. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] «أَنَّ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ - ﷺ -: أَصَلَّيْت؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَلِخَبَرِ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ يَجْلِسُ» . وَدَلِيلُنَا مَا فِي أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ: «أَنَّ رَجُلًا تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت» فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ دُونَ الرُّكُوعِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَخَبَرُ: «إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت» نَهْيٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ مَعَ وُجُوبِهِ، فَالْمَنْدُوبُ أَوْلَى، وَأَمَّا خَبَرُ سُلَيْكٍ الْغَطَفَانِيِّ وَأَمْرُهُ - ﷺ - لَهُ بِالرُّكُوعِ لَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَيُحْتَمَلُ نَسْخُهُ بِنَهْيِهِ - ﷺ - عَلَى الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ مُعَارَضَتِهِ وَعَدَمِ نَسْخِهِ فَحَدِيثُنَا أَوْلَى كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لِاتِّصَالِهِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِجَرْيِهِ عَلَى الْقِيَاسِ مِنْ وُجُوبِ الِاشْتِغَالِ بِالِاسْتِمَاعِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ التَّحِيَّةِ الْمَنْدُوبَةِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّ سُلَيْكًا كَانَ صُعْلُوكًا وَدَخَلَ يَطْلُبُ شَيْئًا فَأَمَرَهُ - ﷺ - أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ لِيَتَفَطَّنَ لَهُ النَّاسُ فَيَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَدْفَعُ الْمُعَارَضَةَ، وَكَذَا الْجَوَابُ بِاحْتِمَالِ قَطْعِهِ - ﷺ - الْخُطْبَةَ لَهُ،؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِنْدَنَا تَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ تَوَجُّهِ الْخَطِيبِ إلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّمَا قَصَرْنَا الْكَلَامَ السَّابِقَ عَلَى الْمَأْمُومِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: (وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (الْإِمَامُ) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ فِي حَقِّهِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ. (وَلْيَرْقَ الْمِنْبَرَ كَمَا يَدْخُلُ) أَيْ سَاعَةَ دُخُولِهِ وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِهِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. [بَاب فِي صَلَاة الْخَوْف] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ فَقَالَ:
[ ١ / ٢٦٦ ]
بَابٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ إذَا خَافُوا الْعَدُوَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ وَيَدَعَ طَائِفَةً مُوَاجِهَةً الْعَدُوَّ فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ يَثْبُتُ قَائِمًا وَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ يُسَلِّمُونَ فَيَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ فَيُحْرِمُونَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) كَيْفِيَّةِ فِعْلِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (الْخَوْفِ)؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ تَخُصُّهُ بِخِلَافِ الْعِيدِ، وَالْخَوْفُ وَالْخِيفَةُ ضِدُّ الْأَمْنِ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِهَا فِي بَابِ جُمَلٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَصَلَاةُ الْخَوْفِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِسُنِّيَّتِهَا ابْنُ يُونُسَ، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ كَوْنِهَا سُنَّةً وَقَوْلُ خَلِيلٍ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَكُونُ وَاجِبَةً وَتَكُونُ سُنَّةً وَتَكُونُ مُبَاحَةً، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَمَكْرُوهَةٌ، فَالْوَاجِبَةُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالسُّنَّةُ كَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَالْمُبَاحَةُ كَمَسْحِ الْخُفِّ عِنْدَ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمَنْهَلِ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَالْمَكْرُوهَةُ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ، وَلَمْ يُعَرِّفْهَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرُهُ، وَقَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ شَيْخُ الْأُجْهُورِيِّ: وَيُمْكِنُ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا فِعْلُ فَرْضٍ مِنْ الْخَمْسِ وَلَوْ جُمُعَةً مَقْسُومًا فِيهِ الْمَأْمُومُونَ قِسْمَيْنِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَمَعَ عَدَمِهِ، لَا قَسْمَ فِي قِتَالِ مَأْذُونٍ فِيهِ فَيَدْخُلُ قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ وَكُلُّ قِتَالٍ جَائِزٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ صَلَّاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ - ﷺ - جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ - ﵃ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ وَحُكْمُهَا بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ، وَدَعْوَى الْمُزَنِيّ نَسْخَهَا مَرْدُودَةٌ، وَعَلَى بَقَاءِ حُكْمِهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، خِلَافًا لِابْنِ الْقَصَّارِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - ﷺ - وَتَبِعَهُمَا الْمُزَنِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ حَضَرًا وَسَفَرًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي عَدَدِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي صَلَّاهَا فِيهَا - ﵊ -، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْقَبَسِ أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي ثَلَاثِ غَزَوَاتٍ: ذَاتِ الرِّقَاعِ وَبَطْنِ النَّخِيلِ وَعُسْفَانَ، وَشَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا سَفَرًا بِقَوْلِهِ: (وَ) صِفَةُ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ حَالَ (الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ إذَا خَافُوا) أَيْ الْمُسْلِمُونَ ضَرَرَ (الْعَدُوِّ) الْكَافِرِ أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُحَارِبَ عِنْدَ صَلَاتِهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَأَمْكَنَ قَسْمُهُمْ (أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ لِيُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُقَاتِلِينَ شَطْرَ صَلَاتِهِمْ. (وَيَدَعُ) أَيْ يَتْرُكُ (طَائِفَةً مُوَاجِهَةً الْعَدُوَّ) قَالَ خَلِيلٌ: رُخِّصَ لِقِتَالٍ جَائِزٍ أَمْكَنَ تَرْكُهُ لِبَعْضِهِمْ قَسْمُهُمْ قِسْمَيْنِ وَإِنْ وِجَاهَ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ صِفَةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ وُجُوبًا عِنْدَ الْجَهْلِ وَنَدْبًا عِنْدَ عَدَمِهِ،؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِلنَّاسِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَّمَهُمْ وَصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ اسْتِنَانًا حَيْثُ طَلَبُوا غَيْرَهُمْ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَتُقَامُ هَذِهِ الصَّلَاةُ فِي كُلِّ قِتَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَشَمَلَ الْوَاجِبَ كَقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ، وَالْمُبَاحَ كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ. قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: وَمِثْلُ الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ فِي جَوَازِ الْقَسْمِ الْخَوْفُ عَلَى الْمَالِ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ عَلَى النَّفْسِ مِنْ السِّبَاعِ، وَأَمَّا الْقِتَالُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مُجَرَّدَ شَهْوَةِ النَّفْسِ كَمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقِتَالِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فَلَا يَجُوزُ قَسْمُهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: صَلَاةُ الْخَوْفِ إنَّمَا شُرِعَتْ فِي حَالِ قِتَالِ الْكُفَّارِ فَكَيْفَ أَجَزْتُمُوهَا فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ مِنْ بَابِ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ السَّبَبَ الْخَوْفُ وَهُوَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ سَوَاءٌ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ يَتَقَدَّمَ الْإِمَامُ قَوْلُهُ: (فَيُصَلِّي الْإِمَامُ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) مِنْ غَيْرِ الثُّلَاثِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَيُصَلِّي بِهَا؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لِلْإِضْمَارِ، لِظُهُورِ أَنَّ فَاعِلَ يُصَلِّي الْإِمَامُ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِلطَّائِفَةِ، إلَّا أَنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ زِيَادَةُ الْإِيضَاحِ وَنَكَّرَ طَائِفَةً، وَعَبَّرَ بِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ، بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ كُلِّ طَائِفَةٍ فِيهَا قُدْرَةٌ عَلَى رَدِّ الْعَدُوِّ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ بِقِيَامَةٍ (يَثْبُتُ) أَيْ الْإِمَامُ (قَائِمًا) سَاكِتًا أَوْ قَارِئًا أَوْ دَاعِيًا بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ. (وَ) يُشِيرُ لَهُمْ (يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ
[ ١ / ٢٦٧ ]
[صفة صلاة الخوف في الحضر]
خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُمْ وَيَنْصَرِفُونَ هَكَذَا يَفْعَلُ فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا إلَّا الْمَغْرِبَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً
وَإِنْ صَلَّى بِهِمْ فِي الْحَضَرِ لِشِدَّةِ خَوْفٍ صَلَّى فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ
وَلِكُلِّ صَلَاةٍ أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ
وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ عَنْ ذَلِكَ صَلُّوا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] رَكْعَةً) وَهِيَ بَقِيَّةُ صَلَاتِهِمْ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَأْمُومِيَّةِ فَلَا يُحْمَلُ سَهْوُهُمْ، وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُمْ بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بَعْدَ تَمَامِ قِيَامِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْهُ مُبْطِلٌ قَبْلَ تَمَامِ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ صَلَاتَهُمْ أَيْضًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْطِلُ حَدَثًا غَالِبًا أَوْ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ النِّسْيَانِ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ أَوْ يَسْتَخْلِفُونَ مَنْ يُتِمَّ بِهِمْ الْقِيَامَ، فَإِذَا قَامَ هَذَا الْمُسْتَخْلَفُ بِالْفَتْحِ يَثْبُتُ عَلَى حَالِهِ كَالْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى تُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَتَأْتِي الثَّانِيَةُ فَتَدْخُلُ مَعَهُ وَيُصَلِّي بِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى، فَإِنْ أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ. قَالَهُ سَنَدٌ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ خِلَافًا لِقَوْلِ التَّتَّائِيِّ: أَوْ بِإِمَامٍ. (ثُمَّ) بَعْدَ صَلَاتِهِمْ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ (يُسَلِّمُونَ) عَلَى الْيَمِينِ تَسْلِيمَةَ التَّحْلِيلِ وَعَلَى الْيَسَارِ إنْ كَانَ عَلَى يَسَارِ الْمُسَلِّمِ أَحَدٌ، وَلَا يُسَلِّمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ قَبْلَ سَلَامِهِ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وَبَعْدَ سَلَامِهِمْ يَذْهَبُونَ إلَى الْعَدُوِّ (فَيَقِفُونَ مَكَانَ أَصْحَابِهِمْ) قُبَالَةَ الْعَدُوِّ (ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابُهُمْ) الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا (فَيُحْرِمُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَيُصَلِّي بِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ) الْبَاقِيَةَ مِنْ صَلَاتِهِ. (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) أَيْ الْإِمَامُ (وَيُسَلِّمُ) وَلَا يَنْتَظِرُهُمْ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ فِي انْتِظَارِهِمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا مَعَهُ، وَفِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا يَدُلُّ لِلْمَذْهَبَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ انْتَظَرَهُمْ حَتَّى كَمَّلُوا صَلَاتَهُمْ وَسَلَّمَ بِهِمْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ مُرَاعَاةً لِلْقَائِلِ بِالِانْتِظَارِ. (ثُمَّ) بَعْدَ سَلَامِهِ تَقُومُ أَهْلُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ (يَقْضُونَ الرَّكْعَةَ الَّتِي فَاتَتْهُمْ) لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: يَقْضُونَ أَنَّهُمْ يَقْرَءُونَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ. (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِهِمْ وَسَلَامِهِمْ (يَنْصَرِفُونَ) جِهَةَ الْعَدُوِّ مَعَ أَصْحَابِهِمْ. (هَكَذَا يَفْعَلُ) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ الْفَرَائِضِ) كُلِّهَا فِي حَالِ السَّفَرِ (إلَّا) صَلَاةَ (الْمَغْرِبِ) (فَإِنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى) مِنْهَا (رَكْعَتَيْنِ)؛ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ وَتَذْهَبُ قُبَالَةَ الْعَدُوِّ (وَ) يُصَلِّي (بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فُرَادَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا الْإِمَامُ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى يَقْرَءُونَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي قِيَامِهِ بِغَيْرِهَا تَرَدُّدٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْتَظِرُهَا قَائِمًا سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا، وَعَلَى الثَّانِي يَجْلِسُ دَاعِيًا وَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ. [صفة صَلَاة الْخَوْف فِي الْحَضَر] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ شَرَعَ فِي صِفَةِ صَلَاتِهَا فِي الْحَضَرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ صَلَّى) أَيْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُصَلِّيَ (بِهِمْ فِي الْحَضَرِ) صَلَاةَ قَسْمٍ (لِشِدَّةِ خَوْفٍ) مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مُحَارِبٍ أَوْ لِصٍّ كَمَا مَرَّ (صَلَّى) بِهِمْ (فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ) عِنْدَ إمْكَانِ قَسْمِهِمْ (بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) سَوَاءٌ كَانُوا طَالِبِينَ أَوْ مَطْلُوبِينَ، فَإِذَا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ بَعْدَ تَشَهُّدِهِ يُشِيرُ إلَيْهَا لِتَقُومَ تُكْمِلُ صَلَاتَهَا أَفْذَاذًا، وَيَسْتَمِرُّ جَالِسًا سَاكِتًا أَوْ دَاعِيًا، وَقِيلَ قَائِمًا عَلَى قَوْلَيْنِ قَدَّمْنَاهُمَا، فَإِذَا جَاءَتْ الثَّانِيَةُ صَلَّى بِهَا مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ إذَا سَلَّمَ قَامُوا لِقَضَاءِ مَا صَلَّاهُ مَعَ الْأُولَى عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ يُقَسِّمُ الْجَمَاعَةَ أَيْضًا، وَتُوُقِّفَ فِي صَلَاةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ هَلْ بِإِمَامٍ أَوْ أَفْذَاذًا؟ وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي، وَتُوُقِّفَ أَيْضًا فِي عَدَدِ الطَّائِفَتَيْنِ وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ غَيْرَ الْإِمَامِ وَأَنْ يَحْضُرَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْخُطْبَةَ، هَذَا مُلَخَّصُ بَحْثِ الْأُجْهُورِيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ طَلَبِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ دَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلِكُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ أُرِيدَ فِعْلُهَا وَلَوْ فِي زَمَانِ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ (أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ) بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَهُوَ طَلَبُ مَنْ يَحْضُرُ الصَّلَاةَ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: مِنْ الْأَذَانِ لِجَمَاعَةٍ طَلَبَتْ غَيْرَهَا فِي فَرْضٍ وَقْتِيٍّ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الْقَسْمِ مَشْرُوطَةٌ بِالْإِمْكَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ إلَخْ، وَعِنْدَ إمْكَانِ الْقَسْمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ الْإِيمَاءِ وَلَوْ عَلَى خُيُولِهِمْ حَيْثُ احْتَاجُوا إلَى ذَلِكَ، وَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمُومِي بِالْمُومِي، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: مَحَلُّ جَوَازِ الْقَسْمِ إذَا لَمْ يُرْجَ انْكِشَافُ الْعَدُوِّ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِلَّا انْتَظَرُوا مَا لَمْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْقَسْمَ رُخْصَةٌ عِنْدَ التَّمَكُّنِ أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوهُ وَصَلَّوْا أَفْذَاذًا أَوْ بِإِمَامَيْنِ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ وَإِنَّمَا فَاتَهُمْ ثَوَابُ السُّنَّةِ، وَفُهِمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَسْمُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ قِسْمَيْنِ، فَإِنْ قَسَّمَهُمْ الْإِمَامُ أَكْثَرَ مِنْ قِسْمَيْنِ فَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْجَمِيعِ حَتَّى الْإِمَامِ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ فَارَقَ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ مُفَارَقَةٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلِّ رَكْعَةٍ بَطَلَتْ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّبَاعِيَّةِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى
[ ١ / ٢٦٨ ]