تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامَ وَاعْتِقَادَ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ
وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَلْيَنْصَرِفْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّهِ فَذَلِكَ وَاسِعٌ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مِمَّا يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (إلَّا) نَحْوَ (رَكْعَةٍ أَوْ سَجْدَةٍ) أَوْ رُكُوعٍ أَوْ طُمَأْنِينَةٍ. (أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ أَوْ السَّلَامَ أَوْ اعْتِقَادَ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ) فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْهَا عَنْ الْمَأْمُومِ لِأَنَّهَا فَرَائِضُ، وَالْإِمَامُ إنَّمَا يَحْمِلُ عَنْ الْمَأْمُومِ مَا يَسْجُدُ لِأَجْلِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ اعْتِقَادَ نِيَّةِ الْفَرِيضَةِ قَالَ التَّادَلِيُّ: الصَّوَابُ حَذْفُ لَفْظِ اعْتِقَادِ الَّذِي هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّصْمِيمُ عَلَيْهِ، وَالنِّيَّةُ هِيَ إرَادَةُ الْفِعْلِ. وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْعَزْمِ، وَالْعَزْمُ سَابِقٌ عَلَيْهَا، وَلِي فِي هَذَا الْكَلَامِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَّفُوا النِّيَّةَ بِأَنَّهَا الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، فَلَعَلَّ إضَافَةَ اعْتِقَادِ إلَى نِيَّةٍ بَيَانِيَّةٌ أَيْ اعْتِقَادٌ هُوَ نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ. (وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ) مِنْ الصَّلَاةِ (فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَ سَلَامِهِ) وَفَسَّرَ عَدَمَ الثُّبُوتِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَنْصَرِفْ) مِنْ مِحْرَابِهِ نَدْبًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَنَفُّلُهُ بِمِحْرَابِهِ، وَقَالَ شَارِحُهُ: وَكَذَا جُلُوسُهُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِي الْمِحْرَابِ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَرَاهَةِ بِانْصِرَافٍ أَوْ تَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي صَلَاتِهِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ الِانْصِرَافِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الِانْصِرَافَ سَرِيعًا مِنْ التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ الْإِمَامِ الِانْصِرَافُ بَعْدَ سَلَامِهِ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ الدَّاخِلُ أَنَّهُ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ التَّعَالِيلِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ قَبْلَ الذِّكْرِ الْمَطْلُوبِ عَقِبَ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ أَوْ تَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَنْدُبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُغَيِّرَ حَالَتَهُ بَعْدَ السَّلَامِ إمَّا بِالِانْصِرَافِ أَوْ تَغْيِيرِ هَيْئَتِهِ بِأَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، إمَّا إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ التَّلْبِيسُ عَلَى الدَّاخِلِ، وَإِمَّا بِالِانْصِرَافِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ تَطْرُقُ الْعَجَبَ إلَيْهِ أَوْ الرِّيَاءَ، فَقَدْ نَقَلَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵄ - أَنَّهُمَا كَانَا إذَا سَلَّمَا يَنْهَضَانِ مِنْ الْمِحْرَابِ نَهْضَةَ الْبَعِيرِ الْهَائِجِ مِنْ عِقَالِهِ، وَقَالَ الثَّعَالِبِيُّ: وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يَتَحَوَّلُ إلَى أَيِّ جِهَةٍ هُوَ السُّنَّةُ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ أَبِي جَمْرَةَ وَصَاحِبِ الْمَدْخَلِ لَا انْصِرَافُهُ جُمْلَةً مِنْ مَحَلِّهِ، فَإِنَّ هَذَا فِعْلُ أَهْلِ التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ حَتَّى يَقُومَ الرَّجُلُ سَرِيعًا كَأَنَّمَا ضُرِبَ بِشَيْءٍ يُؤْلِمُهُ، وَيَفُوتُهُ بِذَلِكَ خَيْرُ اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، يَقُولُونَ لَهُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. قُلْت: وَفِي هَذَا نَوْعُ مُخَالَفَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ الْمَنْقُولِ عَنْ مُسْلِمٍ، وَاَلَّذِي تَرْكَنُ إلَيْهِ النَّفْسُ مَا قَالَهُ الثَّعَالِبِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ وَصَاحِبُ الْمَدْخَلِ؛ لِأَنَّ التَّرَاخِيَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الْفَوْرِيَّةُ فَأَوْلَى هَذَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ بَعْدَ مُكْثِهِ مُدَّةً لَطِيفَةً بِقَدْرِ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ وَإِلَيْك يَرْجِعُ السَّلَامُ تَبَارَكْت وَتَعَالَيْت يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَلَمَّا عَلَّلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ طَلَبَ الِانْصِرَافِ بِزَوَالِ اسْتِحْقَاقِهِ لِمَحَلِّ صَلَاتِهِ بِفَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ) ذَلِكَ الْإِمَامُ صَلَّى (فِي مَحَلِّهِ) الْمَمْلُوكِ لَهُ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ (فَذَلِكَ) أَيْ جُلُوسُهُ فِي مَحَلِّ صَلَاتِهِ (وَاسِعٌ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِانْصِرَافِ أَوْ تَحَوُّلِهِ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ.
(٢) (خَاتِمَةٌ): قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِأَثَرِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ الذِّكْرُ، وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِالدُّعَاءِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ عَمَلٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلِذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ، فَيَحْصُلُ لِلْإِمَامِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْعَظَمَةِ بِسَبَبِ نَصْبِ نَفْسِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الرَّبِّ وَعَبْدِهِ مِنْ تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي: قُلْت وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيته يُصَرِّحُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ وَرَدَ الْحَثُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلِذَا صَارَ تَابِعًا فِعْلَهُ بَلْ الْغَالِبُ عَلَى مَنْ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِذَلِكَ التَّوَاضُعِ وَالرِّقَّةِ فَلَا يُهْمَلُ أَمْرُهُ بَلْ يُفْعَلُ، وَمَا كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، بَلْ هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ، وَالِاجْتِمَاعُ فِيهِ يُورِثُ الِاجْتِهَادَ فِيهِ وَالنَّشَاطَ، وَأَقُولُ: طَلَبُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ شَاهِدُ صِدْقٍ فِيمَا ارْتَضَاهُ ابْنُ نَاجِي. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَقَدْ انْتَهَى رُبْعُ الرِّسَالَةِ أَعَانَنَا اللَّهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ عَلَى بَاقِيهَا. [بَاب جَامِع فِي الصَّلَاة] ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّبْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ:
[ ١ / ٢١٤ ]
بَابٌ جَامِعٌ فِي الصَّلَاةِ وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ الدِّرْعُ الْخَصِيفُ السَّابِغُ الَّذِي يَسْتُرُ ظُهُورَ قَدَمَيْهَا، وَهُوَ الْقَمِيصُ وَالْخِمَارُ الْخَصِيفُ
وَيُجْزِئُ الرَّجُلَ فِي الصَّلَاةِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَلَا يُغَطِّي أَنْفَهُ وَوَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَضُمُّ ثِيَابَهُ أَوْ يَكْفِتُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَابٌ جَامِعٌ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ بِتَنْوِينِ بَابٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِعَدَمِ إيهَامِهِ، وَبِالْإِضَافَةِ أَيْ بَابِ جَامِعٍ لَكِنَّ الْإِضَافَةَ تُوهِمُ أَنَّهُ جَمَعَ كُلَّ مَسَائِلِ الصَّلَاةِ، وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ تَنْوِينِهِ الْمَعْنِيِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَذْكُرُ مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةً (فِي الصَّلَاةِ) وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى نُسْخَةِ فِي، وَأَمَّا عَلَى إسْقَاطِهَا فَالتَّنْوِينُ وَعَدَمُهُ سِيَّانِ فِي أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْبَابَ جَمَعَ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ لَكِنْ يُوهِمُ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ لَا غَيْرَهَا، مَعَ أَنَّهُ يَذْكُرُ فِيهِ أَحْكَامَ غَيْرِ الصَّلَاةِ مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةً بِالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ كَقَوْلِهِ: وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ، وَيُوهِمُ أَيْضًا أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَمْ أَذْكُرْ فِيهِ إلَّا أَحْكَامَ الصَّلَاةِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ جَامِعٌ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ وُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ وَسِتْرِ عَوْرَةٍ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ جَامِعٍ مُعْظَمَ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ عَلَى حَدِّ: الْحَجُّ عَرَفَةَ، وَعَلَى إضَافَةِ بَابٍ إلَى جَامِعٍ فَيَكُونُ مِنْ إضَافَةِ الدَّالِ إلَى مَدْلُولِهِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ، وَعَلَى إسْقَاطِ فِي وَتَنْوِينِ بَابٍ يَصِحُّ فِي الصَّلَاةِ النَّصْبُ وَالْجَرُّ عَلَى حَدِّ: وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا، وَابْتَدَأَ هَذَا الْبَابَ بِمَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّ السِّتْرَ يُطْلَبُ حِينَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ مِنْ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ) شَيْئَانِ سَاتِرَانِ لِجَسَدِهَا أَحَدُهُمَا (الدِّرْعُ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (الْحَصِيفُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ الْكَثِيفُ الْمَتِينُ الَّذِي لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ، وَيُرْوَى بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَسَّرَهُ عَلَى الضَّبْطَيْنِ بِقَوْلِهِ: (السَّابِغُ) أَيْ (الَّذِي يَسْتُرُ) جَمِيعَ جَسَدِهَا سِوَى رَأْسِهَا حَتَّى (ظُهُورَ قَدَمَيْهَا)، وَلَمَّا كَانَ الدِّرْعُ مُشْتَرَكًا لَفْظًا بَيْنَ دِرْعِ الْحَدِيدِ وَبَيْنَ الثَّوْبِ قَالَ: (وَهُوَ الْقَمِيصُ) الَّذِي يَسْلُكُ فِي الْعُنُقِ. (وَ) ثَانِي الْأَمْرَيْنِ (الْخِمَارُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ (الْخَصِيفُ) وَحَقِيقَةُ الْخِمَارِ الثَّوْبُ الَّذِي تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا وَخَدَّيْهَا، سُمِّيَ خِمَارًا؛ لِأَنَّهُ يُخَمِّرُ الرَّأْسَ أَيْ يُغَطِّيهِ، وَاحْتُرِزَ بِالْخَصِيفِ مِنْ الْخَفِيفِ النَّسْجُ الَّذِي يَشِفُّ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَالْبُنْدُقِيِّ الرَّفِيعِ فَإِنْ صَلَّتْ بِهِ أَعَادَتْ أَبَدًا عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ: مِنْ أَنَّ الَّذِي يَشِفُّ كَالْعَدَمِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ وَتَابِعِيهِ الشَّافُّ كَالْعَدَمِ وَمَا يَصِفُ لِرِقَّتِهِ يُكْرَهُ، وَهْمٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِرِوَايَةِ الْبَاجِيِّ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي حَالِ صَلَاتِهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ جَسَدِهَا وَشَعْرَهَا حَتَّى دَلَالِيلَهَا مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ هُنَا الْوَجْهُ الْمُتَقَدِّمُ تَحْدِيدُهُ فِي فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ لِحْيَتِهَا إنْ خُلِقَ لَهَا لِحْيَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ بَعْضِ خَدَّيْهَا، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ إلَخْ أَنَّهَا لَوْ صَلَّتْ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَاجِبِ لَمْ يُجِزْهَا، وَتُعِيدُ أَبَدًا وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ عَلَى تَفْصِيلٍ تَقَدَّمَ وَهُوَ: إنْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الصَّدْرِ أَوْ بَعْضَ الْأَطْرَافِ كَظُهُورِ قَدَمَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَشَعْرَهَا أَوْ بَعْضَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَتْ لِصَدْرِهَا وَأَطْرَافِهَا بِوَقْتٍ كَكَشْفِ أَمَةٍ فَخِذًا لَا رِجْلًا، وَأَمَّا لَوْ صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ شَيْءٍ مِنْ نَحْوِ الْبَطْنِ أَوْ الظَّهْرِ أَوْ الْجَنْبِ لَأَعَادَتْ أَبَدًا، وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا فَيَحِلُّ لِكُلٍّ النَّظَرُ لِفَرْجِ الْآخَرِ، وَأَمَّا مَعَ الْغَيْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ مَعَ مَحْرَمِهَا وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَمِيعَ جَسَدِهَا إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ. (وَيُجْزِئُ الرَّجُلَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْفَاعِلُ (الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) وَيُشْتَرَطُ فِيهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ كَوْنُهُ كَثِيفًا بِحَيْثُ لَا يَصِفُ وَلَا يَشِفُّ وَإِلَّا كُرِهَ وَكَوْنُهُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ جَسَدِهِ. فَإِنْ سَتَرَ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ فَقَطْ أَوْ كَانَ مِمَّا
[ ١ / ٢١٥ ]
شَعْرَهُ
وَكُلُّ سَهْوٍ فِي الصَّلَاةِ بِزِيَادَةٍ فَلْيَسْجُدْ لَهُ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ يَتَشَهَّدُ لَهُمَا وَيُسَلِّمُ مِنْهُمَا
[السَّاهِي فِي صَلَاتِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ مِنْ سُجُودٍ وَعَدَمِهِ]
وَكُلُّ سَهْوٍ يُنْقِصُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَصِفُ أَيْ يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ أَوْ يَشِفُّ بِأَنْ يُرَى مِنْهُ لَوْنُهَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ مَعَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ حَتَّى مِنْ الَّذِي يَشِفُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ «قَوْلُهُ - ﷺ - حِينَ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ»
(٢) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا كَرَّرَهَا الْمُصَنِّفُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُقَدِّمْهُ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَلَا يُغَطِّي) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْفَهُ أَوْ وَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ يُكْرَهُ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ امْرَأَةً الِانْتِقَابُ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى عَيْنَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُغَطِّي أَنْفَهُ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا التَّلَثُّمُ بِأَنْ يُغَطِّيَ شَفَتَهُ السُّفْلَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَهُوَ مُنَافٍ لِلْخُشُوعِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ عَادَتُهُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ حَيْثُ كَانَ مِمَّنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ لَهُ حَتَّى فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمُتَكَبِّرِينَ. (أَوْ) أَيْ وَلَا (يَضُمُّ ثِيَابَهُ أَوْ يَكْفِتُ) أَيْ يَضُمُّ (شَعْرَهُ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ أَنْ يُشَمِّرَ ثَوْبَهُ أَوْ كُمَّهُ أَوْ يَضُمَّ شَعْرَهُ لِمُنَافَاةِ جَمِيعِ ذَلِكَ لِلْخُشُوعِ الْمَطْلُوبِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ انْتِقَابُ امْرَأَةٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَأَوْلَى رَجُلٍ كَكَفْتِ كُمٍّ وَشَعْرٍ لِصَلَاةٍ وَتَلَثُّمٍ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ لِصَلَاةٍ رَاجِعٌ لِلِانْتِقَابِ وَلِلْمُشَبَّهِ بِهِ، وَمَفْهُومُ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ ضَمُّ الثَّوْبِ وَلَا الشَّعْرِ لِغَيْرِهَا، وَسَوَاءٌ عَادَ لِمَا كَانَ الْكَفْتُ لَهُ مِنْ الشُّغْلِ أَمْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إذَا عَادَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «أُمِرَتْ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَلَا أَكْفِتُ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ إذَا قُصِدَ بِهِ الصَّلَاةُ. وَرُوِيَ: «إذَا سَجَدَ الْإِنْسَانُ فَسَجَدَ مَعَهُ شَعْرُهُ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً»، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِانْتِقَابِ وَالتَّلَثُّمِ وَالِاحْتِزَامِ وَالتَّشْمِيرِ وَضَمِّ الْأَكْمَامِ وَالشَّعْرِ إنَّمَا يُكْرَهُ إذَا فُعِلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ إلَّا الِانْتِقَابَ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ، وَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَتْهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ مُحْتَزِمٌ أَوْ شَامِرٌ لِثَوْبِهِ لَا تُكْرَهُ صَلَاتُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى حَلَّ ذَلِكَ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِ السَّاهِي فِي صَلَاتِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ مِنْ سُجُودٍ وَعَدَمِهِ فَقَالَ: (وَكُلُّ سَهْوٍ) أَيْ ذُهُولٍ عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ النِّسْيَانِ سَهَاهُ (فِي الصَّلَاةِ) وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا، وَلَوْ كَانَتْ صَلَاتُهُ نَافِلَةً فَإِنْ كَانَ (بِزِيَادَةٍ) يَسِيرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَزِيَادَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ أَكْثَرَ حَيْثُ لَمْ تَبْلُغْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَوَامِلَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ أَوْ الثُّنَائِيَّةِ الْمَقْصُورَةِ أَوْ اثْنَتَيْنِ فِي الثُّنَائِيَّةِ أَصَالَةً كَالصُّبْحِ أَوْ الْجُمُعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَالْكَمَالُ هُنَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرَّكْعَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ. (فَلْيَسْجُدْ لَهُ سَجْدَتَيْنِ) اسْتِنَانًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَلَوْ تَكَرَّرَ سَهْوُهُ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا (بَعْدَ السَّلَامِ) بِإِحْرَامٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْوِي بِتَكْبِيرَةِ الْهَوِيِّ الْإِحْرَامَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ تَكْبِيرٍ لَهُ وَيُكَبِّرُ فِي الرَّفْعِ وَ(يَتَشَهَّدُ لَهَا وَيُسَلِّمُ مِنْهُمَا) جَهْرًا وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، قَالَ خَلِيلٌ: بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَامٍ جَهْرًا. وَإِنَّمَا طُلِبَ لِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ إحْرَامٌ وَتَشَهُّدٌ وَسَلَامٌ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ فِي السَّلَامِ أَنْ يَقَعَ عَقِبَ تَشَهُّدٍ، وَحُكْمُ السَّلَامِ مِنْ الْبَعْدِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَلَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدَ وَالسَّلَامَ وَاقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ بِنِيَّتِهِمَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، بَلْ لَوْ تَرَكَ الْبَعْدِيَّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلُ الصَّلَاةِ فَهُوَ جَابِرٌ لَهَا، وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْبَعْدِيِّ تَرْغِيمُ أَنْفِ الشَّيْطَانِ، وَقَيَّدْنَا الزِّيَادَةَ بِالْيَسِيرَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِالْفِعْلِ الْكَثِيرِ وَلَوْ سَهْوًا وَلَوْ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَزِيَادَةِ أَرْبَعٍ فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ أَوْ الْمَقْصُورَةِ. وَأَمَّا زِيَادَةُ أَقْوَالِ الصَّلَاةِ فَلَا سُجُودَ فِي سَهْوِهَا كَمَا لَا تَبْطُلُ بِعَمْدِهَا، كَمَا لَوْ كَرَّرَ السُّورَةَ أَوْ التَّكْبِيرَ أَوْ زَادَ سُورَةً فِي أُخْرَيَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فَرْضًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، كَمَا لَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ سَهْوًا وَلَوْ فِي رَكْعَةٍ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَعَمُّدِ تَكْرِيرِهَا وَالْمُعْتَمَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ عَدَمُ الْبُطْلَانِ، وَيُفْهَمُ أَيْضًا مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَيَتَعَمَّدُ كَسَجْدَةٍ مِنْ كُلِّ رُكْنٍ فَعَلَى عَدَمِ بُطْلَانِهَا بِتَعَمُّدِ زِيَادَةِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ يُصَلِّي وَلَا يَسْجُدُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَوْ نَافِلَةً لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ السَّهْوَ فِي النَّافِلَةِ كَالسَّهْوِ فِي الْفَرِيضَةِ إلَّا فِي خَمْسِ مَسَائِلَ: تَرْكُ السِّرِّ وَالْجَهْرِ فِي مَحَلِّهَا وَتَرْكُ السُّورَةِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا سُجُودَ فِي تَرْكِهَا مِنْ النَّافِلَةِ، وَيَسْجُدُ لَتَرْكِهَا مِنْ الْفَرِيضَةِ، وَالرَّابِعَةُ إذَا عَقَدَ ثَالِثَةَ النَّفْلِ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِهَا يُكَمِّلُهَا أَرْبَعًا وَفِي الْفَرْضِ يَرْجِعُ، وَالْخَامِسَةُ إذَا تَرَكَ رُكْنًا مِنْ النَّافِلَةِ وَطَالَ أَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ مُطْلَقًا أَوْ نَافِلَةٍ وَرَكَعَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلزِّيَادَةِ فَقَطْ بَعْدَ السَّلَامِ خَبَرُ الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ
[ ١ / ٢١٦ ]
فَلْيَسْجُدْ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ إذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ وَقِيلَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ
وَمَنْ نَقَصَ وَزَادَ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ
وَمَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَقَالَ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيت؟ فَقَالَ - ﷺ -: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ - ﷺ - عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ فَأَتَمَّ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ وَهُوَ جَالِسٌ» وَمَعْنَى أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ هَلْ أُوحِيَ إلَيْك بِقَصْرِهَا أَمْ نَسِيت؟ فَالتَّاءُ فِي أَقَصُرَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَالصَّلَاةُ فَاعِلٌ وَلَيْسَتْ حَرْفَ خِطَابٍ لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ أَمْ نَسِيت، وَفُهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ أُمُورٌ مِنْهَا: مَشْرُوعِيَّةُ السُّجُودِ لِلسَّهْوِ وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ إلَى الْآنَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ أَنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخَةٌ، وَمَا وَقَعَ كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ إسْلَامًا فَالْحَقُّ عَدَمُ نَسْخِ قِصَّتِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ سَجْدَتَانِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ لِلزِّيَادَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّ السَّلَامَ سَهْوًا لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ بَعْدَهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ لِإِصْلَاحِهَا مِنْ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ لَا يُبْطِلُهَا إذَا لَمْ يَكْثُرُ، وَمِنْهَا: جَوَازُ سُؤَالِ الْمَأْمُومِ لِإِمَامِهِ عِنْدَ شَكِّهِ، وَجَوَازُ سُؤَالِ الْإِمَامِ لِمَأْمُومِيهِ كَذَلِكَ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحْضَ الزِّيَادَةِ يُسْجَدُ لَهَا بَعْدَ السَّلَامِ ذَكَرَ مُحْتَرَزَهَا بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ سَهْوٍ بِنَقْصٍ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ دَاخِلَةٌ فِي الصَّلَاةِ كَالزَّائِدِ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ جَمِيعِهَا حَيْثُ أَتَى بِهَا فِي جُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَقَلِّهَا عَلَى مَا يَأْتِي لِلْفَاكِهَانِيِّ، وَمِثْلُ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ السُّنَّتَانِ الْخَفِيفَتَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ مُحَقَّقًا أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَخَبَرُ كُلِّ سَهْوٍ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأٌ (فَلْيَسْجُدْ لَهُ) سَجْدَتَيْنِ عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ وَلَوْ كَثُرَتْ السُّنَنُ الْمَتْرُوكَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: سُنَّ لِسَهْوٍ وَإِنْ تَكَرَّرَ بِنَقْصِ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ أَوْ مَعَ زِيَادَةِ سَجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَمُقَابِلُهُ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ (قَبْلَ السَّلَامِ) يُكَبِّرُ لِلْخَفْضِ وَالرَّفْعِ مَعَ نِيَّةِ فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَخِلَافُهُ لَا يَظْهَرُ، وَجَعَلْنَا مَفْعُولَ الْمَصْدَرِ سُنَّةً لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْفَرَائِضَ لَا يُسْجَدُ لَهَا وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَدَارُكِهَا، وَقَيَّدْنَا السُّنَّةَ بِالْمُؤَكَّدَةِ أَوْ الْخَفِيفَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ؛ لِأَنَّ نَحْوَ التَّكْبِيرَةِ لَا يُسْجَدُ لَهَا وَبِدَاخِلَةِ الصَّلَاةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْإِقَامَةِ فَلَا يُسْجَدُ لَهَا، وَإِنْ سَجَدَ لِمَا لَا يُسْجَدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَلَوْ جَهْلًا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، إلَّا أَنْ يَسْجُدَ تَبَعًا لِمَنْ يَرَى السُّجُودَ لِذَلِكَ، وَمُحْتَرَزُ السَّهْوِ أَنَّ الْعَمْدَ لَا يُسْجَدُ لَهُ، وَاخْتُلِفَ هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ؟ قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ لَا؟ وَلَا سُجُودَ خِلَافٌ وَمَحَلُّ السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ (إذَا تَمَّ تَشَهُّدُهُ) الَّذِي هُوَ آخَرُ صَلَاتِهِ وَفَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَالدُّعَاءِ أَيْضًا (ثُمَّ) بَعْدَ فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ (يَتَشَهَّدُ) أَيْ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ اسْتِنَانٌ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: يَتَشَهَّدُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُطْلَبُ فِي تَشَهُّدِهَا الدُّعَاءُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ الدُّعَاءِ. (وَيُسَلِّمُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ سَلَامُ الْفَرِيضَةِ. وَلَمَّا بَيَّنَ أَنَّ إعَادَةَ التَّشَهُّدِ هِيَ الصَّوَابُ ذَكَرَ مُقَابِلَهَا بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ لَا يُعِيدُ التَّشَهُّدَ)، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ عَلَى فِعْلِ السَّجْدَتَيْنِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْمُبَيِّنُ لِمَا بِهِ الْفَتْوَى حَيْثُ قَالَ: وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِنَا: أَنَّ إعَادَةَ التَّشَهُّدِ سُنَّةٌ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ إعَادَتَهُ وَلَوْ عَمْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ لِلْفَرِيضَةِ وَاكْتَفَى بِتَشَهُّدِ الْفَرِيضَةِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ تَرْكِ إعَادَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(٢) (تَنْبِيهٌ): لَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ سَجْدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ؟ أَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَوْ لَمْ يَسْجُدْ أَصْلًا؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ وَاحِدَةً فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ يَأْتِي بِسَجْدَتَيْنِ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ سَلَامِهِ، فَلَيْسَ كَمَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَبَنَى عَلَى الْأَقَلِّ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فِي شَكِّهِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ لَأَمْكَنَ أَنْ يَشُكَّ مَرَّةً أُخْرَى وَيَسْجُدَ فَيَتَسَلْسَلُ الْأَمْرُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سُئِلَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: الْمُصَغَّرُ لَا يُصَغَّرُ، وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ سَهْوًا فَيَفْتَرِقُ الْحَالُ إنْ كَانَ قَبْلِيًّا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ لَا إنْ كَانَ بَعْدِيًّا، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحْضَ الزِّيَادَةِ يُسْجَدُ لَهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَمَحْضَ النَّقْصِ قَبْلَ السَّلَامِ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْهُ نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ نَقَصَ) سُنَّةً مِنْ سُنَنِ صَلَاتِهِ وَلَوْ خَفِيفَةً (وَزَادَ) فِيهَا أَيْضًا زِيَادَةً سَهْوًا لَا تَبْطُلُ بِمِثْلِهَا (سَجَدَ) لَهُمَا (قَبْلَ السَّلَامِ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ النَّقْصِ الْحَاصِلِ عَلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّ جَابِرٌ هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّقْصَ الْحَاصِلَ مَعَ الزِّيَادَةِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالْخَفِيفَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَا بَيْنَ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمَشْكُوكِ فِيهَا، وَلِذَلِكَ جَعَلُوا الصُّوَرَ تِسْعًا بَيَانُهَا أَنَّ النَّقْصَ وَحْدَهُ إمَّا مُحَقَّقٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالزِّيَادَةَ وَحْدَهَا كَذَلِكَ إمَّا مُحَقَّقَةٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهَا فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَا فَصُوَرُهُمَا أَرْبَعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا إمَّا مُحَقَّقَانِ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِمَا أَوْ النَّقْصُ مُحَقَّقٌ وَالزِّيَادَةُ مَشْكُوكٌ فِيهَا أَوْ عَكْسُهُ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تُضَمُّ لِلْأَرْبَعِ الْأُولَى تَصِيرُ ثَمَانِ صُوَرٍ، وَلِلتَّاسِعَةِ أَنْ يَتَيَقَّنَ حُصُولَ الْمُوجِبِ لِلسُّجُودِ وَيَشُكَّ هَلْ هُوَ زِيَادَةٌ أَوْ نَقْصٌ فَيَسْجُدَ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ السَّلَامِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ يَسْجُدُ فِيهِمَا بَعْدَ السَّلَامِ وَهُمَا بَعْضُ الزِّيَادَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَالزِّيَادَةِ الْمَشْكُوكِ فِي حُصُولِهَا وَعَدَمِ حُصُولِهَا.
[ ١ / ٢١٧ ]
نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ فَلْيَسْجُدْ مَتَى مَا ذَكَرَهُ، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ السَّلَامِ سَجَدَ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَإِنْ بَعُدَ ابْتَدَأَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ هُوَ مَرَضِيُّ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - ﵁ - فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَحَمَلَ السُّجُودَ لِلْجَمِيعِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ - ﵁ - فَجَعَلَهُ بَعْدِيًّا مُطْلَقًا، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ إمَامِنَا عَلَى الزِّيَادَةِ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ، وَدَلِيلُ النَّقْصِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ فَقَامَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ لِلتَّشَهُّدِ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ غَلَبَ النَّقْصُ عَلَى الزِّيَادَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا» . الثَّانِي: لَوْ خَالَفَ الْمُصَلِّي وَقَدَّمَ مَا يُؤَخَّرُ وَأَخَّرَ مَا يُقَدَّمُ لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ لَكِنْ مَعَ حُرْمَةِ تَقْدِيمِ الْبَعْدِيِّ عَمْدًا وَكَرَاهَةِ تَأْخِيرِ الْقَبْلِيِّ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ، وَمِمَّا يَصِحُّ أَيْضًا لَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ فِي مَحَلِّهِ، وَقَدَّمَهُ الْمَأْمُومُ أَوْ أَخَّرَهُ فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ أَيْ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْبَعْدِيِّ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَتَأْخِيرُ الْقَبْلِيِّ وَلَوْ مِنْ الْمَأْمُومِ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. (وَمَنْ نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ) عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ بِالسُّجُودِ (بَعْدَ السَّلَامِ) وَهُوَ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا سَهْوًا لَا تَبْطُلُ بِزِيَادَتِهِ وَفَارَقَ مَحَلَّ صَلَاتِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ (فَلْيَسْجُدْ مَتَى مَا ذَكَرَهُ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ) بَعْدَ سَلَامِهِ وَتَذَكَّرَهُ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ نَسِيَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَسْجُدُ الْبَعْدِيَّ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لِتَرْغِيمِ أَنْفِ الشَّيْطَانِ بِخِلَافِ الْقَبْلِيِّ فَإِنَّهُ جَابِرٌ لَنَقْصِ الصَّلَاةِ فَلِذَا طَلَبَ وُقُوعَهُ فِيهَا أَوْ عَقِبَهَا بِالْقُرْبِ. (تَنْبِيهَاتٌ) . الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السُّجُودَ يُفْعَلُ وَلَوْ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْقَبْلِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ وَتَابِعٌ لَهَا، وَأَمَّا الْبَعْدِيُّ فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَهُ مِنْ صَلَاةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ لِحَلِّ النَّافِلَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَحَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ رَعْيًا لِأَصْلِهِ، وَيُوَافِقُهُ نَقْلُ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ. الثَّانِي ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَسْجُدُ الْبَعْدِيَّ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وَلَوْ مِنْ صَلَاةِ جُمُعَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنْ كَانَ مِنْ صَلَاةِ جُمُعَةٍ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي جَامِعٍ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ إنْ كَانَ قَبْلِيًّا كَمَا لَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ مِنْهَا وَقَامَ لِلْقَضَاءِ فَنَسِيَ السُّورَةَ وَسَلَّمَ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَهُ سَرِيعًا فَإِنَّهُ يَرْكَعُ لِمَسْجِدِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَيَسْجُدُ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلُ طُولٌ بِنَاءً، عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِطُولٍ بَلْ بِالْعُرْفِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بَعْدِيًّا كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ زَادَ رَكْعَةً سَهْوًا وَنَسِيَ السُّجُودَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِي أَيِّ جَامِعٍ كَانَ، قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْجَامِعِ فِي الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِهِ. الثَّالِثُ: التَّقْيِيدُ بِالسَّهْوِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَطْلُبُ السُّجُودَ لِلْعَمْدِ كَطُولٍ بِمَحَلٍّ لَمْ يُشَرَّعْ بِهِ التَّطْوِيلُ كَالرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَمَنْ اسْتَوْفَزَ لِلْقِيَامِ عَلَى يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، بِخِلَافِ التَّطْوِيلِ بِمَحِلٍّ يُشَرَّعُ فِيهِ التَّطْوِيلُ فَلَا سُجُودَ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّهِ فَيَسْجُدُ، وَمِنْ غَيْرِ السَّهْوِ الشَّكُّ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا، وَأَيْضًا ذَكَرَ اللَّخْمِيُّ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ عَمْدًا مِنْ رَكْعَةٍ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَمُقَابِلُهُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ بَلْ حَكَى بَعْضُهُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ: السُّنَّةُ الْوَاحِدَةُ جَرَى الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ. هَذِهِ سُنَّةٌ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا فَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَبِتَرْكِ السُّجُودِ لَهَا، وَلَوْ مِنْ رَكْعَةٍ عِنْدَ تَرْكِهَا سَهْوًا، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ إلَّا إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ. (وَإِنْ كَانَ) السُّجُودُ الَّذِي سَهَا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ (قَبْلَ السَّلَامِ) وَسَلَّمَ تَارِكًا لَهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ كَانَ) تَذَكُّرُهُ (قَرِيبًا) مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقُرْبُ بِالْعُرْفِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِعَدَمِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ أَشْهَبَ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَيُحْرِمُ لَهُمَا وَلَا يَرْجِعُ إلَّا إصْلَاحَ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ إلَّا بِإِحْرَامٍ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَأْخِيرُ الْقَبْلِيَّتَيْنِ عَفْوٌ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ إنْ ذَكَرَهُمَا قَبْلَ سَلَامِهِ رَجَعَ لَهُمَا بِإِحْرَامٍ، وَكَذَا كُلُّ رَاجِعٍ لِبَاقٍ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ، كَمَنْ سَلَّمَ وَتَذَكَّرَ مَا يُفْسِدُ لَهُ رَكْعَةً أَوْ نَسِيَ رُكُوعًا مِنْ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا حَيْثُ قَرُبَ لَكِنْ بِإِحْرَامٍ، وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِمًا، وَتَارِكُ سَجْدَةٍ يَجْلِسُ لَا سَجْدَتَيْنِ، وَتَارِكُ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ يَرْجِعُ مُحْدَوْدَبًا، وَقَالَ أَيْضًا: وَتَدَارُكُ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ إنْ لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ رَكْعَةٍ تَالِيَةٍ لِرَكْعَةِ السَّهْوِ، وَإِلَّا رَجَعَتْ الْمَعْقُودَةُ مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ الرُّكْنُ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْأَخِيرَةِ يُتَدَارَكُ إنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَإِنْ سَلَّمَ بَنَى إنْ قَرُبَ بِإِحْرَامٍ وَلَمْ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ وَجَلَسَ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. (وَ) مَفْهُومُ إنْ كَانَ قَرِيبًا (إنْ بَعُدَ) تَذَكُّرُهُ مِنْ السَّلَامِ (ابْتَدَأَ
[ ١ / ٢١٨ ]
صَلَاتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ خَفِيفٍ كَالسُّورَةِ مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ وَشِبْهَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ
وَلَا سَجْدَةٍ
وَلَا لِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا أَوْ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] صَلَاتَهُ) لِبُطْلَانِهَا حَيْثُ كَانَ السُّجُودُ مُتَرَتِّبًا عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ فَأَكْثَرَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) السُّجُودُ (مِنْ نَقْصِ) أَيْ مِنْ أَجْلِ نَقْصِ (شَيْءٍ خَفِيفٍ كَالسُّورَةِ) الَّتِي تُقْرَأُ (مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ) فَلَا يَلْزَمُهُ ابْتِدَاءُ صَلَاتِهِ لِعَدَمِ بُطْلَانِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ السُّجُودِ الْقَبْلِيِّ، إلَّا إنْ كَانَ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ، وَعَدَمُ لُزُومِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ السُّجُودُ لِتَرْكِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِتَرْكِ السُّجُودِ لِلسُّورَةِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْقِيَامُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ لَهَا سُنَّةٌ وَسِرُّهَا أَوْ جَهْرُهَا مِنْ صِفَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا سُنَّةً وَاحِدَةً فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ السُّجُودِ لَهَا وَلَوْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً، وَأَمَّا لَوْ قُلْنَا: الْقِيَامُ لَهَا سُنَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى السُّورَةِ وَالسِّرِّ أَوْ الْجَهْرِ كَذَلِكَ لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِ السُّجُودِ حَيْثُ تَرَكَ الْجَمِيعَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَحْتَمِلُ كَلَامُهُ الْمَشْيَ عَلَى عَدِّ قِيَامِهَا سُنَّةً، فَلَا يُقَيِّدُ كَلَامُهُ بِمَا إذَا قَامَ، وَيُحْتَمَلُ الْمَشْيُ عَلَى عَدِّهِ سُنَّةً كَالسِّرِّ أَوْ الْجَهْرِ فَيُقَيِّدُ عَدَمَ الْبُطْلَانِ بِمَا إذَا قَامَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ ثَلَاثَ سُنَنٍ، وَإِنَّمَا نَقَصَ سُنَّتَيْنِ، وَجَرَى عَلَى هَذَا أَكْثَرُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ حَيْثُ قَالُوا عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِتَرْكِ قَبْلِيٍّ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ سَوَاءٌ كَانَتْ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً كَالسُّورَةِ أَوْ قَوْلِيَّةً فَقَطْ كَثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ. (أَوْ) إلَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ نَقْصِ (تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ) وَالْحَالُ أَنَّهُ جَلَسَ لَهُمَا وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَائِلًا: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْسَى التَّشَهُّدَيْنِ وَيَكُونُ السُّجُودُ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ سَهْوُهُ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ إلَّا بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَهُ ظَرْفٌ لِلتَّشَهُّدِ، وَأُجِيبُ بِتَصَوُّرِ ذَلِكَ فِي الْمُدْرِكِ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يَتَشَهَّدُ مَعَ الْإِمَامِ فِي جُلُوسِهِ الْأَخِيرِ، فَإِذَا قَامَ أَتَى بِرَكْعَةٍ وَجَلَسَ عَلَيْهَا يَتَشَهَّدُ، فَإِذَا أَتَى بِالثَّانِيَةِ يَتَشَهَّدُ، فَإِذَا نَسِيَ الْأَوَّلَ الَّذِي يَتَشَهَّدُهُ مَعَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي يُتَصَوَّرُ بِنِسْيَانِ تَشَهُّدَيْنِ زَائِدَيْنِ عَلَى مَا قَبْلَ السَّلَامِ، وَكَذَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُقِيمِ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُسَافِرِ، وَلِي فِي هَذَا الْجَوَابِ بَحْثٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ يَحْمِلُهُ الْإِمَامُ فَلَا يُنْظَرُ لَهُ: وَالْبَحْثُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّشَهُّدَيْنِ يُسْجَدُ لَهُمَا، نَعَمْ يُتَصَوَّرُ فِي الرَّاعِفِ الْمَسْبُوقِ بِرَكْعَةٍ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَالْمُقِيمُ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ خَلْفَ مُسَافِرٍ، وَالْمُقِيمُ الْمَسْبُوقُ يُصَلِّي خَلْفَ مُسَافِرٍ، فَيَجْتَمِعُ لِهَؤُلَاءِ الْقَضَاءُ وَهُوَ مَا فَاتَهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ الْإِمَامِ، وَالْبِنَاءُ وَهُوَ مَا فَاتَهُمْ بَعْدَهُ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ تَقْدِيمُ الْبِنَاءِ. (وَ) مِنْ الْخَفِيفِ (شِبْهِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ كَنَصِّ تَكْبِيرَةِ عِيدٍ أَوْ تَسْمِيعَةٍ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُخَاطَبُ بِالسُّجُودِ لِجَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَقْصِ السُّورَةِ أَوْ التَّشَهُّدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا شَهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْبُطْلَانِ وَعَدَمِ السُّجُودِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَبِتَرْكِ قَبْلِيٍّ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ وَطَالَ لَا أَقَلَّ فَلَا سُجُودٌ. (تَنْبِيهٌ): مَا تَقَدَّمَ مِنْ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ بِشَرْطِ الطُّولِ إنْ كَانَ تَرَكَهُ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ هَكَذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ السَّنْهُورِيُّ: لَا تَبْطُلُ إلَّا بِالطُّولِ وَلَوْ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا، وَأَقُولُ: لَعَلَّ الْأَوْجَهَ كَلَامُ السَّنْهُورِيِّ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّأْخِيرَ الْقَبْلِيَّ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَوْ كَانَ عَمْدًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ إنْ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمْدًا فَإِطْلَاقُ خَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ وَطَالَ مُسْلِمٌ وَتَأَمَّلْهُ، وَلَمَّا كَانَ الْمَجْبُورُ بِالسُّجُودِ مُخْتَصًّا بِنَقْصِ السُّنَنِ قَالَ: (وَلَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ رَكْعَةٍ) كَامِلَةٍ تَيَقَّنَ تَرْكُهَا أَوْ شَكَّ فِيهِ حَالَ تَشَهُّدِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا لِفَرِيضَةٍ أَوْ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ، وَكَيْفِيَّةُ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَانِيًا عَلَى مَا مَعَهُ مِنْ الرَّكَعَاتِ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَسْجُدُ لِنَقْصِ السُّورَةِ إذَا فَاتَتْهُ فِيمَا صَارَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ لِانْقِلَابِ رَكَعَاتِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ حَيْثُ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا. (وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا سُجُودُ السَّهْوِ لِنَقْصِ (سَجْدَةٍ) أَوْ رُكُوعٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُمَا، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَالِ قِيَامِهِ أَوْ تَشَهُّدِهِ قَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالرُّكُوعِ قَبْلَ عَقْدِ مَا يَلِي الرَّكْعَةَ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا بِأَنْ يَرْجِعَ لِلرُّكُوعِ قَائِمًا إنْ ذَكَرَهُ جَالِسًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَارِكُ رُكُوعٍ يَرْجِعُ قَائِمًا، وَتَارِكُ الرَّفْعِ مِنْهُ يَرْجِعُ مُحْدَوْدَبًا، وَتَارِكُ سَجْدَةٍ يَجْلِسُ وَسَجْدَتَيْنِ يَخِرُّ سَاجِدًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَا نَسِيَهُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ إمْكَانِ تَدَارُكِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يُسَلِّمْ إذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْأَخِيرَةِ، وَلَمْ يَعْقِدْ رُكُوعًا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنْ سَلَّمَ بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ الْمَنْقُوصُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ الْأَخِيرَةِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدِ رُكُوعٍ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَدَلَهَا إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ مِنْ ثَلَاثٍ لِاعْتِقَادِهِ كَمَالَ صَلَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا مَعَهُ إنْ قَرُبَ. قَالَ خَلِيلٌ مُفَرِّعًا عَلَى السَّلَامِ وَبَنَى إنَّ قَرُبَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بِإِحْرَامٍ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ وَجَلَسَ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ إنْ كَانَ السَّلَامُ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَإِلَّا حَرُمَ مِنْ الْحَالَةِ الَّتِي فَارَقَ الصَّلَاةَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، وَإِنْ كَانَ النَّقْصُ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَا لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ مَا بَعْدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَ النَّقْصَ حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الَّتِي تَلِيهَا فَإِنَّ الْمَنْقُوصَ مِنْهَا
[ ١ / ٢١٩ ]
فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ وَاخْتُلِفَ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا فَقِيلَ يُجْزِئُ فِيهِ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقِيلَ يُلْغِيهَا وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ، وَقِيلَ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا وَهَذَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] تَبْطُلُ وَتَرْجِعُ الْمَعْقُودَةُ مَكَانَهَا وَتَنْقَلِبُ رَكَعَاتُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَتْ الثَّانِيَةُ أَوْلَى بِبُطْلَانِهَا لِفَذٍّ وَإِمَامٍ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ جَمِيعُ سَجَدَاتِ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَإِنَّ رَكَعَاتِهِ تَبْطُلُ مَا عَدَا الْأَخِيرَةَ فَيُجْبِرُهَا بِالسُّجُودِ لَهَا حَيْثُ لَمْ يُسَلِّمْ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَبَطَلَ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ الْأُوَلِ وَتَرْكُ جَمِيعِ السَّجَدَاتِ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ الْأَرْبَعِ بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّجَدَاتِ حَتَّى سَلَّمَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كُلُّهَا.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) . الْأَوَّلُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَفَ الرُّكْنَ الْمَتْرُوكَ مِنْهَا مِنْ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ، وَأَمَّا لَوْ نَسِيَ فَرِيضَةً وَلَمْ يُدْرِكُونَهَا سَجْدَةً أَوْ رُكُوعًا أَوْ غَيْرَهُمَا فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ الْإِحْرَامَ أَوْ النِّيَّةَ فَيُحْرِمُ بِنِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِسَلَامٍ وَلَا كَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاتِهِ وَيَأْتِي بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ الْإِحْرَامَ وَحْدَهُ أَوْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا تَيَقَّنَ الْإِتْيَانُ بِهِ مِنْ كَوْنِهِ إحْرَامًا أَوْ مَعَ شَيْءٍ بَعْدَهُ، فَمُتَيَقِّنُ الْإِحْرَامِ يَبْنِي عَلَيْهِ أَوْ الْإِحْرَامَ وَالْفَاتِحَةَ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَيْهِمَا وَيَأْتِي بِمَا بَعْدَهُمَا، وَهَكَذَا يَجْعَلُ الْمَشْكُوكَ فِيهِ هُوَ مَا بَعْدَ الْمُتَيَقَّنِ، فَمُتَيَقِّنُ الْإِحْرَامِ فَقَطْ يَجْعَلُ الْمَنْسِيَّ الْفَاتِحَةَ وَهَكَذَا، وَلَا يُقَالُ: لُزُومُ الْإِحْرَامِ بِنِيَّةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْأُولَى بَطَلَتْ أَصْلًا فَلِأَيِّ شَيْءٍ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنْشَاءُ الْإِحْرَامِ مَعَ بَقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْهَا بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ الْإِتْيَانُ بِإِحْرَامٍ مُتَيَقَّنٍ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الْأُولَى كَمَا قَدَّمْنَا لِاحْتِمَالِ وُجُودِ إحْرَامِهِ وَلَا مُوجِبَ لِقَطْعِهِمَا فَيَكُونُ هَذَا الْإِحْرَامُ مَحْضَ زِيَادَةٍ هَذَا إيضَاحُهُ. الثَّانِي: قَوْلُهُمْ الْفَرْضُ الْمَتْرُوكُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَأَمَّا نَحْوُ النِّيَّةِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَلَا يُتَدَارَكَانِ؛ لِأَنَّهُمَا إذَا نُسِيَا لَمْ تُوجَدُ صَلَاتُهُ، فَإِذَا سَهَا عَنْ النِّيَّةِ أَوْ عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ مِنْ أَوَّلِهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَوْ شَكَّ فِي عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَيَقُّنُ تَرْكِ النِّيَّةِ فَلَا شَيْءَ مَعَهُ يَبْنِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا وَيَتَمَادَى مَعَ الْإِمَامِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا. الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّقْصَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَالْمُحَقَّقِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مَا يَشْمَلُ الْوَهْمَ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي نَقْصِ الْفَرَائِضِ كَتَحَقُّقِهِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حَيْثُ لَا اسْتِنْكَاحَ، بِخِلَافِ السُّنَنِ فَلَا يَسْجُدُ لِنَقْصِهَا إلَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ النَّقْصِ أَوْ التَّرَدُّدِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ لَا عِنْدَ تَوَهُّمِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي ذَلِكَ شَفَقَةٌ عَلَى الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ هَذَا الْإِيضَاحُ. (وَلَا) يُجْزِئُ أَيْضًا سُجُودُ السَّهْوِ (لِتَرْكِ الْقِرَاءَةِ) لِلْفَاتِحَةِ (فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا) عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِنْ وُجُوبِ الْفَاتِحَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ الْإِجْزَاءُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ الرَّكَعَاتِ لِحَمْلِ الْإِمَامِ لَهَا، قَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ شُذُوذٌ. (أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يُجْزِئُ سُجُودُ السَّهْوِ (فِي) تَرْكِ الْقِرَاءَةِ عَنْ (رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يُجْزِئُ السُّجُودُ (فِي تَرْكِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ الصُّبْحِ) أَوْ الْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِبَدَلِ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا، فَتُلَخَّصُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَوْ جُلِّهَا أَوْ نِصْفِهَا حَيْثُ فَاتَ تَدَارُكُ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا. وَشَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ أَتَى بِهَا فِي جُلِّ صَلَاتِهِ وَتَرَكَهَا فِي أَقَلِّهَا، وَهُوَ مَفْهُومُ مَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي السَّهْوِ عَنْ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ الصُّبْحِ بَلْ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ، وَأَتَى بِهَا فِي جُلِّ الصَّلَاةِ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ عَنْ الْإِمَامِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدٍ تَرَاهُ فِي مَحَلِّهِ أَشَارَ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: (فَقِيلَ يُجْزِئُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْفَاتِحَةِ مِنْ رَكْعَةٍ (سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ) بِنَاءً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا أَوْ فِي رَكْعَةٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ هَذَا الْقِيلَ بِمَا إذَا فَاتَ تَدَارُكُهَا بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ عَدَمَ قِرَاءَتِهَا إلَّا بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ الرُّكُوعِ بِنَاءً عَلَى عَقْدِهَا بِرَفْعِ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَعَلَى مُقَابِلِهِ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَفُتْ التَّدَارُكُ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا، وَلَوْ كَانَ قَرَأَ السُّورَةَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعِيدُ السُّورَةَ أَوْ لَا؟ وَعَلَى إعَادَتِهَا فَقِيلَ يَسْجُدُ لِزِيَادَتِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ لَا سُجُودَ قَوْلَانِ: فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ السُّجُودِ عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّجُودِ سَجَدَ بَعْدَهُ إنْ ذَكَرَهُ بِالْقُرْبِ وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ سُنَّةٌ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا فَالسُّجُودُ لَهَا أَوْكَدُ مِنْ الْقَبْلِيِّ الْمُرَتَّبِ عَنْ نَقْصِ ثَلَاثِ سُنَنٍ. وَيُفْهَمُ مِنْ الْخِلَافِ فِي إعَادَةِ السُّورَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْفَاتِحَةِ الْمَنْسِيَّةِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بَاقِي الرَّكَعَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ) لَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَاتِحَةِ السُّجُودُ، وَلَوْ مِنْ رَكْعَةٍ وَ(يُلْغِيهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ الْمَتْرُوكَةُ مِنْهَا الْفَاتِحَةُ (وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ) وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا
[ ١ / ٢٢٠ ]
أَحْسَنُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ عَنْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّةً أَوْ الْقُنُوتِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ
وَمَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ لِفَوَاتِ رُكْنِهَا كَمَا لَوْ نَسِيَ سُجُودَهَا أَوْ رُكُوعَهَا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ حَيْثُ جَلَسَ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ بِحَيْثُ قَرَأَ فِيهِمَا الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ الْمَلْغِيَّةِ وَنَقْصِ الْجُلُوسِ وَالسُّورَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ الَّتِي ظَنَّهَا ثَالِثَةً؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ لِجَعْلِهِ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهَا ثَالِثَةً وَيَأْتِي بِرَابِعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَيَجْتَمِعُ لَهُ نَقْصٌ وَزِيَادَةُ الزِّيَادَةِ هِيَ الرَّكْعَةُ الْمَلْغِيَّةُ وَالنَّقْصُ السُّورَةُ وَالْجُلُوسُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ إكْمَالِهَا بِسَجْدَتَيْهَا لَأَلْغَى مَا فَعَلَهُ مِنْ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ، وَاسْتَأْنَفَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُلْغِيهَا وَيَجْعَلُ الثَّانِيَةَ الَّتِي قَامَ لَهَا مَحَلَّهَا، وَإِنْ تَذَكَّرَهَا فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ رُكُوعِهِ فَإِنَّهُ يَقْرَؤُهَا مَعَ السُّورَةِ، وَيَجْعَلُهَا ثَانِيَةً وَيَسْجُدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ سَلَامٍ إذْ مَعَهُ مَحْضُ زِيَادَةٍ، وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَقِيلَ يَسْجُدُ) لَهَا (قَبْلَ السَّلَامِ وَلَا يَأْتِي بِرَكْعَةٍ) بَلْ يَعْتَدُّ بِهَا لِإِغْنَاءِ السُّجُودِ عَنْ إعَادَتِهَا (وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ) نَدْبًا (احْتِيَاطًا) . قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ إتْمَامَ الْأُولَى وَاجِبٌ وَإِعَادَتَهَا مَنْدُوبَةٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ لَا يَكُونُ إلَّا مَنْدُوبًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ الْمُصَلِّيَ بِالِاحْتِيَاطِ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَبِالْإِعَادَةِ افْتَرَقَتْ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ الْأُولَى لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَإِنَّمَا تَمَيَّزَتْ الثَّالِثَةُ عَنْ الْأُولَى بِنَدْبِ إعَادَتِهَا. قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا فَاتَ تَدَارُكُهَا، وَكَانَ التَّذَكُّرُ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ تَدَارُكُهَا بِأَنْ ذَكَرَ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهَا أَوْ وَضْعِ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ لَرَجَعَ لِلْقِرَاءَةِ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّذَكُّرُ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَوْلَانِ بِالْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ شَفْعٍ وَقِيلَ يُشَفِّعُهَا، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ رُكُوعِهَا فَإِنَّهُ يُشَفِّعُهَا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الثَّالِثَةِ قَبْلَ قِيَامِهِ لِلرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يُشَفِّعُهَا وَلَوْ بَعْدَ سُجُودِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِي الرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّ إتْمَامَهَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ كُلُّ قَوْلٍ مِنْ غَيْرِهِ. (وَهَذَا) الْقِيلُ الثَّالِثُ (أَحْسَنُ ذَلِكَ) الْخِلَافِ أَيْ الْمُرْتَضَى مِنْ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَحْسَنَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ بِالْإِعَادَةِ فَفِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ تَرْغِيمِ أَنْفِ الشَّيْطَانِ بِالسُّجُودِ وَالْإِعَادَةِ لِلِاحْتِيَاطِ، وَإِنَّمَا قَالَ: (إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) مَعَ كَوْنِهِ أَحْسَنَ الرِّوَايَاتِ إمَّا لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِمَا قَالَهُ مِنْ الْأَحْسَنِيَّةِ أَوْ لِلتَّبَرُّكِ بِهَا، وَهَذَا مَسْلَكٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْحَسَنِ قَطْعًا مُفَوَّضٌ إلَى اللَّهِ ﷾، وَهَذَا الْفَرْعُ زِيَادَةٌ عَلَى كَلَامِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: وَإِنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ جُلِّ الصَّلَاةِ وَطَوَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ السُّجُودِ فِي تَرْكِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ أَوْ نِصْفِهَا، وَأُولَى جُلِّهَا هِيَ طَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يُنَافِي مَا شَهَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ مِنْ أَنَّ تَرْكَهَا فِي جُلِّ صَلَاتِهِ وَأُولَى نِصْفِهَا يَجْزِيهِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً أَوْ فِي رَكْعَةٍ فَقَطْ، وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا، وَمَا شَهَرَهُ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا فِي نِصْفِ صَلَاتِهِ يَتَمَادَى وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَيُعِيدُ الصَّلَاةَ احْتِيَاطًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ مِنْ رَكْعَةٍ يَسْجُدُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَرَكَ آيَةً مِنْهَا سَجَدَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَلَعَلَّهُ مُرَاعَاةٌ لِمَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِهَا فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً. الثَّالِثُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ تَرْكِهِ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا عَمْدًا، وَمُحَصِّلُهُ كَمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا أَوْ بَعْضَهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ، وَأَمَّا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا جُمْلَةً أَوْ عَلَى وُجُوبِهَا فِي بَعْضِهَا فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُطْلَانُ وَهُوَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ وَحُكِيَ عَلَيْهَا الِاتِّفَاقُ، وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ يَسْجُدُ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ لِمَا عَلِمْت مِنْ حِكَايَةِ بَعْضِهِمْ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِنَقْصِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا كَانَ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً أَوْ خَفِيفَةً مُتَعَدِّدَةً شَرَعَ فِي مُحْتَرَزِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ سَهَا عَنْ تَكْبِيرَةٍ) مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرِ الْعِيدِ وَغَيْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، (أَوْ عَنْ) لَفْظِ (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً) رَاجِعٌ لِلتَّكْبِيرَةِ وَالتَّسْمِيعَةِ (أَوْ) سَهَا عَنْ (الْقُنُوتِ فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) جَوَابُ مَنْ سَهَا؛ لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَإِنْ سَجَدَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا قَبْلَ سَلَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَدِيًا بِإِمَامٍ سَجَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ تَرَكَ السُّجُودَ خَلْفَهُ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ تَكْبِيرَةَ الْعِيدِ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْعِيدِ أَوْ تَسْمِيعَتَيْنِ لَسَجَدَ، وَإِنْ صَحَّتْ
[ ١ / ٢٢١ ]
[ما يفعله من سلم قبل إكمال صلاته لاعتقاده كمالها]
انْصَرَفَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ فَلْيَرْجِعْ إنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا، ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ السَّلَامَ
وَمَنْ لَمْ يَدْرِ مَا صَلَّى أَثْلَاثَ رَكَعَاتٍ أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ، وَأَتَى بِرَابِعَةٍ وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ
وَمَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الصَّلَاةُ بِعَدَمِ السُّجُودِ، وَمِثْلُ التَّكْبِيرَتَيْنِ لَفْظُ التَّشَهُّدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِهِ عَلَى مَا شَهَرَهُ غَيْرُ خَلِيلٍ وَادَّعَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَوْلُنَا غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْفَرْضِ فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ لَهُ. [مَا يَفْعَلُهُ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ كَمَالَهَا] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَفْعَلُهُ مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِاعْتِقَادِهِ كَمَالَهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ انْصَرَفَ) أَيْ خَرَجَ (مِنْ الصَّلَاةِ) بِسَلَامٍ مُعْتَقِدًا كَمَالَهَا (ثُمَّ) بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا بِالسَّلَامِ (ذَكَرَ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (فَلْيَرْجِعْ) وُجُوبًا بِإِحْرَامٍ إلَى تَمَامِ صَلَاتِهِ (إنْ كَانَ) تَذَكَّرَهُ (بِقُرْبِ ذَلِكَ) الِانْصِرَافِ (فَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً يُحْرِمُ بِهَا) أَيْ يَنْوِي بِهَا إتْمَامَ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيَنْدُبُ لَهُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي ذَلِكَ الْإِحْرَامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى إنْ قَرُبَ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بِإِحْرَامٍ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ، وَجَلَسَ لَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ إنْ كَانَ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فَارَقَ الصَّلَاةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ لَمْ يَجْلِسْ. قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَإِذَا قُلْنَا يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي فَارَقَ الصَّلَاةَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ رَجَعَ إلَى الْجُلُوسِ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ فَذَكَرَ وَهُوَ قَائِمٌ رَجَعَ إلَى حَالَةِ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السُّجُودِ، وَأَحْرَمَ مِنْهُ وَلَا يَجْلِسُ، وَحُكْمُ هَذَا الْجُلُوسِ إذَا كَانَ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ الْوُجُوبُ، وَلَكِنْ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ، وَإِذَا جَلَسَ وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يَفْعَلُهُ مَنْ فَارَقَ الصَّلَاةَ مِنْ اثْنَتَيْنِ. (ثُمَّ) بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا (يُصْلِحُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُصَلِّي (مَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْكَحًا فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي. قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَ الْمُصَلِّي فَذًّا أَوْ إمَامًا وَافَقَهُ الْمَأْمُومُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ خَالَفُوهُ فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ رَكْعَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ خِلَافَ مَا أَخْبَرَاهُ بِهِ فَلَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمَا، وَإِنْ كَثُرَ الْمُخْبِرُونَ لَهُ جِدًّا رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَوْ تَيَقَّنَ خِلَافَ مَا أَخْبَرُوهُ بِهِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَ إمَامٌ فَقَطْ لِعَدْلَيْنِ إنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ إلَّا لِكَثْرَتِهِمْ جِدًّا. (وَ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ (إنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ) التَّذَكُّرُ، وَهُوَ مَحْدُودٌ بِالْعُرْفِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ (أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) عِنْدَ أَشْهَبَ (ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ) جَوَابُ إنْ تَبَاعَدَ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ لِلطُّولِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَشْهَبَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ تَبَاعُدٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ صَغِيرًا وَصَلَّى بِقُرْبِ بَابِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ التَّحْدِيدُ لِلْقُرْبِ وَالْبُعْدِ بِالْعُرْفِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ عَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ الْمَحَلُّ الْمَحْصُورُ، فَإِنْ صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ فَالْبَعْدُ عِنْدَهُ أَنْ يَصِلَ الْمُصَلِّي بَعْدَ انْصِرَافِهِ إلَى مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ الِاقْتِدَاءُ بِمَنْ فِيهِ مِمَّنْ يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْمُصَلِّي النَّاسِي. (تَنْبِيهٌ): مَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ عَامِدًا لِاعْتِقَادِهِ إتْمَامَ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا لَوْ سَلَّمَ عَالِمًا عَدَمَ إتْمَامِهَا أَوْ شَاكًّا فِي إتْمَامِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ. قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْبُطْلَانِ: كَمُسْلِمٍ شَكَّ فِي الْإِتْمَامِ، ثُمَّ ظَهَرَ الْكَمَالُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَأَوْلَى لَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْكَمَالِ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ وَأَمَّا الْمُسْتَنْكِحُ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْأَكْثَرِ، وَقَوْلُنَا عَامِدًا إلَخْ لَا يُنَافِي أَنَّهُ سَاهٍ عَنْ الْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ الْإِتْمَامَ سَاهٍ عَنْ النُّقْصَانِ فَافْهَمْ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْإِمَامِ وَالْفَذِّ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ يُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهِ لِظَنِّهِ سَلَامَ إمَامِهِ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ سَلَامَ إمَامِهِ وَيُسَلِّمُ مَعَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَإِلَّا ابْتَدَأَهَا، ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْبِنَاءِ مَعَ الْقُرْبِ وَابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ مَعَ الْبُعْدِ مَنْ كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَنَسِيَ السَّلَامَ عَقِبَ التَّشَهُّدِ مِنْهَا فَقَالَ: (وَكَذَلِكَ مَنْ نَسِيَ السَّلَامَ) وَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى طَالَ طُولًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ أَوْ فَارَقَ مَوْضِعَهُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ بَعْدَ رُجُوعِهِ بِإِحْرَامٍ مِنْ جُلُوسٍ لِيَقَعَ سَلَامُهُ مِنْ جُلُوسٍ عَقِبَ تَشَهُّدٍ ثُمَّ يُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأَعَادَ تَارِكُ السَّلَامِ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ إنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَأَمَّا إنْ تَبَاعَدَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، هَذَا هُوَ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ فِيمَا تَقَدَّمَ الْبِنَاءَ مَعَ الْبُعْدِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ نَاسِيَ السَّلَامِ يُتَصَوَّرُ فِيهِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ: يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ فِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا الطُّولُ الْمُتَوَسِّطُ أَوْ مُفَارَقَةُ الْمَوْضِعِ. الثَّالِثُ: الطُّولُ جِدًّا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. الرَّابِعُ: الْقُرْبُ جِدًّا وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا الِانْحِرَافُ عَنْ الْقِبْلَةِ فَيَعْتَدِلُ وَيُسَلِّمُ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ وَلَا تَشَهُّدٍ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَنْحَرِفَ فَيُسَلِّمَ فَقَطْ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُجُودِ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ مُقَيَّدٌ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ انْحِرَافُهُ مُبْطِلًا كَمَنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو. (وَمَنْ لَمْ يَدْرِ) أَيْ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ (مَا صَلَّى أَثْلَاثَ رَكَعَاتٍ أَمْ أَرْبَعًا) وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا (بَنَى) وُجُوبًا (عَلَى الْيَقِينِ) أَيْ عَلَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ (وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ) أَيْ فِي تَرْكِهِ لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَمَنْ لَمْ يَدْرِ أَسَلَّمَ أَمْ لَمْ يُسَلِّمْ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ
وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فِي السَّهْوِ فَلْيَلْهَ عَنْهُ، وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ عَلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَطَرْحِهِ الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَهُوَ الرَّابِعَةُ فَيَأْتِي بِهَا، فَقَوْلُهُ: (وَأَتَى بِرَابِعَةٍ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مَا شَكَّ فِيهِ (وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ) وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ يَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ نَدْبًا، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا قَابَلَ الْيَقِينَ فَيَشْمَلُ الْوَهْمَ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعًا وَتَوَهَّمَ أَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثًا فَإِنَّهُ يَأْتِي بِرَابِعَةٍ؛ لِأَنَّ الذِّمَّةَ عَامِرَةٌ يَقِينًا فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِأَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الشَّاكَّ فِيمَا صَلَّى يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ. قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَبِهِ أَقُولُ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مَعَ قَوْلِهِ - ﷺ -: «السَّلَامُ إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» وَإِنَّمَا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ فَتَصِيرُ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً فَتَنْقُصُ السُّورَةُ وَالْجُلُوسُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا وَقَعَ فِي التَّوَالِي هَلْ هُوَ فِي الرَّابِعَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؟ تُحَقَّقُ سَلَامَةُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ النَّقْصِ بِأَنْ تُحَقَّقَ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِيهِمَا وَالْجُلُوسُ بَعْدَهُمَا، وَإِلَّا سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لِانْقِلَابِ الرَّكَعَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الشَّكِّ فِي تَرْكِ سَجْدَةٍ أَوْ رُكُوعٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ، أَوْ حَصَلَ شَكٌّ مُرَكَّبٌ بِأَنْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ مَا صَلَّاهُ أَرْبَعٌ أَوْ ثَلَاثٌ هَلْ قَرَأَ السُّورَةَ فِي الْأُولَيَيْنِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ النَّقْصَ يُرَاعَى وَلَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ. (تَنْبِيهٌ): إذَا عَلِمْت أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَتَى بِرَابِعَةٍ تَفْسِيرٌ لِمَا شَكَّ فِيهِ، عَلِمْت أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ الثَّالِثَةُ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ الَّتِي هِيَ الرَّابِعَةُ ثُمَّ قَالَ: وَأَتَى بِرَابِعَةٍ فَهِيَ رَابِعَةٌ فِي اللَّفْظِ خَامِسَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَأَجَابَ بَعْضٌ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: وَأَتَى بِرَابِعَةٍ مِنْ زِيَادَةِ النَّاسِخِ، وَبَعْضٌ بِأَنَّهُ مَحْضُ تَكْرَارٍ، وَأَجَابَ بَعْضٌ؛ لِأَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُوَ أَحْسَنُ، وَعُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِنَا الشَّكَّ بِمَا قَابَلَ الْيَقِينَ دَفَعَ الْإِشْكَالَ فِي كَلَامِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: بَنَى عَلَى الْيَقِينِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَبْنِي عَلَى الظَّنِّ، ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَصَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي مَا ظَنَّ فِعْلَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا تَدَافُعٌ، وَقَدْ عَلِمْت انْدِفَاعَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّرَدُّدَ عَلَى السَّوَاءِ بَلْ مَا قَابَلَ الْيَقِينَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الظَّنُّ. (وَمَنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا) عَنْ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ (سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ) إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ فَذًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ الْإِمَامُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ سَاهِيًا عَنْ الْمُعْتَمَدِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِكَلَامِهِ، وَلَوْ قَلَّ أَوْ وَجَبَ كَالْكَلَامِ لَإِنْقَاذِ أَعْمَى، أَوْ لِإِجَابَةِ الْمُصْطَفَى - ﵇ - عَلَى فَرْضِ وُقُوعِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، إلَّا مَا كَانَ لِإِصْلَاحِهَا فَلَا تَبْطُلُ بِهِ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مَا يَعُدُّهُ الْعُرْفُ كَثِيرًا وَلَوْ تَوَقَّفَ الْإِصْلَاحُ عَلَيْهِ، وَمِثَالُ الْكَلَامِ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ مُعْتَقِدًا كَمَالَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ يَشُكُّ هَلْ كَمُلَتْ أَمْ لَا؟ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّسْبِيحُ فَسَأَلَ مَنْ خَلْفَهُ هَلْ كَمَّلَ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ وَلَا سُجُودَ فِي هَذَا الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ وَإِنْ سَجَدَ لِزِيَادَةِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ سَهْوًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ وَهُوَ: «أَنَّهُ - ﷺ - سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَنَسِيت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ» بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ؟ «فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ، فَالْتَفَتَ فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ» . قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ - ﷺ - تَكَلَّمَ ثُمَّ قَالَ. لَا يُقَالُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ كَانَ بِمَكَّةَ وَقِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ بِمَكَّةَ أَيْضًا قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَتَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ ادَّعَى النَّسْخَ أَيْضًا بِأَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ إسْلَامًا، وَقَوْلُنَا يُسَلِّمُ مُعْتَقِدًا لِلْإِتْمَامِ، وَشَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَسَأَلَ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ شَكَّ قَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ السَّلَامُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ، فَلَوْ سَلَّمَ أَوْ سَأَلَ فِي حَالِ شَكِّهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي إتْمَامِ صَلَاتِهِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ عُرِضَ لَهُ الشَّكُّ بَعْدَ سَلَامِهِ مَعَ اعْتِقَادِ كَمَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ بِالْكَلَامِ وَلَا السَّلَامِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إلَّا الْإِمَامَ يُسَلِّمُ عَلَى يَقِينٍ، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ الشَّكُّ مِنْ كَلَامِ الْمَأْمُومِينَ فَيَجُوزُ لَهُ السُّؤَالُ بِالْكَلَامِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْعِلْمِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ بِإِشَارَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ.
(٢) فَرْعٌ: مَنْ قَالَ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ السَّلَامُ فَقَطْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، الْبُرْزُلِيُّ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يُفْتِي بِأَنَّهُ يَرْجِعُ بِإِحْرَامٍ أَيْ وَيَسْجُدُ، وَسَمِعْت فِي الْمُذَكِّرَاتِ أَنَّهُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَا إحْرَامَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى (وَمَنْ لَمْ يَدْرِ) بَعْدَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ (سَلَّمَ أَمْ لَمْ يُسَلِّمْ) وَتَفَكَّرَ قَلِيلًا (سَلَّمَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ لَوْ شَكَّ هَلْ سَهَا عَنْ شَيْءٍ أَوْ لَمْ يَسْهُ، وَتَفَكَّرَ قَلِيلًا ثُمَّ تَبَيَّنَ عَدَمُ سَهْوِهِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ السُّجُودِ حَيْثُ كَانَ قَرِيبًا، وَلَمْ يَنْحَرِفْ عَنْ الْقِبْلَةِ وَلَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ، فَإِنْ انْحَرَفَ عَنْهَا سَجَدَ وَإِنْ طَالَ زَمَنُ تَفَكُّرِهِ بِأَنْ تَوَسَّطَ، وَمِثْلُهُ لَوْ فَارَقَ مَكَانَهُ بَنَى بِإِحْرَامٍ وَتَشَهُّدٍ وَسَلَّمَ
[ ١ / ٢٢٣ ]
أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَهُوَ الَّذِي يَكْثُرُ ذَلِكَ مِنْهُ يَشُكُّ كَثِيرًا أَنْ يَكُونَ سَهَا زَادَ أَوْ نَقَصَ، وَلَا يُوقِنُ فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَطْ
وَإِذَا أَيْقَنَ بِالسَّهْوِ سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَهُوَ يَعْتَرِيهِ كَثِيرًا أَصْلَحَ صَلَاتَهُ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَإِنْ طَالَ جِدًّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْجُدْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ سَلَامَهُ إمَّا وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَكِلَاهُمَا لَا يَسْجُدُ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مُحْتَرَزُهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ) أَيْ كَثُرَ (الشَّكُّ فِي السَّهْوِ) فِي الصَّلَاةِ (فَلْيَلْهَ عَنْهُ) أَيْ يُعْرِضْ عَنْهُ وُجُوبًا (وَلَا إصْلَاحَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَدَاؤُهُ كَالنَّفَسِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، وَمُخَالَفَتُهُ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ، فَلَوْ بَنَى الْمُسْتَنْكَحُ عَلَى الْأَقَلِّ وَلَمْ يَلْهَ عَنْهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ عَامِدًا كَمَا قَالَ الْحَطَّابُ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْ الْمُسْتَنْكَحِ تَخْفِيفًا عَنْهُ فَإِذَا أَصْلَحَ فَعَلَ الْأَصْلَ، وَلَا يُقَالُ: الشَّكُّ فِي النُّقْصَانِ كَتَحَقُّقِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنْ عُمُومِهِ الْمُسْتَنْكَحَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَكْثَرِ وَلَا يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرَيْهِ، خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَبَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: أَنَّ الْمُوَسْوِسَ يَبْنِي عَلَى أَوَّلِ خَاطِرَيْهِ، فَإِنْ سَبَقَ لَهُ خَاطِرٌ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَمَّتْ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ إنَّهَا لَمْ تَتِمَّ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَنَّهَا تَمَّتْ، وَعَكْسُهُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَالْمُدَوَّنَةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُسْتَنْكَحَ لَمْ يَنْضَبِطْ لَهُ خَاطِرٌ أَوَّلٌ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ الْوِجْدَانُ، إذَا الشَّاكُّ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ إصْلَاحِ الْمُسْتَنْكَحِ عَدَمُ سُجُودِهِ قَالَ: (وَلَكِنْ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُسْتَنْكَحِ (أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ) اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّهُ إلَى الزِّيَادَةِ أَقْرَبُ هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّمَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: فَلْيَلْهَ الْهَاءُ مِنْهُ مَفْتُوحَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُضَارِعُ لَهَى كَعَلِمَ وَخَشِيَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْجَازِمُ حُذِفَتْ أَلِفُهُ وَبَقِيَتْ الْفَتْحَةُ دَلِيلًا عَلَيْهَا، كَمَا فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُعْتَلَّةِ تَبْقَى حَرَكَةُ مَا قَبْلَ حَرْفِ الْعِلَّةِ بَعْدَ حَذْفِهِ، وَمَعْنَى الْإِلْهَاءِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَعَدَمُ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ بِحَيْثُ يَأْتِي بِمَا شَكَّ فِي عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ، ثُمَّ فَسَّرَ حَقِيقَةَ الْمُسْتَنْكَحِ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الْمُسْتَنْكَحُ (الَّذِي يَكْثُرُ ذَلِكَ) أَيْ الشَّكُّ (مِنْهُ) أَيْ الْمُسْتَنْكَحِ، وَذَلِكَ بِأَنْ (يَشُكَّ كَثِيرًا) أَيْ زَمَنًا كَثِيرًا (أَنْ يَكُونَ سَهَا زَادَ أَوْ نَقَصَ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَا يُوقِنُ) بِشَيْءٍ يَبْنِي عَلَيْهِ هَذَا هُوَ مَعْنَى الِاسْتِنْكَاحِ، وَفَسَّرَ ابْنُ عُمَرَ الْكَثْرَةَ بِأَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَحٍ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَظَهَرَ لِي أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ مَا جَرَى فِي مَسْأَلَةِ السَّلَسِ، فَإِذَا زَادَ مِنْ إتْيَانِهِ عَلَى زَمَنِ عَدَمِ إتْيَانِهِ أَوْ تَسَاوَيَا فَهُوَ مُسْتَنْكَحٌ، وَإِنْ قَلَّ زَمَنُ إتْيَانِهِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَحٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ إتْيَانِهِ الْوَقْتَ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ، بَلْ الْمُرَادُ الْأَيَّامُ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا وَلَوْ مَرَّةً فَقَطْ، فَإِذَا أَتَاهُ يَوْمًا وَانْقَطَعَ يَوْمًا وَهَكَذَا أَوْ أَتَاهُ يَوْمَيْنِ وَيَنْقَطِعُ الثَّالِثَ وَهَكَذَا كَانَ مُسْتَنْكَحًا، وَأَمَّا لَوْ أَتَاهُ يَوْمًا وَانْقَطَعَ عَنْهُ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَحٍ، بَلْ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْحَنَفِيَّةُ السَّمْحَةُ أَيْ الشَّرِيعَةُ السَّهْلَةُ أَنَّ الِاسْتِنْكَاحَ مَا يَشُقُّ مَعَهُ الْوُضُوءُ فِي الشَّكِّ فِي الْوُضُوءِ، وَفِي الصَّلَاةِ مَا تَشُقُّ مَعَهُ الصَّلَاةُ،؛ لِأَنَّهُ لَا يُلَفَّقُ شَكُّ الْوُضُوءِ إلَى الشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: (فَلْيَسْجُدْ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَطْ) مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ بَعْدَ السَّلَامِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يُوقِنُ تَكْرَارٌ فِي الْمَعْنَى مَعَ قَوْلِهِ يَشُكُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَشُكُّ لَا يُوقِنُ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ فِي كَلَامِهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ وَالْوَاجِبُ عَكْسُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْهَى عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَصَوَّرَ، وَأَحْسَنُ مَا يُجَابُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصَوُّرِ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَقْدِيمُ التَّصْدِيقِ عَلَى التَّصْوِيرِ لِلْغَيْرِ لَا عَلَى التَّصَوُّرِ، وَالْوَاجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى التَّصْدِيقِ هُوَ التَّصَوُّرُ لَا التَّصْوِيرُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ كَانَ مُتَصَوِّرًا لِلْمُسْتَنْكَحِ قَبْلَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَلْهَى عَنْهُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الشَّاكِّ بِقِسْمَيْهِ غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ وَالْمُسْتَنْكَحِ شَرَعَ فِي السَّاهِي بِقِسْمَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا أَيْقَنَ) الْمُصَلِّي (بِالسَّهْوِ) بِأَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ (سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ) بِالْإِتْيَانِ بِالْمَنْسِيِّ بِأَنْ تَذَكَّرَ فِي تَشَهُّدِهِ أَنَّهُ نَسِيَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا مِنْ أُولَاهُ أَوْ ثَانِيَتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا، وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ، لِأَنَّ مَعَهُ مَحْضُ زِيَادَةٍ إنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ زَادَ رَكْعَةً أَوْ سُجُودًا قَبْلَ السَّلَامِ إنَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ تَمَامِ صَلَاتِهِ وَقَبْلَ سَلَامِهِ أَنَّ نَقْصَ السُّورَةِ أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ لَفْظَ تَشَهُّدٍ مَعَ جُلُوسِهِ أَوْ بِدُونِهِ كَمَا قَدَّمْنَا، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: سَجَدَ بَعْدَ إصْلَاحِ صَلَاتِهِ إحَالَةٌ عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ مَحْضَ الزِّيَادَةِ يَسْجُدُ لَهَا بَعْدَ السَّلَامِ، وَغَيْرَهَا يَسْجُدُ لَهَا قَبْلَهُ. (فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ) السَّهْوُ (مِنْهُ فَهُوَ يَعْتَرِيهِ كَثِيرًا) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ كَثُرَ (أَصْلَحَ صَلَاتَهُ) بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا تَيَقَّنَ نِسْيَانُهُ وَعَدَمُ الْإِتْيَانِ بِهِ (وَلَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ السَّهْوُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَمَحَلُّ الْإِصْلَاحِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ، فَالْمَنْسِيُّ إنْ كَانَ سُورَةً أَتَى بِهَا مَا لَمْ يَنْحَنِ وَيَضَعْ يَدَيْهِ عَلَى
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَمَنْ قَامَ مِنْ اثْنَيْنِ رَجَعَ مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَإِذَا فَارَقَهَا تَمَادَى، وَلَمْ يَرْجِعْ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ
وَمَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] رُكْبَتَيْهِ، وَمِثْلُهَا السِّرُّ وَالْجَهْرُ وَتَكْبِيرُ الْعِيدِ، وَإِلَّا فَاتَتْ وَلَا سُجُودَ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ السَّهْوِ عَنْ الْجُلُوسِ الْوَسَطُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا لَوْ كَانَ السَّهْوُ عَنْهُ فَرْضًا كَرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَيَكْفِيهِ إصْلَاحُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَحْدَهُ إنْ لَمْ يَعْقِدْ رُكُوعَ الرَّكْعَةِ الْوَالِيَةِ لِلْمَنْسِيِّ مِنْهَا لِبُطْلَانِهَا وَلَا سُجُودَ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: شَاكٌّ غَيْرُ مُسْتَنْكَحٍ وَأَشَارَ إلَيْهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَدْرِ إلَخْ، وَشَاكٌّ مُسْتَنْكَحٌ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ إلَخْ، فَالْأَوَّلُ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ، وَالثَّانِي يَسْجُدُ وَلَا يُصْلِحُ، وَسَاهٍ غَيْرُ مُسْتَنْكَحٍ وَهَذَا كَالشَّاكِّ غَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ، وَالرَّابِعُ السَّاهِي الْمُسْتَنْكَحُ وَهُوَ عَكْسُ الشَّاكِّ الْمُسْتَنْكَحِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُصْلِحُ فَقَطْ، وَالثَّانِي يَسْجُدُ فَقَطْ، وَغَيْرُ الْمُسْتَنْكَحِ يُصْلِحُ وَيَسْجُدُ مُطْلَقًا، وَالتَّفْرِقَةُ فِي الْمُسْتَنْكَحِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السَّاهِي وَالشَّاكِّ أَنَّ السَّاهِيَ يَضْبِطُ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَنْكَحًا أَمْ لَا، وَالشَّاكُّ بِقِسْمَيْهِ لَا يَضْبِطُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ. الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ خَالَفَ الْمُسْتَنْكَحُ لِلسَّهْوِ وَسَجَدَ، وَنَظَرَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ - ﵀ - بِقَوْلِهِ: وَلَوْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَانَ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ إنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَمْ لَا؟ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ أَنَّهُ يَسْجُدُ وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا أَصْلَحَ مَا سَهَا عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُصْلِحْ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ لَهُ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَسْتَنْكِحْهُ السَّهْوُ فَيَجْرِي فِيهِ حُكْمُهُ، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ أَوْ بِرَكْعَةٍ إنْ فَاتَ تَدَارُكُهُ، وَإِنْ كَانَ سُنَّةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَدَارَكَ مَا نَسِيَهُ مِنْ السُّنَنِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ الْمُسْتَنْكَحِ وَلَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَعَمَّدَ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ بِالْأُولَى مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ إذَا خَالَفَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَأَصْلَحَ بِأَنْ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ وَزَادَ رَكْعَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي خِفَّةِ زِيَادَةِ السُّجُودِ عَنْ زِيَادَةِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ وَحَرَّرَهُ. الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ أَنَّ السَّهْوَ الذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ أَمْ لَا، وَالنِّسْيَانُ الذُّهُولُ عَنْ الشَّيْءِ بَعْدَ ذِكْرِهِ فَهُوَ أَخَصُّ. قَالَ صَاحِبُ شَرْحِ الْمَوَاقِفِ: السَّهْوُ زَوَالُ الْمَعْلُومِ مِنْ الْقُوَّةِ الْمُدْرَكَةِ مَعَ بَقَائِهِ فِي الْحَافِظَةِ، وَالنِّسْيَانُ زَوَالُهُ مِنْهَا وَمِنْ الْحَافِظَةِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّاكِّ وَالسَّاهِي بَعْدَ ضَبْطِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَتَذَكَّرُ مَا سَهَا عَنْهُ. (وَمَنْ قَامَ) أَيْ تَزَحْزَحَ وَهَمَّ لِلْقِيَامِ (مِنْ اثْنَتَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ نَاسٍ لِلْجُلُوسِ (سَهْوًا رَجَعَ) لِلْجُلُوسِ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ سَرِيعًا (مَا لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ) جَمِيعًا فَإِذَا رَجَعَ تَشَهَّدَ كَمَّلَ صَلَاتَهُ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ لِيَسَارَةِ مَا حَصَلَ مِنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَارِكِ السُّنَّةِ عَمْدًا، فَحُكْمُ الرُّجُوعِ الْوُجُوبُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالسُّنِّيَّةُ عَلَى الثَّانِي، وَأَمَّا لَوْ تَمَادَى عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَرْجِعْ سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ وَطَالَ زَمَنُ التَّرْكِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ الْقَبْلِيِّ الْمُتَرَتِّبِ عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ: الْجُلُوسِ وَمُطْلَقِ التَّشَهُّدِ وَخُصُوصِ اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَحَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى مَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ تَارِكًا لِلْجُلُوسِ، وَمَنْ لَازَمَهُ تَرْكُ التَّشَهُّدِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ: وَرَجَعَ تَارِكُ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يُفَارِقْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَلَا سُجُودَ وَإِلَّا فَلَا، لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ جَلَسَ وَقَامَ نَاسِيًا التَّشَهُّدَ فَلَا يَرْجِعُ لَهُ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَلَفْظُهُ: لَوْ جَلَسَ الْجِلْسَةَ الْوُسْطَى وَنَسِيَ التَّشَهُّدَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ حَتَّى نَهَضَ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا سُجُودَ فِي تَرْكِهِ كَالتَّسْبِيحِ، فَإِنْ رَجَعَ لِلتَّشَهُّدِ بَعْدَ نُهُوضِهِ لِلْقِيَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إذَا رَجَعَ لِلْجُلُوسِ، قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. (فَإِذَا فَارَقَهَا) أَيْ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ (تَمَادَى) عَلَى الْقِيَامِ وُجُوبًا لَتَلَبُّسِهِ بِفَرْضٍ (وَلَمْ يَرْجِعْ) لِلْجُلُوسِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ (وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ) فَلَوْ خَالَفَ وَرَجَعَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَبْطُلُ إنْ رَجَعَ، وَلَوْ اسْتَقَلَّ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالرُّجُوعِ، وَإِذَا رَجَعَ فَلَا يَنْهَضُ حَتَّى يَتَشَهَّدَ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ مُعْتَدٍّ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَنْقَلِبُ سُجُودُهُ الْقَبْلِيُّ بَعْدِيًّا، فَلَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ عَمْدًا بَعْدَ رُجُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا عَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ؟ وَإِذَا كَانَ إمَامًا تَبِعَهُ مَأْمُومُهُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، فَلَوْ لَمْ يَتْبَعْهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: حَمَلْنَا الْقِيَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ: مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّتَانِ يُتَشَهَّدُ فِي وَسَطِهِمَا، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّافِلَةَ إذَا قَامَ مِنْهَا بَعْدَ اثْنَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ يَرْجِعُ، وَلَوْ اسْتَقَلَّ قَائِمًا إلَّا أَنْ يَعْقِدَ الثَّالِثَةَ بِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ رُكُوعِهِمَا، وَإِلَّا كَمَّلَهَا أَرْبَعًا وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَقِيلَ بَعْدَهُ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ
[ ١ / ٢٢٥ ]
[ذكر صلاة نسيها]
ذَكَرَ صَلَاةً صَلَّاهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا عَلَى نَحْوِ مَا فَاتَتْهُ ثُمَّ أَعَادَ مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا صَلَّى بَعْدَهَا
وَمَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَرُكْبَتَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَنْكَحًا لِلسَّهْوِ، وَلَا يُقَالُ: مَنْ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ يُصْلِحُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْإِصْلَاحُ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ، وَبَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَرْضِ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ فَاتَهُ الْجُلُوسُ لِتَلَبُّسِهِ بِالْفَرْضِ وَلَا يَرْجِعُ مِنْهُ لِسُنَّةٍ، وَقَيَّدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَدَمَ الرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ الْفِقْهَ نَقْلِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ. الثَّالِثُ: قَدْ قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَبْطُلُ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَمَامِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إبْطَالَ رُكْنٍ، وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْفَاتِحَةُ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُقْرَأُ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. الرَّابِعُ: وَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فِي نَحْوِ السُّورَةِ إذَا رَجَعَ لَهَا بَعْدَ الِانْحِنَاءِ أَوْ السِّرِّ أَوْ الْجَهْرِ، فَهَلْ يَصِحُّ قِيَاسُ مَا ذَكَرَ عَلَى الْجُلُوسِ بِجَامِعٍ أَنَّ كُلًّا يُفَوِّتُ الشُّرُوعَ فِي الرُّكْنِ الَّذِي بَعْدَهُ؟ فَبَعْضٌ سَمِعْنَا مِنْهُ عَدَمَ بُطْلَانِ صَلَاةِ مَنْ رَجَعَ لِنَحْوِ السُّورَةِ بَعْدَ انْحِنَائِهِ، قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِ مَنْ رَجَعَ لِلْجُلُوسِ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ قَائِمًا، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ الْفِقْهَ نَقْلِيٌّ. الْخَامِسُ: قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: يَقُومُ مِنْ عَدَمِ رُجُوعِ مَنْ فَارَقَ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ تَارِكًا لِلْجُلُوسِ، وَمَنْ نَسِيَ السُّورَةَ حَتَّى انْحَنَى، أَنَّ نَاسِيَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لَا يَرْجِعُ لَهُمَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي غَسْلِ وَجْهِهِ بَلْ يَتَمَادَى وَيَفْعَلُهُمَا بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ بِالرُّجُوعِ عَلَى غَيْرِ النَّاسِي، وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا شَرَعَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ الثَّانِي لِاعْتِقَادِ أَنَّهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُهَا لِلْمُؤَذِّنِ، الثَّالِثُ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. [ذَكَرَ صَلَاةً نَسِيَهَا] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ السَّهْوِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ فَقَالَ: (وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً) نَسِيَهَا مِنْ إحْدَى الْخَمْسِ (صَلَّاهَا) وُجُوبًا (مَتَى مَا ذَكَرَهَا) وَلَوْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا، أَوْ ظَنُّهُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيَفْعَلْهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وَقْتُهَا» وَفِي مُسْلِمٍ: «فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَمَا فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مُتَعَمِّدَ التَّرْكِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَيِّ وَقْتٍ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّائِمِ وَالسَّاهِي بِخِلَافِ الْمُتَعَمِّدِ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ صَلَاتِهَا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى فِعْلِهَا، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْتَلُ إذَا عَانَدَ فِي فِعْلِهَا؟ فَقِيلَ يُقْتَلُ، وَقِيلَ لَا، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ عَدَمُ قَتْلِهِ بِالْفَائِتَةِ فَإِنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقَيَّدْنَا بِمُحَقِّقَةِ التَّرْكِ أَوْ الْمَظْنُونَةِ؛ لِأَنَّ الْمَشْكُوكَ فِي تَرْكِهَا وَعَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا، وَلَكِنْ يَتَوَقَّى الْفَاعِلُ أَوْقَاتَ النَّهْيِ وُجُوبًا فِي نَهْيِ الْحُرْمَةِ وَنَدْبًا فِي نَهْيِ الْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا الْوَهْمُ وَالتَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ فَلَا يَجِبُ بِهِمَا وَلَا يُنْدَبُ قَضَاءٌ كَمَا قَالَهُ الْحَطَّابُ، وَلَا يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَقْصَ الْفَرَائِضِ وَلَوْ الْمَوْهُومَ كَالْمُحَقَّقِ فَأَوْلَى الْفَرْضُ الْكَامِلُ الْمَوْهُومُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَرْضِ الْمُحَقَّقِ الْخِطَابُ بِهِ، وَمَا هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ خِطَابٌ فَافْهَمْ، وَمِنْ هُنَا عُلِمَ خَطَأُ بَعْضِ الْمُطَاوَعَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِقَضَاءِ صَلَاةِ زَمَنٍ مِنْ الصِّبَا أَوْ مُدَّةِ الْبَطْنِ، وَيُسَمُّونَهَا صَلَاةً وَهُوَ جَهْلٌ مِنْهُمْ، وَيُفَوِّتُ الْإِنْسَانُ بِهِ ثَوَابَ النَّفْلِ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا. (عَلَى نَحْوِ) أَيْ صِفَةِ (مَا فَاتَتْهُ) مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ أَوْ قَصْرٍ أَوْ إتْمَامٍ، وَقُنُوتٍ فِي صُبْحٍ وَتَطْوِيلِ قِرَاءَةٍ، وَقِرَاءَةٍ بِسُورَةٍ فِي الثُّنَائِيَّةِ وَأُولَتَيْ غَيْرِهَا، وَاسْتَثْنُوا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْمَرَضِ وَقَضَاهَا فِي الصِّحَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْجُلُوسَ فِي الْمَرَضِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ خَفَّ مَعْذُورٌ انْتَقَلَ لِلْأَعْلَى. وَعَكْسُهُ مَنْ فَاتَتْهُ فِي الصِّحَّةِ يَقْضِيهَا وَلَوْ مِنْ جُلُوسٍ، أَوْ فَاتَتْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَمْ يَقْضِهَا إلَّا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْفَوَائِتِ أَوْ عَكْسُهُ. (ثُمَّ) إنْ كَانَ ذَكَرَهَا بَعْدَ فِعْلِ صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ (أَعَادَ مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا صَلَّى بَعْدَهَا) بَيَانٌ لِمَا، وَالضَّمِيرُ فِي وَقْتِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى الْفَرْضِ وَلِذَا ذَكَرَ الضَّمِيرَ، وَالضَّمِيرُ فِي بَعْدَهَا عَلَى الْمَنْسِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ صَلَّى فَرِيضَةً فِي وَقْتِهَا الْحَاضِرِ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهَا فَائِتَةٌ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا وَهِيَ خَمْسُ أَوْ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ بَعْدَ صَلَاةِ تِلْكَ الْفَائِتَةِ إعَادَةُ تِلْكَ الْحَاضِرَةِ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا مَا دَامَ وَقْتُهَا وَلَوْ الضَّرُورِيَّ لِحُصُولِ التَّرْتِيبِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَ فِي وَقْتِهِ عَمَّا فَاتَهُ وَقْتُهُ فَلَا يُعَادُ، مِثْلُ ذَلِكَ أَنْ يَنْسَى الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَيُعِيدُ الصُّبْحَ إذَا كَانَ التَّذْكِيرُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِبَقَاءِ وَقْتِهَا، وَلَا يُعِيدُ الْعِشَاءَ لِفَوَاتِ وَقْتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَقَطْ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمُعِيدُ إمَامًا فَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِهِ صَلَاتَهُ خِلَافٌ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا إعَادَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاجِحُ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّاجِحُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَادِلُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَطَائِفَةٌ، وَقَيَّدْنَا الْفَائِتَةَ بِالْيَسِيرَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَلَّى حَاضِرَةً ثُمَّ ذَكَرَ فَائِتَةً كَثِيرَةً وَهِيَ سِتٌّ أَوْ خَمْسٌ فَإِنَّ الْحَاضِرَةَ تَقَدَّمَ عَلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِهَا، فَلَا يَتَأَتَّى إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ قَضَائِهَا فَافْهَمْ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الضَّرُورِيَّ. قَالَ خَلِيلٌ فِي يَسِيرِ الْفَوَائِتِ مَعَ الْحَاضِرَةِ: فَإِنْ خَالَفَ وَلَوْ عَمْدًا أَعَادَ
[ ١ / ٢٢٦ ]
[ترتيب الفائتة]
[ذكر صلاة وهو متلبس بصلاة حاضرة]
صَلَّاهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَكَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ
وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً أَقَلَّ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَدَأَ بِهِنَّ، وَإِلَّا فَاتَ وَقْتُ مَا هُوَ فِي وَقْتِهِ وَإِنْ كَثُرَتْ بَدَأَ بِمَا تَخَافُ فَوَاتَ وَقْتِهِ
وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ هَذِهِ عَلَيْهِ
وَمَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَهَا وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ وَإِنْ كَانَ مَعَ إمَامٍ تَمَادَى وَأَعَادَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِوَقْتِ الضَّرُورِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاتِهَا بِثَوْبٍ نَجَسٍ عَلَى جِهَةِ السَّهْوِ أَوْ الْعَجْزِ، فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تُعَادُ فِيهِ هُوَ الْمُخْتَارُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِعَادَةِ لِلنَّجَاسَةِ وَبَيْنَ الْإِعَادَةِ لِلتَّرْتِيبِ بِتَأَكُّدِ التَّرْتِيبِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَإِنْ خَافَ خُرُوجَ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ، وَبِالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ. (وَمَنْ) تَرَتَّبَ (عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ) وَهِيَ مَا زَادَ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَقِيلَ أَوْ سَاوَاهُمَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْسِيَّةً أَوْ مَتْرُوكَةً عَمْدًا. (صَلَّاهَا) وُجُوبًا فَوْرًا (بِكُلِّ) أَيْ فِي كُلٍّ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا) أَوْ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ، وَهَذَا حَيْثُ كَانَتْ مُحَقَّقَةَ التَّرْكِ أَوْ مَظْنُونَتَهُ، وَأَمَّا لَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ، فَيَتَوَقَّى أَوْقَاتَ النَّهْيِ وُجُوبًا فِي نَهْيِ الْحُرْمَةِ وَنَدْبًا فِي نَهْيِ الْكَرَاهَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا وَإِنْ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ سَابِقًا: مَنْ ذَكَرَ إلَخْ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْوَاحِدَةَ وَالْأَكْثَرَ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَّا صُبْحَ يَوْمِهِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ، وَدَلِيلُنَا عُمُومُ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى مَا ذَكَرَهَا إلَى أَنْ قَالَ: فَذَلِكَ وَقْتُهَا. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ (كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ) وَلَوْ فِي حَالِ الْمَرَضِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ مِنْ جُلُوسٍ، وَلَوْ فَاتَتْهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرِ: حَالَ الْفِعْلِ لَا حَالَ الْوُجُوبِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: كَيْفَمَا تَيَسَّرَ لَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَغْلُ زَمَانِهِ بِالْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا يُوَسِّعُ لَهُ فِي الضَّرُورَاتِ الَّتِي لَا غِنًى لَهُ عَنْهَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ كَثِيرَةٌ أُمِرَ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَتَى قَدَرَ وَوَجَدَ السَّبِيلَ إلَى ذَلِكَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ دُونَ أَنْ يُضَيِّعَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ حَوَائِجِ دُنْيَاهُ مِنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَصِغَارِ أَوْلَادِهِ الْفُقَرَاءِ أَوْ أَبَوَيْهِ الْفُقَرَاءِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ دَرْسُ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَالتَّمْرِيضُ وَإِشْرَافُ الْقَرِيبِ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ صَلَوَاتُ النَّفْلِ قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ إلَّا الصَّلَاةَ الْمَسْنُونَةَ كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَمَا خَفَّ مِنْ النَّوَافِلِ دُونَهَا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالشَّفْعِ لِاتِّصَالِهِمَا بِالْوِتْرِ لَا مَا كَثُرَ كَقِيَامِ رَمَضَانَ فَلَا يَفْعَلُهُ، فَإِنْ فَعَلَهُ أَثِمَ مِنْ وَجْهٍ وَأُجِرَ مِنْ وَجْهٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ إثْمِ التَّأْخِيرِ إلَّا بِفِعْلِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: يَخْرُجُ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا يُعَدُّ مُفَرِّطًا بِصَلَاةِ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ضَعِيفٍ.
(٢) (فَرْعٌ) لَوْ أَجَّرَ شَخْصٌ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ إجَارَةٍ لَازِمَةٍ وَهِيَ الْوَجِيبَةُ أَوْ الْمُشَاهَرَةُ مَعَ نَقْدِ الْأُجْرَةِ، ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ مَنْسِيَّاتٍ يَمْنَعُهُ قَضَاؤُهَا عَنْ الْعَمَلِ لَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ كَإِقْرَارِ مَنْ رَهَنَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ قَبْلَ رَهْنِهِ لِلتُّهْمَةِ فِي الْجَمِيعِ. وَلِمَا بَيَّنَ أَنَّ الْفَائِتَةَ يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا عَلَى مَا بَيَّنَّا [تَرْتِيبِ الْفَائِتَةِ] شَرَعَ فِي حُكْمِ تَرْتِيبِ الْفَائِتَةِ مَعَ الْحَاضِرَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْفَوَائِتُ (يَسِيرَةً) وَهِيَ مَا كَانَتْ (أَقَلَّ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) أَوْ قَدْرَ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (بَدَأَ بِهِنَّ) وُجُوبًا قَبْلَ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ سَوَاءٌ اتَّسَعَ الْوَقْتُ أَمْ لَا بَلْ. (وَإِنْ فَاتَ) أَيْ خَافَ فَوَاتَ (وَقْتُ مَا هُوَ فِي وَقْتِهِ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْوَاجِبِ: وَيَسِيرُهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ خِلَافٌ؟ فَإِذَا خَالَفَ وَقَدَّمَ الْحَاضِرَةَ عَلَى يَسِيرِ الْفَوَائِتِ وَلَوْ عَامِدًا صَحَّتْ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ فِعْلِ الْفَائِتَةِ وَلَوْ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ. قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ خَالَفَ وَلَوْ عَمْدًا أَعَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَفِي إعَادَةِ مَأْمُومِيهِ خِلَافٌ، وَقَدَّمْنَا بَيَانَ الرَّاجِحِ وَأَشْعَرَ التَّقْيِيدُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْحَاضِرَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنْ وَجَبَ مَعَ الذِّكْرِ، وَيَدْخُلُ فِي الْفَائِتَةِ الْيَسِيرَةُ مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ أَوْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُ الْأَخِيرَةَ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، فَإِنْ خَالَفَ وَقَدَّمَ الْحَاضِرَةَ صَحَّتْ مَعَ الْإِثْمِ فِي الْعَمْدِ دُونَ النِّسْيَانِ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا إعَادَةٌ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ. (وَ) مَفْهُومُ الْيَسِيرَةِ أَنَّ الْفَوَائِتَ (إنْ كَثُرَتْ) بِأَنْ زَادَتْ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سَاوَتْ عَلَى الْخِلَافِ فِي يَسِيرِهَا (بَدَأَ بِمَا يَخَافُ فَوَاتُ وَقْتِهِ) مِنْ الْحَاضِرَةِ، فَإِنْ اتَّسَعَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ، وَإِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ عَنْ فِعْلِ الْفَائِتَةِ وَالْحَاضِرَةِ قَدَّمَ الْحَاضِرَةَ، هَذَا مَا ارْتَضَاهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِبَعْضِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَنَّ الْحَاضِرَةَ تُقَدَّمُ عَلَى كَثِيرِ الْفَوَائِتِ مُطْلَقًا وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، لَكِنْ وُجُوبًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَنَدْبًا عِنْدَ اتِّسَاعِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ حُكْمَ مَنْ ذَكَرَ الْفَوَائِتَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي صَلَاةٍ حَاضِرَةٍ [ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاةٍ حَاضِرَةٍ] شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاةٍ حَاضِرَةٍ فَقَالَ: (وَمَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي صَلَاةٍ فَسَدَتْ هَذِهِ) الْمَذْكُورَةُ فِيهَا (عَلَيْهِ) بِمُجَرَّدِ ذِكْرِهَا إنْ كَانَتَا حَاضِرَتَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْمَذْكُورَةُ فَائِتَةً بِأَنْ خَرَجَ وَقْتُهَا لَمْ تُفْسِدْ الْمَذْكُورَ فِيهَا إلَّا إنْ أَفْسَدَهَا، وَلَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِالْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِإِفْسَادِهِ، أَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ حَاضِرَةٍ فِي حَاضِرَةٍ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْحَاضِرَتَيْنِ وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ
[ ١ / ٢٢٧ ]
[مبطلات الصلاة]
التَّبَسُّمِ
، وَالنَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ وَالْعَامِدُ لِذَلِكَ مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ
وَمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ
وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْحَاضِرَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ، بَلْ يَجِبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ يَسِيرَةً أَوْ كَثِيرَةً، وَأَمَّا تَرْتِيبُهَا مَعَ الْحَاضِرَةِ فَيَجِبُ فِي الْيَسِيرَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ، وَأَمَّا مَعَ الْكَثِيرَةِ فَعِنْدَ خَلِيلٍ يُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ مُطْلَقًا، وَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ ضِيقِ الْوَقْتِ فَتُقَدَّمُ الْحَاضِرَةُ وَاتِّسَاعِهِ فَتُقَدَّمُ الْفَائِتَةُ. قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ: وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقًا، وَمَعَ ذِكْرِ تَرْتِيبِ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطًا، وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا وَيَسِيرُهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا، وَهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ خِلَافٌ؟ فَإِنْ خَالَفَ وَلَوْ عَمْدًا أَعَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوُجُوبِ الشَّرْطِيِّ وَغَيْرِ الشَّرْطِيِّ أَنَّ الشَّرْطِيَّ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَقَيَّدْنَا بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ ثَانِيَةَ الْحَاضِرَةِ عَلَى الْأُولَى نَاسِيًا، وَاسْتَمَرَّ نَاسِيًا حَتَّى سَلَّمَ صَحَّتْ وَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فَقَطْ، وَإِنْ قَدَّمَهَا مَعَ الْعَمْدِ بَطَلَتْ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ ذَكَرْت الْأُولَى فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الذِّكْرُ ابْتِدَاءً أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَسَادِ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ عِنْدَ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ. [مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي مَبْحَثِ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: (وَمَنْ ضَحِكَ) أَيْ قَهْقَهَ (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَهَا) لِبُطْلَانِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً لِمُنَافَاتِهَا لِلصَّلَاةِ لِطَلَبِ الْخُشُوعِ فِيهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ وَلَوْ كَانَ ضَحِكُهُ فَرَحًا بِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَهْلِ تُونُسَ وَالْقَرَوِيِّينَ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَصَوَّبَ ابْنُ نَاجِي صِحَّةَ صَلَاتِهِ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِعَدَمِ قَصْدِ اللَّعِبِ، وَأَقُولُ بِرَدِّ تَعْلِيلِ بُطْلَانِ صَلَاةِ النَّاسِي وَالْمَغْلُوبِ، فَلَعَلَّ الصَّوَابَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ وَالْمُدَوَّنَةِ، نَعَمْ يَظْهَرُ صِحَّةُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْقَهْقَهَةِ كُلَّمَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَرْكُهَا بِوَجْهٍ، كَمَا قَالُوهُ فِي مُعْتَادِ سَلَسِ الْحَدْسِ كُلَّمَا تَوَضَّأَ، بِخِلَافِ مَنْ عَادَتُهُ كُلَّمَا صَامَ يَشْتَدُّ عَطَشُهُ الْمُوجِبُ لِلْفِطْرِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِمْسَاكَ بِوَجْهٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ الْإِطَاقَةُ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَلَسِ الْقَهْقَهَةِ أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مُنَافٍ لِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ، وَالْحَدَثُ شَرَطُوا فِيهِ الْخُرُوجَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لَا مَا خَرَجَ بِالْمَرَضِ كَالسَّلَسِ فَلَا يُنْتَقَضُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَعَادَهَا إمَامًا أَوْ فَذًّا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيَقْطَعُ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ، وَوَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَخْلِفُ فِي الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ، وَيَرْجِعُ مَأْمُومًا عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ رُجُوعِهِ مَأْمُومًا مَعَ الْإِعَادَةِ أَبَدًا مُرَاعَاةُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ مِنْ الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ نِسْيَانًا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ دُونَ الْكَلَامِ النِّسْيَانِ؟ فَالْجَوَابُ: شِدَّةُ مُنَافَاتِهَا لِلْخُشُوعِ بِخِلَافِ الْكَلَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَهْدٌ عَمَدَهُ فِي الصَّلَاةِ لِإِصْلَاحِهَا حَتَّى مِنْهُ - ﷺ -، وَلَمَّا كَانَتْ الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ لَا عِنْدَ إمَامِنَا قَالَ: (وَلَمْ يُعِدْ) مِنْ قَهْقَهَةٍ فِي صَلَاتِهِ (الْوُضُوءَ)؛ لِأَنَّ النَّاقِضَ عِنْدَنَا إمَّا حَدَثٌ أَوْ سَبَبٌ أَوْ رِدَّةٌ أَوْ شَكٌّ فِي حَدَثٍ، وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ) الضَّاحِكُ بِالْقَهْقَهَةِ (مَعَ إمَامٍ تَمَادَى) وُجُوبًا لَحِقَ إمَامَهُ، وَقِيلَ: نَدْبًا عَلَى صَلَاةٍ بَاطِلَةٍ. (وَأَعَادَ) صَلَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ أَبَدًا لِبُطْلَانِهَا، وَمَحَلُّ التَّمَادِي عَلَى الْمَأْمُومِ فِي ضَحِكِهِ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ بِقَهْقَهَةٍ وَتَمَادَى الْمَأْمُومُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّرْكِ بِشَرْعِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةُ جُمُعَةٍ، وَلَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَمَادِيهِ ضَحِكُ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ، وَإِلَّا قُطِعَتْ فِي الْجَمِيعِ، وَهَذِهِ إحْدَى مَسَاجِينِ الْإِمَامِ نَبَّهَ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُصَلِّي وَلَوْ فَذًّا (فِي التَّبَسُّمِ) وَهُوَ تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْوِيتٍ، وَمَعْنَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَا سُجُودَ عَلَيْهِ فِي السَّهْوِ، وَلَا بُطْلَانَ فِي الْعَمْدِ أَوْ الْجَهْلُ غَيْرُ الْعَمْدِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَهَا وَلَوْ سَهْوًا، وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فِي الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ. (تَنْبِيهٌ): حُكْمُ التَّبَسُّمِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الْجَوَازُ وَفِيهَا الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ فَيَحْرُمَ، وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فَلَا نِزَاعَ فِي حُرْمَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَحَرَامٌ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ ضَحِكَ فِي الدُّنْيَا بَكَى فِي الْآخِرَةِ»؛ وَلِأَنَّ الضَّحِكَ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ بِنُورِ الْوَجْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عَجِبْت مِنْ ضَاحِكٍ وَالنَّارُ وَرَاءَهُ، وَعَجِبْت مِنْ مَسْرُورٍ وَالْمَوْتُ وَرَاءَهُ، وَلَعَلَّ قَوْلَ الصُّوفِيَّةِ بِحُرْمَتِهَا لِأَمْرٍ يُدْرِكُونَهُ مِنْهَا: لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ لَحَرَّمَهَا، وَإِلَّا فَالصُّوفِيَّةُ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الشَّرْعِ. (وَالنَّفْخُ) مِنْ الْفَمِ (فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ) فَإِنْ وَقَعَ سَهْوًا وَلَمْ يَكْثُرْ سَجَدَ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ. (وَالْعَامِدُ لِذَلِكَ) وَالْجَاهِلُ لِحُكْمِهِ (مُفْسِدٌ لِصَلَاتِهِ) وَلَوْ قَلَّ مِنْهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ حَرْفٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا النَّفْخُ مِنْ الْأَنْفِ فَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَلَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِعْلُهُ عَبَثًا، وَإِلَّا جَرَى عَلَى الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - مِنْ قَوْلِهِ: «النَّفْخُ فِي الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ» وَالظَّاهِرُ رَفْعُهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ،
[ ١ / ٢٢٨ ]
[من أخطأ القبلة في الصلاة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَأَيْضًا قَدْ «قَالَ - ﷺ - لِرَبَاحٍ وَهُوَ يَنْفُخُ فِي التُّرَابِ: مَنْ نَفَخَ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ» وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا رُوِيَ، وَمَفْهُومٌ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ النَّفْخَ فِي غَيْرِهَا لَيْسَ بِكَلَامٍ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ لَا يَحْنَثُ بِنَفْخِهِ، أَوْ حَلَفَ لَيَتَكَلَّمَنَّ لَا يَبِرُّ بِنَفْخِهِ.
(٢) (فُرُوعٌ تَشْتَدُّ حَاجَةُ الطَّالِبِ لِمَعْرِفَتِهَا) مِنْهَا: التَّنَحْنُحُ فِي الصَّلَاةِ لِضَرُورَةٍ لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ وَلَا سُجُودَ يَسْجُدُ، وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلَانِ الْمُخْتَارُ مِنْهُمَا عِنْدَ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْإِبْطَالِ بِهِ لِغَيْرِهَا، وَلَكِنْ قَيَّدَهُ السَّنْهُورِيُّ بِمَا إذَا فَعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَبَثًا، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ تَبَعًا لِلَّخْمِيِّ لِغَيْرِهَا أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالصَّلَاةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ فَعَلَهُ لِحَاجَةٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقَةٍ بِهَا كَإِعْلَامِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ تَنَحْنَحَ عَبَثًا عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ لَبَطَلَتْ وَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ الْبُطْلَانِ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: ظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَلَوْ فَعَلَهُ عَبَثًا حَيْثُ قَلَّ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ السَّنْهُورِيِّ أَوْجَهُ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنَّ الْجُشَاءَ وَالتَّنَخُّمَ كَالتَّنَحْنُحِ فِي أَحْكَامِهِ.
(٣) (الْفَرْعُ الثَّانِي) التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: إنْ فَعَلَهُ غَلَبَةً فَمُغْتَفَرٌ، وَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا سَجَدَ غَيْرُ الْمَأْمُومِ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ. (الْفَرْعُ الثَّالِثُ) الْأَنِينُ لِلْوَجَعِ فِي الصَّلَاةِ، الْمَذْهَبُ عَدَمُ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ، وَمِثْلُهُ الْبُكَاءُ إذَا كَانَ بِلَا صَوْتٍ حَصَلَ اخْتِيَارًا أَوْ غَلَبَةً كَانَ لِتَخَشُّعٍ أَوْ لَا، إلَّا أَنْ يَكْثُرَ اخْتِيَارًا، وَإِلَّا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِصَوْتٍ فَإِنْ كَانَ اخْتِيَارًا أَبْطَلَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَلَبَةً فَإِنْ كَانَ لِخُشُوعٍ لَمْ يُبْطِلْ وَلِغَيْرِ خُشُوعٍ يُبْطِلُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَيْثُ لَمْ يَكْثُرْ وَإِلَّا أَبْطَلَ، هَذَا مُلَخَّصُ قَوْلِ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ: الْبُكَاءُ الْمَسْمُوعُ إذَا كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُشُوعِ يَلْحَقُ بِالْكَلَامِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ إذَا قَامَ فِي مَقَامِك لَمْ يُسْمِعْ النَّاسَ مِنْ الْبُكَاءِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ هَلْ هُوَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ مِنْ النَّاسِ؟ لَمَا رَأَوْا أَبَا بَكْرٍ قَامَ مَقَامَ الْمُصْطَفَى - ﷺ -» وَفِي مُسْلِمٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ. وَالْمُرَادُ بِبُكَاءِ التَّخَشُّعِ الْبُكَاءُ لِخَوْفِ اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ فِي الْبُكَاءِ سُرُورًا لِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ هَلْ هُوَ كَالضَّحِكِ قَهْقَهَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ الصَّوَابُ فِيهِ الْبُطْلَانُ بِهِ أَمْ لَا؟ اُنْظُرْ النَّصَّ الصَّرِيحَ فِي ذَلِكَ وَيَظْهَرُ الْبُطْلَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَلَبَةً فَيَكُونُ عَبَثًا فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَهْقَهَةِ وَالْكَلَامِ فِيمَا مَرَّ. [مَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فِي الصَّلَاة] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: (وَمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى مُجْتَهِدًا فِي جِهَتِهَا أَوْ مُقَلِّدًا غَيْرَهُ عَدْلًا عَارِفًا أَوْ مِحْرَابًا لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ وَكَانَ الْخَطَأُ بِغَيْرِ نِسْيَانٍ. (أَعَادَ فِي الْوَقْتِ) أَيْ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ فِي وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ، وَاحْتُرِزَ بِالْخَطَأِ عَمَّنْ خَالَفَ الْقِبْلَةَ عَمْدًا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَتْ إنْ خَالَفَهَا وَإِنْ صَادَفَ، فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْعَمْدِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ كَالتَّتَائِيِّ وَالزَّرْقَانِيِّ، وَقَوْلُنَا فِي الْمُجْتَهِدِ إذَا اجْتَهَدَ أَوْ قَلَّدَ غَيْرَهُ عَدْلًا عَارِفًا احْتِرَازٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي تَحَيَّرَ وَاخْتَارَ جِهَةً وَصَلَّى لَهَا، وَالْمُقَلِّدِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَتَخَيَّرَ جِهَةً وَصَلَّى لَهَا فَإِنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَوْلُنَا: وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ كَانَ يُصَلِّي لِهَؤُلَاءِ وَأَخْطَأَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَيُعِيدُهَا أَبَدًا حَيْثُ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ، سَوَاءٌ كَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا، هَذَا هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ إنَّمَا يَسْتَقْبِلُ عَيْنَ الْكَعْبَةِ وَإِنْ بِمَشَقَّةٍ، وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ يُصَلِّي إلَى مِحْرَابِهِ - ﷺ -، وَمِثْلُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي صَلَّى إلَيْهَا - ﵊ -، فَإِنَّ قِبْلَتَهَا مُسَامِتَةٌ لِلْكَعْبَةِ فَلَا يُصَلِّي إلَّا إلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِقِبْلَتِهَا، وَلَا يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، وَقِبْلَةُ جَامِعِ عَمْرٍو مُجْمَعٌ عَلَى مُسَامَتَتِهَا لِلْكَعْبَةِ أَيْضًا، وَقَوْلُنَا بَعْدَ أَنْ صَلَّى يُشْعِرُ بِأَنَّ الْخَطَأَ تَبَيَّنَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ فِي أَثْنَائِهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ بِصَلَاةٍ قَطَعَ غَيْرُ أَعْمَى وَمُنْحَرِفٍ يَسِيرًا، وَهُوَ الْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ كَثِيرًا بِأَنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ، وَأَمَّا الْأَعْمَى مُطْلَقًا، وَالْبَصِيرُ الْمُنْحَرِفُ يَسِيرًا فَيَسْتَقْبِلَانِهِ اوَلَا يَقْطَعَانِ، فَإِنْ تَرَكَا الِاسْتِقْبَالَ عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُمَا بِخِلَافِ الْبَصِيرِ الْمُنْحَرِفِ كَثِيرًا، وَلَفْظُ الْأُجْهُورِيِّ: أَمَّا لَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلَانِهَا فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ فِيهِمَا فِي الْيَسِيرِ بَاطِلَةٌ لِغَيْرِ الْأَعْمَى فِي الْكَثِيرِ، وَأَقُولُ: جَعْلُهُ الْبُطْلَانَ لِغَيْرِ الْأَعْمَى فِي الْكَثِيرِ مُرَتَّبًا عَلَى عَدَمِ الِاسْتِقْبَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْبَلَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْخَطَأِ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ خَلِيلٍ: قَطَعَ غَيْرُ أَعْمَى، دُونَ أَنْ يَقُولَ بَطَلَتْ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ عُذْرُهُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ عَلَى الْخَطَأِ وَتَلَبُّسُهُ بِالصَّلَاةِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَقَوْلُنَا: بِأَنْ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَطَأِ الْيَسِيرِ، فَإِنَّهُ لَا تَنْدُبُ لِأَجْلِهِ إعَادَةٌ فِي حَقِّ الْأَعْمَى مُطْلَقًا وَلَا الْبَصِيرِ فِي الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا تَنْدُبُ فِي حَقِّ الْبَصِيرِ الْمُنْحَرِفِ كَثِيرًا؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ عِنْد تَبَيُّنِ الْخَطَأِ فِي الْأَثْنَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُؤْمَرُ بِالْقَطْعِ بَلْ بِالِاسْتِقْبَالِ وَهُوَ الْأَعْمَى مُطْلَقًا أَوْ
[ ١ / ٢٢٩ ]
بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَى مَكَان نَجِسٍ
وَكَذَلِكَ مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ مُخْتَلِفٍ فِي نَجَاسَتِهِ
وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] غَيْرُهُ فِي الْيَسِيرِ، وَفَرَضْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ حَصَلَ لَهُ الْخَطَأُ بِغَيْرِ النِّسْيَانِ، وَأَمَّا مَنْ أَخْطَأَ نَاسِيًا فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ يُعِيدُ النَّاسِي أَبَدًا بِلَا خِلَافٍ، وَالْمُرَادُ نَسِيَ إمَّا مَطْلُوبِيَّةَ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ نَسِيَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَقِيلَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَالْخِلَافُ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا جَاهِلُ حُكْمِ الِاسْتِقْبَالِ فَيُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ أَخْطَأَ لِغَيْرِ نِسْيَانٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَمَنْ أَخْطَأَ لِنِسْيَانٍ؟ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْإِعَادَةِ أَبَدًا أَوْ فِي الْوَقْتِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ النَّاسِيَ عِنْدَهُ تَفْرِيطٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ قَدْ فَعَلَ مَقْدُورَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ أَوْ التَّقْلِيدِ لِلْعَدْلِ الْعَارِفِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي قِبْلَةِ الِاجْتِهَادِ وَالتَّخْيِيرِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: مَنْ صَلَّى بِوَاحِدٍ مِنْ مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ جَامِعِ عَمْرٍو بِالْفُسْطَاطِ فَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ، وَلَوْ كَانَ أَعْمَى مُنْحَرِفًا يَسِيرًا، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ بَعْدَهَا فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَائِرَ الْمَحَارِيبِ الْكَائِنَةِ بِالْمَدِينَةِ لَوْ صَلَّى إلَيْهَا كَمِحْرَابِ قُبَاءَ حُكْمُهُ حُكْمُ مِحْرَابِ مَسْجِدِهِ - ﵊ -. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَمِمَّا ذَكَرْنَا وُجُوبُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ لَكِنْ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ. وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ مَعَ ظُهُورِ الْعَلَامَاتِ لَهُ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ، وَابْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ: مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ كَافِرٌ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ، فَإِنْ رَجَعَ تَرَكَ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَدِلَّتِهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: دَلِيلُ الْقِبْلَةِ بِالنَّهَارِ أَنْ تَسْتَقْبِلَ ظِلَّكَ عِنْدَ وُقُوفِكَ قَبْلَ الْأَخْذِ فِي الزِّيَادَةِ فَذَلِكَ قِبْلَتُكَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجْرِي فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَاَلَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُقَلِّدُهُ وَلَوْ مِحْرَابًا صَحِيحًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الْمَغْرِبَ فِي صَلَاتِهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، أَوْ يَجْعَلَ الْمَشْرِقَ أَمَامَ وَجْهِهِ، وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي أَيِّ زَمَنٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ انْحِرَافٌ يَكُونُ يَسِيرًا، وَهُوَ لَا يَضُرُّ عِنْدَنَا، فِيمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وَمِنْ جُمْلَةِ الْعَلَامَاتِ لِمَنْ كَانَ مِصْرِيًّا أَنْ يَجْعَلَ الْقُطْبَ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى، وَإِنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَإِنْ كَانَ بِالشَّامِ يَجْعَلُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ يَجْعَلُهُ أَمَامَهُ، فَإِنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَقْبِلًا، فَإِنَّ الْعِرَاقَ مُقَابِلٌ لِمِصْرِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَالشَّامَ مِنْ جِهَةِ شِمَالِ مُسْتَقْبِلِ قِبْلَةِ مِصْرَ، وَالْيَمَنَ فِي جَنُوبِهِ، وَقَوْلُنَا إنْ كَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَلَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ غَيْرَهُ وَلَا مِحْرَابًا إلَّا لِمِصْرِ وَإِنْ أَعْمَى، وَسَأَلَ عَنْ الْأَدِلَّةِ، وَقَلَّدَ غَيْرَهُ مُكَلَّفًا عَارِفًا أَوْ مِحْرَابًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمُقَلِّدُ مَنْ يُقَلِّدُهُ أَوْ تَخَيَّرَ الْمُجْتَهِدُ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ جِهَةً تَرْكَنُ إلَيْهَا نَفْسُهُ وَيُصَلِّي، وَإِنْ صَلَّى لِلْأَرْبَعِ جِهَاتٍ لَكَانَ فِعْلُهُ حَسَنًا لِاخْتِيَارِ بَعْضِ الشُّيُوخِ لَهُ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ بِكُلِّ وَجْهٍ كَالْمُصَلِّي فِي حَالَةِ الِالْتِحَامِ أَوْ مِنْ تَحْتِ هَدْمٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ كَمَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ سَفَرَ قَصْرٍ عَلَى دَابَّةِ النَّافِلَةِ لِجِهَةِ سَيْرِهَا وَلَوْ كَانَتْ وِتْرًا، وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ وَإِجْحَافِ الْمُصَنِّفِ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ (مَنْ صَلَّى) فَرِيضَةً (بِثَوْبٍ نَجِسٍ) أَوْ مُتَنَجِّسٍ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا وَاتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَكَانَتْ تِلْكَ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، أَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا، لَكِنْ صَلَّى نَاسِيًا لَهَا حَتَّى أَتَمَّ صَلَاتَهُ. (أَوْ) صَلَّى (عَلَى مَكَان نَجِسٍ) فَإِنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ أَيْضًا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ، وَأَمَّا مَعَ الْعَمْدِ وَالْقُدْرَةِ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ وَتُعَادُ أَبَدًا، وَقِيلَ: إنَّهَا سُنَّةٌ فَتُعَادُ فِي الْوَقْتِ وَلَوْ مَعَ الْعَمْدِ وَالْقُدْرَةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُ جَرْيَهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ صَلَاتِهِ عَاجِزًا عَنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوْ نَاسِيًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ بِهَا عَامِدًا عَلَى الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ إنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالصُّبْحِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا ضَرُورِيَّ لَهَا وَلِلْأَسْفَارِ الْأَعْلَى عَلَى مُقَابِلِهِ. (تَنْبِيهٌ) أَشْعَرَ قَوْلُهُ صَلَّى أَنَّهُ لَمْ يَتَذَكَّرْ النَّجَاسَةَ فِي الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا لَبَطَلَتْ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهَا كَمَا لَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ فِيهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَسُقُوطُهَا فِي صَلَاةِ مُبْطِلٍ كَذِكْرِهَا فِيهَا لَا قَبْلَهَا، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ الْبُطْلَانُ بِمَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا بِوُجُودِ الْمُطْلَقِ وَاتِّسَاعِ الْوَقْتِ، وَمِثْلُ وُجُودِ الْمُطْلَقِ الثَّوْبُ أَوْ الْمَكَانُ الطَّاهِرُ فَيُصَلِّي فِي غَيْرِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يُكْمِلُ، وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِ مَا عَلَيْهِ أَوْ تَحَوُّلِهِ إلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ لِبُطْلَانِهَا بِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ إزَالَتِهَا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهَا، وَلَا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ إزَالَتِهَا أَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا، وَأَمَّا لَوْ رَآهَا فِي ثَوْبِهِ، وَهَمَّ بِقَطْعِهَا فَنَسِيَهَا وَتَمَادَى فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَنَسِيَهَا وَصَلَّى فَالْمَشْهُورُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا لَوْ رَآهَا فِي ثَوْبِ إمَامِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ إنْ قَرُبَ مِنْهُ، وَإِذَا بَعُدَ أَعْلَمَهُ بِالْكَلَامِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ تَبَعِيَّتُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ أَوْ مَكَانِهِ بَلْ يَسْتَخْلِفُ
[ ١ / ٢٣٠ ]
أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ
وَرُخِّصَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ، وَكَذَلِكَ فِي طِينٍ وَظُلْمَةٍ
يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلَ الْوَقْتِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يُؤَخِّرُ قَلِيلًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ثُمَّ يُقِيمُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّيهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْإِمَامُ، وَلَوْ الَّذِي أَعْلَمَهُ بِالنَّجَاسَةِ حَيْثُ لَمْ يَتْبَعْهُ بَعْدَ الْعِلْمِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِبُطْلَانِهَا عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَأَمَّا مَنْ سَجَدَ أَوْ جَلَسَ عَلَى نَجَاسَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا فَقِيلَ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ عَلِمَ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ شَرَّقَ أَوْ غَرَّبَ قَطَعَ وَابْتَدَأَ صَلَاتَهُ بِإِقَامَتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ عَرَفَةَ: يُتِمُّ صَلَاتَهُ مُتَنَحِّيًا عَنْهَا، وَأَمَّا مَنْ رَأَى فِي صَلَاتِهِ نَجَاسَةً بِعِمَامَتِهِ بَعْدَ سُقُوطِهَا يَقْطَعُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إلَى أَنَّهُ يَتَمَادَى وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَهَذِهِ فُرُوعٌ حِسَانٌ قَلَّ أَنْ تَجِدَهَا مَجْمُوعَةً هَكَذَا فَاحْرِصْ عَلَيْهَا. (وَكَذَلِكَ) أَيْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ (مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجَسٍ) الْأُولَى مُتَنَجِّسٌ لِقَوْلِهِ: (مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ) كَالْقَلِيلِ الَّذِي حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، سَوَاءٌ تَوَضَّأَ بِهِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، وَبَعْدَ الْوُضُوءِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمُصَنِّفِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لِابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ، وَمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَائِلَ بِالنَّجَاسَةِ يَكْتَفِي بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ، وَالْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ يَقُولُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالنَّجَاسَةِ، وَاَلَّذِي فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ بِهَذَا الْمَاءِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَأَقُولُ: قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ بِعَدَمِ إعَادَةِ مُسْتَعْمِلِهِ إنْ كَانَ لِنَصٍّ صَرِيحٍ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فَلَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ لَا يُنَافِي نَدْبَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ، فَلَعَلَّ الْأَحْوَطَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ مِنْ نَدْبِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ. (وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ) أَوْ اغْتَسَلَ (بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ) وَلَوْ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ (لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ) بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِبًا مِنْ طَاهِرٍ كَلَبَنٍ أَوْ نَجَسٍ كَبَوْلٍ (أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ) وَاسْتِنْجَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ وَحُكْمَ الْخُبْثِ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ، وَهُوَ الْبَاقِي عَلَى أَوْصَافِ خِلْقَتِهِ غَيْرَ مُسْتَخْرَجٍ مِنْ نَبَاتٍ وَلَا حَيَوَانٍ لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِعَادَةِ بَيْنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ أَوْ الِاخْتِيَارِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ هُوَ مَعَهُ التَّيَمُّمُ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الصَّلَاةِ جَمْعُهَا فَتُصَلَّى إحْدَاهُمَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا إمَّا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَسْبَابُهُ سِتَّةٌ: الْمَطَرُ وَحْدَهُ وَالطِّينُ وَالظُّلْمَةُ وَعَرَفَةُ وَالْمُزْدَلِفَةُ وَالسَّفَرُ وَالْمَرَضُ وَحُكْمُهُ مُخْتَلِفٌ، وَبَيَّنَ كُلًّا فِي مَحَلِّهِ، فَأَشَارَ إلَى الْجَمْعِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ بِقَوْلِهِ: (وَرُخِّصَ) أَيْ سُهِّلَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ أَوْ السُّنِّيَّةِ (فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ الْمَطَرِ) الْغَزِيرِ الَّذِي يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى تَغْطِيَةِ رُءُوسِهِمْ بِحَيْثُ يَشُقُّ مَعَهُ الْوُصُولُ إلَى الْمَنَازِلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاقِعِ أَوْ الْمُتَوَقَّعِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَاخْتَصَّ الْجَمْعُ بِالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِلْمَطَرِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ وَرَدَ بِهِمَا الْخَبَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ السُّنَّةِ: إذَا كَانَ يَوْمَ مَطَرٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَيْضًا إنَّمَا يَفْعَلَانِ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ مَحَلُّ الظُّلْمَةِ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ لَفْظِ الرُّخْصَةِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ تَكُونُ سُنَّةً وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: الْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ سُنَّةٌ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ: الْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَقَدْ فَعَلَهُ - ﷺ - وَالْخُلَفَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَفِعْلُهُمْ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ نَسْخٌ، وَأُلْحِقَ بِالْمَطَرِ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ رَخَّصَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (فِي) كُلِّ لَيْلَةٍ ذَاتِ (طِينٍ وَظُلْمَةٍ) لِكَوْنِهَا مِنْ لَيَالِيِ آخِرِ الشَّهْرِ لَا ظُلْمَةَ الْغَيْمِ نَهَارًا، فَلَا يُجْمَحُ لِأَجْلِهَا وَلَوْ انْضَمَّ لَهَا طِينٌ أَوْ رِيحٌ شَدِيدٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ ذَلِكَ الْجَمْعُ فِي حَقِّ أَرْبَابِ الْمَسَاجِدِ السَّاكِنَةِ بِغَيْرِهَا رِفْقًا بِهِمْ فِي تَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ زَائِدَةٍ بِسَبَبِ ذَهَابِهِمْ قَبْلَ شِدَّةِ الظَّلَّامِ اللَّاحِقَةِ لَهُمْ إنْ صَبَرُوا لِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجْمَعُ أَرْبَابُ الْمَسَاجِدِ الْمُعْتَكِفَةِ بِهَا إلَّا تَبَعًا لِمَنْ مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ كَالْمُجَاوِرِينَ بِالْأَزْهَرِ الْمُنْقَطِعِينَ بِهِ لَا يَجْمَعُونَ إلَّا تَبَعًا لِلْإِمَامِ الَّذِي مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِخْلَافٌ مِنْ مَنْزِلِهِ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُعْتَكِفُ يُصَلِّي مَأْمُومًا تَبَعًا.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) . الْأَوَّلُ: لَوْ صَلَّى شَخْصٌ الْمَغْرِبَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْجَمَاعَةَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الدُّخُولُ مَعَهُمْ حَيْثُ يَطْمَعُ فِي إدْرَاكِ رَكْعَةٍ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، وَنِيَّةُ الْإِمَامِ الْجَمْعُ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُمْ فَرَغُوا أَوْ فِي التَّشَهُّدِ فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ وَيُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ لِلشَّفَقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ الَّذِي دَخَلَهُ وَوَجَدَ أَهْلَهُ قَدْ جَمَعُوا أَحَدَ الْمَسَاجِدِ مَكَّةَ أَوْ
[ ١ / ٢٣١ ]
[أسباب الجمع وصفته]
ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُقِيمُ ثُمَّ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ إسْفَارٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ
وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ
، وَكَذَلِكَ فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَدِينَةَ أَوْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ لِعِظَمِ فَضْلِهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا. الثَّانِي: الَّذِي مَنْزِلُهُ مُتَّصِلٌ بِالْجَامِعِ وَلَمْ يَأْتِ الْجَامِعُ لَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ تَبَعًا لِأَهْلِ الْجَامِعِ، فَلَوْ خَالَفَ وَجَمَعَ مَعَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ جَمْعِهِمْ تَبَعًا لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ. [أَسْبَاب الْجَمْع وَصِفَته] ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ الْجَمْعِ لِلْمَطَرِ أَوْ الطِّينِ مَعَ الظُّلْمَةِ بِقَوْلِهِ: (يُؤَذِّنُ لِلْمَغْرِبِ أَوَّلَ الْوَقْتِ) عَلَى جِهَةِ السُّنِّيَّةِ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ) عَلَى الْمَنَابِرِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ حُكْمُ الْمُعْتَادِ. (ثُمَّ يُؤَخِّرُ) الْمَغْرِبَ نَدْبًا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ (قَلِيلًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ) بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ لِاخْتِصَاصِ الْأُولَى بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَقِيلَ قَدْرَ حَلْبِهِ شَاةً، وَقَوْلُ مَالِكٍ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعِلَّةُ التَّأْخِيرِ لِيَأْتِيَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ، وَلَا يُقَالُ: وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَضِيقٌ فَتَأْخِيرُهَا مُنَافٍ لِذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ: تَأْخِيرُهَا مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِامْتِدَادِ اخْتِيَارَيْهَا لِلشَّفَقِ، فَإِنَّ لَهُ قُوَّةً فِي بَابِ الْجَمْعِ رِفْقًا بِالنَّاسِ فِي حُصُولِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ، وَأَيْضًا نَصُّوا عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا لِمُحَصِّلِي الشُّرُوطِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا. (ثُمَّ) بَعْدَ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا (يُقِيمُ) الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ (فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَيُصَلِّيهَا) أَيْ الْمَغْرِبَ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ؛ لِأَنَّ تَقْصِيرَهَا مَطْلُوبٌ فِي غَيْرِ هَذَا فَهَذَا أَوْلَى. (ثُمَّ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَانْصِرَافِ الْإِمَامِ مِنْ مَحَلِّ صَلَاتِهِ (يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ) إثْرَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ وَلَا تَحْمِيدٍ مِنْ الْمُؤَذِّنِ (فِي دَاخِلِ) صَحْنِ (الْمَسْجِدِ) بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْدُوبًا، وَعِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ يُسَنُّ الْأَذَانُ عَلَى الْمَنَارِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ لِيُعْلِمَ أَهْلَ الْبُيُوتِ. (وَيُقِيمُ) لِلْعِشَاءِ (ثُمَّ يُصَلِّيهَا) سَرِيعًا (ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ) إلَى مَنَازِلِهِمْ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (عَلَيْهِمْ الْإِسْفَارُ) أَيْ بَقِيَّةً مِنْ نُورِ النَّهَارِ بِحَيْثُ يَصِلُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ (قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ) . (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا: ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَانْصِرَافِهِ إلَخْ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَبْقَى فِي مَحَلِّهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ الْجُزُولِيَّ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: هَلْ يَنْصَرِفُ مِنْ مَحَلِّهِ أَوْ يَسْتَمِرُّ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ إذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَعُودُ اهـ. وَأَقُولُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ: وَلْيَنْصَرِفْ الْإِمَامُ إلَخْ يَشْمَلُ هَذَا. الثَّانِي: قَوْلُهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إلَخْ لَوْ جَمَعُوا وَلَمْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ أَعَادُوا الْعِشَاءَ وَقِيلَ لَا إعَادَةَ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: يَنْصَرِفُونَ وَعَلَيْهِمْ الْإِسْفَارُ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ الْوِتْرَ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ كَتَرَاوِيحِ رَمَضَانَ. الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ طَلَبِ انْصِرَافِهِمْ بَعْدَ الْعِشَاءِ أَنَّهُمْ لَا يَشْتَغِلُونَ بِنَفْلٍ وَلَا غَيْرِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَنَفُّلَ بَيْنَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا، وَإِذَا وَقَعَ وَنَزَلَ وَتَنَفَّلَ بَيْنَهُمَا لَا يُمْنَعُ الْجَمْعُ إلَّا أَنْ تَكْثُرَ النَّوَافِلُ بِحَيْثُ يَدْخُلُ وَقْتُ الظُّلْمَةِ الشَّدِيدَةِ فَيَفُوتُ الْجَمْعُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ التَّنَفُّلِ الْكَرَاهَةُ، وَلَا وَجْهَ لِحُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَثُرَ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَاتُ وَاجِبٍ إذْ الْجَمْعُ مَنْدُوبٌ أَوْ مَسْنُونٌ وَالْمُفَوِّتُ لِأَحَدِهِمَا لَا يُحَرَّمُ فِعْلُهُ فَتَأَمَّلْهُ. الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ نِيَّةِ الْجَمْعِ وَلَا مَحَلَّهَا، وَمَحِلُّهَا عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الصَّلَاةِ الْأُولَى، وَتُطْلَبُ مِنْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فَقِيلَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَظْهَرُ أَثَرُ الْجَمْعِ فِيهَا، وَقِيلَ فِيهِمَا وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي، فَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَبَطَلَتْ عَلَى الثَّانِي حَيْثُ تَرَكَهَا فِيهِمَا، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا فِي الثَّانِيَةِ وَأَتَى بِهَا فِي الْأُولَى فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهَا وَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ وَلَا يُصَلِّيهَا إلَّا عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وَأَمَّا لَوْ تَرَكَهَا عِنْدَ الْأُولَى وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ فَإِنَّهَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهَا مَشْرُوطَةٌ بِنِيَّةِ الْإِمَامَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَتَرْكِ الْإِمَامِ نِيَّةَ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمْعِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي ثَالِثِ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ) يَوْمَ الْوُقُوفِ وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الْعِيدِ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) جَمْعُ تَقْدِيمٍ (عِنْدَ الزَّوَالِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَخْطُبَ لِلنَّاسِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَجْلِسَ فِي وَسَطِهَا، وَلِذَلِكَ سَمَّاهَا خَلِيلٌ خُطْبَتَيْنِ، ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لَهَا، وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ يَنْزِلُ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ بَعْدَ صَلَاتِهَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْعَصْرِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بِأَذَانٍ) لِكُلِّ صَلَاةٍ (وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) وَلَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَجْمُوعَةِ. قَالَ زَرُّوقٌ: وَنَظَرَ الْأُجْهُورِيُّ فِي التَّنَفُّلِ بَعْدَ الصَّلَاتَيْنِ فِي جَمْعِ الظُّهْرَيْنِ وَفِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ صَلَّى فِي رَحْلِهِ كَفَتْهُ الْإِقَامَةُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَذَانٍ، وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى ذَلِكَ فَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي رَحْلِهِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَيَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ السُّنَّةَ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ تَرْكُ جَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَالصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ سِرِّيَّةٌ وَتُصَلَّى الظُّهْرُ فِي عَرَفَةَ، وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: جَمَعَ الرَّشِيدُ مَالِكًا وَأَبَا يُوسُفَ فَسَأَلَهُ أَبُو يُوسُفَ
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَصَلَ إلَيْهَا
وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ بِالْمُسَافِرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَإِذَا ارْتَحَلَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى جَمَعَ حِينَئِذٍ
وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يُصَلِّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ صَلَّاهَا؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ وَصَلَّى بَعْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ وَهَذِهِ جُمُعَةٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ كَمَا يَجْهَرُ بِالْجُمُعَةِ، فَسَكَتَ أَبُو يُوسُفَ وَسَلَّمَ. وَأَشَارَ إلَى رَابِعِ الْأَسْبَابِ لِلْجَمْعِ وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) الْحُكْمُ (فِي جَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ (بِالْمُزْدَلِفَةِ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ وَمَحَلُّهُ (إذَا وَصَلَ إلَيْهَا) بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلَّا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ الْخَفِيفَةِ، بِأَنْ يُؤَذِّنَ لِلْمَغْرِبِ بَعْدَ الشَّفَقِ وَيُقِيمَ لَهَا فَإِذَا صَلُّوهَا وَفَرَغُوا مِنْهَا يُؤَذِّنُ لِلْعِشَاءِ وَيُقِيمُ لَهَا وَيُصَلُّونَهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِتَسْبِيحٍ وَلَا تَنَفُّلٍ كَسَائِرِ الْجُمُوعِ، لَا يُتَنَفَّلُ بَيْنَهُمَا. قَالَهُ زَرُّوقٌ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لَمْ يَصِحَّ جَمْعُهُ قَبْلَهُ، فَلَوْ جَمَعَ أَعَادَ الْمَغْرِبَ نَدْبًا وَالْعِشَاءَ بَعْدَ الشَّفَقِ وُجُوبًا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ إذَا وَصَلَ عَمَّا إذَا لَمْ يَصِلْ لِمَرَضٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ فَهَذَا يَجْمَعُ إذَا غَابَ الشَّفَقُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ، وَلَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ عَرَفَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ جَمَاعَةٌ بَلْ لِكُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْإِمَامُ الْجَمْعُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ سُنِّيَّةِ الْجَمْعِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا الْجَمْعَ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لِعَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَنَفَرَ مِنْهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ اخْتِيَارًا لَا يَجْمَعُ إلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الشَّفَقِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَفَ مَعَهُ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِعَجْزٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ وَلَوْ غَيْرَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ وَقَفَ بَعْدَهُ لَا يَجْمَعُ وَلَا بِالْمُزْدَلِفَةِ. الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَذَانِ لِلْمَغْرِبِ بَعْدَ الشَّفَقِ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَذَانَ يُكْرَهُ فِي الضَّرُورِيِّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَذَانُ لِلظُّهْرِ حَيْثُ يُجْمَعُ مَعَ الْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ بَابَ الْجَمْعِ بَابُ ضَرُورَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ تُفْعَلُ بَعْدَ أَوْ قَبْلَ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ، فَالْأَذَانُ أَوْلَى فَيُقَيَّدُ مَا فِي الْأَذَانِ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ الْمَجْمُوعَةِ، وَأَشَارَ إلَى خَامِسِ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا جَدَّ السَّيْرُ) أَيْ اشْتَدَّ (بِالْمُسَافِرِ) فِي الْبَرِّ سَفَرًا مُبَاحًا، وَإِنْ قَصُرَ عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يُدْرِكَ الزَّوَالَ سَائِرًا وَفِي هَذَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ (فَلَهُ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ) الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ (فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَ) فِي (أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ) فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهَذَا يُسَمَّى جَمْعًا صُورِيًّا وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ أَوْ تُؤَخِّرُهُ عَنْهُ، وَلِهَذَا صُلِّيَتْ فِيهِ كُلُّ صَلَاةٍ فِي وَجْهِهَا، وَثَانِي الْوَجْهَيْنِ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ وَقَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا، وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَفِي وَقْتِهِمَا، وَحُكْمُ التَّأْخِيرِ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاتَيْنِ فِي نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ، وَفِي النُّزُولِ قَبْلَهُ الْجَوَازُ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرِ وَالْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَصْرِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَسَوَاءٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ (وَ) الْحُكْمُ (كَذَلِكَ) فِي الْعِشَاءَيْنِ إذَا أَشْرَكَهُ الْغُرُوبُ سَائِرًا فَلَهُ وَجْهَانِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ (الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) جَمْعًا صُورِيًّا بِأَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ وَيُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ يُنْزِلُ طُلُوعَ الْفَجْرِ هَذَا مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ فِي الظُّهْرَيْنِ، وَالثُّلُثَ الْأَوَّلَ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا بَعْدَهُ لِلْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ، وَثَانِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَوْ قَبْلَهُمَا فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُهُمَا كَمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَيْنِ عِنْدَ نِيَّةِ النُّزُولِ فِي الِاصْفِرَارِ أَوْ قَبْلَهُ. وَثَانِي الْحَالَتَيْنِ أَنْ يُدْرِكَهُ الزَّوَالُ أَوْ الْغُرُوبُ بَازِلًا بِالْمَنْهَلِ وَفِيهِ ثَلَاثُ أَوْجُهٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَجْهًا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا ارْتَحَلَ) الْمُسَافِرُ أَيْ أَرَادَ الِارْتِحَالَ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ وَزَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهِ (فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْأُولَى) وَهِيَ الظُّهْرُ مِنْ الظُّهْرَيْنِ أَوْ الْمَغْرِبُ مِنْ الْعِشَاءَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لَهُمَا، وَنَوَى أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ (جَمَعَ حِينَئِذٍ) بِأَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ عِنْدَ الظُّهْرِ وَالْعِشَاءَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ، وَيُسَمَّى جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَالْأَوَّلُ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَثَانِيهَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ قَبْلَ الِاصْفِرَارِ فِي الظُّهْرَيْنِ أَوْ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعِشَاءَيْنِ فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ فَقَطْ، وَثَالِثُهَا أَنْ يَنْوِيَ النُّزُولَ فِي الِاصْفِرَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرَيْنِ أَوْ بَعْدَ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ فِي الْعِشَاءَيْنِ. فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٣٣ ]
عَقْلِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَعِنْدَ الْغُرُوبِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَرْفَقُ بِهِ لِبَطْنٍ بِهِ وَنَحْوِهِ جَمَعَ وَسْطَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَعِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] رَاكِبًا لَهُ حَالَتَانِ، وَمَنْ زَالَتْ أَوْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْمَنْهَلِ لَهُ ثَلَاثُ أَحْوَالٍ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى، قَبْلَ الِارْتِحَالِ فِي الثَّلَاثِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى قِسْمَيْ الرَّاكِبِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَفِي وَقْتَيْهَا كَمَنْ لَا يَضْبِطُ نُزُولَهُ، وَأَشَارَ إلَى أَحْوَالِ النَّازِلِ بِقَوْلِهِ: وَرَخَّصَ لَهُ الظُّهْرَيْنِ بِالْمَنْهَلِ إذَا زَالَتْ بِهِ، وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ وَفِي الِاصْفِرَارِ خَيْرٌ فِيهَا، وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَانِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثِ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَبَاقِي اللَّيْلِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ النَّازِلَ وَقْتَ الزَّوَالِ أَوْ الْغُرُوبِ مُخَالِفٌ لِلسَّائِرِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّازِلَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْتَحِلَ وَيَنْزِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَجْمَعُ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَالسَّائِرَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنَّمَا يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُصَلِّي الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَالثَّانِيَةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ، وَنَظِيرهُ مَنْ لَا يَضْبِطُ وَقْتَ نُزُولِهِ، وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْمَبْطُونُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ تَأْخِيرُ الْأُولَى إلَى آخِرِ وَقْتِهَا بِحَيْثُ إذَا فَرَغَ مِنْهَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ وَيَشْرَعُ فِي الثَّانِيَةِ لِدُخُولٍ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ جَدَّ الْيَسِيرُ فِيهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا إسْنَادُ الْجِدِّ إلَى السَّيْرِ، وَهُوَ إنَّمَا يُسْنَدُ إلَى الشَّخْصِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الِاجْتِهَادُ وَالسَّيْرُ لَا يُجْتَهَدُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا جَوَابَ هَذَا بِتَضْمِينِ جَدَّ بِمَعْنَى اشْتَدَّ أَوْ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ إسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ عَلَى حَدِّ: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ صَاحِبُهَا، وَالْمَعْنَى هُنَا جَدَّ السَّيْرَ أَيْ صَاحِبُهُ، وَثَانِي الْأَمْرَيْنِ أَنَّ تَعْبِيرَهُ بِ جَدَّ يُوهِمُ اشْتِرَاطَ الْجِدِّ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ كَمَا صَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ قَصُرَ وَلَمْ يَجِدَّ إلَخْ. الثَّالِثُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ صُورِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ تُؤَخَّرُ، وَالْمُرَادُ وَقْتُهَا الْمُعْتَادُ لَهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَا صَلَّيْت فِيهِ وَقْتٌ لَهَا ضَرُورِيٌّ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الضَّرُورِيَّ بَعْدَ الْمُخْتَارِ أَمْرٌ أَغْلَبِيٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي الصُّورِيِّ هَلْ هُوَ رُخْصَةٌ أَوْ غَيْرُ رُخْصَةٍ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَخَالَفَ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً، وَلَعَلَّ وَجْهَ كَوْنِهِ رُخْصَةً أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَيُلَامُ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَرِيضِ وَمَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَلَا يُلَامُ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهَا، لِأَنَّهُ يُرَخَّصُ لِصَاحِبِ الضَّرُورَةِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلصَّحِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشَارَ إلَى سَادِسِ الْأَسْبَابِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ (لِلْمَرِيضِ أَنْ يَجْمَعَ) بَيْنَ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ (إذَا خَافَ أَنْ يُغْلَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَلَى عَقْلِهِ) فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ بِجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ أَوْ حُمَّى أَوْ دَوْخَةٍ (عِنْدَ الزَّوَالِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَجْمَعُ، وَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلظُّهْرَيْنِ (وَعِنْدَ الْغُرُوبِ) بِالنِّسْبَةِ لِلْعِشَاءَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقَدَّمَ خَائِفُ الْإِغْمَاءِ وَالنَّافِضُ وَالْمَيْدُ، وَاسْتَشْكَلَ الْقَرَافِيُّ طَلَبَ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَجْمَعُ مَا لَمْ يَجِبْ بَلْ يَحْرُمُ التَّقَرُّبُ بِصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ لَمْ تَجِبْ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ حُصُولِ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْجَمْعِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ لَوْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِهَا وَهُوَ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ فَيُطْلَبُ إلْغَاؤُهُ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَلَا يُطْلَبُ مِنْهَا تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ عِنْدَ الْأُولَى، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْحَيْضِ اسْتِغْرَاقُهُ الْوَقْتَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ يُمْكِنُ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ خَافَ السَّلِيمُ أَنْ يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَكْسَهُ وَهُوَ مَا إذَا غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ وَقْتَ الْأُولَى مِنْ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ، وَالْحُكْمُ فِيهَا عَكْسُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الْأُولَى إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ كَصَاحِبِ السَّلَسِ الَّذِي يُلَازِمُهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَيَنْقَطِعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَدْبِ التَّقْدِيمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَنَدْبُ التَّأْخِيرِ فِي عَكْسِهِ وَاضِحٌ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَذْهَبُ فِي آخِرِهِ لَطَلَبَ مِنْهُ التَّأْخِيرَ، لَكِنْ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ اسْتِغْرَاقَهُ لِوَقْتِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا تَسْقُطُ فَمَا وَجْهُ طَلَبِهِ بِهَا وَيُقَدِّمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا، وَجَوَابُهُ احْتِمَالُ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ. الثَّالِثُ: لَوْ جَمَعَ الْمَرِيضُ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ أَعَادَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَكَذَا لَوْ جَمَعَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُولَى لِخَوْفِ زَوَالِ عَقْلِهِ أَوْ لِحُمَّى عِنْدَ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ سَنَدٌ يُعِيدُ الْأَخِيرَةَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ سَلَّمَ أَوْ قَدَّمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ أَوْ ارْتَحَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ فَجَمَعَ أَعَادَ الثَّانِيَةَ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي، وَمَحَلُّ الْإِعَادَةِ فِي الْفَرْعِ الثَّالِثِ إذَا جَمَعَ غَيْرَ نَاوٍ الِارْتِحَالَ، وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ، وَأَشَارَ إلَى الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ حَالَتَيْ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ) كَانَ
[ ١ / ٢٣٤ ]
[الأعذار المسقطة لقضاء الصلوات]
وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي إغْمَائِهِ وَيَقْضِي مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تَطْهُرُ فَإِذَا بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ طُهْرِهَا بِغَيْرِ تَوَانٍ خَمْسُ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَرِيضُ لَا يَخَافُ عَلَى عَقْلِهِ عِنْدَ الثَّانِيَةِ، وَلَكِنْ (كَانَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (أَرْفَقَ) أَيْ أَيْسَرَ (بِهِ لِبَطْنٍ بِهِ وَنَحْوِهِ) كَشِدَّةِ بَرْدٍ (جَمَعَ) جَوَازًا فِي (وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ) وَهُوَ آخِرُ الْقَامَةِ الْأُولَى بِحَيْثُ إذَا سَلَّمَ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَيُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ وَيُسَمَّى الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ صُورِيًّا. (وَ) جَمَعَ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ) الْأَحْمَرِ فَيُوقِعُ الْمَغْرِبَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ بِنَاءً عَلَى امْتِدَادِهِ، وَالْعِشَاءَ فِي أَوَّلِ اخْتِيَارٍ بِهَا، وَالصَّحِيحُ فِعْلُ هَذَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جَمْعًا حَقِيقِيًّا لِفِعْلِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَالْحَقِيقِيُّ مَا تُقَدَّمُ فِيهِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ أَوْ تُؤَخَّرُ كَمَا قَدَّمْنَا. [الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ السَّكْرَانُ بِحَلَالٍ وَبِالْأَوْلَى الْمَجْنُونُ (لَا يَقْضِي) وَاحِدٌ مِنْهُمْ (مَا خَرَجَ وَقْتُهُ) الضَّرُورِيُّ (فِي) زَمَنِ (إغْمَائِهِ) أَوْ جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ الْحَلَالِ، كَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ عَسَلًا أَوْ لَبَنًا لِعَدَمِ خِطَابِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. (وَ) إنَّمَا (يَقْضِي) أَيْ يُؤَدِّي الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ (مَا) أَيْ الْفَرْضَ الَّذِي (أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ) وَفَسَّرْنَا يَقْضِي بِيُؤَدِّي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ، وَمَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ لَا يُقَالُ لَهُ قَضَاءً، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ قَصَدَ الْمُشَاكَلَةَ فَعَبَّرَ بِيَقْضِي لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَةِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْمُشَاكَلَةِ، نَظِيرُهُ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ أَوْ الضَّمِيرُ فِي وَقْتِهِ عَائِدٌ عَلَى مَا الْمُفَسَّرَةِ بِالْفَرْضِ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الضَّمِيرَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَقَلَّ الْقُدْرَةِ الَّذِي إذَا أَفَاقَ فِيهِ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ بِقَوْلِهِ: (مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ (رَكْعَةً) بِسَجْدَتَيْهَا (فَأَكْثَرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ) وَحَاصِلُ الْمَعْنَى بِإِيضَاحٍ: أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ إلَّا إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فَأَكْثَرَ بَعْدَ تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ سَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ الْإِغْمَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ آخِرِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَعْذُورُ غَيْرُ الْكَافِرِ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، فَقَوْلُهُ: مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً يَعْنِي فِي جَانِبِ السُّقُوطِ وَالْإِدْرَاكِ مَعًا، فَالتَّقْدِيرُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي إغْمَائِهِ مِمَّا لَا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَيَقْضِي مَا أَفَاقَ فِي وَقْتِهِ مِمَّا يُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ لِأَدَائِهِ، فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ مِقْدَارُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ وَمِقْدَارُ تَحْصِيلِ شُرُوطِهَا الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ لَمْ يَقْضِهِمَا لِإِغْمَائِهِ فِي وَقْتِهِمَا، وَإِنْ أَفَاقَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ هَذَا الْقَدْرُ قَضَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَفَاقَ فِي وَقْتِهِمَا، وَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِقْدَارُ الطُّهْرِ وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ لَمْ يَقْضِهِمَا، وَإِذَا أَفَاقَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَضَاهُمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا بِهِ الْإِدْرَاكُ بِهِ السُّقُوطُ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الضَّرُورِيُّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَتُدْرِكُ فِيهِ الصُّبْحَ بِرَكْعَةٍ لَا أَقَلَّ، وَالظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ إنْ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى لَا الْأَخِيرَةِ، وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ الْحَيْضَ وَمِثْلُهُ النِّفَاسُ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ) وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ (تَطْهُرُ) أَيْ تَرَى كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَامَةَ الطُّهْرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَا تَقْضِي مَا خَرَجَ وَقْتُهُ مِمَّا لَا تُدْرِكُ مِنْهُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ، وَتُؤَدِّي مَا طَهُرَتْ فِي وَقْتِهِ مِمَّا تُدْرِكُ فِيهِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذَلِكَ التَّشْبِيهِ قَوْلَهُ: (فَإِذَا) رَأَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ عَلَامَةَ الطُّهْرِ نَهَارًا وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (بَقِيَ مِنْ النَّهَارِ بَعْدَ طُهْرِهَا) بِالْمَاءِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّيَمُّمِ، وَإِلَّا قُدِّرَ لَهَا الطُّهْرُ بِالتُّرَابِ (بِغَيْرِ تَوَانٍ) أَيْ تَرَاخٍ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ يُعْتَبَرُ زَمَنُ طُهْرِهَا عَلَى الْمُعْتَادِ لِمِثْلِهَا لَا مَعَ سُرْعَةِ الْعَجَلَةِ وَلَا مَعَ التَّسَاهُلِ فِي الْفِعْلِ وَالْهَيْئَةِ وَفَاعِلُ بَقِيَ (خَمْسُ رَكَعَاتٍ) فِي الْحَضَرِ أَوْ ثَلَاثٌ فِي السَّفَرِ (صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهَا صَلَاتُهَا لِطُهْرِهَا فِي وَقْتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا تُدْرِكُ الْأُولَى بِقَدْرِهَا وَيَبْقَى لِلثَّانِيَةِ رَكْعَةٌ، فَلَوْ شَرَعَتْ فِي الطُّهْرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ تَظُنُّ إدْرَاكَ الصَّلَاتَيْنِ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ صَلَّتْ الْعَصْرَ وَسَقَطَتْ الظُّهْرُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ ظَنَّ إدْرَاكَهُمَا فَرَكَعَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ قَضَى الْأَخِيرَةَ، وَإِنْ تَطَهَّرَ فَأَحْدَثَ أَوْ تَبَيَّنَ عَدَمُ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ، أَوْ ذَكَرَ مَا تَرَتَّبَ فَالْقَضَاءُ، وَيُتِمُّ مَا شَرَعَ فِيهِ نَافِلَةً بِحَيْثُ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: بَعْدَ طُهْرِهَا أَنَّهُ يُقَدَّرُ لَهَا الطُّهْرُ زِيَادَةً عَلَى مَا تُدْرِكُ فِيهَا الرَّكْعَةَ، وَمِثْلُهَا سَائِرُ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ غَيْرَ الْكَافِرِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَعْذُورُ غَيْرَ كَافِرٍ يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ يُسْلِمُ فِي آخَرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَلَا يُقَدَّرُ لَهُ الطُّهْرُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى زَوَالِ مَانِعِهِ، وَفَائِدَةُ التَّقْدِيرِ السُّقُوطُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ لِلطُّهْرِ وَالرَّكْعَةِ وَعَدَمُهُ عِنْدَ اتِّسَاعِهِ لَهُمَا، وَكَمَا يُعْتَبَرُ مِقْدَارُ الطُّهْرِ فِي جَانِبِ الْإِدْرَاكِ يُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي جَانِبِ السُّقُوطِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَالْمُرَادُ الطُّهْرُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَخَشْيَةِ فَوَاتِهِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَا يَنْتَقِلُ الشَّخْصُ لِلتَّيَمُّمِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْخِطَابِ بِالصَّلَاةِ هُنَا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ، وَأَخَّرَ فِعْلَهَا حَتَّى ضَاقَ وَقْتُهَا، وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ تَيَمَّمَ أَدْرَكَ الْوَقْتَ بِرَكْعَةٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ
[ ١ / ٢٣٥ ]
مِنْ اللَّيْلِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّتْ الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ، وَإِنْ حَاضَتْ لِهَذَا التَّقْدِيرِ لَمْ تَقْضِ مَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ حَاضَتْ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ أَوْ لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ إلَى رَكْعَةٍ قَضَتْ الصَّلَاةَ الْأُولَى فَقَطْ وَاخْتُلِفَ فِي حَيْضِهَا لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ فَقِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَقِيلَ إنَّهَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا تَقْضِيهِمَا
وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ
وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] خَرَجَ وَقْتُهَا فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ هَذَا عِنْدَهُ نَوْعُ تَفْرِيطٍ فَشَدَّدَ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِ الْعُذْرِ فَخَفَّفَ عَنْهُ بِسُقُوطِهَا إنْ لَمْ يَبْقَ زَمَنٌ لِلطُّهْرِ بِالْمَاءِ، هَذَا إيضَاحُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَيْضًا: وَأَفْهَمُ اقْتِصَارَهُ عَلَى الطُّهْرِ أَيْ طُهْرِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَيْضًا طُهْرُ الْخُبْثِ إنَّمَا يُطْلَبُ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ أَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ لَهُ سَتْرَ عَوْرَةٍ وَلَا اسْتِقْبَالَ قِبْلَةٍ وَلَا اسْتِبْرَاءَ وَاجِبٍ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ الشَّاذِلِيِّ مَا يَقْتَضِي اعْتِبَارَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فَانْظُرْهُ مَعَ كَلَامِ الشَّيْخِ، وَمَفْهُومٌ بِغَيْرِ تَوَانٍ أَنَّهَا لَوْ تَرَاخَتْ فِي الْفِعْلِ، أَوْ كَانَتْ مُوَسْوِسَةً حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الَّذِي يَسَعُ الطُّهْرَ الْمُعْتَادَ وَالرَّكْعَةَ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ. (وَإِنْ) رَأَتْ عَلَامَةَ الطُّهْرِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ (بَقِيَ مِنْ اللَّيْلِ) بَعْدَ طُهْرِهَا بِالْمَاءِ بِغَيْرِ تَوَانٍ مَا يَسَعُ (أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) وَلَوْ فِي السَّفَرِ (صَلَّتْ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) لِإِدْرَاكِ الْمَغْرِبِ بِثَلَاثٍ وَتُبْقِي رَكْعَةً لِلْعِشَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ خَلِيلٍ أَنَّ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ يُدْرَكَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَإِنْ كَانَ) الْبَاقِي (مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ) بَعْدَ طُهْرِهَا إنَّمَا يَسَعُ (أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْخَمْسِ فِي النَّهَارِ وَالْأَرْبَعِ فِي اللَّيْلِ (صَلَّتْ الصَّلَاةَ الْأَخِيرَةَ)، وَسَقَطَتْ الْأُولَى لِأَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ، وَلَمَّا كَانَ مَا بِهِ الْإِدْرَاكُ يَحْصُلُ بِهِ السُّقُوطُ قَالَ: (وَإِذَا حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ (لِهَذَا التَّقْدِيرِ) وَهُوَ الْخَمْسُ فِي النَّهَارِ بِعُذْرٍ مِنْ الطُّهْرِ أَوْ الْأَرْبَعُ فِي اللَّيْلِ مَعَ زَمَنِ الطُّهْرِ (لَمْ تَقْضِ مَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِ) بَلْ يَسْقُطُ عَنْهَا الصَّلَاتَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُسْقِطَ عُذْرٌ حَصَلَ غَيْرَ نَوْمٍ وَنِسْيَانِ الْمُدْرِكِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَ زَمَنِ الطُّهْرِ لِمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يُقَدِّرُ الطُّهْرَ فِي جَانِبِ السُّقُوطِ كَمَا يُقَدِّرُ فِي جَانِبِ الْإِدْرَاكِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: وَسَوَاءٌ أَخَّرَتْ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ رَجَاءَ أَنْ تَحِيضَ فِي وَقْتِهِمَا حَتَّى لَا تَقْضِيَهُمَا إلَّا أَنَّهَا تَأْثَمُ فِي الْعَمْدِ، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ مِنْهَا: الْمُقِيمُ الْمُرِيدُ لِلسَّفَرِ يُؤَخِّرُ الصَّلَاتَيْنِ لِآخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى يَقْصُرْهُمَا فَلَهُ قَصْرُهُمَا، وَمِنْهَا: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي زَمَنِ الْحَرِّ فَأَرَادَ السَّفَرَ فِيهِ لِأَجْلِ الْفِطْرِ وَيَقْضِيهِ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ، وَمِنْهَا: مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ يَصِيرُ بِهِ مُسْتَطِيعًا فَتَصَدَّقَ بِهِ لَيَسْقُطَ عَنْهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَأْثُومٌ، وَلَمْ يُعَامَلْ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ، بِخِلَافِ الْخَلِيطَيْنِ يَقْصِدَانِ بِالْخَلْطَةِ أَوْ بِالِافْتِرَاقِ الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُمَا يُؤَاخَذَانِ بِمَا كَانَا عَلَيْهِ قَبْلَ الْخَلْطَةِ، وَمِثْلُهُمَا مَنْ أَبْدَلَ إبِلَهُ بِذَهَبٍ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، وَفَرَّقَ شَيْخُنَا مُحَمَّدٌ بَيْنَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الزَّكَاةِ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْمُتَقَدِّمَةِ لِلَّهِ وَفِي مَسَائِلِ الزَّكَاةِ لِلْفُقَرَاءِ فَعُومِلَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ. (وَإِنْ حَاضَتْ) أَوْ نَفِسَتْ فِي آخِرِ الصَّلَاتَيْنِ (لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّهَارِ) فِي الْحَضَرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ (فَأَقَلَّ إلَى رَكْعَةٍ) بَعْدَ مِقْدَارِ زَمَنِ الطُّهْرِ (أَوْ) حَاضَتْ (لِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ إلَى رَكْعَةٍ قَضَتْ الصَّلَاةَ الْأُولَى فَقَطْ) وَتَسْقُطُ الثَّانِيَةُ لِحَيْضِهَا فِي وَقْتِهَا، وَالْوَقْتُ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ إدْرَاكًا وَسُقُوطًا، وَتَقْضِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا تَرْتِيبٌ فِي ذِمَّتِهَا لِخُرُوجِ وَقْتِهَا قَبْلَ الْمُسْقِطِ، فَهِيَ كَدَيْنٍ أُعْسِرَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بَلْ يَقْضِيهِ فِي يَسَارِهِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تَقْضِي الْأُولَى بَعْدَ الطُّهْرِ. (وَاخْتُلِفَ فِي حَيْضِهَا) أَيْ فِيمَا إذَا حَاضَتْ (لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ اللَّيْلِ) مَعَ مَا يَسَعُ الطُّهْرَ (فَقِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ) أَيْ تَقْضِي الْأُولَى وَتَسْقُطُ الثَّانِيَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ. (وَقِيلَ إنَّهَا حَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا فَلَا تَقْضِيهِمَا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَتَيْنِ يُدْرَكَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأُولَى يَجِبُ تَقْدِيمُهَا فِعْلًا فَيُقَدَّرُ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَتُدْرَكُ الصُّبْحُ بِرَكْعَةٍ فِي الضَّرُورِيِّ، وَالظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنْ الْأُولَى لَا الْأَخِيرَةِ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ اعْتِبَارِ زَمَنِ الطُّهْرِ فِي جَانِبِ الْإِدْرَاكِ وَالسُّقُوطِ أَنَّ مَنْ أَخَّرَتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَحَاضَتْ فِي وَقْتِهِمَا بِحَيْثُ بَقِيَ خَمْسُ رَكَعَاتٍ إنَّمَا يَسْقُطَانِ عَنْهَا حَيْثُ كَانَتْ طَاهِرًا حِينَ حُصُولِ الْحَيْضِ لَا إنْ كَانَ عَلَيْهَا جَنَابَةٌ، بِحَيْثُ لَوْ أَمَرْنَاهَا بِالْغُسْلِ لَمْ تُدْرِكْ سِوَى أَرْبَعٍ أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّمَا تَسْقُطُ الثَّانِيَةُ وَتَقْضِي الْأُولَى، وَلَوْ كَانَتْ أَخَّرَتْهُمَا عَمْدًا كَمَا قَدَّمْنَا، وَعُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهْرِ الْوُضُوءُ أَوْ الْغُسْلُ لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ التَّيَمُّمُ لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ مَحَلُّهَا بَابَ مُوجِبَاتِ الْوُضُوءِ فَقَالَ: (وَمَنْ أَيْقَنَ) أَيْ جَزَمَ (بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي) طَرَيَانِ (الْحَدَثِ) الْمُرَادُ النَّاقِضُ وَلَوْ سَبَبًا سِوَى الرِّدَّةِ فَيَشْمَلُ الشَّكَّ فِي نَوْمِهِ أَوْ إغْمَائِهِ أَوْ مَسِّ ذَكَرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النَّوَاقِضِ.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ أَعَادَ ذَلِكَ وَمَا يَلِيهِ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ أَعَادَهُ فَقَطْ
وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ أَبْتَدَأَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَشُكُّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ إلَّا الْمُسْتَنْكَحَ، وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّرَدُّدُ عَلَى حَدٍّ سِوَى فَلَا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ بِتَوَهُّمِ الْحَدَثِ مَعَ ظَنِّ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ ظَنَّ الْحَدَثَ أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ وَفِي عَدَمِهِ عَلَى السَّوَاءِ، وَكَذَا لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ فِي الرِّدَّةِ لِعَدَمِ حُصُولِهَا بِالشَّكِّ، وَفُهِمَ مِنْ إيجَابِ الْوُضُوءِ فِي صُورَةِ الْمُصَنِّفِ إيجَابُهُ فِي عَكْسِهَا، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي حُصُولِ الطَّهَارَةِ أَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا أَوْ شَكَّ فِيهِمَا، أَوْ تَيَقَّنَ الْوُضُوءَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَشَكَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ؟ أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ، وَشَكَّ مَعَ ذَلِكَ هَلْ كَانَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ بَابِ أَحْرَى؟ وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّكَّ حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةَ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مُتَيَقِّنًا الطَّهَارَةَ، ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ فِي النَّاقِضِ فِيهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّمَادِي فِيهَا، وَبَعْدَ تَمَامِهَا إنْ بَانَ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ يُعِدْهَا، وَإِنْ بَانَ حَدَثُهُ أَوْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ أَعَادَهَا وُجُوبًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا وَجَبَ الْوُضُوءُ بِالشَّكِّ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ مُؤَثِّرٌ بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَوْ عِتْقِ أَمَتِهِ أَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ الرَّضَاعِ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي الْمَانِعِ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ. قَالَهُ الْوَانْشَرِيسِيُّ، وَإِنَّمَا أَثَّرَ فِي الشَّرْطِ دُونَ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ مُحَقَّقَةٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِطَهَارَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وَالْمَانِعُ يَطْرَأُ عَلَى أَمْرٍ مُحَقَّقٍ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ الْمِلْكُ مِنْ الرَّقِيقِ فَلَا تَنْقَطِعُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ. الثَّانِي: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا صَلَّى شَاكًّا فِي الطَّهَارَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَهَا قَالَ مَالِكٌ: صَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ الطَّهَارَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلِمْت أَمْ لَا؟ وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: بَاطِلَةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَامِلٍ عَلَى قَصْدِ الصِّحَّةِ. الثَّالِثُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ إشْكَالٌ بَيَانُهُ إيهَامُ أَنَّ جُمْلَةَ وَشَكَّ فِيهِ حَالِيَّةٌ فَيَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِثُمَّ بَدَلِ الْوَاوِ، وَلِيُعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ الشَّكَّ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْيَقِينِ، وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ كَمَا فِي الْمُصَنِّفِ، وَعِبَارَةُ خَلِيلٍ خَالِيَةٌ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ وَلَفْظُهَا: وَيَشُكُّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى مَا يَدْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ فِي الْمَزْجِ بِقَوْلِنَا: فِي حُصُولِ الْحَدَثِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ طَرَأَ بَعْدَ الْيَقِينِ فَتَصِيرُ عِبَارَتُهُ كَعِبَارَةِ خَلِيلٍ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي بَابِ صِفَةِ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ مِنْهُ) نَسِيَهُ حَالَ الْوُضُوءِ، أَوْ شَكَّ فِي نِسْيَانِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا (فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ التَّذَكُّرُ (بِالْقُرْبِ) مِنْ وُضُوئِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تَجِفَّ أَعْضَاؤُهُ الْمُعْتَدِلَةُ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ وَالْمُعْتَبَرُ آخِرُ الْأَعْضَاءِ غَسْلًا (أَعَادَ ذَلِكَ) وُجُوبًا وَمَعْنَى الْإِعَادَةِ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُ، وَيَأْتِي بِهِ بِنِيَّةِ إتْمَامِ وُضُوئِهِ، وَيَفْعَلُهُ ثَلَاثًا إنْ كَانَ مَغْسُولًا، سَوَاءٌ كَانَ عُضْوًا كَامِلًا أَوْ بَعْضَ عُضْوٍ. (وَ) أَعَادَ (مَا يَلِيهِ) اسْتِنَانًا لِأَجَلِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ سُنَّةٌ بَيْنَ الْفَرَائِضِ، وَيَغْسِلُهُ مَرَّةً إنْ كَانَ غَسَلَهُ أَوَّلًا ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ غَسَلَهُ مَرَّةً بِغَسْلِهِ مَرَّتَيْنِ. (وَ) مَفْهُومُ بِالْقُرْبِ (إنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ) بِأَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ جَفَافِ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ آخِرًا (أَعَادَهُ) أَيْ اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ الْمَتْرُوكِ (فَقَطْ)، وَلَا يَغْسِلُ مَا يَلِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ حَالَةِ الْقُرْبِ، وَقَيَّدْنَا هَذَا بِغَيْرِ الْمُسْتَنْكَحِ فَإِنَّهُ إنْ شَكَّ فِي تَرْكِ عُضْوٍ يَطْرَحُ الشَّكَّ وَلَا يَغْسِلُهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُطْلَبُ مِنْ النَّاسِي أَنْ يَغْسِلَ ذَلِكَ الْمَنْسِيَّ فَوْرًا، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَفْعَلُهُ حِينَ يَذْكُرُهُ فَلَوْ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الذِّكْرِ حَتَّى طَالَ فَسَدَ وُضُوءُهُ تَعَمَّدَ التَّأْخِيرَ أَوْ كَانَ نَاسِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ الْمُتَكَرِّرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ يُعْذَرُ بِهِ فَيَفْعَلُ الْمَنْسِيَّ وَحْدَهُ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ذَلِكَ فَرْعُ سَحْنُونٍ الْمَشْهُورِ بَيْنَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ: مَنْ صَلَّى الْخَمْسَ بِوُضُوءٍ وَجَبَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَذَكَرَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ وُضُوءِ أَحَدِهَا مَسَحَهُ وَأَعَادَ الْخَمْسَ، فَلَوْ أَعَادَهَا نَاسِيًا مَسَحَهُ مَسْحَةً وَأَعَادَ الْعِشَاءَ فَقَطْ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَسْحَ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ مِنْ إحْدَى الْأَرْبَعِ فَقَدْ أَعَادَهَا بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ الْكَامِلِ وَبَرِئَتْ الذِّمَّةُ مِنْ جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمَسْحُ الْمَتْرُوكُ مِنْ وُضُوءِ الْعِشَاءِ فَقَدْ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ بِالْمَسْحِ الثَّانِي اهـ. وَاعْتَرَضَ هَذَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يُعْذَرْ بِالنِّسْيَانِ الثَّانِي. قَالَ الْمُصَنِّفُ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّ مَعَهُ نَوْعًا مِنْ التَّفْرِيطِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي جَوَابِهِ: لَا مَانِعَ مِنْ بِنَاءِ مَشْهُورٍ عَلَى ضَعِيفٍ، وَمِثْلُ فَرْعِ سَحْنُونٍ: لَوْ صَلَّى الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ لِلْعِشَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ صَلَاتِهَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ مِنْ أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ وَأَعَادَ الْخَمْسَ نَاسِيًا مَسْحَ رَأْسِهِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ فَقَطْ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ فُعِلَتْ مَرَّتَيْنِ بِوُضُوءَيْنِ أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ قَطْعًا. قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ
[ ١ / ٢٣٧ ]
الْوُضُوءَ وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ
وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وَوُضُوءَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ مِثْلَ الْمَضْمَضَةِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالشَّيْءِ أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا يَلِي الْمَتْرُوكَ يُعَادُ مَعَ الْقُرْبِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ فِيمَا يَلِي اللُّمْعَةَ هَلْ هُوَ بَقِيَّةُ الْعُضْوِ الْمَتْرُوكِ مِنْهُ، أَوْ الْعُضْوُ الَّذِي يَلِي الْعُضْوَ الْمَتْرُوكَ مِنْهُ اللُّمْعَةُ؟ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، فَتُغْسَلُ اللُّمْعَةُ ثَلَاثًا بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ، وَيُعِيدُ الْعُضْوَ الْمَوَالِيَ لِعُضْوِ اللُّمْعَةِ، وَلَا يَغْسِلُ بَقِيَّةَ مَا تَرَكَ مِنْهُ اللُّمْعَةُ، فَلَوْ نَسِيَ لُمْعَةً مِنْ يَدٍ مَثَلًا، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ هِيَ مِنْ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى غَسَلَهَا مِنْ الْيَدَيْنِ جَمِيعًا، وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُمَا لِآخِرِ الْوُضُوءِ، وَإِنْ نَسِيَهَا مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَلَمْ يَدْرِ مَحَلَّهَا غَسَلَ الْعُضْوَ كُلَّهُ. (وَ) مَفْهُومُ إنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ (إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ) أَيْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ (ابْتَدَأَ) وُجُوبًا (الْوُضُوءَ إنْ طَالَ ذَلِكَ) أَيْ زَمَنُ التَّرْكِ فَتَخَلَّصَ أَنَّ التَّارِكَ لِشَيْءٍ مِنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً يَبْنِي مَا فَعَلَ مَعَ النِّسْيَانِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْعَجْزِ فَإِنَّهُ يَبْنِي مَا لَمْ يَطُلْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَنَى بِنِيَّةٍ إنْ نَسِيَ مُطْلَقًا، وَإِنْ عَجَزَ مَا لَمْ يَطُلْ بِجَفَافِ أَعْضَاءٍ بِزَمَنِ اعْتَدِلْ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ مَعَ الطُّولِ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ وُجُوبِهَا مَعَ الذِّكْرِ، وَأَمَّا مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا تَجِبُ، فَلِذَا بَنَى مَعَ النِّسْيَانِ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ التَّرْكِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَتْرُوكِ مَغْسُولًا أَوْ مَمْسُوحًا، وَمَفْهُومُ إنْ طَالَ إنْ لَمْ يَطُلْ لَا يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ، وَيَأْتِي بِالْمَتْرُوكِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِوُجُودِهَا، وَتُسَنُّ إعَادَةُ مَا بَعْدَهُ لِأَجْلِ التَّرْتِيبِ، فَصَارَ الْعَمْدُ كَالنِّسْيَانِ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَتْرُوكِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ مَعَ الطُّولِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَرِيضَةَ الْمُوَالَاةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْفَوْرِ وَهِيَ الْإِتْيَانُ بِالْوُضُوءِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ مُتَفَاحِشٍ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهَلْ الْمُوَالَاةُ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَّرَ إلَخْ، وَوَجَبَ الْأَخْذُ أَنَّهُ أَوْجَبَ ابْتِدَاءَ الْوُضُوءِ مَعَ الْعَمْدِ فِي حَالِ الطُّولِ وَالْبِنَاءَ فِي حَالِ النِّسْيَانِ مُطْلَقًا، وَحَمَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ أَيْضًا عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُصَنِّفُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ ابْتِدَاءٌ فِي كَلَامِهِ الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ، خِلَافًا لِسَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَسَيِّدِي يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِمَا: يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ فِي حَالِ الْعَمْدِ مَعَ الطُّولِ، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّةِ الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ التَّهَاوُنَ بِالسُّنَنِ كَالتَّهَاوُنِ بِالْفَرَائِضِ، وَتَبِعَا فِي كَلَامِهِمَا ابْنَ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَعَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يَبْتَدِيهِ وَلَوْ فَرَّقَهُ عَامِدًا، وَإِنَّمَا يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ كَمَا لَوْ فَرَّقَهُ نَاسِيًا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ جَمِيعِ سُنَنِ الْوُضُوءِ لَمْ يَبْطُلْ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُوَالَاةُ شُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا فَعَظُمَ أَمْرُهَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَابَلَ الْمُصَنِّفُ التَّرْكَ نِسْيَانًا الْمَفْهُومُ مَنْ ذَكَرَ بِالْمُتَعَمِّدِ، وَخَلِيلٌ قَابَلَهُ بِالْعَاجِزِ، وَأَمَّا الْأَوْلَى مِنْهُمَا مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمَنْقُولِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ فَأَقُولُ: الْأَوْلَى مُقَابَلَةُ النَّاسِي بِالْعَاجِزِ لِيَكُونَ نَصًّا عَلَى الْمُتَوَهَّمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَابَلَهُ بِالْعَامِدِ كَ الْمُصَنِّفِ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْعَاجِزَ كَالنَّاسِي يَبْنِي مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا قَابَلَهُ بِالْعَاجِزِ عُلِمَ بِالْأَوْلَى بِنَاءَ الْمُتَعَمَّدِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُقَابَلَةُ بِالْعَاجِزِ تُوهِمُ أَيْضًا أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا، وَلَوْ مَعَ الْقُرْبِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ اُشْتُهِرَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ سَائِرَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُطْلَبُ فِيهَا الْفَوْرِيَّةُ يُغْتَفَرُ فِيهَا التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ فَافْهَمْ، نَعَمْ أَلْحَقُوا الْمَكْرُوهَ عَلَى التَّرْكِ بِالنَّاسِي، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ بِمُطْلَقِ التَّخْوِيفِ بِالْأَمْرِ الْمُؤْلِمِ مِنْ ضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، وَصَوَّرُوا التَّفَرُّقَ بَيْنَ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ عَجْزًا بِأَنْ يُعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فَيُغْصَبُ مِنْهُ أَوْ يُرَاقُ أَوْ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ مَا يَكْفِيهِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِمَا ذَكَرَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ لِلتَّفْرِيقِ كَالْعَاجِزِ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إلَّا مَعَ الْقُرْبِ، وَيَجِبُ ابْتِدَاءُ الْوُضُوءِ مَعَ الطُّولِ، بِخِلَافِ مَنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا يَقْطَعُ بِكِفَايَتِهِ فَيُرَاقُ عَلَيْهِ أَوْ يُغْضَبُ مِنْهُ فَهَذَا كَالنَّاسِي كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ، فَإِنْ قِيلَ. وُجُوبُ الْمُوَالَاةِ مَشْرُوطٌ بِالذِّكْرِ وَمَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ افْتَرَقَا عِنْدَ التَّخَلُّفِ إذْ يُبْنَى مُطْلَقًا عِنْدَ عَدَمِ الذِّكْرِ وَهُوَ النِّسْيَانُ، وَأَمَّا عِنْدَ فَقْدِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْعَجْزُ إنَّمَا يُبْنَى عِنْدَ الْقُرْبِ، وَكَانَ مُقْتَضَى شَرْطِيَّةِ الْقُدْرَةِ كَالذِّكْرِ الْبِنَاءَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْعَجْزِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَاجِزَ عِنْدَهُ نَوْعُ تَقْصِيرٍ بِعَدَمِ احْتِيَاطِهِ بِتَكْثِيرِ الْمَاءِ أَوْ بِالتَّحَفُّظِ مِمَّنْ يُرِيقُهُ أَوْ يَغْصِبُهُ، فَشَابَهُ الْمُتَعَمِّدَ لَتَرْكِ الْمُوَالَاةِ فَافْهَمْ. الثَّانِي: التَّارِكُ لِبَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَمْدًا أَوْ عَجْزًا إنَّمَا أُمِرَ بِابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الطُّولِ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ، وَذَلِكَ التَّرْكُ يَشْمَلُ تَرْكَ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، وَغَسْلُ مَا بَعْدَهُ لَكِنْ بَعْدَ تَفْرِيقٍ فَاحِشٍ، وَيَشْمَلُ مَا إذَا غَسَلَ أَوَّلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِيمَا بَعْدَهُ حَتَّى جَفَّ الْأَوَّلُ، فَهَذَا أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ التَّارِكِ جُمْلَةً فَيَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ كَالْأَوَّلِ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْوُضُوءِ بَلْ مِثْلُهُ الْغُسْلُ فِي التَّفْصِيلِ، فَإِنْ تَرَكَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ فَإِنَّهُ مَعَ التَّرْكِ نِسْيَانًا أَوْ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ يَبْنِي بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْغُسْلِ، وَلَوْ مَعَ الطُّولِ وَيَبْتَدِيهِ مَعَ التَّفْرِيقِ عَمْدًا، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى فِعْلِ الْمَتْرُوكِ وَلَوْ مَعَ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْغُسْلِ لَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ، وَيُغْسَلُ الْمَتْرُوكُ مَرَّةً وَاحِدَةً إلَّا الرَّأْسَ فَتُثَلَّثُ لِطَلَبِ التَّثْلِيثِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَمِثْلُ أَعْضَاءِ الْغُسْلِ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ
[ ١ / ٢٣٨ ]
وَالِاسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ، وَإِنْ تَطَاوَلَ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ
وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ حَصِيرٍ وَبِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَالْمَرِيضُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمُنْدَرِجَةُ فِي الْغُسْلِ تُفْعَلُ مَرَّةً، وَأَمَّا الْوُضُوءُ السَّابِقُ عَلَى الْغُسْلِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْوُضُوءِ. الثَّالِثُ: قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: اعْلَمْ أَنَّ تَارِكَ الْمُوَالَاةِ وَتَارِكَ بَعْضِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَالْمُنَكِّسَ سَوَاءٌ فِي إعَادَةِ مَا حَصَلَ فِيهِ الْخَلَلُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ وَحْدَهُ إنْ حَصَلَ الْبُعْدُ، وَفِي إعَادَتِهِ مَعَ مَا بَعْدَهُ عِنْدَ الْقُرْبِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ. الرَّابِعُ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا النِّيَّةَ فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَهَا أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهَا يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ طُولٌ وَلَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمَّا فَعَلَهُ دُونَ تَحَقُّقِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا إذَا كَانَ صَلَّى قَبْلَ فِعْلِ الْمَتْرُوكِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ تَرْكِ بَعْضِ مَفْرُوضَاتِ الْوُضُوءِ مَعَ النِّسْيَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَقَبْلَ فِعْلِهِ (أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا) إنْ كَانَتْ مَفْرُوضَةً لِفِعْلِهَا قَبْلَ تَمَامِ طَهَارَتِهِ. (وَ) أَعَادَ (وُضُوءَهُ) إنْ كَانَ طَوَّلَ مَعَ الْعَمْدِ أَوْ الْعَجْزِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّرْكُ نِسْيَانًا أَوْ إكْرَاهًا فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ بَعْدَ بِنَائِهِ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ، وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ تَرْكِ غَيْرِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ سَابِقًا: وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ وُضُوئِهِ شَيْئًا مِمَّا هُوَ فَرِيضَةٌ فَقَالَ: (وَإِنْ ذَكَرَ) مِنْ وُضُوئِهِ بَعْدَ تَمَامِهِ شَيْئًا مِمَّا لَيْسَ فَرِيضَةً بَلْ (مِثْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) بَلْ (وَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ) وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ سُنَّةٌ، وَلَمْ يُنِبْ عَنْهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُوجِبًا لِتَكْرِيرِ الْمَسْحِ (فَإِنْ كَانَ) التَّذَكُّرُ (قَرِيبًا فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَنْسِيَّ اسْتِنَانًا حَيْثُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَ قُرْبَةٍ، لَا إنْ كَانَ مُرَادُهُ نَقْضَ طَهَارَتِهِ. (وَلَمْ يُعِدْ مَا بَعْدَهُ) سَوَاءٌ كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَسَوَاءٌ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ؛ لِأَنَّ تَرْتِيبَ السُّنَنِ فِيمَا بَيْنَهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ مَنْدُوبٌ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ غَسَلَ وَجْهَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ تَمَضْمَضَ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ وَجْهِهِ، وَمِثْلُ تَحَقُّقِ النِّسْيَانِ الشَّكُّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكَحًا (وَإِنْ تَطَاوَلَ) أَيْ بَعُدَ مَا بَيْنَ وُضُوئِهِ وَتَذَكُّرِهِ (فَعَلَ ذَلِكَ) الْمَنْسِيَّ وَحْدَهُ (لِمَا يُسْتَقْبَلُ) مِنْ الصَّلَوَاتِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا أَتَى بِهِ وَبِالصَّلَاةِ وَسُنَّةً فَعَلَهَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، كَأَنْ يُذْكَرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَنَّهُ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ السُّنَنِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَذَا الْوُضُوءِ الْعَصْرَ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ فِعْلُ السُّنَّةِ الْمَتْرُوكَةِ، وَمِثْلُ الصَّلَاةِ الطَّوَافُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ مَعَ الْقُرْبِ يَفْعَلُ الْمَتْرُوكَ مِنْ السُّنَنِ حَيْثُ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ وَلَا غَيْرَهَا، وَأَمَّا مَعَ الطُّولِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ فِعْلُهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ أَوْ الطَّوَافَ، وَقَيَّدْنَا بِاَلَّتِي لَمْ يُنِبْ عَنْهَا غَيْرَهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الِاسْتِنْثَارِ، وَمِثْلُهُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُمَا غَيْرُهُمَا، وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ رَدِّ مَسْحِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَكْرَارَ الْمَسْحِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْمَاءِ لِلْأُذُنَيْنِ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَطَّابُ خِلَافًا لِلزَّرْقَانِيِّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ وَذَكَرَهُمَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي غَسْلِ وَجْهِهِ أَوْ بَعْدَهُ، وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ فِيهِ، وَالرَّاجِحُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَفْعَلُ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ، وَلَا يُؤَخِّرُ إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَإِذَا كَانَ التَّذَكُّرُ بَعْدَ تَمَامِ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا يُعِيدُهُ، وَإِذَا كَانَ فِي أَثْنَائِهِ كَمَّلَهُ وَيَتَمَضْمَضُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ مِنْ فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ، وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فَقَالَ: يُكَمِّلُ الْوُضُوءَ وَيَفْعَلُ السُّنَّةَ الْمَتْرُوكَةَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ، وَكُلٌّ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ وَالذَّخِيرَةِ مَفْرُوضٌ فِي النَّاسِي، وَأَمَّا الْعَامِدُ فَيَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ السُّنَّةَ الْمَتْرُوكَةَ سَرِيعًا وَلَا يُؤَخِّرُهَا إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ: وَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَوَاتِ فَمَفْرُوضٌ فِي حَالِ الطُّولِ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ كَمَا عَلِمْت. (وَ) إذَا كَانَ قَدْ صَلَّى بِهَذَا الْوُضُوءِ الْمَتْرُوكِ بَعْضَ سُنَنِهِ (لَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى بِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ) الْمَتْرُوكَ مِنْ السُّنَنِ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا حَيْثُ كَانَ تَرْكُهَا نِسْيَانًا، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا وَلَوْ جَمِيعَ السُّنَنِ، وَصَلَّى فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى فِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ، لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ سُنَنِ الْوَسِيلَةِ عَنْ سُنَنِ الْمَقْصِدِ لِأَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقَالَ فِي الْوُضُوءِ: «تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ» وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا يُعِيدُ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ فِي تَرْكِ السُّنَنِ: لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ حَيْثُ فُعِلَتْ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَأَمَّا لَوْ انْدَرَجَتْ فِي الْغُسْلِ فَلَا يَفْعَلُ مَا تَرَكَهُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ، كَذَا يَنْبَغِي فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ حُصُولُ
[ ١ / ٢٣٩ ]
[صفة صلاة المريض]
إذَا كَانَ عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا طَاهِرًا كَثِيفًا وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ
وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ صَلَّى جَالِسًا إنْ قَدَرَ عَلَى التَّرَبُّعِ، وَإِلَّا فَبِقَدْرِ طَاقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ فَلْيُومِئْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَشَقَّةِ فِي الْغُسْلِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى غَسْلِ جَمِيعِ الْجَسَدِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ تَطَاوَلَ فِعْلُ ذَلِكَ لِمَا يُسْتَقْبَلُ إلَخْ: لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمُ الْفِعْلِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ حُكْمَهُ السُّنِّيَّةُ وَتَبِعْنَا فِي ذَلِكَ النَّاصِرَ اللَّقَانِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْحَطُّ رُتْبَتُهَا بِتَرْكِهَا إلَّا إنْ نَابَ عَنْهَا غَيْرُهَا. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ تَرَكَ فَضِيلَةً كَشَفْعِ غَسْلِهِ وَتَثْلِيثِهِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ إعَادَتُهَا لَا حَالًا وَلَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، وَيُعْلَمُ مِنْهُ حُكْمُ تَنْكِيسِ السُّنَنِ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَلَا يُعَادُ الْمُنَكَّسُ مِنْهَا لِمَا يُسْتَقْبَلُ، إلَّا مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِجْمَارِ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَنْدُبُ لَهُ الِاسْتِنْجَاءُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَاةِ. (وَمَنْ صَلَّى عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ مِنْ حَصِيرٍ) أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَسْدُلُهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ كَحِرَامِهِ الَّذِي طَرَحَهُ فِي الْأَرْضِ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (بِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ نَجَاسَةً) وَلَكِنْ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلَوْ لَمَسَتْهَا ثِيَابُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّكَتْ بِحَرَكَتِهِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ طَهَارَةُ مَا تَمَسُّهُ أَعْضَاؤُهُ، وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَرْوَةِ الَّتِي بِبَاطِنِهَا نَجَاسَةٌ وَلَوْ جِلْدَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ شَاةٍ مَاتَتْ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ حَيْثُ كَانَ الشَّعْرُ سَاتِرًا لِلْجِلْدِ وَلَا نَجَاسَةَ بِهِ، وَلَا يُقَالُ: الشَّعْرُ يَتَّصِلُ بِالنَّجَاسَةِ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُتَنَجِّسُ الْمَنْبَتُ فِي الْجِلْدِ الْخَارِجُ الزَّائِدُ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْحَصِيرِ الَّذِي بِبَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ وَلَوْ مُتَّصِلَةً بِهِ، فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ صَحِيحَةٌ لِعَدَمِ حَمْلِهِ لَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بِطَرَفِ عِمَامَتِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الْمَحْمُولِ لَهُ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا وَقَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ نَحْوِ الْعِمَامَةِ وَالْحَصِيرِ أَنَّ نَحْوَ الْحَصِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ، فَالشَّرْطُ طَهَارَةُ مَا تَمَاسُّهُ أَعْضَاءُ الْمُصَلِّي، بِخِلَافِ نَحْوِ الْعِمَامَةِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُضِرَّ إنَّمَا هُوَ الْجُلُوسُ عَلَى الْمَحَلِّ أَوْ حَمْلُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ حَبْلٍ مُتَنَجِّسٍ أَوْ مَرْبُوطٍ بِهِ نَجَاسَةٌ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ طَاهِرٌ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ وَقَفَ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ، وَأَمَّا إنْ وَقَفَ عَلَى الطَّرَفِ الطَّاهِرِ، وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ عَلَى الْحَصِيرِ الَّذِي بِبَاطِنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تَتَّصِلْ بِأَعْلَاهُ. (وَالْمَرِيضُ إذَا كَانَ) جَالِسًا (عَلَى فِرَاشٍ نَجِسٍ) وَأَوْلَى مُتَنَجِّسٍ (فَلَا بَأْسَ) إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ (أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا طَاهِرًا كَثِيفًا) غَيْرَ حَرِيرٍ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ (وَيُصَلِّي عَلَيْهِ) وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَرِيضٍ سَتْرُ نَجِسٍ بِطَاهِرٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ كَالصَّحِيحِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْمَرِيضِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ غَالِبًا، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الصَّحِيحَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: لَا بَأْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي أَوْ الْمَرْجُوحُ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ وَإِلَّا وَجَبَ، فَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ النَّجَاسَةَ إلَّا الْحَرِيرَ فَلَهُ سَتْرُهَا بِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إنَّمَا تَحْرُمُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَعَصَى وَصَحَّتْ إنْ لَبِسَ حَرِيرًا كَمَا يُعْصَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ اخْتِيَارًا، وَلَوْ فَرَشَ عَلَيْهِ ثَوْبًا غَيْرَ حَرِيرٍ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرِيرِ أَشَدُّ مِنْ حُرْمَةِ النَّجَاسَةِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي تَجْوِيزِ الْجُلُوسِ عَلَيْهِ بَعْدَ سَتْرِهِ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْك بِمَحَلٍّ مَفْرُوشٍ بِحَرِيرٍ فَيَجِبُ عَلَيْك رَفْعُ الْفُرُشِ وَتُصَلِّي عَلَى مَا تَحْتَهُ، إلَّا أَنْ لَا تَسْتَطِيعَ فَلَا بَأْسَ بِفَرْشِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَتُصَلِّي بَعْدَ تَقْلِيدِ الْقَائِلِ بِزَوَالِ الْحُرْمَةِ بِفَرْشِ شَيْءٍ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ): يُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُفْرَشُ عَلَى النَّجَاسَةِ أَنْ يَكُونَ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمُصَلِّي، وَأَمَّا لَوْ فَرَشَ كُمَّ ثَوْبِهِ الْمُلَابِسِ لَهُ عَلَى نَجَاسَةٍ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ طَرَفِ حِرَامِهِ الْمُلْتَحِفِ بِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَلَوْ الْجَافَّةَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَقَدْ قَالَ عِيَاضٌ: وَسُقُوطُ طَرَفِ ثَوْبِهِ عَلَى جَافِّ نَجَاسَةٍ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ اهـ مَوَّاقٌ، فَإِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: بِغَيْرِ مَحَلِّهِ أَنَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ السَّاقِطِ عَلَى النَّجَاسَةِ لَوْ كَانَ مَفْرُوشًا عَلَى نَجَاسَةٍ تَحْتَ جَبْهَتِهِ أَوْ قَدَمِهِ أَوْ رُكْبَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَغْوًا فَلَا يَصِحُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَفْرِشَ كُمَّهُ عَلَى نَجَاسَةٍ بِمَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. [صِفَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: (وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ) الْفَرِيضَةُ (إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ) فِيهَا مُسْتَقِلًّا بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ تَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ (صَلَّى جَالِسًا) مُسْتَقِلًّا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَبَّعَ (إنْ قَدَرَ عَلَى التَّرَبُّعِ) اقْتِدَاءً بِهِ - ﷺ - «كَانَ يَتَرَبَّعُ فِي صَلَاتِهِ جَالِسًا» كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ؛ وَلِأَنَّهُ الْأَلْيَقُ بِالْأَدَبِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَتَرَبَّعَ كَالْمُتَنَفِّلِ، وَغَيَّرَ جِلْسَتُهُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَكَذَا فِي سُجُودِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُصَلِّي الْفَرْضَ جَالِسًا هُوَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ جُمْلَةً أَوْ يَخَافُ بِالْقِيَامِ الْمَرَضَ أَوْ زِيَادَتَهُ كَالتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ الْمَشَفَّةُ الْفَادِحَةُ دُونَ الْمَرَضِ فَالرَّاجِحُ التَّفْصِيلُ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ صَحِيحًا فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْجُلُوسُ، وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يَصِحُّ جُلُوسُهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، خِلَافًا لِتِلْمِيذِهِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ عَدَمُ صِحَّةِ صَلَاتِهِ جَالِسًا، وَالْقَادِرُ عَلَى الْقِيَامِ مَعَ الِاسْتِقْلَالِ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ عَجَزَ مَعَهُ عَنْ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِنَادِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِنَادُ لِغَيْرِ جُنُبٍ
[ ١ / ٢٤٠ ]
وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إيمَاءً، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى ظَهْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَحَائِضٍ وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ حَيْثُ اسْتَنَدَ لَهُمَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، وَقَيَّدْنَا الصَّلَاةَ بِالْفَرِيضَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلسُّنَّةِ فَيَدْخُلُ فِيهَا النَّفَلُ الْمَنْذُورُ فِيهِ الْقِيَامُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمُتَنَفِّلٍ جُلُوسٌ وَلَوْ فِي أَثْنَائِهَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْإِتْمَامِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ الْجُلُوسُ. قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ بِفَرْضٍ قِيَامٌ إلَّا لِمَشَقَّةٍ أَوْ لِخَوْفِهِ بِهِ فِيهَا أَوْ قَبْلَ ضَرَرٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ كَخَلِيلٍ لَمْ يُبَيِّنْ مَوْضِعَ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِي حَالِ فِعْلِ الْفَرْضِ كَالرُّكُوعِ وَالْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ أَوْ زَمَنِ قِرَاءَتِهَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا السُّورَةُ فَلَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهَا إلَّا عَلَى مَأْمُومٍ لِئَلَّا تَحْصُلَ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَأَمَّا اسْتِنَادُ غَيْرِ الْمَأْمُومِ فِي حَالِ قِرَاءَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ مُبْطِلًا لِصَلَاتِهِ بِخِلَافِ اسْتِنَادِهِ فِي نَحْوِ الرُّكُوعِ أَوْ الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُبْطِلًا حَيْثُ كَانَ اسْتِنَادُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ لَا إنْ كَانَ سَهْوًا، فَإِنَّمَا تَبْطُلُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَوْ سَقَطَ قَادِرٌ بِزَوَالِ عِمَادٍ بَطَلَتْ عَلَى الْمُسْتَنَدِ عَمْدًا فِي حَالِ فِعْلِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَ لَا يَسْقُطُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فَقَطْ وَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ. الثَّانِي: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّرَبُّعِ لِلْمُصَلِّي جَالِسًا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ تَغَيُّرَ جِلْسَتِهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ أَوْ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ، وَحُكْمُ التَّغْيِيرِ السُّنِّيَّةُ حَالَ السُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ، وَالنَّدْبُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ الْمَرِيضُ عَلَى الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ مُتَرَبِّعًا بِأَنْ عَجَزَ عَنْهُ جُمْلَةً أَوْ يَلْحَقُهُ بِالتَّرَبُّعِ الْمَشَقَّةُ الْفَادِحَةُ (صَلَّى) جَالِسًا (بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) وَلَوْ غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ، وَاسْتَنَدَ لِغَيْرِ جَنْبٍ وَحَائِضٍ، وَلَهُمَا أَعَادَ بِوَقْتٍ إنْ كَانَ الِاسْتِنَادُ لَهُمَا مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: الْقِيَامُ مَعَ الِاسْتِقْلَالِ، الْقِيَامُ مَعَ الِاسْتِنَادِ، الْجُلُوسُ اسْتِقْلَالًا، الْجُلُوسُ مَعَ الِاسْتِنَادِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ الْقَادِرِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ جُلُوسِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهُمَا مِنْ جُلُوسٍ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) أَيْ الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ بِحَالَتَيْهِ (عَلَى السُّجُودِ) وَالرُّكُوعِ مِنْ جُلُوسٍ بَلْ عَجَزَ عَنْهُمَا جُمْلَةً أَوْ تَلْحَقُهُ بِهِمَا الْمَشَقَّةُ الْفَادِحَةُ (فَلْيُومِئْ) أَيْ يُشِيرْ بِرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ (بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) أَيْ إلَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِهِمَا أَوْمَأَ إلَيْهِمَا بِرَأْسِهِ فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بِرَأْسِهِ فِيمَا يَسْتَطِيعُ أَوْمَأَ وَلَوْ بِيَدِهِ أَوْ طَرَفِهِ. (وَ) يَجِبُ أَنْ (يَكُونُ) إيمَاؤُهُ لِ (سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) أَيْ مِنْ إيمَائِهِ لِرُكُوعِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَلَا يَسْتَطِيعُ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ بِأَنَّهُ يُومِئُ لَهُمَا مِنْ جُلُوسٍ، وَتَرْكُ حُكْمٍ عَكْسُ كَلَامِهِ وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْقِيَامِ فَقَطْ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَأَوْمَأَ عَاجِزٌ إلَّا عَنْ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِصَلَاتِهِ كُلِّهَا مِنْ قِيَامٍ بِأَنْ يُومِئَ إلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِرَأْسِهِ وَظَهْرِهِ أَوْ بِمَا قَدَرَ مِنْ أَعْضَائِهِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِيمَاءِ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى النِّيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَصْدُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْأَقْوَالِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا نَوَى الْجَمِيعَ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ زِيَادَةً عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُومِئُ لَهُمَا مِنْ قِيَامٍ إنْ عَجَزَ عَنْ الْجُلُوسِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْجُلُوسِ أَوْمَأَ إلَى الرُّكُوعِ مِنْ قِيَامٍ وَإِلَى السُّجُودِ مِنْ جُلُوسٍ. الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَيْفَ يَفْعَلُ بِيَدَيْهِ حَالَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ الْمُومِئَ لِلرُّكُوعِ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ إنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ مِنْ قِيَامٍ أَنْ يَمُدَّ يَدَيْهِ مُشِيرًا بِهِمَا إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَنْ يَضَعَهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ إنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ مِنْ جُلُوسٍ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الْمَدِّ فِي الْأَوَّلِ وَالْوَضْعِ فِي الثَّانِي الْوُجُوبُ، وَأَمَّا الْمُومِئُ لِلسُّجُودِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يُومِئُ بِيَدَيْهِ أَوْ يَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ؟ أَيْ هَلْ يُومِئُ بِهِمَا إلَى الْأَرْضِ إنْ أَوْمَأَ إلَى السُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ، وَيَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ إنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ مِنْ جُلُوسٍ وَالْمُقَابِلُ مَطْوِيٌّ؟ أَيْ أَوْ لَا يَفْعَلُ بِهِمَا شَيْئًا تَأْوِيلَانِ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الْإِيمَاءِ، وَحَكَى فِيهِ خَلِيلٌ تَأْوِيلَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يَجِبُ فِيهِ الْوُسْعُ أَيْ بَذْلُ الْجُهْدِ بِحَيْثُ لَوْ قَصَّرَ عَنْ وُسْعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، أَوْ يَكْتَفِي بِمَا يُعَدُّ إيمَاءً؟ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِيمَاءِ لِلرُّكُوعِ مِنْ السُّجُودِ. الرَّابِعُ: قَوْلُنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إيمَاؤُهُ لِلسُّجُودِ أَخْفَضَ إلَخْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ، وَفِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ. وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْحَالَاتِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ: حَالَةُ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا وَمُسْتَنِدًا، وَالْجُلُوسُ كَذَلِكَ شُرِعَ فِي حَالَاتِ الِاسْتِلْقَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمَرِيضُ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ جُلُوسٍ وَلَوْ مَعَ الِاسْتِنَادِ (صَلَّى) مُضْطَجِعًا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ (عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ
[ ١ / ٢٤١ ]
وَلَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ وَلْيُصَلِّهَا بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجُدْ مَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] إيمَاءً) بِرَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ وَجْهَهُ إلَى الْقِبْلَةِ كَمَا يُفْعَلُ بِهِ فِي لَحْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَعَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا مُضْطَجِعًا (عَلَى ظَهْرِهِ فَعَلَ ذَلِكَ) بِأَنْ يَجْعَلَ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الظَّهْرِ صَلَّى مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَرِجْلَاهُ إلَى دُبُرِهَا، وَحُكْمُ الِاسْتِقْبَالِ فِي تِلْكَ الْحَالَاتِ الْوُجُوبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ بَطَلَتْ، وَالْقُدْرَةُ تَكُونُ بِوُجُودِ مَنْ يُحَوِّلُهُ وَإِلَّا سَقَطَ، ثُمَّ وَجَدَ مَنْ يُحَوِّلُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ حَالَاتِ الِاسْتِلْقَاءِ الثَّلَاثِ وَهِيَ: الْأَيْمَنُ وَالْأَيْسَرُ وَالظَّهْرُ مُسْتَحَبٌّ، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْبَطْنِ فَهُوَ وَاجِبٌ، كَالتَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ وَالْقِيَامِ بِحَالَتَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا وَالْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ فَرْضٌ، وَكَذَلِكَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ وَعَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ: أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْقِيَامِ مُسْتَنِدًا وَالْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ فَقَطْ، وَكَذَا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْجُلُوسِ بِحَالَتَيْهِ وَالِاضْطِجَاعِ فَرْضٌ، كَمَا بَيْنَ حَالَاتِ الِاسْتِلْقَاءِ الثَّلَاثِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْبَطْنِ كَمَا قَدَّمْنَا خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. الثَّانِي: الْمُصَلِّي مِنْ اضْطِجَاعٍ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ يُومِئُ بِكُلِّ أَعْضَائِهِ أَوْ بِبَعْضِهَا، وَالْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَوْمَأَ بِعَيْنَيْهِ وَقَلْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِأُصْبُعِهِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَرْتِيبَ الْإِيمَاءِ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَاجِبٌ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ يُسْرِ الدِّينِ سُقُوطُ الصَّلَاةِ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِتْيَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا سِوَى النِّيَّةِ قَالَ: (وَلَا يُؤَخِّرُ) الْمُكَلَّفُ (الصَّلَاةَ إذَا كَانَ فِي عَقْلِهِ) الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِوَجْهٍ (وَلْيُصَلِّهَا بِقَدْرِ طَاقَتِهِ)، وَلَوْ بِنِيَّةِ أَفْعَالِهَا: قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلِهِ، وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ بِهَا أَنْ يَقْصِدَ أَرْكَانَهَا بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِحْرَامَ وَالْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالرَّفْعَ وَالسُّجُودَ، وَهَكَذَا إلَى السَّلَامِ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى الْإِيمَاءِ بِطَرَفِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا أَوْمَأَ بِمَا قَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِهِ، وَلَوْ بِحَاجِبٍ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْمَرِيضُ أَنْ يُومِئَ إلَّا بِطَرَفِهِ وَحَاجِبِهِ فَلْيُومِئْ بِهِمَا، وَيَكُونُ مُصَلِّيًا بِهَذَا مَعَ النِّيَّةِ وَهَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الطَّهَارَةِ لِلْعِلْمِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَوْ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ وَلَوْ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا بِكُلِّ وَجْهٍ سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَدَاءً وَقَضَاءً؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْهَا بِقِسْمَيْهَا الْمَائِيَّةِ وَالتُّرَابِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَتَسْقُطُ صَلَاةٌ وَقَضَاؤُهَا بِعَدَمِ مَاءٍ وَصَعِيدٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالْإِكْرَاهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الطَّهَارَةِ، بَلْ إنْ أَخَّرَهَا فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْإِكْرَاهُ عَلَى عَدَمِ الصَّلَاةِ بِالْقَصْدِ.
(٣) الثَّانِي: الْأَصْلُ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أَيْ مَا فِي طَاقَتِهَا، وَآيَةُ. ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: «كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْت النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَجَالِسًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِكَ» زَادَ ابْنُ صَخْرٍ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا» . الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَطَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حَالَتَهُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا أَوْ جَالِسًا وَطَرَأَ لَهُ الصِّحَّةُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ زِيَادَةً عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الِانْتِقَالُ إلَى الْأَعْلَى زِيَادَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ خَفَّ مَعْذُورٌ وَانْتَقَلَ إلَى الْأَعْلَى وُجُوبًا إنْ كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ وَاجِبًا، وَنَدْبًا إنْ كَانَ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا مَنْدُوبًا، وَمَفْهُومُ خَفَّ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ بِحَيْثُ صَارَ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَالَةَ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا صَلَاةً عَجَزَ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ جُلُوسٍ مَعَ الِاسْتِقْلَالِ أَوْ الِاسْتِنَادِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ.
(٤) الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ يَسْتَطِيعُ الْإِتْيَانَ بِالصَّلَاةِ عَلَى حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ، لَكِنْ نَسِيَ بَعْضَ أَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا وَلَكِنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا بِالتَّلْقِينِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّخَاذُ مَنْ يُلَقِّنُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْمُنِيرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّخَاذُ مَنْ يُلَقِّنُهُ نَحْوَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّكْبِيرِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُهُ فِي ثَمَنِ الْمَاءِ فَيَقُولُ لَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَهَكَذَا إلَى
[ ١ / ٢٤٢ ]
يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ تَيَمَّمَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ تُرَابًا تَيَمَّمَ بِالْحَائِطِ إلَى جَانِبِهِ إنْ كَانَ طِينًا أَوْ عَلَيْهِ طِينٌ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ جِصٌّ أَوْ جِيرٌ فَلَا يَتَيَمَّمُ بِهِ
وَالْمُسَافِرُ يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ فِي طِينٍ خِضْخَاضٍ لَا يَجِدُ أَيْنَ يُصَلِّي فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَابَّتِهِ، وَيُصَلِّي فِيهِ قَائِمًا يُومِئُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَفَرِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ إنْ كَانَ سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةِ، وَلْيُوتِرْ عَلَى دَابَّتِهِ إنْ شَاءَ وَلَا يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ وَإِنْ كَانَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] السَّلَامِ، وَيَقُولُ لَهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ: افْعَلْ هَكَذَا إشَارَةً إلَى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ عِنْدَ نِسْيَانِهِمَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً وَعَدَ بِهَا فِي التَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) مَرِيدُ الصَّلَاةِ (عَلَى مَسِّ الْمَاءِ لِضَرَرٍ بِهِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ) مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَسِّهِ (تَيَمَّمَ) أَيْ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمَرِيضُ (مَنْ يُنَاوِلُهُ تُرَابًا) يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ (تَيَمَّمَ بِالْحَائِطِ) الْقَرِيبِ (إلَى جَانِبِهِ إنْ كَانَ طِينًا أَوْ عَلَيْهِ طِينٌ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَرِيضٍ حَائِطُ لَبِنٍ أَوْ حَجَرٍ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَرِيضِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الصَّحِيحِ، إذْ الصَّحِيحُ يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ بِالْحَائِطِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَرِيضِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ (فَإِنْ كَانَ فِي جَصٍّ أَوْ جِيرٍ) أَوْ تِبْنٍ (فَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يَتَيَمَّمَ عَلَيْهِ) صَحِيحٌ أَوْ مَرِيضٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِشَيْءٍ نَجِسٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَا الصَّعِيدِ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِنِيَابَةٍ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ وَقَضَاؤُهَا، كَمَا تَسْقُطُ عَمَّنْ لَمْ يَجِدْ لَا مَاءً وَلَا صَعِيدًا فَرَاجِعْهُ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ مُنَاسِبَةٍ لِمَا قَبْلَهَا فِي الْعَجْزِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُسَافِرُ) الْمُرَادُ الرَّاكِبُ مُطْلَقًا (يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ) أَيْ يَضِيقُ عَلَيْهِ الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ وَهُوَ سَائِرٌ (فِي طِينٍ خَضْخَاضٍ) وَهُوَ الطِّينُ الرَّقِيقُ وَمِثْلُهُ الْمَاءُ الْخَالِصُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ (لَا يَجِدُ أَيْنَ يُصَلِّي فِيهِ) خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ أَوْ مِنْ تَلْطِيخِ ثِيَابِهِ (فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَابَّتِهِ وَيُصَلِّي فِيهِ) حَالَ كَوْنِهِ (قَائِمًا يُومِئُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ) وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، خَلَا أَشْهَبَ فِي إيجَابِهِ: الْجُلُوسَ وَالسُّجُودَ مَعَ التَّخْفِيفِ وَإِنْ تَلَطَّخَتْ ثِيَابُهُ النَّفِيسَةُ، وَإِذَا أَوْمَأَ إلَى الرُّكُوعِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ يَرْفَعُهُمَا، وَإِذَا أَوْمَأَ إلَى السُّجُودِ يُومِئُ بِيَدَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَيَنْوِي الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَائِمًا، وَكَذَلِكَ جُلُوسُ التَّشَهُّدِ إنَّمَا يَكُونُ قَائِمًا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَاحْتُرِزَ بِالْخَضْخَاضِ مِنْ الْيَابِسِ الَّذِي يُمْكِنُ السُّجُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ النُّزُولُ وَيُصَلِّي فِيهِ بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ: الْمُسَافِرُ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَمَا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلرَّاكِبِ، الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلْيَنْزِلْ بَلْ أَوْلَى مِنْ الْمَاشِي فَإِنَّهُ يُصَلِّي فِي الْخَضْخَاضِ بِالْإِيمَاءِ. (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْخَائِفُ خُرُوجَ الْوَقْتِ وَهُوَ مِنْ طِينٍ أَوْ مَاءٍ (أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ) خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ (صَلَّى عَلَى دَابَّتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُوقِفَهَا وَيُصَلِّيَ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَقَوْلُنَا: خَوْفًا مِنْ الْغَرَقِ احْتِرَازٌ مِنْ خَوْفِ تَلْطِيخِ الثِّيَابِ فَقَطْ، فَلَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: خَشْيَةَ تَلْطِيخِ الثِّيَابِ لَا تُوجِبُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ إيمَاءً بِالْأَرْضِ، وَهَلْ يُقَيَّدُ بِكَوْنِ الْغَسْلِ يُفْسِدُهَا أَوْ مُطْلَقًا خِلَافٌ، وَسَيَأْتِي فِي الرُّعَافِ مَا يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِكَوْنِ الْغَسْلِ يُفْسِدُهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرْضِ عَلَى الدَّابَّةِ إنَّمَا تَكُونُ بِالْإِيمَاءِ إلَى الْأَرْضِ لَا إلَى رَحْلِ الدَّابَّةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا، فَإِنْ أَوْمَأَ إلَيْهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ، وَأَمَّا لِلرُّكُوعِ فَيَكُونُ حَيْثُ الْقُدْرَةُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ. وَفِي التَّتَّائِيِّ عَنْ سَيِّدٍ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى الدَّابَّةِ قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، سَحْنُونٌ: لَا يُجْزِئُهُ لِدُخُولِهِ عَلَى الضَّرَرِ، وَلَا يُقَالُ يُعَارِضُهُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهَا قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا، أَوْ كَلَامُ سَنَدٍ فِي الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ، وَلَكِنَّ كَلَامَ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّحِيحِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فِي غَيْرِ الِالْتِحَامِ وَالْخَوْفِ مِنْ كَسَبُعٍ، أَوْ فِي خَضْخَاضٍ لَا يُطِيقُ النُّزُولَ بِهِ، أَوْ لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهٌ): مِثْلُ مَنْ يَأْخُذَهُ الْوَقْتُ فِي الْمَاءِ أَوْ الطِّينِ فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ الْفَرْضَ عَلَى الدَّابَّةِ بِالْإِيمَاءِ الْخَائِفِ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ سِبَاعٍ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ إلَى جِهَةِ الْأَرْضِ وَيَرْفَعُ الْعِمَامَةَ عَنْ جَبْهَتِهِ عِنْدَ الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ فَرْضٌ عَلَى ظَهْرِهَا أَيْ الْكَعْبَةِ كَالرَّاكِبِ إلَّا لِالْتِحَامٍ أَوْ لِخَوْفٍ مِنْ كَسَبُعٍ وَإِنْ لِغَيْرِهَا، وَإِلَّا لِخَضْخَاضٍ لَا يُطِقْ النُّزُولَ بِهِ أَوْ لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَّةِ فَقَالَ: (وَ) يَجُوزُ (لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَتَنَفَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ) وَالْمُرَادُ بِهَا مَا عَدَا السَّفِينَةَ، فَيَشْمَلُ الْفَرَسَ وَالْحِمَارَ وَالْآدَمِيَّ لِمُقَابَلَتِهَا بِالسَّفِينَةِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْ فِي شُقْدُفٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي رَاكِبٍ نَحْوِ السَّبُعِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّنَفُّلُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ (فِي) مُدَّةِ (سَفَرِهِ) وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ بَلْ (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وَلَوْ سَهُلَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّافِلَةِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَكِنْ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) سَفَرُهُ (سَفَرًا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) بِأَنْ كَانَ مُبَاحًا وَأَرْبَعَةُ بُرْدٍ، فَلَا يَتَنَفَّلُ الْعَاصِي وَلَا مُسَافِرٌ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرْدٍ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ مَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلْيُوتِرْ) الْمُسَافِرُ (عَلَى دَابَّتِهِ إنْ شَاءَ) وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ النُّزُولِ
[ ١ / ٢٤٣ ]
مَرِيضًا إلَّا بِالْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً لِمَرَضِهِ فَلْيُصَلِّ عَلَى الدَّابَّةِ بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ
وَمَنْ رَعَفَ مَعَ الْإِمَامِ خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ، ثُمَّ بَنَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ أَوْ يَمْشِ عَلَى نَجَاسَةٍ
وَلَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ لَمْ تَتِمَّ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالْأَرْضِ، وَالتَّخْيِيرُ إنَّمَا هُوَ فِي مُطْلَقِ الْجَوَازِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ التَّنَفُّلَ بِالْأَرْضِ أَفْضَلُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَوْبَ سَفَرِ قَصْرٍ لِرَاكِبٍ دَابَّةً فَقَطْ، وَإِنْ بِمَحَلِّ بَدَلٍ فِي نَفْلٍ وَإِنْ وِتْرًا وَإِنْ سَهُلَ لِابْتِدَاءٍ لَهَا لَا السَّفِينَةُ فَيَدُورُ مَعَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَهَلْ إنْ أَوْمَأَ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فِعْلُهُ - ﷺ -، فَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ» وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «وَيُوتِرُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ» وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ فَجِئْت وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ السُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى الْأَرْضِ، وَلَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَيَكُونُ فِي سُجُودِهِ مُتَرَبِّعًا عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَيَرْفَعُ عِمَامَتَهُ عِنْدَ إيمَائِهِ لِلسُّجُودِ، وَلَهُ ضَرْبُ الدَّابَّةِ وَرَكْضِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَهُ ضَرْبُ غَيْرِهَا، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ وَلَا يَلْتَفِتُ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي طَهَارَةِ السَّرْجِ وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ رَاكِبٌ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ اشْتِرَاطُ طَهَارَتِهِ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ تَرْكَ الْفَرْضِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَكَيْفَ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّافِلَةِ مِنْ اشْتِرَاطِ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ يُفِيدُ صِحَّةَ الْإِيمَاءِ إلَيْهِ، فَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: وَيُومِئُ إلَى الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي تُصَلَّى فِيهَا الْفَرِيضَةُ عَلَى ظَهْرِهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلْأَرْضِ، فَلَا يَصِحُّ فِي سَرْجِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُسَافِرِ عَلَى الْحَاضِرِ فَلَا يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ وَلَا الْفَرِيضَةِ إلَّا فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَا يَصِحُّ تَنَفُّلُهُ فِي السَّفِينَةِ أَيْضًا حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ، بَلْ لَا يُصَلِّي فِيهَا إلَّا لِلْقِبْلَةِ وَيَدُورُ مَعَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: مَحَلُّ مَنْعِ بَعْضِ النَّفْلِ فِي السَّفِينَةِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ إذَا كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ لِعُذْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا مَنْعَ يُصَلِّي حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ، وَلَوْ تَرَكَ الدَّوَرَانَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ قِبْلَةَ الْمُسَافِرِ فِي النَّفْلِ جِهَةَ سَفَرِهِ، فَلَوْ انْحَرَفَ عَنْهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِذَا انْحَرَفَ الْمُسَافِرُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا سَهْوٍ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِبْلَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ تِلْكَ طَرِيقُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ الدَّابَّةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِغَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ إلَى جِهَةِ دُبُرِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَ إلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
(٣) الثَّالِثُ: إذَا وَصَلَ مَنْزِلًا وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ، فَإِنْ كَانَ مَنْزِلَ إقَامَةٍ نَزَلَ وَكَمَّلَهَا بِالْأَرْضِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلَ إقَامَةٍ خَفَّفَ وَأَتَمَّهَا عَلَى الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ عَزْمَهُ السَّفَرُ، وَهَكَذَا كُلُّهُ حَيْثُ بَقِيَ مِنْهَا مَا لَهُ بَالٌ، وَأَمَّا نَحْوُ التَّشَهُّدِ فَيَفْعَلُهُ عَلَى ظَهْرِهَا مُطْلَقًا، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ يَتَنَفَّلُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَصِحُّ لِلْمُسَافِرِ وَأَوْلَى غَيْرُهُ أَنْ (يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ) وَلَوْ بِالنَّذْرِ لِقِيَامِهَا (وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا إلَّا بِالْأَرْضِ) فَلَوْ صَلَّاهَا عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَعَادَهَا أَبَدًا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ يُصَلِّيهَا عَلَيْهَا قَائِمًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا مِنْ غَيْرِ نَقْصِ شَيْءٍ عِنْدَ سَحْنُونٍ لِدُخُولِهِ عَلَى الضَّرَرِ، وَقَالَ سَنَدٌ: تَجْزِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَسَيَأْتِي مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ. (إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ) عَنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ (صَلَّى جَالِسًا إيمَاءً لِمَرَضِهِ فَلْيُصَلِّ) الْفَرْضَ (عَلَى الدَّابَّةِ) حِينَئِذٍ إنْ كَانَ يَفْعَلُهَا عَلَى ظَهْرِهَا كَفِعْلِهِ لَهَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَيُومِئُ إلَى الْأَرْضِ بَعْدَ رَفْعِ الْعِمَامَةِ عَنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ، وَذَلِكَ الْفِعْلُ (بَعْدَ أَنْ تُوقَفَ لَهُ وَيَسْتَقْبِلُ بِهَا الْقِبْلَةَ) وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا تَصِحُّ فِيهِ الْفَرِيضَةُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ: وَهِيَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ قَدَّمْنَاهَا سِوَى هَذِهِ، وَإِلَّا لِمَرَضٍ وَيُؤَدِّيهَا عَلَيْهَا كَالْأَرْضِ فَعَلَهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُؤَدِّيهَا عَلَى الْأَرْضِ أَتَمَّ مِنْ صَلَاتِهَا عَلَى ظَهْرِهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاتُهَا بِالْأَرْضِ اتِّفَاقًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ إنْ نَزَلَ عَلَى الْأَرْضِ بِقَدْرٍ يَسْجُدُ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَتَمِّيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُوبِ فِعْلِهَا بِالْأَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ عَلَى ظَهْرِهَا وَبِالْأَرْضِ لَكِنْ يَزِيدُ إنْ نَزَلَ عَلَى الْأَرْضِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى التَّرَبُّعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ بِفَرْضٍ فَلَا يَقْتَضِي وُجُوبَ فِعْلِهَا بِالْأَرْضِ بَلْ النَّدْبُ فَقَطْ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَبِتَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَرِيضِ الَّذِي فَرْضُهُ الْإِيمَاءُ عُلِمَ الرَّدُّ عَلَى تَعَقُّبِ ابْنِ الْفَخَارِ لِلْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ، إذْ لَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُهُ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُصَلِّي جَالِسًا، وَيَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِالْأَرْضِ وَغَفَلَ عَنْ تَقْيِيدٍ بِحَالِ الْإِيمَاءِ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَا ذَكَرَهُ
[ ١ / ٢٤٤ ]
[الرعاف في الصلاة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمُؤَلِّفُ لَا يُخَالِفُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْكَرَاهَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْجَوَازَ قَدْ يَكُونُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَفِيهَا كَرَاهَةُ الْأَخِيرِ حَيْثُ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ لَكِنَّ فَرْضَهُ الْإِيمَاءُ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ النُّزُولِ عَنْ الدَّابَّةِ فَلَا تَتَأَتَّى الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهِ إذْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا عَلَى ظَهْرِهَا، كَمَنْ أَخَذَهُ الْوَقْتُ فِي خَضْخَاضٍ أَوْ فِي حَالِ الِالْتِحَامِ، وَيَقُولُ ابْنُ الْفَخَّارِ: لَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يُصَلِّي جَالِسًا، وَيَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِالْأَرْضِ، ضَعُفَ كَلَامُ سَنَدٍ الْمُتَقَدِّمُ فَافْهَمْ، وَأَيْضًا خَلِيلٌ لَمْ يَصْحِحْ الْفَرِيضَةَ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةِ الْمَرِيضِ وَالْخَائِفِ مِنْ لِصٍّ أَوْ سِبَاعٍ وَمَنْ فِي حَالِ الِالْتِحَامِ، وَمَنْ يَأْخُذُهُ الْوَقْتُ فِي مَاءٍ أَوْ خَضْخَاضٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْإِيمَاءَ لِلْأَرْضِ فِي الْأَرْبَعِ وَمَعَ الِاسْتِقْبَالِ إلَّا فِي حَالِ الِالْتِحَامِ وَعِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ اللُّصُوصِ وَالسِّبَاعِ فَقَدْ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ إنَّمَا تَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ.
(٢) (تَنْبِيهٌ): كَمَا اُغْتُفِرَ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ إيقَاعُ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ، اُغْتُفِرَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى السَّرِيرِ الْمَفْعُولِ مِنْ الشَّرِيطِ، وَشَبَهِهِ مِمَّا لَيْسَ بِخَشَبٍ وَلَا حَجَرٍ حَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ النُّزُولَ بِالْأَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ قُدْرَةُ النُّزُولِ إلَى الْأَرْضِ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِيمَاءَ حَيْثُ أَوْمَأَ إلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ أَوْمَأَ إلَى الْأَرْضِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ كَمَا صَحَّتْ عَلَى الدَّابَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى السَّرِيرِ الْمَصْنُوعِ مِنْ الْخَشَبِ فَقَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالسَّطْحِ. [الرُّعَاف فِي الصَّلَاة] ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَنْ مَسَائِلِ الرُّعَافِ وَهُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْأَنْفِ وَمِثْلُهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ فَقَالَ: (وَمَنْ رَعَفَ) بِفَتْحِ عَيْنِهِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ عَلَى الْأَفْصَحِ فِي حَالِ صَلَاتِهِ (مَعَ الْإِمَامِ) وَكَثُرَ رُعَافُهُ بِحَيْثُ سَالَ أَوْ قَطَرَ، وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ وَلَمْ يَظُنَّ دَوَامَهُ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ. (خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى صَلَاتِهِ إنْ شَاءَ (فَغَسَلَ الدَّمَ) وَصِفَةُ خُرُوجِهِ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكًا أَنْفَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ أَوْ أَعْلَاهُ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِئَلَّا يَحْتَبِسَ الدَّمُ إذَا مَسَكَهُ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّائِلِ أَوْ الْقَاطِرِ بِحَيْثُ لَا يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الرَّاشِحِ الَّذِي يُذْهِبُهُ الْفَتْلُ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَنْصَرِفُ لِدَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: وَلَمْ يَتَلَطَّخْ بِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَثِيرِ الَّذِي يُلَطِّخُهُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ حَيْثُ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِغَسْلِهِ، وَقَيَّدْنَا بِعَدَمِ ظَنِّ الدَّوَامِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا ظَنَّ الدَّوَامَ لِآخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَلَا يَخْرُجُ وَلَوْ سَائِلًا أَوْ قَاطِرًا حَيْثُ كَانَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ فِيهِ، وَفَرَشَ شَيْئًا يُلَاقِي بِهِ الدَّمَ أَوْ كَانَ مُحَصَّبًا أَوْ تُرَابًا لَا حَصِيرَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وَيَغْسِلُ الدَّمَ بَعْدَ فَرَاغٍ، كَمَا تَرَكَ - ﵊ - الْأَعْرَابِيَّ يُتِمُّ بَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ فِيهَا وَإِنْ عِيدًا أَوْ جِنَازَةً وَظَنَّ دَوَامَهُ لَهُ أَتَمَّهَا إنْ لَمْ يُلَطِّخْ فُرُشَ مَسْجِدٍ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ مَفْرُوشٍ أَوْ مُبَلَّطِ يُخْشَى تَلْوِيثُهُ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ يَقَعُ وُجُوبًا عَلَى الْإِتْمَامِ يُتِمُّهَا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، إلَّا أَنْ يَخْشَى ضَرَرًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ تَلَطَّخَ ثِيَابُهُ الَّذِي يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ فَيُتِمُّهَا وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ، لَا إنْ خَشِيَ تَلَطُّخَ جَسَدِهِ أَوْ ثِيَابِهِ الَّتِي لَا يُفْسِدُهَا الْغَسْلُ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الْإِيمَاءُ، وَقَوْلُنَا: إنْ شَاءَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْقَطْعُ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْبَقَاءُ وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا فَعَلَ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ) بَعْدَ خُرُوجِهِ وَغَسْلِ الدَّمِ (يَبْنِي) عَلَى مَا فَعَلَ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّمِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ رَعَفَ مَعَ الْإِمَامِ يُوهِمُ أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْإِمَامُ كَالْمَأْمُومِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ جَمَاعَةٌ حَيْثُ كَانَ رَاتِبًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الرَّاتِبَ كَجَمَاعَةٍ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ. وَأَمَّا الْفَذُّ فَفِي بِنَائِهِ خِلَافٌ هَلْ مُنْشَؤُهُ رُخْصَةُ الْبِنَاءِ لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ لِلْمَنْعِ مِنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ أَوْ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ؟ فَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ يَنْدُبُ لَهُ الْبِنَاءُ مُقَيَّدٌ بِالْعَامِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الرَّاعِفُ مِنْ الْعَوَامّ، أَوْ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ بِالْعِلْمِ فَالْقَطْعُ فِي حَقِّهِ أَوْلَى، هَكَذَا قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ وَهُوَ حَسَنٌ. وَشُرُوطُ الْبِنَاءِ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ إلَى أَحَدِهَا بِقَوْلِهِ: (مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ) فِي زَمَنِ خُرُوجِهِ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا سَوَاءٌ تَكَلَّمَ فِي حَالِ الِانْصِرَافِ أَوْ الرُّجُوعِ وَالْفَرْقُ لَا يَظْهَرُ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِي الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) أَيْ وَمَا لَمْ (يَمْشِ عَلَى نَجَاسَةٍ) فَإِنْ مَشَى عَلَيْهَا فِي حَالَ انْصِرَافِهِ أَوْ رُجُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ يَابِسَةً حَيْثُ عُلِمَ بِهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ لَا بَعْدَهَا فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْوَاثَ الدَّوَابِّ أَوْ أَبْوَالَهَا حَيْثُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرُورَ عَلَيْهَا مَعَ الْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ يَابِسَةً وَلَوْ أَرْوَاثَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا مَعَ الِاضْطِرَارِ فَلَا بُطْلَانَ، وَلَا إعَادَةَ أَيْضًا فِي الْمُرُورِ عَلَى أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَلَوْ رَطْبَةً، وَكَذَا فِي الْمُرُورِ عَلَى غَيْرِهَا لَا بُطْلَانَ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ هَذَا كُلِّهِ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَمَّا الْمُرُورُ مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا إعَادَةَ فِي أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ، إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا لَوْ تَذَكَّرَ فِيهَا فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي مَنْ سَجَدَ عَلَى نَجَاسَةٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا إلَّا بَعْدَ رَفْعِ
[ ١ / ٢٤٥ ]
بِسَجْدَتَيْهَا وَلِيُلْغِهَا وَلَا يَنْصَرِفُ لِدَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ
وَلَا يَنْصَرِفُ لِدَمٍ خَفِيفٍ وَلْيَفْتِلْهُ بِأَصَابِعِهِ إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ
وَلَا يَبْنِي فِي قَيْءٍ وَلَا حَدَثٍ
، وَمَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] جَبْهَتِهِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، فَابْنُ عَرَفَةَ يُبْطِلُ صَلَاتَهُ وَغَيْرُهُ يَتَحَوَّلُ عَنْهَا وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَبَقِيَ شَرْطَانِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا وَهُمَا: أَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ وَيَتَجَاوَزَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَأَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا اخْتِيَارًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمِنْ الْعُذْرِ اسْتِدْبَارُهَا لِطَلَبِ الْمَاءِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: فَيَخْرُجُ مُمْسِكٌ أَنْفَهُ لِغَسْلٍ إنْ لَمْ يُجَاوِزُ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ قَرُبَ، وَيَسْتَدْبِرُ قِبْلَةً بِلَا عُذْرٍ وَيَطَأُ نَجِسًا وَيَتَكَلَّمُ وَلَوْ سَهْوًا. (فَرْعَانِ) أَحَدُهُمَا: إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الذَّهَابِ لِمَاءٍ قَرُبَ مَعَ الِاسْتِدْبَارِ وَمَاءٍ بَعُدَ الِاسْتِدْبَارُ مَعَهُ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إلَى الْقَرِيبِ وَلَوْ مَعَ الِاسْتِدْبَارِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِدْبَارَ اُغْتُفِرَ جِنْسُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ فَتَبْطُلُ بِهِ وَلَوْ سَهْوًا. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، وَرُبَّمَا يُبْحَثُ فِيهِ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْكَثِيرَ اُغْتُفِرَ جِنْسُهُ أَيْضًا، وَلَوْ عَمْدًا فِي صَلَاةِ الْمُسَابَقَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِنُدُورِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِعُذْرِ الِاسْتِدْبَارِ (الْفَرْعُ الثَّانِي): إذَا دَار الْأَمْرُ بَيْنَ الِاسْتِدْبَارِ وَوَطْءِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَبْطُلُ وَطْؤُهَا فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِدْبَارَ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْبَارٌ لِعُذْرٍ، أَشَارَ إلَى هَذَيْنِ الْفَرْعَيْنِ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. (وَ) إذَا خَرَجَ الرَّاعِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ (لَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ لَمْ تَتِمَّ بِسَجْدَتَيْهَا) قَبْلَ رُعَافِهِ (وَلْيُلْغِهَا) أَيْ لَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَإِنَّمَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ تَامَّةٍ، وَتَمَامُهَا يَكُونُ الْجُلُوسَ إنْ كَانَ يَقُومُ مِنْهَا لِلْجُلُوسِ، وَيَكُونُ بِالْقِيَامِ إنْ كَانَ يَقُومُ مِنْهَا لِلْقِيَامِ، فَلَوْ رَكَعَ وَسَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَبْلَ الْجُلُوسِ أَوْ الْقِيَامِ رَعَفَ فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَيَبْتَدِئُ الْقِرَاءَةَ مِنْ أَوَّلِهَا بَانِيًا عَلَى الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ الرُّعَافُ حَصَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَوْ عَلَى الرَّكْعَةِ الْكَامِلَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْمَلْغِيَّةِ إنْ كَانَ الرُّعَافُ فِي غَيْرِ الْأُولَى، فَالْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ الْبِنَاءَ عَلَى الِاعْتِدَادِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَبْنِي عَلَى رَكْعَةٍ لَمْ تَتِمُّ لَا يَعْتَدُّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَلْيُلْغِهَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَبْنِي وَلَوْ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَإِذَا بَنَى لَمْ يَعْتَدَّ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمُلَتْ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا بِهِ الْكَمَالُ عَلَى مَا حَقَّقَهُ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا لِغَسْلِ الدَّمِ السَّائِلِ أَوْ الْقَاطِرِ، شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَنْصَرِفُ لِ) غَسْلِ (دَمٍ خَفِيفٍ) الْمُرَادُ لَا يَجُوزُ لِلرَّاعِفِ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ لِغَسْلِ دَمٍ رَاشِحٍ. (وَلْيَفْتِلْهُ بِأَصَابِعِهِ) أَيْ رُءُوسِ أَنَامِلِ يُسْرَاهُ الْخَمْسِ الْعُلْيَا، قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ رَشَحَ فَتَلَهُ بِأَنَامِلِ يُسْرَاهُ وَالْمُرَادُ الْخَمْسُ الْعُلْيَا، وَصِفَةُ الْفَتْلِ أَنْ يَلْقَاهُ بِرَأْسِ الْخِنْصَرِ وَيَفْتِلُهُ بِرَأْسِ الْإِبْهَامِ، ثُمَّ بَعْدَ الْخِنْصَرِ الْبِنْصِرُ ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ السَّبَّابَةُ، وَلَا يُلْقِي الدَّمَ بِرَأْسِ الْإِبْهَامِ بَلْ يَفْتِلُ بِهَا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ وَتَلَطَّخَتْ الْأَنَامِلُ الْعُلْيَا انْتَقِلْ لِلْأَنَامِلِ الْوُسْطَى، فَإِنْ زَادَ مَا فِيهَا عَنْ دِرْهَمٍ تَحْقِيقًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَإِلَّا أَتَمَّهَا: كَمَا إذَا ظَنَّ الزِّيَادَةَ أَوْ شَكَّ فِيهَا، وَلَا يَنْظُرُ مَا فِي الْعُلْيَا، فَلَوْ انْتَقَلَ بَعْدَ تَلْطِيخِ الْعُلْيَا إلَى عُلْيَا الْيُمْنَى وَزَادَ مَا فِيهَا عَنْ دِرْهَمٍ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا مُعَلِّلًا لَهُ بِقَوْلِهِ: مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِفَتْلِهِ بِيَدَيْهِ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا لِكَلَامِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصَابِعِ رُءُوسُهَا، فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عِلَاقَتُهُ الْكُلِّيَّةُ وَالْجُزْئِيَّةُ نَظِيرُ: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] وَأَنَّ الْمُرَادَ الْعُلْيَا مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِمُبَاشَرَةِ الْأَقْذَارِ، وَلَمَّا كَانَ فَتْلُ الدَّمِ الْخَفِيفِ مَشْرُوطًا بِاسْتِمْرَارِهِ خَفِيفًا قَالَ: (إلَّا أَنْ يَسِيلَ أَوْ يَقْطُرَ) بِحَيْثُ لَا يَذْهَبُ بِالْفَتْلِ، فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ لِغَسْلِهِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ، وَلَهُ الْقَطْعُ بِسَلَامٍ أَوْ كَلَامٍ كَالسَّائِلِ ابْتِدَاءً، وَلَا يُقَالُ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا: وَمَنْ رَعَفَ خَرَجَ فَغَسَلَ الدَّمَ، لِحَمْلِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى السَّائِلِ أَوْ الْقَاطِرِ ابْتِدَاءً، وَهَذَا رَاشِحٌ ابْتِدَاءً وَطَرَأَ لَهُ الزِّيَادَةُ حَتَّى سَالَ أَوْ قَطَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِإِلَى مَوْضِعٍ إلَّا لِيَكُونَ ظَاهِرًا فِيمَا ذَكَرْنَا، وَلَمَّا كَانَ الْخُرُوجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَالْبِنَاءُ عَلَى مَا صَلَّاهُ قَبْلَ الرُّعَافِ رُخْصَةً لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا قَالَ: (وَلَا يَبْنِي) الْمُصَلِّي (فِي قَيْءٍ) مُتَنَجِّسٍ خَرَجَ مِنْهُ فِي حَالِ صَلَاتِهِ (وَلَا) يَبْنِي أَيْضًا فِي (حَدَثٍ) تَذَكَّرَهُ فِيهَا أَوْ خَرَجَ مِنْهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْبِنَاءِ مَعَ الْحَدَثِ الْغَالِبِ، وَلِأَشْهَبَ فِي بِنَاءِ مَنْ رَأَى نَجَاسَةً فِي ثَوْبِهِ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا فِي صَلَاتِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَبْنِي فِي غَيْرِهِ كَظَنِّهِ فَخَرَجَ فَظَهَرَ نَفْيُهُ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، لَكِنْ بِالْحَدَثِ وَلَوْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْقَيْءُ النَّجِسُ أَوْ سُقُوطُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّمَا تُبْطِلُ عِنْدَ اتِّسَاعِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْقَيْءِ النَّجِسِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الطَّاهِرُ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ لَمْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: طَهَارَتُهُ وَيَسَارَتُهُ وَخُرُوجُهُ غَلَبَةً، لَا إنْ كَانَ نَجِسًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ تَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَأَمَّا لَوْ ابْتَلَعَهُ غَلَبَةً فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ قَوْلَانِ عَلَى حَدِّ سِوَى، وَكَمَا لَا يَبْنِي فِي غَيْرِ الرُّعَافِ لَا يَبْنِي
[ ١ / ٢٤٦ ]
رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَلَّمَ وَانْصَرَفَ
وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِهِ انْصَرَفَ وَغَسَلَ الدَّمَ، ثُمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ وَسَلَّمَ
وَلِلرَّاعِفِ أَنْ يَبْنِيَ فِي مَنْزِلِهِ إذَا يَئِسَ أَنْ يُدْرِكَ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ
إلَّا فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يَبْنِي إلَّا فِي الْجَامِعِ
وَيُغْسَلُ قَلِيلُ الدَّمِ مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي الرُّعَافِ الْمُتَكَرِّرِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ، خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِهِ بِالْبِنَاءِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ الرُّعَافُ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْمُتَكَرِّرِ الْحَاصِلُ فِي حَالِ رُجُوعِهِ مِنْ غَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي إكْمَالِ الصَّلَاةِ بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَى صَلَاتِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الرُّعَافِ الْمُبْطِلِ عَلِمْت أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَعَلَّهُ - ﵀ - أُطْلِقَ اتِّكَالًا عَلَى ظُهُورِ الْمُرَادِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حُصُولِ مَا يُوجِبُ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَالْمُصَنِّفُ إمَامٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أُمُورُ الْفِقْهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. الثَّانِي قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَبْنِي فِي قَيْءٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ عَلَى جَعْلِ لَا نَافِيَةً، وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا عَلَى جَعْلِهَا نَاهِيَةً، وَفِي خَلِيلٍ كَذَلِكَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّعَافِ الْحَاصِلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، شَرَعَ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ بَعْدَ تَمَامِهَا وَقَبْلَ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ رَعَفَ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سَلَّمَ وَانْصَرَفَ)؛ لِأَنَّ سَلَامَهُ مَعَ النَّجَاسَةِ أَخَفُّ مِنْ خُرُوجِهِ لِغَسْلِهَا وَسَلَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: وَلَوْ رَعَفَ قَبْلَ تَشَهُّدِهِ لَحَمَلَ الْإِمَامُ لَهُ، فَلَوْ خَالَفَ وَخَرَجَ لِغَسْلِ الدَّمِ قَبْلَ السَّلَامِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ. (وَ) مَفْهُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ (إنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (انْصَرَفَ وَغَسَلَ الدَّمَ)؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَخْرُجْ يَصِيرُ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ عَمْدًا فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. (ثُمَّ رَجَعَ) بَعْدَ انْصِرَافِهِ لَغَسَلَ الدَّمِ (فَجَلَسَ) وَتَشَهَّدَ فَلَوْ كَانَ تَشَهَّدَ قَبْلَ الِانْصِرَافِ (وَسَلَّمَ)؛ لِأَنَّ سُنَّةَ السَّلَامِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ تَشَهُّدٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسَلَّمَ وَانْصَرَفَ إنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ لَا قَبْلَهُ، وَمَحَلُّ انْصِرَافِ مَنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ إمَامُهُ قَبْلَ مُجَاوَزَتَيْنِ الصَّفَّ وَالصَّفَّيْنِ وَإِلَّا جَلَسَ وَسَلَّمَ: (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْمَأْمُومِ إنْ رَعَفَ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ مِنْ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَلَا يَنْصَرِفُ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَمَنْ رَعَفَ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ يَخْرُجُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَسَكَتَ عَنْ نَفْسِ الْإِمَامِ يَرْعُفُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، وَمِثْلُهُ الْفَذُّ عَلَى الْقَوْلِ بِبِنَائِهِ، وَقَالَ الْحَطَّابُ: لَمْ أَرَ فِيهِمَا نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ حَصَلَ الرُّعَافُ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِمِقْدَارِ السُّنَّةِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يُسَلِّمُ، وَالْإِمَامُ وَالْفَذُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ رَعَفَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ التَّشَهُّدَ وَيَخْرُجُ هُوَ لِغَسْلِ الدَّمِ، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيَخْرُجُ لِغَسْلِ الدَّمِ وَيُتِمُّ مَكَانَهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَحَلِّ الَّذِي يُتِمُّ فِيهِ الرَّاعِفُ صَلَاتَهُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلرَّاعِفِ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَى الرَّاعِفِ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ (أَنْ يَبْنِيَ) أَيْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ بَانِيًا عَلَى مَا فَعَلَهُ (فِي مَنْزِلِهِ) الَّذِي غَسَلَ فِيهِ الدَّمَ. (إذَا يَئِسَ أَنْ يُدْرِكَ بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَأَتَمَّ مَكَانَهُ إنْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ وَأَمْكَنَ، وَإِلَّا فَالْأَقْرَبُ إلَيْهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَرَجَعَ إنْ ظَنَّ بَقَاءَهُ أَوْ شَكَّ وَلَوْ تَشَهَّدَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاعِفَ لَهُ بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَظُنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَظُنَّ بَقَاءَهُ أَوْ يَشُكَّ فِيهِ، فَفِي الْأُولَى يُتِمُّ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ مَكَان إلَيْهِ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَوْ تَبَيَّنَ سَلَامُهُ قَبْلَ إمَامِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يَرْجِعُ لِمَكَانِهِ حَيْثُ يُوقِنُ إدْرَاكَ الْإِمَامِ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَهَذَا فِي الْمَأْمُومِ، وَمِثْلُهُ الْإِمَامُ بَعْدَ اسْتِخْلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بَعْدَ الِاسْتِخْلَافِ مَا يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا الْفَذُّ فَيُتِمُّ مَكَانَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الرَّاعِفِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الرَّاعِفُ فِي الْجُمُعَةِ فَلَا يُتِمُّ مَكَانَهُ، وَلَوْ تَيَقَّنَ فَرَاغَ إمَامِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الرَّاعِفُ مِنْ إمَامٍ أَوْ مَأْمُومٍ (فِي الْجُمُعَةِ) وَحَصَلَ لَهُ الرُّعَافُ بَعْدَ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا (فَلَا يَبْنِي إلَّا فِي) أَوَّلِ (الْجَامِعِ) الَّذِي ابْتَدَأَهَا فِيهِ، وَلَوْ ظَنَّ فَرَاغَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ شَرْطٌ مَعَ صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُتِمُّهَا بِرِحَابِهِ وَلَوْ كَانَ ابْتَدَأَهَا بِهِ لِضِيقٍ أَوْ اتِّصَالِ صُفُوفٍ، كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْجَامِعِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَصِحُّ إتْمَامُهَا فِي الرِّحَابِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتَمَّهَا فِي غَيْرِ الْجَامِعِ الَّذِي ابْتَدَأَهَا فِيهِ فَتَبْطُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ، وَإِذَا رَجَعَ إلَيْهِ فَوَجَدَهُ مَغْلُوقًا لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ وَيُضِيفُ رَكْعَةً إلَى رَكْعَتِهِ لِتَصِيرَ لَهُ نَافِلَةٌ وَيَبْتَدِئُهَا ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي أَوَّلِ الْجَامِعِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى مَكَانِهِ، الَّذِي افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِيهِ، بَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَاوَزَتِهِ أَقْرَبَ مَكَان مُمْكِنٍ، وَكَمَا يَجِبُ الرُّجُوعُ لِأَوَّلِ الْجَامِعِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَظُنُّ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً قَبْلَ الرُّعَافِ وَلَا يَعْتَقِدُ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ بَعْدَ رُجُوعِهِ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بَلْ يَقْطَعُ إحْرَامَهُ وَيَبْتَدِئُ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا لِأَوَّلِ الْجَامِعِ وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً فِي الْجُمُعَةِ ابْتَدَأَ ظُهْرًا بِإِحْرَامٍ. قَالَ الْحَطَّابُ: وَلَوْ خَالَفَ وَبَنَى عَلَى إحْرَامِهِ وَصَلَّى أَرْبَعًا الظَّاهِرُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَمَحَلُّ ابْتِدَائِهَا ظُهْرًا حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِلَّا فَعَلَ بِأَنْ كَانَ الْبَلَدُ مِصْرًا تَتَعَدَّدُ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَيَذْهَبُ إلَى جَامِعٍ آخَرَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَظُنَّ سَلَامَ الْإِمَامِ قَبْلَ رُجُوعِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَمَنْ يَظُنُّ فَرَاغَهُ يُتِمُّ
[ ١ / ٢٤٧ ]