الفرائض جمع فريضة، والمراد النصيب الذي أوجبه الشرع للوارث، فهي بمعنى مفروضة، يقال فرضت الشيء أفرضه وفرّضته مشددا للتكثير تفريضا بمعنى أوجبته، ولذلك تطلق على ما بلغ من النعم ما تجب فيه الزكاة، وفي الفرض معنى القطع، وهو يلتقي مع الإيجاب، وإن كان أعم منه، كما يلتقي مع التقدير.
ويسمى هذا العلم بعلم الفرائض، وعلم المواريث، والمواريث أعم من الفرائض، لأن الأولى تشمل وراثة المال، وسائر الحقوق التي تورث من غير المال بأن تنتقل إلى الأَولى بها.
وقد عرف بأنه «علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث»، وقال بعضهم: «هو العلم بالأحكام العملية المختص تعلقها بالمال بعد موت مالكه تحقيقا أو تقديرا»، وتحقق الملك والموت معلوم، وتقديرهما كما في المفقود والجنين، فالأول مقدر الموت، والثاني مقدر الملك، وانظر الفواكه الدواني للنفراوي، قال الحطاب في مواهب الجليل: «فحقيقته مركبة من الفقه المتعلق بالإرث، ومن الحساب الذي يتوصل به إلى معرفة ما يجب لكل وارث»، انتهى.
فالذي يُدْرَسُ في هذا الباب قسمان:
أولهما: ما يرجع إلى معرفة أحكام الله تعالى من كون هذا له النصف أو الثلث أو الربع أو كونه عاصبا مع غيره أو وحده.
والثاني: ما يرجع إلى معرفة الحساب، والأول قد يحتاج معه إلى الحساب وقد لا يحتاج إليه.
فمثال ما لا يحتاج إلى الحساب ما إذا ترك المتوفى ابنا فقط، أو ابنا وبنتا، فينبغي أن يعلم من يزاول قسمة الميراث أن الابن عاصب يحوز المال كله إذا انفرد ولم يترك الميت أبا ولا أما ولا زوجا ولا جدا ولا جدة، وفي الحالة الثانية ينبغي أن يكون عالما بأن للذكر
[ ٤ / ٤٥٨ ]
أسباب الإرث وأركانه وموانعه
مثل حظ الأنثيين، فيأخذ الابن ثلثي المال والبنت ثلثه، فهذا يكفيه.
والقسم الثاني هو الحساب، وهذا كثيرا ما يحتاج إليه، ولاسيما في العول، وتصحيح المسائل، والمناسخات، وهو محتاج إلى التدرب عليه بالممارسة، ولو بالافتراض كما يفعل المؤلفون لتوضيح المسائل.
وقد روى البيهقي عن الأعمش عن إبراهيم قال سألت علقمة عن الفرائض، فقال: «إذا أردت أن تَعَلمها فأمت جيرانك وورث بعضهم من بعض»، انتهى.
وموضوع هذا العلم التركات، وهي لا تقتصر على المال، بل تشمل كل حق يقبل التجزي، يثبت لمستحقه بعد موت من كان له، والحق جنس يتناول المال وغيره كالخيار في البيع، فإنه إذا مات امرؤ قبل انقضاء أمد الخيار فإن ذلك الحق ينتقل إلى وارثه، ومن ذلك حق الشفعة، فلو اشترك زيد وعمرو في دار، فباع زيد حصته وثبتت الشفعة لعمرو، ومات قبل أخذه بها؛ فإن ذلك الحق ينتقل إلى وارثه، ولو قتل خالد بكرا، وكان لبكر أخ هو عمرو فمات، فإن حق القصاص ينتقل لوارثه، ومن أعتق شخصا كان له الولاء عليه، فإن مات انتقل ذلك الحق إلى ولده، ومن كان له أخت فولاية النكاح عليها له، فإن مات انتقلت الولاية لابنه إن لم يكن لها أخ غيره، وقد تبين لك من هذا أنه لا يراد بالتجزي خصوص تمايز الحقوق بالانفصال، بل المقصود أن يقال لزيد نصف الحق ولعمرو ثلثه مثلا، وقد لا يقبل الحق التجزي بل ينتقل إلى الغير حسب الترتيب المقرر شرعا كما في ولاية النكاح والحضانة والوصاية.
وعلم المواريث يبحث عن العوارض الذاتية للتركة، أي ما يَلْحَقها بالقيود ككون نصف التركة للزوج عند عدم وجود فرع وارث للزوجة، وثمنها للزوجة عند وجود الفرع الوارث للزوج، وتقييد العوارض بالذاتية مخرج للعوارض غير الذاتية كأن تتلف التركة أو تسرق أو تستحق، فهذا لا يبحث في هذا العلم، بل موضع بحثه الأبواب الخاصة بتلك المسائل، أما غاية هذا العلم فهي أن يعطى كل ذي حق حقه من تركة الميت طاعة لله تعالى.
وللإرث أركان وأسباب وشروط وموانع.
فأركانه ثلاثة وارث ومورث وشيء يورث.
[ ٤ / ٤٥٩ ]
وأسبابه أربعة: القرابة المخصوصة، ويرث به الأبوان، ومن أدلى بهما، أي وصل بهما إلى الميت، والأولاد ومن أدلى بهم في الجملة، والنكاح، ويرث به الزوج والزوجة فأكثر، والولاء، ويرث به المعتق بكسر التاء ذكرا كان أو أنثى، وعصبة المعتق، والرابع بيت المال إن لم يكن عاصب.
وبيت المال مختلف في اعتباره وارثا، فاشترط بعض أهل العلم في اعتباره وارثا انتظامَه، ثم رأوا أن هذا الانتظام ميئوس منه، والمذهب اعتباره عاصبا منتظما كان أو غير منتظم، قال الدردير وكلامه ممزوج بكلام خليل: «(ثم) يليه (بيت المال) وإن لم يكن منتظما، وحسبه ربه، فيأخذ جميع المال إن انفرد، أو الباقي بعد ذوي الفروض، ولا يدفع ما فضل عن ذوي السهام إن لم يوجد عاصب من النسب أو الولاء (لذوي الأرحام)، إلى أن قال: «وقيد بعض أئمتنا بما إذا كان الإمام عدلا، وإلا فيرد على ذوي السهام، ويدفع لذوي الأرحام»، انتهى.
قلت: هذا الأخير هو الحق، وهو الذي قاله ابن عبد البر في الكافي، وأبو بكر الطرطوشي، وقال ابن ناجي في شرحه للرسالة عند قول ابن أبي زيد: (وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس): «فإن كان الإمام عدلا دفع الواجد الخمس له، يصرفه في محله، وإن كان غير عدل فقال مالك يتصدق به الواجد ولا يدفعه إلى من يعيث فيه، وكذلك العشر وما فضل من المال عن الورثة، ولا أعرف اليوم بيت مال، وإنما هو بيت ظلم»، انتهى، ولينظر شرح الحطاب ﵀ المسمى مواهب الجليل عند قول خليل: «ثم بيت المال، ولا يرد ولا يدفع لذوي الأرحام»، انتهى، فقد أفاد وأجاد.
ويعتبر النكاح سببا في الميراث ولو كان فاسدا متى كان مختلفا في فساده، ولا يشترط في الميراث بالنكاح الدخول بالمرأة كما هو معلوم، ولا يمتنع ميراث المطلقة طلاقا رجعيا ما لم تنقض عدتها.
وشروط الميراث ثلاثة: تَقُدُّمُ موت الموروث أو إلحاقه بالموتى، واستقرار حياة الوارث، أو إلحاقه بالأحياء حكما وهو الحمل، والعلم بالجهة المقتضية للإرث
وللميراث موانع ثلاثة قيل إنها مما اتفق عليه، وهي الرق بجميع أنواعه، لأن توريث
[ ٤ / ٤٦٠ ]
المملوك هو توريث لمالكه، فإن ماله لسيده، وقد اختلفوا مع ذلك في الرقيق هل يملك أو لا يملك، والثاني القتل العمد، والقتل الخطأ في الدية بخاصة على المذهب، والظاهر المنع مطلقا، ويظهر أن حرمان القاتل من الميراث عقوبة مالية أنزلها الشرع به متى عفي عنه سدا لباب الطمع الذي قد يكون وراء القتل، أما المقتول فيرث القاتل، ومثاله أن يجرح شخص والده ثم يموت الولد قبل موت والده، والثالث اختلاف الدين بالإسلام والكفر، والمعتبر في ذلك وقت موت المورث، فلا ميراث لكافر أسلم بعد موت المورث وقبل قسم التركة.
أما ما ذكر في كتاب الله من الوارثين من الأبناء والآباء والإخوة وغيرهم فقيل إن المراد بعمومهم الخصوص، لأنهم ليسوا أبناء ولا إخوة، فإن اختلاف الدين قد قطع هذه الصلة كما قال الله تعالى لنوح ﷺ: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (٤٦)﴾ [هود: ٤٦]، أو يقال وهذا أولى: إن ذلك على العموم، وجاءت السنة مخصصة له فمنعت التوارث بين المسلم والكافر، ونقل عن معاوية وأبي ذر ﵄ توريث المسلم من الكافر، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وفي الاستدلال بهذا نظر، لكن ينبغي أن ينظر فيما عليه الأمر اليوم من الأموال التي تعطى في دول الكفار للمسلمين المتزوجين من الكتابيات، ولا يرث الكفار من ملة كفار ملة أخرى، فلا يرث النصراني اليهودي، كما قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]، وفي حديث جابر عن النبي ﷺ: «لا يتوارث أهل ملتين»، رواه الترمذي، ورواه النسائي والحاكم عن أسامة، وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عمرو عن النبي ﷺ قال: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، والوصف الذي هو شتى، حجة على أن الكفر ملل في الميراث، إذ لو كان المقصود منع التوارث بين المسلمين والكفار فحسب؛ لما احتيج إلى الوصف المذكور، بل فيه دليل على أن الفرق التي تكون داخل النصرانية أو اليهودية لا تمنع التوارث، وقد ذهب بعضهم إلى منع التوارث بين الفرق المختلفة داخل ملة الكفر الواحدة، وسيذكر المؤلف هذه الموانع الثلاثة، وإنما قدمتها للمناسبة، ومن موانع الميراث انتفاء النسب باللعان، واستبهام التقدم والتأخر في الموت، أي عدم معرفة المتقدم من المتأخر من المتوارثين، قال:
[ ٤ / ٤٦١ ]
الحقوق المتعلقة بالتركة
إبطال ما كانت عليه الجاهلية في الميراث
ويمنع الميراث فاعلم سته … فخمسة تمنع منه البته
الكفر والرق وقتل العمد … والشك واللعان فافهم قصدي
وواحد يمنعه في الحال … وهو الذي لم يعر عن إشكال
ومن المختلف فيه اختلاف دار الكفار، فالذمي والحربي لا يتوارثان عند الحنفية، ومن ذلك الردة، فمال المرتد يكون فيئا للمسلمين، لكن هذا المانع مقيد عند بعضهم بما إذا لم يقصد المرتد حرمان ورثته، ومثله الزنديق.
وليعلم أن الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة بالاستقراء، ووجه ذلك أن الحق إما أن يكون ثابتا قبل الموت أو بعده، والثابت قبله إما أن يتعلق بالعين أي بشيء معين، أولا، فالمتعلق بالعين الحقوق العينية كالمرهون، والدين المطلق، أي غير المرتبط برهن، وهذان ثابتان قبل الموت، والثابت بالموت؛ منه ما يتعلق بالميت، وهو مؤن تجهيزه، فهو الثالث، والرابع الوصية، والخامس حق الورثة، وهما متعلقان بغير الميت، وقد قال عن هذه الخمسة خليل: «يخرج من تركة الميت حق تعلق بعين كالمرهون وعبد جنى، ثم مؤن تجهيزه بالمعروف، ثم تقضى ديونه، ثم وصاياه من ثلث الباقي، ثم الباقي لوارثه»، انتهى.
قال ابن العربي في أحكام القرآن في سورة النساء عن علم الفرائض: «وكان جل علم الصحابة وعظم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوه، وانتقلوا منه إلى الإجارات والسلم والبيوع الفاسدة والتدليس، إما لدين ناقص، أو علم قاصر، أو غرض في طلب الدنيا ظاهر، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، ولو لم يكن من فضل الفرائض والكلام عليها إلا أنها تَبْهَتُ منكري القياس وتخزي مبطلي النظر في إلحاق النظير بالنظير فإن عامة مسائلها إنما هي مبنية على ذلك، إذ النصوص لم تستوف فيها، ولا أحاطت بنوازلها، وقد روى مطرف عن مالك قال، قال عبد الله ابن مسعود: «من لم يتعلم الفرائض والحج والطلاق فبم يفضل أهل البادية»، وقال وهب عن مالك: «كنت أسمع ربيعة يقول: «من تكلم في الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها»، انتهى، وستعلم بعد أن كلام ابن العربي ليس على عمومه فإن مجال الرأي في الفرائض محدود بالقياس إلى غيرها.
وقد كانت أسباب الميراث في الجاهلية ثلاثة: أولها: النسب، وهو خاص بالرجال
[ ٤ / ٤٦٢ ]
الفروض المقدرة في كتاب الله
بيان أصحاب الفروض
لِغَنَائِهِمْ في الحروب بقتال الأعداء، وجلبهم الغنائم والسبي، ولم يكن للضعيفين وهما الطفل والمرأة من الميراث شيء، والثاني: التبني، إذ كان الرجل يتبنى ولد غيره فيرثه ويثبت له غير ذلك من الحقوق، والثالث: الحلف والعهد، يقول الرجل لغيره دمي دمك، وهدمي هدمك، فيرث الحي منهما الميت، فلما جاء الإسلام أثبت الميراث للرجال وللنساء والأطفال ولو لم يولدوا، وأبطل التبني وما رتب عليه، ولعلّ أول ما جاء في كتاب الله لإبطال ما كان في الجاهلية قول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، وشرع الميراث بالمؤاخاة والهجرة في أول الأمر، وكانت الحكمة فيه ظاهرة، لأن معظم أقارب المسلمين كانوا كفارا فأحل الشرع محلهم غيرهم، ثم نسخ هذا الحكم، وصار الميراث عند جميع المسلمين لا يكون إلا بالنسب والصهر والولاء، ولينظر هنا الجامع لأحكام القرآن لقرطبي، وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا في سورة النساء.
والميراث إما أن يكون بالفرض أو بالتعصيب، والميراث بالفرض مقدم على الميراث بالتعصيب، والفروض المقدرة في كتاب الله ستة هي النصف، ونصف النصف، وربع النصف، والثلثان، ونصفهما، ونصف الثلث، أعني أن هذه الفرائض هي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس، ولا بأس أن نذكر أصحاب هذه الفروض إجمالا من غير تفصيل، ولا ذكر للقيود والحالات التي ينتقل فيها الوارث من فرض إلى آخر أو يمنع الميراث، على أن يذكر التفصيل أثناء الشرح إن شاء الله.
فأصحاب النصف خمسة، هم الزوج، والبنت الواحدة، وبنت الابن، والأخت الشقيقة الواحدة، والأخت الواحدة من الأب، وأصحاب الربع اثنان، هما الزوج، والزوجة واحدة فأكثر، وأصحاب الثمن جنس واحد، هو الزوجة الواحدة، أو أكثر، وأصحاب الثلثين أربعة، هن البنتان فأكثر، وبنتا الابن فأكثر، والأختان الشقيقتان فأكثر، والأختان لأب فأكثر، وأصحاب الثلث اثنان هما الأم، والأَخَوان لأم فأكثر، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم، وأصحاب السدس سبعة هم الأب، والجد، والأم، والجدة، وبنت الابن، والأخت لأب فأكثر، والأخ الواحد لأم، ذكرا كان أو أنثى.
[ ٤ / ٤٦٣ ]
وعامة أحكام هذا الباب مردها إلى نصوص الكتاب والسنة والإجماع، وقد يدخلها القياس الأولوي، وقد وجدت أن باب الفرائض أكثر الأبواب ذكرا للإجماع عند ابن المنذر بعد باب الحج، إذ بلغت الإجماعات فيه أزيد من خمسين، وبلغت الإجماعات والاتفاقات التي أثبتها ابن حزم في مراتب الإجماع في هذا الباب أزيد من مائة، وهو دليل على ما ذكرت، وأن القياس في الفرائض قليل بالنسبة لغيره، وقد ذكر البخاري تعليقا في باب تعليم الفرائض قول عقبة بن عامر ﵁: «تعلموا قبل الظانين»، يعني الذين يتكلمون بالظن»، انتهى، قال الحافظ: «فيه إشعار بأن أهل ذلك العصر كانوا يقفون عند النصوص ولا يتجاوزونها، وإن نقل عن بعضهم الفتوى بالرأي فهو قليل بالنسبة، وفيه إنذار بوقوع ما حصل من كثرة القائلين بالرأي، وقيل مراده قبل اندراس العلم، وحدوث من يتكلم بمقتضى ظنه، غير مستند إلى علم، وقال، قال ابن المنير: وإنما خص البخاري قول عقبة بالفرائض لأنها أدخل فيه من غيرها، لأن الفرائض الغالب فيها التعبد وانحسام وجوه الرأي، والخوض فيها بالرأي لا انضباط له، بخلاف غيرها من أبواب العلم فإن للرأي فيها مجالا، والانضباط فيه ممكن غالبا»، انتهى، وقال الفاكهاني: «وعلم الفرائض أجل العلوم خطرا، وأعظمها قدرا وأجرا، وهو من العلوم القرآنية والصناعة الربانية»، انتهى ببعض تصرف.
وقد جاء في الحض على تعلم الفرائض أحاديث منها ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما»، قال الحافظ: «رواته موثقون إلا أنه اختلف فيه على عوف الأعرابي اختلافا كثيرا،،،»، انتهى، وقال الترمذي: «هذا حديث فيه اضطراب»، انتهى، وروى البيهقي عن عكرمة قال: كان ابن عباس يضع الكبل في رجلي يعلمني القرآن والفرائض»، الكبل بفتح الكاف وكسرها وسكون الباء هو القيد، وروى أبو داود والدارقطني وابن ماجة في المقدمة والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «العلم ثلاثة وما سوى ذلك ففضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة»،
[ ٤ / ٤٦٤ ]
اعتبار قول زيد بن ثابت في الفرائض
لكن فيه زياد بن عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي وهو ضعيف، والآية المحكمة خلاف المنسوخة لأنها لا يعمل بها، والسنة القائمة هي الثابتة في الرواية، والفريضة العادلة، إما من العدل في القسمة فتكون معدلة على السهام والأنصباء المذكورة في الكتاب والسنة، أو هي المستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما فتعدل ما أخذ منهما»، هذا معنى ما ذكره الخطابي ﵀ في المعالم، والمعنى الأخير الذي ذكره للفريضة العادلة هو الذي يلتقي مع ما فهمه ابن ماجة من هذا الحديث لأنه لم يذكره في باب الفرائض، وقوله وما سوى ذلك فضل، أي لا حاجة إليه، فهو من فضول العلم، وروى الدارمي والبيهقي عن الأعمش عن إبراهيم قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: «تعلموا الفرائض فإنها من دينكم»، وهو منقطع.
وقال ابن عبد البر ﵀ كما في فتح الباري: «أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول زيد بن ثابت، وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم فيها قول علي بن أبي طالب، وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه إلا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب الانقياد له»، انتهى.
قلت: ويستدل أهل العلم على أن زيد بن ثابت ﵁ يترجح قوله على غيره كما هو صنيع البيهقي في كتابه السنن الكبرى بما جاء في حديث أنس بن مالك قال، قال رسول ﷺ: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبَيٌّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وإن لكل أمة أمينا، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ابن الجراح»، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقد تعلم زيد السريانية في أقل من شهر بأمر من النبي ﷺ، وأخذ ابن عباس بركابه، فقال له زيد: «تنح يا ابن عم رسول الله، فقال: «إنا هكذا نفعل بكبرائنا وعلمائنا»، رواه البيهقي عن أبي سلمة، لكن كون زيد أفرض الصحابة لا يلزم منه أن تكون كل أقواله في الفرائض راجحة، فهذا عبد الله بن عباس دعا له رسول الله ﷺ بأن يفقهه الله في الدين وأن يعلمه التأويل وهو حبر الأمة، ومع ذلك ترك الناس بعض ما ذهب إليه، ﵁ وعن أصحاب رسول الله أجمعين.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
الوارثون من الرجال
• قوله:
٠١ - «ولا يرث من الرجال إلا عشرة: الابن، وابن الابن وإن سفل، والأب، والجد للأب وإن علا، والأخ، وابن الأخ وإن بَعُدَ، والعم، وابن العم وإن بعد، والزوج، ومولى النعمة».
ذكر هنا الوارثين من الرجال، وعددهم عشرة بالإجمال، وخمسة عشر بالتفصيل، وهم الابن الذي هو أقوى العصبة، ولذلك ابتدأ به، وابن الابن وإن نزل، والأب، والجد وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ لأب، والأخ لأم، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، والعم الشقيق، والعم للأب، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب، والزوج، والمولى وهو المعتِق بكسر التاء، وكذا من يقوم مقام المعتق من ابنه أو معتق المعتق، فلا يرث غير هؤلاء كالجد لأم، وابن البنت، وابن الأخ لأم، والعم من جهة الأم، فهؤلاء من أولي الأرحام، وكل الوارثين من الرجال يرثون بالتعصيب إلا الأخ لأم، والزوج، فإنهما يرثان بالفرض، لكن قد يكون الزوج من العصبة كما إذا كان ابن عم لزوجته وتوفيت، أو كان معتقا لها، وقد يكون الأخ لأم ابن عم، فيجمع لهما بين الإرث بالفرض والتعصيب، وكذلك لو اجتمع ابنا عم لامرأة، أحدهما زوج، والآخر ابن لأم، فإن كلا منهما يأخذ فرضه، ثم يقتسمان الباقي بالتساوي تعصيبا، وقد ترجم بذلك البخاري، قال: «باب ابني عم أحدهما أخ للأم، والآخر زوج»، انتهى، وجميع الوارثين من الرجال يرثون بالنسب إلا الزوج، ومولى النعمة، إلا أن يكون الزوج ابن عم كما سبق، وقد قام الدليل على توريث هؤلاء، وسيأتي ذكره عند الكلام على ما لكل منهم من فرض أو تعصيب إن شاء الله.
[ ٤ / ٤٦٦ ]
الوارثات من النساء
• قوله:
٠٢ - «ولا يرث من النساء غير سبع: البنت، وبنت الابن، والأم، والجدة، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة».
بَيَّنَ هنا الوارثات من النساء، وهن سبعة بالإجمال، وعشرة بالتفصيل، البنت، وبنت الابن وإن نزل، والأم، والجدة لأم، والجدة لأب، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، والأخت لأم، والزوجة، والمعتقة، أو من يقوم مقامها كابنها، وسبب ميراث جميعهن النسب إلا الزوجة والمعتقة، وجميعهن يرثن بالفرض إلا الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات أو مع بنات الابن، والمعتقة، وإلا الأم في المسألتين المسماتين بالغراوين، وسيأتي ذكر الدليل على توريث هؤلاء عند الكلام على ما لكل منهن لكونه في الغالب مقترنا بذلك، وقد ذكر النفراوي ﵀ في شرحه المسمى الفواكه الدواني أمورا هامة رأيت إثباتها هنا مع بعض التصرف والإضافة، وهي:
- أن كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من الذكور فإنه لا يرث منهم إلا اثنان: الأب والابن، وبيان ذلك أن الأب يحجب من كان من جهته كالجد والأعمام والإخوة، والابن يحجب من كان يدلي به كابنه ومن دون ابنه.
- وثاني الأمور أن كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من النساء فإنه لا يرثه منهن إلا خمس الأم والبنت وبنت الابن والزوجة والأخت الشقيقة ومن عداهن محجوب على التوزيع.
- وثالثها أن كل من مات وخلف جميع من يرثه من الرجال والنساء فإنه لا يرثه منهم إلا خمسة الابن والأب والبنت والأم والزوجة.
- ورابعها أن كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من الذكور فإنه لا يرثها منهم إلا ثلاثة الابن والأب والزوج.
[ ٤ / ٤٦٧ ]
ذكر أمور ذات أهمية في الميراث
- وخامسها أن كل امرأة ماتت وخلفت جميع من يرثها من النساء فإنه لا يرثها منهن غير أربع بنتها وبنت ابنها وأمها وأختها الشقيقة.
- وسادسها أن كل امرأة توفيت وخلفت جميع من يرثها من الرجال والنساء لا يرثها منهم غير ابنها وأبيها وزوجها وأمها وبنتها.
- وسابعها أن كل من انفرد من الذكور فإنه يرث جميع المال إلا الزوج والأخ لأم، إلا أن يكون الزوج أو الأخ لأم ابن عم للميت أو يكون مولى له وقد تقدم بيان ذلك.
- وآخر هذه الأمور أن كل امرأة انفردت بالميراث فإنها لا تحوز المال كله إلا المعتقة لأنها ترث بالتعصيب، انتهى، وهذا بناء على عدم مشروعية الرد، وعدم توريث ذوي الأرحام.
واعلم أن الوارثين من الرجال والنساء قد يمنعن من الميراث بسبب الحجب، لكن منهم من لا يحجب بحال، إما لكونه يُدلَى به للميت ولا يدلي هو بأحد إليه، وهم الابن والأب والأم، أو لكون موجب الميراث هو السبب كالزوج والزوجة.
[ ٤ / ٤٦٨ ]
ميراث الزوج من زوجته
• قوله:
٠٣ - «فميراث الزوج من الزوجة إن لم تترك ولدا ولا ولد ابن النصف فإن تركت ولدا أو ولد ابن منه أو من غيره فله الربع».
دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، وهذا إجماع، ولا فرق في الولد الذي ينتقل بسبب وجوده الزوج من النصف إلى الربع أن يكون منه أو من غيره بنكاح أو زنا أو لعان من حر أو عبد مسلم أو كافر، لكن يشترط في الولد أو ولده أن يكون حرا مسلما غير قاتل، وحيث كان وارثا فإنه يحجب، ولا يحجب حيث لم يكن وارثا.
[ ٤ / ٤٦٩ ]
ميراث الزوجة من زوجها
• قوله:
٠٤ - «وترث هي منه الربع إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، فإن كان له ولد أو ولد ابن منها أو من غيرها فلها الثمن».
دلّ على هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، ولا فرق بين أن يكون الولد من المتوفاة أو من غيرها، ولو كانت أم ولد، ويشترط في توارث الزوجين أن يكون النكاح صحيحا أو مختلفا في صحته، ويتوارثان متى كانت العصمة قائمة بينهما، كأن طلقها وكان الطلاق رجعيا، ولم تنقض العدة، وقد سبق الكلام على حكم نكاح المريض وطلاقه، وسيأتي ذكره.
[ ٤ / ٤٧٠ ]
ميراث الأم من ولدها الثلث
• قوله:
٠٥ - وميراث الأم من ابنها الثلث إن لم يترك ولدا أو ولد ابن أو اثنين من الإخوة ما كانوا فصاعدا».
ميراث الأم من ولدها ذكرا كان أو أنثى؛ إما الثلث من رأس المال، أو ثلث الباقي، أو السدس من رأس المال، فترث الثلث من رأس المال إذا لم يترك ولدها ولدا، ولا ولد ابن، ولا اثنين من الإخوة فصاعدا، لا فرق بين أن يكونوا ذكورا فقط، أو إناثا فقط، أو ذكورا وإناثا، أشقاء كانوا أو لأب أو لأم، مع اشتراط أن يكونوا أحرارا غير قاتلين كما سبق، وقد دل على أن الأم ترث الثلث من رأس المال قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (١١)﴾ [النساء: ١١]، أي وورثه أبواه فحسب، هذا ما عليه الجمهور، وسيأتي التفصيل.
[ ٤ / ٤٧١ ]
ميراث الأم من ولدها ثلث الباقي في الغراوين
• قوله:
٠٦ - «إلا في فريضتين: في زوجة وأبوين، فللزوجة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للأب، وفي زوج وأبوين، فللزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للأب».
هذا مستثنى من ميراث الأم الثلث من رأس المال، وذلك في صورتين يسميهما الفرضيون بالعمريتين، وبالغراوين، وبالغريبتين: أولاهما أن يكون الوارثون زوجة وأبا وأما، والثانية أن يكون الوارثون زوجا وأبا وأما، فتأخذ الأم الثلث في الصورة، وإن كانت لا تأخذه في الحقيقة، بل تأخذ الربع، وإنما قيل بذلك رعاية للقاعدة المتقررة، وهي أن للذكر مثل حظ
[ ٤ / ٤٧٢ ]
الأنثيين، فجعلوها في هاتين الصورتين عاصبة لوجود الأب معها، ولو أعطيت الأم في الصورتين الثلث من رأس المال؛ لكان حظها في إحداهما ضعفي حظ الأب، ولا نظير له في اجتماع وارثين ذكر وأنثى يدليان بجهة واحدة، وفي الصورة الأخرى تأخذ أكثر، وذهب إلى هذا من الصحابة عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعلي ذكرهم ابن المنذر، والمسألة في الموطإ في ترجمة ميراث الأب والأم من ولدهما.
فأما الصورة الأولى فالمسألة فيها من أربعة: للزوجة الربع: سهم واحد، وللأم ثلث الباقي: واحد، وهو في الحقيقة الربع لا الثلث، وللأب ثلثا الباقي وهو النصف سهمان.
ولو أعطيت الأم الثلث من رأس المال لكانت المسألة من اثني عشر للزوجة ربعها، وهو ثلاثة أسهم، وللأم ثلثها، وهو أربعة أسهم، والباقي للأب وهو خمسة أسهم.
وأما الصورة الثانية فالمسألة فيها من ستة، للزوج نصفها ثلاثة أسهم، وللأم ثلث الباقي واحد، وللأب ثلثا الباقي اثنان.
ولو أعطيت الأم الثلث من رأس المال لكانت المسألة من ستة، لكن الأم تأخذ سهمين وهي ثلث ستة، ويأخذ الأب الباقي وهو سهم واحد، فتحول قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين إلى العكس وهو أن للأنثى حظ الذكرين.
والمسألة خلافية وقع التعارض فيها بين قاعدة أن للذكر مثل حظ الأنثيين، مع ما دلت عليه السنة من أن البداءة تكون بأصحاب الفرائض، وأن العصبة إنما يأخذون الباقي، الأولى منهم فالأولى، والأم من أصحاب الفرائض، والأب عاصب، وقد قال النبي: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄، والمراد بالأولى الأقرب، لأنه من الوَلْي وهو القرب لا الأحق، وإلا لخلا الحديث عن الفائدة قاله النووي ﵀، والحديث قاض بأن الأقرب إذا كان واحدا استأثر بالباقي، وإلا اشترك المتساوون في اقتسامه، واستثنوا من هذا من يُحجب كالأخ لأب إذا كان معه بنت وأخت شقيقة كما سيأتي إن شاء الله، وكذا يستثنى الأخ والأخت لأم، فإن الأخ الشقيق وإن كان أولى إلا أن الأخ لأم يقدم عليه لأنه صاحب فرض، وقوله ﷺ «ذكر»، هو للتوكيد حتى لا يتوهم أن مفهومه غير مراد، فإن التعبير بالرجل كثيرا ما تدخل فيه المرأة لتساوي المكلفين في الأحكام.
وقد ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن الأم تأخذ الثلث من رأس المال، وقال لا أجد ثلث الباقي في كتاب الله، وهو قول شريح القاضي وداود الظاهري، ومعتمدهم أن قول الله تعالى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ (١١)﴾ [النساء: ١١]، أعم من أن يكون مع الأم زوج أو زوجة أولا، ويقوي هذا المذهب الحديث المذكور، وهي عند الجمهور على معنى وورثه أبواه فحسب، والآية ظاهرة في أن الورثة الأبوان فقط، وقد أرسل ابن عباس ﵄ عكرمة إلى زيد بن ثابت فسأله عن امرأة تركت زوجها وأبويها قال: «للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي»، قال: «تجده في كتاب الله، أو تقول فيه برأيك»؟، قال: «أقول فيه برأيي، لا أُفَضِّلُ أُمًّا على أَبٍ»، انتهى، وهو في مصنف عبد الرزاق، ومن طريقه رواه ابن المنذر، كما رواه البيهقي، قال الخطابي: فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص، وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، فلما وجد نصيب الأم الثلث، وكان باقي المال وهو الثلثان للأب؛ قاس النصف الفاضل من المال على كل المال،،، إلى أن قال: وصار عامة الفقهاء إلى قول زيد»، انتهى، وذهب محمد بن
[ ٤ / ٤٧٣ ]
سيرين إلى أن الأم تأخذ ثلث المال كله في مسألة الزوجة، أما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي فرارا من أن تأخذ أكثر من الأب، وهو قول مركب من القولين ومحاولة من قائله للجمع بينهما، قال ابن المنذر: «وهذا قول لا نعلم أحدا قال به»، انتهى، وميراث الأم في هاتين الصورتين مما يُعَايَى به أي يُلْغَز، فيقال: امرأة ورثت الربع بالفرض من غير عول ولا رد وليست بزوجة»، ومعنى الرد أن يتوفى المرء عن صاحب فرض واحد أو متعدد ولا عاصب له، ويبقى من التركة شيء، فيعطى أصحاب الفروض فروضهم، ويُرد الباقي عليهم خلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهما، ومثال الرد أن يتوفى عن بنت تأخذ النصف فرضا والنصف الآخر ردا، وليس في المذهب الرد.
قال بعض أهل العلم في توجيه تقديم الزوجين على الأبوين في الميراث: «إن حق الأزواج في الأموال والنفقات آكد من حق الوالدين، وإن كانا أشرف وأجدر من الزوج بالاحترام، ذلك أن الوالدين يكونان عند زواج الولد عريقين في الاستقلال بأنفسهما في المعيشة من جهة، وأقل حاجة إلى المال من الأولاد وأزواجهم الذين أو اللواتي في سنهم غالبا لانصرام أكثر أعمارهما، ولأنهما إذا احتاجا إلى مال الأولاد كان ذلك على مجموع أولادهما، وأما الزوجان فإنهما يعيشان مجتمعين كل منهما متمم لوجود الآخر حتى كأنه نصف ماهيته، ويكون ذلك بانفصال كل منهما عن والديه لاتصاله بالآخر، فبهذا كانت حقوق المعيشة بينهما آكد، ولهذا تقرر في الشريعة أن يكون حق المرأة على الرجل في النفقة هو الحق الأول، فإذا لم يجد إلا رغيفين وسد رمقه بأحدهما وجب عليه أن يجعل الثاني لامرأته، لا لأحد أبويه، ولا لغيرهما من أقاربه، فصلة الزوجية أشد وأقوى صلة حيوية اجتماعية حتى إن صلة البنوة فرع منها، وإن كان حق الأولاد أقوى من جهة أخرى»، انتهى.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
ميراث الأم من ولدها السدس
• قوله:
٠٧ - «ولها في غير ذلك الثلث إلا ما نقصها العول إلا أن يكون للميت ولد أو ولد ابن أو اثنان من الإخوة ما كانا فلها السدس حينئذ».
باستثناء الصورتين السابقتين المسماتين بالغراوين؛ فإن الأم تأخذ الثلث من رأس المال، لكن قد ينقص نصيبها بسبب العول، وهذا لا يختص بها، والعول في اللغة يأتي لمعان منها الميل ورفع الصوت بالبكاء ويقال عال الرجل إذا كثر عياله أو افتقر، ولعل هذا المعنى هو المناسب للعول في الاصطلاح، وهو أن يكون نصيب الورثة أكثر من سهام التركة، فيلحق كلا منهم النقصُ بحسب نسبة ميراثه من التركة، أو يقال هو أن لا تفي التركة بالفروض المجتمعة فيها، ولا يقال ينبغي أن يرجح بعض الورثة على بعض فيعطى ويسقط غيره، فإنه ترجيح من غير مرجح، أو هو مما لا دليل عليه، لأن الشرع قد أمر بإعطاء أصحاب الفروض فروضهم فلزم أن يعطوا كلهم، أما العاصب فإن لم يبق شيء فلا يعال لأجله للتنصيص على أنه إنما يأخذ ما أبقت الفرائض، ونظير العول؛ تَحَاصُّ أصحاب الديون في مال المفلس، فإن ماله يوزع عليهم بنسبة ما لكل منهم، وقد تقدم.
ولا بأس بالتعجيل بذكر مثال للعول هنا، وهو ما إذا توفيت امرأة وتركت زوجا وأختين فالمسألة من ستة، فإن أخذ الزوج النصف لم يبق للأختين غير النصف، وإن أخذت الأختان الثلثين لم يبق للزوج غير الثلث، فتعول إلى سبعة للزوج ثلاثة، وللأختين أربعة، وكذلك لو مات امرؤ وخلف زوجة وأبوين وابنتين، فإن لكل من الأبوين السدس وللزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، فتكون المسألة من أربعة وعشرين، فلو أعطي كل من الأبوين السدس لكان نصيبهما ثمانية، ويضم إليه نصيب البنتين، وهو ستة عشر، فلم يبق للزوجة شيء، فتعول المسألة بقدر ثمن الزوجة، وهو ثلاثة، فتصير من سبعة وعشرين، وسيتكلم المؤلف على العول في نهاية الباب.
[ ٤ / ٤٧٥ ]
وفريضة الأم الثالثة هي السدس، وذلك إذا ترك ولدها ولدا أو ولد ابن، أو اثنين من الإخوة الأشقاء أو لأب أو لأم فصاعدا لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وظاهر قوله تعالى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أنها لا ترث السدس إلا أن يكونوا ثلاثة فأكثر لأن أقل الجمع ثلاثة، وعليه ابن عباس ﵄، وقد روي أنه قال لعثمان بن عفان ﵁: «بم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس؟، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، والأخوان في لسان قومك ليسا بإخوة»؟، فقال عثمان: «هل أستطيع نقض أمر كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟، انتهى، وفيه شعبة ابن دينار ضعيف، والأثر في تفسير الطبري، وقيل إنه قال له: «إن قومك حجبوها وهم أهل الفصاحة والبلاغة»، انتهى، ومراده أنهم أعرف باللغة، وقد ساق ابن العربي أدلة كثيرة من القرآن على إطلاق الاثنين وإرادة الجمع لكن مع وجود القرينة، فانظرها في كتابه أحكام القرآن، ومما استدل به لمذهب الجمهور قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]، ووجه ذلك أن أهل العلم أجمعوا أن من ترك أختا وأخا أن المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وإنما قال الله ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، مع أن المختار عند الأصوليين أن الاثنين أقل الجمع، وصلاة الجماعة تكون باثنين، وروى ابن ماجة والدارقطني عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «اثنان فما فوقهما جماعة»، وفيه مجهول، وليس يمتنع أن يكون الشرع قد اعتبر الاثنين في الإرث وفي صلاة الجماعة بمثابة الجماعة في الحكم، وبقيت اللغة على أصلها فلا تلازم بين الأمرين، ولعل هذا قريب من مراد قول مالك في الموطإ، قال بعد ذكر الآية: «فمضت السنة أن الإخوة اثنين فصاعدا»، انتهى، وقد نقل عن ابن عباس أن السدس الذي حجبت عنه الأم بالإخوة الثلاثة فأكثر يعطى لهم، وقال: «إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم، لا لأبيهم»، قال الطبري في التفسير: «فكفى إجماعهم على خلافه شاهدا على فساده»، انتهى.
[ ٤ / ٤٧٦ ]
ميراث الأب من ولده المال كله إذا انفرد
• قوله:
٠٨ - «وميراث الأب من ولده إذا انفرد ورث المال كله».
الكلام هنا على ميراث الأب وله ثلاث فرائض، أولاها أخذ المال كله من ولده المتوفى ذكرا كان أو أنثى، أو ما بقي منه بعد أخذ أصحاب الفرائض فرائضهم كالبنت وبنت الابن والأم، وهذا لكونه عاصبا له، وليس معه من يقدم عليه من ابن الميت وابن ابنه.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
ميراث الأب مع الابن أو ابن الابن السدس
• قوله:
٠٩ - «ويفرض له مع الولد الذكر أو ولد الابن السدس».
هذه هي فريضة الأب الثانية، وهي السدس من رأس المال متى خلف ولده ابنا
أو ابن ابن، لقول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾
[النساء: ١١].
[ ٤ / ٤٧٨ ]
جمع الأب بين السدس والتعصيب
• قوله:
١٠ - «فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن فرض للأب السدس وأعطي من شركه من أهل السهام سهامهم ثم كان له ما بقي».
فريضة الأب الثالثة أنه يأخذ السدس من أصل التركة، ثم يأخذ الباقي بعد إعطاء أصحاب الفروض فروضهم، وذلك إذا لم يترك المتوفى ابنا ولا ابن ابن، فيجمع الأب هنا بين الميراث بالفرض والتعصيب، يأخذ السدس بقول الله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ويأخذ الباقي تعصيبا لكونه أَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ كما قال رسول الله ﷺ: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، رواه الشيخان عن ابن عباس ﵄، والذي يرث معه الأب السدس في هذه الصورة إنما هو البنت وبنت الابن واحدة كانت أو أكثر، فلا بد من وجود واحدة منهما فأكثر، سواء وجد صاحب فرض آخر أَوْلَا، وذلك لكون أخذه السدس في الآية مقيدا بوجود الولد، والولد الذكر يقدم عليه في التعصيب، فيكون له السدس فحسب، أما الأنثى فلا شأن لها بالتعصيب، فيجمع الأب معها بين الفرض والتعصيب، وقد لا يبقى شيء يأخذه الأب، كما لو ترك امرؤ بنتين وأبوين، فالمسألة من ستة، للبنتين الثلثان أربعة، ولكل من الأبوين السدس واحد.
[ ٤ / ٤٧٩ ]
ميراث الولد الذكر من والديه جميع المال إذا انفرد
• قوله:
١١ - «وميراث الولد الذكر جميع المال إن كان وحده أو يأخذ ما بقي بعد سهام من معه من زوجة وأبوين أو جد أو جدة».
للابن ثلاث حالات مع وفاة أبيه أو أمه، أولها أن يأخذ المال كله إن انفرد، أو كان معه إخوة ذكور فيقتسمون المال بالسوية، والثانية أنه يأخذ ما بقي تعصيبا إن كان معه صاحب فرض كالزوج والزوجة والأب والأم والجد والجدة، فإن كان معه زوجة فالمسألة من ثمانية لها الثمن، والباقي له، وإن كان معه أبوان، فالمسألة من ستة، لكل منهما السدس والباقي له، وإن كان معه زوجة وأبوان فالمسألة من أربعة وعشرين لكل من الأبوين السدس، فلهما ثمانية، وللزوجة الثمن، وهو ثلاثة، والباقي له وهو ثلاثة عشر، والحالة الثالثة مقاسمة أخواته، وسيأتي ذكرها، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم كما ذكره ابن المنذر في الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف في أول كتاب الفرائض.
[ ٤ / ٤٨٠ ]
ابن الابن بمنزلة الابن عند عدمه
• قوله:
١٢ - «وابن الابن بمنزلة الابن إذا لم يكن ابن».
ابن الابن بمنزلة الابن غالبا إذا لم يكن ابن للميت من صلبه، وهو لا يرث معه بالإجماع كما في الأوسط لابن المنذر، أما أنه بمنزلة الابن فلقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، أما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ (٢٧)﴾ [الأعراف: ٢٧]، ففيه شيء، وإنما قيل غالبا لأن الابن يختلف عن ابن الابن في أنه لا يسقط ميراثه بحال، وابن الابن قد يسقط ميراثه كما لو ترك الميت أبوين وابنتين وابن ابن، فمجموع ما للأبوين الثلث، والثلثان للبنتين، ولم يبق لابن الابن شيء، كما يسقط بحجب الابن له، وسيأتي ذكر بقية ما يختلف فيه ابن الابن عن الابن في الحجب والتعصيب، قال الحافظ في الفتح: «وقد أجمعوا على أن بني البنين ذكورا وإناثا كالبنين عند فقد البنين إذا استووا في التعدد، فعلى هذا تخص هذه الصورة من عموم «فلأولى رجل ذكر»، انتهى.
[ ٤ / ٤٨١ ]
إذا اجتمع في الميراث الابن والبنت
• قوله:
١٣ - «فإن كان ابن وابنة فللذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك في كثرة البنين والبنات وقلتهم يرثون كذلك جميع المال أو ما فَضَلَ منه بعد من شركهم من أهل السهام.
ذكر هنا الحالة الثالثة لميراث الابن، وهي ما إذا كان معه بنت واحدة أو أكثر، فيتقاسمون التركة للذكر مثل حظ الأنثيين، لا فرق بين أن ينفردوا بالمال، أو يكون معهم أهل سهام فتعطى لهم سهامهم قبل أن يرثوا هم، فإن كان الوارث ابنا وابنة فالمسألة من ثلاثة ثلثاها للابن، وثلثها للبنت، وإن كان معهما زوجة فالمسألة من ثمانية للزوجة ثمنها واحد، والسبعة لا تقبل القسمة على ثلاثة، فتضرب الثلاثة التي هي عدد المنكسر عليهم في أصل المسألة وهو ثمانية فتكون من أربعة وعشرين، للزوجة ثمنها ثلاثة، والباقي واحد وعشرون ثلثها للبنت وهو سبعة، وثلثاها للابن وهو أربعة عشر.
ولنذكر هنا الحكمة من جعل نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين، قال النووي ﵀: «وحكمته أن الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات وغير ذلك»، انتهى.
قلت: هذه الحكمة التي ذكرها النووي ﵀ إذا تخلفت بأن أصبحت المرأة عاملة، أو كانت معيلة لمن كانوا في كفالتها، فإن الحكم لا يختلف، وإنما ذكرت هذا لشيء قرأته في إحدى الجرائد منذ حين، وقد كتبته في رسالتي التي سميتها (هل الحزبية وسيلة إلى الحكم بما أنزل الله)، ص (٦٨) في الطبعة الصادرة سنة (١٤٢٣ هـ) له صلة بالموضوع، وهو ما قاله رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يومئذ، إذ صرح بأن قسمة التركة على قاعدة ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ يمكن أن يعاد فيها النظر متى أصبحت المرأة عاملة، والرجل يلعب النرد»، لكنه استدرك ذلك بزخرف من القول فقال: «على أن يتم ذلك في إطار روح الدين الإسلامي»، فاعجب لهذا الذي صدر ممن بُوِّئَ ذلك المنصب، ورحم الله جميع المؤمنين.
[ ٤ / ٤٨٢ ]
ابن الابن كالابن فيما يرث ويحجب
• قوله:
١٤ - «وابن الابن كالابن في عدمه فيما يرث ويحجب».
كما يحجب الابن الزوج حجب نقصان من النصف إلى الربع ويحجب الزوجة من الربع إلى الثمن، فكذلك ابن الابن يحجبهما حجب نقصان، وكذلك يحجب ابن الابن الأب من التعصيب إلى السدس، والأم من الثلث إلى السدس كما تقدم، لكن ابن الابن ليس كالابن في هذا بإطلاق، فإن الابن يحجب بنت الابن حجب حرمان، ولا يحجبها ابن الابن بل يعصبها.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
• قوله:
١٥ - «وميراث البنت الواحدة النصف».
ترث البنت الواحدة التي للصلب النصف إن انفردت عن جنسها، ولم يكن للميت ابن ذكر، كأن تترك المتوفاة بنتا وزوجا، فللزج الربع وللبنت النصف، والباقي تأخذه البنت بالرد إن قيل به، وهو ليس في المذهب، أو يترك الرجل بنتا وزوجة، فللزوجة الثمن، وللبنت النصف فرضا، والباقي ردا إن قيل به، ودليل أخذ البنت الواحدة النصف قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.
[ ٤ / ٤٨٤ ]
ميراث البنتين فأكثر الثلثان
• قوله:
١٦ - «والاثنتين الثلثان فإن كثرن لم يزدن على الثلثين شيئا».
للاثنتين من بنات الصلب فأكثر الثلثان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، وقد اختلف في الاستدلال بهذه الآية، فإن ظاهرها أن لهما الثلثين إن زدن على الثنتين، ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من توريث الإثنتين الثلثين أن للأختين فأكثر الثلثين بنص كتاب الله تعالى وبالإجماع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، فأحرى أن يكون ذلك للبنتين لكونهما أولى منهما بالميراث، ولأن الأخوات مع البنات عصبات كما سيأتي، ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى جعل للواحدة النصف بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، ولم يذكر للاثنتين شيئا، فدل على أن لهما الثلثين، وأما ما قيل من أن الظرف «فوق»، زائد كما هو في قوله تعالى ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢] فلا يصح لوجوه، منها: أنه مردود بقوله في السياق فلهن ثلثا ما ترك، إذ لم يقل فلهما ثلثا ما ترك، ومهما يكن فقد نقل الإجماع على ذلك، ودلت عليه السنة إذ روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن جابر قال: «جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يَدَعْ لهما مالا، ولا تنكحان إلا بمال»، فقال: «يقضي الله في ذلك»، فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك»، وفيه جواز القول عمن مات في سبيل الله إنه شهيد، وفيه دليل على ما تقدم من أن المرأة كانت لا تُوَرث في الجاهلية، وقد قيل إن أول توريث حصل في الإسلام هو توريث ابنتي سعد بن الربيع ﵁.
[ ٤ / ٤٨٥ ]
ميراث بنت الابن إن لم تكن بنت النصف
• قوله:
١٧ - «وابنة الابن كالبنت إذا لم تكن بنت وكذلك بناته كالبنات في عدم البنات».
أما أن بنت الابن وارثة فلأنه يصدق عليها أنها بنت لدخولها في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فإن ولد الولد ولد، وقد قيل إن الولد حقيقة في ولد الصلب، مجاز فيمن دونه، وقيل هو حقيقة فيهما، والمقصود أن بنت الابن تأخذ النصف إن انفردت ولم يكن للميت بنت، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهما الثلثان كما تقدم في البنتين.
[ ٤ / ٤٨٦ ]
ميراث بنت الابن مع البنت السدس تكملة الثلثين
• قوله:
١٨ - «فإن كانت ابنة وابنة ابن فللابنة النصف ولابنة الابن السدس تمام الثلثين وإن كثرت بنات الابن لم يزدن على ذلك السدس شيئا إن لم يكن معهن ذكر وما بقي للعصبة».
بنت الابن الواحدة أو أكثر تأخذ مع البنت السدس تكملة الثلثين، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن هُزَيل بن شرحبيل أنه قال: «سئل أبو موسى الأشعري عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال: «للبنت النصف، وللأخت النصف، ولا شيء لبنت الابن»، وقال للسائل: «ائت ابن مسعود فإنه سيوافقني»، فسأل ابن مسعود وأخبره بقول أبي موسى، فقال: «لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء النبي ﷺ: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت»، وقوله «لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين»، يريد إن هو قضى بما قضى به أبو موسى، لأنه كان عالما بالدليل، بخلاف أبي موسى فلم يكن على علم به، وقال ما قاله مجتهدا، وقوله تكملة الثلثين؛ يدل على أن هذا فرض واحد، وقيل فرضان، وعلى كل فالمسألة المذكورة من ستة للبنت نصفها ثلاثة، ولبنت الابن سدسها واحد، وللأخت الباقي اثنان.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
إذا تكمل الثلثان وكان مع بنت الابن ابن ابن ورثا بالتعصيب
• قوله:
١٩ - «وإن كانت البنات اثنتين لم يكن لبنات الابن شيء، إلا أن يكون معهن أخ فيكون ما بقي بينهن وبينه للذكر مثل حظ الأنثيين وكذلك إذا كان ذلك الذكر تحتهن كان ذلك بينه وبينهن كذلك».
إذا كانت البنات أكثر من واحدة فإن فرضهن الثلثان، فلا شيء لبنت الابن معهما لأن الثلثين تكملا، ولا مدخل لبنات الابن في الباقي لأنهن لسن عاصبات، لكن إن كان معهن أخ لهن، أو أنزل منهن درجة، أو ابن عم في درجتهن، فإنهن يقتسمن معه الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين، فعلى هذا لو قال المؤلف: «إلا أن يكون معهن ذكر»، لكان أولى ليشمل ما إذا كان أخا لهن أو ابن عم، فالحاصل أن فرائض بنت الابن أربعة هي:
١ - النصف إن كانت واحدة، وليس للميت بنت، ولا ابن ابن.
٢ - الثلثان إن كانتا اثنتين فأكثر، وليس للميت بنت، ولا ابن ابن
٣ - السدس تكملة الثلثين إن كان للميت بنت فقط.
٤ - ترث بالتعصيب إذا كان معها ابن ابن في درجتها أو أسفل منها، أو ابن عم سواء أخذا المال كله كما إذا لم يكن للميت وارث غيرهم، أو كان له بنتان تكمل بهما الثلثان، فيأخذان الباقي وهو السدس تعصيبا، فإن لم يكن عاصب لبنت الابن في حال أخذ البنتين أو أكثر الثلثين فلا شيء لها، فابن الابن يعصب من في درجته من بنات الابن، ويعصب من فوقه منهن، ولا يعصب من تحته، بخلاف ابن الأخ فلا يعصب بنت الأخ لأنها ليست وارثة، ولا الأخت لأنها صاحبة فرض كما سيأتي.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
• قوله:
٢٠ - «وكذلك لو ورث بنات الابن مع الابنة السدس وتحتهن بنات ابن معهن أو تحتهن ذكر كان ذلك بينه وبين أخواته أو من فوقه من عماته ولا يدخل في ذلك من دخل في الثلثين من بنات الابن».
لما كانت بنت الابن وارثة وإن نزلت فإنه إذا كان معها من يعصبها كان لها حق في التركة ولو اكتمل الثلثان، فلا فرق في هذا بين بنت الابن وبنت ابن الابن، فالحاصل أن ابن الابن يعصب من في درجته لا فرق بين أخته وبنت عمه، كما يعصب من فوقه إلا إذا كانت صاحبة فرض، ويسقط من تكون أسفل منه، وانظر هذه الأمثلة يتضح لك المراد:
المثال الأول: الورثة هم بنت صلبية، وبنت ابن، وابن ابن ابن، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي يأخذه ابن ابن الابن تعصيبا، ولا يعصب بنت الابن لأنها صاحبة فرض.
المثال الثاني: الورثة هم بنتان صلبيتان، وابن ابن، وبنت ابن ابن، فللبنتين الثلثان، ولابن الابن الباقي تعصيبا، ولا شيء لبنت ابن الابن لأنها محجوبة بابن الابن، إذْ هي أنزل منه درجة.
المثال الثالث: الورثة هم بنتان صلبيتان، وبنت ابن، وابن ابن، فللبنتين الثلثان، والباقي وهو الثلث يأخذه ابن الابن وبنت الابن تعصيبا، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو لم يوجد ابن الابن لحرمت بنت الابن الميراث، لأن الثلثين تكملا، ولذلك يسمون ابن الابن في هذه الصورة الأخ المبارك، لكونه كان سببا في ميراث أخته، لأنها صارت عصبة به، وهذه التسمية مرغوب عنها.
المثال الرابع: الورثة هم: زوج، وأم، وأب، وبنت صلبية، وبنت ابن، للزوج الربع، وللأم السدس، وللأب السدس، وللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، أصل المسألة من
[ ٤ / ٤٨٩ ]
اثني عشر، وتعول بثلاثة إلى خمسة عشر، للزوج ثلاثة، ولكل من الأب والأم اثنان، وللبنت ستة، ولبنت الابن اثنان تكملة الثلثين، ولو وجد معها ابن ابن لما كان لها شيء، لأن الفروض استغرقت التركة، وهي عاصبة بأخيها، وقد سقط فتسقط معه، إذ لا يلزم العول إلا لأصحاب الفروض، فتكون المسألة من اثني عشر، وتعول إلى ثلاثة عشر، ولذلك يسمون أخاها في هذه الصورة الأخ المشؤوم، وهذه التسمية خطأ، وقوله: «ولا يدخل في ذلك من دخل في الثلثين من بنات الابن»، لأن بنت الابن الواحدة أو المتعددة قد أخذت السدس فهو فرضها المقرر لها فلا وجه لدخولها في التعصيب مع بنات ابن الابن اللائي معهن من يعصبهن.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
ميراث الأخت الشقيقة الواحدة النصف
• قوله:
٢١ - «وميراث الأخت الشقيقة النصف».
للأخوات الشقيقات خمس حالات يرثن في اثنتين منها بالفرض، ويكن في واحدة عصبة مع الغير، وفي أخرى عصبة بالغير، ويسقطن في واحدة، فالأخت الشفيقة الواحدة ترث من أخيها ومن أختها النصف، ودليله قول الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]، فالميت إن لم يترك ولدا مطلقا ولا أبا كان لأخته النصف، وإن ترك ولدا ذكرا لم ترث الأخت معه، وإن ترك بنتا واحدة أو أكثر كانت الأخت كالعاصب وسيأتي الكلام على ذلك.
[ ٤ / ٤٩١ ]
ميراث الأختين الشقيقتين فصاعدا الثلثان
• قوله:
٢٢ - «والاثنتين فصاعدا الثلثان».
هذه هي فريضة الأخت الثانية، وهي أن الأختين الشقيقتين فأكثر يرثن من أخيهن ومن أختهن الثلثين، بشرط عدم وجود الفرع الوارث، ولا الأب، ودليله قول الله تعالى:. ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾
[ ٤ / ٤٩٢ ]
ميراث الإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين
• قوله:
٢٣ - «فإن كانوا إخوة وأخوات شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين قلوا أو كثروا».
وهذه هي الحالة الثالثة إذا لم يكن للميت ابن ولا ابن ابن، ولا أب على ما تقدم، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، إذ الكلالة من لا ولد له ولا والد.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات عصبة
• قوله:
٢٤ - «والأخوات مع البنات كالعصبة لهن يرثن ما فضل عنهن ولا يربى لهن معهن».
وهذه هي رابع الحالات، والمراد بقوله «لا يربى لهن» لا يفرض لهن، وأصله من الإرباء الذي هو الزيادة، ومعناه أن من ترك بنتا أو أكثر، أو بنت ابن واحدة أو أكثر، وأختا شقيقة أو أختا لأب كذلك، فإن لبنت الابن أو بناته فرضهن المعروف، وهو النصف للواحدة، والثلثان لما زاد عليها، وتكون الأخت أو الأخوات الشقيقات أو لأب كالعصبة يأخذن الباقي، وإنما قال كالعصبة لأنهن لسن عصبة متى كان لهن فرض، فإن لم يكن لهن فرض كما هنا جعلهن الشرع مع البنات بمنزلة الذكور، قال القرطبي: «وأما تسمية الفقهاء الأخت من البنت عصبة؛ فعلى سبيل التجوز، لأنها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت؛ أشبهت العاصب»، انتهى بالنقل عن فتح الباري للحافظ ﵀، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن هزيل بن شرحبيل وقد تقدم وفيه قول أبي موسى: «لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء النبي ﷺ: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي للأخت»، رواه البخاري. ورأى بعض أهل العلم منهم ابن حزم كما في المحلى أن الأخت إنما تكون عاصبا مع البنت إذا لم يكن ثمة عاصب ذكر جمعا بين هذا وما تقدم من قول النبي ﷺ: «ألحقوا الفرائض بأهلها،،، الحديث، وعليه فلو ترك الميت بنتين وأختا شقيقة وأخا لأب، لكان للبنتين الثلثان، وللأخ لأب الباقي ولا شيء للأخت الشقيقة لأنها ليست صاحبة فرض ولا تعصيب أو قل إن العاصب الذكر مقدم، قال ابن حزم: «ليس في شيء من الروايات عن الصحابة المذكورين أنهم ورثوا الأخت مع البنت مع وجود عاصب، فبطل أن يكون لهم متعلق في شيء منها، وبالله التوفيق»، انتهى.
قلت: الشقيقة وإن كانت ترث بالفرض إلا أنها أقرب للميت من الأخ الذي لأب فكيف إذا كان العاصب عما أو ابن أخ لأب أو مولى؟.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
لا ميراث للإخوة والأخوات مع الأب والابن وابن الابن
• قوله:
٢٥ - «ولا ميراث للإخوة والأخوات مع الأب ولا مع الولد الذكر أو مع ولد الولد».
وهذه هي حالة سقوط ميراث الأخوات، والدليل على عدم ميراث الإخوة والأخوات مع وجود الابن والأب قول الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وقد فسرت الكلالة بمن لا والد له ولا ولد، ولأن كلا من الأخ والأخت يدليان بالأب، وكل من يدلي بأحد لا يرث مع وجوده تعصيبا لكونه أولى منه.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
ميراث الإخوة والأخوات لأب
• قوله:
٢٦ - «والإخوة للأب في عدم الشقائق كالشقائق ذكورهم وإناثهم».
الإخوة لأب يسمون بني العلات أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، فإن كانت أمهم واحدة مع اختلاف الآباء، فهم الأخياف، وإن كانوا أشقاء فهم بنو الأعيان، والإخوة من الأب إخوة، فهم ورثة عاصبون عند عدم الأشقاء، وهو مثلهم في كل الأحكام من كونهم عاصبين يأخذون المال كله إذا انفردوا، ويعصبون من كان في منزلتهن من الأخوات اللاتي من جنسهن، ويحجبهم حجب حرمان الابن وابن الابن والأب، ولا يختلفون عنهم إلا في المسألة المسماة بالمشتركة، فإن الأشقاء يقاسمون الإخوة لأم لاجتماعهم معهم فيها بخلاف الذين لأب، والدليل على كون الإخوة لأب مثل الأشقاء الإطلاق الذي في قوله الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]، فلم يقيد الأخ بالشقيق، ولا الأخت بالشقيقة، ولا يدخل في الإخوة هنا الإخوة لأم بالإجماع، فإن فريضتهم مبينة في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ (١٢)﴾ [النساء: ١٢]، وإنما قدم الشقيق لكونه أقرب إلى الميت
من الذي للأب، ودليل تقديم أقرب العصبة قد تقدم، وقدمت الشقيقة على التي للأب كذلك.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
ميراث الأخت لأب أو أكثر مع الشقيقة الواحدة
• قوله:
٢٧ - «فإن كانت أخت شقيقة وأخت أو أخوات لأب فالنصف للشقيقة ولمن بقي من الأخوات للأب السدس».
وهذا ما عليه الأمة بقياس الأخت لأب مع الأخت الشقيقة على بنت الابن مع البنت، فولد الأب مع ولد الأب والأم؛ كولد الابن مع ولد الصلب، وقد تقدم الدليل على ذلك، أو قل إن للأختين الثلثين بالنص، وللواحدة منهن النصف بالنص أيضا، فعوملت الواحدة فأكثر من الأخوات لأب إذا اجتمعت مع الأخت الواحدة التي فوقها في الرتبة؛ معاملة بنت الابن فأكثر مع البنت، ليكتمل الثلثان الثابتان للمتعدد من الصنفين، والله أعلم.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
الأخت لأب لا تأخذ شيئا مع الشقيقتين إلا أن يكون معها أخ
• قوله:
٢٨ - «ولو كانتا شقيقتين لم يكن للأخوات للأب شيء إلا أن يكون معهن ذكر فيأخذون ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين».
وهذا لأنه قد اكتمل الثلثان بأخذ الشقيقتين إياهما، والأخوات لأب لسن عاصبات، أما إن وجد أخ لهن في منزلتهن فإنه عاصب فيشاركنه فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين، ويختلف الأمر هنا عما تقدم في تعصيب فرع الميت الذكر مَنْ فوقه متى لم تكن ذات فرض، إذ إن ابن الأخ لا يعصب من فوقه من بنات الأخ ولا من في درجته، لأنهن لسن وارثات، بل من ذوات الأرحام، كما أنه لا يعصب أخوات الميت لأنهن أصحاب فروض، قال في الرحبية:
وليس ابن الأخ بالمعصب … من مثله أو فوقه في النسب
وهذه أمثلة للتوضيح:
المثال الأول: الورثة هم زوجة، وبنتا ابن، وأخت لأب، فللزوجة الثمن لوجود الفرع الوارث للميت، ولبنتي الابن الثلثان، والأخت لأب عاصبة مع الغير، فالمسألة من أربعة وعشرين، وهو المضاعف المشترك الأصغر للثلاثة، والثمانية، وهما مخرجا الثمن والثلثين، فيكون للزوجة ثلاثة، ولبنتي الابن ستة عشر، والباقي وهو خمسة للأخت لأب.
المثال الثاني: الورثة هم زوج، وابنتان، وأختان شقيقتان، وأخت لأب، للزوج الربع لوجود الفرع الوارث، وللبنتين الثلثان، والأختان الشقيقتان عاصبتان مع الغير، ولا شيء للأخت لأب لحجبها حجب حرمان بالأخت الشقيقة، فالمسألة من اثني عشر، للزوج ربعها ثلاثة، وللبنتين ثلثاها ثمانية، وللأختين الشقيقتين الباقي تعصيبا وهو واحد، فيضرب أصل المسألة في عدد المنكسر عليهم وهو اثنان، فتصير المسألة من أربعة وعشرين، للزوج ربعها ستة، وللبنتين ثلثاها ستة عشر، وللأختين الباقي وهو اثنان فتأخذ كل منهما واحدا.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
المثال الثالث: الورثة هم: زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب، للزوج النصف، لعدم وجود الفرع الوارث، وللأخت الشقية النصف لانفرادها وعدم وجود من يعصبها، وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين، ومجموع الأسهم سبعة فتعول الستة إليها، فيكون للزوج ثلاثة من سبعة، وللأخت الشقيقة ثلاثة منها، وللأخت لأب واحد منها.
المثال الرابع: الورثة هم: زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب، وأخ لأب، للزوج النصف، لعدم وجود الفرع الوارث، وللأخت الشقيقة النصف لانفرادها وعدم وجود من يعصبها من الإخوة، ولا شيء للأخت لأب لأنها عصبة مع الأخ لأب، لا صاحبة فرض كما في المثال الذي قبل هذا، وتسمية الأخ في هذه الصورة بالأخ المشئوم خلاف الصواب.
[ ٤ / ٤٩٩ ]
ميراث الواحد من الإخوة لأم السدس فإن كانوا أكثر فهم شركاء في الثلث
• قوله:
٢٩ - «وميراث الأخت للأم والأخ للأم سواء: السدس لكل واحد، وإن كثروا فالثلث بينهم الذكر والأنثى فيه سواء».
الإخوة لأم إما أن يكونوا واحدا أو متعددا، ففرض الواحد السدس، لا يختلف فيه الذكر عن الأنثى، وفرض المتعدد الاشتراك في الثلث بمساواة الذكر للأنثى، ودليله قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وقد أجمع أهل العلم على أن المراد بالآية الإخوة لأم، لا عموم جنس الإخوة، فإن الإخوة الأشقاء أو لأب من المعصبين بالإجماع.
[ ٤ / ٥٠٠ ]
يحجب الإخوة لأم حجب حرمان ولد الميت وأولاده وأبوه وجده
• قوله:
٣٠ - «ويحجبهم عن الميراث الولد وبنوه والأب والجد للأب».
إن ترك الميت ولدا ذكرا كان أو أنثى، أو ابن ابن، أو بنت ابن، أو أبا، أو جدا لأب؛ فلا شيء للإخوة لأم، لأنهم يحجبون بمن ذكر، وهم ستة، قال خليل: «وسقط بابن وابنه وبنت وإن سفلت وأب وجد»، انتهى، ودليل ذلك أن الكلالة التي قيد بها ميراثهم في الكتاب الكريم هي من لا والد له ولا ولد، وقد روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت، ورواه عن ابن عباس ابن أبي حاتم بإسناد صحيح كما قال الشيخ شاكر في عمدة التفسير، وقال مالك في الموطإ: «الكلالة على وجهين، فأما الآية التي أنزلت في أول سورة النساء فهذه الكلالة التي لا ترث فيها الإخوة لأم، حتى لا يكون ولد ولا والد، وأما الآية التي في آخر سورة النساء فهي الكلالة التي تكون فيها الإخوة عصبة إذا لم يكن ولد فيرثون مع الجد في الكلالة فالجد يرث مع الإخوة لأنه أولى بالميراث منهم، وذلك أنه يرث مع ذكور ولد المتوفى السدس، والإخوة لا يرثون مع بني المتوفى شيئا، وكيف لا يكون كأحدهم وهو يأخذ السدس مع ولد المتوفى؟، فكيف لا يأخذ الثلث مع الإخوة؟، فالجد هو الذي حجب الإخوة للأم ومنعهم مكانه الميراث فهو أولى بالذي كان لهم لأنهم سقطوا من أجله،،،»، انتهى مختصرا، وإنما قيد المؤلف الجد بالذي للأب لأن الجد للأم ليس وارثا، بل هو من ذوي الأرحام، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٠١ ]
الأخ الشقيق أو لأب يرث المال كله إذا لم يكن عاصب مقدم عليه
• قوله:
٣١ - «والأخ يرث المال إذا انفرد كان شقيقا أو لأب والشقيق يحجب الأخ لأب».
من الأدلة على ذلك قول الله تعالى عما يرثه الأخ من أخته: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، وطرد ذلك أن يرث المال كله من أخيه لعدم الفارق، ولأن الأخ عاصب، فإن لم يوجد وارث معه فإنه يحوز المال كله كما تقدم في الحديث، والأخ الشقيق يحجب الذي للأب لأنه أولى منه بالتعصيب.
[ ٤ / ٥٠٢ ]
إذا اجتمع الإخوة والأخوات من جنس الأشقاء أو لأب فالمال بينهم بالتعصيب
• قوله:
٣٢ - «وإن كان أخ وأخت فأكثر شقائق أو لأب فالمال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان مع الأخ ذو سهم بدئ بأهل السهام وكان له ما بقي وكذلك يكون ما بقي للإخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يبق شيء فلا شيء لهم».
كرر جملتي الشرط والجزاء الأولى ليرتب عليها ما بعدها، وهو أمر معروف، ومراده أن الأخ له ثلاث حالات: حالة الانفراد واحدا أو أكثر فله المال كله، وحالة التعصيب لأخته من نوعه، والثالثة ما إذا وجد صاحب فرض فإنه يبدأ به، وما بقي فهو له أو مع من يعصبهن من أخواته، ويشاركه في هذه الحالات مثلا الابن وابن الابن والجد.
المثال الأول: الورثة هم زوج، وأخ شقيق، وثلاث أخوات كذلك، فالمسألة من اثنين، للزوج النصف، والباقي وهو واحد لا ينقسم على خمسة وهي سهام أهل التعصيب، فنضرب الاثنين في عدد المنكسر عليهم، فتصح المسألة من عشرة، للزوج نصفها خمسة، ولكل من الأخوات الثلاثة واحد، وللأخ اثنان.
المثال الثاني: الورثة هم: زوج، وأخ شقيق، وأخ لأم، فللزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث، وللأخ لأم السدس لانفراده، لأن الميت يورث كلالة، وللأخ الشقيق الباقي تعصيبا، فالمسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، وللأخ لأم سدسها واحد، وللأخ الشقيق الباقي وهو اثنان.
المثال الثالث: زوج، وأخت شقيقة، وأخت وأخ لأب، فالمسألة من اثنين، للزوج نصفها واحد، والنصف الآخر للأخت، ولا شيء للذين للأب لأنهم عصبة، ولو كانت المسألة فيها زوجة بدل الزوج لكانت من أربعة، للزوجة ربعها واحد، وللأخت نصفها اثنان، والباقي واحد لا ينقسم على ثلاثة التي هي سهام المعصبين، فنضرب عدد سهامهم في أربعة، فتصح من اثني عشر، للزوجة ثلاثة، وللأخت الشقيقة ستة، وللأخ لأب اثنان، وللأخت لأب واحد.
[ ٤ / ٥٠٣ ]
مشاركة الإخوة الأشقاء الإخوة لأم في ميراثهم في المشتركة
• قوله:
٣٣ - «إلا أن يكون في أهل السهام إخوة لأم قد ورثوا الثلث وقد بقي أخ شقيق أو إخوة ذكور أو ذكور وإناث شقائق معهم فيشاركون كلهم الإخوة للأم في ثلثهم فيكون بينهم بالسواء، وهي الفريضة التي تسمى المشتركة».
الإخوة الأشقاء أو لأب عصبة، والعاصب لا يأخذ إلا ما فضل عن أهل الفروض بنص الحديث، أو يأخذ المال كله إن لم يوجد صاحب فرض، بيد أن لهذه القاعدة استثناء عند الجمهور في المسألة التي تدعى بالمشتركة، سميت كذلك لاشتراك الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم في الثلث، حيث لم يبق لهم شيء يأخذونه تعصيبا.
وصورتها أن تستنفذ التركة بين أهل السهام، ويكون فيهم إخوة لأم اثنان فصاعدا، ومعهم أخ شقيق أو أكثر، أو معه أخت شقيقة أو أكثر، ولم يفضل لهم شيء، فإنهم يشاركون الإخوة لأم في الثلث بالتساوي، وذلك لأن أولاد الأبوين ساووا أولاد الأم في الأم، وزادوا عليهم بالأب، فإن لم يزدادوا بهذا قربا من الميت فيقدموا؛ فلا أقل من أن تمنعهم من السقوط من الميراث أصلا.
ومثالها: أن تترك امرأة زوجا، وأما، وأخوين لأم، وأخا شقيقا، فإن للزوج النصف إذ لا فرع وارث للميت، وللأم السدس لوجود أكثر من واحد من الإخوة، وللأخوين لأم الثلث لأنهم أكثر من واحد، ولا شيء للأخ الشقيق لكونه عاصبا في الأصل، لكنه في هذه الصورة يشارك الأخوين لأم في الثلث يقتسمه الثلاثة بالسوية، وعليه تكون المسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، وللأم سدسها واحد، واثنان للإخوة الثلاثة، واثنان لا تقبل القسمة عليهم، فتصحح المسألة بضرب مخرجها وهو ستة في عدد المنكسر عليهم وهو ثلاثة، فتصير من ثمانية عشر، للزوج نصفها تسعة، وللأم سدسها ثلاثة، وللإخوة ثلثها ستة، لكل منهم اثنان.
المثال الثاني: الورثة هم: زوج، وأم، واثنان من الإخوة لأم، وثلاثة من الإخوة
[ ٤ / ٥٠٤ ]
الأشقاء، للزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث، وللأم السدس لوجود اثنين من الإخوة، وللإخوة لأم والأشقاء الثلث، فالمسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، وللأم سدسها واحد، والباقي اثنان للإخوة الخمسة، وهي لا تنقسم عليهم، فيضرب مخرج المسألة في عدد المنكسر عليهم، أعني ستة في خمسة، فتصير من ثلاثين، للزوج نصفها خمسة عشر، وللأم سدسها خمسة، والباقي عشرة لكل من الإخوة الخمسة اثنان.
وقد رفعت هذه المسألة إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأراد أن يحكم فيها بإسقاط الإخوة الأشقاء، فقال واحد منهم: هب أبانا حمارا أليست الأم واحدة؟، فحكم بالثلث لجميعهم بالسواء الأشقاء والذين لأم، ولهذا يسميها بعضهم بالحمارية، ولم أقف على هذا، وفي التسمية شناعة يتعين أن تجتنب.
وقد روى البيهقي عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: شهدت عمر بن الخطاب أشرك الإخوة من الأب والأم مع الإخوة من الأم في الثلث، فقال له رجل: «قضيت في هذا عام أول بغير هذا»؟، قال: «كيف قضيت»؟، قال: «جعلته للإخوة من الأم، ولم تجعل للإخوة من الأب والأم شيئا»، قال: «تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا».
وهذه المسألة مما اختلف فيه الصحابة فذهب إلى عدم التشريك علي بن أبي طالب قولا واحدا، وعن عمر قولان سبقا، وكذا هن زيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وقال أيو الوليد الباجي في المنتقى (٦/ ٢٣١): «وعندي أن نفي التشريك أقيس وأظهر والله أعلم وأحكم»، انتهى، فانظر كيف رجح غير مذهبه نصحا لله ولرسوله وكتابه، وقريب منه قول ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٣٨): «ومما يبين لك الحجة لهم في ذلك قول الجميع في زوج وأم وأخ لأم وعشرة إخوة أو نحوهم لأب وأم أن الأخ للأم يستحق السدس كاملا والسدس الباقي بين الإخوة من الأب والأم فنصيب كل واحد منهم أقل من نصيب الأخ للأم ولم يستحقوا بمساواتهم الأخ للأم في قرابة الأم أن يساووه في الميراث وكذلك لا ينبغي أن يكون الحكم في مسألة مشتركة وبالله التوفيق»، انتهى.
[ ٤ / ٥٠٥ ]
أمثلة عن محترزات المسألة المشتركة
• قوله:
٣٤ - «ولو كان من بقي إخوة لأب لم يشاركوا الإخوة للأم لخروجهم عن ولادة الأم».
ذكر هنا وفيما بعده ما يمنع من اعتبار المسألة مشتركة، وهو ما إذا انخرم شرط من شروطها، وقد ذكر الباجي هذه الشروط في المنتقى (٦/ ٢٣١) فانظرها.
ومما انخرم هنا هو كون الإخوة أشقاء، فحيث كانوا إخوة لأب، فلا يشملهم ذلك الاستثناء، لأنهم لا يلتقون مع الإخوة لأم، وهم أصحاب الفرض؛ في الأم.
[ ٤ / ٥٠٦ ]
• قوله:
٣٥ - «وإن كان من بقي أختا أو أخوات لأبوين أو لأب أعيل لهن».
وانخرم هنا أمر آخر يمنع اعتبار المسألة مشتركة، وهو انفراد الأخوات الشقيقات عمن يعصبهن من الإخوة فيكن حينئذ صواحب فروض، وكذلك إذا انفردت الأخت لأب عن العاصب فإنها تكون صاحبة فرض، فيدخل المسألة العول، والأخت لأب هنا إذا كان معها أخ فلا ميراث لهما بخلاف ما إذا انفردت كما علمت.
المثال الأول: الورثة هم: زوج، وأم، وأخوان لأم، وأخت لأب، للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، وللأخت النصف، فالمسألة من ستة، للزوج ثلاثة، وللأم واحد، وللإخوة لأم اثنان، وللأخت ثلاثة، فتعول المسألة إلى تسعة، وهي مجموع السهام، وتوزع كما علمت.
المثال الثاني: الورثة هم: زوج، وأم، وأخوان لأم، وأختان لأب، للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوين لأم الثلث، وللأختين لأب الثلثان، فالمسألة من ستة، ومجموع السهام عشرة فتعول المسألة إليها، للزوج ثلاثة، وللأم واحد، وللأخوين لأم اثنان، وللأختين لأب أربعة.
[ ٤ / ٥٠٧ ]
• قوله:
٣٦ - «وإن كان من قبل الأم أخ واحد أو أخت لم تكن مشتركة وكان ما بقي للإخوة إن كانوا ذكورا أو ذكورا وإناثا وإن كن إناثا لأبوين أو لأب أعيل لهن».
وهذا أيضا خارج عن المشتركة، وهو ما إذا كان أخ واحد لأم فإن فرضه السدس فلا يشركه الأخ الشقيق الواحد والمتعدد والمتنوع، بل يكون له ما بقي على ما تقدم.
المثال الأول: الورثة هم: زوج، وأم، وأخت لأم، وأخ شقيق، فالمسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، وللأم سدسها واحد، وللأخ لأم سدسها واحد، والباقي وهو واحد يأخذه الأخ الشقيق تعصيبا.
المثال الثاني: الورثة زوج، وأم، وأخ لأم، وأخ وأخت شقيقان، أصل المسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، وللأم سدسها واحد، وللأخ لأم سدسها واحد، وللأخ والأخت الشقيقان الباقي وهو واحد، والواحد لا ينقسم على ثلاثة، فنضرب عدد المنكسر عليهم وهو ثلاثة في أصل المسألة وهو ستة، فيصير ثمانية عشر، للزوج نصفها تسعة، وللأم سدسها ثلاثة، وللأخ لأم سدسها ثلاثة، وللأخت واحد، وللأخ اثنان، وقوله: «وإن كن إناثا لأبوين أو لأب أعيل لهن»، وهذا لأنهن صواحب فروض، فلا يسقطن بحال غير حال الحجب وهو غير موجود، فتأخذ الواحدة النصف والمتعدد منهن الثلثين.
[ ٤ / ٥٠٨ ]
الأخ لأب كالأخ الشقيق إلا في المشتركة
• قوله:
٣٧ - «والأخ للأب كالشقيق في عدم الشقيق إلا في المشتركة».
هذا قد سبق، وإنما كرره ليستثني من تشبيهه بالشقيق المسألةَ المشتركة فإنها خاصة بالأخ الشقيق كما تقدم، أما الأخ لأب فلا شيء له لعدم مشاركته الإخوة لأم في ولادة
أمهم له.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
ابن الأخ كالأخ في التعصيب عند فقده
لا ميراث لعاصب مع وجود من هو أقرب منه
• قوله:
٣٨ - «وابن الأخ كالأخ في عدم الأخ كان شقيقا أو لأب».
ومراده أن ابن الأخ ينزل منزلة الأخ في التعصيب عند عدم وجود الأخ، لا في كل الوجوه، ومما يختلف عنه فيه أن ابن الأخ لا يعصب بنت الأخ، لأنها غير وارثة، والأخ يعصب أخته، والثاني أن الإخوة لا يحجبهم الجد، وفيه خلاف، وهو يحجب أبناء الإخوة، والثالث أن الاثنين من بني الإخوة لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، والإخوة يحجبونها، والرابع أن ابن الأخ لا يعامل معاملة الأخ الشقيق في المشتركة، بل يسقط، والخامس أن ابن الأخ لأم لا يرث، لأنه من ذوي الأرحام، وهو ما بينه في قوله:
[ ٤ / ٥١٠ ]
ذكر أولي الأرحام الذين لا يرثون
• قوله:
٣٩ - «ولا يرث ابن الأخ للأم».
وذلك لأن الله تعالى إنما ذكر ميراث الأخ لأم وهو صاحب فرض السدس عند الانفراد والثلث عند التعدد، ولم يذكر ابنه، ولأن الأخ لأم غير عاصب فلا ينتقل إليه الميراث عند فقد صاحب الفرض الذي هو أقرب إلى الميت، كما لا ينتقل لابن الزوج وابن الزوجة من أصحاب الفروض، والله أعلم.
[ ٤ / ٥١١ ]
• قوله:
٤٠ - «والأخ للأبوين يحجب الأخ للأب، والأخ للأب أولى من ابن أخ شقيق، وابن أخ شقيق أولى من ابن أخ لأب».
الأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب، فيحجبه عن الميراث لاجتماعه مع الميت في أصلين، الرحم والتعصيب، والأخ لأب مقدم على ابن الأخ الشقيق، لأن الأول أقرب من الثاني للميت، وابن الأخ الشقيق مقدم على ابن الأخ لأب الذي في درجته لأنه أعلى منه رتبة، فيصدق على كل من قدم على غيره من هؤلاء أنه أولى رجل ذكر كما سلف في الحديث.
[ ٤ / ٥١٢ ]
• قوله:
٤١ - «وابن أخ لأب يحجب عما لأبوين، وعم لأبوين يحجب عما لأب وعم لأب يحجب ابن عم لأبوين وابن عم لأبوين يحجب ابن عم لأب، وهكذا يكون الأقرب أولى».
الذي ذكر هنا هو أيضا تطبيق لتقديم الأولى بالميت من العصبة، وابن الأخ لأب يدلي إلى الميت بولادة الأب، فيحجب العم لأبوين أي العم الشقيق لأنه يدلي إلى الميت بولادة الجد، فكما يقدم الأخ على العم يقدم ابن الأخ على العم، فمن أدلى بالمقدم قدم، ثم ذكر المؤلف مراتب العمومة فيما بينها، فعم الميت الشقيق بحجب عم الميت الذي للأب، لأنه يدلي إلى الميت بأصلين هما الرحم والتعصيب، والأول يدلي بأصل واحد هو التعصيب، والعم لأب يحجب ابن العم الشقيق أيضا، لأنه أقرب، وابن العم الشفيق يحجب ابن العم لأب وهكذا، وقد بين مالك تلك الأولوية في موطئه فيما ترجمه بقوله ميراث ولاية العصبة، وصدره بقوله: «الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه، والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا في ولاية العصبة،،،» الخ.
[ ٤ / ٥١٣ ]
• قوله:
٤٢ - «ولا يرث بنو الأخوات ما كن ولا بنو البنات ولا بنات الأخ ما كان ولا بنات العم، ولا جد لأم، ولا عم أخو أبيك لأمه».
ذكر هنا ستة أصناف ممن لا يرثون من ذوي الأرحام، لكنهم بالتفصيل ومراعاة المفهوم عشرة، وسيذكر فيما بعد العمة والخالة والخال، وقد قيل إن الذين لا يرثون من ذوي الأرحام من الرجال ابن البنت، وابن الأخت مطلقا، والجد أبو الأم، والعم أخو الأب لأم، والخال، ومن النساء بنت البنت، وبنت الأخت مطلقا، وبنت العم، والعمة، والخالة.
والمراد بذوي الأرحام في كلامه من لا سهم له في كتاب الله تعالى من الرجال والنساء، ولا كان عاصبا، وهذا اصطلاح حادث، وقد بين هذا المراد في الفقرة الثامنة والستين الآتية، وما في كتاب الله من ذكر ذوي الأرحام أعم منه، فمن قال بعدم توريث أولي الأرحام حمل ما في كتاب الله على من بين الله سهمه ونصيبه، لأن النبي ﷺ قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصبة لوارث»، والذين أعطاهم الله حقوقهم قد بينوا في كتابه.
وممن قال بعدم توريث أولي الأرحام مالك والشافعي ونسب لأبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وابن عمر ﵃ وهو قول أهل المدينة.
وممن قال بتوريثهم عمر بن الخطاب وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء ﵃، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، ومن أدلتهم على توريثهم قول الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥]، واستدل بعضهم بعموم قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]، وهم من القرابة، واحتجوا بآثار في ذلك، منها ما رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عمر ﵃ عن النبي ﷺ قال: «الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه»، وجاء بمعناه عن المقدام وأبي
[ ٤ / ٥١٤ ]
هريرة مرفوعا، وجاء أيضا من قول أم المؤمنين عائشة عليها الرضوان، ومنها أن ميراث ابن الملاعنة يكون لورثة أمه كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها، وسنده فيه شيء، غير أنه يتقوى بحديث سهل بن سعد الذي رواه الشيخان وفيه «فَجَرَتِ السُّنَّةُ في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله له»، وقد اختلف في قائل ذلك: هل هو ابن شهاب أو سهل؟، فعلى الأول هو موقوف، وعلى الثاني هو مرفوع حكما، وقد قيل في معنى ترثه أنها بمثابة أبيه وأمه ترث ماله كله إن لم يكن له وارث آخر، ووجه الاستدلال بحديث عمرو بن شعيب أن ورثة الملاعنة الذين جعل لهم النبي ﷺ ميراث ولدها ليسوا ممن سمى الله من أصحاب الفروض، ولا من العصبات.
ومن ذلك أن أولي الأرحام جمعوا بين سببين هما القرابة والإسلام، فلا يصح أن يسوى بينهم وبين غيرهم في عدم الإرث، كما لا يصح أن يقدم عليهم بيت المال.
وبعد فإن هذه المسألة شبيهة بولاية النكاح، فإنه إذا قيل إن الأولياء هم العصبة، فلنقل إنهم يقدمون على غيرهم، لكن متى لم يوجد العصبة فليس يمتنع أن يقال إن مثل الخال والجد لأم والأخ لأم يقدم على غيره من السلطان وعموم المسلمين في عقد النكاح، فكذلك هنا إذا لم يوجد وارث ذو فرض ولا تعصيب؛ فإن الصواب إن شاء الله أن يورث ذوو الأرحام، ومع هذا فقد جاءت أحاديث في توريثهم كما علمت.
وقد اختلف مورثو ذوي الأرحام في كيفية توريثهم، ومن يقدم منهم، فقيل أنهم يورثون على ترتيب العصبات، وقيل ينزلون منزلة من أدلوا به، وليس هذا مما يطلب في هذه العجالة.
[ ٤ / ٥١٥ ]
ذكر بعض موانع الإرث
• قوله:
٤٣ - «ولا يرث عبد ولا من فيه بقية رق».
ذكر هنا بعض موانع الإرث، وقد ذكرتها قبل للمناسبة، ومنها الرق، لا فرق بين من كان رقيقا كامل الرق وهو القن، وبين المبعض والمكاتب وأم الولد وغير ذلك من كل من فيه شائبة من الرق، وقد نقل فيه الإجماع، لكنه مبني على صحة ملك العبد، وفيه خلاف.
[ ٤ / ٥١٦ ]
• قوله:
٤٤ - «ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
هذا نص حديث، وهو المانع الثاني من موانع الميراث، وهو اختلاف الدين، دل عليه قول النبي ﷺ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن أسامة ﵁، وروى مالك شطره الأول، وكأنه اقتصر عليه لأنه هو الذي اختلف فيه، بخلاف ما في الشطر الثاني فهو إجماع ذكر نحوا من هذا أبو عمر ابن عبد البر.
والعبرة بالتوريث أو عدمه هو وقت موت المورث، لأن الميراث يستحق بالموت، فإذا أسلم بعد موته وقبل القسمة فلا ميراث له، كما قاله البخاري في ترجمته على الحديث، وجاء عن بعض السلف أن العبرة بوقت قسمة الميراث، والظاهر الأول لأنه وقت الاستحقاق، وقد تتأخر القسمة ويطول الوقت، وذهب بعض السلف منهم معاذ ومسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وغيرهم إلى توريث المسلم من الكافر، وعدم توريث الكافر من المسلم فكأنه قياس على تزوج المسلم من الكتابية وعدم تزوج الكتابي من المسلمة، وهو قياس فاسد الاعتبار لوقوعه في مقابل النص، وثمة ظواهر لا تنهض للاستدلال ككون الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
فأما التوارث بين غير المسلمين فالجمهور على القول به، وذهب بعضهم إلى أن الكفار لا يتوارثون متى اختلفت مللهم اعتمادا على حديث «لا يتوارث أهل ملتين شتى»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عمرو، وحمل القائلون بالتوارث هذا الحديث على التوارث بين المسلمين وغيرهم من الملل، وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا يتوارث أهل ملتين»، أخرجه النسائي والحاكم عن أسامة، وهو أيضا عند الترمذي عن جابر، وروى مالك في الموطإ ومن طريقه البيهقي عن محمد بن الأشعث أن عمة له يهودية أو نصرانية توفيت، فذكر ذلك لعمرابن الخطاب ﵁ فقال له: «من يرثها»؟، فقال له عمر: «يرثها أهل
[ ٤ / ٥١٧ ]
دينها»، ثم أتى عثمان بن عفان فسأله عن ذلك، فقال له عثمان بن عفان: «أتراني نسيت ما قال لك عمر»؟، ثم قال: «يرثها أهل دينها»، وقد أسلفت القول في بداية هذا الباب أن الوصف الذي في الحديث وهو شتى يؤخذ منه عدم التوارث بين ملل الكفر المتمايزة، لا فِرَقُهُ داخل الملة الواحدة، فأما أن الكفر ملة واحدة فذاك أمر آخر باعتبار أن كل ما عدا الإسلام باطل، ومثله قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣]؛ فإنه لا حجة فيه، لأن إثبات الولاية العامة بينهم لا يدل على ذلك كما لا يدل عليه إثبات الولاية بين المؤمنين، فإنها لا يلزم منها الميراث إذا وجد المانع، والله أعلم.
[ ٤ / ٥١٨ ]
• قوله:
٤٥ - «ولا ابن أخ لأم، ولا جد لأم، ولا أم أبي الأم، ولا ترث أم أبي الأب مع ولدها أبي الميت».
المناسب أن يذكر هؤلاء مع من ذكروا في فقرة سابقة لأنهم من ذوي الأرحام، وقد كرر ذكر ابن الأخ لأم، والجد لأم، أما عدم ميراث ابن الأخ لأم فلأن أباه صاحب فرض فينتهي الأمر عنده، أما عدم ميراث أم أبي الأب مع ولدها أبي الميت؛ فلأنها تدلي به فلا ترث معه لحجبه إياها.
[ ٤ / ٥١٩ ]
• قوله:
٤٦ - «ولا ترث إخوة لأم مع الجد للأب ولا مع الولد وولد الولد ذكرا كان الولد أو أنثى».
كرر ابن أبي زيد هذا الأمر على طريقته في هذه الرسالة فلنكرر الشرح لترسيخ الحكم، فالإخوة لأم أصحاب فروض يأخذ الواحد منهم السدس لا فرق بين ذكر وأنثى، فإن زادوا على الواحد فهم شركاء في الثلث كذلك شرط أن لا يكونوا محجوبين وقد ذكر هنا من يحجبهم وهو الجد لأب، فلأن يحجبهم الأب فمن باب أولى، ويحجبهم الولد ذكرا كان أو أنثى، وولد الولد كذلك، ودليل هذا أن الله تعالى ذكر ميراثهم مقيدا بكون الميت يورث كلالة، والكلالة من ولد له ولا والد، قال سبحانه ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]
[ ٤ / ٥٢٠ ]
لا ميراث للإخوة كيفما كانوا مع الأب
• قوله:
٤٧ - «ولا ميراث للإخوة مع الأب ما كانوا».
لا ميراث للإخوة مع الأب من غير فرق بين الأشقاء والذين للأب والذين للأم، أما عدم توريث الصنفين الأول والثاني فلأنهم يدلون به، ولا ميراث للمرء مع من أدلى به إلى الميت لأنه أولى بتعصيبه منه، وأما عدم ميراث الصنف الثالث فلأن الميت لم يورث كلالة، وقد قيد ميراثهم بذلك كما علمت.
[ ٤ / ٥٢١ ]
لا ميراث للعم ولا ابن الأخ مع الجد
• قوله:
٤٨ - «ولا يرث عم مع الجد ولا ابن أخ مع الجد».
عم الميت ابن لجد الميت وكلاهما عاصب والجد أولى فيقدم، ولكون العم يدلي به وقد تقدم هذا، وكذلك لا يرث ابن الأخ مع الجد، لأنه أعلى منه رتبة، لأن رتبة الجد في رتبة الأخ عند قوم، والأخ يحجب ابنه، فكذلك من كان بمنزلته والله أعلم.
[ ٤ / ٥٢٢ ]
• قوله:
٤٩ - «ولا يرث قاتل العمد من مال ولا دية».
هذا هو المانع الثالث من موانع الميراث، ولو جمعه مع الرق والكفر لكان أولى، وقد أخذ هذا الحكم من عموم قول النبي ﷺ: «القاتل لا يرث»، رواه الترمذي، وهو في صحيح الجامع، وقال الترمذي بعد بيان ضعفه: «والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث»، انتهى، وقد سبق للمؤلف أن ذكر هذا الأمر في باب الدماء.
[ ٤ / ٥٢٣ ]
• قوله:
٥٠ - «ولا يرث قاتل الخطإ من الدية ويرث من المال».
علّلوا هذا التفريق بأن الدية سببها فعل القاتل خطأ، فيحرم منها لقيام التهمة، أما غيرها فيستصحب معه الأصل، وهو غير متعمد، وتالله إنه لتوجيه وجيه لولا العموم الذي مر معك، وانظر غير هذا من الأدلة وما قاله مالك في الموطإ في باب الدماء حيث سبق للمؤلف أن ذكر هذا الحكم.
ويذكرون في موانع الإرث انتفاء النسب باللعان، وانبهام التقدم والتأخر في الموت كما في موت الغرقى وحوادث السيارات والاختناق بالغاز ونحو ذلك، والانبهام في الذكورة والأنوثة، وهو الخنثى المشكل.
ولا بأس بذكر كيفية توريث الخنثى، قالوا إنه قسمان من له آلة الذكر وآلة الأنثى، ومن له ثقب يخرج منه البول لا يشبه واحدا من الإثنين، والخنثى لا يتصور شرعا أن يكون أبا أو أما أو جدا أو زوجا أو زوجة لأنه لا يجوز مناكحته ما دام مشكلا، وهو منحصر في سبعة أصناف: الأولاد وأولادهم، والإخوة وأبناؤهم، والأعمام وأبناؤهم، والموالي.
والخنثى إن اتضحت ذكورته أو أنوثته عمل على ذلك، وقد بين خليل ﵀ ما يزول به الإشكال بقوله: «فإن بال من واحد، أو كان أكثر، أو أسبق، أو نبتت له لحية، أو ثدي، أو حصل حيض أو مني؛ فلا إشكال»، انتهى، وهذه آخر كلمة في مختصر خليل، فإن لم يزل الانبهام بحيث لم تتضح ذكورته ولا أنوثته بعلامة؛ أُعطي نصف نصيبي ذكر وأنثى، بأن يؤتى بنصيب الذكر ويجمع إلى نصيب الأنثى، ويقسم على اثنين، فالحاصل هو ما يرثه، لكن بشرط أن يكون يرث بالجهتين كالولد وولد الولد، وأما لو ورث بالذكورة فقط كالعم؛ فإنه يأخذ نصف الذكورة فقط، لأنه لو قدر عمة لم ترث، وكذلك لو كان يرث
[ ٤ / ٥٢٤ ]
بالأنوثة فقط، فإنه يعطى نصف نصيبها، كالأخت في المسألة المسماة بالأكدرية، فإنه لو قدر ذكرا لم يرتكب العول لأجله لأنه عاصب، ويشترط أيضا أن يكون إرثه بالذكورة والأنوثة مختلفا، فإن اتحد نصيبه على تقدير ذكورته وأنوثته كالأخ والأخت لأم؛ أعطي السدس إن كان واحدا، ويشترك مع غيره في الثلث إن كان متعددا، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٢٥ ]
من لا يرث بحال لا يحجب وارثا
• قوله:
٥١ - «وكل من لا يرث بحال فلا يحجب وارثا».
بَيَّنَ أن بين الإرث والحجب ملازمة، فمن لا يرث لمانع لا يحجب، كالعبد والقاتل والكافر والمرتد والمنبهم زمن وفاته، فإن كان حاجبا فالغالب عليه أن يكون وارثا، والحجب نوعان: حجب حرمان، وهو المنع من الميراث بالكلية، وحجب نقصان، بأن ينقص سهم المحجوب بسبب الحاجب، فالأب يحجب الأخ والجد حجب حرمان، وهو وارث، والأخ يحجب ابن الأخ، والعم يحجب ابن العم، والابن يحجب ابن الابن، وكل هذا حجب حرمان، وولد الميت يحجب الزوج والزوجة حجب نقصان من النصف إلى الربع، ومن الربع إلى الثمن، وولد الميت يحجب أبا الميت وأمه من الثلث إلى السدس، لكن ما كل من يحجب يرث، فقد استثنوا من هذه القاعدة مسائل:
أولاها: ما إذا ترك الميت أما وجدا وإخوة لأم، فإنهم يحجبونها حجب نقصان من الثلث إلى السدس بنص القرآن، ولا يرثون بالقرآن أيضا لأن الميت ليس كلالة كما تقدم.
وثانيها: أبوان وإخوة، فإنهم يحجبون الأم كما تقدم من الثلث إلى السدس، ولا يرثون لحجبهم بالأب إن كانوا عصبة، أو لأن الميت لم يورث كلالة إن كانوا إخوة لأم وهم أصحاب فرض.
وثالثها: المسألة المشتركة إذا كان فيها جد، فإنه يحجب الإخوة لأم، وقد تقدم بيانها.
ورابعها: كما لو ترك الميت زوجا وأما وأخوين لأم وأخا لأب وجدا فإن الإخوة لأم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، ولا يرثون.
وخامسها: المسماة بالمعادة، كأخ شقيق وأخ لأب وجد، فإن الأخ الشقيق يَعد على الجد الأخ لأب فيتقاسم الثلاثة المال أثلاثا، ثم يرجع الأخ الشقيق على الأخ لأب، فيأخذ ما بيده، فحجب الأخ لأب الجد من النصف إلى الثلث، ومع ذلك لم يرث شيئا.
[ ٤ / ٥٢٦ ]
ميراث المطلقة في المرض الذي مات فيه مطلقها
• قوله:
٥٢ - «والمطلقة ثلاثا في المرض ترث زوجها إن مات من مرضه ذلك ولا يرثها، وكذلك إن كان الطلاق واحدة وقد مات في مرضه ذلك بعد العدة».
تكلم هنا على المريض يطلق امرأته فإن طلاقه لا يخلو من حالين لأنه إما أن يكون باتا سواء أكان آخر ثلاث تطليقات أو مجموعا في لفظ واحد كما هو قول الجمهور، فمتى كان ذلك في المرض المخوف فإن مطلقته ترثه إذا مات من مرضه ذاك لأنه متهم بمنعها من الميراث بالطلاق، فيعامل بنقيض قصده، ولا يرثها هو إن ماتت لأنها بانت منه، والثاني أن يطلقها طلقة رجعية ويموت في مرضه بعد انقضاء العدة، فإنها ترثه معاملة له بنقيض قصده، ولا يرثها هو لما علمت، وألحقوا بالطلاق ما لو علق طلاقها في حال صحته على شيء ثم حصل خلال مرضه المخوف، وقد تقدم ذكر ما اعتمدوا عليه في هذا القول في كتاب النكاح فارجع إليه.
[ ٤ / ٥٢٧ ]
ميراث من مات زوجها وهي في العدة من طلاق رجعي
• قوله:
٥٣ - «وإن طلق الصحيح امرأته طلقة واحدة فإنهما يتوارثان ما كانت في العدة، فإن انقضت فلا ميراث بينهما بعدها».
إنما يتوارث الزوجان في هذه الحال لأن الزوجة ما زالت في العصمة، لقول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ [البقرة: ٢٢٨]، لكن قوله طلقة واحدة؛ ليس كما ينبغي، والمتعين أنه متى كانت العصمة قائمة حصل التوارث، لا فرق بين الطلقة والطلقتين، فإن الذي يحرم المرأة على زوجها حتى تنكح غيره هو الطلاق الثلاث على ما في المجموع منه في اللفظ من الخلاف، وقد تقدم في بابه، أو يقال إن المؤلف أراد بقوله طلقة واحدة، الطلقة الرجعية.
[ ٤ / ٥٢٨ ]
لا توارث بين من تزوجا في المرض الذي حصلت فيه الوفاة
• قوله:
٥٤ - «ومن تزوج امرأة في مرضه لم ترثه ولا يرثها».
هذا إذا كان المرض مخوفا ومات فيه، لأنه يتهم في زواجه بإرادة إدخال وارث جديد على الورثة، فيعامل بنقيض قصده، ولا يرثها هو أيضا، وقد عللوا ذلك بفساد النكاح ولو كان محتاجا إليه، قالوا ولو أذن الوارث على المشهور، لكنهم استثنوا هذا من قاعدتهم التي فيها أن ما كان من النكاح مختلفا في فساده فإنه يقع به التوارث، ووجه الاستثناء أنه منهي عنه كما قاله الشيخ علي العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن، وما أجدر هذا بالاعتبار لو صح النهي، لكن جاء ذلك عن ابن شهاب ويحي بن سعيد شيخي مالك، وهو لازم فعل عثمان بن عفان حيث ورث نساء ابن مكمل منه وكان قد طلقهن وهو مريض وهو في الموطإ وقد تقدم الكلام عليه في النكاح.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
ميراث الجدة لأب أو لأم السدس
• قوله:
٥٥ - «وترث الجدة للأم السدس وكذلك التي للأب، فإن اجتمعتا فالسدس بينهما».
إنما ورثت الجدة التي للأم السدس لحديث بريدة عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ جعل للجدة السدس إدا لم يكن دونها أم»، رواه أبو داود والنسائي، وعن قبيصة بن ذؤيب قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس»، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال: «هل معك غيرك»؟، فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثلما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر، فسألته ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها»، رواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الثلاثة والنسائي في الكبرى كلهم من طريق مالك، وقال الترمذي صحيح، هكذا نقل تصحيح الترمذي غير واحد، وهو مما اختلفت النسخ فيه، وفي إحداها قوله عن سنده الثاني في الحديث: «وهذا أحسن، وهو أصح من حديث ابن عيينة»، انتهى، ولا يلزم من هذا القول الصحة كما هو معلوم في فن المصطلح، لكن ابن المنذر نقل الإجماع على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم، وكما ترث الجدة التي للأم السدس ترث التي للأب السدس إذا انفردت قياسا عليها، فإن اجتمعتا كان السدس بينهما، لأنهما جنس واحد، فيشترك أفراده فيما فرض للواحد منه كأن يكون للميت أكثر من زوجة، ولم يأت نص يجعل للمتعدد أكثر من المنفرد كما هو الشأن في المتعدد من الإخوة للأم، ويدل على هذا قول عمر للجدة الأخرى وهي أم الأب: «فإن اجتمعتما فهو بينكما، وأيكما خلت به فهو لها»، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٣٠ ]
إذا اجتمعت الجدتان وكانت التي لأم أقرب كانت أولى بالسدس
• قوله:
٥٦ - «إلا أن تكون التي للأم أقرب بدرجة فتكون أولى به لأنها التي فيها النص، وإن كانت التي للأب أقربهما فالسدس بينهما نصفين».
إذا اجتمعت الجدة لأم والجدة لأب وكانتا متساويتين في القرب من الميت؛ فالسدس بينهما، وإن كانت التي للأم أقرب فالسدس لها وحدها، لأنها هي التي جاء فيها النص، بخلاف ما إذا كانت التي للأب هي الأقرب فإن التي للأم لا تسقط، بل يكون السدس بينهما لما سبق، وقد بين ذلك مالك في الموطإ إذ قال: «الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه والذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا أن الجدة أم الأم لا ترث مع الأم دنيا شيئا، وهي فيما سوى ذلك يفرض لها السدس فريضة،،، إلى أن قال: فإذا اجتمعت الجدتان أم الأب وأم الأم وليس للمتوفى دونهما أب ولا أم فإني سمعت أن أُمَّ الأم إذا كانت أقعدهما كان لها السدس دون أم الأب، وإن كانت أم الأب أقعدهما أو كانتا في القعدد من المتوفى بمنزلة سواء فإن السدس بينهما نصفين»، انتهى، ومعنى الأقعد الأقرب، ومعنى دنيا المباشرة، والقُعدَد القرب.
[ ٤ / ٥٣١ ]
• قوله:
٥٧ - «ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين أم الأب وأم الأم وأمهاتهما».
إنما ترث الجدة لأم إذا لم توجد أم الميت دنية، وترث الجدة لأب إذا لم يوجد أبو الميت، وترث أم أم الأم، وأم أم الأب عند فقد القربى من الجنسبن لقيامهما مقام الجدتين المباشرتين، وتحجب القربى البعدى منهما، ومهما يكن فإنه لا ترث أكثر من جدتين من الجهتين، وقد علمت من الأثر المتقدم أن فيه جدتين فحسب، ولأن القربى تحجب البعدى، وقد قال مالك في الموطإ: «ثم لم نعلم أحدا ورث غير جدتين منذ كان الإسلام إلى اليوم»، انتهى، ومثل ذلك قال شيخه الزهري.
[ ٤ / ٥٣٢ ]
توريث زيد بن ثابت ثلاث جدات
• قوله:
٥٨ - «ويذكر عن زيد بن ثابت أنه ورث ثلاث جدات: واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب: أم الأب وأم أبي الأب ولم يحفظ عن الخلفاء توريث أكثر من جدتين».
لما كان أهل المدينة ومالك منهم قد اعتمدوا مذهب زيد بن ثابت في الفرائض كما تقدم، وكان له قول بتوريث ثلاث جدات واحدة من قبل الأم واثنتين من قبل الأب نبه المؤلف عليه، وهو قوله وقول علي بن أبي طالب كما في سنن البيهقي، وعند الدارقطني، والأوسط لابن المنذر، وسنن الدارمي، ولينظر سند هذه الآثار، وإنما ترك مالك هذا القول من زيد اتباعا للخلفاء الأربعة الذين أمرنا باتباع سنتهم، كذا قيل، وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن يزيد قال: أعطى رسول الله ﷺ ثلاث جدات السدس: ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، وهو مرسل، وقال في التلخيص الحبير: قد نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنكر ذلك، ولا يصح إسناده عنه»، انتهى بالنقل عن التعليق المغني على الدارقطني، وقد علمت قبل قول مالك وشيخه الزهري الذي نفيا فيه علمهما بمن ورث أكثر من جدتين، لكن عدم العلم بالشيء ليس علما، ولا هو نفي لوجود من ورث أكثر من جدتين، فكلامهما حق.
[ ٤ / ٥٣٣ ]
ميراث الجد إذا انفرد المال كله
• قوله:
٥٩ - «وميراث الجد إذا انفرد فله المال».
المراد بالجد هنا خصوص أبي الأب، فإن أبا الأم لا يرث، وهو إما أن ينفرد، أو يكون معه ابن، أو ابن ابن، أو صاحب فرض غير الإخوة، أو الإخوة.
فإن انفرد ورث جميع المال لأنه أب، والأب عاصب يحوز المال كله عند الانفراد، قال تعالى: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ (٦)﴾ [يوسف: ٦]، وقال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
[ ٤ / ٥٣٤ ]
ميراث الجد مع الابن وابن الابن السدس
• قوله:
٦٠ - «وله مع الولد الذكر أو مع ولد الولد الذكر السدس».
هذه هي الحالة الثانية لميراث الجد، فإنه يأخذ السدس مع الابن، وابن الابن، وهو فرض الأب معهما لقول الله تعالى:. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
[ ٤ / ٥٣٥ ]
أخذ الجد السدس مع أصحاب السهام ثم ما بقي إن كان
• قوله:
٦١ - «فإن شركه أحد من أهل السهام غير الإخوة والأخوات فليقض له بالسدس فإن بقي شيء من المال كان له».
وهذه هي الحالة الثالثة، وذلك إذا ورث مع الجد صاحب فرض غير الإخوة والأخوات؛ كان له فرضه وهو السدس، ثم يأخذ ما بقي تعصيبا، هذا ظاهر كلام المصنف، إلا أن أهل المذهب قيدوا أخذ الجد السدس من رأس المال ثم أخذه ما بقي تعصيبا بما إذا ترك المتوفى بنتا أو أكثر أو بنت ابن كذلك، كما تقدم في ميراث الأب، فأما إذا كان أصحاب الفروض غير من ذكر كالزوج والزوجة والأم فليس له إلا ما بقي تعصيبا.
مثال: توفي رجل عن بنتين، وجد لأب، فالمسألة من ستة، للبنتين ثلثاها أربعة، وللجد سدسها واحد، وله الباقي تعصيبا، وهو واحد، ولو توفيت امرأة عن زوج، وجد؛ فالمسألة من اثنين، للزوج النصف واحد لعدم وجود الفرع الوارث، وللجد الباقي وهو النصف تعصيبا.
[ ٤ / ٥٣٦ ]
إذا اجتمع الجد مع الإخوة كان مخيرا بين المقاسمة والسدس وثلث الباقي
• قوله:
٦٢ - «فإن كان مع أهل السهام إخوة فالجد مخير في ثلاثة أوجه يأخذ أي ذلك أفضل له: إما مقاسمة الإخوة أو السدس من رأس المال أو ثلث ما بقي».
وهذه هي الحالة الرابعة في ميراث الجد، وذلك إذا وجد مع أهل السهام إخوة، فهنا يخير الجد بين ثلاثة أمور يأخذ ما كان منها أحظى له أي أنفع، وهي مقاسمة الإخوة، أو السدس من رأس المال، أو ثلث الباقي، وفي الموطإ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى زيد بن ثابت يسأله عن الجد فكتب إليه زيد بن ثابت: «إنك كتبت إلي تسألني عن الجد والله أعلم، وذلك مما لم يكن يقضي فيه إلا الأمراء، يعني الخلفاء، وقد حضرت الخليفتين قبلك يعطيانه النصف مع الأخ الواحد، والثلث مع الإثنين، فإن كثرت الإخوة لم ينقصوه من الثلث»، انتهى.
فمثال أفضلية المقاسمة له أن يترك الميت جدا وجدة وأخا، فالمسألة من ستة، للجدة سدسها، والباقي خمسة بين الجد والأخ بالتساوي، لكن تصحح المسألة بضرب عدد المنكسر عليهم وهو اثنان في المخرج الأصلي، وهو ستة، فتصير من اثني عشر، للجدة اثنان، ولكل من الجد والأخ خمسة، وهذا خير له مما لو أخذ السدس من رأس المال فإنما يأخذ سهما واحدا، وهو خير له أيضا مما لو أخذ ثلث الباقي بعد أن تأخذ الجدة السدس لأن ثلث الخمسة هو واحد وكسر.
ومثال كون أخذه السدسَ من رأس المال أفضلَ له ما لو كان الوارثون جدا وزوجة وابنتين وأخا، للجد السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، والأخ عاصب، فالمسألة من أربعة وعشرين، للجد سدسها أربعة، وللزوجة الثمن ثلاثة، وللبنتين الثلثان ستة عشر، ويأخذ الأخ الباقي تعصيبا وهو واحد، ولو أخذ الجد ثلث الباقي بعد الزوجة والبنتين وهو خمسة لأخذ سهما وكسرا، ولو قاسم الأخ لأخذ سهمين ونصفا، فبهذا كان أخذه السدس
[ ٤ / ٥٣٧ ]
أحظى له.
ومثال أفضلية ثلث الباقي للجد ما لو كان الوارثون أما وجدا وخمسة إخوة، فتكون المسألة من ستة، للأم السدس، وهو واحد، والباقي خمسة أسهم، فإن أخذ الجد السدس كان له سهم، وإن قاسم الإخوة كان له أقل من سهم، وإن أخذ ثلث الباقي كان له سهم وكسر، فيكون هو الأحظى له، فتكون المسألة من ثمانية عشر بعد ضرب مخرج الثلث الذي هو ميراث الجد وهو ثلاثة في أصل المسألة وهو ستة، فللأم سدسها ثلاثة، وللجد ثلث الباقي - وهو خمسة عشر - خمسة، والباقي عشرة فيأخذ كل من الإخوة سهمين.
وقد تستوي المقاسمة مع ثلث الباقي كما لو كان مع الجد أم وأخوان، للأم السدس واحد، والباقي خمسة يستوي ثلثها مع المقاسمة، كما قد يستوي السدس من رأس المال، وثلث الباقي، والمقاسمة، فلو تركت المتوفاة زوجا وجدا واثنين من الإخوة، فالمسألة من ستة، للزوج نصفها ثلاثة، والجد إن أخذ السدس من رأس المال أخذ واحدا، وإن أخذ ثلث الباقي أخذ واحدا، وكذلك إن قاسم الأخوين لاشتراك الثلاثة في ثلاثة أسهم.
[ ٤ / ٥٣٨ ]
• قوله:
٦٣ - «فإن لم يكن معه غير الإخوة فهو يقاسم أخا وأخوين أو عدلهما أربع أخوات، فإن زادوا فله الثلث فهو يرث الثلث مع الإخوة إلا أن تكون المقاسمة أفضل له».
هذه الحالة لا يكون فيها مع الجد غير جنس الإخوة، وتحتها ثلاث صور:
١ - أن يكون معه أخ واحد فيقاسمه بالتساوي لأن ذلك خير له من السدس ومن ثلث الباقي، فتكون المسألة من اثنين.
٢ - أن يكون للميت أخوان فتستوي المقاسمة وثلث جميع المال، فالمسألة من ثلاثة، ومثلها ما إذا ترك الميت عدل أي مساوي أخوين وهو أربع أخوات فيقاسمهن للذكر مثل حظ الأنثيين فتستوي المقاسمة وثلث جميع المال، فالمسألة من ستة.
٣ - أن يزيد الإخوة على اثنين أو مساويهما وهو أربع أخوات؛ فله الثلث من رأس المال، فلو كان الوارثون جدا وثلاثة إخوة؛ فإن المسألة من تسعة بعد ضرب مخرج الثلث في عدد رؤوس المنكسر عليهم، فللجد ثلثها ثلاثة، ولكل واحد من الإخوة اثنان.
[ ٤ / ٥٣٩ ]
معادة الإخوة الأشقاء الجد بالإخوة لأب
• قوله:
٦٤ - «والإخوة للأب معه في عدم الشقائق كالشقائق، فإن اجتمعوا عاده الشقائق بالذين للأب فمنعوه بهم كثرة الميراث ثم كانوا أحق منهم بذلك».
ما سبق من التفصيل في ميراث الجد مع الإخوة يستوي فيه الإخوة الأشقاء والذين للأب، متى انفرد الجد بالجنس الواحد منهم، أما إن اجتمع الأشقاء الذكور والذين للأب مع الجد فهي المسألة المسماة بالمعادة، ومعناها أن الأشقاء يعادون الجد بالذين للأب، أي يحاسبونه بهم، فيدخلون في الوارثين، فينقص ميراثه بسبب ذلك مع أنهم محجوبون، لأن الأشقاء أولى بالميت منهم.
ومثال المعادة أن يترك الميت جدا وأخا شقيقا وأخا لأب، فإن الأخ لأب لا يرث لكونه محجوبا بالشقيق، لكن الشقيق يعاد الجد به، فيكون للجد الثلث مقاسمة بدل النصف - على اعتبار أن الأخ لأب لا يرث لأنه محجوب بالشقيق - ثم يرجع الأخ الشقيق فيأخذ الثلث الذي عاد به الجد.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (٥/ ٣٤٣): «انفرد زيد بن ثابت من بين الصحابة - رضوان الله عليهم - بقوله في معاداته الجد بالإخوة للأب مع الإخوة للأب والأم، ثم يصير ما وقع لهم في المقاسمة إلى الإخوة للأب والأم، لم يقله أحد غيره إلا من اتبعه فيه، قد خالفه فيه طائفة من الفقهاء القائلين بقوله في الفرائض لإجماع المسلمين أن الإخوة للأب لا يرثون شيئا مع الإخوة للأب والأم، فلا معنى لإدخالهم معهم وهم لا يرثون لأنه حيف على الجد في المقاسمة.
[ ٤ / ٥٤٠ ]
• قوله:
٦٥ - «إلا أن يكون مع الجد أخت شقيقة ولها أخ لأب أو أخت لأب أو أخ وأخت لأب فتأخذ نصفها مما حصل وتسلم ما بقي إليهم».
المقصود أن الأخت هنا وإن عادت الجد بمن معها إلا أنها لا تأخذ كل ما عادت به، بل تكتفي بأخذ ما يكمل لها النصف المقرر لها، فإن بقي شيء أخذه من معها وإن لم يبق فلا شيء له.
فمثال ما يبقى معه شيء ما لو ترك الميت جدا وأختا شقيقة وأخا لأب، فأصل المسألة من خمسة، وهي عدد الرؤوس لأنها لا فرض فيها، وما لا فرض فيه فأصله أعني مخرجه عدد الرؤوس، وهم هنا خمسة، لأن الجد يعصب الأخوات، فيكون للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت سهم واحد، لكنها هنا لها النصف فلتستكمله، ونصف الخمسة اثنان ونصف، فيضرب أصل المسألة وهو خمسة في مقام النصف وهو اثنان، فتصبح من عشرة، للجد أربعة باعتبار أنه عاصب يأخذ مثلي الأنثى، وللأخت خمسة، بعد أن كمل لها النصف، وللأخ لأب الباقي وهو واحد.
ومثال ما لم يبق معه شيء من الميراث ما لو ترك جدا وأختا شقيقة وأختا لأب، فهي من أربعة للجد نصفها اثنان، ولكل من الأختين واحد، ثم ترجع الشقيقة على التي للأب بواحد لتكمل به النصف المقرر لها فلا يبقى للتي للأب شيء.
ولنذكر المثال الذي أشار إليه المؤلف بقوله أو أخ وأخت لأب، أي أن الميت ترك جدا وأختا شقيقة وأخا لأب وأختا لأب، فالمسألة من ستة، للجد سهمان، وللأخ لأب سهمان، ولكل من الأختين سهم واحد، ثم ترجع الشقيقة على التي للأب فتأخذ سهمها فيصير لها اثنان، ولم يكمل لها النصف بعد، فتأخذ من الأخ لأب واحدا، ثم ترجع الأخت لأب للأخ لأب فتقاسمه السهم الذي بيده فلا تصح قسمة الواحد على ثلاثة، فيضرب
[ ٤ / ٥٤١ ]
أصل المسألة وهو ستة في ثلاثة وهو عدد المنكسر عليهم فتصير ثمانية عشر، يأخذ منها صاحبا الفرض وهما الجد والأخت الشقيقة ما كان له مضروبا في ثلاثة، فللجد ستة، وللأخت الشقيقة تسعة، وللأخ لأب سهمان، وللأخت لأب سهم واحد، هكذا قالوا، ولا أحسب أن الشرع يأتي بمثل هذا، والظاهر أن الجد يحجب الإخوة فلا نفتقر إلى هذا التعني لحل هذه الإشكالات.
[ ٤ / ٥٤٢ ]
• قوله:
٦٦ - «ولا يربى للأخوات مع الجد إلا في الغراء وحدها وسنذكرها بعد هذا».
لا يربى للأخوات يريد لا يزاد لهن على نصيبهن الذي هو المقاسمة على قاعدة أن الذكر يأخذ نصيبي الأنثى، إلا في المسألة التي تسمى الغراء وسيذكر ها في آخر الباب.
[ ٤ / ٥٤٣ ]
ميراث المعتق الذكر والأنثى
• قوله:
٦٧ - «ويرث المولى الأعلى إذا انفرد جميع المال كان رجلا أو امرأة، فإن كان معه أهل سهم كان للمولى ما بقي بعد أهل السهام، ولا يرث المولى مع العصبة، وهو أحق من ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في كتاب الله ﷿».
المولى الأعلى هو المعتق بكسر التاء، وفي مقابله المولى الأسفل، وهو المعتق بفتحها، وهذا لا يرث، والأول يرث جميع مال من أعتقه متى لم يكن معه صاحب فرض، ولا عاصب نسبي، لأن المولى عاصب بالإجماع فينطبق عليه عند افتقاد العاصب النسبي قول النبي ﷺ: «فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر»، لكنه في العصبة من النسب، أما الدليل الخاص فقوله ﵊: «الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب»، رواه الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى، ولا فرق في هذا بين العاصب الذكر والعاصب الأنثى، فإن لم يوجد المولى الذي باشر العتق، ورث المال أولى عصبته كما تقدم، وإن كان ثمة صاحب فرض أعطى فرضه، ويأخذ المولى ما بقي، ومثاله أن يترك المتوفى بنتا ومولى فللبنت النصف، والباقي وهو النصف للمولى، أما أنه لا يرث مع العصبة فللأولوية المذكورة في الحديث، وأما أنه مقدم على من لا سهم له في كتاب الله من ذوي الأرحام فلأنهم غير وارثين بالمرة، فلا وجه للقول إنه مقدم عليهم لإشعاره بأنهم يرثون في غيبته وهو بخلاف المقصود عند من لم يورثوا ذوي الأرحام.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
• قوله:
٦٨ - «ولا يرث من ذوي الأرحام إلا من له سهم في كتاب الله».
استدل لعدم توريث ذوي الأرحام الذين لا سهم لهم في الكتاب والسنة بقول النبي ﷺ: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر»، رواه الترمذي عن عمرو بن خارجة، قالوا: وليس لهم حق في الكتاب ولا في السنة، والجواب: أن القول بأنهم ليس لهم حق في الكتاب موضع نزاع، إلا أن يكون المراد أنهم ليس لهم فرض معين، والخلاف إنما يظهر فيما لو انعدم الوارثون المنصوص عليهم ببيان فرائضهم أو لكونهم عصبة، وقد سبق الكلام في توريث ذوي الأرحام.
[ ٤ / ٥٤٥ ]
ترث المعتقة من أعتقته أو ما جره عتقها من ولادة وعتق
• قوله:
٦٩ - «ولا يرث النساء من الولاء إلا ما أعتقن أو جره من أعتقن إليهن بولادة أو عتق».
رجع إلى الكلام على ميراث المرأة بالولاء بعد أن أقحم الكلام على ذوي الأرحام إمعانا في البيان، والمقصود أن المعتق ذكرا كان أو أنثى يرث المعتَق، لكن ميراث الأنثى لا يتعدى أن ترث من أعتقته، أو ما جره عتقها بالولادة والعتق، ومثال الجر بالولادة أن تعتق المرأة رقبة، فتتزوج تلك الرقبة، ويحصل لها ولد ويموت الولد وله مال، ولا عاصب له، ومثال الجر بالعتق أن تعتق المرأة رقبة وتعتق تلك الرقبة رقبة أخرى، وتموت الرقبة هذه ولها مال، فمتى لم يكن للرقبة المعتقة عاصب من النسب ورثتها المعتقة بالكسر.
[ ٤ / ٥٤٦ ]
بيان معنى العول وذكر الفروض التي تعال
• قوله:
٧٠ - «وإذا اجتمع من له سهم معلوم في كتاب الله وكان ذلك أكثر من المال أدخل عليهم كلهم الضرر وقسمت الفريضة على مبلغ سهامهم».
تكلم هنا على العول، وهو في اللغة الميل والجور، وهو في الاصطلاح الزيادة في السهام والنقص في الأنصباء، والمقصود أن يجتمع من الورثة من أصحاب الفروض من لا تفي التركة بما لهم، فيدخل المسألة العول، حتى يوزع عليهم النقص بالتساوي، كشأن الغرماء إذا ضاق المال عن ديونهم، والعول ليس أمرا متفقا عليه، فقد قال به أكثر العلماء، فمن الصحابة عمر بن الخطاب، وقد قيل إنه أول من أعال الفرائض، ومنهم علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، ومنهم الأئمة الأربعة واختاره ابن المنذر، وأباه عبد الله بن عباس وأهل الظاهر وغيرهم.
وقد رأى ابن عباس أن الفروض إذا تزاحمت أن كل فريضة لم يهبطها الله إلا إلى فريضة فإنها تقدم كميراث الزوج والزوجة والأبوين، فأما الفرائض التي تسقط ولا تنزل فإنها تؤخر عند التزاحم فإن لم يبق شيء سقطت، هذا معنى كلامه ﵁ وهو في المحلى لابن حزم، والأوسط لابن المنذر.
أما كيف يعرف أن المسألة محتاجة إلى العول فبمعرفة أصلها أولا، ثم يعطى كل وارث سهمه، فإن أوفى أصل المسألة بسهام الورثة أو بقي منه شيء؛ فلا حاجة إلى العول، وإن لم يف الأصل بالسهام دخلها العول.
ومثاله أن تتوفى امرأة عن زوج وأخت شقيقة وأخرى لأب، فللزوج النصف، وللشقيقة النصف، وللتي للأب السدس تكملة الثلثين، فتكون المسألة من ستة للزوج نصفها ثلاثة، وللأخت النصف الآخر، فلا يبقى للتي للأب شيء، فتعول المسألة بمقدار سهم الأخت لأب وهو واحد، إلى سبعة، للزوج ثلاثة، وللأخت ثلاثة، وللتي للأب واحد.
[ ٤ / ٥٤٧ ]
ومن المعلوم أن أصول مسائل الفرائض سبعة هي الاثنان والثلاثة والأربعة والستة والثمانية والإثنا عشر والأربعة والعشرون، لكن العول لا يدخل إلا ثلاثة منها وهي الستة، والإثنا عشر، والأربعة والعشرون.
فالستة تعول أربع مرات: إلى سبعة، وإلى ثمانية، وإلى تسعة، وإلى عشرة.
فمثال عولها إلى سبعة، زوج وأختان لغير أم، للزوج النصف، وللأختين الثلثان، فالمسألة من ستة، ومجموع السهام سبعة، فتصير السبعة مخرج المسألة.
ومثال عولها إلى ثمانية، زوج وأم وأخت لغير أم، للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت النصف، فتكون المسألة من ستة، فإذا جمعت السهام كانت ثمانية فيصير مخرجها ثمانية.
ومثال عولها إلى تسعة، زوج، وأم، وأخت شقيقة، واثنتان لأب، وأخ لأم، فللزوج النصف، وللأم السدس، وللشقيقة النصف، وللأختين لأب السدس، وللأخ لأم السدس، ومجموع السهام تسعة، فتصير التسعة مخرجا بدل الستة، وليصحح ما في حاشية علي العدوي على شرح أبي الحسن، وما في الفواكه الدواني من الخطإ الذي حصل في عول هذا الأصل.
ومثال عولها للعشرة، زوج، وأخت لأبوين، وأخت لأب، وأم، وولدي أم، للزوج النصف، وللشقيقة النصف، وللتي للأب السدس، وللأم السدس، ولولدي الأم الثلث، فتكون المسألة من ستة، ومجموع سهامها عشرة، فتعول بمقدار ثلثيها أعني ثلثي الستة، وهو أربعة، فيصير مخرجها عشرة.
وأما الاثنا عشر فتعول ثلاث عولات هي: ثلاثة عشر، وخمسة عشر، وسبعة عشر.
ومثال الأولى زوج وأم وبنتان، للزوج الربع، وللأم السدس، وللبنتين الثلثان، فيكون أصلها من اثني عشر، ومجموع السهام ثلاثة عشر، فيصير ذلك هو المخرج بعد العول.
ومثال عولها إلى خمسة عشر؛ زوج وأبوان وابنتان، للزوج الربع، ولكل من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، فالمسألة من اثني عشر، لكن مجموع السهام خمسة عشر، فتكون هي المخرج بعد العول.
[ ٤ / ٥٤٨ ]
ومثال عولها إلى سبعة عشر، زوجة وأم وولداها وأخت لأبوين، وأخت لأب، فللزوجة الربع، ولأم السدس، ولولدي الأم الثلث، وللأخت الشقيقة النصف، والتي للأب لها السدس، فالمسألة من اثني عشر، ومجموع السهام سبعة عشر فتجعل مخرجا بعد العول.
وأما الأربعة والعشرون، فتعول عولة واحدة إلى سبعة وعشرين، ومثالها زوجة وأبوان وابنتان، فللزوجة الثمن، ولكل من الأبوين السدس، وللبنتين الثلثان، فتكون من أربعة وعشرين، ومجموع السهام سبعة وعشرون فيصير مخرجها مجموع السهام، والله أعلم.
[ ٤ / ٥٤٩ ]
دخول العول في المسألة المسماة بالغراء
• قوله:
٧١ - «ولا يعال للأخت مع الجد إلا في الغراء وحدها وهي امرأة تركت زوجها وأمها وأختها لأبوين أو لأب وجدها فللزوج النصف وللأم الثلث وللجد السدس فلما فرغ المال أعيل للأخت بالنصف ثلاثة ثم جمع إليها سهم الجد فيقسم جميع ذلك بينهما على الثلث لها والثلثين له فتبلغ سبعة وعشرين سهما».
ذكر هذه المسألة المستثناة مالك في ميراث الجد فانظرها، والمؤلف يريد أن أخت الميت لا ترث مع جده بالفرض، بل بالتعصيب، لأنها معه كما لو كانت مع أخيها، فميراثها بالتعصيب كما تقدم إلا في الغراء وتسمى الأكدرية أيضا، وإنما سميت غراء لأنها مشتهرة لا مثيل لها من غرة الفرس، أو لأن الجد غر الأخت حيث أعيلت المسألة لأجلها، ثم جمع ما معه إلى ما معها فقاسمها، وقيل إنما سميت الأكدرية لأن أصل زيد بن ثابت ﵁ أنه لا يفرض في باب الجد والإخوة للأخت، ولا يعال لأجلها، وقد أعيل هنا وفرض، ومثالها ما إذا كان الوارثون أما وجدا وزوجا وأختا لغير أم، فللأم الثلث، وللزوج النصف، وللجد السدس، فأصل المسألة من ستة، فلم يبق للأخت شيء، فيعال لها بالنصف وهو ثلاثة، فتصير المسألة من تسعة، إذ لو لم يعل لها؛ فإما أن تقاسم الجد في سدسه فينقص عنه، وإما أن لا تقاسمه فتحرم الميراثَ مع أنها غير محجوبة عند من يرى توريث الإخوة مع الجد، وبعد العول يجمع لها سهم الجد، وهو واحد فيصير المجموع أربعة ولا ثلث للأربعة، فتضرب التسعة في ثلاثة وهي عدد المنكسر عليهم فتصير سبعة وعشرين، للأم اثنان مضروبة في ثلاثة بستة، وللزوج النصف، وهو ثلاثة مضروبة في ثلاثة بتسعة، والباقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين، فيكون له ثمانية، ولها أربعة، والحمد لله الذي
[ ٤ / ٥٥٠ ]
بنعمته تتم الصالحات.
ولنذكر هنا الرد، وهو صرف الباقي من الميراث إلى ذوي الفروض النسبية بنسبة فروضهم إذا لم يوجد عاصب، وقيد النسبية يخرج الزوجين فإنه لا يرد لهما، وقد علمت قبل أن بيت المال في المذهب مصرف لباقي التركة إذا لم يوجد عاصب متى كان بيت المال منتظما، وأن الرد غير معمول به عندهم، وأين بيت المال اليوم؟.
وكيفية الرد تتوقف على من يرد عليهم، لأنهم إما أن يكونوا جنسا واحدا، أو مختلفا، وهل يرد على الجميع أو على بعضهم، فهذه ثلاثة أحوال، فإن كانوا جنسا واحدا فإن أصل المسألة هو عدد رؤوسهم، وإن كان في المسألة جنسان؛ فإن أصل المسألة يجعل من مجموع سهامهم، وإن كان فيهم من لا يرد عليه فإن أصل المسألة هو مخرج فرضه، فيعطى فرضه، ثم يقسم الباقي على حسب ما سبق من كونهم جنسا واحدا، أو أجناسا مختلفة.
فمثال الأول: ما إذا كان الورثة خمس بنات، فإن لهن الثلثين، لكن لما كان الرد لهن وهن جنس واحد؛ يكون أصل المسألة من عددهن وهو خمسة، فلكل بنت سهم منها.
ومثال الثاني: ما إذا كان الوارثون أما وأختين لأم، فإن للأم السدس، واحد، وللأختين لأم الثلث أي اثنان، ومجموع السهام ثلاثة فيكون هو أصل المسألة للأم واحد، وللأختين لأم اثنان.
ومثال الثالث: زوجة وجدة وأختان لأم، فأصل المسألة من اثني عشر، وترد إلى أربعة، للزوجة ربعها واحد، والباقي يقسم على الجدة والأختين لأم بنسبة واحد إلى اثنين، فلها واحد وللأختين لأم اثنان.
[ ٤ / ٥٥١ ]