الأَقضِية بفتح الهمزة جمع قضاء، كَقَباء وأقبية، ومثله قضايا جمع قضية، ومن معاني القضاء قي اللغة الحكم، والمقصود هنا الإخبار عن حكم شرعي على وجه الإلزام، والفرق بينه وبين الفتوى أنها لا إلزام معها، وعطف الشهادات على الأقضية لأنها أهم ما يعتمد عليه في القضاء، لأن المقصود من الباب بيان ما يستند إليه في إصدار الحكم.
والشهادات جمع شهادة، من شهد بمعنى حضر وأخبر وأعلم، والثاني والثالث هما الصالحان هنا، قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع والمشاهدة المعاينة مأخوذة من الشهود، أي الحضور، ولأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل مأخوذ من الإعلام».
والفرق بين الشهادة وبين الرواية أن الشهادة إخبار يختص بمعين، والرواية إخبار لا يختص معين، وهي فرض كفاية متى كان المرء في موضع يصلح غيره لها تحملا وأداء، وإلا كانت فرض عين يأثم الممتنع منها، ويجبره الحاكم عليها بالضرب والسجن لما في الامتناع من ضياع الحقوق، وقد نهى الله تعالى الشهداء أن يمتنعوا من أداء الشهادة متى دُعُوا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قيل إن النهي عن الامتناع من تحمل الشهادة، وقيل إنه في الأداء لأن قوله الشهداء يدل على أنهم قد تحملوا، وهو الأقوى، وهو قول الجمهور، قال ابن كثير: «والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإن دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهي فرض كفاية»، انتهى، ومع ذلك فليس يبعد ما قاله أهل المذهب من كونها فرض عين في التحمل عند عدم وجود من تثبت به الحقوق، لأن الحفاظ عليها واجب، والله أعلم.
والمباحث الأصيلة في هذا الباب أن يذكر فيه ما يدل على حكم القضاء وهو أنه من فروض الكفاية، وفضل القائم فيه بالحق، وخطورته، وما ينبغي أن يكون عليه القاضي من الصفات من العدل والتسوية بين الخصوم، وما يعتمد عليه في القضاء من الشهادة والإقرار واليمين والنكول.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
خطورة تولي منصب القضاء
الذي يجوز له تولي القضاء
حديث القضاة ثلاثة ومعناه
أما الفقهاء فقد يذكرون أمورا من أبواب المعاملات كالنكاح والطلاق والبيع والوكالة وغيرها على وجه التطبيق أو لكونها مختلفة فيما تثبت به، وقد أدخل المؤلف في الباب الحديث عن الصلح والفلس والقسمة وهي أمور لم يترجم لها، فاستدركها هنا.
قال ابن رشد في بداية المجتهد (٢/ ٤٥٩): «وأصول هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب، أحدها: في معرفة من يجوز قضاؤه، والثاني: في معرفة ما يقضى به، والثالث: في معرفة ما يقضى فيه، والرابع: في معرفة من يقضى عليه أو له، والخامس: في كيفية القضاء، والسادس: في وقت القضاء»، انتهى.
وخطر القضاء عظيم، ولذلك كان العلماء القادرون عليه يفرون منه خوفا من تبعاته وخطورته، وقد قال رسول الله ﷺ: «من جُعِلَ قاضيا بين الناس فقد ذُبِحَ بغير سكبن»، رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁، قال ابن الصلاح كما في عون المعبود: «ذُبح من حيث المعنى، لأنه بين عذاب الدنيا إن رشَد، وبين عذاب الآخرة إن فسَد»، انتهى، وقيل معناه أنه آيل إلى ذلك كما في قوله ﷺ: «أفطر الحاجم والمحجوم» على أحد أقوال من تأولوا الإفطار، وقال الخطابي في معالم السنن (٤/ ١٥٩): «معناه التحذير من طلب القضاء والحرص عليه، يقول من تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح، فليحذره وليتوقه، وقوله بغير سكين يحتمل وجهين أحدهما أن الذبح إنما يكون في ظاهر العرف بالسكين، فعدل به ﵇ عن غير ظاهر العرف وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها ليعلم أن الذي أراد بهذا القول إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون بدنه، والوجه الآخر أن الذبح الوجيء الذي يقع به إزهاق الروح وإراحة الذبيحة وخلاصها من طول الألم وشدته إنما يكون بالسكين، وإذا ذبح بغير السكبن كان ذبحه خنقا وتعذيبا فضرب المثل في ذلك ليكون أبلغ في الحذر والوقوع فيه»، انتهى.
وقال بعضهم في هذا المعنى:
ولما أن توليت القضايا … وفاض الجور من كفيك فيضا
ذبحت بغير سكين وإنا … لنرجو الذبح بالسكين أيضا
وقال ﵊: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رَجُلٌ عَلِمَ
[ ٤ / ٣٧١ ]
الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورَجُلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار»، رواه أصحاب السنن عن بريدة ﵁، والقاضي الذي في الجنة بالقيد الذي في الحديث لا وجود له في غالب دول المسلمين اليوم.
والذي يجوز قضاؤه هو المسلم الذكر الحر البالغ العاقل العدل، واختلف في اشتراط الاجتهاد، وهذا هو الأصل لو كان ذلك ممكنا، لكنه قد يتعذر مع كثرة المحاكم، فيمكن أن يقوم مقامه توحيد الأحكام في الجملة، وقد أبى ذلك بعض أهل العلم بحجة أنه طريق إلى الحكم بغير ما أنزل الله، والذي أعلمه أن من جملة أسباب الحكم بغير ما أنزل الله عدم وجود أحكام مقننة ميسورة في متناول القضاة فأعجبوا بما عليه الغربيون، والذي ينبغي هو وجود هيئة للقضاء فيها المجتهدون.
وقد اختلف في قضاء المرأة، والظاهر أن القضاء من الأمور العامة فيصدق عليه قول رسول الله ﷺ: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، رواه البخاري عن أبي بكرة، وترجم عليه النسائي بقوله: «النهي عن استعمال النساء في الحكم»، ومن العجب أن يرد بعض المحسوبين على العلم هذا الحديث بتضعيفه، وهو في صحيح البخاري، ثم بضرب الأمثال له، وهو أن بعض الدول تولت النساءُ الحكمَ فيهن كدولة اليهود وبريطانيا وجزيرة سرنديب وقادتهم إلى النصر، وكأن هذا القائل يرى الفلاح المنفي عن الناس الذين تتولى أمرهم امرأة في هذا النصر الذي زعمه، ورأى مالك ﵀ أن المصر الواحد لا يكون فيه إلا قاض واحد، وقد يقال إن هذا ناتج عن كونه يشترط فيه الاجتهاد، لأنه مع تعدد القضاة في المدينة الواحدة يحصل الاختلاف في الحكم الواحد فيؤدي إلى الاضطراب، والذي يصلح للدول في هذا العصر أن تتوحد الأحكام في أمهات المسائل وتقنن انطلاقا من الأدلة الشرعية لتكون مرجعا للقاضي مع ترك مجال للنظر في الأمور التي تقبل ذلك، وقد سهل هذا المنحى في هذا العصر كون كل العقوبات تقريبا هي السجن والغرامات على خلاف الشرع، وهي أمور يسهل بيان حد أعلى لها وحد أدنى يجتهد داخله القاضي، ولايعني هذا أني أوافق على عقوبة الناس بغير ماشرع الله.
[ ٤ / ٣٧٢ ]
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر
• قوله:
٠١ - «والبينة على المدعي واليمين على من أنكر».
هذه قطعة من حديث ابن عباس ﵄، رواه البيهقي عنه، ولفظه في السنن الكبرى: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنك»، وهو في الصحيحين بنحوه، وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه»، وإنما كان اليمين على المنكر لأن المدعي قد يكون من أهل الصدق والعدل، ومع ذلك لا يصدق فيما ادعاه وهو على خلاف الأصل في تصديق العدل، فجعل اليمين على المنكر، والحديث من قواعد القضاء العامة.
لكن تحديد المدعي والمدعى عليه قد لا يتيسر دائما، ولهذا قال سعيد ابن المسيب ﵀: «من عرف الفرق بين المدعي والمدعى عليه فقد عرف وجه القضاء»، انتهى، وقال ابن عرفة: «المدعي هو من عريت دعواه من مرجح غير شهادة، ومعناه أنه إذا كانت معه شهادة فهي بينته، والمدعى عليه من اقترنت دعواه به أي بالمرجح، وقد يقال: المدعي هو الذي يقول كان، والمنكر هو الذي يقول لم يكن، وقيل المدعي هو من لو سكت لما نوزع في سكوته، والمنكر هم الذي إذا سكت لم يترك على سكوته
قال في الاختيارات الفقهية: «ويجب أن يفرق بين فسق المدعى عليه وعدالته، فليس كل مدعى عليه يرضى منه باليمين، ولا كل مدع يطالب بالبينة، فإن المدعى به إذا كان كبيرة والمطلوب لا تعلم عدالته فمن استحل أن يقتل أو يسرق استحل أن يحلف لا سيما عند خوف القتل أو القطع»، انتهى.
قلت: قوله فمن استحل أن يقتل،،، الخ كيف يقال هذا والمدعى عليه لم يثبت بعد ما اتهم به، فكيف يجعل علة لما بعده؟.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
لا يمين على المدعى عليه حتى تثبت الخلطة أو تقوم التهمة
• قوله:
٠٢ - «ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظِّنَّةُ، كذلك قضى حكام أهل المدينة، وقد قال عمر بن العزيز: «تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور».
لما كان قوله ﷺ: «واليمين على من أنكر» عموم، بين أن اليمين لا تتوجه على كل منكر لم يقم المُدَّعِي عليه بينة على دعواه، بل المذهب أنه يشترط في ذلك المخالطة بين المتداعيين، أو التهمة، ومثال الأولى أن يكون داينه، أو تكرر ابتياعه منه، وتثبت الخلطة بشاهد، بل وبامرأة واحدة، وبإقرار المدعى عليه، ومثال الثانية أن يدعي على آخر أنه سرقه، أو غصبه ماله، والظنة بكسر الظاء المشالة هي التهمة، ووجه استثناء هذا من اشتراط الخلطة عندهم أن المدعى عليه فيهما متهم في نفسه، وألحقوا بذلك الحالَ التي يتعذر فيها إثبات الخلطة كالسفر، وأراد بقوله كذلك قضى حكام أهل المدينة»، تخصيص عموم الحديث بعمل أهل المدينة، وأكد ذلك بقول عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو أحد الخلفاء الصالحين بعد الخلفاء الأربعة الراشدين، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين، أي تحدث للناس أحكام مستنبطة بالاجتهاد مما ليس فيه نص، لتكون كفاء لما يحدثون من الفجور، ومن الفجور الكذب وهو الذي يهدي إليه أيضا، وشاهد هذا ما حكم به عمر بن الخطاب حين أمضى على الناس الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لكونهم تتايعوا فيه ووافقه الصحابة، وقد روى مالك عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقا نظر، فإن كان بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف الذي ادعي عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه»، انتهى، وذكر مالك أنه الأمر عندهم في المدينة.
قال ابن عبد البر في الكافي: «وفي الأصول أن من جاء بما لا يشبه ولا يمكن في
[ ٤ / ٣٧٤ ]
الأغلب كُذِّبَ ولم يقبل منه، ثم روى بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما أوتي يعقوب بقميص يوسف ولم ير فيه خرقا قال: «كذبتم لو أكله السبع لخرق قميصه»، وروى أيضا عن الشعبي قال: «كان في قميص يوسف ثلاث آيات: حين قُد قميصه من دبره، وحين أُلقيَ على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا بالدم عليه وليس فيه شق علم أنه كذب لأنه لو أكله السبع خرق قميصه»، انتهى
[ ٤ / ٣٧٥ ]
إذا نكل المدعى عليه لم يقض للمدعي بمجرد ذلك
• قوله:
٠٣ - «وإذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف فيما يدعي فيه معرفة».
يقال نكل عن الشيء ينكل إذا نكص عنه وجبن، والمراد أن امتناع المدعى عليه من الحلف لا يترتب عليه بمجرده الحكم للمدعي بما ادعاه، بل لا بد من حلفه عليه.
لكنهم جعلوا الدعوى نوعين: دعوى التحقيق، ودعوى التهمة، والأولى هي التي فيها كلام المؤلف، وينقلب اليمين فيها على المدعي متى نكل المدعى عليه، فيبين صفة الشيء وقدره قبل أن يحكم له به، وقد أشار المؤلف إلى هذا النوع بقوله «فيما يدعي فيه معرفة»، لأنه لا يجوز أن يدعي على أحد شيئا وهو غير عالم به، ومن ثم فلا ينتظر أن يحلف عليه وهو يعلم أنه كاذب، فإنه يمين غموس.
وقد نقل مالك في الموطإ الاتفاق على رد اليمين في هذا النوع حيث قال: «فهذا مما لا اختلاف فيه بين أحد من الناس، ولا ببلد من البلدان»، انتهى، قال الباجي في المنتقى معقبا (٥/ ٢٢١): «ليس مما لا اختلاف فيه، فإن أبا حنيفة وأكثر الكوفيين لا يرون رد اليمين على المدعي بنكول المدعى عليه»، انتهى، ثم تأول الباجي ما قاله مالك من الاتفاق على وجه فيه شيء
ويستأنس لرد اليمين بقول النبي ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الله بن سهل في حديث القسامة وقد تقدم: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم»؟، قالوا: «لم نحضر فكيف نحلف يا رسول الله»؟، قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينا»؟، قالوا: «ليسوا بمسلمين»؟.
والدعوى الثانية هي المسماة دعوى التهمة كأن يدعي أنه سرق ماله، وهذه لا تنقلب فيها اليمين على المدعي، بل يغرم المدعى عليه بمجرد نكوله على المشهور، وإنما لم يكن في هذه رد اليمين لأن الدعوى مجرد تهمة، فلا يكلف المدعي الحلف على ما لا علم
[ ٤ / ٣٧٦ ]
له به بخلاف الأخرى وهي دعوى التحقيق، والله أعلم.
قال زروق ﵀: «إذا حلف الطالب مع نكول المطلوب نزلت يمينه منزلة عدل، ونكول غريمه منزلة عدل، يثبت حقه في الأصل بما يشبه العدلين، والأصل في الحقوق أن لا تثبت إلا بشيئين: أولهما الشاهدان، ثم بالشاهد واليمين، أو المرأتين واليمين، أو الأصل واليمين، أو اليمين والنكول»، انتهى.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
الصيغة التي يحلف بها
تغليظ اليمين بالحال والزمان والمكان
• قوله:
٠٤ - «واليمين بالله الذي لا إله إلا هو ويحلف قائما، وعند منبر النبي ﷺ في ربع دينار فأكثر، وفي غير المدينة يحلف في ذلك في الجامع، وموضع يعظم منه».
هذا هو اللفظ الذي يحلف به ولو كان الحالف كتابيا على المشهور، ولا يعتبر مسلما بحلفه هذا، فيقول: والله الذي لا إله إلا هو إن لي عند فلان كذا دينارا أو درهما أو غير ذلك من العروض، ودليله ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال - يعني لرجل حلفه -: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيئ»، رواه أبو داود، لكنه ضعيف كما في الإرواء، فإن بلغ المحلوف عليه ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو قيمتهما من العروض غلظت عليه اليمين.
والتغليظ يكون بالحال والزمان والمكان واللفظ، وأصله قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾ [المائدة: ١٠٦]، ولا تغليظ في المذهب بالزمان، والغرض من التغليظ تخويف الحالف حتى لا يحلف إن لم يكن محقا، وذلك بشيئين: أولهما أن يحلف قائما، فلو حلف جالسا لم يجزه على المشهور، بناء على أن التغليظ واجب، فيعد إباؤه القيام نكولا، وقال ابن العربي: «والذي عندي أنه يحلف كما يحكم له بها، إن كان قائما فقائما، وإن كان جالسا فجالسا، إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك»، انتهى، وثاني ما تغلظ به اليمين أن يحلف في مسجد النبي ﷺ عند منبره، وقد تقدم الكلام على التغليظ به في أول باب الدماء والحدود أثناء الكلام على القسامة، وذكر هناك حديث جابر الذي رواه مالك وغيره.
أما التغليظ بالحلف على المصحف فلم يقل به أهل المذهب، قال ابن العربي:
[ ٤ / ٣٧٨ ]
زعم بعضهم أن من التغليظ المشروع أن يحلف عند قبر ولي
«وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة» انتهى، نقله عنه القرطبي في تفسيره، وإنما جعلوا الحد ربع دينار أو ثلاثة دراهم لأن ما دونهما تافه، فلا حاجة إلى القيام، ولا إلى الحلف عند المنبر لأن التغليظ يناسب ما كان الحلف من أجله.
وقد شرح الغماري عبارة المصنف على أنها هكذا «وعند قبر الرسول ﷺ»، بدل وعند منبر النبي ﷺ وهو إما تصحيف من بعض الجاهلين، وقد يكون تحريفا من القبوريين، ومن العجب أن يذكر أبو الحسن، وابن غنيم النفراوي في شرحيهما أن من جملة التغليظ أن يحلف عند مقام ولي، أو يحلف بالطلاق.
قلت: نقل ابن المنذر الإجماع على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف»، وفي دعوى الإجماع على المصحف شيء، وأشار النفراوي ﵀ إلى أن التحليف عند مقام الولي من جملة الأقضية التي تجد للناس بسبب ما أحدثوا من الفجور، مع أنه نص على أن الأقضية التي تحدث لا ينبغي أن تتضمن محرما، قال كاتبه: بل التحليف عند مقام الولي من أعظم الفجور، ويظهر أن الذي دعاهم إلى هذا هو كون بعض المسلمين يعظمون المقبورين ويخشون أن يرتكبوا قرب قبورهم المخالفات كما هو الواقع فكان هذا مدعاة لاعتبار الحلف عند قبورهم من التغليظ، وهذا ما لا يجوز قوله ولا العمل به، فإن فيه فتحا لباب الإشراك بالله تعالى، ومن الغريب أن يعامل المسلم الناكب عن الحق بما هو عليه من الباطل، فإن تحليفه عند القبر تقرير له على معتقده الذي قد يكون شركا، فكيف يعامل المسلم كما يعامل الكفار حيث يحلفون في الأمكنة التي يعظمونها كما سيأتي، والله المستعان.
[ ٤ / ٣٧٩ ]
الصيغة التي يحلف بها الكافر
• قوله:
٥ - «ويحلف الكافر بالله فقط حيث يعظم».
هذا مخالف لما سبق من أن الكتابي يحلف بالصيغة التي يحلف بها المسلم، وهو قول ثان في المسألة، ومنهم من فرق بين النصراني واليهودي، فجعل صيغة اليهودي كالمسلم، وقد جاء في حديث حابر بن عبد الله عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال ليهوديين: «أنشدتكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى ﵇ …»، وجاء أيضا من حديث البراء في قصة اليهودي الزاني، لكن فيه أنه دعا رجلا من علمائهم فقال: «أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى …»، أنشدك بالله أسألك به وأذكرك به.
والموضع الذي يعظمه النصراني هو الكنيسة واليهودي البيعة وبيت النار للمجوسي.
قلت: إن كان هذا الحكم أخذ بالقياس فلا اعتبار به للفارق فإن تعظيم المسلم لما بين الركن والمقام وللمنبر والمسجد والمصحف حق، وتعظيم الكافر لمتعبده باطل، ولأن في تحليفه هناك إقرارا له على ذلك التعظيم ولا يعترض على هذا بإقراره على دينه فيحتاج هذا القول إلى الدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٤ / ٣٨٠ ]
حكم وجود البينة بعد اليمين
• قوله:
٠٦ - «وإذا وجد الطالب بينة بعد يمين المطلوب لم يكن علم بها قضي له بها، وإن كان علم بها فلا تقبل منه، وقد قيل تقبل منه».
إذا توجهت اليمين على المدعى عليه وحلف فقد استوفى الحكم ما ينبغي فيه، فإن أتى المدعي بالبينة على دعواه فإما أن يكون عالما بها أَوْ لَا، فإن لم يكن عالما بها كأن نسي من كان شاهدا قُبِلَتْ وقُضِيَ له بها، لأن اليمين لم تقع موقعها، ولأنها لا تبرئ الذمة، وإنما تقطع الخصومة، ولا فرق بين أن تكون البينة حاضرة أو غائبة غيبة قريبة كالأسبوع، وإن كان عالما بها لم تقبل منه، لأن الشرع لم يجعل للحكم أمرين هما البينة واليمين، بل جعل أحدهما، كيف وقد صدر؟، ولأنه كالعابث بفعله هذا، وقد فرط في حقه، وقيل تقبل منه، وصححه ابن القصار وغيره، وشرط في القول الأول أن يكون تاركا للبينة بالتصريح أو بالإعراض، بخلاف ما إذا كانت حاضرة وتركها لأنه ظن أنها لا تنفعه فله القيام بعد علمه بصلاحيتها.
[ ٤ / ٣٨١ ]
القضاء بالشاهد واليمين في الأموال
• قوله:
٠٧ - «ويقضى بشاهد ويمين في الأموال».
اكتفى الشرع بالأيمان وحدها في اللعان والقسامة على ما تقدم، أما الشهادة فأقسام عدة، منها ما كان منها على الزنا واللواط، وهو أربعة شهداء، وما كان في الحدود والقصاص والنكاح والطلاق، وهو شاهدان، وقد تقدم هذان القسمان، وأشار هنا إلى النوع الثالث، وهو القضاء بالشاهد واليمين عند عدم وجود شاهدين، وذلك في الأموال بخاصة، وسيذكر شهادة النساء والصبيان.
ودليل القضاء بالشاهد واليمين حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة، وروى مالك في الموطإ (١٤٠٤) عن جعفر ابن محمد عن أبيه أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد»، وهو مرسل، وقد وصله غير مالك عن جابر، وأورد مالك عقبه أثرا عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله بالكوفة وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن اقض باليمين مع الشاهد، وذكر مثله بلاغا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار.
وحديث القضاء بالشاهد واليمين رواه عدد من الصحابة يبلغ التواتر، وعورض بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وبمفهوم قوله ﷺ: «شاهداك أو يمينه»، والمفهوم لا يقاوم المنطوق، وقد أطال مالك القول في هذا الباب من الموطإ ورد على المخالفين بالأثر والنظر، قال ابن العربي: «ما أطنب مالك في مسألة كإطنابه في هذه المسألة، فلقد سلك فيها طريق الجدال وكَثَّرَ الأسئلة والأجوبة، وأفاض في ضرب الأمثال، والتفريق بين مثال ومثال، وتحقيق الفرق بين الأصل والتوابع، وظهر له في ذلك علم عظيم من الأصول والأحكام بما يتفقه به جميع الطوائف»، انتهى.
قلت: ابن العربي ﵀ ممن يرى أن مالكا قد ضمن موطأه الأصول التي اعتمدها في الاستنباط، نص على ذلك في مقدمة القبس، ووعد ببيانه في مظانه من الموطإ، وقد وفى
[ ٤ / ٣٨٢ ]
بوعده فهو ينبه عليه كلما رأى ما يستند إليه.
أما قصر الشاهد مع اليمين على الأموال فَلِمَا جاء في رواية أحمد لحديث ابن عباس من زيادة: «إنما كان ذلك في الأموال»، لكن قائلها عمرو بن دينار الراوي عن ابن عباس، قال إن ذلك في الحقوق، ومهما يكن فإن قوله قضى بالشاهد واليمين حكاية فعل، والفعل لا عموم له، لكن قصره على شيء دون غيره مفتقر إلى الدليل، قال في سبل السلام (٤/ ١٣٢): «والحق أنه لا يخرج عن الحكم بالشاهد واليمين غير الحد والقصاص للإجماع على أنهما لا يثبتان بذلك»، انتهى.
وقد وجه ابن العربي هذا الأمر بقوله في المسالك (٦/ ٢٩٥): «إن قول المتداعيين قد تعارضا وتساويا، وليس قبول أحدهما أولى من قبول الآخر، فشرع الله الترجيح، ولهذا قال علماؤنا لا يكون الشاهد واليمين إلا في الأموال وما جرى مجراها، لأن النبي ﷺ إنما قضى به فيها، ولم يقو القوة التي تراق بها الدماء، وتقام بها الحدود، فإن هذه معان تسقط بالشبهة، والشبهة بالشاهد واليمين قائمة، فاقتصر بها على موردها وهي الأموال»، انتهى.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
لا يقضى بالشاهد واليمين في النكاح والطلاق والحدود والدماء
• قوله:
٠٨ - «ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حد ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل يقضى بذلك في الجراح».
هذا هو النوع الثاني من الشهادة حيث لا يكفي إلا شاهدان، أما النكاح فقد ورد فيه النص وهو قوله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»، رواه البيهقي عن عمران وعائشة، وقال الله تعالى عن الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وأما الحدود والقصاص فقد تقدم ما ذكره الكحلاني من الإجماع على عدم القضاء فيها بالشاهد واليمين، قال مالك ﵀: «ولا يقع ذلك في شيء من الحدود ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة، ولا في فرية، فإن قال قائل: فإن العتاقة من الأموال»، فقد أخطأ، انتهى المراد منه.
[ ٤ / ٣٨٤ ]
قصر جواز شهادة النساء مع الرجال على الأموال
• قوله:
٠٩ - «ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال، ومائة امرأة كامرأتين، وذلك كَرَجُلٍ واحد يقضى بذلك مع رَجُلٍ أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين».
النساء لا يشهدن فيما هو من شأن الرجال إلا في الأموال، وهذا لأن الله تعالى إنما أمر باستشهاد امرأتين مع رَجُلٍ عند عدم وجود الرَّجُلَيْنِ في سياق الحديث عن كتابة السلَم إذ قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وإنما جعلت المرأتان مع الرَّجُلِ في هذا لأن «الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال»، انتهى، قاله القرطبي في تفسيره (٣/ ٣٩١).
وقوله: «ومائة امرأة كامرأتين،،، الخ، معناه أن الشرع لما لم يقبل شهادتهن إلا مقرونة بالرجال إلا ما استثني مما هو خاص بهن للضرورة، فلا يصح القول إن أربعة منهن يقمن مقام الرجلين في الحدود والدماء والنكاح والطلاق، وثمانية منهن يقمن مقام أربعة رجال في الزنا، وإلا لقال الله تعالى فإن لم يكونا رجلين فأربع نسوة، فإذا شهدت نساء كثيرات ولو مائة، فإن كان ذلك على غير مال فلا عبرة بشهادتهن، أما إن كان على مال فلا بد من رجل معهن أو يمين حتى يقضى بذلك، قالوا لأن اليمين تقوم مقام الرجل، وتدفع انفرادهن بالشهادة وما يتطرق إليها من الضلال.
[ ٤ / ٣٨٥ ]
جواز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال
• قوله:
١٠ - «وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة».
الشهادة على الولادة وعلى استهلال الصبي أي نطقه، وعلى الحيض وعيوب الفرج والبدن ليس من شأن الرجال فتشهد فيها النساء للضرورة، ولأنه إذا جازت شهادتهن مع إمكان شهادة الرجال فلأن تجوز فيما لا تتأتى فيه شهادتهم أولى، ويقضى بشهادة اثنتين، وهذا مطرد في كل ما يختص بالنساء أو يندر اطلاع الرجال عليه.
[ ٤ / ٣٨٦ ]
• قوله:
١١ - «ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنين».
هذا بيان لمن لا تجوز شهادته، وقد عني بهذا الأمر أهل الأصول والفقه معا لاشتراك الخبر والشهادة في هذا المبحث، وقد روى أبو داود (٣٦٠٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغِمْر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم»، وفي رواية له ولابن ماجة: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه»، وفي ابن ماجة بدل الزاني والزانية: «ولا محدود في الإسلام»، وفي جامع الترمذي وضعفه عن عائشة مرفوعا، وفيه ذكر «المجلود في الحد والمجرب الشهادة، والظنين في الولاء والقرابة»، والغِمْر بكسر الغين الحقد والشحناء، والقانع جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦]، وهو الفقير المتصف بالقنوع وهو التذلل، والمراد هنا من كان ينفق عليه كالخادم والتابع، وفي الموطإ (١٤٠١) عن مالك أنه بلغه أن عمر ابن الخطاب قال: لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين»، والخصم جمعه خصوم، وخصام، وإنما لم تجر شهادة المرء على خصمه للعداوة التي بينهما، مما قد يحمله على إلحاق الضرر به، فلا يُؤْمَنُ أن يكذب لأجل ذلك، والظنين بالظاء المعجمة هو المتهم في شهادته، بأن يشهد لصالح من يواليه، وبخلافه لمن يعاديه، فهو عموم بعد خصوص، وقيل هو المتهم في دينه، والأول أولى لنص المؤلف على اشتراط العدالة إذ قال:
[ ٤ / ٣٨٧ ]
لا يقبل في الشهادة غير العدول
• قوله:
١٢ - «ولا يقبل إلا العدول».
العدول جمع عدل، وهو المسلم المكلف أعني البالغ العاقل لقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال عياض: «وشروط العدالة أربعة: صدق اللهجة، واجتناب الكبائر، وتوقي المثابرة على الصغائر، والتزام مروءة مثله»، انتهى، وذكر نحوه أبو الحسن وأضاف إلى المنافي: «وحجر سفه، وبدعة وإن مع تأويل، فالسفيه المحجور عليه ليس بعدل، وكذلك البدعي كالمعتزلي والخارجي ليس بعدل، ولا يلتفت إلى تأويل أحد»، انتهى، يعني أنه إن كان مع تأويل فهو فاسق، وإن كان مع غير تأويل فهو كافر، وقال في المسوى شرح الموطإ عما يطلب في العدالة: «والمروءة هي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر من نفسه شيئا مما يستهجن أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته»، انتهى، وقال االقرافي: «العدالة عندنا حق لله على الحاكم فلا يجوز له أن يحكم بغير العدل، وإن لم يشترط الخصم العدالة، وبه قال الشافعي، وعلى أنها حق لله، لو رضي الخصمان بشهادة كافر أو مسخوط لا يجوز لحاكم الحكم بذلك، قاله ابن القاسم، انتهى.
قلت: ينبغي أن يقيد هذا بما إذا وجد العدول فتكون حالة ضرورة حتى لا تضيع الحقوق، قال في النوادر: «عدول كل بلد أمثلهم حالا»، انتهى، وقال ابن تيمية في الاختيارات: «والعدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم من كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر»، انتهى.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
• قوله:
١٣ - «ولا تجوز شهادة المحدود».
المحدود هو الذي أقيم عليه الحد فلا تجوز شهادته، لأن الحد لا يقام إلا على فاسق، ولا تجوز شهادة الفاسق، واحتمال أن يكون صادقا فيما قاله أو بريئا مما اتهم به لا يمنع من تسميته بذلك، لكن هذا مقيد بما إذا لم يتب فإن تاب ففيه تفصيل سيأتي.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
لا تجوز شهادة العبد ولا الصبي ولا الكافر
• قوله:
١٤ - «ولا شهادة عبد ولا صبي ولا كافر».
تُرَدُّ شهادة الصبي لأنه غير مكلف، وكذلك العبد مع أنها مختلف فيها، لأنه ليس من رجالنا كما قالوا، ولأنه مستغرق في خدمة سيده، واشتغاله بالشهادة أَدَاءً وتَحَمُّلًا يُفَوِّتُ عليه ذلك، أما الكافر فشهادته على المسلمين لا تقبل بالإجماع، واختلف في قبولها على مثله، وفي الوصية في السفر عند عدم المسلم.
واعلم أن المعتبر في الشهادة وقتُ الأداء لا وقت التحمل، فكل من الصبي والعبد والكافر تقبل شهادتهم إذا أدوها بعد زوال المانع بشرط أن لا تكون قد ردت بذلك المانع، لما يترتب على التراجع عن الحكم الأول من الاضطراب، ولأن من ردت شهادته قد يسعى في رفع المعرة التي لحقته بسبب رد شهادته.
[ ٤ / ٣٩٠ ]
حكم شهادة المحدود في الزنا
• قوله:
١٥ - «وإذا تاب المحدود في الزنا قبلت شهادته إلا في الزنا».
لا فرق في قبول شهادة المحدود إذا تاب، حُدَّ للزنا أو لغيره، وإنما ذكره المؤلف مثالا، والمشهور أن كل من حُدَّ وتاب تقبل شهادته إلا فيما حُدَّ فيه، أو عُزِّرَ من أجله، وقيل تقبل في كل شيء، وهو الأصل، وهو لابن القاسم، وهو ظاهر المدونة، ووجه سابقه ما فطر عليه المرء من دفع المعرة عن نفسه بتكثير أمثاله، وهذا توسع في سد الذريعة من غير برهان، ومن تراجم الموطإ «شهادة المحدود في القذف وغيره إذا ظهرت توبته»، انتهى، فليس المراد بالتوبة مجرد قوله تبت بل يعرف ذلك بالقرائن.
[ ٤ / ٣٩١ ]
حكم شهادة الابن للأبوين والزوج لزوجه
• قوله:
١٦ - ولا تجوز شهادة الابن للأبوين، ولا هما له، ولا الزوج للزوجة، ولا هي له».
ذكر هنا أمثلة لمن لا تقبل شهادتهم للتهمة، ولو قدمت مع نظائرها لكان أحسن، فمن ذلك شهادة الأصل للفرع، والفرع لأصله، ويدخل فيه ما إذا شهد الابن لأحد أبويه على الآخر، وكذلك الزوجة لزوجها وعكسه في حال العصمة، والأجير لمن استأجره، والمولى لمن أعتقه، والصديق والشريك لصاحبه، كل ذلك عندهم مردود بالتهمة، وقد تقدم الدليل.
ومما جاء في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄ قوله له: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن الله تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات»، انتهى، وانظرها في سنن الدارقطني كتاب الأقضية والأحكام (النص/ ١٥)، والاستذكار (٧/ ١٠٣)، والإرواء (ح/ ٢٦١٩)، وإعلام الموقعين (١/ ٨٥).
وقد أثبت ابن القيم نص رواية أبي عبيد، وشرحه شرحا وافيا مطولا ﵀، وقال في مقدمة ذلك: «وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكمُ والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله والتفقه فيه»، انتهى، والظنين في الولاء من ينتمي إلى غير مواليه، والظنين في القرابة من يقول أنا ابن فلان أو قريبه وهو كاذب، قال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ١٢٨): «دل هذا على أن الشهادة لا تُرَدُّ بالقرابة، وإنما ترد بتهمتها، وهذا هو الصواب كما تقدم، وذكر ما رواه أبو عبيد عن عمر قال: تجوز شهادة الوالد لولده والولد لوالده، والأخ لأخيه إذا كانوا عدولا، لم يقل الله حين قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ إلا والدا وولدا وأخا»، انتهى، ثم قال ابن القيم: «وقوله: فإن الله تولى
[ ٤ / ٣٩٢ ]
من العباد السرائر وستر عليهم الحدود إلا بالبينات» يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانية خير قبلنا شهادته، ووكلنا سريرته إلى الله سبحانه، فإن الله سبحانه لم يجعل أحكام الدنيا إلى السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها»، انتهى.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
• قوله:
١٧ - «وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه».
اشترطوا في قبول شهادة الأخ لأخيه أن يكون مبرزا في العدالة، وهو لابن القاسم وهو المعتمد، وهو الذي في مختصر خليل، وقيل يكتفى بمطلق العدالة وهو ظاهر المصنف، وهو المشهور كما قال زروق، وقيد قبولها بالأموال وما آل إليها لا ما فيه الحمية أو دفع المضرة، وقيدوا أيضا بما إذا لم تكن عليه نفقته، لأنه يدخل في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي فيه ذكر القانع، وقد تقدم ذكره في الفقرة الحادية عشرة، أو يتكرر له معروفه لأنه قريب من الأول، والظاهر أن من علم منه العدالة الحقيقية قبلت شهادته لغيره وعليه من غير فرق بين قريب وبعيد وعدو وصديق، ولا يستثنى من ذلك إلا من ورد النص برد شهادته، أو قامت التهمة دون قبولها.
[ ٤ / ٣٩٤ ]
لا تجوز شهادة المجرب في كذب ولا مظهر الكبيرة
• قوله:
١٨ - «ولا تجوز شهادة مجرب في كذب، أو مظهر لكبيرة».
المجرب في الكذب هو الذي يعتاده مرة بعد مرة في غير ما هو جائز، فخرج من كذب مرة في السَّنَةِ فلا ترد شهادته بذلك، ما لم يترتب عليها مفسدة، ولا تقبل شهادة مظهر الكبيرة أي فاعلها أظهرها أو لا حيث ثبتت عليه كما هو ظاهر المدونة، وإنما خص الكبيرة مما يقدح به بعد ذكر الكذب لأنها أهم ما يتطلب معرفته في قبول الشهادة أو ردها، وفي رسالة عمر لأبي موسى الأشعري قوله: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة».
[ ٤ / ٣٩٥ ]
لا تجوز شهادة الجار لنفسه بها نفعا
شهادة الوصي لليتيم وشهادته عليه
• قوله:
١٩ - «ولا جار لنفسه ولا دافع عنها ولا وصي ليتيمه، وتجوز شهادته عليه».
مثال من يجلب بشهادته نفعا لنفسه أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة بخلاف غير مال الشركة فتجوز شهادته بشرط التبريز كما تقدم في شهادة الأخ لأخيه، ومثال من يدفع عنها ضررا أن يكون لزيد دَيْنٌ على بكر وادعى خالد دَيْنًا على بكر، فيشهد زيد لبكر أن أنه قضى خالدا دَيْنَهُ فلا تقبل شهادته لأنه يتهم بدفع الخصومة في المال عن نفسه، وفي شهادة الوصي ليتيمه تهمة جلب المال ليتصرف فيه، وإنما نص عليه مع دخوله فيما تقدم ليرتب عليه قوله «وتجوز شهادته عليه»، لانتفاء التهمة.
وقد أجمل زروق ﵀ في شرحه ما ترد من أجله الشهادة فقال: «واعلم أن مواضع الشهادة سبعة: أولها التغفل فلا يقبل المتغفل ولو كان عدلا، الثاني الجلب لنفسه والدفع عنها، الثالث التهمة بالحب والبغض، ومنه الوالد والولد والخصم وما في معناه، والرابع العداوة، والخامس نقص المعرة بتكثير مثلها، ومنها شهادة المحدود في حده، والسادس الحرص على الأداء والتحمل»، انتهى ببعض التصرف، وقوله مواضع الشهادة لعل الصواب مواضع رد الشهادة، ولم أجد السابع، والسادس ليس على إطلاقه بل بقيد أن يكون صاحب الحق عالما بشهادة الشاهد، وإلا فإن المبادرة بالشهادة قبل طلبها قد جاء مدحها في قول النبي ﷺ: «خير الشهود من أدى شهادته قبل أن يسألها»، رواه البيهقي عن زيد ابن خالد، ويعارضه قوله ﷺ: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويَشْهدون ولا يُسْتَشْهَدُون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ»، رواه الشيخان عن عمران بن حصين، وقد حملوا الأول على ما إذا كان صاحبها غير عالم بها، والثاني على شهادة الباطل ومع ذلك يبادر بها متحملها، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٩٦ ]
• قوله:
٢٠ - «ولا يجوز تعديل النساء ولا تجريحهن».
ليس كل من تجوز شهادته تعتمد تزكيته، ومن ذلك النساء لا يجوز تعديلهن ولا تجريحهن لا للرجال ولا للنساء لنقصهن عن رتبة الرجال، ولأن التعديل أصل يستدام العمل به كما قال زروق، ولأن التزكية والتجريح ليس شهادة على المال، ولا على ما المقصود منه المال، ولحاجة التعديل إلى طول الممارسة والخبرة، وذلك مفقود في النساء غالبا، ولا فرق بين ما تجوز شهادتهن فيه وما لا تجوز.
قلت: الظاهر جواز تزكية النساء لما في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- في حادثة الإفك حيث قال النبي ﷺ لبريرة: «هل رأيت فيها شيئا يريبك؟»، فقالت: «لا، والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها قط … الحديث، ومعنى أغمصها به أي ما رأيت شيئا أعيبها به وأطعن عليها بسببه، وقد ترجم عليه البخاري بقوله: «تعديل النساء بعضهن بعضا»، والله أعلم.
[ ٤ / ٣٩٧ ]
• قوله:
٢١ - «ولا يقبل في التزكية إلا من يقول عدل رضا».
قال سحنون ﵀: «ليس كل من تجوز شهادته تجوز تزكيته، ولا يجوز في التزكية إلا العدل المبرز والناقد الفطن الذي لا يُخْدَعُ عَقْلُه، ولا يُسْتَزَلُّ في رأيه»، انتهى، واعلم أن الشهادة نوعان شهادة الحقوق وشهادة التعديل، وقد اختلف هل يتساويان في العدالة أو يشترط في الثانية التبريز فيها، ومن شهد بالتعديل فينبغي أن يقول في شهادته إن فلانا عدل رضا فإن جَمَعَهُمَا صَحَّتْ تزكيته، وإن اقتصر على واحد فقد اختلف في كفايتها، ومعنى أنه رضا أي فيما بينه وبين الناس، فيرجع للسلامة من موانع الشهادة، ومنى أنه عدل، أي فيما بينه وبين الله، فيرجع لسلامة في الدين، إذ قد يكون العدل مغفلا كثير السهو والنسيان، وقد يكون الفطن غير عدل، قال الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وحمل بعضهم الرضا على تحمله، والعدل على أدائه.
والتعديل جائز وإن لم يعرف المُعَدِّلُ اسم المُزَكَّى ولا لقبه ولا كنيته على المشهور، ولا يشترط أن يذكر وجه التزكية بخلاف الجرح فلا يقبل إلا ببيان سببه، أعني أن يكون مُفَسَّرًا، إذ ربما كان ما اعتمد عليه في الجرح ليس بقادح في العدالة، وإذا اختلف عدلان في الحكم على شخص قُدِّمَ قول من جرحه لأنه قد اطلع على ما لم يطلع عليه المزكي، والمثبت مقدم على النافي.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
لا بد في التعديل والتجريح من اثنين
• قوله:
٢٢ - «ولا يقبل في ذلك ولا في التجريح واحد».
دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، والتعديل والتجريح شهادة، لكنهم فرقوا بين أن تكون التزكية علانية فلا يقبل فيها إلا اثنان، وبين أن تكون سرا وهي ما يبتدئ فيه القاضي بالسؤال فيكتفى بتزكية الواحد، وقيل لا فرق بينهما، وهو ظاهر كلام المؤلف.
قلت: هذا بناء على أن التعديل والتجريح شهادة وقيل إنهما من باب الإخبار فيعمل بخبر الواحد على الأصل إن حصل به للحاكم الظن الغالب لا فرق بين رجل وامرأة، وهو الحق كما مر معك.
[ ٤ / ٣٩٩ ]
قبول شهادة الصبيان في الجراح للضرورة بقيود
• قوله:
٢٣ - «وتقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير».
المشهور قبول شهادة الصبيان في الجراح، روى مالك في الموطإ عن هشام ابن عروة أن عبد الله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح»، وقال مالك: «الأمر المجتمع عليه عندنا أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا أو يُخَبَّبُوا، أو يُعَلَّمُوا، فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يتفرقوا»، انتهى، وقد أشار المؤلف إلى بعض شروط قبول شهادة الصبيان للضرورة، فهو يعني بالصبيان خصوص ا المميزين منهم، وأن يكون ذلك في الجراح، والمشهور قبول شهادتهم في القتل أيضا، وأن يتفقوا في الشهادة، وأن يكون ذلك قبل تفرقهم وقبل دخول كبير بينهم، لأنهم قبل التفرق على أصلهم من عدم الكذب، وتفرقهم أو دخول كبير معهم مظنة تلقينهم ما يقولون، وأن يكون الشهود والمشهود لهم أو عليهم في جماعة واحدة، وثمة شروط أخرى تطلب في الشروح الموسعة.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
حكم اختلاف المتبايعين
• قوله:
٢٤ - «وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم يأخذ المبتاع أو يحلف ويبرأ».
جاء في ذلك حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود وقد أتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما أخذتها بكذا وكذا، وقال هذا بعتها بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: «أتي ابن مسعود في مثل هذا فقال: حضرت النبي ﷺ أتي بمثل هذا، فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك»، رواه أحمد والنسائي (٤٦٤٩)، وهذا لفظه، وهو منقطع لأن أبا عبيدة لم يدرك أباه عبد الله بن مسعود، لكن قوي بما وافقه كحديث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده قال عبد الله سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتركا»، رواه النسائي وابن ماجة (٢١٨٦)، فكلام المؤلف فيما إذا تم البيع واختلف البائعان في قدر الثمن، أو في جنس المبيع، أو نوعه، أو في الأجل إن كان أحد العوضين مؤجلا، أو في كونه على البت أو على الخيار، ولا بينة لواحد منهما، هنا يبتدأ بتحليف البائع، قيل على وجه الندب، والمشهور أن البدء به واجب، فيحلف على إثبات دعواه، ونفي قول صاحبه في يمين واحدة، بأن يقول: والله لقد بعته بدينارين لا بدينار، أو لقد بعته على البت لا على الخيار، فإذا حلف ثبت ما ادعاه، فإن حلف الآخر برئت ذمته وتفاسخا إن كانت السلعة قائمة، وإن أبى قضي للحالف، وإنما لم يقض للبائع بمجرد الحلف لأن كلا منهما مدع ومدعى عليه فتوجه اليمين إلى كل منهما.
[ ٤ / ٤٠١ ]
حكم اختلاف المتداعيين في الشيء يكون بأيديهما
• قوله:
٢٥ - «وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما حلفا وقسم بينهما، وإن أقاما بينتين قضي بأعدلهما، فإن استويا حلفا وكان بينهما».
إذا ادعى شخصان شيئا كل منهما يدعيه لنفسه، وهو مما يشبه أن يكتسبه كل منهما، ولا دليل ولا بينة لأحدهما، وكان الشيء بأيديهما حلفا وقسم بينهما، فإن كان بيد كل منهما بينة كالشاهدين فإن أمكن الترجيح - وصوره كثيرة - قضي لصاحب البينة الراجحة، وإن لم يمكن الترجيح فهما كالعدم، فيحلفان على ما تقدم، وقوله بأيديهما مخرج ما إذا كان الشيء بيد أحدهما فإنه يكون له بيمينه، قال في الاختيارات الفقهية: «وإن كانت العين بيد أحدهما فمَن شاهدُ الحال معه كان ذلك لوثا فيحكم له بيمينه»، انتهى، ويخرج أيضا ما إذا كان عند غيرهما فإنه يقضى به لمن شهد له من كان المتاع عنده، وقد دل على أن المدعيين للشيء ولا بينة لأحدهما يقسم بينهما حديث أبي موسى الأشعري أن رجلين ادعيا بعيرا أو دابة إلى النبي ﷺ ليست لواحد منهما بينة، فجعله النبي ﷺ بينهما، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة، ووثق المنذري إسناده، قال الخطابي: «يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة كان في أيديهما معا، فجعله النبي ﷺ بينهما لاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشيء في يد غيرهما»، انتهى، ويذكر هنا الحديث الذي رواه الشيخان والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: «إنما ذهب بابنك»، وقالت الأخرى: «إنما ذهب بابنك»، فتحاكما إلى داود ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: «ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: «لا تفعل يرحمك الله، هو لها» فقضى به للصغرى»، ويعارض حديثَ أبي موسى المتقدم حديثُ أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي ﷺ ليس لواحد
[ ٤ / ٤٠٢ ]
منهما بينة، فقال النبي ﷺ: «استهما على اليمين ما كان، أحبا ذلك أو كرها»، والاستهام الاقتراع، وقد جمع بينهما البيهقي ﵀ بما حاصله أنه يحتمل أن تكون قصة واحدة حكم فيها رسول الله ﷺ بالقسمة، فلما طلب كل منهما يمين صاحبه على النصف الذي حصل له تنازعا فيمن يبدأ بالحلف فأمرهما بالاقتراع على ذلك، وهو جَمْعٌ حسن
[ ٤ / ٤٠٣ ]
إذا رجع الشاهد بعد الحكم غرم ما أتلف بشهادته إن اعترف بكذبه
• قوله:
٢٦ - «وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أغرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور قاله أصحاب مالك».
إذا رجع الشاهد عن شهادته فإن ذلك جرحة فيه ما لم يُبَيِّنْ وجه رجوعه كالشبهة والشك، ثم إن كان رجوعه قبل الحكم فإنه لا يحكم بها، وإن كان بعد الحكم فلا ينتقض، لاحتمال كذبه في رجوعه، وسواء أكان ذلك قبل القبض أم بعده، لكنه يغرم ما أتلفه بسبب شهادته، ومعظم أصحاب مالك على أن الضمان إنما يكون عليه في حال تعمده الزور، وقال بعضهم منهم ابن القاسم ومطرف إنه يغرم مطلقا، وهو ظاهر المدونة، ووجهه أن العمد والخطأ في أموال الناس سواء.
[ ٤ / ٤٠٤ ]
يصدق الوكيل في دعواه رد ما وكل عليه وكذلك المودع والمقارض
• قوله:
٢٧ - «ومن قال رددت إليك ما وكلتني عليه أو على بيعه أو دفعت إليك ثمنه أو وديعتك أو قراضك فالقول قوله».
الوكيل والمودع والمقارض مؤتمنون على ما بأيديهم، وما قاموا به فعل خير، وهو لمنفعة المالك أو لهم وله، فإذا قال واحد منهم إنه رد ما وكل على بيعه، أو على حفظه، أو قال رددت رأس مال القراض فالقول قوله مع يمينه حيث ائتمنه صاحبه ولم يُشهد على تسليمه ما ذكر، فإن أشهد فهو دليل على أنه لم يأتمنه، فلا تبرأ ذمة الوكيل ومن معه مما هو عنده إلا بالإشهاد على رده، قال القرطبي: «كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه لقوله تعالى: ﴿فَاشْهَدُوا﴾، فإذا دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج إلى إشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد، والله أعلم»، انتهى، ولم يتكلم المؤلف على الوكالة إلا في هذا الموضع عرَضا، بخلاف الوديعة والقراض فقد تقدما.
[ ٤ / ٤٠٥ ]
إذا أنكر من وكل المرء بالدفع إليه فعلى مدعي الدفع البينة
• قوله:
٢٨ - «ومن قال دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان فعلى الدافع البينة وإلا ضمن».
وإنما اختلف الحكم هنا عن سابقه لأن مدعي الدفع فيما سبق أمين عند من دفع إليه لا عند غيره، أما هنا فليس الأمر كذلك؛ فلا بد من البينة، ويدخل أيضا من بعث بمال صلة أو صدقة أو هبة لمعين، فأنكر المبعوث إليه تسلم ذلك، فعلى الرسول البينة وإلا غرم، بخلاف ما لو بعث إلى غير معين كالمساكين وطلاب العلم، وقيل إنما يضمن إن جرت العادة بالإشهاد على مثل هذا، وإلا فلا
[ ٤ / ٤٠٦ ]
على ولي الأيتام البينة فيما أنفق عليهم أو دفع إليهم إذا لم يكونوا في حضانته
يصدق ولي الأيتام إذا كانوا في حضانته فيما يشبه من النفقة
• قوله:
٢٩ - «وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم، وإن كانوا في حضانته صُدِّقَ في النفقة فيما يشبه».
أمر ربنا ﷾ بالإشهاد على تسليم أموال اليتامى لهم فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]، والإشهاد هذا «مستحب عند طائفة من العلماء فإن القول قول الوصي لأنه أمين، وقالت طائفة هو فرض، وهو ظاهر الآية،،،»، قاله القرطبي، والأيتام إما أن يكونوا في حضانة المنفق عليهم أو لا، فإن كانوا في حضانته وخالفوه في أصل الإنفاق أو في مقداره فالقول قوله فيما أنفق عليهم مما يشبه، لعسر الإشهاد على ذلك، ومفهومه أنه لا بد من الإشهاد على تسليم أموالهم إليهم وإلا ضمن، وكذلك إذا لم يكونوا في حضانته فإن عليه البينة فيما أنفق عليهم ولا بد، ولو طال الزمن بعد بلوغهم، وقيل إن طال قُبل قوله مع يمينه، ومثل الوصي فيما ذكر مقدم القاضي والحاضن والكافل، وعلم من هذا أن ولي غير الأيتام كالمحجور إما أن يطالب بالبينة على الإنفاق على الأصل أو من باب أولى.
[ ٤ / ٤٠٧ ]
تعريف الصلح وبيان ما فيه من المنافع
• قوله:
٣٠ - «والصلح جائز إلا ما جر إلى حرام، ويجوز على الإقرار والإنكار».
بعد أن ذكر ما يقضى به من الشهادة بأنواعها، واليمين ابتداء وردا ذكر هنا الصلح لأن الأصل القضاء، والصلح استثناء حيث كان القضاء شرعيا، أما إن كان القضاء ليس كذلك فإن الصلح هو الأصل.
وكلامه هو معنى حديث رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة ﵁ ولفظه: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا»، وهو في الترمذي نحوه من حديث عمرو بن عوف.
والصلح في اللغة قطع المنازعة بين المتخاصمين، حض الله عليه بقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾، وقال تعالى:، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ (١)﴾ [الأنفال: ١] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحُجُرات: ١٠]، وحكمه عند جمهور العلماء الاستحباب، وهو المراد بقول المؤلف جائز، وكثيرا ما يكون الصلح خيرا من الحكم لأنه يؤدي إلى قطع النزاع ظاهرا وباطنا، بخلاف الحكم فإنه على الظاهر، وقد يكون المحكوم عليه غير مستحق لما حكم له به كما قال النبي ﷺ: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فَأَقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار»، رواه مالك أول كتاب الأقضية، وهو في الصحيحين عن أم سلمة.
وقد كتب عمر لأبي موسى: «رد الخصوم حتى يصطلحوا فإنَّ فَصْلَ القضاء يُحْدِثُ بين القوم الضغائن»، رواه البيهقي، وانظر تفسير القرطبي (٥/ ٣٨٤)، وفي الحديث: «ألا أدلك على صدقة يحب الله موضعها؟ تصلح بين الناس فإنها صدقة يحب الله موضعها»،
[ ٤ / ٤٠٨ ]
جواز الصلح على الإقرار وعلى الإنكار
تحريم الصلح الذي يحلل الحرام أو يحرم الحلال
وهو في صحيحة الألباني برقم (٢٦٤٤).
وقد حده ابن عرفة بقوله: «انتقال عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع، أو خوف وقوعه»، انتهى، فيدخل في قوله انتقال عن حق الإقرار، أي فيما إذا أقر أحد الخصمين للآخر بحقه، ومع ذلك طلب الصلح، ويدخل في قوله أو دعوى الصلح على الإنكار، وخرج بقوله بعوض الانتقال بغير عوض، فلا يسمى صلحا عندهم، وقوله أو خوف وقوعه يدخل فيه صلحا الإقرار والإنكار لصلاحية ذلك لكل منهما، لكن صلح الإقرار متفق عليه بخلاف صلح الإنكار.
فمثال الصلح على الإقرار أن يقر له بأن البيع كان بعرض أو حيوان، ثم يتصالحان على أخذ دراهم بدله، فهذه معاوضة صحيحة يعتبر فيها ما يعتبر في البيع مما يحل ويحرم، وكذلك إذا كان إجارة أو هبة بأن وقع الصلح على بعض ما أقر به، فينبغي توفر الشروط المعتبرة في كل ذلك.
ومثال الصلح على الإنكار أن تتوجه اليمين إلى أحد المتخاصمين فيفتدي منها بالمال، ولو علم براءة نفسه، قال في المدونة في كتاب الأيمان والنذور: «ومن لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز ذلك»، انتهى، وإنما نص المؤلف على الصلح على الإنكار لأن من أهل العلم من منعه من أهل المذهب وغيره كالشافعي، لكونه من أكل أموال الناس بالباطل، وأهل المذهب يقولون إن فيه سقوط الخصومة واندفاع اليمين عن المنكر، ويدل عليه عموم قوله ﷺ: «الصلح جائز بين المسلمين»، لكن هذا الجواز منظور فيه إلى العقد والظاهر فقط، أما في واقع الحال والباطن فالأمر مختلف، فإنه إن كان المنكر صادقا وعلم بذلك خصمه فلا يحل لخصمه أخذ شيء مما وقع الصلح عليه، لأن الصلح كالحكم في أموال الناس وقد تقدم الحديث بأن حكم الحاكم لا يحل الحرام ولا يحرم الحلال في الباطن.
ومثال الصلح الذي يحلل الحرام الصلح على الدَّيْنِ المشروع بخمر أو خنزير، ومثال الصلح الذي يحرم الحلال الصلح على ثوب بسلعة بشرط أن لا ينتفع بها، أو بثمر قبل بدو صلاحه لا على شرط الجذ، وكمصالحة امرأته على أن لا يطأ ضرتها، أو لا يقسم
[ ٤ / ٤٠٩ ]
ازدياد أهمية الصلح للتقليل من الحكم بغير ما أنزل الله
حكم الصلح اليوم الإيجاب بخلاف ما كان عليه الأمر من قبل
لها، فمعنى يحرم الحلال ويحلل الحرام أي في زعم المتصالحين بناء على شروط الصلح.
وإذا وقع الصلح مستوفيا لشروطه كان لازما ولا يجوز نقضه ويملك المصالح ما صالح عليه إلا إذا اتهم بسرقته، وينقض إذا أقر الظالم ببطلان دعواه، أو شهدت بينة للمظلوم بعد الصلح لا علم له بها على ما تقدم في الفقرة السادسة.
واعلم أن الإصلاح بين الناس في هذا الزمان قد ازدادت أهميته الشرعية عما كان عليه حين كان الحكام قائمين على تطبيق أحكام الله بين الناس، فهو اليوم مندرج في التقليل من الحكم بغير ما أنزل الله، بل هو من وسائل استعادة هذا الحكم لو أولاه أهل العلم عنايتهم، واستغلوا ما هو متاح لهم من الوسائل، بل يتجه القول بان الصلح اليوم واجب على من قدر عليه، وواجب على المتخاصمين قبل ذلك، إذ يمتنع من حيث المبدأ لجوؤهم إلى المحاكم متى علموا أنها لا تحكم في الأمر المتنازع فيه بحكم الله تعالى، إلا إذا تعذر على المؤمن الوصول إلى حقه عن طريق الصلح، فيجوز له أخذ حقه المقرر شرعا لا الزيادة عليه، فهذا زيادة على ما في الصلح من المنافع والمصالح كالتخفيف عن المحاكم لو كانت شرعية وتجنيب الناس طول الفصل في المسائل التي يتقاضون فيها، وما في ذلك من اضطرارهم إلى توكيل من يدافع عنهم وما يلزم من صرف الأموال في ذلك، وقد كثرت الوسائط كالمحامين والمحضرين القضائيين ونفقات التقاضي وطول أمد الفصل في النزاعات، وهذا لو كان الحكم يجري بما أنزل الله، والصلح وإن كان بعض الدعاة وغيرهم يقومون به فرادى فإنه غير كاف، ولا مؤثر تأثير الصلح الذي تقوم عليه الهيآت، فينبغي إنشاؤها، ولا يسع المقام ذكر هذه الفروق، وقد ذكرت شيئا من هذا في كتاب عن الحزبية في ص (٤٧) إلى (٥٠).
فإن قلتَ: إن العلماء قد اختلفوا في لزوم التحكيم كما قال الشافعي ﵁: التحكيم جائز غير لازم، قال لأنه لا يقدم آحادُ الناس الولاةَ والحكامَ، ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم»، انتهى، وخالفه مالك ﵀ فقال: «إذا حكَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا فَحُكْمُهُ مَاضٍ، وإذا رُفِع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جَوْرًا بَيِّنًا»، انتهى، وانظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٦٢٢)، فالجواب: أن كلام العلماء ينبغي أن ينزل منزلته، وأن ينظر إليه في محيطه، وما
[ ٤ / ٤١٠ ]
رمى إليه قائله، وإلا كان تحريفا له، فالشافعي ﵀ قصد الاحتياط لمنزلة الحاكم في إقامة شرع الله، فإذا غلب على الأحكام أن تتم عن طريق الصلح والتحكيم كان في ذلك افتيات عليه، وقد يؤدي إلى التفريط في الأحكام فتتناسى بسبب التنازل عنها عن طريق الصلح، لكن هذا إنما يكون إذا كان ولاة المسلمين قائمين بالحكم الشرعي حامين لبيضة الإسلام، ولا يخفى ما عليه المسلمون من التفريط في هذا المقام.
وإذا كان التحكيم قد شرعه الله تعالى لما فيه من مصلحة للحاكم نفسه وللقاضي، إذ فيه تخفيف عنه، فإن فيه أيضا مصلحة للمتخاصمين حيث يجتنبون مشقة الترافع إليه، وانكشاف الأسرار التي يَحْسُنُ أن لا تذاع، والمحاكمات في هذا العصر تجري في العلن، ومن ذلك إمكانية التعافي في الحدود قبل بلوغها للحاكم لو كان الحكم الشرعي قائما، فلهذا قال العلماء إن أصله الجواز، ولقول النبي ﷺ: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو حلل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو حلل حراما»، رواه الترمذي وابن ماجة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، وقال الترمذي حسن صحيح، وبعضه عند أحمد وفي سنن أبي داود والحاكم عن أبي هريرة وقد تقدم، لكن حكمه اليوم الوجوب للسبب الذي علمت، لاسيما إذا اجتهد المؤمنون ليطالبوا الحكام بتوثيق ما وقع عليه الصلح حتى يصير غير مختلف عن الحكم القضائي من حيث التنفيذ، وقد وجد هذا الذي كنت أطالب به، إذ أحدث في القضاء عندنا شيء من هذا القبيل، لكن المدار على من انتدبوا للإصلاح بين الناس هل يعرفون الشرع؟، الظاهر خلافه، فلم يخرج الأمر عن مخالفة حكم الله قضاء أو صلحا، والله أعلم
[ ٤ / ٤١١ ]
حكم الأمة الغارة متزوجها بأنها حرة
• قوله:
٣١ - «والأَمَةُ الغَارَّةُ تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له».
مرد هذا إلى قول رسول الله ﷺ: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البَيِّعُ من باعه»، رواه أبو داود (٣٥٣١) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب، لكن له شواهد صحيحة، والمراد بالبيع بفتح الباء والياء المكسورة المشددة المشتري، أي من اشترى شيئا بشبهة فوجده مالكه عنده فهو أحق به ويرجع مشتريه على من باعه بثمنه، قال الخطابي في معالم السنن (٣/ ١٦٦): «هذا في الغصوب ونحوها إذا وجد ماله المغصوب والمسروق عند رجل كان له أن يخاصمه فيه، ويأخذ عين ماله منه، ويرجع المأخوذ منه على من باعه إياه»، انتهى.
والأَمَة إذا تزوجت من غير إذن سيدها فقد علمت أن نكاحها باطل، لقول النبي ﷺ: «أيما عبد نزوج بغير إذن أهله فهو عاهر»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن جابر، وتزوج الأَمَة من غير إذن مالكها أشد مخالفة من تزوج العبد لكونه قد يكون ولي نفسه بخلافها، وقد تقدم هذا في النكاح، وذكر هنا أن الأمة إذا تزوجت حرا وغرته بأن أوهمته أنها حرة، فلسيدها أخذها أي استرجاعها ممن تزوجت منه، يعني فيفسخ نكاحها لوقوعه على الوجه غير المشروع، ولأنها لا تخرج عن ملك سيدها بذلك، والمرء إذا وجد ما يملك فهو أحق به، أما أخذ مالكها قيمة الولد فلأنه من أمته فهو ملك له أيضا، لكن لما دخل أبوه على أنها حرة فكان ولدا له، وكان يعتق عليه جبرا، جمع بين الحقين بذلك، وأما أن قيمته تكون يوم الحكم فلأنه اليوم الذي ثبت له الحق فيه ظاهرا، وقول المؤلف فله أخذها يدل على أنه يجوز له إبقاؤها زوجة، وفيه تفصيل، وقيل لا يأخذها وإنما يأخذ قيمتها، وعُلِمَ من هذا أن مالكها إذا أذن لها في الزواج والاستخلاف في الولاية، وإنما غرت بدعواها أنها حرة بالمقال أو بشاهد الحال، فهذه يقام على نكاحها، وإن اختلف في مقدار صداقها الذي يستمر عليه النكاح، أما إن أذن لها في النكاح لا في الاستخلاف فنكاحها يفسخ.
[ ٤ / ٤١٢ ]
الاختلاف في حكم الأمة المستحقة إذا ولدت
• قوله:
٣٢ - «ومن استحق أَمَةً قد ولدت فله قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم، وقيل يأخذها وقيمة الولد، وقيل له قيمتها فقط، إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها».
الاستحقاق والاستيجاب قريبان من السواء كما قال في لسان العرب، قال: استحق فلان الشيء إذا استوجبه، أي كان حقا له، ومن شأن الحق أن يطلب، واستحق الشيء على مشتريه أي ملكه عليه، وأخرجه الحاكم من يد مشتريه إلى من استحقه، وقد عرفوا الاستحقاق بأنه «رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله، أو حرية كذلك من غير عوض»، انتهى، ويظهر منه أن المالك الثاني للشيء قد ملكه بوجه فيه شبهة بخلاف نحو الغاصب والسارق، فهذا لا يدخل في باب الاستحقاق، وقد ذكر المؤلف فيمن استحق أَمَةً ملكها حر وولدت منه أقوالا ثلاثة رويت عن الإمام نفسه، والمشهور هو الاول.
أولها: أن له أن يأخذ قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم، ووجه ذلك أنها دخلت في ملك الثاني بوجه مشروع، إذ هو جاهل بكونها مغصوبة، أما وجه أخذ قيمة الولد فلأنه تَخَلَّقَ وهو حر حسب اعتقاد والده، وهذا هو المُعَوَّلُ عليه، ولمن استحقت عليه الرجوع على بائعها له بثمنها، لا فرق بين كون ما غرمه زائدا على ثمن الشراء أو مساويا أو أقل منه.
والثاني: يأخذها ويأخذ قيمة الولد.
والثالث: أن له أن يأخذ قيمتها فقط لفواتها بالولادة، ولا شيء له في ولدها لثبوت حريته، لكن إن اختار الثمن الذي اشتراها به من هي عنده من الغاصب فله أن يأخذه منه.
وفي رسالة ابن أبي زيد نظائر لهذه المسألة التي فيها أقوال ثلاثة للإمام، وباقيها منْ ترك الفاتحة من ركعة، والتيمم لكل صلاة، وتغليظ الدية على الأب متى ضرب ابنه بحديدة، وكفن الزوجة على من يكون، وتقديم الظهر وتأخيرها، وقد ذكرها ابن ناجي في شرحه.
[ ٤ / ٤١٣ ]
حكم الأمة المغصوبة أن يحد غاصبها ويكون ولدها رقيقا لمالكها
• قوله:
٣٣ - «ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد وولده رقيق معها لربها».
الأقوال السابقة في الأَمَةِ المستحقة ممن وطئها بوجه مشروع، أما إن عثر عليها بيد غاصب أخذها قهرا من مالكها وحصل منه وطء فإنه يحد حد الزاني البكر أو المحصن، ويأخذها ربها مع الولد رقيقا، وحكم من اشتراها من الغاصب عالما بذلك حكم الغاصب.
[ ٤ / ٤١٤ ]
حكم الأرض تستحق ممن امتلكها بشراء ونحوه وعمرها
• قوله:
٣٤ - «ومستحق الأرض بعد أن عَمَرت يدفع قيمة العمارة قائما، فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحا، فإن أبى كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد».
قوله «عمرت الأرض»، أي صارت عامرة، وهو مثلث الميم كنصر وكرم وسمع، وقد أفرد المصنف استحقاق الأَمَةِ بالذكر لما لها من الخصوصية، ثم ذكر بقية المستحقات ممثلا لها باستحقاق الأرض، وهي إما أن يكون من ملكها بشبهة قد عمرها بالبناء والغرس أولا، فإن لم يكن قد عمرها فالأمر واضح، وإن كان قد عمرها فالمستحق مخير بين ثلاثة أمور: فإما أن يدفع للمالك الثاني قيمة العمارة قائمة ويأخذ أرضه، وإما أن يدفع إليه المالك بالشبهة قيمة الأرض براحا، أي خالية مما عمرت به، فإن أبى كانا شريكين في الأرض المعمورة بنسبة ما لكل منهما، فالمستحق بنسبة أرضه غير معمورة، والمستحق منه بنسبة قيمة عمارته، ويقال مثل هذا فيمن ملك ثوبا بشبهة فرقعه، أو سيارة فأصلحها، أو دَارًا فجددها، وإنما ابتدئ بتخيير المالك الأصلي لأن ملكيته خالية من الشبهة، وإنما روعي في الاستحقاق قيمة العمارة لأن المالك الثاني أخذها بوجه مشروع، وكذلك لو اشتراها من يد غاصب غير عالم بالغصب، وقد استثنوا من هذا الأمر الأرض الوقف يبني فيها المالك بالشبهة، فإن حكمها نقض العمارة لا غير، لأن إعطاء قيمة العمارة يؤدي إلى بيع الوقف، ولأنه ليس لمالك الوقف شخص معين فيطالب بذلك، وقوله يدفع قيمة العمارة قائما هذا يكون على التأبيد إن كان الباني مشتريا مثلا، وقد يكون مغيا إذا كان الباني مستأجرا للأرض أو مستعيرا وحصل الاستحقاق قبل انتهاء مدة الاستئجار أو الإعارة.
وقد روي أن أبا بكر الصديق ﵁ أقطع رجلا أرضا فأحياها وغرس فيها، ثم
[ ٤ / ٤١٥ ]
جاء آخر فاستحقها، ثم اختصما في ذلك إلى عمر ﵁، فقضى للأول أن يعطيه قيمة ما أحيا، فقال: «لا أفعل»، فقال للآخر: «أعطه قيمة أرضه بيضاء»، فلم يفعل، فقضى أن تكون الأرض بينهما: هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة عمارته»، انتهى، ذكره النفراوي في شرحه على الرسالة، ولما أقف عليه.
[ ٤ / ٤١٦ ]
حكم الأرض المغصوبة يبنى فيها وتعمر
• قوله:
٣٥ - «والغاصب يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك الشجر والنقض ملقى بعد قيمة أجر من يقلع ذلك، ولا شيء عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم».
روى مالك (١٤٢١) وأبو داود (٣٠٧٤) عن عروة بن الزبير عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»، وعند أبي داود: «ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لَنَخْلٌ عُمٌّ، حتى أُخرجت منها»، نخل عم بضم العين وتشديد الميم هي التامة الطول، مفردها عميم، وقوله وليس لعرق ظالم حق»، العرق بكسر العين وسكون الراء، وروي بمفتوحتين، وقد ذكر الأخير زروق، ومعنى الأول أنه لا ينبنى على فعله حق، ومعنى الثاني أن تعبه وخدمته لا عبرة بها، كنى بالعرق عن ذلك، ولهذا يؤمر بقلعه إلا أن يرضى صاحب الأرض، ولا يعطى قيمة العمارة قائمة، بل مهدومة إن كانت لها قيمة سواء هدمت بالفعل أو لم تهدم، وأجر من يقلع ذلك على الغاصب.
وإنما لم يكن للغاصب قيمة العمارة قائمة لأنه لا شبهة له في ملك الأرض، قال مالك ﵀ في تفسير عرق الظالم: «والعرق الظالم كل ما احتفر أو غرس أو أخذ بغير حق»، انتهى.
[ ٤ / ٤١٧ ]
رد الغاصب الغلة وما في ذلك من التفصيل
لا يرد الغلة المشتري والمتهب والوارث والمتصدق عليه
• قوله:
٣٦ - «ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب».
سبق الكلام على شيء من هذا في باب الشفعة، ووعد المؤلف هناك باستيفاء الكلام عليه في الأقضية، وكلامه هناك كالمخالف لما هنا، فقد علمت أنه قال: «ولا يطيب الربح لغاصب المال حتى يرد رأس المال على ربه»، وظاهر كلامه هنا أن الغاصب ومثله السارق والخائن والمختلس وكل من لا شبهة له فيما اغتله يرد الغلة التي استوفاها من الذوات التي أخذها، إما يرد مثلها إن كانت مثلية معلومة الكم، كالأشجار التي يقطف ثمارها والأغنام يجز صوفها أو يستهلك ألبانها، فإن جهلت الكمية أو كانت مقومة رد القيمة كيفما كانت، وقد تقدم لك قول النبي ﷺ: «وليس لعرق ظالم حق»، ولأن أصل المال ليس له، فأشبه ذلك ما لو طالت الأشجار فإن أغصانها وثمارها للمالك، لكن أهل المذهب يجعلون الغلة ثلاثة أنواع لكل منها حكم: أولها غلة ما لا ينتفع به إلا بالاستعمال نحو الدواب والدور والأرض، فهذه لا يضمنها إلا باستعماله إياها، فلو عطل هذه المذكورات فلا تلزمه أجرتها في مدة استيلائه عليها، وثانيها غلة تنشأ من غير تحريك كثمر الشجر ولبن الأنعام وصوفها فهذه يردها من غير خلاف، وثالثها غلة هي ربح المال المغصوب، ومثله نماء البذر المغصوب بالنبات، فهذا لا يرد ما ترتب عليه قالوا لأنه مثلي فاللازم رد مثله، وفيه وجه آخر وهو أنه ناتج عن جهده وتحريكه.
وإن كان المغصوب والمسروق ونحوهما يحتاج إلى نفقة فإن الغاصب يرد من الغلة الزائدَ على ما أنفقه على المغصوب بشرط أن لا تتجاوز الغلة إلى الذات المغصوبة، فإن لم يكن للشيء المغصوب غلة ضاعت النفقة على الغاصب، ولا يرجع بها في المغصوب لأنه ظالم بأخذه، وقوله ولا يردها غير الغاصب يعني كالمشتري والوارث، والمتهب غير العالم بالغصب، ودليله قول النبي ﷺ: «الخراج بالضمان»، رواه أصحاب السنن عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- وحسنه الترمذي، وقد تقدم بيان معناه.
[ ٤ / ٤١٨ ]
قال كاتبه: الظاهر رجحان القول بأن الغاصب ونحوه ممن لا شبهة له في الملك يرد الغلةَ بأنواعها، ولا يصح الاحتجاج بعموم قاعدة «الخراج بالضمان»، فيقال إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو قول الشوكاني في النيل، فإن هذا وإن كان حقا لكن المخصص موجود، وهو قول رسول الله ﷺ: «وليس لعرق ظالم حق».
[ ٤ / ٤١٩ ]
يرد ولد الأمة إن كان من غير السيد في الاستحقاق وكذلك ولد الحيوان
• قوله:
٣٧ - «والولد في الحيوان وفي الأَمَةِ إذا كان الولد من غير السيد يأخذه المستحق للأمهات من يد مبتاع أو غيره، ومن غصب أَمَةً ثم وطئها فولده رقيق، وعليه الحد».
هذا من جملة ما اتفقوا على أنه لمالك الأصل، لأنه جزء من الأم لا غلة، فيرد معها، لأن حكم الولد حكم الأم في كونه ملكا لمن هي له، وقوله من غير السيد، قيدوا السيد بكونه حرا، ويدخل في غير السيد كل من ملكها بشبهة، وقد بينه بقوله من يد مبتاع أو غيره، يعني كالموهوب له، والمتصدق عليه، وقوله ومن غصب أَمَةً ثم وطئها،،، الخ قد تقدم بيانه، ولتكراره وجه، وهو أنه هنا غاصب من المالك، وهناك غاصب ممن ملكها بشبهة فلا فرق بينهما، ويضاف هنا بأنه لا صداق عليه، وإنما عليه أرش نقصها بسبب وطئه.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
إصلاح سفل البناء على صاحب السفل ويجبر
• قوله:
٣٨ - «وإصلاح السُّفْلِ على صاحب السُّفْلِ، والخشبُ للسقف عليه، وتعليق الغرف عليه إذا وهى السفل وهدم حتى يصلح، ويجبر على أن يصلح أو يبيع ممن يصلح».
صاحب السُّفْل بضم السين وسكون الفاء من يسكن تحت غيره سواء أكان ملاصقا للأرض أم لا، فإذا بنى أحد على بناء غيره فإن سُفْل البناء يكون إصلاحه على الذي تحته متى وَهَى، لأنه أرض للبناء الذي فوقه لا يمكن أن يقوم بدونه، وكذلك عليه الخشب الذي يعد للسقف، فإن حصل خلل في الغرف التي فوقه بسبب وهاء السفل فإن تدعيمها يكون عليه، فقوله وتعليق الغرف عليه معناه تدعيمها، لأن الضرر من جهته، فإن لم يصلح أجبر على الإصلاح، وإلا أجبر على البيع لمن يصلح.
[ ٤ / ٤٢١ ]
• قوله:
٣٩ - «ولا ضرر ولا ضرار».
استدل المؤلف بهذه القاعدة على ما تقدم وعلى ما يأتي مما مثل به، وهي نص حديث رواه مالك في الموطإ (١٤٢٦) أول باب (القضاء في المرفق) عن عمرو بن يحي عن أبيه مرسلا، ووصله الدارقطني (ح/ ٨٥) في كتاب الأقضية من سننه عن أبي سعيد ﵁، ورواه الحاكم والبيهقي من حديثه، وهو في صحيح الجامع الصغير للألباني من رواية أحمد والبيهقي عن ابن عباس، ومن رواية الأخير عن عبادة.
ومعنى الحديث منع الضرر من طرف واحد، ومن الطرفين على وجه المجازاة، وقيل إن الجمع بينهما توكيد، والحق أنهما متغايران بمعنى الفعل والمفاعلة، أي لا تضرن أحدا، ولا تضاره إن ضارك، وهو قاعدة عظيمة من قواعد الشرع الحنيف، وهي أن الضرر يزال، وقد جاء الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للمضار والمشاق في قول رسول الله ﷺ: «من ضار أضر الله به، ومن شاق شق الله عليه»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة (جة/ ٢٣٤٢) عن أبي صرمة، وجاء ذلك في كتاب الله في غير موضع في مضارة الزوجة والورثة، قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ (٦)﴾ [الطلاق: ٦].
[ ٤ / ٤٢٢ ]
منع مضارة الجار وذكر أمثلة عن ذلك
• قوله:
٤٠ - «فلا يفعل ما يضر بجاره من فتح كوة قريبة يكشف جاره منها، أو فتح باب قبالة بابه، أو حفر ما يضر بجاره في حفره، وإن كان في ملكه».
ما ذكره هنا كله داخل في الإضرار بالجار، وهو غير جائز، والكوة بفتح الكاف وضمها الطاقة، فإن كانت تكشف من الجار ما لا يجوز منع فتحها، وإن كانت مفتوحة على بستانه ففيها خلاف، والظاهر عدم المنع، ومن فتحها قضي عليه بسدها، وإن كانت سابقة على بيت الجار فلا يقضى بسدها، ولكن يمنع من التطلع على الجار منها، فإن كانت مرتفعة عن قامة المرء بحيث لا يمكن التطلع منها إلا بسلم لم يمنع من فتحها، وقال النبي ﷺ: «من ضيق منزلا أو قطع طريقا أو آذى مؤمنا فلا جهاد له»، رواه أحمد وأبو داود عن معاذ بن أنس، وكون الحديث فيه بيان عقاب المؤذي المؤمن لا يعني أن غير المؤمن يجوز ذلك معه، وتضييق المنزل وقطع الطريق يتجاوز المؤمن.
ومما مثل به المؤلف للمضارة أن يفتح بابا قبالة باب جاره إن كانت السكة غير نافذة، ومعنى ذلك أن عموم الناس لا يمرون بها، قالوا بخلاف ما إذا أحدث حانوتا قبالة باب جاره فإنه يمنع منه ولو كانت السكة نافذة، لكون الحانوت سببا في اجتماع الناس قبالة بابه، وتطلعهم على ما في الدار عند فتحه، ومما ذكره أن يحفر بئرا أو غيره قريبا من جدار جاره فيتصدع بسببه.
وهذه الأمور ونحوها صارت الدول تراعيها قبل الموافقة على الإذن بالبناء، كما يراعى الموضع المناسب لإحداث مواضع الحرف الفردية كالنجارة والحدادة والترصيص ومواد البناء حتى لا تسبب الإزعاج للسكان، وجرى العرف بتعليق الإخبار بذلك مدة ما وتلقي الاعتراضات قبل الموافقة، فيما يسمى بالمحاسن والمساوئ، أما المناطق الصناعية فيقضي التنظيم بفصلها عن العمران تماما وإلزام العاملين بتركيب الأجهزة والآلات المانعة من نشر تلوث الهواء والماء، وتقليل الأضرار، وكل هذه الأمور يعتبرها الشرع ويقرها وهي داخلة من غير شك في حديث لا ضرر ولا ضرار.
[ ٤ / ٤٢٣ ]
بقضى بالحائط المشترك لمن إليه القمط والعقود
• قوله:
٤١ - «ويقضى بالحائط لمن إليه القِمْط والعقود».
القِمْطُ بكسر القاف وسكون الميم جمعه أقماط، وهي معاقد الحيطان، وأصله الحبل الذي تشد به قوائم الشاة عند الذبح، وما يشد به الصبي في المهد، ونحو هذا في الصحاح للجوهري، وهو من الدارج عندنا، والعقود جمع عقد، والمراد بها تداخل الحيطان، فمن كان الداخل في جهة جاره من جهته أو كان أصل المعاقد إلى جهته، واختلف مع جاره في الجدار ولا بينة لأحدهما ولا يعلم أيهما السابق في البناء قضي لمن كانت الأقماط والعقود في جهته بيمينه، لأن العرف جار أن وجه الحائط يكون إلى الداخل وأن ما كان من نتوءات وزوائد يكون إلى الخارج، ومثل الأقماط والعقود الطاقة إن لم تكن نافذة، أما إن كانت هذه الأمور من جهتيهما أو لم توجد فإنه يقضي بالحائط لهما معا.
وقد روى الدارقطني والبيهقي عن حارثة بن ظفر أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في وسطها حظارا ثم هلكا وترك كل واحد منهما عقبا فادعى كل واحد منهما أن الحظار له من دون صاحبه فاختصم عقباهما إلى النبي ﷺ، فأرسل حذيفة بن اليمان فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر النبي ﷺ، فقال له: «أصبت»، وفيه دهثم بن قُران وهو متروك كما في التعليق المغني، ورواه ابن ماجة (٢٣٤٣) مختصرا عن دهثم أيضا عن نمران بن حارثة عن أبيه حارثة بن ظفر، والحظار والحظيرة ما يعمل للإبل من الشجر ونحوه ليقيها الريح والبرد.
[ ٤ / ٤٢٤ ]
• قوله:
٤٢ - «ولا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ».
الماء والكلأ إما أن يكونا في أرض صاحبهما أو لا، وقد تكلم المؤلف هنا على ما إذا كان الماء في غير أرضه بدليل ما يأتي من قوله: «ومن كان في أرضه عين أو بئر فله منعها،،،».
والمؤلف ﵀ ولوع بإيراد النصوص الدالة على الحكم الذي يريد ذِكْرَهُ أو ما يقاربه، وما الفقه من غير سنة رحمك الله؟، وقد ذكر هنا نص حديث رواه مالك عن أبي هريرة مرفوعا، ورواه البخاري ومسلم عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ»، والفضل هو الزائد عن الحاجة، والكلأ الحشيش رطبا كان أو يابسا.
ووجه الربط بين منع الأول ومنع الثاني بجعله علة له أن أرباب الماشية إذا علموا أنهم لا تسقى مواشيهم من الماء تركوا المراعي القريبة منه، أما القول بأن المواشي إذا لم تشرب لم تأكل شيئا، واعتباره من باب سد الذرائع كما قاله ابن ناجي فلينظر.
وفي المدونة: أرأيت الحديث الذي جاء لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلإ»، قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا، ولا أحسبه إلا في الصحارى والبراري، وأما في القرى والأرضين التي قد عرفها أهلها واقتسموها وعرف كل إنسان حقه فلهذا أن يمنع كلأها عند مالك إذا احتاج إليه»، انتهى.
قالوا وكما لا يجوز له منعه لا يجوز له هبته ولا بيعه ولا يورث عنه، سواء أكان غديرا أو بئرا حفرت بالصحراء لا للملكية، أما في الأرض المحروثة فقد قال مالك: إذا كانت الأرض للرجل فلا بأس أن يمنع كلأها إذا احتاج إليه، وإلا فَلْيُخَلِّ بين الناس وبينه»، وهو في المدونة (٤/ ٣٧٤)، ومما لا يجوز له المنع منه عندهم أن يحفر البئر بنية السقي لا بقصد التملك، أما قول رسول الله ﷺ: «من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته»، رواه البيهقي عن عبد الله بن مغفل، فإن المراد والله أعلم من حفر في أرض موات.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
الفرق بين الماء في الأرض المملوكة والذي في الفلاة
المسلمون شركاء في ثلاث الكلأ والماء والنار
وقد جاء في منع بيع الماء ومنع الناس منه ما ينبغي أن يكون عبرة للعالمين في هذا العصر الذي عم فيه بيعه، فمن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: رجل يحلف على سلعة لقد أعطي فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف يمينا بعد العصر ليقتطع به مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك»، ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «من منع فضل مائه أو فضل كلإه منعه الله من فضله يوم القيامة»، رواه أحمد، ومنه حديث جابر عند مسلم والنسائي وابن ماجة (٢٤٧٧) قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء»، ولم يعزه في مسالك الدلالة لمسلم، وعن أبي المنهال قال: سمعت إياس بن عَبْدٍ المُزَنِي - ورأى ناسا يبيعون الماء - فقال: «لا تبيعوا الماء، فإني سمعت رسول الله ﷺ نهى أن يباع الماء»، رواه الأربعة واستثنى في مسالك الدلالة ابن ماجة مع أنه عنده، وروى أبو داود (٣٧٤٤) عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ قال: غزوت مع النبي ﷺ ثلاثا أسمعه يقول: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلإ والماء والنار».
قال الخطابي: «معناه الكلأ الذي يَنْبُتُ في موات الأرض، يرعاه الناس، ليس لأحد أن يختص به دون أحد، أو يحجره عن غيره، وأما الكلأ إذا كان في أرض مملوكة لمالك بعينه فهو مال له ليس لأحد أن يشركه فيه إلا بإذنه»، انتهى، وقد نازع بعض أهل العلم في هذا فذهبوا إلى ظاهره وقالوا إن هذه الأمور الثلاثة لا تملك، ولا يصح بيعها مطلقا، وإن كان المشهور بين العلماء فيها هو أن المراد ما لم يحز منها بملك، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: «اعلم أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها فتدل على الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقا، ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل يخص به عمومها لا بما هو أعم منها مطلقا كالأحاديث القاضية بأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، لأنها مع كونها أعم إنما تصلح للاحتجاج بها بعد ثبوت المال وثبوته في الأمور الثلاثة محل النزاع»، انتهى، ومراده بثبوت المال مشروعية تملك الشخص لهذه الأمور الثلاثة كغيرها مما يتملك، والمذهب كما علمت حمل الأحاديث على ما كان من الآبار في الفلاة لأنها مباحة لكل الناس.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
أهل آبار الماشبة أحق بها حتى يسقوا
• قوله:
٤٣ - «وأهل آبار الماشية أحق بها حتى يسقوا، ثم الناس فيها سواء».
أما أن أهل آبار الماشية أحق بها فلأنهم حفروها لأنفسهم ولشرب مواشيهم، فهم أحق بها لأن رب الشيء أحق به، فما زاد عن حاجتهم فلا يجوز لهم منع الناس منه، قال النفراوي معللا: «لأنهم لم يحفروها لبيع مائها»، انتهى، وقوله ثم الناس فيها سواء، أي فلا يبيعوا الفاضل عن حاجتهم للنهي عن ذلك، وهم سواء متى استووا في الوصف، فإن اختلفوا كالمسافر والحاضر قدم المسافر، ولبعض أهل المذهب ترتيب فيمن يقدم من الناس ومن الحيوان في السقي، وهو ترتيب لا يسع المرء إلا التسليم به لأن قواعد الشرع تقره، ومحصله أنه يقدم شرب رب الماء، ثم يشرب المسافر ثم الحاضر، وبعد ري الأنفس يأتي دور الدواب، فتقدم دواب رب الماء، ثم دواب المسافر، ثم ماشية رب الماء، ثم ماشية المسافر، ثم ماشية الناس في الفضل سواء، وإنما قدمت الدواب على الماشية لأنه إن خيف عليها الموت ذكيت فانتفع بها بخلاف غيرها فإنها تنفق وتضيع على أربابها.
ولما تكلم على حكم الماء الكائن في الغدران أو في آبار الماشية التي تحفر لمجرد السقي منها لا بنية تملكها شرع فيما كان من العيون والآبار في الأرض المملوكة فقال:
[ ٤ / ٤٢٧ ]
لمالك العين منعها إلا أن تنهدم بئر جاره وله زرع يخاف عليه
• قوله:
٤٤ - «ومن كان في أرضه عين أو بئر فله منعها إلا أن تنهدم بئر جاره وله زرع يخاف عليه فلا يمنعه فضله، واختلف هل عليه في ذلك ثمن أم لا»؟.
الأرض المملوكة قد تكون مملوكة بذاتها، أو بمنفعتها كالمكتراة والموهوبة، فصاحب هذه الأرض له أن يمنع ماءه أو يبيعه إلا أن يخاف على ضياع زرع غيره، ولا مال مع صاحبه فيجب عليه أن يمكنه منه مجانا ولا يتبعه بثمنه على المعتمد، ولما كان عدم جواز منع فضل الماء لا يلزم منه منع أخذ ثمنه بَيَّنَ الخلاف فيه بقوله: «واختلف هل عليه،،،» الخ، والمذهب أنه لا ثمن عليه في ذلك ولو كان مليا، وهو ظاهر ما في المدونة.
وأقول في ختام هذه الفقرة إني كنت ذكرت لبعض أصدقائي ما جاء في النهي عن بيع الماء ومنع الناس منه، وفضل التصدق به، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «أفضل الصدقة سقي الماء»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم عن سعد بن عبادة ﵁، فنفعه الله بهذا الحديث، فلا تكاد تراه يسافر إلا ومعه الماء يعطيه لمن يمر به من العمال والرعاة ونحوهم، ولا يكاد منزله يفرغ من الماء المعبإ يعطي من يزوره ويزوده به فجازاه الله خيرا، ورزقنا العلم بما نتعلم قال مالك: أدركت الناس وما يعجبهم القول ولكن يعجبهم العمل، وكان السلف يقولون: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، وروى الطبراني عن أنس ﵁ أن سعدًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمِّي توفيت، ولم توص، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: «نعم، وعليك بالماء".
[ ٤ / ٤٢٨ ]
لا يمنع المرء جاره من غرز خشبة في جداره
• قوله:
٤٥ - «وينبغي أن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبة في جداره، ولا يقضى عليه».
دلّ على هذا حديث أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين؟، والله لأرمين بها بين أكتافكم، رواه مالك في الموطإ والشيخان وبعض أصحاب السنن، وقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبة في حائط جاره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع»، رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس، فنفى الضر المبتدأ به، والضرار وهو الذي يفعل ليقابل به، ومذهب مالك كراهة منع الجار من ذلك، ولهذا قال المؤلف: «ولا يقضى عليه»، لكنهم قيدوا عدم القضاء له بما إذا لم يضطر إليه وإلا قضي له به، وهكذا إن قبل أن يغرز خشبته في جداره فليس له الرجوع إلا بعد المدة المعينة للغرز أو المعتادة في مثل ذلك، وقد صدر مالك كتاب المرفق في الموطإ بحديث «لا ضرر ولا ضرار»، وذكر بعده حديث المسألة التي نحن بصددها، فكأنه بذلك أورد معتمده في صرف النهي عن المنع إلى الكراهة، ولا ريب أن الجار إن تضرر بوضع جاره الخشبة في جداره، فإن الأمر ليس كما إذا لم يتضرر، فإن من ذهب إلى إيجاب ذلك قيده بما إذا لم يتضرر به المالك، وأن لا يُقَدَّمَ على حاجة المالك، فالظاهر مع هذه القيود الإيجاب، وما ورد من الأدلة مما يدل على حرمة مال المسلم وعدم حله إلا بطيب نفسه، فإنه أعم من هذا، لأن «معناه التمليك والاستهلاك، وليس المرفق من ذلك لأن النبي ﷺ قد فرق في الحكم بينهما، فغير واجب أن يجمع ما فرق رسول الله ﷺ»، قاله ابن عبد البر.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
ما أفسدته الماشية من الزرع بالليل فضمانه على أربابها
• قوله:
٤٦ - «وما أفسدت الماشية من الزرع والحوائط بالليل فذلك على أرباب الماشية، ولا شيء عليهم في فساد النهار».
كلامه هنا في الدابة التي لا سائق لها ولا قائد ولا راكب، لأن الكلام على هذا قد تقدم في قوله من باب الدماء والحدود: «والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة»، فما أتلفته الماشية بالليل فهو على أربابها، يضمن المثلي مثليا والقيمي قيميا، ولو كان أكثر من قيمة الدابة، وذلك ما لم يكونوا قد ربطوها ربطا وثيقا أو أغلقوا عليها الباب ثم تفلتت، غير أنهم فرقوا بين العبد يجني فإنه يُسَلَّمُ في جنايته إلى المجني عليه، بخلاف الماشية فلا تُسَلَّمُ، ولعل الوجه فيه أن العبد مكلف بخلاف الماشية.
وقول المؤلف: «من الزرع والحوائط»، يخرج ما لو وطئت أحدا نائما بالليل فقتلته مثلا فإنه لا ضمان على ربها، أما ما أفسدته بالنهار وهي غير معروفة بالعداء فلا ضمان عليهم فيه على الأصل كما تقدم، وقد قال رسول الله ﷺ: «العجماء جرحها جُبَار، والبئر جُبَار، والمعدن جُبَار، وفي الركاز الخمس»، رواه مالك (١٥٨٣) والشيخان وأصحاب السنن الأربعة، قال مالك: وتفسير الجُبَار أنه لا دية فيه»، انتهى، لكن رب الماشية يضمن ما أتلفته بالليل إن كان معها راعيها الذي له القدرة على منعها، لأنه حينئذ بمثابة الراكب والقائد والسائق، وهكذا إذا سرحت قريبا من المزارع والحوائط، وذهب يحي بن يحي الليثي إلى الضمان مطلقا، وألزم به القضاة في الأندلس، ولمالك رواية تردد فيها، وللباجي في المنتقى تفصيل جيد في المسألة يحسن الاطلاع عليه.
ودليل المشهور ما رواه مالك (١٤٣١) عن حرام بن محيصة أن ناقة البراء ابن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها»، وهو مرسل صحيح، قد
[ ٤ / ٤٣٠ ]
وصله أبو داود وابن ماجة (٢٣٣٢)، وانظر الصحيحة للألباني (ح/ ٢٣٨)، ومعنى ضامن على أهلها مضمون كما قاله ابن عبد البر.
وللمسأله أصل في شرع من قبلنا، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٧/ ٢٠٥): «ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن النفش لا يكون إلا بالليل»، انتهى، ويقال عن الماشية نفشت بالليل وهملت بالنهار، وهذا كما ترى ليس فيه التعرض لحكم الإتلاف بالنهار.
[ ٤ / ٤٣١ ]
من وجد سلعته في التفليس جاز له أن يحاص الغرماء وأن يأخذها
من وجد سلعته بعد موت المدين فليس له إلا المحاصة
• قوله:
٤٧ - «ومن وجد سلعته في التفليس فإما حاصص، وإلا أخذ سلعته إن كانت تعرف بعينها، وهو في الموت أسوة الغرماء».
كلامه هنا على بعض مسائل التفليس، وهو مصدر فلس المشدد، يقال: فلسه الحاكم تفليسا إذا حكم بذلك عليه، وقد قيل إن التفليس عدم المال، والظاهر أنه كذلك بقيد سبق وجوده، ففي مقاييس اللغة يقال: أفلس الرجل صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم»، انتهى، يريد أنه لا يملك إلا أدنى المال، وهو الفلوس، وفي اللسان: «أفلس الرجل إذا لم يبق له مال»، انتهى.
وقد قسموا التفليس قسمين: التفليس الأعم، وهو قيام ذي الدَّيْنِ على المدين الذي ليس عنده ما يفي بدينه، أي الذي تزيد ديونه على ما يملك، ومن أحكامه أن لصاحب الدَّيْنِ أن يمنع من أحاط الدَّيْنُ بماله من التبرعات، ومن السفر الذي يحل فيه وقت الدين، لكن لا يمنعه مما ينمي به ماله كالبيع والشراء، والقسم الثاني هو التفليس الأخص، وهو حكم الحاكم بخلع مال المفلس لغرمائه لعجزه عن قضاء ما لزمه، ومن أحكامه أن المفلس يُمْنَع من تصرفاته كلها، إلا أن يبيع لأجل الوفاء قال الحسن: «إذا أفلس وتبين لم يجز بيعه ولا عتقه ولا شراؤه»، علقه البخاري.
والمقصود أن من باع سلعة ولم يقبض ثمنها من المشتري حتى فُلس، فإن وجدها بعينها عند المفلس، وشهدت له بينة بذلك، فهو بالخيار إما أن يحاصص غيره من الغرماء، وهم الدائنون فيأخذ بنسبة ما له منه، فإن بقي له شيء فهو في ذمة المدين، وإن لم يختر المحاصصة فله أن يأخذ سلعته نفسها بالثمن الذي باعها به، لا فرق بين أن تكون قيمتها قد علت أو نزلت، وتخيير من وجد سلعته بعينها ثابت ما لم يدفع له الغرماء ثمن سلعته، فإن دفعوه له فلا كلام له، كما قيد هذا التخيير بما إذا كان التفليس طارئا بعد البيع، أما إن كان
[ ٤ / ٤٣٢ ]
قبله مع علم الدائن به فإنه لا يكون أحق بسلعته، بل ليس له إلا المحاصصة، لأنه دخل على التفليس.
وقد بين المؤلف مفهوم التفليس بقوله: «وهو في الموت أسوة الغرماء»، يريد أنه إذا مات المدين، فإنه ليس للدائن إلا محاصصة الغرماء بثمن سلعته، ولو وجد متاعه بعينه، وذلك لانتقال الملك إلى الورثة، ولأن الدليل إنما دل على حالة التفليس، أما غيرها فيستوي فيها الدائنون
ودليل أخذ الدائن سلعته إن وجدها بعينها ما رواه مالك (١٣٧٠) وأبو داود (٣٥٢٠) عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء»، وهو مرسل، وفي الموطإ (١٣٧١) والصحيحين وسنن أبي داود (٣٥٢٢) وابن ماجة عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أدرك ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره»، وقوله ﷺ: «أسوة الغرماء»، الأسوة بضم الهمزة وكسرها ما يؤتسى به ويتبع، والمعنى أنه مثلهم.
قلت: التقييد الذي في الحديث وهو قوله ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا» لا بد من اعتباره، ولأنه قد صرح بمفهومه في رواية البيهقي قال: «وإن كان قبض من ثمنها شيئا فهي أسوة الغرماء».
[ ٤ / ٤٣٣ ]
تعريف الضمان، وأقسامه وهي ضمان المال وضمان الوجه وضمان الطلب
• قوله:
٤٨ - «والضامن غارم، وحميل الوجه إن لم يأت به غرم حتى يشترط أن لا يغرم».
الضمان مصدر ضمن يضمن من باب فرح، ويقال الضامن والحميل والزعيم والكفيل، وقد عرف خليل الضمان بقوله «شغل ذمة أخرى بالحق»، فشغل ذمة جنس، وقوله أخرى، يخرج البيع والحوالة، والذمة في التعريف يراد بها الواحدة والمتعددة، وقد تعقب بأنه غير مانع وغير جامع، وعرفه ابن عرفة بقوله: «التزام دَيْنٍ لا يسقطه، أو طلب من هو له لمن هو عليه»، فخرجت الحوالة بقوله: «لا يسقطه»، وقوله: «أو طلب،،، الخ»، يدخل ضمان الوجه وضمان الطلب.
والضمان من المعروف، فلا يجوز أخذ المعاوضة عليه، ومثله القرض والشفاعة، وقد قال النبي ﷺ: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها منه فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا»، رواه أحمد وأبو داود عن أبي أمامة، وقد تقدم ذكره.
ويصح الضمان من أهل التبرع، أي ممن له ذلك، ولا يشترط فيه رضا المضمون عنه، ويرجع الضامن على مضمونه بما أداه عنه، قال ابن عاصم:
وسمي الضامن بالحميل … كذاك بالزعيم والكفيل
وهو من المعروف فالمنع اقتضى … من أخذه أجزائه أو عوضا
وصح من أهل التبرعات … وثلث من يمنع كالزوجات
ويأخذ الضامن من مضمونه … ثابت ما أداه من ديونه
والضمان أقسام ثلاثة:
- ضمان مال، وهو التزام دَيْنٍ لا يسقط عمن هو عليه، وهو المراد بقول المؤلف
[ ٤ / ٤٣٤ ]
«والضامن غارم»، وقد دل عليه قول النبي ﷺ: «العارية مؤداة والمنحة مردودة والدَّيْنُ يقضى والزعيم غارم»، رواه أبو داود (٣٥٦٥) والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث أبي أمامة ﵁.
- والثاني ضمان الوجه، وهو إحضار الغريم وقت الحاجة إليه، فتبرأ ذمة الضامن بذلك، ولو كان المضمون ميتا، فإن لم يأت به غرم لأنه داخل في عموم الدليل المتقدم، لكن إن اشترط عدم الغرم لم يغرم، لأن المسلمين على شروطهم.
- والثالث ضمان الطلب، وهو التفتيش عن الغريم المضمون، ولا غرم على الضامن إلا إذا فرط أو تخلى عما التزمه، قال خليل: «وضمن إن فرط أو هرب وعوقب»، انتهى.
وقال ابن عاصم:
ويبرأ الضامن للوجه متى … أحضر مضمونا لخصم ميتا
[ ٤ / ٤٣٥ ]
تعريف الحوالة وحكمها وحكمة مشروعيتها
• قوله:
٤٩ - «ومن أحيل بِدَيْنٍ فرضي فلا رجوع له على الأول، وإن أفلس هذا إلا أن يغره منه».
تكلم المؤلف على الحوالة قبل إنهاء الكلام على الضمان لقرب معناها منه، وهي بفتح الحاء، قال في القاموس: «الحوالة كسحابة»، وقد عرفوها بأنها «نقل الدَّيْنِ من ذمة إلى ذمة تبرأ به الأولى»، انتهى، وقال ابن عرفة: «هي طرح الدَّيْنِ عن ذمة بمثله في أخرى»، انتهى، وحكمها الجواز، وقد يقال إنها تتعدى ذلك لما فيها من تقليل الذمم المشغولة، والشرع متشوف إلى هذا، ولأن النبي ﷺ قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والمطل التأخير من وقت لآخر، وأتبع معناه أحيل، والمليء الغني، وقوله فليتبع ثلاثي بسكون التاء وفتح الباء، أي جعل تابعا للغير بطلب حقه منه، وقيل بشد التاء رباعي اتبع، والحوالة مستثناة بالدليل من أصل ممنوع وهو بيع الدَّيْنِ بالدَّيْنِ لأنها في معناه، والحكمة منها تقليل الذمم المشغولة، فمن أحيل بدَيْن ثابت له على شخص ورضي بالحوالة فلا يقبل منه الرجوع عنها، بمطالبة المحيل بدفعه له ولو أفلس المحال عليه إلا أن يكون المحيل غارا له كأن يعلم بإفلاس المحال عليه.
ثم أشار إلى بعض شروط الحوالة بقوله:
[ ٤ / ٤٣٦ ]
لا تكون الحوالة إلا في الدين
• قوله:
٥٠ - «وإنما الحوالة على أصل دَيْنٍ وإلا فهي حمالة».
معناه أن شرط الحوالة أن يكون للمحيل دَيْنٌ على المحال عليه، فإن لم يكن له دَيْنٌ عليه فإنها تعتبر ضمانا وحمالة، ولو وقعت بلفظ الحوالة، والفرق بينهما أن الحوالة تبرأ بها ذمة من عليه الدَّيْنُ، بخلاف الضمان فإن الضامن يرجع بما أدى على المضمون بعد إثباته الدفع، ويشترط في الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، لا المحال عليه، إلا أن يكون بين المحال والمحال عليه عداوة، ومنها ثبوت دَيْنٍ لازم للمحيل على المحال عليه، لأنها عقد لازم كما مر، ولا يتصور لزومه مع عدم لزوم الدَّيْنِ، ومنها إقرار المحال عليه بالدَّيْنِ، ولو كان للمحيل على الدَّيْنِ بينة لاحتمال الطعن فيها أو الإتيان بما يبطلها، فيتسع النزاع وينتشر، ومن شروطها حلول الدَّيْنِ المحال به فقط.
[ ٤ / ٤٣٧ ]
لا يغرم الحميل إلا في حال عدم الغريم أو غيبته
• قوله:
٥١ - «ولا يغرم الحميل إلا في عُدم الغريم أو غيبته».
هذا رجوع من المؤلف إلى إتمام الكلام على الضمان، فيكون قيدا لقوله والضامن غارم، فَذِكْرُهُ معه أولى، وسيعود للحديث عن التفليس، ووجه ذكره هنا بيان الفرق بين الحمالة والحوالة في الضمان، وقد جمع بينهما مالك في موطئه في ترجمة (القضاء في الحمالة والحول)، ومعنى كلامه أن ضامن المال لا يغرم إلا إذا كان الغريم معدما، أو غائبا غيبة بعيدة، فلا يُستوفى الحق منه إلا إذا تعذر استيفاؤه من الأصل كالرهن، أما إن لم يكن عند المضمون إلا بعض الدين فإن الضامن يكمل الباقي.
[ ٤ / ٤٣٨ ]
يحل بموت المدين والمفلس كل دين عليه
• قوله:
٥٢ - «ويحل بموت المطلوب أو تفليسه كل دَيْنٍ عليه، ولا يحل ما كان له على غيره».
المراد بالمطلوب هو المدين، ومعنى حلول الدين بموته وجوب رده إلى صاحبه، وهو وارثه، فإن كان الدائن يعلم منهم من هو أمين عدل صح والله أعلم أن يُسَلَّمَ إليه، وإلا تعين إخبار الورثة كلهم، ووجه حلول الدين بموت المدين أن الأجل في الدين للرفق به، وبموته يزول هذا، بل الرفق به أن يؤدى عنه دينه كما علم من عدم صلاته ﷺ على من عليه دين حتى يقضى، ولأن ماله صار لغيره من الورثة، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، ولقول النبي ﷺ: «نفس المؤمن معلقة بدَيْنِهِ حتى يقضى عنه»، رواه الترمذي (١٠٧٨) وحسنه، وابن ماجة (٢٤١٣) وغيرهما عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ: «من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة: من الكنز، والغلول والدَّيْن»، رواه ابن ماجة (٢٤١٢) عن أبي هريرة.
وقوله ﵊: «من فارق الروح الجسد» عائده محذوف، فإما أن يقال من فارق روحه جسده، فتكون الألف واللام عوضا عن المضاف إليه، أو يقدر العائد محذوفا مع حرف الجر، أي من فارق الروح الجسد منه.
وأما حلول الدين بالتفليس - والمراد به هنا الأخص منه، وهو حكم الحاكم به لا مجرد قيام الغرماء عليه - فلأنه يفسد الذمة، فأشبه الموت، وقد قيدوا حلول الدين بالموت والتفليس بما إذا لم يكن صاحب الدين قد قتل المدين، لأنه حينئذ متهم بقتله لتعجيل حصوله على الدين، والثاني أن لا يكون من عليه الدين شرط عدم الحلول بالموت أو بالفلس.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
لا يحل بموت المدين وتفليسه ما له من الديون على غيره
وكل هذا إذا مات المدين أو أفلس، أما لو حصل ما ذكر للدائن فإنه لا يحل ما له على غيره من الدين لوجود ذمة من عليه الدين، لكن إن شرط الحلول بموته أو فلسه فقد قيل يعمل به حيث وقع الشرط خارج العقد، لأنه إن وقع فيه أدى إلى فساده لجهالة الأجل، والله أعلم.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
لا يباع العبد المأذون له فيما عليه من الديون ولا يتبع بها سيده
• قوله:
٥٣ - «ولا تباع رقبة المأذون فيما عليه، ولا يتبع به سيده».
كلامه هنا عن العبد الذي أذن له مالكه في التجارة، فإنه إذا أفلس لا يجوز بيعه في الدين المترتب عليه، ولا يتبع به سيده، وإنما يكون ذلك في ذمته سواء أبقي في ملك سيده، أم أعتقه، لكن إن قال سيده عاملوه وما عاملتموه فذلك علي فإنه يتبع به، ويباع في الدين العبد لأن السيد صار ضامنا والعبد ماله.
[ ٤ / ٤٤١ ]
يحبس المدين الذي لا يعرف حاله ليستبرأ ولا يحبس المعدم
• قوله:
٥٤ - «ويحبس المديان ليستبرأ، ولا حبس على معدم».
استدل بعضهم على هذا بقول النبي ﷺ: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة (٢٤٢٧) عن عمرو بن الشريد، وليس بمتجه لتقييد حل عقوبة المدين بما إذا كان واجدا، أي قادرا على الأداء، واللي هو المطل وهو التأخير من وقت إلى وقت، وحل عرضه معناه شكايته كأن يقول ظلمني، وعقوبته فسرت بسجنه.
وفي كلام المؤلف ما يدل على أن الذي يحبس إنما هو مجهول الحال حتى يثبت عسره بشهادة رجلين عدلين، دل على قوله «ليستبرأ»، أي ليعلم حاله.
أما من علم عسره - وهو المعدم بفتح الدال - فلا يحبس لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة: ٢٨٠]، والملي يحبس، فإن أبى الأداء عزر بين الحين والآخر حتى يؤدي ما عليه.
قال النفراوي ﵀ في شرحه على الرسالة عما ينبغي أن يتوفر في الحبس: «إلا أن الذكر يحبس مع الذكور، والأنثى مع النساء، قال خليل: «وحبس النساء عند أمينة خالية وذات أمين، والخنثى المشكل ومثله الشاب الذي يخشى عليه يحبس منفردا، ولا يجوز وضع حديد ونحوه في عنق المحبوس إلا أن يكون معروفا بالعداء»، انتهى، وقال: «لا يجوز لحاكم ولا صاحب حق منع من يسلم على المحبوس ولا من يخدمه إذا اشتد مرضه، وقيل مطلقا، وله منع زوجته من الدخول عليه للجلوس عنده، لا إن أرادت السلام عليه كغيرها فلا تمنع، وعكسه كذلك لو كانت هي المحبوسة، وأما لو كان أحد الزوجين محبوسا لحق صاحبه لجاز له الدخول والإقامة أيضا»، انتهى.
[ ٤ / ٤٤٢ ]
ما انقسم بلا ضرر من ربع أو عقار تعين قسمه
ما في القسمة من المصالح للمشتركين
• قوله:
٥٥ - «وما انقسم بلا ضرر قسم من ربع أو عقار، وما لم يتقسم بغير ضرر فمن دعا إلى البيع أجبر عليه من أباه».
الكلام هنا على القسمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨]، وقال تعالى عن المشركين الذين يجعلون لله ما يكرهون وهن البنات: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢]، وقال نبينا ﷺ: «الشفعة فيما ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة».
والقسمة في اللغة بيان أنصباء من لهم شركة في الشيء، وسبب الشركة متعدد كالإرث والشراء والاتهاب، ومتى طلب القسمة أحد الشركاء نظر، فإن كان مما يقسم من غير ضرر أعني من غير تفويت مصلحته كالأرض والبناء استجيب له، لأن حاجة الناس إلى القسمة قائمة حتى يتمكنوا من التصرف في أموالهم بالبيع وغيره، ولأنه قد يكون في الشركة ضرر.
أما إن كان المشترك فيه مما لا يقبل القسمة أو يقبلها بضرر كالثوب والخف والرحا والحمام، فهذا متى طلب واحد من الشريكين البيع لزم الآخر قبوله، وإلا أجبر عليه، وله حق الشفعة على ما تقدم.
وقد قال ابن عرفة في حد القسمة: «هي تصيير مشاع من مملوك مالكين معينا ولو باختصاص تصرف فيه بقرعة أو تراض»، انتهى.
وقد ذكر في تعريفه أنواع القسمة الثلاثة، وهي
قسمة التراضي، وقسمة القرعة، وهاتان تكونان في الأعيان، وتختص قسمة القرعة بأنها لا تكون إلا في صنف واحد مما تماثل أو تجانس كما سيأتي.
[ ٤ / ٤٤٣ ]
والثالثة قسمة المهايأة، ولا تكون إلا في المنافع، اتحدت أو تعددت، وهي كالإجارة، فيلزم فيها تعيين الزمن، ومثالها أن يكون لشخصين دار فيتفقان على أن يسكنها أحدهما سنة والآخر سنة، ولا يشترط تساويهما في زمن المنفعة حيث كان ذلك بالتراضي.
وقد أوضح قسمة المهايأة ابن عرفة بقوله: «اختصاص كل شريك فيه بمشترك فيه عن شريكه زمنا معينا من متحد أو متعدد»، انتهى.
[ ٤ / ٤٤٤ ]
قسمة التراضي والقرعة والمهايأة
لا تكون قسمة القرعة إلا في صنف واحد
• قوله:
٥٦ - «وقسم القرعة لا يكون إلا في صنف واحد».
القسمة بالقرعة لا تكون إلا في صنف واحد كالعقار والحيوان، واختلف في مشروعيتها في المثليات كالمكيلات والموزونات، ولعل سبب الاختلاف عدم الحاجة إليها لأن التساوي فيها يتحقق، فإن كان الذي يراد قسمه بالقرعة متعددا أجريت القرعة على كل صنف على حدة، ولا بد فيه مع ذلك من التعديل والتقويم، أي الاجتهاد في جعل الأنصباء متقاربة القيمة ما أمكن، ولذلك يرد فيها بالغبن، ويجبر عليها من أباها، ولا يجوز الجمع فيها بين حظ اثنين، كأن يقسم شيء بين ثلاثة قسمين، ثم يقال هذا لاثنين وهذا لواحد وتجرى القرعة بعد ذلك قال في الموطإ: «سمعت مالكا يقول فيمن ترك أموالا بالعالية والسافلة إن البعل لا يقسم مع النضح إلا أن يرضى أهله بذلك، وإن البعل يقسم مع العين إذا كان يشبهها، وان الأموال إذا كانت بأرض واحدة الذي بينهما متقارب أنه يقام كل مال منها ثم يقسم بينهم والمساكن والدور بهذه المنزلة»، انتهى، العالية والسافلة موضعان بالمدينة، والبعل ما يشرب بعروقه وقيل ما سقي بماء السماء، والنضح، المراد ما سقي بالناضح وهو البعير الذي يحمل الماء، وإنما رأى جمع البعل مع العين لأن كلا منهما يخرج منه العشر، وإنما لم يجمع البعل وخلافه في قسمة القرعة لأنها تكون بالجبر، لكن إن رضي الشركاء أن تقسم بينهم بالقرعة أو تراضوا من غير قرعة جاز ذلك.
[ ٤ / ٤٤٥ ]
لا يرد أحد الشركاء للآخر شيئا على وجه الشرط في قسمة القرعة
• قوله:
٥٧ - «ولا يؤدي أحد الشركاء ثمنا، وإن كان في ذلك تراجع لم يجز القسم إلا بتراض».
هذا في القسمة بالقرعة، يعني أنه لا يصح فيها أن يرد أحد الشريكين للآخر شيئا، ومثاله: أن يتفقا على الاقتراع على سيارتين، فيقال: من أخذ السيارة كذا يعطى عشرين ألف دينار لمن أخذ الأخرى، فهذا لا يصح، لأن ذلك يخرج القسمة أن تكون بالقرعة إلى أن تكون بيعا، والبيع لا يكون إلا عن تراض كما جاء في الحديث، والقرعة مبنية على الإجبار فتنافيا.
ويذكر أن مالكا روى في موطئه (١٤٣٠) بلاغا عن ثور بن يزيد الديلي أنه قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام»، وهو عند أبي داود وابن ماجة من حديث ابن عباس نحوه وصححه الألباني في الإرواء (ح/ ١٧١٧)، وفيه أصل عظيم من أصول القسمة، فقد يكون فيه دليل على أنه لا ينبغي مراجعتها بعد طول العهد وتملك الناس أموالهم والتصرف فيها لما ينشأ عن ذلك من المفاسد، ومن هذا الباب تقرير الإسلام الكفار على أنكحتهم إذا أسلموا وعلى أملاكهم ومواريثهم، ولهذه المسألة علاقة بالمبدأ المعمول به في عرف الدول اليوم، ويعبرون عنه بقولهم احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، ويظنون أنه من مخترعات القوانين الدولية المعاصرة، لكنهم لا يعملون به إلا إذا خدم مصالحهم.
[ ٤ / ٤٤٦ ]
وصي الوصي مثل الوصي
• قوله:
٥٨ - «ووصي الوصي كالوصي».
التشبيه واقع على من أوصاه الولي وهو الأب، فإن له أن يوصي غيره لأن الأب أنزله منزلته، وهكذا وإن تسلسل، فيكون بمنزلته في كل ما للوصي فعله من نكاح وغيره، ولا يصدق ذلك على من جعله الحاكم وصيا، فليس له أن يوصي غيره ويحله محله، وقد سبق شيء من هذا في النكاح.
[ ٤ / ٤٤٧ ]
للوصي أن يتجر في أموال اليتامى ويزوج إماءهم
• قوله:
٥٩ - «وللوصي أن يتجر بأموال اليتامى، ويزوج إماءهم».
يريد أنه يجوز للوصي أن يدفع أموال اليتامى لمن يتجر فيها على وجه القراض أو غيره من المعاملات لتنمى لهم، قالوا وله أن لا يفعل، لأن ذلك ليس واجبا عليه، وذكروا أنه يكره له أن يعمل فيها بنفسه لئلا يحابيها، إلا أن يكون عمله مجانا، ومن صح عنده حديث «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة»، وقد تقدم فيها ارتقى الحكم من الإباحة إلى ما فوقها، وقولُ المؤلف: «ويزوج إماءهم»، يعني إماء اليتامى، ولا فرق بين الإماء والعبيد، وقد تقدم في باب النكاح الكلام على تزويج أولاد من أوصاه حيث قال: «وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته، ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها»، والله أعلم.
[ ٤ / ٤٤٨ ]
يعزل الوصي غير المأمون
• قوله:
٦٠ - «ومن أوصى إلى غير مأمون فإنه يعزل».
من أوصى لفاسق ابتداء سقطت وصيته، وكذلك إذا طرأ عليه الفسق، وكذلك لو أوصى لعاجز، أو لمن ليس له كفاءة، أو طرأ ذلك عليه فإنه يعزل، لأن الشروط المطلوب توفرها في الوصي تراعى ابتداء ودواما.
[ ٤ / ٤٤٩ ]
يبدأ في تركة الميت بالكفن فالدين فالوصايا فالميراث
• قوله:
٦١ - «ويبدأ بالكفن ثم الدَّيْن ثم الوصية ثم الميراث».
ذكر ترتيب ما يخرج من تركة الميت هو بباب الفرائض أليق، وتقديم الكفن على غيره لا خلاف فيه، وإن اختلف في مقدار ما يقضى منه للميت عند التشاح، ووجه تقديمه أن المال إنما انتقل إلى الوارث لأن الميت لم يعد في حاجة إليه، والكفن وسائر مؤن التجهيز المشروع ليس كذلك، ويقدم الكفن ولو أتى على جميع التركة، ويليه رد الدين ثم الوصية من ثلث الباقي، وقد قيد الله في أربعة مواضع من كتابه دفع سهام الوارثين بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، قال ابن كثير ﵀: «أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يؤخذ من فحوى الآية الكريمة»، انتهى، قال بعض أهل العلم: «وإنما قدمت الوصية لشبهها بالميراث من جهة أنها بغير عوض، فقدمت عليه للمسارعة لإخراجها، ولذا أتى بأو للتسوية بينهما في الوجوب، وليفيد تأخر الإرث عنهما مجتمعين»، انتهى، قلت غير أنه في المذهب يقدم من أفراد الدين الحق المتعلق بالذات كالمرهون والعبد الجاني.
[ ٤ / ٤٥٠ ]
لا تقبل منازعة من حاز دارا عشر سنين من الحاضر العالم بذلك
• قوله:
٦٢ - «ومن حاز دارا على حاضر عشر سنين تنسب إليه وصاحبها حاضر عالم لا يدعي شيئا فلا قيام له».
إذا حاز المرء دارا أو غيرها من أنواع العقار وصاحبها حاضر ليس بينه وبينه شركة ولا قرابة قريبة وهو عالم بدعواه الملكية ساكت لم يتكلم من غير عذر ولا إكراه، ومضى على ذلك من الزمان ما يتمكن منه المرء من السعي في استرداد ماله دل ذلك على أن المحوز ليس له لقضاء العرف بخلاف ذلك، فإن لم يأت ببينة على أنه قد أكرى أو أعار أو نحو ذلك فلا شيء له، وقد استدلوا على تلك المدة التي لا تقبل فيها الدعوى بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له»، رواه ابن وهب عن سعيد بن المسيب مرسلا، وفيه عبد الجبار الأيلي وهو ضعيف، وقد رواه عبد الجبار أيضا عن زيد بن أسلم، قلت: ورواه أبو داود في مراسيله عن هلال بن بشر حدثنا يحيى بن محمد سمعت زيد بن أسلم فذكره بلفظ: «من احتاز شيئا عشر سنين فهو له»، وهلال ثقة، ويحيى صدوق يخطئ كثيرا كما في التقريب لابن حجر، والحديث في الضعيفة للألباني ﵀ يرقم (٤٨٥٣)، وقيل إن المدة سبع سنين، وقيل إن الأمر يرجع إلى اجتهاد الحاكم وهو قول مالك، وهو الذي يتجه.
[ ٤ / ٤٥١ ]
لا تعتبر تلك المدة مع الأقارب والأصهار
• قوله:
٦٣ - «ولا حيازة بين الأقارب والأصهار في مثل هذه المدة».
يريد أن حيازة المرء للعقار والأرض في تلك المدة لا تقتضي الملكية إن كان ما حازه لقريبه كالإخوة والأعمام أو لصهره، ووجه ذلك أن المرء له من المعاملة مع قريبه وصهره وشريكه بحيث يمكنه من أملاكه ويخول له التصرف فيها ما لا يفعله مع غيره من الناس، فمضي تلك المدة ليس حجة على الملكية بالحيازة، بل لا بد من مضي مدة أكبر كأربعين سنة متى كان التصرف بالهدم والبناء لا بالزرع فقط، وهذا ما لم يكن بين الأقارب والأصهار عداوة وإلا فهم كالأجانب في المدة، أما الابن مع أبيه فالأمر مختلف إذ لا حيازة إلا مع الزمن الطويل الذي تهلك فيه البينات وينقطع فيه العلم.
[ ٤ / ٤٥٢ ]
لا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين ولا بقبضه منه
• قوله:
٦٤ - «ولا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين أو بقبضه».
المؤلف لا يريد مطلق المرض، بل المخوف منه بخاصة، فإن إقراره بالدين للوارث يتهم فيه، فلا يقبل منه من غير بينة، فإن فيه إثبات مال للوارث فصار كالوصية له، ومثل ذلك إقراره بقبض الدين الذي له على الوارث من غير بينة، كما لو قال الدين الذي لي على ابني فلان - وهو بار به مع وجود العاق - قد أداه، وقد تقدم ذكر نكاح المريض وطلاقه وله صلة بما هنا فانظره.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
من أوصى بحج أنفذ والوصية بالصدقة خير من ذلك
• قوله:
٦٥ - «ومن أوصى بحج أنفذ، والوصية بالصدقة أحب إلينا».
لا فرق في لزوم إنفاذ وصية المرء المريض بالحج عن نفسه بين الصرورة وهو من لم يسبق له الحج وغيره، فأما إن أوصى بأن يحج عنه في حال الصحة وهو صرورة فلا تنفذ وصيته، ووجهه أنه قادر على الحج ففرط فيه، والاستنابة إنما تكون عند العجز وفيه نظر.
واعلم أن إنفاذ الوصية بالحج على ما تقدم مكروه عندهم، قالوا والمكروه ينفذ، وقد قال خليل: «ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلا كره»، انتهى.
وقد ترتب على القول بإنفاذ الوصية المكروهة مفاسد جمة ولاسيما في المساجد التي يحبسها أناس ويوصون بأن يدفنوا فيها، فلما كان الدفن في المساجد مكروها عندهم فحسب، قالوا تنفذ الوصية!!، وقد حضرت افتتاح مسجد في مدينة بلعباس بعيد استعادة الاستقلال وأشرف على افتتاحه وزير الأوقاف يومئذ وهو توفيق المدني ﵀ صحبة الشيخ الطيب بويجرة ﵀ وأعلنت وصية المحبس من على المنصة وذكر وجه إنفاذها الذي أشرت إليه ودفن بعد موته في المسجد، فتسبب ذلك في هجرانه من كثير من الناس، والحق أنها وصية لا يجوز إنفاذها، ولو من الواقف، فكيف إذا كان غيره؟ كما حصل غير مرة، ومنه هذا الذي جرى بعين مران من ولاية الشلف حيث توفي إمام مسجد فيها وأوصى أن يدفن في المسجد فنفذت وصيته وتنفيذ هذه الوصية لا يجوز باتفاق المالكية وغيرهم لأنها في غير ملك الموصي، ولا فيما حبسه واشترط فيه، وقد أرمت الجهة الحاكمة وجمجمت لمناصرتها للطرقية وأهل الضلال، وهي تزعم أنها تتبع المرجعية الوطنية.
وقد قل هذا الأمر في بلادنا في العقود الأخيرة، لكننا ما زلنا نعاني آثار ما حصل من قبل بسبب تلك الفتاوي، ونعيش متاعب التشدد من جهة، والتساهل من جهة أخرى، ولو أخذنا بآراء من توسعوا في سد الذرائع لمنعنا الناس من الصلاة في مساجد كثيرة، والحال أن القبر ليس في قاعة الصلاة، ولا في قبلتها ولا يعرف معظم الناس مكانه.
[ ٤ / ٤٥٤ ]
ولما كانت الوصية بالحج مكروهة عندهم بَيَّنَ المؤلف ما هو أولى من ذلك بقوله: «والوصية بالصدقة أحب إلينا»، للاتفاق على انتفاع الميت بها ووصول ثوابها ولاسيما إذا كان ذلك على وجه الوقف فتكون صدقة جارية وقد قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁.
قلت: إنما تنفذ الوصية بالصدقة إذا أوصى بها على الوجه المشروع، أما إن أوصى بغير المشروع فلا تنفذ وتصرف إن قبل الورثة في وجه مشروع، ومن أوصى أن يجتمع الناس في منزله ويقرأ عليه القرآن أو يذبح عنه في الوعدة فهذا لا يجوز إنفاذه ويصرف إلى الوجه المقبول شرعا.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
إذا مات أجير الحج قبل أن يتم فله بحسب ما سار
• قوله:
٦٦ - «وإن مات أجير الحج قبل أن يصل فله بحساب ما سار، ويرد ما بقي، وما هلك بيده فهو منه».
الإجارة على الحج مختلف فيها، جوزها الأئمة على غير وجه الإجارة المعروفة لأن تكون رزقا يعطى لمن ينوب، وجوز مالك والشافعي الإجارة، وهي أقسام.
قال في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٥٤٦): «فالمعاوضة في الحج على ثلاثة أضرب: حج بأجرة معلومة، وحج بنفقة ما بلغت، وتسمى أجرة على البلاغ، وحج بأجرة على وجه الجعالة، وهو أن يلزم نفسه شيئا، ولكن إن حج كان له من الأجرة كذا، وهي من وجه البلاغ انتهى.
فالحج بأجرة معلومة يسميه بعضهم إجارة ضمان، وهي إما في شخص بعينه، وإما في ذمته، والحج على البلاغ معناه أن يعطى مقدار ما يحتاجه في النفقة ذهابا وإيابا بالعرف، والحج على الجعالة أن يُستأجر على أن يحج، فإن لم يكمل الحج فلا شيء له.
ومنهم من يجعل المعاوضة أربعة أقسام بأن يجعل إجارة الضمان قسمين إجارة في الذمة وأخرى في الشخص نفسه، والمؤلف إنما تكلم على نوعين هما: البلاغ والضمان، وإجارة الضمان مفضلة على غيرها لما فيها من الاحتياط للمال.
ومعنى كلامه أنه يُضمن للأجير على الحج ما أنفقه فيه، فإن أتم الحج فذاك، وإن مات أو منع قبل إنهاء ما عليه فله أو لورثته بحسب ما سار، وهذا لأنه عمل فيما استؤجر لأجله ولم يتمكن من إتمامه فلو لم يعط بمقدار ما سار لذهب عمله هدرا، وسواء مات قبل الوصول إلى مكة، أو بعد الوصول وقبل إتمام ما عليه فعله، وعليه أن يرد ما بقي من المال هو أو وارثه، وإن ضاع المال أو بعضه من أجير الضمان فإنه يضمنه لأنه قد قبض، فيرده كله إن لم يَسِرْ شيئا، أو يرد بقدر ما زاد على حقه، أما لو وقع العقد جعالة فلا يستحق الأجير بموته أو منعه شيئا من المال قبل التمام.
واستثنى من ضمان الحاج الأجير فقال:
[ ٤ / ٤٥٦ ]
إجارة الضمان وإجارة البلاغ والجعالة في الحج
إذا أخذ أجير الحج المال على وجه البلاغ فالضمان على من استأجره
• قوله:
٦٧ - «إلا أن يأخذ المال على أن ينفق على البلاغ فالضمان من الذين واجروه، ويرد ما فضل إن فضل شيء».
يعني أن إجارة البلاغ يأخذ الأجير فيها بقدر ما أنفق ذهابا وإيابا، فإن مات قبل الإتمام فله من المال بقدر ما سار بالعرف، وإن ضاع المال فلا ضمان عليه، وإن نفدت النفقة أنفق من عنده ورجع بما زاد على من وَاجَرَهُ، وإنما كان الضمان على الذين واجروه على البلاغ إذا هلك المال الذي معه لأنهم فرطوا في إجارة الضمان ولجأوا إلى إجارة البلاغ.
[ ٤ / ٤٥٧ ]