• قوله:
٠١ - «قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة».
هذا الحديث رواه مالك وأحمد والبخاري والنسائي عن أنس ﵁، وفيه تقييد الرؤيا التي هي جزء من النبوة بأن تكون حسنة، أي صالحة كما في رواية أخرى، وهكذا تقييد الرائي لها بالصالح، لكون الرؤيا هذه هي كرامة من الله تعالى، وهي إنما تكون للمؤمن المتقي، ومعنى أن الرؤيا جزء من النبوة أنها جزء من العلم الحاصل بالنبوة لأنها من الغيب.
قال المهلب يشرح ذلك كما في الفتح: «المراد غالب رؤيا الصالحين، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف غيرهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم، فالناس على هذا ثلاث درجات: الأنبياء ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون، ويغلب على رؤياهم الصدق، وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والأضغاث، وهم ثلاثة أقسام: مستورون، فالغالب استواء الحال في حقهم، وفسقة، والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق، وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدا، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ: «وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا»، ومعنى ذلك أنه ما كل ما يرى في المنام هو جزء من النبوة، بل منه ما هو أضغاث أحلام، وتقييد الرائي بالصالح أغلبي، لأنه قد يرى الأضغاث،
[ ٥ / ٤٠٩ ]
ولكن ذلك نادر عنده، بخلاف غير الصالح فالغالب على رؤياه الأضغاث»، انتهى.
وقال القرطبي: «المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء، فَأُكْرِمَ بنوعٍ مما أُكْرِمَ به الأنبياء، وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانا فذاك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم»، انتهى.
وقوله ﷺ: «من ستة وأربعين»، قد صح من خمسة وعشرين، ومن أربعين، ومن سبعين، وغير ذلك، وكيفما كان نصيب الرؤيا من علم النبوة ولو جزءا من ألف فإنه عظيم كما قال ابن بطال.
وقد اختلف العلماء في توجيه تلك الروايات المتعددة وتفسيرها، واللائق أن ما صح منها يقال به، ولا حاجة إلى الخوض فيه بعد معرفة المراد، وقد قال المازري: «لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة وتفصيلا، فقد جعل الله للعالم حدا يقف عنده، فمنه ما يعلم المراد منه جملة وتفصيلا، ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا، وهذا من هذا القبيل»، انتهى.
قلت: ولا مانع أن يكون ذكر هذه الأعداد متى لم يتحد المخرج بحسب صلاح الرائي وتقواه، فكلما عظم صلاحه كثر حظه علم النبوة، والله أعلم.
[ ٥ / ٤١٠ ]
ما يفعله من رأى ما يكره في منامه
• قوله:
٠٢ - «ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي».
هذا معنى ما جاء في حديث أبي قتادة عند الشيخين وأبي داود والترمذي عن النبي ﷺ قال: «الرؤيا الحسنة من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره».
وعن جابر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه»، رواه مسلم وأبو داود، أما اللفظ الذي ذكره المؤلف فلا أعرفه.
وقد روى أحمد والبخاري والترمذي عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها ولْيُحدِّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان، فليستعذ بالله من شرّها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضرُّه»، وسيعود المؤلف للكلام إلى شيء من أحكام الرؤيا في الفقرة العشرين، فلنتابعه على ذلك.
[ ٥ / ٤١١ ]
• قوله:
- «ومن تثاءب فليضع يده على فيه».
وضع اليد على الفم مما يكظم به التثاؤب، فيمنع به الصوت المستنكر الذي يضحك منه الشيطان، ويستر به الوجه وهو يتغير وقتئذ، ويحتاط به من احتمال تطاير شيء لانفتاح الفم، وقد جاء فيه حديث أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله ﷺ: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل»، رواه أحمد والشيخان وأبو داود.
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك الشيطان منه»، ولا بن ماجة زيادة: «ولا يعوي»، قال الألباني موضوع بزيادة ولا يعوي، صحيح بدونها، وجاء وضع اليد على الفم مقيدا بحال الصلاة، فيكون الأمر فيها أشد كما قال ابن العربي وزين الدين العراقي رحمهما الله، وليس هذا من مواطن حمل المطلق على المقيد للعلة المذكورة، والله أعلم.
[ ٥ / ٤١٢ ]
حمد العاطس ربه وتشميته ورده على من شمته
• قوله:
٠٤ - «ومن عطس فليقل الحمد لله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له يرحمك الله ويرد العاطس عليه يغفر الله لنا ولكم أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم».
سبق أن ذُكر أن تشميت المؤمن أخاه إذا عطس من حقوقه عليه، في الفقرة الرابعة عشرة والمائة من باب جمل من الفرالئض …، وذكر هنا ما يقوله العاطس، وما يُرُدُّ به عليه، وجمع ذلك مع السلام والاستئذان أولى، وقد تقدم الكلام على ذلك كله فانظره، ويضاف هنا ما رواه ابن حبان والحاكم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما نفخ الله في آدم الروح، فبلغ الروح رأسه عطس، فقال: الحمد لله ربِّ العالمين، فقال له ﵎: يرحمك الله»، وهو في الصحيحة برقم (٢١٥٩).
[ ٥ / ٤١٣ ]
تحريم اللعب بالنرد والشطرنج
• قوله:
٠٥ - «ولا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج».
النرد قيل معناه الحلو بلغة الفرس، ويقال له أيضا النردشير، وفي كتاب معجم لغة الفقهاء هو لفظ معرب، وهو لعبة تعتمد على الحظ، ذات صندوق وحجارة وزهرين، وتنتقل فيه الحجارة حسبما يأتي به الزهران، وتعرف اليوم بالطاولة»، انتهى.
وفي شرح أبي الحسن: «والمراد قطع تكون من العاج أو من البقس ملونة، يلعب بها ليس فيها كيس، وإنما ترمى في حال لعبها، تشبه اللعب بالكعب في الأوجه» انتهى، وقال الشيخ على العدوي المالكي: «النرد هو الطاولة المعروفة في مصر»، انتهى.
وقد دلّ على تحريم اللعب بالنرد قول النبي ﷺ: «من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه»، رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن بريدة، وفيه دليل على حرمة مزاولة النجاسة والتلطخ بها من غير ضرورة، وقال النبي ﷺ: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله»، رواه مالك وأحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن أبي موسى، وهو نص في تحريمه.
والنرد محرم لذاته، فإن كان مع القمار ففيه مخالفتان، وقد قيل إن وجه ذلك ما في هذا اللعب من عدم الكَيس، لأنه يجري على حكم الاتفاق والمصادفة، وأن الأوائل لما نظروا في أمور الدنيا وجدوا بعضها يجري على حكم الاتفاق والمصادفة كما زعموا، فوضعوا له النرد لتشعر النفس به، وبعضها الآخر يجري على وفق السعي والتحيل فوضعوا له الشطرنج، لتنهض النفس بذلك وتعمل عليه.
والشطرنج بكسر الشين وسكون الطاء لفظ معرب، وهو لعبة تجري على رقعة ذات أربعة وستين مربعا، تمثل دولتين متحاربتين باثنتين وثلاثين قطعة، تمثل الملكين، والوزيرين، والخيالة، والقلاع، والفيلة، والجنود»، كذا في معجم لغة الفقهاء.
وقد قال عنه مالك إنه ألهى من النرد، فجعله من قياس الأولى، وهذا حق، فإنه
[ ٥ / ٤١٤ ]
محتاج إلى فكر وتقدير وحساب لنقل القطع، بخلاف النرد فإنه يلعب على غير تفكر ثم يحسب في النهاية، وقد جاء عن كثير من السلف منعه، ولم يصح فيه شيء من المرفوع، وهو على كل حال مما يلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، ولعبه يؤدي إلى الإدمان عليه فيحصل المحذور.
[ ٥ / ٤١٥ ]
التسليم على المتلبس بالمعاصي كالنرد
• قوله:
٠٦ - «ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها».
أما التسليم على لاعب النرد والشطرنج فالمراد به الحال التي لا يكون فيها متلبسا باللعب، لأن العاصي لا يسلم عليه حال ارتكاب المعصية، هكذا حملوا ما جاء عن مالك ﵀ في العتبية إذ سئل: «أيسلم على اللاعب بالشطرنج؟، قال: «نعم، أليسوا مسلمين»؟!!، وقال بعضهم يسلم عليه وقت اللعب للخلاف الذي في الشطرنج.
والظاهر أن الأمر يختلف باختلاف أحوال مرتكب المعصية من العلم بالحكم وعدم العلم به، ومدى تأثير المقاطعة فيه، وما الذي يفهمه من التسليم عليه وتركه، وهل يصحب التسليم النصح أو لا؟، فهو نظير الهجران، وقد تقدم الكلام عليه، والله أعلم.
[ ٥ / ٤١٦ ]
الجلوس والنظر إلى من يلعب بالنرد والشطرنج
• قوله:
٠٧ - «ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم».
يريد أنه يكره كراهة تحريم أن يجلس المرء إلى من هو متلبس باللعب بالنرد والشطرنج، أو يتفرج عليه لأن فيه تكثيرا لسواد أهل الباطل، وإقرارا بالمعصية، وهو مطالب بإنكارها ولو بقلبه، ثم إنه مقدمة للانخراط فيها والاشتغال بها، وتعريض النفس للتهمة، وهذت يجري عي كل محرم.
وقد قال رسول الله ﷺ: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير … الحديث»، وهذا في الجليس الذي سوؤه كامن فيه فكيف بمن يزاول السوء؟، وليس الأمر بمقصور على لاعبي النرد والشطرنج بل مثلهم كل من كان ملابسا لمعصية، فإن الجلوس مع مرتكبيها والتفرج عليهم مباشرة أو عن طريق الصور المنقولة غير جائز، ومفاسده لا تخفى، وما أكثره في عالم اليوم.
وقد روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ عن مطعمين: عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على بطنه».
ومما يدل على ذلك أن وليمة النكاح إذا دعي إليها المرء وكان فيها ما يكره فلا يشرع له الذهاب إلا ليأمر أو ينهى، فكيف بحضور المعصية التي لم تخالطها مصلحة؟، وفي سنن الدارمي عن جابر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس إلى مائدة يشرب عليها الخمر».
واعلم أن اللعب إذا كان منهيا عنه لنفسه كالنرد فأمره واضح، فإن لم يكن كذلك، ولم تكن فيه مقامرة؛ فإن كانت فيه مصلحة بلا مضرة فهو جائز، وما أفضى منه إلى حرام؛ فهو حرام، لأنه سبب لنشر الشر والفساد.
ولعب الكره من اللهو الذي فتنت به الأمة أيما افتتان ولا يصح الاختلاف في منعه لكونه إجارة على اللهو، وهي غير جائزة، وهذا كاف في منعه، على أنه لو كان جائزا فإن ما
[ ٥ / ٤١٧ ]
يترتب عليه ينقله إلى حيز المنع بسبب ما يفضى إليه غالبا من تضييع الوقت، وترك الصلاة، والأضرار التي تلحق الممتلكات والأفراد، (ربح) اللاعبون أو (خسروا)، وإنفاق أموال الأمة بلا حساب، فإن المدربين يؤجروه بمبالغ مالية تكفي لإعاشة مئات الأسر في السنة، ثم هذا الاهتمام الكبير الذي توليه له وسائل الإعلام، فتجعل المشتغلين به كأنهم قادة الأمة وعظماؤها!!، وارتباط الشباب باللاعبين الدوليين و(الوطنيين) وتعليق صورهم على صدورهم والاختصام والتقاتل من أجلهم، وهو لعب مصحوب بعري الرجال بكشف ما لا يجوز كشفه من أجسادهم، فإذا كانت (اللاعبات) نسوة فهذه مصيبة كبرى ومعصية عظمى، ومما يؤسف له أن بعض الناس في مصر أفتى بجواز الفطر في رمضان لمن تعاقد مع جهة رياضية متى تطلب الوفاء بالعقد الفطر لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالعهود، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو العلي العظيم، وإنما اخترت الكلام على لعب الكرة لأنها تبدو أحسن أنواع اللهو وإني أ'لن افتتان بعض الفقهاء بها.
[ ٥ / ٤١٨ ]
السبق بالخيل والإبل والرمي بالسهام
• قوله:
٠٨ - «ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام بالرمي».
السبق في كلامه بسكون الباء مصدر سبق يسبق وبابه ضرب، والمراد المسابقة، والسبق بفتح الباء جمعه أسباق هو ما يجعل لمن يسبق، أو هو ما يتراهن عليه المتسابقون، ويسميه العامة الخطر، والمسابقة إن كانت بعوض فلا تجوز إلا في الثلاثة المذكورة، وإن كانت من غير عوض جازت بها وبغيرها كالحمير والطير والسفن والرمي بالحجارة إذا كانت لغرض صحيح، ولم يشغل عن واجب، ولا أدى إلى مفسدة، قال خليل: «وجاز فيما عداه مجانا»، انتهى، وقال في الاختيارات الفقهية: «والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة، إذا قصد بها نصر الإسلام، وأخذ السبق عليه أخذ بالحق، فالمغالبة الجائزة تحل بالعوض، إذا كانت مما ينتفع به في الدين، كما في مراهنة أبي بكر ﵁»، انتهى، وقال أيضا: «ويجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة»، انتهى، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى الجزء الثامن والعشرين: «إذا أخرج ولي الأمر من بيت المال للمسابقين بالنشاب والخيل والإبل كان ذلك جائزا باتفاق الأئمة، ولو تبرع مسلم ببذل الجعل في ذلك كان مأجورا، وكذلك ما يعطيه الرجل لمن يعلمه ذلك هو مما يثاب عليه، لأن هذه الأعمال منفعتها عامة للمسلمين، فيجوز بذل العوض من آحاد المسلمين، وإن أخرجا جميعا العوض وكان بينهما آخر محللا يكافئهما كان جائزا، وإن لم يكن بينهما محلل فبذل أحدهما شيئا طابت به نفسه من غير إلزام أطعم به الجماعة، أو أعطاه للمعلم، أو أعطاه لرفيقه كان ذلك جائزا»، انتهى باختصار، وفي الاختيارات الفقهية: «وظاهر ذلك جواز الرهان في العلم وفاقا للحنفية، لقيام الدين بالجهاد والعلم»، انتهى.
ويشترط في المسابقة التي بالعوض أن تعلم بداية السباق وغايته التي ينتهي إليها، فإن كان لأهل السباق عادة بذلك أغنت عن التعيين، كما ينبغي معرفة أعيان الخيل لا معرفة جريها، بل يتعين أن يكون كل يجهل سبق فرسه، لأن الغاية من السباق الخبرة، ولا
[ ٥ / ٤١٩ ]
يشترط معرفة من يركب على ما يحصل به السباق، لكن لا يركب عليها إلا محتلم، ويشترط في العوض أن يكون مما يصح بيعه، وإنما اشترط ما ذكر في حالة العوض لأن السبق عقد لازم كالإجارة، وقد دل على جواز السبق قول رسول الله ﷺ: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والمراد بالخف، الحيوان ذو الخف وهو البعير، وبالحافر ذو الحافر وهو الفرس، والنصل هو السهم، أي لا تجوز المسابقة بعوض إلا في هذه الأجناس الثلاثة، وجاء من فعله ﷺ أيضا في حديث ابن عمر قال: «سابق رسول الله ﷺ بين الخيل، فأرسلت التي ضمرت منها وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق»، رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، والخيل المضمرة هي التي تعلف حتى إذا سمنت قلل لها العلف بالتدريج فتنحف، فتكون أقدر على الجري، وفي صحيح البخاري عن سفيان قال: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق ميل»، انتهى.
[ ٥ / ٤٢٠ ]
صور السبق الجائزة والممنوعة
• قوله:
٠٩ - «وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء هذا قول ابن المسيب».
صور المسابقة باعتبار الجعل ثلاثة، لأنه إما أن يكون السبَق من المتسابقين معا، أو من أحدهما، أو من غيرهما، فإن كان من غيرهما من حاكم أو غيره جاز ذلك بالاتفاق، وإذا أخرج كل منهما عوضا ليأخذه السابق فهذا قمار، وهو ممنوع، لكن هذه الصورة تجوز إن أدخلا بينهما محللا، أي شخصا ثالثا لا يعطي شيئا، بشرط أن لا يكون عالما أن فرسه لا يسبق أيا من الفرسين الآخرين، فإن سبق المحلل أخذ السبَق، وإن سبق واحد من اللذين أخرجا الجعل أخذه، ولم يكن على المحلل شيء يخرجه، هذا قول سعيد بن المسيب وهو في الموطإ، وعليه بعض أتباع مالك، وإنما جازت هذه الصورة لأن في المتسابقين من يأخذ إذا سَبق، ولا يعطي شيئا إذا سُبق، ولو لم يوجد لما كان فيهم إلا من يعطي إذا سبق، ويأخذ إذا سبق وذلك محظور، والمشهور عن مالك في هذه الصورة المنع، وقد استدل للمجوزين بقول النبي ﷺ: «من أدخل فرسا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس، ومن أدخل فرسا بين فرسين وهو آمن أن يسبق فهو قمار»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة، لكن إسناده ضعيف كما قال الحافظ في بلوغ المرام، وابن القيم في التهذيب، لكن اعتمده ابن حزم وغيره، وفي الاختيارات الفقهية «ويجوز المسابقة بلا محلل ولو أخرجه المتسابقان»، انتهى.
ولما كان لمالك في هذه الصورة قولان، مشهورهما المنع؛ ذكر المؤلف قوله المشهور فيما يلي:
[ ٥ / ٤٢١ ]
• قوله:
١٠ - «وقال مالك إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هو كان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن غير جاعل السبق وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك».
هذه هي الصورة الثالثة، وهي ما إذا كان السبَق من أحد المتسابقين فلا يخلو الأمر حينئذ من ثلاث حالات، أولها أن يسبق غير صاحب الجعل فله أخذ العوض، والثانية أن يسبق الجاعل فيكون الجعل للذي يليه في الرتبة من المتسابقين، والثالثة أن يسبق جاعل السبق وليس معه غير واحد يباريه، فإن السبق يأخذه من حضر المسابقة، ولم أجد سببا لمنع صاحب السبَق من أخذه في حال ما إذا سبق إلا لكونه هدية فلا يرجع عنها، ولعل مالكا رأى أنه بهذه القيود يكون أبعد عن القمار، وروى ابن وهب عن مالك أنه إن كان السابق هو صاحب الجعل فإن له أن يأخذ جعله.
قلت: وهذا هو الحق إذ لا مانع منه، فإنه لم يهبه إلا بقيد الغلب، ثم هو بعيد عن أن يكون قمارا.
[ ٥ / ٤٢٢ ]
إيذان الحيات التي تظهر في الدور ثلاثا
• قوله:
١١ - «وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن ولا تؤذن في الصحراء ويقتل ما ظهر منها».
الحيات جمع حية تقع على الذكر والأنثى، فالتاء فيها للوحدة كنملة، لا للتأنيث، وجاء عن العرب قليلا استعمال الحي في الذكر والحية للأنثى، ومعنى تؤذن تحذر ويطلب منها مغادرة المكان، على أن يكون ذلك ثلاثة أيام، فإن ظهرت بعد الثلاث قتلت، وقد قيل إن هذا الحكم خاص بما ظهر منها في المدينة، وقيل يعم الأماكن المعمورة كلها، وهذا هو الظاهر، لكن مالكا خفف في الأخير، ولا يتناول هذا الحكم الصحراء، وقد روى مالك ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي السائب أنه دخل على أبي سعيد الخدري قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن اجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟، فقلت: نعم»، قال: «كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله فاستأذنه يوما فقال له خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له اكفف عليك رمحك وادخل البيت لترى ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منصوبة على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا ألحية أم الفتى، قال: فجئنا رسول الله ﷺ وذكرنا ذلك له، وقلنا ادع الله أن يحييه لنا، فقال: استغفروا لصاحبكم، ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان».
[ ٥ / ٤٢٣ ]
وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «خمس يقتلن في الحل والحرم،،، الحديث، وقد ذكر من جملتها الحية، وسبق الكلام عليه في الحج، وهو عموم، ومما جاء في قتلها قول رسول الله ﷺ: «اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني»، رواه أبو داود عن ابن مسعود، وللشيخين وأبي داود والترمذي عن ابن عمر ينميه: «اقتلوا الحيات والكلاب، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل»، لفظ مسلم، والطفية بضم الطاء وفتح الفاء هي الخوصة، وذو الطفيتين سمي كذلك لأن على ظهره خيطين أسودين يشبهان الخوصتين، والأبتر هو مقطوع الذنب، ولأبي داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب»، والنظر في جميع هذه الأدلة يقود إلى أن ما كان من الحيات في الصحارى يقتل، وما كان منها في العمران يؤاذن ثلاثة أيام، وانظر هل يشمل ذلك ما كان منها في بناء الحرم، أما ذو الطفيتين والأبتر فإنهما يقتلان في العمران وفي الصحراء من غير استئذان، ويظهر أن هذين النوعين إنما شرع قتلهما من غير استئذان لأنهما يفزعان بمنظرهما أو أن فيهما خاصية تحدث بإذن الله ما ذكر، وقد روى البخاري عن ابن عمر قال: بينما أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة: «لا تقتلها»، فقلت: «إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات»، فقال: «إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت»، وهي العوامر، أي التي طال مكثها في البيوت.
وقول المؤلف: «وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن»، يريد قياس الحيات في غير المدينة عليها في التحريج ثلاثا، وقد تبين لك من النصوص المتقدمة أن النهي عام لا يختص ببيوت المدينة، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٢٤ ]
كراهة قتل القمل والبراغيث وغيرها بالنار
• قوله:
١٢ - «ويكره قتل القمل والبراغيث بالنار».
إنما نهي عن قتل ما ذكر بالنار لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار سبحانه، كما جاء ذلك في سنن أبي داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟، ردوا ولدها إليها»، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: «من حرق هذه»؟، قلنا: «نحن»، قال: «إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار»، وانظر الجزء الخامس من الصحيحة للألباني، ولا خصوصية للقمل والبراغيث فإن غيرهما مثلهما، ولأن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة،،،» الحديث.
[ ٥ / ٤٢٥ ]
قتل النمل إذا ألحق أذى بالناس
• قوله:
١٣ - «ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها ولو لم تقتل كان أحب إلينا».
النملة من جملة ما جاء الخبر بالنهي عن قتله فيما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد»، وهو بضم الصاد وفتح الراء طائر فوق العصفور، قيل أنه يصيد العصافير، والنهي عن قتلها يدل والله أعلم على منع أكلها، وإنما جاز قتل النملة إذا آذت لدفع ضررها، والضرر منفي عن أحكام هذه الشريعة السمحة شرط أن لا يقدر على دفع أذاها بغير القتل، وأن يقتصر على القدر اللازم.
وقد روى أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر بها فأحرقت، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة»؟، وفي رواية: «في أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح»؟، وفيه المحافظة على أنواع المخلوقات غير المؤذية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
[ ٥ / ٤٢٦ ]
التحريض على قتل الوزغ
• قوله:
١٤ - «ويقتل الوزغ».
الوزغ بمفتوحتين جمع وزغة، قال الدميري في كتابه حياة الحيوان: «واتفقوا على أن الوزغ من الحشرات المؤذيات، وهي دويبة مؤذية وسام أبرص؛ كبيرها»، انتهى.
وقد جاء في قتل الوزغ أحاديث منها ما رواه مسلم وأبو داود عن عامر بن سعد عن أبيه قال أمر رسول الله ﷺ بقتل الوزغ وسماه فويسقا»، هو تصغير تحقير سماه كذلك لخروجه عن خلق معظم الحشرات بزيادة ضرره.
وروى البخاري عن أم شريك -رضي الله تعالى عنها- أن النبي ﷺ أمر بقتل الوزغ، وقال كان ينفخ على إبراهيم».
وجاء أيضا ما يدل على أن قتل الوزغ بالضربة الأولى فيه أجر أعظم من قتله في الضربة الثانية، وفي الثانية أعظم من الثالثة، والغرض الحض على قتله لأنه إن فات من الضربة الأولى فقد ينجو، وعلل بعضهم بأن قتله في الضربة الأولى من إحسان القتل وإحسان التسديد، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٢٧ ]
النهي عن قتل الضفدع
• قوله:
١٥ - «ويكره قتل الضفادع».
لو ضم هذا إلى الكلام عن قتل النملة لكان أجود، وقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي ﷺ عن قتلها».
قلت: نهيه عن استعمالها دواء مع الحاجة إليها، وما في التداوي من المسامحة أحيانا يدل من باب أولى على النهي عن قتلها لغير ذلك مما هو دون الدواء، كما يدل على تحريم أكلها فيما يظهر، والمذهب خلافه، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٢٨ ]
نهي الشرع عن التفاخر بالآباء
• قوله:
١٦ - «وقال النبي ﵇: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب».
يظهر أن غرض المؤلف من الكلام على النسب كفكفة الغلو الذي كان في وقته وما يزال عند بعض الناس، وهو التفاخر بالأنساب، ونسيان ما يكون به التفاضل على الوجه الحق، وهو تقوى الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحُجُرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، ولأن بعض الناس يمتنعون من تزويج الكفء لكونه غير شريف كما يقولون، ومذهب مالك أن الكفاءة في النكاح الدين والحال، وقال النبي ﷺ: «يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير بن العوام عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله لا أملك لكما من الله شيئا، سلاني من مالي ما شئتما»، رواه البخاري عن أبي هريرة، وقال النبي ﷺ: «ومن أبطأ به عمله لم يُسْرِعْ به نسبه»، رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة من جملة حديث.
فأما قوله ﷺ: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»، رواه الطبراني والبيهقي والحاكم عن عمر ﵁، وهو في الصحيحة برقم (٢٠٣٦) فلا يخالف ما سبق، فإن المراد بالسبب ما يتوصل به إلى الشيء، وهذا شأن أتباعه الموحدين، والنسب أهل بيته، وأقاربه منهم بخاصة،
وقد تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم لهذا الحديث لرغبته أن يكون بينه وبين النبي ﷺ هذه الصلة الزائدة، وقال الغماري في كتابه المداوي: «إن هذه القصة والحديث
[ ٥ / ٤٢٩ ]
مشهورة عن عمر، بل تكاد تكون متواترة عنه …»، انتهى.
ولا شك أن حفظ المرء نسبه لا ضير فيه، بل هو محمود متى خلا من المحاذير التي أشار إلى بعضها المؤلف ﵀، وما ذكره طرف من حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي وقال حسن غريب، وهو الحديث ما قبل الآخر، بل هو الآخر في جامعه، لكنه مختصر عما قبله، ولفظه: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هو فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجُعْلَ الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب»، يدهده يحركه ويدحرجه، والخراء بكسر الخاء العذرة، والخراءة مكسورة الخاء الجلوس لقضاء الحاجة، وعُبية بضم العين وكسرها والباء المكسورة المشددة، والياء المشددة؛ هي الكبر والنخوة، كما قال الخطابي، والمقصود أن النسب الشريف مع التقوى مرجح، وبدون الإيمان ملغى، والله أعلم.
وروى أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب قال، قال رسول الله ﷺ: «انتسب رجلان على عهد موسى ﵇ فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة، فمن أنت لا أم لك؟، قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام، قال: فأوحى الله إلى موسى ﵇ أن قل لهذين المنتسبين أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار؛ فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين في الجنة؛ فأنت ثالثهما في الجنة»، وهو في الصحيحة برقم (١٢٧٠).
[ ٥ / ٤٣٠ ]
علم الأنساب علم لا ينفع والجهل به لا يضر
• قوله:
١٧ - «وقال النبي ﵇ في رجل تعلم أنساب الناس: علم لا ينفع وجهالة لا تضر»
قال في مسالك الدلالة: «هذا رواه ابن عبد البر في العلم، وبعد أن أورد لفظه، وما قاله ابن عبد البر من أن فيه راويين لا يحتج بهما، وهما سليمان وبقية، وأنه إن صح كان معناه أنه علم لا ينفع مع الجهل بالآية المحكمة والسنة القائمة والفريضة العادلة، قال: «وكأنه في شك من بطلان هذا الحديث الذي تلوح عليه لوائح الوضع»، انتهى، ومن قرأ لفظ الحديث تبين أنه ليس من كلام رسول الله ﷺ، بل إنه مشتمل على علامات الوضع، لكن علم الأنساب إذا خلا مما يخرجه عن مكانته إلى المحذور منه، ولم يكن مجرد تخرصات وظنون فإنه لا ضير فيه.
[ ٥ / ٤٣١ ]
يلزم أن يحفظ من النسب ما يتمكن به من صلة الأرحام
• قوله:
١٨ - «وقال عمر: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم».
روى نحو هذا الأثر البخاري في الأدب المفرد عن جبير بن مطعم أنه سمع عمر بن الخطاب يقول على المنبر: «تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه».
وإنما عطف صلة الرحم على معرفة النسب لأن الصلة لا تكون إلا بتلك المعرفة، وهذا يعطي أن معرفة القدر الذي يصل به المسلم رحمه واجب لأنه وسيلة إلى الواجب فيعطى حكمه، وداخلة الرحم هي رابطة الرحم سميت كذلك لأنها أمر خفي، ومعنى أوزعه منعه ودفعه، والله أعلم.
[ ٥ / ٤٣٢ ]
كره مالك أن يرفع النسب إلى ما قبل الإسلام
• قوله:
١٩ - «وقال مالك: وأكره أن يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء».
إذا رفع المرء نسبه إلى ما قبل الإسلام أو إلى أجداده الكفار يفتخر بذلك فهذا لا شك في تحريمه، لأنه من الاعتزاز بأهل الشرك، والافتخار بأهله، لأن الفخر بالدين لا بالكفر كما قال التتائي ﵀.
قلت: الفخر مذموم، لقول النبي ﷺ: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد»، رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة عن عياض بن حِمار، وقل النبي ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد وغيرهما عن غيره، ومعنى قوله: «ولا فخر»؛ ولست أفخر بهذا الذي قلته، لأنه حق ينبغي أن يعلم، لا كما قال بعض أهل العلم ولعله الخطابي ﵀ إن معناه ولا فخر أعظم من هذا، وإن كان ذلك حقا لكن لا يقوله النبي ﵌، فما ذا يقول الذين يسمون أولادهم بأسماء الكفار كيوغرطا وماسينيسا وغيرهما؟.
[ ٥ / ٤٣٣ ]
لا يجوز أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها
• قوله:
٢٠ - «والرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى في منامه ما يكره فليثفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ من شر ما رأى، ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها ولا يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه».
تقدم كلام المؤلف على الرؤيا، وقد التمس بعضهم وجها للتكرار، وهو كونه ذكر هنا وصف الصالحة ولم يذكره فيما تقدم، وقيل كرره ليستكمل ما فاته من الكلام على الرؤيا وهو تفسيرها.
والإقدام على تفسير الرؤيا من غير علم محرم، بل هو أشد من الإفتاء بغير علم، لأنه وإن اشرك الأمران معا في القول على الله بغير علم، وهو أصل الشرور كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، إلا أن الرؤيا بما كانت جزءا من علم النبوة وهو وحي مرتبط بالغيب كانت أخص في هذا الأمر، ولأن فيها تغريرا بالرائي، إذ إنها كما يكون فيها التبشير يكون فيها الإنذار، فإن عبرها من غير علم؛ فات الرائي ما فيها له من خير يستبشر به، وما يكون له فيها من وعظ وزجر يعتبر به فيتوب، وكذلك إن غير ما يعلمه من التعبير بحيث تكون الرؤيا شرا فيقول خلاف ذلك.
والصواب إن علم خيرا أن يقوله، وإن علم غير ذلك قال خيرا إن شاء الله، أو سكت، وما جاء من قول النبي ﷺ: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت»، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي رزين العقيلي، فقد حمله بعض أهل العلم ومنهم البخاري على ما إذا أصاب معبر الرؤيا الأول، وهذا توجيه طيب حسن، والله أعلم.
ولا يصح أن يقص المرء رؤياه إلا على عارف بالتعبير أو ناصح، ولا يجوز له أن يقول ما لم ير لقول النبي ﷺ: «من تحلم بحلم لم يره كُلِّفَ أن يعقد بين شعيرتين ولن
[ ٥ / ٤٣٤ ]
يفعل … الحديث، رواه البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وقوله تحلم معناه تكلف الحُلْم، وهو بضم الحاء المهملة وسكون اللام ما يرى في المنام، أي ادعاه من غير أن يراه، والحُلُم بمضمومتين البلوغ.
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من أفرى الفرى أن يري عينه ما لم تر»، رواه البخاري، والفرى بكسر الفاء جمع فرية هي الكذبة، أي أن هذا من أعظم الكذب، وقوله «أن يري عينه ما لم تر»، هو كناية عن قوله رأيت عما لم يره.
[ ٥ / ٤٣٥ ]
الحد المقبول من نظم الشعر وإنشاده
• قوله:
٢١ - «ولا بأس بإنشاد الشعر وما خف من الشعر أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به».
إنشاد الشعر ذكر شعر الغير، ولا بأس به إذا لم يغلب على المرء، وكان في حق كالنصرة، وتدارس العلوم، والاستشهاد للغة، وقد تقدم الكلام عليه في أثناء الحديث عن الغناء، وإنشادِ الشعر في المسجد، أما نظمُ الشعر فكذلك إذا كان لنصرة الحق، والحث على الخير، وتدوين العلم، لأن النظم أيسر في الحفظ.
لكن نظم المؤلفات المنثورة لا حاجة إليه، لأن النثر أقرب وأيسر للفهم، فإذا نظم احتاج إلى شرحه أكثر من حاجة النثر لذلك، فإن مجال القول في النظم ضيق، لحاجة متعاطيه إلى الاقتصار والاختصار، فلنشتغل بأمر آخر، ولنترك هذا الترف الفكري كما أسميه.
ومهما يكن فإن الإكثار من الاشتغال بالشعر خلاف الصواب لأن غالبه مبالغات فيفضي بمن غلب عليه إلى ما لا تحمد عقباه، ويشغبه عما ينبغي أن يشاغل به.
[ ٥ / ٤٣٦ ]
أولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله العلم بدينه
• قوله:
٢٢ - «وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علم دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحض عليه في كتابه وعلى لسان نبيه والفقه في ذلك والفهم فيه والتهمم برعايته والعمل به».
من العلوم ما هو شرعي بمعنى أن معرفة الشرع متوقفة عليه، ومن هذا ما هو مقاصد، ومنه ما هو وسائل، وأولى علوم الشرع التي هي مقاصد معرفة الله ﷾ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة، وتدبيره لشؤون خلقه، وتربيته لهم، بنعمه وبرسالاته، ثم معرفة ما يجب الإيمان به من الملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر والقدر، يعرف ذبك مجملا ويؤمن به، ويما أمكنه من تفاصيله، فمعرفة هذا مما لا بد منه لكل مكلف، ومن لم يحرزه كان في دينه على شفا شرف هار، ولم تنفعه بقية المعارف مهما كثرت، ولو كانت علوما شرعية.
والمسلمون في هذا العصر مفرطون في هذا القسم تفريطا عظيما، ولذلك حصل بينهم الاختلاف والنزاع فيما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقد بدأ المؤلف بالكلام عليه، بذكر ما أمر الله به وما نهى عنه، من الواجبات والمحرمات والمندوبات والمكروهات والمباحات، ولا شك أن معرفة خطاب الشرع على الوجه المطلوب لا بد معه من العلوم التي هي آلة لفهم كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، وهي علوم العربية من نحو وصرف وبيان، وكذا معرفة ما يتم به الاستنباط وهو علم أصول الفقه، وما يعرف به صحيح الأخبار من سقيمها، وهو مصطلح الحديث، فهذا هو أولى العلوم وأفضلها عند الله.
والعلم بالشرع عموما عقائد وأحكاما وسلوكا هو الذي دعا به رسول الله ﷺ لحبر الأمة عبد الله بن عباس إذ قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل»، وقال النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، وسلف هذه الأمة كانوا في غنى عن كثير من العلوم التي هي وسائل لسليقتهم العربية، وقربهم من عهد النبوة، ثم قامت الحاجة إلى تلك العلوم الوسائل للأسباب المعروفة.
والعلم بالشرع هو الذي ينطبق عليه قول النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»،
[ ٥ / ٤٣٧ ]
والفرض منه هو القدر اللازم لكل مسلم حتى يصح إيمانه، ويعتبر عمله، غير أن منه ما يشترك فيه جميع المسلمين، ومنه ما يختص بمن يريد أن يقوم بعمل يجهل حكمه، فلا يقدم عليه حتى يعلم حكم الله فيه، فهذا العلم بقسميه هو الذي ينبغي أن يحرص المسلمون كلهم عليه حفظا وفهما وعملا، فإن العلم لا يراد لذاته، بل لِيُعْمَلَ على وفقه، وقد قال الله تعالى: «فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون»، فلأجل حفظ العلم بالكتاب المنزل والسنة التي هي بيان له الصادرين عن النبي ﷺ منع أن يخرج الناس كلهم للجهاد، وجعل غاية ذلك النقل للعلم وتبليغه العمل ممثلا في الحذر من مخالفة الشرع بترك المأمور، وفعل المحظور، ولذلك ختم المؤلف بقوله: «والعمل به»، فإن ثمرة العلم العمل، وقد كان السلف يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به.
إذا علمت هذا فاعجب لبعض من تبوأوا مناصب عالية في دولة الجزائر لم يجدوا ما يذكرونه فيما لا ينبغي أن يتنافس الساسة في تعليمه إلا الوضوء والصلاة، والصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين، والطهارة شرط صحتها باتفاق المسلمين، وهي شطر الإيمان، كما في الحديث، وكثير من حكام المسلمين صاروا يشككون في المعلوم بالضرورة من الدين، وقد تنبئ الأقوال عن دخائل النفوس، ومن النفاق ما يعلم بلحن القول، ومنه ما لا يعلم كما قال الله تعالى «لا تعلمهم نحن نعلمهم»، ومن أسر سريرة ألبسه الله رداءها، وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عماله يقول لهم وهو في الموطإ: «إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع»، فهلا سكت هذا القائل فستر بعض عيبه؟، ويحهم، يتنافسون في تعليم الناس الرقص والغناء والعري وشرب الخمر والاختلاط والزنا وإنفاق الأموال في الوجوه المحرمة، وما يسمونه زورا بالثقافة، ثم يمثلون بالصلاة والوضوء لما لا يجوز أن يتنافس الساسة في تعليمه، ثم يأتي من يرد هذا الباطل فيتبرأ في وسائل الإعلام من تعليم الناس ذلك كأنه منكر من النكرات، ليقول نحن إصلاحيون، ففيم يقع التنافس أيها الناس إن لم يكن في طاعة الله، وما مصالح العباد المشروعة بخارجة عن حيز الطاعة لو استقام النظر، واتسقت الفِكَر.
[ ٥ / ٤٣٨ ]
• قوله:
٢٣ - «والعلم أفضل الأعمال».
العلم مقدم على العمل لأنه طريق ووسيلة إليه، وبمقدار العلم بالله تكون خشيته، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]، وقال النبي ﷺ: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له»، رواه البخاري عن أنس ﵁، والمؤلف إنما أراد بالأعمال فيما يبدو ما ليس فرضا، إلا أن يكون فعل الفرض متوقفا على العلم به ومعرفته؛ فيقدم على العمل، لأنه لا سبيل إلى فعل الفرض إلا بذلك، فالمحافظة على حلقة العلم مقدمة على الصلاة على جنازة وجد من يقوم بها من غير أن يؤدي ذلك إلى ترك الحضور باستمرار.
وقد روى ابن عبد البر عن محمد بن سيرين قال: «إن قوما تركوا طلب العلم ومجالسة العلماء وأخذوا في الصلاة والصيام حتى يبس جلد أحدهم على عظمه، ثم خالفوا السنة فهلكوا وسفكوا دماء المسلمين، فو الذي لا إله غيره ما عمل أحد عملا على جهل إلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح»، انتهى.
قال الحميدي ﵀
من لم يكن للعلم عند فنائه … أَرَج فإن بقاءه كفَنائه
بالعلم يحيى المرء طول حياته … وإذا انقضى أحياه حسنُ ثنائه
[ ٥ / ٤٣٩ ]
أولى العلماء بالله أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة
• قوله:
٢٤ - «وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة والعلم دليل الخيرات وقائد إليها».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]، فحصر الخشية فيهم، فمن لم يخش الله تعالى فإن علمه لم يجاوز لسانه، وإنما شرف العلم لأنه وسيلة إلى معرفة الله، ومعرفة أمره ونهيه ليمتثلا طمعا في رحمته، وخوفا من بطشه وانتقامه، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إياكم والمنافق العليم قالوا: وكيف يكون المنافق عليما»؟، قال: «عليم اللسان، جاهل القلب والعمل»، وكان السلف يقولون: «اتقوا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون».
أما أن العلم دليل إلى الخيرات كما ذكر؛ فلأنه لا سبيل إلى معرفتها إلا به، ولذلك جاء في الحديث: «من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله طريقا من طرق الجنة … الحديث، رواه أحمد والأربعة عن أبي الدرداء.
لكن هذا إنما يحصل لمن انتفعوا بالعلم ممن بلغ قلوبهم، وزكى نفوسهم، وامتلك عليهم عواطفهم، فغدا لهم رائدا قائدا، ووازعا رادعا، وقد قال النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع»، رواه الترمذي والنسائي عن ابن عمرو، ورواه غيرهما عن غيره.
[ ٥ / ٤٤٠ ]
اللجأ إلى كتاب الله وسنة نبيه واتباع سبيل المؤمنين
• قوله:
٢٥ - «واللجأ إلى كتاب الله ﷿ وسنة نبيه واتباع سبيل المؤمنين وخير القرون من خير أمة أخرجت للناس نجاة ففي المفزع إلى ذلك العصمة وفي اتباع السلف الصالح النجاة وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم».
معتمد المسلمين في معرفة دينهم إنما يكون على هذه الأمور الثلاثة التي هي كتاب ربهم، وسنة نبيهم، وإجماع علمائهم، في أي عصر من العصور، على أمر من الأمور، فهذه الأصول الثلاثة لم يختلف المسلمون في الرجوع إليها، وإن اختلفوا في بعض تفاصيلها، كالأخذ بالقياس على ما ثبت بواحد منها، فمن التجأ إليها، واعتمد عليها، ولم يخرج عنها، وعمل حسب المستطاع بمقتضاها؛ نجا، لأنه امتثل أمر الله تعالى في قوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]، واجتنب ما توعد الله تعالى به من خالف ذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
ولا شك أن أولى طبقات هذه الأمة بمعرفة الحق والقيام به هم أصحاب سيدنا محمد ﷺ، فهم أولى أن ينطبق عليهم قول الله تعلى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]، حتى إن ابن عباس ﵄ فسرها بأن المراد منها المهاجرون قبل الفتح، وإن كان الصحيح أنها تعم كل أجيال هذه الأمة التي هي مثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره كما جاء عن النبي ﷺ، وقال النبي ﷺ: «أنتم موفون ثلاثا وسبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»، رواه الترمذي وغيره عن معاوية بن حيدة، ولأن طائفة منها لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله، وقد بلغ هذا الخبر عن النبي ﷺ مبلغ التواتر.
[ ٥ / ٤٤١ ]
النجاة في اتباع السلف الصالح
الانتفاع بفهم السلف للكتاب والسنة
والمقصود أنه لا بد من مراعاة ما كان عليه الصحابة عموما والخلفاء الراشدون خصوصا، فقد امتدحهم الله تعالى وأثنى عليهم في كتابه وأوصى بهم رسوله، وبين أن النجاة فيما كان عليه هو وهم، وأخصهم من خلفه في أمته ممن نص على خلافتهم في حديث سفينة حيث قال: «الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك»، رواه أحمد والترمذي وعيرهم، وقد أمر باتباع سنتهم وذكرها معطوفة على سنته، فيعتمد عليهم في فهم كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وترك الخروج عما أجمعوا عليه، فإن إجماعهم هو الذي حظي بالإجماع.
وما قاله بعض أهل العلم من المحدثين في هذا العصر من أنه لا بد من ضميمة يعتمد عليها في فهم نصوص الكتاب والسنة وهي فهم السلف ليس مما يستغرب، وإنكاره هو المستغرب، وقد قال النبي ﷺ وهو يبين الفرقة الناجية: «ما أنا عليه وأصحابي»، ولا شك أنه لا يريد بذلك حال أصحابه في حياته، فإن الإجماع في حياته لا يحتاج إليه كما هو معلوم في علم الأصول، والخيرية التي شهد بها النبي ﷺ للقرون الثلاثة على الترتيب تشمل هذا المعنى، وهي كونهم كانوا على الحق، فمن جهل سبيلهم زل، ومن خالفها غوى وضل.
ولهذا المعنى عني أهل العلم منذ القرن الثاني بنقل أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم وسلوكهم فيما يعرف بالمصنفات كمصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة وموطإ مالك وغيرها من الكتب، وأدخل أهل الحديث في علم مصطلحه الموقوفات على الصحابة والمقاطيع على التابعين ومن دونهم، وعني أهل التفسير كالطبري وابن أبي حاتم وغيرهما بنقل أقوالهم في تفسير القرآن.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٤/ ٩٨): «فما ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنه فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم؛ فإنها من الشيطان، وهي نقيصة لا فضيلة، سواء. كانت من جنس العلوم، أو من جنس العبادات، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك، بل خير الناس بعدهم أتبعهم لهم»، انتهى.
وقال ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٧٨): «وقوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه»، أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرا ما سبقنا
[ ٥ / ٤٤٢ ]
هؤلاء إليه، يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية، وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا، وأخطئوا خطأ بينا، كما قال تعالى: «وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا»، أي يتعجبون: كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟، ولهذا قالوا: «لو كان خيرا ما سبقونا إليه»، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة هو بدعة، لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها»، انتهى، أما التشغيب على هذا بذكر ما يتجدد للناس من مرافق ووسائل واصطناعها ممن يتمسك بهدي السلف، واعتبار ذلك منه تناقضا مما لا يروج إلا على البله، ولا يعتمد عليه إلا الجهلة، أو مرضى القلوب، والمهتدي من هداه الله.
[ ٥ / ٤٤٣ ]
اختتام المؤلف لكتابه
• قوله:
٢٦ - «والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله».
ختم المؤلف ﵀ مصنفه بهذا الثناء على الله تعالى، كما ابتدأه بذلك، وقد قال سبحانه بعد ذكره دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: «وقيل الحمد لله رب العالمين»، فذكر أن الخلق كلهم من أهل الدارين يلهجون بحمده وبالثناء عليه، فلهذا أثنى على ربه في خاتمة كتابه لأنه هو الذي يسر له ما دَوَّنَهُ من هذه الرسالة النافعة، ولولاه ما اهتدى إليها، ولا قدر على كتابتها.
وما ذكره هو ثناء أهل الجنة على الله إذا صاروا إليها، حمدوا الله على أن هداهم إلى الأعمال التي أهلتهم لفضله وإحسانه، فعالنوا بمحض كرمه عليهم وامتنانه، فيما صاروا إليه من نعيمه ورضوانه، وازدادوا يقينا بأن ما جاءت به رسل الله هو الحق، فلما استيقنوا ذلك وفقهوه، وأقروا به وعلموه، وتبرؤوا من أن يكون لهم دخل فيما أُورثوه؛ نوه الله تعالى بأعمالهم، وربط بها مصائرهم وجزاءهم، فنودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون.
فيا أيها الناس لا تَعْتَدُّوا بشيء من أعمالكم، فإن أهل الجنة يرى الواحد منهم مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرا، وإن أهل النار يرى الواحد منهم مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني، فيكون عليه حسرة، لو أن ربكم عذب أهل السموات والأرض لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين.
[ ٥ / ٤٤٤ ]