وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَهَّبَ لِذَلِكَ بِالْوُضُوءِ أَوْ الطُّهْرِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَاب طَهَارَة الْمَاء وَالثَّوْب وَالْبُقْعَة وَمَا يُجْزِئ مِنْ اللِّبَاس فِي الصَّلَاة] بَابٌ فِي بَيَانِ طَهَارَةِ الْمَاءِ هَذَا مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ الطَّهُورِيَّةُ بَدَلَ طَهَارَةِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ مَا يُرْفَعُ بِهِ الْحَدَثُ وَحُكْمُ الْخَبَثِ وَهُوَ الطَّهُورُ وَيُرَادِفُهُ الْمُطْلَقُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الطَّهُورِ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِطَهَارَةِ لِأَجْلِ الْمَعَاطِيفِ، لِأَنَّ الثَّوْبَ وَالْمَكَانَ إنَّمَا يُوصَفَانِ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الطَّهُورِيَّةَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَاءِ فَقَطْ، وَحَقِيقَةُ الْمُطْلَقِ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ أَوْ تَقَوُّلٍ هُوَ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ غَيْرُ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ. (وَ) فِي بَيَانِ طَهَارَةِ (الثَّوْبِ) وَهُوَ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي (وَ) فِي بَيَانِ طَهَارَةِ (الْبُقْعَةِ) وَهِيَ مَحَلُّ قِيَامِ الْمُصَلِّي وَسُجُودِهِ أَوْ مَا تَمَاسُّهُ أَعْضَاؤُهُ. (وَ) فِي بَيَانِ (مَا يُجْزِئُ) مُرِيدَ الصَّلَاةِ (مِنْ اللِّبَاسِ) وَقَوْلُهُ: (فِي الصَّلَاةِ) رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، وَجَمَعَ مَعَ طَهَارَةِ الْمَاءِ الثَّوْبَ وَالْبُقْعَةَ لِاحْتِيَاجِ الْمُصَلِّي إلَى الْجَمِيعِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بَدَنَ الْمُصَلِّي وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَرَكَهُ لِفَهْمِهِ مِنْ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ وَالتَّرْجَمَةُ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا تُنَافِي الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ أَحْكَامِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ زَائِدَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَالطَّهَارَةُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ طَهُرَ بِضَمِّ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ مِنْ الْأَدْنَاسِ، وَتُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي التَّنْزِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ وَشَرْعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ أَوْ لَهُ، فَالْأُولَيَانِ مِنْ خَبَثٍ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ، وَمَعْنَى حُكْمِيَّةٌ أَنَّهَا يُحْكَمُ بِهَا وَيُقَدَّرُ قِيَامُهَا بِمَحَلِّهَا، وَلَيْسَتْ مَعْنًى وُجُودِيًّا قَائِمًا بِمَحَلِّهِ، لَا مَعْنَوِيًّا كَالْعِلْمِ وَلَا حِسِّيًّا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِمَلَابِسِهِ فَيَشْمَلُ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَاءَ وَكُلَّ مَا يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي مُلَابَسَتُهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ يُرِيدُ بِهِ الْمَكَانَ، وَقَوْلُهُ لَهُ يُرِيدُ بِهِ الْمُصَلِّي وَهُوَ شَامِلٌ لِطَهَارَتِهِ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ وَالْأَخِيرَةُ مِنْ حَدَثٍ يَخُصُّهُ بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ وَفِيهِ وَلَهُ عَائِدٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ مِنْ قَوْلِهِ لِمَوْصُوفِهَا. وَمَعْنَى تُوجِبُ تُصَحِّحُ وَتُسَبِّبُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ أَحَدَ الْأَحْكَامِ، وَمَعْنَى جَوَازِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ جَوَازُ طَلَبِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ شَرْعًا، لِأَنَّ طَلَبَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْمَانِعِ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ طَلَبُ دُخُولِ مَحَلٍّ بِغَيْرِ مِفْتَاحِهِ، فَإِذَا وَجَدَ مِفْتَاحَهُ جَازَ لَهُ طَلَبُ دُخُولِهِ، وَلَا يَرِدُ طَهَارَةُ الْمَيِّتِ وَطَهَارَةُ الذِّمِّيَّةِ مِنْ حَيْضِهَا لِيَجُوزَ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا، وَالطَّهَارَةُ لِنَحْوِ زِيَارَةِ وَلِيٍّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ تُوجِبْ لِمَوْصُوفِهَا جَوَازَ الصَّلَاةِ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَوْلَا مُقَارَنَةُ الْمَانِعِ لَهَا فِي الْأُولَيَيْنِ وَهُوَ الْمَوْتُ وَالْكُفْرُ وَلِعَدَمِ نِيَّةٍ وَقَعَ الْحَدَثُ فِي الْأَخِيرَةِ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ يَتَوَضَّأُ لِفِعْلِ أَمْرٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ لِيُبَاحَ بِوُضُوئِهِ الصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا. وَأَمَّا الطُّهَارَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ فَهِيَ فَضْلَةُ مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ الْإِنْسَانُ ، وَأَمَّا الطَّهُورِيَّةُ وَهِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْمَاءِ فَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا كَوْنَهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمُزَالُ بِهِ نَجَاسَتُهُ طَاهِرًا، وَأَمَّا الطَّاهِرِيَّةُ فَهِيَ مُقَابَلَةُ النَّجَسِيَّةِ وَهِيَ أَعَمُّ لِصِدْقِهَا بِالطَّهُورِيَّةِ وَعَدَمِهَا وَهُوَ الطَّاهِرُ فَقَطْ، وَأَمَّا التَّطْهِيرُ فَهُوَ إزَالَةُ النَّجَسِ أَوْ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ، وَالْمُتَطَهِّرُ الْمَوْصُوفُ بِالطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ، وَالطَّاهِرُ ضِدُّ النَّجِسِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى النَّجَاسَةِ. وَافْتَتَحَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ بِبَعْضِ حَدِيثٍ تَبَرُّكًا بِهِ فَقَالَ: (وَالْمُصَلِّي يُنَاجِي) أَيْ يُسَارِرُ (رَبَّهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَهَّبَ) أَيْ يَتَهَيَّأَ (لِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمُنَاجَاةِ وَالصَّلَاةِ (بِالْوُضُوءِ) إنْ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ. (أَوْ الطُّهْرِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطُّهْرُ) بِأَنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَقَدْ عَلَتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: إنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلْيَنْظُرْ بِمَا يُنَاجِيه وَلَا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ» . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: مُنَاجَاةُ الْمُصَلِّي رَبَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إحْضَارِ الْقَلْبِ وَالْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْمُنَاجَاةُ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ ﷾ لِعَبْدِهِ فَهِيَ إقْبَالُهُ عَلَى عَبْدِهِ بِالرَّحْمَةِ
[ ١ / ١٢٢ ]
غَيْرِ مَشُوبٍ بِنَجَاسَةٍ وَلَا بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ لِشَيْءٍ خَالَطَهُ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ إلَّا مَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالرِّضْوَانِ وَمَا يَفْتَحُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْأَسْرَارِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ اسْتَكْمَلَ صَلَاتَهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَمْ يَخْشَعْ فِيهَا أَنَّ صَلَاتَهُ تَجْزِيه وَإِنَّمَا فَاتَهُ الْأَفْضَلُ، وَنَقَلَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ أَنَّ حُضُورَ الْقَلْبِ فِي جُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَشْهُورَ فِقْهًا صِحَّةُ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا مِنْ أَرْكَانِهَا الْخُشُوعَ وَلَا بُدَّ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا تَرْكُهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا صِحَّةَ صَلَاةِ مَنْ تَفَكَّرَ بِدُنْيَوِيٍّ مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ حُضُورُ الْقَلْبِ وَاجِبًا لَحُرِّمَ عَلَيْهِ التَّفَكُّرُ وَعَلَى الْوُجُوبِ فَهُوَ فَرْضٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ كَمَا قَالَ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْ مُرِيدِ الصَّلَاةِ الْإِنْصَافَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لِأَنَّ حَالَةَ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ الْحَالَاتِ لِأَنَّهُ مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهِ وَمُتَلَبِّسٌ بِعِبَادَتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَشْرَفِ الْأَوْصَافِ. (تَنْبِيهٌ): قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: اقْتَصَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ الظَّاهِرَةِ وَسَكَتَ عَنْ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ النَّزَاهَةُ عَنْ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْحِقْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآفَاتِ مَعَ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ أَيْضًا، فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَطَهَّرَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا يَكُونُ كَمَنْ بَنَى دَارًا وَحَسَّنَ ظَاهِرَهَا وَتَرَكَ بَاطِنَهَا مَمْلُوءًا بِالنَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَهْدَى جَارِيَةً مُزَيَّنَةً لِمَلِكٍ وَهِيَ مَيِّتَةٌ لَا يَقْبَلُهَا، فَالْمُتَطَهِّرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ كَذَلِكَ اهـ. وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى طَهَارَةِ الظَّاهِرِ لِأَنَّهَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمُصَلِّي دَرَجَةَ الْكَمَالِ إلَّا بِطَهَارَةِ جَسَدِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَاءِ الطَّهُورِ بِقَوْلِهِ. (وَيَكُونُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْوُضُوءِ أَوْ الطُّهْرِ (بِمَاءٍ طَاهِرٍ) أَيْ طَهُورٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (غَيْرِ مَشُوبٍ) أَيْ غَيْرِ مَخْلُوطٍ (بِنَجَاسَةٍ) فَلَا يَصِحُّ بِمَا شَابَتْهُ نَجَاسَةٌ غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثِ: اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرِّيحُ (وَلَا بِمَاءٍ) بِالْمَدِّ (قَدْ تَغَيَّرَ) تَحْقِيقًا أَوْ ظَنَّا وَإِنْ لَمْ يَقْوَ (لَوْنُهُ) أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ (بِشَيْءٍ خَالَطَهُ) أَوْ اتَّصَلَ بِهِ مِنْ أَعْلَاهُ وَإِنْ لَمْ يُمَازِجْهُ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: كُلُّ تَغَيُّرٍ بِحَالٍ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ لَمْ يُمَازِجْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُغَيِّرُ مِمَّا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا. (مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ) كَبَوْلٍ وَعُذْرَةٍ (أَوْ طَاهِرٍ) كَلَبَنٍ وَعَسَلٍ، فَالْمُتَغَيِّرُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا يَصِحُّ بِهِ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ وَحُكْمُهُ كَغَيْرِهِ، فَالْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجِسِ يُقَالُ لَهُ مُتَنَجِّسٌ، وَاَلَّذِي غَيَّرَهُ طَاهِرٌ يَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ، وَالْأَوَّلُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ وَآدَمِيٍّ، وَغَيْرُ الطَّهُورِ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْعَادَاتِ مِنْ الطَّبْخِ وَالْعَجْنِ دُونَ الْعِبَادَاتِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ عَطْفَ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ تَكْرَارَهُ مَعَ مَا قَبْلِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّغَيُّرِ الْمَذْكُورِ إلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَيُرَادِفُهُ الطَّهُورُ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ عُرْفًا إطْلَاقُ لَفْظِ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قَيْدٍ لَازِمٍ، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ غَيْرَ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ، أَوْ تَقُولُ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ عَسْكَرٍ: هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ أَوْصَافُهُ بِمَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَاءُ آبَارِ ثَمُودَ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ مِنْ الْمُطْلَقِ وَإِنْ نُهِيَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَاءُ سَائِرِ الْآبَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا، فَإِنْ تَطَهَّرَ بِهَا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ النَّهْيِ وَلَوْ عَلَى جِهَةِ الْحُرْمَةِ وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّابِعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - ﷺ -، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَكْثِيرُ مَوْجُودٍ لَا عَلَى أَنَّهُ إيجَادُ مَعْدُومٍ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي حَدِّ الْمُطْلَقِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ خَالَطَهُ بِمَعْنَى لَاصَقَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُفَارِقِ الْمُجَاوِرِ لِلْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ عَنْهُ لَا يَضُرُّ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَوْ تَغَيَّرَ. الثَّالِثُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُفَارِقِ الْقَطْرَانُ فَإِنَّهُ يَكُونُ دِبَاغًا لِلْقِرْبَةِ فَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ مَائِهَا وَلَوْ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ دِبَاغٍ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ رِيحِ الْمَاءِ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْقَطْرَانِ فِي أَسْفَلِ الْمَاءِ وَأَعْلَاهُ. الرَّابِعُ: كُلُّ مَوْضِعٍ اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّغْيِيرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ بَيَّنَّا إلَّا فِي مَسْأَلَةِ تُغَيِّرْ مَاءِ الْبِئْرِ بِآلَةِ اسْتِقَائِهَا فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ بَيَّنَّا بِحَيْثُ يَظْهَرُ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَأَمِّلِ، وَيَكْفِي ظَنُّ التَّغَيُّرِ مِنْ تَحَقُّقِ كَوْنِ الْمُغَيِّرِ مُفَارِقًا، لَا إنْ تَحَقَّقْنَا التَّغَيُّرَ وَشَكَكْنَا فِي الْمُغَيِّرِ هَلْ هُوَ مِنْ الْمُفَارِقِ أَوْ لَا، فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ شُكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ يَضُرُّ أَوْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاصَقَةٍ أَوْ بِمَا جُمِعَ مِنْ عَلَيْهِ كَالنَّدَا الْمَجْمُوعِ مِنْ فَوْقِ الزَّرْعِ فَالْجَمِيعُ مُطْلَقٌ. وَلَمَّا كَانَ التَّغَيُّرُ السَّالِبُ لِلطَّهُورِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِالْمُفَارِقِ غَالِبًا اسْتَثْنَى عَلَى جِهَةِ الِانْقِطَاعِ مَا لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَهُوَ الْمُلَازِمُ لِلْمَاءِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا كَحَيَوَانِ الْبَحْرِ فَقَالَ: (إلَّا مَا غَيَّرَتْ لَوْنَهُ) أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ الثَّلَاثَ وَلَوْ تَحْقِيقًا (الْأَرْضُ الَّتِي هُوَ بِهَا) فَإِنَّهُ
[ ١ / ١٢٣ ]
بِهَا مِنْ سَبِخَةٍ أَوْ حَمْأَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا،
[بَابٌ فِي بَيَانِ طَهَارَةِ الْمَاءِ]
وَمَاءُ السَّمَاءِ
وَمَاءُ الْعُيُونِ
وَمَاءُ الْآبَارِ
وَمَاءُ الْبَحْرِ طَيِّبٌ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَاتِ
، وَمَاءٌ غُيِّرَ لَوْنُهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ حَلَّ فِيهِ فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ أَوْ زَوَالِ نَجَاسَةٍ وَمَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ وَلَا مُطَهِّرٍ،
وَقَلِيلُ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ
وَقِلَّةُ الْمَاءِ مَعَ إحْكَامِ الْغُسْلِ سُنَّةٌ وَالسَّرَفُ مِنْهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ (مِنْ سَبِخَةٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْأَرْضِ ذَاتِ سِبَاخٍ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: رَوَيْنَاهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ فَيَكُونُ بِفَتْحِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ أَرْضٌ ذَاتُ مِلْحٍ وَرَشْحٍ مُلَازِمٍ، وَالصَّوَابُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ جَعْلِ سَبِخَةٍ صِفَةً لِلْأَرْضِ فَتُكْسَرُ الْبَاءُ كَمَا قَرَّرَنَا وَبَيْنَ إرَادَةِ وَاحِدَةِ السِّبَاخِ فَتُفْتَحُ. (أَوْ) مِنْ (حَمْأَةٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَهْمُوزٌ وَهُوَ طِينٌ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ (أَوْ نَحْوُهُمَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمَاءِ، وَلَوْ أُخْرِجَتْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ مِنْ الْمَاءِ وَأُلْقِيَتْ فِيهِ قَصْدًا كَمَغْرَةٍ وَشَبٍ وَمِلْحٍ وَزِرْنِيخٍ مِمَّا هُوَ مِنْ قَرَارِهِ أَوْ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ كَالطُّحْلُبِ وَهِيَ الْخُضْرَةُ الَّتِي تَعْلُو الْمَاءَ وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ بِالرِّيمِ وَكَالسَّمَكِ الْحَيِّ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَيَصِيرُ الْمَاءُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ. وَأَمَّا تَغَيُّرُ الْمَاءِ بُرُوئِهِ فَيَضُرُّ وَلَوْ حَيًّا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: وَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِالسَّمَكِ وَلَا رَوْثِهِ احْتَاجَ إلَى ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ أَمْ لِأَنَّهُ إمَّا مُتَوَلِّدٌ مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا، وَيَظْهَرُ لِي مُوَافَقَةُ كَلَامِ الْحَطَّابِ لِإِطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ عِنْدَ قَوْل الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ أَوْ بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُ مَا لَمْ يُطْبَخْ فِيهِ: وَأَمَّا لَوْ طُبِخَ نَحْوُ الطُّحْلُبِ وَغَيَّرَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ وَلَوْ مِلْحًا أَوْ كِبْرِيتًا عَلَى كَلَامِ الْحَطَّابِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ، وَلَوْ أُخْرِجَ مِنْ مَاءٍ وَأُلْقِيَ فِي آخَرَ وَلَوْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا بَيِّنًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ إنَاءً مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَوَضَعَ فِيهِ الْمَاءَ وَغَيَّرَهُ لَا يَضُرُّ، وَلَوْ أُحْرِقَتْ الْأَوَانَيْ بِالنَّارِ كَالْجِرَارِ الْحُمْرِ وَلَوْ حُرِقَتْ بِزِبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رَمَادَ النَّجَسِ وَدُخَانَهُ طَاهِرَانِ، وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِالْجِبْسِ وَلَا بِالْجِيرِ لِأَنَّهُ كَالْفَخَّارِ وَلَا بِالْمِلْحِ وَلَوْ طُرِحَ فِيهِ قَصْدًا وَلَوْ مَصْنُوعًا إلَّا مَا كَانَ مَصْنُوعًا مِنْ حَشِيشٍ فَإِنَّهُ إذَا أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ وَغَيَّرَهُ يَسْلُبُ طَهُورِيَّتَهُ اتِّفَاقًا وَلَمَّا قَدَّمَ مَا هُوَ كَالْحَدِّ لِلْمُطْلَقِ نَصَّ عَلَى أَنْوَاعِهِ بِالْعَدِّ فَقَالَ: (وَمَاءُ السَّمَاءِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ طَيِّبٌ طَاهِرٌ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْمَطَرَ وَالنَّدَا وَالثَّلْجَ وَالْبَرَدَ وَالْجَلِيدَ ذَابَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، وَإِذَا وُجِدَ دَاخِلَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَإِنْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ فَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا يُوجَدُ فِي بَعْضِ حِيضَانِ الْأَخْلِيَةِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَإِنْ غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْمَاءِ سَلَبَتْ طَهُورِيَّتَهُ وَإِلَّا فَلَا، فَالْخَبَرُ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» هَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - ﵁ -. (وَمَاءُ الْعُيُونِ) النَّابِعَةِ مِنْ الْأَرْضِ كَزَمْزَمَ طَيِّبٌ طَاهِرٌ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ طَعَامٌ يَحْرُمُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ وَتَغَسُّلُ الْمَيِّتِ بِهِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْمُطْلَقِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَإِزَالَةِ عَيْنِ أَوْ حُكْمِ الْخَبَثِ، وَأَمَّا تَغْسِيلُ الْمَيِّتِ بِهِ فَيُكْرَه عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ مَيِّتِهِ وَيَجُوزُ عَلَى طَهَارَتِهِ. (وَمَاءُ الْآبَارِ) وَلَوْ آبَارَ ثَمُودَ وَإِنْ نُهِيَ عَنْ اسْتِعْمَالِهَا طَيِّبٌ طَاهِرٌ، وَتَقَدَّمَ صِحَّةُ صَلَاةِ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَائِهَا أَوْ تَيَمَّمَ عَلَى أَرْضِهَا لِأَنَّهُ - ﵊ - وَإِنْ أَمَرَهُمْ بِطَرْحِ مَا عُجِنَ مِنْ مَائِهَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِغَسْلِ أَوَانِيهمْ، فَالْوُضُوءُ بِمَائِهَا كَالْوُضُوءِ بِمَاءِ الْمَغْصُوبِ. (وَمَاءُ الْبَحْرِ) وَلَوْ الْمِلْحَ وَلَوْ كَانَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرِّيحِ (طَيِّبٌ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ لِلنَّجَاسَاتِ) وَرَافِعٌ لِلْأَحْدَاثِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أَيْ مَاؤُهُ طَهُورٌ وَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ. (تَنْبِيهٌ): إفْرَادُ الْخَبَرِ وَهُوَ طَيِّبٌ طَاهِرٌ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَاحِدٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ بِالْإِضَافَةِ أَوْ حُذِفَ لَفْظُ طَيِّبٍ طَاهِرٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ لِدَلَالَةِ الرَّابِعِ عَلَيْهَا، وَالطَّاهِرُ مُرَادِفٌ لِلطَّيِّبِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالْمُفَارِقِ لَا يَصِحُّ بِهِ وُضُوءٌ وَلَا غُسْلٌ بَيَّنَ هُنَا مَا يُفْعَلُ بِهِ فَقَالَ: (وَمَاءٌ غَيَّرَ لَوْنَهُ) أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ (شَيْءٌ طَاهِرُ حَلَّ فِيهِ) مِمَّا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِبًا كَلَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ وَلَوْ لَمْ يُمَازِجْ عَلَى الْمَشْهُورِ. (فَذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ غَيْرُ (مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ) فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ (فِي وُضُوءٍ أَوْ طُهْرٍ) أَيْ غُسْلٍ. (أَوْ) فِي زَوَالِ حُكْمِ (نَجَاسَةٍ) لِزَوَالِ اسْمِ الْمُطْلَقِ عَنْهُ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْعَادَاتِ كَالطَّبْخِ وَالْعَجْنِ وَإِزَالَةِ أَوْسَاخٍ طَاهِرَةٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ كَرَاهَةٍ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ طَاهِرٍ بِقَوْلِهِ: (وَمَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ) لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنَّا (فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ) وَلَوْ كَثِيرًا فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي طَبْخٍ وَلَا عَجْنٍ (وَلَا مُطَهِّرٍ) لِغَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي وُضُوءٍ وَلَا غُسْلٍ وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى جَمْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ أَيْ فَالْمُتَغَيِّرُ بِالطَّاهِرِ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَالْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَاسَةِ مُتَنَجِّسٌ، وَأَمَّا لَوْ أَخْبَرَك شَخْصٌ أَوْ اثْنَانِ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ وَلَمْ تُشَاهِدْ فِيهِ تَغَيُّرًا لِفَقْدِ
[ ١ / ١٢٤ ]
غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ وَقَدْ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمُدٍّ» وَهُوَ وَزْنُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ وَتَطَهَّرَ بِصَاعٍ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ - ﵊ -.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَصَرٍ أَوْ ظُلْمَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَدْلَ رِوَايَةٍ وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ وَمُوَافِقًا لَك فِي الْمَذْهَبِ أَوْ مُخَالِفًا وَبَيَّنَ لَك وَجْهَ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْك قَبُولُ خَبَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُخَالِفُ وَجْهَ النَّجَاسَةِ فَالْأَحْسَنُ تَرْكُ الْمَاءِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ إنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا وَاتَّفَقَا مَذْهَبًا وَإِلَّا فَقَالَ يُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ، وَمَا لَوْ أَخْبَرَك شَخْصٌ بِطَهَارَةِ مَاءٍ شَكَكْت فِي نَجَاسَتِهِ لَوَجَبَ عَلَيْك الرُّجُوعُ إلَى خَبَرِهِ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَاءُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِي الْمَاءِ مَا يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ أَوْ يَسْلُبَ طَهُورِيَّتَهُ، وَإِلَّا عَمِلَ بِالتَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ مِنْ غَيْرِ صَبِّ مُطْلَقٍ عَلَيْهِ كَبَعْضِ الْبِرَكِ الَّتِي تُلْقَى فِيهَا النَّجَاسَةُ وَكَمَاءِ الْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ بِالْحَرَارَةِ هَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى تَنْجِيسِهِ أَوْ يَنْقَلِبُ طَهُورًا؟ قَوْلَانِ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى تَنْجِيسِهِ، وَأَمَّا لَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِصَبِّ مُطْلَقٍ عَلَيْهِ وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ تُرَابٍ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ التُّرَابِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَهُورًا، وَأَمَّا لَوْ ظَهَرَ أَثَرُ التُّرَابِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَسْتَصْحِبُ تَنْجِيسَهُ، وَأَمَّا لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الطَّاهِرِ الْمُفَارِقِ بِنَفْسِهِ وَأَوْلَى بِوَاسِطَةِ شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَهُورًا قَطَعَا. الثَّانِي: لَوْ تَحَقَّقْنَا تَغَيُّرَ الْمَاءِ وَشَكَكْنَا فِي الْمُغَيِّرِ لَهُ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يَضُرُّ أَمْ لَا؟ فَهُوَ طَهُورٌ حَيْثُ اسْتَوَى طَرَفَا الشَّكِّ وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى الظَّنِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَحَقَّقْنَا التَّغَيُّرَ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُغَيِّرَ مِمَّا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَشَكَكْنَا فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ فَلَا يَكُونُ طَهُورًا بَلْ هُوَ طَاهِرٌ فَقَطْ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْإِمَامِ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَلِيلُ الْمَاءِ) وَهُوَ قَدْرُ آنِيَةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَلَوْ لِلْمُتَوَضِّئِ (يُنَجِّسُهُ قَلِيلُ النَّجَاسَةِ) الْحَالَّةِ فِيهِ (وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ) هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ. قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ أَيْ يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغْيِيرِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ قُلَّتَيْنِ مُسْتَدِلًّا بِخَبَرِ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ تُلْقَى فِيهَا خِرَقُ الْحَيْضِ وَلُحُومُ الْكِلَابِ، إذْ سُئِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» وَلَا يُعَارِضُ هَذَا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِتَضْعِيفِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ لَهُ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ إنَّمَا يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ تُقَدَّمُ عَلَى دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ: لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا مَعْنَاهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِ النَّجَاسَةِ فَتَظْهَرُ فِيهِ فَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّنَجُّسَ بِسَبَبِ التَّغَيُّرِ وَالشَّيْءُ يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ سَبَبِهِ، وَحُكْمُ هَذَا الْقَلِيلِ عَلَى الْمَشْهُورِ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ وَالْكَرَاهَةُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِ الْمِيَاهِ الْمَكْرُوهَةِ: وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ وَيَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ وَغُسْلٍ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيَّرْ أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ وَرَاكِدٌ يُغْتَسَلُ فِيهِ إلَخْ، وَإِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمَذْكُورِ وَصَلَّى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا عَلَى الضَّعِيفِ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ: لَوْ صَلَّى بِهِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَبَدًا مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ قَلِيلٍ أَنَّ الْكَثِيرَ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى آنِيَةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بِالْفِعْلِ اتِّفَاقًا، وَمَفْهُومُ النَّجَاسَةِ أَنَّ الْقَلِيلَ إذَا خَالَطَهُ طَاهِرٌ مُفَارِقٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ نَزَعٍ. الثَّانِي: تَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَاءَ الْمَخْلُوطَ بِالْمُفَارِقِ عَلَى أَقْسَامٍ: قِسْمٌ طَاهِرٍ طَهُورٌ وَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَقِسْمٌ غَيْرُ طَهُورٍ وَهُوَ الَّذِي تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَلَا فَرْق مَعَ التَّغَيُّرِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ، وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ وَهُوَ الْقَلِيلُ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ مُتَنَجِّسٌ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ مَكْرُوهُ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ وَمَا لَا يَصِحُّ، شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا تُرْجِمَ لَهُ فَقَالَ: (وَقِلَّةُ الْمَاءِ) أَيْ وَتَقْلِيلُ الْمَاءِ فِي حَالِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ (مَعَ إحْكَامٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ إتْقَانِ (الْغُسْلِ) أَوْ الْوُضُوءِ (سُنَّةٌ) بِمَعْنَى مُسْتَحَبَّةٌ، وَعَبَّرَ بِالسُّنَّةِ جَرَيَا عَلَى طَرِيقِ الْبَغْدَادِيِّينَ لِأَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ الْمُسْتَحَبِّ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ الْكُلَّ فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَوْ مُرَادُهُ بِالسُّنَّةِ مُقَابِلُ الْبِدْعَةِ. (وَالسَّرَفُ) أَيْ الْإِكْثَارُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَاءِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَدِّ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا فِي الْأَعْضَاءِ أَوْ الْغَسَلَاتِ (غُلُوٌّ وَبِدْعَةٌ) وَمَعْنَى الْغُلُوِّ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا يُطْلَبُ شَرْعًا، وَالْبِدْعَةُ كُلُّ مَا خَرَجَ عَنْ الشَّرْعِ وَهِيَ هُنَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ لِقَوْلِهِ فِي النَّوَادِرِ: وَالْقَصْدُ فِي الْمَاءِ مُسْتَحَبٌّ وَالسَّرَفُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ مَخَافَةَ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ وَيَتْرُكَ التَّدَلُّكَ، وَلَا وَجْهَ لِلِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِتَغْيِيرِهِ بِلَفْظِ الْبِدْعَةِ لِإِيهَامِهِ الْحُرْمَةَ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً، وَلَا فَرْقَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ بَيْنَ الْوَاجِبَيْنِ أَوْ الْمَنْدُوبَيْنِ، وَأَمَّا السَّرَفُ فِي غَيْرِ الْوُضُوءِ كَغَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ الْإِنَاءِ لِزِيَادَةِ التَّنْظِيفِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، كَزِيَادَةِ الْغَسَلَاتِ فِي الْوُضُوءِ
[ ١ / ١٢٥ ]
وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ لِلصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِيهِمَا وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ وَقِيلَ وُجُوبَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ وَيُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ وَظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَالْحَمَّامِ حَيْثُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِنَحْوِ تَبَرُّدٍ أَوْ تَدَفٍّ، وَأَمَّا طَرْحُ الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ لِسَبَبٍ كَأَنْ يَكُونَ شَرِبَ مِنْهُ مَا عَادَتُهُ اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَاتِ فَلَا إشْكَالَ فِي الْجَوَازِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَبَثًا فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْقُوفًا أَوْ مَمْلُوكًا وَهُوَ فِي مَحَلٍّ لِلْمَاءِ فِيهِ ثَمَنٌ عَظِيمٌ فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ هَكَذَا يَنْبَغِي. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيلِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمُدٍّ» وَلَا حَاجَةَ إلَى زِيَادَةٍ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوُضُوءِ كَمَا قَرَّرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ إلَّا عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْعَامَّةُ مِنْ دُخُولِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُلْحَظٌ مِنْ قَدْرِ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (وَهُوَ وَزْنُ رِطْلٍ وَثُلُثٍ) وَالرِّطْلُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْأَجْوَدِ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً، وَالْأُوقِيَّةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمِ وَقِيلَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَالدِّرْهَمُ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةً مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ الْمَقْطُوعِ الطَّرَفَيْنِ. (وَتَطَهَّرَ) أَيْ غَسَلَ جَمِيعَ جَسَدِهِ - ﷺ - بَعْدَ غَسْلِ مَا هُنَاكَ مِنْ الْأَذَى (بِصَاعٍ وَهُوَ) أَيْ الصَّاعُ بِمَعْنَى وَزْنِهِ (أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ - ﵊ -) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مِصْدَاقُ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اسْتِحْبَابِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَدْرِ الْكَافِي لَا لِلتَّحْدِيدِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ، وَسَيَنُصُّ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ التَّحْدِيدُ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فِي أَحْكَامِ ذَلِكَ سَوَاءٌ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ «تَوَضَّأَ - ﵊ - بِمُدٍّ»، أَنَّ الْمُرَادَ تَوَضَّأَ مِنْ وَزْنِ مُدٍّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ كَيْلِ مُدٍّ لَا بِوَزْنِ مُدٍّ. قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ: بِمِقْدَارِ مَا يَبْلُغُهُ وَزْنُ مُدٍّ مِنْ الطَّعَامِ لَا بِمِقْدَارِ وَزْنِ مُدٍّ مِنْ الْمَاءِ، إذْ مَا يَبْلُغُهُ وَزْنُ مُدٍّ مِنْ الطَّعَامِ، فَإِذَا وُزِنَ مُدٌّ مِنْ الطَّعَامِ وَوُضِعَ فِي آنِيَةٍ فَإِنَّهُ يَشْغَلُ مِنْهَا أَكْثَرَ مَا يَشْغَلُهُ وَزْنُ الْمُدِّ مِنْ الْمَاءِ إذَا وُضِعَ فِي الْآنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدْرُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يَبْلُغُ مِنْ الْآنِيَةِ مَبْلَغَ الْمُدِّ مِنْ الطَّعَامِ، وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي الصَّاعِ. الثَّانِي: وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي بَعْضِ الشُّيُوخِ فِي صُورَةِ وُضُوئِهِ - ﷺ - بِالْمَدِّ هَلْ هُوَ الْوُضُوءُ الَّذِي اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى مَرَّةٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ؟ قَالَ الْجُزُولِيُّ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصَّا، وَهَذَا لَا يُنَافِيَ طَلَبَ الِاقْتِصَارِ فِي الْمَاءِ سَوَاءٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ مِنْ شَفْعِ غُسْلِهِ وَتَثْلِيثِهِ أَوْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَرَّةٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمِيَاهِ، وَمَا لَا يَصِحُّ بِهِ وَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ بِالْمُفَارِقِ غَالِبًا، وَمِنْ بَيَانِ الْقَدْرِ الْمُسْتَحَبِّ مِنْهُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمُضَادَّةِ لِلطَّهَارَةِ وَهِيَ النَّجَاسَةُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا مَنْعَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِهِ أَوْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَطَهَارَةُ الْبُقْعَةِ) وَهِيَ مَكَانُ الْمُصَلِّي (لِلصَّلَاةِ) وَلَوْ نَافِلَةً (وَاجِبَةٌ) وَفَسَّرْنَا الْبُقْعَةَ بِمَكَانِ الْمُصَلِّي الَّذِي تَمَسُّهُ أَعْضَاؤُهُ لِأَنَّ الْمُومِئَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ طَهَارَةُ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ لَا طَهَارَةُ مَا يُومِئُ إلَيْهِ وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ حَسْرَ عِمَامَتِهِ حَالَ الْإِيمَاءِ، لِأَنَّ الْحَائِلَ مَانِعٌ مِنْ فَرْضٍ مُجْمَعٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ أَمْرَهَا خَفِيفٌ، وَأَيْضًا أَسْقَطُوا عَنْ الْمُومِئِ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَكَيْفَ يَشْتَرِطُونَ عَلَيْهِ طَهَارَةً أَزْيَدَ مِنْ مَحَلِّ قَدَمَيْهِ؟ (وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ الثَّوْبِ) أَيْ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ الْمُلْقَى بِالْأَرْضِ، سَوَاءٌ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا مَا يُطْلِقُ الْوَاجِبَ عَلَى الطَّلَبِ الْمُتَأَكَّدِ قَالَ: (فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْوُجُوبُ (فِيهِمَا) أَيْ الْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ (وَاجِبٌ) مِثْلُ (وُجُوبِ الْفَرَائِضِ) عَلَى الْمُكَلَّفِ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُطْلَبُ مِنْ الصَّبِيِّ، لِأَنَّ الطَّلَبَ بِالشُّرُوطِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ يَسْتَوِي فِي الطَّلَبِ بِهِ الْبَالِغُ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ لَا مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ فِي بُقْعَةٍ مُتَنَجِّسَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيُعِيدُهَا أَبَدًا مَعَ الْعَمْدِ وَلَوْ جَاهِلًا وَفِي الْوَقْتِ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ وَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ السَّلَامِ وَهُوَ كَرِشُ الْبَعِيرِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ - ﷺ - وَلَمْ يَقْطَعْ الصَّلَاةَ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَوْ عَلِمَ بِهِ وَكَانَ مِنْ مُزَكًّى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ الْإِشْكَالَ. (وَقِيلَ) الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ فِيهِمَا (وُجُوبُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ) أَيْ الطَّلَبُ الْمُتَأَكِّدُ لَا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَيَكُونُ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ مَجَازًا لِاشْتِرَاكِ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ فِي مُطْلَقِ الطَّلَبِ، وَهَذَا الْقَوْلُ شَهَّرَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَلَفْظُهُ: رَفْعُ
[ ١ / ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] النَّجَاسَاتِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْأَبَدَانِ سُنَّةٌ لَا فَرِيضَةٌ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَيْهِ فَمَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ عَمْدًا الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَالْعِشَاءَيْنِ لِلْفَجْرِ وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ وَالْجُمُعَةَ كَالظُّهْرَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَالْخِلَافُ حَقِيقِيٌّ لِقَوْلِ الْقُرْطُبِيِّ: لَمْ يَذْكُرْ عَنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بِالْإِعَادَةِ أَبَدًا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَبَدِيَّةِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَهَذَا مُحَصِّلُ قَوْلِ خَلِيلٍ: هَلْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ ثَوْبِ مُصَلٍّ وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَتِهِ وَبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ لَا طَرَفَ حَصِيرِهِ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ؟ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَإِلَّا أَعَادَ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ. خِلَافٌ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّ الْوُجُوبَ مُقَيَّدٌ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ مَرْتَبَةِ السُّنِّيَّةِ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، لِأَنَّ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى تَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا وَمِنْ بَابِ أَوْلَى مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ. الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ وَمِنْهُ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبُقْعَةِ، وَالثَّوْبُ لِلصَّلَاةِ وَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا الْبَاطِنُ فَمَا دَخَلَ فِي الْمَعِدَةِ طَاهِرًا فَلَا حُكْمَ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَا دَخَلَ فِيهَا غَيْرَ طَاهِرٍ فَالرَّاجِحُ وُجُوبُ تقايئه مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ، وَإِلَّا أَعَادَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَبَدًا وُجُوبًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَنَدْبًا فِي الْوَقْتِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعَجْزِ أَوْ النِّسْيَانِ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ وَتُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ شَامِلٌ لِمَنْ اسْتَعْمَلَ النَّجَاسَةَ مُخْتَارًا أَوْ مُضْطَرًّا، وَسَوَاءٌ تَابَ أَمْ لَا عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ. الثَّالِثُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ طَهَارَةِ الْبَدَنِ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَفِيهِ خِلَافٌ، الْمَشْهُورُ مِنْهُ الِاسْتِحْبَابُ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْرَقُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ سَيِّدِي زَرُّوقٌ وَسَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عِمْرَانَ: أَنَّهُ حَرَامٌ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِهِ اتِّفَاقًا وَفِي غَيْرِ النَّجَاسَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ بِقِسْمَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا نِزَاعَ فِي إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْهَا حَيْثُ إنَّهُ حَائِلٌ. الرَّابِعُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّوْبِ مَحْمُولُ الْمُصَلِّي وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَنْ صَلَّى بِجَنْبِ مَنْ بِثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ إذَا سَقَطَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِغَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْجُدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ غَيْرُ طَاهِرِ الثِّيَابِ يَتَّصِلُ بِأَبِيهِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا إذَا سَجَدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، أَوْ حَمَلَ لَابِسَ الثِّيَابِ الْمُتَنَجِّسَةِ مِثْلُ أَنْ يَرْكَبَ الصَّغِيرُ أَبَاهُ أَوْ يَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ وَيَقُومُ بِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَتَبْطُلُ لِحَمْلِهِ النَّجَاسَةَ، لِأَنَّ حَمْلَ ذِي الثِّيَابِ الْمُتَنَجِّسَةِ أَشَدُّ مِنْ سُقُوطِ ثِيَابِهِ دُونَ حَمْلِهِ.
(٢) وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةِ الْبُقْعَةِ لِلصَّلَاةِ نَاسَبَ ذِكْرَ الْأَمَاكِنِ السَّبْعَةِ الَّتِي يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ عَلَى مُرِيدِ الصَّلَاةِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ. (عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ) وَالْمَعَاطِنُ جَمْعُ مَعْطِنٍ وَهُوَ مَوْضِعُ بُرُوكِهَا عِنْدَ الْمَاءِ لِشُرْبِهَا عِلَلًا وَهُوَ الشُّرْبُ الثَّانِي بَعْدَ نَهَلٍ وَهُوَ الشُّرْبُ الْأَوَّلُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِنْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّعَبُّدِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِمَعْطِنِ إبِلٍ وَلَوْ أَمِنَ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَوْ فَرَشَ شَيْئًا طَاهِرًا فِيهِ، وَعَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّعَبُّدِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَوْضِعُ مَبِيتِهَا لَا عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِكَثْرَةِ إنْزَالِهَا فِيهِ فَنَكْرَهُ فِي مَبِيتِهَا بِالْأَوْلَى، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَصَلَّى فَفِي كَيْفِيَّةِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا، وَثَانِيهِمَا يُعِيدُ النَّاسِي فِي الْوَقْتِ، وَالْجَاهِلُ وَالْعَامِدُ يُعِيدَانِ أَبَدًا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ إنَّمَا ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ تَكُونُ فِيمَا يُعَادُ اسْتِحْبَابًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِمَعْطِنِ الْإِبِلِ وَلَوْ أَمِنَ، وَفِي الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُ الْإِبِلِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَرَابِضِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ جَائِزَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُوصِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَجَازَتْ بِمَرْبِضِ بَقَرٍ وَغَنَمٍ. (وَ) ثَانِيهَا الصَّلَاةُ فِي (مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ) وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ لِأَنَّ الْمَحَجَّةُ هِيَ الطَّرِيقُ وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ حَيْثُ شُكَّ فِي إصَابَتِهَا بِأَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَيُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ تُيُقِّنَتْ طَهَارَتُهَا فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ تَحَقَّقْت نَجَاسَتُهَا فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ أَبَدًا مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ وَمَعَ النِّسْيَانِ أَوْ الْعَجْزِ فِي الْوَقْتِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ صَلَّى فِيهَا اخْتِيَارًا، وَأَمَّا اضْطِرَارًا لِضَيِّقِ الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَلَا كَرَاهَةَ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ نَاجِي: كُلّ مَوْضِعٍ كُرِهَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ لِغَلَبَةِ النَّجَاسَةِ حُكِمَ لَهُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. (وَ) ثَالِثُهَا: الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ عَلَى (ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ) أَيْ الْكَعْبَةِ لَكِنَّ النَّهْيَ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا وَتُعَادُ أَبَدًا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِطْعَةٌ مِنْ حِيطَانِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِاسْتِقْبَالِهِ جُمْلَةُ الْبِنَاءِ لَا بَعْضُهُ وَلَا الْهَوَاءِ، وَلَا تَرِدُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى أَبُو قُبَيْسٍ مَعَ كَوْنِ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلًا
[ ١ / ١٢٧ ]
لَا يُوقَنُ مِنْهُ بِطَهَارَةٍ وَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَمَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَكَنَائِسِهِمْ
[حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْمُضَادَّةِ لِلطَّهَارَةِ]
وَأَقَلُّ مَا يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ مِنْ اللِّبَاسِ ثَوْبٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِهَوَاءِ الْكَعْبَةِ لَا لِجُمْلَةِ الْبُنْيَانِ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا بَعُدَ عَنْ الْبَيْتِ يَرْتَفِعُ لَهُ، وَكَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ تَبْطُلُ فِي حُفْرَةٍ تَحْتَهُ أَوْ جَنْبَهُ وَلَوْ نَافِلَةً، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ أَوْ خَارِجَهَا أَنَّ الصَّلَاةَ دَاخِلَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إنْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً تُسْتَحَبُّ، وَإِنْ كَانَتْ رَغْبِيَّةً أَوْ سُنَّةً تُمْنَعُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَا تُعَادُ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوضَةً تُمْنَعُ وَتُعَادُ فِي الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَأُوِّلَ بِالنِّسْيَانِ وَبِالْإِطْلَاقِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَتْ سُنَّةٌ فِيهَا وَفِي الْحَجَرِ لِأَيِّ جِهَةٍ لَا فَرْضٌ فَيُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَأُوِّلَ بِالنِّسْيَانِ وَبِالْإِطْلَاقِ. قَالَ مُحَقِّقُوا شُرَّاحِهِ: مَعْنَى جَازَتْ سُنَّةٌ مَضَتْ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ خَارِجَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَمِيعُ جِدَارِهَا وَالْفَرْضُ وَالنَّفَلُ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَهَا فَالْفَرْضُ بَاطِلٌ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّفْلِ عَلَى ظَهْرِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْعَمَلُ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا وَمِمَّا سَنَذْكُرُهُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِلْحُرْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) رَابِعُهَا الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ (الْحَمَّامِ) وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ (حَيْثُ لَمْ يُوقَنْ مِنْهُ بِطَهَارَةٍ) وَلَا نَجَاسَةٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْأَوَّلِ وَيُمْنَعُ فِي الثَّانِي، وَقَوْلُنَا فِي جَوْفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ خَارِجِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ نَزْعِ الثِّيَابِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يُتَيَقَّنْ نَجَاسَتُهُ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى خَارِجِهِ الطَّهَارَةُ. (فَائِدَةٌ): الْحَمَّامُ هُوَ الْمَحَلُّ الْمَعْرُوفُ وَهُوَ مُذَكِّرٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يُقَالُ لِلْخَارِجِ مِنْ الْحَمَّامِ طَابَ حَمِيمُك أَيْ طَابَ عَرَقُك. (وَ) خَامِسُهَا (الْمَزْبَلَةُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا وَهِيَ مَوْضِعُ طَرْحِ الزُّبَالَةِ. (وَ) سَادِسُهَا (الْمَجْزَرَةُ) وَهِيَ الْمَحَلُّ الْمُعَدُّ لِلتَّذْكِيَةِ وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الطَّهَارَةِ، وَتُعَادُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ صَلَّى عَامِدًا، وَيَأْتِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ عَلَى الْأَحْسَنِ أَيْ أَبَدِيَّةً، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقْت فَلَا كَرَاهَةَ. (وَ) سَابِعُهَا (مَقْبَرَةُ) مُثَلَّثَةُ الْبَاءِ (الْمُشْرِكِينَ) وَكَذَا الْمُسْلِمِينَ وَالنَّهْيُ لِلْكَرَاهَةِ حَيْثُ شُكَّ فِي طَهَارَتِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا فَتُمْنَعُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَتَجُوزُ الْأَمْنُ مِنْ نَجَاسَتِهَا، وَلِذَلِكَ شَهَّرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الْمَحَجَّةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَزْبَلَةِ إنْ أَمِنَتْ تِلْكَ الْبِقَاعُ مِنْ النَّجَسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: وَجَازَتْ بِمَرْبِضِ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ كَمَقْبَرَةٍ وَلَوْ لِمُشْرِكٍ وَمَزْبَلَةٍ وَمَحَجَّةٍ وَمَجْزَرَةٍ إنْ أُمِنَتْ مِنْ النَّجَسِ وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ أَيْ أَبَدِيَّةَ عَلَى الْأَحْسَنِ إذْ لَمْ تُحَقَّقْ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ فِي الْجَمِيعِ إنْ لَمْ تُوقَنْ طَهَارَةُ تِلْكَ الْبِقَاعِ سِوَى الصَّلَاةِ عَلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّ النَّهْيَ لِعَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ وَإِلَّا فَلَا نَهْيَ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَقْبَرَةَ بِالْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (وَ) كَذَا يُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ فِي (كَنَائِسِهِمْ) أَيْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُرَادُ مَحَلُّ عِبَادَتِهِمْ لِيَشْمَلَ الْكَنِيسَةَ وَالْبِيعَةَ وَبَيْتَ النَّارِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَتْ بِكَنِيسَةٍ وَلَمْ تُعَدْ، وَلَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ الْعَامِرَةِ وَالْخَارِبَةِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى فِرَاشِهَا أَوْ غَيْرِهِ حَيْثُ صَلَّى فِيهَا اخْتِيَارًا، أَمَّا الْإِعَادَةُ فَمَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يُصَلِّي بِهَا اخْتِيَارًا وَكَانَتْ عَامِرَةً وَصَلَّى عَلَى فُرُشِهَا فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى عَلَى نَجَاسَةٍ نَاسِيًا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا مُكْرَهًا أَوْ كَانَتْ خَارِبَةً وَلَوْ صَلَّى عَلَى فُرُشِهَا أَوْ عَامِرَةً وَصَلَّى عَلَى شَيْءٍ طَاهِرٍ فَلَا إعَادَةَ، فَالْكَرَاهَةُ مُعَلَّقَةٌ بِالصَّلَاةِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى فُرُشٍ طَاهِرٍ، وَالْإِعَادَةُ مُقَيَّدَةٌ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ، وَيَلْزَمُ مِنْهَا الْكَرَاهَةُ بِخِلَافِ الْكَرَاهَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا الْإِعَادَةُ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّهْيَ فِي جَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ إلَّا الصَّلَاةَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَعَلَى الْحُرْمَةِ، وَأَنَّ النَّهْيَ فِي بَعْضِهَا عِنْدَ عَدَمِ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ، وَفِي بَعْضِهَا وَلَوْ عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ النَّجَاسَةِ كَالصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ فَافْهَمْ. (خَاتِمَةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى أَمَاكِنَ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا سِوَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، مِنْهَا: الْبُقْعَةُ الْمُعْوَجَّةُ الَّتِي لَا يَتَمَكَّنُ الْمُصَلَّيْ مِنْ الْجُلُوسِ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي فِيهَا تَصَاوِيرُ وَتَمَاثِيلُ وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي بِهَا نَائِمٌ أَوْ جَمَاعَةٌ أَوْ مُتَيَقِّظٌ وَيُصَلِّي إلَى وَجْهِهِ كُلٌّ لِاشْتِغَالِهِ. وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي بِهَا جِدَارٌ يَرْشَحُ وَيُصَلِّي إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَيَنْبَغِي اسْتِقْبَالُهُ لِأَفْضَلِ الْجِهَاتِ، وَمِنْهَا: الْبُقْعَةُ الَّتِي لَا يَتَوَقَّى أَصْحَابُهَا النَّجَاسَاتِ كَبَيْتِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَمْ يَتَنَزَّهْ عَنْ النَّجَاسَاتِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْفَرْشُ الَّذِي يَمْشِي عَلَيْهِ الصِّبْيَانُ، وَمَنْ لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْكَرَاهَةِ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْإِعَادَةِ تَيَقُّنُ النَّجَاسَةِ أَوْ عَدَمُ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ فِي مَا الْغَالِبُ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا عَلَى الثَّلْجِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ فَكَرِهَهَا فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ السُّجُودِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَالدَّارُ الْمَغْصُوبُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا وَلَكِنْ لَا إعَادَةَ مَعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِ الْأَفْنِيَةِ يَدْخُلُهَا الدَّجَاجُ وَالْكِلَابُ ابْنُ رُشْدٍ مَا لَمْ يَكْثُرْ دُخُولُهَا.
[ ١ / ١٢٨ ]
سَاتِرٌ مِنْ دِرْعٍ أَوْ رِدَاءٍ، وَالدِّرْعُ الْقَمِيصُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَعُدْ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ الدِّرْعُ الْخَصِيفُ السَّابِغُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا وَخِمَارٌ تَتَقَنَّعُ بِهِ وَتُبَاشِرُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالْبُقْعَةِ وَالثَّوْبِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يُجْزِئُ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُصَلِّي فِيهِ الرَّجُلُ) عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ (مِنْ لِبَاسٍ ثَوْبٌ سَاتِرٌ) جَمِيعَ جَسَدِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَيَدَيْهِ وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ دِرْعٍ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (وَالدِّرْعُ الْقَمِيصُ) الَّذِي يُلْبَسُ فِي الْعُنُقِ وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ كَثِيفًا لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ (أَمَّا رِدَاءٍ) عَطْفٌ عَلَى دِرْعٍ، وَالرِّدَاءُ بِالْمَدِّ مَا يَلْتَحِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ كَحِرَامٍ أَوْ بُرْدَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيَابِ عَلَى عَاتِقَيْ الْمُصَلِّي، لِأَنَّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ سُنَّةٌ زِيَادَةٌ عَلَى السِّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ، وَفِي حَقِّ الْمَأْمُومِ فِي الْجَامِعِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَأْمُومِ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا السِّتْرُ بِغَيْرِ الْكَثِيفِ وَهُوَ مَا يَصِفُ الْعَوْرَةَ أَيْ يُحَدِّدُهَا مِنْ كَوْنِهَا صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً أَوْ يَشِفُّ وَيُرَى مِنْ لَوْنِهَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بَلْ كَرَاهَةُ لُبْسِ الْوَاصِفِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيَّنَ مُحْتَرَزَ مَا يُجْزِئُ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ بِقَوْلِهِ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ) الرَّجُلُ (بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ) لِخَبَرِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» أَيْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ. (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَكْرُوهَ (لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ) لَا فِي الْوَقْتِ وَلَا غَيْرِهِ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ. (تَنْبِيهٌ): لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ مَا إذَا اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى سَتْرِ أَقَلَّ مِمَّا ذَكَرَ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ السَّتْرُ وَاجِبُ شَرْطٍ أَوْ لَا؟ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى خِلَافٌ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَقِيلَ: وَاجِبٌ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ. وَقِيلَ: وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ أَيْضًا، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ عَامِدًا قَادِرًا عَلَى السَّتْرِ فَعَلَى الشَّرْطِيَّةِ يُعِيدُ الْفَرْضَ لِبُطْلَانِهِ، وَعَلَى نَفْيِ الشَّرْطِيَّةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ، لَكِنْ يَأْثَمُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ دُونَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: هَلْ سَتْرُ عَوْرَتِهِ بِكَثِيفٍ وَإِنْ بِإِعَادَةٍ أَوْ طَلَبٍ أَوْ نَجِسٍ وَحْدَهُ كَحَرِيرٍ وَهُوَ مُقَدَّمُ شَرْطٍ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ وَإِنْ بِخَلْوَةٍ لِلصَّلَاةِ خِلَافٌ، وَمُقَابِلُ الشَّرْطِيَّةِ الْوُجُوبُ الْغَيْرُ الشَّرْطِيِّ كَمَا قَرَّرْنَا لَا السُّنَّةُ وَلَا الِاسْتِحْبَابُ وَإِنْ قِيلَ بِهِمَا لِضَعْفِهِمَا، وَالْخِلَافُ فِي الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَهِيَ مِنْ الرَّجُلِ السَّوْأَتَانِ وَهُمَا مِنْ الْمُقَدَّمِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ وَمِنْ الْمُؤَخَّرِ مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ، وَأَمَّا عَوْرَتُهُ الْمُخَفَّفَةُ فَهُوَ مِنْ الْمُؤَخَّرِ الْأَلْيَتَانِ وَمِنْ الْمُقَدَّمِ الْعَانَةُ وَمَا فَوْقَهَا لِلسُّرَّةِ عَلَى بِحَثٍّ فِيهِ، وَالْمُغَلَّظَةُ يُعِيدُ لِكَشْفِهَا عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَبَدًا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ، وَالْمُخَفَّفَةُ يُعِيدُ لِكَشْفِهَا فِي الْوَقْتِ فَقَطْ وَلَوْ عَمْدًا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ شَرْطِيَّةِ سَتْرِهَا وَإِنْ وَجَبَ وَكَشْفُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَكَشْفِ كُلٍّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ صَلَاةِ الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ لِأَنَّ السَّتْرَ لِلصَّلَاةِ مَطْلُوبٌ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَمَا عَدَا الْمُغَلَّظَةَ وَالْمُخَفَّفَةَ مِنْ جَسَدِ الرَّجُلِ يُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ وَيُكْرَهُ كَشْفُهُ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ فَمَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَالِ مَكْشُوفَ الْفَخِذِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، هَذَا بَيَانُ عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْكَلَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ) الْحُرَّةَ (مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) فِي خَلْوَةٍ أَوْ جَلْوَةٍ (الدِّرْعُ الْحَصِيفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْكَثِيفُ الَّذِي لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ (السَّابِغُ) بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ (الَّذِي يَسْتُرُ) جَمِيعَ جَسَدِهَا حَتَّى (ظُهُورَ قَدَمَيْهَا) حَالَ وُقُوفِهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ بُطُونَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَسْتُورَاتٌ فَإِذَا سَجَدَتْ أَوْ جَلَسَتْ فَلَا بُدَّ مِنْ سَتْرِهِمَا لِقَوْلِ مَالِكٍ - ﵁ -: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبْدِيَ فِي الصَّلَاة إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا لِأَنَّ جَمِيعَ أَجْزَائِهَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ عَوْرَةٌ وَلَوْ شَعْرَهَا. وَلِذَلِكَ قَالَ بِالْعِطْفِ عَلَى الدِّرْعِ (وَخِمَارٌ) بِالْخَاءِ الْمَكْسُورَةِ (تَتَقَنَّعُ بِهِ) أَيْ تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا وَشَعْرَهَا وَعُنُقَهَا وَعَقْصَهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَجْعَلَ الْوِقَايَةَ فَوْقَ رَأْسِهَا وَتَتْرُكَ ذَقَنَهَا وَعُنُقَهَا مَكْشُوفِينَ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْخِمَارِ مِنْ الْكَثَافَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الدِّرْعِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَصَّ عَلَى سَتْرِهِمَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُغَلَّظَ وَالْمُخَفَّفَ مِنْ جَسَدِهَا وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ إلَّا أَنَّهَا عَلَى قِسْمَيْنِ: مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ فَالْمُغَلَّظَةُ مَا عَدَا صَدْرَهَا وَأَطْرَافَهَا كَبَطْنِهَا وَظَهْرِهَا وَلَوْ الْمُحَاذِي لِصَدْرِهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَتُعِيدُ صَلَاتَهَا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْهَا أَبَدًا عِنْدَ الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلِ، وَفِي الْوَقْتِ عِنْدَ النِّسْيَانِ وَالْعَجْزِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَتْرَهَا وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ وَالْمُخَفَّفَةُ نَحْوَ الصَّدْرِ وَالْأَطْرَافِ. قَالَ خَلِيلٌ وَأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا وَأَطْرَافِهَا بِوَقْتٍ كَكَشْفِ أَمَةٍ فَخْذًا لَا رِجْلًا، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ بَدَا صَدْرُهَا أَوْ شَعْرُهَا أَوْ ظَهَرَ قَدَمَيْهَا أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا أَبَدًا، وَقَيَّدْنَا الْمَرْأَةَ بِالْحُرَّةِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَمَةِ وَإِنْ بِشَائِبَةٍ فَإِنَّ عَوْرَتَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْحُرَّةِ، إذْ الْمُغَلَّظَةُ مِنْهَا الْأَلْيَتَانِ وَمَا حَاذَاهُمَا مِنْ الْقَدَمِ وَتُعِيدُ لِكَشْفِهَا أَبَدًا، وَالْمُخَفَّفَةُ مِنْهَا الْفَخِذَانِ تُعِيدُ لِكَشْفِهِمَا أَوْ جُزْءٍ مِنْهُمَا فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَا يُعِيدُ لِكَشْفِ
[ ١ / ١٢٩ ]
بِكَفَّيْهَا الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ مِثْلُ الرَّجُلِ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْفَخِذِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُنْثَى أَقْبَحُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَمَةِ فِي الصَّلَاةِ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ بَيَانُ عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا مِنْ الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَمِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ جَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا تُعَادُ الصَّلَاةُ لِكَشْفِهِ مِنْهَا أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلرُّؤْيَةِ فَلَمْ يُبَيِّنْهُ الْمُصَنِّفُ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا عَنْ النَّاسِ خَلَا زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ مَا بَيْنَ الرُّكْبَةِ وَالسُّرَّةِ مَعَ رَجُلٍ مِثْلِهِ أَوْ امْرَأَةٍ مَحْرَمٍ لَهُ، وَالسُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ خَارِجَتَانِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَخِذَ مِنْ الرَّجُلِ عَوْرَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كَشْفُهُ وَالنَّظَرُ إلَيْهِ وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، كَمَا يَحْرُمُ تَمْكِينُ الدَّلَّاكِ مِنْهُ وَلَوْ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُبَاشَرَةَ أَشَدُّ مِنْ النَّظَرِ، وَسَيَأْتِي فِي الْمُصَنِّفِ: وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْفَخِذُ عَوْرَةٌ حَقِيقَةً يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَاصَّةِ وَلَا يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ غَيْرِهَا، وَأَمَّا عَوْرَتُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ أَمَةً فَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَأَمَّا عَوْرَةُ الْأَمَةِ مَعَهُ فَهِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِأَنَّهُ يُنْظَرُ مِنْهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهِيَ تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَالْفَرْقُ قُوَّةُ دَاعِيَتِهَا لِلرَّجُلِ وَخَفِيفُ دَاعِيَتِهِ لَهَا، وَأَمَّا عَوْرَةُ الْحُرَّةِ مَعَ امْرَأَةٍ مِثْلِهَا فَكَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ مِثْلِهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كَافِرَةً فَعَوْرَتُهَا مَعَهَا جَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ أَمَتَهَا وَإِلَّا كَانَتْ عَوْرَتُهَا مَعَهَا كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ مَعَ مِثْلِهِ أَوْ مَعَ مَحْرَمِهِ، وَعَوْرَةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ مَعَ أُنْثَى غَيْرِ كَافِرَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ وَهِيَ أَمَتُهَا، وَعَوْرَةُ الْأَمَةِ مَعَ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَأَنَّ عَوْرَةَ الْحُرَّةِ مَعَ الذُّكُورِ الْمُسْلِمِينَ الْأَجَانِبِ جَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَمِثْلُ الْأَجَانِبِ عَبْدُهَا إذَا كَانَ غَيْرَ وَغْدٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَلَا يَرَى مِنْهَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا مَعَ الْكَافِرِ غَيْرِ عَبْدِهَا فَجَمِيعُ جَسَدِهَا حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا عَوْرَتُهَا مَعَ الْمَحْرَمِ أَوْ مَعَ عَبْدِهَا الْمُسْلِمِ أَوْ الْكَافِرِ إذَا كَانَ وَغَدًا فَجَمِيعُ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهَا مِنْهُمَا فَيَرَيَانِ مِنْهَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ وَتَرَى مِنْهُمَا مَا تَرَاهُ مِنْ مَحْرَمِهَا. قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ: وَالْعَبْدُ الْوَغْدُ مَعَ سَيِّدَتِهِ كَالْمَحْرَمِ وَأَطْرَافُهَا كَرَأْسِهَا وَذِرَاعَيْهَا وَمَا فَوْقَ مَنْحَرِهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الَّذِي يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الرَّجُلِ أَكْثَرُ مِمَّا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْرَمًا أَوْ أَجْنَبِيَّةً لِأَنَّهُ يَرَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَهِيَ تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ، وَيَرَى مِنْ مَحْرَمِهِ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ وَتَرَى مِنْهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَهِيَ تَرَى مِنْهُ الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا شُهْرَةَ وَإِلَّا حُرِّمَ النَّظَرُ وَلَوْ لِأُمِّهِ أَوْ بِنْتِهِ. الثَّالِثُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ السَّتْرَ بِالْكَثِيفِ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا يُطْلَبُ حَيْثُ الْقُدْرَةُ وَلَوْ بِالِاسْتِعَارَةِ وَأَوْلَى بِالشِّرَاءِ بِالثَّمَنِ الْمُعْتَادِ حَيْثُ لَمْ يُحْتَجَّ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ إلَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا اسْتَتَرَ بِالنَّجِسِ وَأَوْلَى الْحَرِيرُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا صَلَّى عُرْيَانًا، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ عُرْيَانًا نُدِبَ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ خِلَافًا لِ خَلِيلٍ، كَمَا تُنْدَبُ الْإِعَادَةُ لِمَنْ صَلَّى بِحَرِيرٍ أَوْ نَجِسٍ ثُمَّ وَجَدَ ثَوْبًا غَيْرَ حَرِيرٍ أَوْ وَجَدَ مَنْ صَلَّى بِالْمُتَنَجِّسِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَوْ مَاءً يُطَهِّرُ بِهِ الثَّوْبَ وَيُعِيدُ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ وَالْعِشَاءَيْنِ اللَّيْلَ كُلَّهُ وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَلَمَّا ذَكَرَ مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ ذَكَرَ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ (تُبَاشِرَ بِكَفَّيْهَا الْأَرْضَ فِي السُّجُودِ مِثْلَ الرَّجُلِ) وَيُكْرَهُ لَهُمَا سَتْرُهُمَا وَلَوْ بِالْكُمَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَجِرَاحَاتٍ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَيْهِمَا فَسُنَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ عَلَى أَطْرَافِ قَدَمَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ كَيَدَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَيْهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ سَنَدٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُعَادُ فِي الْوَقْتِ لِتَرْكِ السُّنَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَنْ سُنَّةٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ فَهُوَ فَرْضٌ، فَإِنْ قِيلَ: يُعَارِضُ الْمَشْهُورَ حَدِيثُ: «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ. فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «وَلَا أَكُفُّ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ ضَمَّ ثِيَابَهُ أَوْ شَعْرَهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، فَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ الْجَبْهَةُ لَوْ تَرَكَ السُّجُودَ عَلَيْهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ: وُجُوبُ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَحَقِيقَةُ السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَعَلَى مَا يَحْصُلَانِ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَمَا يُطْلَبُ تَطْهِيرُهُ لِلصَّلَاةِ مِنْ ثَوْبٍ وَمَكَانٍ، شَرَعَ فِي بَيَانِ وَاجِبَاتِهِمَا وَصِفَاتِهِمَا مُقَدِّمًا الْكَلَامَ عَلَى الْوُضُوءِ فَقَالَ:
[ ١ / ١٣٠ ]