا أن تطوع، أو تكون هناك عادة، فتحمل عليها، لأن العادة المقررة كالشرط كما تقدم في الرضاع، وقد استدل على وجوب إخدام الزوجة بأن ذلك من جملة المعروف الذي أمرنا أن نعاشر الأزواج به في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (١٩)﴾ [النساء: ١٩]، وفي هذا الاستدلال نظر، ومن الأدلة على أن المرأة تخدم زوجها حديث علي أن فاطمة ﵄ أتت النبي ﷺ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: على مكانكما، فجاء فقعد بيني وبينها، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما؟، إذا أخذتما مضاجعكما، أو أويتما إلى فراشكما؛ فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم»، رواه البخاري، ويدل الحديث على أن ذكر الله تعالى مما تتيسر معه الأعمال، وتخف بسببه الأتعاب، لاستيقان الذاكر أن ذلك تعب مؤقت، زواله قريب، وأن هم المؤمن الرغب في ثواب الآخرة، لا مجرد الراحة في الدنيا، ووجه الدلالة أنه لو كان واجبا على الزوج إخدام زوجه لألزم النبي ﷺ عليا بذلك، وكيف
[ ٣ / ٣١٣ ]
لا يلزمه وقد أثرت الرحى في يديها وجاءته تشكو فلم يُشكها؟، وقد علمت أنه ألزمه بتقديم بعض الصداق إذ لم يمكنه من الدخول بها حتى أعطاها درعه الحطمية، مع أن تقديم الصداق على الدخول ليس واجبا بنص القرآن، وظواهر القرآن تدل على عدم وجوب إخدام الزوجة من ذلك قوله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٥]، وكيف يكون ذلك واجبا على الرجل وهو مكلف بإطعامها وكسوتها وإيوائها، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فما الذي يبقى على المرأة بعد إسقاط خدمة زوجها عنها، متى كان ذلك بالمعروف ومن غير مشقة، فضلا عن إيجاب خدمتها عليه؟.
[ ٣ / ٣١٤ ]
وجوب الإنفاق على العبيد
• قوله:
٢٦ - «وعليه أن ينفق على عبيده، ويكفنهم إذا ماتوا».
هذا هو السبب الثالث من أسباب لزوم الإنفاق، ويدل علاه ما تقدم من حديث الرجل الذي ذكر ما عنده من الدنانير، فبين له النبي ﷺ أن من جملة من ينفق عليهم الخادم، ومن ذلك قوله ﷺ: «من كان أخوه تحت يده؛ فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس»، الحديث، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق»، رواه أحمد ومسلم، أما مؤونة تجهيز العبد إذا مات؛ فلأن العبد لما لم يكن له مال؛ كان ذلك في مال سيده، ولأن التجهيز من توابع النفقة وهي واجبة على السيد، فيكون تابعها مثلها.
[ ٣ / ٣١٥ ]
الخلاف في كفن الزوجة على من يكون
• قوله:
٢٧ - «واختلف في كفن الزوجة، فقال ابن القاسم في مالها، وقال عبد الملك في مال الزوج، وقال سحنون إن كانت ملية؛ ففي مالها، وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج».
وجه قول ابن القاسم أن الكفن من توابع النفقة، وهي إنما كانت لمعنى زال بالموت، والتابع يعطى حكم المتبوع، ووجه قول عبد الملك بن حبيب، أو ابن الماجشون؛ أن الزوجية ما زالت قائمة، بدليل تقديم كل من الزوجين في تغسيل الآخر، أما قول سحنون؛ فإن اشتراط كونها ملية قد يكون مرادًا في القول الاول، وإلا فكيف يكون في مالها، ولا مال لها؟، وأوْلى الأقوال الثلاثة وأقيسها قول عبد الملك، والله أعلم، وأحكم.
[ ٣ / ٣١٦ ]