بَابٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالسَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ وَذَلِكَ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ
وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَاب فِي صَلَاة الْجُمُعَةَ] (بَابٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ عَلَى أَشْهَرِ لُغَاتِهَا وَبِهِ قُرِئَ وَبِالسَّبْعِ، وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَبِهِمَا قُرِئَ فِي الشَّوَاذِّ، وَلُغَةً رَابِعَةً بِكَسْرِ الْمِيمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِوُجُوبِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِ أَجْزَاءِ آدَمَ فِي يَوْمِهَا، وَقِيلَ:؛ لِأَنَّ آدَمَ اجْتَمَعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي يَوْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا جُمُعَةً قُصَيٌّ فَإِنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا فِي يَوْمِهَا وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ وَقَالَ: هَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَهَا فِي بَيَاضَةَ لَمَّا «أَنْفَذَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُ بِإِقَامَتِهَا فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ الْمَذْكُورَ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ أُقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ وَيَوْمُهَا يَوْمٌ عَظِيمٌ»، فَفِي الْمُوَطَّإِ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَالْأَكْثَرُ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ بَاقِيَةٌ مَا لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِهَا فَقِيلَ: إنَّ اللَّهَ أَخْفَاهَا عَلَى الْعِبَادِ حَتَّى نَبِيِّنَا - ﵊ - لِيَجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، كَمَا أَخْفَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ، وَكَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا إلَّا فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى - ﷺ - فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى مَا أَخْفَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَغِيبَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْعَقِيدَةِ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَأَعْطَى النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ وَالْيَهُودَ يَوْمَ السَّبْتِ وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُصَلِّهَا - ﷺ - حِينَئِذٍ، وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَكْعَتَانِ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ وَيُسْقِطَانِهَا عَلَى آخَرَ، فَقَوْلُهُ: يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ أَيْ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَوْلُهُ: وَيَسْقُطَانِهَا عَلَى آخَرَ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ وَهُوَ شَاذٌّ، إذْ لَوْ كَانَتْ بَدَلًا مَا صَحَّ فِعْلُهَا مَعَ إمْكَانِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، وَجَمَعَ الْفَاكِهَانِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِيَزُولَ الْإِشْكَالُ الْحَاصِلُ مِنْ فِعْلِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْبَدَلِيَّةِ فَقَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهَا بَدَلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ أَنَّ الظُّهْرَ شُرِعَتْ فِي ابْتِدَاءٍ ثُمَّ شُرِعَتْ الْجُمُعَةُ بَدَلًا مِنْهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْفِعْلِ أَنَّهَا إذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهَا الظُّهْرُ، فَإِضَافَةُ صَلَاةٍ فِي كَلَامِهِ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى الِاسْمِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْمَ عَيْنُ الْمُسَمَّى. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالسَّعْيُ) أَيْ الذَّهَابُ (إلَى) الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لِأَجْلِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ)؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهَا الْجَامِعُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالْأَذَانِ لَهَا، وَتَحْرِيمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُرْمَةِ الِانْفِضَاضِ مِنْ خَلْفِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاتَبَ الَّذِينَ انْفَضُّوا مِنْ خَلْفِهِ - ﵊ - بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] وَذَلِكَ لَمَّا أَقْبَلَتْ الْقَافِلَةُ مِنْ الشَّامِ خَرَجُوا إلَيْهَا وَتَرَكُوهُ - ﵊ - قَائِمًا يَخْطُبُ، قِيلَ: لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ وَهُمْ الصَّحَابَةُ الْعَشَرَةُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ بِلَالٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَ عَشَرَ فَقِيلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقِيلَ ابْنُ مَسْعُودٍ. وَاللَّهْوُ هُوَ النَّظَرُ إلَى صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَكَانَ أَقْبَلَ مَعَ الْقَافِلَةِ، وَدَلَّتْ الْآيَةُ أَيْضًا عَلَى طَلَبِ الْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ
[ ١ / ٢٥٧ ]
[البيع والشراء وقت صلاة الجمعة]
أَنْ يَصْعَدُوا حِينَئِذٍ عَلَى الْمَنَارِ فَيُؤَذِّنُونَ
وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْبَيْعُ وَكُلُّ مَا يَشْغَلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي أَحْدَثَهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَبَيْنَ زَمَنِ السَّعْيِ لَهَا بِقَوْلِهِ (وَذَلِكَ) أَيْ السَّعْيُ يَكُونُ (عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (أَخَذَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي بِمَعْنَى شَرَعَ (الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ وَجَرِّ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْإِضَافَةِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " جُلُوسِ " بِحَيْثُ لَا يَفْرُغُ الْأَذَانُ إلَّا عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ جِدًّا بِحَيْثُ يَصِلُ السَّاعِي لَهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْأَذَانِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ مِنْ الزَّمَانِ الَّذِي إذَا سَعَى فِيهِ يُدْرِكُ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ سِوَاهُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَقَوْلُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ: يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ وُجُوبِ حُضُورِ الْخُطْبَةِ مِنْ أَوَّلِهَا غَيْرُ مُسْلِمٍ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الْمُخَاطَبِينَ بِحُضُورِهَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ فِي الزَّائِدِ عَلَى مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ كَمَا بَيَّنَّا، فَيَتَعَيَّنُ فَهْمُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ أَذَانِ الْجَمَاعَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلْخُلَفَاءِ وَجَائِزٌ لِغَيْرِهِمْ، وَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّ مَنْ يَخْطُبُ عَلَى الْأَرْضِ وُقُوفُهُ عَلَى يَسَارِ الْمِحْرَابِ وَاسْتَحَبَّ بَعْضٌ الْوُقُوفَ عَلَى يَمِينِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. وَلَمَّا كَانَ لِلْجُمُعَةِ أَذَانَانِ وَأَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - ﷺ - شَرَعَ فِي بَيَانِ كُلٍّ بِقَوْلِهِ: (وَالسُّنَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ) الَّتِي كَانَتْ تُفْعَلُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (أَنْ يَصْعَدُوا) أَيْ الْمُؤَذِّنُونَ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ (عَلَى الْمَنَارِ) فَإِذَا ارْتَقَوْا عَلَيْهِ (فَيُؤَذِّنُونَ) عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُونَ وَكَانُوا ثَلَاثَةً يُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ الثَّالِثُ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ، وَكَذَا فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ سَابِقٍ عَلَى الَّذِي كَانَ يُفْعَلُ عَلَى الْمَنَارِ، وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِهِ بِالزَّوْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالسُّوقِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَرْتَفِعُوا مِنْ السُّوقِ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي زَمَنِ إمَارَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَ بِنَقْلِ الْأَذَانِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَنَارِ بِأَنْ يُفْعَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ عِنْدَ جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَصَارَ الْأَمْرُ إذَا خَرَجَ هِشَامٌ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ كُلُّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا فَرَغُوا خَطَبَ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَلَهَا أَذَانَانِ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الزَّوَالِ وَالْآخَرُ عِنْدَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا آكَدُ مِنْ الْأَوَّلِ وَعِنْدَهُ يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ. وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَنَّ الْآذَانَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ - ﷺ - فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ فِي زَمَانِهِ - ﵊ - وَاحِدًا، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ كَانَ عَلَى الْمَنَارِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ - ﷺ -؟ وَالْمُرَادُ بِالْمَنَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَوْضِعُ الْأَذَانِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَتِهِ الْآنَ. قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مَا مَعْنَاهُ: مَحَلُّ تَأْخِيرِ صُعُودِ الْمُؤَذِّنِينَ لِجُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إذَا كَانَ الْمَنَارُ قَرِيبًا مِنْ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بَعِيدًا فَإِنَّهُمْ يَصْعَدُونَ الْمَنَارَ أَوَّلًا ثُمَّ يَرْقَى الْإِمَامُ الْمِنْبَرَ وَلَكِنْ لَا يُؤَذِّنُونَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ غَيْرُ جَازِمٍ، وَانْدَفَعَ بِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي ثُبُوتِهَا مِنْ تَوَهُّمِ عَطْفِ " يُؤَذِّنُونَ " عَلَى " يَصْعَدُوا " الْمَنْصُوبَ بِأَنْ، وَلَمَّا كَانَ الْأَذَانُ الْوَاقِعُ بَعْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ آكَدَ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ [الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَقْتَ صَلَاة الْجُمُعَةَ] قَالَ: (وَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ وَقَعَ الْآذَانُ وَالْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَى مَنَارٍ كَمَا فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْآنَ (الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ) عَلَى كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مَعَ مِثْلِهِ، أَوْ مَعَ مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْخَطَرِ، إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَمَنْ أَحْدَثَ وَقْتَ النِّدَاءِ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ أَوْ الصَّعِيدَ إلَّا بِالثَّمَنِ، فَيَجُوزُ كُلٌّ، مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ إنْ كَانَ الْمَالِكُ مِمَّنْ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْبَيْعُ كَعَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يُوجَدْ الْمَاءُ إلَّا مَعَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِحُضُورِ الْجُمُعَةِ وُجُوبًا فَهَلْ تَتَعَدَّى إلَيْهِ الرُّخْصَةُ وَيَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ لِضَرُورَةِ الْمُشْتَرِي؟ أَوْ الرُّخْصَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُشْتَرِي؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ شُيُوخُ ابْنِ نَاجِي كَالْغُبْرِينِيِّ وَغَيْرِهِ، وَأَقُولُ: الْمَأْخُوذُ مِمَّا يَأْتِي فِي بَيْعِ نَحْوِ الْعَذِرَةِ مِنْ النَّجَاسَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ مَا يَقْتَضِي قَصْرَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، فَرَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ لِقَوْلِهِ لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ (وَ) لَا مَفْهُومَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بَلْ يَحْرُمُ (كُلُّ مَا يُشْغِلُ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهَا) كَالتَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْهِبَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ وَالسَّفَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَأَوْلَى غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْحَاجَاتِ، فَإِذَا نَهَى عَنْهُ نَهَى عَنْ غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى، وَإِذَا وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ كُلُّ مَا فِيهِ مُعَاوَضَةٌ مَالِيَّةٌ كَالْبَيْعِ وَالتَّوْلِيَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسْخُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَتَوْلِيَةٍ وَشَرِكَةٍ وَإِقَالَةٍ وَشُفْعَةٍ بِأَذَانٍ ثَانٍ، لَا
[ ١ / ٢٥٨ ]
بَنُو أُمَيَّةَ
وَالْجُمُعَةُ تَجِبُ بِالْمِصْرِ وَالْجَمَاعَةِ
وَالْخُطْبَةُ فِيهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ
وَيَتَوَكَّأُ الْإِمَامُ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] نَحْوِ النِّكَاحِ وَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ النَّاجِزِ، وَكَذَا الْكِتَابَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا عِتْقٌ فَلَا يُفْسَخُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ حَرُمَ، وَإِذَا فُسِخَ فَالْفَسْخُ بَعْدَ فَوَاتِهِ فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبْضِهِ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَفَسْخُ بَيْعٍ إلَخْ فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا نِكَاحٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فِي حَالِ سَعْيِهِمَا لِلْجُمُعَةِ، فَقِيلَ يُفْسَخُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْغَلْهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الَّذِي يُفْسَخُ الْعَقْدَ الْمُحَرَّمُ. وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بَيْنَ صَبِيَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ فَلَا سَبِيلَ لِفَسْخِهِ لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ أَيْضًا فِي فَسْخِ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَشَخْصَيْنِ عَلَيْهِمَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْمَغْرِبِ إلَّا قَدْرُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ أَوْ ثَلَاثٍ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَأَبُو عِمْرَانَ بِالْفَسْخِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ بِعَدَمِهِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ وَغَيْرُهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَقَيَّدْنَا السَّفَرَ بِوَقْتِ الْأَذَانِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ السَّفَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ فَمَكْرُوهٌ، فَالسَّفَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى ثَلَاثِ أَقْسَامٍ مَحَلُّهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُدْرِكُهَا فِي طَرِيقِهِ كَمُرُورِهِ بِمَحَلِّ جُمُعَةٍ، أَوْ يَكُونُ لَهُ رُفْقَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ التَّأْخِيرَ عَنْهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إلَّا جَازَ لَهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرُّفْقَةَ لَا تَلْزَمُهُمْ جُمُعَةٌ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَى الْجَمِيعِ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ. (وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي) يَعْنِي الثَّانِيَ فِي الْإِحْدَاثِ وَهُوَ الْأَوَّلُ الْيَوْمَ فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ عَلَى الْمَنَارِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعِيدُونَهُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ. (أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ) بِالزَّوْرَاءِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَذَانٌ وَاحِدٌ عَلَى الْمَنَارِ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَتْ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِحْدَاثِ أَذَانٍ عَلَى الزَّوْرَاءِ لِيَرْتَفِعَ النَّاسُ مِنْ السُّوقِ وَيَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْأَذَانِ فَوْقَ الْمَنَارِ، ثُمَّ لَمَّا تَوَلَّى هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ أَمَرَ بِنَقْلِ الَّذِي عَلَى الزَّوْرَاء إلَى الْمَنَارِ وَاَلَّذِي عَلَى الْمَنَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَوْ قَالَ بَدَلُ بَنِي أُمَيَّةَ عُثْمَانُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالِاقْتِدَاءِ، إنْ كَانَ كَانَ أُمَوِيًّا لِلتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ لَا سِيَّمَا أَنَّهُ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَسَمَّاهُ مُحْدِثًا وَهُوَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُحْدِثَ الَّذِي يَجِبُ تَرْكُهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ وَقَوْلَ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْأَذَانُ الْوَاقِعُ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ الْآنَ فَهُوَ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ أَوَّلٌ فِي الْفِعْلِ وَثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالْوَاقِعُ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ ثَانٍ فِي الْفِعْلِ وَأَوَّلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالنَّاقِلُ لَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَهُوَ غَيْرُ الْمُحْدِثِ لِلثَّانِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ احْتَرَزَ بِالسُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنْ السُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَهِيَ الْمَشْرُوعَةُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - ﵁ -، فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لِلْأَذَانِ الْأَوَّلِ الْيَوْمَ الَّذِي يُفْعَلُ قَبْلَ الصُّعُودِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَوْلُهُ: وَهَذَا الْأَذَانُ الثَّانِي إشَارَةٌ إلَى السُّنَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِثَانَوِيَّتِهِ أَنَّهُ ثَانٍ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالْإِحْدَاثُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا فِي الْفِعْلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي عَلَى الْمَنَارِ الْيَوْمَ هُوَ مَا كَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَاَلَّذِي بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ هُوَ مَا كَانَ عَلَى الْمَنَارِ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ بِنَقْلِهِ بَيْنَ يَدِي الْخَطِيبِ صَادِرًا مِنْ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُلُوكِ كَانَ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ وَالْكَرَاهَةُ مِنْ حَيْثُ فِعْلِهِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ مَحِلَّهُ الْمَنَارُ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ. الثَّانِي: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمُنْتَهَى وَقْتِ الْجُمُعَةِ، وَإِنْ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الزَّوَالِ كَالظُّهْرِ فِي الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ. قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، وَهَلْ إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ وَصَحَّحَ أَوَّلًا رِوَايَتَانِ، وَمِمَّنْ قَالَ إنَّ وَقْتَهَا كَوَقْتِ الظُّهْرِ الْأُجْهُورِيُّ، وَيُتَوَجَّهُ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا ضَاقَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ وَتَصِيرُ الْأُولَى فَائِتَةً يَجِبُ تَرْتِيبُهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِيَّةِ، وَلَمْ يَنُصَّ أَحَدٌ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْعَصْرِ فَيَلْزَمُ عَلَى فِعْلِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فِعْلُهَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهَا فَائِتَةٌ يَسِيرَةٌ مَعَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْصَارِ قَالَ: (وَ) صَلَاةُ (الْجُمُعَةِ تَجِبُ بِالْمِصْرِ) وُجُوبَ الْفَرَائِضِ الْعَيْنِيَّةِ، وَالْمِصْرُ هُوَ الْبَلَدُ الْكَبِيرُ الَّذِي بِهِ مَنْ يُقِيمُ الْأَحْكَامَ وَالْحُدُودَ. (وَ) كَذَلِكَ تَجِبُ بِالْقُرَى الْمُتَّصِلَةِ الْبُنْيَانِ ذَاتِ (الْجَمَاعَةِ) وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ - ﵁ - خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: إنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَمْصَارِ، وَزَادَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا
[ ١ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] إمَامٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقُرَى أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً بِالطُّوبِ وَالْأَحْجَارِ، بَلْ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ أَخْصَاصٍ مَصْنُوعَةٍ مِنْ خَشَبٍ أَوْ بُوصٍ وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ الْجُمُعَةِ وُقُوعُ كُلِّهَا بِالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ لِلْغُرُوبِ، إلَى أَنْ قَالَ: بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ لَا خِيَمٍ، وَبِجَامِعٍ مَبْنِيٍّ مُتَّحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءً فَلَا تَصِحُّ فِي الْمَكَانِ الْمُحَجَّرِ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ أَوْ مَبْنِيٍّ بِنَاءً خَفِيفًا أَيْ دُونَ الْمُعْتَادِ، وَحَقِيقَةُ الِاسْتِيطَانِ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ عَلَى التَّأْيِيدِ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْجَمَاعَةِ تَتَقَرَّى بِهَا الْقَرْيَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْجُمُعَةِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةٍ وَيُقَالُ لَهَا شُرُوطُ أَدَاءٍ، وَحَقِيقَتُهَا كُلُّ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ، وَشُرُوطُ وُجُوبٍ وَهِيَ كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ، فَشُرُوطُ الصِّحَّةِ وُقُوعُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَاسْتِيطَانِ بَلَدِهَا، وَوُجُوبُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ ذُكُورًا أَحْرَارًا مُسْتَوْطِنِينَ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَلَوْ فِي الْجُمُعَةِ الْأُولَى، وَكَوْنُ الْإِمَامِ هُوَ الْخَطِيبُ إلَّا لِعُذْرٍ، وَوُقُوعُ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فِي الْجَامِعِ الْمَبْنِيِّ عَلَى وَجْهِ الْعَادَةِ وَأَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْبَلَدِ أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ حِينَ بِنَائِهِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْهَا ابْتِدَاءً بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بَاعَا وَالْبَاعُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ، وَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يَعْسُرُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَحَلٍّ وَلَا طَرِيقَ بِجِوَارِهِ تُمْكِنُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ تَعَدُّدُهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَمَا لَوْ ارْتَضَاهُ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَذْهَبِ، وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ حَاجَةُ مَنْ يَغْلِبُ حُضُورُهُ لِصَلَاتِهَا وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ كَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مَطْلُوبٌ بِالْحُضُورِ وَلَوْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ وُجُودُ الْعَدَاوَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْجَمِيعِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بَلْ لَوْ قِيلَ إنَّ هَذَا أَوْلَى لِجَوَازِ التَّعَدُّدِ لَمَا بَعْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ اتِّحَادِ الْجَامِعِ فِعْلُهُ - ﷺ - وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةً وَاحِدَةً، وَ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَفْضَى إلَى، الْمَقْصُودِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ. قَالَهُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ - ﵁ -، وَمَذْهَبُنَا لَا يُخَالِفُهُ فِي هَذَا، وَشُرُوطُ الْوُجُوبِ الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالتَّكْلِيفُ وَالِاسْتِيطَانُ، وَهُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى قَصْدِ التَّأْبِيدِ لَا الْإِقَامَةُ الْمُجَرَّدَةُ فَلَا تَجِبُ بِهَا إلَّا تَبَعًا، وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْحُضُورِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ فَلَا تَجِبُ عَلَى مَرِيضٍ لَا يَسْتَطِيعُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ بِلَا عُذْرٍ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، وَقَوْلُنَا فِي شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ إلَخْ لَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ فِي مَحَلِّ الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الْإِقَامَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ مَعَ الْأَمْنِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبِّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ وُجُودَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِ الْقَرْيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ مَشْرُوعِيَّتِهَا عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيُطَالَبُونَ بِحُضُورِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مِنْهُمْ لِلْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ إلَّا اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ صَحَّتْ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُولَى وَغَيْرِهَا بِشَرْطِ صِحَّةِ صَلَاةِ جَمِيعِهِمْ، لَا إنْ أَحْدَثَ وَاحِدٌ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَافِعِيًّا لَمْ يُقَلِّدْ مَالِكًا فِي صَلَاتِهَا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَتَوَصَّلُ إلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ تِلْكَ الْجَمَاعَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْبَلَدِ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ دَائِمًا مَعَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْأَمْرِ الْمُسْتَقْبَلِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُهَا تَتَقَرَّى بِهَا الْقَرْيَةُ فِي أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِنَا وَالْعَادَةُ وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُجَوِّزُ تَخَلُّفَ ذَلِكَ فَافْهَمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِيطَانَ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الْجَمَاعَةِ لَا فِي الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الْإِقَامَةُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْخَلِيفَةِ، وَالْخَلِيفَةُ الَّذِي هُوَ السُّلْطَانُ تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا بَلْ وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَا يُقَالُ: إذَا كَانَ مَقِيسًا عَلَيْهِ تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: شَأْنُ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ أَحَطَّ مَرْتَبَةً مِنْ أَصْلِهِ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةً حَسَنَةً وَهِيَ صِحَّةُ إمَامَةِ مُسَافِرٍ نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي قَرْيَةٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَطِيبًا فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِكَيْ تَصِحَّ خُطْبَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إلَّا الَّذِي لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الْإِقَامَةَ لِأَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَيْضًا صِحَّةَ إمَامَةِ مَنْ قَدِمَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أُخْرَى وَبَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ أَوْ قَدْرُ فَرْسَخٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَارِجًا عَنْ كَفَرْسَخٍ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِصِحَّةِ إمَامَتِهِ حَيْثُ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: إنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ رَاجِعْ شُرَّاحَهُ لِخَلِيلٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي، ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ. (وَالْخُطْبَةُ فِيهَا) أَيْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَاجِبَةٌ)؛ لِأَنَّهَا مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّاهَا بِلَا خُطْبَةٍ، فَإِذَا صَلَّوْا مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ أَعَادُوهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ مَا دَامَ وَقْتُهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا مُشَجِّعًا مُخَالِفًا لِلنَّثْرِ وَالشِّعْرِ بِحَيْثُ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ خُطْبَةً، وَأَنْ تَكُونَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَلَوْ كَانُوا عَجَمًا، وَأَنْ تَكُونَ جَهْرًا وَلَوْ كَانُوا صُمًّا، وَأَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَحْرَارًا مُسْتَوْطِنِينَ بَاقِينَ لِسَلَامِهَا، وَأَنْ تَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ، دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهَا كَجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَتَصِحُّ مِنْ مَحْضِ قُرْآنٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى تَحْذِيرٍ وَتَبْشِيرٍ وَبَعْضِ مَوَاعِظَ كَسُورَةِ ق، وَيُسْتَحَبُّ اشْتِمَالُهَا عَلَى الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَلْ فِيهَا لِلْجِنْسِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فَلَوْ صَلَّى
[ ١ / ٢٦٠ ]
وَيَجْلِسُ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا
وَتُقَامُ الصَّلَاةُ عِنْدَ فَرَاغِهَا
وَيُصَلِّي الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] قَبْلَ الْخُطْبَةِ لَمْ تَصِحَّ وَتَجِبُ إعَادَتُهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ، فَإِنْ خَطَبَ وَصَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ بَطَلَتَا وَأُعِيدَتَا، هَذَا مُلَخَّصُ شُرُوطِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَنَظَمَهَا عَلَّامَةُ الزَّمَانِ سَيِّدِي عَلِيُّ أَبُو الْإِرْشَادِ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ: شَرْطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ الذُّكُورَةُ تَوَطُّنٌ كَذَلِكَ الْحُرِّيَّةُ إقَامَةٌ أَيْ لِلْوُجُوبِ تَبِعَا وَفَقْدُ عُذْرِ مِثْلِهَا فَاسْتَمِعَا كَذَا دُخُولُ الْوَقْتِ وَأَلْحِقْ السَّبَبَ وُجُوبُهَا كَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ وَشَرْطُ صِحَّةِ وُقُوعِ الْخُطْبَتَيْنِ فِي وَقْتِ ظُهْرٍ لَا سِوَاهُ دُونَ بَيْنِ كَمَسْجِدٍ مُتَّحِدٍ ذِي بِنْيَةِ وَقَرْيَةٍ بِأَهْلِهَا تَقَرَّتْ وَأَنْ يُصَلِّيَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَا لَهَا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مِرَا وَكَوْنُهُ بِلَا خَفَا مَنْ خَطَبَا إلَّا لِعُذْرٍ وَمُقِيمًا صُوِّبَا وَخُطْبَتَيْنِ قَبْلَهَا وَيَحْضُرُوا جَمِيعَ هَاتَيْنِ اللَّذَيْنِ عَبَّرُوا ثُمَّ شَرَعَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَتَوَكَّأَ الْإِمَامُ) أَيْ يَعْتَمِدُ حَالَ خُطْبَتِهِ (عَلَى عَصًا) أَوْ سَيْفٍ (أَوْ قَوْسٍ) قَالَهُ مَالِكٌ، وَالْمُرَادُ قَوْسُ الْعَرَبِ لَا قَوْسُ الْعَجَمِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِفِعْلِهِ - ﷺ - وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ذَلِكَ فَقِيلَ لِئَلَّا يَعْبَثَ بِيَدِهِ فِي لِحْيَتِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ لِلْخُطْبَةِ، وَقِيلَ تَخْوِيفِ الْحَاضِرِينَ، وَيَضَعُهُ بِيَمِينِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى عُودِ الْمِنْبَرِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَجْلِسَ) الْخَطِيبُ (فِي أَوَّلِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ لِلِاسْتِرَاحَةِ حَتَّى يُفْرَغَ الْأَذَانُ (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يَجْلِسَ (فِي وَسَطِهَا) وَيَقُومُ لِلْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ قَدْرَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَجَلَسَ» وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مُنْذُ زَمَانِهِ - ﷺ - إلَى الْآنَ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْخُطَبِ فِي أَوَّلِهَا وَفِي وَسَطِهَا. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَيَجْلِسُ أَنَّهُ يَخْطُبُ قَائِمًا، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الْقِيَامِ فَقِيلَ وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ فِي الْخُطْبَتَيْنِ جَمِيعًا، وَقِيلَ سُنَّةٌ، فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا أَسَاءَ وَصَحَّتْ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا فِي عَزَّ وَابْنِ عَرَفَةَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي وُجُوبِ قِيَامِهِ لَهُمَا تَرَدُّدٌ (فَائِدَةٌ): حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ مَعَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ جَلَاءُ الْقُلُوبِ بِسَمَاعِ الْمَوَاعِظِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَمَّا كَانَتْ الْقُلُوبُ تَصْدَأُ بِالْغَفْلَةِ وَالْخَطِيئَةِ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ جَلَاءَهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ بِالْمَوَاعِظِ وَالِاجْتِمَاعِ لِيَتَّعِظَ الْغَنِيُّ بِالْفَقِيرِ وَالْقَوِيُّ بِالضَّعِيفِ وَالصَّالِحُ بِغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي الْحَجِّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَبِالِاجْتِمَاعِ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ عِنْدَ فِعْلِهَا، وَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْخُطْبَةَ كَأُولَتَيْ الرُّبَاعِيَّةِ فَتَتَّصِلُ بِهَا قَالَ: (وَتُقَامُ الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (عِنْدَ فَرَاغِهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ دُونَ الْكَثِيرِ فَتُعَادُ لِأَجْلِهِ الْخُطْبَةُ، وَمِنْ الْفَصْلِ الْيَسِيرِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ -: لَوْ ذَكَرَ بَعْدَ خُطْبَتِهِ مَنْسِيَّةً فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بَعْدَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْخَطِيبُ، فَإِنْ طَرَأَ مَا يَمْنَعُ إمَامَتَهُ كَحَدَثٍ أَوْ رُعَافٍ فَقَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ انْتِظَارُهُ لِعُذْرٍ قَرُبَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَفْهُومُهُ لَوْ بَعُدَ لَوَجَبَ اسْتِخْلَافُهُ لِغَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِخْلَافُ حَاضِرِ الْخُطْبَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ وَلَوْ قَرُبَ زَوَالُ عُذْرِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ إلَّا مِمَّنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْإِمَامَةِ. (وَ) صِفَةُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْ (يُصَلِّيَ الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) فَتَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ زِيَادَةٍ كَسَجْدَةٍ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ مَعَ السَّهْوِ فَتَبْطُلُ بِزِيَادَةِ رَكْعَتَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَأَمَّا بِزِيَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ، وَحُكْمُ الْجَهْرِ فِيهَا كَجَهْرِ الْفَرَائِضِ السُّنِّيَّةِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كُلُّ صَلَاةٍ فِيهَا خُطْبَةٌ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ مَا عَدَا خُطْبَةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيمِ، وَإِنْ قَرَأَ فِيهَا سِرًّا عَمْدًا كَانَ كَتَعَمُّدِ تَرْكِ سُنَّةٍ، فَقِيلَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَالنَّاسِي يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ إنْ أَسَرَّ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ فِي السُّورَةِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَتَوَهَّمَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَلَّى الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ وَقْفَتَهَا وَقَعَتْ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَحَاجَّهُ مَالِكٌ - ﵁ - حِينَ نَاظَرَهُ عِنْدَ الْأَمِيرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - خَطَبَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَا تَكُونُ جُمُعَةً إلَّا كَذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: أَجَهَرَ فِيهَا؟ فَانْقَطَعَ أَبُو يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ فِيهَا، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى الْجَهْرِ فِي الْجُمُعَةِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِالْجُمُعَةِ) لِمَا
[ ١ / ٢٦١ ]
[شروط وجوب صلاة الجمعة]
بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهَا وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وَنَحْوِهَا
وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ وَمَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ فَأَقَلَّ
وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ وَلَا عَلَى أَهْلِ مِنًى وَلَا عَلَى عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ وَإِنْ حَضَرَهَا عَبْدٌ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ مُوَاظِبًا عَلَى قِرَاءَتِهَا فِيهَا. (وَ) لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا (نَحْوَهَا) مِمَّا هُوَ مُقَارِبٌ لَهَا فِي الطُّولِ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ - ﵇ - لَمْ يَقْرَأْ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا بِهَا، فَفِي مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ - ﵊ - قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى: بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى» فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي زِيَادَةِ قَوْلِهِ: أَوْ نَحْوَهَا، وَلَا يُقَالُ: سَبِّحْ لَيْسَتْ نَحْوَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَصْدُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَفَى قِرَاءَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الْمُصْطَفَى - ﵊ -، وَهُوَ يَحْصُلُ بِوُرُودِهِ مُطْلَقَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَافْهَمْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ (فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ بِ " هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ " وَنَحْوِهَا) مِنْ الْقِصَارِ. قَالَ فِي الْكَافِي: وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِ " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى " أَوْ " هَلْ أَتَاك " أَوْ " إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ " كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ اسْتَحَبَّ فِي الثَّانِيَةِ قِرَاءَةَ: هَلْ أَتَاك فَقَطْ، وَبَعْضُهُمْ يُحَصِّلُ النَّدْبَ فِي الثَّانِيَةِ بِقِرَاءَةِ: سَبِّحْ، أَوْ: إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ، أَوْ: هَلْ أَتَاك، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الثَّانِيَةِ: بِهَلْ أَتَاك وَنَحْوِهَا اقْتِصَارٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا لَقَالَ: وَفِي الثَّانِيَةِ بِهَلْ أَتَاك أَوْ هِيَ وَسَبِّحْ أَوْ الْمُنَافِقُونَ. (وَيَجِبُ السَّعْيُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (عَلَى مَنْ) هُوَ مُسْتَوْطِنٌ (فِي الْمِصْرِ) وَهُوَ الْبَلَدُ الْكَبِيرُ. قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ فِي الْمِصْرِ قَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْمَصْرِ بَلْ سَائِرُ الْقُرَى الْمُسْتَوْطَنَةِ يَجِبُ عَلَى أَهْلِهَا السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَوْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ عَنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ لِدُخُولِهِمْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ. (وَ) كَذَا يَجِبُ السَّعْيُ عَلَى (مَنْ) مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ حَيْثُ كَانَ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمِصْرِ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَنَارِهِ أَوْ سُورِهِ (فَأَقَلَّ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ خَرَجَ مَنْزِلُهُ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَمْيَالٍ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَرُبْعٍ أَوْ ثُلُثِ مِيلٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الْمُكَلَّفَ الْحُرَّ الذَّكَرَ الْمُتَوَطِّنَ وَإِنْ بِقَرْيَةٍ نَائِيَةٍ بِكَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي نَفْيِهِ الْوُجُوبَ عَنْ الْخَارِجِ عَنْ الْمِصْرِ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنِّدَاءُ يُسْمَعُ مِنْ الصِّيتِ مِنْ ثَلَاثِ أَمْيَالٍ مَعَ هُدُوءِ الرِّيحِ، وَلَكِنْ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِمَنْ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَلَدِ، وَأَمَّا الْخَارِجُ عَنْهَا وَدَاخِلُ الْفَرْسَخِ تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ خَطِيبًا. [شُرُوطِ وُجُوبِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ يَذْكُرُ الضِّدَّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجِبُ) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (عَلَى مُسَافِرٍ) بِدَلِيلِ عَدَمِ صَلَاتِهِ - ﷺ - الْجُمُعَةَ عَامَ حَجَّةِ سَنَةِ الْوَدَاعِ بِعَرَفَةَ، وَلَوْ صَلَّاهَا - ﷺ - بِالْمُسْتَوْطَنَيْنِ بِعَرَفَةَ لَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ فِي إمَامَتِهِ الِاسْتِيطَانُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُصْطَفَى خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ مَنْ أَتَى مِنْ مَحَلٍّ خَارِجٍ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَرْسَخِ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا: مَنْ أَتَى إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ سَافَرَ مِنْ بَلَدٍ وَأَدْرَكَ النِّدَاءَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، فَهَذَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ لَهَا حَيْثُ يَعْتَقِدُ إدْرَاكَهَا وَلَوْ بِرَكْعَةٍ، وَمِثْلُ إدْرَاكِ النِّدَاءِ تَحَقُّقُ الزَّوَالِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْفَرْسَخِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِي مَحَلِّ إمَامِهِ (وَ) كَذَا (لَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ (عَلَى أَهْلِ مِنًى) الْكَائِنِينَ بِهَا لِرَمْيِ الْجِمَارِ؛ لِأَنَّهُمْ مُسَافِرُونَ، وَأَمَّا الْمُسْتَوْطِنُونَ بِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَوَفَّرَتْ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَنْ أَتَى قَرْيَةً إلَى قَرْيَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ بِهَا تَصِحُّ خُطْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ الْقَاطِعَةَ لِحُكْمِ السَّفَرِ حَيْثُ كَانَتْ قَرْيَتُهُ عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ، وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَتُهُ خَارِجَةً عَنْ كَفَرْسَخٍ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِي الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِقَامَةَ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُسَافِرِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ إنْ صَلَّاهَا نَابَتْ لَهُ عَنْ الظُّهْرِ. (وَلَا) تَجِبُ الْجُمُعَةُ أَيْضًا (عَلَى عَبْدٍ)؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا الْحُرِّيَّةُ (وَلَا امْرَأَةٍ) وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ (وَلَا صَبِيٍّ) لِحَدِيثِ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» وَلَمَّا كَانَ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَدَمُ نَدْبِ فِعْلِهَا قَالَ: (إنْ حَضَرَهَا
[ ١ / ٢٦٢ ]
امْرَأَةٌ فَلْيُصَلِّهَا وَتَكُونُ النِّسَاءُ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا الشَّابَّةُ
وَيُنْصَتُ لِلْإِمَامِ فِي خُطْبَتِهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ) أَوْ مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ يُبَاحُ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنْهَا (فَلْيُصَلِّهَا) وَتُجْزِئْهُ عَنْ الظُّهْرِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ حُضُورِهَا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ النَّدْبُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمُكَاتَبِ وَلَوْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا، وَأَمَّا الْقِنُّ وَالْمُدَبَّرُ فَيُنْدَبُ لَهُمَا مَعَ الْإِذْنِ فِي حُضُورِهَا، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَفِي يَوْمِ سَيِّدِهِ يَتَوَقَّفُ النَّدْبُ عَلَى إذْنِهِ، وَفِي يَوْمِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ كَالْقِنِّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُنْدَبُ لَهَا حُضُورُهَا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ مُتَجَالَّةً، وَحُكْمُ حُضُورِهَا الْحُرْمَةُ فِي الشَّابَّةِ النَّاعِمَةِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ الشَّابَّةِ الَّتِي لَا تَمِيلُ إلَيْهَا النُّفُوسُ غَالِبًا، وَالْجَوَازُ فِي حَقِّ الْمُتَجَالَّةِ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ، وَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَيُنْدَبُ لَهُ الْحُضُورُ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا فَحُضُورُهُمْ جَائِزٌ، وَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، حُكْمُ دُخُولِهِ النَّدْبُ إلَّا النِّسَاءَ وَالْعَبِيدَ الَّذِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى الْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ يُكْرَهُ لَهُمْ فِعْلُهَا أَوْ بِخِلَافِ الْأَوْلَى، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا حَضَرَتْ الْجُمُعَةُ تُصَلِّيهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ مَحَلِّ وُقُوفِهَا فَقَالَ: (وَتَكُونُ النِّسَاءُ) فِي حَالِ صَلَاتِهِنَّ (خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاتِهِنَّ غَيْرَ الْجُمُعَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّ وُقُوفِهِنَّ جَوَازُ خُرُوجِهِنَّ لِصَلَاتِهَا وَإِنْ كُنَّ شَوَابَّ قَالَ كَالْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مَا سَبَقَ: (وَلَا تَخْرُجُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الشَّابَّةُ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مَخْشِيَّةَ الْفِتْنَةِ وَإِلَّا حَرُمَ حُضُورُهَا، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَيَجُوزُ حُضُورُهَا، فَحُضُورُهُنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا. (تَتِمَّةٌ): بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَشْيَاءُ يَسْقُطُ مِنْهَا وُجُوبُ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ أَشَارَ إلَيْهَا فِي التَّحْقِيقِ بِقَوْلِهِ: وَالْمَانِعُ مِنْ حُضُورِهَا أَشْيَاءُ مِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ أَوْ عِلَّةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكُونُ مُقْعَدًا وَلَا يَجِدُ مَرْكُوبًا أَوْ أَعْمَى وَلَا يَجِدُ قَائِدًا عَنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَمِنْهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَهْلِ بِأَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ أَحَدَ وَالِدَيْهِ وَقَدْ اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ أَوْ اُحْتُضِرَ أَوْ مَاتَ وَخُشِيَ، عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ إنْ تَرَكَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ فَلَهُ التَّخَلُّفُ وَيَشْتَغِلُ بِجِنَازَتِهِ، بَلْ الِاشْتِغَالُ بِهَا أَوْلَى وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، وَلِقَرِيبِ الْمَرِيضِ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ إذَا بَلَغَهُ عَنْهُ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَوْتُ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَخَافُ عَلَى مَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حِفْظُ مَالِهِ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ سَارِقٍ أَوْ حَرْقٍ، وَمِنْهَا: الْمَطَرُ الشَّدِيدُ أَوْ الْوَحْلُ الْكَثِيرُ، وَمِنْهَا: كَوْنُهُ مُعْسِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَخَافُ أَنْ يَحْبِسَهُ الْغَرِيمُ عِنْدَ ظُهُورِهِ، وَمِنْهَا: أَكْلُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَثُومٍ أَوْ بَصَلٍ أَوْ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَكَوْنِهِ مَجْذُومًا، وَمِنْهَا: عَدَمُ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ بِغَيْرِ لَائِقٍ، وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ شُهُودُ صَلَاةِ الْعِيدِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَإِلَّا الْعُرْسُ بِمَعْنَى الزَّوْجَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ (يُنْصِتَ) أَيْ يَسْتَمِعَ (لِلْإِمَامِ) فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَفِي حَالِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ تَفْرُغَ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ فِي حَالِ الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ، وَقَوْلُهُ فِي خُطْبَتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ وَنَحْوَهُ مِنْ كُلِّ مُشْغِلٍ إنَّمَا يَحْرُمُ بِالْخُطْبَةِ. قَالَ خَلِيلٌ مُشْبِهًا فِي الْحُرْمَةِ كَكَلَامٍ فِي خُطْبَتِهِ بِقِيَامِهِ وَبَيْنَهُمَا وَلَوْ لِغَيْرِ سَامِعٍ إلَّا أَنْ يَلْغُوَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَكَلَامٌ وَرَدُّهُ وَنَهْيٌ لَاغٍ وَحَصَبُهُ أَوْ إشَارَةٌ لَهُ، وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْصَاتَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ جَالِسًا بِالْمَسْجِدِ أَوْ رِحَابِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ يَسْمَعُ كَلَامَ الْإِمَامِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِنْصَاتُ وَالْإِصْغَاءُ لَا السَّمَاعُ، وَإِلَّا لَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ الْجُلُوسُ بِقُرْبِ الْخَطِيبِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، إذْ يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَجُزَ الْمَسْجِدِ اخْتِيَارًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْخَطِيبَ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قِيلَ نَزَلَتْ فِي، الْخُطْبَةِ. وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» . وَرُوِيَ: «مَنْ لَغَى فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ فِيهِ لَغْوًا، وَاللَّغْوُ الْكَلَامُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَمَا نُفِيَ عَنْهُ الْخَيْرُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ نَصًّا أَوْ ظُهُورًا يَقْبَحُ التَّكَلُّمُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَوْلُنَا: جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رِحَابِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْجَالِسِ فِي غَيْرِهِمَا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْصَاتُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ إلَّا مَعَ الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ لَا مَعَ غَيْرِهِمَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ عَلَى الْجَالِسِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ بِمَا إذَا كَانَ الْخَطِيبُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ لَغْوٌ بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْخُطْبَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَقِرَاءَةِ كِتَابٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ السَّامِعِ حُرْمَةُ كُلِّ مَا يُنَافِيه مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَتَحْرِيكُ شَيْءٍ
[ ١ / ٢٦٣ ]
[آداب الجمعة]
النَّاسُ
وَالْغُسْلُ لَهَا وَاجِبٌ وَالتَّهْجِيرُ حَسَنٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَلْيَتَطَيَّبْ لَهَا وَيَلْبَسْ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ
وَأَحَبُّ إلَيْنَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَحْصُلُ مِنْهُ تَصْوِيتٌ كَوَرَقٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ أَوْ سُبْحَةٍ أَوْ مُطَالَعَةٍ فِي كُرَّاسٍ، بَلْ يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ مَنْعَ الْإِشَارَةِ لِمَنْ لَغَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَنَهْيُ لَاغٍ وَحَصْبُهُ أَوْ إشَارَةٌ لَهُ أَوْ لِرَدِّ سَلَامٍ وَإِنْ جَازَتْ فِي الصَّلَاةِ. (تَنْبِيهٌ): عُلِمَ مِمَّا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ التَّكَلُّمِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ بِشُرُوعِ الْخَطِيبِ فِيهَا عَدَمُ حُرْمَةِ مَا يَقُولُهُ الْمُرْقَى عِنْدَ صُعُودِ الْخَطِيبِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت» . وَقَوْلُهُ: " أَنْصِتْ رَحِمَكُمْ اللَّهُ "؛ لِأَنَّهُ يَقُولُهُ قَبْلَ شُرُوعِ الْخَطِيبِ، نَعَمْ فِعْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ وَعَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلِي فِي دَعْوَى الْكَرَاهَةِ بَحْثٌ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ ارْتِكَابِ أَمْرٍ مُحَرَّمٍ حَالَ الْخُطْبَةِ فَلَعَلَّهُ مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْمُؤَذِّنُونَ عِنْدَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَ ذِكْرِ أَسْبَابِهَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إقْبَالٌ عَلَى ذِكْرٍ قَلَّ سِرًّا كَتَأْمِينٍ وَتَعَوُّذٍ عِنْدَ السَّبَبِ وَكَتَحْمِيدِ عَاطِسٍ سِرًّا. (وَ) يَجِبُ أَنْ (يَسْتَقْبِلَهُ) أَيْ الْخَطِيبَ (النَّاسُ) بِوُجُوهِهِمْ (فِي الْخُطْبَةِ) وَالنَّاسُ يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَغَيْرَهُمْ مِمَّنْ يَسْمَعُهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ يُحَوِّلُونَ وُجُوهَهُمْ إلَى جِهَةِ ذَاتِهِ بِحَيْثُ يَنْظُرُونَهَا، وَأَمَّا أَهْلُ غَيْرِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَسْتَقْبِلُونَ جِهَتَهُ وَذَاتَه، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ - «اُرْمُقُوهُ بِأَبْصَارِكُمْ وَاصْغُوا إلَيْهِ بِآذَانِكُمْ.؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ» وَمَا حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوب الِاسْتِقْبَالِ عَلَى عُمُومِ النَّاسِ لَا خُصُوصِ غَيْرِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِلْفَاكِهَانِيِّ، فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ سُنَّةٌ، وَلِخَلِيلٍ فِي قَوْلِهِ: إنَّ الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَفْظُهُ: وَاسْتَقْبَلَهُ غَيْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ. [آدَاب الْجُمُعَةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي آدَابِهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْغُسْلُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ وَأَعَادَ إنْ تَغَدَّ أَوْ نَامَ اخْتِيَارًا لَا لِأَكْلٍ خَفَّ، فَيُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ مَنْ يَحْضُرُهَا وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنَّوْمِ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْعِيدِ وَهُوَ تَعَبُّدٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى مُطْلَقِ نِيَّةٍ وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَيَصِحُّ انْدِرَاجُهُ فِيهِ عِنْدَ نِيَّتِهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالرَّوَاحِ، فَإِنْ اشْتَغَلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ بَعْدَهُ بِغَدَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَعَادَهُ حَيْثُ طَالَ زَمَانُهُمَا، وَأَمَّا الْأَكْلُ وَالنَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُبْطِلُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَوْ كَثُرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ كَغَيْرِهِ وَلَوْ حَصَلَا فِيهِ مَعَ كَثْرَتِهِمَا لَا يُبْطِلَانِ ثَوَابَ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَدَثَ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَوْ جَنَابَةٌ فَيُبْطِلَانِ ثَوَابَهُ وَلَوْ حَصَلَا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَحِلُّ سُنِّيَّةِ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَكُنْ لِمُرِيدِ حُضُورِهَا رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تَمْنَعُ مِنْ حُضُورِهَا وَإِلَّا وَجَبَ، وَلَيْسَ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ إلَّا الْغُسْلَ، وَقَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: ثَلَاثُ سُنَنٍ قَلَّ الْعَمَلُ بِهَا: غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِلنَّوْمِ وَفِعْلُ الْعَقِيقَةِ، وَزِيدَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَإِطْلَاقُ السُّنَّةِ عَلَى وُضُوءِ الْجُنُبِ عَلَى طَرِيقَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ الَّذِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ السُّنَّةِ عَلَى كُلِّ مَطْلُوبٍ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ آدَابِ الْجُمُعَةِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ لِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَالتَّهْجِيرُ) وَهُوَ الذَّهَابُ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَأْمُومٍ (حَسَنٌ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّهُ - ﵊ - وَالصَّحَابَةَ - ﵃ - كَانُوا يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّوَاحَ فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا يَخْتَلِفُ ثَوَابُهُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» وَهَذِهِ السَّاعَاتُ الْخَمْسُ أَجْزَاءُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ وَهِيَ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي قَبْلَ الزَّوَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: " فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إلَخْ "؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُطْلَبُ خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ وَهُوَ عَقِبَ الزَّوَالِ وَعَقِبَ الْجُزْءِ الْخَامِسِ مِنْ السَّادِسَةِ الْمُقَسَّمَةِ لِلْخَمْسَةِ أَجْزَاءٍ، وَبِخُرُوجِهِ تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ، فَالسَّاعَةُ الْكَائِنَةُ فِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا فَلَكِيَّةٌ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَى حُضُورِ الطَّاعَةِ مَطْلُوبَةً فِي الْجُمْلَةِ كَانَتْ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ نَدْبِهَا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ ذَلِكَ) أَيْ السَّعْيُ الْمَفْهُومُ مِنْ التَّهْجِيرِ (فِي أَوَّلِ النَّهَارِ)؛ لِأَنَّ مَالِكًا - ﵁ - كَرِهَ السَّعْيَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلِخَوْفِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا اسْمَ الْإِشَارَةِ بِالسَّعْيِ؛ لِأَنَّ الْهَاجِرَةَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَهِيَ لَا تَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عِنْدَ طُلُوعِ
[ ١ / ٢٦٤ ]
أَنْ يَنْصَرِفَ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ وَلْيَتَنَفَّلْ إنْ شَاءَ قَبْلَهَا وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْإِمَامُ وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الشَّمْسِ، فَإِنْ قِيلَ: كَرَاهَةُ التَّبْكِيرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، يُنَافِيه قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ لِيَسْمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ أَدْرَكَ بَاكُورَةَ الْخُطْبَةِ، وَمَعْنَى ابْتَكَرَ قَدِمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى بَكَّرَ تَصَدَّقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا» وَقَوْلُهُ: " ابْتَكَرَ " تَأْكِيدٌ لِسَابِقِهِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَمَعْنَى غَسَّلَ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى غَيْرِهِ بِالْجِمَاعِ وَاغْتَسَلَ هُوَ مِنْهُ (وَالتَّطَيُّبُ لَهَا) حَسَنٌ أَيْضًا بِمَعْنَى: مَنْدُوبٌ، وَمَعْنَى التَّطَيُّبِ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ لِمُؤَنَّثٍ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ وَرِيحُهُ، وَيَقْصِدُ بِذَلِكَ الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ وَلَا يَقْصِدُ بِهِ فَخْرًا وَلَا رِيَاءً» . وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " لَهَا " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُخَاطِبُ بِالتَّطَيُّبِ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ، بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ يَوْمَهُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاتَهُ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنْ (يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِيَتَجَمَّلَ بِهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِأَحْسَنِهَا الْأَبْيَضُ وَلَوْ عَتِيقًا لِحَدِيثِ: «أَحْسَنُ مَا زُرْتُمْ اللَّهَ بِهِ فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمْ الْبَيَاضُ» . وَقَوْلُهُ - ﷺ -: «الْبِسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» . حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ الْحَسَنَ فِيهِ الثِّيَابُ الْجَدِيدَةُ وَلَوْ غَيْرَ بَيْضَاءَ. (تَتِمَّتَانِ) الْأُولَى: بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ مِنْ قَصِّ شَارِبٍ وَظُفُرٍ وَنَتْفِ إبْطٍ وَحَلْقِ عَانَةٍ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْدَبُ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْآدَابِ الْمُسْتَحَبَّةِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَإِنَّمَا حَلْقُهُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يَحْلِقْهُ إلَّا فِي الْحَجِّ، فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ أَوْ الْحَسَنَةِ لِمَنْ يَقْبُحُ مَنْظَرُهُ بِدُونِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ أَيْضًا الْمَشْيُ لَهَا فِي الْغُدُوِّ لِخَبَرِ: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» . الثَّانِيَةُ: الْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالتَّهْجِيرِ وَالْمَشْيِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ كَتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ وَالتَّطَيُّبِ وَالتَّجَمُّلِ بِالثِّيَابِ الْحَسَنَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ مَطْلُوبٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ بِخِلَافِهَا فِي الْعِيدِ فَإِنَّهَا لِلْيَوْمِ. قَالَ خَلِيلٌ فِيهِ: وَتَطَيُّبٌ وَتَزَيُّنٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُصَلٍّ. وَلَمَّا كَانَ الشَّأْنُ التَّنَفُّلَ قَبْلَ الظُّهْرِ كَبَعْدِهَا، وَقِيلَ: إنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ عَنْهَا كَانَ مَظِنَّةَ تَوَهُّمِ طَلَبِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا قَالَ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (أَنْ يَنْصَرِفَ) مُصَلِّي الْجُمُعَةِ (بَعْدَ فَرَاغِهَا) وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَتَكْبِيرٍ وَقِرَاءَةِ نَحْوِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مِمَّا يُطْلَبُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ إلَى بَيْتِهِ وَيَتَنَفَّلُ فِيهِ بِمَا أَحَبَّ مِنْ النَّوَافِلِ (وَلَا يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ إثْرَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - ﵁ - كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُ ذَلِكَ»، وَتَسْتَمِرُّ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْصَرِفَ الشَّخْصُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ حَتَّى يُحْدِثَ سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ غَيْرَهُ، لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ أَشَدُّ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَكْثَرُ الْمُصَلِّينَ لَا كُلُّهُمْ، أَوْ بِمَعْنَى زَمَنِ انْصِرَافِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَنْصَرِفُوا، وَالْكَرَاهَةُ قَيَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَوْ يُخْشَى مِنْهُ اعْتِقَادُ وُجُوبِهَا، وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُهَا مَعَ الْعِلْمِ بِنَدْبِهَا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا لَوْ فَعَلَهَا مُقَلِّدًا فِي فِعْلِهَا الْقَائِلَ بِطَلَبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ يَقَعُ التَّنَفُّلُ مِنْ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ. (وَلْيَتَنَفَّلْ) الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْجِدِ (إنْ شَاءَ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَوْلُهُ إنْ شَاءَ يُوهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ نَدْبُ النَّفْلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مِنْ الْخَلْوَةِ لِغَيْرِ الْجَالِسِ وَقْتَ الْأَذَانِ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ بِخِلَافِ الْجَالِسِ عِنْدَ الْأَذَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ تَرْكُ طَهَارَةٍ فِيهَا وَالْعَمَلُ يَوْمَهَا وَبَيْعٌ كَعَبْدٍ بِسُوقٍ وَقْتَهَا وَتَنَفُّلُ إمَامٍ قَبْلَهَا أَوْ جَالِسٍ عِنْدَ الْأَذَانِ، وَأَمَّا التَّنَفُّلُ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ عَلَى الدَّاخِلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَنَفُّلَ الْمَأْمُومِ قَبْلَ الْأَذَانِ وَقَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ مَنْدُوبٌ وَعِنْدَ الْأَذَانِ مَكْرُوهٌ لِلْجَالِسِ، وَأَمَّا بَعْدُ خُرُوجِهِ فَحَرَامٌ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْحَرَامِ: وَابْتَدَأَ صَلَاةً بِخُرُوجِهِ وَإِنْ لِدَاخِلٍ، وَمِثْلُ خُرُوجِ الْخَطِيبِ دُخُولُهُ ذَاهِبًا لِلْمِنْبَرِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَوْ عِنْدَ دُخُولِهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمِنْبَرِ، فَإِنْ كَانَ جَالِسًا قَبْلَ ذَلِكَ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَلَوْ ابْتَدَأَهَا سَاهِيًا عَنْ خُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ حِينَ خُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ وَأَحْرَمَ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِخُرُوجِهِ أَوْ دُخُولِهِ وَبِالْحُكْمِ قَطَعَ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا خَفَّفَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُحْرِمًا قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ أَوْ دُخُولِهِ فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ قَطْعِهِ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَابْتَدَأَ صَلَاةً بِخُرُوجِهِ: وَلَا يَقْطَعُ إنْ دَخَلَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَلَوْ لِلدَّاخِلِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمُقَابِلُهُ جَوَازُ إحْرَامِهِ وَلَوْ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، وَعَلَيْهِ السُّيُورِيُّ مِنْ عُلَمَائِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قَائِلًا: الرُّكُوعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ:
[ ١ / ٢٦٥ ]