حاجة الناس ماسة إلى التعاون لتحصيل المنافع، بل إن ذلك معروف عن كثير من الحيوانات، ولهذا يقع التناصر والتحالف ويقع التبايع والتبادل، فالإنسان مدني بطبعه كما قيل، محتاج إلى أن ينتفع بما عند غيره من الأعيان والمنافع فهو خادم لغيره، وغيره خادم له من غير أن يشعرا:
الناس للناس من بدو وحاضرة … بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
وسبيل انتقال الأملاك والمنافع إما محرم أو غيره، فالمحرم كالسرقة والغصب والقمار والربا، وغيره قسمان أولهما ما كان بعوض، والأصل فيه الاختيار، وقد يشرع إكراه المالك عليه كما في بعض صور الاحتكار والدَّيْن والإفلاس وعدم الإنفاق على من يلزم الإنفاق عليه، والثاني من وجهي انتقال الملك ما كان بغير عوض، وهو نوعان واجب وغير واجب، ويدخل في الأول الزكاة، والكفارات، والدية، وصَدُقات النساء، والإنفاق على الوالدين والزوجة والأولاد، والميراث، وغير الواجب كصدقة التطوع والهبة والهدية والصدقة والوقف والعارية والمنيحة والرقبى والعمرى.
ولما كان ما عدا البيع مما هو سبب في نقل الملك والمنفعة لا يفي بحاجات الناس على وجهها لأنه موكول إلى اختيار الفاعل وأريحيته، والنفوس يغلب عليها الشح، ولأن فيه المنة التي قد لا يتحملها بعض الناس شرع الله تعالى انتقال المنافع والأعيان بعوض، ولضبط ذلك كان لا بد من عقد ينتظم شرائط نقل الملك والمنفعة كي يتما على الوجه الذي يحقق للطرفين المصلحة ويجنبهما المفسدة، والمعقود عليه لا يخرج عن أن يكون مالا بمال، أو مالا بمنفعة، أو منفعة بمنفعة، قال ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٨١): «العقود التي فيها نوع معاوضة وهي غالب معاملات بني آدم التي لا يقومون إلا بها سواء كانت مالا بمال، كالبيع، أو منفعة بمال كالإجارة، والجعالة، وقد يدخل في
[ ٣ / ٣١٧ ]
البيع أوسع سبل هذا الانتقال
لزوم الاهتمام بأحكام الشرع في التجارة
تفاوت المسلمين فيما يجب عليهم من العلم
أثر لعمر في لزوم تفقه التاجر
المسألة الإمارة والتجنيد، ونحو ذلك من الولايات، أو كانت منفعة بمنفعة كالتعاون والتناصر ونحو ذلك تنقسم أربعة أقسام:
- فإنها إما أن تكون مباحة من الجانبين كالبيع والإجارة والتعاون على البر والتقوى.
- وإما أن تكون حراما من الجهتين، كبيع الخمر بالخنزير، والاستئجار على الزنا بالخمر، وعلى شهادة الزور بشهادة الزور.
- وإما أن يكون مباحا من إحدى الجهتين حراما من الأخرى، وهذا القسم ينبغي لأهل الإسلام أن يعلموه، فإن الدين والدنيا لا تقوم إلا به، وأما القسم الأول وحده فلا يقوم به إلا دين ضعيف.
- وأما الثالث (الصواب الثاني) فتقوم به الدنيا الفاجرة والدين المبتدع، وأما الدين المشروع والدنيا السالمة فلا تقوم إلا بالثالث …، مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم، ورشوة الولاة لدفع الظلم، أو تخليص الحق وإعطاء من يتقى شر لسانه، أو يده، انتهى باختصار.
والبيع مما يتعين الاهتمام به ومعرفة أحكامه لعموم الحاجة إليه، إذ لا يخلو مكلف من بيع أو شراء، فيجب على المسلم أن يعلم حكم الله قبل التلبس بالفعل، ولا يصح أن يكون همه الحصول على السجل التجاري مع ظنه أَنَّ ذلك كاف في تأهله لأن يغدو تاجرا، ولا عبرة بقول من قال يكفي المرء ربع العبادات، بل مرد هذا إلى قول النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، رواه الطبراني عن ابن مسعود، وابن عدي عن أنس، وهو في صحيح الجامع للألباني، والعلم الواجب إما أن يشترك الناس في وجوبه كالصلاة والصوم، أو يُطَالَبُ به من أراد فعل ما يتوقف عليه، والتاجر أولى من غيره بتعلم أحكام البيع، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: «لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين»، رواه الترمذي (٤٨٧) في كتاب الوتر من جامعه، وقال حسن غريب، ولعله لا يريد عموم التفقه، بل خصوص التفقه في أحكام التجارة، بعد معرفة ما يشترك المسلمون في وجوب معرفته من أمور دينهم، وتولي المسلم شراء ما يحتاجه بنفسه خير له لجملة من الأمور، منها أن ذلك أبعد له عن البيوع المخالفة للحق، ولكي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولاسيما في التجارة، ولأن فيه من التواضع ما لا يخفى، والله أعلم.
[ ٣ / ٣١٨ ]
رسالة شعيب ﵇
قال الشيخ أبو سعيد بن أحمد - حفظه الله - في طالع كتابه أحكام البيع وآدابه: «وقد فشت التجارة في هذه الأيام وانتشرت كما أخبر بذلك النبي ﷺ حيث قال: «إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تشارك المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم»، رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه وأقره الذهبي عن عبد الله بن مسعود، وهو في الصحيحة للألباني، وقابل فشو التجارة عدم مبالاة الناس من أين يكتسبون المال من حلال أم من حرام بسبب حب الدنيا والمسارعة إلى جمع المال مع إهمال التفقه في الدين عامة، وفي فقه المعاملات خاصة، وقد قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال: أمن حلال، أم من حرام»، رواه أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي هريرة»، انتهى ببعض تصرف في التخريج.
وقال سحنون في المدونة (٣/ ٩٤): «وقد كره مالك أن يكون النصارى واليهود في أسواق المسلمين لعملهم بالربا واستحلالهم له، ورأى أن يقاموا من الأسواق»، انتهى، فأين نحن من هذا، والمسلمون هم الذين يتعاملون بالربا من غير نكير، إن لم يكن ذلك بالتشجيع و(التشريع)، وفي الموطإ (١٣٨٢) عن يحي بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: «إذا جئت أرضا يوفون المكيال والميزان فأطل المقام بها، وإذا جئت أرضا ينقصون المكيال والميزان فأقلل المقام بها»، انتهى.
وقد بعث الله تعالى نبيه شعيبا ﷺ فكان من جملة ما بعث لأجله بعد توحيد الله تعالى ما قاله لقومه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ [هود: ٨٤]، وقد اعتبر قومه ذلك حجرا على حريتهم وتضييقا لأوجه استغلال أموالهم باستعمال ذكائهم وتحايلهم، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ [هود: ٨٧]، فاحتجوا بأمرين تقليدهم سلفهم في عبادة غير الله، وحريتهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاؤون، وفساد هذا العالم ولا سيما في هذا العصر راجع إلى هذين الأمرين، ولما كانوا
[ ٣ / ٣١٩ ]
البيوع وما شابهها
إنما أرادوا بهذا الوصف الاستهزاء به والتعريض بسفهه -حاشاه- أجابهم بقوله: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]، قال القاضي البيضاوي ﵀: «ولهذه الأجوبة على هذا النسق شأن، وهي التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها حق الله تعالى، وثانيها حق النفس، وثالثها حق الناس،،،»، انتهى.
والبيع مصدر باع يبيع، ويقال ابتاع أيضا، ولما كان البيع نقلا للملك كان لفظه صالحا لأن يراد به إدخال الشيء في الملك وإخراجه منه، فهو من الأضداد، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ [يوسف: ٢٠]، أي باع يوسفَ إخوته بثمن قليل، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]، ولذلك يقال للطرفين في عقد البيع البائعان والبيعان، بشد الياء مكسورة، لكن العرف الشائع جار على التفريق بينهما، وقيل إن لغة قريش استعمال باع إذا أخرج، واشترى إذا أدخل، نسبه في مواهب الجليل للزناتي في شرحه للرسالة، قال كاتبه: قد يقبل هذا التفريق إذا كان أحد العوضين نقدا، فيكون باذله مشتريا وآخذه بائعا، لأن النقود لا تراد لذاتها، أما إن كان مقايضة فكل من البيعين مُدخل ومُخرج.
وقد تكلم المؤلف في البيوع على ما شاكلها، أي شابهها، ووجه المشابهة بين البيع والإجارة مثلا أن كلا منهما عقد على شيء يقابله عوض، لكن العوض في البيع عين، وفي الإجارة منفعة، والذي شابه البيوع هنا عشرة أشياء تعرض لها المؤلف وهي الإجارة والجعل والكراء والشركة والقراض والساقاة والمزارعة والعارية والجوائح وتضمين الصناع.
ويحسن أن يقدم بين يدي كلام المؤلف بعض ما يفتقر إلى معرفته في هذا الباب من تعريف البيع، وبيان أقسامه، وذكر حكمه، وسرد أركانه، فإن المؤلف لم يتعرض لشيء من ذلك، وقد جريت على التوسع في بيان أقسام البيع وذكر أركانه للحاجة إليه.
فأما تعريفه فقد قيل إنه لا حاجة إليه، فإن كل الناس حتى الأطفال يعرفونه، ونصره
[ ٣ / ٣٢٠ ]
تعريف البيع
خليل في التوضيح، ولذلك لم يتعرض لتعريفه في مختصره، بل ابتدأ بذكر أركانه، وخاض معظم متأخري الفقهاء في تعريفه، فقيل: «دفع عوض في عوض»، وهذا يتناول البيع المشروع وغيره، وقد اختلف في تسمية الفاسد بيعا، وتصرفات الفقهاء تدل على إطلاقهم ذلك عليه، ولأن الأحاديث جاءت بالنهي عن بيوع معينة، ويقال في البيع المشروع: «نقل الملك بعوض بوجه جائز»، وهو غير مانع عند أهل المذهب، فإن للبيع عندهم إطلاقين أعم وأخص، وتعريفه الأعم عند ابن عرفة هو: «عقد معاوضة على غير منافع ولا منفعة لذة»، فقوله معاوضة، أي مشتمل على معاوضة من الجانبين، فخرج العقد الذي لا معاوضة فيه من أحدهما كالهبة والصدقة، وخرج بقوله غير منافع …، الخ، الكراء والإجارة والنكاح، ودخلت هبة الثواب والصرف والمراطلة والسلم، ويظهر أن لا حاجة لقيد منفعة لذة، فأين النكاح من الإجارة؟، هذا مما يستبشع.
أما تعريفه الأخص فيزاد فيه على ما تقدم: «ذو مكايسة، أحد عوضيه ليس ذهبا ولا فضة، معينٌ غير العين فيه»، فخرج بقوله ذو مكايسة هبة الثواب لأنها ليس فيها مشاحة، فإنه متى أعطاه المقابل تعين أخذه، والمراد أن شأن البيع المراجعة: يطلب هذا الزيادة، ويطلب الآخر النقص، فلا يضر تخلف المكايسة في بعض أفراد البيع كما سيذكر بعد، والمكايسة هذه وهي مشروعة لا تعني المضاجرة بكثرة المراجعة وطلب خفض الثمن من المشتري، والتغالي فيه من جهة البائع، فإن السماحة مطلوبة في البيع وغيره، قال رسول الله ﷺ: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، رواه البخاري (٢٠٧٦) عن جابر ﵁، ورواه مالك (١٣٨٢) عن يحي بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر يقول فذكر نحوه، والسمح السهل، ومعنى اقتضى، طلب قضاء حقه، وخرج بقوله أحد عوضيه ليس ذهبا ولا فضة الصرف والمراطلة والمبادلة، فإنها بيع لكن لها أحكام مختصة، وستذكر بعد، وخرج بقوله معين غير العين فيه بيع السلم فإن غير العين فيه وهو العرض ليس معينا، بل يكون في الذمة.
فإن قيل: بيع الغائب داخل في التعريف، لأنه غير معين، فالجواب: أنه معين موصوف، وليس كذلك بيع السلم.
[ ٣ / ٣٢١ ]
أنواع البيع باعتبارات مختلفة
باعتبار التقابض وعدمه
باعتبار طبيعة العوضين
باعتبار حضور العوضين وعدمه
وإنما جمع المؤلف البيع بالنظر إلى أنواعه، وذلك باعتبارات مختلفة:
أولها اعتبار تسلم العوضين وعدم تسلمهما، فإن تسلما فهو بيع النقد، وهذا هو الأصل في البيع لعدم شغل الذمة، فإن الشرع متشوف إلى ذلك، ولهذا اشترطه في بيع الذهب والفضة وسائر الربويات لما لها من الخصوصية في حياة الناس.
أما تأجيل أحد العوضين فجائز، وتحته قسمان: تأجيل الثمن، وهو البيع إلى أجل، وتأجيل المثمون، وهو بيع السلم، لكن هذا إنما يتضح فيما إذا كان أحد عوضيه نقدا، وإلا فكيف يعرف الثمن من المثمون؟.
وإنما يجوز تأجيل أحد العوضين إذا لم يكونا ربويين، أما تأجيلهما معا فلا يجوز كيفما كانا، لأنه بيع الدين بالدين، وهو الكالئ بالكالئ، إلا ما قاله أهل المذهب من جواز تأخير رأس المال في السلم بعض الوقت، وسيأتي بيان ما فيه، فهذا هو تقسيم البيع باعتبار الأجل.
أما بالنظر إلى حقيقة العوضين فهو أنواع ثلاثة:
١ - بيع مقايضة، وهو بيع السلعة بالسلعة غير النقد، أعني أن لا يكون العوضان ولا أحدهما نقدا، ومثاله أن يبيع كتابا بكرسي.
٢ - بيع عرض بعين، وهو الغالب على البيوع اليوم، فحري أن يسمى البيع المطلق لأنه هو الذي لا يشترط فيه شروط خاصة، ومثاله أن يبيع كتابا بثلاثة آلاف دينار.
٣ - بيع عين بعين، أعني نقدا بنقد وهو ثلاثة أقسام في المذهب:
ا - الصرف، وهو بيع الذهب بالفضة، وهو اليوم من النادر، ومثاله اليوم وهو الكثير الغالب في بيع النقد، بيع عملة بعملة أخرى، كبيع دولار أمريكي يثمانمائة دينار جزائري، اما الصرف العرفي فأمر آخر.
ب - المراطلة، وهي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة وزنا، ولا يوجد للمراطلة نظير في بيع العملات بعضها ببعض، لأن بيع العملات يكون بالعدد، لا بالوزن.
ج - المبادلة، وهي بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة عددا، وهي في المذهب جائزة بشروط سيأتي الكلام عليها إن شاء الله، فهذه هي أقسام البيع بالنظر إلى حقيقة
[ ٣ / ٣٢٢ ]
بيع الخيار وبيع البت
باعتبار طريقة تحديد الثمن
بيع الأمانة والمساومة والمزايدة
العوضين.
أما إن اعتبر في تصنيف البيع رؤية المثمن وعدم رؤيته فالبيع نوعان: بيع الحاضر، لأنه مرئي أو في حكم المرئي، وإلا فهو بيع الغائب المعين بالوصف، فإن لم يكن معينا فهو بيع السلم.
وإن كان الاعتبار بت البيع، بحيث لا يكون لأحدهما الخيار شرطا وعدم ذلك فهو نوعان أيضا:
ا - بيع على البت، والبت القطع، وهو الذي لا يكون فيه خيار لأحد الطرفين، ما لم يظهر فيه عيب فيكون فيه خيار العيب على ما سيأتي من التفاصيل، ولغير المالكية خيار المجلس، أعني ما لم يتفرق البيعان بالأبدان ولو تفرقا بالأقوال.
ب- بيع على الخيار وهو الذي يكون فيه للطرفين إمضاء البيع وعدم إمضائه في مدة محددة.
فإن كان الذي يراعى في التقسيم طريقة تحديد الثمن فهو أقسام ثلاثة: بيع أمانة، وبيع مساومة، وبيع مزايدة.
ا - ومعنى بيع الأمانة أن أحد المتعاقدين لا يعرف سعر المبيع فيأتمن صاحبه على ما يذكره من السعر، بأن يقول البائع للمشتري: اشتر مني كما تشتري من الناس، أو يقول المشتري للبائع: بعني كما تبيع للناس، ويسمى هذا أيضا بيع استئمان واسترسال، وتحته صور، فإن كان مع الزيادة على الثمن الأول، فهو بيع مرابحة، فالمرابحة إذن مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول مع زيادة، ويدخل فيه بيع التولية، وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان، ومنه بيع الوضيعة، وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه، ويمكن أن ندخل بيع الوضيعة في بيع المرابحة باعتبار أن المشتري قد ربح فيه، ومنه الإقالة، وهي الاتفاق بين العاقدين على التراد للثمن والمثمن كما هما، ومنه الشركة، أعني التشريك في المبيع، بأن يتنازل أحد لغيره عن جزء مما اشتراه في مقابل نفس الجزء من ثمنه، هذا هو بيع الأمانة وصوره، لكن ينبغي أن تعلم أن كلا من بيع التولية والشركة والإقالة هو بيع معروف ومكارمة، وأن بيع الأمانة قد يرجع في تحديد ثمن الشراء
[ ٣ / ٣٢٣ ]
فيه إلى البائع أو إلى المشتري لأن أحدهما يأمن الآخر على ذلك.
ب - النوع الثاني من كيفية تحديد الثمن بيع المساومة، ويتم هنا تحديد ثمن المبيع بالمكايسة، يذكر البائع سعرا والمشتري غيره، هذا يطلب الزيادة والآخر يطلب النقصان إلى أن يحصل الاتفاق على السعر، والمساومة ثابتة في أحاديث عدة، منها أن النبي ﷺ نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه، ومنها قوله ﷺ: «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا»، رواه البخاري (٤٢٨) من حديث أنس ﵁، أي اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي أراه»، قاله حين أراد أن يقيم مسجده على أرض لهم، وفيه دليل على أن رب السلعة من مالك أو وكيل أولى بالسوم من المشتري، ويجوز أن يذكر المشتري الثمن الذي يرغب في الشراء به.
ج - بيع المزايدة، ومعناه أن يعرض البائع سلعته فيعطى فيها ثمنا ما، فيلزم البيع من أعطاه ذلك الثمن إن رضي المالك، وإلا طلب الزيادة على السعر الأول، وهكذا إلى أن يقبل بثمن ما فيبيع به، وقد جاء في بيع من يزيد حديث جابر بن عبد الله في بيع النبي ﷺ لعبد مدبر أفلس مدبره، وهو في صحيح البخاري (٢١٤١)، وأصرح منه دلالة حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ باع حلسا وقدحا وقال: «من يشتري هذا الحلس والقدح»؟، فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال: «من يزيد على درهم»؟، فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه»، رواه أحمد وأصحاب السنن، وهذا لفظ الترمذي، وقال حسن، والحلس بكسر الحاء وسكون اللام هو الكساء الذي يلي ظهر البعير، كذا في النهاية، والقدح بفتح القاف والدال وعاء يؤكل فيه.
واعلم أن بيع المساومة والمزايدة جائزان اتفاقا في المذهب، وبيع المرابحة جائز بمرجوحية، ووجه ذلك احتياج البائع والمشتري إلى الصدق في بيان سعر السلعة وما أقل الصدق في التجار!!، والأكثرون على جواز بيع الاستئمان لثبوت الخيار للجاهل بالثمن إذا كذب عليه العالم به بأن غره، وقيل لا يجوز ويفسخ إن وقع متى كان المعقود عليه قائما، وإن فات رد مثل المثلي، وقيمة المقوم، والمثلي نحو القمح والشعير وكل ما له مثيل، والمقوم كالثوب والعبد، وفي الاختيارات لابن تيمية أنه باطل.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
حكم البيع
أصل التجارة الجلب لنفع الناس
وأما حكم البيع فإنه مباح، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لكن قال رسول الله ﷺ: «من باع دارا ولم يجعل ثمنها في مثلها، لم يبارك له فيها»، رواه ابن ماجة عن حذيفة وهو في الصحيحة برقم (٢٣٢٧)، ففيه دلالة على كراهة ذلك.
وإنما يذكر الدليل هنا للاعتبار، ولما تحمله النصوص المستدل بها من المنافع والأنوار، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ (٣٧)﴾ [النور: ٣٧]، فوصف المؤمنين بأنهم لا تلهيهم التجارة والبيع عن ذكره، لا أنهم لا يبيعون ولا يتاجرون، قال قتادة: «كان القوم يتاجرون، ولكنهم كانوا إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله»، انتهى، علقه البخاري، وقال تعالى بعد أن أمر بترك البيع حين النداء للجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، فانظر كيف أمر بالانتشار عند انتهاء صلاة الجمعة، لكنه عاب من انصرف إلى التجارة وترك ما هو مقدم عليها يفوت وقته، ووقتها لا توقيت فيه.
وقد خفف الله تعالى عن المؤمنين من قيام الليل بعد أن أمر به رسوله ﷺ فقامه، فاقتدى به أصحابه فنزل التخفيف رحمة بهم، وذكر التجار الذين يضربون في الأرض إلى جانب المرضى والمجاهدين في سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [المزَّمل: ٢٠]، وفي الآية أن الأصل في التجارة الجلب لنفع الناس لا مجرد الشراء والبيع، فيكون ذلك من أسباب الغلاء، وقد جاء في الحديث الضعيف: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»، رواه ابن ماجة عن عمر ﵁، والجالب الذي يسوق الشيء من موضع لآخر، وهو هنا يجلبه
[ ٣ / ٣٢٥ ]
الحكمة من مشي الرسل في الأسواق
التجارة من أفضل المكاسب
ليبيعه، فينفع الناس، فأصل التجارة الجلب، والمحتكر الذي يحتبس السلعة التي يحتاج إليها ليحصل على سعر أعلى.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقد فسر مجاهد الكسب بالتجارة، والصناعة داخلة في عمومه، وأمرنا أن ننفق من الكسب الطيب، وقال النبي ﷺ: «أحب البقاع إلى الله المساجد وشرها الأسواق»، رواه أحمد والبزار عن جبير بن مطعم، وحسنه الحافظ في الفتح (٤/ ٤٢٩)، ورواه مسلم عن أبي هريرة نحوه، قال ابن بطال كما في فتح الباري: «وهذا خرج على الغالب، وإلا فرب سوق يذكر فيها الله أكثر من كثير من المساجد»، انتهى.
قلت: وهذا قد يوجد، لكن المسجد مفضل لذاته، ووجود المعصية فيه والمخالفة لا يجرده من هذا الفضل، ومع كون الأسواق شر البقاع فقد أخبر الله تعالى أن الرسل يمشون فيها ردا على الكفار الذين استغربوا ذلك من رسول الله ﷺ، فبين الله تعالى أن ذلك شأن الرسل قاطبة قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وذلك لما لهم فيها من المصالح والمنافع، كما أن لغيرهم منفعة إذا رأوهم ذكروهم ما نسوه، كما قال النبي ﷺ: «أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله»، فالعلماء والصالحون قد يغشون المواضع الممقوتة لمصلحة الخلق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتعلم الناس منهم حين يشترون، ولذلك كان في الذكر في السوق أجر عظيم كما قال النبي ﷺ: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيتا في الجنة»، رواه الترمذي (٣٤٢٩) عن عمر ﵁.
وقال النبي ﷺ: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»، رواه أحمد والبخاري (٢٠٧٢) عن المقدام ﵁، وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ الحصر، قال: «كان لا يأكل إلا من عمل يده»، وإنما خص النبي ﷺ داود ﵇ بالذكر في بيان فضل الأكل من عمل اليد لأنه كان
[ ٣ / ٣٢٦ ]
أركان البيع
العاقد وما يشترط فيه
ملكا مستغنيا عن عمل يده، ومع ذلك لم يعتمد في رزقه على غير عمل يده، وقال النبي ﷺ: «أفضل الكسب بيع مبرور، وعمل الرجل بيده»، رواه أحمد والطبراني عن أبي بردة، والمبرور الذي يبر فيه صاحبه، فلا يعصي الله فيه بغش ونحوه، ولا يعصي بسببه فيفرط فيما هو مقدم عليه.
وقد يكون البيع واجبا كما إذا اضطر إلى شراء ما يدفع به عن نفسه الهلاك، أو بيع ما يدفع به ذلك عن غيره، ويستحب إبرار المسلم إذا حلف على بيع شيء لم يكن على بائعه فيه ضرر، قالوا وتعرض له الكراهة كبيع الهر والسباع لأجل الانتفاع بجلودها، والصواب أن بيعها محرم، وقد تقدم الكلام عليه، أما المحرم من البيع فما كان العوضان فيه أو أحدهما محرمَ العين، أو كان فيه وصف ممنوع كالنسيئة في النقد والطعام وكالغش والخديعة، أو كان فيه إعانة على الإثم كبيع السلاح في الفتنة متى لم يعلم السلامة، فضلا عن بيعه لأهل الحرب.
أما أركانه فثلاثة: العاقد، والمعقود عليه، والصيغة، فتكون الأركان بالتفصيل خمسة، فإن العاقد هو البائع والمشتري، والمعقود عليه الثمن والمثمن.
والعاقد يجوز أن يكون هو المالك، ويصح أن يكون وكيلا، فلا يصح أن يبيع الغاصب ما غصبه لأنه غير مالك له، ويذكر هنا بيع الفضولي وهو الذي يتصرف في ملك الغير بدون إذنه، فهذا يجوز بيعه إذا أمضاه المالك، ويستدل له بحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «خرج ثلاثة نفر يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في جبل فانحطت عليهم صخرة قال: فقال بعضهم لبعض ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه، وفيه: وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة، فأعطيته وأبى ذلك أن يأخذ، فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله أعطني حقي، فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها، فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟، فقال: ما استهزئ بك ولكنها لك،،، الحديث، وفيه تصرف الرجل في مال الأجير من غير إذنه لمصلحته فهو من الإحسان، وكيفما كان العاقد يشترط فيه التمييز، ويعرف ذلك بأنه إذا تكلم بشيء من مقاصد العقلاء
[ ٣ / ٣٢٧ ]
المعقود عليه
طهارة المعقود عليه
فهمه وأحسن الجواب، فلا ينعقد بيع غير المميز لصبا أو جنون، وفي بيع السكران خلاف، قيل لا يصح بيعه اتفاقا، وقيل لا يصح على المشهور، وإنما الخلاف في السكران الطافح، أما من له نوع تمييز، فبيعه منعقد، لكن اختلفوا في لزومه، والمعتمد عدم اللزوم، ومثله الصبي المميز فإنه يصح بيعه، لكنه غير لازم، فيجوز لوليه أن يرده، لأن التكليف مع الرشد والطوع شرط في اللزوم، ولا يلزم بيع السفيه ولا المكره إذا كان الإكراه ظلما غير مشروع، أما من أكره على بيع شيء لقضاء دينه، أو للإنفاق على من وجبت عليه نفقته، أو لكونه محتكرا أضر احتكاره بغيره فهذا بيعه ماض صحيح، ويشترط فيمن يباع له العبد المسلم والمصحف الإسلام، وكذلك يشترط الإسلام فيمن يباع له العبد الصغير مسلما كان أو كافرا.
والركن الثاني المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، ويشترط لصحة العقد عليه خمسة شروط هي: طهارته، والانتفاع به، وعدم النهي عنه، والقدرةُ على تسليمه، وعدم الجهل بالعوضين أو أحدهما.
فأما الطهارة فينبغي أن تكون أصلية، أو عرض لها تنجس يمكن إزالته، فلا يجوز بيع الزيت المتنجس، لأنه لا يمكن تطهيره، وقيل إن القياس جواز بيعه إذا بين حاله، لأن تنجيسه لا يسقط ملكية صاحبه عنه، ولا يذهب بجواز الانتفاع به، ومن ثمة فلا يجوز إتلافه عليه، فيصح بيعه ممن يصرفه فيما هو له، وقد كان ابن اللباد يفتي بهذا، وما تقدم من عدم إمكان تطهير نحو الزيت هو المشهور، وفي رواية عن مالك أن غير الماء لا يختلف عنه، فلا ينجسه إلا ما غيره، وهو الصحيح كما قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٦٩)، وكل هذا على مذهب من لا يرى تطهير نحو الزيت المتنجس، أما من يرى إمكان تطهيره فسبيله سبيل الثوب المتنجس، فإنه يمكن إزالة ما به من نجاسة فيجوز بيعه مع تنبيه المشتري إلى ذلك، ولا يجوز بيع زبل المحرم في المذهب كالخيل والبغال والحمير، وكذا المكروه كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهر، وقد بلغ الحطاب بعدد الأقوال الواردة في بيع العذرة أربعة، المنع لمالك وهو الأكثر، والكراهة على ظاهر المدونة، والجواز لابن الماجشون، والفرق بين الضرورة لها فيجوز وغيرها فيمنع، وهو لأشهب، وإذا جاءت هذه
[ ٣ / ٣٢٨ ]
الانتفاع بالمبيع
الأقوال في العذرة فالزبل أدنى منها، قال في التحفة:
ونجس صفقته محظورة … ورخصوا في الزبل للضرورة
ومما لا يجوز بيعه عظم الميتة وجلدها ولو دبغ، وقد علمت في الجزء المتقدم أنه يطهر بالدبغ، وأنه رواية البغداديين عن مالك وهو الصواب، ومما يشترط في المبيع أن يكون منتفعا به، لأن تملك الشيء إنما يكون لأجل ذلك، فما لا نفع فيه لا وجه لبيعه، ولو قل الانتفاع كالتراب، والمراد الانتفاع الشرعي، فلا يجوز بيع آلات اللهو، ولا يجوز بيع محرم الأكل إذا أشرف على الموت، إذ لا نفع فيه حينئذ، بخلاف مباح الأكل المشرف فيجوز بيعه لإمكان تذكيته، أما لو كان في سياق الموت فلا يجوز لا هذا ولا الذي قبله.
وينبغي أن يكون الانتفاع مأذونا فيه، ولهذا لما جاء الإذن من الشرع بالانتفاع بجلد الميتة في قول النبي ﷺ: «هلا استمتعم بإهابها»، قالوا: إنها ميتة، فقال: «إنما حرم أكلها»، رواه البخاري (٢٢٢١)، وذلك حين مر بشاة ميتة، أقول لما جاء هذا الحديث أخذ بعض العلماء منه جواز بيع النجس المنتفع به لهذا المعنى، على قاعدة أن كل ما ينتفع به يصح بيعه، وما لا فلا، ومن هؤلاء الزهري وهو ظاهر صنيع البخاري رحمهما الله تعالى، ومن الحجة لهم في ذلك جواب النبي ﷺ حين أخبروه بقوله:» إنما حرم أكلها»، ويظهر والله أعلم أنه لا تلازم بين جواز الانتفاع وصحة البيع.
ولا بد من الوقوف عند هذا الشرط للحاجة إلى بيانه في هذا العصر حيث كثرت المبيعات من الأعيان والمنافع التي تستعمل فيما يحل وما يحرم، فاحتيج إلى بيان الأصل حتى يرجع إليه، فإذا نظر إلى المبيع باعتبار ما فيه من المنافع والمضار فهو أقسام أربعة، أولها:
ما لا منفعة فيه أصلا، أو ما فيه منفعة ألغاها الشرع بتحريمها كالخمر والقمار والخنزير والميتة وآلات اللهو والطرب، وهذان القسمان لا خلاف في كون بيعهما باطلا، بل لا يصح مجرد تملكهما، واختلف في نحو الخمر تملك لأجل تخليلها على القول بحلها بالتخليل.
والثالث ما كانت جميع منافعه حلالا، وهذا هو الذي أحله الله تعالى، وأجمع
[ ٣ / ٣٢٩ ]
المبيع المستعمل في الحلال والحرام
ما نهى الشرع عن بيعه
بيع ما يعلم استعماله في الحرام
المسلمون عليه ما لم يتعلق به حق الغير.
والرابع ما فيه عدة منافع بعضها حلال وبعضها حرام، فهذا هو الذي يحتاج إلى البيان، ومن أمثلته في هذا العصر التلفاز، والراديو، ومخادع الهاتف، والمواقع الإلكترونية، والعطور، وأجهزة تضخيم الصوت، وآلات الحلاقة، وكثير من المهن والحرف، وهذا عظم خطره في هذا العصر بما لا مثيل له.
قال المازري كما في مواهب الجليل (٤/ ٢٩٣) للحطاب عن هذا القسم: «فهو المشكل على الأفهام، ومزلة الأقدام، وفيه ترى العلماء مضطربين، وأنا أكشف عن سره ليهون عليك اختلافهم:
- فإن كان جل المنافع والمقصود منها محرما، والمحلل منها تبعا، فواضح إلحاقه بالقسم الأول»، انتهى، يريد أنه محرم، ومثل المازري لهذا القسم بشحم الميتة، وقال: فالمقصود الذي هو الأكل حرام، وإن كان فيه بعض المنافع محللة عند من يجيز استعمال ذلك في بعض المواضع.
- «وإن كان جل المنافع والمقصود منها محللا، والمحرم تبع فواضح إلحاقه بالثاني»، يريد أنه حلال.
- وإن كانت منافعه المقصودة، منها ما هو محلل، ومنها ما هو محرم، أو فيه منفعة محرمة مقصودة، وسائر منافعه محللة، قال فهذا هو المشكل، وينبغي أن يلحق بالممنوع، لأن كون هذه المنفعة المحرمة مقصودة يؤذن بأن لها حصة من الثمن، وأن العقد اشتمل عليها، كما اشتمل على ما سواها، وهو عقد واحد لا سبيل إلى تبعيضه، والتعاوض على المحرم ممنوع، فمنع الكل لاستحالة التمييز، ولأن الباقي من المنافع يصير ثمنه مجهولا لو قدر جواز انفراده»، انتهى.
قال كاتبه: هذا في الأعيان واضح، لكن ما ذا يقال في بيع الأعيان والأجهزة التي تستعمل في الجائز والممنوع، وبيع المنافع التي يعمل فيها كل على شاكلته؟، الظاهر أن الحكم لغالب الاستعمال، ثم لمعرفة حال المشتري متى تيسر، فيباع له ذلك أو لا يباع، ثم للنصح والإرشاد وتعليق البيانات للتنبيه على المخالفات، ثم لمنع الوصول إلى المنفعة
[ ٣ / ٣٣٠ ]
المحرمة بأنظمة التحكم إذا تعلق الأمر بمثل مخادع الهاتف، وأجهزة الاتصال العامة والخاصة، والمقاهي، والمطاعم، والفنادق، والمراكب، ومحلات المواقع الإلكترونية، ونحوها، والله أعلم.
وأقول الآن: كنا نقول هذا قبل التطور المتسارع الذي حصل في وسائل الاتصال وشبكاته التي أصبحت شخصية يستعملها المرء أنى شاء ومتى شاء، ومع ذلك فالناس محتاجون إليها في قضاء شؤونهم التي لا بد لهم منها، ومعظمهم يستعملها في المنافع والمضار فيصعب منعها باعتماد الضابط الذي ذكره المازري ﵀ فآل الأمر إلى أن المكلف هو الذي يتحمل وزر استعمالها في غير المشروع، وأن مدار وقاية الناس من الشر ليست عزلهم عن محيطهم بل تحصينهم بالعقيدة الحقة التي هي الضمان الوحيد في هذا العصر من الفتن.
ومن شرط المبيع أن يكون مقدورا على تسليمه، فلا يصح بيع العيد الآبق، ولا البعير الشارد، ولا المغصوب إذا بيع لغير غاصبه، فإن باعه له المغصوب منه فقد اختلف في لزوم تسليم المبيع قبل ذلك إلى المغصوب منه حتى لا يكون بيعه له مع الإكراه، وقيل يكتفى بأن يعلم عزم الغاصب على رد المغصوب، فيجوز بيعه له حينئذ، فأما بيع المغصوب لغيرالغاصب فله شروط يصح معها، أولها أن يكون الغاصب حاضرا في البلد الذي يحصل فيه البيع، والثاني أن يكون مقرا بالغصب، وإلا احتيج قبل ذلك إلى إثبات غصبه، والثالث أن يكون في موضع تقام عليه فيه أحكام القضاء الشرعي.
ومن شرط المبيع أن يكون معلوما للمتبايعين وجهل أحدهما كجهلهما متى كان البيع على البت، بخلاف البيع على الخيار فيجوز مع جهل المبيع، ولو لم يذكر جنسه ولا نوعه، وفيه نظر.
وآخر ذلك أن يكون غير منهي عن بيعه كالكلب ولو للصيد أو الماشية، وإنما اشترطوا عدم النهي عنه لأن الشارع قد يأذن في الانتفاع بالشيء، ومع ذلك يمنع بيعه كأم الولد يستمتع السيد بها، ولا يجوز له بيعها، وكجلد الميتة المدبوغ في مشهور المذهب ينتفع به ولا يباع، أو يجيز بيع الشيء ولا يجير لبسه كالحرير والذّهب والفضة، وكالكلب
[ ٣ / ٣٣١ ]
الركن الثالث ما ينعقد به البيع مما يدل على التراضي
يجوز اتخاذه للصيد ولحراسة الغنم ولا يجوز بيعه لنهيه ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن»، رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن، وذهب سحنون إلى جواز بيع الكلب المأذون في اتخاذه، وبالغ في القول بذلك فذكر أنه يبيعه ويحج به، وهو القياس، وسيأتي بعض التفصيل لهذه المسألة إن شاء الله.
ويمنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرا لا يجوز، ومثلوا له ببيع الجارية لأهل الفساد، وبيع أرض لتبنى عليها كنيسة أو خمارة فضلا عن بيع سكنى تتخذ لذلك، وكبيع الخشبة لتتخذ صليبا، والعنب لمن يعصره خمرا، والنحاس لمن يصنع منه ناقوسا، أما من اشترى الخشب أو النحاس لأغراض مشروعة ومع ذلك صنع منه ما ذكر فليس من هذا القبيل، ومن ذلك أن تباع آلة الحرب من سلاح أو كراع أو سرج لأهل الحرب، وكل ما يتقوون به في الحرب، واستثنى بعضهم بيع الطعام لهم في الهدنة، وقيل يمنع بيعه لهم مطلقا، وهو المذهب.
الركن الثالث ما ينعقد به البيع، أعني الصيغة، وهي الإيجاب من البائع والقبول من المشتري، وكل ما شاركهما في الدلالة على التراضي كالمعاطاة لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، ولقول النبي ﷺ: «إنما البيع عن تراض»، رواه ابن ماجة (٢١٨٥) عن أبي سعيد الخدري ﵁، والمعاطاة أن يأخذ السلعة ويعطي ثمنها من غير إيجاب ولا قبول، فإذا كان ذلك لزم البيع، فأحرى إذا كان واحد منهما، وقيل لا تصح مطلقا، وقيل تجوز في المحقرات دون غيرها، ونرجع بعد هذا إلى الشرح.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
الأصل في المعاملات الحل
• قوله:
٠١ - «وأحل الله البيع، وحرم الربا».
افتتح الباب بهذه الآية لأنها من الأصول في هذا المقام، وفيها رد الله تعالى على الكفار الذين جاءهم النهي عن الربا فاعتلوا بأنه مثل البيع، زعموا أن البائع التاجر يربح بالزيادة على ثمن الشراء، وكذلك المرابي يزيد في الدَّيْن للأجل، واستمروا على تعاطيه، فأخبر الله عن حالهم يوم القيامة يقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ [البقرة: ٢٧٥].
أما حال المال الذي يريدون تكثيره بالربا فقد قال عنه سبحانه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]، فالآية تدل على أن الأصل في البيوع وسائر المعاملات الجواز، كما أن الأصل في العبادات التحريم والمنع، ولا يضير هذا المعنى أن يحصل الاختلاف في لفظ البيع هل هو عام مراد به الخصوص، أو مجمل بينته السنة، أو عام مخصوص، فيشمل كل بيع ويقتضي إباحته، إلا ما دل الدليل على منعه، وهذا هو الراجح، انظر فتح الباري للحافظ (٤/ ٣٦٤)، وقال ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٢٤٢): «وتبين أن معنى الآية وأحل الله البيع المطلق الذي يقع فيه العوض على صحة القصد والعمل، وحرم منه ما وقع على وجه الباطل»، انتهى.
واعلم أن قول النبي ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، رواه أحمد ومسلم عن عائشة، يشمل إحداث العبادة عينا ووصفا، كما يشمل كل ما خالف النهي في غير العبادات، مع النظر في دلالة النهي في غير العبادات أهو للتحريم أو للكراهة؟.
ومن هنا تتبين أهمية معرفة المناهي المتعلقة بالبيوع، وقد أوصلها ابن العربي إلى
[ ٣ / ٣٣٣ ]
المقارنة بين البيع والربا
المناهي المتعلقة بالبيع
تحريم ربا الجاهلية بنص القرآن
أنواع الربا الأخرى مردها إلى تحريم السنة
أحاديث في تحريم الربا
آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه
ستة وخمسين نوعا، ثم بين موقعها من أوجه المنع، وهي خمسة أوجه، صفة العقد، وصفة المتعاقدين، وما يرجع إلى العوضين، وإلى حال العقد، وإلى وقت العقد، وبين أنها جميعا لا تخرج عن ثلاثة أقسام هي الربا والباطل والغرر، انظر أحكام القرآن (١/ ٢٤٤)، أما الربا في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فإن الظاهر أن أل فيه للعهد، فالمراد به ربا الجاهلية الذي سيأتي كلام المؤلف عنه، أما بقية أنواع الربا فدليل تحريمها السنة، وقد أشار كتاب الله تعالى إلى رد شبهة الكفار في التسوية بين البيع والربا، فذكر أن البيع أحله الله، وأن الربا حرمه، مع ذكر الصدقة معه، ولأن المخاطبين كانوا يعلمون أن البيع فيه المعاوضة، وليس في الربا إلا الزيادة في الدين نظير التأخير في دفعه، واستغلال المرابي حاجة المحتاج للإثراء، وقد وصف الله الربا بأنه ظلم، وهذا كاف، وبهذا يعلم ما في قول بعضهم من أن القرآن لم يرد شبهة الكفار في التسوية بين البيع والربا، نعم إن الأصل التسليم لرب العالمين، ولا تقوم قدم الدين إلا عليه، وقد تصدى كثير من أهل العلم لبيان وجه الفرق بين البيع وربا الجاهلية، ومما قاله الشيخ الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير مع بعض تصرف: «مرجع الفرق بين البيع والربا إلى التعليل بالمظنة، مراعاة للفرق بين حال المقترض والمشتري، فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض إلى الإنفاق على نفسه وأهله، لأنهم كانوا يعدون التداين هما وكربا، وقد استعاذ منه النبي ﷺ، وحال التاجر حال التفضل، وكذلك اختلاف حال المسلف والبائع،،، فالتجارة معاملة بين غنيين، ألا ترى أن كليهما بذل ما لا يحتاج إليه وأخذ ما يحتاج إليه، فالمسلف مظنة الغنى، والمشتري مظنة الفقر»، انتهى، وقال أيضا: «حكمة تحريم الربا هي حمل الأمة على مواساة غنيها محتاجها احتياجا عارضا بالقرض، فهو مرتبة دون الصدقة، وهو ضرب من المواساة التي منها ما هو فرض كالزكاة، ومنها الندب كالصدقة والسلف»، انتهى.
وجاءت أحاديث كثيرة في تحريم الربا منها ما رواه أحمد ومسلم عن جابر ﵁ قال: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه، وكاتبه، هم فيه سواء»، والآكل هو الآخذ، أكله أو لم يأكله، والموكل بالميم والواو المهموزة الساكنة، وتسهل فتصير حرف مد، هو الذي يعطي الربا، والكاتب والشاهد يعينان على الباطل، قال الأبي في شرحه على صحيح مسلم
[ ٣ / ٣٣٤ ]
الربا من الكبائر ومنكر تحريمه
ما ذا يفعل آكل الربا إن تاب
(٥/ ٤٩٩): «وفي معناهما من حضر فأقره، وإنما سوى بينهم في اللعنة لأن العقد لا يتم إلا بالمجموع، ويجب على الإمام إذا عثر على أحد من هؤلاء أن يغلظ عقوبته البدنية، ويتلف مال الربا عنهم …»، انتهى، وقد غدا الربا يكتب ويشهد عليه فيوثق، ويقنن أنظمته الحكام فمن أين لنا أن نطالبهم بمعاقبة مرتكبيه؟.
والأربعة وإن اشتركوا في حصول اللعن لهم فإن أمرهم مختلف بعد الوقوع، فليس على الكاتب والشاهدين غير الندم والتوبة، وهكذا موكل الربا إذا لم يتمكن من التراجع عن العقد، ومن المستبعد أن يعامل كما يعامل الغاصب الذي لا حق له في الغلة على الراجح، أما آكل الربا فإنه مطالب برد غير رأس ماله كما هو حكم الله تعالى في قوله: «﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ [البقرة: ٢٧٩]».
والربا من الكبائر كما قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات،،،» الحديث، والموبقات هي المهلكات، وذكر منها أكل الربا، وقال النبي ﷺ: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية»، رواه أحمد والطبراني عن عبد الله بن حنظلة كما في صحيح الجامع الصغير، وفيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أهون الربا كالذي ينكح أمه، وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه»، عزاه لأبي الشيخ في التوبيخ، والاستطالة في العرض الكلام فيه من غير حق.
وما كان من أنواع الربا مجمعا عليه كربا الجاهلية وربا النسيئة؛ فمن استحله فليس بمسلم، بل هو مرتد يقتله الحاكم، ومن ارتكبه فهو فاسق يؤدب بعد فسخ بيعه، ويلزمه رأس ماله بعد فوات البيع بمفوت، ومن قبض أكثر من ذلك وجب عليه أن يرده لصاحبه إن عرفه، فإن مات فلورثته، فإن لم يعرفه تصدق به عليه، ومثل ذلك يقال في الدين الذي لم يعرف صاحبه أو لم يعثر عليه، وإن أسلم الكافر فله ما سلف في حال كفره، أما ما بقي من الديون له على غيره فليس له منها إلا رأس ماله، ومن تورط في عقد بيع ربوي مع مؤسسة، وبذل ماله ولم يمكنه الخروج منه فليعجل برد الدين حتى لا يطول أمد معصيته، ولا يجوز له أن يبيع الصفقة لمسلم يتولاها دونه لأنه توريط له في الباطل، وتكثير للآثمين بأكل الربا، فإن كان العقد مع فرد فلا يلزمه الوفاء به لكن لا ينبغي له أن يدخل فيه للحصول على
[ ٣ / ٣٣٥ ]
أنواع الربا ثلاثة: النسيئة والفضل والمزابنة
المال ثم يتفصى منه بحجة أنه محرم.
والربا بالقصر، ولعل أصله المد - يقال ربوان ورباءان - هو الزيادة، بقال ربا الشيء يربو إذا زاد، ومثله الرماء بالراء المكسورة والميم، كما جاء في حديث عمر موقوفا عند مالك (١٣٢٢) قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء»، انتهى.
والربا أنواع ثلاثة: ربا الجاهلية، وربا النسيئة، وربا الفضل، فربا النسيئة هو بيع ربوي بربوي من جنسه أو من غير جنسه مؤجلا، غير أن أهل المذهب وسعوا ربا النسيئة ليشمل المطعومات غير المقتاتات، وربا الفضل هو بيع ربوي بربوي من جنسه متفاضلا، فدائرته أضيق، ويدرج بعضهم ربا الجاهلية في ربا النسيئة بالنظر إلى التأجيل المقابل للزيادة، وفصله عنه أولى، وربا الجاهلية فيه ربا الفضل أيضا، غير أن اسم النسيئة غلب عليه، لأن أصله أن ينسأ له في الأجل مقابل الزيادة في الدين، والمذهب أن كل ما يدخله ربا الفضل فإن ربا النسيئة يدخله، وليس كل ما يدخله ربا النسيئة يدخله ربا الفضل، ومن أنواعه ربا المزابنة، وهي من الزبن، بفتح الزاي وبعض أهل المذهب منهم التتائي وأبو الحسن أضافا قسما آخر هو ربا المزابنة، وهي من الزبن، بفتح الزاي وسكون الباء، وهو الدفع، لأن كلا من المتبايعين يدفع صاحبه عما يريده، قال الباجي: «ولعله أن يكون مأخوذا من الزبن وهو الدفع عن البيع الشرعي، وعن معرفة التساوي»، انتهى، ولهذا سميت الحرب القوية الشديدة بالزبون، قال:
فدت نفسي وما ملكت يميني … فوارس صدقت فيهم ظنوني
فوارس لا يهابون المنايا … إذا اشتدت رحا الحرب الزبون
وربا المزابنة عندهم هو بيع معلوم بمجهول من جنسه، وأولى منه بالمنع بيع مجهول بمجهول منه، فيظهر أنه إن كان عوضاه ربويين فهو
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وجه اعتبار البيوع المحرمة من جملة الربا
ربا، وإن كانا غير ربويين فهو من المخاطرة والقمار، وهذا وجه عدم ذكره في أقسام الربا، وقد جاء في المنع من بيع المزابنة حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة»، والمزابنة بيع الثمَر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا»، رواه مالك (١٣١٣) ومن طريقه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٢)، فأهل المذهب لم يقصروه على ما ذكر هنا، وسيأتي تفصيل هذا بعد.
وقد تجوز بعض العلماء فألحق البيوع المنهي عنها بالربا، وهو رأي ابن العربي، وتَعْثُرُ على هذا في كلام غيره، وفي الأحاديث ما يدعمه، وفي كثير من البيوع المنهي عنها ما يقويه لأنها آئلة إلى الزيادة غير المشروعة كالغش والتدليس والخديعة وتلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي وبيع الغرر وبيع ما ليس عنده والبيع قبل القبض وغيرها، فهذه كلها فيها نوع زيادة من غير عوض، وقال القرطبي في التفسير (٣/ ٣٤٨): «أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين المال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها آكل الربا فَتَجَوُّزٌ وتشبيه»، انتهى.
قلت: ما استثناه من بيع الثمار قبل بدو صلاحها والبيع وقت النداء الزيادة فيه واضحة أيضا، فإن الثمرة قد لا تظهر أو يتلف بعضها، والبيع وقت النداء غير موجود فتغلو السلعة.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
ربا الديون في الجاهلية
مراحل تحريم الربا
وجه اقتران الصدقة بذكر الربا
• قوله:
٠٢ - «وكان ربا الجاهلية في الديون إما أن يقضيه وإما أن يربي له فيه».
المراد بالجاهلية ما قبل الإسلام، لكن العمل بالربا استمر مدة طويلة، وإنما حرمه الله بالتدريج، وقد ذكر في سورة الروم المكية قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]، والأكثرون على أن المراد منه الهدية يريد معطيها أن يكافأ عليها، روي هذا عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم، ويسمى أهل المذهب ذلك بهدية الثواب، فقيل هذا ربا مباح غير أنه لا ثواب فيه، وقد مُنع منه النبي ﷺ بخاصة، وقد رأيت كثيرا من المفسرين المعتمدين على المنقول يذكرون الربا الذي في الآية ضمن الربا المحرم، ثم تبين لي بعد طول تفكير أن تفسير الآية بالمعنى المأثور عن السلف لا يبعد أن يكون فيه إشارة إلى الربا المحرم لأن الهدية إكرام وإحسان وتبرع فكيف ينتظر معطيها المكافأة عليها؟، وحسبك من التنفير من ذلك أنها لا تربو عند الله، وجاء النهي عن الربا صريحا في سورة آل عمران، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]، وقيد ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ أريد به ذكر الواقع، وذلك من موانع اعتبار مفهومه، مع أن فيه أيضا التشنيع على فاعليه لما فيه من الاستغلال لحاجة المحتاج، باستمرار عجزه عن رد الدين، فيرتفع العوض بمرور الزمان، وقد اعتمد على هذا المفهوم من جوز الزيادة القليلة هداهم الله، قال صاحب المراقي ذاكرا ما لا يعتبر في المفاهيم:
أو جَهل الحكمَ أو النطق انجلب … للسؤل أو جري على الذي غلب
أما في سورة البقرة فقد طال الحديث عن الربا، وحكمه فيها آخر ما نزل من القرآن، وما من موضع ذكر الربا فيه من كتاب الله إلا وذكرت معه الصدقة، فالقرآن يحرم الربا
[ ٣ / ٣٣٨ ]
بعض صور ربا الجاهلية
ويحض على الصدقة، وفي هذا الاقتران دليل على أن حجب الحقوق المالية عن أصحابها، وارتفاع التراحم بين أفراد المجتمع من أسباب انتشار الربا، ويؤكد هذا الاقتران أن الربا المتحدث عنه في القرآن هو ربا الديون، لأنه هو الذي يصلح أن تكون الصدقة والإنظار بديلين عنه، وكان الربا مما خصه النبي ﷺ بالذكر في حجة الوداع، فقال: «،،، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله،،،»، رواه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁، ومعنى موضوع باطل مردود، وكأن في قول النبي ﷺ: «وربا الجاهلية،،،»، إشارة أن ربا آخر لم يكونوا يعرفونه جاء الشرع بالمنع منه وهو ربا الفضل وربا النساء في الربويات، وذلك من جملة الإصلاح المالي الذي اعتمده هذا الدين الخاتم للحفاظ على أثمان الأشياء، وأقوات الناس كما سترى.
وصورة ربا الجاهلية التي ذكرها المؤلف يشرحها ما رواه مالك في الموطإ (١٣٦٧) عن زيد بن أسلم أنه قال: «كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي؟، فإن قضى أخذ، وإلا زاده في حقه وأخر عنه الأجل»، انتهى، وقال الثعلبي كان أهل الجاهلية إذا حل مال أحدهم على غريمه فطالبه يقول: «زدني في الأجل وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك، ويقولان سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح، أو عند محل المال لأجل التأخير، فأكذبهم الله فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وهو في كتاب العجاب في بيان الأسباب (١/ ٦٣٧) للحافظ ابن حجر، ولا فرق بين هذه الصورة وبين أن يقرضه من أول الأمر على الزيادة في الدَّيْنِ عند رده، وقد اعتبر مالك مثل هذا في التحريم ما إذا كان لرجل على آخر دين فحط عنه بعض الدين على أن يعجل له باقيه، قال مالك فهذا الربا بعينه لا شك فيه، وسيأتي الكلام عليه، وكما تحرم الزيادة في القدر، تحرم الزيادة في الصفة شرطا، مثال الأولى أن يقرضه (١٠٠٠) دينار فيرد له (١١٠٠)، ومثال الثاني أن يقرضه قنطار قمح لين على أن يرد له قنطار قمح صلب، أو يسلفه قنطار شعير على أن يرد له قنطار قمح، ويدخل في ذلك ما إذا اتفق معه قبل أن ينقضي الأجل على أن يؤخره أجلا ثانيا على أن يدفع له رهنا أو يأتيه بحميل، أي كفيل، لأنه يدخل في السلف الذي جر نفعا، أما إن انقضى الأجل وطلب منه أجلا آخر فاشترط
[ ٣ / ٣٣٩ ]
عليه تقديم رهن أو الضمان بحميل فإن ذلك سائغ، لأنه كابتداء سلف، والرهن والمطالبة بالضامن مشروعة إذ ذاك، كما يدخل في الحرمة فسخ ما في الذمة في مؤخر مخالف لجنس ما في الذمة، وإن ساوت قيمته حين التأخير قدر الدين، ومثاله أن يكون لأحد على آخر دين هو شاة، فحل الأجل ففسخ الدين إلى أجل آخر على أن يصبح خمسة قناطير قمح قيمتها قيمة الشاة حين التأخير، أما لو أخره أجلا ثانيا من غير شيء فلا بأس بذلك، ومن باب أولى إذا حط عنه بعض الحق، فإن الإنظار من الإحسان، والتصدق عليه ببعض الدين أو بجميعه أولى، وقد جمعهما الله تعالى في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
[ ٣ / ٣٤٠ ]
تحريم التفاضل في بيع النقد بجنسه
العوضان المتروك تحديد القدر فيهما والأجل للمتبايعين
العوض الذي تولى الشرع تقديره ومنع تأجيل قبضه
• قوله:
٠٣ - «ومن الربا في غير النسيئة بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا، وكذلك الذهب بالذهب».
لعل المؤلف أراد بقوله «ومن الربا في غير النسيئة» بيان أن ما جاء عن النبي ﷺ من قوله: «لا ربا إلا في النسيئة»، وهو من رواية الشيخين عن ابن عباس ﵄، وله ألفاظ كلها دالة على الحصر على تفاوت في قوتها، فبيّن المؤلف بهذا أنه ليس المراد منه نفي الربا في غير ذلك، بل المراد بيان ما كان منه أعظم وأكثر إثما من غيره، ولأن الاعتماد على هذا الحديث في نفي الربا عما عداه هو بالمفهوم، وقد جاء المنطوق يوسع دائرة الربا فيقدم عليه، وقيل إنه منسوخ.
إذا تبين لك فاعلم أن العوضين في البيع قسمان: أحدهما هو الذي أوكل الشرع فيه التحديد إلى المتعاقدين على حسب ما يريانه من مالية العوضين، أو يتنازل أحدهما للآخر لداع ما، وهذا القسم الذي جوز الشرع فيه تأجيل قبض أحد العوضين نوعان: أن تكون قيمة المبيع في منزلة ما يتغابن الناس بمثله، أي ما يكون فيه الغَبن مما يقره العرف، فهذا حلال بالاتفاق، أما ما خرج في التغابن عن المعتاد، فالظاهر أن يفرق بين العاقد العارف بسعر ذلك المبيع وغير العارف، فإن كان الأول فالأصل عدم الخيار لوجود التراضي، وقيل له الخيار إذا زاد الغبن عن الثلث، لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يكن البيع بيع أمانة، ولا مرابحة، ولا بيع حاضر لباد، ولا سلعة تولى الحاكم تسعيرها، ولا غير ذلك مما يكون مظنة للتغرير، وحد بعضهم الزيادة بالثلث مطلقا، وانظر المسالك (٦/ ١٦٧) لابن العربي.
أما القسم الثاني فهو الذي تولى الشرع نفسه تحديد العوضين فيه، كما تولى بيان أجل قبضه، فلا يجوز الزيادة عليه، وذلك في الأموال الربوية التي سيأتي ذكرها، وما قيس عليها عند من ذهب إلى القياس، وكل ما لم تجز فيه الزيادة لا يجوز تأجيل قبضه، ومن هذا
[ ٣ / ٣٤١ ]
الأصناف الربوية الستة المنصوصة
القبيل النقدان وهما الذهب والفضة اللتان كانتا أثمانا للأشياء وقيما للمتلفات، ومعهما القمح والشعير والتمر والملح، وقد خصت هذه الأشياء بهذا الحكم «حراسة للأموال وحفظا لها في أغلى المكيلات، وأعلى الموزونات»، المعونة للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٩٥٩)، وقد نُص على هذه الأصناف في حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: «إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرِّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، رواه مسلم (١٥٨٧)، وفي رواية له زيادة: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد».
ولا فرق في المنع من التفاضل داخل الصنف بين أن يكون مسكوكا، أو حليا، أو تبرا، أو جيدا، أو رديئا، أو مكسورا، أو صحيحا، أو مغشوشا، أو خالصا، يشمل كل ذلك العموم الذي تفيده الألف واللام في الذهب وما تلاه في الحديث، وقد ذكر بعض هذا في حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ أنه قال: «الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدي بمدي، والشعير بالشعير مدي بمدي،،، الحديث رواه أبو داود، والتبر ما ليس بمسكوك من الذهب والفضة، والعين خلافه، ولهذا سَمَّى الفقهاء زكاة الذهب والفضة بزكاة العين، ويظهر أن الشارع شدد في منع التفاضل في الذهب والفضة لكونهما أصولا للأثمان ما لم يشدد في بقية الأجناس الستة، يدل على ذلك نصه على سريان منع التفاضل دون اعتبار للفرق بين الخام والمصوغ والمسكوك، بخلاف غيرهما، فإنه لم ينص على ذلك، ولهذا اختلف العلماء في الناقل كما سيأتي، ويمكن أن يقال إن النقل في الأربعة أعني القمح والشعير والتمر أكثر تنوعا، فسكت عنه الشارع فكان موضع اجتهاد العلماء.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
تحريم النسيئة في بيع أحد النقدين بالآخر
التقابض حال العقد وفي المجلس
• قوله:
٠٤ - «ولا يجوز فضة بفضة، ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد، والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد».
بين هنا أن العين وإن بيعت بجنسها على التساوي فإنه إذا أخر قبضها دخلها ربا النسيئة، ومثل ذلك ما إذا بيعت بغير جنسها فإنه يجوز في البيع عدم التساوي، لكن يمتنع التأخير، فإن أخر القبض كان ذلك ربا، يدل عليه ما في حديث عبادة المتقدم وهو قول النبي ﷺ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، ويدل اشتراط التقابض في النقدين وفي الأجناس الأربعة الأخرى المتفق عليها أن الأصل في البيع قبض العوضين من المتبايعين، فإن اختلف المتبايعان في التأجيل وعدمه روعي هذا الأصل، ولذلك كانا مطالبين في حال التأخير بالكتابة كما في آية الدين التي هي أطول آي القرآن، وإنما اغتفر ترك الكتابة في حال التجارة المدارة، وهي التي يتم فيها التقابض من الطرفين.
وقد اختلف أهل العلم في حد التقابض في الأجناس الستة وما قيس عليها هل يكفي أن يكون في المجلس، أو لا بد من التقابض حال العقد، والمذهب هو الأخير، دل عليه قول النبي ﷺ في حديث أبي سعيد: «ولا تبيعوا غائبا بناجز»، والناجز الحاضر، والغائب عند الجمهور ما ليس في مجلس العقد، والمذهب هو ما لم يقبض بالفعل، ولو كان في مجلس العقد، ويقويه حديث عمر وفيه قصة أن النبي ﷺ قال: «الذهب بالوَرِق ربا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبُرِّ ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير ربا إلا هاء وهاء»، رواه مالك (١٣٢٧)، ومعنى هاء وهاء بالمد وفتح الهمزة والقصر أصلها هاك، أي خذ وهات، ومثله يدا بيد، أي أن البيع يكون على هذه الصورة التي هي التقابض، بحيث يعطي هذا ويأخذ هذا من غير تأخير.
فإن قيل: إن قوله ﷺ: «ولا تبيعوا غائبا بناجز» يدل على خلاف ذلك، فالجواب: أن
[ ٣ / ٣٤٣ ]
رجحان مذهب التقابض المضيق
الغياب متفاوت، فقد يكون الغائب خارج المجلس، وقد يكون فيه، فيحمل ذلك اللفظ الذي فيه سعة على ما لا سعة فيه، يزيده تأييدا ما جاء عند مسلم: «ولا تبيعوا غائبا بناجز إلا يدا بيد»، فلا يبقى للتردد مجال، وكلام الشارع لا ينبغي أن يهدر منه شيء، وممن رأى ذلك مالك كما تقدم، وهو قول ابن حزم، قال في المحلى (٨/ ٤٨٩): «ولا يجوز في ذلك التأخير طرفة عين فأكثر، لا في بيع ولا سلم»، انتهى.
فإن قلت: فقول عمر في قصة حديثه المتقدم: «كلا والله، لتعطينه وَرِقَه، أو لتردن عليه ذهبه»، يدل على خلاف ذلك، فإنه راوي الحديث وهو أولى أن يعرف معنى ما روى، فالجواب: أن المتبايعين قد يكونان جاهلين بالحكم فأمضى عمر بيعهما لذلك، لكن ألزمهما التقابض في المجلس، وليس العامد المنتهك للحكم كالجاهل، أو يكون عمر رأى أن ما كان في المجلس فهو حاضر على التوسع في معنى التقابض، وقد اعتمد الشافعي على قول عمر، ورعاية كلام النبي ﷺ مقدمة، وقد حدث في هذا الزمان مما يترتب على عدم التقابض الذي تقدم ترجيحه ما لم يكن معروفا من قبل، مما يرجح مذهب غير الجمهور، فإن التأخير ولو قليلا قد يترتب عليه من الخسائر لأحد الطرفين ما لا يقدر قدره، ومن المعلوم أن الأسواق المالية لها أوقات محددة للفتح، وأخرى للإغلاق، وأسعار العملات تتغير بين لحظة وأخرى، ولينظر هنا كتاب المؤلف المسمى (لا دليل على المنع من بيع الذهب والفضة بالعملات إلى أجل، ففيه مزيد بيان).
[ ٣ / ٣٤٤ ]
منع التفاضل والتأجيل داخل الجنس في المقتات المدخر
وسيلة تحقيق التماثل المطلوب في بيع الربوي
اخنلاف العلماء في نعليل الربا في الأصناف الستة
• قوله:
٠٥ - «والطعام من الحبوب والقطنية وشبهها، وما يدخر من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز فيه تأخير».
لقد علمت أن أنواع الربا ثلاثة، أما العلة فهي في ربا المزابنة الغرر، وفي ربا النسيئة مطلق الطعمية على وجه الغلبة، فيخرج ما يتداوى به، أما علة ربا الفضل في الطعام فهي الاقتيات والادخار، ومعنى الاقتيات قيام بنية الآدمي به، ومعنى الادخار عدم فساده بالتأخير إلى الأجل المبتغى منه، فخرج ما ادخر على غير وجه العادة كالبطيخ، والادخار عندهم إما بالشخص كالقمح، وإما بالجنس كاللبن، فإنه في حكم المدخر لعدم خلو الزمان منه، والظاهر أن المراد الادخار من غير وسيلة حفظ اصطناعية كالتبريد والتجميد، وسائر طرق الحفظ في هذا العصر، فما كان من الطعام كذلك فلا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه، كما لا يجوز فيه التأخير، وقد علمت أن كل ما لا يجوز فيه التفاضل يمتنع فيه التأخير، قال خليل: «علة طعام الربا اقتيات وادخار»، انتهى، والمماثلة تكون بالمعيار الشرعي إن وجد، فلا يخرج عنه خشية الوقوع في الربا، وقد قال النبي ﷺ: «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة»، رواه أبو داود والنسائي عن ابن عمر، وهذا منه ﵊ إحالة على أهل المعرفة والتخصص، فإن أهل مكة كانوا أهل تجارة، وقد ذكرت رحلتا قريش في الشتاء والصيف في كتاب الله، والأصل في أثمان الأشياء يومئذ الذهب والفضة وهي توزن، فمعايير المكيين أكثر ضبطا، وسكان المدينة كانوا أهل زرع، وفي صحيح البخاري تحت ترجمة (الزراعة في الجنة) قول بعض المهاجرين عن الأنصار: «إنهم أهل زرع، أما نحن فلسنا أهل زرع»، والأصل في الزرع الكيل، فكان الاعتماد على معيارهم في الكيل مقدما، وقد غدت المقاييس اليوم فرنسية أو إنجليزية، ونعود فنقول وعليه فلا يباع قمح بمثله وزنا لإمكان اختلاف كثافتيهما، ولا نقد بمثله كيلا، فإن لم يحفظ
[ ٣ / ٣٤٥ ]
عزوف كثير من القائسين عن القياس في هذا الباب
عن الشارع فيه معيار فما جرت به العادة في كل بلد، كاللحم فإنه يوزن، لكن التمر يكال شرعا، فلا يباع بمثله وزنا، ولو كان الذي وضع المعيار هو السلطان، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وانظر ما قاله علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٤٦١) بحثا من اعتماد ما وضعه السلطان، ولو خالف معيار الشرع، فإنه لا يقبل من قائله، فإن لم يكن العوضان مكيلين ولا موزونين كالبيض، فالمماثلة تكون بالتحري، ولو بيعت بيضة باثنتين، فإن عسر الوزن فيما اعتبر الشارع فيه المماثلة به كما في السفر، أو في البادية فإن المماثلة تكون بالتحري أيضا، إن لم يكثر المبيع جدا، لأنه حينئذ يعسر ذلك فيه ويكثر الخطأ، وعمدة القائلين بهذا أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون فكيف كانوا يتبايعون في البوادي وليس معهم موازين؟، أما ما يكال فإنه لا يتعذر في البادية ولا في السفر، إذ يجوز الكيل بغير المعهود كيفما كانت سعته فتتحقق المماثلة به.
وقد ذكر المؤلف الحبوب يعني ذات السنبل كالقمح والشعير والسلت، ومثل الحبوب القطنية بكسر القاف وتضم، وجمعها القطاني، ومن أمثلتها الفول والجلبان والحمص والعدس، وقوله وشبهها، يعني كالزبيب واللحم، والإدام كالسمن والعسل.
فإن قلت: من أين لأهل المذهب وغيرهم من القائسين إدخال هذه الأمور كلها في الربا والحال أن المنصوص عليه منها في الطعام ثلاثة، هي القمح والشعير والتمر، بالإضافة إلى الملح وهو مصلح للطعام؟، فالجواب: أن الناس اختلفوا هنا، فمنهم من أبى القياس رغم أنه من القائلين به لما رأى اتساع نطاق الاختلاف في علة المنع، وممن ذهبوا إلى قصر المنع على المذكورات طاوس وقتادة وعثمان البتي وأبو سليمان، ذكرهم ابن حزم في المحلى، وقال به ابن عقيل في آخر مصنفاته، ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، وحكى عنه قوله: «لأن علل القائسين في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس»، انتهى.
ومنهم القاضي الباقلاني، قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ١٣١): «وأما القاضي الباقلاني فلما كان قياس الشبه عنده ضعيفا وكان قياس المعنى عنده أقوى منه؛ اعتبر في هذا الموضع قياس المعنى، إذا لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف
[ ٣ / ٣٤٦ ]
رد التعليل بالكيل والوزن أثرا ونظرا
الأربعة، لأنه زعم أنه في معنى التمر»، انتهى.
وممن رجح عدم القياس محمد إسماعيل الكحلاني في سبل السلام (٣/ ٣٨)، قال: «ولما لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا يقوي للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها القول المجتبى»، انتهى.
ومن نفاة القياس في المسألة المقبلي في العلم الشامخ ذكره الشيخ ناصر الدين الألباني في تعليقاته على الروضة الندية (٢/ ٣٨٨)، ومن الذين مالوا إلى ترك القياس الشوكاني كما يدل عليه كلامه في السيل الجرار فقد قال: «والحاصل أنه لم يرد دليل تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها»، انتهى، وقال بعد بيانه حال سند حديث الدارقطني عن عبادة وأنس مرفوعا: «ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به»، علق بقوله: «ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث، لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم، فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله ﷾ على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله ﷺ، وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن قطعيات الشريعة،،،»، انتهى.
قلت: «الظاهر ثبوت ذكر الكيل والوزن فإنه قد جاء عند البيهقي في حديث أبي سعيد الخدري الصحيح زيادة: «وكل ما يكال أو يوزن»، وهذا الحديث الذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عند مالك (١٣١١) والشيخين أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: «أكل تمر خيبر هكذا»؟، قال: «إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة»، فقال: «لا تفعل، بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، وقال في الميزان مثل ذلك، فالمراد بالميزان الموزون.
قلت: ثبوت هذه الزيادة لا يدل على ما ذهب إليه من وسع الربا إلى كل موزون ومكيل، وحديث الدارقطني ضعيف، وشهادة حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعبادة وأنس ﵃ التي ذكرها الألباني ﵀ في تعليقه على الروضة الندية (٢/ ٣٨٦ و٣٨٨) لا تنقذ
[ ٣ / ٣٤٧ ]
ذكر بعض العلل التي ذهب إليها العلماء
حديث الدارقطني من الضعف، لأن حديثه مستقل بذكر الوزن والكيل علة، وتلك الأحاديث جاء ذكر الوزن والكيل أو أحدهما فيها في سياق الربويات المتفق عليها، فيخص ما يكال أو يوزن بالسياق، والتخصيص بالسياق قال به فريق من أهل العلم، وقد ذكرت شيئا من هذا في التعليق على حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب في باب الصيام فانظره إن شئت، كما بينت ذلك في رسالة مستقلة أسميتها لا دليل على المنع من بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة إلى أجل.
ومن الذين لم يقولوا بالقياس أو لم يترجح عندهم شيء في المسألة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي كما في الفتاوى السعدية في موضع منها، على أنه في موضع آخر منها رأى القياس، ومع هذا الذي رأيته من ترك كثير من أصحاب القياس له في هذه المسألة فقد قال الشيخ صديق حسن خان في الروضة الندية (٢/ ٣٩٠): «ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم، والسواد الأعظم، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية»، انتهى.
أما القائلون بالقياس فقد اختلفوا في علته على مذاهب، وأقل هذه العلل سلامة من الانتقاض الاقتيات والادخار مع الملح في المطعومات، والتثمين في غير المطعومات، ولنشر إلى بقية العلل التي قيل بها، ولما كانت المذكورات في الحديث جنسين أثمانا للأشياء وطعاما فلنذكر ذلك علما بأن بعض العلل مشترك وبعضها خاص.
١ - فمن الخاص بالنقدين مطلق الثمنية، وصاحب هذا القول نظر إلى أن الذهب والفضة وإن كانا أثمانا للأشياء وقيم المتلفات إلا أنهما لم ينفردا بذلك، بل شاركتهما في العلة الفلوس، فيدخلها الربا لتوفرها على العلة، وهذا هو مشهور المذهب، وقال به الشافعية، وهو قول لأحمد، قال ابن القيم ﵀: «وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب،،،»، انتهى المراد منه، وفي المدونة (التأخير في صرف الفلوس) قلت: «أرأيت إن اشتريت فلوسا بدراهم فافترقنا قبل أن نتقابض؟، قال: «لا يصلح هذا في قول مالك، وهذا فاسد، قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب، ولا بالوَرِقِ، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لهم سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والوَرِقِ نظرة»، انتهى.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
٢ - وقيل العلة هي غلبة الثمنية، ومعناه أن الحكم للغالب، والغلبة كانت للذهب والفضة، وهذا قول في المذهب، تجده في شرح أبي الحسن على الرسالة، وقواه الشيخ علي الصعيدي العدوي في حاشيته على شرح الخرشي، لأنه رجح أن مالكا لم يمنع بيع الفلوس بالنقدين نسيئة منع تحريم، فقال: «إلا أن جل قول مالك فيها الكراهة للتوسط بين الدليل، وهي محمولة على بابها، لا على الحرمة عند الجمهور»، انتهى، وإلى هذا جنح القاضي عبد الوهاب في كتابه التلقين ص (٣٨٠) إذ قال: «والتفاضل في الفلوس إذا حصل التعامل بها ممنوع، وهو في الحقيقة منع كراهة، لا نص تحريم»، انتهى، وقد ظن بعض الباحثين أنه اكتشف جديدا حين وجد مالكا يقول عن الناس لو اتخذوا أثمانا للأشياء وأقروها كانت كذلك، وأخذ من هذا أنه يرى علة الربا في النقدين مطلق الثمنية، والأمر كما علمت نقله غير واحد من أهل المذهب، فلا يحتاج إلى تكلف تخريجه على قوله المذكور، وإذا اتجهت نسبة القول لمالك بكراهة بيع الفلوس بالذهب والفضة نسيئة كان معنى هذا أنه يرى أن العلة هي غلبة الثمنية لا مطلقها، فتخرج على هذا التعليل الفلوس عند المتقدمين، فلا يدخلها الربا، لأن غلبة الثمنية في وقتهم كانت للذهب والفضة.
واعلم أن التعليل بغلبة الثمنية هو الذي ينسجم مع ما ذهب إليه بعضهم من أن الفلوس كانت موجودة في عهد النبي ﷺ، فلو كانت ربوية لنهى عن بيعها بالذهب والفضة نساء، فينتقض التعليل بمطلق الثمنية، وقد استدل بعضهم على وجودها بقول النبي ﷺ: «أتدرون من المفلس … الحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة، قالوا المفلس هو من صارت أمواله فلوسا.
٣ - ومن الخاص بالأجناس الأربعة الأخرى الاقتيات والادخار، وأضاف بعضهم لذلك ما يصلح به الطعام حيث اعتبروا القمح والشعير والتمر إشارة إلى الاقتيات والادخار، والملح إشارة لمصلح الطعام، قال ابن حزم في الحلى: «وهذه أفسد العلل التي ذكروا، وإن كانت كلها فاسدة واضحة البرهان».
٤ - العلة في المطعومات ليست واحدة، فمنها الاقتيات والادخار قياسا على القمح والشعير، ومنها الحلاوة والادخار كالزبيب والتين والعسل قياسا على التمر، ومنها التأدم
[ ٣ / ٣٤٩ ]
والادخار قياسا على الملح، وقد قال به محمد بن عبد الله الأبهري كما هو في المحلى أيضا.
٥ - التقدير بالوزن في الذهب والفضة والكيل في غيرهما، وهو المشهور عند الحنفية والحنابلة، قال ابن القيم: «التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض بخلاف التعليل بالثمنية»، انتهى، والطرد هو الذي لا مناسبة فيه كالطول والقصر والسواد والبياض في الإنسان، ومنه الكيل والوزن، ومعتمدهم حديث الدارقطني عن عبادة وأنس، وما في رواية البيهقي من الزيادة على حديث أبي سعيد وأبي هريرة وقد تقدم بيان ما في هذا الاستدلال.
٦ - ومن المشترك وجوب الزكاة، يعني أن الربا يدخل كل ما وجبت فيه، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وهذا منقوض بالملح فإنه غير زكوي، ومع ذلك فهو ربوي بالنص.
٧ - ومن المشترك الجنس، نسبه ابن حزم احتمالا لحماد بن أبي سليمان، قال: «فلم يجز التفاضل في جنس واحد كائنا ما كان، وعن سعيد بن جبير أنه جعل علة الربا تقارب المنفعة في الجنس الواحد أو الجنسين، وقريب منه قول ابن سيرين، قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٤٦٩): «وهذا أعم العلل، فيلزم من قال منهم بالعلة العامة أن يقول بها»، انتهى، فالعلة على هذا هي المالية.
٨ - العلة هي الأكل والشرب، والكيل والوزن والتثمين، وهو قول أبي ثور، وقول الشافعي في القديم.
٩ - العلة هي الطعم في الجنس أو الجنسين، والتثمين في الجنس أو الجنسين، واعتماد الطعم علة هو من القياس الأدون.
١٠ - قال الشوكاني في نيل الأوطار «٥/ ٣٠٣): «والحاصل أنه قد وقع الاتفاق بين من عدا الظاهرية بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس، واختلفوا في تعيين الجزء الآخر على تلك الأقوال، ولم يعتبر منهم العدد جزءا من العلة مع اعتبار الشارع له في رواية من حديث أبي سعيد: «ولا درهم بدرهمين»، وفي حديث عثمان عند مسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين»، انتهى.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة
قلت: قد تقدم ذكر من ذهب إلى إنكار القياس هنا من غير الظاهرية، أما أن الشارع اعتبر العدد جزء علة فليس صحيحا إذا كان المعتمد هو النص الذي ذكره الشوكاني، فإن المقصود من ذكر العدد في النهي عن بيع الدرهم والدينار بالدرهمين والدينارين أن الزيادة التي تأتى في المسكوك تكون كذلك غالبا، وهذا لا يعني أن بيع الدينار بما قل عن الدينارين جائز مباح، فمفهوم هذا العدد مهجور بالاتفاق لمجيء النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل سواء بسواء، ومثله النهي عن بيع التمر بالتمر متفاضلا، فإن في بعض الأحاديث: «لا صاعين بصاع»، وهو في الصحيح عن أبي سعيد، وقد يكون ظاهر كلام الشوكاني غير مراد منه التعليل به، وانظر السيل الجرار (٣/ ٦٥)، لكن العدد الذي يتحقق به التماثل الآن في استبدال العملة الواحدة بعضها ببعض: معدن بمعدن، وورق بمثله، وورق بمعدن، فلا يجوز التفاضل ولو كان العوضان مختلفين بالمعدنية والورقية، وقد ذهب بعضهم إلى جوازه وفيه نظر، والذي يجري بين الناس وهم يسمونه صرفا لا يعتبر بيعا في العرف، واسم الصرف الذي يطلق عليه لا يجعله ملحقا بحكمه الذي عوضاه يومئذ الذهب والفضة، والله أعلم.
وإذا علمت هذا الخلاف الواسع في التعليل وتراجع كثير من القائلين بالقياس عن القول به هنا علمت أنه ليس من المُسَلَّمِ القول بمنع بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة نسيئة كما عليه معظم أهل العلم المعاصرين.
لا يخفى عنك أنه قد جد في مسألة النقود ما ينبغي أن يتحدث عنه في هذا المقام، وهو العملات المعاصرة التي تنفرد بها كل دولة كالدينار الجزائري والريال السعودي والدولار الأمريكي، فما علاقتها بالذهب والفضة الممنوع التفاضل فيهما داخل الجنس الواحد، والممنوع في بيعهما النّسَاءُ اتحد الجنس أو اختلف؟، ومن عجب أن بعض من كتب في هذه المسألة لا يعرج على حكم بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة، فإن فعل اختصر الكلام اختصارا، مع قيام حاجة الناس إليه اليوم، وكل من رأيته يمنع بيع الذهب والفضة بالعملات المعاصرة إلى أجل يستدل على المنع بقول النبي ﷺ في نهاية حديث عبادة المتقدم: «فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، وقد نقل
[ ٣ / ٣٥١ ]
الثمنية في الذهب والفضة ليست توقيفية
الفرق بين الإجماع على التعامل بالشيء والاجماع على كونه توقيفيا
قول مالك بإجازة الجلود نقدا لو اتفق الناس عليها
زوال الثمنية عن الذهب والفضة اليوم
بعضهم الإجماع على منع النسيئة هنا، وهذا النقل مما يقضى منه العجب، وقد صدر بالمنع قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في عام (١٤٠٣ هـ)، وقد كتبت في ذلك رسالة ذكرتها من قبل هذا، بينت فيها ما تمسك به المانعون من بيع النقدين بالعملات نسيئة، وما يرد عليهم في ذلك، وخلاصة ما فيها ترجيح كون العلة في النقدين هي الثمنية، وهي وإن كانت علة قاصرة يومئذ فإن الجمهور يعللون بها لتقوية الحكم الثابت بالنص، قال في المراقي:
وعللوا بما خلت من تعدية … ليعلم امتناعه والتقوية
وبينت فيها أن الثمنية في الذهب والفضة ليست توقيفية كما ذهب إليه بعضهم تصريحا، وكما يفهم من تصرفات كثير منهم وفتاويه تلويحا، ومن غير المقبول أن يذكر بعضهم الإجماع على هذا التوقيف، وهو وهم نشأ من عدم التفريق بين الإجماع على مشروعية التعامل بذينك النقدين، وهذا الإجماع المدعى على التوقيف، والصواب أنه ليس للشارع غرض في الذي يعتمده الناس أثمانا للأشياء، وما أفقه مالكا ﵀ إذ قال وقد ذكرته من قبل: «ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والوَرِق نَظِرَةً»، انتهى، ولا يسوغ أن يقال إن مالكا منع من بيع الجلود نَظِرَة بالذهب والفضة لو اعتمدت سكة فكذلك بيع الذهب والفضة بالعملات، لأنا نقول ينبغي أخذ كلام الإمام بحاله، وهو أن الذهب والفضة كانا مسكوكين وهما أثمان للأشياء حين قال ما قال.
وذكرت أن الثمنية قد زايلت الذهب والفضة كما هو واقع الحال وبشهادة علماء المال والاقتصاد، فلم يعد الذهب والفضة يُسكان، ولا بقي للعملات المعاصرة الذي كان لها من قبل، وهو كونها سندات بذهب أو فضة تقدم للبنوك فيأخذ مالكها ما هي سند به، بل ولا تعتمد الدول الآن في كمية الكتلة النقدية التي تصدرها على رصيد الذهب والفضة الذي تملكه، لقد غدا يعتمد على قوة اقتصادها وميزان تجارتها واستقرارها السياسي.
وبناء على ما تقدم فإن من علل بالثمنية لا يصح منه المنع من ذلك التأجيل، لانتقال الثمنية عن الذهب والفضة إلى العملات، فغدت بديلا عنهما، ولا يجمع بين البدل
[ ٣ / ٣٥٢ ]
والمبدل منه، أما من لم يعلل بها فهو أبعد أن يقبل منه ذلك.
ومع هذا فبيع الذهب والفضة حكمه باق على ما نصت عليه الأحاديث، من منع التفاضل في الجنس الواحد ومنع التأجيل، وجواز التفاضل متى اختلف الجنس مع منع التأجيل، لأن العلة لا يصح أن ترجع على الأصل بالإبطال.
قال في المراقي:
وقد تخصص وقد تعمم … لأصلها لكنها لا تخرم
[ ٣ / ٣٥٣ ]
منع بيع مطلق الطعام بمثله نسيئة
• قوله:
٠٦ - «ولا يجوز طعام بطعام إلى أجل كان من جنسه، أو من خلافه، كان مما يدخر، أو لا يدخر».
يعني أنه لا يجوز بيع طعام بطعام نسيئة، ولو قرب القبض، ويستوي في المنع ما إذا اتحد الجنس كقمح بقمح، أو اختلف كقمح بتمر، ولا فرق بين ما إذا كان العوصان جميعا مما يدخله ربا الفضل كما تقدم، أو يدخل ربا الفضل أحدهما كقمح بتفاح، أو كانا مما لا يدخله ربا الفضل أصلا كخس بتفاح، فربا النسيئة يدخل جميع المطعومات، وقد استدل الغماري لهذه المسألة بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرُّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، رواه أحمد ومسلم، والاستدلال به على عموم منع النَّسَاءِ في بيع الطعام بالطعام فيه شيء، فإن العلة فيه مظنونة إذا ما قورنت بالتعليل بالاقتيات والادخار وغلبة العيش فيكون من القياس الأدون، وهو ما أشار إليه صاحب المراقي بقوله:
وإن تكن ظنية فالأدون … لذا القياس علم مبين
فأما الاستدلال له بما قاله ابن عبد البر في الكافي (١/ ٣١٠)، وهو نهي النبي ﷺ عن بيع الطعام بالطعام إلا يدا بيد»، انتهى، فهذا ماض ما لم يكن لمعنى الطعام عرف يومئذ فيقدم على الحقيقة اللغوية، أعني أنه يقدم على عموم ما يطعم ولينظر لفظ الحديث في صحيح مسلم عن معمر بن عبد الله ﷺ، في باب (بيع الطعام مثلا بمثل).
ولما كان ربا الفضل لا يدخل إلا في المقتات المدخر قال:
[ ٣ / ٣٥٤ ]
جواز التفاضل ومنع النسيئة في الجنس من الفواكه والبقول وما لا يدخر
• قوله:
٠٧ - «ولا بأس بالفواكه والبقول وما لا يدخر متفاضلا، وإن كان من جنس واحد يدا بيد».
ومن الفواكه التي لا تدخر الخوخ والمشمش، ومن البقول التي لا تدخر الخس والكسبر، وكل ما يجز من أصله يدعى بقلا، فهذا يجوز بيعه متفاضلا يدا بيدا، ولو اتحد الجنس كخَسٍّ بِخَسٍّ، فضلا عن اختلافه كمشمش بخس، قال الغماري: لأن ربا النَّسَاء يدخل الطعام وإن لم يكن ربويا، لقوله ﷺ في حديث عبادة السابق: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد»، فأجاز التفاضل ومنع النَّسَاءَ»، انتهى، قال كاتبه: في الاستدلال بالحديث على ما ذكر نظر، وقد تقدم، ثم صرح المؤلف بمفهوم قيد ما لا يدخر من الفواكه فقال:
[ ٣ / ٣٥٥ ]
منع التفاضل في الجنس من الفواكه والبقول التي تدخر وسائر الإدام والطعام إلا الماء
• قوله:
٠٨ - «ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد فيما يدخر من الفواكه اليابسة وسائر الإدام والطعام والشراب إلا الماء وحده، وما اختلفت أجناسه من ذلك ومن سائر الحبوب والثمار والطعام؛ فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد، ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه».
القول بمنع التفاضل فيما يدخر من الفواكه ينسب لابن وهب وغيره، وهو في الموطإ كما سترى، وهو قول ضعيف في المذهب، وبناء عليه تكون الفواكه قسمين: ما يدخر كاللوز والجوز، وما لا يدخر كالتفاح، فالأول لا يجوز فيه التفاضل، ويحوز في الثاني، ومبنى هذا القول على أن العلة في ربا الفضل الادخار وحده، والمذهب أن العلة مركبة من الاقتيات والادخار معا، وقد نص على ما ذكره المؤلف مالك في الموطإ في باب بيع الفاكهة، قال: «ولا يباع شيء منها إلا يدا بيد، وما كان منها مما ييبس فيصير فاكهة يابسة تدخر وتؤكل فلا يباع بعضه ببعض إلا يدا بيد، ومثلا بمثل إذا كان من صنف واحد،،،»، انتهى المراد منه.
وقوله «وسائر الإدام والطعام والشراب»، الإدام كالسمن والزيت، ومثله مصلح الطعام كالملح، فهذا داخل في المدخر كما تقدم، ويدخل في الطعام اللحم والمرق ونحو ذلك، ويقصد بالشراب ما كان متخذا من ربوي كالتمر والعنب، ويدخل فيه اللبن، واستثني الماء ولو كان ماء زمزم لأنه ليس طعاما، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا ونَسَاءً، كما يجوز بيعه بالطعام نَسَاءً، وإنما أعاد ذكر الإدام والطعام والشراب حسب التوجيه الذي ذكرته ليرتب عليه قوله الذي فيه التصريح بما عرف من مفهوم الجنس الواحد فيما يدخر
[ ٣ / ٣٥٦ ]
من الفواكه اليابسة، لكنه صرح به زيادة في الإيضاح فقال: «وما اختلفت أجناسه،،، الخ»، أما قوله: «ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه»، فإنك قد علمته فيما تقدم، وينبغي تقييد الفواكه بغير اليابسة كما علمت في غير المشهور من المذهب.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
اعتبار القمح والشعير والسلت جنسا واحدا في الربا
• قوله:
٠٩ - «والقمح والشعير والسلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم».
شرع هنا يبين ما كان من المطعومات جنسا واحدا، وما كان منها أجناسا لانبناء امتناع التفاضل على ذلك، والسُّلْتُ بضم السين المهملة وسكون اللام، حَبٌّ بين القمح والشعير لا قشر له، ومعتمد المذهب في هذه الثلاثة أنها جنس واحد في باب الزكاة كما تقدم وفي البيع، فلا يجوز بيع الواحد منها بغيره متفاضلا ولا نسيئة، ومن الحجة لهم في ذلك أن منافعها واحدة أو متقاربة، ولتقاربها في المنبت والمحصد، ولاشتهار اتحاد القمح والشعير في الجنسية في المدينة، بل إن الباجي طعن في حديث عبادة بن الصامت من حيث ثبوته ودلالته وهو الدال على خلاف ما ذهبوا إليه، فقد قال في المنتقى (٥/ ٣) عن بيع الحنطة بالشعير متفاضلا بعد ذكر من منع منه من الصحابة: «ولا يعلم لهما في ذلك مخالف من الصحابة إلا ما روي عن عبادة بن الصامت حديثا مرفوعا، وليس بالثابت مع ما يحتمل من التأويل»، انتهى، وهو يقصد سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ومعيقيب الدوسي، ومن الحجة لمالك فيما ذهب إليه حديث معمر حين أرسل غلامه بصاع قمح فقال بعه، ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال معمر: «لم فعلت ذلك»؟، انطلق فرده، ولا تأخذن إلا مثلا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: «الطعام بالطعام مثلا بمثل»، وكان طعامنا يومئذ الشعير، قيل له: «فإنه ليس بمثله»، قال: «إني أخاف أن يضارع»، انتهى، رواه مسلم (١٥٩٢)، ولا حجة فيه على المدعى، فإن دخول الشعير في الطعام لا يدل على ذلك، فيقيد بما كان من جنسه رعاية لما دل عليه حديث عبادة، ولأن الظاهر من كلام معمر أنه من باب الاحتياط والتورع يدل عليه قوله: «إني أخاف أن يضارع»، يعني يشابه، نعم التوقي في هذا الباب مطلوب متى قامت الشبهة، وليست هنا كذلك، يدل على الأول قول
[ ٣ / ٣٥٨ ]
عمر: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره، إني أخاف عليكم الرماء»، وهو في الموطإ (١٣٢٢)، والرماء هو الربا، وقال بعض علماء المذهب كالسيوري وعبد الحميد الصائغ وابن عبد السلام والقرطبي: إن الثلاثة أجناس يجوز بينها التفاضل ولا يجوز النَّسَاءُ اعتمادا على قول النبي ﷺ في حديث عبادة عند مسلم: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد».
قال القرطبي في التفسير (٣/ ٣٤٩): «وإذا ثبتت السُّنَّةُ فلا قول معها،،، وذكر الدليل السابق، ثم قال: وقوله «البُرُّ بالبُرُّ والشعير بالشعير»، دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر، ولأن صفاتهما مختلفة، وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، بل فصل وبين».
[ ٣ / ٣٥٩ ]
لا تأثير للأنواع داخل الجنس كأنواع الزبيب والتمر
القطنية أصناف في البيوع يحرم التفاضل بينها والتأجيل
• قوله:
١٠ - «والزبيب كله صنف، والتمر كله صنف، والقطنية أصناف في البيوع، واختلف فيها قول مالك، ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد».
لا فرق بين ألوان الزبيب والتمر ولا بين أحجامه من كبر وصغر في كونها كلها جنسا واحدا لا يجوز التفاضل فيه ولا النَّسَاءُ، ودليله حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: «أَكُلُّ تمر خيبر هكذا»؟، قال: «إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة»، فقال: «لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا»، رواه مالك (١٣١١) والبخاري ومسلم، ورواه مالك عن عطاء بن يسار مرسلا، والجمع والجنيب قال عنهما في النهاية: «كل لون من التمر لا يعرف اسمه فهو جمع، والجنيب نوع جيد من أنواع التمر».
أما القطنية بكسر القاف وضمها، وسكون الطاء وكسر النون والياء المشددة، وجمعها القطاني وهي كل ما له غلاف يخزن به كالفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان؛ فإن كلا من أفرادها صنف في البيوع على المشهور، ولم يذكر خليل غيره لاختلافها في الصورة والمنافع، وقيل هي صنف واحد، ووجهه تقارب منافعها كما تقدم في القمح والشعير والسلت، هذا في البيع، أما في الزكاة فيضم بعضها إلى بعض كما تقدم، وهو الذي في المدونة، فإن كان المراد من نفي المؤلف اختلاف قول مالك في القطنية في باب الزكاة ما في المدونة بخاصة فنعم، وإلا ففي العتبية أنها أصناف في الزكاة أيضا، وهو الصواب فيما يبدو، ووجه اعتبارها في الزكاة صنفا واحدا وفي البيوع أصنافا الاحتياط في الأول للمساكين، وفي الثاني للتحريم، ولم يذكر المؤلف نحو الأرز والذرة وهي أجناس في باب الزكاة والبيع من غير خلاف.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
حكم لحوم الأنعام والطير ودواب الماء والألبان والأجبان
• قوله:
١١ - «ولحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف، ولحوم الطير كله صنف، ولحوم دواب الماء كلها صنف، وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم؛ فهو كلحمه، وألبان ذلك الصنف وجبنه وسمنه صنف».
ذوات الأربع من الأنعام كالبقر والغنم والإبل، ومن الوحش كالغزلان وبقر الوحش وحمره والأرانب، فهذه كلها جنس واحد، يحرم فيه التفاضل والنَّسَاءُ، ولا ينقله الطبخ والقلي عن ذلك، ولو كان بمصلحات الطعام كالأبزار ونحوها، ومثل ذلك لحم الطير فإنه كله جنس واحد إنسيا كان كالدجاج والإوز، أو وحشيا كالنعام والحجل، ولو طير ماء، ومنه الجراد في قول، فهذا كله يحرم التفاضل فيه والنَّسَاءُ، ولينظر هنا باب بيع اللحم باللحم في الموطإ.
[ ٣ / ٣٦١ ]
منع بيع الطعام المشترى على كيل أو وزن قبل قبضه
• قوله:
١٢ - «ومن ابتاع طعاما؛ فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد، بخلاف الجزاف، وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده».
جاء في منع بيع الطعام قبل قبضه أحاديث منها ما رواه مالك (١٣٢٩) والشيخان عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»، وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه»، رواه مسلم (١٥٢٩)، وقال أبو هريرة ﵁: «نهى رسول الله ﷺ أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى»، رواه أحمد ومسلم، عزاه لهما في المنتقى، وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه»، قال ابن عباس: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله»، رواه أحمد والشيخان (م/ ١٥٢٥)، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يذكر في المسالك الترمذي وهو عنده.
وفي كلام المؤلف ثلاث تقييدات للمنع، أحدها كون المبيع طعاما، لا فرق بين المقتات وغيره، يدل عليه استثناء الماء من المنع في كلامه، وهو منصوص أحاديث ابن عمر وجابر وأبي هريرة وابن عباس وقد تقدمت.
والثاني قوله ابتاع ويدخل فيه عندهم كل ما كان على وجه المعاوضة المالية كالشراء أو غير المالية كأن يؤخذ في مقابل خلع، أو فتوى، أو قضاء، أو تعليم، أو يكون دية، أو أرش جناية، تمسك مالك بالعموم في الطعام، وألحق بالشراء جميع المعاوضات، فخرج بهذا نحو الصدقة والهبة والميراث والقرض.
وقد استُدل لهذا بما رواه البخاري (٢١١٥) عن ابن عمر أن النبي ﷺ اشترى من عمر بَكرا كان ابنه راكبا عليه، ثم وهبه لابنه قبل قبضه، ووجه الدلالة فيه أن يقاس على
[ ٣ / ٣٦٢ ]
الهبة كل ما كان نحوها مما لا عوض فيه، وقد رجح هذا الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٢٥٨)، ومن هذا ما رواه مالك (١٣٣٢) عن نافع أن حكيم بن حزام ابتاع طعاما أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فرده عليه، وقال: «لا تبع طعاما ابتعته حتى تستوفيه»، انتهى.
والمذهب كما علمت التفريق بين من اكتسب الطعام على غير معاوضة فلا بأس ببيعه قبل القبض، ومن ملكه بمعاوضة فلا يجوز له بيعه قبله، ويمكن تطبيق هذا على من أعطي له من شركته شيء على وجه الهبة كجهاز تبريد أو سيارة وسلم له بذلك صك فإنه يجوز له أن يبيعه قبل قبضه على المذهب لأنهم خصوا المنع بالطعام، أما لو أعطي له ذلك نطير عمله فإنه لا يجوز له بيعه حتى يقبضه، أما الذي يُسْلِمُ مالا في أسمنت مثلا ويعطى له سند بذلك فيبيعه قبل القبض فلا يجوز له إلا على وجه التولية، أعني التنازل عنه لغيره بثمنه.
والثالث تقييد المنع من بيع الطعام قبل القبض بما إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا لأنه في معنى الموزون والمكيل، وهذا يخرج بيع الجزاف كما سيأتي، ودليله ما جاء عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه»، رواه أحمد ورواه أبو داود والنسائي نحوه، وفي بعضها ذكر الاستيفاء بدل القبض، وفي صحيح مسلم عطف أحدهما على الآخر وهما أمر واحد، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣٧٢): «فالمعنى في ذلك سواء، لأن الاستيفاء بالكيل والوزن هو القبض لما يكال أو يوزن»، انتهى، وبهذا يعلم ما في كلام صاحب الفواكه الدواني (٢/ ١٢٥) إن هذا القيد من بيان المتفقهين، قال خليل: «وجاز البيع قبل القبض إلا مطلق طعام المعاوضة ولو كرزق قاض انتهى.
ولا فرق بين أن يكون المتبايعان مسلمين، أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، فلو كانا كافرين فالأولى أن لا يشتري المسلم ممن لم يقبض، وانظر حاشية الشيخ علي الصعيدي (٢/ ٤٧٦)، فهذا عن حكم بيع الطعام قبل قبضه.
وقد علل النهي عن بيع الطعام قبل قبضه بأنه تعبدي، وهو مستبعد، وإن قال ابن
[ ٣ / ٣٦٣ ]
العربي في المسالك (٦/ ٢١) عنه: «إنه شرع محض، وتعبد صرف، لا يفهم المعنى فيه، ولا تعقل علته»، انتهى، وقيل إن المقصود تيسير الوصول إلى الطعام لحاجة الناس أغنيائهم وفقرائهم إليه، ولو بيع قبل قبضه لكان ذلك ذريعة إلى إخفائه، فيُشترى من مالكه خفية، فلا يتوصل إليه الفقير، وهذا مقارب، لكن على قول من لم يمنع بيع غير الطعام قبل قبضه، ومن المزايا في ذلك نفع الكيال والجمال، أي أنه جالب لعمل آخر ينتفع به الناس، وقيل في التعليل إن فيه منعا لأن يتكرر العقد على الشيء قبل أن يقبض، إذ يتوالى على المبيع الواحد ضمانان: فهو مضمون للمشتري الأول على البائع الأول، ومضمون للمشتري للثاني على البائع الثاني، فيكون مضمونا للشخص، مضمونا عليه في الوقت نفسه، وفي ذلك ما فيه من تكثير أسباب النزاع والاختلاف، وانظر المنتقى (٤/ ٢٨٢) للباجي، وضعف هاتين العلتين ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (٢/ ٢٨١)، وصوب التعليل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتريَ قد ربح فيه، ويغره الربح وتضيق عينه منه، وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلما، وإلى الخصام والمعاداة، والواقع شاهد بهذا، قال وهذه العلة أقوى من تينك العلتين»، انتهى، قال كاتبه: وفي اشتراط القبض نفع للناس بجلب المبيع إلى المكان المحتاج إليه فيه، فإن الغرض من التجارة تيسير وصول السلع إلى الناس، وإذا بيع الطعام أو غيره قبل القبض وتكرر ذلك لم يتحقق الغرض، إذ يتداول السلعة مجموعة محدودة من الناس ويحتكرونها، ويجري هذا كثيرا عندنا في الأسواق، إذ يباع الشيء في السوق في يوم واحد مرات عدة قبل أن يصل إلى من يريد امتلاكه، فيرتفع ثمنه لهذا السبب، فالأصل في السلعة المرادة للتجارة أن تحاز إلى الرَّحْلِ قبل أن تباع كما جاء في حديث ابن عمر، وجاء النهي أن تباع السلع حيث تبتاع، ولذلك لا يسلم من شوب هذه المخالفة الذين يشترون من السوق ليبيعوا فيه، ولا يظهر أن هذه المخالفة تجتنب ببضعة أمتار تنقل السلعة إليها في السوق.
ومما يدخل في بيع الطعام قبل قبضه صورتان ذكرهما مالك في الموطإ (١٣٤٣) وهما إذا «اشترى طعاما بسعر معلوم إلى أجل مسمى، فلما حل الأجل قال الذي عليه
[ ٣ / ٣٦٤ ]
إلحاق ما كان على وجه المعاوضة في المنع من البيع قبل القبض
الطعام لصاحبه: ليس عندي طعام فبعني الطعام الذي لك علي إلى أجل، فيقول صاحب الطعام: هذا لا يصلح لأنه قد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى، فيقول الذي عليه الطعام لغريمه: «فبعني طعاما إلى أجل حتى أقضيكه»، فهذا لا يصلح، لأنه إنما يعطيه طعاما ثم يرده، فيصير الذهب الذي أعطاه ثمن الطعام الذي كان عليه، ويصير الطعام الذي أعطاه محللا فيما بينهما، ويكون ذلك إذا فعلاه بيع الطعام قبل أن يستوفى»، انتهى.
والجزاف بضم الجيم وفتحها وكسرها - وهو الأقوى - ما ليس مكيلا ولا موزونا ولا معدودا، ويغني عن ذكر حكمه مفهوم قيد المكيل والموزون والمعدود في كلامه، لكنه صرح به لزيادة البيان كعادته، فقوله بخلاف الجزاف، أي بخلاف ما بيع جزافا فيجوز بيعه قبل القبض على المشهور، لأن قبضه يكون بتمام العقد، وتخلية البائع بينه وبين مشتريه، بل اعتبر بعضهم النظر إليه قبضا، ولأن الاستيفاء المطلوب يكون بكيل المبيع أو وزنه أو عده، ولا شيء من ذلك في الجزاف، وسيأتي كلام المؤلف في بيان حكم بيع الجزاف مع ذكر شروطه.
وحيث علمت أن المنع من البيع قبل القبض يختص في المذهب بالطعام والإدام، ويختص الطعام بما كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، فاعلم أنه قد جاء في الحديث ما يجعل كل السلع بمثابة الطعام، وقد تقدم قول ابن عباس ﵄: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله»، يعني مثل الطعام في المنع، وهذا منه قياس مساو، وذهب بعض العلماء إلى أنه قياس أولوي باعتبار أن حاجة الناس إلى الطعام أشد من حاجتهم إلى غيره، فلو ساغ التساهل في القبض لكان الطعام هو الأولى بذلك، ومهما يكن فقد جاء ما يدل على النهي عن بيع غير الطعام قبل القبض، وهو حديث زيد بن ثابت قال: «نهى رسول الله ﷺ أن تبتاع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم»، رواه أبو داود، وعن حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله إني أبتاع هذه البيوع فما يحل لي منها وما يحرم علي؟، قال: يا ابن أخي لا تبع شيئا حتى تقبضه»، رواه البيهقي، وعبد الله بن عصمة الذي في سنده احتج به النسائي، وبقية رجال إسناده على شرط الشيخين كما قال ابن القيم في تهذيب السنن، وإنما لم يأخذ أهل المذهب بحديث حكيم بن حزام لأنه لم يصح عندهم.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
الحكمة من منع بيع الطعام قبل قبضه
لكن قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٣٧٥) عن عبد الله بن عصمة: «لا أعلم له جرحة»، ثم قال بعد كلام: «إن كان معروفا بالثقة والأمانة والعدالة فلا يضره إذا لم يرو عنه إلا واحد»، انتهى، ويمكن القول إنهم اعتبروه مجملا يفسره التنصيص على الطعام في الأحاديث الأخرى، وعاملوا بمثل ذلك حديث النهي عن ربح ما لم يضمن، كما أشار إليه ابن عبد البر، وليس بجيد، وعلى منع بيع جميع السلع قبل القبض يكون ذكر الطعام في تلك الأحاديث من التنصيص على بعض أفراد العام كما هو الشأن في حديث الصعيد في باب التيمم عندهم، أو لأن غالب التجارة بالمدينة كانت في الطعام، ولأن الضرر الناتج عن مخالفة هذا الحكم في بيع الطعام أقوى لعموم الحاجة إليه، ولأن البيعتين إذا لم يتخللهما قبض قد تؤولان إلى الربا، كما جاء عن طاوس قال: قلت لابن عباس كيف ذاك؟، وهذا من طاوس سؤال عن علة منع بيع الطعام قبل استيفائه، فقال ابن عباس مجيبا: «ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ»، وهو في صحيح البخاري، والمرجأ المؤجل، وهذا القول من ابن عباس يدل على أن معتمده في قياسه غير الطعام على الطعام في المنع من بيعه قبل القبض، هي أن مآل ذلك الربا، ويمكن انتزاع تلك العلة التي أشرت إليها قبل وهي أن بيع السلع قبل قبضها تفتقد التجارة معها بعض مقاصد الشرع منها، وهي كونها تقرب للناس ما يحتاجون إليه، ومن باع قبل القبض فكأنما باع النقود بعضها ببعض، وهي إنما وضعت رؤوسا للأموال لا موردا للكسب والتجارة، وهذا يبين والله أعلم أن المتاجرة فيها ينبغي أن تكون مضيقة، وقد توسعت في هذا العصر بعد زوال الثمنية عن الذهب والفضة فكانت عملة العالم واحدة ثم أصبحت بالمئات.
أما تقييد منع بيع الطعام قبل قبضه بما كان غير جزاف فإن العمدة فيه التقييد بالمكيل والموزون، وهذا اعتماد على مفهوم الصفة وهو متجه، لكن معارضه منطوق فيقدم عليه، وهو ما رواه مالك (١٣٣١) ومسلم و(د/ ٣٤٩٤) عن ابن عمر قال: «كنا نشتري الطعام جزافا فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله»، لكن ليس في الموطإ ذكر الجزاف، وفي صحيح البخاري (٢١٣١) عن ابن عمر أيضا قال: «رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى يأووه إلى رحالهم»،
[ ٣ / ٣٦٦ ]
الدليل على أن كل السلع مثل الطعام في المنع
الدليل على دخول ما بيع جزافا في المنع من البيع قبل القبض
انتهى، ومن المستبعد أن يضرب الناس على غير ما هم ملزمون به شرعا، ومن ذا الذي يجرؤ على فعل ذلك بهم والنبي ﷺ بين أظهرهم لو لم يكن ذلك شرعا له؟، فالظاهر عدم الفرق في لزوم القبض بين الجزاف وغيره، وقد دل هذا الحديث على لزوم القبض بالأولى لأن الإيواء إلى الرحال يلزم منه القبض، ولا يلزم من القبض الإيواء إلى الرحال، كما دل النهي الوارد عن أن يبيع المرء ما لم يقبضه على النهي عن بيع ما ليس عنده من باب أولى، ولذلك ترجم البخاري بقوله: «باب بيع الطعام قبل أن يقبض، وبيع ما ليس عندك»، وإنما أورد الدليل على الأول واستنبط الثاني من النهي عن الأول، قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٤٠): «ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى»، انتهى.
واعلم أنه قد جاء عن مالك ﵀ التسوية بين الجزاف وغيره في المنع من البيع قبل القبض، ذكر ذلك الشيخ على الصعيدي في حاشيته (٢/ ٤٦٧)، والذي في الكافي لابن عبد البر في باب بيع الجزاف نسبة ذلك لبعض المتأخرين من أصحاب مالك المصريين، ثم قال: «والاختيار عند مالك ﵀ في ذلك ألا يبيعه حتى ينقله من مكانه إلى مكان غيره»، انتهى، وفي النوادر (٦/ ٣٨) قال مالك: «من اشترى نصف ثمرة جزافا، أو نصف صبرة فلا بأس ببيع ذلك قبل أن ينقل، وأحب إلي أن ينقل قبل البيع لحديث ابن عمر، ولا أراه حراما، وكذلك الصبرة يشتريها إلا أنها في ضمانه بالعقد، فقد استوفى، وعلى ذلك من أدركت»، انتهى، وقد علمت أن حديث ابن عمر الذي في الموطإ ليس فيه ذكر الجزاف، والمقصود أن هذا أولى أن يقال به لثبوت الدليل عليه، وكلام الباجي في المنتقى «٤/ ٢٨٣) في توجيه حديث ابن عمر القاضي بالمنع من بيع الجزاف قبل إيوائه إلى الرحل فيه اضطراب.
وقول المصنف: «وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده»، يعني أن الحكم السابق يشمل كل طعام، وإنما كرره ليذكر الإدام والشراب، فإنهما يصدق عليهما اسم الطعام، وقد تقدم الكلام على استثناء الماء، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
لا تدخل الزرائع والأدوية في المنع من البيع قبل القبض
• قوله:
١٣ - «وما يكون من الأدوية والزراريع التي لا يعتصر منها زيت؛ فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه، أو التفاضل في الجنس الواحد منه».
الزريعة خفيفة الراء كما هو في اللسان عن ابن بري، تجمع على زرائع، لا زراريع كما في المصنف، والمقصود أن ما كان من الأدوية مركبا من الطعام وغيره، كالعسل يخلط بالعقاقير، وهكذا الزرائع التي تؤكل على حالها ولا يعتصر منها زيت، فهذا يجوز بيعه قبل قبضه، لأنه لا يتناوله النهي الوارد عن النبي ﷺ على ما في المذهب. كما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه لأنه لم يجتمع فيه الاقتيات والادخار، فلا يدخله الربا، فإن كانت الزرائع من ذوات الزيوت كالزيتون والسمسم ونحوهما، أو كانت مصلح طعام كالملح والبصل والثوم، أو تابلا كالفلفل والكزبرة فلا يجوز بيعها قبل القبض، ولا التفاضل في الجنس الواحد منها على ما تقدم.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
جواز بيع الطعام المقترض قبل قبضه
• قوله:
١٤ - «ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه».
من اقترض طعاما أو وهب له أو تصدق به عليه يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه لمقرضه أو لغيره، لأن الممنوع أن يتوالى على السلعة عقدان لم يتخللهما قبض، لكن يشترط في بيع الطعام المقترض قبل القبض النقد، أي دفع الثمن من غير تأجيل، لأنه إن باعه بالدين للمقرض كان من فسخ الدين في الدين، وإن باعه لغيره بالدين كان من باب بيع الدين بالدين، وستقف على معنى هذا البيع بعد فلا تستعجل، وكما يجوز للمقترض بيع طعام القرض قبل قبضه يجوز له أن يدفعه وفاء لقرض في ذمته.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
جواز التولية والشركة والإقالة في الطعام قبل القبض
• قوله:
١٥ - «ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه».
هذه ثلاثة أمور مستثناة من بيع الطعام المكيل قبل قبضه، وإن كانت في الصورة بيعا إلا أنها خرجت منه لعدم وجود المكايسة فيها، ولما فيها من الرفق، ولذلك جمع مالك معها في المعنى بيع العرايا المنصوص على الترخيص فيه، قال في الموطإ بعد كلام على بيع العرايا: «وإنما أرخص فيه لأنه بمنزلة التولية والإقالة والشرك، ولو كان بمنزلة غيره من البيوع ما أشرك أحد أحدا في طعامه حتى يستوفيه،،،»، انتهى، والثلاثة المستثناة هي:
١ - الشركة، والمراد بها هنا أن يجعل المشتري قدرا مما اشتراه لنفسه لغير بائعه باختياره بما نابه من ثمنه، على أن يستوي عقداهما فيه حلولا وتأجيلا، ورهنا وحميلا، وفي رأس المال، وأن لا يشترط المشتري على الذي يريد أن يشركه أن ينقد عنه، ومثاله أن يشتري خالد (٢٠) صاعا من تمر ثمنها (٦٠٠٠) د، فيشرك زيدا في نصفها بالثمن الذي اشتراه فيدفع له (٣٠٠٠) د.
٢ - التولية، وهي أن يجعل الطعام الذي اشتراه لغير بائعه بثمنه الذي اشتراه به، ويراعى فيها ما تقدم في الشركة من استواء عقديهما ورأس مالهما.
٣ - الإقالة، وهي أن يتفق البائع والمشتري على التراد، فيرد المشتري السلعة ويرد البائع ثمنها، على أن تقع الإقالة في جميع المبيع، وأن يكون الطعام ببلد الإقالة، وأن يكون التراد بمثل الثمن الأول، لا بزيادة عنه ولا بنقص، لأنه إن لم يكن كذلك كان بيعا جديدا فيخرج عن المكارمة التي هي علة الاستثناء.
قال مالك في الموطإ (ما جاء في الشركة والتولية والإقالة): «الأمر عندنا أنه لا بأس بالشرك والتولية والإقالة منه في الطعام وغيره قبض ذلك أو لم يقبض، إن كان ذلك بالنقد، ولم يكن فيه ربح ولا وضيعة، ولا تأخير للثمن، فإن دخل ربح أو وضيعة أو تأخير من
[ ٣ / ٣٧٠ ]
واحد منهما صار بيعا يحله ما يحل البيع ويحرمه ما يحرم البيع، وليس بشرك ولا تولية ولا إقالة»، انتهى.
وإنما استثنيت هذه الثلاثة من بيع الطعام قبل قبضه لأنها أشبهت القرض الذي هو معروف وإحسان، وإن كانت في الصورة بيعا مؤتنفا، قال النفراوي في شرحه: «وقد روى أبو داود وغيره عنه ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة»، هكذا هو في الفواكه الدواني، ولعله ذهب وهله إلى ما رواه أبو داود والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا: «من أقال مسلما أقال الله عثرته»، أما اللفظ الذي عزاه لأبي داود فقد رواه سحنون في المدونة «٣/ ١٦٢) عن ابن القاسم عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة»، وهو مرسل كما ترى، وبعده قول مالك ﵀: «اجتمع أهل العلم على أنه لا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه أو يقيله أو يوليه»، انتهى.
[ ٣ / ٣٧١ ]
منع الغرر والخطر في الثمن والمثمون والأجل في البيع والإجارة
• قوله:
١٦ - «وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل؛ فلا يجوز».
روى مسلم (١٥١٣) وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر»، وفي الموطإ (١٣٦١) عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر»، وبيع الحصاة أن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة ويرمي الحصاة، أو من هذه الأرض ما انتهت الحصاة إليه في الرمي، وقيل غير ذلك، وعطف الغرر على بيع الحصاة من عطف العام على الخاص، وما قاله المصنف قاعدة عامة فيما يتعين أن تخلو منه العقود، وإلا لم تجز، وقد ذكر هنا البيع وهو ما تملك به الرقبة أي الذات، والإجارة وهي ما تملك به منفعة الآدمي غالبا، والكراء وهو ما تملك به منفعة الدواب والعقار، فهذه إن كان في عقدها خطر أو غرر في الثمن أو في المثمن أو في الأجل لم يجز العقد، والأصل فيما لا يجوز الفساد، فيفسخ قبل الفوات، فإن حصل الفوات بواحد من المفوتات كتغير الذات في البيع، أو استيفاء المنافع في غيره؛ فالمطلوب في البيع غرم قيمة السلعة متى اتفق على الفساد، وغرم ثمنها حيث لم يتفق عليه، أما في غير البيع فالواجب أجرة أو كراء المثل، والفرق بين قيمة الشيء وثمنه سيأتي ذكره إن شاء الله، وينبغي أن يستثنى من ذلك ما دل الشرع على جوازه باستثنائه إياه من الممنوع، لما فيه من المصلحة كما سيأتي في بيع السلم والقراض والمساقاة والعرية وغيرها، فلا يصح الاعتراض بمثل تلك القاعدة على ما ثبت جوازه بالنص أو بالإجماع.
والخطر والغرر عند بعضهم واحد، وقد وصف مالك بهما بعض البيوع مع العطف بالواو في المدونة، وفي الموطإ في أكثر من باب، ومن ذلك (المزابنة والمحاقلة)، و(بيع الغرر)، فالمؤلف مقتد به في ذلك، وقيل إن الغرر «هو ما شك في حصول أحد عوضيه أو
[ ٣ / ٣٧٢ ]
المقصود منه غالبا»، انتهى، نقله ابن ناجي في شرحه عن بعض شيوخه، وحمل بعضهم كلا منهما على غير الآخر لأنه الأصل في المتعاطفين بأو، قال الشيخ على الصعيدي العدوي: «الخطر ما لم يتيقن وجوده كقوله بعني فرسك بما أربح غدا، والغرر ما تيقين وجوده وشك في تمامه كبيع الثمار قبل بدو صلاحها»، انتهى، والغرر محظور لا فرق بين كونه في الثمن، كأن يشتري شاة بعبد آبق، أو بما في جيبه من النقود لا يدرى المشتري كم هي، أو يشتريها بقيمتها، أو في المثمن، كأن يشتري شاة في سياق الموت، أو أن يكون الغرر في الأجل، كأن يشتري كتابا يدفع ثمنه وقت حصوله على المال، أو حين يقدم زيد، ولا يعلم وقت قدومه.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
الغرر اليسير والكثير والمقصود وغير المقصود
• قوله:
١٧ - «ولا يجوز بيع الغرر ولا بيع شيء مجهول ولا إلى أجل مجهول».
قد يقال هذا تكرار، وقد يقال إنه لما قدم أن العقد لا يصح مع الغرر بيعا كان أو إجارة أو كراء خص البيع بالذكر هنا لورود النص فيه خصوصا وعموما، فأما العموم فهو حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم، ومرسل مالك عن سعيد، وقد تقدما، وأما الخصوص فمنه النهي عن بيع الحصاة والملامسة والمنابذة وبيع العبد الآبق وغير ذلك.
والغرر قسمان: كثير وهو الذي يضر، ويسير لا يكاد يخلو منه البيع، ويحصل ضمنا وتبعا، لا قصدا، والضار منه ما كان مقصودا، ومنع اليسير غير المقصود يؤدي إلى الحرج الشديد، وتعطيل المصالح والمنافع، وكثير من اختلاف العلماء في هذا الباب مرده إلى اختلافهم في تحقيق مناط القلة والكثرة من الغرر، ومن أمثلة اليسير كراء الشيء شهرا مع جواز نقص الشهر، ودخول الحمام مع عدم ضبط ما يستهلك من الماء، ومقدار الوقت الذي يقضيه فيه المستحم، ومنه كمية الخبز الذي يتناوله الناس في المطاعم، إذ إن ذلك لا دخل له فيما يقدم من العوض المعلوم سلفا في مقابل الأكل، ومثله اختلاف الركاب في مقدار ما يحملون من المتاع، ومدة الجلوس في المقاهي وغير ذلك، فهذا غرر لكنه يسير غير مقصود من فاعله فلا يضر، وقد علل المنع من بيع الغرر بما يؤدي إليه من المخاصمة والمنازعة، وفي هذا التعليل نظر، إلا أن يقال إنه بعض علة، وإلا فإن الغرر فيه أكل لأموال الناس بالباطل، وهو محرم حصلت المنازعة أو لا.
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٢٥): «ومفسدة الغرر أقل من مفسدة الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه، فإن تحريمه أشد ضررا من ضرر كونه غررا مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو
[ ٣ / ٣٧٤ ]
المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل أو اللبن، وإن كان قد نهي عن الحمل مفردا، وكذلك اللبن عند الأكثرين، وكذلك بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، فإنه يصح مستحق الإبقاء، كما دلت عليه السنة، وذهب إليه الجمهور كمالك والشافعي، وإن كانت الأجزاء التي يكمل الصلاح بها لم تخلق بعد»، انتهى.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
منع التدليس والغش والخلابة وكتمان العيوب
• قوله:
١٨ - «ولا يجوز في البيوع التدليس، ولا الغش، ولا الخلابة، ولا الخديعة، ولا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجيد، ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع، أو كان ذكره أبخس له في الثمن».
هذا الذي ذكره مما يمنع متقارب في المعنى، وبعضه مترادف، فالتدليس أن يعلم أن في سلعته عيبا فيكتمه عن المشتري، ومنه الدلس بفتح اللام أي الظلمة، وهو حرام لقول النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما»، رواه البخاري عن حكيم ابن حزام ﵁، وقوله: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له»، رواه ابن ماجة (٢٢٤٦) عن عقبة بن عامر ﵁، والفقرة الأولى منه في صحيح مسلم.
والذمي في هذا الحكم مثل المسلم، ولا يقتصر الأمر في لزوم بيان العيب على البائع، بل يلزم ذلك كل من علم بالعيب من الناس لتواتر حديث النصح للمسلم.
والغش أن يخلط الشيء بغير جنسه كخلط العسل واللبن بالماء، والسمن بالشحم والبطاطا، وخلط الجيد بالرديء، أو أن يجعل الجيد في الأعلى، أو في جوانب الكيس كي لا يرى، وقد مر النبي على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بلالا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام»، قال: «أصابته السماء»، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»، رواه مسلم.
قال ابن العربي في العارضة (٦/ ٥٥): «الغش محرم بإجماع الأمة، لأنه نقيض النصح، وهو من الغشش، وهو الماء الكدر، فلما خلط السالم بالمعيب وكتم ما لو أظهره لما أقدم عليه المبتاع، ولم يبذل ما بذل على السلامة في اعتقاده مما اطلع عليه،،،»، انتهى، ولم يذكر الجواب، والعارضة في حاجة إلى التحقيق، ولعله يقصد بيان معنى كونه «ليس
[ ٣ / ٣٧٦ ]
منا»، لأن المسلمين يوافق باطنهم ظاهرهم، والغاش يرى الشيء فاسدا ويظهره في صورة الصالح، فكان بهذا المعنى ليس من جماعة المسلمين، والله أعلم.
والخلابة الخديعة بالقول اللطيف كذا في النهاية لابن الأثير، والخديعة أعم منها، ومن ذلك أن يكذب في ذكر ثمن ما يريد بيعه بأن يقول اشتريت هذه السلعة بكذا، أو بغير الكلام كأن يكتب عليها أنه اشتراها ب (١٠٠) دينار، وأن ثمن بيعها هو (١٢٠) د، ومن الخلابة أن يقول له تعال اشتر مني وأنا أرخص لك، أو يعطيه شيئا مما يريد بيعه ليأكله، أو يدعوه إلى الجلوس ليستهويه، ومما يفعله كثير من التجار اليوم أنهم يضعون صفوفا من حبات الخضر والفواكه مختارة في الجهة التي يراها المشتري، وإلى جهة البائع غيرها رديء ثم يزن من الرديء، أو يجعل أعلى الصندوق جيدا وأسفله رديئا، أو يتعمد تنضيد اللحم على شكل يستهوي النظر، ويجعل الشحم من جهته بحيث لا يراه المشتري، وما أكثر الباطل.
وعن قيس بن سعد ﵁ قال: «لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر الناس»، وهو في الصحيحة للألباني برقم (١٠٥٧).
وقوله «ولا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجيد»، هو تكرار أو بيان لمعنى التدليس والغش، ولما كانت العيوب قد تتفاوت باعتبار المشترين نبه على خصوصها بعد بيان امتناع عمومها في قوله: «ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع، أو كان ذكره أبخس له في الثمن».
ومن ذلك أن يبيع للمسلم ثوب الكافر، أو المجذم، أو الميت، مع علمه بكراهة المشتري لذلك، وكبيعه ثوبا على أنه جديد، لكنه غسل لسبب غير الاستعمال كالتنجس، وقد جاء في الحديث ما يؤخذ منه إثبات الخيار ثلاثة أيام لمن يخدع في البيع.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
حكم المبيع الذي يجد مشتريه فيه عيبا
• قوله:
١٩ - «ومن ابتاع عبدا فوجد به عيبا فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه».
هذا أحد أنواع الخيار الثلاثة وهو خيار العيب، ويسميه بعضهم خيار النقيصة، ولا خصوصية للعبد فيما ذكره من الحكم دون بقية السلع، وإنما خصه به لشرفه على غيره من المبيعات، فيكون ما عداه أولى بالحكم، ودليل ما ذكره حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تُصَروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر»، رواه مالك (١٣٩) وأحمد والشيخان، وقوله لا تُصَروا بضم التاء وفتح الصاد من صرى المشدد، والإبل والغنم لقبان فلا مفهوم لهما، فيحرم تصرية البقر أيضا، وإنما لم تذكر لأنها لم تكن كثيرة في الحجاز، والتصرية - ومثلها التحفيل - هي جمع اللبن في الضرع، قيل إنما منعت لما فيها من التدليس على المشتري، وقيل مطلقا لما فيه من إيذاء الحيوان، والظاهر أنها علة مركبة، والحيوان الذي يصر يدعى مُصَراة، وقوله بعد ذلك أي بعد التصرية، وجه الاستدلال به قوله ﷺ إن رضيها أمسكها، وإنما قدر التعويض عن المحلوب بصاع من تمر ليقطع النزاع، كما سبق في تراد الجابي والمزكي إذا لم يوجد عنده السن المطلوب، وهنا قد اجتمع اللبن السابق على العقد مع اللاحق، وبهذا يتبين عدم صواب قول من رأى أن حديث الخراج بالضمان معارض لما في حديث النهي التصرية من إعطاء البائع صاعا من تمر في حال الرد، وأخذ مالك بالحديث يدل على تقديمه خبر الآحاد على القياس الذي يقضي برد القيمة، وقد اشتبه على بعضهم تقديم مالك القواعد العامة والأصول على بعض أخبار الآحاد كما في حديث ولوغ الكلب فظنوا أنه يقدم قياس الأصول على الخبر، وقد درج عليه صاحب المراقي، وليس كذلك، وفي الحديث دلالة على أن بعض البيوع التي
[ ٣ / ٣٧٨ ]
يخالطها ما نهي عنه قد تصحح إذا رضي بذلك المشتري، ومثل هذا ما دل عليه حديث النهي عن بيعتين في بيعة كما سيأتي.
وإنما يكون للمشتري حق الرد بالعيب السابق على العقد أو الحادث في زمن خيار التروي إذا توفر ما ذكروه وهو أمور:
- إن لم يطلع المشتري على العيب حين العقد، علم البائع به أو لم يعلم، بيد أنه في حالة العلم به يأثم مع إمكان رد السلعة، ومن هذا القبيل أن يستغل المبيع بعد الاطلاع على العيب استغلالا يدل على الرضا ويختص ذلك بالغلة التي تنشأ من غير تحريك كاللبن والصوف.
- أن يكون العيب مما يمكن التدليس به، بخلاف ما ليس كذلك من الظاهر كالعور، والخافي عنهما كباطن الخشبة، فهذا لا كلام في مثله للمشتري.
- أن يكون العيب بحيث ينقص من الثمن كثيرا، فإن كان لا ينقص شيئا منه، أو ينقص قليلا، فلا خيار في الرباع والعقار، واختلف في سائر العروض، فقيل له الخيار، وقيل لا خيار له، والخيار في الجميع هو الراجح لأنه الأصل.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
حكم اجتماع عيبين في المبيع سابق ولاحق
• قوله:
٢٠ - «إلا أن يدخله عنده عيب مفسد؛ فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده».
ويستدل على هذا في الجملة بحديث المصراة المتقدم، إذ إنه في حالة الرد يعطي البائع صاعا من تمر تعويضا عما استهلكه من اللبن، أما هنا فيرجع إلى الأصل، وهو تعويض قيمة العيب الحادث عنده، واجتمع هاهنا العيب الذي كان في المبيع قبل العقد، والعيب الذي لحقه عند مشتريه، فكان للمشتري الخيار بين أن يمسك المبيع ويرجع بقيمة العيب القديم على البائع فيستردها منه، أو يقاصه بها، وبين أن يرد المبيع ومعه قيمة ما نقصه بسبب العيب الذي حدث عنده، وإنما قدم المشتري بأن أعطي له الخيار مع تعارض حقه وحق البائع لأنه لم يحصل منه تدليس ولا كتمان، ولأن عيب البائع سابق، وقبل ذلك لما في حديث المصراة من قول النبي ﷺ عن المشتري: «فهو بخير النظرين»، وقد نص مالك على هذا فقال في الموطإ في باب (العيب في الرقيق): «الأمر المجتمع عليه عندنا أن كل من ابتاع وليدة فحملت، أو عبدا فأعتقه، وكل أمر دخله الفوت حتى لا يستطاع رده فقالت البينة إنه كان به عيب عند الذي باعه، أو علم ذلك باعتراف من البائع أو غيره، فإن العبد أو الوليدة يقوم وبه العيب الذي كان به يوم اشتراه فيرد من الثمن قدر ما بين قيمته صحيحا وقيمته وبه ذلك العيب»، انتهى، وقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل يشتري العبد ثم يُظهَر منه على عيب يرد منه وقد حدث به عند المشتري عيب آخر إنه إذا كان العيب الذي حدث به مفسدا مثل القطع أو العور،،، فإن الذي اشترى العبد بخير النظرين: إن أحب أن يوضع عنه من ثمن العبد بقدر العيب الذي كان بالعبد يوم اشتراه وُضع عنه، وإن أحب أن يَغرم قدر ما أصاب العبد من العيب عنده ثم يرد العبد فذلك له،،،»، انتهى ببعض الحذف، وانظر المدونة أول كتاب التدليس بالعيوب.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وأنت ترى بأن المصنف قيد العيب الذي يحدث عند المشتري بالمفسد وهو في الموطإ، قالوا وهو المتوسط الذي لا يخرج المبيع عن المقصود كأن تعجف الدابة، ومنه أن تصاب السيارة في جزء من هيكلها الخارجي، أو تتزوج الأمة، بخلاف ما فوت المقصود فإنه يفوت معه الرد، وللمشتري أن يرجع على البائع بأرش العيب القديم.
وعليك أن تلاحظ أنهم قالوا يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده، فاحتاج الأمر إلى بيان أن قيمة الشيء ليست هي ثمنه دائما ولا بد، بل قد تختلف عنه بالزيادة والنقصان، فالقيمة هي الثمن الحقيقي للشيء حسب تقويم المقوم، والثمن هو الذي يتراضى عليه المتبايعان سواء زاد على القيمة أو نقص، ولذلك كان من بيع الغرر المردود بيع الشيء على أن يكون ثمنه قيمته قبل تقويمه، لأنها مجهولة، ولينظر هنا كتاب (ضوابط الثمن وتطبيقاته في عقد البيع) (ص ٦٨).
وعلى هذا فإن اختار إمساك السلعة قوم العبد سليما ثم بعيبه القديم وأخذ من الثمن فرق ما بين السلامة والعيب، فإذا كان ثمنه سليما ثلاثين، وكانت قيمته بعيبه القديم عشرين رد عليه البائع عشرة، وإن اختار الرد قومت السلعة ثلاث تقويمات: تقوم سالمة من العيب لتعرف نسبة العيب القديم عند التقويم الثاني كي تجعل على البائع، ثم تقوم معيبة بالعيب القديم، ثم يقوم بالعيب الحادث، فإذا كانت قيمة السلعة سالمة (٣٠)، وقيتها بالعيب الأول (٢٠)، واتفق أن كانت هي الثمن المشترى به، وبالعيب الجديد (١٥)، كان للبائع على المشتري خمسة، هي الفارق بين التقويمبن، وللمشتري على البائع عشرة، وهي الفارق بين ثمن السلعة وبين ما نقص بسبب العيب الأول، فيقاصه بخمسة، ويعطيه خمسة، وإلا أخذ كل منهما وأعطى.
وقد علمت من المثال أنه اتفق فيه قيمة السلعة سالمة مع ثمنها الذي اشتريت به، أما إن اختلفت عنه، فإنه يؤخذ منه على نسبتها:
ثمن السلعة ٥٠
قيمة السلعة سالمة ١٠٠
فيمة السلعة بالعيب الأول ٨٠
[ ٣ / ٣٨١ ]
قيمة السلعة بالعيبين ٦٠
الفارق بين القيمة بالعيب الأول والثاني (٢٠)
فإذا تمسك المشتري بالسلعة رد عشرة، وهي حاصل ضرب نسبة العيب الذي حدث عنده إلى القيمة الأصلية في الثمن هكذا: ٢٠/ ١٠٠×٥٠=١٠
وإن رد المشتري السلعة أعطاه البائع عشرة وهي حاصل ضرب نسبة العيب القديم إلى القيمة الأصلية في الثمن هكذا ٢٠/ ١٠٠×٥٠=١٠
وهذه تدقيقات وتكاليفات ما أحسب أن الشرع يأتي بها، وكلام المؤلف واضح.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
غلة المبيع الذي يرد بالعيب
• قوله:
٢١ - «وإن رد عبدا بعيب وقد استغله فله غلته».
إذا ردت السلعة كيفما كانت بسب العيب كانت غلتها للمشتري إلى وقت فسخ البيع لحديث عائشة ﵁ قالت: «قضى رسول الله ﷺ أن الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن الأربعة (د/ ٣٥٠٨) وحسنه الترمذي، وقد قضى به عمر بن عبد العزيز بعد أن بلغه في مثل ما ذكره المؤلف، وروى أبو داود القصة سبب الورود مرفوعة وضعفها.
ومعنى الخراج «الغلة» كما جاء مبينا في رواية أبي داود، قال في النهاية: «الغلة الداخل الذي يحصل من الزرع والثمر واللبن والإجارة والنتاج ونحو ذلك»، انتهى، ومعنى الحديث أن الغلة مستحقة بسبب الضمان، فالمبيع إذا كان في ضمان المشتري بحيث يحسب عليه إذا تلف، ويقوم بالإنفاق عليه وبسائر مؤنته كانت غلته له نظير ذلك، قال الشيخ زروق: «وهذا عام في كل شيء أخذ بوجه جائز»، انتهى.
قلت: وقد اختلف في غلة المغصوب وسيأتي ذكره، والمراد عندهم الغلة غير المتولدة كركوب السيارة، وكراء الدابة، وسكنى الدار، قالوا وتشمل اللبن والسمن، أما الصوف فما نتج منها بين الرد والشراء فهذا كله للمشتري، واختلف فيما كان من الصوف تاما عند البيع، وفي التمر يشترطه المبتاع، فقال ابن القاسم هو للبائع، فيرده المشتري أو يرد مثله، وقال أشهب هو للمشتري، وهو في شرح زروق، والمذهب أن الولد جزء وليس غلة فيرد، قال الشوكاني في نيل الأوطار (٥/ ٣٢٦): «وهذا الخلاف إنما هو مع انفصال الفوائد عن المبيع، وأما إذا كانت متصلة وقت الرد وجب ردها بالإجماع.
ولا بد في كون الغلة للمشتري من لزوم البيع، فإن لم يكن لازما كبيع الفضولي ونحوه فلا، إلا أن يجيزه من له ذلك، ويشترط أيضا أن لا يكون استيفاء الغلة دالا على الرضا، كما لو استوفاها بعد الاطلاع على العيب، فتكون الغلة له لأن الرد بالعيب لا يقبل حينئذ.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
جواز البيع على الخيار وهو خيار الشرط
• قوله:
٢٢ - «والبيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلا قريبا إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة».
هذا هو النوع الثاني من الخيار، وهو خيار الشرط، وعرفوه بأنه «بيع وقف بته على إمضاء متوقع»، انتهى، والغرض منه إعطاء المتبايعين أو أحدهما مهلة للتروي، أو الاستشارة، أو اختبار السلعة، فإن كثيرا من الناس لا يحسنون الشراء، ولا يفرقون بين الجيد والرديء، وهو جائز إلا في الصرف وبيع الطعام بالطعام لكون المناجزة فيهما واجبة على ما تقدم، ودليله حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار»، لفظ مالك في الموطإ (١٣٦٣)، ورواه الشيخان وغيرهما، والغرض من إيراده هنا جملة الاستثناء، وقد ذكر فيه خيار المجلس، ولم يفل به مالك، وقد بين السبب بقوله: «ليس لهذا الحديث عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به»، والحديث مما قيل إن مالكا لم يعمل به لمعارضته بعمل أهل المدينة، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٥٣): «أشار إلى أن المجلس مجهول المدة، ولو شرط الخيار مدة مجهولة لبطل إجماعا، فكيف يثبت حكما بالشرع بما لا يثبت شرطا في الشرع؟، وهذا شيء لا يتفطن له إلا مالك ﵁، وقد ظن بعض المتوسمين بالعلم من الجهلة أن مالكا إنما تعلق فيه بعمل أهل المدينة، وهذه جهالة»، انتهى، والصواب إن شاء الله هو العمل بما دل عليه من خيار المجلس ومن اطلع على ألفاظه ظهر له أن كل ما قيل في تأويله من أهل المذهب لا ينهض.
ويلزم في خيار الشرط أن يضرب المتبايعان لذلك أجلا، فإن لم يفعلا وكان لهم عرف في أمده لا يخالف الشرع حمل عليه، وإلا كان البيع باطلا للغرر، وأحرى لو اشترط الخيار لا إلى مدة معينة، فإن البيع باطل بالإجماع، قال خليل: «وفسد بشرط مشاورة بعيد
[ ٣ / ٣٨٤ ]
الغرض من اشتراط الخيار
اختلاف مدة الخيار بحسب نوع المبيع
أو مدة زائدة أو مجهولة»، انتهى.
وقد بين المؤلف الغرض من خيار الشرط وهو اختبار السلعة أو المشورة أو كليهما، فأما اختبار السلعة فمتفق على الخيار لأجله، وأما المشورة فالمشهور جواز الخيار لأجلها، وعن ابن القاسم منعه لها، والظاهر أن المشتري يتعين عليه أن يقتصر على ما يتحقق به الاختبار، ولا يجوز له أن يستغل المبيع فيما وراء ذلك.
أما مدة الخيار فتختلف عندهم باختلاف السلعة، لأن المقصود تحقق الغرض الذي لأجله شرع الخيار على خلاف الأصل، فللثوب اليوم واليومان، وللدابة إلى الثلاثة، وفي الرقيق الأسبوع، وفي الدار الشهر والشهران، وفيما يسرع إليه الفساد إن حصل يراعى ما لا يلحق الضرر فيه بالبائع.
وإنما قالوا بذلك لأن الحديث كما ترى ليس فيه تحديد للمدة، فترجع إلى الاجتهاد، لكن قد تقدم إثبات الخيار في المصراة إلى ثلاثة أيام، وجاءت الثلاثة أيضا في قول النبي ﷺ: «إذا بايعت فقل لا خلابة»، رواه مالك (١٣٨١) وأحمد والشيخان عن ابن عمر أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال رسول الله ﷺ: فذكره، فكان الرجل إذا بايع يقول: «لا خلابة»، وقد جعل له الخيار في كل سلعة ابتاعها ثلاث ليال إذا خدع، لكن حديث المصراة أولى أن يعتمد عليه، لأن الغرض اختبار المشتري الشاة حتى يعرف درها الحق مما نتج عن التصرية المدلس بها عليه، فيتجه لهذا الاعتمادُ عليه، ويكون الاجتهاد في الأمد الذي تختبر فيه السلعة، والله أعلم.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
امتناع تقديم الثمن في الخيار وما ألحق به
• قوله:
٢٣ - «ولايجوز النقد في الخيار، ولا في عهدة الثلاث، ولا في المواضعة بشرط».
ذكر هنا ثلاثة من البيوع لا يجوز فيها تقديم الثمن إذا كان باشتراط البائع، وكلها أفراد من بيوع الخيار، إما خيار الاشتراط في العقد، وهذا غير مرتبط بعيب وقد تقدم، وإما خيار تقتضيه طبيعة السلعة وهو شيئان:
عهدة الثلاث: والمراد بها بيع الرقيق فيكون الضمان على البائع فيما يظهر فيه من العيوب بإطلاق، وسيأتي كلام المؤلف عليه.
والأمر الثاني المواضعة، وهي أن توضع الجارية العلية أو التي أقر البائع بوطئها عند امرأة، أو عند رجل أمين له أهل، ولا توضع عند المبتاع، ويجبر المتبايعان عليها ولو أسقطاها، ولا يفسد البيع بذلك، وتستمر المواضعة حتى يتبين هل الجارية حامل أو لا؟، فإن كانت حاملا من غير البائع كان ذلك عيبا في العلية، فللمشتري الرد به، وله أن يمسكها على ما تقدم، وإن كان الحمل من البائع فهي أم ولد يفسخ بيعها، والتبين يكون بحيضة إن كانت من ذوات الحيض، وبثلاثة أشهر إن كانت يائسة أو صغيرة كما تقدم في العدة.
ومن البيوع التي لا يجوز تقديم الثمن فيها بيع الغائب على الصفة، وذلك لأن للمشتري الخيار إذا رآه فوجده على خلاف ما وصف له، ومنها بيع الأرض التي لم يؤمن ريها، ومنها الجعل، لأن أخذ العوض فيه معلق على إكمال العمل، فتقديم الثمن في هذه الأمور لا يجوز إذا كان ذلك عن شرط، ومنعوه في بيع الغائب والمواضعة وإن من غير شرط، والعلة أنه يؤول في حالة عدم إمضاء البيع إلى سلف، فيكون في أصله مترددا بين السلفية والثمنية، وإنما قيدوا المنع بحالة الاشتراط لأنه في حالة التطوع بدفع الثمن لا يتهمان على الدخول في عقد متردد بين السلفية والثمنية.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
عهدة الثلاث في الرقيق
• قوله:
٢٤ - «والنفقة في ذلك والضمان على البائع».
المبيع على الخيار وفي عهدة الثلاث والمواضعة يبقى في ملك البائع حتى يمضي الأمد، بناء على أن بيع الخيار منحل حتى ينبرم، وقيل هو منبرم حتى ينحل، وما دام الأمر كذلك فنفقته عليه، كما أن ضمانه عليه، وهذا واضح في عهدة الثلاث والمواضعة، أما في بيع الخيار فقد فرقوا بين حالة القبض وغيره، فإن قبضه وكان مما يغاب عليه فضمانه من المشتري، إلا أن تقوم بينة على هلاكه من غير تسببه، وإن لم يقبضه فضمانه من البائع.
وحيث قد علمت الخلاف في البيع على الخيار هل هو منعقد من أوله أو ينعقد بإمضائه، فاعلم أنهم مع هذا لم يتنازعوا في كون النفقة على البائع، أما الضمان فلذلك الاختلاف أثر فيه، فقيل الضمان من البائع إن اشترط هو الخيار، وعلى المشتري إن كان اشتراط الخيار منه، وهذا رأي، فإنه كيفما كان الطالب فقد حصل التراضي على الخيار، فلا يؤثر هذا في الضمان الذي يكون على البائع لأن البيع غير بات، ما لم يتعد المشتري، والله أعلم، وانظر المقدمات (٣/ ٢٤٦) لابن رشد.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
المواضعة في بيع الجواري
• قوله:
٢٥ - «وإنما يتواضع للاستبراء: الجارية التي للفراش في الأغلب، أو التي أقر البائع بوطئها وإن كانت وخشا».
لما بين أن المواضعة لازمة وقد علمت معناها، وهي وسيلة إلى تبين حال الرحم، بين هنا متى تتعين، فإن الوسيلة لا يلجأ إليها إذا لم يحتج إليها، لأنها غير مرادة لذاتها، والمراد هنا العلم ببراءة الرحم غالبا، ولهذا لا تكون المواضعة إلا للأمة التي للفراش، وهي العلية، أقر البائع بقربانها أو لا، لأن الغالب عليها أن توطأ، فنزل الغالب منزلة المحقق احتياطا للفروج، والثانية الأمة التي يقر البائع بوطئها، وإن وخشا، مخافة أن تكون علقت منه، أي حملت، أما الوخش التي لم يقر بقربانها فلا مواضعة فيها، لكن على مشتريها استبراؤها بحيضة قبل قربانها، وهو المسمى عندهم بالاستبراء المجرد، أي المجرد عن المواضعة، لأنها تكون عند مشتريها.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
المبيع على الوصف
علة منع تقديم الثمن في بيع الخيار
النفقة على المبيع وضمانه في مدة الخيار
متى تشرع المواضعة في بيع الجارية
منع تبرؤ بائع الأمة من حملها
• قوله:
٢٦ - «ولا نجوز البراءة من الحمل إلا حملا ظاهرا».
حمل الجارية قد يكون سببا في ارتفاع ثمنها كما لو كانت وخشا، أعني جارية للخدمة، وقد يكون سببا في انخفاضه إذا كانت علية، أعني جارية الاستمتاع، فلما كان للحمل مدخل في الثمن لم يجز أن يتبرأ البائع منه، بمعنى أنه يبيعها على أنها غير حامل، وكلام المؤلف فيه قلق، ولذلك قيدوا المنع بالتبري من حمل العلية فلا تباع على أنها غير حامل، بحيث إذا ظهر ذلك فيها لا ترد لما فيه من الغرر، أما إن كان حملها ظاهرا وقت العقد فالتبري منه لا حرج فيه لأنهما يتراضيان على الثمن وهما عالمان بحال الجارية، أما الوخش فالتبري من حملها جائز ظاهرا كان أو غير ظاهر لحصول التراضي على العوض المعلوم لهما، وقوله إلا حملا ظاهرا هو منصوب، وفي نسخة بالجر فيكون بدلا من المجرور، وهو أولى، قال في الألفية:
ما استثنت إلا مع تمام ينتصب … وبعد نفي أو كنفي انتخب
إتباع ما اتصل وانصب ما انقطع … وعن تميم فيه إبدال وقع
[ ٣ / ٣٨٩ ]
التبرؤ من العيوب التي يحتمل ظهورها في الرقيق
• قوله:
٢٧ - «والبراءة في الرقيق جائزة مما لم يعلم البائع».
لا يجوز التبرؤ من عيوب المبيع كأن يقول أبيع لك هذا على أن لا يلزمني شيء فيما ظهر من العيوب القديمة التي لم أعلمها، بحيث لا يكون للمشتري حق الرد، ولا حق أخذ الناقص من الثمن، وهذا هو المشهور الذي رجع إليه مالك ﵀، لكن إذا كان المبيع رقيقا جاز بيعه على التبرؤ من العيوب التي يحتمل أن تظهر فيه كالإباق والسرقة بشرط أن تطول إقامته عند بائعه، أما إن علم البائع بالعيب أو لم تطل إقامته عنده فلا يجوز التبري، فإن ظهر العيب فعلى البائع اليمين للمبتاع أنه ما علم به، فإن نكل البائع ردت اليمين على المبتاع أنه علمه وكتمه، وقيل لا ترد، وقد عللوا جواز التبري من العيوب في الرقيق بخاصة بأنه يختلف عن غيره من المبيعات إذ يمكنه أن يكتم العيب ويتحايل مدة ما لتنتقل ملكيته أو لغير ذلك مما يريد حصوله بخلاف غيره من السلع.
وقد روى مالك (١٢٩٣) عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ باع غلاما له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: «بالغلام داء لم تسمه لي»، فاختصما إلى عثمان بن عفان ﵁ فقال الرجل: «باعني عبدا وبه داء لم يسمه»، وقال عبد الله: «بعته بالبراءة»، فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له: «لقد باعه العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف، وارتجع العبد فصح عنده، فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم»، انتهى، ففيه قضاء عثمان وإقرار ابن عمر له على البراءة من العيب الذي لم يعلمه البائع، لأن ابن عمر لو حلف على عدم علمه بالعيب ما رد المبيع إليه، وعدم حلفه لا يدل على أنه كان يعلم العيب، بل كان الحكم لعدم ثبوت جهل البائع بذلك، وقد يكون الشخص محقا ويمتنع من الحلف، وهذا هو المظنون بابن عمر، وسيأتي لك أن أهل المذهب يجوزون الصلح على النكول عن اليمين.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
امتناع التفريق بين الأم وولدها
• قوله:
٢٨ - «ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثغر».
هذا من البيوع المنهي عنها، وهو بيع الأمة من غير ولدها، ولا مفهوم لقوله في البيع، بل الأمر كذلك في هبة الثواب والأجرة والصداق والقسمة لوجود العلة وهي حاجة الولد إلى أمه وحاجتها إليه، فإذا حصل البيع ونحوه فسخ ما لم يمض زمن التحريم بخلاف ما كان على غير عوض كالهبة والصدقة فلا حرمة عندهم، ويجبران على جمعهما في ملك واحد، ويجوز التفريق بينهما بالعتق تقديما لمصلحته على مفسدة التفريق، ويكتفى بجمعهما في حوز، فإذا عتق الولد وباع أمه أنفق عليه حتى يثغر، ويستمر منع البيع ونحوه حتى الإثغار أي وقت سقوط رواضعه ونباتها، لأن ذلك يكون قريبا من السبع.
ودليل المنع ما روه أحمد والحاكم والترمذي وقال حسن غريب عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة»، وفيه الجزاء من جنس العمل، وهل عدم التفريق حق للأم فإذا تنازلت عنه جاز، أو هو حق للولد فلا يجوز ولو رضيت، ومشهور المذهب هو الأول.
والظاهر أنه حق لهما كالحضانة، ولا فرق بين أن تكون الأم مسلمة أو كافرة، كان ولدها من زوجها أو من زنا، قالوا ولو كان مجنونا وأمه كذلك، ما لم يُخف على أحدهما من الآخر.
وجاء ما يدل على منع التفريق في البيع بين الاخوين، ولعل ذلك لصغرهما وهو حديث علي ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما ففرقت بينهما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا، ولا تفرق بينهما»، رواه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وإنما يكون التفريق ممنوعا في الرقيق، وقال ابن القاسم وفي الحيوان أيضا وهو
[ ٣ / ٣٩١ ]
ظاهر الحديث، وجاء ما يدل عليه نصا لكنه ضعيف، ويقويه ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها»، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: «من حرق هذه»؟، قلنا: «نحن»، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار»، وانظر الصحيحة (٤٨٧)، والحمرة بضم الحاء وتشديد الميم طائر صغير كالعصفور، وتفرش رباعي مشدد أي تفرش جناحيها، وتقرب من الأرض وترفرف، كذا في النهاية.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
الضمان في البيع الفاسد على البائع
• قوله:
٢٩ - «وكل بيع فاسد فضمانه من البائع، فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه، فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده».
البيع يفسد لعقده أو ثمنه أو مثمونه أو أجله، فإن وقع وجب فسخه ورد العوضين، ما لم يفت بمفوت معتبر، وسيأتي بيان المفوت، وما لم يدل دليل على جواز التمسك به وإصلاح خلله كما في حديث المصراة وحديث البيعتين في بيعة، وحديث تلقي الركبان، وقد أشار إلى هذا في المراقي بقوله:
وجاء في الصحيح للفساد … إن لم يج الدليل للسداد
ومن الأدلة على رد المبيع بيعا فاسدا حديث عبادة ابن الصامت ﵁ المتقدم، وفي آخره «فرد الناس ما أخذوا»، رواه مسلم (١٥٨٧)، وعن سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدا بيد؟، فقال: «اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان نسيئة فردوه»، رواه البخاري (٢٤٩٧) ومسلم (١٥٨٩)، وعن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر فقال: «ما هذا التمر من تمرنا»، فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله ﷺ: «هذا الربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا»، رواه مسلم.
وإنما لم يذكر المؤلف رد المبيع بيعا فاسدا لوضوحه، ولأنه سيذكر ما يفيت الرد، فدل هذا على المقصود، وعليك أن تستحضر هنا أن القبض في المذهب ليس شرطا في صحة البيع إلا في الطعام على ما تقدم، ولذلك كانت القاعدة عندهم في الضمان أن
[ ٣ / ٣٩٣ ]
المبيعات التي ليس القبض من شروط صحة بيعها كالعبيد والعروض وغيرها مما لا يكال أو يوزن إذا كانت متعينة ومتميزة ليس فيها حق توفية، فضمانها من المشتري قبل القبض»، هكذا قال القاضي عبد الوهاب في كتابه الإشراف (٢/ ٥٥٣)، وانظر المعونة (٢/ ٩٧٣) له، والفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ١٤١)، ويريدون بالتوفية أن تحتاج إلى كيل ما يكال، أو وزن ما يوزن.
ومما يستثنى من ضمان المشتري بمجرد العقد أن يحبس البائع المبيع لأجل الثمن، وهو كثير عند الذين يشترون الأضاحي عندنا، ومثله ما إذا حبس المبيع لأجل الإشهاد، ويمثل له اليوم بعدم توثيق بيع السيارة ونحوها، بحيث تبقى عند بائعها، وقد يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ، وكذلك المبيع غائبا على الصفة، أو بناء على رؤية سابقة على العقد، وسبق لك أن علمت أن الضمان في زمن المواضعة على البائع.
لكن لما كان البيع الفاسد لفقد شرط أو وجود مانع لا ينقل الملك، وإنما يفيد شبهته كان الضمان فيه على بائعه ما لم يقبضه المشتري قبضا مستمرا بأن لم يرده إلى البائع على وجه الأمانة، فإن قبضه قبضا دائما كان عليه ضمانه من وقت قبضه، لأنه قبضه للتملك، وإن لم يكن صحيحا في نفسه، فإن لم يقبضه فلا ضمان عليه وإن مكنه البائع من القبض نظرا لعلة فساده، ومعنى ضمان المشتري أنه يرده إن لم يفت، ومعنى فواته اتصاله بما يقرر آثاره عندهم، وقد أشار مالك في الموطإ في باب (العيب في الرقيق) إلى بعض المفوتات فذكر حمل الوليدة، والعتق، ثم قال: «وكل أمر دخله الفوت حتى لا يستطاع رده،،،»، انتهى، وقد ذكروا من أسباب الفوات أن بياع، أو يوهب، أو يعتق، أو يرهن، أو يعطي صداقا، أو تتغير سوقه برخص أو غلاء، أو ذاته بسمَن أو هزال ونحوهما، فإذا حصل واحد من هذه الأمور أعطى بائعه قيمته إن كان البيع متفقا على فساده، وثمنه إن كان مختلفا في فساده، وحكمهم بالثمن هو إمضاء للبيع نظرا للاختلاف، والتقويم يكون يوم قبضه لا يوم فواته، ولا يوم العقد عليه، هذا هو المشهور، ولا يجبر على رد ذاته ولو كان موجودا، وحيث تعين إعطاء القيمة فإن المشتري يقاص بها البائع من ثمن الشراء، ويشتركان في أجرة الذي قام بالتقويم، وفي الفوات بحوالة الأسواق قول آخر أشار إليه ابن عبد البر في الكافي
[ ٣ / ٣٩٤ ]
(ص ٣٥٧) بقوله: «وقد اختلفوا في اختلاف الأسواق عن مالك وأصحابه»، انتهى، قال في المراقي ذاكرا ما يفيت المبيع بيعا فاسدا:
إذا تغير بسوق أو بدن … أو حق غيره به قد اقترن
وقد روى ابن وهب عن مالك كما هو في المدونة ما يدل على هذا التفريق في الجملة قال: «الحرام من الربا وغيره يرد إلى أهله أبدا، فات أو لم يفت، وما كان مما كرهه الناس فإنه ينقض إن أدرك بعينه، فإن فات ترك»، انتهى
وينبغي أن يقيد ضمان المشتري للمبيع بيعا فاسدا بالقبض، بما إذا اشترى ما يحل له تملكه، أما ما لا يحل له تملكه كالكلب غير المأذون في اتخاذه، وآلات اللهو، فلا ضمان فيه على المشتري ولو قبضه وأدى ثمنه.
أما غلة المبيع بيعا فاسدا فللمشتري كما أن نفقته عليه جريا على قاعدة الخراج بالضمان، فإن لم يكن له غلة رجع بالنفقة على البائع، لكنهم استثنوا من أخذ المشتري غلة المبيع بيعا فاسدا غلة الوقف.
واعلم أن القول بأن الغلة في المبيع بيعا فاسدا للمشتري لا يعني أنه يباح له أن ينتفع به، وهو عالم بحرمته لما في ذلك من تأخير رده، والاستمرار على التلبس بالمعصية، وإنما قيل بأن غلته له على وجه المعالجة لما تم من المخالفة اعتمادا على تلك القاعدة.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
يجب فسخ البيع الفاسد مع التراد
• قوله:
٣٠ - «وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله».
المبيع بيعا فاسدا إذا فات إما أن يكون قيميا أو مثليا، فإن كان قيميا ردت قيمته وقت قبضه، وإن كان مثليا رد مثله، فإن تعذر رد المثل أعطى القيمة، والمشهور أن تغير السوق غير معتبر في المثلي لقيام مثله مقامه، وظاهر كلام المصنف يفيد مساواة المثلي لغيره في الفوات بحوالة الأسواق، وهو قول ابن وهب كما في شرح ابن ناجي، وقوله مما يوزن أو يكال مراده إن كان مبيعا بالكيل والوزن، وهو احتراز مما بيع جزافا فإنه لا يرده لأنه بيع على الحزر والتقدير، فيكون المطلوب حزره ورد قيمته لأنه ملحق بالمقوم، وقد علمت الفرق بين قيمة الشيء وثمنه فاذكرها هنا.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
يلزم المشتري الضمان بقيض المبيع في البيع الفاسد
المذهب أن الضمان على المشتري بمجرد انتهاء العقد
بعض ما يستثنى من ضمان المشتري للمبيع بمجرد العقد
غلة المبيع بيعا فاسدا للمشتري
تلزم قيمة المبيع بيعا فاسدا متى حال سوقه أو تغير في بدنه
لا ضمان على المشتري ولو قبض إذا كان المبيع مما لا يحل تملكه
رد مثل المبيع إن كان من المثليات وهي ما يكال أو يوزن
وجه استثناء الرباع من الفوات بحوالة الأسواق وما فيه
• قوله:
٣١ - «ولا يفيت الرباع حوالة الأسواق».
علمت أن مشهور المذهب عدم فوات المثليات بحوالة الأسواق، وذكر هنا أن الرباع التي هي الأرض وما يتبعها من بناء لا تفيتها تلك الحوالة، وعللوا ذلك بأن الرباع وسائر العقارات تراد غالبا للقنية لا للتجارة، فلا يطلب فيها كثرة ثمن، ولما كان الأصل في ذوات الأمثال القضاء المثل فلا تفوت بحوالة الأسواق، وأما الأرض المشتراة شراء فاسدا إذا زرعت فليس ذلك بمفيت لها أيضا بل ترد، فإن كان الرد والزرع لم ينضج بعد فعلى المشتري الكراء، والظاهر أنه كراء المثل، وأما إن كان الرد بعد فوات زمن الزرع فلا كراء على المشتري إلحاقا له بقاعدة الخراج بالضمان، فأما إن غرست الأرض فذلك مفيت لها في تفصيل يطلب من الشروح، قال زروق في شرحه: «قاعدة المسألة أن ما كان شأنه أن يتخذ للأسواق كالعروض والحيوان والرقيق تفيته الحوالة، وما شأنه أن (لا؟) يتخذ للأسواق كالرباع والعقار لا تفيته، وما تردد بينهما كالطعام فقولان»، انتهى.
واعلم أن استثناء الرباع من الفوات بحوالة الأسواق اعتمادا على ذلك التعليل لا يتجه، لا سيما في هذا العصر الذي عمت فيه التجارة في العقارات كغيرها، لكن لو علل ذلك الاستثناء باستصحاب الأصل، وهو كون البيع فاسدا فمهما أمكن رده كان ذلك هو المتعين وهو هنا كذلك، لا فرق بين الرباع وغيرها، بخلاف ما إذا بيع أو رهن أو وهب، فقد انسد الطريق إلى التدارك، وقد ذهب ابن وهب إلى فواته بحوالة الأسواق كما في شرح ابن ناجي، قال في مسالك الدلالة عن استثناء الرباع من الفوات بحوالة الأسواق اعتمادا على ما علمت من التعليل: «هي تعليلات فارغة، والحق أن هذه آراء متناقضة متضاربة لا تتمشى مع معقول ولا منقول، وليست من شرع الله ورسوله في ورد ولا صدر»، انتهى.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
منع السلف الذي يجر منفعة
• قوله:
٣٢ - «ولا يجوز سلف يجر منفعة».
السلف كالسلم وزنا ومعنى، والسلم من أنواع البيع وسيأتي ذكره، ويطلق السلف على القرض، وهو المراد هنا، وحديث: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا»، رواه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا وجاء عن عدد من الصحابة كذلك، منهم ابن عباس ﵄ أخرجه البيهقي عن سالم بن أبي الجعد قال: «كان لنا جار سماك، عليه لرجل خمسون درهما فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسألاه عن ذلك فقال: «قاصه بما أهدى إليك، وقد صصح إسناده في الإرواء (ح/ ١٣٩٧).
والقرض من أعمال البر والتبرعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى، وحاجة كثير من الناس إليه شديدة، فلا يجوز أن يكون سببا في تحقيق منفعة مشترطة كيفما كانت للمقرض، أو لأجنبي من جهته، بل يتعين أن تتمحض المنفعة للمقترض، ومثله في منع تحصيل المنفعة من ورائه الشفاعة والضمان، قال ابن عاشر ﵀ عن هذه الثلاثة:
القرض والضمان رفق الجاه … يُمنع أن ترى لغير الله
وقد روى أحمد وأبو داود عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا من أبواب الربا».
ومن صور الانتفاع بالقرض أن يسلف رديئا على أن يأخذ جيدا، وأحرى أن يأخذ أكثر منه، ومنها أن يسلف شيئا ليحفظ له حيث لا يكون عنده موضع لحفظه، أو يسلفه في موضع ليأخذه في موضع آخر للمشقة في نقله، إلا أن يكون دافعه إلى ذلك خوف الطريق فيسلفه، ويأخذ بيانا لوكيل المقرض ليعطيه مثله، ويدعى ذلك السفتجة، وهي لفظة عجمية معناها عندهم الكتاب الذي يرسله المقترض لوكيله ببلد ما ليدفع للمقرض نظير ما أخذه منه ببلده»، قال ابن تيمية في مجموع الفتوى (٢٩/ ٥٣٠) بعد أن ذكر الخلاف في مسألة
[ ٣ / ٣٩٨ ]
صور من القرض الذي يجر منفعة
بيان صلة القرض بالبيع
السفتجة: «والصحيح الجواز، لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق في نقل دراهمه إلى ذلك البلد، وقد انتفع المقرض أيضا بالوفاء في ذلك البلد، وأمن خطر الطريق، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفعهم ويصلحهم، وإنما ينهى عما يضرهم»، انتهى.
ومن ذلك أن يهدي المدين للدائن من غير أن تكون بينهما مخالطة بذلك من قبل، فإن كانت الهدية أو العارية لأجل المد في أجل الدين فلا ينبغي أن يختلف في منعها، لأنها بمنزلة الرشوة، وهذا بخلاف الزيادة في القضاء من غير شرط كما سيأتي
وإنما ذكر المؤلف السلف الذي يجر منفعة خلال أحكام البيع، وعقب ذكره البيع الفاسد لأن البيع أصل، والسلف فرع
قلت: ليس ببعيد أن يقال إن السلف ضرب خاص من البيوع، منعت فيه الزيادة، واقتصر فيه على رد المثل، وتعين فيه التأجيل، فتمحضت فيه المنفعة للمقترض، ولهذا يرد القرض الفاسد إلى البيع الفاسد، فيفسخ العقد، ويرد الشيء المقترض، فإن فات بمفوت مما سبق لزم المقترض رد القيمي في المقومات، والمثل في المثليات، ولما عمم المؤلف في كلامه السابق في منع منفعة القرض خص بالذكر صورا من القرض الذي قد يجرها فقال:
[ ٣ / ٣٩٩ ]
الجمع بين القرض والبيع والقرض والإجارة
• قوله:
٣٣ - «ولا يجوز بيع وسلف، وكذلك ما قارن السلف من إجارة أو كراء».
أصل هذا أن «كل عقدين يتضادان وضعا، ويتناقضان حكما لا يجوز اجتماعهما»، قاله ابن العربي في المسالك (٦/ ١٤٤)، وتوضيحه هنا أن البيع والإجارة والكراء متى قارن واحد منها السلف شرطا أمكن أن يكون له مدخل في العوض بكثرته أو قلته حسب الجهة التي اشترطت المقارنة، وقد يكون فيه منفعة للمقرض غطاها البيع أو الإجارة، فأما الهبة والصدقة فلا بأس باجتماعها مع السلف إن كان الواهب والمتصدق هو المسلف، أما إن كان هو المتسلف فلا يصح، فإذا وقع عقد من تلك العقود مع السلف على نحو ما تقدم كان فاسدا، فيترادان، فإن حصل الفوات وجب رد المثل في المثلي، وفي القيمي يرد المشتري الأكثر من الثمن والقيمة متى كان هو المسلف، لأنه لما سلف البائع كان الاحتمال الأقوى انه أخذها بالنقص، وإن كان البائع هو المسلف كان للمشتري الأقل من الثمن والقيمة، وكل هذا ما لم يسقطا الشرط قبل فوات السلعة، فإن أسقطاه مضى السلف، نص عليه في المدونة.
وقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك»، وصححه الترمذي، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٩/ ٥٢٨).
ولعل المقصود نفي حلهما في حالة اجتماعهما بحيث يؤثر أحدهما على الآخر، لدخول السلف هنا فيما جر منه منفعة، ولأنهما صفقتان في صفقة، وقد ورد النهي عنهما أيضا، أما ربح ما لم يضمن فهو أن يشتري سلعة فيبيعها قبل أن ينتقل ضمانها إليه، فنهى عن البيع بنهيه عن الربح لأنه هو المقصود منه، ولأنه مرتب عليه، وقد علمت من قبل أن القبض في المذهب غير لازم قبل البيع إلا في الطعام، فلا يباع قبل أن يستوفى، وأن الضمان
[ ٣ / ٤٠٠ ]
اجتماع الهبة والصدقة والقرض
الجمع بين البيع وعقود أخرى
في غيره ينتقل إلى المشتري بمجرد العقد، ما لم يمنعه البائع من تسلم ما اشتراه، أما ما ليس عنده فهو ما لم يشتره بعد، وسيتعرض له المصنف، وأذكر معناه هناك إن شاء الله.
وكما يمتنع اجتماع السلف مع واحد من عقود المعاوضة للعلة المذكورة يمتنع اجتماع البيع مع كل عقد معاوضة، وهي واحد من عقود ستة إذا كان ذلك شرطا لما للاجتماع من تأثير على العوض، وهي الجعالة، والصرف، والمساقاة، والشركة، والنكاح، والقراض، وهي التي جمعها بعضهم في قوله:
عقود منعناها مع البيع ستة … ويجمعها في الوصف جص مشنق
فجعل وصرف والمساقاة شركة … نكاح قراض منع هذا محقق
وأجاز أشهب ﵀ اجتماع الصرف مع البيع، نظرا إلى أن العقد قد جمع أمرين كل منهما جائز على انفراده، وأنكر أن يكون مالك حرمه، والذي منعه مالك هو الذهب بالذهب مع كل منهما سلعة، انظر شرح الدردير على المختصر (٣/ ٣٢).
[ ٣ / ٤٠١ ]
جواز السلف إلا في الجواري
• قوله:
٣٤ - «والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري، وكذلك تراب الفضة».
يقصد بجواز السلف إذن الشرع فيه، لا مجرد الإباحة، فإنه لا خلاف أنه من أفعال البر المندوبات، وليس في سؤاله نقص على طالبه، لكن ينبغي أن لا يلجأ إليه إلا من حاجة لما فيه من شغل الذمة، وعن عقبة بن عامر قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها»، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الدَّيْن»، رواه أحمد والطبراني في الكبير، وهو في الصحيحة برقم (٢٤٢٠).
وقد تسبب عزوف الناس عن القرض في هذا العصر وغياب الضمان والتحمل في إقبال كثير منهم على القروض الربوية المحرمة، وإني أعرف في جهتي من ينهى عن الربا من الواعظين وهو مواقع له مع المواقعين، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، ومما جاء في فضل القرض قول رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة»، رواه ابن ماجة (٢٤٣٠) عن ابن مسعود، وحسنه الألباني، وقال النبي ﷺ: «من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة»، رواه مسلم من حديث أبي هريرة، وأمر الله تعالى بإنظار المعسر إلى الميسرة، وأخبر أن التصدق عليه خير فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وروى أحمد عن بريدة مرفوعا: «من أنظر مُعسرا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدّيْن، فإذا حل الدّيْن فأنظره فله بكل يوم (مثليه) صدقة.
اعتبر الشرع تأخر المدين الغني في رد الدين ظلما إذ قال رسول الله ﷺ: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة (٢٤٢٧) عن عمرو بن
[ ٣ / ٤٠٢ ]
الشريد عن أبيه، واللي هو عدم الوفاء، وهو المطل، وقوله يحل عرضه أي يجوز أن يشتكى به، فيقال مطلني مثلا، وعقوبته يعني ملازمته وسجنه، ومثله قوله ﷺ: «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، رواه مالك (١٣٦٨) والشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، وقوله: أُتبع أي أحيل أي قيل له خذ مالك من فلان لشخص له عليه دين، وهي الحوالة، جوزها الشرع لتقليل عدد الذمم المشغولة، وذكر الله تعالى قضاء الدين عن الميت قبل توزيع ميراثه، وشدد النبي ﷺ فيه فكان لا يصلي على الرجل الذي عليه دين، ثم كان يقضي ذلك عن الميت ويصلي عليه حين فتح الله عليه، وندب الناس إلى حسن قضاء الدين بما في ذلك الزيادة في الصفة من غير شرط على المذهب، بل وفي العدد كما سيأتي، ومما أثر عن أحمد ﵀ أن من وجب عليه قضاء الدين فاشتغل بالصلاة عن أدائه بطلت صلاته، ذكره ابن العربي في المسالك (٦/ ١٥٦)، ويشرع الاقتراض لتسديد القرض الذي حل أجله، لكن لا ينبغي أن يتخذ المرء ذلك تعلة ليظل مدينا كلما حل أجل القرض اقترض، فقد روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دينا كان عليه، فأرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: «إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك»، ويندب أن يدعى للمقرض عند رد القرض بقوله: «بارك الله لك في أهلك ومالك»، رواه ابن ماجة (٢٤٢٤) عن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي عن أبيه عن جده.
والسلف يجوز في كل ما يحل تملكه ولو لم يصح بيعه عندهم كجلد الميتة، ولا يمتنع إلا في الجواري فلا تسلف لمن تحل له على تقدير أنه يملكها، قالوا لما في ذلك من عارية الفروج، فإنه لما جاز للمقترض أن يرد الذات المقترضة نفسها أو غيرها فإذا ردها بنفسها فقد يكون تلذذ بها، ولهذا جوزوا سلفها لمن لا يتأتى له ذلك كالمرأة والمحرم، وجوز بعضهم سلف الجواري إذا كان الشرط رد المثل لا العين، للأمن من علة إعارة الفروج، وإنما نص المؤلف على جواز السلف في كل شيء لمنع بعض أهل العلم السلف في الحيوان، قالوا لأن المطلوب في القرض رد مثله والحيوان يتفاوت.
قلت: كون المطلوب رد المثل في القرض مانعا من السلف في الحيوان غير مسلم،
[ ٣ / ٤٠٣ ]
لأن المطلوب هو رد المثلي في المثلي بحسب الإمكان، وقد ثبت تسلف النبي ﷺ الحيوان في غير حديث كما سيأتي، أما منع السلف في تراب الفضة - وهذه اللفظة ساقطة من بعض النسخ - فلما فيه من الجهل لعدم ضبط وصفه فيتعذر رد المثل، ومثله كل ما لا تحصره الصفة كالدور والأرضين والأشجار، ولا تنس أن كلامنا في قرض العين لا في العارية فتنبه.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
حض الشرع على القرض الحسن وإنظار المعسر
• قوله:
٣٥ - «ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله».
روى مالك في الموطإ (١٣٦٦) عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل، فيضع عنه صاحب الحق، ويعجله الآخر: فكره ذلك عبد الله بن عمر، ونهى عنه»، انتهى.
والوضيعة من الدين هي النقص منه، ويسميها بعضهم الحطيطة، والمعنى أن تقديم الدين قبل أجله على أن يحط منه شيء للمدين لا يجوز، سواء كان الدين من بيع أو من قرض، ويسمى عند الفقهاء ضع وتعجل، أي ضع من حقك، على أن أعجل لك ما في ذمتي، وفيه نقص الأجل في مقابل نقص الدين، فهو عكس الزيادة في الأجل نظير الزيادة في الدين، وقد سوى بينهما مالك في الموطإ فهو «عند مالك وأكثر أهل العلم ربا»، قاله في الكافي، وإنما مُنع لأنه يدخله علل عدة تجتمع وتنفرد منها سلف جر منفعة، لأن الذي عجل شيئا قبل وجوبه يعد مسلفا لمقرضه، وقد قابل السلف ما وضعه عنه الدائن من الدين، وقد يدخله التفاضل بين الذهبين أو الفضتين، فمن له على غيره عشرة آلاف دينار إلى أجل فعجل له تسعة آلاف نظير أن يحط عنه ألفا، فكأنما باع عشرة آلاف دينار بتسعة آلاف دينار، وقد يدخله بيع الطعام قبل قبضه، كما لو كان له على أحد قنطارا قمح إلى أجل فحط عنه قنطارا على أن يعجل له الآخر فكأنما باع قنطارا بقنطارين، فإن وقع هذا رد إليه ما أخذه، ويستحق جميع دينه عند حلول الأجل، وإن لم يعلم بذلك حتى انقضى أجل الدين فإن المدين يرد ما أخذه نظير تعجيل باقي الدين، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
حض الشرع على رد الدين وتوعد الغني المماطل
ما ترتب على قلة القرض الحسن في هذا الزمان
• قوله:
٣٦ - «ولا التأخير به على الزيادة فيه».
وهذا هو السلف بالزيادة، وهو ربا الجاهلية المحرم بالإجماع، وقد تقدم أول الباب ما رواه مالك في الموطإ (١٣٦٧) عن زيد بن أسلم فيه، وينطبق عليه أيضا أنه فسخ دين في دين، وتوضيحه أن من فعل فقد فسخ دينه الأول، فيما فرضه من الزيادة مضمومة إلى أصل الدين، فالذي له على آخر عشرة آلاف دينار يردها له في رمضان فأجلها إلى ذي القعدة على أن يدفع له أحد عشر ألفا، فقد فسخ المبلغ الأول في الثاني، ولا فرق بين أن تكون الزيادة من المديان، أو من أجنبي، وينطبق هذا الإطلاق على القروض التي تعطيها الدولة للناس من غير أن يدفعوا فائدة، لكنها تتولى دفع الفائدة عنهم، وهذا محقق الحرمة إذا كان البنك خاصا، فإن كان ملكا للدولة فلينظر فيه.
قلت: الصواب إن شاء الله جوازه، لأن البنوك ملك للدولة، وهي أداتها في إيصال المساعدات والمنح والجرايات للناس، وإنما تعوضها كي لا تُفلس، والمرء لا يربي نفسه، لكن ينبغي أن تعلم أن القول بالجواز اعتمادا على ما ذكر لا يعني أن العقد سالم من المخالفة التي قد يترتب عليها فساده، ومن ذلك أن المكتري الذي ينتهي كراؤه بالتمليك يلزم بضمان المكترى بالتامين من جميع الأخطار!!، مع أن ضمان المكترى على البائع ما لم يتعد المكتري، ومن ذلك أن يكون العقد غير ربوي في البداية، ثم يؤول إلى الربا بأن يؤقت للمقترض وقت إن تجاوزه دفع الزيادة، ولهذا لا تستقيم الفتوى في هذه الأمور إلا إذا اطلع المستفتى على تفاصيل العقد كلها، والله أعلم.
وقوله «على الزيادة فيه» مفهومه أن التأخير إلى أجل ثان من غير زيادة جائز، بل مندوب إليه، وكذلك الحط من الدين من غير تقديم للأجل، يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
[ ٣ / ٤٠٦ ]
تعجيل الدين في مقابل الحط منه
• قوله:
٣٧ - «ولا تعجيل عرض على الزيادة فيه إذا كان من بيع».
هذا في بيع السلم الآتي بيانه، فمن كان عليه عرض من بيع مؤجل فلا يجوز أن يعجله مع زيادة فيه، لا فرق بين زيادة القدر أو الصفة لأنه من باب حط الضمان وأزيدك، وتوضيحه أن العرض يضمنه البائع إلى الأجل المتفق عليه، وللمشتري في ذلك مصلحة ومنفعة، بأن لم تكن له حاجة إلى العرض قبل الأجل الموعود، أو كان يريد بالأجل حلول وقت نَفاق السلعة، فإذا أعطاه البائع زيادة وقدم الأجل كانت في مقابل الضمان، والضمان ليس متمولا فيتصرف فيه، فيكون هذا من أكل أموال الناس بالباطل، لأن الضمان حق للمشتري على البائع، ولا يصح بيعه، فإن لم تكن زيادة وقبل المشتري بالتعجيل فذلك له، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
تأخير أجل الدين على الزيادة فيه
تعجيل العرض من بيع على الزيادة فيه
• قوله:
٣٨ - «ولا بأس بتعجيله ذلك من قرض إذا كانت الزيادة في الصفة»
صرح هنا بمفهوم البيع قبله، وبيانه أن الأجل في دين القرض من حق المقترض، فلا يطالب به قبل أجله، لأنه داخل بوجه ما في قول النبي ﷺ: «العائد في هبته، كالراجع في قيئه»، رواه أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم عن ابن عباس، وقوله ﷺ «كل معروف صدقة»، رواه البخاري عن جابر، والهبة والصدقة لا يرجع فيهما، لكن إذا رغب المدين في تقديم الدين فليس للدائن الامتناع من قبضه، متى كان ذلك في بلد المقرض، وله باختياره أن يزيد لصاحب الدين في صفة ما له عليه، وكلام المؤلف ربما أوهم أنه يجوز ولو اشترطه المقرض، وليس مرادا، وقوله من قرض يخرج الدين في بيع السلم فهو من حق المشتري والبائع معا فلا يقدم إلا باتفاقهما.
وقد دل على مشروعية الزيادة في صفة الدين ما رواه مالك (١٣٧٢) ومسلم وأصحاب السنن عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أنه قال: «استسلف رسول الله ﷺ بَكرا فجاءته إبل من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني رسول الله ﷺ أن أقضي الرجل بَكره، فقلت: «لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رَباعيا، فقال رسول الله ﷺ: «أعطه إياه، خيار الناس أحسنهم قضاء»، البكر بفتح الباء الصغير من الإبل، والرباعي بفتح الراء من سقطت رباعيته، وذلك إذا بلغ السادسة من عمره.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
تعجيل القرض جائز وليس للدائن الامتناع من قبضه
رد القرض مع الزيادة في الصفة وفي العدد
• قوله:
٣٩ - «ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة، فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه».
كلامه هنا شبيه بما في الموطإ قال: «لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئا من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ما أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك عن شرط منهما أو عادة، فإن كان ذلك على شرط أو وأي أو عادة فذلك مكروه ولا خير فيه»، انتهى، والمراد بالوأي في كلامه هو الوعد، وقيل هو الإضمار في النفس، وأراد المؤلف بمجلس القضاء وقت حلول أجل الدين، يعني أن المدين إذا رد دينه مع زيادة في عدده بعد حلول أجله فقد اختلف في جواز إعطاء تلك الزيادة وأخذها، فلم يجزها ابن القاسم، وأجازها أشهب رحمهما الله، والأخير هو الصواب إن شاء الله لثبوته من قول النبي ﷺ ومن فعله، من ذلك ما مر من قوله: «خيار الناس أحسنهم قضاء»، وقوله ﷺ: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى، وإذا اقتضى»، رواه البخاري (٢٠٧٦) عن جابر ﵁، ورواه مالك (١٣٨٢) عن يحي بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر يقول، وقد تقدم، وروى الشيخان عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني»، والزيادة ظاهرة في العدد، وليت شعري ما الفرق بينهما؟، وقد تكون الزيادة في الصفة أعظم من الزيادة في العدد كما مر في قضائه ﷺ جملا رباعيا في بَكر.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
تعجيل النقود من بيع أو قرض، والعروض والطعام من قرض
• قوله:
٤٠ - «ومن عليه دنانير أو دراهم من بيع أو قرض مؤجل فله أن يعجله قبل أجله، وكذلك له أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من بيع».
تقدم أن الأجل في القرض حق المقترض، فإذا عجله قبل أوانه فقد أسقط ما هو حق خالص له، فيلزم المقرض قبولُه، عينا كان أو عرضا، إلا أن يكون في غير بلده فيما عليه مئونة أو ضرر في نقله، وحيث لزمه قبضه فإنه إن امتنع يجبره عليه الحاكم، ويلحق بهذا الحكم الدينُ الناتج عن بيع متى كان نقودا، فإن كان عرضا من بيع فقد تقدم عدم جواز تقديمه قبل أوانه إلا مع التراضي لما قد يكون للمشتري من المصلحة في التأجيل كرصد الأسواق لينتفع بالربح في الوقت المناسب، أو لندرة ما أسلم فيه في وقت دون آخر، بخلاف المقرض فلا يصح أن يقصد شيئا من النفع من وراء القرض، وقد استثنوا من منع تقديم الدين إذا كان عرضا قبل أجله موت المدين وفَلَسه، فإنه بذلك يحل أجل الدين كما سيذكره المؤلف في باب الأقضية.
وقال مالك في الموطإ (١٣٧٤) بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال في رجل أسلف رجلا طعاما على أن يعطيه إياه في بلد آخر، فكره ذلك عمر بن الخطاب، وقال: «فأين الحمل»، أي من يتولى حمله له؟، يريد أن في ذلك كلفة ومؤنة عليه.
[ ٣ / ٤١٠ ]
امتناع بيع الثمر قبل بدو صلاحه
• قوله:
٤١ - «ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه».
هذا شروع من المؤلف في ذكر أضرب من البيوع الممنوعة لما فيها من الغرر، إما للجهل بالمثمن، أو لعدم القدرة على التسليم، أو لعدم الانتفاع بالمبيع، وهو شرط في المثمن كما تقدم، ويجتمع في بيع الثمر قبل بدو صلاحه أكثر من علة، وقد جاء هذا في أحاديث عدة بألفاظ مختلفة منها حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري»، رواه مالك (١٢٩٩) وأحمد والشيخان وغيرهم، وفيه أن المتضرر في البيع وإن رضي فلا يكون ذلك مسوغا لصحة ما نهي عنه، يدل عليه قوله نهى البائع والمبتاع، وأن الإثم يلحق البائع والمشتري على السواء كما في آكل الربا وموكله، وإن كان الآكل والبائع أشد إثما، هذا لظلمه غيره بأكله مال غيره بالباطل، وذاك لتبذيره ماله وإضاعته، وجاء بدو الصلاح مبينا في حديث أنس عند مسلم وبعض أصحاب السنن قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة»، والعاهة هي الآفة، يقال عيه الزرع بالبناء للمجهول فهو معيوه، وجاء بدو الصلاح مبينا في حديث أنس عند أبي داود والترمذي وابن ماجة: «نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد»، واسوداد العنب دليل على نضجه متى كان يسود عند النضج، وابيضاض السنبل كذلك، فإنه حينئذ ييبس، ولذلك عبر عنه بالاشتداد كما تقدم، واحمرار الثمرة دليل على ذلك متى كانت تحمر عند النضج، وإلا فالعبرة ليست باللون بل بالطيب فيما لا يحمر، وقد جاء في حديث أنس الآخر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تُزهي، قالوا: «وما تزهي»؟، قال: «تحمر»، وقال: «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك»، رواه مالك في الموطإ (١٣٠٠) والشيخان، وتزهي رباعي، وهي لغة قليلة، يقال أزهت النخلة إذا ظهر فيها الحمرة والصفرة، وقد جاء نهي النبي ﷺ
[ ٣ / ٤١١ ]
بيع الثمر قبل بدو صلاحه مع اشتراط الجذاذ
عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بعد الهجرة لما كثرت الخصومات من المشترين كما رواه البخاري (٢١٩٣) عن زيد بن ثابت.
واعلم أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه إنما يمنع إذا بيع بشرط الإبقاء عليه في أصله، أو وقع البيع من غير اشتراط ذلك، فهذا يفسخ، فإن وقع بشرط الجذاذ في الحال، قالوا - أو قرب منه - فالبيع جائز بشرط أن يُنتفع به، لأن هذا شرط في كل مبيع، كما إذا كان يستعمل دواء، وربما أنضج بالوسائل الاصطناعية، ومما يجنى قبل نضجه الموز، ومما اشترطوه أن لا يتمالأ أهل البلد على هذا البيع أو أكثرهم، ولعل هذا الشرط لما يخاف من تفويت التمتع بالثمار بحيث تحول إلى غير ما هي له في الأصل، أو لأن ذلك يوهم من لا علم عنده بالجواز المطلق، والأمر الآخر أن يضطر إليه، كما يجوز شراؤه تبعا لأصله، ومتى وقع البيع على الوجه الممنوع فإنه يفسخ ويضمن البائع الثمرة ما دامت في رؤوس الشجر، فإذا جذها المشتري رطبة رد قيمتها، وإن كان تمرا رده بعينه إن كان قائما، وإلا رد مثله، وإلا قيمته، وإنما يمنع بيع الثمر قبل بدو صلاحه إذا انفردت الثمار بالبيع، أما إن كان المبيع هو الشجر أو الأرض فلا بأس إذا دخل الثمر والحب في الصفقة، يدل عليه قول النبي ﷺ: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشرطها المبتاع»، ففيه دليل على أن الثمر الذي لم يبد صلاحه له حصة في الثمن، وإلا ما كان هناك معنى لجعله للمبتاع متى اشترطه، والله أعلم.
[ ٣ / ٤١٢ ]
جواز بيع الثمر إذا بدا صلاح بعضه
بيع الحبوب قبل نضجها
• قوله:
٤٢ - «ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه وإن نخلة من نخيل كثيرة».
الثمار في الحائط الواحد لا تنضج دفعة، لكن العادة أن الجنس الواحد منها متى نضج بعضه كان نضج الباقي منه قريبا، فمتى ظهر صلاح بعض الثمار ساغ البيع، ما لم تكن الشجرة باكورة، فلا تباع إلا وحدها، والحكمة من هذا أنه لو انتظر نضج الجميع لضاع ما نضج من قبل، فيفوت مقصود الشارع، فإن القصد من النهي منع الفساد المتوقع بضياع مال المشتري، فكيف يؤدي النهي عن الفساد المتوقع إلى فساد مستيقن والله لا يحب الفساد؟، ومثل الثمر المقاثي كالبصل والبطاطا والجزر واللفت وكالباذنجان والخيار، وكذلك ما يؤكل أخضر من القطاني كاللوبيا والفول ونحوها، وهذا بخلاف نحو القمح والشعير فلا يسوغ بيعه حتى يدرك جميعه لانتفاء الفساد عنه ببقائه قائما، ولعدم الحاجة إلى أكله كما هو الشأن في الثمار والخضر، فإن بيع وهو فريك رد، فإن فات باليبس والجذاد مضى، وقد تقدم حديث أنس عند مسلم في ذلك، وقال مالك في الموطإ (١٣٤٣) إنه بلغه أن محمد بن سيرين كان يقول: «لا تبيعوا الحب في سنبله حتى يبيض»، انتهى، لكن إن اشترى القمح مثلا من يصنعه فريكا جاز، قال النفراوي ﵀ في شرحه: «والضابط الشامل لكل ما سبق أن يبلغ المعقود عليه الحالة التي ينتفع فيها به على الوجه الكامل».
[ ٣ / ٤١٣ ]
منع بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان
• قوله:
٤٣ - «ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان».
اهتم الشارع بذكر هذه البيوع ونهى عنها لأن العرب كانوا يتعاطونها وإن لم تعد اليوم موجودة، منها بيع الحيتان في البرك والأنهار فضلا عن البحار وفيها الجهل بالمثمن وعدم القدرة على التسليم، وقد جاء في حديث ابن مسعود عند أحمد قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر»، وصحح الدارقطني والبيهقي وقفه، وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم تكن الحيتان في موضع محصور يمكن حزر ما فيه من الحوت على القول بجواز بيعه جزافا إن كان صغيرا، ويجوز بيع النحل في جبحه، وعسله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع قياسا على التمر في النخل المؤبر.
[ ٣ / ٤١٤ ]
منع بيع الجنين في بطن أمه
• قوله:
٤٤ - «ولا بيع الجنين في بطن أمه، ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات».
وهذا أيضا من الغرر الشديد، لأنه لا يدرى أذكر هو أم أنثى، ولا يعرف حجمه، ولا حسنه من قبحه، ولا كونه يولد حيا أو ميتا، وكل ذلك يترتب عليه التفاوت الكبير في القيمة، وقد روى أحمد وابن ماجة (٢١٩٦) والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق»، وقد ضعف الحافظ إسناده، وهو في ضعيف ابن ماجه للألباني، لكن يدخل في بيع الغرر بلا ريب، ولو صح لاستدل به على جواز الفصل بين الحيوان وأمه لتقييد المنع بالوضع، فاجمعه إلى الوعيد السابق على التفريق بين الوالدة وولدها، والله أعلم.
[ ٣ / ٤١٥ ]
• قوله:
٤٥ - «ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة».
النتاج بكسر النون، وتُنتج مبني للمجهول والناقة فاعل، وهو من الأفعال القليلة التي وردت عنهم كذلك، وهذا النوع أعظم خطرا من الذي قبله لأنه نتاج النتاج، وقد منع بيع المجهول، والمعدوم أشد غررا من المجهول فهو أولى بالمنع، ولعل العرب كانوا يقدمون عليه لقصدهم شيئا خفيا من ورائه، وإلا فكيف يعمد العاقل إلى إهدار ماله في شيء معدوم؟، فقد تموت الناقة، وقد لا تلد، وقد تلد ويموت ما تلد، وقد يولد نتاجها ولا يلد، فهذا البيع يدل على حماقة متناهية أقدموا عليه لقصد ما، وروى أحمد ومسلم (١٥١٤) والترمذي عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع حبَل الحبَلة»، والحبل بفتح الباء الحمل، والحبلة بفتحها أيضا اسم جمع لحابل، وهي الحامل، وهو في الموطإ (١٣٥٠) وصحيح البخاري (٢١٤٣) قال: «نهى عن بيع حبل الحبلة، وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية: كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها»، انتهى.
[ ٣ / ٤١٦ ]
• قوله:
٤٦ - «ولا بيع ما في ظهور الإبل».
المراد بما في ظهور الإبل ماء الفحل، فإنه في الصلب كما في قوله تعالى عما خلق منه الإنسان: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧]، وهو المسمى عسب الفحل بفتح العين وسكون السين، ويقال عسيب، أي نزوه وضرابه، وقيل ماؤه، فعلى الأول يكون من باب الإجارة، وعلى الثاني يكون بيعا، وكلاهما ممنوع، ولا خصوصية للإبل في هذا الحكم، بل يشمل الذكر فرسا كان أو جملا أو تيسا، ودليله ما جاء في حديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن عسب الفحل»، رواه أحمد والبخاري وأبو داود، وفي الموطإ (١٣٥١) عن سعيد ابن المسيب أنه قال: «لا ربا في الحيوان، وإنما نهي من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة»، وقد فسر النفراوي في شرحه ما في ظهور الإبل بقوله: «بأن يقول صاحب الفحل لصاحب الناقة أبيعك ما يتكون من ماء فحلي هذا في بطن ناقتك أو ناقتي»، انتهى، ففسره بما يجمع الملاقيح والمضامين، والملاقيح جمع ملقوح، وهو ما في بطن الناقة، والمضامين جمع مضمون، وهو ما صلب الفحل، فجعل ما في ظهور الإبل يشمل الأمرين، والظاهر أنه عسب الفحل نفسه، لأن مقره الظهر كما علمت.
ولما كانت العلة عند بعضهم في منع بيع عسب الفحل الجهالة قالوا إن كان النزو مضبوطا بمرات أو بزمان جاز، فكأنه إجارة، وقيل يكره ذلك ولو مع الضبط، لأن الأجرة عليه ليست من مكارم الأخلاق، والظاهر أن الإجارة تدخل في النهي، لأنه هو المتصور قبل العصر الحديث الذي أصبح فيه عسب الفحل يحفظ ويباع، وعلى القول بجواز البيع مع الضبط يتخرج جواز بيع عسب الفحل االمستخرج المحفوظ كما في هذا العصر ليعمل حقنة للأنثى، وهذا وإن انتفت عنه الجهالة على ما تقدم، إلا أن الإقدام عليه فيه مضرة أخرى لما قد يترتب على تلقيح الحيوان بذلك من المضار لمخالفته ما جبل عليه من
[ ٣ / ٤١٧ ]
اجتماع الذكر والأنثى على الحمل، ويستأنس هنا بحديث علي بن أبي طالب ﵁ الذي رواه أبو داود (٢٥٦٥) عنه قال: «أهديت لرسول الله ﷺ بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا الحمير على الخيل فكانت لنا مثل هذه، قال رسول الله ﷺ: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»، وقوله لو حملنا،،، الخ، أي لو أنزينا، يقال أنزى ونزى بالتشديد إذا حمل الذكر من الحيوان على الأنثى، وقوله ﷺ: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»، نفى عنهم معرفة الشرع، أو المعرفة بعامة، وقد علل العلماء ذلك بأنه سبب في قلة الخيل التي كانت تغني في الجهاد ما لا يغني غيرها من الحيوان، ولأن لحمها حلال ولحم البغال محرم، فأحب النبي ﷺ أن تكثر، وهذا التعليل لا يمنع أن يكون المراد الترغيب عن إكراه الدابة على ما لا تميل إليه بطبعها الذي خلقها الله عليه ولا سيما إذا كان الفحل من غير جنسها، فكيف باختصار الأمر كله في حقنة تدخل في رحمها، بحجة غلاء ثيران هولندا مثلا؟.
[ ٣ / ٤١٨ ]
بيع العبد الآبق والبعير الشارد
• قوله:
٤٧ - «ولا بيع الآبق والبعير الشارد».
جاء النهي عن بيع العبد في حال إباقه في حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجه والبيهقي المذكور في الفقرة (٤٤)، وعلة المنع العجز عن تسليم كل منهما، ومن شروط صحة البيع القدرة على التسليم، فإن حصل فالبيع فاسد وضمانه من بائعه، ويفسخ وإن قبض، وقيل إنه إن كان مقيدا بموضع محبوس لصاحبه فبيع على الصفة جاز ويكون تحصيله على البائع، ويؤخر الثمن إلى حين تمكين البائع من قبضه.
[ ٣ / ٤١٩ ]
تحريم بيع الكلاب
• قوله:
٤٨ - «ونهي عن بيع الكلاب».
وهذا للنهي عن ثمن الكلب، وذلك يعني النهي عن بيعه، من ذلك حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن»، رواه مالك (١٣٥٥) والشيخان وأصحاب السنن (د/ ٣٤٨١)، ومهر البغي ما تأخذه المرأة في مقابل الفجور بها، سمي مهرا للصورة، وحلوان الكاهن قال مالك عنه: «رشوته وما يعطاه على أن يتكاهن»، انتهى، وعن ابن عباس ﵄ قال: «نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا»، رواه أحمد وأبو داود (٣٤٨٢)، وعن أبي هريرة مرفوعا: «لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي»، رواه النسائي وأبو داود وهذا لفظه، وللبخاري منه النهي عن كسب الإماء، وفي صحيح مسلم عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور».
[ ٣ / ٤٢٠ ]
الاختلاف في جواز بيع المأذون في اتخاذه من الكلاب
• قوله:
٤٩ - «واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها».
الكلاب منهي عن اتخاذها عدا كلب الماشية والصيد والزرع، وتحريم اتخاذها يعني تقليل وجودها واستعمالها إلا فيما استثني، ومن علم ما للكلاب اليوم من المنزلة عند الكفار، وما تستخدم فيه مما لا يحسن ذكره أدرك حكمة النهي عن اتخاذ ما سوى المأذون في اتخاذه منها، وقد أمر النبي ﷺ أول مقدمه المدينة بقتلها، ولعلها كانت كثيرة، ثم إنه قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم»، رواه أبو داود والترمذي (١٤٨٦) عن عبد الله بن مغفل ﵁، وفي هذا الحديث إشارة إلى محافظة الشرع على الأنواع النافعة من الحيوانات بخلاف الضارة، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ويقولون في عصرنا عن هذا إنه حماية الأنواع من الانقراض.
وقد اختلف في صحة بيع المأذون في اتخاذه من الكلاب، ومشهور المذهب المنع للنهي المتقدم، وقيل بالكراهة، والثالث الحل، وهو القياس، لأن الإذن في الاتخاذ مع الحاجة إليه يكاد يتنافى مع المنع من بيعه، وترك ذلك للعطية ونحوها مع ما فيها من المنة، لكن يعارض هذا المعنى أن السنور مأذون في اتخاذه بالاتفاق مع طهارته، ومع ذلك جاء النهي عنه، لكن قد يقال إن حاجة الناس إلى الكلاب أشد من حاجتهم إلى السنانير، والقول بالجواز لابن كنانة، ولسحنون قال: «أبيعه وأحج به»، وقد روى أحمد والنسائي والبيهقي من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد»، وانظر التعليقات الرضية (٢/ ٣٤٧)، والصحيحة للألباني الحديث (٢٩٧١).
[ ٣ / ٤٢١ ]
ضمان قيمة الكلب المأذون في اتخاذه ممن قتله
• قوله:
٥٠ - «وأما من قتله فعليه قيمته».
قتل الكلب غير المأذون في اتخاذه لا شيء فيه، أما المأذون في اتخاذه فمن قتله فعليه قيمته على تقدير جواز بيعه، وفي هذا إشكال إذ كيف لا يصح بيعه وتضمن قيمته؟، قالوا لا تلازم بين الأمرين، كغرم قيمة الجلد المدبوغ، وأم الولد، ولحم الأضحية مع أن الثلاثة لا يجوز بيع واحد منها، أقول: وفي هذا العصر لا ينصح بالإقدام على قتل غير المأذون في اتخاذه من الكلاب التي يعرف أصحابها، ولا غيرها من الأمور كآلات اللهو بل والخمر والخنزير لإقرار الأنظمة اتخاذها من غير تفصيل، فيكتفي المؤمن بالتعليم والنصح والتوجيه حتى لا يعرض نفسه للغرم والمتابعة، لكن إن بدر منه إتلاف شيء من ذلك وأمكنه إقناع (المالك) بأن الشرع لا ضمان فيه فاقتنع فهذا هو الحق، والله الهادي.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
منع بيع اللحم بالحيوان نسيئة
• قوله:
٥١ - «ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه».
لو قدم ذكر هذا وكذا بيع التمر بالرطب مع الربويات لكان أفضل، وفي الموطإ (١٣٥٢) عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان باللحم»، وحسنه الألباني ﵀ في الإرواء (ح/ ١٣٥١)، وقد عزاه ابن ناجي في شرحه (٢/ ١٣٠) لمسلم وأبي داود فانظره، وإنما منع هذا لأنه مزابنة، فيه القمار والمخاطرة، إذ اللحم معلوم، والحيوان مجهول، فيكون من بيع المعلوم بالمجهول، وقال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٣٧): «المسألة غير معللة، وتعليلها فيه تعارض ظاهر وتناقض كبير»، انتهى، وقوله من جنسه قيد يخرج ما كان من غير جنسه، وقد تقدم أن لحوم الأنعام كلها جنس، وأن لحوم الطير كذلك، فيجوز بيع مجهول بمعلوم من لحم الطير بلحم البقر، ولا يجوز البيع إذا كان أحدهما ضأنا والآخر بقرا، ويجب في الجميع التقابض متى كان الحيوان لا يراد للقنية، لأنه يصير من بيع الطعام بالطعام، وقد مر لزوم التقابض فيه لما في التأخير من ربا النسيئة، والحديث بعد التسليم بصلاحيته للاحتجاج عام فلا يخص ما فيه من المنع بالجنس، وهو قول الشافعي ﵀.
[ ٣ / ٤٢٣ ]
منع البيعتين في بيعة
• قوله:
٥٢ - «ولا بيعتان في بيعة، وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين».
لا يجوز جمع بيعتين في عقد واحد كأن يقول بعتك هذه السلعة بعشرة تدفعها الآن، أو بعشرين تدفعها بعد شهر، ويفترقان من غير الاتفاق على إحدى الصفقتين، والعلة ما في هذا البيع من الجهالة، فإن البائع لا يدري ما باع، والمشتري لا يدري ما اشترى، وتكون العلة غير الجهالة في بعض الصور، ولذلك رأى بعضهم أنه لو عكس فقال بعتكها بعشرة تدفعها الآن، أو بخمسة إلى شهر لجاز لعدم التردد حينئذ، لأن العاقل إنما يختار البيع إلى أجل بالثمن القليل، واعتبر هذا العقد بيعتين باعتبار اختلاف ثمن الشيء الواحد بالنظر إلى نقده أو تأجيله، وقوله قد لزمته بأحد الثمنين مخرج لما إذا كان العقد على الخيار، بأن يقول البائع اختر بين أن تشتري هذه السلعة بعشرة تدفعها الآن، وبين خمسة عشر إلى شهر مثلا، فمتى اختار إحداهما تم البيع.
والصورة المذكورة للبيعتين في بيعة ذكرها الذين رووا الحديث، منهم سماك بن حرب وغيره، لكن هذا لا يمنع أن يكون للبيعتين في بيعة صور أخرى، منها أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد، ويكون المبيع إحداهما على اللزوم، فهذا لا يجوز، لأنه وإن اتحد ثمن السلعتين فقد جهلت السلعة، لكن إن وقع البيع على الخيار فعين إحداهما جاز، وأدخل بعضهم صورة أخرى وهي بيع سلعة على أن يبيعه الآخر سلعة أخرى شرطا وهو محتمل، مع أنه داخل في النهي عن بيع وشرط، وقد عدد ابن العربي صورا من تفسير العلماء للبيعتين في بيعة فانظرها في شرحه لجامع الترمذي المسمى عارضة الأحوذي.
وقد روى مالك (١٣٥٨) بلاغا أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة، وقد
[ ٣ / ٤٢٤ ]
تفسير البيعتين في بيعة
المعروف ببيع التقسيط لا يدخل في البيعتين في بيعة
وصله النسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة، ورواه أبو داود عنه قال، قال
رسول الله ﷺ: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا»، وأوكسهما هو أنقصهما، وقال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٤٤٨): «هذا حديث مسند متصل عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر وابن مسعود وأبي هريرة كلها صحاح من نقل العدول، وقد تلقاها أهل العلم بالقبول»، انتهى باختصار.
ويؤخذ من رواية أبي داود أن هذا البيع يمكن أن يصحح بأن يأخذ البائع الثمن الأقل، ومع ذلك يكون مؤجلا لأن هذا هو أوكس البيعتين، ويمكن أن يأخذ أقل السعرين مع تعجيله لكونه الأصل في البيع، لكن قال الخطابي في معالم السنن (٣/ ١٢٢): «لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحح البيع بأوكس الثمنين إلا شيء يحكى عن الأوزاعي، وهو مذهب فاسد وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل»، انتهى، ولهذا السبب أعني ما في الحديث من تصحيح البيع تأول الخطابي لفظ حديث أبي هريرة المتقدم على أنه في واقعة معينة لا حكما عاما على كل بيعتين في بيعة، قال كاتبه: لا داعي لهذا، فإن الشارع قد صحح بيوعا أخرى كما تقدم في بيع المصراة، والظاهر أن يكون النبي ﷺ قد نهى عن البيعتين في بيعة أَوَّلًا، ثم بَيَّنَ ما يفعل من تاب ممن خالف باقتحامه المحظور، فيأخذ أوكس الصفقتين كما تقدم، والله أعلم.
وقد اعتمد بعض أهل العلم ومنهم المُحَدِّثُ الألباني ﵀ على قوله ﷺ «فله أوكسهما أو الربا» ليمنع ما يسمى عندنا ببيع التقسيط، لأنه - كما ظن - لا يختلف عن الزيادة في الدَّيْنِ في مقابل تأجيله، وهو محرم بالإجماع، وليس هذا بصحيح، فإن الأمر هنا لم يَرْسُ على ثمن معين ثم اتفق على تأجيله نظير الزيادة فيه، ولأن للأجل حصة في الثمن، ولأن الربا يرد إطلاقه من الشارع على ما هو أعم من ذلك كما تقدم في أوائل هذا الباب، ولأن الحديث لا يصدق إلا على بيعتين في عقد واحد من غير بَتٍّ، كما يفيده حرف الجر وهو في، إذ معناه هنا الظرفية الاعتبارية، فمتى اتفق على إحدى البيعتين خرج ذلك عن أن يكون مدلولا للحديث، وإلا فكيف يقول فله أوكسهما هذا لا يكون إلا إذا افترقا من غير
[ ٣ / ٤٢٥ ]
أقوال بعض السلف المتوهم منها المنع
اتفاق على إحدى البيعتين، وكونه على هذه الصفة لا نزاع في منعه، وقد كتبت في ذلك رسالة بينت فيها ما حصل لبعض أهل العلم من الأوهام فيما نسبوه لكثير من السلف من منع هذا البيع، كالأوزاعي وابن سيرين وطاوس وأحمد وبعض الصحابة، وتابعهم على ذلك كثير من الشباب فأسرفوا في التشنيع على المجوزين ثم مضى ذلك وانقضى، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٢٦ ]
بيع التمر بالرطب والزبيب بالعنب
• قوله:
٥٣ - «ولا يجوز بيع التمر بالرُّطَبِ ولا الزبيب بالعنب، لا متفاضلا ولا مثلا بمثل، ولا رَطْبٍ بيابس من جنسه من سائر الثمار والفواكه وهو مما نهي عنه من المزابنة».
الرُّطَب في كلامه بضم الراء وفتح الطاء من أصناف التمر، أما الرَّطْبُ بفتح الراء وسكون الطاء فهو خلاف اليابس من أي شيء، والتمر والزبيب داخلان في الربويات فيمتنع فيهما التفاضل كما سبق، لأنه لو بيع الرَّطْبُ منهما باليابس واستوى كيلاهما لما كانا متماثلين، لأن الرَّطْبُ ينقص إذا جف، ولو حصل التماثل بينهما بالحزر لما يؤول إليه الرطب من النقص إذا جف لما زال الشك في التفاضل، فالمانع من بيع أحدهما بالآخر هو عدم القدرة على تحقيق التماثل المطلوب، وهذا ينطبق على كل بيع فيه ربوي يابس برطب من جنسه، فإن الجهل بالتماثل كتحقق التفاضل، ومثل الرطب في منع بيعه باليابس بيع المبلول باليابس، وقد جاء في النهي عن بيع التمر بالرطب حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: «أينقص الرطب إذا يبس»؟، قالوا نعم، فنهى عن ذلك»، رواه مالك (١٣١٢) وأصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي، والسؤال للتنبيه على العلة، وقوله «فنهى عن ذلك» صريح في بيان المراد من الرواية الأخرى التي قال فيها «فلا إذن»، وقد فسرها بعض أهل العلم بقوله فلا بأس إذن، فجوز البيع، والرواية الأخرى ترد هذا التأويل، على أن قوله: «فلا إذن» ظاهر في المنع أيضا، وإلا فما الداعي إلى السؤال عن نقص الرطب في حال جفافه إذا كان البيع جائزا لو استقام النظر، واتسقت الفِكَر؟.
أما بيع الزبيب وهو ربوي بأصله أعني العنب فيمنع بالقياس على بيع التمر بالرطب،
[ ٣ / ٤٢٧ ]
مع أنه قد ورد ما يشمل الأجناس الربوية أن يباع رطب منها بيابس كما في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة»، والمزابنة بيع الثمَر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب كيلا»، رواه مالك ومن طريقه البخاري (٢١٨٥)، ومسلم (١٥٤٢)، والثمر بالثاء المثلثة هنا ثمر النخل ما دام في شجره، والكرم شجر العنب، والمراد العنب نفسه، من تسمية الشيء بأصله، وقد جاء النهي عن تسميته بذلك، فيحتمل صرفه إلى الكراهة متى قيل إن تفسير المزابنة من المرفوع، قال الباجي عن بيان معنى المزابنة: «الأظهر أنه من قول النبي ﷺ لاتصاله بقوله، وإن كان من قول ابن عمر فهو حجة، لأن هذا أمر طريقه اللغة، وابن عمر حجة في ذلك»، انتهى، ونحوه قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٨٦)، ويدخل في المزابنة ما إذا باع صُبرة - بضم الصاد - من طعام بعشرين صاعا مضمونة، فما زاد فله وما نقص فعليه، فهذا من المزابنة، وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري (٢١٧٢) «والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل إن زاد فلي، وإن نقص فَعَلَيَّ»، انتهى، ففيه مقامرة وغرر ومخاطرة نص على ذلك مالك في الموطإ، واعتمد على هذا المعنى وعلى النهي عن الغرر فوسع دائرة المزابنة، فلم تختص بالربويات ولا بالمطعومات عنده، بل تشمل كل بيع مجهول بمعلوم من جنسه فقال في الموطإ: «وتفسير المزابنة أن كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده ابتيع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد،،»، انتهى، قال ابن عبد البر: «نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة ويدخل فيها القمار والمخاطرة»، انتهى، ولذلك قال أهل المذهب إذا علمت الزيادة جاز البيع، يعني لانتفاء المخاطرة، وإذا منع بيع معلوم بمجهول من جنسه، فأحرى أن يمنع بيع مجهول بمجهول من جنسه، وحاصل المسألة:
- عدم جواز بيع الجنس الواحد من الطعام غير الربوي المجهول القدر منه بالمعلوم، إلا إذا تبين الفضل فيجوز.
- كما يمنع بيع مجهول بمعلوم من جنسه من غير الطعام.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
- كما لا يجوز بيع الربوي المعلوم القدر بالمجهول من جنسه تبين الفضل أو لم يتبين إذ لا بد من تحقق الثماثل في بيع الجنس بجنسه في الربويات كما سبق
- ومتى اختلف الجنس جاز البيع تبين الفضل أو لم يتبين سواء كان العوضان ربويين أو أحدهما، وسواء كانا طعامين أو أحدهما، أو ليسا طعامين.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
بيع الجزاف بالمكيل من صنفه والجزاف بالجزاف من صنفه
بيع الغائب على الصفة وامتناع جواز النقد فيه بشرط
• قوله:
٥٤ - «ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه، ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما إن كان مما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه».
لما تكلم على منع بيع الرطب باليابس من الربويات لا فرق بين أن يكون مكيلا أو جزافا، وهو منصوص الحديث، واستطرد إلى ذكر بيع الثمار والفواكه يابس جنسها برطبه لا فرق بين أن تكال أو تباع جزافا، ناسب أن يردف ذلك بمنع بيع المجهول بالمعلوم من جنسه من سائر السلع التي ليس فيها رطب، فتأتيها الجهالة من الجزاف فيتحقق فيها مناط المنع عندهم وهو بيع معلوم بمجهول، وهو قوله «ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه»، كبيع صُبْرة جَوْزٍ لا يعلم كيلها ب (٥٠) كيلو منه، وقال عن بيع المجهول بالمجهول: «ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما»، كبيع صُبْرة جَوْز بِصُبْرة، إلا إذا علمنا مقدار التفاضل فينتفي عنهما وصف المزابنة، كأن نعلم أن وزن الصُّبْرة هو (٦٠) كيلو أو (٤٠) مثلا، لأن التفاضل هنا جائز، والممنوع في المذهب هو النسيئة، ويظهر أنه لا يصح التمثيل في بيان هذه الفقرة ببيع صُبْرة قمح بصُبْرة منه مجهولتي الكيل، ولا صُبْرة منه ب (٣٠) صاعا كما هو في شرح أبي الحسن، لأن المانع من بيع الجنس بجنسه مكيلا منه بجزاف، أو جزاف بجزاف هو المزابنة على ما وسعه إليها أهل المذهب، والمانع من بيع جنس الربوي بجنسه إلا متماثلين ليس المزابنة، فإنها وإن كانت صالحة للاعتماد عليها، فإن الاستدلال بالأخص مقدم على الاستدلال بالأعم، وقد روى النسائي عن جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تُبَاع الصُّبْرَة من الطعام بالصُّبْرَة من الطعام، ولا الصُّبْرَة من الطعام بالكيل المسمى من الطعام».
[ ٣ / ٤٣٠ ]
• قوله:
٥٥ - «ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة ولا ينقد فيه بشرط إلاَّ أن يقرب مكانه أو يكون مماَّّ يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه».
هذا من التيسير في البيع لحاجة الناس إليه، فيجوز بيع الحاضر المرئي وهو الأصل، وبيع الغائب الذي رؤي قبل البيع إذا كانت المدة الفاصلة بين الرؤية وبين العقد يؤمن فيها أن يتغير المبيع بالزيادة والنقصان، فإن كانت المدة مما لا يؤمن فيها ذلك فلا يجوز البيع إلا على الخيار، ويجوز بيع الغائب المعين على الوصف، وسيأتي الكلام على البيع على البرنامج، ويجوز بيع المعدوم في الذمة إلى أجل، وهو بيع السَّلَم الذي سيأتي ذكره، فالحمد لله على ما يسر وسهل، وأنعم وتفضل، غير أن لصحة البيع على الوصف عندهم شروطًا أهمها:
- أن يتم وصفه بما يتميز به عن غيره بقدر الإمكان.
- أن يكون واصفه غير البائع لكونه قد يتهم بالزيادة في الوصف لينفق سلعته متى نقد الثمن أي قدم، ولو تطوعا.
- أن يكون المشتري ممن يعرف ما وصف له معرفة تامة.
- أن لا يكون المبيع بعيدا جدا متى وقع البيع على البت.
- أن لا يكون قريبا تمكن رؤيته دون مشقة، إذ لا حاجة حينئذ تدعو إلى الاعتماد على الوصف، وقد يقال إنه متى كان غير حاضر في المجلس جاز بيعه على الوصف من غير بت، وهكذا لو كان حاضرا وكان في نشره مفسدة له.
- أن لا يشترط تقديم الثمن لما فيه من احتمال الأيلولة إلى السلف، فإن كان المبيع قريبا أو بعيدا بعدا غير متفاحش وهو مما يؤمن تغيره كالأرض والدور والأشجار، جاز اشتراط تقديم الثمن.
قال في الموطإ: «لا ينبغي أن يشتري أحد شيئا من الحيوان بعينه إذا كان غائبا عنه، وإن كان قد رآه ورضيه على أن ينقد ثمنه لا قريبا ولا بعيدا، وإنما كره ذلك لأن البائع ينتفع
[ ٣ / ٤٣١ ]
بالثمن ولا يدرى هل توجد تلك السلعة على ما رآها المبتاع أم لا؟، فلذلك كره ذلك، ولا بأس به إذا كان مضمونا موصوفا»، انتهى.
وفي هذا العصر يغني عن كثير من هذه الشروط التي وضعها العلماء لتجنب الغرر المحتمل في بيع الغائب البطاقات التي تحمل أوصافا دقيقة عن تركيب المبيع وبيان نوعه وتأريخ إنتاجه وانقضاء صلاحيته وغير ذلك، وحدث من وسائل الاتصال والانتقال والضمان ما يزول معه كثير من الغرر.
وبعد هذا عليك أن تذكر أن الشرع قد نهى عن بيع الغرر وعن بيع ما ليس عند البائع، وهذان الأمران يدخلان في بيع الغائب، فيحتاج القول بجوازه إلى الدليل، والاستدلال على هذا الأمر بمثل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦]، ليس بالمقبول، وقد احتج مالك على جواز البيع على الوصف بما حكاه في الموطإ قال: «وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندنا يجيزونه بينهم إن كان المتاع موافقا للبرنامج، ولم يكن مخالفا له»، انتهى، وقد يستدل على جواز بيع الغائب بالقياس الأولوي على السَّلَم المضمون في الذمة، مع أنه لا يتعلق بمعين، وفيه تقديم الثمن لزوما، لكن هذا قد يطعن فيه بأن السَّلَم رخصة فلا يقاس عليها، ولأن فيه استفادة البائع بالثمن واستفادة المشتري بالضمان، وليس شيء من ذلك موجودا في بيع الغائب، نعم قد حصل في هذا العصر ما يكون الاعتماد عليه في الوصف من باب اليقين فتزول معه الجهالة بالمبيع، فإن وصف السلع المكتوب لا يقارن بالرؤية لما في الوثائق من الإلزام، لكن يبقى الأمر الآخر وهو بيع ما ليس عند المرء محتاجا إلى دليل، فيقال إن المشتري إذا رأى السلعة فلم يرضها فإنه لم يتحقق مناط صحة عقد البيع وهو التراضي، فإن رضيها بأن تحقق فيها الوصف فقد تم العقد الآن لا قبله، وما قبله لم يكن هو العقد لما فيه من الخيار فإنه على الوقف كما سبق، وانظر السيل الجرار (٣/ ٩٨).
ويتفرع عما تقدم أن بيع الأعمى وشراءه جائزان لأنهما بمنزلة الوصف مع انضمام عمل الحواس الأخرى كاللمس والشم عند اللزوم، وقال بعضهم إن من ولد أعمى وهو الأكمه لا يجوز بيعه ولا شراؤه لأنه لا يمكنه أن يفهم الوصف إذ لا علم سابقا عنده يجعله يتصور الأشياء، وانظر أحكام عقد البيع ص (١٣٩) للشيخ محمد سكحال المجاجي وفقه الله.
[ ٣ / ٤٣٢ ]
جواز بيع الرقيق على أن يكون الضمان على البائع
عهدة الرقيق الكبرى والصغرى
• قوله:
٥٦ - «والعهدة جائزة في الرقيق إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد، فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص».
العهدة في اللغة من العهد، وهو الإلزام والالتزام، والمراد هنا تعلق بيع الرقيق بضمان البائع مدة معلومة، فإذا بيع الرقيق من غير براءة من العيوب الطارئة لزمت فيه عهدة الثلاث في جميع البلدان متى اشترطت، وهو الذي رجحه ابن عبد البر في الكافي (١/ ٣٥٢)، ومثل ذلك ما إذا جرت بها عادة الناس ولو لم تشترط، أو حمل السلطان الناس عليها، وقيل يعمل بها في مدينة النبي ﷺ بخاصة، وهذا الأخير يمكن إرجاعه لواحد مما تقدم، فما أصاب العبد أو الأمة فيها فهو من مال البائع، وللمشتري أن يرده بلا بينة، وقد جاء في العهدة حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عهدة الرقيق ثلاثة أيام»، رواه أبو داود (٣٥٠٦)، وفي رواية له: «إن وجد داء في الثلاث رد بغير بينة، وإن وجد داء بعد الثلاث كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء»، قال أبو داود هذا التفسير من كلام قتادة، انتهى، والحديث منقطع، لأن فيه الحسن ولم يصح سماعه من عقبة بن عامر.
والعهدة نوعان كبرى في الضمان، صغرى في الزمان، وهي عهدة ثلاثة أيام بلياليها، يكون فيها الضمان على البائع في كل ما يظهر على الرقيق من الإباق والجرح، وسائر الآفات حتى الموت، ولم يستثنوا إلا ذهاب مال العبد، فلا يرد به، ومدة ذلك ثلاثة أيام بعد العقد، تبتدئ من أول النهار المستقبل متى كان العقد بعد الفجر، وقيل متى كان ذلك بعد طلوع الشمس جريا على عدم اعتبار كسر اليوم وقد تقدم غير مرة.
والعهدة الثانية كبرى في الزمان، صغرى في الضمان، ومدتها سنة، يضمن فيها البائع ما يظهر على الرقيق من ثلاثة أمور هي الجنون والبرص والجذام.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
الحكمة من اختصاص الرقيق بالبيع على العهدة
والعهدة من الأحكام التي خص بها بيع الرقيق دون سواه، ومن الحكمة في ذلك أن الرقيق قد يتظاهر ببعض ما ليس فيه ويتصنع، أو يتستر فيغير بعض سلوكه ليمنع بيعه لغير مالكه، أو ليرغب المشتري فيه، فاختلف عن غيره من السلع من هذه الحيثية، فكانت فيه تلك العهدة، وهكذا الأمراض الثلاثة المذكورة فإن ظهورها قد يرتبط بفصل دون آخر، فتكون مما يحتمل أن البائع كتمه كالجنون والجذام، ومن شأن مرور السنة أن ينتفي معه ذلك الاحتمال، ويمكن أن يستفاد من هذا أن السلعة إذا ارتبط ظهور عيبها بحال دون حال أمكن أن ينظر في جعلها على الخيار حتى يتبين ذلك، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
بيع السلم وبيان معناه
• قوله:
٥٧ - «ولا بأس بالسَّلَمِ في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام بصفة معلومة وأجل معلوم».
السَّلَمُ هو السَّلَفُ، يعطي المرء شيئا يعجله مقابل شيء مؤجل، ولا بد، فالمعطي هو المسلف، (المُسْلِم) بكسر اللام، والآخذ المسلف له، (المسلَم له) بفتحها، والشيء المؤجل هو المسلف فيه، (المُسْلَم فيه)، وقد جعل السلم لقبا لبيع يتأخر فيه قبض المثمون ولا بد، وهو مختلف عن السلف بمعنى القرض، لأن القرض يرد مثله، وهو إحسان وفعل خير، والسلم بيع فيه المراوضة والمساومة، وقد ذكره الله في كتابه في آية الدَّيْن، وهي أطول آية في القرآن، قال ابن عباس ﵄: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، علقه البخاري كما في تفسير ابن كثير، وكلمة دَيْنٍ في الآية نكرة في سياق الشرط فتعم دَيْنَ القرض ودَيْنَ البيع وإن كان سياقها يدل على أنها في السَّلَم، نظرا للاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وعن ابن عباس ﵁ قال: «قدم النبي ﷺ المدينة وهو يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، رواه الشيخان وأصحاب السنن الأربعة، فأقر الشرع السلم واستثناه من بيع المرء ما ليس عنده لما فيه من المصلحة للناس، ومنع ما يقود منه إلى الضرر في المبيع وفي الأجل كما سبق في جعل الشرع التأبير حدا فاصلا في عدم تبعية الثمار للأشجار المبيعة.
وقد بين المؤلف ما يسلم فيه وهو كل ما يحوز بيعه من العروض التي تشمل كل الممتلكات ما عدا النقد، فما عطفه المؤلف على العروض من عطف الخاص على العام
[ ٣ / ٤٣٥ ]
يسلم في كل ما يجوز بيعه غير الأرض والدور
ما في بيع السلم من المصلحة للبائع والمشتري
السلم في الحيوان
لمزيد البيان، ولا يستثنى مما يسلف فيه عندهم غير الأرض والدور، ووجه استثنائهما أن السلم يكون في غير معين، فلو عينت الأرض والدور خرجت عن أن تكون سلما، لأن السلم في الذمة لا في شيء بعينه، وإن لم تعين فات كثير مما يقصده الناس منهما وهي الأماكن، فيكون سلما في مجهول، فيناقض ما اشترط في الحديث المتقدم من المعلومية.
قلت: يمكن أن يعين الموضع الذي تبنى فيه الدار كأن يقال هو في المنطقة الفلانية، وأن تعرف المساحة العامة، وعدد الحجرات وكون المسكن في الطابق الأرضي أو غيره، وما يبنى به، فيكون ذلك وصفا يصح معه السلم، وهذا معمول به عندنا، لكن المخالفة تأتي من كون رأس المال لا يقدم في هذه المعاملة، بل يدفع على التدريج، وكونه أيضا محتملا للزيادة فيه بنسبة مائوية تحددها الدولة، وهي العملية التي تدعى بإعادة التقويم، وإعادة التقويم تفوت الغرض من السلم كما لا يخفى، ويكون معها الثمن مجهولا وهو المسلَم، وقد نقل عن أشهب ما قد يؤخذ منه جواز السلم في الأرض، ذكره ابن ناجي في شرحه (٢/ ١٣٥)، وإذا لم يثبت الإجماع الذي نقله ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٠١) حيث قال: «واتفقوا على امتناعه فيما لا يثبت في الذمة وهي الدور والعقار»، انتهى، إذا لم يثبت فإن الأمر فيه نظر لقلة الغرر كما تبين لك.
ولم ير بعض أهل العلم السلم في الحيوان للتفاوت الكبير بين أفراده، قال الشوكاني ﵀ في السيل الجرار (٣/ ١٥٧): «إن قوله في الحديث «في كيل معلوم ووزن معلوم» يدل على أنه لا يصح السلم فيما يعظم تفاوته لعدم ضبطه بضابط يصح به وصفه، ومن ادعى أنه يمكن ضبطه بضابط فقد أبعد، فإن الحيوان والجواهر واللآلئ والفصوص مختلفة غاية الاختلاف،،،»، انتهى المراد منه.
قلت: قد حدثت مقاييس في هذا العصر تجعل الضبط في بعض ما ذكره ميسرا كما لا يخفى، أما الحيوان فقد جاء في شأنه ما يدل على جوز السلف فيه وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ أمره أن يجهز جيشا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة»، رواه أبو داود، وعن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه بالربذة»،
[ ٣ / ٤٣٦ ]
بيع الجنس بجنسه من الحيوان نسيئة
رواه مالك (١٣٤٨) وغيره، والقلاص جمع قلوص وهي الناقة الشابة، قال، وهو من مكارم الأخلاق:
إذا كنت ربا للقلوص فلا تدع … صديقك يمشي خلفها غبر راكب
أنخها فأردفه فإن حملتكما … فذاك وإن كان العقاب فعاقب
ولا فرق بين أن يكون العوض المقدم في السلف نقدا أو حيوانا، فإن الاختلاف الكبير بينهما لا يزول، سواء كانا حيوانين، أو أحدهما نقدا والآخر حيوانا، فأما معارضه وهو حديث سمرة أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة»، رواه أبو داود (٣٣٥٦) فإنه عام في البيع، مخصص بجواز ذاك في السلم، وبهذا الحمل يجمع بين فعل النبي ﷺ وقوله، ولأن قرض الحيوان مشروع بظواهر النصوص، وبفعل النبي ﷺ، ومعلوم أن المطلوب في القرض رد المثل ولا بد، بخلاف البيع فالأمر فيه أوسع لأنه مبني على الرغبة في الربح، والغبن الخفيف فيه جائز، وأصله المكايسة والمراوضة، فوقوع التفاوت فيه أهون من وقوعه في القرض، وعلى افتراض وجود التفاوت الكبير فإنه مغمور في المصلحة التي يترقبها المسلف من مده بما أسلف فيه في الزمن الذي يكون محتاجا إليه، والبيع كما تقدم يُترك الناس فيه يرزق الله بعضهم من بعض، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٤١٩): «وإذا تعارضت الآثار في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة سقطت، وكانت الحجة في عموم ظاهر القرآن، لأنها تجارة عن تراض»، انتهى.
واعلم أن مالكا ﵀ لا يرى جواز بيع الجنس بجنسه نسيئة إلا إذا اختلف بعضه عن بعض فبان اختلافه، وقد حمل ما ورد من منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة على هذا المعنى، وقال عنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود إنه أعدل الأقوال، وبه يجمع بين اختلاف المنقول عن علي وابن عمر ﵃ من الجواز وعدمه، وإنما اشترط مالك الاختلاف في المنافع في الحيوان لأنه حينئذ يخرج عن أن يتوهم فيه السلف أي القرض.
ولجواز السلم عند أهل المذهب شروط في رأس المال وهو العوض الذي يقدم، وأخرى في المسلم فيه، وهو الدين الذي يترتب في ذمة المسلف، والثالثة في أجل السلم،
[ ٣ / ٤٣٧ ]
رأس مال السلم والمسلم فيه والأجل
وبعض هذه الشروط مطلوبة في البيع عموما، وبعضها مشترك بين المسلم والمسلم فيه.
فالتي في رأس المال ثلاثة وهي أن يكون معلوما معينا معجلا، والتي في المسلم فيه خمسة هي أن يكون مؤجلا موجودا عند الأجل غالبا، ومما ينقل، فلا يسلم في الدور ولا في الأرض، وأن يكون مضمونا في الذمة، فلا يسلم في المعين، وأن يكون مما تحصره الصفة، والمشترك بينهما أن لا يكونا من جنس واحد، وأن لا يكونا مما يمتنع بيعهما بالنساء، والتي في الأجل اثنان أن يكون معلوما، وأن تكون مدته مما تتغير فيه الأسواق.
وقد ذكر المؤلف معظم هذه الشروط تصريحا وبعضها ضمنا، ولم يذكر السلم في النقود، ونص القاضي عبد الوهاب على جواز السلم فيها، لأن كل ما جاز أن يكون ثمنا في الذمة جاز أن يكون مثمونا، فيجوز على هذا أن يعطي شخص لآخر ثلاجا على أن يدفع له نقودا بعد ستة أشهر مثلا، وهذا لا تتبين فيه منفعة للبائع إلا أن يكون لا حاجة له إلى النقود الآن أو لخوفه على ضياعها منه فيسلف فيها لتكون مضمونة.
واشتراط تأجيل المسلم فيه لا يقتضي فيما يظهر تسلمه دفعة واحدة عند حلول الأجل، كأن يسلم للخباز أو اللبان أو القصاب على أن يأخذ أقساطا معينة كل يوم أو أسبوع أو غيره حسب الحاجة في مدة محددة، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
تعجيل رأس المال في بيع السلم
القول بجواز تأخير رأس المال يومين أو ثلاثة وما فيه
• قوله:
٥٨ - «ويعجل رأس المال أو يؤخره إلى مثل يومين أو ثلاثة وإن كان بشرط».
إنما سمي السلم كذلك لأن أحد المتعاقدين يسلم للآخر العوض، على أن يكون العوض الآخر في ذمة الثاني، فإذا لم يسلمه واكتفيا بالكلام والتواعد فلا يصدق عليه لفظ السلم، لا لغة ولا شرعا، بل هو بيع الدين بالدين، وهو مجمع على منعه، لكن المذهب جواز تأخير قبض رأس المال إلى ثلاثة أيام، سواء أكان ذلك باشتراط المسلف أم لا، قالوا لأن هذه المدة يكون رأس المال معها في حكم المقبوض، وهذا التقييد مفتقر إلى الدليل، ولا دليل بل هو من قائله مجرد استحسان، ومن استدل عليه بالآيات التي فيها الإمهال ثلاثة أيام كقوله تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (٦٥)﴾ [هود: ٦٥]، وجواز بقاء المهاجر في مكة ثلاثة أيام، وإحداد المرأة على غير زوجها ثلاثة أيام فقد أبعد النجعة، وقد رد ابن عبد البر هذا القول في الكافي (ص ٣٣٧)، مع أنه من النادر أن يتدخل فيه بترجيح ما خرج عن المذهب، ثم احتج لما ذهب إليه بتخريجه على قول لمالك، قال: «والذي به أقول إنه لا يجوز فيه إلا تعجيل النقد، وإلا دخله الكالئ بالكالئ، ولم يختلف قول مالك أنه لو أقاله في السلم بتأخير يوم أو يومين أنه لم يجز، والابتداء أولى كذلك في النظر، إذ هو مثله قياسا عليه بلا فرق»، انتهى، يقصد أنه لو صح التسامح في تأخير المال لكان في المآل أولى منه في الابتداء.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
الأجل في بيع السلم
القول يأن أجل السلم خمسة عشر يوما
• قوله:
٥٩ - «وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يوما أو على أن يقبض ببلد آخر، وإن كانت مسافته يومين أو ثلاثة، ومن أسلم إلى ثلاثة أيام يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه غير واحد من العلماء وكرهه آخرون».
أما أن المسلَم فيه ينبغي أن يكون مؤجلا فهذا ظاهر قول النبي ﷺ: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم»، فهل ذكر الأجل لمجرد أن تعيينه مطلوب، أو لكون بيع السلم لا يكون إلا مؤجلا، فلا يجوز السلم الحال، الظاهر عدم مشروعيته لعدم صدق السلم عليه، ولأنه لا فائدة فيه حيث لا يختلف عن البيع الحَالِّ، ولدخوله في بيع ما ليس عند البائع، وبيان ذلك أنه إن عين المبيع لم يكن سلما، وإن لم يعينه لزم أن يوصف فيكون حالا، للمبتاع الخيار إذا رآه، والقول بأنه حال ينافي البحث عنه، فإن ضرب له أجل يتمكن معه البائع من الحصول عليه خرج عن أن يكون حَالاًّ، وفي هذا من التناقض ما لا يخفى على اللبيب، أما الاحتجاج على الجواز بأنه إذا جاز بيع المؤجل مع ما فيه من الغرر فأحرى أن يجوز بيع الحَالِّ فليس بمقبول، وجوابه أن البيع إما حَالٌّ وإما مؤجل، ولا يدرى حقيقة هذه الواسطة؟.
وأما ما اختاره المصنف في الأجل وهو خمسة عشر يوما فهو ما ذهب إليه ابن القاسم، ومعتمده أنه زمن تتغير فيه الأسواق، وتغيرها هو الذي تبنى عليه المصلحة في بيع السلم والغرض منه، قال ابن القاسم في المدونة (٣/ ١٣٣): «ولقد سمعت بعض أهل العلم وهو الليث بن سعد يذكر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن السلم إلى يوم أو يومين أو ما أشبهه، قال سعيد: لا، إلا على أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، قال سحنون قلت: وما هذا الذي ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، ما حده؟، قال: ما حد لنا مالك فيه حدا، وإني لأرى الخمسة عشر يوما والعشرين يوما»، انتهى.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
قيام قبض السلم في بلد آخر مقام الأجل
وقوله: «أو على أن يقبض ببلد آخر» يعني إن لم يكن السلم مؤجلا بما ذكر غير أنه اشترط أن يقبض ببلد غير البلد الذي أسلم فيه يبعد بسير اليومين أو الثلاثة قام ذلك مقام الأجل المذكور لاختلاف الأسواق باختلاف البلدان حتى في الزمان الواحد، فيتحقق بذلك الغرض من السلم، بدليل أن الناس يسافرون بالسلعة من بلد إلى آخر رجاء الربح، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ١٢٣): «وانفرد مالك عن جميع العلماء في مسألة الأجل في السلم، فقال يجوز أن يسلم الرجل إليه في بلد في طعام في بلد آخر، يعطيه إياه في بلد آخر يسميه، ولا يذكر الأجل، ويكون مسافة ما بين البلدين أجلا، وهي مسألة ضعيفة جدا لأنه أجل مجهول»، انتهى ببعض تصرف.
قلت: التقدير بالمسافة يجعل الأجل كالمجهول، وقد ذكر أهل المذهب قيودا تجعله قريبا من المعلوم، وتحد من جهالته، لكن في ذلك الوقت الذي كانت فيه وسائل النقل محدودة والفوارق بينها قليلة، وهي أن يتفقا على قبضه بمجرد الوصول، وأن يشترط في العقد الخروج فورا، وأن يخرج المسلم فورا، وأن يكون السفر في البر أو في البحر بغير ريح.
[ ٣ / ٤٤١ ]
لا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه
إذا أسلم في شيء من جنسه بمقداره آل إلى القرض
• قوله:
٦٠ - «ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أُسلم فيه، ولا يسلم شيء في جنسه أو فيما يقرب منه إلا أن يقرضه شيئا في مثله صفة ومقدارا والنفع للمتسلف».
رأس المال هو الذي يقدم في السلم، والذي أسلم فيه هو العوض المؤخر لزوما، ومعنى كلامه أنه لا يجوز أن يكون العوضان من جنس واحد كقنطار حديد بقنطارين، لأنه سلف بزيادة، فهو ضمان بجعل، وهذا في الأجناس غير الربوية، أما هي فلا يجوز فيها لا الزيادة ولا التأخير في الجنس الواحد، وتجوز الزيادة مع المناجزة متى اختلف الجنس كما علمت من قبل، فإن اتحد جنس المسلم والمسلم فيه في المقدار والصفة اعتبر قرضا، أي أن هذه المعاملة تصرف إلى القرض ولو وقعت بلفظ البيع، أي تعتبر صحيحة بشرط أن يتمحض النفع للمقترض، فإن قصد به المسلم الضمان فقد أثم وهو غير جائز، لأن الضمان لا يصح أخذ أجر عليه.
وحاصل مسألة تسليف الجنس في جنسه ما قاله الشيخ على الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن (٢/ ٥١٥): «إن دفع الشيء في أكثر منه أو أجود كعكسه ممتنع، ولو في غير الطعامين والنقدين، والعلة ما تقدم، وأما عند التساوي في القدر والصفة فيجوز في غير الطعامين والنقدين، وهو قرض، ولو وقع على لفظ السلم، فيشترط فيه شروط القرض التي من جملتها تمحص النفع للمقترض، وأما في الطعام والنقدين فيمتنع إن وقع العقد بلفظ السلم أو البيع، أو الإطلاق، وأما إن وقع بلفظ القرض فيجوز حيث تمحض النفع للمقترض»، انتهى.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
امتناع بيع الدين بالدين
بيان صور الدين بالدين الثلاثة
• قوله:
٦١ - «ولا يجوز دَيْنٌ بِدَيْنٍ».
يجوز في البيع أن يكون أحد العوضين مؤخرا باستثناء الربويات، وإذا حصل التأخير فإما أن يكون من بيع الغائب على الوصف، فيكون بيع معين، أو من بيع السلم، فيكون مضمونا في الذمة، فتأجيل أحد العوضين جائز كما فصل من قبل، والممتنع هو تأخيرهما معا وهو الذي ذكره هنا، ودليله ما حكي من الإجماع على منعه قاله أحمد كما في التلخيص الحبير وقاله ايضا ابن المنذر، ولحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ»، رواه الدارقطني والحاكم، وقد تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف كما بينه البيهقي، وذكر مالك هذه العبارة مرات في موطئه مما يدل على أنه قد اعتمد هذا الأصل، وتحت الدين بالدين الممنوع ثلاث صور هي بيع الدين بالدين، وابتداء الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين.
فأما بيع الدين بالدين فيتصور في معاملة بين ثلاثة، كأن يكون لزيد على عمرو مائة إلى أجل، فيبيعها زيد لخالد بمائة إلى أ جل، فبيع الدين بالدين لا بد فيه من تقدم عمارة ذمة على البيع كما مثلت، قال مالك في الموطإ في باب السلفة في العروض: «والكالئ بالكالئ أن يبيع الرجل دينا له على رجل بدين على رجل آخر»، انتهى، وقد يتقدم على البيع عمارة ذمتين، كما إذا كان لزيد دين على عمرو، ولخالد دين على بكر، فيبيع زيد دينه الذي على عمرو لخالد بدينه الذي له على بكر، وعلة المنع ما فيه من نشر النزاع التي ينفر الشرع منه وقال بعضهم إن المنع للتعبد، وهو بعيد.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
ابتداء الدين بالدين
• قوله:
٦٢ - «وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم أو ما بعُد من العقدة من ذلك».
هذه هي الصورة الثانية من الدين بالدين، وتدعى ابتداء الدين بالدين، فقوله «من ذلك»، خبر وقوله: «وتأخير رأس المال»، هو المبتدأ أي أن من الدين بالدين هذه الصورة، وإنما ذكر المؤلف مثالا من بيع السلم لأنه بصدد الكلام عليه، وهو أن يؤخر رأس مال السلم أكثر من ثلاثة أيام، وقد تقدم ما في ذلك، أو يؤخره إلى مَحِلِّ السلم بفتح الميم وكسر الحاء، أي حلول وقته وهو أجله المضروب في العقد، وإذا كان تأخير العوض أكثر من ثلاثة أيام هو من بيع الكالئ بالكالئ فأحرى أن يمنع ما يفعله كثير من الناس من التبايع بالكلام، وكل من الطرفين لا يسلم للآخر العوض، فهذا ليس بيعا أصلا، وأقصى أحواله أن يكون وعدا بالبيع، وعلة منع ابتداء الدين بالدين ما فيه من شغل الذمتبن معا، وقول المؤلف بشرط، هو قيد في اعتبار تأخير رأس مال السلم من الدين بالدين، ومفهومه أنه إن أخر من غير شرط جاز، ولأهل المذهب تفصيل في هذا الذي يجوز من التأخير، بل يقولون إن رأس المال إذا كان حيوانا جاز تأخيره ولو إلى مَحِلِّ السلم، واختلف في جواز تأخير العرض، أما النقود فقد اتفقوا على عدم تأخيرها إلا ما سبق من الأيام الثلاثة، ولم أقف لهذا التفصيل على دليل، والأصل في جميع أنواع رأس مال السلم التقديم لغة وشرعا فمن قال بخلاف ذلك فعليه الدليل.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
فسخ الدين في الدين
• قوله:
٦٣ - «ولا يجوز فسخ دَيْنٍ في دَيْنٍ وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله».
هذه هي الصورة الثالثة، وهي فسخ الدين في الدين، ومرد المنع من هذا إلى أنه من ربا الجاهلية، أو ذريعة إليه، ومثاله أن يكون لزيد عشرة آلاف دينار على خالد أجلها نهاية محرم، فيتفقان على أن يدفع له بدل ذلك عشرة قناطير قمح في صفر، فهذا فسخ دين في دين من غير جنسه، وفيه التأخير في الأجل، فدل على أن العشرة قناطير أغلى ثمنا من الألفي دينار بدلالة التأخير، أو يكون له عليه (١٠٠٠) دينار إلى محرم فيفسخها في (٢٠) دولارا إلى ما بعد الأجل، وهذا فسخ للدين وإن كان في جنسه باعتبار إلا أن فيه ما تقدم، أما إن كان الفسخ إلى الأجل نفسه، أو دونه بقيمته فقد اختلف فيه، والمشهور المنع، والنظر يقتضي جوازه ولاسيما إذا كان ذلك فيه تيسير على المدين بأن كان بطلب منه، فضلا عما إذا التقت عليه مصلحتا الطرفين، وقد دل عليه حيث ابن عمر ﵄ قال: «قلت يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه، وأعطي هذه من هذا»، فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»، رواه أصحاب السنن الأربعة، قال في التعليق المغني (٢/ ٢٣): «رواته ثقات»، وضعفه الألباني ﵀ مرفوعا وحسن الموقوف، فانظر الإرواء (ح/ ١٣٢٦).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
امتناع أن يبيع ما ليس عنده على الحلول
• قوله:
٦٤ - «ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالاًّ».
لما بين أن السلم يجب أن يكون المسلم فيه مؤخرا بين هنا مفهوم ذلك، ودليل المنع حديث حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: «يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟، قال: «لا تبع ما ليس عندك»، روا أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وقد تقدم حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك»، وما ليس عندك يحتمل أن يكون المراد ما لا تملكه، وهذا هو الذي دل عليه الحديث بسياق السؤال، ويحتمل أن يشمل بعمومه ما تملكه غير أنه غائب، لكن الغائب قد علمت جواز بيعه على الوصف وما فيه، وما لا يملكه قد علمت جواز بيعه على وجه السلم، فيكون المقصود بما ليس عندك في الحديث ما ليس في ملكك متى بعته عينا، لا موصوفا في الذمة، أو تملكه مع عجزك عن تسليمه فقد تتضرر أنت إن كان الثمن أكثر مما بعته به، أو يتضرر مشتريه إن كان ثمنه منخفضا، وليس بالبعيد أن يشمل النهي ما لم تقبضه، وبهذا يجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الأمر، الظاهرة التعارض، ولذلك قيد المؤلف المنع من بيع ما ليس عندك بأن يبيعه حالا أجله، بخلاف ما إذا باعه إلى أجل فإنه يكون سلما مضمونا وهو جائز، وينبغي أن ينبه هنا إلى الفرق بين أن يبيع المرء ما ليس عنده كما تقدم في سبب ورود الحديث، وبين أن يطلب منه شخص شيئا فيشتريه ليبيعه له بعد شرائه، فهذا غير الأول وهو جائز، لكن العقد إنما يتم حينئذ، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
لا يجوز بيع سلعة ثمنها مؤجل مع شرائها بأقل منه نقدا
أساس بيوع الآجال في المذهب هو سد الذريعة إلى الممنوع
• قوله:
٦٥ - «وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى أجل دون الأجل الأول، ولا بأكثر منه إلى أبعد من أجله، وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة».
لما تكلم على بعض البيوع الممنوعة لما فيها من غرر أو جهالة فكانت ممنوعة لذاتها تكلم هنا على ما منع لكونه ذريعة إلى الممنوع، وما ذكره داخل في بيوع الآجال، وقد عقد لها خليل في مختصره بابا مستقلا، ومبنى الممنوع منها على أصل سد الذرائع الذي اشتهر به مالك ﵀، قال ابن رشد: «أصل ما بني عليه هذا الكتاب الحكم بالذرائع، ومذهب مالك ﵀ القضاء بها والمنع منها، وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة، يتوصل بها إلى فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة، ويتوصل بها إلى استباحة الربا،،، إلى أن قال: «وأباح الذرائع الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما، والصحيح ما ذهب إليه مالك ﵀ ومن قال بقوله، لأن ما جر إلى الحرام وتطرق إليه حرام مثله،،،» انتهى المراد منه، وقد ذكر أدلة كثيرة على المنع من الذرائع، فانظرها في المقدمات (٣/ ١٨٢)، لكنه قيد الصور التي ذكر حرمتها بما إذا كان المتبايعان أو أحدهما من أهل العينة، وقال: «لأن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة،،،»، انتهى، وقال خليل: «ومنع للتهمة ما كثر قصده كبيع وسلف، وسلف بمنفعة،،،»، انتهى، قال الدسوقي في حاشيته على شرح الدردير (٣/ ٧٦): «وظاهره وإن لم يقصده فاعله، وفي المواق عن ابن رشد أنه لا إثم على فاعله فيما بينه وبين الله حيث لم يقصد الأمر الممنوع»، انتهى، وإذا خلا البيع عن التهمة فلا وجه للمنع، ولذلك فإن القول بالمنع مطلقا من غير نظر إلى العلة فيه ما فيه.
وكلمة العينة وزنها فعلة من عان يعون عونا، كذا قال ابن العربي في المسالك، وقال في الصحاح: والعينة بالكسر السلف، واعتان الرجل إذا اشترى الشيء بنسيئة»، انتهى،
[ ٣ / ٤٤٧ ]
بعص صور بيع الآجال الجائزة والممنوعة
وترجم مالك في الموطإ بقوله العينة وما يشبهها»، ثم ذكر تحتها أنواعا من البيوع الممنوعة منها بيع الطعام قبل قبضه، وبيع الصكاك، ولعل ذلك لكونه راجعا إلى بيع دراهم بدراهم، أو دراهم بدنانير، والطعام مرجأ كما فسره ابن عباس ﵄ بأن يبيع المرء السلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها منه بثمن أقل نقدا، وهذه لا تختلف عما تقدم إلا في المشتري، وجاء ذم العينة في قول رسول الله ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة، واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم»، رواه أبو داود (٣٤٦٢) وغيره عن ابن عمر ﵄، والعقوبة بتسليط الذل ووصف الفاعل للشيء بالخارج عن الدِّينِ يدل على حرمته، وقد روى أحمد عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة نسيئة، واشتريت بستمائة نقدا، فقالت: أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله ﷺ إلا أن تتوب فبئسما اشتريت، وبئسما شريت»، وهو أيضا في مصنف عبد الرزاق وغيره، وقد قواه بعضهم بتعدد طرقه، وشهادة حديث ابن عمر له على افتراض أن صورة البيع التي في أثر أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- هي العينة التي في حديثه، ومن المستبعد أن تجزم أم المؤمنين بإبطال تعاطي العينة للجهاد مع رسول الله ﷺ لو لم يكن معها شيء تأثره عنه، وقد ضعف الحديث الشافعي وابن حزم وغيرهما، ولا ريب أن من قصد التحايل على الربا بالمعاملة المذكورة في الأثر ففعله محرم، أما من لم يقصد ذلك فهو الذي يقصر على فعله الخلاف، وانظر نيل الأوطار للشوكاني (٥/ ٣١٧)
أما كلام المؤلف فيتضح بمثال هو أن من باع كتابا بألف يقبضها في شهر رمضان، ثم اشترى الكتاب من الذي باعه له بثمانمائة يدفعها من فوره، أو في شهر شعبان، أو اشترى الكتاب بألف ومائة يسددها في شوال، فهو بيع غير جائز، لأن فيه سلفا جر منفعة، ولأنه يؤول إلى أنه أعطى ثمانمائة على أن يأخذ ألفا، وهذا ربا، والكتاب وسيلة للوصول إلى ذلك.
ومفهوم ما ذكره أنه لو اشترى الكتاب بنفس الثمن الذي باعه به، أو أكثر منه يدفعه في نفس الأجل فإنه يجوز، ويقاص صاحبه بدينه الذي عليه، فإن تساوى الثمنان تساقطا،
[ ٣ / ٤٤٨ ]
جدول توضيحي لبعض صور بيوع الآجال
وإن اختلفا فعند تمام الأجل تقع المقاصة بأن يدفع الزائد لمستحقه من غير مقابلة بشيء زائد على المثمون فينتفي بذلك ابتداء الدين بالدين الموجب للمنع.
وتحت ما ذكره المؤلف اثنتا عشرة صورة يمتنع منها ثلاثة، وتجوز تسعة، وذكر ابن رشد في المقدمات سبعا وعشرين صورة، وضابط الجائز من الممتنع أنه مهما اتفق الثمنان فالبيع جائز، ولا يلتفت إلى اختلاف الأجل، وهكذا إذا اتفق الأجلان فالبيع جائز، ولا ينظر إلى اختلاف الثمن، أما إن اختلف الأجلان والثمنان فإنه ينظر إلى اليد السابقة بالعطاء، فإن أعطت أقل مما أخذت كان البيع محظورا، وإن ساوى الذي أعطته ما أخذته، أو كان ما أعطت أكثر مما أخذت فالجواز، وهذا جدول بتلك الصور كتبته للتدرب والتمرن:
جدول يبين حكم بيوع الآجال:
[ ٣ / ٤٤٩ ]
جواز بيع ما يكال أو يوزن جزافا عدا النقود المسكوكة
لا يجوز شراء ما قصدت آحاده جزافا ولا ما يمكن عده من غير مشقة
ذكر شروط بيع الجزاف
• قوله:
٦٦ - «ولابأس بشراء الجزاف فيما يكال ويوزن سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا، وأما نقار الذهب والفضة فذلك فيهما جائز، ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا ولا ما يمكن عده بلا مشقة جزافا».
هذا من التيسير الذي شرعه الله ورسوله في البيع، فإن من شرط المبيع أن يكون معلوما، والكيل والوزن والعد مما يتم به ذلك على الوجه المطلوب، وعليه فالأصل في بيع الجزاف المنع، لكنه أبيح لحاجة الناس، ودفع المشقة عنهم بشروط ستذكر، وقد تقدم ذكر بعض الأدلة على جوازه في الكلام على بيع الطعام قبل قبضه، وكل ما ورد من ذلك هو من باب السنة التقريرية، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: «رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا تبايعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوا مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم»، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صُبْرَةٍ من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام»؟، قال: «أصابته السماء يا رسول الله»، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟، من غش فليس منا»، رواه مسلم، وقد ذكرته استطرادا.
وقد ذكروا لجواز بيع الجزاف شروطا أورد المؤلف بعضها وهي:
- أن لا يدخلا على الجزاف بمعنى أن يقول له أعد لي كوما من هذا الفول وأنا أشتريه منك، لأن الجزاف كالرخصة وفيه غرر غير مقصود فلا يصح مع القصد إليه، فإنه إنما يجوز إذا صادف كونه جزافا.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
- أن يكون معلوم الجنس كقمح أو شعير بخلاف صبرة الطعام المجهول الجنس، وهذا الشرط كما ترى ليس خاصا بالجزاف.
- أن يكون غير مسكوك فلا يجوز بيع الدراهم والدنانير المسكوكة جزافا.
- أن يكون كثيرا بحيث لا يعلم قدره احترازا من القليل الذي يسهل عده فلا يباع جزافا، وقد فرقوا في هذا بين العد فلم يجيزوا بيع القليل الممكن العد، وأجازوا بيع القليل الممكن الوزن والكيل ولو بلا مشقة، ووجه ذلك أن العد لا يفتقر إلى معيار شرعي أو عرفي فانتفى الحرج.
- أن لا يكثر جدا بحيث لا يتأتى حزره لما في ذلك من زيادة الغرر الموجود في الجزاف أصلا.
- أن يكون مرئيا حتى يتمكن من حزره ويكتفى بما ظهر منه كما في صبرة الطعام وما كان مغيبا في الأرض، ولا بأس أن تكون الرؤية سابقة على العقد إذا لم يكن الفاصل الزمني بينهما مما يتغير فيه المبيع.
- أن لا تكون آحاده مقصودة كالجوز واللوز، فإن قصدت آحاده كالثياب والرقيق لم يجز إلا إذا قل ثمنها كالبيض والرمان، ويؤخذ هذا الشرط من استثنائه الرقيق والثياب، وهو شبيه بقول مالك في الموطإ (١٣٨٣): «قال مالك في الرجل يشتري الإبل أو الغنم أو البز أو الرقيق أو شيئا من العروض جزافا إنه لا يكون الجزاف في شيء مما يعد عددا»، انتهى.
- أن لا يشتري جزافا مع مكيل من جنسه في عقد واحد كصبرة قمح مع قنطار منه، وكبيع أرض جزافا مع مذروع منها، لما في ذلك من الجمع بين مقتضي الترخيص في بيع الجزاف، ومقتضي العزبمة في بيع المكيل أو الموزون أو المذروع وهو متناقض، انظر أحكام عقد البيع في الفقه الإسلامي المالكي (ص ١٣١).
- أن يكون المتبايعان معتادين للحزر إذ كيف يحزر من لم يعتد ذلك.
- أن يكونا جاهلين بمقداره فلو علما مقداره لم يجز العقد لأنه ليس جزافا، وإن علم أحدهما بمقداره وأخبر الآخر قبل العقد فسد، وإن علم بعده فللجاهل الخيار لأنه قصد غبنه وغرره.
- أن يكون على أرض مستوية لأن الأرض التي تحت المبيع إن كانت ناتئة أثرت في
[ ٣ / ٤٥١ ]
الحزر بالنقصان، وإن كانت منخفضة أثرت فيه بالزيادة، فإن علم ذلك بعد البيع فالخيار للمغبون، وهو ا لمشتري في الأول، والبائع في الثاني.
وقد اقتصر خليل في جواز بيع الجزاف على سبعة شروط وهو غير مناف للعدد المتقدم كما يعلم بالمقارنة قال عاطفا على ما يجوز: «وجزاف إن ريئ، ولم يكثر جدا، وجهلاه، وحزراه، واستوت أرضه، ولم يعد بلا مشقة، ولم تقصد أفراده»، انتهى.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
ثمر النخل المبيع بعد التأبير للبائع
• قوله:
٦٧ - «ومن باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
اعلم أن المعقود عليه تارة يكون مفصولا عن غيره بحيث لا يتوهم دخوله فيه كالثوب والكتاب لا يتوهم دخول الحقيبة في بيع الأول، ولا المحفظة في بيع الثاني، وتارة يدخل الشيء مع غيره ولا بد كبيع الأرض التي عليها البناء والشجر، ومنه ما يحتمل دخول غيره مما يتبعه فيه، وهذا يدعى عندهم بالمتداخل، فإن دخل كان زيادة في المبيع، وإن لم يدخل كان نقصا فيه، ولهذا اهتم الشارع بهذا النوع ليقطع النزاع، فجعل له حدا يكون به للبائع أو للمشتري، ومن أمثلته بيع النخل فلمن يكون الثمر؟، وبيع العبد فلمن يكون ماله؟ وقد عقد خليل له فصلا، فقال: «تناول البناء والشجر الأرض وتناولتهما والبذر لا الزرع، ومدفونا كلو جهل ولا الشجرُ الثمرَ المؤبر أو أكثره إلا بشرط»، انتهى، ومعنى التناول أن من باع بناء أو شجرا فقد باع الأرض التي عليها البناء والشجر، ومن باع أرضا فقد باع ما عليها من بناء وشجر وبذر، لا زرع، ولا ما فيها من المدفون كالرخام ونحوه مما لم يعلمه، ولا يتناول بيع الشجر الثمر المؤبر، ومثل البيع في ذلك مثل الهبة والصدقة والحبس.
وكلام الؤلف نص حديث صحيح، وقد جرى على هذا كثيرا ﵀، قال ابن العربي في المسالك (٦/ ٧٠): «إن الثمرة ما دامت كائنة في الشجرة لم يتعلق بها قصد، ولا أمكن لأحد فيها تناول، فإذا برزت تعلقت بها المقاصد، وانفردت عن الشجرة صورة وصفة واسما فلذلك لم تتبعها»، انتهى، وتأبير النخل هو تلقيحه أو تشقيحه بوضع نَور العضو المذكر على محل نَور المؤنث فيسقط ما يسقط من الثمار ويبقى ما يبقى، وقد أشار إليه المؤلف بقوله الآتي: «والإبار التذكير»، وقد تقدم أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه منهي عنه، لكن يجوز بيع الشجر والثمر تابع له، فإذا حصل ذلك فلينظر: فإن وقع البيع بعد التأبير للجميع أو للأكثر فالثمر المنتظر للبائع، وإن أبر النصف فكل على حكمه، أما إن كان البيع
[ ٣ / ٤٥٣ ]
قبل ذلك فالثمر للمشتري، وكل هذا ما لم يتفقا على خلاف ذلك، وقد فصل الشرع في هذا لحسم النزاع عند الاختلاف، قال ﵊: «من باع نخلا أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع»، رواه مالك (١٢٩٨) والبخاري ومسلم، فجعل التأبير فاصلا، ويؤخذ من الاستثناء في الحديث أنهما لو تنازعا في الاشتراط وعدمه ولا بينة لأحد منهما أن القول للبائع لأن الثمر له في الأصل، وأما قبل الإبار فالقول للمشتري، قالوا ولا يجوز اشتراط ثمر بعض الشجر دون بعض لما فيه من قصد بيع الثمر قبل بدو صلاحه وهو منهي عنه.
وقد أجاز مالك لمن اشترى أصول النخل المؤبر إذا لم يشترط الثمر أن يشتريه قبل بدو صلاحه في صفقة واحدة دون غيره من الناس، لأنه كان له أن يشترط الثمرة في الصفقة، هذه رواية ابن القاسم عنه، وروى عنه ابن وهب عدم الجواز، والمسألة فيها احتمال، وعموم النهي مقدم، فعدم الجواز هو الصواب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار (٦/ ٣٠١).
[ ٣ / ٤٥٤ ]
كل الثمار مثل النخل في الحكم
• قوله:
٦٨ - «وكذلك غيرها من الثمار».
سبيل إثبات هذا هو القياس وأركانه هنا موجودة فيؤخذ به في الزيتون والعنب والرمان والتين وغيرها، فإذا ظهر نَور الشجرة وانعقدت الثمرة وتميزت عن أصلها، فهذا حال فاصل كالإبار، ويمكن أن يقال إن علاجها بالأدوية بعد أن تورق هو بهذه المنزلة، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
حكم الزرع إذا بيعت الأرض
• قوله:
٦٩ - «والإبار التذكير، وإبار الزرع خروجه من الأرض».
قوله: «وإبار الزرع،،،» الخ، هذا ليس تفسيرا للإبار في اللغة، بل المراد بيان ما يكون فيه الزرع بمثابة النخل المؤبر فيعطى حكمه، أو لأن العرب قد جاء في كلامهم ما يدل على أنهم يطلقون الإبار أيضا على علاج الزرع بما يصلحه من السقي والتعاهد.
فمتى يكون الزرع للبائع من غير شرط؟، اختلف فيه، فقيل وقت ذلك هو خروجه من يد باذره، وقيل هو بداية تخلق حبه في سنابله، وهذا أقوى، وقيل خروجه من الأرض وهو المشهور، وإذا قيل بذلك فإن على مالك الأصل السقي عند المشاحة، وإن تراضيا فلكل منهما السقي ما لم يضر بثمر الآخر.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
مال العبد للمشتري ما لم يشترطه البائع
• قوله:
٧٠ - «ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع».
دلّ على هذا حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، رواه البخاري ومسلم، وهو في الموطإ (١٢٩١) موقوفا على عمر بن الخطاب ﵁، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم ووقفها نافع، وانظر شرح الزرقاني (٣/ ٢٥٣) على الموطإ، وفي الحديث دليل على أن العبد يملك لقوله فماله فنسب المال إليه، لكن ملكيته ناقصة لما تقدم في باب الزكاة.
واعلم أن العبد إن كان مملوكا لواحد فحكم ماله ما تقدم، أما إن كان مشتركا وهو الذي يملكه أكثر من واحد أو مبعضا، وهو الذي بعضه حر وبعضه عبد، فأمره مختلف، فمال المشترك لمشتريه بمقتضى العقد، لأنه لا يجوز لأحد من الشركاء انتزاع مال العبد منه إلا بموافقة شريكه، وهذا ما لم يشترطه البائع وإلا كان له، وأما المبعض فإن ماله يبقى بيده ليأكل منه في يوم نفسه، ولا ينتزعه مشتر ولا بائع اتحد أو تعدد، انظر حاشية علي الصعيدي (٢/ ٥٢٦)، وهذا من اجتهاد العلماء الذين راعوا فيه مقاصد الشرع، وما أكثر اجتهادهم في شأن أحكام الرقيق.
[ ٣ / ٤٥٧ ]
معنى البرنامج والبيع عليه
• قوله:
٧١ - «ولا بأس بشراء ما في العِدْلِ على البرنامج بصفة معلومة».
البرنامج بفتح الباء وكسر الميم كلمة فارسية معربة، وهو الدفتر المكتوب فيه صفات المبيع من نوع ولون وحجم وعدد، والعِدْل بكسر العين هو المثل لأن البعير يوضع عليه عِدْلَان متساويان وجمعه أعدال، والمراد هنا الوعاء الذي تكون فيه البضاعة، وإنما ذكر البيع على البرنامج لبيان أنه مستثنى من منع بيع الحاضر على الصفة، وفائدته تجنب المشقة في فتح الأوعية وإخراج ما فيها ونشره، ولما في ذلك من ابتذاله بتداول النشر والطي عليه متى لم تتم الصفقة، واستحضر هنا ما تقدم من أن المبيع يكون حاضرا مرئيا، ويكون غير معين في الذمة، ويكون غائبا معينا موصوفا، وذكر هنا نوعا من البيع على الوصف لكنه وصف مكتوب، وعمدة جوازه العمل على وفقه كما قال مالك في الموطإ (البيع على البرنامج): «الأمر عندنا في القوم يشترون السلعة البز، أو الرقيق فيسمع به الرجل فيقول لرجل منهم: البز الذي اشتريت من فلان بلغني صفته وأمره، فهل لك أن أربحك في نصيبك كذا؟، فيقول نعم، فيربحه ويكون شريكا للقوم مكانه فإذا نظر إليه رآه قبيحا واستغلاه، قال مالك: فذلك لازم له، ولا خيار له إذا كان قد ابتاعه على برنامج وصفة معلومة»، انتهى، وشاع في هذا العصر البيع على النموذج، وهو أن يرى المشتري جزءا من المبيع يستدل به على بقيته في جنسه ونوعه، ومن المصلحة فيه تَجَنُّبُ حمل المبيعات إذا كانت ذات ألوان مختلفة، أو اختلف نسيجها أو ألوانها أو ما صنعت منه، فيسهل حمل النموذج إلى الراغب في الشراء حيثما كان، ويكون هو المرجع عند التنازع.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
بيع الثوب من غير نشر ولا وصف
• قوله:
٧٢ - «ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف أو في ليل مظلم لا يتأملانه ولا يعرفان ما فيه وكذلك الدابة في ليل مظلم».
إنما وقع التسامح في رؤية المبيع على البرنامج للاعتماد على الوصف المكتوب، أما ما ليس كذلك فلا يجوز، لأن من شرط المبيع أن يكون معلوما، والثوب إذا كان مطويا ولم يوصف وبيع كذلك فهو مجهول من عدة جهات، منها ذرعه وطوله وعرضه (أصل الثوب عند العرب أن لا يكون مخيطا)، فيدخل في بيع الملامسة المنهي عنه، أما لو بيع كذلك على الخيار فيجوز، وهذا راجع إلى المراد بالثوب عند العرب، وقد تقدم معناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، أما الثياب الآن فتباع وقد كتب عليها مقاساتها وغير ذلك مما يرفع الجهالة فلا يصدق عليها ما قاله أهل العلم من قبل، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك منهما من غير نظر ولا تراض»، رواه الشيخان، ورواه مالك (١٣٦٢) ومن طريقه البخاري عن أبي هريرة، وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة والملامسة»، وقال في المدونة: «الملامسة شراؤك الثوب لا تنشره ولا تعلم ما فيه، وتبتاعه ليلا أو لا تتأملانه، أو ثوبا مدرجا لا ينشر من جرابه، والمنابذة أن تبيع ثوبا من رجل فتنبذ إليه من غير تأمل منكما»، انتهى، ونحوه في الموطإ، وهذا كله ما لم يكن في وعاء معه وثيقة تبين أوصافه كما تقدم في البيع على البرنامج، وقوله أو في ليل مظلم لأن الثوب وإن نشر وفتح فلا فائدة في ذلك لأنه كالعدم، والدابة في الليل المظلم مثل الثوب لا ينشر، وفرق أشهب بين أن يكون الغرض من الشراء الذبح للحم فيكفي فيه الجس باليد، أما شراء الأعمى لما يعلمه على الوصف فجائز للضرورة، وقد تقدم قول من فرق بين من يولد أعمى وغيره.
[ ٣ / ٤٥٩ ]
منع السوم على الغير متى حصل التراكن
• قوله:
٧٣ - «ولا يسوم أحد على سوم أخيه وذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم».
المعنى أنه لا يجوز له أن يزيد على الثمن الذي سماه غيره يساوم به البائع، لما فيه من تفويت الفرصة عليه مع ما في ذلك من نشر العداوة والبغضاء، وقد قرن النبي ﷺ في ذلك بين السوم والخطبة فقال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سومه»، رواه الشيخان عن أبي هريرة، وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له»، رواه أحمد ومسلم، وجملة البيع منه في الموطإ (١٣٧٨) عن ابن عمر، وعن أبي هريرة في جملة حديث، لكن المنع إنما يتجه إذا اتفقا ولم يبق إلا إبرام العقد، ولذلك قيده بالشرط مقرونا بمفهومه زيادة في الإيضاح فقال: «إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم»، وعلامة ذلك مثلا أن يطلب منه أن يزن الشيء، أو يأخذ في التبرؤ من العيوب، وهنا بحث وهو أن هناك ثلاث مراتب الأولى حالة التراكن وقد تقدمت، والثانية حالة التساوم، فكلام مالك ﵀ يدل على جواز مساومة غير الأول قال: «أما قبل التراكن والتقارب فجائز، لأنه لو ترك ذلك لدخل الضرر على الباعة في سلعهم فيؤدي إلى بخسها وبيعها بالنقص»، انتهى.
قلت: ودخول مشتر آخر بين المتراوضين المنفردين في البيع يؤدي إلى الإضرار بالمشترين برفع الأسعار، والشرع يرعى مصالح الطرفين، فالظاهر أن انفراد البائع بالمشتري في التساوم من غير إعلانه أنه يبيع بالمزايدة لا يسوغ معه سوم غير المساوم الأول، يدل على ذلك ما في رواية النسائي لحديث ابن عمر مرفوعا: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر»، وهذا إذا كان غرض المساوم الشراء، أما إن كان غرضه رفع الثمن فهو محرم بالإجماع كما قال النووي، ويسمى فعله هذا النجش بفتح النون وسكون
[ ٣ / ٤٦٠ ]
الفرق بين حالة التراكن وغيرها من المراتب
الجيم، وقد جاء فيه قول النبي ﷺ: «لا تناجشوا»، رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، قال الخطابي في معالم السنن (٢/ ١٠٩): «النجش أن يرى الرجل السلعة تباع فيزيد في ثمنها وهو لا يريد شراءها وإنما يريد بذلك ترغيب السوام فيها ليزيدوا في الثمن، وفيه غرر للراغب فيها، وترك لنصيحته التي هو مأمور بها»، انتهى، وانظر ما لو أعطى ثمنا أعلى في سلعة رآها تباع بأقل من قيمتها وهو لا يريد شراءها فقد قال بجوازه بعض أهل العلم، بل رأوا أنه يؤجر عليه لأنه من جملة النصح للمسلم، وفيه نظر، انظر الفتح في باب النجش من صحيح البخاري، ويدخل في النجش المحرم فعل البائع كأن يخبر أنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به، والثالثة حالة التساوم المقرونة ببيع المزايدة وقد جاء في جوازه حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ باع قدحا وحلسا فيمن يزيد»، رواه أحمد والترمذي وفي رواية أبي داود بيان كيفية بيع من يزيد، وبهذا يجمع بين الحديثين بحمل العام المانع على الخاص المجيز، والله أعلم.
واعلم أن أهل العلم اختلفوا في فهم حديث النهي عن بيع المسلم على بيع أخيه فمنهم من اعتبر السوم والبيع شيئا واحدا وهو الزيادة في العطاء على المعطي الأول في وقت المراوضة، وهذا هو الأقوى كما تدل عليه ألفاظ الأحاديث، فليس المراد النهي بعد تمام البيع، فإن هذا غير متأت، ومنهم من اعتبرهما أمرين مختلفين فحمل البيع على الزيادة في المثمن وهو السلعة، كان يقول له في وقت خيار المجلس أو خيار الشرط سلعتي خير من السلعة التي أردت شراءها والثمن هو هو، وهذه محرمة بلا ريب، وانظر سنن أبي داود باب في التلقي، فقد فسره بذلك سفيان.
[ ٣ / ٤٦١ ]
انعقاد البيع بالكلام وإن لم يتفرق المتبايعان
وجه عدول مالك عن ظاهر الحديث الذي يثبت خيار المجلس
ترجيح ابن عمر شارح الرسالة لظاهر حديث خيار المجلس
• قوله:
٧٤ - «والبيع ينعقد بالكلام وإن لم يفترق المتبايعان».
حق هذا الأمر أن يقدم في أول الباب لأنه يرجع إلى ما يتم به عقد البيع، وذكره للكلام لا يدل على أنه لا ينعقد بغيره كالمعاطاة والإشارة ولو من القادر على الكلام لأن المناط هو الرضا فما دل عليه تحقق به البيع، غير أنه لا يجوز بيع ولا شراء الأخرس: الأعمى الأصم لافتقاده ما يدل على رضاه، وقوله وإن لم يفترق المتبايعان»، معناه أنه مهما تم العقد فلا خيار لأحدهما ما لم يشترط الخيار، أو يظهر في المبيع عيب على ما تقدم لأن خيار المجلس لم يقل به أهل المذهب، وعلى رأسهم مالك ﵀.
وقد قال رسول الله ﷺ: «المتبايعان كل منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار»، رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، وقد تقدم، قال مالك بعد روايته الحديث في الموطإ: «ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه»، انتهى، فقدم عليه عمل أهل المدينة، وقد سبق رد ابن العربي على ذلك، ومما ذكروه في الجواب عن عدم الأخذ به أن الافتراق في لغة العرب يكون بالأبدان وبالكلام فيحتمل أن يكون المقصود من ذكر التفرق الانتهاء من عقد البيع لكون ذلك مقدمة لتفرق الأبدان، وإطلاق لفظ المتبايعين على المتساومين مجاز سائغ من إطلاق السبب على المسبب، وقد تقدم ذلك في حديث ابن عمر في النهي عن أن يبيع المرء على بيع أخيه، ومن ذلك أن بقاء المتبايعين في المجلس لا يعلم مداه وقد يطول فيكون إمضاء البيع معلقا بمدة مجهولة، وقد كثر الكلام في الجواب عن ترك مالك العمل بهذا الحديث، ومع ذلك فمذهبه فيه مرجوح، فالصواب أن الخيار للمتبايعين ثابت ما لم يتفرقا من المجلس أو يقول أحدهما للآخر اختر، قال ابن عمر شارح الرسالة: «الذي عندي أن مذهب الشافعي بالنسبة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث أرجح، وأقل تكلفا للتأويل»، انتهى، نقله عنه علي الصعيدي في حاشيته على شرح أبي الحسن، وبهذا أنهى المؤلف الكلام على البيوع، وشرع يتكلم على ما شاكلها وهو الإجارة والجعالة والكراء والشركة والمساقاة والمزارعة والقراض وتضمين الصناع والعارية.
[ ٣ / ٤٦٢ ]
جواز الإجارة إذا ضرب الأجل وعرف الأجر
حكمة مشروعية الإجارة
اصطلاح المذهب في لفظي الإجارة والكراء
أركان الإجارة
• قوله:
٧٥ - «والإجارة جائزة إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن».
من المصلحة في الإجارة أن من لا يمكنه امتلاك العين يمتلك منفعتها وقتا ما، والإجارة بكسر الهمزة، وقيل إنها مثلثة من الأجر وهو الثواب، وعرفت بأنها بيع منفعة معلومة بأجر معلوم، والمشهور في المذهب قصرها على بيع منفعة الآدمي، أما بيع منفعة غيره كالدور والأرض والحيوان فيخصونها باسم الكراء، وقد دل على جوازها الكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزُّخرُف: ٣٢]، أي ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا»، قاله ابن كثير، والسخري الشيء المسخر، وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت في ديننا ما يمنعه، وقال النبي ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، رواه ابن ماجة عن ابن عمر ﵄، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، رواه البخاري (٢٢٧٠) وابن ماجة، وفيه وفي الذي قبله دليل على أن الأجر إنما يستحق إذا استوفيت المنفعة، لكن لا دليل فيه على المنع من تقديمه، وقد نقل الإجماع على جواز الإجارة، وخالف في ذلك الأصم، ولا عبرة بخلافه.
وللإجارة أركان خمسة هي العاقدان - وهما المؤجر والمستأجر - والصيغة والأجرة والمنفعة، ويشترط في العاقدين التمييز، ويلزم عقدهما بالتكليف والرشد، فللولي
[ ٣ / ٤٦٣ ]
الأجرة تصح بما يجوز أن يكون ثمنا
جواز تعجيل الأجرة وتأجيلها متى شرع الأجير في العمل
حق الفسخ والإمضاء قبل الاستيفاء، فإن لم يعلم إلا بعد استيفاء المنفعة لزم المستأجر الأكثر من المسمى وأجرة المثل، وحكم المكره على الإجارة إكراها محرما كحكم من لا يلزم عقده، ويشترط في المستأجر أن لا يكون ممنوعا من دخول المحل الذي استؤجر ليعمل فيه، كالحائض في المسجد والكافر فيه، والمراد بالصيغة ما يدل على الرضا، وينبغي أن تكون الأجرة مما يصح أن يكون ثمنا في الجملة، وهو كونه طاهرا معلوما منتفعا به مقدورا على تسليمه، وقد استثنوا من هذه التسوية بينهما كراء الأرض لأجل الزراعة بالطعام أو بما يخرج منها، فإن الطعام خصوصا وما يخرج من الأرض عموما يصح أن يكون ثمنا في البيع، ولا يصح أن يكون ثمنا في إجارة الأرض للزراعة عندهم، وسيأتي الكلام عليه بمفرده، ومن الأدلة على لزوم بيان الأجر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له الأجر، وعن النجش واللمس وإلقاء الحجر»، رواه أحمد، وفيه انقطاع، لكن الغرر منهي عنه، وقال ﷺ: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، ووجه الدلالة نسبة الأجر إلى الأجير، وكيف ينسب له ولم يعلم بالتسمية ولا بالعرف الذي لا يختلف فيه كما هو المذهب، فإن كان عرف لا يختلف فيه في أجرة الشيء أغنى عن البيان، وهو عندنا الآن معروف في مقدار أجرة السيارة والحافلة والباخرة والطائرة وغيرها، وقد قام الدليل على أن الأجرة لا يستحقها العامل حتى يقوم بما استؤجر عليه منها قول الله تعالى في الحديث القدسي الذي تقدم: «ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، وأصرح مما تقدم دلالة ما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد والبزار مرفوعا أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر»؟، قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله»، وهذا يدل على ما في المذهب من أن الأصل في الأجرة أن تستحق شيئا فشيئا بحسب ما يقبض من العوض، إلا أن يشترط تقديمها أو يكون هناك موجب للتقديم مثل أن يكون عوضا معينا، أو يكون الكراء في الذمة أعني أن يكون سَلَمًا خوفا من الوقوع في بيع الدين بالدين.
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٣٣): «وقد استدل بهذا الحديث أبو حنيفة والشافعي ومالك والليث والناصر على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة بعض المعمول بعد
[ ٣ / ٤٦٤ ]
لزوم تعجيل الأجرة إذا لم يشرع الأجير في العمل
جواز السلم في الإجارة قياسا على البيع
العمل»، انتهى، وهو يعني حديث أبي سعيد قال: «نُهي عن عسب الفحل، وعن قفيز الطحان»، رواه الدارقطني (ح/ ١٨٧) من كتاب البيوع، قال في نهاية غريب الحديث: «هو أن يستأجر رجلا ليطحن له حنطة معلومة بقفيز من دقيقها»، انتهى، والقفيز مكيال غير محدد الحجم يتفق الناس عليه، والمعروف في المذهب أن الأمر ليس على إطلاقه، بل يختص بما إذا جهل الأجر كأن يكون جلد أو بعض لحم الشاة التي يسلخها، وإعطاء النخالة للطحان، وجزء الثوب لمن ينسجه، ولذلك لو عرف القدر كأن يقول له لك صاعان من النخالة نظير طحن هذا القمح جاز.
ولما كانت الأجرة كالثمن فإن الأصل جواز تعجيلها أو تأجيلها متى شرع المستأجر في الانتفاع، لكنها لا تستحق كما علمت إلا بعد استيفاء المنفعة، فإن لم يشرع في استيفائها فلا يجوز التأجيل لما في ذلك من شغل الذمتين الناتج عن ابتداء الدين بالدين، ويجوز السلف في الإجارة بالقياس على السَّلَم، ولأن الأصل في المعاملات الجواز، وقد قالوا يجب تعجيلها إذا كانت معينة بالشرط أو بالعادة، كما تعجل إذا تعلقت الإجارة بالذمة بأن كانت مضمونة لا في معين، ولم يشرع فيها، لأنها تدخل حينئذ في باب الدين بالدين.
أما المنفعة فقد عرفوها بأنها «ما لا تمكن الإشارة إليه حسا دون إضافة، يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه»، انتهى، ويعنون بالقيد الأول أن المنفعة غير منفصلة عن أصلها كالركوب بالنسبة للدابة، والعمل بالنسبة للأجير، فخرج كراء الأشجار لأجل ثمارها لأن الثمار المقصود استيفاء عينها، وقوله يمكن استيفاؤها يخرج نحو كراء التفاحة لِتُشَمَّ، لأن تأثيرها ليس من الاستيفاء، وإنما هو من مرور الزمان، ولا يستأجر الأعمى للكتابة، ولا تستأجر الأرض التي غمرها الماء ولا يمكن انكشافها للزراعة، وقوله غير جزء مما أضيف إليه خرج نحو استئجار الأشجار لأجل أخذ ثمارها، والشاة للبنها لأنه بيع للشيء قبل وجوده وهو غير جائز، وقال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ١٩١): «فاستئجار الشجرة للانتفاع بثمرها واستئجار الحيوان للانتفاع بما يخرج منه من صوف ولبن جائز صحيح، ومن ادعى خلاف هذا فعليه الدليل»، انتهى، قال كاتبه: الدليل في الأول النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وقول النبي ﷺ: «بم يأخذ أحدكم مال أخيه إن منع الله الثمرة»؟، والمتضرر في بيع الثمار قبل بدو صلاحها المشتري، والمتضرر هنا هو المستأجر، ولا
[ ٣ / ٤٦٥ ]
بيان المنفعة في الإجارة وما ينبغي أن يتوفر فيها
أمثلة عن الإجارة الممنوعة
فرق في منع الضرر عنهما، واستئجار الأشجار لأجل ثمرها من قبيل بيع ثمارها، فإنه إذا منع بيعها بعد ظهورها؛ فأولى أن يمنع بيعها ولما تظهر، وجمهور أهل العلم ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة على منع كراء الأرض المغروسة لما علمت، وإن كان بعض أهل العلم ذكر خلاف ذلك عن السلف، وستجده في موضعه حين الحديث عن كراء الآرض إن شاء الله.
ومن شرط المنفعة أن تكون مباحة، فلا تجوز الإجارة على الغناء، ولا على اللعب، ومنه لعب الكرة، ولا كراء آلات الطرب، وينبغي أن تكون داخلة تحت التقويم، فلا يجوز استئجار نار ليستوقد منها، وهذا فيما لم يمنع منه دليل، وهو في المثال موجود، ولا كراء السجل التجاري، ولا الشهادة العلمية المشترطة في مهنة من المهن، وأن لا تتضمن استيفاء عين قصدا ككراء الأشجار لأجل ثمارها، لأن ذلك يؤدي إلى بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وأن تكون مقدورا على تسليمها، ومن ذلك أن يكون الانتفاع معلوما بحيث يُبَيَّن جنسه، فمن اكترى سيارة مثلا فينبغي بيان ما إذا كانت للركوب أو الحمل، ما لم يكن عرف في استعمالها كما هو الحال اليوم فَيُحَكَّم، ولا تصح الإجارة على فعل ما هو مطلوب من الإنسان بنفسه كصلاة الوتر والصوم، لعدم حصول المنفعة للمستأجر، وتكره في نحو تأجير المرء نفسه على الصلاة إماما بالناس فرضا أو نفلا، قال ابن القاسم: «وهو عندي في الفريضة أشد كراهة»، انتهى، وقد قيدوا ذلك بما إذا كان المرء يأخذ الأجرة من المصلين، أما إن كان يأخذها من بيت المال أو من وقف المسجد ومثله مال الجمعيات اليوم فلا كراهة، وكذلك تأجير المرء نفسه للحج، وقيدوا الكراهة بما إذا كانت الإجارة على غير فرض الكفاية، أما هو فيجوز كالقضاء وحفر القبر ونحو ذلك.
ومن الإجارة المكروهة أن يؤاجر المسلم نفسه لذمي في الأمور الجائزة بشرط أن يستبد المسلم بالعمل، كأن يكون سائق سيارة، أو مقارضا، أو مساقيا، وأن لا يكون في فعل محرم، وأن لا تلحقه بذلك مهانة، ومن المذلة أن يمشي وراء الذمي، أو يخدمه في بيته، ونقل الحافظ في الفتح (٤/ ٥٧١) عن المهلب قال: «كره أهل العلم ذلك إلا لضرورة بشرطين: أحدهما أن يكون عمله فيما يحل للمسلم فعله، والآخر أن لا يعينه على ما فيه ضرر للمسلمين»، انتهى، وقال ابن المنير: «استقرت المذاهب على أن الصناع في حوانيتهم يجوز لهم العمل لأهل الذمة ولا يُعَدُّ ذلك من الذلة، بخلاف أن يخدمه في منزله وبطريق التبعية له»، انتهى، فليعتبر بهذا إخواننا الذي يُعَرِّضُونَ
[ ٣ / ٤٦٦ ]
استئجار الكافر المسلم وعكسه
أنفسهم للتلف في هذه الهجرة السرية من أجل لقمة العيش، وكأن بلاد المسلمين قد انقطع الرزق منها، ومن المحرم أن يؤجر نفسه لمن هو معروف بالغصب والسرقة، وكل إجارة يترتب عليها فعل محرم أو إعانة عليه فهي محرمة متى كان استعماله غالبا في الباطل كخياطة ثوب المرأة التي تتبرج به، وحلق اللحية، ونحو ذلك لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
أما استئجار المسلم المشرك فالظاهر توقف جوازه على الحاجة إليه بحيث لا يوجد المسلم الذي يقوم بالعمل، وهو ظاهر صنيع البخاري حيث ترجم بقوله: «باب استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام»، انتهى، وقيل لعمر بن الخطاب ﵁ إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة حافظ، كاتب، فلو اتخذته كاتبا، فقال: «قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين»، انتهى، وقد روي أن أبا موسى كتب إلى عمر في استعمال ذمي في الحساب فنهاه عن استعماله، فراجعه مرتين وذكر له ضياع الحساب إن لم يتوله الذمي، قكتب إليه عمر يقول: «مات الذمي، والسلام»، فصادف كتابه إلى أبي موسى موت الذمي، وجمهور أهل العلم يجيزون ذلك من ضرورة ومن غيرها، وقال ابن بطال بالنقل عن فتح الباري (٤/ ٥٥٩): «عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤاجر المسلم نفسه من المشرك لما في ذلك من الإذلال للمُسْلِم، انتهى.
وقول المؤلف: «إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن»، أما الثمن فكما تقدم، إلا أن يكون هناك عرف دخلا عليه، كأجرة الحمامي وصاحب السيارة ونحوهما قال ابن رشد: «والمنع منه حرج في الدين وغلو فيه»، انتهى، وأما الأجل ففيه تفصيل، وهو أن ما كان من الأعمال له غاية كخياطة الثوب وبناء الدار ونحو ذلك فلا حاجة فيه إلى ضرب الأجل، فإن ضرب فلينظر، فإن كان أكثر من مدة العمل جاز، وإن كان أقل منها بطلت الإجارة، وإن كان مساويا ففيه نزاع، ولما كان الأجل في الإجارة مطلوبا على التفصيل المتقدم، وكان الجعل بخلاف ذلك نص عليه بقوله:
[ ٣ / ٤٦٧ ]
مشروعية الجعالة
• قوله:
٧٦ - «ولا يضرب في الجعل أجل في رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه ولا شيء له إلا بتمام العمل».
الجعل بضم الجيم وسكون العين هو العوض الذي يعطى للعامل على عمله، والجعالة مثلثة الجيم هي ضرب من الإجارة، يقال جاعل الرجل إذا سمى له عوضا يعطيه إياه متى أتم العمل، وقد أجيزت للحاجة إليها، وجاز فيها من الجهالة ما لا يجوز في الإجارة، رعاية لتفاوت قدرات الناس على العمل فإن العمل الذي يتمه زيد في شهر قد يتمه عمرو في عشرة أيام فراعى الشرع اختلاف القدرات، فكانت جائزة لما في ذلك من المصالح للخلق، ودليل مشروعية الجعالة في الجملة هو دليل الإجارة، أما بخصوصها فقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٢٢٧٦) ومسلم وغيرهما في قصة اللديغ، وفيه قول أحد الصحابة: «ما أنا براق حتى تجعلوا لي جُعْلًا»، فصالحوهم على قطيع من الغنم، وفيه قول النبي ﷺ: «قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم بسهم»، وقد حد ابن عرفة الجعالة بقوله: «عقد على عمل آدمي بعوض، غير ناشئ عن محله به لا يجب إلا بتمامه»، انتهى، فدخل في الطرف الأول الإجارة، وخرج الكراء على اصطلاح المذهب، وخرج بقوله غير ناشئ عن محله به القراض والمساقاة وشركة الحرث، وإنما علق العوض على تمام العمل لكون الجعل لا يتبعض.
والأعمال منها ما تصح فيه الجعالة ولا تصح الإجارة وهذا إذا كان العمل مجهولا كالتعاقد على استنباط الماء، ومنها ما تصح فيه الإجارة والجعالة كالتعاقد على بيع شيء أو شرائه أو اقتضاء دين، ومنها ما تصح فيه الإجارة دون الجعالة كحفر بئر في أرض مملوكة للجاعل، بخلاف حفرها في الأرض الموات، وتختلف الإجارة عن الجعالة في أمور هي:
[ ٣ / ٤٦٨ ]
لا يضرب في الجعالة أجل
حكمة مشروعية الجعالة
الفرق بين الإجارة والجعالة
الأول: اللزوم، فإن عقد الإجارة لازم للطرفين، بخلاف الجعالة فإن اللزوم يتجه للجاعل وحده، أما العامل فإنه يجوز له أن يتخلى عن العمل، أما قبل الشروع فلا لزوم لواحد منهما، ومن المصلحة في عدم لزوم العقد للعامل أن يكتشف ما لم يكن قد تبين له، فيتراجع عن العقد لتكون خسارته أقل مما لو مضى فيه.
والثاني: ضرب الأجل فهو شرط في الإجارة لكنه مناف للجعالة لأن طبيعتها تتعارض مع ضربه، فإذا ضرب بطلت، لما في ذلك من زيادة الغرر، إذ قد ينقضي الأجل، ولا يتم العمل، فيذهب باطلا، وقد ينتهي العمل قبل انقضاء الأجل فيأخذ ما لا يستحق.
والثالث: أن تقديم الأجر في الجعالة محظور إن كان بشرط، بخلاف الإجارة، لأنه لا يدرى أيتم العمل أم لا، وفي الحالة الثانية يصير قرضا، فتقديمه يجعله مترددا بين السلف والجعل، ويفتح الباب لقصد الاقتراض بالدخول في عقد الجعالة غير اللازم ثم يفسخه.
والرابع: أنه لا شيء للعامل إلا إذا أتم العمل، فإن أتمه ولم يكن قد سمي الأجر فله جعل مثله، بخلاف الأجير، لكن بعضهم قال إن ذلك فيما لم ينتفع به المجاعل، كأن يتفقا على استخراج الماء بحفر بئر في أرض موات، ثم تفسخ الجعالة قبل الاستخراج، بخلاف ما إذا كان ذلك في أرضه، فإن النفع قد حصل له، وكما إذا اتفقا على البحث عن عبد آبق، فبحث العامل عنه في ناحية ثم ترك، فقد علم أن العبد ليس فيها، قال كاتبه: وينقض هذا التوجيه أن العبد يمكنه أن يهرب إلى الناحية التي تم البحث فيها فينجو، ويرد الذي قبله أن الحفر ليس دائما يمكن الاستمرار فيه والانتفاع بما حصل منه قبل الفسخ، لأن الغرض استخراج الماء، ومن ذلك ما إذا جاعله على حمل متاع فحمل بعض المسافة ثم ترك، وأتم الجاعل باقيها بعامل آخر، فإن للأول نسبة ما عمله، وأبى بعضهم هذا التفصيل فلم يجعل للعامل شيئا إلا إذا أتم العمل، كما هو ظاهر كلام المؤلف وما في مختصر خليل، وهو الصواب إن شاء الله.
والخامس: أنه لا يشترط في الجعالة حضور المتعاقدين وتراضيهما معا كما في سائر العقود، بل من قال من أتاني بكذا فله كذا فجاءه به شخص فله ما سمى، وفي هذا نظر لأن الأصل اتفاق العاقدين فيكون مجرد وعد لا يلزم الوفاء به.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وإنما يصح عقد الجعل فيما لا يجب على العامل كما تقدم في الإجارة، فمن قال دلني على من يشتري مني سيارتي ولك مائة دينار فدله على ذلك فهو لازم له، لأنه لا يجب عليه أن يدله على من يشتري منه، لكن إن قال له دلني على امرأة صالحة أتزوجها ولك كذا فدله لم يجز له أن يأخذ شيئا لعدم صحة الجعالة، لأن النصيحة للمسلم واجبة كما قال النبي ﷺ عن حق المسلم على المسلم فذكر من جملته: «وإذا استنصحك فانصح له»، ولما ذكر أن المجعول له لا شيء له إلا بتمام العمل وكان الأجير بخلافه بينه بقوله:
[ ٣ / ٤٧٠ ]
جواز المؤاجرة على البيع
للأجير على بيع سلع معينة أجره متى انتهت المدة ولو لم يبع
حكم من استؤجر على بيع سلعة
• قوله:
٧٧ - «والأجير على البيع إذا تم الأجل ولم يبع وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة».
يريد بالأجير على البيع أن يُستخدم المرء لينادي على السلعة كي يبيعها، يدل على أن هذا هو مراده قوله إذا تم الأجل لأن الجعالة لا يضرب فيها الأجل كما صرح بذلك من قبل، فإذا اتفق امرؤ مع آخر على أنه متى باع هذه السلعة فله كذا، فإنه إذا لم يبعها فلا شيء له لأنها جعالة على ما تقدم، قال مالك ﵀: «في الرجل يعطي الرجل السلعة يبيعها له وقد قومها صاحبها قيمة فقال: إن بعتها بهذا الثمن الذي أمرتك به فلك دينار، أو شيء يسميه له يتراضيان عليه، وإن لم تبعها فليس لك شيء: إنه لا بأس بذلك،،،»، انتهى المراد منه.
أما إن اتفقا على أنه سمسار ينادي على سلعة معينة محددة ويسعى في ترويجها أياما معلومة بأجر معلوم فهو أجير يأخذ ما اتفقا عليه متى تمت المدة ما كانت يوما أو أكثر، باع السلعة المعينة أولم يبعها، فإن باعها في نصف الأجل فله نصف الأجر، وله ثلثه إن باعها في ثلثه، وهكذا، لأن الإجارة إذا تعلقت بمنافع كان كل جزء منها في مقابلة جزء من المنافع، فإن كانت المنافع معلومة بالمدة تقررت بالمدة، وكلما مضى جزء من المدة استحق جزءا من العوض بقدر ما يقبله» انظر شرح أبي الحسن، ومسالك الدلالة، وإنما قيدت السلعة بكونها معينة لأنه إن استؤجر شخص على بيع سلع غير معينة شهرا فباعها قبل انقضائه فإن لصاحب السلعة أن يحضر له سلعة يبيعها في بقية المدة، وإلا استحق أجر الشهر كله لأنه استأجره شهرا، ولما كان اصطلاح أهل المذهب اختصاص بيع منافع غير العاقل بالكراء - وإن كان كثير منهم لا يلتزمون ذلك في كلامهم على مسائل الباب - ذكره في قوله:
[ ٣ / ٤٧١ ]
• قوله:
٧٨ - «والكراء كالبيع فيما يحل ويحرم».
البيع هو تمليك الأعيان، والكراء تمليك منافع ما لا يعقل، والإجارة تمليك منافع العاقل، وكل منها يقصد منه العوض، فما جاز في واحد منها جاز في الآخر، فالتقى الجميع على لزوم معلومية العوضين والأجل، وحل التملك أو الانتفاع، وعلى ما ينبغي أن يكون عليه العاقدان من الأهلية، وعلى هذا يجوز السَّلَمُ في الإجارة والكراء المضمونين، لا في الأعيان على غرار جواز السَّلَمِ في البيع في الذمة، ونقل عن ابن القاسم ﵀ «أن من اكترى دابة بعينها على أن يقبضها إلى أجل أنه إذا نقد الثمن لم يجز، وإن لم ينقده جاز»، وهذا كما ترى فيه أمران: السلم في معين، والسلم لا يكون إلا في الذمة، وفيه أنه إن لم ينقد الثمن تدخل هذه المعاملة في بيع الدين بالدين، وهو ممنوع، فالعقد لم يبرم بعد، فيكون مجرد وعد، فلينظر.
[ ٣ / ٤٧٢ ]
ينفسخ الكراء إذا ماتت الدابة
• قوله:
٧٩ - «ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي».
وهذا لأن العقد قد وقع على شيء معين فينفسخ بفقده، أما إن كان الكراء لا يتعلق بدابة معينة بأن كان مضمونا فلا يفسخ العقد، بل يأتي المكري بدابة غير التي نفقت ويستمر أثر العقد، ولا بد من أن نذكر هنا أن دفع ثمن تذاكر الركوب في الطائرات هو من قبيل السلف المضمون فهو جائز، حتى وإن نص في التذكرة على اسم السيارة أو الطائرة فإن العرف قد جرى بالتزام المسلم له ضمان النقل بسيارة أخرى أو طائرة.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
تفسخ الإجارة بموت الأجير وانهدام الدار قبل تمام المدة
• قوله:
٨٠ - «وكذلك الأجير يموت والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء».
لأنه لما كانت الإجارة مرتبطة بشخصه، فإنه بموته ينفسخ العقد، وكذلك الشأن في الدار المكتراة إذا انهدمت، أو استحقت، أو امتنعت الإقامة فيها لمانع ما، ومن ذلك أن يستأجر امرؤ محلا للتجارة ثم يمنع الحاكم المتاجرة في ذلك المحل لسبب لا يتعلق بالمستأجر، ولورثة الأجير وصاحب الدار نسبة ما مضى من العمل ومن السكنى، وهذا بخلاف ما لو كانت الإجارة مضمونة لا في شيء بعينه كما لو تعاقد مع شركة على أن تبني له منزلا، فعينت بناء فمات فإن الإجارة لا تفسخ، وعليها أن تعين بناء آخر لإتمام البناء، وهكذا إذا كانت قد ضمنت الإسكان فإن عليها ذلك بعد انهدام الدار.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
تعليم القرآن على الحذاق بأجرة
• قوله:
٨١ - «ولا بأس بتعليم المتعلم القرآنَ على الحِذَاق، ومشارطة الطبيب على البرء».
المراد بالحِذَاق - بكسر الحاء والذال المنقوطة - الحفظ، يقال حذق يحذق حذقا وحذاقا من باب ضرب إذا مهر في الشيء، والمقصود أنه يجوز أن يجاعَل المعلم على تحفيظ أحد شيئا من القرآن يقرؤه عن ظهر قلب، أو يجيد قراءته في المصحف، فإذا أتم ما جوعل عليه استحق العوض وإلا فلا، وكذا يجوز أن يشارط الطبيب على مداوة مريض على وجه الجعالة، والظاهر جواز الإجارة على تعليم القرآن أو شيء منه في مدة محددة لا مجاعلة، إذ لا حيلة للمعلم في حذاق الصبي وغيره لاختلاف قدرة الناس على الحفظ، وهو قول ابن الحاجب كما في حاشية الصعيدي، بخلاف المشارطة على البرء، فإن للطبيب أن لا يجاعل حتى يعلم حال المرض ومدى قدرته على علاجه، والله أعلم.
وقد اختلف في جواز أخذ الأجرة على القُرَبِ بعامة، وعلى تعليم القرآن بخاصة، ومن الأدلة على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم أن النبي ﷺ زوج امرأة لرجل بما معه من القرآن الكريم، وهو في صحيح البخاري عن سهل ابن سعد وقد تقدم في النكاح، ومن ذلك إقراره النفر الذين أخذوا قطيعا من الغنم في مقابل مداواتهم لديغا، وقال: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله»، وورد أن عمر بن الخطاب كان يرزق ثلاثة معلمين للقرآن بالمدينة كلا منهم خمسة عشر درهما كل شهر، وهو عند البيهقي، وفي مصنف ابن أبي شيبة، ومما جاء معارضا لهذا قول النبي ﷺ: «اقرؤوا القرآن، واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به»، رواه أحمد والطبراني عن عبد الرحمن بن شبل، ولا تجفوا عنه، أي لا تبتعدوا عن تلاوته، وقوله: «ولا تغلوا فيه»، هو نهي عن جميع أنواع الغلو، من ختمه في أقل من المدة المأذون فيها، والتنطع في أدائه،
[ ٣ / ٤٧٥ ]
مشارطة الطبيب على البرء من المرض
أخذ الأجرة على القرب بعامة
أحاديث في أخذ الأجرة على تعليم القرآن
وتأويله بغير حق، وغير ذلك مما ظهر في هذا الزمان من الانصراف عن الاهتداء به وهو الذي أنزله الله من أجله إلى أمور أخرى بعضها بعيد عن الصواب وبعضها فيه شيء، وعن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: «اقروا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قوما يقرؤون القرآن يسألون به الناس، رواه أحمد والترمذي (٢٩١٧)، والقصة التي في سنن الترمذي مبينة أن عمران احتج به فيمن يقرأ ويسأل بالقراءة، وروى أحمد وأبو داود عن جابر قال، قال رسول الله: «اقرؤوا القرآن وابتغوا به الله تعالى، من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْح يتعجلونه ولا يتأجلونه»، القدح بكسر القاف السهم يرمى به، والمراد شدة العناية بالألفاظ ومخارج الحروف ونحو ذلك، وقوله «يتعجلونه» يطلبون بقراءته الدنيا كالمال والجاه، وقوله «ولا يتأجلونه» أي لا يريدون به ما عند الله في الآخرة، ذكره زيادة في توكيد تعجلهم عرض الدنيا وإن كان مفهوما من الأول، والظاهر أن النهي عن الأكل به يشمل كل ما لم يستثن، ومن ذلك الأجرة على مجرد تلاوته لأنها عبادة محضة فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، ومما استثني الرقية به بشرطها، وقد تقدم دليلها، أما أخذ الأجرة على تعليمه فقد روى ابن ماجة (٢١٥٧) عن عبادة بن الصامت قال: «علمت أناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، فسألت رسول الله ﷺ عنها فقال: «إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها»، وليس ببعيد أن يكون ذلك لأنه لما دخل على تعلميهم لوجه الله تعالى كان أخذ القوس من أحدهم مناقضا لما دخل عليه، فلزمه البقاء على الأصل، وهو كالهبة فلا يسوغ له الرجوع فيها، مع ما كان عليه أهل الصفة من الفقر والحاجة، ومن المستبعد بالنظر إلى حالهم أن يكون قد دخل على الأجرة، ومهما يكن فإن تعليم كتاب الله من غير أجرة خير، فإنه من الصدقات الجارية.
[ ٣ / ٤٧٦ ]
لا يفسخ الكراء بموت الراكب أو الساكن أو غنم الرعاية
• قوله:
٨٢ - «ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن ولا بموت غنم الرعاية، وليأت بمثلها».
لو قدم هذا والذي بعده عند كلامه على فسخ الإجارة بموت الأجير والدابة وانهدام الدار لكان أنسب لتتكامل أجزاء المسألة الواحدة ذات الفروع، والمراد أن موت راكب الدابة وساكن الدار المكتراة ليس موجبا لفسخ الكراء لأن عين المكترى باقية، فيجوز لورثة الراكب والساكن أن يكروا الدابة والدار، وإلا فعليهم الأجر كاملا، لأن الراكب والساكن مما تستوفى به المنفعة، فلا تنفسخ الإجارة بموته، والراعي قد أسلم نفسه لتستوفى منه منفعة الرعي، فليأت له بغنم، لكن قيل إنما يكون له ذلك إذا اتفق عليه من قبل، وقيل مطلقا.
قلت: عدم انفساخ الكراء بموت الراكب والساكن مبني على القول بجواز إجارة المؤجر كما هو المذهب، وقد صرح به المؤلف في الفقرة الثانية من قوله:
[ ٣ / ٤٧٧ ]
الفرق بين الكراء المضمون وكراء المعين
حكم الكراء على الكراء
• قوله:
٨٣ - «ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها، وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء، وليكتروا مكانه غيره».
لما سبق له أن صرح في الفقرة (٧٩) بأن موت الدابة المعينة للكراء وانهدام الدار المعينة له ينفسح بتلفهما الكراء صرح هنا بحكم الكراء المضمون في غير معين كأن يقول له: إِكْر لي دابة أحمل عليها كذا إلى موضع كذا، فإذا ماتت فعليه إحضار أخرى، أما المعينة تموت فهي كالأجير المعين يموت فيفسخ الكراء بذلك.
واعلم أن الكراء المضمون وإن كان لا يجوز أن يتعلق بذات معينة فإنه لا بد فيه من بيان الجنس والنوع والذكورة والأنوثة، أعني كونه جملا أو فرسا أو حمارا ذكرا أو أنثى، والذي يقال اليوم بيان كونه سيارة أو حافلة أو طائرة أو باخرة وبيان سعة المسكن وعدد غرفه ودرجته وغير ذلك من المرافق اللازمة فيه بحسب العادة.
وقد كرر قوله: «وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء»، ليرتب عليه قوله «وليكتروا مكانه غيره»، أو لأن ما تقدم كان في كراء المعين، وهذا في الكراء المضمون وهما مستويان في عدم الفسخ بموت الراكب، والذي يتولى الإكراء هم الورثة، وإلا فالحاكم، والله أعلم.
واعلم أن القول بجواز الكراء على الكراء قد قاسوه على البيع فكما يجوز لمن اشترى شيئا أن يبيعه فكذلك يجوز له بيع المنفعة لأنه قد ملكها، ومع ذلك فلهم فيه تفصيل مرادهم منه نفي تضرر صاحب الدابة والدار ونحوهما بانتقال المنفعة لغير من عاوضه عليها، وهو تفصيل مهم فراجعه في كتب الشروح، ومع ذلك فلا يظهر جواز الإجارة على الإجارة، ولا الكراء على الكراء، ولا يصح قياسهما على البيع، لأن المبيع قد انتقل ملكه للمشتري، بخلاف المكترى فإنه باق لصاحبه، وهو إنما عاوض على منافعه شخصا معينا، ويتعلق بذلك مقاصد وأغراض ومصالح، ولما ينشأ عن تأجير المؤجر من
[ ٣ / ٤٧٨ ]
التنازع في الضمان وترامي المسؤولية في التفريط وغير ذلك، وعليه فلا يسوغ لمالك المنفعة أن يتصرف فيها بصرفها لغيره لا بثمن أكثر ولا بأقل ولا مساو.
قال الشوكاني ﵀ في السيل الجرار (٣/ ١٩٨): «المالك للعين مالك لمنافعها، ومجرد الإذن لمن يستعملها مدة من الزمان بأجرة لا يدل على جواز صرفها إلى غيره، لاختلاف الأشخاص والأغراض والمقاصد،،،»، انتهى.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
لا ضمان على المكتري ما لم يتعد
• قوله:
٨٤ - «ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه».
يطلق الماعون على الإعانة كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]، وهو في كلام المؤلف اسم جامع لما ينتفع ويستعان به على عمل البيت كالقُفَّةِ والقِدْر والفأس والقصعة، وقوله أو غيره يعني من كل الأعيان التي تكترى لتحصيل منفعة منها كالسيارة والحافلة والجرار، فمن اكترى شيئا كيفما كان دابة أو ثوبا أو آلة فَتَلِفَ أو سُرِقَ فلا ضمان عليه لأنه مؤتمن، إلا أن يتبين كذبه كأن يقول تلف أول الشهر ثم يرى أنه كان عنده بعده، أو يثبت تعديه باستعماله في غير ما أجر له، أو يكريه لغير أمين، قالوا أو لمن هو دونه في الأمانة، أو يهب منفعته كذلك، وينبغي أن يقال مثل ذلك فيما لو فرط في صيانته وحراسته، فإنه يضمن في كل هذا، ولما كان الصانع يخالف في الضمان المكتري والراعي نبه على ذلك بقوله:
[ ٣ / ٤٨٠ ]
تضمين الصناع لما يتولون إصلاحه
شروط تضمين الصناع
• قوله:
٨٥ - «والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر».
الضمان يكون إما بسبب التعدي وإما للمصلحة وحفظ الأموال، وقد عدوا تضمين الصناع من الثاني، والصناع جمع صانع كالخياط والصائغ والكاتب ونحوهم فهؤلاء يضمنون ما يوضع عندهم لإصلاحه إذا ادعوا ضياعه أو تلفه سواء أكانت صناعته بأجر أم بدونه، ولا فرق بين أن يصنعوه في الحوانبت أو في بيوتهم، ولا بين ما يتلف بسبب الصنع وبغير الصنع، ولا تعطى لهم الأجرة، لأنهم يضمنون قيمته غير مصنوع يوم دفعه لهم، وقد ذكروا لتضمين الصناع الذي جاء على خلاف القياس القاضي بعدم ضمان الأمين ما استؤمن عليه شروطا منها:
- أن ينصب نفسه للصنعة العامة لجميع الناس، ومن ثم فلا ضمان على الصانع الخاص بجماعة.
- ومنها أن يغيب على الذات المصنوعة بحيث يصنعها في داره أو حانوته، بخلاف ما إذا تولى إصلاحها في بيت مستأجره، حاضرا كان أو غائبا، وهكذا إذا كان ذلك في محل الصانع بحضرة المستأجر.
- أن يكون المصنوع مما يغاب عليه كالثوب والحلي، أما معلم الأطفال الذي يدعي هروب الطفل والبيطري يدعي تلف الدابة أو هروبها فلا ضمان عليهما.
- ومنها أن لا يكون في الصنعة تغرير، فلا ضمان على ثاقب اللؤلؤ وناقش الفصوص، ولا على الخباز إذا احترق الخبز في الفرن، والطبيب إن كان من أهل المعرفة فإن أخطأ فخطؤه على العاقلة، أما إن لم يكن من أهل المعرفة فالدية في ماله وعليه مع ذلك العقوبة من الحاكم.
أما دليل تضمين الصناع فقد قالوا إن في ذلك مراعاة للمصلحة، قال ابن رشد في
[ ٣ / ٤٨١ ]
بداية المجتهد (٢/ ٢٣٢): «ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر في المصلحة وسد الذريعة»، انتهى، وفي المدونة «وقد قضى الخلفاء ﵃ بتضمين الصناع، وهذا علم العامة»، انتهى، وذكر الباجي أن تضمين الصناع مما أجمع عليه عامة أهل المدينة، وقال القاضي عبد الوهاب في المعونة (٢/ ١١١١): «أجمع عليه الصحابة»، انتهى.
وفي المدونة (٣/ ٣٧٣): عن ابن وهب قال لي مالك: «إنما يضمن الصناع ما دفع إليهم مما يستعملونه على وجه الحاجة إلى أعمالهم، وليس ذلك على وجه الاختبار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لهلكت أموال الناس، وضاعت قبلهم، واجترؤوا على أخذها، ولو تركوها لم يجدوا مستعتبا، ولم يجدوا غيرهم ولا أحد يعمل تلك الأعمال غيرهم فضمنوا ذلك لمصلحة الناس، ومما يشبه ذلك من منفعة العامة ما قال رسول الله ﷺ: «لا يبع حاضر لباد، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق»، فلما رأى أن ذلك يصلح للعامة أمر فيه بذلك»، انتهى.
قلت: لكنه أمر ونهى لأن له الأمر والنهي وغيره ليس كلك، وفي المدونة أيضا (٣/ ٣٧٤): عن يحيى بن سعيد أن الخلفاء ما زالوا يضمنون الصناع»، وليس بظاهر في أن مراده الخلفاء الأربعة، مع أنه من غير إسناد، وإذا صح شيء من هذا مع ما كان عليه الأمر من غلبة الخير على الناس فأحرى أن يقال بذلك في هذا الزمان لو قام على تضمينهم دليل، بل الظاهر أنه لا إجماع على ذلك، وإلا فكيف يقول بعدم التضمين كثير من أهل العلم منهم أحمد وأبو حنيفة، وللشافعي قول بذلك، وغيرهم كثير، وعليه فيبقى الأمر على الأصل من عدم الضمان كالمستأجر والمودع والمشتري في زمن الخيار حتى يثبت تعدي الصانع وتفريطه، وخالف أشهب فقال بتضمينهم ولو ثبت عدم تفريطهم، ومما يضمنون فيه أن يتولى العمل غير المؤهل للصنعة فيفسد الشيء بسبب صنعته قياسا على الذي يتطبب وليس بطبيب، وقد قال فيه رسول الله ﷺ: «من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن»، رواه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو، والمتطبب الذي يتعاطى علم الطب بكسر الطاء ويجوز ضمها وهي لغة العامة عندنا.
[ ٣ / ٤٨٢ ]
لا ضمان على الحمامي وصاحب السفينة
كراء السفينة على البلاغ
• قوله:
٨٦ - «ولا ضمان على صاحب الحمام ولا ضمان على صاحب السفينة ولا كراء له إلا على البلاغ».
صاحب الحمام هو مالكه، سواء كان هو الذي يتولى الحراسة أو لا، وقد يراد به الذي يتولى حراسة الثياب، والمقصود أن الحمامي لا يضمن ما تلف من المتاع من غير أن يثبت عليه التفريط، لأنه مؤتمن على ما وضع عنده فيبقى على الأصل، وهو عدم تضمين من اؤتمن على شيء، ولأنه يشبه المودع من حيث إن الانتفاع للمستحمين لا له، ولهذا قالوا إنه يضمن في حالة إمساكه المتاع رهنا في ثمن الحمام، ولا فرق في عدم تضمينه بين أن يكون حارسا بأجرة أو لا، ومن صور ضمانه أن يأتيه أحد فيطلب منه متاعا فيعطيه إياه ظانا أنه صاحبه ثم يتبين خلافه، أو يقول: رأيت من أخذه فظننته صاحبه، ومثل الحمامي خفراء الدور والحدائق والأسواق فإنهم لا يضمنون، ولو كتب بذلك حجة تلزمهم بالضمان حيث لم يفرطوا، لأنه من التزام ما لا يلزم، ومن التفريط أن يسلم الحارس السيارة لمن لم يأته بصك الإيداع، أو يستعملها هو خارج المستودع، أو يتلف منها شيء بسبب نقلها من موضع لآخر لغير داع.
وصاحب السفينة - ويشمل المالك والنوتي العامل فيها على ما تقدم في الحمام - إذا تلف ما فيها من المتاع بسبب موج أو مد أو ريح أو غير ذلك من غير تفريط فلا ضمان عليه لا في الموت ولا في تلف السلع، لا فرق بين سلعة وأخرى، واستثنى بعضهم من عدم الضمان الطعام فإنه يضمنه إلا أن تقوم بينة على هلاكه بغير سببه، أو يكون معه مالكه، أما إن حصل شيء من ذلك بتفريطه فإنه يضمن ما تلف، ويَدِي الميتَ من ماله حيث لم يقصد القتل، وإلا قتل بمن مات قصاصا.
وقوله: «ولا كراء له إلا على البلاغ»، اختلف في كراء السفينة إذا لم تصل إلى
[ ٣ / ٤٨٣ ]
الموضع المراد من ركوبها، هل يجرى مجرى الجعل أو تكون إجارة؟، والمشهور أنه جعل، وهو قول مالك، وظاهر المصنف، وعليه فإن لم يحصل الغرض المطلوب وهو الوصول فلا شيء لصاحب السفينة، وبه قال ابن القاسم، وقال ابن وهب له قدر ما قطع من المسافة، لأن الغاية لما كانت معلومة والأجرة معلومة، كان له بحسب ما سار، وهذا إذا أمكن مواصلة السير إلى الغرض، ولعل هذا هو مراد أصبغ بقوله «إن لَجج فهو جعل، وإن لم يلجج فهو إجارة يأخذ من الأجر بنسبة ما قطع من المسافة»، انتهى، ومراده أن السفينة إذا كانت تعبر البحر ولم تصل إلى الغرض فهي جعالة، وإن كانت تسير محاذية للبر فهي إجارة لأن الراكب يتمكن من مواصلة السير إن أراد وقد انتفع بما ركبه من المسافة.
[ ٣ / ٤٨٤ ]
جواز الشركة بالأبدان
• قوله:
٨٧ - «ولا بأس بالشركة بالأبدان إذا عملا في موضع واحد عملا واحدا أو متقاربا».
الشركة بكسر الشين وسكون الراء وقيل وبفتحها وكسر الراء كما هو الشائع، هي الاختلاط والامتزاج، وهي أقسام ثلاثة: أولها: شركة أملاك كاشتراك الورثة في التركة، واشتراك الموهوب لهم في الهبة، والمجاهدين في الغنيمة، فهذه نشأت عن انتقال الملك من غير إرادة الشركاء، وعرفت بأنها «ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع»، انتهى، والثاني: شركة لم تنشأ عن انتقال ملك ولا تقبل القسمة وهي اشتراك الناس في الماء والكلإ والنار، إذ جعلها الشرع للناس كافة، وسيأتي الكلام عليها، والثالث: شركة تعاقد، وهي المقصودة هنا، وقد قال خليل في تعريفها: «الشركة إذن في التصرف لهما مع أنفسهما»، انتهى، فهي إذنُ كل واحد من الشخصين أو الأشخاص للآخر أن يتصرف معه فيما هو له، فالإذن في التصرف يشمل الوكالة والقراض، وقوله لهما يخرج الوكالة من الجانبين، وقوله مع أنفسهما يخرج القراض، لأن التصرف فيه للعامل وحده دون رب المال، وهي مباحة بإجماع الناس على ذلك في الجملة، ومن حكمة اشتراعها ما فيها من التعاون واجتماع القدرات المختلفة على العمل، إذ قد يكون للمرء مال فيعجز عن تنميته بنفسه، أو يكون له قدرة على العمل ولا مال له، أو يجتمع فيه الأمران، لكن ماله لا يفي بما يريده من العمل والنشاط، فيضم مال غيره إليه وعمله، قال في بدائع الصنائع (٧/ ٥١٢): «ولأن هذه العقود شرعت لمصالح العباد، وحاجتهم إلى استنماء المال متحققة»، انتهى، والمشهور أنها لازمة بالعقد كسائر العقود والمعاوضات، وقيل لا تلزم إلا بالخلط، وقيل إن الذي يلزم بالخلط هو الضمان، فيجتمع القولان، لكن اللزوم لا يظهر إلا في شركة الأموال، وسيأتي بيانها.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
أركان الشركة
أقسام الشركة باعتبارت مختلفة
وللشركة أركان ثلاثة هي العاقدان، والصيغة، والمحل، ويشترط في العاقدين أن يصلح كل منهما للوكالة بطرفيها، أي أن يكون وكيلا وموكلا، ووجه ذلك أن الشركة تتضمن الوكالة، فلا بد أن يتوفر في عاقدها ما ينبغي توفره في الوكالة، ومن ثم فلا تصح مشاركة العبد غير المأذون له، ولا المحجور عليه، ولا الصبي، والمراد بالصيغة ما يحصل به الإذن في التصرف من كلام أو غيره كالكتابة وخلط الأموال مع العمل، والمحل هو ما يقع الاشتراك فيه من مال وأعمال.
واعلم أن كثيرا من الشراح يذكرون أقسام الشركة ولا يبينون الاعتبار الذي وضعوه في التقسيم، فيقع الاضطراب فيه والتداخل، ولهذا فلا بأس بذكر ما اصطلحوا عليه لما فيه من الضبط والتحديد، والاصطلاح لا يضر بالفقه، بل هو معين على الفهم والتدقيق بشرط أن لا نتواضع على شيء من تلك الاصطلاحات ثم نلجأ إليها ونتعامل بها فتغدو بديلا عن الأدلة التي هي الأساس في استنباط الأحكام الشرعية، هذا شأن اصطلاحات العلوم كلها حاشا ما كان منها بمضمونه كلا أو بعضا مزاحما للشرع فلا يقر، ومما لا يقر لفظ التصوف فلا يقبل لفظه ولا محتواه، لأن محتواه إن كان مشروعا فقد أغنانا الله عنه بإتمامه دينه ورضاه لنا، وتسميته إحسانا وهو المعلم الثالث من معالم الإسلام، وإن كان مخالفا للشرع فمن من المسلمين يقبله؟، ثم أقول مع هذا إن تقيسمات الشركة التي وضعها العلماء قليلة الجدوى، وإنما ذكرناها ليعلم قارئ تلك الشروح معناها، وليراجع هنا كلام الشوكاني ﵀ في السيل الجرار في غير موضع من أبواب البيع والإجارة والشركة، ومنه (٣/ ٢٤٦ - ٢٤٨)، وإنكاره بعض هذا التقسيم.
فالشركة تنقسم باعتبار ما يقع الاشتراك فيه إلى شركة أموال، وشركة أعمال، وشركة ذمم، وشركة وجوه، ولما كان المؤلف قد ذكر شركة الأموال والأعمال فلنبين مرادهم بالنوعين الآخرين.
فأما شركة الوجوه فوجه تسميتها كذلك أن الباعث عليها الوجه، بأن يبيع الوجيه الذي له ذِكْرٌ في الناس مال الخامل ببعض ربحه، والخامل هو الذي لا يُشترى منه للظن بأن ما يبيعه ليس بجيد، وهي فاسدة لا تجوز لما فيها من الغرر والتدليس على الناس، فإنها
[ ٣ / ٤٨٦ ]
إجارة بعوض مجهول، والناس من عادتهم أن يشتروا من أملياء السوق فيحصل لهم التدليس.
وأما شركة الذمم فقد جعلها بعضهم صورة من شركة الوجوه، وهي أن يتفقا على شراء شيء من غير تعيينه ليبيعاه ويكونان شريكين فيه على ذمتهما يعني من غير مال، فهذه الشركة فاسدة على المشهور سواء اشتراه أحدهما أو اشترياه معا، ووجه الفساد أنها من باب تَحَمَّلْ عَنِّي وأَتَحَمَّلُ عنك، وأسلفني وأسلفك، فيدخل في باب الضمان بالجعل، وفي السلف الذي يجر نفعا، أما لو اتفقا على شراء شيء بعينه ويكون ثمنه في ذمتهما فإنه جائز.
وتنقسم الشركة باعتبار ما لكل من الشريكين من التصرف في المشترك فيه - ويتضح كما ينبغي في شركة الأموال - إلى أربعة أنواع مفاوضة، وعنان، وجبر، ومضاربة.
فشركة المفاوضة أن يفوض كل من الشريكين للآخر التصرف فيما اشتركا فيه أو في نوع منه أو أنواع بالبيع والشراء والكراء والإقالة في غيبته وحضوره، كما يجوز له الهبة لجلب المتعاملين إلى الشركة واستئلافهم، ويصح أن يهب الشيء اليسير لغير الاستئلاف.
وشركة العنان أن يشترط كل من الشريكين على الآخر أن لا يستبد في التصرف بشيء إلا بإذنه وموافقته، مأخوذة من عنان الدابة الذي يوجهها ويضبط سيرها.
وقد حد النفراوي شركة الجبر بقوله: «استحقاق شخص الدخول مع مشتر سلعة لنفسه من سوقها المعد لها على وجه مخصوص»، انتهى، فمن اشترى سلعة من سوقها ليبيعها لا ليقتنيها ولا ليسافر بها، وكان غيره من التجار حاضرا لشرائها وهو ساكت، فإن أراد ذلك الحاضر الدخول في تلك السلعة شريكا فإنه يجاب إلى ذلك، ويجبر المشتري على إدخاله رفقا بأهل السوق، بخلاف ما لو اشتراها في غيبته أو زايده فيها فلا يجبر، وعللوا الجبر على الاشتراك بأنه تَرَك المزايدة عليه فانتفع بذلك، وقد يكون لهم متمسك فيما علقه البخاري بصيغة التمريض، وهو في سنن سعيد بن منصور أن عمر أبصر رجلا يساوم سلعة وعنده رجل فغمزه حتى اشتراها فرأى عمر أنه شركة»، وانظر الفتح (٥/ ١٦٧)، وللمشتري أيضا أن يجبر ذلك الحاضر على الاشتراك معه إذا رأى ذلك، ولا أحسب أن لهذا القول دليلا لافتقاده أهم عنصر في التجارة وهو التراضي، ولأن الحاضر إذا
[ ٣ / ٤٨٧ ]
ترك ما أبيح له من المزايدة والمساومة قبل التراكن فكيف يقال إن له الاشتراك في المبيع؟، على أنك قد علمت من قبل في الفقرة (٧٣) من هذا الباب أن ترك السوم وقت مساومة الغير هو المطلوب، فكيف يقال إنه مباح ثم يرتب على تركه حق في الشركة جبرا؟، والله أعلم.
واقتصر المؤلف على ذكر الجائز فيما يكون فيه الاشتراك، وابتدأ بشركة الأبدان، وتسمى شركة الأعمال أيضا، ووجه تسميتها بذلك عدم توقفها على المال غالبا، فلم يبق إلا عمل البدن، وهي مختلف في جوازها، وعمدة المجوزين من النقل حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: «اشتركنا أنا وسعد وعمار فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء»، رواه أبو داود (٣٣٨٨) والنسائي وابن ماجة، وهو ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود، فإنه لم يسمع منه، لكن حيث كان الأصل في المعاملات الجواز، وتحقق في شركة الأعمال التراضي الذي لا بد منه في التجارة، وحيث إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، والشركة داخلة فيه فإذا خلا هذا النوع من الغرر فإنه يجوز، وقد استدل القرطبي القنازعي في تفسيره للموطإ (٢/ ٥٨٥) بقول الله تعالى: «واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه … الآية على جواز شركة الأبدان.
وقد اشترطوا فيها أن يكون عملهما واحدا أو متقاربا، وأن يتساويا في العمل أو يتقاربا، وأن يكون الغرض من الشركة التعاون، وأن تكون الآلة بينهما بشراء أو كراء، أما موضع العمل فالظاهر عدم اشتراطه، قال خليل: «وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم، وتساويا فيه أو تقاربا، وحصل التعاون وإن بمكانين»، انتهى، فمثال اتحاد العمل كخياطين وحلاقين، لا كخياط وحداد، لما في ذلك من الغرر، ومعنى التلازم التكامل الذي يكون في الصنعة الواحدة بأن يتوقف وجود عمل أحدهما على وجود عمل الآخر، كأن يتولى أحدهما نشر الخشب على مقاييس معينة، ويتولى الآخر تركيبه أبوابا ونوافذ، أو يتولى هذا تركيب قطع غيار السيارة والآخر يركب هيكلها، أو يعد هذا الجلد على مقاسات الأحذية، ويقوم الثاني بربطها على القوالب، ويكمل الثالث الباقي، فأما التساوي في العمل فأن يأخذ
[ ٣ / ٤٨٨ ]
كل من الشركاء بقدر عمله إن اتحدت الأعمال، وبقدر قيمته إذا لم تتحد، والظاهر أن هذا لا يشترط متى تراضيا على ما يخالفه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣٠/ ٧٩) يجيب عن سؤال يخص منع الحاكم الناس من شركة الأبدان لأنه لا يرى جوازها: «ليس له منع الناس من مثل ذلك ولا من نظائره مما يسوغ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نص من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا ما هو في معنى ذلك، لاسيما وأكثر العلماء على جواز مثل ذلك، وهو ما يعمل به المسلمون في عامة الأمصار،،، الخ كلامه، وهو نفيس لم يراعه الدعاة في علاقة بعضهم ببعض في مثل هذه المسائل، مع أن الحاكم لا يجوز له المنع كما رأيت، فإن بعضهم جعل آراء العلماء دينا بل آراء طلاب العلم.
[ ٣ / ٤٨٩ ]
شركة الأموال
• قوله:
٨٨ - «وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما، والعمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد، ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح».
يريد بالأموال النقد، والجمهور على جواز الشركة في كل المثليات، وقد منع مالك الشركة في الطعام، وعللوا المنع بأنه بيع للطعام قبل قبضه، والتعليل الذي ذكروه بعيد، لا يتم إلا بتعسف وتعمل، والمشهور جوازه بالطعام المتفق قدرا وصفة، وهو قول ابن القاسم، وقد دل على ذلك حديث البخاري (٢٥٠١) الذي فيه أن زهرة بن معبد كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير ﵃، فيقولان له أشركنا، فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهم، فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل، ومما استدل به لمشروعية الشركة بالأموال حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ إن الله يقول: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما»، رواه أبو داود (٣٣٨٣) والبيهقي، لكن فيه مجهول، ومعنى أنه سبحانه ثالثهما أنه يسددهما ويوفقهما فهي معية خاصة، وقوله سبحانه خرجت من بينهما؛ أي وكلتهما لأنفسهما، وحسب المرء شرا أن يكله الله إلى نفسه، ولذلك كان مما يدعى به: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، وهذا الحديث القدسي لو صح كان شاملا لأنواع الشركات من أموال وأبدان وغيرهما إلا ما دل الدليل على منعه، بل فيه الترغيب في التعاون على ذلك لما فيه من النفع وتنمية المال بشرط الصدق والأمانة، بل لا يحتاج الأمر إلى دليل لأن الأصل الجواز، بل الذي يحتاج إليه هو الدليل المانع، والله أعلم.
[ ٣ / ٤٩٠ ]
ما يشترط في جواز شركة الأموال
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن السائب المخزومي أنه كان شريك النبي ﷺ قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: «مرحبا بأخي وشريكي لا يداري ولا يماري»، ويداري هو من المدارأة التي هي المدافعة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا (٧٢)﴾ [البقرة: ٧٢]، والمراد المشاغبة والمخالفة وكثرة المراجعة، لا من المداراة التي فعلها داراه يداريه بالياء فإنها مقبولة مشروعة لأن معناها بذل الدنيا من أجل الدين، وقوله يماري معناه يجادل.
وينبغي في شركة الأموال أن يكون ربح الشريك بمقدار ماله، فإذا كان ماله نصفا كان ربحه كذلك، فإن تعاقدا على التساوي في الأموال والتفاوت في الربح لم تصح، وكذلك ينبغي أن يكون ما على كل منهما من العمل بمقدار ما له من الربح، سواء أباشر العمل بنفسه، أم عين من يقوم به على ذمته، فإن دخلا على التفاوت في العمل والتساوي في الربح لم تصح، فمثلا إذا كان على الواحد منهما ربع المال وربع العمل وله ربع الربح، وعلى الآخر ثلاثة أرباعهما وكلك الربح جازت الشركة، فالحاصل أنه ينبغي أن يتعاقدا على أن الربح والخسر بمقدار المال والعمل، لكن متى تم العقد على المنوال المطلوب جاز لكل منهما أن يتنازل عن بعض حقه من المال أو العمل، فالذي يضر هو اشتراط عدم التساوي، قال خليل: «وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد»، انتهى، وقد عللوا عدم مساواة حصة الربح للمال والعمل قبل العقد بأنه تبرع من الربح فيكون قد أخذ أكثر من حقه، وهو تعليل من الضعف كما ترى، فالظاهر أن اختلاف رأس المال أو العمل مع التساوي في الربح ليس بمانع من صحة الشركة لأنه عقد تم بالتراضي، ومال المسلم لا يحل إلا بطيب نفس، وقد طابت نفس العاقد بذلك فأين المانع؟، قال الشوكاني في السيل الجرار (٣/ ٢٤٩): «والحاصل أن التراضي على الاشتراك سواء تعلق بالنقود أو العروض أو الأبدان هو كله شركة شرعية، ولا يعتبر إلا مجرد التراضي مع العلم بمقدار حصة كل واحد من الربح والخسر، فإن كان الربح والخسر بمقادير مال الشركة أو مقادير قيمة العروض فلا بد من معرفة المقدار لترتيب الربح عليه، فإن حصل
[ ٣ / ٤٩١ ]
التراضي على الاستواء في الربح مع اختلاف مقادير الأموال كان ذلك جائزا سائغا، ولو كان مال أحدهم يسيرا، ومال غيره كثيرا، وليس في مثل هذا بأس في الشريعة، فإنه تجارة عن تراض، ومسامحة بطيبة نفس»، انتهى، ولما أنهى الكلام على شركة الأموال ذكر شركة المضاربة فقال:
[ ٣ / ٤٩٢ ]
جواز القراض بالدراهم والدنانير
• قوله:
٨٩ - «والقراض جائز بالدنانير والدراهم».
القراض بكسر القاف مشتق من القرض وهو القطع، لأن المرء يقطع شيئا من ماله لمن يعمل فيه بجزء من ربحه، وهذا اسمه عند أهل الحجاز، ويسميه أهل العراق المضاربة، وهي من الضرب في الأرض، وكان الواحد من العرب يسلم ماله إلى من يخرج به تاجرا إلى الشام أو غيرها، والتجارة في أصلها تعتمد على الجلب، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٢٠)﴾ [المزَّمل: ٢٠]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]، فأهل الحجاز نظروا فيه إلى رب المال، وأهل العراق نظروا إلى العامل.
ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وقد قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٢٤٧): «وعمل به المسلمون عملا متيقنا لا خلاف فيه»، انتهى، وهو مما أقره الإسلام من معاملات الجاهلية، وقد روى مالك في الموطإ (١٣٨٥) عن زيد بن أسلم أنه قال: «خرج عبد الله وعبيد الله بنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قَفَلا مَرَّا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر بن الخطاب قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما»؟، قالا: «لا»، فقال عمر: «ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أديا المال وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: «ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه»، فقال عمر: «أدياه»، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله،
[ ٣ / ٤٩٣ ]
تعريف القراض
أركان القراض
القراض عقد غير لازم
فقال رجل من جلساء عمر: «يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا»، فقال عمر: «قد جعلته قراضا»، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله بنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال».
والقراض مستثنى من الإجارة إلى الأجل المجهول بالعوض المجهول بل المعدوم، وفيه الاشتراك بالمال من جانب والعمل من جانب، لأن الشخص قد يكون له مال ولا يقدر على تنميته فيعطيه لمن له القدرة على ذلك، ولا مال له، قال الكاساني في بدائع الصنائع (٨/ ٩): «فكان في شرع هذا العقد دفع الحاجتين والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع حوائجهم»، انتهى.
وقد حد القراض ابن عرفة بقوله: «تمكين مال لمن يتجر فيه بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة»، وتعريف خليل أيسر من هذا وأقرب قال: «القراض توكيل على تجر في نقد مضروب مُسلَم بجزء من ربحه إن علم قدرهما»، انتهى.
وللقراض أركان هي العاقدان ويشترط فيهما ما يشترط في الوكيل والموكل كما تقدم، وقد قيل بحرمة مقارضة الذمي، والمذهب كراهة ذلك متى لم يتجر في محرم، والثاني المال المسلَم للعامل، وينبغي أن يكون معلوما لأنه إن لم يعلم كان جزء الربح مجهولا، وأن لا يكون دينا في ذمة العامل، لما فيه من التهمة بالانتفاع بالقرض، ولأن فيه تحول المضمون إلى غير الضمان، وهكذا لا يصح أن يكون وديعة عند العامل ولا رهنا، فإن وقع وعمل بما ذكر فالربح للعامل والخسارة عليه، ولا شيء لرب المال لعدم صحة العقد، ويستمر الدين في الذمة على ما كان، كما يشترط في رأس المال أن لا يكون مضمونا من العامل، إلا أن يتعدى، والثالث الصيغة، وهي ما يكون به التراضي، والرابع ما لكل من رب المال والعامل من الربح إن كان، ويشترط فيه أن يكون جزءا شائعا من الربح كالثلث والربع ونحوهما، لا إن كان مجهولا أو معينا كألف دينار كل شهر مثلا، فإنه يكون ربا بلا شك، أو يكون إجارة إن بَيَّنَ ذلك في العقد، ولا يصح أن يختص واحد من المتعاقدين بشيء غير جزء الربح المذكور إلا ما يحتاج إليه العامل من النفقة التي سيأتي ذكرها.
والقراض عقد غير لازم، قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٤٠): «أجمع العلماء
[ ٣ / ٤٩٤ ]
على أن اللزوم ليس من موجبات عقد القراض»، انتهى، والمذهب أن لكل فسخه متى لم يشرع العامل في العمل، فإن شرع صار لازما للكل، وبعد تزود العامل للسفر يصير لازما للعامل دون رب المال.
ولما كان رأس المال ينبغي أن يكون معلوم القدر لزم أن يكون نقدا، ولهذا قال المصنف: «بالدنانير والدراهم»، فقد اتفق أهل العلم على جواز القراض بالذهب والفضة، لأن رأس المال وإن لم يكن مضمونا إلا أنه يتعين رده إلى صاحبه عند انتهاء القراض، وكيف يرد إذا لم يكن معلوما؟.
[ ٣ / ٤٩٥ ]
القراض بغير المسكوك من النقد
• قوله:
٩٠ - «وقد أرخص فيه بِنِقَار الذهب والفضة».
النقار بكسر النون ما ليس مسكوكا من الذهب والفضة، وهو القطع الخالصة منهما، ومثلها التبر والحلي فهذه جميعا يجوز أن تكون رأس مال في القراض متى لم يوجد المسكوك، وجرى التعامل بها في بلد القراض، وعرف وزنها، فإن تم العقد على ذلك وجرى العمل مضى عند ابن القاسم، ويمضي مطلقا عند أصبع، ولما كان الذهب والفضة لم يعودا أثمانا للأشياء وزالت السكة عنهما فيتخرج على المذهب أنه لا يجوز أن يكونا رأس مال في القراض اليوم، لكونهما من جملة العروض، وقد أشار إلى ذلك بقوله:
[ ٣ / ٤٩٦ ]
لا يجوز القراض بالعروض، وحكم ما وقع منه
• قوله:
٩١ - «ولا يجوز بالعروض، ويكون إن نزل أجيرا في بيعها، وعلى قراض مثله في الثمن».
العروض جمع عَرْض بفتح العين وسكون الراء وهي ما عدا الذهب والفضة، ووجه عدم الجواز بها أن القراض رخصة، ولم تجئ إلا بحيث يكون رأس المال ما ذكر، ونقار الذهب والفضة متى علم وزنه هو في معنى المسكوك، والرخصة لا يتعدى بها محلها، هكذا قال بعضهم، والظاهر أن العلة هي الجهل برأس المال الذي يترتب عليه الجهل بالجزء المجعول للعامل، لأنه لا يأخذ ربحا إلا بعد نضوض رأس المال مضافا إليه أن العامل يأخذ عرضا تكون قيمته يوم العقد مبلغا، ويوم الرد مبلغا غيره بالنقص أو بالزيادة.
وبناء عليه يتجه القول بجواز أن يسلمه عروضا ويؤاجره على بيعها على أن يتجر في الحاصل منها من النقد، فهذا لا مانع منه، إلا على القول بامتناع اجتماع القراض والإجارة، وقد نقل عن المؤلف أنه تعامل به كما في شرح ابن ناجي، أما لو أعطاه عروضا ليبيعها على أن يكون الحاصل منها رأس المال فإنه يؤدي إلى أخذه الزيادة على ما للعامل، نظرا لما قام به من عمل في البيع، وذلك لا يصح.
ولهذا بَيَّنَ المؤلف أنه متى جعل رأس مال القراض عروضا وباعها العامل واتجر بها فإنه يكون أجيرا في بيعها فله أجرة مثله، ويكون مع ذلك مقارضا في ثمنها فله الجزء من الربح الذي يعطى لمثله، لا الجزء الذي وقع التعاقد عليه، وهذا بسبب فساد العقد، قال مالك في الموطإ (القراض في العروض) بعد أن بين وجه امتناع كون العروض رأس مال في القراض: «فإن جهل ذلك حتى يمضي، نظر إلى قدر أجر الذي دُفع إليه القراض في بيعه إياه وعلاجه فيعطاه، ثم يكون المال قراضا من يوم نض المال واجتمع عينا ويرد إلى قراض مثله»، انتهى.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
إذا سافر العامل في القراض فله الكسوة والطعام
• قوله:
٩٢ - «وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال، وإنما يكتسي في السفر البعيد».
هذا أوسط أقوال العلماء في نفقة العامل قي القراض، فإن منهم من منعها مطلقا وأجازها آخرون، والمذهب أن له النفقة في السفر من الطعام والشراب وتزاد الكسوة إذا كان السفر بعيدا، وهذا كله إذا كان للمال شأن بحيث يتحمل ذلك، ووجهه أن السفر فيه نفقة زائدة على ما في الحضر حيث ينفرد العامل عن أهله ويفتقر إلى ما لا يحتاج إليه وهو في أهله من المركب والمسكن ولأن انفراده بالمأكل والمشرب ليس كأكله مع أهله.
وقد توسع مالك ﵀ في الحديث عن القراض في الموطإ في خمسة عشر بابا، ومن أجمع ما قاله مما يبين مذهبه فيه قوله: «وجه القراض المعروف الجائز أن يأخذ الرجل المال من صاحبه على أن يعمل فيه، ولا ضمان عليه، ونفقة العامل من المال في سفره، من طعامه وكسوته وما يصلحه بالمعروف بقدر المال إذا شخص في المال، إذا كان المال يحمل ذلك، فإن كان مقيما في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة»، انتهى، وعلل عدم جواز أن يقارض الرجل غيره بدين عليه فقال: «وإنما ذلك مخافة أن يكون أعسر بماله فهو يريد أن يؤخر ذلك على أن يزيده فيه»، انتهى، فهذا إنما منع لسد الذريعة إلى ربا الجاهلية، وقال في شأن رأس مال القراض: «لا يصلح القراض إلا بالعين من الذهب أو الورق ولا يكون في شيء من العروض أو السلع،،،»، وقال عن وجه منع القراض بالعروض: «لأن المقارضة في العروض إنما تكون على أحد وجهين: إما أن يقول له صاحب العرض خذ هذا العرض فبعه فما خرج من ثمنه فاشتر به وبع على وجه القراض، فقد اشترط صاحب المال فضلا لنفسه، من بيع سلعته وما يكفيه من مؤونتها، أو يقول: اشتر بهذه السلعة وبع، فإذا فرغت فابتع لي مثل عرضي الذي دفعت إليك، فإن فضل شيء فهو بيني وبينك، ولعل
[ ٣ / ٤٩٨ ]
صاحب العرض أن يدفعه إلى العامل في زمن هو فيه نافق كثير الثمن، ثم يرده العامل حين يرده وقد رخص، فيشتريه بثلث ثمنه أو أقل من ذلك،،،»، ثم ذكر الاحتمال الآخر وهو غلاء العرض، ثم قال: «فهذا غرر لا يصلح،،،»، انتهى، وبَيَّنَ امتناع تحديد الأجل في القراض بقوله: «لا يجوز للذي يأخذ المال قراضا أن يشترط أن يعمل فيه سنين لا ينزع منه، ولا يصح لصاحب المال أن يشترط أنك لا ترده إلى سنين لأجل يسميانه، لأن القراض لا يكون على أجل،،،» انتهى، وبعد أن بين عدم جواز شرط ضمان رأس المال قال: «وإن تلف المال لم أر على الذي أخذه ضمانا لأن شرط الضمان باطل»، انتهى.
[ ٣ / ٤٩٩ ]
لا يقتسم ربح القراض حتى ينض رأس المال
• قوله:
٩٣ - «ولا يقتسمان الربح حتى ينض رأس المال».
الناض من المال هو النقد من الذهب والفضة كما كان الأمر من قبل، وقد قامت العملات في هذا العصر مقامهما كيفما كانت، وإنما منع اقتسام الربح قبل حصول رأس المال لأن السلع الباقية قد لا تباع، وقد ترخص فلا يجتمع رأس المال، ومن ثم فلا يكون في حاصل بيع الجميع ربح، والمتفق عليه لزوم رد رأس المال متى لم يقع خسر في القراض، ولا يعرف ذلك إلا بعد بيع السلع كلها أو حصول رأس المال من بيع بعضها، وإذا لم يحصل ذلك فأين الربح الذي يُقتسَم؟، وإنما يمنع اقتسام الربح حتى ينض رأس المال إذا كانا قد اتفقا على استمرار القراض في باقي السلع، أما لو أرادا فسخه على أن يقتسما الناض والسلع بقيمتها بحسب ما لكل منهما فإن المانع من ذلك مفقود، والتراضي المشترط في التجارة موجود فيكون ذلك جائزا، والله أعلم.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
جواز المساقاة في الأصول
أنواع الاشتراك في الأرض
المساقاة مستثناة من أصول ممنوعة
• قوله:
٩٤ - «والمساقاة جائزة في الأصول على ما تراضيا عليه من الأجزاء».
الأرض إما أن يستغلها ربها بمفرده، أو يؤجرها، أو يكون العمل فيها مشاركة، وتأجيرها إنما يكون فيما إذا كانت بيضاء، أعني غير مغروسة، أما تأجير المغروسة فالجمهور على المنع منه، لأن فيه بيع الثمرة قبل وجودها، وقد نهينا عن ذلك، والاشتراك في عمل الأرض أنواع ثلاثة: مغارسة ومزارعة ومساقاة، والأخيرة مفاعلة على غير بابها من السقي لأنه معظم العمل المراد من عقدها بحسب الأصل، وقد ذكرها المؤلف عقب القراض لأن في كل منهما الإجارة بجزء مجهول، وعلى هذا الترتيب جرى في الموطإ، لكنهما شرعا للارتفاق وحاجة الناس إلى التعاون على مصالحهم التي لا يستقل بها الواحد منهم، قال في الصحاح: «والمساقاة أن يستعمل رجل رجلا في نخيل أو كروم ليقوم بإصلاحها على أن يكون له سهم معلوم مما تغله»، انتهى.
وهي عند أهل المذهب مستثناة من المخابرة التي هي عندهم كراء الأرض بما يخرج منها في بعض صورها، ومستثناة من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، بل قبل وجودها، ومن الإجارة بالمجهول، والمعول عليه قيام الدليل على جوازها وهو ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع»، والشطر النصف كما جاء مفسرا في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أعطى خيبر أهلها على النصف نخلها وأرضها»، رواه أحمد وابن ماجة (٢٤٦٨)، والمراد بالأرض الزرع كما في الذي قبله، وفي سنن ابن ماجة (٢٤٦٣) عن طاوس أن معاذ بن جبل أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان على الثلث والربع فهو يعمل به إلى يومك هذا»، وفي الموطإ (١٣٨٧) عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال ليهود خيبر يوم الفتح: «أقركم فيها ما أقركم الله ﷿ على أن الثمر بيننا وبينكم».
[ ٣ / ٥٠١ ]
أركان المساقاة
وللمساقاة أربعة أركان هي:
الأول: العاقدان، ويشترط فيهما أهلية الإجارة وقد تقدم ذكرها.
والثاني: ما تنعقد به وهو لفظ المساقاة عند ابن القاسم لا لفظ المعاملة ونحوها حتى لا تلتبس بمعاملة أخرى كالإجارة على خدمة الأرض، ومشهور المذهب انعقادها بغير ذلك اللفظ، والمدار على ما يعلم به المراد من العقد من غير لبس كما سبق، ومنه عُرْفُ الناسِ.
والثالث: ما تكون فيه المساقاة وهي الأصول الثابتة التي تجنى ثمارها ويبقى أصلها كالنخل وشجر العنب وهو ما أشار إليه المؤلف بقوله: «في الأصول»، والناس في هذا بين مضيق وموسع، فمنهم من قصرها على النخل وهو محل الرخصة كما تقدم، ومنهم من أضاف العنب لمشاركته النخل في الزكاة، ومنهم من وسع فشملت عنده كل ما له أصل وثمرة كما ذكره المؤلف، والمذهب أن قيد الأصول ليس مانعا من المساقاة على غير الأصول كالبصل والجزر واللفت والبطاطا، ولهذا القول متمسك في ذكر الزرع في حديث ابن عمر المتقدم، وقيدوه بشرط عجز صاحب الأرض عن العمل، وخوفه على حرثه الضياعَ بترك السقي ونحوه مما يلزم، وأن يبرز من الأرض، قال مالك في الموطإ: «السنة في المساقاة عندنا أنها تكون في أصل كل نخل أو كرم أو زيتون أو رمان أو فرسك،،،»، وقال: «والمساقاة أيضا تجوز في الزرع إذا خرج واستقل فعجز صاحبه عن سقيه وعمله وعلاجه»، انتهى، ومما اشترطوه أن تكون المساقاة قبل طيب الثمر وَأَوَانِ جواز بيع الحرث، إذ لا داعي حينئذ للمساقاة، قال مالك: «لا تحل المساقاة في شيء من الأصول مما تحل فيه المساقاة إذا كان فيه ثمر قد طاب وبدا صلاحه وحل بيعه،،، إلى أن قال: وإنما مساقاة ما حل بيعه من الثمار إجارة»، انتهى، يقصد أنها إن وقعت فهي فاسدة تحول إلى الإجارة، ومن ذلك أن تكون المساقاة إلى أجل معلوم وأقله وقت جذاذ ما انعقدت عليه، فإن تكررت غلات النبات وانفصل بعضها عن بعض فلا يدخل ما عدا الأول إلا بالشرط، وإن لم ينفصل بعضها عن بعض شمل العقد الجميع، لكن لا تجوز المساقاة على ما عدا الأول استقلالا، ولا يحتج على عدم اشتراط الأجل بما سبق في مرسل سعيد بن المسيب الذي في الموطإ: «أقركم فيها ما أقركم الله ﷿»، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٤٠)
[ ٣ / ٥٠٢ ]
الاختلاف فيما تجوز فيه المساقاة
مبينا وجه عدم الاحتجاج به على ما ذكر: «كان يكره أن يكون في أرض العرب غير المسلمين، وكان يحب أن لا يكون فيها دينان كنحو محبته في استقبال الكعبة حتى نزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤]، وكان لا يتقدم في شيء إلا بوحي، وكان يرجو أن يحقق الله رغبته في إبعاد اليهود عن جواره، فذكر ليهود خيبر ما ذكر منتظرا للقضاء فيهم فلم يوح إليه في ذلك شيء حتى حضرته الوفاة فأتاه الوحي في ذلك فقال: «لا يَبْقَيَنَّ دينان بأرض العرب»، وأوصى بذلك، انتهى.
والرابع: الجزء المشترط للعامل وهو ما عناه المؤلف بقوله «على ما تراضيا عليه من الأجزاء»، وينبغي أن يكون جزءا شائعا كالثلث والربع والنصف، والمحترز منه تعيين مقدار معين ككيل معلوم استقلالا أو مع الجزء المشاع، أو عدم ذكر شيء فيكون مجهولا، وخامس الأركان هو العمل وقد قال عنه المؤلف:
[ ٣ / ٥٠٣ ]
• قوله:
٩٥ - «والعمل كله على المُسَاقَى».
يعني أن العمل كله يجب أن يكون على المُسَاقَى بفتح القاف الذي هو العامل، قال ابن حزم في المحلى (٨/ ٢١٧): «في اشتراط النبي ﷺ على أهل خيبر أن يعملوها بأموالهم بيان أن البذر والنفقة كلها على العامل، ولا يجوز أن يشترط شيء من ذلك على صاحب الأرض،،،»، انتهى، ودليل ذلك ما في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم، ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها»، رواه مسلم، وهكذا صنع الأنصار مع المهاجرين يعطونهم أنصاف ثمارهم في كل عام على أن يكفوهم المؤونة والعمل»، وهو في الصحيحين عن أنس، وعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ: «اقسم بيننا وبين إخواننا النخل»، قال: لا، فقالوا: «تكفونا العمل ونشرككم في الثمرة»، فقالوا: «سمعنا وأطعنا»، رواه البخاري، قلت في الاستدلال بهذا على كون العمل كله على المُسَاقَى نظر، وما فعله النبي ﷺ مع يهود خيبر وإن كان يفيد أنه شرط عليهم ذلك، بيد أنه لا يفيد أن ذلك شرط لازم في كل مساقاة، ولو كان كل ما تضمنه عقده مع يهود خيبر لازما لكان ينبغي لزوم أن لا تعطى الأرض إلا بالنصف كما فعل، وكلام ابن حزم في الجواب عن هذا ليس بالمقنع، وليت شعري ما الفرق بين أن يخالف ما تضمنته معاملة النبي ﷺ لمن ساقاهم في مقدار ما يعطى لهم، وبين مخالفتها فيما على العامل أن يقوم به، لا سيما مع اختلاف لوازم خدمة الأرض والشجر وكثرة مئونة ذلك وقلته باختلاف الأوقات والمواقع، ولو أعطي العامل ربع الناتج وجعلت بعض المؤونة على رب الأرض فقد لا يختلف ذلك فيما لو أعطي العامل النصف، وجعل عليه العمل كله كما هو الأصل، وقد ألمح مالك ﵀ إلى شيء من هذا وهو يتكلم على المنع من إخراج الرقيق الموجودين حين العقد من الأرض فقال منظرا: «وإنما ذلك بمنزلة المساقاة
[ ٣ / ٥٠٤ ]
في العين والنضح ولن تجد أحدا يساقي في أرضين سواء في الأصل والمنفعة إحداهما بعين واثنة غزيرة والأخرى ينضح على شيء واحد لخفة مئونة العين وشدة مئونة النضح»، انتهى، والواثنة هي الدائمة.
ومراده أن المُسَاقَى لا يقبل أن يساقي على النصف مثلا في أرض يحتاج في سقيها إلى استخراج الماء من البئر أو جلبه بوسائل النقل كما يساقي بذلك الجزء على أرض تسقى من غير كبير مئونة، ومهما يكن فالظاهر أنه إن تبرع بشيء بعد العقد على جعل العمل كله على المُسَاقَى فلا مانع كما تقدم في الشركة، والممنوع عندهم أن يكون ذلك شرطا، وقالوا إن الذي على العامل هو ما تفتقر إليه الثمرة من السقي والإبار والتنقية والجذاذ وإحضار الآلات والأدوات، لأن العوض عما يأخذه هو العمل فينبغي أن يكون جميعه عليه.
وفي هذا نظر فإنه إن أخذ من فعل النبي ﷺ فإنه ليس فيه نهي عن غير تلك الصورة من المساقاة التي اتفق عليها مع يهود خيبر، وإن كان ذلك الشرط قد أخذ من الاقتصار على المنقول من تفاصيل الرخصة بحيث لا يتعدى، فقد تجاوزه أهل المذهب وغيرهم، لأنهم لم يقتصروا على المساقاة في الأصول، ولا اقتصروا في الجزء المعطى للعامل على النصف، وأصل العقود التراضي فإذا تراضيا على خلاف ما تقدم فإن على المانع الدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل، والذي يظهر أن الممنوع هو ما اتفق أهل العلم القائلون بالمساقاة على عدم مشروعيته، وهو أن لا ينفق العامل شيئا غير عمله قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٢٤٨): «واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز، لأنها إجارة بما لم يخلق»، انتهى، وقال خليل: «إنما تصح مساقاة شجر وإن بعلا، ذي ثمر لم يحل بيعه، ولم يخلف إلا تبعا، بجزء قل أو كثر شاع وعلم بساقيت»، وأشار إلى المساقاة على الزرع بقوله: «كزرع وقصب وبصل ومقثأة إن عجز ربه وخيف موته وبرز ولم يبد صلاحه».
[ ٣ / ٥٠٥ ]
لا يشترط على المساقي عمل خارج عن المساقاة
• قوله:
٩٦ - «ولا يشترط عليه عملا غير عمل المساقاة».
ما يمكن أن يقوم به العامل أقسام ثلاثة أحدها هو اللازم له سواء اشترطه عليه رب الأرض أولا، والثاني ما يلزمه بالشرط، والثالث هو ما لا يجوز اشتراطه وهو الخارج عن المساقاة، كأن يشترط المساقي على العامل رعي غنم له، أو نقل متاع، أو بناء مسكن، لأن العقود بعضها مستقل عن بعض، فلو اشترط عليه شيئا من ذلك كان فيه نقص في الجزء الشائع الذي جعله له نظير العمل، فيؤدي إلى جهالة في العوض، تنضاف إلى ما تقدم من الغرر والجهالة الناشئة عن كون هذا العقد مستثنى من ممنوع فيعظم الخطر.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
لا يلزم المساقي بإنشاء تجهير في الحقل وعليه إصلاح ما فسد مما خف
• قوله:
٩٧ - «ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من شد الحظيرة وإصلاح الضفيرة وهي مجتمع الماء من غير أن ينشئ بناءها».
الحظيرة هي الحائط المحيط بالبستان، والضفيرة بالضاد الموضع الذي يجتمع فيه الماء لأجل السقي منه، وأقول ما يلزم للقيام على إصلاح النبات والشجر والوفاء بسائر ما هو في حاجة إليه قسمان: الوسائل الدائمة التي لا تستهلك في المساقاة، كحفر البئر، وبناء أحواض الماء، ووسائل التخزين، وتسوير الحدائق، وإنشاء الحظائر، ونحو ذلك، فهذا وإن كانت له علاقة بالمساقاة فلا يجوز أن يشترط على العامل، لأنه مما يبقى في الأرض ويستمر نفعه لصاحبها بعد انتهاء أجل المساقاة، لكن ما تعلق بإصلاح الموجود من الوسائل مما لا بال له لخفة النفقة فيه يجوز اشتراطه كشد سور الحظيرة والحوض ونحو ذلك، والظاهر أنه إن دخله فساد خفيف بعد العقد فهو على العامل من غير شرط لتوقف العمل عليه، والقسم الثاني ما يتوقف إصلاح الثمرة عليه كأدوات الحرث والحصاد، وسائر الأعمال المرتبطة بذلك، فهذا لا حاجة إلى اشتراطه.
[ ٣ / ٥٠٧ ]
أمثلة عما يقوم به المساقي وجواز اشتراطه عليه
• قوله:
٩٨ - «والتذكير على العامل وتنقية مناقع الشجر وإصلاح مسقط الماء من الغرب وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل».
هذه بعض أفراد العام في قوله: «والعمل كله على المساقَى»، والتذكير هو التأبير والتلقيح وقد تقدم معناه، والمناقع جمع منقع بفتح القاف الموضع الذي يستنقع فيه الماء أي يجتمع، والمراد الحُفر التي تحيط بالشجر يفرغ فيها الماء لسقيه، والمسقط موضع سقوط الماء من الغرب الذي هو الدلو، ومثله غيره من أدوات السقي، فهذا ومثله مما له علاقة بإصلاح الثمر هو من صميم عمل العامل في المساقاة، فيدخل في عقدها من غير شرط، لأنه لا بد منه في إصلاح الثمرة والزرع وسقيه، ولو اختلف فيه لكان الحكم لصاحب الأرض فاشتراطه بذكره في عقد المساقاة هو من باب التوكيد، فلا مانع منه نظير تعاقد المسلمين على أن يأمرا بالمعروف وينهيا عن المنكر، أو اشتراط الرجل على من يريد التزوج بها أن لا تخرج إلا بإذنه، فلا يصح أن يفهم من كلام المؤلف أن ما ذكره هنا إن لم يشترط فلا يلزم العامل القيام به.
[ ٣ / ٥٠٨ ]
يبقى على التجهيزات التي في الحائط وعلى العامل الإنفاق عليها
• قوله:
٩٩ - «ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب، وما مات منها فعلى ربه خَلَفُهُ، ونفقة الدواب والأجراء على العامل».
وسائل العمل التي تكون وقت عقد المساقاة في الأرض لا يجوز التعاقد على إخراجها من العمل بحيث لا ينتفع بها العامل كالدواب التي يحرث عليها، ومنها الآن الجرارات التي للحرث والحاصدات والمحركات لاستخراج الماء والحراس والعمال، وما ضاع منها فعلى رب الأرض وحده خَلَفُهُ، لأنه لما كان عدم إخراجها شرطا في المساقاة لزم إحضار غيرها متى تلفت، ومن مات من الرقيق أو غاب أو مرض فعلى رب المال أن يخلفه».
أما العامل فعليه أجرة العاملين ونفقة الدواب ويقاس عليها الآن نفقات استهلاك الماء والكهرباء ووقود الآلات ونحوها، لأن ذلك من توابع عمله الذي تعاقد عليه كما مر في الأحاديث، وعلى صاحب الأصل أجرة ما كان في الحائط من العمال قبل العقد، قال مالك: «إن أحسن ما سمع في عمال الرقيق في المساقاة يشترطهم المساقي على صاحب الأصل إنه لا بأس بذلك، لأنهم عمال المال، فهم بمنزلة المال لا منفعة فيهم للداخل، إلا أنه تخف بهم عنه المؤونة، وإن لم يكونوا في المال اشتدت مؤونته،،»، وقال: «وإنما مساقاة المال على حاله الذي هو عليه».
[ ٣ / ٥٠٩ ]
يجوز أن يكون بذر البياض اليسير على العامل
• قوله:
١٠٠ - «وعليه زريعة البياض اليسير، ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل، وهو أحله، وإن كان البياض كثيرا لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل».
المراد بالبياض الأرض التي لا شجر فيها سواء أكانت مستقلة أم بين صفوف الأشجار، فهذه يجوز أن تدخل في عقد المساقاة، ويكون بذرها على نفقة العامل متى كان ثمن كراء البياض منفردا يُمثل ثلثَ قيمة الثمرة فأقل، وقاعدة الثلث معروفة عندهم، وقد استثني هذا مما سيأتي في شروط صحة المزارعة، وهو أن الأرض ينبغي أن تسلم من أن تقع في مقابل ما يخرج منها، وإنما جاز ذلك لأنه حصل تبعا ولم يقع استقلالا، وجعلوه على العامل لأن النبي ﷺ لم يرو عنه أنه دفع شيئا لأهل خيبر، وبيان ذلك أنهم إن زرعوا ذلك البياض فإن أخذ النصف المتفق عليه يشمله، أو يقال إن البياض مسكوت عنه، وهو إن زرع داخل في العقد ولم يثبت أن النبي ﷺ أعطاهم شيئا مقابل زراعته، وقول المصنف: «ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل، وهو أحله»، معناه أن ترك البياض للعامل يزرعه ويأخذ ما نتج منه خير من إدخاله في عقد المساقاة لما في ذلك من مخالفة الأصل المتقدم.
[ ٣ / ٥١٠ ]
الشركة في زرع الأرض البيضاء
• قوله:
١٠١ - «والشركة في الزرع جائزة».
هذه هي المزارعة وهي الاشتراك في زراعة الأرض البيضاء، وقد علمت قبل أن المساقاة تكون في الشجر وسائر الأصول، كما تكون في الزرع بعد ظهوره على ما تقدم من الشرط في ذلك، وإنما ذكرت هذا لاختلاف العلماء فيما تطلق عليه هذه الألفاظ: المزارعة والمساقاة والمغارسة وتأجير الأرض، فكن من هذا على ذكر حتى لا يلتبس عليك الأمر.
فإن قلت: قد روى مسلم (١٥٤٩) عن ثابت الضحاك أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة وقال: «لا بأس بها»، فالجواب: أن المراد بالمزارعة في الحديث هي مؤاجرة الأرض على غير وجه المشاركة الذي هو المراد هنا، وانظر شرح الأبي على صحيح مسلم (٥/ ٣٩٦)، والمزارعة على وجه المشاركة ليست ممنوعة متى كان العوض معلوما، فقد روى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي ﷺ لم يحرم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض»، وسيأتي لهذا مزيد بيان في كراء الأرض.
أما دليل جواز الشركة في الزرع فهو دليل جواز الشركة بإطلاق، وقد اختلف في لزوم عقدها، والذي يتجه أن يقال إنه غير لازم لما يترتب على ذلك من تعاظم الغرر، وقد اغتفر في الأصل للمصلحة، فإن تبين خلافها أمكن التراجع.
قال الأبي في شرحه لصحيح مسلم (٥/ ٤٠١): «لأن الأصل أنه متى كان العوضان أو أحدهما مجهولا فالعقد غير لازم، كالقراض والجعالة والمزارعة على أحد الأقوال، لأن اللزوم مع الجهالة غرر»، انتهى.
وقال خليل: «لِكُلٍّ فَسْخُ المزارعة إن لم يبذر»، انتهى، ولجوازها في المذهب شروط فالعاقدان يشترط فيهما أهلية الشركة والإجارة لكون المزارعة مركبة منهما، والثاني أن يقع العقد بلفظ الشركة، قالوا لكونها رخصة فلا يصح بلفظ الإجارة، والذي يظهر أن تعليل
[ ٣ / ٥١١ ]
عدم جواز العقد بغير لفظ الشركة سببه ما في غيره من الإبهام، فالإجارة العوض فيها مضمون، والمزارعة لا ضمان فيها، والثالث أن تسلم الأرض من أن تقع في مقابل ما يمتنع كراؤها به وهو الطعام ولو كان غير خارج من الأرض المشترك فيها، وكذلك ما تنتجه الأرض ولو لم يكن طعاما، والرابع أن يتساوى العاقدان في الربح على نسبة ما يلزم كلا منهما من العمل وقيمة الأرض والبذر، لأن سنة الشركة التساوي، قال خليل في بيان الأمرين المتقدمين: «وصحت إن سلما من كراء الأرض بممنوع، وتساويا إلا لتبرع بعد العقد»، انتهى، فمثلا إذا كان أحدهما مالكا للأرض أو مكتريا لها وكانت قيمة ذلك عشرة آلاف دينار وتولى الشريك العمل بخمسة آلاف دينار والآلات بخمسة آلاف دينار، وكان على كل منهما نصف البذر فإن الربح يكون بينهما مناصفة، وليس المقصود إلا أن يكون الربح بمقدار سهم المشاركة في المؤونة، والخامس خلط البذر إن كان منهما جميعا، والمقصود أن لا يختص كل منهما ببذره في ناحية لأن هذا يتعارض مع الاشتراك، وبناء على ما ذكر أورد الشيخ ﵀ ثماني صور من عقد الشركة في الزرع بالمنطوق والمفهوم أربعة جائزة وأربعة ممنوعة، ولا بأس بذكرها لما فيها من التدرب، وكتب الفقه لا تخلو من مثل هذا، فقال:
[ ٣ / ٥١٢ ]
ما يشترط في جواز الشركة في الزرع
• قوله:
١٠٢ - «إذا كانت الزريعة منهما جميعا، والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر، أو العمل بينهما واكتريا الأرض، أو كانت بينهما».
الزريعة بتخفيف الراء هي البذر، وقد ذكر هنا ثلاث صور جائزة هي:
١ - أن يشتركا في البذر، والأرض لأحدهما، والعمل على الآخر.
٢ - أن يكون العمل بينهما، والأرض لهما، والبذر بينهما.
٣ - أن تكون الأرض لهما والعمل والبذر عليهما.
[ ٣ / ٥١٣ ]
بعض الصور الجائزة والممنوعة في الشركة في الزرع
• قوله:
١٠٣ - «أما إن كان البذر من عند أحدهما ومن عند الآخر الأرض، والعمل عليه، أو عليهما، والربح بينهما لم يجز».
ذكر هنا الصور الثلاثة الممنوعة، وسبب المنع أن الأرض واقعة في مقابل ما يخرج منها، والصور هي:
١ - أن يكون على أحدهما البذر والعمل، وعلى الآخر الأرض.
٢ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض والعمل.
٣ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض، والعمل بينهما.
[ ٣ / ٥١٤ ]
جدول يبين تلك الصور
• قوله:
١٠٤ - «ولو كانا اكتريا الأرض والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك».
هذه رابعة الصور الجائزة وهي ما إذا كانا يملكان الأرض أو منفعتها، أو هي لواحد منهما ملكا أو كراء، وأعطاه الآخر ما يقابل كراء سهمه في الشركة، وكان البذر على أحدهما، والعمل على الآخر، وساوت قيمة البذر العمل أو قاربت مساواته.
وقد أشار إلى الصورة الرابعة الممنوعة بالمفهوم في قوله «إذا تقاربت قيمة ذلك»، فمفهومه أن الصورة السابقة تمنع متى تفاوتت قيمة البذر والعمل تفاوتا كثيرا، وهذا جدول فيه بيان تلك الصور:
الصور الجائزة والممنوعة في عقد شركة الزرع
الأرض البذر العمل الحكم على الأول عليهما على الثاني جائز عليهما عليهما عليهما جائز لهما كراء عليهما على واحد جائز على الأول على الثاني على الثاني ممنوع على الأول على الثاني على الأول ممنوع على الأول على الثاني عليهما ممنوع عليهما على الأول على الثاني جائز (تقارب القيمة) عليهما على الأول على الثاني ممنوع (تباعد القيمة)
[ ٣ / ٥١٥ ]
حكم وقوع الأرض في مقابل البذر
تأجير الأرض لأجل زراعتها
ولا بد بعد هذا من الكلام على أمرين أولهما أن ما اشترطوه من التساوي في الربح بحسب ما على كل منهما من المؤونة اعتمادا على أن سنة الشركة التساوي، وإلا كان العقد باطلا، فهذا حق بحسب الأصل متى تشاحا، لكن مخالفته لا تمنع الصحة متى تراضيا على خلافه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]، ولقول النبي ﷺ: «إنما البيع عن تراض»، والثاني أن ما ذكر من المنع فيما إذا وقعت الأرض في مقابل البذر، قد جاء ما يدل على جوازه، أو لم تعلم أن النبي ﷺ عامل يهود خيبر ولم يكن يبعث لهم بالبذر، وممن قال بجواز ذلك الداودي، كان ﵀ يرى جواز كراء الأرض بما يخرج منها، وقريب منه قول الأصيلي ويحيى ابن يحيى الليثي، كما ذكره ابن ناجي وزروق في شرحيهما على الرسالة.
وقال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٤٥) وهو بصدد الأحكام التي تستفاد مما جرى في غزوة خيبر وما بعدها: «ومنها جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم ينسخ البتة، واستمر عمل الخلفاء الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين»، انتهى، وقال: «ومنها أنه دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم ولم يدفع إليهم البذر ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا، فدل على أن هَدْيَهُ عدم اشتراط كون البذر من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هديه ﷺ وهدي الخلفاء الراشدين من بعده، وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة رأس المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء، ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في المضاربة لاشترط عوده إلى صاحبه وهذا يفسد المزارعة»، انتهى، وقد علمت ما اعتمد عليه في جواز كون بذر الأرض البيضاء من العامل في المساقاة وهو كون النبي ﷺ لم ينقل عنه أنه أعطى لليهود زرعا، وذلك عند قول المؤلف «وعليه زريعة البياض»، فهذا حق، لكنهم حكموا فيه قاعدة الثلث، فكأنهم يقولون إن الأرض البيضاء التي عمل فيها يهود خيبر لم تصل إلى أكثر من ثلث قيمة الثمر، وهذا مجرد تخمين وظن وتخصيص النصوص بالرأي، والله أعلم.
[ ٣ / ٥١٦ ]
لا يقدم ثمن الإيجار إذا لم تكن الأرض مأمونة الري
بعض الأحاديث الواردة في كراء الأرض
• قوله:
١٠٥ - «ولا ينقد في كراء أرض غير مأمونة فبل أن تروى».
بيان ما ذكره المؤلف هنا أن الأرض إذا اكتريت للزراعة فإما أن تكون مأمونة الري أو لا، فإن كانت مأمونة الري جاز أن يؤخذ عوض تأجيرها قبل زرعها، وإن لم تكن مأمونة الري فلا يجوز تقديم عوض الإيجار على زرعها لأنها إن لم يمكن ريها لزم رد ثمن الإيجار، وإن أرويت فقد مضت الصفقة، فمنع تقديم مبلغ الإيجار للتردد بين كونه سلفا تارة وثمنا أخرى كما مر في بيع الخيار والبيع على الصفة وغيرهما.
وقد جاء من الأدلة ما أخذ منه بعض أهل العلم منع كراء الأرض الزراعية، وهي من المسائل التي اضطربت فيها أقوال أهل العلم اضطرابا كثيرا، فمنهم من منع كراء الأرض مطلقا، ومنهم من منع كراءها بالطعام أو بما يخرج منها، وهو المذهب، ومن أدلة المانعين قول النبي ﷺ: «من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى»، رواه أحمد وأبو داود والبيهقي عن رافع بن خديج، ومعنى قوله «ليزرعها أخاه» أي لبمنحها له كما في حديث الشيخين وغيرهما عن جابر وأبي هريرة مرفوعا: «من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه»، ومن ذلك ما رواه مسلم عن سالم بن عبد الله قال: لقي عبد الله ابن عمر رافع بن خديج فسأله فقال: سمعت عَمَيَّ- وكانا قد شهدا بدرا - يحدثان أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض»، وفي الحديث أن ابن عمر ترك كراء الأرض.
وجاء أيضا ما يدل على جواز كرائها، فمن ذلك ما رواه مسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة، قال: لا بأس به، إنما كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يؤاجرون على الماذيانات وأَقبال الجداول وأشياء من
[ ٣ / ٥١٧ ]
شروط جواز كراء الأرض
الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا،، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به»، وهو في الموطإ (١٣٨٩) مختصرا عن رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء المزارع، قال حنظلة فسألت رافع بن خديج بالذهب والوَرِق؟، فقال: أما بالذهب والوَرِق فلا بأس به»، وجاء هذا في الموطإ من قول سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، قال ابن شهاب: فقلت له: أرأيت الحديث الذي يذكر عن رافع بن خديج؟، فقال: أكثر رافع، ولو كان لي مزرعة أكريتها»، انتهى، فسالم لم يعلم بما ذهب إليه رافع من استثناء كراء الأرض بالذهب والفضة، وقد تقدم أنه روى عنه المنع مطلقا، فهذا إذا جمع بينه وبين حديث رافع الذي فيه النهي مطلقا كان القانون الأصولي قاضيا بحمل المطلق على المقيد فيجوزكراء الأرض بالذهب والفضة وهكذا كراؤها بشيء معلوم من العروض، لكن المذهب عدم جواز ذلك بالطعام مطلقا، أما كراؤها بما يخرج منها فممنوع لما فيه من الغرر، وإنما يجوز من ذلك المساقاة والمزارعة وهي رخصة كما سبق، أما الأحاديث التي لا يتأتى فيها هذا الجمع فإن ثبوت الإذن في إجارة الأرض يقضي بلزوم صرف النهي عن دلالته الأصلية التي هي التحريم إلى الكراهة، وقد بين ذلك العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار (٥/ ٧ - ١٨)، فانظره.
فإجارة الأرض للزراعة جائزة بشرط أن لا تكون مزروعة ولا مغروسة، وأن لا تؤجر بطعام كان مما يخرج منها أو لا، ولا بشيء يخرج منها طعاما كان أو غير طعام، وقد قال مالك يبين وجه الفرق بين المساقاة وتأجير الأرض: «وإنما فرق بين المساقاة في النخل والأرض البيضاء أن صاحب النخل لا يقدر أن يبيع ثمرها حتى يبدو صلاحه، وصاحب الأرض يكريها وهي أرض بيضاء لا شيء فيها»، انتهى.
وجمهور أهل العلم على أن كراء الأرض لا يصح متى كانت مغروسة لأنه في معنى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقد جاء النهي عنه، بل فيه بيعها قبل وجودها، لأنه لا بد أن يكون لها حصة في مبلغ الأجرة، وقد جاء النهي عن بيع السنين، وهذا يشبهه، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن بيع ثمر النخل سنين لا يجوز، وبين أنه إن أكراه أرضا مغروسة فهذا كأنه باعه الثمر، ومع هذا قال الإمام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٩/ ٥٥) بعد
[ ٣ / ٥١٨ ]
أن ذكر قولين للعلماء في كراء الأرض المغروسة أولهما: المنع مطلقا، والثاني: جواز ذلك فيما إذا كان الشجر قليلا لأنه تبع، وهو مذهب مالك، قال: «والقول الثالث أنه يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر، ودخول الشجر في الإجارة مطلقا،،، وهذا القول كالإجماع من السلف، وإن كان المشهور عن الأئمة المتبوعين خلافه،،،»، انتهى بتصرف، وقد ذكر بعد هذا آثارا تدل على ما قاله، كما ذكر ما أجاب به من ذهب إلى المنع من التخريج له، وانظر ص (٤٧٨) منه، فإنه من الأهمية بمكان، والله المستعان.
[ ٣ / ٥١٩ ]
تعريف الجوائح
وضع الجوائح متى زادت على الثلث
• قوله:
١٠٦ - «ومن ابتاع ثمرة في رؤوس الشجر فأجيح ببرد أو جراد أو جليد أو غيره، فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن وما نقص عن الثلث فمن المبتاع».
الجوائح جمع جائحة، وهي ما يصيب الثمر والزرع مما لا يستطاع دفعه كالبرد والحر الشديد والريح العاصف والجراد والجيش ونحو ذلك، واختلف في السارق هل يدخل في الجائحة؟، واعتمد من لم يدخله على أنه يمكن الاحتراز منه ولقول النبي ﷺ: «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك»، رواه الشيخان (م/ ١٥٥٥) عن أنس، ووجه الدلالة أن منع الثمرة يشبه اجتياحها بعد وجودها بنازل سماوي، والسرقة ليست كذلك، وروى أبو داود عن عطاء قال: «الجوائح كل ظاهر مفسد من مطر أو برد أو جراد أو ريح أو حريق»، وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي عن جابر «أن النبي وضع الجوائح»، وأقوى منه في الدلالة ما جاء عند مسلم وهو أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح»، وأقوى مما تقدم أن رسول الله ﷺ قال: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق»؟، رواه مسلم وأبو داود (٣٤٧٦) وابن ماجة
وقد حد ابن عرفة الجوائح بقوله: «ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعه»، انتهى، وقيد «بعد بيعه» لأنه هو الذي يبحث في الفقه باعتبار أنه سبب في الوضع عن المشتري، فما أصاب الثمرة من الجوائح بعد بيعها والحال أن صلاحها قد بدا، ولم يحن وقت جذاذها، أو بيعت قبل ذلك بشرط الجذاذ، فإما أن يكون ما ضاع دون الثلث أو الثلث فما فوقه، فإن كان دون الثلث فلا يوضع شيء عن المبتاع، لأنه قد دخل على ضياع شيء منها بتلفه بريح أو سقوطه أو أكل الطير أو غيره، وإن كان الضائع الثلث فما زاد وضع عنه بمقدار المكيلة لا القيمة، ولم يرد في الحد بالثلث شيء من المرفوع يعتد
[ ٣ / ٥٢٠ ]
أمثلة عن الجوائح المعتبرة
به، وقد روى أبو داود عن يحي بن سعيد قوله: «لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال، وذلك في سنة المسلمين»، وقد اعتمد أهل المذهب الثلث في مسائل عدة واستأنسوا بقول النبي ﷺ: «الثلث والثلث كثير»، قال في الموطإ: «والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة»، انتهى، وهو منحى ضعيف في الاستدلال كما قال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد.
[ ٣ / ٥٢١ ]
عدم اعتبار جوائح الزرع ووجهه
• قوله:
١٠٧ - «ولا جائحة في الزرع ولا فيما اشتري بعد أن يبس من الثمار».
إنما لم تعتبر الجائحة في الزرع لأنه لا يباع إلا بعد اليبس، فتأخيره بعد بيعه محض تفريط من المشتري، فلا يوضع عنه شيء، ومثل ذلك ما اشتري من الثمار بعد بدو الصلاح متى جذ في أيامه هكذا قالوا، وهو تعليل لا يتجه دائما للتفريق بين ما يوضع وما لا يوضع.
[ ٣ / ٥٢٢ ]
وضع جوائح البقول وإن قلت ووجه ذلك
• قوله:
١٠٨ - «وتوضع جائحة البقول وإن قلت، وقيل لا يوضع إلا قدر الثلث».
البقول هي النبات الذي لا تطول مدة بقائه في الأرض كالجزر والبصل والخس والسلق، فهذه ونحوها اختلف فيها، فقيل لا يحد ما يوضع منها بالثلث، إلا أن يكون المجاح قليلا جدا، وقيل هي كغيرها في الوضع، بالقياس على الثمار وهي إنما يوضع فيها الثلث، وقد نقل هذا عن مالك علي بن زياد وابن أشرس، وعللوا الأول بأنها تجتنى شيئا فشيئا فيعسر معرفة ثلثها، وعلل ذلك بعضهم بأن غالب الجائحة في البقول من العطش، وقد نقل ابن رشد الاتفاق على وضع الجائحة متى كان هو سببها، بل نقل عن مالك أن الجائحة بسبب العطش يوضع قليلها وكثيرها، جاء ذلك عنه في الواضحة كما في المنتقى (٤/ ٢٣٣)، لكن الغالب الذي عللوا به إنما يصدق على ما كان من البقول تحت التراب كالبطاطا واللفت والجزر، أما ما كان ظاهرا كالباذنجان والفلفل ونحوهما فلا تقتصر الجائحة فيها على العطش، وحتى الأول فقد يجاح بغير العطش.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
الترخيص في شراء العرية بشروط
• قوله:
١٠٩ - «ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بِخِرْصِهَا تمرا يعطيه ذلك عند الجذاذ، إن كان فيها خمسة أوسق فأقل، ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض».
روى مالك ومن طريقه البخاري ومسلم عن زيد بن ثابت «أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها»، وعن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع التمر بالتمر، ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبا»، وإنما قال نهى عن بيع التمر بالتمر لأن التفاضل ممنوع، والتجارة إنما تراد للربح، وروى مالك عن أبي هريرة مرفوعا أن رسول الله ﷺ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق»، يشك داود»، وداود هو ابن الحصين شيخ مالك في الحديث، وقد رواه صاحبا الصحيح من طريق مالك أيضا.
وهذا الباب يعرف بباب العرايا، وإنما أخر الكلام عليه لأنه مركب من كون الشخص يعطي، ثم يشتري عطيته ممن أعطاه إياها للمصلحة، يقال عروته أعروه إذا طلبت معروفه، فالعرية فعيلة بمعنى مفعولة، أي معروة، والمراد هنا أن يمنح المرء ثمر نخلة أونخلات إلى غيره العام والعامين، ثم يشتريها منه لما قد يكون للمعرى من المصلحة في أخذ العوض، وللمعري من دفع الحرج الحاصل من دخول الممنوح حائطه، فالقصد من الحديث عنها ليس لمجرد كونها عطية، فإن موضعه في باب الهبة، بل لبيان شروط بيعها، وكونها مستثناة من أصل ممنوع، وهو بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، والمثلية لا تتحقق في بيع الرطب منه باليابس، فيكون من المزابنة المنهي عنها، لأن الجهل بالتساوي كتحقق التفاضل، وقول المؤلف بِخِرْصِهَا هو بكسر الخاء أي بقدر كيلها، أما الخَرْصُ بفتح الخاء فهو اسم للفعل.
[ ٣ / ٥٢٤ ]
قال مالك: «وإنما تباع العرايا بِخِرْصِهَا من التمر يتحرى ذلك ويخرص في رؤوس النخل وإنما أرخص فيه لأنه أنزل منزلة التولية والإقالة والشرك، ولو كان بمنزلة البيوع ما أشرك أحد أحدا في طعامه حتى يستوفيه، ولا أقاله منه، ولا ولاه أحدا حتى يقبضه المبتاع»، انتهى.
وقد ذكر أبو الحسن لجواز بيع العرايا شروطا تسعة أذكرها هنا مع تعقب ما يحتاج إلى تعقب: أن تكون بلفظ العرية، لا بلفظ العطية والهبة والمنحة.
فإن قلت: لا عبرة باللفظ حيث تبين المعنى، فالجواب: أن العرية عند ابن القاسم أن يعطيه الثمرة على وجه مخصوص، بحيث يكون على المعرى ما يلزمها إلى وقت بدو صلاحها، ولفظ الهبة ونحوها لا يقتضي هذا، بل هو ظاهر في خلافه، وعليه إذا تعارف الناس على تحمل المعرى مؤونة ذلك جازت بغير لفظ العرية عند من لا يجيزها بغيره إذ إن التزام اللفظ في مثل هذا غير متعبد به.
أن يكون المشتري هو صاحب الحائط، وقد أخذ هذا مما في الحديث أعني قول الراوي «يأكلها أهلها رُطبا»، ولأن بيعها لغير أهلها لا يحقق الحكمة التي شرعت من أجلها، بل ربما ازداد به الضرر.
أن لا يبيعها حتى يبدو صلاحها، وقد أشار إلى ذلك المؤلف بقوله إذا أزهت»، ويؤخذ هذا الشرط من النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لكن هذا الشرط المراد منه بيان وقت جواز البيع فينبغي أن يراعى في ذلك ما جاء في الشرط الموالي، وهو:
أن لا يعطى العوض إلا يوم الجذاذ، إما لأنه قد لا يجذها لجائحة تصيبها، أو ليسلم من النسيئة في بيع الربويات، فلا يجتمع في البيع ما يمكن تلافي بعضه من المخالفات.
أن يكون المشترى جملتها لا بعضها حيث كانت الجملة داخل المقدار المرخص بشرائه كما سيذكر.
أن يبيعها بخرصها بأن يقال: كم في هذه النخلة من وسق؟، فيقال: ثمانية أوسق، فيقال: كم ينقص الرطب إذا جف؟، فيقال: تصير الثمانية خمسة، فيعطيه خمسة أوسق تمرا يوم الجذاذ.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
أن لا يتجاوز المبيع خمسة أوسق، وفيه روايتان عن الإمام على وفق ما في الحديث من شك الراوي، والمشهور قصر المبيع على خمسة أوسق فما دونها، وهذا اتباع لما وجد عليه العمل، ولأن الخمسة أول مقادير المال الذي يجب فيه الزكاة من هذا الجنس، فقُصر الرفق على شرائها، فما زاد خرج إلى المال الكثير،،،»، قاله الزرقاني في شرحه على الموطإ (٣/ ٢٦٣)، والظاهر الأخذ بالأدنى للاحتياط، وذهب الباجي إلى اعتماد ما فيه التحديد لعسر ضبط ما دون الخمسة فإنه مشترك كذا علل في المنتقى (٤/ ٢٣٠)، فإن زاد عن خمسة أوسق فكما قال المؤلف: ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض»، يريد أنه يجوز بيع العرية إذا تجاوز خرصها القدر المرخص فيه بالنقود أو بالعروض على الأصل، وإنما يشترط أن لا تباع حتى يبدو صلاحها، لكنهم قالوا لا يصح أن يجمع في ثمن العرية بين التمر وغيره، كأن يقول أشتري من العرية خمسة أوسق بخرصها تمرا، وما زاد أشتريه بعرض أو نقد.
أن يكون العوضان من نوع واحد وهو المشار إليه بقوله بخرصها تمرا»، حتى لا يعظم الغرر.
أن يكون الثمن في ذمة المعري لا في حائط معين، والله أعلم.
تمّ الجزء الثاني
ويليه الجزء الثالث
[ ٣ / ٥٢٦ ]