[حكم السواك]
بَابٌ: جُمَلٌ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْوَاجِبَةِ وَالرَّغَائِبِ الْوُضُوءُ لِلصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ إلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَسْحَ الْأُذُنَيْنِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ،
وَالسِّوَاكُ مُسْتَحَبٌّ مُرَغَّبٌ فِيهِ،
وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ رُخْصَةٌ وَتَخْفِيفٌ،
وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَدَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَابٌ جُمَلٌ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الْوَاجِبَةِ وَالرَّغَائِبِ] (بَابٌ) مُشْتَمِلٌ عَلَى بَيَانِ (جُمَلٍ) جَمْعُ جُمْلَةٍ أَيْ عِدَّةٍ (مِنْ الْفَرَائِضِ) جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ، وَيُرَادِفُ الْفَرْضُ الْوَاجِبَ وَاللَّازِمَ وَالْمُحَتَّمَ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا جَازِمًا أَيْ لَا تَرْخِيصَ فِي تَرْكِهِ، وَيُقَالُ فِي حَقِيقَتِهِ مَا يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ غَالِبًا. (وَ) جُمَلٌ (مِنْ السُّنَنِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ الْمُؤَكَّدَةِ (وَ) شَيْءٌ مِنْ (الرَّغَائِبِ) جَمْعُ رَغِيبَةٍ وَهِيَ كُلُّ مَا رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ فِي جَمَاعَةٍ فَهِيَ دُونَ السُّنَّةِ وَفَوْقَ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُ الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ يُطْلَقُ لَفْظُ السُّنَّةِ عَلَى مَا دُونَ الْفَرْضِ وَهِيَ طَرِيقُ الْبَغْدَادِيِّينَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ مَا دُونَ الْفَرْضِ فَعَلَهُ - ﷺ -، فَمِنْ الْفَرَائِضِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (الْوُضُوءُ) أَوْ بَدَلُهُ (لِلصَّلَاةِ) أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ (فَرِيضَةٌ) وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَافِلَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ، فَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِعَدَمِ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يُجْعَلُ الْوُضُوءُ تَابِعًا لِمَا يُفْعَلُ بِهِ، وَأَفْهَمْ قَوْلُهُ لِلصَّلَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا لِذَاتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى فَرِيضَتِهِ لِلنَّافِلَةِ أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ أَقْوَى مِنْ مَقْصِدِهَا، لِأَنَّا نَقُولَ: الطَّهَارَةُ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَرْضُ وَغَيْرُهُ، وَلَا يُقَالُ: الْفَرْضُ مَا يُعَاقَبُ الْمُكَلَّفُ عَلَى تَرْكِهِ وَوُضُوءُ النَّافِلَةِ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: يُعَاقَبُ عَلَيْهِ عِنْدَ فِعْلِ النَّافِلَةِ بِدُونِهِ، لِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ بِدُونِ طَهَارَةٍ مَعْصِيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَةُ حُكْمِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا يُطْلَبُ مِنْ الْوَلِيِّ تَعْلِيمُ الصَّبِيِّ صِفَةَ الْوُضُوءِ وَحُكْمَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ تَوَابِعِهِ كَزَوْجَةٍ وَخَادِمِهِ، وَيُكَفَّرُ الْمُكَلَّفُ بِجَحْدِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَرِيضَتِهِ. (وَهُوَ) أَيْ الْوُضُوءُ فِي اللُّغَةِ (مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ) وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَهُوَ طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَلَمَّا شَمِلَ الْوُضُوءُ سَائِرَ أَفْعَالِهِ اسْتَثْنَى غَيْرَ الْفَرْضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَمَسْحَ الْأُذُنَيْنِ) وَمِثْلُهَا الِاسْتِنْثَارُ وَرَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ. (فَإِنَّ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ (سُنَّةٌ) وَلَكِنْ لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ بِتَرْكِهَا، بِخِلَافِ سُنَنِ الصَّلَاةِ تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوُضُوءَ وَسِيلَةٌ وَالصَّلَاةَ مَقْصِدٌ، وَالشَّيْءُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ. [حُكْم السِّوَاك] (وَالسِّوَاكُ) بِمَعْنَى الِاسْتِيَاكِ وَلَوْ بِأُصْبُعِهِ وَإِنْ نُدِبَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَاقِي أَفْعَالِهِ خَلَا الْمَفْرُوضَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (مُسْتَحَبٌّ مُرَغَّبٌ فِيهِ) تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مُرَغَّبٌ فِيهِ، وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ جَمْعٌ مِنْ الشُّيُوخِ وَمِنْهُمْ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ السِّوَاكِ سُنَّةٌ لِخَبَرٍ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَلِمُدَاوَمَتِهِ - ﵊ - عَلَى فِعْلِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ فِعْلِ الْمَضْمَضَةِ لِلْوُضُوءِ، وَأَنَّهُ يَسْتَاكُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِبَادَةِ، وَيَسْتَاكُ عَرْضًا فِي الْأَسْنَانِ وَطُولًا فِي اللِّسَانِ، وَلَا يَسْتَاكُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَيَسْتَاكُ بِكُلِّ شَيْءٍ خَشِنٍ إلَّا عُودَ الرُّمَّانِ وَالرَّيْحَانِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ لِتَحْرِيكِ الْأَوَّلَيْنِ عِرْقَ الْجُذَامِ وَالثَّالِثُ يُورِثُ الْأَكَلَةَ، وَلَا يَسْتَاكُ بِالْحَلْفَاءِ وَلَا بِعُودِ الشَّعِيرِ وَلَا بِالْعُودِ الْمَجْهُولِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ لَهُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً أَعْظَمُهَا تَذْكِيرُهُ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَحْرُمُ وَقَدْ يُكْرَهُ. [الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ] (وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) بِالشُّرُوطِ الْعَشَرَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا (رُخْصَةٌ) جَائِزَةٌ جَوَازًا مَرْجُوحًا عَلَى طَرِيقَةِ الْأَكْثَرِ، بِنَاءً عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْغُسْلِ عَلَى الْمَسْحِ لِلْحَاضِرِ وَالْمُسَافِرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَإِنْ مُسْتَحَاضَةً، وَقَوْلُهُ: (وَتَخْفِيفٌ) تَفْسِيرٌ لِلرُّخْصَةِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا كَمَا قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُتَغَيِّرُ مِنْ صُعُوبَةٍ إلَى سُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ تَعْرِيفِهَا بِأَنَّهَا إبَاحَةُ الشَّيْءِ الْمَمْنُوعِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمَانِعِ، وَقَدَّمْنَا إيضَاحَ ذَلِكَ، وَيُقَابِلُ الرُّخْصَةَ
[ ٢ / ٢٦٥ ]
فَرِيضَةٌ،
وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ،
وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ،
وَالْغُسْلُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ فَرِيضَةٌ لِأَنَّهُ جُنُبٌ،
وَغُسْلُ الْمَيِّتِ سُنَّةٌ،
وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَرِيضَةٌ،
وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَرِيضَةٌ وَبَاقِي التَّكْبِيرِ سُنَّةٌ،
وَالدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَرِيضَةٌ،،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْعَزِيمَةُ وَهِيَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ الْمَشْرُوعُ أَوَّلًا. (وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ) وَهِيَ الْحَدَثُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ بِسَبَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ أَوْ مَغِيبِ حَشَفَةِ بَالِغٍ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ إنْزَالٌ. (وَ) كَذَا الْغُسْلُ مِنْ (دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ (فَرِيضَةٌ) لِآيَةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَآيَةِ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الْآيَةَ، وَلِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْحُكْمُ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْغُسْلِ لِانْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ إذَا خَرَجَ الْوَلَدُ جَافًّا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ فَالْمَشْهُورُ اسْتِحْبَابُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِاسْتِحَاضَةٍ وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ. (وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ) وَصِفَتُهُ كَالْجَنَابَةِ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى كُلِّ مَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسُنَّ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ بِالرَّوَاحِ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يَجْزِي فِعْلُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ لَوْلَا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ شَوَاهِدُ فِي الصَّحِيحِ، وَأَقُولُ: الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يُسَنُّ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ لَا الصَّبِيِّ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ يُخَالِفُهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ لِنَحْوِ رِقٍّ أَوْ سَفَرٍ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتَلِمًا. (وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ إحْيَاءُ لَيْلَتِهِ وَغُسْلٌ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِدُخُولِ السُّدُسِ الْأَخِيرِ، وَلِذَا لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِالرَّوَاحِ إلَى الْمُصَلَّى، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ، فَلِذَلِكَ يُطْلَبُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُصَلٍّ، وَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَمِمَّا هُوَ سُنَّةٌ غُسْلُ الْإِحْرَامِ أَوْ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ أَيْضًا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيِّنٌ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ، وَغُسْلُ الْعِيدِ مُسْتَحَبٌّ تَبَعِيَّةُ الْأَوَّلِ لِفَرْضٍ دُونَ غَيْرِهِ. (وَالْغُسْلُ عَلَى) كُلِّ (مَنْ أَسْلَمَ) مِنْ الْكُفَّارِ الْبَالِغِينَ (فَرِيضَةٌ لِأَنَّهُ جُنُبٌ) قَالَ خَلِيلٌ: وَيَجِبُ غُسْلُ كَافِرٍ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِمَا ذُكِرَ وَصَحَّ قَبْلَهَا، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِقَوْلِهِ: جُنُبٌ، وَخَلِيلٍ: أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ مِنْهُ مُوجِبُ غُسْلٍ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ وُجُوبُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَوْ صَبِيًّا تَعْظِيمًا لِلْإِسْلَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ غُسْلُهُ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ نَوَى بِهِ الطُّهْرَ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ أَوْ الْإِسْلَامَ، أَوْ نَوَى بِهِ الْإِسْلَامَ وَالتَّنْظِيفَ، لَا إنْ نَوَى بِهِ التَّنْظِيفَ فَقَطْ، وَكَمَا يَصِحُّ الْغُسْلُ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْإِسْلَامِ يَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ، وَلَا يُقَالُ: شَرْطُ صِحَّةِ كُلٍّ الْإِسْلَامُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْعَازِمُ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ حُكْمًا. (وَغُسْلُ) بِمَعْنَى تَغْسِيلِ (الْمَيِّتِ) الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ اسْتِقْرَارُ حَيَاةٍ وَغَيْرِ شَهِيدِ حَرْبٍ الْمَوْجُودِ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ حُكْمًا. (سُنَّةٌ) وَقِيلَ فَرِيضَةٌ، وَصَدَّرَ بِهِ خَلِيلٌ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي وُجُوبِ غَسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ: وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَدَفْنِهِ وَكَفَنِهِ وَسُنِّيَّتِهِمَا خِلَافٌ وَتَلَازُمًا وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ، فَيُبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وُضُوءًا كَامِلًا مَرَّةً وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ. وَقَوْلُنَا وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبِيهِ أَوْ سَابِيه مِنْ أَوْلَادِ الْمَجُوسِ لَوْ مُمَيِّزًا إلَّا الْكِتَابِيَّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِمُجَرَّدِ التَّبَعِيَّةِ، فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا مَحْكُومَ بِكُفْرِهِ وَإِنْ صَغِيرًا ارْتَدَّ أَوْ نَوَى بِهِ سَلِيبَةَ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ عَلَامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمَعْنَى تَغْسِيلِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَحْيَاءُ فِي الْمَيِّتِ. (وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ) كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا (فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَلَوْ عَلَى كَافِرٍ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالتَّقْيِيدِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي آيَةِ: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] لَا يُنَافِي وُجُوبَهَا عَلَى الْكُفَّارِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْجَاحِدُ وَلَوْ لِرُكْنٍ مِنْهَا كَافِرٌ حَيْثُ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَرْضِيَّتِهِ، وَالْمُقِرُّ بِالْوُجُوبِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الْفِعْلِ عِنَادًا يُؤَخَّرُ إلَى بَقَاءِ رَكْعَةٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنْ تَرَكَ فَرْضًا آخَرَ لِبَقَاءِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنْ الضَّرُورِيِّ وَقُتِلَ بِالسَّيْفِ حَدًّا وَلَوْ قَالَ: أَنَا أَفْعَلُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ فَاضِلٍ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ بَلْ يُشْهَرُ زَجْرًا لِأَمْثَالِهِ. (وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ مُقَارِنًا لِنِيَّتِهَا. (فَرِيضَةٌ) فِي حَقِّ كُلِّ مُصَلٍّ قَادِرٍ عَلَيْهِ وَصِفَتُهَا أَنْ تَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ بِمَدِّ لَفْظِ الْجَلَالَةِ الْمَدَّ الطَّبِيعِيَّ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا، وَالْعَاجِزُ عَنْهَا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ تَكْفِيه النِّيَّةُ، وَلَا يُكَلَّفُ الْإِتْيَانَ بِمُرَادِفِهَا بِلُغَتِهِ، فَإِنْ أَتَى بِهَا بِلُغَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِالْأَوْلَى مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ سُنَّةٌ،
وَالْقِرَاءَةُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،
وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَرِيضَةٌ،،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] صَلَاةِ مَنْ دَعَا فِي صَلَاتِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، خِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ فِي ذَخِيرَتِهِ، وَتَجِبُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ إلَّا سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى تَكْبِيرٍ زَائِدٍ عَلَى تَكْبِيرِ الْخَفْضِ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِهَا نَاوِيًا فِعْلَهَا مُكَبِّرًا فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ. (تَنْبِيهٌ) سَكَتَ هُنَا وَفِيمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يَجِبُ إلَّا فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ غَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ فَفِي وُجُوبِ الْقِيَامِ لَهَا فِي حَقِّهِ وَعَدَمِهِ تَأْوِيلَانِ جَارِيَانِ فِيمَنْ نَوَى بِتَكْبِيرِهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ الْعَقْدَ أَوْ نَوَى الْعَقْدَ وَالرُّكُوعَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِمَا أَجْزَأَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ التَّكْبِيرِ مِنْ قِيَامٍ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، فَعَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ لَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَعَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ يُعْتَدُّ بِهَا، بِخِلَافِ لَوْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ بَعْدَ تَمَامِ الِانْحِطَاطِ مَعَ الْفَصْلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، سَوَاءٌ افْتَتَحَهُ فِي حَالِ الْقِيَامِ أَوْ فِي حَالِ الِانْحِطَاطِ، وَأَمَّا لَوْ افْتَتَحَهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ وَأَتَمَّهُ فِي حَالِ انْحِطَاطِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَتَبْطُلُ الرَّكْعَةُ فَقَطْ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَالصُّوَرُ سِتٌّ. وَلَعَلَّ وَجْهَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ فِي الرَّكْعَةِ التَّالِيَةِ لِلرَّكْعَةِ الْبَاطِلَةِ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَحْرَمَ فِي حَالِ قِيَامِهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ. (وَبَاقِي التَّكْبِيرِ) الزَّائِدِ عَلَى الْإِحْرَامِ (سُنَّةٌ) الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ جَمِيعَ الْبَاقِي سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ شُهِرَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لِتَرْكِ وَاحِدَةٍ وَيَسْجُدُ لِتَرْكِ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْقَوْلَانِ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ فَأَكْثَرَ أَوْ جَمِيعَهُ سَهْوًا وَتَرَكَ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ حَتَّى طَالَ زَمَنُ التَّرْكِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ سُنَّةٌ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَعَلَى أَنَّ جَمِيعَهُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَبْطُلُ ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ، وَمَا قِيلَ فِي التَّكْبِيرِ يُقَالُ فِي التَّسْمِيعِ وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ تَكْبِيرِ الْعِيدِ، وَأَمَّا تَكْبِيرُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ يَسْجُدُ لِتَرْكِهَا الْإِمَامُ وَالْفَذُّ. (وَالدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ (بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَرِيضَةٌ) وَالْمُرَادُ بِنِيَّةِ الْفَرِيضَةِ نِيَّةُ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ فَرْضِيَّتَهَا، لِأَنَّ نِيَّةَ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ بِكَوْنِهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا يَتَضَمَّنُ فَرْضِيَّتَهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحْرِمِ بِالْفَرِيضَةِ مُلَاحَظَةُ عَيْنِهَا وَفَرْضِيَّتِهَا وَعَدَدِ رَكَعَاتِهَا وَأَدَائِهَا أَوْ قَضَائِهَا وَالِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا، وَيَقْصِدُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ ذَهِلَ عَنْ الْجَمِيعِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ حَيْثُ نَوَى فِعْلَ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ إنْ كَانَ مَأْمُومًا وَخَرَجَ مِنْهَا بِلَا نِيَّةٍ غَيْرِهَا لَا إنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِنِيَّةِ الْعَصْرِ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَمَحَلُّ نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْعَزْمُ عَلَى الْمَنْوِيِّ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ عَنْ الشُّرُوعِ فِيهِ بَطَلَ مُطْلَقًا، وَإِنْ تَقَدَّمَتْ بِكَثِيرٍ فَكَذَلِكَ، وَيَسِيرُ فِي صِحَّتِهِ وَبُطْلَانِهِ خِلَافٌ، وَإِنْ نَوَى فِي قَلْبِهِ شَيْئًا وَتَلَفَّظَ بِخِلَافِهِ فَالْمُعْتَبَرُ مَا نَوَاهُ لَا مَا لَفَظَ بِهِ. (تَنْبِيهٌ) كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ بِصَلَاةٍ غَيْرِ فَرْضٍ فَإِنْ كَانَتْ سُنَّةً أَوْ رَغِيبَةً فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهَا بِعَيْنِهَا كَالْفَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهَا، وَيَكْفِي نِيَّةُ فِعْلِ مُطْلَقِ صَلَاةِ نَفْلٍ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ كَوْنَهَا ضُحًى أَوْ كَوْنَهَا تَرَاوِيحَ أَوْ تَحِيَّةً، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي نِيَّةٍ نَحْوِ الصَّوْمِ مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ تَخْتَلِفُ صِفَتُهَا بِالْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ) عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ (سُنَّةٌ) خَفِيفَةٌ وَقِيلَ مَنْدُوبٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ فَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَيَرْفَعُهَا حَذْوَ أُذُنَيْهِ أَوْ دُونَ ذَلِكَ وَيَكُونُ مُقَارِنًا لِلتَّكْبِيرِ كَسَائِرِ تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ يُطْلَبُ مُقَارَنَتُهُ لِحَرَكَةِ أَرْكَانِهَا. قَالَ خَلِيل: وَتَكْبِيرُهُ فِي الشُّرُوعِ إلَّا فِي قِيَامِهِ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَلِاسْتِقْلَالِهِ. (وَالْقِرَاءَةُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ) ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (فَرِيضَةٌ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِ وَلَوْ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَيْهَا وَالْعَاجِزُ يَأْتَمُّ بِمَنْ يَحْفَظُهَا، وَتَسْقُطُ عَنْ الْعَاجِزِ كَمَا تَسْقُطُ عَنْ الْأَخْرَسِ، وَيُنْدَبُ فَصْلُهُ بَيْنَ تَكْبِيرِهِ وَرُكُوعِهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ عَنْ الْفَاتِحَةِ وَقَدَرَ عَلَى السُّورَةِ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ شَيْءٍ لَا يُسْقِطُ غَيْرَهُ وَحَرَّرَهُ. وَيُسَنُّ إنْصَاتُ الْمُقْتَدِي فِي الْجَهْرِيَّةِ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْقِرَاءَةُ فِي السِّرِّيَّةِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ فَالْأَفْضَلُ الْقِرَاءَةُ لِأَنَّ مِنْ الْوَرَعِ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهَا فِي كُلِّ مَذْهَبٍ خَيْرٌ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَقَيَّدْنَا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا الْفَاتِحَةُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْمُصَلِّي مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ، فَيَقْرَأُ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْفَاتِحَةِ مَرَّةً مَعَ شَيْءٍ مِنْ الدُّعَاءِ لِتَصِحَّ الصَّلَاةُ بِاتِّفَاقٍ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا هَلْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَوْ الْجُلِّ؟ خِلَافٌ. (تَنْبِيهٌ) تَوَقَّفَ بَعْضُ شُيُوخِ شَيْخِنَا الْأُجْهُورِيُّ فِي وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا عَلَى مَنْ يُلْحِنُ فِيهَا لِعَجْزِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الصَّوَابِ، وَاسْتَظْهَرَ وُجُوبَ قِرَاءَتِهَا بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِاللَّحْنِ فِيهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ وَلَوْ غَيَّرَ الْمَعْنَى كَأَنْعَمْتُ بِالضَّمِّ أَوْ الْكَسْرِ. (وَمَا زَادَ عَلَيْهَا) فَقِرَاءَتُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَالْفَذِّ فِي الْفَرِيضَةِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الثُّنَائِيَّةِ وَلَا فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَمَّا فِي صَلَاةِ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
[القنوت في الصلاة]
وَالْجَلْسَةُ الْأُولَى سُنَّةٌ وَالثَّانِيَةُ فَرِيضَةٌ،
وَالسَّلَامُ فَرِيضَةٌ وَالتَّيَامُنُ بِهِ قَلِيلًا سُنَّةٌ،
وَتَرْكُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ،
وَالتَّشَهُّدَانِ سُنَّةٌ،
وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ،
وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فَرِيضَةٌ،
وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالسَّعْيُ إلَيْهَا فَرِيضَةٌ
،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] النَّافِلَةِ فَمُسْتَحَبَّةٌ. (وَالْقِيَامُ) فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَلِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَلِلرُّكُوعِ. (وَ) كَذَلِكَ (الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ) وَالرَّفْعُ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَكَذَا سَائِرُ أَفْعَالِهَا، سِوَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَالتَّيَامُنِ بِالسَّلَامِ وَالْجُلُوسِ الْأَوَّلِ وَالزَّائِدِ عَلَى السَّلَامِ مِنْ الثَّانِي (فَرِيضَةٌ) خَبَرُ الْقِيَامِ وَمَا عَطْفٌ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ بِفَرْضٍ قِيَامٌ إلَّا لِمَشَقَّةٍ أَوْ لُحُوقِهَا بِهِ فِيهَا أَوْ قَبْلَ ضِرَارِ كَالتَّيَمُّمِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا فَفَرْضَانِ حَتَّى فِي النَّافِلَةِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ اسْتِقْلَالًا فَيُصَلِّي قَائِمًا مُسْتَنِدًا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ مَعَ الِاسْتِنَادِ صَلَّى جَالِسًا مُسْتَقِلًّا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ صَلَّى جَالِسًا مُسْتَنِدًا، وَالِاسْتِنَادُ يَكُونُ لِغَيْرِ جُنُبٍ وَحَائِضٍ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجُلُوسِ بِقِسْمَيْهِ صَلَّى مُضَجِّعًا عَلَى الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ أَوْ عَلَى الظَّهْرِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تِلْكَ الْحَالَاتِ جَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى بَطْنِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِأَنْ تَكُونَ رَأْسُهُ فِيهَا وَرِجْلَاهُ فِي دُبْرِهَا، وَأَمَّا الْقِيَامُ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فَمُسْتَحَبٌّ وَلَوْ مَنْذُورَةً إلَّا أَنْ يَنْذُرَ الْقِيَامَ. (وَالْجَلْسَةُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَرَّةَ (الْأُولَى) الْمُرَادُ غَيْرُ الْآخِرَةِ (سُنَّةٌ) كَمَا أَنَّ مَظْرُوفَهَا وَهُوَ التَّشَهُّدُ سُنَّةٌ. (وَ) أَمَّا الْجِلْسَةُ (الثَّانِيَةُ) الْمُرَادُ جِلْسَةُ السَّلَامِ فَهِيَ (فَرِيضَةٌ) الْفَرْضُ مِنْهَا ظَرْفُ السَّلَامِ، وَأَمَّا ظَرْفُ التَّشَهُّدِ فَسُنَّةٌ، وَظَرْفُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهِ خِلَافُهَا، وَظَرْفُ الدُّعَاءِ كَهُوَ. قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: يُعْطَى الظَّرْفُ حُكْمَ الْمَظْرُوفِ، وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، فَمَا كَانَ ظَرْفًا لِلْفَاتِحَةِ أَوْ لِلْإِحْرَامِ أَوْ لِلرُّكُوعِ فَفَرْضٌ وَظَرْفُ السُّورَةِ سُنَّةٌ. (وَالسَّلَامُ) الْمُعَرَّفُ بِالْأَلْفِ وَاللَّامِ لِلتَّحْلِيلِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ لَهَا سَلَامٌ (فَرِيضَةٌ) وَلَوْ عَلَى الْمَأْمُومِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ نَافِلَةً، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ كُلُّ مُنَافٍ، وَأَمَّا سَلَامُ غَيْرِ التَّحْلِيلِ فَسُنَّةٌ عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ، وَأَمَّا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فَلَا يَجِبُ وَلَا يُسَنُّ وَلَا يُنْدَبُ لَهَا إلَّا أَنْ يَقْصِدَ السَّاجِدُ مُرَاعَاةَ الْخِلَافِ. (وَالتَّيَامُنُ بِهِ) أَيْ بِالسَّلَامِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ مِنْهُ (قَلِيلًا) بِحَيْثُ تَرَى صَفْحَةَ وَجْهِهِ (سُنَّةٌ) لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ مَأْمُومًا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا فِي سَلَامِ غَيْرِ الْمَأْمُومِ، وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَبْتَدِئُ السَّلَامَ فِي جِهَةِ يَمِينِهِ لَا قُبَالَتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ سَلَامُ غَيْرِ الْمَأْمُومِ قُبَالَتُهُ مُتَيَامَنًا قَلِيلًا، وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمَأْمُومَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ التَّيَامُنِ بِالسَّلَامِ سُنَّةً خِلَافُ كَلَامِ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ. (وَتَرْكُ الْكَلَامِ) وَكَذَا كُلُّ فِعْلٍ كَثِيرٍ (فِي) حَالِ فِعْلِ (الصَّلَاةِ فَرِيضَةٌ) لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ «أَنَّا كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أَيْ سَاكِتِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ»، فَإِنْ تَكَلَّمَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ وَلَوْ وَجَبَ لِكَإِنْقَاذِ أَعْمَى، أَوْ تَكَلَّمَ مُكْرَهًا لَا إنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ عَمْدًا لِإِصْلَاحِهَا فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِكَثِيرِهِ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي غَيْرِ الْكَثِيرِ. (وَالتَّشَهُّدَانِ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ يَسْجُدُ لِتَرْكِهَا سَهْوًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ بِغَيْرِ تَشَهُّدِ عُمَرَ، قَالَ خَلِيلٌ فِي مَبْحَثِ السُّنَنِ: وَمُطْلَقُ التَّشَهُّدِ، وَأَمَّا اللَّفْظُ الْخَاصُّ فَقِيلَ سُنَّةٌ وَقِيلَ فَضِيلَةٌ. [الْقُنُوت فِي الصَّلَاة] (وَالْقُنُوتُ فِي) ثَانِيَةِ صَلَاةِ (الصُّبْحِ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ) قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَقُنُوتٌ سِرًّا بِصُبْحٍ فَقَطْ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ وَلَفْظُهُ وَهُوَ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ فَلَا تَبْطُلُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِهِ وَلَا يُسْجَدُ لِسَهْوِهِ وَلَا يَرْجِعُ لَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، وَإِنْ سَجَدَ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَجَدَ تَبَعًا لِإِمَامٍ يَسْجُدُ لِتَرْكِهِ. (وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) فِي فِعْلٍ كَلَا صَلَاةٍ وَلَوْ جِنَازَةٍ أَوْ سَجْدَةِ تِلَاوَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّ الِاسْتِقْبَالَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْأَمْنِ إلَّا فِي حَالِ سَفَرِ الْقَصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ فَقِبْلَتُهُ جِهَةُ سَفَرِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصُوِّبَ سَفَرُ قَصْرٍ لِرَاكِبِ دَابَّةٍ فَقَطْ بُدِلَ فِي نَفْلٍ وَإِنْ وِتْرًا وَإِنْ سَهُلَ الِابْتِدَاءُ لَهَا وَإِلَّا فِي حَالِ الِالْتِحَامِ أَوْ مَرِيضٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحْوِيلِ وَلَا التَّحَوُّلِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الِاسْتِقْبَالُ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أَيْ جِهَةَ شَطْرِهِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - ﵊ -: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ إذَا تَوَجَّهَ نَحْوَ الْبَيْتِ» هَذَا فِي حَقِّ الْخَارِجِ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا مَنْ بِمَكَّةَ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ إذَا صَلَّى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ صَلَّى خَارِجَهُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ سَمْتِهَا يَقِينًا وَلَوْ بِمَشَقَّةٍ، وَالْمُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِدْلَال لِمِحْرَابِهِ - ﷺ - لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَهُوَ مُسَامِتٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ إمَّا بِإِقَامَةِ جِبْرِيلَ أَوْ بِاجْتِهَادِهِ - ﵊ - وَهُوَ لَا يُقَرُّ عَلَى الْخَطَإِ، وَمِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ مَنْ صَلَّى بِجَامِعِ سَيِّدِنَا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
[صلاة الجمعة]
[صلاة الوتر]
[جمع الصلاة]
وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ وَالْخُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَصَلَاةُ الْخَوْفِ وَاجِبَةٌ أَمَرَ اللَّهُ ﷾ بِهَا وَهُوَ فِعْلٌ يَسْتَدْرِكُونَ بِهِ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ،
وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ،
وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ تَخْفِيفٌ وَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ،
وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،
وَجَمْعُ الْمُسَافِرِ فِي جِدِّ السَّيْرِ رُخْصَةٌ،
وَجَمْعُ الْمَرِيضِ يَخَافُ أَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالْفُسْطَاطِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - ﵃ - اجْتَمَعُوا عَلَى نَصْبِ مِحْرَابِهِ، وَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الْجِهَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَرَجَ عَنْ تِلْكَ الْبِقَاعِ الثَّلَاثِ، فَمَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيَقْطَعُهَا وَلَوْ أَعْمَى مُنْحَرِفًا يَسِيرًا وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْخَطَأُ لِلْمُصَلِّي فِيهَا إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَتَجِبُ إعَادَتُهَا أَبَدًا وَلَوْ كَانَ الْخَطَأُ يَسِيرًا مِنْ أَعْمَى، وَلَا فَرْقَ فِي الْقِسْمَيْنِ بَيْنَ كَوْنِ الِانْحِرَافِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا، وَأَمَّا مَنْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي غَيْرِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَلَوْ كَانَ الِانْحِرَافُ كَثِيرًا حَيْثُ كَانَ الْمُنْحَرِفُ أَعْمَى وَبَصِيرًا وَانْحِرَافُهُ يَسِيرٌ وَإِنْ كَثُرَ انْحِرَافُهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ لِبُطْلَانِهَا فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الِانْحِرَافُ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تُعَادُ وَلَا فِي الْوَقْتِ إلَّا عَلَى الْبَصِيرِ الْمُنْحَرِفِ كَثِيرًا فَيُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَأٌ بِصَلَاةٍ قُطِعَ غَيْرُ أَعْمَى وَمُنْحَرِفٌ يَسِيرًا فَيَسْتَقْبِلَانِهِ اوَبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَمَفْهُومُ الْخَطَإِ أَنَّ تَعَمُّدَ الِانْحِرَاف مُبْطِلٌ، وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ مَطْلُوبِيَّةَ الِاسْتِقْبَالِ أَوْ نَسِيَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَوْ جَهِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِ كُلٍّ بِحُكْمِ الِاسْتِقْبَالِ فَقِيلَ يُعِيدُ صَلَاتَهُ أَبَدًا، وَقِيلَ فِي الْوَقْتِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ يُعِيدُ النَّاسِي أَبَدًا خِلَافٌ، وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ وُجُوبَ الِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ الْفَرْضَ أَبَدًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. [صَلَاةُ الْجُمُعَةِ] (وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ) فَرِيضَةٌ. (وَ) كَذَلِكَ (السَّعْيُ إلَيْهَا) لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ (فَرِيضَةٌ) عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُتَوَطِّنٍ وَإِنْ بَقَرِيَّةٍ نَائِيَةٍ عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ الْمَنَارِ وَزَمَنِ السَّعْيِ بِحَيْثُ إذَا شَرَعَ فِيهِ يُدْرِكُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَوْ مَعَ الْخُطْبَةِ، فَقَوْلُهُ فَرِيضَةٌ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّعْيِ. [صَلَاة الْوِتْر] (وَ) صَلَاةُ (الْوِتْرِ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ رَكْعَةٌ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ وَوَقْتُهُ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ وَشَفَقٍ لِلْفَجْرِ وَضَرُورِيَّةٌ لِلصُّبْحِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إيقَاعُهُ عَقِبَ شَفْعٍ مُنْفَصِلٍ بِسَلَامٍ، وَيُكْرَهُ وَصْلُهُ إلَّا لِاقْتِدَاءٍ بِوَاصِلٍ. (وَكَذَلِكَ صَلَاةُ) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ (الْعِيدَيْنِ) سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَا أَفْضَلِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفْضِيلِ صَلَاةِ عِيدِ النَّحْرِ وَوَقْتِهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ لِلزَّوَالِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ سُنَّةً مَعَ الْجَمَاعَةِ وَتُنْدَبُ لِمَا فَاتَتْهُ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الزَّوَالُ فَتَفُوتَ. (وَ) كَذَلِكَ صَلَاةُ (الْخُسُوفِ) وَهُوَ ذَهَابُ كُلِّ أَوْ بَعْضِ ضَوْءِ الشَّمْسِ إلَّا مَا قَلَّ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. (وَ) كَذَلِكَ صَلَاةُ (الِاسْتِسْقَاءِ) سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوِتْرُ سُنَّةٌ آكَدُ ثُمَّ عِيدٌ ثُمَّ كُسُوفٌ ثُمَّ اسْتِسْقَاءٌ، وَأَمَّا صَلَاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ فَالْمَشْهُورُ نَدْبُهَا، وَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ تُقَدَّمُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَتُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الصَّحْرَاءِ وَمِثْلُهَا الِاسْتِسْقَاءُ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَفُعِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ لِئَلَّا تَفُوتَ تَأْخِيرُهَا لِلْمُصَلِّي بِانْجِلَائِهَا بِخِلَافِ الْعِيدِ لِأَنَّهُ لَا تَفُوتُ صَلَاتُهُ إلَّا بِالزَّوَالِ. (وَ) كَيْفِيَّةُ إيقَاعِ (صَلَاةِ) الْفَرْضِ فِي زَمَنِ (الْخَوْفِ) عَلَى مَا فَعَلَهُ - ﷺ - (وَاجِبَةٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ (أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانُهُ) وَتَعَالَى (بِهَا) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] الْآيَةَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تُنْسَخْ بِمَوْتِهِ - ﷺ -، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَهَا إلَّا حَيْثُ لَمْ يُرْجَ انْكِشَافُ الْعَدُوِّ قَبْلَ ذَهَابِ الْوَقْتِ، فَإِنْ رَجَا انْكِشَافَهُ أَخَّرَهُمْ حَتَّى يَخَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ. (وَهُوَ) أَيْ فِعْلُهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِحَالِ الْخَوْفِ مِنْ قَسْمِ الْجَمَاعَةِ قِسْمَيْنِ. (فِعْلٌ يَسْتَدْرِكُونَ) أَيْ يُحَصِّلُونَ (بِهِ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ إيقَاعَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ سُنَّةٌ. (وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ) فِي حَقِّ مَنْ يَصِحُّ طَوَافُهُ فَلَا يُطْلَبُ مِنْ حَائِضٍ وَلَا نُفَسَاءَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ لِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِذِي طُوًى وَلَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ إبْقَاءً لِلشَّعَثِ وَخَوْفَ قَتْلِ شَيْءٍ مِنْ الدَّوَابِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ غُسْلِ عَرَفَةَ فَيُنْدَبُ وَلَوْ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقُبْهُ طَوَافٌ وَلَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْإِحْرَامِ فَاغْتِسَالَاتُ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ. [جَمْعِ الصَّلَاة] (وَالْجَمْعُ لَيْلَةَ الْمَطَرِ) الْكَثِيرِ وَلَوْ الْمُتَوَقَّعَ الَّذِي يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، أَوْ الطِّينِ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ بِالْمَدَاسِ مَعَ الظُّلْمَةِ، وَمِثْلُهُ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْقَرَائِنِ وَخَبَرُ الْجَمْعِ قَوْلُهُ: (تَخْفِيفٌ) وَتَرْخِيصٌ وَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ صِفَتَهُ بِقَوْلِهِ: أُذِّنَ لِلْمَغْرِبِ كَالْعَادَةِ وَأُخِّرَ قَلِيلًا ثُمَّ صُلِّيَا وَلَاءً إلَّا قَدْرَ أَذَانٍ مُنْخَفِضٍ بِمَسْجِدٍ وَإِقَامَةٍ فَهُوَ جَمْعُ تَقْدِيمٍ، فَلَوْ جَمَعُوا لِأَجْلِ الْمَطَرِ الْمُتَوَقَّعِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَنْبَغِي الْإِعَادَةُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْوَقْتِ كَخَائِفِ إغْمَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الْأُولَى ثُمَّ لِعَدَمِ حُصُولِ مَا خَافَهُ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ الْعِشَاءِ عِنْدَ الْمَغْرِبِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ فَعَلَهُ) أَيْ الْجَمْعَ لَيْلَةَ الْمَطَرِ النَّبِيُّ - ﷺ - وَ(الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) بَعْدَهُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - ﵁ - وَعَنْ
[ ٢ / ٢٦٩ ]
يُغْلَبَ عَلَى عَقْلِهِ تَخْفِيفٌ وَكَذَلِكَ جَمْعُهُ لِعِلَّةٍ بِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ،
وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ وَالْإِقْصَارُ فِيهِ وَاجِبٌ،،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْجَمِيعِ، فَحُكْمُهُ مُسْتَمِرٌّ إلَى الْآنِ لَمْ يُنْسَخْ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ الْقَرَافِيُّ بِمَا مُحَصَّلُهُ: فِعْلُ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا وَاجِبٌ وَهَذَا الْجَمْعُ مَنْدُوبٌ وَكَيْفَ يُتْرَكُ وَاجِبٌ لِتَحْصِيلِ مَنْدُوبٍ. وَأُجِيبَ عَنْ إشْكَالِهِ بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، وَإِيضَاحُ الْجَوَابِ أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ الْمُقَدَّمَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَالْإِشْكَالُ إنَّمَا كَانَ يُوجَدُ مَعَ بَقَاءِ الْوُجُوبِ فَافْهَمْ. (وَالْجَمْعُ) بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعُ تَقْدِيمٍ (بِعَرَفَةَ وَ) كَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعُ تَأْخِيرٍ. (الْمُزْدَلِفَةِ) بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ عَرَفَةَ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَمَعَ وَقَصَرَ إلَّا أَهْلَهَا كَمِنًى وَعَرَفَةَ، وَالضَّمِيرُ فِي وَجَمَعَ لِلْحَالِّ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ إنْ نَفَرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَصِفَةُ الْجَمْعِ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَأَقَامَ لِلظُّهْرِ وَصَلَّاهَا، ثُمَّ يُؤَذِّنُ لِلْعَصْرِ وَيُقِيمُ لَهَا وَيُصَلِّيهَا، وَصِفَةُ الْجَمْعِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَحُطَّ رَحْلَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ، وَقِيلَ يَحُطُّ رَحْلَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ مُتَوَالِيَتَيْنِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ الْجَمْعِ إذَا وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ مَعَ النَّاسِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ لِغَيْرِ عَجْزٍ، فَإِنْ وَقَفَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجْمَعُ لَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا وَإِنَّمَا يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَإِنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَتَأَخَّرَ لِعَجْزٍ صَلَّاهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ شَاءَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: أَنْ يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفِرَ مَعَهُ وَحُكْمُهَا وَاضِحٌ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقِفَ مَعَهُ وَيَتَأَخَّرَ لِعَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْدَ الشَّفَقِ فِي أَيِّ مَحَلٍّ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ وَيَتَأَخَّرَ عَنْهُ اخْتِيَارًا فَلَا يَجْمَعُ إلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ: الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَقِفَ مَعَ الْإِمَامِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ لَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ جَمْعَ التَّأْخِيرِ لَا يُؤَذَّنُ فِيهِ لِأُولَى الصَّلَاتَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ ثَانِيَتِهِمَا وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. (وَجَمْعُ الْمُسَافِرِ) سَفَرًا مُبَاحًا فِي الْبَرِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. (فِي) حَالِ (جِدِّ السَّيْرِ) لِإِدْرَاكِ أَمْرٍ مُهِمٍّ (رُخْصَةٌ) مَرْجُوحٌ فِعْلُهَا إذْ الْأَوْلَى تَرْكُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُخِّصَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ بِبَرٍّ وَإِنْ قَصَرَ وَلَمْ يَجِدْ بِلَا كُرْهٍ وَفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ لِإِدْرَاكِ أَمْرٍ بِمَنْهَلٍ زَالَتْ بِهِ وَنَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ وَأَخَّرَ الْعَصْرَ وَبَعْدَهُ خُيِّرَ فِيهَا، وَإِنْ زَالَتْ رَاكِبًا أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ أَوْ قَبْلَهُ وَإِلَّا فَفِي وَقْتَيْهِمَا، وَحُكْمُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حُكْمُ الظُّهْرَيْنِ لَمَّا غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَازِلٌ أَوْ سَائِرٌ بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثِ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا بَعْدَهُ لِلْفَجْرِ بِمَنْزِلَةِ الِاصْفِرَارِ سَوَاءٌ غَرَبَتْ عَلَيْهِ نَازِلًا أَوْ سَائِرًا، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ كَوْنِ الْمُسَافِرِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَا بَيْنَ كَوْنِهِ سَائِرًا عَلَى رَجُلَيْهِ أَوْ رَاكِبًا دَابَّةً، وَأَمَّا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ اللَّاهِي أَوْ الْمُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ فَلَا يَجْمَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَجَمْعُ الْمَرِيضِ) الَّذِي (يَخَافُ أَنْ يُغْلَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (عَلَى عَقْلِهِ) عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْمُشْتَرَكَيْنِ (تَخْفِيفٌ) أَيْ مُرَخَّصٌ فِيهِ لَهُ بِأَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ فِي وَقْتِ الْأُولَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَقَدَّمَ خَائِفُ الْإِغْمَاءِ وَالنَّاقِضِ وَالْمَيْدِ، وَإِذَا قَدَّمَ وَسَلَّمَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اُسْتُحِبَّ لَهُ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ جَمْعِ الْمُسَافِرِ وَلَا حُكْمُ جَمْعِ الْخَائِفِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ جَمْعَ الْمُسَافِرِ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَأَمَّا جَمْعُ الْخَائِفِ مِنْ نَحْوِ الْإِغْمَاءِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَمُسْتَحَبٌّ كَمَا بَيَّنَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ. الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ حُكْمُ مَنْ خَافَ مِنْ الْمَوْتِ عِنْدَ الثَّانِيَةِ أَوْ خَافَتْ الْحَيْضَ وَقَالَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: لَا يُشْرَعُ لَهُ الْجَمْعُ، وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فُرُوقًا وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهَا، وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ عِنْدِي أَحْرَوِيَّةُ الْجَمْعِ لِمَا ذُكِرَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَطْلُبُ الْجَمْعَ لِلْخَوْفِ مِمَّا لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ غَالِبًا كَالْإِغْمَاءِ وَالْحُمَّى لِسُرْعَةِ زَوَالِهِ فَالْجَمْعُ لِلْمُسْقِطِ أَوْلَى وَحُرِّرَ الْحُكْمُ. (وَكَذَلِكَ) يُرَخَّصُ وَيُخَفَّفُ (جَمْعُهُ) أَيْ الْمَرِيضِ لِلظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ (لِعِلَّةٍ بِهِ) غَيْرِ مَا سَبَقَ كَحُصُولِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُ بِإِيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا (فَيَكُونُ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَكَالْمَبْطُونِ وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَنْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِالْوُضُوءِ أَوْ الْقِيَامِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إذَا صَلَّاهُمَا مُفْتَرِقَتَيْنِ، وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ إذَا صَلَّاهُمَا مُجْتَمِعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُهُمَا جَمْعًا صُورِيًّا. قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَقَالَ فِيهَا: وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ لِلْمَرِيضِ أَرْفَقُ بِهِ لِشِدَّةِ مَرَضٍ أَوْ بَطْنٍ مُنْخَرِقٍ مِنْ غَيْرِ مَخَافَةٍ عَلَى عَقْلٍ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَسَطِ وَقْتِ الظُّهْرِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَالثَّانِيَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ حَمَلَ جَمَاعَةٌ قَوْلَهَا وَسَطَ الْوَقْتِ عَلَى الْجَمْعِ الصُّورِيِّ وَهُوَ آخَرُ الْقَامَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ، وَفَسَّرَهُ بَعْضٌ بِرُبْعِ الْقَامَةِ، وَقِيلَ يَجْمَعُ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْأُولَى وَهَذَا فِي الْمَبْطُونِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَنْ لَا يَضْبِطُ إسْهَالَ بَطْنِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَضْبِطُ وَقْتَ إسْهَالِ بَطْنِهِ أَوْ مُلَازَمَةِ حَدَثِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الْأُولَى أَوْ تَأْخِيرَ الْأُولَى عِنْدَ الثَّانِيَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى
[ ٢ / ٢٧٠ ]
[الفطر في السفر]
[قيام رمضان]
وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ مِنْ الرَّغَائِبِ وَقِيلَ مِنْ السُّنَنِ،
وَصَلَاةُ الضُّحَى نَافِلَةٌ،
وَكَذَلِكَ قِيَامُ رَمَضَانَ نَافِلَةٌ وَفِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ وَمَنْ قَامَهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَالْقِيَامُ مِنْ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا،
وَالصَّلَاةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ. [الْفِطْر فِي السَّفَر] (وَالْفِطْرُ فِي السَّفَرِ) بِمَعْنَى تَبْيِيتِ الْفِطْرِ فِيهِ لَيْلًا (رُخْصَةٌ) مَرْجُوحَةٌ حَيْثُ جَاوَزَ الْمُسَافِرُ مَحَلَّ بَدْءِ الْقَصْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَفِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ شُرِعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَنْوِهِ فِيهِ وَإِلَّا قَضَاهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ بِسَفَرٍ كَفِطْرِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ، وَرَاجِعْ مُحْتَرَزَاتِ تِلْكَ الْقُيُودِ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءَ الْغَلِيلِ. وَقُلْنَا رُخْصَةٌ مَرْجُوحَةٌ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] (وَالْإِقْصَارُ فِيهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ لِلصَّلَاةِ الرَّبَاعِيَةِ (وَاجِبٌ) وُجُوبَ السُّنَنِ فَلَا يَحْرُمُ الْإِتْمَامُ، وَصَرَّحَ خَلِيلٌ بِالسُّنِّيَّةِ حَيْثُ قَالَ: سُنَّ لِمُسَافِرٍ قَصْرُ رَبَاعِيَةٍ وَقْتِيَّةٍ إلَخْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السُّنِّيَّةِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا سَافَرُوا قَصَرُوا الصَّلَاةَ» وَإِنَّمَا كَانَ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ وَالْفِطْرُ فِيهِ مَكْرُوهًا، مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ رُخْصَةٌ، لِأَنَّ فِي الْقَصْرِ عَمَلًا بِالرُّخْصَةِ مَعَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ تَشْتَغِلُ مَعَهُ الذِّمَّةُ. [رَكْعَتَا الْفَجْر] (وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ) اُخْتُلِفَ فِيهِمَا عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ: (مِنْ الرَّغَائِبِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهِيَ رَغِيبَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهَا وَعُزِيَ هَذَا الْقَوْلُ لِلْأَكْثَرَيْنِ. (وَقِيلَ) إنَّهُمَا (مِنْ السُّنَنِ) وَيَنْبَنِي عَلَى السُّنِّيَّةِ نَدْبُ فِعْلِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ، وَعَلَى عَدَمِهَا نَدْبُ فِعْلِهِمَا فِي الْبَيْتِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي حَقِيقَةِ السُّنَّةِ، فَمَنْ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا مَا فَعَلَهُ - ﷺ - وَدَاوَمَ عَلَيْهِ وَأَظْهَرَهُ فِي جَمَاعَةٍ قَالَ: إنَّهُمَا رَغِيبَتَانِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُظْهِرْهُمَا فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا جَعَلَهُمَا سُنَّةً. [صَلَاة الضُّحَى] (وَصَلَاةُ الضُّحَى) بِالْقَصْرِ (نَافِلَةٌ) مُتَأَكِّدَةٌ، وَمَعْنَى النَّافِلَةِ مَا دُونَ السُّنَّةِ وَالرَّغِيبَةِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَوْسَطُهَا سِتٌّ وَأَكْثَرُهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهَا، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: يُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَى الثَّمَانِ بِنِيَّةِ الضُّحَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ مِنْ عَدَمِ التَّحْدِيدِ فِي النَّوَافِلِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، وَقَوْلُنَا بِالْقَصْرِ إشَارَةٌ إلَى أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ، وَأَمَّا بِالْمَدِّ فَيَنْتَهِي إلَى الزَّوَالِ، وَأَمَّا الضَّحْوَةُ فَهِيَ وَقْتُ الشُّرُوقِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ: ضَحْوَةٌ وَضُحًى بِالْقَصْرِ وَضُحَا بِالْمَدِّ وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَفَضْلُهَا مَشْهُورٌ فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ: «مِنْ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتِي الضُّحَى لَمْ يُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ صَلَّى ثَمَانِيًا كُتِبَ مِنْ الْعَابِدِينَ» . وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَيَجْزِي عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ تَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى» أَيْ يَكْفِي عَنْ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عَنْ جَمِيعِ السُّلَامَيَاتِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الضُّحَى، لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَبْدُ فَقَدْ قَامَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِوَظِيفَتِهِ وَأَدَّى شُكْرَ نِعْمَتِهِ، وَالسُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ تُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهِيَ عِظَامُ الْجَسَدِ وَمَفَاصِلِهِ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الضُّحَى اسْمٌ لِلصَّلَاةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ وَقْتِهِ. [قِيَام رَمَضَان] (وَكَذَلِكَ قِيَامُ رَمَضَانَ) الْمُسَمَّاةُ بِالتَّرَاوِيحِ (نَافِلَةٌ) مُتَأَكِّدَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ الْمُتَأَكِّدِ: وَتَرَاوِيحُ وَانْفِرَادٌ فِيهَا إنْ لَمْ تُعَطَّلْ الْمَسَاجِدُ أَيْ وَتَأَكَّدَ قِيَامُ رَمَضَانَ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُطِيلُونَ الْقِيَامَ فِي فِعْلِهَا، وَيَجْلِسُ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَوَقْتُهَا وَقْتُ الْوِتْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَهُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ بَعْدَ عِشَاءٍ صَحِيحَةٍ، وَالْجَمَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَرَاهَةِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً كَالْعِيدَيْنِ وَكَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالِانْفِرَادِ فِيهَا فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَلَوْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ آفَاقِيًّا بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ لَا يَنْشَطُ لِفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ وَيَخْشَى تَعْطِيلَ الْمَسَاجِدِ، وَإِلَّا كَانَ الْأَفْضَلُ صَلَاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ. (وَفِيهِ) أَيْ رَمَضَانَ (فَضْلٌ) أَيْ ثَوَابٌ (كَبِيرٌ) رُوِيَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ زِيَادَةِ فَضْلِهِ بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا أَيْ تَصْدِيقًا بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الثَّوَابِ وَاحْتِسَابًا أَيْ مُحْتَسِبًا أَجْرَهُ عَلَى اللَّهِ لَا يَقْصِدُ بِهِ رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً بَلْ لِمُجَرَّدِ الثَّوَابِ. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» يَعْنِي الصَّغَائِرَ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ مَحْضُ الْعَفْوِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَاعِلِ صَغَائِرُ فَقِيلَ يُكَفَّرُ بِهِ أَجْزَاءٌ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَبَائِرُ وَلَا صَغَائِرُ يُرْفَعُ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٌ، وَيُقَالُ هَكَذَا مَعَ كُلِّ مَا يُكَفِّرُ، وَقَدْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ - ﵊ -، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيَّ - ﷺ - التَّرَاوِيحَ فَقِيلَ صَلَّاهَا فِي لَيْلَتَيْنِ، وَقِيلَ فِي ثَلَاثٍ ثُمَّ تَرَكَ فِعْلَهَا فِي الْمَسْجِدِ خَشْيَةَ فَرْضِهَا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٢٧١ ]
[صلاة الجنازة]
[طلب العلم]
[الجهاد قيء سبيل الله]
عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ فَرِيضَةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا وَكَذَلِكَ مُوَارَاتُهُمْ بِالدَّفْنِ وَغُسْلُهُمْ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ.
وَكَذَلِكَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَامَّةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا إلَّا مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ،
وَفَرِيضَةُ الْجِهَادِ عَامَّةٌ يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا إلَّا أَنْ يَغْشَى الْعَدُوُّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ فَيَجِبُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ قِتَالُهُمْ إذَا كَانُوا مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ،
وَالرِّبَاطُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّهَا وَحِيَاطَتُهَا وَاجِبٌ يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ.
وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ،
وَالِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ،
وَالتَّنَفُّلُ بِالصَّوْمِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَكَذَلِكَ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَفِيهِ قَدْ صَلَّى نَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ قِيَامَهُ بِلَيْلَتَيْنِ فَاعْلَمْهُ أَوْ بِثَلَاثٍ ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ ثُمَّتْ كَانَ الْجَمْعُ فِيهِ مِنْ عُمَرَ لِمَا وَعَاهُ مِنْ عَلِيٍّ مِنْ خَبَرٍ مِنْ أَنَّهُ تَنْزِلُ أَمْلَاكٌ كِرَامٌ بِرَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ لِلْقِيَامِ فَمَنْ لَهُمْ قَدْ مَسَّ أَوْ مَسُّوهُ يَسْعَدْ وَالشِّقْوَةُ لَا تَعْرَوْهُ وَمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ - ﵁ -: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ مُرَادُهُ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ شَبِيهٌ بِالْبِدْعَةِ لَا أَنَّ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا بِدْعَةٌ، لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ صَلَاةِ النَّفْلِ فِي اللَّيْلِ بِخُصُوصِ رَمَضَانَ قَالَ: (وَالْقِيَامُ) بِمَعْنَى الصَّلَاةِ فِي جُزْءٍ (مِنْ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا) لِأَنَّ فِيهِ حُضُورَ الْقَلْبِ لِتَفَرُّغِهِ مِنْ الشَّوَاغِلِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ فِي اللَّيْلِ مِنْ شِعَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ هِيَ الْقِيَامُ بَعْدَ النَّوْمِ، وَأَفْضَلُ اللَّيْلِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ مَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ صَلَاةَ الْقِيَامِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِرَمَضَانَ وَإِنَّمَا الْمُخْتَصُّ بِهِ تَأْكِيدُ النَّدْبِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ فِي الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ لِيَحْصُلَ لِعَامَّةِ النَّاسِ الِانْتِفَاعُ بِسَمَاعِ جَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي أَفْضَلِ الشُّهُورِ. [صَلَاة الْجِنَازَة] (وَالصَّلَاةُ عَلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ) وَلَوْ حُكْمًا مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي بَابِ الْجَنَائِزِ (فَرِيضَةٌ) عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ (يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا) عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا، وَقِيلَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ. (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ الصَّلَاةِ فِي مُطْلَقِ الْوُجُوبِ (مُوَارَاتُهُمْ بِالدَّفْنِ) فَإِنَّهَا فَرْضٌ بِاتِّفَاقٍ وَلِذَلِكَ قُلْنَا التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الْوُجُوبِ. (وَغُسْلُهُمْ) أَيْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ. (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُوَارَاتَهُمْ بِالْكَفَنِ وَالدَّفْنِ لَا نِزَاعَ فِي وُجُوبِهِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، وَأَمَّا غُسْلُهُمْ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ فَفِيهِمَا خِلَافٌ بِالْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ. [طَلَب الْعِلْم] (وَكَذَلِكَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَامَّةٌ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (يَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا) عَنْ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا. (إلَّا مَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ) الْمُرَادُ الشَّخْصُ الْمُكَلَّفُ (فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ) كَمَعْرِفَةِ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَكَذَا أَحْكَامُ الْمُعَامَلَاتِ لِمَنْ يَتَعَاطَاهَا، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى أَمْرٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْفِقْهُ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَأُصُولٍ وَكَلَامٍ وَنَحْوِ لُغَةٍ بِإِقْرَاءٍ أَوْ تَأْلِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فَجَعَلَ مِنْ النَّاسِ سَائِلًا وَمَسْئُولًا، وَخَبَرُ: «اُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ» . فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي وُجُوبِ طَلَبِ الْعِلْمِ بِمَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مَعْرِفَتُهُ. [الْجِهَاد قَيْءٍ سَبِيل اللَّه] (وَفَرِيضَةُ الْجِهَادِ) فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ قِتَالُ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ (عَامَّةٌ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ قَادِرٍ. (وَيَحْمِلُهَا مَنْ قَامَ بِهَا) وَيَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِ بَاقِي الْمُكَلَّفِينَ. (إلَّا أَنْ يَغْشَى) أَيْ يَفْجَأَ (الْعَدُوُّ) الْكَافِرُ (مَحَلَّةَ قَوْمٍ) أَيْ مَنْزِلَهُمْ (فَيَجِبُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ) جَمِيعُهُمْ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ (قِتَالُهُمْ) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ مِنْ الْكُفَّارِ. (إذَا كَانُوا) أَيْ الْكُفَّارُ (مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ خَلِيلٌ بِالْعِطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَفِرَارٌ إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ فَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَنْ مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْفِرَارُ، وَلَوْ كَانَتْ الْكُفَّارُ عَدَدَ الرِّمَالِ حَيْثُ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا الْوَاوُ لِلْحَالِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: إنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ أَيْ لَا إنْ نَقَصُوا عَنْ نِصْفٍ فَيَجُوزُ الْفِرَارُ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. (وَالرِّبَاطُ) أَيْ الْإِقَامَةُ (فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّهَا وَحِيَاطَتُهَا) أَيْ حِفْظُهَا (وَاجِبٌ) عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ (يَحْمِلُهُ مَنْ قَامَ بِهِ) عَنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفِيهِ فَضْلٌ كَبِيرٌ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، وَقَدْ صَحَّ: «مَنْ رَابَطَ فِي
[ ٢ / ٢٧٢ ]
صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَرَجَبَ وَشَعْبَانَ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَالتَّرْوِيَةِ وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْحَاجِّ.
وَزَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَرِيضَةٌ،
وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ.
وَحَجُّ الْبَيْتِ فَرِيضَةٌ،
وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،
وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،
وَالنِّيَّةُ بِالْحَجِّ فَرِيضَةٌ،
وَالطَّوَافُ لِلْإِفَاضَةِ فَرِيضَةٌ،
وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَرِيضَةٌ وَالطَّوَافُ الْمُتَّصِلُ بِهِ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] سَبِيلِ اللَّهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ» . وَالثُّغُورُ بِالْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَغْرٍ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ الْفُرَجُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَيُتَوَقَّعُ مِنْهَا الْخَوْفُ، وَلَا يُعَدُّ الْإِنْسَانُ مُرَابِطًا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ إلَّا مَا كَانَ مُقِيمًا بِنَفْسِهِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. (وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ) عَلَى الْمُكَلَّفِينَ الْمُطِيقِينَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، مَنْ شَكَّ فِيهَا يُكَفَّرُ وَيُسْتَتَابُ، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ شَهْرٍ وَلَا قَرِينَةَ وَعَدَمُ صِحَّةِ كَوْنِهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، مَنْ صَامَهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (وَالِاعْتِكَافُ) وَهُوَ لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ قَاصِرَةٍ عَلَى الذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّوْمُ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ لِمَعْنِيِّهِ الْمَمْنُوعِ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَقَضَاءِ حَاجَةٍ. (نَافِلَةٌ) مِنْ نَوَافِلِ الْغَيْرِ يُفْعَلُ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِهِ لِلتَّشَبُّهِ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي اسْتِغْرَاقِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ بِالْعِبَادَةِ حَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَصِحَّتُهُ بِإِسْلَامٍ وَعَقْلٍ وَتَمْيِيزٍ وَمُطْلَقِ صَوْمٍ وَمَسْجِدٍ مُبَاحٍ وَقَدْ فَعَلَهُ - ﷺ -. (وَالتَّنَفُّلُ) بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فِي أَوْقَاتِ الْجَوَازِ مَنْدُوبٌ شَرْعًا خُصُوصًا (بِالصَّوْمِ) فَإِنَّهُ (مُرَغَّبٌ فِيهِ) بِشَهَادَةِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فَإِنَّهُ قِيلَ: إنَّهُمْ هُمْ الصَّائِمُونَ، وَمِنْهَا مَا جَاءَ: «أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، وَمَعْنَى إجْزَائِهِ بِهِ أَنَّهُ تَعَالَى إذَا حَاسَبَ عَبْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَظَالِمِ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَتَحَمَّلُ عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَظَالِمِ وَيُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الْجَنَّةَ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ صِيَامُ الدَّهْرِ وَالْجُمُعَةِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَتْ تَصُومُ الدَّهْرَ حَضَرًا وَسَفَرًا. وَلَمَّا كَانَ صَوْمُ بَعْضِ الْأَيَّامِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، كَمَا أَنَّ صَوْمَ بَعْضِ الشُّهُورِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْمُرَغَّبِ فِي صَوْمِهِ «صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِالْمَدِّ وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ، فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ - ﷺ - عَنْ صَوْمِهِ قَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ يَوْمُ تَاسُوعَاءَ، وَأَمَّا صَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَاَلَّتِي بَعْدَهُ، وَالتَّكْفِيرُ مَنُوطٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ، وَكَانَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَرْضًا قَبْلَ رَمَضَانَ ثُمَّ نُسِخَتْ فَرْضِيَّتُهُ. (وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِي صَوْمِهِ شَهْرُ (رَجَبَ) بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّرْجِيبِ وَهُوَ التَّعْظِيمُ، وَيُسَمَّى بِالْأَصَمِّ بِالْمِيمِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ فِيهِ صَوْتَ السِّلَاحِ وَهُوَ فَرْدٌ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَبَقِيَّتُهَا الثَّلَاثَةُ مُتَوَالِيَةٌ: الْقِعْدَةُ وَالِحْجَةُ وَالْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الْأَرْبَعَةِ الْمُحَرَّمُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَة صَلَاةُ اللَّيْلِ» . (وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ صِيَامُ شَهْرِ (شَعْبَانَ) فَإِنَّهُ - ﵊ - كَانَ لَا يَصُومُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ يَصُومُهُ إلَّا قَلِيلًا. (وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِي صِيَامِهِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ صَوْمُ (يَوْمِ عَرَفَةَ) وَهُوَ تَاسِعُ الْحِجَّةِ وَهُوَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. (وَ) مِنْ الْمُرَغَّبِ فِيهِ صَوْمُ يَوْمِ (التَّرْوِيَةِ) وَهُوَ مَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْوُونَ فِيهِ عِنْدَ إرَادَةِ الذَّهَابِ إلَى مِنًى وَهُوَ يُكَفِّرُ سَنَةً. وَلَمَّا كَانَ نَدْبُ صَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ قَالَ: (وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَفْسِهِ (لِلْحَاجِّ) وَأَمَّا الْحَاجُّ فَالْفِطْرُ لَهُ أَفْضَلُ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، وَلِأَنَّهُ - ﷺ - نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ. (وَزَكَاةُ الْعَيْنِ) لَا الْفُلُوسِ الْجُدُدِ وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا (وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ) وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ (فَرِيضَةٌ) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْجَاحِدُ لَهَا يُسْتَتَابُ، وَتُؤْخَذُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا عِنَادًا كُرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ. (وَزَكَاةُ الْفِطْرِ سُنَّةٌ) أَيْ ثَبَتَ وُجُوبُهَا بِالسُّنَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وَقِيلَ: وَبِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] (وَحَجُّ الْبَيْتِ) عَلَى كُلِّ مُسْتَطِيعٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ (فَرِيضَةٌ) فِي الْعُمُرِ مَرَّةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، جَاحِدُهُ كَافِرٌ وَتَارِكُهُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُوبِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ اللَّهُ حَسِيبُهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ بِعَدْلِهِ. (وَالْعُمْرَةُ) وَهِيَ عِبَادَةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَسَعْيٌ وَطَوَافٌ (سُنَّةٌ) فِي الْعُمُرِ مَرَّةً (وَاجِبَةٌ) أَيْ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا فِي الْعَامِ. (وَالتَّلْبِيَةُ) فِي حَالِ فِعْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) الَّذِي شَهَرَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ وُجُوبُهَا بِدَلِيلِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى تَارِكِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ قُدِّمَ إنْ طَالَ،
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَاجِبٌ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ آكَدُ مِنْهُ،
وَالطَّوَافُ لِلْوَدَاعِ سُنَّةٌ،
وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ سُنَّةٌ،
وَالْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَاجِبٌ،
وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَرِيضَةٌ،
وَمَبِيتُ الْمُزْدَلِفَةِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،
وَوُقُوفُ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مَأْمُورٌ بِهِ،
وَرَمْيُ الْجِمَارِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَكَذَلِكَ الْحِلَاقُ،
وَتَقْبِيلُ الرُّكْنِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ،
وَالْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ سُنَّةٌ،
وَالرُّكُوعُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ،
وَغُسْلُ عَرَفَةَ سُنَّةٌ،
وَالْغُسْلُ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَإِنَّمَا السُّنِّيَّةُ مُقَارَنَتُهَا لِلْإِحْرَامِ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِ مَا شَهَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِهِ فَتَأَمَّلْ. وَيُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْإِجَابَةُ، فَمَعْنَى لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ أَجَبْتُك إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبَّى الْمَلَائِكَةُ كَمَا أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ. (وَالنِّيَّةُ بِالْحَجِّ) وَكَذَا الْعُمْرَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَقَدْ قَالَ - ﵊ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَيَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ فِي بِالْحَجِّ زَائِدَةٌ لِأَنَّ نَوَى وَمَصْدَرَهُ مُتَعَدِّيَانِ (وَالطَّوَافُ لِلْإِفَاضَةِ) وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شُرُوطِهِ. (وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) لِلْحَجِّ وَكَذَلِكَ لِلْعُمْرَةِ (فَرِيضَةٌ) لِأَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِحْرَامَ وَالسَّعْيَ وَالطَّوَافَ أَرْكَانٌ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، إلَّا أَنَّ طَوَافَ الْعُمْرَةِ لَا يُقَالُ لَهُ طَوَافُ إفَاضَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ طَوَافُ إفَاضَةٍ إلَّا مَا وَقَعَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ النُّزُولِ مِنْ عَرَفَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] إلَخْ وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَمُخْتَصٌّ بِالْحَجِّ فَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ وَالْعُمْرَةُ ثَلَاثٌ، وَزَمَنُ سَعْيِ الْحَجِّ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ بِأَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِالْحَرَمِ وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ. (وَالطَّوَافُ الْمُتَّصِلُ) أَيْ السَّعْيُ (بِهِ) أَيْ بِالطَّوَافِ لِأَنَّ صِحَّةَ السَّعْيِ بِتَقْدِيمِ طَوَافٍ (وَاجِبٍ) يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ وَشُرُوطُهُ ثَلَاثَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ يُحْرِمْ، وَلَكِنَّهُ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْفَرْضِ لِانْجِبَارِهِ بِالدَّمِ دُونَ الْفَرْضِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالرُّكْنِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ آكَدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّوَافِ السَّابِقِ عَلَى السَّعْيِ قُبَيْلَ عَرَفَةَ وَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ لِانْجِبَارِهِ بِالدَّمِ، دُونَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: الْوَاجِبُ وَالْفَرْضُ مُتَرَادِفَانِ وَيَسْتَوِيَانِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي الْحَجِّ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَخَفُّ مِنْ الْفَرْضِ مِنْ حَيْثُ انْجِبَارُ الْوَاجِبِ بِالدَّمِ دُونَ الْفَرْضِ وَإِنْ تَرَتَّبَ الْإِثْمُ عَلَى تَرْكِ كُلٍّ. (وَالطَّوَافُ لِلْوَدَاعِ) وَهُوَ الَّذِي يُفْعَلُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَجِّ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَلَوْ لِلْجُحْفَةِ (سُنَّةٌ) خَفِيفَةٌ، وَقَالَ خَلِيلٌ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَإِنَّهُ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إنْ خَرَجَ لَكَالْجُحْفَةِ لَا كَالتَّنْعِيمِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَوْ لِحَاجَةٍ، وَأَمَّا الْخَارِجُ لِنَحْوِ التَّنْعِيمِ فَلَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ الْإِقَامَةَ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِهِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ» وَلَا دَمَ عَلَى تَارِكِهِ كَسَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ الَّتِي لَمْ يُشْهَرَ وُجُوبُهَا، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَوْدِيعٌ بِالْبَيْتِ وَيَتَأَدَّى بِالْإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ طَوَافَ الْحَجِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: رُكْنٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ الْأَوَّلُ: طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَالثَّانِي: الْقُدُومُ، وَالثَّالِث: الْوَدَاعُ وَمَا عَدَّا ذَلِكَ تَطَوُّعٌ. (وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ) التَّاسِعِ وَهُوَ (يَوْمُ عَرَفَةَ سُنَّةٌ) وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ النَّدْبُ وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا دَمَ فِي تَرْكِهِ. (وَالْجَمْعُ) بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ (بِعَرَفَةَ) جَمْعُ تَقْدِيمٍ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ جَمْعُ تَأْخِيرٍ (وَاجِبٌ) أَيْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ. (وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) بَعْدَ الْغُرُوبِ سَاعَةً لَيْلَةِ النَّحْرِ (فَرِيضَةٌ) يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ بِهِ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَهُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ مِنْ جِهَةِ فَوَاتِ الْحَجِّ بِفَوَاتِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلِهِ - ﷺ -: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» وَالْأَفْضَلُ فِي صِفَةِ الْوُقُوفِ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ لِاسْتِثْنَائِهِ مِنْ حَدِيثِ: «لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ» وَيَكُونُ فِي وُقُوفِهِ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ وَقْتُ غُفْرَانِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ. (وَمَبِيتُ) لَيْلَةِ (الْمُزْدَلِفَةِ) بِهَا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ الِاسْتِحْبَابَ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ النُّزُولُ بِهَا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ وَيَلْزَمُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ. (وَوُقُوفُ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلذِّكْرِ (مَأْمُورٌ بِهِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] وَهُوَ مَحَلٌّ قَرِيبٌ مِنْ مِنًى. (وَرَمْيُ الْجِمَارِ) مُطْلَقًا (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْوُجُوبُ يُلْزِمُ الدَّمَ وَلَوْ بِتَرْكِ حَصَاةٍ، وَقَوْلِي مُطْلَقًا لِيَشْمَلَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَغَيْرَهَا، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَرَمْيِهِ الْعَقَبَةِ حِينَ وُصُولِهِ، فَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الرَّمْيِ حِينَ الْوُصُولِ، وَأَمَّا فِي نَفْسِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (وَكَذَلِكَ الْحِلَاقُ) فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالتَّقْصِيرُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ، وَاَلَّذِي
[ ٢ / ٢٧٤ ]
لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ.
وَالصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً،
وَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - فَذًّا أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﵊ - وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْوُجُوبُ لِلُّزُومِ الدَّمِ لِمَنْ تَرَكَهُ جُمْلَةً وَأَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا فِيهِ الدَّمُ: كَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ لِبَلَدِهِ أَوْ الْإِفَاضَةِ لِلْمُحْرِمِ وَرَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ أَوْ الْجَمِيعِ لِلَيْلٍ. قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ وَتَأْخِيرُ رَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا فِيهِ دَمٌ، وَكَذَلِكَ تَأْخِيرُ حَصَاةِ جَمْرَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ الْجِمَارِ الْجَمِيعِ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَهُوَ النَّهَارُ لِلَّيْلِ وَهُوَ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَأَوْلَى فِي وُجُوبِ الدَّمِ لَوْ فَاتَ الْوَقْتَانِ. (وَتَقْبِيلُ الرُّكْنِ) وَهُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ فِي الشَّوْطِ الْأَوَّلِ مِنْ الطَّوَافِ (سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ) وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَمُسْتَحَبٌّ. قَالَ خَلِيلٌ فِي بَيَانِ سُنَنِ الطَّوَافِ: وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ بِأَنْ قَالَ: وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ. قَالَ شُرَّاحُهُ: وَأَمَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَمُسْتَحَبٌّ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَقْبِيلِهِ بِفَمِهِ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَضَعْهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَمَسَّهُ بِعُودٍ ثُمَّ يَضَعْهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ، فَإِنْ عَجَزَ كَبَّرَ وَمَضَى، وَمِثْلُ الْحَجَرِ فِي السُّنِّيَّةِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ الرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ فَإِنَّهُ يُسَنُّ اسْتِلَامُهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْيَمَانِيُّ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَالْمُرَادُ اسْتِلَامُهُ لَا تَقْبِيلُهُ. (وَالْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ سُنَّةٌ) وَصِفَتُهُ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ فِي طَلَبِ اتِّصَالِهِ بِالْإِحْرَامِ وَلَا دَمَ فِي تَرْكِهِ، وَيُطْلَبُ حَتَّى مِنْ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَيَتَدَلَّكُ فِيهِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ. (وَالرُّكُوعُ) أَيْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ سُنَّةٌ) وَالْفَرْضُ مُجْزِئٌ فِي تَحْصِيلِ سُنَّةِ الْإِحْرَامِ. (وَغُسْلُ) الْمُحْرِمِ عِنْدَ إرَادَةِ الْوُقُوفِ فِي (عَرَفَةَ سُنَّةٌ) وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْوُقُوفِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ، فَلَا يَصِحُّ فِعْلُهُ قَبْلَهُ وَيُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُطْلَبُ مِنْ كُلِّ مَرِيدٍ الْوُقُوفَ وَلَوْ الْحَائِضَ، وَلَكِنْ لَا يَتَدَلَّكُ فِيهِ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ شُرَّاحُ خَلِيلٍ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْوُقُوفِ مُسْتَحَبٌّ. (وَالْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ مُسْتَحَبٌّ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِدُخُولِهَا أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَبِيتَ خَارِجَهَا، وَيُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ بِطُوًى إنْ مَرَّ بِهَا، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْغُسْلُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِطَوَافٍ لَمْ يُطْلَبْ إلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الطَّوَافُ فَلَا يَصِحُّ مِنْ حَائِضٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اغْتِسَالَاتِ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ السُّنَّةُ مِنْهَا غُسْلُ الْإِحْرَامِ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَا عَدَاهُ مُسْتَحَبٌّ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْحَطَّابُ. (وَ) فِعْلُ (الصَّلَاةِ) الْمَفْرُوضَةِ (فِي الْجَمَاعَةِ) وَهِيَ مَا قَابَلَ الْفَذَّ فَيَصْدُقُ بِالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وَفِي رِوَايَةٍ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، فَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ كَانَتْ لَهُ دَرَجَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً أَوْ سِتٌّ وَعِشْرُونَ، لِأَنَّ السَّبْعَ أَوْ الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، وَمَعْنَى الْجُزْءِ وَالدَّرَجَةِ الصَّلَاةُ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ لِجَوَازِ كَوْنِ الْجُزْءِ الْأَكْبَرِ مِنْ الدَّرَجَةِ، أَوْ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ أَخْبَرَ بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ إيضَاحُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْفَضْلَ لَا يَحْصُلُ بِإِدْرَاكِ أَقَلِّ مِنْ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَفْرُوضَةِ فَسَيَأْتِي أَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الِانْفِرَادُ إلَّا التَّرَاوِيحَ. (وَالصَّلَاةُ) الْمَفْرُوضَةُ (فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وَهُوَ مَسْجِدُ مَكَّةَ (وَ) كَذَا الصَّلَاةُ فِي (مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -) وَهُوَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَكَذَا مَسْجِدُ إيلْيَاءَ وَهِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ يَلِي الْأَوَّلَيْنِ فِي الْفَضْلِ، وَيَلِي تِلْكَ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ مَسْجِدُ قُبَاءَ حَالَةَ كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ. (فَذًّا أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْمَسَاجِدِ) وَسَكَتَ كَغَيْرِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَدَمَ التَّفَاضُلِ مِنْ حَيْثُ الْبِقَاعُ فَالصَّلَاةُ فِي نَحْوِ الْأَزْهَرِ كَالصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ فَيُمْكِنُ التَّفَاضُلُ فِي الثَّوَابِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي أَحَدِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ عَلَى غَيْرِهَا، أَنَّ مَنْ صَلَّى فَذًّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا يُعِيدُ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ مَسَاجِدِهَا لَا فَذًّا وَلَا جَمَاعَةً لِمَا عَرَفَتْ مِنْ أَنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى فِي غَيْرِهَا فَذَّا فَيُعِيدُ فِيهَا وَلَوْ فَذًّا، وَأَمَّا الْمُصَلِّي فِي غَيْرِهَا جَمَاعَةً فَإِنَّمَا يُعِيدُ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ وَقِيلَ وَفَذًّا، وَقَوْلُنَا فِي غَيْرِ مَسَاجِدِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ صَلَّى فِي بَعْضِهَا ثُمَّ دَخَلَ الْبَعْضَ الْآخَرَ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ صَلَّى فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ غَيْرَهُ مِنْ نَدْبِ إعَادَةِ الْفَذِّ فِي الْجَمَاعَةِ فَقَطْ لَا إنْ صَلَّى جَمَاعَةً، فَلَا يُعِيدُ فِي غَيْرِ مَا صَلَّى فِيهِ وَلَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ أَفْضَلَ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهَا، وَقَيَّدْنَا بِالْمَفْرُوضَةِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي غَيْرِ الْفَرَائِضِ الْفِعْلُ فِي الْبُيُوتِ إلَّا لِلْغَرِيبِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ فِعْلُ النَّوَافِلِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -، وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرَائِضِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِيمَا سِوَاهَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ تَفَاضُلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: (وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ) أَيْ الزِّيَادَةِ (بِذَلِكَ) التَّفْصِيلِ (بَيْنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﵊ -) الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي بَيَانِ فَضْلِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَلَمْ يَرْتَضِهِ جَمِيعُ شُرَّاحِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيَانُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ الْبَلَدَيْنِ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ إمَامُنَا مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ أَنَّ
[ ٢ / ٢٧٥ ]
[صلاة النوافل في البيوت]
فِيمَا سِوَاهُ وَسِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَسَاجِدِ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْفَرَائِضِ،
وَأَمَّا النَّوَافِلُ فَفِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الطَّوَافِ وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ.
وَمِنْ الْفَرَائِضِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْ الْمَحَارِمِ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ تَفْضِيلُ مَكَّةَ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ قَبْرِ الْمُصْطَفَى - ﷺ - لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي ثَوَابِ الْعَمَلِ، فَيَكْثُرُ فِي الْفَاضِلِ وَيَنْقُصُ فِي الْمَفْضُولِ. (تَنْبِيهٌ) مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَهُ تَبِعَنَا فِي شُرَّاحِهِ مَعَ بُعْدِهِ عَنْ قَوْلِهِ: وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ دُونَ أَنْ يُقَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لِشُرَّاحِهِ عَلَى هَذَا الْحَمْلِ ذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيَانَ قَدْرِ التَّضْعِيفِ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُخْتَلَفْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي (أَنَّ الصَّلَاةَ) الْمَفْرُوضَةَ (فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ - أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ) تُصَلَّى (فِيمَا سِوَاهُ وَسِوَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الْمَسَاجِدِ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . وَاخْتَلَفَ فَهْمُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - ﵊ -: «إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» فَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَهُ عَلَى عَدَمِهَا، فَالشَّافِعِيُّ فَضَّلَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ بِمِائَةٍ لِأَنَّ مَكَّةَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَا مَعْنَى لِفَضْلِ الْبَلَدِ إلَّا كَثْرَةَ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا. (وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ) وَأَعْظَمُهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - (يَقُولُونَ إنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ) أَيْ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﵊ - (أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ) لِأَنَّ مَالِكًا وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ يُفَضِّلُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكَّةَ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّفْضِيلِ إلَّا بِكَثْرَةِ ثَوَابِ الْعَمَلِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَفَسَّرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ دُونَ الْأَلْفِ بِسَبْعِمِائَةِ صَلَاةٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ حَتَّى مَكَّةَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَيَلِيهَا فِي الْفَضْلِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَهُمْ، وَيَلِي الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيَلِيهَا الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ، وَمَا عَدَا الْمَسَاجِدَ الْأَرْبَعَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَفْضِيلٌ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ الْوَارِدَ فِي تِلْكَ الْمَسَاجِدِ مُخْتَصٌّ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ بِقَوْلِهِ: (وَهَذَا) الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْمَذْكُورَةِ (كُلُّهُ فِي) صَلَاةِ (الْفَرَائِضِ) [صَلَاة النَّوَافِل فِي الْبُيُوت] (وَأَمَّا) صَلَاةُ (النَّوَافِلِ) الْمُقَابِلَةِ لِلسُّنَّةِ (فَفِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ) لِخَبَرِ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» إلَّا التَّرَاوِيحَ إذَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْبُيُوتِ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا الرَّغَائِبُ وَالسُّنَنُ كَالْوِتْرِ وَالْكُسُوفِ وَالْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَفِي غَيْرِ الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا يُنْدَبُ لِغَرِيبِ الْمَدِينَةِ التَّنَفُّلُ بِمَسْجِدِهِ - ﷺ -. (وَالتَّنَفُّلُ بِالرُّكُوعِ) فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لِأَهْلِ مَكَّةَ) الْمُرَادُ بِهِمْ سَاكِنُوهَا وَلَوْ عَلَى حَسَبِ الْمُجَاوَرَةِ (أَحَبُّ إلَيْنَا) مَعَاشِرَ الْمَالِكِيَّةِ (مِنْ الطَّوَافِ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ الْمُزَاحَمَةِ بِوَاسِطَةِ الْغُرَبَاءِ، وَأَمَّا غَيْرُ السَّاكِنِ بِهَا فَأَشَارَ إلَى الْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ) وَهُمْ غَيْرُ السَّاكِنِينَ بِهَا كَأَهْلِ الْمَوْسِمِ (أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الرُّكُوعِ لِقِلَّةِ وُجُودِ ذَلِكَ لَهُمْ) لِأَنَّ الطَّوَافَ إنَّمَا يَكُونُ حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ فَيَتَيَسَّرُ وَلَوْ لِلْخَارِجِ مِنْ مَكَّةَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَحِيَّةُ مَسْجِدِ مَكَّةَ الطَّوَافُ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ لِلْقَادِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ الدَّاخِلِ فِيهِ لِإِرَادَةِ الطَّوَافِ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ لِلصَّلَاةِ أَوْ الْمُشَاهَدَةِ فَتَحِيَّتُهُ رَكْعَتَانِ إنْ كَانَ فِي وَقْتٍ تَحِلُّ فِيهِ النَّافِلَةُ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مِنْ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى عَقَائِدِ الْإِيمَانِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَى الْجَوَارِحِ السَّبْعَةِ وَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَيُقَالُ لَهَا الْكَوَاسِبُ وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ عَلَى عَدَدِ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ قَالَ: [غَضّ الْبَصَر] (وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (غَضُّ الْبَصَرِ) أَيْ كَفُّ عَيْنَيْهِ (عَنْ نَظَرِ) جَمِيعِ (الْمَحَارِمِ) أَيْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ لِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلَا لِأَمْرَدَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: النَّظَرُ إلَى الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ وَالصُّورَةِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ كَالنَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَيْهِ لَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ أَوْ الْخَلْوَةِ بِهِ فَلَا حُرْمَةَ مَعَ عِلْمِ السَّلَامَةِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا، لَكِنَّ السَّلَامَةَ فِي تَرْكِ ذَلِكَ وَلَا سِيَّمَا لِأَصْحَابِ الْفَضْلِ الْمُتَأَكِّدِ فِي حَقِّهِمْ الْمُبَاعَدَةُ مِنْ مَظَانِّ التُّهَمِ، وَلَا يَخْتَصُّ وُجُوبُ غَضِّ الْبَصَرِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، بَلْ يَتَنَاوَلُ غَضَّهُ عَنْ النَّظَرِ لِلْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِقَارِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُ مَالِكُهُ نَظَرَ الْغَيْرِ إلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِ لِخَبَرِ: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَأَنَّمَا نَظَرَ فِي فَرْجِ أُمِّهِ» وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنْ بِلَفْظِ: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ» وَقَالَ: إنَّهُ
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الْأُولَى بِغَيْرِ تَعَمُّدِ حَرَجٍ وَلَا فِي النَّظَرِ إلَى الْمُتَجَالَّةِ وَلَا فِي النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا وَشَبَهِهِ وَقَدْ أُرْخِصَ فِي ذَلِكَ لِلْخَاطِبِ.
وَمِنْ الْفَرَائِضِ صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْفَحْشَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ السَّخَاوِيُّ. قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ دَلَّ عَلَى مَحْظُورٍ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ الِانْكِفَافِ يَعْنِي احْتِيَاطًا، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ مَا يُؤَيِّدُهُ. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ. وَقَوْلُنَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يُخَاطَبُ بِالْفَرْضِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ لِئَلَّا يَتَطَبَّعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونَ ذَرِيعَةً لِلْفَسَادِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي زَمَانِنَا. وَمِنْ أَقْبَحِ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَلِيِّ إلْبَاسُ ابْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ الصَّغِيرِ الْحَسَنِ الصُّورَةِ الثِّيَابَ الْجَمِيلَةَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحِلْيَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَعَلُّقِ نَفْسِ الْفَاسِقِ بِهِ، بَلْ لَا تَبْعُدُ حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ النَّظَرِ مُخْتَصَّةً بِحَالَةِ الْعَمْدِ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ قَالَ: (وَلَيْسَ فِي النَّظْرَةِ الْأُولَى) إلَى مَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ (بِغَيْرِ تَعَمُّدِ) الْتِذَاذٍ أَوْ نَحْوِ انْتِقَاصٍ (حَرَجٌ) أَيْ إثْمٌ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى وَجْهِ جَمِيلٍ أَوْ جَمِيلَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَغَضَّهُ سَرِيعًا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَجِ، وَأَمَّا لَوْ تَعَمَّدَ النَّظَرَ لِلِالْتِذَاذِ أَوْ أَدَامَهُ مَعَ قَصْدِهِ لَا إثْمَ لِأَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ النَّظَرُ بِمُجَرَّدِهِ، لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ أَنَّ وَجْهَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ فِي حَالَةٍ خَاصَّةٍ وَذَلِكَ عِنْدَ قَصْدِ الِالْتِذَاذِ أَوْ خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ. (وَلَا) حَرَجَ أَيْضًا (فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْمُتَجَالَّةِ) وَهِيَ الَّتِي لَا تَمِيلُ إلَيْهَا نَفْسُ النَّاظِرِ، وَأَمَّا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا مَنْ يَلْتَذُّ بِهَا فَيَنْزِلُ عَلَى النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِأَنَّ كُلَّ سَاقِطَةٍ لَهَا لَاقِطَةٌ. (وَلَا) حَرَجَ أَيْضًا (فِي النَّظَرِ إلَى الشَّابَّةِ لِعُذْرٍ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ نِكَاحٍ (وَشَبَهِهِ) أَيْ الْعُذْرُ كَالطَّبِيبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ النَّظَرُ إلَيْهَا، لَكِنَّ الشَّاهِدَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَلَى مِنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ لِيُسَجِّلَ مَنْ زَعَمَتْ أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانٍ، وَلَا عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ لِتَتَعَيَّرَ لِلْأَدَاءِ، وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ النَّظَرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَلَوْ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ تَأَمُّلُ جَمِيعِ صِفَاتِهَا لِأَنَّ النَّظَرَ مُتَمَحِّضٌ لِلشَّهَادَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَطْلُوبُ الطَّبِيبِ فِي عَوْرَتِهَا فَإِنَّهُ يَبْقُرُ الثَّوْبَ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمَأْلُومِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الطَّبِيبُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَرَضُ بِفَرْجِهَا لِلضَّرُورَةِ، وَيَنْبَغِي أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الطَّبِيبُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلَّا بِرُؤْيَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّبِيبُ يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ وَيَصِفْنَهُ لَهُ فَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِجَوَازِ رُؤْيَةِ الرَّجُلِ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ عُيُوبِ الزَّوْجَةِ الَّتِي يَدَّعِيهَا الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي نَحْوِ ظَهْرِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خَارِجٌ عَنْ فَرْجِهَا فَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ وَلَا تَحِلُّ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لَهُ وَلَوْ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِفَرْجِهَا فَتُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي نَفْيِهِ إلَّا أَنْ تُمَكِّنَ النِّسَاءَ مِنْ رُؤْيَةِ فَرْجِهَا فَتُقْبَلَ شَهَادَتُهُنَّ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ خَلِيلٍ: وَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ وَأَنَّ الطَّبِيبَ لَيْسَ كَالشَّاهِدِ لِضَرُورَةِ نَظَرِ الطَّبِيبِ دُونَ الشَّاهِدِ. الثَّانِي: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ رُؤْيَةَ وَجْهِ الشَّابَّةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ الْحَرَجُ أَيْ الْإِثْمُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِغَيْرِ قَصْدِ اللَّذَّةِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ نَظَرَ وَجْهِ الشَّابَّةِ مَظِنَّةٌ لِلِالْتِذَاذِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَا حَرَجَ عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ الِالْتِذَاذِ، لِأَنَّ الْقَلْشَانِيَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّ النَّظَرَ إلَى وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَكْشُوفًا بِغَيْرِ لَذَّةٍ جَائِزٌ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عِيسَى الْغُبْرِينِيِّ عَنْ ابْنِ نَاجِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَجَائِزٌ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَوَجْهِهَا أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ أَنْكَرَهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَأَفْهَمَ تَمْثِيلُ الْمُصَنِّفِ الْعُذْرَ بِالشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ، فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الشَّابَّةِ عِنْدَ تَعْلِيمِ عِلْمٍ أَوْ قُرْآنٍ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَرَا عَنْ قَصْدِ اللَّذَّةِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِأَنَّ مُدَاوَمَةَ النَّظَرِ يَنْشَأُ عَنْهَا الِالْتِذَاذُ غَالِبًا، بِخِلَافِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الذَّكَرِ فَيَجُوزُ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَخْشَ الْمُعَلِّمُ بِإِدَامَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ الِافْتِتَانَ بِهِ، وَإِلَّا حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. الثَّالِثُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَ يُخْشَى مِنْ رُؤْيَتِهَا الْفِتْنَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا حَتَّى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُخْشَ مِنْ رُؤْيَتِهَا ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ مَا عَدَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَلِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ، وَعَلَى الرَّجُلِ غَضُّ بَصَرِهِ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهَا بِشَهْوَةٍ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِمْ. وَأَقُولُ: الَّذِي يَقْتَضِيه الشَّرْعُ وُجُوبَ سَتْرِهَا وَجْهَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ، لَا لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا تُعُورِفَ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ أَنَّ كَشَفَ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا يُؤَدِّي إلَى تَطَرُّقِ الْأَلْسِنَةِ إلَى قَذْفِهَا، وَحِفْظُ الْأَعْرَاضِ وَاجِبٌ كَحِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالْأَنْسَابِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. (وَقَدْ أُرْخِصَ) أَيْ سُومِحَ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الشَّابَّةِ وَكَفَّيْهَا (لِلْخَاطِبِ) لِنَفْسِهِ إذَا كَانَ قَصَدَ مُجَرَّدَ عِلْمِ صِفَتِهَا فَقَطْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ نَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمٍ وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: «أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِمَنْ قَالَ لَهُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُنْظُرْ
[ ٢ / ٢٧٧ ]
[صون اللسان عن الكذب]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] إلَيْهَا» وَإِنَّمَا نَدَبَ النَّظَرَ إلَى خُصُوصِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ الْوَجْهِ عَلَى الْجَمَالِ، وَبِرُؤْيَةِ الْكَفَّيْنِ عَلَى خَصْبِ الْبَدَنِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إذَا كَانَ الْخَاطِبُ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَوْ وَلِيَّهَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ النَّظَرُ إلَيْهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: عِلْمُهَا وَالْعِلْمُ بِإِجَابَتِهَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ الِافْتِتَانُ بِرُؤْيَتِهَا وَإِلَّا حَرُمَ، وَإِنَّمَا كُرِهَ النَّظَرُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ خَشْيَةِ الِافْتِتَانِ بِرُؤْيَتِهَا، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى مِثْلِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَظِنَّةُ قَصْدِ اللَّذَّةِ، وَلَا يُقَالُ: مُقْتَضَى هَذَا التَّعْلِيلِ كَرَاهَةُ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِإِجَابَتِهَا. لِأَنَّا نَقُولُ: الشَّارِعُ أَجَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ نَظَرًا إلَى مَصْلَحَتِهِ وَهُوَ اسْتِدَامَةُ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِ إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ النَّظَرِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: إذَا كَانَ قَصْدُهُ إلَخْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ نَظَرَ إلَيْهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَعَ مَعْرِفَةِ وَصْفِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ نَظَرُهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: بِنَفْسِهِ لِأَنَّ الْخَاطِبَ لِغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَخْطُوبَةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ. [صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ] (وَمِنْ الْفَرَائِضِ) الْعَيْنِيَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (صَوْنُ) أَيْ كَفُّ (اللِّسَانِ عَنْ الْكَذِبِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ فِي وُقُوعِهِ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - ﵁ -: مَنْ تَحَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَهُوَ كَذَّابٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَدَّثَ الْمُكَلَّفُ إلَّا بِمَا عَلِمَ قَطْعًا، أَوْ بِمَا سَمِعَهُ أَوْ نُقِلَ إلَيْهِ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا حَتَّى يَسْتَفِيضَ عِلْمُهُ، لِأَنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَالْفُجُورُ يَهْدِي إلَى النَّارِ، دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ الْكَذِبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] وَأَمَّا السُّنَّةُ: «فَقَوْلُهُ - ﷺ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: أَكْذِبُ عَلَى امْرَأَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدُهَا وَأَقُولُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا جُنَاحَ عَلَيْك» . وَخَبَرُ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَذَكَرَ الْكَذِبَ وَخُلْفَ الْوَعْدِ وَخِيَانَةَ الْمُؤْتَمِنِ» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى حُرْمَتِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ أَنَّهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ مَا كَانَ لِإِنْقَاذِ نَفْسِ مَعْصُومَةٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ ظَالِمٍ حَتَّى لَوْ حَلَفَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. عِنْدَ التَّتَّائِيِّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، عِنْدَ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ وَهُوَ مِنْ الْغَمُوسِ الَّتِي تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْوِزْرِ، وَحَرَامٌ وَهُوَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ تُكَفِّرُهُ التَّوْبَةُ كَالْإِخْبَارِ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَالثَّانِي أَنْ يُقْتَطَعَ بِهِ حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ فَتَجِبُ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَيُطْلَبُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ الْمُسَامَحَةُ وَالْبَرَاءَةُ مِنْ حَقِّهِ، وَمَنْدُوبٌ كَإِخْبَارِ الْكُفَّارِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَظْفَرُونَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَمُبَاحٌ الْكَذِبُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الصُّلْحِ وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَمَكْرُوهٌ كَالْكَذِبِ لِلزَّوْجَةِ وَنَحْوِ الْعَبْدِ، وَقِيلَ إنَّهُ مُبَاحٌ لِتَطْيِيبِ خَاطِرِ مَنْ ذُكِرَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: «لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ» .
(٢) (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ الْعَيْنِيَّةِ أَيْضًا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ شَهَادَةِ (الزُّورِ) وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ وَإِنْ وَافَقَ الْوَاقِعَ، وَذَكَرَهُ بَعْدَ الْكَذِبِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، لِأَنَّ الزُّورَ مُخْتَصٌّ بِالشَّهَادَةِ، وَحُرْمَةُ الزُّورِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ» وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُعَزِّرَ شَاهِدَ الزُّورِ وَيَأْمُرَ بِالنِّدَاءِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي الْمَلَأِ بَيْنَ النَّاسِ لِيَرْتَدِعَ غَيْرَهُ، وَلَا يَحْلِقُ لَهُ رَأْسًا وَلَا لِحْيَةً وَلَا يَسْتَحِمُّ لَهُ وَجْهًا، وَيُسَجِّلُهُ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا فِي شَأْنِهِ وَيَضَعَهُ عِنْدَ الثِّقَاتِ لِيَعْلَمُوا أَوْصَافَهُ. (تَنْبِيهٌ) الزُّورُ مَأْخُوذٌ مِنْ زَوَرِ الصَّدْرِ وَهُوَ اعْوِجَاجُهُ، وَشَاهِدُ الزُّورِ مَالَ عَنْ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُ حَيْثُ شَهِدَ بِخِلَافِهِ، وَلَيْسَ مِنْ تَزْوِيرِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ تَحْسِينُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ: زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلَامًا أَيْ حَسَّنْته.
(٣) (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ أَيْضًا التَّنَزُّهُ عَنْ مُلَابَسَةِ (الْفَحْشَاءِ) جَمْعُهَا فَوَاحِشُ وَهِيَ كُلُّ مُحَرَّمٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَحُرْمَةُ الْفَوَاحِشِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . وَخَبَرُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ» . وَقَالَ - ﵊ -: «الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ» فَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ، وَالْبَذَاءُ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ، وَالْبَيَانُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ. (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ أَيْضًا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ (الْغِيبَةِ) وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ فِي غَيْرِهِ مَعَ غِيبَتِهِ مَا يَكْرَهُهُ لَوْ سَمِعَهُ وَلَوْ كَانَ حَقًّا، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي دِينِهِ أَوْ فِي دُنْيَاهُ أَوْ خُلُقِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ وَزَوْجَتِهِ أَوْ خَادِمِهِ أَوْ حِرْفَتِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ مَمْلُوكِهِ أَوْ مَرْكُوبِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، سَوَاءٌ ذَكَرْته بِلَفْظِك أَوْ كِتَابِك، أَوْ أَشَرْت إلَيْهِ بِعَيْنِك أَوْ يَدِك أَوْ رَأْسِك، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفْهَمْت بِهِ غَيْرَك نُقْصَانَ
[ ٢ / ٢٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مُسْلِمٍ فَهُوَ مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْعَالِمِ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا مُرِيدًا التَّشْنِيعَ عَلَيْهِ فِي حُكْمٍ أَوْ إعْرَابٍ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا إنْ لَمْ يُعَيِّنُهُ أَوْ عَيَّنَهُ لِيُنَبِّهَ الْغَيْرَ عَلَى خَطَإِ كَلَامِهِ فَلَا يَكُونُ غِيبَةً بَلْ نَصِيحَةً وَاجِبَةً، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي ضَابِطِهَا أَنَّ الْغِيبَةَ تَحْصُلُ بِالتَّعْرِيضِ، كَمَا إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: مَا تَقُولُ فِي فُلَانٍ؟ فَيَقُولُ: يُصْلِحُ اللَّهُ، أَوْ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ، أَوْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَبْتَلِنَا بِالدُّخُولِ عَلَى الظُّلْمَةِ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهَا لَا تَتَقَيَّدُ بِالذَّكَرِ كَمَا وَقَعَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ - ﵊ - فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا: «أَنْ تَذْكُرَ أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» بَلْ الْمَدَارُ عَلَى انْتِقَاصِ الْمُسْلِمِ، فَيَشْمَلُ الْغِيبَةَ بِالْقَلْبِ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ وَهُوَ حَرَامٌ مِثْلُ الْقَوْلِ، وَالْمُرَادُ بِسُوءِ الظَّنِّ عَقْدُ الْقَلْبِ وَحُكْمُهُ عَلَى الْغَيْرِ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا الْخَاطِرُ بِالْقَلْبِ الَّذِي لَمْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لِلشَّخْصِ فِي وُقُوعِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: حُرْمَةُ الْغِيبَةِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وَقَوْلُهُ - ﵊ -: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى بَهَتَّهُ بِالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ رَمَيْته بِالْبُهْتَانِ وَهُوَ الْكَذِبُ. الثَّانِي: اخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاءُ فِي مَرْتَبَةِ الْغِيبَةِ مِنْ التَّحْرِيمِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهَا، فَذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهَا كَبِيرَةٌ وَحَكَى عَلَيْهِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهَا صَغِيرَةٌ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ أَنَّ غِيبَةَ الْعَالِمِ أَوْ حَامِلِ الْقُرْآنِ كَبِيرَةٌ وَغِيبَةُ غَيْرِهِمَا صَغِيرَةٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ: وَلَمْ يَشْهَدْ لِلتَّفْرِقَةِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ فَالْمُتَّجِهُ الطَّرْدُ لِحُرْمَةِ الْمُغْتَابِ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْغِيبَةِ فِي حَقِّ الْمُغْتَابِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ سَامِعِيهَا، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اسْتِمَاعُهَا وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً أَنْ يَنْهَى الْفَاعِلَ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُ مَعَ الْإِنْكَارِ بِقَلْبِهِ، فَإِنْ نَهَاهُ بِلِسَانِهِ دُونَ قَلْبِهِ كَانَ عَاصِيًا. قَالَ أَبُو حَامِدٍ: لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْقَلْبِ مِنْ النِّفَاقِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِثْمِ. الرَّابِعُ: فُهِمَ مِنْ ذِكْرِ الْأَخِ فِي حَدِّ الْغِيبَةِ وَالتَّقْيِيدِ بِالْكَرَاهَةِ عَدَمُ الْغِيبَةِ فِي الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ لَوْ ذَكَرَ أَخَاهُ بِمَا لَا يَكْرَهُهُ كَقَوْلِهِ فِي غِيبَتِهِ هُوَ سَارِقٌ أَوْ مُحَارِبٌ وَهُوَ يَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ غِيبَةً وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُتَجَاهِرِ. (خَاتِمَتَانِ) الْأُولَى: تَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ بَلْ رُبَّمَا تَجِبُ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهَا جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي بَيْتٍ بِقَوْلِهِ: لِسِتٍّ غِيبَةً كَرِّرْ وَخُذْهَا مُنَظَّمَةً كَأَمْثَالِ الْجَوَاهِرِ تَظَلَّمْ وَاسْتَغِثْ وَاسْتَفْتِ حَذِّرْ وَعَرِّفْ وَاذْكُرَنْ فِسْقَ الْمُجَاهِرِ فَالتَّظَلُّمُ كَإِخْبَارِ الْمَظْلُومِ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى رَدْعِ الظَّالِمِ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ قَاضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا وَيُسَمِّيهِ لَهُ. وَالِاسْتِغَاثَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ أَوْ النُّونِ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ هُوَ فِي شِدَّةٍ وَكَرْبٍ مِنْ شَخْصٍ ذِي جَوْرٍ إزَالَتَهَا أَوْ مِمَّنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَسْمِيَةِ الْمُسْتَغَاثِ مِنْهُ. وَالِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ الْمَظْلُومُ لِلْعَالِمِ: كَيْفَ الْخَلَاصُ مِمَّنْ ظَلَمَنِي بِسَرِقَةِ مَالِي أَوْ سَبَّنِي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ. وَالتَّحْذِيرِ بِأَنْ يَقُولَ الْعَالِمُ فِي دَرْسِهِ قَوْلُ فُلَانٍ ضَعِيفٌ أَوْ حَدِيثُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَوْ فُلَانٌ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ الْعَمَلِ بِكَلَامِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إخْبَارُ الْحَاكِمِ بِحَالِ الشَّاهِدِ الْمَجْرُوحِ عِنْدَ إرَادَتِهِ الْحُكْمَ بِشَهَادَتِهِ، وَشَرَطَ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ فِي هَذَا الْوَجْهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى ذِكْرِ الْقَادِحِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ وَلِطَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي حَقِّ مَنْ طَلَبَ الرِّوَايَةَ، فَلَا يُخْبِرُ بِحَالِ شَخْصٍ لَمْ يُرَدْ أَنْ يَشْهَدَ وَلَمْ يُرِدْ أَحَدٌ الرِّوَايَةَ عَنْهُ. وَالتَّعْرِيفُ بَيَانُ حَالِ مَنْ سَأَلَك عِنْدَ إنْسَانٍ لِيَتَزَوَّجَ مِنْهُ أَوْ يُعَامِلَهُ أَوْ يُسَافِرَ مَعَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَتُعَرِّفُهُ بِحَالِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ السُّؤَالِ وَمَنْدُوبَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا حَيْثُ انْفَرَدَ هَذَا الشَّخْصُ بِمَعْرِفَةِ مَسَاوِئِ هَذَا الْإِنْسَانِ. وَذَكَرَ فِسْقَ الْمُجَاهِرِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ مُعْلِنًا بِشُرْبِ خَمْرٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ زِنًا فَيَجُوزُ لَك أَنْ تَذْكُرَ ذَلِكَ الَّذِي تَجَاهَرَ بِهِ بِخُصُوصِهِ عِنْدَ مِنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّجَاهُرِ وَالْإِعْلَانِ بِارْتِكَابِهِ الْمُفَسِّقَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّجَاهُرِ بِالْمُفَسِّقِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتِ الصِّحَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلَوْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ وَجَبَ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُغْتِيبَ بِجِنْسِ مَا فُسِّقَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ أَوْ مُجَاهَرَتِهِ بِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وَالْبَاطِلِ كُلِّهِ قَالَ الرَّسُولُ - ﵊ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت وَقَالَ - ﵊ -،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَعْدَ تَوْبَتِهِ لَا تَجُوزُ غِيبَتُهُ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ إطْلَاقَهُ اتِّفَاقًا، وَمِنْ الْجَائِزِ تَعْرِيفُ الْمَشَايِخِ بِأَلْقَابِهِمْ حَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُونَ إلَّا بِهَا نَحْوَ الْأَعْوَرِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَفْطَسِ وَالْأَصَمِّ، وَلَمْ يَقْصِدُ بِوَصْفِهِمْ تَنْقِيصَهُمْ وَإِلَّا حَرُمَ. (الْخَاتِمَةُ الثَّانِيَةُ) الْغِيبَةُ لَهَا جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا مِنْ حَيْثُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا، وَالْأُخْرَى مِنْ حَيْثُ أَذِيَّةُ الْمُغْتَابِ، فَالْأُولَى تَنْفَعُ فِيهَا التَّوْبَةُ بِمُجَرَّدِهَا، وَالثَّانِيَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مَعَ التَّوْبَةِ مِنْ طَلَبِ عَفْوِ الْمُغْتَابِ عَنْ صَاحِبِهَا وَلَوْ بِالْبَرَاءَةِ الْمَجْهُولِ مُتَعَلَّقُهَا عِنْدَنَا، وَعَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُعْتَبَرُ تَعْيِينُ الْغِيبَةِ لِصَاحِبِهَا إنْ بَلَغَتْهُ عَلَى وَجْهٍ أَفْحَشَ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا.
(٢) (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا صَوْنُ اللِّسَانِ عَنْ (النَّمِيمَةِ) وَهِيَ نَقْلُ كَلَامِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى جِهَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْإِفْسَادُ بَيْنَهُمْ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: إنَّمَا تُطْلَقُ فِي الْغَالِبِ عَلَى مَنْ يَنْمِي قَوْلَ الْغَيْرِ إلَى الْمَقُولِ فِيهِ كَقَوْلِهِ: فُلَانٌ يَقُولُ فِيك كَذَا، وَلَيْسَتْ النَّمِيمَةُ مُخْتَصَّةً بِذَلِكَ بَلْ حَدُّهَا كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ أَوْ ثَالِثٌ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَشْفُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْكِتَابَةِ أَوْ الرَّمْزِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنْ الْأَعْمَالِ أَوْ الْأَحْوَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَذِيَّةُ الْغَيْرِ وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: حَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ، وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى كُلِّ مَا يَرَاهُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، إلَّا مَا كَانَ فِي حِكَايَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعُ مَعْصِيَةٍ، وَإِذَا رَأَى الْمُكَلَّفُ شَخْصًا يُخْفِي حَالَ نَفْسِهِ فَذَكَرَهُ لِلْغَيْرِ كَانَ نَمِيمَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: وَكُلُّ مَنْ حُمِلَتْ إلَيْهِ نَمِيمَةٌ وَقِيلَ لَهُ قَالَ فِيك فُلَانٌ كَذَا لَزِمَهُ سِتَّةُ أُمُورٍ: عَدَمُ تَصْدِيقِهِ وَنَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهَا وَبُغْضُهُ مِنْ أَجَلِهَا وَعَدَمُ ظَنِّهِ سُوءًا بِالْمَنْقُولِ عَنْهُ وَعَدَمُ بَحْثِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَعَدَمُ الرِّضَا لِنَفْسِهِ بِمَا نَهَى التَّمَامُ عَنْهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: مَحَلُّ حُرْمَةِ النَّمِيمَةِ حَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا وَإِلَّا جَازَتْ، وَرُبَّمَا تَجِبُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخْبِرَك شَخْصٌ أَنَّ قَصْدَهُ قَتْلُ فُلَانٍ أَوْ سَرِقَةُ مَالِهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ إعْلَامُ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى زَجْرِ الْعُصَاةِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِيهِ، وَيُطْلَبُ مِنْ الْحَاكِمِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ الْفَحْصُ عَنْ ذَلِكَ وَإِزَالَتُهُ. الثَّانِي: الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ النَّمِيمَةِ وَأَنَّهَا كَبِيرَةٌ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» وَفِي رِوَايَةٍ قَتَّاتٌ لِأَنَّهُ النَّمَّامُ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، وَصَاحِبُهَا مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ، وَأَكْبَرُ أَنْوَاعِهَا السِّعَايَةُ وَهِيَ الْإِدْلَاءُ بِالنَّاسِ لِلظُّلْمَةِ. قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: وَقَدْ بُحِثَ عَنْ فَاعِلِهَا فَلَمْ يُوجَدْ قَطُّ إلَّا وَلَدُ زِنًا، وَأُخِذَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ - مَنَّاعٍ﴾ [القلم: ١١ - ١٢] الْآيَةَ أَنَّ النَّمَّامَ لَا يَكُونُ إلَّا وَلَدَ زِنًا، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» هُوَ وَأَمْثَالُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ،
(٣) وَلَمَّا كَانَتْ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَثِيرَةً قَالَ: (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ اجْتِنَابُ (الْبَاطِلِ) وَهُوَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ. (كُلِّهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْأَقْوَالِ كَالسَّبِّ وَاللَّعْنِ وَالْقَذْفِ، أَوْ مِنْ الْأَفْعَالِ كَالْغَصْبِ وَالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْغِشِّ وَاللَّهْوِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ اخْتِيَارَيْهَا اخْتِيَارًا، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ، أَوْ الْأَخْلَاقِ كَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ. قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا فِي جَوْهَرَتِهِ: وَأْمُرْ بِعُرْفٍ أَوْ اجْتَنِبْ نَمِيمَهُ وَغِيبَةً وَخَصْلَةً ذَمِيمَهُ كَالْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَدَاءِ الْحَسَدْ وَكَالْمِرَاءِ وَالْجَدَلِ فَاعْتَمِدْ فَالْكِبْرُ هُوَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ لِخَبَرِ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْكِبْرِ» هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْكِبْرِ عَلَى الصَّالِحِينَ، وَأَمَّا التَّكَبُّرُ عَلَى نَحْوِ الْفَسَقَةِ فَمَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَغَمْصُ النَّاسِ بِالصَّادِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ احْتِقَارُهُمْ، وَبَطَرُ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ، وَالْعُجْبُ هُوَ رُؤْيَةُ الْعِبَادَةِ حَسَنَةً وَاسْتِعْظَامُهَا مِنْ الْعَبْدِ، كَمَا يُعْجَبُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَلَا يُبْطِلُ الْعِبَادَةَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لِوُقُوعِهِ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ الرِّيَاءِ وَلَا الْعُجْبِ رُؤْيَةُ الشَّخْصِ ثَوْبَهُ أَوْ فِعْلَهُ حَسَنًا لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْجَمَالَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَرْكِ الْبَاطِلِ كُلِّهِ بِحَدِيثَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ الرَّسُولُ - ﵊ - مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ) الْإِيمَانَ الْكَامِلَ الْمُنْجِي مِنْ عَذَابِهِ الْمُوَصِّلِ إلَى رِضَاهُ (بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ) وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ الِاعْتِرَافُ بِوُجُوبِ وُجُودِهِ وَصَانِعِيَّتِهِ لِلْعَالَمِ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخَرِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَبِأَهْوَالِهِ وَفَظَائِعِهِ الَّتِي تَقَعُ فِيهِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ. (فَلْيَقُلْ) أَيْ يَذْكُرْ (خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَاضِيه صَمَتَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، لِأَنَّ قِيَاسَ فَعَلَ الْمَفْتُوحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ
[ ٢ / ٢٨٠ ]
مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَلَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ أَوْ يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانِهِ أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِكَسْرِهَا وَقِيلَ بِضَمِّهَا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَوْلِ الْخَيْرِ أَوْ السُّكُوتِ عَنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلِذَلِكَ أَوَّلُوا الْحَدِيثَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فَلْيَقُلْ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ، أَوْ يَسْكُتُ عَنْ شَرٍّ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: " أَوْ " فِيهِ بِمَعْنَى الْوَاوِ وَالْمَعْنَى: فَلْيَقُلْ خَيْرًا وَلْيَصْمُتْ عَنْ الشَّرِّ، وَأَشَارَ إلَى ثَانِيهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ، وَ(السَّلَامُ «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ أَيْ الْإِنْسَانِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» أَيْ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِي فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنْ حُسْنِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ مَا لَا يَعْنِي لَيْسَ هُوَ الْإِسْلَامُ وَلَا جُزْءٌ مِنْهُ بَلْ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَآثَرَ ذِكْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَخْ وَالْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ اخْتِيَارِيَّةٌ لِلْإِنْسَانِ، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ الرَّاجِعَةِ لِلْإِيمَانِ فَهِيَ اضْطِرَارِيَّةٌ مَانِعَةٌ لِمَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ وَيُوقِعُهُ فِيهَا الَّذِي يَعْنِي الْإِنْسَانَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ عِنَايَتُهُ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ، أَوْ يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَمَا يَعِفُّ فَرْجَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ دُونَ مَا يَفْعَلُ لِمُجَرَّدِ التَّلَذُّذِ، فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَعْنِيه سَلِمَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاتِ وَحَصَلَ مَا أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَهَذَانِ حَدِيثَانِ جَلِيلَانِ، لِأَنَّ أَوَّلَهُمَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالثَّانِي يَحْمِلُهُ عَلَى تَرْكِ صُحْبَةِ مَنْ لَا خَيْرَ فِي صُحْبَتِهِ، وَيُرَغِّبُهُ فِي صُحْبَةِ مِنْ يَنْتَفِعُ بِصُحْبَتِهِ لِاسْتِفَادَتِهِ مِنْهُ عِلْمًا أَوْ مَالًا. قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئًا سِوَى الْهَذَيَانِ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ فَأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النَّاسِ إلَّا لِأَخْذِ الْعِلْمِ أَوْ إصْلَاحِ حَالْ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ أَنْ يُلْهِمَنَا رُشْدَنَا وَيُمَلِّكَنَا أَنْفُسَنَا أَوْ يُذَكِّرَنَا عُيُوبَنَا. (وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) سَفْكَ (دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ) أَوْ قَطْعَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ، وَلَا مَفْهُومَ لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ أَهْلُ الذِّمَّةِ كَذَلِكَ لِوُجُوبِ عِصْمَةِ الْجَمِيعِ، دَلَّ عَلَى الْحُرْمَةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - ﷺ -: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسَّحَرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا» عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ، وَيَرَحْ بِفَتْحِ الرَّاءِ مَعْنَاهُ لَمْ يَشُمَّ رَائِحَتَهَا مَعَ أَنَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ يَشُمُّهَا مَنْ هُوَ عَلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَأَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ أَوْ السِّتِّ مِمَّا أَجْمَعَتْ الْمِلَلُ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا لِشَرَفِهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ. وَفِي آخَرَ: «أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضَكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» . وَأَشَارَ إلَى ضَبْطِهَا صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ بِقَوْلِهِ: وَحِفْظُ دِينٍ ثُمَّ نَفْسٍ مَالٍ نَسَبْ وَمِثْلُهَا عَقْلٌ وَعِرْضٌ قَدْ وَجَبْ وَلِوُجُوبِ حِفْظِ النُّفُوسِ شَرَعَ الْقِصَاصَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالطَّرْفِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَالْعُدْوَانِ. (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ ﷾ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ إتْلَافَ (أَمْوَالِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ أَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَحَقِيقَةُ الْمَالِ كُلُّ مَا مُلِكَ شَرْعًا وَلَوْ قَلَّ، وَلِوُجُوبِ حِفْظِهِ شَرَعَ حَدَّ السَّرِقَةِ وَحَدَّ الْحِرَابَةِ. (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ ﷾ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَذِيَّةَ (أَعْرَاضِهِمْ) جَمْعُ عِرْضٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ وَقِيلَ الْحَسَبُ، وَلِحِفْظِهِ شَرَعَ حَدَّ الْقَذْفِ لِمَنْ رَمَى غَيْرَهُ بِفِعْلِ الْفَاحِشَةِ أَوْ نَفَى نَسَبَهُ اللَّاحِقَ وَالتَّعْزِيرُ لِغَيْرِهِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَفْهُومَ الْمُسْلِمِينَ مُعَطَّلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الْمَالِ بِخِلَافِ الْأَعْرَاضِ. وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً قَالَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ (إلَّا بِحَقِّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ، وَالْمُرَادُ بِحَقِّهَا السَّبَبُ الْمُقْتَضَيْ لِاسْتِحْقَاقِهَا، فَحَقُّ الْأَمْوَالِ الْمُبِيحُ لَهَا هُوَ إتْلَافُهَا الْمُشَارُ إلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ اسْتَهْلَكَ عَرَضًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَحَقُّ الْأَعْرَاضِ عَدَمُ الْعِفَّةِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ التَّعْزِيرَ. وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الدَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَحِلُّ) إرَاقَةُ (دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ) الْمُتَقَرِّرِ
[ ٢ / ٢٨١ ]
[الاستمتاع بالنساء في زمن خروج دم الحيض والنفاس]
الْأَرْضِ أَوْ يَمْرُقَ مِنْ الدِّينِ وَلْتَكُفَّ يَدَك عَمَّا لَا يَحِلُّ لَك مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ دَمٍ وَلَا تَسْعَ بِقَدَمَيْك فِيمَا لَا يَحِلُّ لَك وَلَا تُبَاشِرْ بِفَرْجِك أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِك مَا لَا يَحِلُّ لَك» قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ،
وَأَنْ يُقْرَبَ النِّسَاءُ فِي دَمِ حَيْضِهِنَّ أَوْ نِفَاسِهِنَّ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ الْتِزَامِ أَحْكَامِهِمَا، وَهُوَ الرِّدَّةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» أَيْ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ وَلَا عَطَشٍ. (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانِهِ) فَيُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ الْمُعْتَدِلَةِ حَتَّى يَمُوتَ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِحْصَانِ وَشُرُوطُهُ. (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَقْتُلَ نَفْسًا) مَعْصُومَةً مُكَافِئَةً لَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (بِغَيْرِ نَفْسٍ) عَمَّا لَوْ قَتَلَ نَفْسًا قِصَاصًا فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْصُومَةٍ لِلْوَلِيِّ. (أَوْ) إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ (فَسَادٌ فِي الْأَرْضِ) بِأَنْ يُحَارِبَ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قَتْلِ النَّاسِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ، أَوْ يَسْقِيَ غَيْرَهُ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلَافِ أَوْ نَفْيِهِ لِآيَةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ. (أَوْ) إلَّا أَنْ (يَمْرُقَ) أَيْ يَخْرُجَ (مِنْ الدِّينِ) بِاعْتِقَادِ مَا يَكْفُرُ بِهِ، كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ مُفَصَّلَةً أَوْ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا بَعْدَ وُجُودِهَا كَمَا تَعْتَقِدُهُ الْقَدَرِيَّةُ الْأُولَى، وَمِمَّا يَحِلُّ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ الزَّنْدَقَةُ وَالسِّحْرُ وَسَبُّ الْبَارِي، أَوْ الْمُجْمَعِ عَلَى نُبُوَّتِهِ أَوْ مِلْكِيَّتِهِ، أَوْ جَحْدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عِنَادًا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصِّيَامِ أَوْ الزَّكَاةِ. (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا حَمَلْنَا الْمُرُوقَ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى اعْتِقَادِ مَا يُكَفِّرُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِشَارَةُ إلَى عَدَمِ تَكْرَارِهِ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: إلَّا أَنْ يَكْفُرَ بَعْدَ إيمَانِهِ لِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ ارْتَدَّ بِنَحْوِ إلْقَاءِ مُصْحَفٍ فِي قَذَرٍ أَوْ شَدِّ زُنَّارٍ مَعَ تَوَجُّهٍ لِنَحْوِ كَنِيسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِاعْتِقَادٍ، وَالْمُرُوقُ مِنْ الدِّينِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ. وَثَانِيهمَا: التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ فِرَقَ الْمُبْتَدِعَةِ مِنْهُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِبِدْعَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ، لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَدَمُ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَوْجِبُونَ الْأَدَبَ، وَقَوْلُ الْعَلَّامَةِ السَّنُوسِيِّ: إنَّهُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَحْمُولٌ إمَّا عَلَى مَجْمُوعِهِمْ أَوْ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ عَلَى حَدِّ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ تُقْطَعُ يَدُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَشَارَ إلَى ضَابِطِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِمَّا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: (وَلْتَكُفَّ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (يَدَك عَمَّا لَا يَحِلُّ لَك) تَنَاوَلَهُ شَرْعًا وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ مَالِ) مَمْلُوكٍ لِغَيْرِك لِأَنَّ مَالَ الْغَيْرِ لَا يَحِلُّ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِ مَالِكِهِ، وَلِذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ الْبَيْعَ لَيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَا فِي يَدِ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ. (أَوْ) مَسِّ (جَسَدِ) أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ ذَكَرٍ أَوْ دَابَّةٍ عَلَى قَصْدِ الِالْتِذَاذِ. (أَوْ) إرَاقَةِ (دَمٍ) وَلَوْ بِجُرْحٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُمْسِكَ نَفْسَهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ بِهِ فِعْلُهُ وَلَوْ بِالنُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ فَلَا مَفْهُومَ لِلْيَدِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَا تَسْعَ) بِالْجَزْمِ بِحَذْفِ الْأَلْفِ (بِقَدَمَيْك فِيمَا لَا يَحِلُّ لَك) السَّعْيُ إلَيْهِ كَزِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَالسَّعْيِ إلَى أَهْلِ الْجَوْرِ، وَإِلَّا لِحَاجَةٍ كَشَفَاعَةٍ لِمَظْلُومٍ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ مِمَّا يُسَهِّلُ هَوْلَ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَفْرِيجُ الْكَرْبِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ. (وَلَا تُبَاشِرْ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (بِفَرْجِك أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِك مَا لَا يَحِلُّ لَك) مُبَاشَرَتُهُ وَهُوَ مَا خَلَا الزَّوْجَةَ وَالْأَمَةَ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] مِنْ الْإِنَاثِ (إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] أَيْ الْمُتَجَاوِزُونَ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَلِذَا لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُبَاشِرَ بِشَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهَا بِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ سِوَى زَوْجِهَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُكْمِ النَّظَرِ. (وَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْك أَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّهُ (حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى جَمِيعَ (الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] قِيلَ هُوَ الْخَمْرُ، وَقَالَ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ» وَالْبَذِيءُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الَّذِي يُصَرِّحُ بِمَا يُكَنَّى عَنْهُ مِنْ الْقَبِيحِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَاحِشِ كُلُّ مُسْتَقْبَحٍ شَرْعًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَالْمُرَادُ بِمَا ظَهَرَ مَا يُشَاهَدُ بِالْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِمَا بَطَنَ خِلَافُهُ، فَيَدْخُلُ الْغِيبَةُ بِالْقَلْبِ وَتَحْدِيثُ النَّفْسِ بِمَسَاوِئِ النَّاسِ وَالْمُرَادُ جَزْمُ الْقَلْبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] الْآيَةَ، وَقَالَ - ﷺ -: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» وَالْمُرَادُ أَنْ تَجْزِمَ بِقَلْبِك لَا مُجَرَّدَ حَدِيثِ النَّفْسِ بِقِيَامِ السُّوءِ بِالْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا لِحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ أَوْ تَعْمَلْ» وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْخَاطِرُ غِيبَةً أَوْ كُفْرًا، فَمَنْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ نَحْوُ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ لِتَحْصِيلِهِ ثُمَّ صَرَفَهُ فِي الْحَالِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. [الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فِي زَمَنِ خُرُوجِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاس] (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ ﷾ (أَنْ يُقْرَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (النِّسَاءُ) بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ (فِي) زَمَنِ
[ ٢ / ٢٨٢ ]
[أكل الطيب]
وَحَرَّمَ مِنْ النِّسَاءِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا إيَّاهُ،
وَأَمَرَ بِأَكْلِ الطَّيِّبِ وَهُوَ الْحَلَالُ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْكُلَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَلْبَسَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَرْكَبَ إلَّا طَيِّبًا وَلَا تَسْكُنَ إلَّا طَيِّبًا وَتَسْتَعْمِلَ سَائِرَ مَا تَنْتَفِعُ بِهِ طَيِّبًا وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ مُشْتَبِهَاتٌ مَنْ تَرَكَهَا سَلِمَ وَمَنْ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] خُرُوجِ (دَمِ حَيْضِهِنَّ أَوْ) زَمَنِ خُرُوجِ دَمِ (نِفَاسِهِنَّ) وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَمْنُوعِ: أَوْ تَحْتَ إزَارٍ وَلَوْ بَعْدَ نَقَاءٍ وَتَيَمُّمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَهُمَا خَارِجَانِ، فَلَا يَحِلُّ التَّمَتُّعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَلَوْ بِغَيْرِ وَطْءٍ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ، وَأَمَّا النَّظَرُ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِغَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ مِمَّا هُوَ فَوْقَ السُّرَّةِ أَوْ نَزَلَ عَنْ الرُّكْبَةِ أَوْ بِهِمَا فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَلَوْ بِالْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «الْحَائِضُ تَشُدُّ إزَارَهَا وَشَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا» قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ يَرَيْنَ عَلَامَةَ الطُّهْرِ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ أَيْ بِالْمَاءِ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ الْغُسْلِ وَلَوْ تَيَمَّمَتْ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ فَيَحِلَّ بَعْدَ التَّيَمُّمِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَا ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُوهِمِ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ أَيْ فَوْقَ السُّرَّةِ، وَحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إمَّا تَعَبُّدِيَّةٌ وَقِيلَ لِمَا يُصِيبُ الْوَاطِئَ أَوْ الْوَلَدَ مِنْ نَحْوِ الْجُذَامِ أَوْ الْبَرَصِ أَوْ الْفَزَعِ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. الثَّانِي: الْحُرْمَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمُسْلِمَةِ بَلْ الْكَافِرَةُ كَذَلِكَ، فَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِ الْكَافِرَةِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا، وَيُجْبِرُهَا عَلَى الْغُسْلِ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَمِثْلُهَا الْمَجْنُونَةُ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُجْبِرُ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُهَا: وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْهَا النِّيَّةُ إذْ لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْغُسْلِ لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَأَمَّا الْغُسْلُ لِحِلِّ الْوَطْءِ فَلَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ. وَلِذَا يُقَالُ لَنَا: غُسْلُ فَرْضٍ يَصِحُّ وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَيُقَالُ هُوَ غُسْلُ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ حَيْضِهَا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لِحِلِّ الْوَطْءِ فَقَطْ، وَلِذَا لَوْ أَسْلَمَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِيَرْتَفِعَ حَدَثُهَا لِتَصِحَّ صَلَاتُهَا. (وَحَرَّمَ) اللَّهُ ﷾ (مِنْ النِّسَاءِ) نِكَاحَ كُلِّ (مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا إيَّاهُ) فِي بَابِ النِّكَاحِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَحَرَّمَ اللَّهُ ﷾ مِنْ النِّسَاءِ سَبْعًا بِالْقَرَابَةِ وَسَبْعًا بِالرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ، وَقَوْلُهُ: وَحَرَّمَ اللَّهُ وَطْءَ الْكَوَافِرِ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: مَا تَقَدَّمَ فِيهِ اسْتِعْمَالُ مَا فِي الْعَاقِلِ أَوْ هُوَ قَلِيلٌ أَوْ هُوَ عَلَى تَنْزِيلِ النَّاقِصِ فِي الْعَقْلِ مَنْزِلَةَ مَا لَا عَقْلَ فِيهِ وَهُوَ سَائِغٌ. [أَكْلِ الطَّيِّبِ] (وَأَمَرَ) اللَّهُ ﷾ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ (بِأَكْلِ الطَّيِّبِ) وَشُرْبِهِ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الْحَلَالُ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وَ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وَالْحَلَالُ فِيهِ خِلَافٌ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: لَا يَنْبَغِي الْيَوْمَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَصْلِ شَيْءٍ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانَ أَنَّ الْأَمْرَ بِأَكْلِ الطَّيِّبِ عَلَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (فَلَا يَحِلُّ لَك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (أَنْ تَأْكُلَ) أَوْ تَشْرَبَ (إلَّا طَيِّبًا) أَيْ حَلَالًا. (وَلَا تَلْبَسَ إلَّا) مَلْبُوسًا (طَيِّبًا وَلَا تَرْكَبَ إلَّا) مَرْكُوبًا (طَيِّبًا وَلَا تَسْكُنَ إلَّا) مَسْكَنًا (طَيِّبًا وَ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْك أَنْ (تَسْتَعْمِلَ سَائِرَ) أَيْ جَمِيعَ (مَا تَنْتَفِعُ بِهِ طَيِّبًا) وَنَبَّهَ سُبْحَانَهُ بِتَقْدِيمِ أَكْلِ الطَّيِّبِ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي آيَةِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وَآيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ إلَّا بَعْدَ إصْلَاحِ الرِّزْقِ بِاكْتِسَابِهِ مِنْ بَابِ حِلٍّ لِمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: «لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» وَالسُّحْتُ الْحَرَامُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ مَنْ فِي بَطْنِهِ حَرَامٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا: مَنْ أَكَلَ لُقْمَةً مِنْ حَرَامٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عَمَلُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ حَثٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْقُوتِ، وَتَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ تَسْكُنُ إلَيْهَا نَفْسُهُ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لِلْغَيْرِ حَقًّا فِيهِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: الَّذِي إذَا أَصْبَحَ سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصَاهُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ الْمُؤْمِنُ؟ قَالَ: الَّذِي إذَا أَمْسَى سَأَلَ مِنْ أَيْنَ قُرْصَاهُ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمَهُ النَّاسُ لَتَكَلَّفُوهُ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمُوا وَلَكِنَّهُمْ قَدْ غَشَمُوا الْمَعِيشَةَ غَشْمًا» . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَعَسَّفُوا تَعَسُّفًا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ تَسْتَعْمِلُ وَتَنْتَفِعُ بَعْضُ تَكْرَارٍ لِسَبَبٍ ارْتَكَبَهُ الشَّيْخُ إيضَاحًا لِلطَّلَبِ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ حَلِّ مَجْهُولِ الْأَصْلِ دُخُولُ الْمُتَشَابِهِ قَالَ كَالْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: (وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ) الْحَلَالِ أَشْيَاءُ (مُشْتَبِهَاتٌ) بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَهِيَ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حِلِّهَا وَحُرْمَتِهَا، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ. (مِنْ تَرَكَهَا سَلِمَ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
أَخَذَهَا كَانَ كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ.
وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكَلَ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ وَمِنْ الْبَاطِلِ الْغَصْبُ وَالتَّعَدِّي وَالْخِيَانَةُ وَالرِّبَا وَالسُّحْتُ وَالْقِمَارُ وَالْغَرَرُ وَالْغِشُّ وَالْخَدِيعَةُ وَالْخِلَابَةُ،
وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَمَنْ أَخَذَهَا) أَيْ اسْتَعْمَلَهَا (كَانَ كَالرَّاتِعِ) أَيْ الرَّاعِي (حَوْلَ الْحِمَى) أَيْ الْمَحَلِّ الْمَحْمِيِّ لِغَيْرِهِ (يُوشِكُ) أَيْ يَقْرُبُ (أَنْ يَقَعَ فِيهِ) سَرِيعًا وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ - ﷺ -: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنُهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» الْحَدِيثَ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ حِلَّ بَعْضِ أَشْيَاءَ وَحَرَّمَ بَعْضَ أَشْيَاءَ بَيَانًا ظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَبَقِيَتْ أَشْيَاءُ اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ لِتَعَارُضِ أَدِلَّةِ الْحِلِّ وَالتَّحْرِيمِ فِيهَا وَهُوَ الْمُتَشَابِهُ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، وَمَعْنَى اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ احْتَاطَ لِنَفْسِهِ وَطَلَبَ الْبَرَاءَةَ لِدِينِهِ، وَمَعْنَى الْوُقُوعِ فِي الْمُتَشَابِهِ اسْتِعْمَالُهُ لِقَوْلِهِ: «وَقَعَ فِي الْحَرَامِ»، وَالْوَاقِعُ فِي الْحَرَامِ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ سَطْوَةِ الْبَارِي ﷾، كَمَا يُخْشَى عَلَى مَنْ رَعَى فِي حِمَى غَيْرِهِ مِنْ سَطْوَةِ مَالِكِهِ، وَالْحِمَى الْمَحَلُّ الَّذِي يَحْمِيهِ صَاحِبُ الشَّوْكَةِ وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ الرَّعْيِ فِيهِ، وَالْقَصْدُ مِنْ الْحَدِيثِ الدَّلَالَةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْمُتَشَابِهِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى اسْتِعْمَالِ مُحَقَّقِ الْحَمْلِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُتَشَابِهِ بِمَا تَعَارَضَتْ فِيهِ أَدِلَّةُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ أَوْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ أَنَّ الْحَلَالَ مَا اتَّفَقَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى حِلِّهِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فِي تَفْسِيرِ الْحَلَالِ بِأَنَّهُ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ وَلَا حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا جُهِلَ أَصْلُهُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ جَهْلُهُ مِنْ جِهَةِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْفَاكِهَانِيِّ: لَا يَنْبَغِي الْيَوْمَ السُّؤَالُ عَنْ الْأَشْيَاءِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَصْلَهُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ الدَّلِيلِ عَلَى حِلِّهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْحِلُّ حَتَّى يَثْبُتَ دَلِيلُ التَّحْرِيمِ، وَأَمَّا مَا دَلَّ عَلَى حِلِّهِ وَاخْتُلِفَ هَلْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ جَائِزَةٌ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَوْجُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ النَّهْبُ وَالْغَصْبُ وَنَدَرَ فِيهِ الْحَلَالُ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمَّا قَدَّمَ الْأَمْرَ بِأَكْلِ الْحَلَالِ وَكَانَ الْأَمْرُ يَقَعُ بِغَيْرِ الْوَاجِبِ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: (وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ) أَيْ تَنَاوُلَ (الْمَالِ) الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ اخْتِيَارًا (بِالْبَاطِلِ) أَيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي الْحِلَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] وَلِذَلِكَ شَرَعَ اللَّهُ الْبَيْعَ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ الشَّخْصُ إلَى إبَاحَةِ مَالِ غَيْرِهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نَحْوِ السَّمَكِ وَثِمَارِ الْجِبَالِ وَحَيَوَانِهَا الَّذِي يُصَادُ مِنْهَا فَإِنَّ الْجَمِيعَ حَلَالٌ، وَبِالِاخْتِيَارِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالِ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ مَالُ الْغَيْرِ وَلِوُجُوبِ مُوَاسَاةِ الْمُضْطَرِّ، وَيُقَدَّمُ مَالُ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ وَيُقَاتِلُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ لَهُ سَرِقَتُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ وَنَحْوَهُ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ - ﵁ -، وَلَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَسُدُّ جَوْعَتَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ طَلَبِهِ مِنْ مَالِكِهِ وَلَوْ بِالشِّرَاءِ وَيَمْتَنِعُ، وَلَا ثَمَنَ عَلَى الْمُضْطَرِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ. (تَنْبِيهٌ) وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَكْلِ مِمَّا يَمُرُّ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ نَحْوِ الْفُولِ وَالْفَوَاكِهِ وَلَبَنِ الْغَنَمِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَمُحَصِّلُهُ الْجَوَازُ لِلْمُحْتَاجِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَاجِ فَقِيلَ بِالْجَوَازِ وَقِيلَ بِعَدَمِهِ، وَثَالِثُهَا الْجَوَازُ لِلصِّدِّيقِ دُونَ غَيْرِهِ، وَرَابِعُهَا يَجُوزُ فِي اللَّبَنِ دُونَ الْفَوَاكِهِ وَالثِّمَارِ، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمَنْعُ لِعُمُومِ: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُمُومِ، كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْحِسُّ وَالْعِيَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِوَضْعِهِمْ الْحَرَسَ عَلَى نَحْوِ الْفُولِ وَالذُّرَةِ وَسَائِرِ الثِّمَارِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ الْبَاطِلِ الْغَصْبُ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهِ وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ قَهْرًا تَعَدِّيًا بِلَا حِرَابَةٍ. (وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (التَّعَدِّي) وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ تَمَلُّكِ الذَّاتِ، وَمِنْهُ التَّجَاوُزُ عَنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ تَمَلُّكِ الذَّاتِ لِيَمْتَازَ عَنْ الْغَصْبِ. (وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْخِيَانَةُ) وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَأْذُونِ فِي دُخُولِهِ لِلْآخِذِ، كَأَخْذِ الضَّيْفِ أَوْ أَخْذِ الْأَمِينِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي ائْتُمِنَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِيَانَةُ أَنْ يَخُونَ الشَّخْصُ غَيْرَهُ فِي أَمَانَتِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي مَحْرَمِهِ وَتَكُونُ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرَّمَ خِيَانَةَ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا، وَقَدْ تُطْلَقُ الْخِيَانَةُ عَلَى إظْهَارِ مَا خَالَفَ الْوَاقِعَ، كَأَنْ يُظْهِرَ الشَّخْصُ أَنَّهُ عَالِمٌ أَوْ صَالِحٌ أَوْ زَاهِدٌ وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ هَذَا. (وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الرِّبَا) بِالْقَصْرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ كَبَيْعٍ أَوْ إقْرَاضِ دِرْهَمٍ بِاثْنَيْنِ أَوْ النَّسَاءِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ فِي نَقْدٍ وَطَعَامٍ رِبَا فَضْلٍ وَنَسَاءٍ. (وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (السُّحْتُ) وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالرِّشْوَةِ عَلَى إمْضَاءِ الْحُكْمِ وَبِمَا يَأْخُذُهُ الشَّاهِدُ عَلَى شَهَادَتِهِ. وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَهْرُ الْبَغِيِّ وَهُوَ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ يَزْنِي بِهَا، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَثَمَنُ الْكَلْبِ وَالْقِرْدِ وَالسُّؤَالُ لِلتَّكْثِيرِ، وَثَمَنُ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
[أكل الميتة]
وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَمَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَمَا أَعَانَ عَلَى مَوْتِهِ تَرَدٍّ مِنْ جَبَلٍ أَوْ وَقْذَةٍ بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا وَالْمُنْخَنِقَةُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ كَالْمَيْتَةِ وَذَلِكَ إذَا صَارَتْ بِذَلِكَ إلَى حَالٍ لَا حَيَاةَ بَعْدَهُ فَلَا ذَكَاةَ فِيهَا،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْجَاهِ وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِهِ عَلَى شَفَاعَةٍ سَوَاءٌ اشْتَرَطَهُ الشَّافِعُ عَلَى الْمَشْفُوعِ لَهُ أَمْ لَا، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَأْخُذُهُ الْكَبِيرُ مِنْ الْمُسَافِرِينَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَوْفِ إلَى الْأَمْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَحُرْمَةُ السُّحْتِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. فَفِي الْحَدِيثِ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ بِالسُّحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ» . (وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ (الْقِمَارُ) وَهُوَ مَا يَأْخُذُهُ الشَّخْصُ مِنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ الْمُغَالَبَةِ عِنْدَ اللَّعِبِ بِنَحْوِ الطَّابِ أَوْ الْمُسَابِقَةِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ. (وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْغَرَرُ) الَّذِي لَا يَغْتَفِرُهُ الشَّرْعُ وَهُوَ الْكَثِيرُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ كَالشُّرْبِ مِنْ السِّقَاءِ وَدُخُولِ الْحَمَّامِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ كَشِرَاءِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْبَحْرِ وَالْمُزَابَنَةُ كَبَيْعِ الثَّمَرِ بِمِثْلِهِ عَلَى أَصْلِهِ بِالْخَرْصِ. (وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْغِشُّ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ وَالشَّيْنِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ إظْهَارُ خِلَافِ مَا فِي الْوَاقِعِ كَخَلْطِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ لِتَكْثِيرِهِ، وَكَخَلْطِ السَّمْنِ بِمَا يُشْبِهُ لَوْنَهُ لِيَظْهَرَ لِلْغَيْرِ أَنَّ الْجَمِيعَ جَيِّدٌ، وَمِنْ الْغِشِّ الْكِيمْيَاءُ وَوَضْعُ نَحْوِ الْكَتَّانِ فِي النَّدَى لِيَثْقُلَ، وَتَلَطُّخُ الثِّيَابُ بِالنَّشَا، وَسَقْيُ الْحَيَوَانِ الْمَاءَ عِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِهِ بَعْدَ إطْعَامِهِ شَيْئًا مِنْ الْمِلْحِ، وَخَلْطُ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْغِشَّ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ يَكُونُ فِي الْأَدْيَانِ، كَأَنْ يَرَى الشَّخْصُ غَيْرَهُ أَنَّهُ صَالِحٌ أَوْ عَالِمٌ أَوْ زَاهِدٌ وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةً وَهِيَ: لَوْ أَعْطَاك شَخْصٌ شَيْئًا لِوَصْفٍ يَعْتَقِدُهُ فِيك مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ وَأَنْتَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لَك قَبُولُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَطَاءِ عَلَى شَرْطٍ. وَالْغِشُّ حُرْمَتُهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (وَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْخَدِيعَةُ) وَهِيَ لَبَنُ الْكِلَابِ أَوْ تَحْسِينُ الْفِعْلِ لِلْغَيْرِ لِقَصْدِ التَّوَصُّلِ إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ التَّاجِرُ مَعَ مُرِيدِ الشِّرَاءِ. (وَ) مِنْ الْبَاطِلِ أَيْضًا (الْخِلَابَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ هِيَ الْخَدِيعَةُ فَعَطْفُهَا عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى مُرَادِفِهِ الْمُخَالِفِ لَهُ فِي اللَّفْظِ الْمُوَافِقِ لَهُ فِي الْمَعْنَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَنْوَاعَ الْبَاطِلِ لَا خِلَافَ فِي حُرْمَتِهَا، مَنْ اسْتَحَلَّ شَيْئًا مِنْهَا كَفَرَ، وَإِنْ كَانَتْ حُرْمَتُهُ مَعْلُومَةً مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَالٍ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَيَجِبُ رَدُّهُ أَوْ عَرَضُهُ لِرَبِّهِ أَوْ وَارِثِهِ حَيْثُ عَرَفَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْحَرَامِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْغَيْرِ شَرَعَ فِي الْحَرَامِ لِتَحْرِيمِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: [أَكْلَ الْمَيْتَةِ] (وَحَرَّمَ اللَّهُ) ﷿ (أَكْلِ الْمَيْتَةِ) مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَحَقِيقَةُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كُلُّ مَا خَرَجَتْ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ مِمَّا يَفْتَقِرُ إلَيْهَا، وَذَلِكَ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ الْبَرِّيَّةِ وَلَوْ جَرَادَةً تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا، وَأَمَّا لِلضَّرُورَةِ فَيَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ، وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ الْبَحْرِيَّةُ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ فَتَحِلُّ مَيْتَتُهَا بِقَوْلِهِ - ﷺ -: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . (وَ) وَحَرَّمَ اللَّهُ ﷾ (الدَّمَ) الْمَسْفُوحَ الْخَارِجَ مِنْ مَحَلِّهِ وَلَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ أَوْ خَارِجٍ مِنْ الْمُذَكَّى بَعْدَ تَقْطِيعِ لَحْمِهِ لَا مَا بَقِيَ فِي الْعُرُوقِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ مِنْ اللَّحْمِ بِحَالٍ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ كَدَمِ حُوتٍ طُبِخَ أَوْ شُوِيَ مِنْ غَيْرِ تَقْطِيعِهِ، هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ خَلِيلٍ دُونَ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُ شُيُوخِنَا. (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْلَ (لَحْمِ) وَشُرْبَ لَبَنِ (الْخِنْزِيرِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْمُرَادُ الْخِنْزِيرُ الْبَرِّيُّ لِإِبَاحَةِ أَكْلِ خِنْزِيرِ الْمَاءِ وَكَلْبِهِ وَآدَمِيِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ حُرْمَةِ خِنْزِيرِ الْبَرِّ فَقِيلَ لِلتَّعَبُّدِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْغَيْرَةَ. (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ ﷾ أَيْضًا أَكْلَ (مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) هُوَ (مَا ذُبِحَ) أَيْ ذُكِّيَ (لِغَيْرِ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَعُورِضَ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الضَّحَايَا وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَلَى هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَّاهُ نَحْوُ الْمَجُوسِيِّ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَا تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَّاهُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ لَهُمْ وَمَمْلُوكٌ لَهُمْ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] . وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا مُتَنَاوِلٌ حَتَّى لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا ذَكَرَ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ بِأَنْ ذَبَحَ بِاسْمِ الصَّنَمِ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، لِأَنَّ حِلَّ مَا ذَكَّاهُ الْكِتَابِيُّ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَذْكُرَ عَلَيْهِ نَحْوَ اسْمِ الصَّنَمِ. (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ ﷾ أَيْضًا أَكْلَ (مَا أَعَانَ عَلَى مَوْتِهِ تَرَدٍّ) أَيْ سُقُوطٌ. (مِنْ) فَوْقُ نَحْوُ (جَبَلٍ أَوْ) أَعَانَ عَلَى مَوْتِهِ (وَقْذَةٌ) أَيْ ضَرْبَةٌ (بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ حَجَرٍ. (وَ) حَرَّمَ اللَّهُ أَيْضًا (الْمُنْخَنِقَةَ) أَيْ الْمَمْسُوكَةَ بِعُنُقِهَا (بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَكَذَا النَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ شَيْئًا مِنْهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وَلَا بَأْسَ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَيَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا إذَا دُبِغَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُبَاعُ وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَبَيْعِهَا وَيُنْتَفَعُ بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا وَمَا يُنْزَعُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ . (إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ) الشَّخْصُ (إلَى) أَكْلِ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ نَحْوِ الْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ (كَالْمَيْتَةِ) بِغَيْرِ تَرَدٍّ وَنَحْوِهِ. (وَذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ حِلِّهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ. (إذَا صَارَتْ) أَيْ الْمُتَرَدِّيَةُ وَمَا مَعَهَا (بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ التَّرَدِّي وَالْخَنْقِ (إلَى حَالٍ لَا حَيَاةَ) مَرْجُوَّةَ لَهَا (بَعْدَهُ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْفُذَ التَّرَدِّي أَوْ الْخَنْقُ مَقْتَلَهَا بِأَنْ قَطَعَ نُخَاعَهَا أَوْ نَثَرَ دِمَاغَهَا أَوْ حَشْوَتَهَا. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ كَالْمَيْتَةِ قَوْلَهُ: (فَلَا ذَكَاةَ) تَصِحُّ (فِيهَا) وَلَا يُنْظَرَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْحَيَاةِ بَعْدَ إنْفَاذِ مَقْتَلِهَا لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، وَلَا يُقَالُ: الْمَأْيُوسُ مِنْ حَيَاتِهِ تُعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَأْيُوسُ مِنْ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ إنْفَاذِ مَقْتَلٍ تُمْكِنُ حَيَاتُهُ بِصِحَّتِهِ، بِخِلَافِ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ تَسْتَحِيلُ حَيَاتُهُ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمَيِّتِ بِالْفِعْلِ وَالْمَيِّتُ لَا تُعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَافْهَمْ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إذَا صَارَتْ إلَخْ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَصِرْ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ بِأَنْ نُطِحَتْ أَوْ تَرَدَّتْ أَوْ خُنِقَتْ وَلَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلٌ مِنْ مَقَاتِلِهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ ذَكَاتُهَا لِقَوْلِ خَلِيلٍ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إنْ لَمْ يَنْخَعْهَا، وَلَمَّا اُخْتُلِفَ فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ السَّابِقَةِ فِي قَوْله: إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يُؤْذَنَ (لِلْمُضْطَرِّ) وَهُوَ مَنْ وَصَلَ فِي الْجُوعِ إلَى مَا لَا يَسْتَطِيعُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ (أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ) وَيَشْرَبَ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ النَّجِسَةِ سِوَى مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ وَسِوَى الْخَمْرِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ غَيْرَ آدَمِيٍّ وَخَمْرٍ إلَّا لِغُصَّةٍ، وَقَدَّمَ الْمَيِّتَ عَلَى خِنْزِيرٍ وَصَيْدٍ لِمُحْرِمٍ لَا عَلَى لَحْمِهِ، وَأَمَّا مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ فَلَا تُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَكْلَهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَالنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ وَصَحَّحَ أَكْلَهُ أَيْضًا، وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَيَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ، بِخِلَافِ قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، وَفَسَّرْنَا لَا بَأْسَ بِالْإِذْنِ لِوُجُوبِ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ الْمَيْتَةَ لِحِفْظِ حَيَاتِهِ عَلَى إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَلَمَّا جَرَى خِلَافٌ فِي صِفَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ بَيْنَ الْمَشْهُورِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ لَهُ إذَا أَكَلَ الْمَيْتَةَ أَنْ (يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ) إلَى مَحَلٍّ يُظَنُّ فِيهِ وُجُودَ مَا يُغْنِي عَنْهَا مِنْ الْمُبَاحِ وَلَوْ بِالشِّرَاءِ فِي ذِمَّتِهِ. (فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا طَرَحَهَا) وُجُوبًا هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَبِهِ الْفَتْوَى، وَمُقَابِلُهُ يَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ وَهُوَ ضَعِيفٌ حَتَّى اعْتَرَضُوا عَلَى قَوْلِ خَلِيلٍ وَلِلضَّرُورَةِ مَا يَسُدُّ، وَادَّعَوْا بِأَنَّهُ مُصَحَّفُ يُشْبِعُ وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ سَاكِتًا عَنْ التَّزَوُّدِ، فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُوفٍ بِالْمَشْهُورِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ كَمَا يُبَاحُ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ لِجُوعِهِ يُبَاحُ لَهُ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ النَّجِسَةِ لِعَطَشِهِ سِوَى الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لِلْعَطَشِ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَأَمَّا شُرْبُهُ لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ فَيَجُوزُ عَلَى كَلَامِ خَلِيلٍ وَيَحْرُمُ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ. الثَّانِي: قَدْ أَسَلَفْنَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ يُقَدِّمُ طَعَامَ الْغَيْرِ عَلَى الْمَيْتَةِ إنْ لَمْ يَخَفْ الْقَطْعَ، لَكِنْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يُذْهِبُ أَلَمَ الْجُوعِ فَلَا يَشْبَعُ وَلَا يَتَزَوَّدُ وَلَا ثَمَنَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَرَاجِعْ مَا سَبَقَ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ عَدَمُ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا) أَيْ مَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ (إذَا دُبِغَ) بِمَا أَزَالَ الرِّيحَ وَالدُّسُومَةَ وَالرُّطُوبَةَ وَحَفِظَهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَخَّصَ فِيهِ مُطْلَقًا إلَّا مِنْ خِنْزِيرٍ بَعْدَ دَبْغِهِ فِي يَابِسٍ وَمَاءٍ، وَأَمَّا فِي الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَاءَ لَهُ قُوَّةُ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَمَّا الدَّبْغُ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ وَلَوْ بَعْدَ الدَّبْغِ لِشَرَفِ الْآدَمِيِّ وَقَذَارَةِ الْخِنْزِيرِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ عَدَمِ طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» لِحَمْلِهِ عِنْدَنَا عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ لَا الطَّهَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى مُطْلَقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّطْهِيرُ كَاسْتِحَالَةِ الذَّاتِ النَّجِسَةِ، كَانْقِلَابِ الْخَمْرِ خَلًّا، وَالدَّمِ مِسْكًا أَوْ لَبَنًا، وَالنَّجَاسَةِ رَمَادًا عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَالدِّبَاغُ لَا يُحِيلُ الْجِلْدَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا) أَنْ (يُبَاعَ) لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيمَا يُصَلَّى فِيهِ وَمَا يُبَاعُ قَالَ خَلِيلٌ: وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ، وَشُرِطَ لِصَلَاةٍ طَهَارَةُ حَدَثٍ وَخَبَثٍ، وَلَمَّا كَانَ جِلْدُ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ كَجِلْدِ مُبَاحِ الْأَكْلِ بِالذَّكَاةِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ) وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ جَرَاءَةٌ أَيْ شِدَّةٌ عَلَى الِافْتِرَاسِ وَالْعَدَاءِ بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إذَا ذُكِّيَتْ) وَلَوْ بِقَصْدِ أَخْذِ جِلْدِهَا فَقَطْ. (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ عَلَيْهِ فِي (بَيْعِهَا) وَأَوْلَى غَيْرُ الْبَيْعِ مِنْ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ
[ ٢ / ٢٨٦ ]
[شرب الخمر]
مِنْهَا فِي الْحَيَاةِ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُغْسَلَ وَلَا يُنْتَفَعَ بِرِيشِهَا وَلَا بِقَرْنِهَا وَأَظْلَافِهَا وَأَنْيَابِهَا،
وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ،
وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ وَقَدْ أُرْخِصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ.
وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شُرْبَ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَشَرَابُ الْعَرَبِ يَوْمئِذٍ فَضِيخُ التَّمْرِ وَبَيَّنَ الرَّسُولُ - ﵇ - أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ وَكُلُّ مَا خَامَرَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَلَوْ بِوَضْعِ الْمَائِعِ غَيْرِ الْمَاءِ فِيهِ لِطَهَارَتِهِ بِالذَّكَاةِ، وَكَمَا يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ السِّبَاعِ بَعْدَ تَذْكِيَتِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يَجُوزُ بَيْعُ ذَاتِ السِّبَاعِ لِأَخْذِ جُلُودِهَا وَأَعْظَامِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ هِرٌّ وَسَبُعٌ لِلْجِلْدِ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: لَا مَفْهُومَ لِلْجِلْدِ، وَأَمَّا شِرَاءُ السِّبَاعِ لِلَّحْمِ أَوْ لَهُ وَلِلْجِلْدِ فَمَكْرُوهٌ، وَإِذَا ذُكِّيَتْ لِجُلُودِهَا حَلَّ أَكْلُهُ مُطْلَقًا كَلَحْمِهَا أَيْضًا لَكِنْ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَبْعِيضِهَا، وَرَجَّحَ الْأُجْهُورِيُّ التَّبْعِيضَ وَاللَّقَانِيُّ عَدَمَهُ، وَلَمَّا كَانَ شَعْرُ الْمَيْتَةِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُهَا قَالَ: (وَيُنْتَفَعُ) عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ. (بِصُوفِ الْمَيْتَةِ وَشَعْرِهَا) وَوَبَرِهَا وَلَوْ مَيْتَةَ خِنْزِيرٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا أَيْضًا لِلطَّهَارَةِ بِالْجَزِّ، لَكِنْ يَجِبُ الْبَيَانُ عِنْدَ الْبَيْعِ. (وَ) مِثْلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَيْتَةِ (مَا يُنْزَعُ مِنْهَا فِي) حَالِ (الْحَيَاةِ) إنْ جُزَّ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: (وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُغْسَلَ) وُجُوبًا إنْ ظَنَّ عَدَمَ طَهَارَتِهِ وَنَدْبًا عِنْدَ الشَّكِّ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الظَّاهِرِ: وَشَعْرٌ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ إنْ جُزَّتْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تُجَزَّ فَتَكُونُ مُتَنَجِّسَةً لِنَجَاسَةِ مَا اتَّصَلَ بِالْجِلْدِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الصُّوفِ الْمُتَّصِلِ بِالْجِلْدِ، لِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ الْمُبَاشِرُ لِلْجِلْدِ، وَلَمَّا كَانَتْ قَصَبَةُ الرِّيشِ كَبَقِيَّةِ الْعَظْمِ لَيْسَتْ كَالشَّعْرِ قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَنْتَفِعَ بِرِيشِهَا) أَيْ قَصَبَةِ رِيشِهَا أَيْ الْمَيْتَةِ. (وَلَا بِقَرْنِهَا وَلَا أَظْلَافِهَا وَلَا أَنْيَابِهَا) لِنَجَاسَتِهَا وَالْمُرَادُ بِالْأَنْيَابِ الْأَسْنَانُ وَلَوْ مِنْ الْفِيلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ: وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَعَاجٍ وَظُفْرٍ وَقَصَبَةِ رِيشٍ وَجِلْدٍ وَلَوْ دُبِغَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَيْ قَصَبَةٌ إلَخْ لِأَنَّ الرِّيشَ كَالشَّعْرِ فِي طَهَارَتِهِ بِالْجَزِّ، وَلَمَّا وَقَعَ فِي أَنْيَابِ الْفِيلِ غَيْرِ الْمُذَكَّى خِلَافٌ قَالَ: [الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ] (وَكُرِهَ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ) وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ) وَقَدْ قَدَّمَ ذَلِكَ فِي الضَّحَايَا مَعَ مُعْظَمِ مَا ذَكَرَهُ هُنَا (وَكُلُّ شَيْءٍ) نُزِعَ (مِنْ الْخِنْزِيرِ) مِنْ لَحْمٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ عَظْمٍ (حَرَامٍ) لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ سِوَى شَعْرِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ أَرْخَصَ) أَيْ سَهَّلَ الشَّارِعُ (فِي) جَوَازِ (الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ) بَعْدَ جَزِّهِ لِطَهَارَتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعِطْفِ عَلَى الطَّاهِرِ: وَشَعْرٍ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ إنْ جُزَّتْ. (تَنْبِيهٌ) لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ أَجْزَاءِ الْخِنْزِيرِ نَجَاسَتُهُ حَتَّى فِي حَالِ الْحَيَاةِ، لِأَنَّ كُلَّ حَيٍّ طَاهِرٌ وَلَوْ خِنْزِيرًا أَوْ شَيْطَانًا، فَمَنْ حَمَلَ خِنْزِيرًا أَوْ شَيْطَانًا وَصَلَّى بِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. [شُرْبَ الْخَمْرِ] (وَحَرَّمَ اللَّهُ ﷾ شُرْبَ الْخَمْرِ) طَوْعًا بِلَا عُذْرٍ وَبِلَا ضَرُورَةٍ وَبِلَا ظَنِّهِ غَيْرًا. (قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا) سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] وَالرِّجْسُ وَالْخَمْرُ قَوْلُ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الْمُرَادُ بِهِ الْخَمْرُ، وَقَالَ - ﵊ - فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ لِمَنْ قَالَ لَهُ إنَّهَا دَوَاءٌ: «لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ إنَّمَا هِيَ دَاءٌ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ شُرْبِهَا. وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي التَّدَاوِي بِهَا وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَنَا الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ ﷿ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» . (وَ) كَانَ (شَرَابُ الْعَرَبِ) وَلَوْ مِنْ الصَّحَابَةِ (يَوْمئِذٍ) أَيْ يَوْمَ أَوْحَى اللَّهُ إلَى نَبِيّه - ﷺ - بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ (فَضِيخَ التَّمْرِ) وَهُوَ مَا يُهْرَسُ مِنْ التَّمْرِ وَيُجْعَلُ فِي إنَاءٍ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ مَاءٌ وَيُتْرَكُ حَتَّى يَتَخَمَّرَ ثُمَّ يُشْرَبَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ - ﵁ -: «كُنْت سَاقِي الْقَوْمِ حِينَ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ وَمَا شَارِبُهُمْ إلَّا الْفَضِيخُ وَالْبُسْرُ وَالتَّمْرُ» الْحَدِيثَ، وَالْفَضِيخُ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ. (وَبَيَّنَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي أَيْ أَظْهَرَ (الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ(السَّلَامُ أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ) أَيْ غَيَّبَ الْعَقْلَ. (كَثِيرُهُ مِنْ) كُلِّ (الْأَشْرِبَةِ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ يَقْتَضِي أَنَّ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ كَالْحَشِيشَةِ وَحَبِّ الْبَلَاذِرِ وَالدَّاتُورَةِ لَيْسَ مِنْ الْمُسْكِرَاتِ بَلْ مِنْ الْمُفْسِدَاتِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِّ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَسَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَنُوفِيُّ وَابْنُ مَرْزُوقٍ أَنَّهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَامِدَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ الْجَامِدَ إنْ تَحَقَّقَ مِنْ الْإِسْكَارِ فَهُوَ حَرَامٌ، وَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ غَيْرَ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْحَدِيثِ إذْ لَمْ يُقَيَّدْ الْمُسْكِرُ بِالْمَشْرُوبِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ تَغْيِيبِ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْوَاجِبِ حِفْظُهَا كَالْأَدْيَانِ وَالْأَنْسَابِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى شَارِبِ الْمُسْكِرِ الْحَدُّ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ وَإِنْ جَهِلَ وُجُوبَ الْحَدِّ أَوْ الْحُرْمَةَ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، وَوُجُوبُ غَسْلِ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الْعَقْلَ فَأَسْكَرَهُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ فَهُوَ خَمْرٌ وَقَالَ الرَّسُولُ - ﵊ - إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا وَنَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَذَلِكَ أَنْ يُخْلَطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ وَعِنْدَ الشُّرْبِ،
وَنَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ.
وَنَهَى - ﵇ -
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَا أَصَابَ جَسَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ مِنْهُ لِنَجَاسَتِهِ وَتَقَايُئِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا أَثِمَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ قَصْرُ الْخَمْرِ عَلَى مَاءِ الْعِنَبِ قَالَ: (وَكُلُّ مَا خَامَرَ) أَيْ لَابَسَ (الْعَقْلَ فَأَسْكَرَهُ) أَيْ غَيَّبَهُ (مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) وَلَوْ مِنْ الْبِطِّيخِ أَوْ اللَّبَنِ أَوْ الطَّعَامِ الْمَائِعِ (فَهُوَ خَمْرٌ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَاءِ الْعِنَبِ الْمَغْلِيِّ عَلَى النَّارِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّخْمِيرِ وَهُوَ التَّغْطِيَةُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ، وَقِيلَ مِنْ الْمُخَالَطَةِ لِأَنَّهَا تُخَالِطُ الْعَقْلَ فَتُغَيِّبُهُ، وَلِذَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ، وَيُرَادِفُهُ الْمُخَدِّرُ وَالْمُرَقِّدُ بِأَنَّ الْمُسْكِرَ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ. وَالْمُفْسِدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَحَبِّ الْبَلَاذِرِ، وَالْمُرَقِّدُ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ وَالْحَوَاسَّ كَالسَّيْكُرَانِ وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالنَّجَاسَةِ فِي الْمُسْكِرِ وَحُرْمَةِ الْقَلِيلِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْكِرِ فَلَا يَحْرُمُ مِنْهُ إلَّا مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ عَلَى كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِجَوَازِ تَنَاوُلِ مَا قَلَّ مِنْ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ التَّوْضِيحِ لِلْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ حُرْمَةَ حَقِّ الْقَلِيلِ. (وَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ(السَّلَامُ إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا) وَهُوَ الْبَارِي ﷾ (حَرَّمَ بَيْعَهَا) وَإِنْ كَانَتْ حَلَالًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] أَيْ خَمْرًا يُسْكِرُ سُمِّيَتْ بِالْمَصْدَرِ وَهَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِهَا ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] أَيْ الْقِمَارُ، وَالْأَنْصَابُ الْأَصْنَامُ، وَالْأَزْلَامُ أَقْدَاحُ الِاسْتِقْسَامِ رِجْسٌ خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُزَيِّنُهُ، فَاجْتَنِبُوهُ أَيْ الرِّجْسَ الْمُعَبَّرَ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي أَحَدُهَا الْخَمْرُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرُهَا وَمُعْتَصِرُهَا وَشَارِبُهَا وَحَامِلُهَا وَالْمَحْمُولَةُ إلَيْهِ وَسَاقِيهَا وَبَائِعُهَا وَآكِلُ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي وَالْمُشْتَرَاةُ لَهُ» . (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ بَيْعِهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ الْبَائِعِ ذِمِّيًّا فَتُرَدُّ لَهُ، فَإِنْ أَرَاقَهَا الْمُشْتَرِي لَهَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا فَتُرَاقُ عَلَيْهِ بِحَاكِمٍ إنْ كَانَ ثَمَّ حَاكِمٌ يَرَى تَحْلِيلَهَا وَإِلَّا أَرَاقَهَا مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَصِحُّ لَهُ تَمَلُّكُ الْخَمْرِ. الثَّانِي: كَمَا يَحْرُمُ بَيْعُ الْخَمْرِ يَحْرُمُ بَيْعُ الْعِنَبِ لِمَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْرًا، وَيُفْسَخُ إنْ وَقَعَ وَيُرَدُّ لِبَائِعِهِ وَلَوْ مُسْلِمًا، وَمِثْلُهُ كُلُّ مَا عُلِمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَفْعَلُ بِهِ مَا لَا يَحِلُّ كَشِرَاءِ مَمْلُوكٍ لِلْفِعْلِ بِهِ أَوْ خَشَبَةٍ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا نَاقُوسًا أَوْ أَرْضًا لِمَنْ يَعْمَلُهَا كَنِيسَةً. الثَّالِثُ: هَذَا حُكْمُ الْخَمْرَةِ إذَا اسْتَمَرَّتْ عَلَى حَالِهَا، وَأَمَّا لَوْ تَحَجَّرَتْ وَتَخَلَّلَتْ فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَشُرْبُهَا وَيَطْهُرُ إنَاؤُهَا تَبَعًا لَهَا وَلَوْ فَخَّارًا بِغَوَّاصٍ وَلَوْ ثَوْبًا وَيُصَلَّى بِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ، بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمُصَابِ بِالْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ وَلَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نَجَاسَةَ الْخَمْرِ عَارِضَةٌ بِالشِّدَّةِ وَنَجَاسَةُ نَحْوِ الْبَوْلِ أَصْلِيَّةٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَخْلِيلِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى تَخْلِيلِهَا بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ، فَإِنْ قِيلَ: حُكْمُ الْخَبَثِ لَا يُزَالُ إلَّا بِالْمُطْلَقِ. فَالْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الِاسْتِحَالَةَ تَحْصُلُ بِهَا الطَّهَارَةُ أَيْضًا، فَقَوْلُهُمْ: لَا يُرْفَعُ الْحَدَثُ أَوْ حُكْمُ الْخَبَثِ إلَّا بِالْمُطْلَقِ الْحَصْرِ إضَافِيٌّ أَيْ لَا يُرْفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ إلَّا بِالْمُطْلَقِ. فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ عَلَى قَوْلِنَا الِاسْتِحَالَةُ تَحْصُلُ بِهَا الطَّهَارَةُ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَسِ يَزُولُ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ الرَّاجِحَ فِيهِ الْبَقَاءُ عَلَى التَّنْجِيسِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَاءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اسْتِحَالَةُ الدَّمِ كَاسْتِحَالَةِ الدَّمِ مِسْكًا أَوْ لَبَنًا أَوْ الْخَمْرِ خَلًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَافْهَمْ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ قَدْ يَرْتَبِكُ فِي هَذِهِ الْأَبْحَاثِ فَلَا يَجِدُهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى حُرْمَتِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَهُوَ الْخَمْرُ، شَرَعَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِي حُرْمَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَنَهَى) - ﵊ - (عَنْ) تَنَاوُلِ (الْخَلِيطِينَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَذَلِكَ) النَّهْيُ فِي صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا (أَنْ يُخْلَطَا عِنْدَ الِانْتِبَاذِ) بِأَنْ يُفْضَخَ التَّمْرُ وَالْعِنَبُ مَثَلًا وَبَعْدَ هَرْسِهِمَا أَوْ دَقِّهِمَا مَعًا يُصَبُّ عَلَيْهِمَا الْمَاءُ وَيُتْرَكَانِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَاءُ حُلْوًا. (وَ) الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُنْبَذَ وَاحِدٌ عَلَى حِدَتِهِ فِي إنَاءٍ، فَإِذَا خَرَجَ مَاءُ كُلٍّ يُخْلَطَانِ (عِنْدَ الشُّرْبِ) لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «مِنْ نَهْيِهِ - ﵊ - عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ»، وَقَالَ أَيْضًا: «مَنْ شَرِبَ مِنْكُمْ النَّبِيذَ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا» وَاخْتُلِفَ فِي النَّهْيِ فَقِيلَ عَلَى الْحُرْمَةِ لِاحْتِمَالِ تَخَمُّرِ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ مُخَالَطَةِ الْآخَرِ، وَقِيلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ الْكَرَاهَةُ فَإِنَّهُ قَالَ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَشَرَابُ خَلِيطَيْنِ وَمَحَلُّ النَّهْيِ حَيْثُ طَالَ زَمَنُ الِانْتِبَاذِ
[ ٢ / ٢٨٨ ]
[الانتباذ في الدباء والمزفت]
[أكل كل ذي ناب من السباع وأكل لحوم الحمر الأهلية]
عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَدَخَلَ مَدْخَلَهَا لُحُومُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلَا ذَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْهَا.
وَمِنْ الْفَرَائِضِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ فَلْيَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا وَلْيُعَاشِرْهُمَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لَا إنْ قَصُرَ بِحَيْثُ يُقْطَعُ بَعْدَ تَوَقُّعِ الْإِسْكَارِ مِنْهُمَا وَإِلَّا جَازَ، كَمَا يَجُوزُ شُرْبُ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَدْخُلُ فِي شَرَابِ الْخَلِيطَيْنِ مَا يُفْعَلُ لِلْمَرِيضِ مِنْ وَضْعِ الزَّبِيبِ وَالْقُرَّاصِيَّةِ وَالْمِشْمِشِ، وَهَذَا بِخِلَافِ خَلْطِ اللَّبَنِ بِالْعَسَلِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يَقْطَعُ بِعَدَمِ إسْكَارِهِ فَيَجُوزُ. [الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ] (وَنَهَى) - ﵊ - (عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ فِي غَيْرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَهِيَ الْقَرْعُ يُجَفَّفُ حَتَّى يَصِيرَ ظَرْفًا فَيُوضَعُ فِيهِ الزَّبِيبُ وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاء حَتَّى يَصِيرَ حُلْوًا. (وَ) نَهَى أَيْضًا عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْإِنَاءِ (الْمُزَفَّتِ) أَيْ الْمَدْهُونِ بَاطِنُهُ بِالزِّفْتِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمُقَيَّرُ لِدَهْنِهِ بِالْقَارِ الَّذِي هُوَ الزِّفْتُ، وَنَهَى أَيْضًا عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي النَّقِيرِ وَهُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُجْعَلُ ظَرْفًا كَالْقَصْعَةِ، وَنَهَى أَيْضًا عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْحَنْتَمِ وَهُوَ مَا طُلِيَ مِنْ الْفَخَّارِ بِالزُّجَاجِ كَالْأَصْحُنِ الْخُضْرِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَنَا وَالنَّهْيُ وَلَوْ كَانَ الْمُنَبَّذُ فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ شَيْئًا وَاحِدًا، وَأَمَّا تَنْبِيذُ شَيْئَيْنِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ فِي نَحْوِ الصِّينِيِّ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْمَذْكُورَاتِ لِأَنَّ السُّكْرَ شُرِعَ لِمَا فِيهَا لِتَبَادُرِ الْحُمُوضَةِ لِمَا يُوضَعُ فِيهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ انْتِبَاذَ نَحْوِ شَيْئَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي كُلِّ ظَرْفٍ، وَأَمَّا انْتِبَاذُ شَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْهُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ: الدُّبَّاءُ وَالْمُزَفَّتُ وَالْمُقَيَّرُ وَالنَّقِيرُ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَنَبْذٌ بِكَدُبَّاءٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الْمَشْرُوبَاتِ شَرَعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ فَقَالَ: [أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع وَأَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ] (وَنَهَى عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ(السَّلَامُ عَنْ أَكْلِ) شَيْءٍ مِنْ (كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ) وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الِافْتِرَاسِ كَالسَّبُعِ وَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَالذِّئْبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَكْرُوهُ سَبُعٌ وَضَبُعٌ وَثَعْلَبٌ وَذِئْبٌ وَهِرٌّ وَإِنْ وَحْشِيًّا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ، وَكَذَلِكَ دُبٌّ وَنِمْسٌ وَفَهْدٌ وَنَمِرٌ، وَأَمَّا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ فَصَحَّحَ فِي الشَّامِلِ كَرَاهَةَ أَكْلِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِحُرْمَتِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَأَمَّا كَلْبُ الْمَاءِ وَخِنْزِيرُهُ وَآدَمِيُّهُ فَالْمَشْهُورُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْبَحْرِيَّةِ، وَأَمَّا الْقِرْدُ فَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ، وَأَمَّا الْفَأْرُ فَالْمَشْهُورُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ إنْ كَانَ يَأْكُلُ النَّجَاسَةَ، وَأَمَّا فَأَرَ الْغَيْطِ فَمُبَاحٌ لِعَدَمِ تَعَاطِيه النَّجَاسَةَ، وَأَمَّا بِنْتُ عُرْسٍ فَيَحْرُمُ أَكْلُهَا حَتَّى قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَنَهَى إلَخْ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ النَّهْيِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ الْفَتْوَى وَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ، لِأَنَّ خَلِيلًا صَدَّرَ أَوَّلًا بِالْمُحَرَّمِ وَذَكَرَ ثَانِيًا الْمَكْرُوهَ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ فَافْهَمْ: وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ شَرَعَ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَلَى جِهَةِ الْحُرْمَةِ فَقَالَ: (وَ) نَهَى - ﵊ - أَيْضًا تَحْرِيمًا (عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ) أَيْ فِي الْحَالِ لِتَتَنَاوَلَ الْوَحْشِيَّةَ إذَا دُجِّنَتْ وَتَأَنَّسَتْ وَصَارَتْ مُرَوَّضَةً لِلْعَمَلِ عَلَيْهَا كَالْإِنْسِيَّةِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا نَهْيُهُ - ﷺ - يَوْمَ خَيْبَرَ. (وَدَخَلَ مَدْخَلُهَا) أَيْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ بِمَعْنَى شَارَكَهَا فِي حُرْمَةِ الْأَكْلِ (لُحُومُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ) وَبَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎) ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْحَمْلِ وَالْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ: اللَّهُ نَصَّ عَلَى إبَاحَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَأَشَارَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ مُسْتَغْنِيَةٍ عَنْ التَّقْيِيدِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُحَرَّمُ النَّجَسُ وَالْخِنْزِيرُ وَبَغْلٌ وَفَرَسٌ وَحِمَارٌ وَلَوْ وَحْشِيًّا دُجِّنَ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَنْفَعُ فِي الْمُحَرَّمِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا ذَكَاةَ) نَافِعَةً (فِي شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ الْحُمُرِ وَمَا دَخَلَ مَدْخَلَهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا نَافِعَةً لِأَنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تُفِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ لَا مِنْ جِهَةِ الْأَكْلِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الطَّهَارَةِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا تُفِيدُ طَهَارَةَ مَيْتَةٍ فَهُوَ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا فِي الْمُبَاحِ الْأَكْلِ، وَأَمَّا مَكْرُوهُ الْأَكْلِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ السِّبَاعَ إذَا ذُكِّيَتْ لِلَحْمِهَا يُكْرَهُ تَنَاوُلُ لَحْمِهَا وَجِلْدِهَا وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَبْعِيضِ ذَكَاتِهَا لِتَبَعِيَّةِ الْجِلْدِ لِلَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ ذُكِّيَتْ لِلْجِلْدِ فَقَطْ فَكَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ تَبْعِيضِ الذَّكَاةِ، وَأَمَّا عَلَى التَّبْعِيضِ فَيَجُوزُ تَنَاوُلُ الْجِلْدِ وَيَحْرُمُ أَكْلُ اللَّحْمِ، وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مُعْتَبَرًا قَالَ مُسْتَثْنِيًا عَلَى جِهَةِ الِانْقِطَاعِ: (إلَّا فِي الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ) الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى تَوَحُّشِهَا فَإِنَّ الذَّكَاةَ تَنْفَعُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْأَكْلُ وَالطَّهَارَةُ وَحِلُّ الْبَيْعِ، وَأَمَّا لَوْ تَأَنَّسَتْ فَلَا تَنْفَعُ فِيهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْإِنْسِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ كُلِّ سَبُعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ مَحْمُولًا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى غَيْرِ الطَّيْرِ، وَأَمَّا الطَّيْرُ فَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ عِنْدَهُ سِوَى مَا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْتِي قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ (بِأَكْلِ) لَحْمِ (سِبَاعِ الطَّيْرِ وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْهَا) وَلَوْ جَلَّالَةً مُلَازِمَةً لِأَكْلِ النَّجَاسَاتِ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ
[ ٢ / ٢٨٩ ]
[بر الوالدين]
بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُطِعْهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷾.
وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ وَعَلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَلَى الْمُبَاحِ: وَطَيْرٌ وَلَوْ جَلَّالَةً وَذَا مِخْلَبٍ كَالْحِدَأَةِ وَالْبَازِي، وَالْمِخْلَبُ الظُّفْرُ الَّذِي يَعْقِرُ بِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَائِرَ الطُّيُورِ مُبَاحَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ كَإِبَاحَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْوَحْشِيَّةِ الَّتِي لَا تَفْتَرِسُ، كَيَرْبُوعٍ وَخُلْدٍ وَوَبَرٍ وَأَرْنَبٍ وَقُنْفُذٍ وضربوب وَحَيَّةٍ أُمِنَ سُمُّهَا وَسَائِرُ حَشَائِشِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا سِوَى مَا نُنَبِّهُ عَلَيْهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْوَطْوَاطَ الْمَشْهُورُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ وَمِثْلُهُ هُدْهُدُ سُلَيْمَانَ، لِغَلَبَةِ أَكْلِ الْأَوَّلِ لِلنَّجَاسَةِ وَأَمَّا الثَّانِي فَكَذَلِكَ وَلِأَنَّهُ كَانَ رَسُولًا لِسُلَيْمَانَ - ﵊ -. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ مُسَاوَاةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِكَلَامِ خَلِيلٍ، وَعُلِمَ أَنَّ غَيْرَ الطَّيْرِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْبَرِّيَّةِ مِنْهَا الْمُحَرَّمُ وَمِنْهَا الْمَكْرُوهُ وَمِنْهَا الْمُبَاحُ، وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ الْبَحْرِيَّةُ فَجَمِيعُهَا مُبَاحٌ وَلَوْ كَلْبًا وَخِنْزِيرًا وَآدَمِيًّا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يُفْتَرَضُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ مُبْتَدِئًا بِالْوَالِدَيْنِ فَقَالَ: [بِرُّ الْوَالِدَيْنِ] (وَمِنْ الْفَرَائِضِ) الْعَيْنِيَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ الْإِحْسَانُ إلَيْهِمَا (وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) بِغَيْرِ الشِّرْكِ بَلْ (وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ) لِلْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالْحُقُوقُ لَا تَسْقُطُ بِالْفِسْقِ وَلَا بِالْمُخَالَفَةِ فِي الدِّينِ، فَيَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوَصِّلَ أَبَاهُ الْكَافِرَ إلَى كَنِيسَتِهِ إنْ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ بِنَفْسِهِ لِنَحْوِ عَمًى كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُمَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي أَعْيَادِهِمَا لَا مَا يَصْرِفَانِهِ فِي نَحْوِ الْكَنِيسَةِ أَوْ يَدْفَعَانِهِ لِلْقِسِّيسِ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْفَرِيضَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ قَوْلَهُ: (فَلْيَقُلْ لَهُمَا) أَيْ لِلْوَالِدَيْنِ (قَوْلًا لَيِّنًا) أَيْ لَطِيفًا دَالًّا عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] قَالَ الْمُفَسِّرُ: أَيْ وَرَحِمَانِي صَغِيرًا، وَيُجْتَنَبُ غَلِيظُ الْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِنَفْرَتِهِمَا مِنْهُ وَيُنَادِيهِمَا بِيَا أُمِّي وَيَا أَبِي، وَلْيَقُلْ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا بِأَنْ يُعَلِّمَهُمَا مَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهِ مِنْ الِاعْتِقَادِيَّات وَمِنْ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ إنْ احْتَاجَا إلَيْهَا، دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ مُجْتَهِدِي الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ نَحْوُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «سَأَلْت النَّبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا، قُلْت: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» . وَقَالَ - ﵊ -: «أَبَرُّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ وُدَّ أَبِيهِ» . وَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ بِرِّهِمَا وَحُرْمَةِ عُقُوقِهِمَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» . وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ مَنْ فَاتَهُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا أَنْ يُصَلِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهُمَا اسْتَغْفِرْ اللَّهَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِرَّهُمَا بِذَلِكَ» . (وَلْيُعَاشِرْهُمَا بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ الشَّرْعِ جَوَازُهُ، فَيُطِيعُهُمَا فِي فِعْلِ جَمِيعِ مَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ وَفِي تَرْكِ مَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ. (وَلَا يُطِعْهُمَا) بِالْجَزْمِ لِحَذْفِ الْيَاءِ (فِي) مَا يَأْمُرَانِهِ بِهِ مِنْ فِعْلِ (مَعْصِيَةٍ) وَالْمُرَادُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إطَاعَتُهُمَا لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمَعْرُوفِ (كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] وَكَمَا قَالَ - ﷺ -: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ بِرُّهُمَا بِالْقَوْلِ وَالْجَسَدِ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَلَا يُجَاذِبُهُمَا فِي الْمَشْيِ، فَضْلًا عَنْ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ نَحْوَ ظَلَامٍ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمَا لَا يَجْلِسُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِذَا قَعَدَ لَا يَقُومُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَلَا يَسْتَقْبِحُ نَجْوَهُمَا نَحْوَ الْبَوْلِ عِنْدَ كِبَرِهِمَا أَوْ مَرَضِهِمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَذِيَّتِهِمَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُطِعْهُمَا فِي مَعْصِيَةٍ أَنَّهُ يُطِيعُهُمَا فِي فِعْلِ الْمَكْرُوهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَيُطِيعُهُمَا فِي تَرْكِ الْمَسْنُونَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ رَاتِبَةً وَيَأْمُرَانِهِ بِتَرْكِهَا عَلَى الدَّوَامِ كَالْفَجْرِ وَالْوِتْرِ فَلَا تَجِبُ إطَاعَتُهُمَا عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْإِطَاعَةَ فِي تَرْكِ مَا ذُكِرَ لَا تُوجِبُ مَعْصِيَةً وَلَا يَلْحَقُهُ بِهَا مَضَرَّةٌ، وَلَيْسَ مِنْ الْإِطَاعَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ إطَاعَتُهُمَا فِي الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِ النَّفْلِ لِاسْتِثْنَاءِ الْعُلَمَاءِ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْفِطْرِ فِيهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. قَالَ مَالِكٌ: لَوْ صَامَ تَطَوُّعًا وَأَجْهَدَهُ الْعَطَشُ وَعَزَمَا عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيُطِعْهُمَا وَلَا يُطِعْ غَيْرَهُمَا وَلَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَقَضَاءٌ فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ الْحَرَامِ وَلَوْ بِطَلَاقِ بَتٍّ إلَّا لِوَجْهٍ كَوَالِدٍ وَشَيْخٍ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفَا أَيْ فَلْيُفْطِرْ لِأَجْلِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ مَالِكٍ: أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ الْإِجْهَادُ الَّذِي لَيْسَ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
[الاستغفار للوالدين]
مُوَالَاةُ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّصِيحَةُ لَهُمْ
وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ كَذَلِكَ رُوِيَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالْقَوِيِّ، وَإِلَّا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى أَمْرِهِمَا كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَبِهَذَا وَافَقَ ظَاهِرَ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي عَدَمِ تَقْيِيدِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدُوا كَلَامَهُ بِكَوْنِ أَمْرِهِمَا لَهُ بِالْفِطْرِ عَلَى وَجْهِ الرَّأْفَةِ وَالشَّفَقَةِ مِنْ ضَرَرِ إدَامَةِ الصَّوْمِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْوَالِدَيْنِ خُصُوصُ الْأَبِ وَالْأُمِّ دُونَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِ الطُّرْطُوشِيِّ: لَمْ أَجِدْ نَصًّا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْأَجْدَادِ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ الْآبَاءِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ قَائِلًا: الَّذِي عِنْدِي هَذَا، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ لُزُومُ بِرِّ الْأَجْدَادِ، وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ الْجَدِّ فِي ابْنِ ابْنِهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا لَا يُشَكُّ مَعَهُ فِي قَصْدِهِ قَتْلَهُ كَالْأَبِ سَوَاءً، وَأَقُولُ تَقْيِيدُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ لِلْأَبَوَيْنِ بِدَنِيَّةٍ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ. وَفِي بَابِ الصَّوْمِ إذَا أَمَرَاهُ بِالْفِطْرِ، وَفِي الْجِهَادِ إذَا مَنَعَاهُ مِنْ الْجِهَادِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، يُوَافِقُ كَلَامَ الطُّرْطُوشِيِّ مِنْ عَدَمِ مُسَاوَاةِ الْجَدِّ لِلْأَبِ، وَلَا يَشْكُلُ تَسْوِيَةُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ لِفَظَاعَةِ أَمْرِ الْقِصَاصِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: وَقَعَ الِاضْطِرَابُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي بِرِّهِمَا هَلْ هُوَ عَلَى السَّوَاءِ أَوْ عَلَى التَّفَاوُتِ، فَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّسَاوِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّفَاوُتِ فَيَكُونُ فِي حَقِّ الْأُمِّ أَكْثَرُ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ فِي النَّفَقَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لَهُمَا وَلَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا فَيُنْفِقُ عَلَى الْأُمِّ وَلَا يَظْهَرُ عِنْدِي لِلْخِلَافِ ثَمَرَةٌ فِي الِاحْتِرَامِ وَالْإِجْلَالِ بِالْقَوْلِ وَالْقَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الِاسْتِغْفَار لِلْوَالِدَيْنِ] (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ (عَلَى الْمُؤْمِنِ) الْمُكَلَّفِ (أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ) أَيْ يَطْلُبَ مِنْ رَبِّهِ الْمَغْفِرَةَ لَهُمَا امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِالدُّعَاءِ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ وَعَدَّ مِنْهَا دُعَاءَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ» . وَكَمَا يَنْتَفِعُ بِالدُّعَاءِ لَهُ يَنْتَفِعُ بِالصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي انْتِفَاعِهِ بِالْقِرَاءَةِ لَهُ وَرَجَّحَ بَعْضٌ انْتِفَاعَهُ بِهَا، فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُهَا سَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى قَبْرِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ حَتَّى تَصِحَّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا وَتَلْزَمُ، وَقَيَّدَ بَعْضٌ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ أَوَّلَ ذَلِكَ دُعَاءً، وَإِلَّا انْتَفَعَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ إلَى فُلَانٍ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى نَفْعِ الدُّعَاءِ، وَمَفْهُومُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارُ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِآيَةِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ - ﷺ - لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَلَوْ لِلْأَبَوَيْنِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ خِلَافٌ فِي اسْتِغْفَارِهِ لِلْأَبَوَيْنِ حَالَ حَيَاتِهِمَا إذْ قَدْ يُسْلِمَانِ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ لِأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَحْصُلُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ فِي عُمُرِهِ مَعَ قَصْدِ أَدَاءِ الطَّالِبِ، كَمَا تَكْفِي الْمَرَّةُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ لِخُصُوصِ أَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنَيْنِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِبَقِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ. (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنَّهُ يَجِبُ (عَلَيْهِ مُوَالَاةُ) أَيْ مُوَادَّةُ إخْوَانِهِ (الْمُؤْمِنِينَ) لِحَدِيثِ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَالْمُرَادُ بِمُوَالَاتِهِمْ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُمْ، وَاجْتِنَابُ مَا يُوجِبُ الْمُنَافَرَةَ مِنْ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمُوَالَاتِهِمْ الِاجْتِمَاعُ بِالْأَبْدَانِ الْعَارِي عَنْ الْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِينَ الْجَانِبِ الْمَعْرُوفِ بِالتَّوَاضُعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ كَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ وَالْوَالِدِ، وَحَرَامٌ كَالتَّوَاضُعِ لِأَهْلِ النَّارِ وَالظُّلْمِ وَالْكِبْرِ لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِهَؤُلَاءِ هُوَ الذُّلُّ الَّذِي لَا عِزَّ مَعَهُ وَالْخِسَّةُ الَّتِي لَا رِفْعَةَ مَعَهَا، وَمَنْدُوبٌ كَالتَّوَاضُعِ لِعِبَادِ اللَّهِ سِوَى مَنْ ذُكِرَ، وَمَفْهُومُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَجُوزُ مُوَالَاتُهُمْ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] بَلْ نَقْصِدُهُمْ بِالسُّوءِ وَنُقَاتِلُهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ إنْ كَانُوا جَاهِلِيِّينَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لِحُرْمَةِ أَذِيَّةِ الذِّمِّيِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ صَنَعَ الذِّمِّيُّ وَلِيمَةً لِخِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَدَعَا الْمُسْلِمَ فَقِيلَ يُجِيبُهُ وَقِيلَ لَا. (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْضًا (النَّصِيحَةُ لَهُمْ) أَيْ لِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِإِرْشَادِهِمْ إلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ لَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِهَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ
[ ٢ / ٢٩١ ]
[حقيقة الإيمان]
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ وَيَعُودَهُ إذَا مَرِضَ وَيُشَمِّتَهُ إذَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» . فَالنَّصِيحَةُ لِلَّهِ أَنْ يَصِفَهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ سَائِرِ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ لَهُ وَيُنَزِّهَهُ عَنْ سَائِرِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَبِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَيُحْيِيَ سُنَّتَهُ بِتَعْلِيمِهَا لِلنَّاسِ وَيُحَافَظَ عَلَى شَرِيعَتِهِ بِالْعَمَلِ بِهَا. وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ أَنْ يَتَأَوَّلَهُ بِتَأْوِيلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيَمْتَثِلَ أَوَامِرَهُ وَيَجْتَنِبَ نَوَاهِيَهُ وَيَتْلُوَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مَعَ السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ. وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِمْ وَقَوَانِينِهِمْ الْمُوَافَقَةِ لِلشَّرْعِ مِنْ الْمَوَازِينِ وَالْمَكَايِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ يُبَلِّغَ لَهُمْ أُمُورَ الْعَامَّةِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجَوْرِ، وَهَذَا إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ ذَلِكَ. وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُعَامَلَتُهُمْ بِالصِّدْقِ فَلَا يَغُشَّهُمْ وَلَا يَكْذِبَ عَلَيْهِمْ. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّصِيحَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَةٌ سَوَاءٌ طَلَبُوا ذَلِكَ أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ. قَالَ الشَّاذِلِيُّ: وَبِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَقُولُ: فَمَنْ رَأَى شَخْصًا لَا يُحْسِنُ الْوُضُوءَ أَوْ الصَّلَاةَ أَوْ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ دِينِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْشَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ جَاهِلًا يُعَلِّمُهُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا يَنْصَحُهُ لِفِعْلِ الصَّوَابِ بِالزَّجْرِ عَنْ هَذَا الْفِعْلِ الْبَاطِلِ، وَتَكُونُ النَّصِيحَةُ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ وَالرِّفْقِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى قَبُولِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا هُوَ كَالتَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: [حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ] (وَلَا يَبْلُغُ أَحَدٌ) كَمَالَ (حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ) قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ (حَتَّى يُحِبَّ) بِالنَّصْبِ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ (لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ) مِنْ الْخَيْرِ مِثْلَ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) إذْ عَيْنُهُ مُحَالٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ عَيْنُهُ فِي مَحَلَّيْنِ. (كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ لَوْ قَالَ: لِقَوْلِهِ - ﷺ - بِصِيغَةِ الْجَزْمِ لِأَنَّ صِيغَةَ رُوِيَ وَذَكَرَ تُشْعِرُ بِالتَّمْرِيضِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ الْمَرْوِيِّ مَا فِي مُسْلِمٍ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ: لَا يَكْمُلُ إيمَانُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَتَكُونُ الْمَحَبَّةُ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَيَبْغَضُ لَهُ مِثْلُ مَا يَبْغَضُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْإِيمَانِ اكْتِفَاءً بِذَكَرِ ضِدِّهِ عَلَى حَدِّ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أَيْ وَالْبَرْدَ، أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُبَّ الشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِبُغْضِ نَقِيضِهِ، وَبِقَوْلِنَا مِنْ الْخَيْرِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ انْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَطْءَ حَلِيلَتِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ وَطْأَهَا مَعَ كَوْنِهَا حَلِيلَتَهُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ، وَالِانْدِفَاعُ بِوَجْهَيْنِ: التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْخَيْرِ فِي الرِّوَايَةِ، وَثَانِيهمَا أَنَّ كَامِلَ الْإِيمَانِ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ لِحُرْمَتِهِ، نَعَمْ التَّعْبِيرُ بِأَخِيهِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَيُحِبُّ لِلْكَافِرِ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَسَائِرُ الْكَمَالَاتِ الدِّينِيَّةِ كَمَا يُحِبُّهَا لِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بِالْهِدَايَةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْمُلُ إيمَانُ الشَّخْصِ إلَّا إذَا أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَهَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ النَّاسِ عِلْمًا وَوَرَعًا وَزُهْدًا، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِثْلَهُ فِي أَوْصَافِ الْخَيْرِ بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا أَمْرٌ سَهْلٌ عَلَى أَصْحَابِ الْقُلُوبِ، وَإِنَّمَا يَعْسُرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْمُلْ إيمَانُهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِثْلِيَّةِ الْمُشَارَكَةُ فِي أَوْصَافِ الْكَمَالِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِكَفِّ الْأَذَى وَالْحَسَدِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «اُنْظُرْ مَا تُحِبُّ أَنْ يَصْنَعَهُ غَيْرُك مَعَك اصْنَعْهُ مَعَهُ» وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لِلْأَحْنَفِ: مِمَّنْ تَعَلَّمْت الْحِلْمَ؟ قَالَ: مِنْ نَفْسِي، قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كُنْت إذَا كَرِهْت شَيْئًا مِنْ غَيْرِي لَمْ أَفْعَلْ بِأَحَدٍ مِثْلَهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَحْصُلُ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ أَرْكَانٌ أُخَرُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ ذِكْرَ الْمَحَبَّةِ مُبَالَغَةٌ لِأَنَّهَا الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ لِلْإِيمَانِ الْكَامِلِ نَحْوَ الْحَجُّ عَرَفَةَ، أَوْ هِيَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِبَقِيَّةِ أَرْكَانِهِ، وَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ الْمَيْلُ إلَى مَا يُوَافِقُ الْمُحِبَّ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَيْلُ الِاخْتِيَارِيُّ دُونَ الطَّبِيعِيِّ، إذْ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى تَحْصِيلِهِ، كَمَيْلِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ أَوَرَعَ أَوْ أَعْلَمَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ بِمَحَبَّةِ أَخِيهِ عَنْ مَحَبَّةِ الرَّسُولِ - ﵊ - فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي وُجُودِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ. (وَ) مِنْ الْفَرَائِضِ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْضًا (أَنْ يَصِلَ) أَيْ يَزُورَ (رَحِمَهُ) أَيْ قَرَابَتَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ بَعُدُوا سَوَاءٌ الْوَارِثُ وَغَيْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَكُون الصِّلَةُ بِالزِّيَارَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَبِبَذْلِ الْمَالِ وَبِالْقَوْلِ الْحَسَنِ، وَبِالسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ وَالصَّفْحِ عَنْ زَلَّاتِهِمْ وَبِالْمَعُونَةِ لَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُسْلِمِ لَهُمْ إلَّا بِرَّ وَالِدَيْهِ، وَأَمَّا الصِّلَةُ وَمَا شَابَهَهَا مِمَّا يَسْتَدْعِي كَثْرَةَ التَّرَدُّدِ وَمَحَبَّةَ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ فَلَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَالصِّلَةُ بِالزِّيَارَةِ إنَّمَا تَكُونُ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْ مَحَلِّ أَرْحَامِهِ، وَأَمَّا بَعِيدُ الْمَحَلِّ فَتَكُونُ زِيَارَتُهُ بِالْكُتُبِ إلَيْهِ أَوْ إرْسَالِ الرَّسُولِ، دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ صِلَةِ
[ ٢ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَرْحَامِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» . وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّةِ صِلَةِ الرَّحِمِ، مَنْ تَرَكَهَا يَكُونُ عَاصِيًا، وَيَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ وَصَلَكَ أَوْ قَطَعَكَ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَيْسَ الْمُوَاصِلُ مِنْ يَصِلُ مَنْ وَصَلَهُ وَإِنَّمَا الْمُوَاصِلُ مِنْ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، لِأَنَّ مُوَاصِلَ الْمُوَاصِلِ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ يَكُونُ رَحِمُهُ يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُحِبُّ أَنْ يَصِلَهُ وَيَتَضَرَّرُ مِنْ حُضُورِهِ لَهُ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي بَعْضِ الْأَغْنِيَاءِ لَا يُحِبُّونَ مِنْ أَرْحَامِهِمْ الْفُقَرَاءِ الْقُرْبَ إلَيْهِمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلَبُ مِنْ الْقَرِيبِ الْفَقِيرِ صِلَتُهُمْ، وَلَا شَكَّ فِي إثْمِ الْغَنِيِّ بَلْ هُوَ اللَّئِيمُ، لِأَنَّهُ الَّذِي إذَا اسْتَغْنَى يَجْفُو قَرَابَتَهُ الْفُقَرَاءَ وَيُنْكِرُ نِسْبَتَهُمْ إلَيْهِ. وَفِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ فَوَائِدُ، مِنْهَا: أَنَّهَا تُطِيلُ فِي الْعُمُرِ وَتَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَتَدْعُو لِمَنْ يَصِلُهَا، فَفِي الصَّحِيحِ: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ وَصَلَ اللَّهُ مَنْ وَصَلَهَا وَقَطَعَ اللَّهُ مَنْ قَطَعَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي عُمُرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» وَيُنْسَأَ مِنْ النُّسَأِ فَهُوَ بِالْهَمْزِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ - ﷺ -: «الرَّحِمُ حُجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي» وَشُجْنَةٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا فِي أُصُولٍ كَثِيرَةٍ، وَفِي الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ فِي إدْرَاكِ الْحَقِيقَةِ لِلسُّيُوطِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ حُجْنَةٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ. وَفِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحِمِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ وَحُكِيَ الْفَتْحُ أَيْضًا، وَأَصْلُهَا اشْتِبَاكُ الْعُرُوقِ وَالْأَغْصَانِ. وَفِي النِّهَايَةِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحِمِ أَيْ قَرَابَةٌ مُشْتَبِكَةٌ كَاشْتِبَاكِ الْعُرُوقِ وَشِبْهِهَا فَهُوَ مَجَازٌ، لِأَنَّ الشُّجْنَةَ فِي الْأَصْلِ شُعْبَةٌ مِنْ غُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ، وَبِضَبْطِ السُّيُوطِيّ الْتَبَسَ الْحَقُّ عِنْدِي هَلْ شُجْنَةٌ بِالشِّينِ أَوْ بِالْحَاءِ وَالْجِيمِ يُحَرَّرُ. وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ قِيلَ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ عَنْ حُصُولِ الْبَرَكَةِ فِيهِ، وَكَمَا تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي الْعُمُرِ كَذَلِكَ الصَّدَقَةُ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَبِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَقِيته مِنْ الْأُمَّةِ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ - لِأَنَسٍ: «أَلَا أُعَلِّمُك ثَلَاثَ خِصَالٍ تَنْتَفِعُ بِهَا؟ فَقُلْت: بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ لَقِيت مِنْ أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمُرَك، وَإِذَا دَخَلْت بَيْتَك فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِك، وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ مِنْ الرَّأْسِ عَلَى الدَّوَامِ» لِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ عَلَى ذَلِكَ تَحْفَظُ مِنْ الْبِلَى وَتُطِيلُ مِنْ الْعُمُرِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْصُلُ طُولُ الْعُمُرِ بِفِعْلِ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهَا، وَالزِّيَادَةُ فِي الْعُمُرِ بِالْمَذْكُورَاتِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وَأَنْ تَكُونَ مَعْنَوِيَّةً بِأَنْ يُبَارِكَ فِي عُمُرِهِ بِحَيْثُ يَعْمَلُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَوَازُ الدُّعَاءِ بِطُولِ الْعُمْرِ وَعَدَمُ جَوَازِهِ وَالْحَقُّ الْجَوَازُ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْعُمْرَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَبِاعْتِبَارِ مَا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ وُجُوبِ مُوَالَاةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُلَازَمَةُ فِي كُلِّ زَمَنٍ بَيَّنَ هُنَا الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ) الثَّابِتِ لَهُ (عَلَى) أَخِيهِ (الْمُؤْمِنِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ) بِأَنْ يَبْدَأَهُ بِالسَّلَامِ، وَإِنَّمَا وَصَفْنَا الْحَقَّ بِالثَّابِتِ دُونَ الْوَاجِبِ، لِأَنَّ الْأُمُورَ الْآتِيَةَ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالتَّشْمِيتِ وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ قَدْ تَكُونُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَكَذَلِكَ السَّلَامُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْهُجْرَانِ الْمُحَرَّمِ يَكُونُ وَاجِبًا وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ يَكُونُ سُنَّةً فَلَا تَتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْحَقِّ الْوُجُوبَ مُطْلَقًا، وَإِذَا سَلَّمَ الْمُؤْمِنُ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ خَالِيًا مِنْ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْحَسَدِ حَتَّى يَكُونَ مُوَالِيًا لَهُ. (وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ (يَعُودَهُ) أَيْ يَزُورَهُ وَيَقُومَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ (إذَا مَرِضَ) وَالْمَطَالِبُ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً الْقَرِيبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَصْحَابُهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ أَصْحَابٌ فَأَهْلُ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ تَرَكُوا جَمِيعًا عَصَوْا لِأَنَّ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْغَيْرِ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ، وَتَكُونُ الْعِيَادَةُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا كُنَّ مِنْ الْمَحَارِمِ لَهُ، وَتَكُونُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَقِيلَ بِطَلَبِهَا لَيْلًا فِي الشِّتَاءِ وَنَهَارًا فِي الصَّيْفِ لِشِدَّةِ تَأَذِّي الْمَرِيضِ لِطُولِ اللَّيْلِ فِي الشِّتَاءِ وَلِطُولِ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِمَنْ يَشْتَدُّ بِهِ الْمَرَضُ، وَإِلَّا فَقَدْ تَجِبُ فِي كُلَّ وَقْتٍ وَتُشْرَعُ لِكُلِّ مَرِيضٍ وَلَوْ أَرْمَدَ، وَخَبَرُ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُعَادُونَ: صَاحِبُ الضِّرْسِ وَصَاحِبُ الرَّمَدِ وَصَاحِبُ الدُّمَّلِ» ضَعَّفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ، فَالصَّوَابُ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ فِي الرَّمَدِ أَنْ يُعَادَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلزَّائِرِ مُطْلَقًا أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُ عَلَى وَجْهٍ وَفِي وَقْتٍ يَرْضَاهُ الْمَرِيضُ وَيَأْنَسُ بِهِ، فَلَا يَزُورُهُ فِي وَقْتٍ يُكْرَهُ زِيَارَتُهُ فِيهِ كَوَقْتِ اشْتِغَالِهِ بِعِبَادَةٍ، أَوْ يَكُونُ نَحْوُ زَوْجَتِهِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ يَرْتَاحُ مَعَهَا أَكْثَرَ، وَفِي الْعِيَادَةِ ثَوَابٌ عَظِيمٌ، فَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزُلْ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ حَتَّى يَجْلِسَ فَإِذَا جَلَسَ يُغْمَسُ فِيهَا» . وَيُطْلَبُ مِنْ الزَّائِرِ أُمُورٌ يَحْصُلُ لَهُ بِهَا كَمَالُ الْأَجْرِ، مِنْهَا: قِلَّةُ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ، وَإِظْهَارُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَقِلَّةُ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ لَهُ
[ ٢ / ٢٩٣ ]
عَطَسَ وَيَشْهَدَ جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ وَيَحْفَظَهُ إذَا غَابَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَلَا يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَالسَّلَامُ يُخْرِجُهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَأَنْ يَجْلِسَ عِنْدَهُ بِخُشُوعٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي عَوْرَةِ مَنْزِلِهِ، وَأَنْ يُبَشِّرَ بِالْمَثُوبَاتِ لِلْمَرِيضِ. وَمِنْ أَدْعِيَتِهِ - ﷺ - لِلْمَرِيضِ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إذَا زَارَ مَرِيضًا أَوْ أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ قَالَ فِي دُعَائِهِ: أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» أَيْ لَا يَتْرُكُ سَقَمًا، وَقَالَ أَيْضًا - ﵊ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك إلَّا شَفَاهُ اللَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَضَرَ أَجَلُهُ» هَذَا مُحَصَّلُ مَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ الْأَجْرِ لِلزَّائِرِ، وَأَمَّا مَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ أَجْرِ الْمَرَضِ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَاضَ كَفَّارَاتٌ لِلذُّنُوبِ، فَهِيَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ فِي مَرَضِهِ، فَلَا يُضَيِّعُهَا بَلْ يَأْتِي بِصَلَاتِهِ وَلَوْ مِنْ جُلُوسٍ أَوْ اضْطِجَاعٍ، وَأَنْ يُكْثِرَ الرَّجَاءَ، وَلَا يَقْنَطَ مِنْ عَفْوِ رَبِّهِ، وَلَا يُكْثِرَ الشَّكْوَى إلَّا عِنْدَ صَالِحٍ تُرْتَجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ، وَأَنْ لَا يَنْطِقَ لِسَانُهُ بِالْكَلَامِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي فِي حَقِّ الْبَارِي، بَلْ يُلَاحِظُ أَنَّهُ الْمَالِكُ لِلْعِبَادِ يَفْعَلُ فِيهِمْ كَيْفَ شَاءَ، فَإِنْ خَفَّفَ فَبِمَحْضِ فَضْلِهِ، وَإِنْ شَدَّدَ فَبِعَدْلِهِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الشَّافِيَ هُوَ اللَّهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ حَكِيمٌ يُدَاوِيه، لِأَنَّ الْمُدَاوِيَ حَقِيقَةً هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْمَرَضَ، وَجَوَازُ التَّدَاوِي لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى اللَّهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ مِنْ قَوْلِ الصُّوفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. فَقَدْ كَانَ - ﷺ - يَتَعَاطَى لِأَسْبَابِ التَّدَاوِي مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللَّهِ ﷾. (وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَنْ (يُشَمِّتَهُ إذَا عَطَسَ) إذَا سَمِعَهُ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِتْيَانَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِسَمَاعِهِ تَشْمِيتَ غَيْرِهِ لَهُ مَثَلًا، وَجَرَى خِلَافٌ فِي تَنْبِيهٍ عَلَى الْحَمْدِ إذَا تَرَكَهُ لِيُشَمِّتَهُ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ الصَّوَابَ تَنْبِيهُهُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَنْبِيهِ الْإِمَامِ عَلَى مَا يُطْلَبُ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى فِعْلِ مَطْلُوبٍ، وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ التَّشْمِيتِ فَرَجَّحَ بَعْضٌ وُجُوبَهُ كِفَايَةً، وَرَجَّحَ بَعْضٌ سُنِّيَّتَهُ كِفَايَةً، وَحَقِيقَتُهُ الدُّعَاءُ لَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ حَالَةِ الْعُطَاسِ لِأَنَّهَا حَالَةٌ كَرِيهَةٌ شَبِيهَةٌ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَأَقَلُّ الدُّعَاءِ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ وَيُشَمِّتُهُ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي الْعُطَاسِ، وَالتَّشْمِيتُ يُقَالُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ بِالْمُهْمَلَةِ جَعَلَك اللَّهُ عَلَى سَمْتٍ حَسَنٍ، وَبِالْمُعْجَمَةِ أَبْعَدَ اللَّهُ عَنْك الشَّمَاتَةَ بِأَنْ أَعَادَك إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى، وَعَطَسَ مِنْ بَابِ ذَهَبَ وَنَصَرَ. (وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ (يَشْهَدَ) أَيْ يَحْضُرَ (جِنَازَتَهُ إذَا مَاتَ) لِأَجَلِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَمُوَارَاتِهِ، لِأَنَّ تَجْهِيزَ الْأَمْوَاتِ وَالْقِيَامَ بِأُمُورِهِمْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. (وَ) مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَنْ (يَحْفَظَهُ إذَا غَابَ) لِوُجُوبِ حِفْظِهِ عَلَيْهِ (فِي السِّرِّ) أَيْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَلَا يُؤْذِيهِ بِبَاطِنِهِ بِأَنْ يُسِيءَ الظَّنَّ بِهِ أَوْ يَغْتَابَهُ أَوْ يَحْقِدَ عَلَيْهِ أَوْ يَحْسُدَهُ أَوْ يَتَعَدَّى عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ أَمَانَتِهِ. (وَ) فِي (الْعَلَانِيَةِ) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُؤْذِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ فِي عِرْضِهِ وَلَا مَالِهِ وَلَا فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّبُّ عَنْهُ وَعَنْ عِرْضِهِ وَمَالِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حَقِيَةِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاَللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» وَوَرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ، قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ» . وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «مَنْ اُغْتِيبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ نُصْرَتَهُ أَدْرَكَهُ إثْمُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ طَلَبِ السَّلَامِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كُلَّمَا لَقِيَهُ إثْمُهُ بِتَرْكِ ذَلِكَ مُطْلَقًا قَالَ: (وَلَا) يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ (يَهْجُرَ أَخَاهُ) الْمُؤْمِنَ بِحَيْثُ لَا يُكَلِّمُهُ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ. (فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» أَيْ مَعَ أَيَّامِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ: «يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيَعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» فَمَنْ زَادَ عَلَى التَّحْدِيدِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ لِأَنَّهُ مُقَاطَعَةٌ وَمُدَابَرَةٌ، وَالْمُوَالَاةُ لِإِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا إذَا هَجَرَهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ بِأَنْ كَانَ لِمُلَابَسَتِهِ لِمَعْصِيَةٍ أَوْ لِأَجْلِ الْأَدَبِ وَالرَّدْعِ عَمَّا لَا يَحِلُّ، كَهَجْرِ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ لِزَجْرِهَا، وَكَهُجْرِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَالشَّيْخِ مَعَ تِلْمِيذِهِ حَتَّى يُقْلِعَ الْمَهْجُورُ عَمَّا لِأَجْلِهِ الْهَجْرُ فَلَا حَرَجَ فِيهِ وَلَوْ زَادَتْ الْمُدَّةُ فَوْقَ شَهْرٍ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْحَدِيثِ أَنَّ هِجْرَانَ الثَّلَاثِ جَائِزٌ، لِأَنَّهُ لَوْ حَرُمَ الْهِجْرَانُ مُطْلَقًا لَكَانَ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ، لِأَنَّ طَبْعَ الْإِنْسَانِ قَلَّ أَنْ يَنْفَكَّ عَنْ غَضَبٍ، فَالْهِجْرَان الْمُحَرَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِلَيَالِيِهَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ حَقِّ اللَّهِ وَلِغَيْرِ الْأَدَبِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَوَرَدَ: «أَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تُفْتَحُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اُنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» . وَلَمَّا قَدَّمَ حُرْمَةَ هِجْرَانِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّلَامُ) الْوَاقِعُ مِنْ مُرْتَكِبِ الْهَجْرِ الْمُحَرَّمِ (يُخْرِجُهُ مِنْ) إثْمِ
[ ٢ / ٢٩٤ ]
[الهجران الجائز]
مِنْ الْهِجْرَانِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ،
وَالْهِجْرَانُ الْجَائِزُ هِجْرَانُ ذِي الْبِدْعَةِ أَوْ مُتَجَاهَرٍ بِالْكَبَائِرِ لَا يَصِلُ إلَى عُقُوبَتِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْعِظَتِهِ أَوْ لَا يَقْبَلُهَا وَلَا غِيبَةَ فِي هَذَيْنِ فِي ذِكْرِ حَالِهِمَا وَلَا فِيمَا يُشَاوَرُ فِيهِ لِنِكَاحٍ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (الْهِجْرَانِ) إذَا قَصَدَ بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنْ الْهِجْرَانِ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْهِجْرَانِ وَهُوَ نِفَاقٌ، وَإِذَا سَلَّمَ بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْ الْهِجْرَانِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ الْآخَرُ خَرَجَا مِنْ الْهِجْرَانِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ خَرَجَ الْمُسَلِّمُ فَقَطْ، وَيُفْهَمُ مِنْ اشْتِرَاطِهِمْ قَصْدَ الْخُرُوجِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيَّرَ مِنْ هَجْرِهِ هِجْرَانًا مُحَرَّمًا لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِثْمِ. (وَ) إذَا خَرَجَ مِنْ الْهِجْرَانِ بِسَلَامِهِ بِشَرْطِهِ. (لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ) بَلْ الْمُسْتَحَبُّ الِاسْتِرْسَالُ عَلَى كَلَامِهِ كُلَّمَا يَرَاهُ، لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِبَقَائِهِ عَلَى الْهِجْرَانِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْحُرْمَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ فِي خُرُوجِهِ كَلَامَهُ مَعَ مُخَالَطَتِهِ، بَلْ إنْ تَرَكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا كَانَ هِجْرَانًا ثَانِيًا يَحْتَاجُ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ إثْمِهِ، لِأَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَبْطُلُ بِمُعَاوَدَةِ الذَّنْبِ بَلْ يُجَدِّدُ التَّوْبَةَ لِمَا اقْتَرَفَ،. [الْهِجْرَانُ الْجَائِزُ] وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ الْهِجْرَانِ إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ لِحُظُوظِ الدُّنْيَا، بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَ لِدَيْنِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالْهِجْرَانُ الْجَائِزُ) أَيْ الْمَأْذُونُ فِيهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ وَاجِبٌ (هِجْرَانُ ذِي) أَيْ صَاحِبِ (الْبِدْعَةِ) الْمُحَرَّمَةِ كَالْخَوَارِجِ وَسَائِرِ فَرْقِ الضَّلَالِ لِأَنَّ مُخَالَطَتَهُمْ تُؤَدِّي إلَى الْمُشَارَكَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَصْحَبَ إلَّا أَصْحَابَ الْفَضْلِ، وَحَقِيقَةُ الْبِدْعَةِ إحْدَاثُ أَمْرٍ فِي الدِّينِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَلَيْسَ مِنْهُ وَهُوَ قَرِيبٌ أَوْ مُسَاوٍ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْبِدْعَةُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَمْ يُعْهَدُ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَقَيَّدْنَاهَا بِالْمُحَرَّمَةِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهَا مُنْقَسِمَةٌ إلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْخَمْسَةِ: وَاجِبَةٌ كَتَدْوِينِ أُصُولِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ لِأَنَّهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِمَا فَهْمُ الْكِتَابِ وَضَبْطُ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ بِحِفْظِهَا وَكِتَابَتِهَا. وَمَنْدُوبَةٌ كَإِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ وَالرَّبْطِ. وَمُحَرَّمَةٌ كَالِاعْتِزَالِ وَوَضْعِ الْمُكُوسِ. وَمَكْرُوهَةٌ كَتَطْوِيلِ الثِّيَابِ وَتَوْسِيعِهَا وَالتَّغَالِي فِي أَثْمَانِهَا لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَّامِ وَتَزْيِينِ الْخُيُولِ وَغَيْرِهَا فِي غَيْرِ الْجِهَادِ. وَمُبَاحَةٌ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَالتَّوْسِيعِ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ. وَتَوَقَّفَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي حِلِّ هِجْرَانِ ذِي الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ وَيَظْهَرُ لِي عَدَمُ حِلِّ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْهِجْرَانَ مُحَرَّمٌ فِي الْأَصْلِ وَلَا يُرْتَكَبُ الْمُحَرَّمُ لِأَجَلِ مَكْرُوهٍ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي. (أَوْ) أَيْ وَمِنْ الْهِجْرَانِ الْجَائِزِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ هِجْرَانُ كُلِّ (مُتَجَاهِرٍ بِالْكَبَائِرِ) كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالسَّرِقَةِ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ الْمُكَلَّفُ عَلَى هِجْرَانِ الْمُجَاهِرِ إذَا كَانَ (لَا يَصِلُ إلَى عُقُوبَتِهِ) أَيْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى زَجْرِهِ عَنْهَا إذَا كَانَ لَا يَتْرُكُهَا إلَّا بِالْعُقُوبَةِ. (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْعِظَتِهِ) لِشِدَّةِ تَجَبُّرِهِ. (أَوْ) يَقْدِرُ لَكِنْ (لَا يُقَلِّبُهَا) لِعَدَمِ عَقْلٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَجْرِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ بِعُقُوبَتِهِ بِيَدِهِ إنْ كَانَ حَاكِمًا أَوْ فِي وِلَايَتِهِ أَوْ يَرْفَعُهُ لِلْحَاكِمِ أَوْ بِمُجَرَّدِ وَعْظِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ زَجْرُهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ فِعْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِهَجْرِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَجَاهِرَ بِالْكَبَائِرِ لَا يَجِبُ هِجْرَانُهُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ زَجْرِهِ وَبَقِيَ حُكْمُ مَا إذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ هِجْرَانَهُ لِخَوْفِهِ مِنْهُ بِعَدَمِ مَوَدَّتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُدَاهَنَتُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ قَوْمٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ، يُرِيدُ بِهِمْ الظَّلَمَةَ وَالْفَسَقَةَ الَّذِينَ يُتَّقَى شَرُّهُمْ، يَتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِهِمْ وَيُشْكَرُونَ بِكَلِمَاتٍ مُحِقَّةٍ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَفِيهِ صِفَةٌ تُشْكَرُ وَلَوْ كَانَ أَخْبَثَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُ ذَلِكَ اتِّقَاءً لِشَرِّهِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُدَاهَنَةُ حَرَامٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُحَرَّمُ قَدْ يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ وَهِيَ بَذْلُ الدِّينِ لِإِصْلَاحِ الدُّنْيَا حَرَامٌ، كَشُكْرِ ظَالِمٍ عَلَى ظُلْمِهِ لِيَعْظُمَ عِنْدَهُ مُحَرَّمُهُ. وَقَدْ تَعْرِضُ لَهَا مَا يُوجِبُهَا إنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى دَفْعِ مَفْسَدَةٍ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِهَا، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا مَا يَقْتَضِي نَدْبُهَا إنْ كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَنْدُوبٍ، وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً إنْ كَانَتْ لِمُجَرَّدِ الضَّعْفِ وَالْجُبْنِ لَا لِضَرُورَةٍ تَقْتَضِيهَا فَلَيْسَتْ مُحَرَّمَةً مُطْلَقًا، خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَأَمَّا الْمُدَارَاةُ وَهِيَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِإِصْلَاحِ الدِّينِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْجَاهِ فَجَائِزَةٌ مَشْرُوعَةٌ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «أُمِرَتْ بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أُمِرَتْ بِالْفَرَائِضِ فَهِيَ صَدَقَةٌ» وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا إثْمَ فِي هِجْرَانِ الْمُبْتَدِعِ وَذِي الْكَبَائِرِ الْمُتَجَاهِرِ بِهَا ذَكَرَ أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ غِيبَتُهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا غِيبَةَ) مُحَرَّمَةً (فِي هَذَيْنِ) اللَّذَيْنِ يَجُوزُ هِجْرَانُهُمَا وَهُمَا الْمُبْتَدِعُ وَالْمُتَجَاهِرُ بِكَبَائِرِهِ. (فِي) أَيْ بِسَبَبِ (ذِكْرِ حَالِهِمَا) فَيَجُوزُ ذِكْرُهُمَا بِبَيَانِ حَالِهِمَا بِأَنْ يُقَالَ فِي الْمُبْتَدِعِ: فُلَانٌ اعْتِقَادُهُ بَاطِلٌ لِمُخَالِفَتِهِ أَهْلَ السُّنَّةِ، أَوْ فُلَانٌ مُعْتَزِلِيٌّ، وَفِي حَقِّ الْمُتَجَاهِرِ فُلَانٌ مُصِرٌّ عَلَى الْكَبَائِرِ وَلَا يُبَالِي مِنْ الْخَلْقِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ غِيبَةُ هَذَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُبْتَدِعُ مُتَجَاهِرًا بِبِدْعَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْفَاسِقَ مُتَجَاهِرٌ بِكَبَائِرِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُ كُلٍّ بِمَا يَتَجَاهَرُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِجَوَازِهِ وَجْهٌ آخَرُ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ، هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ الْمُعْلِنُ بِالْفُسُوقِ، وَكَقَوْلِ امْرِئِ الْقِيس: فَمِثْلُك حُبْلَى قَدْ طُرِقَتْ وَمُرْضِعٌ. فَيَفْتَخِرُ بِالزِّنَا فِي شِعْرِهِ، فَلَا يَضُرُّ أَنْ يُحْكَى ذَلِكَ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ إذَا سَمِعَهُ بَلْ يُسَرُّ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
[محاسن الأخلاق]
مُخَالَطَةٍ وَنَحْوِهِ وَلَا فِي تَجْرِيحِ شَاهِدٍ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك وَتَصِلَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِتِلْكَ الْمَخَازِي، وَالْغِيبَةُ إنَّمَا حَرُمَتْ لِحَقِّ الْمُغْتَابِ وَتَأَلُّمِهِ بِذَكَرِ الْمَكَارِهِ وَهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُعْلِنُ بِنَحْوِ الْمَكْسِ وَتَمَدُّحُهُ بِأَخْذِهِ مِنْ الظَّلَمَةِ وَالْمُلُوكِ وَقَهْرِهِمْ فَلَا يَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ، مِثْلُ اللِّصِّ الَّذِي يَتَجَاهَرُ بِسَرِقَتِهِ وَيَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَأَذَّوْنَ بِسَمَاعِ تِلْكَ الْمَخَازِي فِيهِمْ بَلْ يُسَرُّونَ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَرَافِيِّ. قَالَ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يُقَالُ اشْتِرَاطُ الْإِعْلَانِ وَالْمُجَاهَرَةِ يُخَالِفُهُ إطْلَاقُ حَدِيثِ «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ جَوَازُ غِيبَةِ الْفَاسِقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتِ الصِّحَّةِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَوْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُغْتِيبَ بِجِنْسِ مَا بِهِ فِسْقٌ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَلَيْهِ وَمُجَاهَرَتِهِ بِهِ وَإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ، أَمَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ أَوْ لَمْ يَتَجَاهَرْ بِهِ فَلَا تَجُوزُ غِيبَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى إطْلَاقِهِ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّقَانِيِّ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ غِيبَةِ هَذَيْنِ بِمَا تَجَاهَرَا بِهِ سَوَاءٌ سُئِلَ عَنْهُمَا أَمْ لَا، وَقَيَّدَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ الْجَوَازَ بِمَا إذَا سُئِلَ عَنْ حَالِهِمَا أَوْ قَصَدَ بِذَكَرِ حَالِهِمَا تَحْذِيرَ النَّاسِ مِنْهُمَا مَخَافَةَ أَنْ تُنْسَبَ النَّاسُ لِمِثْلِ طَرِيقَتِهِمَا وَالرِّضَا بِهَا. (وَلَا) تَحْرُمُ الْغِيبَةُ أَيْضًا (فِيمَا يُشَاوَرُ فِيهِ) الْإِنْسَانُ (كَنِكَاحٍ) بِأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ بِنْتَ فُلَانٍ وَلَا أَعْرِفُ فَيَجُوزُ حَالُهُ فَيَجُوزُ لَهُ ذِكْرُ حَالِهِ بِقَصْدِ النَّصِيحَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ فِعْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «فَإِنَّهُ ذَكَرَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مَا فِي مُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ حِينَ خَطَبَاهَا فَقَالَ لَهَا: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» . وَالْجَوَازُ هُنَا مَعَ النَّدْبِ عِنْدَ عَدَمِ السُّؤَالِ عَلَى كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَكَلَامِ غَيْرِهِ كَالْقَرَافِيِّ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مُطْلَقًا، لِأَنَّ النَّصِيحَةَ وَاجِبَةٌ حَيْثُ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا بِأَنْ كَانَ الْمَنْصُوحُ شَرَعَ فِي فِعْلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يُعْرَفُ حَالُهُ أَمْ لَا عَلَى الصَّوَابِ، لَكِنْ شَرَطَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَازِ أَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ عَلَى ذِكْرِ الْوَصْفِ الْمُخِلِّ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَتَجَاوَزُهُ لِعَيْبٍ آخَرَ، فَإِذَا اسْتَشَارَهُ فِي النِّكَاحِ فَلَا يَذْكُرُ لَهُ عَيْبًا فِي نَحْوِ الشَّرِكَةِ. (أَوْ) أَيْ وَلَا تَحْرُمُ الْغِيبَةُ أَيْضًا فِي ذِكْرِ عُيُوبِ شَخْصٍ سُئِلَ عَنْهُ لِأَجْلِ (مُخَالَطَةٍ) مُشَارَكَةٍ أَوْ سَفَرٍ لِتِجَارَةٍ. (وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ النِّكَاحِ وَالْمُخَالَطَةِ، كَالْمُشَاوَرَةِ فِي التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ أَوْ لِيَسْتَأْجِرَهُ لِلْخِدْمَةِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى السَّائِلِ وَيَحْتَاجُ إلَى مِنْ يَنْصَحُهُ فِيهِ. (وَلَا) تَحْرُمُ الْغِيبَةُ أَيْضًا (فِي) ذِكْرِ أَوْصَافٍ لِأَجْلِ (تَجْرِيحِ شَاهِدٍ) لِرَدِّ شَهَادَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَعِنْدَ تَوَقُّعِ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَيَحْرُمُ التَّجْرِيحُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَالضَّمِيرُ فِي (وَنَحْوِهِ) لِلشَّاهِدِ كَرَاوِي الْحَدِيثِ يُذْكَرُ حَالُهُ لِيُتْرَكَ الْعَمَلُ بِحَدِيثِهِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالْبَيَانِ، وَكَذَا لَا غِيبَةَ فِي ذِكْرِ أَوْصَافِ مَنْ يُرَادُ تَقْدِيمُهُ لِصَلَاةٍ وَحَصَلَ السُّؤَالُ عَنْ بَيَانِ حَالِهِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُ وَصْفِهِ الَّذِي يُكْرَهُ لِلتَّنْفِيرِ مِنْ تَقْدِيمِهِ، كَمَا يَجُوزُ ذِكْرُ حَالِ مَنْ يُتَظَلَّمُ مِنْهُ لِنَحْوِ سُلْطَانٍ أَوْ لِأَجْلِ تَعْيِينِ شَخْصٍ لِكَوْنِهِ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِذَلِكَ نَحْوَ الْأَعْرَجِ وَالْأَعْمَشِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاضِعَ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْغِيبَةُ فِي بَيْتٍ غَيْرِ مَا قَدَّمْنَاهُ حَيْثُ قَالَ: تَظَلَّمْ وَاسْتَغِثْ وَاسْتَفْتِ حَذِّرْ وَعَرِّفْ بِدْعَةً فِسْقَ الْمُجَاهِرْ فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ التَّظَلُّمُ وَالشَّكْوَى مِنْ الظَّالِمِ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إزَالَةِ ظُلْمِهِ بِذِكْرِ قَبَائِحِهِ الَّتِي فَعَلَهَا مَعَ الْمَظْلُومِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إزَالَةِ مُنْكَرٍ وَقَعَ مِنْ شَخْصٍ وَيَقُولُ لِمَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ: حَصَلَ مِنْ فُلَانٍ كَذَا فَأَعِنِّي عَلَى زَجْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ بِذَلِكَ إزَالَةَ الْمُنْكَرِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَكَذَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: فُلَانٌ قَالَ لِي كَذَا، وَالتَّحْذِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الشِّرَاءِ كَمَا لَوْ أَرَادَ شَخْصٌ شِرَاءَ عَبْدٍ وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ بِالسَّرِقَةِ أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذِكْرُ وَصْفِهِ لِمَا يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الضَّرَرِ. وَكَذَا تَجُوزُ الْغِيبَةُ لِبَيَانِ الْبِدْعَةِ كَمَا لَوْ رَأَيْت فَقِيهًا يَتَرَدَّدُ عَلَى مُبْتَدَعٍ أَوْ فَاسِقٍ لِيَأْخُذَ عَنْهُ الْعِلْمَ وَخِفْت أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ لِلْعَمَلِ بِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْك بَيَانُ حَالِهِ كُلُّ ذَلِكَ بِقَصْدِ النَّصِيحَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُعْظَمَ ذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ آدَابٍ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُصْطَفَى - ﷺ - تُطْلَبُ مِنْ الْعَاقِلِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا فَقَالَ: [مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ] (وَمِنْ مَكَارِمِ) أَيْ مَحَاسِنِ (الْأَخْلَاقِ أَنْ تَعْفُوَ) أَيْ تَصْفَحَ (عَنْ) زَلَّةِ (مَنْ ظَلَمَك) وَتَعَدَّى عَلَيْك بِشَتْمٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ فِي مَدْحِ مَنْ يَصْفَحُ عَنْ زَلَّةِ غَيْرِهِ. (وَ) مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَيْضًا أَنْ (تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك) شَيْئًا مِنْ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ
[ ٢ / ٢٩٦ ]
[سماع الأمر الباطل]
مَنْ قَطَعَك، وَجِمَاعُ آدَابِ الْخَيْرِ وَأَزِمَّتِهِ تَتَفَرَّعُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ قَوْلُ النَّبِيِّ - ﵊ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» وَقَوْلُهُ - ﵊ - «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تُرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» وَقَوْلُهُ - ﵇ - لِلَّذِي اخْتَصَرَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ لَا تَغْضَبُ وَقَوْلُهُ - ﵇ - «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»،
وَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَتَعَمَّدَ سَمَاعَ الْبَاطِلِ كُلِّهِ وَلَا أَنْ تَتَلَذَّذَ بِسَمَاعِ كَلَامِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَك وَلَا سَمَاعِ شَيْءٍ مِنْ الْمَلَاهِي وَالْغِنَاءِ وَلَا قِرَاءَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مِمَّا يَطْلُبُهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَإِفَادَتِهِ عِلْمًا مَثَلًا وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْ مِنْك بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ. (وَ) مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَيْضًا أَنْ (تَصِلَ) مَوَدَّةَ (مَنْ قَطَعَك) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْحَامِك لِخَبَرِ: «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَّمَنِي، وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي» . وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ كَالْمُصَنِّفِ فِي نَدْبِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ، وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُوجِبُ الصَّفْحَ كَمَا إذَا كَانَ الْمَظْلُومُ يَتَوَقَّعُ مَفْسَدَةً مِنْ الظَّالِمِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَفْوِ وَهُوَ مُشَاهَدٌ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَمَنْ نُحِبُّ مِنْ الشُّرُورِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الْعَمَلُ بِالْخِصَالِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ، شَرَعَ فِي ذِكْرِ أَحَادِيثَ دَالَّةٍ عَلَى بَيَانِ مَا يَصِيرُ بِهِ الْعَاقِلُ مُتَّبِعًا لِطَرِيقَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وَمُتَخَلِّقًا بِأَخْلَاقِهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ كَامِلَ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: (وَجِمَاعُ) أَيْ جَمِيعُ (آدَابِ الْخَيْرِ) كُلُّهَا الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ. (وَأَزِمَّتِهِ) أَيْ الْخَيْرِ وَالْمُرَادُ بِآدَابِ الْخَيْرِ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ، سُمِّيَتْ بِالْآدَابِ جَمْعُ أَدَبٍ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ التَّأْدِيبُ، إذْ يَحْصُلُ تَأْدِيبُ الظَّاهِرِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ، وَتَأْدِيبُ الْبَاطِنِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْمُرَادُ بِأَزِمَّتِهِ جَمْعُ زِمَامٍ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهِ، وَالزِّمَامُ فِي الْأَصْلِ مَا يُقَادُ بِهِ الْبَعِيرُ، أُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ لِلْخَيْرِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، لِأَنَّ كُلًّا يَقُودُ إلَى مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُقَادُ. (تَتَفَرَّعُ) خَبَرُ جِمَاعُ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى: وَجَمْعُ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ تَنْشَأُ (عَنْ) الْعَمَلِ بِمَضْمُونِ (أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ) جَمْعُ حَدِيثٍ وَهُوَ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوْ صِفَةً، أَحَدُهَا: (قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُمِعَ فِيهِ الْكَسْرُ، وَالْمُرَادُ فَلْيَقُلْ خَيْرًا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَلِيَصْمُتْ عَنْ شَرٍّ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَمَا فِي الْمُصَنَّفِ بَعْضُ حَدِيثٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتَمَامُهُ: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . (وَ) ثَانِيهَا: (قَوْلُهُ - ﵊ -) فِي الْمُوَطَّإِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ» الْمُرَادُ الشَّخْصُ وَلَوْ أُنْثَى «تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيه» يَعْنِي مَا لَا تَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ لِدِينِهِ وَلَا لِدُنْيَاهُ الْمُوَصِّلَةُ لِآخِرَتِهِ وَمَا يَعْنِيه عَكْسُهُ. (وَ) ثَالِثُهَا: (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ، وَ(السَّلَامُ) فِي الْبُخَارِيِّ (الَّذِي اخْتَصَرَ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ) «حِينَ سَأَلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِشْ بِهِنَّ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيَّ فَأَنْسَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَا تَغْضَبْ» أَيْ لَا تَعْمَلْ مُوجِبَاتِ الْغَضَبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيُ عَنْ الْغَضَبِ جُمْلَةً لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ اُسْتُغْضِبَ فَلَمْ يَغْضَبُ فَهُوَ حِمَارٌ، وَمَنْ اُسْتُرْضِيَ فَلَمْ يَرْضَ فَهُوَ شَيْطَانٌ، وَوَرَدَ: «إذَا غَضِبْت وَأَنْتَ قَائِمٌ فَاقْعُدْ، وَإِذَا كُنْت قَاعِدًا فَاضْطَجِعْ أَوْ تَوَضَّأَ لِأَنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَطَفْؤُهَا يَكُونُ بِالْمَاءِ» وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الرَّسُولِ - ﵊ - عَلَى الْغَضَبِ لِأَنَّ السَّائِلَ لَهُ كَانَ يُكْثِرُ الْغَضَبَ، وَمَعْنَى أَعِشْ بِهِنَّ أَسْتَعِنْ عَلَى عِيشَتِي، أَوْ الْمُرَادُ أَتَأَنَّسُ بِهِنَّ فِي حَيَاتِي. (وَ) رَابِعُهَا: (قَوْلُهُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ(السَّلَامُ «الْمُؤْمِنُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: أَوْ لِجَارِهِ عَلَى الشَّكِّ. وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إلَى جَارِك تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ يُمِيتُ الْقَلْبَ» . وَمَعْنَى لَا يُؤْمِنُ الْإِيمَانَ التَّامَّ وَإِلَّا فَأَصْلُ الْإِيمَانِ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالْمُرَادُ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ الْخَبَرِ، وَالْمُرَادُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِأَخِيهِ مِثْلُ مَا لَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ النَّاسِ مِنْهُ فِي الْمَرْتَبَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ النَّاسِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَسِيرِ هَذَا إلَّا عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَنْبَغِي التَّخَلُّقُ بِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ وَعَدَمُ التَّلَبُّسِ بِهِ فَقَالَ: [سَمَاعَ الْأَمْرِ الْبَاطِلِ] (وَلَا يَحِلُّ لَك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (أَنْ تَتَعَمَّدَ سَمَاعَ) الْأَمْرِ (الْبَاطِلِ كُلِّهِ) كَالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ أَوْ الْغِيبَةِ أَوْ النَّمِيمَةِ أَوْ الْقَذْفِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ طَرَقَ سَمْعَهُ شَيْءٌ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْهُ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَإِنْ قَدَرَ وَإِلَّا فَبِقَلْبِهِ وَمُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ إنْ اسْتَطَاعَ، وَأَمَّا لَوْ نَهَى بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُشْتَهِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ذَلِكَ فَحَرَامٌ كَمَا هُوَ
[ ٢ / ٢٩٧ ]
[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
الْقُرْآنِ بِاللُّحُونِ الْمُرَجَّعَةِ كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ وَلْيُجَلَّ كِتَابُ اللَّهِ الْعَزِيزِ أَنْ يُتْلَى إلَّا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَمَا يُوقَنُ أَنَّ اللَّهَ يَرْضَى بِهِ وَيُقَرِّبُ مِنْهُ مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ.
وَمِنْ الْفَرَائِضِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ فِي الْأَرْضِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ تَصِلُ يَدُهُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِقَلْبِهِ وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُرِيدَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مُشَاهَدٌ الْيَوْمَ لِبَعْضِ النَّاسِ. (وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا (أَنْ تَتَلَذَّذَ بِسَمَاعِ كَلَامِ امْرَأَةٍ) وَلَوْ بِالْقُرْآنِ حَيْثُ كَانَتْ (لَا تَحِلُّ لَك) وَلِذَلِكَ يُطْلَبُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْإِسْرَارَ بِقِرَاءَتِهَا وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ وَلَوْ عِنْدَ مَحْرَمِهَا، وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ فِي حُرْمَةِ التَّلَذُّذِ بِكَلَامِهَا الْأَمْرَدُ، وَأَمَّا سَمَاعُ كَلَامِهَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَلَذُّذٍ بِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ، وَأَمَّا قَصْدُ الِالْتِذَاذِ بِكَلَامِ مَنْ تَحِلُّ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ نَوْعِ مَا لَا يَصْدُرُ إلَّا مِنْ الزَّوْجَةِ وَحَرَّرَهُ. (وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا أَنْ تَتَعَمَّدَ (سَمَاعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَلَاهِي) كَالْمِزْمَارِ وَالطُّنْبُورِ وَالْعُودِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْغِرْبَالُ وَهُوَ الدُّفُّ الْمَعْرُوفُ بِالطَّارِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَسَمَاعُهُ فِي النِّكَاحِ. قَالَ خَلِيلٌ مُخْرِجًا مِنْ الْكَرَاهَةِ لَا الْغِرْبَالَ وَلَوْ لِرَجُلٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ مُوَافِقٌ لِإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ أَوْ صَرَاصِيرُ كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ، وَأَمَّا الْكِبْرُ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ وَالْمِزْهَرُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي الْكِبْرِ وَالْمِزْهَرِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي الْكِبْرِ ابْنُ كِنَانَةَ وَتَجُوزُ الزَّمَّارَةُ وَالْبُوقُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ خَلِيلٍ وَغَيْرِهِ الْمَنْعُ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ لِخَبَرِ «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إلَّا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَرَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ» وَالْبَاطِلُ خِلَافُ الْحَقِّ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ. وَبَحَثَ الْغَزَالِيُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى حُرْمَةِ سَمَاعِ الْمَلَاهِي إذْ غَايَةُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى سَمَاعِهَا عَدَمُ الْفَائِدَةِ. وَيُؤَيِّدُ بَحْثَ الْغَزَالِيِّ قَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ مِنْ عُلَمَائِنَا: لَا أَعْلَمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةً صَرِيحَةً وَلَا فِي السُّنَّةِ حَدِيثًا صَحِيحًا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِ الْمَلَاهِي، وَإِنَّمَا هِيَ ظَوَاهِرُ وَعُمُومَاتٌ تُوهِمُ الْحُرْمَةَ لَا أَدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. (وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا سَمَاعُ (الْغِنَاءِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ وَهُوَ الصَّوْتُ الْمُتَقَطِّعُ الَّذِي فِيهِ تَرَنُّمٌ لِتَحْرِيكِ الْقَلْبِ وَالْمُحَرَّمُ سَمَاعُهُ مَا كَانَ بِآلَةٍ وَمِمَّنْ يُلْتَذُّ بِصَوْتِهِ وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا. قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ: صِفَةُ الْغِنَاءِ الَّذِي مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ مَا كَانَ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ لِلتَّهْيِيجِ عَلَى فِعْلِ الْكَرْمِ وَالْمُفَاخَرَةِ بِالشَّجَاعَةِ وَالْغَلَبَةِ، وَالْمُحَرَّمُ مَا كَانَ مُشَوِّقًا لِفِعْلِ الْفَوَاحِشِ وَمُشْتَمِلًا عَلَى تَكَسُّرٍ أَوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا لَا يَحِلُّ كَالتَّشْبِيبِ بِأَهْلِ الْجَمَالِ، وَقَالَ بَهْرَامَ فِي الشَّامِلِ: وَتُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحِ وَالنَّائِحَةِ، وَسَمَاعُ الْعُودِ حَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي عُرْسٍ أَوْ صَنِيعٍ لَيْسَ فِيهِ شَرَابٌ مُسْكِرٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ فَقَطْ انْتَهَى، وَغَيْرُ الْعُودِ مِنْ بَقِيَّةِ الْآلَاتِ الَّتِي يُلْعَبُ بِهَا يَجْرِي فِيهَا مَا فِي الْعُودِ، وَأَمَّا سَمَاعُ الْمُتَصَوِّفَةِ الْمَعْرُوفُ بِالتَّحْزِينَةِ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ حَيْثُ يَحْصُلُ بِالسَّمَاعِ إرْشَادٌ أَوْ زِيَادَةُ يَقِينٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَبُ شَرْعًا، وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يُنْكَرُ كَاجْتِمَاعِ نِسَاءٍ أَوْ صِبْيَانٍ يُتَوَقَّعُ الِالْتِذَاذُ بِهِمْ وَإِلَّا مُنِعَ، وَاعْلَمْ أَنْ مَا لَا يَحِلُّ سَمَاعُهُ لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ عَلَى مَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا الْغِنَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ فَهُوَ الْيَسَارُ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ وَالْقَصْرِ فَهُوَ النَّفْعُ. (وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا (قِرَاءَةُ) شَيْءٍ مِنْ (الْقُرْآنِ بِاللُّحُونِ الْمُرَجَّعَةِ) أَيْ الْأَصْوَاتِ الَّتِي يُرَجِّعُهَا الْقَارِئُ. (كَتَرْجِيعِ الْغِنَاءِ) وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْحِلِّ الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهُ التَّرْجِيعُ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ، كَقَصْرِ الْمَمْدُودِ وَمَدِّ الْمَقْصُورِ، وَكَمَا لَا تَحِلُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَا يَحِلُّ سَمَاعُهَا، لِأَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَبُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالصَّوْتِ الْحَسَنِ مَعَ النَّغَمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ بِنَحْوِ عُشَّاقٍ مَعَ تَجْوِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، بَلْ يُكْسِبُ السَّامِعَ الْخُشُوعَ وَالِاتِّعَاظَ بِكَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ مِنَّا مِنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِسَمَاعِهِ لِرِقَّةِ قَلْبِهِ وَشَوْقِهِ إلَى مَا عِنْدَ رَبِّهِ، كَمَا يُلْتَذُّ أَهْلُ الْغَوَانِي بِسَمَاعِ غَوَانِيهِمْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْوَاجِبُ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَلِيُجِلَّ كِتَابَ اللَّهِ الْعَزِيزِ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْ (أَنْ يُتْلَى إلَّا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) أَيْ طُمَأْنِينَةٍ وَتَعْظِيمٍ. (وَ) يَقْرَؤُهُ الْقَارِئُ عَلَى (مَا يُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (يَرْضَى بِهِ) مِنْ الْأَحْوَالِ (وَيُقَرِّبُ) بِشَدِّ الرَّاءِ (مِنْهُ) بِأَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى طَهَارَةٍ وَفِي مَكَان طَاهِرٍ وَمِنْ جُلُوسٍ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ، وَ(مَعَ إحْضَارِ الْفَهْمِ لِذَلِكَ) الَّذِي يَتْلُوهُ بِأَنْ يُلَاحِظَ أَنَّهُ الْمَنْهِيُّ عِنْدَ آيَةِ النَّهْيِ، وَأَنَّهُ الْمَأْمُورُ عِنْدَ آيَةِ الْأَمْرِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ: «لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا» . [الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ] (وَمِنْ الْفَرَائِضِ) عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ (الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ بِهِ، وَالْمُنْكَرُ كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ عَنْهُ، وَقَدَّمَ الْمَعْرُوفَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَهُ عَلَى الْمُنْكَرِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا، وَأَيْضًا أَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ أَوَّلًا وَنَهَى آدَمَ بَعْدَهُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الْمَذْكُورَانِ (عَلَى كُلِّ مَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ) أَيْ انْتَشَرَ حُكْمُهُ (فِي الْأَرْضِ) لِكَوْنِهِ سُلْطَانًا أَوْ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا. (وَ) كَذَا يَجِبُ (عَلَى كُلِّ مَنْ تَصِلُ يَدُهُ) مِنْ غَيْرِ الْحُكَّامِ (إلَى ذَلِكَ) مِمَّنْ لَهُ شَأْنٌ وَعَظَمَةٌ فِي نُفُوسِ النَّاسِ بِحَيْثُ يُمْتَثَلُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ لِعُمُومِ آيَةِ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
[ ٢ / ٢٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لَكِنَّ نَحْوَ السُّلْطَانِ صِفَةُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَأْمُورَ أَوْ الْمَنْهِيَّ بِذَلِكَ، فَإِنْ امْتَثَلَ بِمُجَرَّدِ التَّعَرُّفِ وَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ ضَرَبَهُ بِالْفِعْلِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَشْهَرَ لَهُ السِّلَاحَ إنْ وَجَبَ قَتْلُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ مَرْتَبَةٍ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ إفَادَةِ مَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا غَيْرُ نَحْوِ السُّلْطَانِ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى بِالْقَوْلِ الْأَرْفَقِ فَالْأَرْفَقِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْمُكَلَّفُ عَلَى الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ بِيَدِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ سُلْطَانٍ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَحْوِ الْأَبِ وَالسَّيِّدِ وَالزَّوْجِ لِأَنَّ غَيْرَ مَنْ ذُكِرَ لَا يَأْمُرُ بِالْيَدِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَدَمُ التَّمَكُّنِ شَرْعًا مِنْ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ بِالْيَدِ. (فَبِلِسَانِهِ) أَيْ فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى بِلِسَانِهِ. (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ بِلِسَانِهِ لِشِدَّةِ صَوْلَةِ مَنْ يُرَادُ أَمْرُهُ أَوْ نَهْيُهُ (فَبِقَلْبِهِ) أَيْ فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى بِقَلْبِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بِيَدِي أَوْ لِسَانِي لَفَعَلْت، وَيَبْغَضُ ذَلِكَ مَعَ تَرْكِ مُخَالَطَةِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمُنْكَرِ إنْ اسْتَطَاعَ، وَإِلَّا انْتَقِلْ إلَى الْمُدَارَاةِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَمَشْرُوعَةٌ لِخَبَرِ: «أُمِرْت بِالْمُدَارَاةِ لِلنَّاسِ كَمَا أُمِرَتْ بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ» وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا بَذْلُ الدُّنْيَا لِحِفْظِ الدِّينِ أَوْ الْعِرْضِ أَوْ الْجَاهِ، بِخِلَافِ الْمُدَاهَنَةِ فَإِنَّهَا بَذْلُ الدِّينِ لِحِفْظِ الدُّنْيَا وَهِيَ حَرَامٌ إلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ. وَفَرِيضَةُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . وَ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الْآيَةَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» أَيْ الْأَعْمَالِ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَبَعْدَهُ كَانُوا يَتَوَاصَوْنَ بِذَلِكَ وَيَنْهَوْنَ تَارِكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ قُلْت: فَمَا الْجَوَابُ عَنْ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة: ١٠٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] وَعَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى لَا نَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا نَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: إذَا كَانَ الْبُخْلُ فِي خِيَارِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي أَرْذَالِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الِادِّهَانُ فِي كِبَارِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ» . فَالْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ لِلْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ عَدَمَ الضَّرَرِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يَضُرُّ النَّاهِيَ عِنَادُهُمْ وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِآيَةِ: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عِنْدَ فَوَاتِ الشَّرْطِ بِلُزُومِ الْمَفْسَدَةِ أَوْ انْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْكِفَايَةِ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ وَأَمَّا بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ، وَذَكَرُوا لِذَلِكَ شُرُوطًا، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ، فَمَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا الْمُنْكَرِ لَا يَأْمُرُ وَلَا يَنْهَى. وَثَانِيهَا: أَنْ يَأْمَنَ أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ إلَى مُنْكِرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْإِفَادَةُ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، فَالْأَوَّلَانِ لِلْجَوَازِ وَالثَّالِثُ لِلْوُجُوبِ. وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَجَسُّسٍ وَلَا اسْتِرَاقِ سَمْعٍ وَلَا بَحْثٍ بِوَجْهٍ كَتَفْتِيشِ دَارٍ أَوْ ثَوْبِهِ لِحُرْمَةِ السَّعْيِ فِي ذَلِكَ. وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُنْكَرُ مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ يَكُونَ مُدْرَكُ عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِيهِ ضَعِيفًا كَالنَّبِيذِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّ يَقُولُ بِحِلِّهِ فَمَنْ فَعَلَ الْمُخْتَلَفَ فِي تَحْرِيمِهِ فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ التَّحْرِيمُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ تَقْلِيدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، كَالْمَالِكِيِّ يَأْكُلُ الْبَصَلَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْرَكُ الْمُخَالِفِ فِيهِ ضَعِيفًا فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُنْكَرُ عَلَى مُعْتَقِدِ حِلِّهِ حَيْثُ كَانَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِيهِ بِأَنْ كَانَ مُخَالِفًا لِقَاطِعٍ أَوْ جَلِيِّ قِيَاسٍ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنْ كَانَ جَاهِلًا وَالْمُدْرِكُ فِي الْحِلِّ وَعَدَمِهِ مُتَوَازٍ فَإِنَّهُ يُرْشِدُ لِلتَّرْكِ بِرِفْقٍ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَلَا تَوْبِيخٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الشُّرُوطَ خَمْسَةٌ وَلَيْسَ مِنْهَا عَدَالَةُ الْآمِرِ وَلَا إذْنُ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيَجِبُ عَلَى شَارِبِ الْخَمْرِ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنْ شُرْبِهِ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: يَنْبَغِي لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ بِصُورَةِ مَنْ يُقْبَلُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَالَمِ عِنْدَ نَزْعِ عِمَامَتِهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ إذَا كَانَ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهَا، كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِالرِّفْقِ، فَلَا يُرْتَكَبُ فِي ذَلِكَ غَلِيظُ الْقَوْلِ وَلَا الشَّتْمُ إلَّا فِي نَحْوِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَهُ الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ كَمَا مَرَّ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: وُجُوبُ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ عَاصِيًا بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَاجِبَةَ الدَّرْءِ لِمَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ لَبَنًا، أَوْ تَرَكَ أَمْرًا وَاجِبًا فِعْلُهُ كَصَلَاةِ فَرْضٍ قَبْلَ عِلْمِهِ بِفَرْضِيَّتِهَا فَيَجِبُ النَّهْيُ وَالْأَمْرُ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ عِصْيَانِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَتْ تَأْمُرُ وَتَنْهَى أُمَمَهَا أَوَّلَ بَعْثَتِهَا، وَمَعْلُومٌ عَدَمُ عِصْيَانِهِمْ إذْ ذَاكَ. الثَّانِي: يَجِبُ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِمَا عَلَى الْفَوْرِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ أَوْ الْمَنْهِيُّ جَمَاعَةً لَوَجَبَ خِطَابُهُمْ
[ ٢ / ٢٩٩ ]
بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ مِنْ الْبِرِّ وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ يُقْبَلْ عَمَلُهُ وَالرِّيَاءُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ،
وَالتَّوْبَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِلَفْظِ الْجَمْعِ نَحْوَ: قُومُوا لِلصَّلَاةِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ. الثَّالِثُ: تَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ وَمِنْ الْفَرَائِضِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ يَقْتَضِي قَصْرَ الْمَعْرُوفِ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُنْكَرِ عَلَى الْمُحَرَّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ لِأَنَّهُمَا يَنْصَرِفَانِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ، وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَنْدُوبِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَكْرُوهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كَوْنِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا أَرْجَحِيَّةُ النَّدْبِ كَنَدْبِ النَّهْيِ عَنْ الْمَكْرُوهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ مِنْ إخْلَاصِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بِقَوْلِهِ: (وَفَرْضٌ) بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ (عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ) مُكَلَّفٍ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (أَنْ يُرِيدَ) أَنْ يَقْصِدَ (بِكُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ مِنْ) أَعْمَالِ (الْبِرِّ) وَلَوْ مَنْدُوبَةً وَمَفْعُولُ يُرِيدُ (وَجْهَ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَ) هُوَ الْمُرَادُ بِالْإِخْلَاصِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] وَالْإِخْلَاصُ إفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَالْكِتَابُ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - ﵊ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَالْإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى فَرْضِيَّةِ الْإِخْلَاصِ عَلَى الْأَعْيَانِ فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاَللَّهِ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةٍ، وَإِنَّمَا فَرَضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلَ لِوَجْهِ اللَّهِ حَتَّى يُرْجَى قَبُولُهُ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْفَاءِ الَّتِي كَانَتْ أَوْلَى مِنْ الْوَاوِ قَوْلَهُ: (وَمَنْ) عَمِلَ عَمَلًا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ وَقَدْ (أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ) بِأَنْ أَرَادَ بِهِ النَّاسَ (لَمْ يُقْبَلْ) أَيْ وَلَمْ يَصِحَّ (عَمَلُهُ) لِأَنَّ إرَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ مَحْضُ رِيَاءٍ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: الرِّيَاءُ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ يَقْصِدُ بِهَا النَّاسَ، فَلَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْقُرْبَةِ كَالتَّجَمُّلِ بِاللِّبَاسِ، وَخَرَجَ إرَادَةُ غَيْرِ النَّاسِ بِالْقُرْبَةِ فَلَيْسَ بِرِيَاءٍ، كَمَنْ حَجَّ لِيَتَّجِرَ أَوْ جَاهَدَ لِيَغْنَمَ. (وَالرِّيَاءُ) يُقَالُ لَهُ (الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ) فَهُوَ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا سَوَاءٌ الرِّيَاءُ الْخَالِصُ وَهُوَ إيقَاعُ الْقُرْبَةِ لِقَصْدِ النَّاسِ فَقَطْ، وَرِيَاءُ الشِّرْكِ وَهُوَ الْعَمَلُ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالنَّاسِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَخَفُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَذَانِ يُقَالُ لَهُمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ وَيُبْطِلَانِ الْعِبَادَةَ كَمَا عَرَفْت، وَأَمَّا الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِ الشَّخْصُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِخْلَاصَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَهُوَ قَصْدُ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً، فَإِنْ شَمِلَ الرِّيَاءُ جَمِيعَ الْعِبَادَةِ بَطَلَتْ إجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَإِنْ شَمِلَ بَعْضَهَا وَتَوَقَّفَ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِهَا كَالصَّلَاةِ فَفِي صِحَّتِهَا تَرَدُّدٌ، وَإِنْ عَرَضَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا أُمِرَ بِدَفْعِهِ وَعَمَلِهَا وَإِنْ تَعَذَّرَ وَلَصِقَ بِصَدْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْدُوبَةً تَعَيَّنَ لِتَقْدِيمِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمَنْدُوبِ، وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أُمِرَ بِمُجَاهِدَةِ النَّفْسِ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَدَّرْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يُقْبَلُ عَمَلُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الصِّحَّةَ قَدْ تُوجَدُ مَعَ عَدَمِ الْقَبُولِ، إذَا الصِّحَّةُ سُقُوطُ الْأَدَاءِ بِفِعْلِ الْمُؤَدَّى بِشُرُوطِهِ وَفَقْدِ مَوَانِعِهِ وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْفَاعِلِ، وَأَمَّا الْقَبُولُ فَهُوَ الرِّضَا بِالْعَمَلِ مَعَ الْإِثَابَةِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ مَنْعُ الصِّحَّةِ، بِخِلَافِ الصِّحَّةِ قَدْ تُوجَدُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَبُولَ أَخَصُّ وَالصِّحَّةُ أَعَمُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ مَكَانَ الْأَنْسَبِ، أَنْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَصِحَّ عَمَلُهُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الرِّيَاءِ مُبْطِلٌ لِلْعِبَادَةِ إجْمَاعًا، وَالْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ عِنْدَنَا بِمَعْنًى، وَلَعَلَّهُ آثَرَ التَّعْبِيرَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ لِأَنَّهُ مَلْزُومٌ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ غَالِبًا، وَبَنَوْا عَلَى مَا قَرَّرْنَا مِنْ أَهَمِّيَّةِ الصِّحَّةِ وَأَخَصِّيَّةِ الْقَبُولِ صِحَّةَ الدُّعَاءِ بِتَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ عَقِبَ الْعَمَلِ الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانَ يَلْزَمُ عَنْ الصِّحَّةِ الْقَبُولُ لَلَزِمَ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَافْهَمْ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الرِّيَاءَ مُفْسِدٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ فَرْضِيَّةُ الْإِخْلَاصِ وَعَدُّهُ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّا لَمْ نَرَ مَنْ عَدَّهُ مِنْ فَرَائِضِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ فَرْضِيَّةُ النِّيَّةِ كَافِيَةٌ لِتَضَمُّنِهَا لَهُ لِأَنَّهُ قَصَدَ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْعَمَلَ لِلَّهِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: النِّيَّةُ هِيَ الْإِخْلَاصُ لِأَنَّ النَّاوِيَ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ خَالِقِهِ قَدْ قَصَدَ وَجْهَهُ بِالْعِبَادَةِ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَمِلَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ عِلْمِ النَّاسِ بِعِلْمِهِ وَمَدْحِهِمْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ لَا يُبْطِلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ رِيَاءً، كَمَا لَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِعَجَبِهِ بِعَمَلِهِ أَيْ بِرُؤْيَتِهِ حَسَنًا وَاسْتِعْظَامِهِ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ الْبَارِئِ ﷾. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أَيْ مَا عَبَدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَكَذَا لَا يَبْطُلُ بِالتَّسْمِيعِ وَهُوَ إعْلَامُ النَّاسِ بِعِلْمِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِقَصْدِ تَعْظِيمٍ أَوْ إعْطَاءِ دُنْيَا، وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ التَّسْمِيعِ كَالْعُجْبِ لِخَبَرِ مَنْ سَمَّعَ بِالتَّشْدِيدِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَيْ يُنَادَى عَلَيْهِ فُلَانٌ قَدْ عَمِلَ عَمَلًا أَرَادَ بِهِ غَيْرِي، وَإِنَّمَا لَمْ يُبْطِلْ الْعُجْبُ وَالتَّسْمِيعُ الْعِبَادَةَ لِحُصُولِهِمَا بَعْدَ الْعِبَادَةِ. (فَائِدَةٌ) وَرَدَ عَنْهُ - ﷺ -: «أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّقِيَ الرِّيَاءَ وَلَا
[ ٢ / ٣٠٠ ]
[حكم التوبة]
فَرِيضَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ وَالْإِصْرَارُ الْمُقَامُ عَلَى الذَّنْبِ وَاعْتِقَادُ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَمِنْ التَّوْبَةِ رَدُّ الْمَظَالِمِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَالنِّيَّةُ أَنْ لَا يَعُودَ وَلْيَسْتَغْفِرْ رَبَّهُ وَيَرْجُو رَحْمَتَهُ وَيَخَافُ عَذَابَهُ وَيَتَذَكَّرُ نِعْمَتَهُ لَدَيْهِ وَيَشْكُرُ فَضْلَهُ عَلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَحْصُلُ لَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِك شَيْئًا نَعْلَمُهُ وَنَسْتَغْفِرُك لِمَا لَا نَعْلَمُهُ» . وَلَمَّا كَانَ الرِّيَاءُ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ وَمُفْسِدًا لِلْعِبَادَةِ، وَكَانَ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ مُوجِبًا لِلتَّوْبَةِ قَالَ عَقِبَ الرِّيَاءِ: [حُكْم التَّوْبَةُ] (وَالتَّوْبَةُ فَرِيضَةٌ) عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا. (مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ) مِنْ الْكَبَائِرِ اتِّفَاقًا وَمِنْ الصَّغَائِرِ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّنْبُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، لَكِنَّ الْمَعْلُومَ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ تَفْصِيلًا وَالْمَجْهُولُ إجْمَالًا، وَقِيلَ: إنَّ الصَّغَائِرَ لَا تَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ الذُّنُوبُ عِنْدَنَا قِسْمَانِ صَغِيرَةٌ كَبِيرَةٌ فَالثَّانِي مِنْهُ الْمَتَابُ وَاجِبٌ فِي الْحَالِ وَلَا انْتِقَاضَ إنْ يَعُدْ لِلْحَالِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَهَا مُكَفِّرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ كَمَا قَالَ اللَّهُ وَقَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا، وَبِالصَّلَوَاتِ وَالْحَسَنَاتِ وَبِالْأَمْرَاضِ وَالْمَصَائِبِ. وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ إسْلَامُهُ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] إلَّا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوْ يُغَرْغِرَ، وَتَوْبَةُ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي رُجُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ إلَى أَفْعَالٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ قِيلَ قَطْعًا وَقِيلَ ظَنًّا، وَتُقْبَلُ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ الْغَرْغَرَةِ وَلَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فِيهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا لِصِبَاهُ أَوْ جُنُونِهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ إسْلَامُهُ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ، وَوُجُوبُ التَّوْبَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا يُنَافِي جَوَازَ غُفْرَانِهَا بِمَحْضِ الْعَفْوِ، وَقَدْ تَكُونُ التَّوْبَةُ مُسْتَحَبَّةً وَهِيَ التَّوْبَةُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَكْرُوهَاتِ وَأَكْلِ الْمُتَشَابِهَاتِ وَهِيَ تَوْبَةُ الزُّهَّادِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى الْفَوْرِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ) وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِصْرَارُ الْمُقَامُ) بِضَمِّ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْإِقَامَةِ (عَلَى الذَّنْبِ وَاعْتِقَادُ) أَيْ نِيَّةُ (الْعُودِ إلَيْهِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنَافٍ لِحَقِيقَةِ التَّوْبَةِ إذْ هِيَ النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعُودِ وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ. (فَائِدَةٌ) يُقَالُ: الْعَجَلَةُ فِي الْأُمُورِ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: التَّوْبَةُ وَالصَّلَاةُ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَدَفْنُ الْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ إذَا قَدِمَ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ، فَهَذِهِ سِتَّةٌ يُطْلَبُ فِيهَا الْعَجَلَةُ. (وَمِنْ) وَاجِبَاتِ (التَّوْبَةِ رَدُّ الْمَظَالِمِ) إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ إنْ كَانَتْ أَمْوَالًا وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ أَوْ يَرُدَّهَا إلَى الْوَارِثِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ وَارِثًا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَظْلُومِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْرَاضًا كَقَذْفٍ أَوْ غِيبَةٍ اسْتَحْلَلَ الْمَقْذُوفَ أَوْ الْمُغْتَابَ إنْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ وَجَدَهُ مَاتَ فَيُكْثِرُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ لِيُعْطَى مِنْهَا الْمَظْلُومُ. (وَ) مِنْ وَاجِبَاتِ التَّوْبَةِ أَيْضًا (اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْإِقْلَاعِ فِي الْحَالِ عَنْهَا. (وَ) مِنْ وَاجِبَاتِهَا أَيْضًا (النِّيَّةُ) أَيْ الْعَزْمُ عَلَى (أَنْ لَا تَعُودَ) إلَيْهِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا بُدَّ فِي صِحَّتِهَا مِنْ أَرْكَانٍ وَهِيَ: النَّدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعُودِ، وَرَدُّ الْمَظَالِمِ عَلَى مَا فِيهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى تِلْكَ الْأَرْكَانِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مَبْسُوطًا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَأَشَارَ هُنَا إلَى شُرُوطِ التَّوْبَةِ الْكَمَالِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَلْيَسْتَغْفِرْ) التَّائِبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (رَبَّهُ) أَيْ يَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَسْتُرَ مَا سَلَف مِنْهُ، وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ التَّائِبِ الِاسْتِغْفَارُ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «إنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَوَرَدَ أَيْضًا عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» . وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ هُوَ مَا يَحُلُّ عُقْدَةَ الْإِصْرَارِ، وَيَثْبُتُ مَعْنَاهُ فِي الْجِنَانِ بِأَنْ يُوَافِقَ مَا فِي قَلْبِهِ مَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ لَا مُجَرَّدَ التَّلَفُّظِ بِاللِّسَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْوِجٌ لِلِاسْتِغْفَارِ وَصَغِيرَةٌ لَاحِقَةٌ بِالْكَبَائِرِ. (وَ) يُطْلَبُ مِنْ التَّائِبِ أَيْضًا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَنْ (يَرْجُوَ رَحْمَتَهُ) بِأَنْ يَطْمَعَ فِي حُصُولِهَا مَعَ أَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ الْحُصُولِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. (وَ) يُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ (يَخَافَ عَذَابَهُ) لِأَنَّهُ وَإِنْ تَابَ تَوْبَةً نَصُوحًا فِي الظَّاهِرِ لَا يُقْطَعُ بِالْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْخَوْفُ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الشَّخْصِ قَبْلَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمَوْتِ غَلَبَةُ الْخَوْفِ، لِأَنَّ الْخَوْفَ مُطْفِئٌ لِنَارِ الشَّهْوَةِ وَقَامِعٌ لِمَحَبَّةِ الدُّنْيَا مِنْ الْقَلْبِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ فَالْأَفْضَلُ الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ، لِأَنَّ الْخَوْفَ جَارٍ مَجْرَى السَّوْطِ الْبَاعِثِ عَلَى الْعَمَلِ وَقَدْ انْقَضَى وَقْتُ الْعَمَلِ، فَالْمُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ فَالْمَطْلُوبُ عَنْهُ إذْ ذَاكَ الرَّجَاءُ وَزِيَادَةُ حُسْنِ الظَّنِّ فِي رَبِّهِ لِخَبَرِ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ» وَلِذَا لَمَّا حَضَرَتْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ وَاذْكُرْ لِي الرَّجَاءَ
[ ٢ / ٣٠١ ]
بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ وَتَرْكِ مَا يَكْرَهُ فِعْلَهُ وَيَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ، وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرَائِضِهِ فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ وَلْيَرْغَبْ إلَى اللَّهِ فِي تَقَبُّلِهِ وَيَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ تَضْيِيعِهِ وَلْيَلْجَأْ إلَى اللَّهِ فِيمَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ وَمُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ مُوقِنًا أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَأْنِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ لَا يُفَارِقُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ حَسَنٍ أَوْ قَبِيحٍ وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْفِكْرَةُ فِي أَمْرِ اللَّهِ مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ فَاسْتَعِنْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وَالْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ وَفِي نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك وَإِمْهَالِهِ لَك وَأَخْذِهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عِنْدَ الْمَوْتِ لِابْنِهِ: اُذْكُرْ لِي الْأَخْبَارَ الَّتِي فِيهَا الرَّجَاءُ وَحُسْنُ الظَّنِّ. (وَ) يُطْلَبُ مِنْ التَّائِبِ أَيْضًا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ أَنْ (يَتَذَكَّرَ نِعْمَتَهُ) تَعَالَى (لَدَيْهِ) وَهِيَ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ وَإِقْدَارُهُ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] لِأَنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ يَكُون سَبَبًا لِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ. (وَ) يُطْلَبُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ (يَشْكُرَ فَضْلَهُ) تَعَالَى (عَلَيْهِ) بِأَنْ يَأْتِيَ (بِالْأَعْمَالِ بِفَرَائِضِهِ) الَّتِي افْتَرَضَهَا عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] (وَ) بِالِامْتِثَالِ لِ (تَرْكِ مَا يُكْرَهُ) أَوْ يُحَرِّمُ ﷾ (فِعْلَهُ) أَوْ قَوْلَهُ فَمَكْرُوهُ الْفِعْلِ كَالصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ، وَمَكْرُوهُ الْقَوْلِ كَالتَّكَلُّمِ مِمَّا لَا يَعْنِي، وَالْمُحَرَّمُ فِعْلُهُ كَالزِّنَا، وَالْمُحَرَّمُ الْقَوْلُ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ. (وَ) يُطْلَبُ مِنْ التَّائِبِ أَيْضًا أَنْ (يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ) ﷾ (بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا لِخَبَرِ: «لَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْته، وَإِنْ اسْتَعَاذَ بِي لَأُعِيذَنَّهُ» . (وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ) أَيْ التَّائِبُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (مِنْ فَرَائِضَ) قَبْلَ تَوْبَتِهِ (فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ) وُجُوبًا عَلَى الْفَوْرِيَّةِ وَلَوْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ حَيْثُ تَحَقَّقَ تَرْكُهَا وَإِلَّا تَوَقَّى أَوْقَاتَ النَّهْيِ، وَلَا يُوَسَّعُ لَهُ فِي التَّأْخِيرِ إلَّا زَمَنَ اشْتِغَالِهِ فِي نَوْمِهِ أَوْ ضَرُورِيَّاتِهِ أَوْ حُضُورِ عِلْمِ مُتَعَيِّنٍ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّوَافِلُ قَبْلَ قَضَاءِ الْفَرْضِ سِوَى الْمُؤَكَّدِ كَالْوِتْرِ وَالْعِيدِ وَالْفَجْرِ، وَإِذَا لَمْ يَدْرِ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْهَا احْتَاطَ. (وَلْيَرْغَبْ) التَّائِبُ أَنْ يَتَضَرَّعَ وَيَتَذَلَّلَ (إلَى اللَّهِ فِي تَقَبُّلِهِ) لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْفَرَائِضِ بَعْدَ تَضْيِيعِهَا. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يَتُوبَ عَلَيْهِ مِنْ) أَجْلِ (تَضْيِيعِهِ) لِلْفَرَائِضِ لِمَا نَصُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ تَأْخِيرَ الْفَرَائِضِ عَنْ أَوْقَاتِهَا عَمْدًا مِنْ الْكَبَائِرِ. (وَلْيَلْجَأْ) أَيْ يَتَضَرَّعْ (إلَى اللَّهِ) وَيَفْزَعْ إلَيْهِ (فِيمَا عَسُرَ) أَيْ صَعُبَ (عَلَيْهِ مِنْ قِيَادَةِ نَفْسِهِ) إلَى الطَّاعَةِ لِرَغْبَتِهَا عَنْهَا وَعَدَمِ مَيْلِهَا لِفِعْلِهَا، فَيَطْلُبُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُوَفِّقَهُ إلَى فِعْلِهَا، فَمَعْنَى قِيَادَةِ نَفْسِهِ امْتِثَالُهَا وَمَيْلُهَا إلَى الطَّاعَةِ، فَيَلْجَأُ إلَى اللَّهِ أَنْ يُذَلِّلَهَا، وَيَجْعَلَ الطَّاعَةَ سَهْلَةً عَلَيْهَا لِأَنَّهُ الْمُسَهِّلُ وَالْمُوَفِّقُ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الدُّعَاءِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ مَكِّنَّا أَنْفُسَنَا وَلَا تُسَلِّطْهَا عَلَيْنَا. (وَ) كَمَا يَلْجَأُ وَيَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ فِيمَا عَسُرَ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ يَلْجَأُ إلَيْهِ فِي (مُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ) الْمُشْكِلِ عَلَيْهِ فِي كَوْنِ فِعْلِهِ أَحْسَنَ لَهُ أَوْ تَرْكِهِ، فَيَتَضَرَّعُ إلَيْهِ فِي إلْهَامِهِ لِمَا فِيهِ خَيْرٌ لَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ حَالَةَ كَوْنِهِ (مُوقِنًا) أَيْ مُصَدِّقًا (أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَأْنِهِ) أَيْ أَمْرِهِ كُلِّهِ (وَ) أَنَّهُ الْمَالِكُ لِ (تَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ إذْ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُطْلَبُ مِنْهُ أَنْ (لَا يُفَارِقَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ بَلْ يَلْزَمُهَا (عَلَى مَا فِيهِ) أَيْ عَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ فِيهِ (مِنْ حُسْنٍ) أَيْ طَاعَةٍ (أَوْ قُبْحٍ) أَيْ مَعْصِيَةٍ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْعَاقِلِ مُلَازِمًا اللُّجُوءَ إلَى خَالِقِهِ إصْلَاحُ شَأْنِهِ وَتَوْفِيقُهُ إلَى فِعْلِ مَا يُرْضِيه ﷾، لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ وَإِلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِطَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، فَلَا تَمْنَعُهُ الْمَعْصِيَةُ مِنْ اللُّجُوءِ إلَى خَالِقِهِ بَلْ يَلْجَأُ إلَيْهِ. (وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ تَوْبَةَ عَبْدِهِ كُلَّمَا يُذْنِبُ، وَلِأَنَّ الْيَأْسَ وَالْقُنُوطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَفِي الْحَدِيثِ: «اعْمَلْ مَا شِئْت فَقَدْ غَفَرْت لَك» فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَا دُمْت تُذْنِبُ ثُمَّ تَتُوبُ غَفَرْت لَك، قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْبُ مِرَارًا وَتَابَ كُلَّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَتْ ذُنُوبُهُ. (تَنْبِيهٌ) اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي حَذْفِ عَائِدِ مَا الْمَوْصُولَةِ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى مَا فِيهِ، فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: عَلَى مَا هُوَ فِيهِ لِأَنَّ الْعَائِدَ مُطْلَقًا لَا يُحْذَفُ إذَا كَانَ الْبَاقِي صَالِحًا لِلْوَصْلِ، وَالظَّرْفُ هُنَا فِيهِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ فَهُوَ صَالِحٌ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ: وَأَبَوَا أَنْ يَخْتَزِلَ إنْ صَلُحَ الْبَاقِي لِوَصْلٍ مُكْمِلٍ وَلَمَّا كَانَ يُطْلَبُ مِنْ الْإِنْسَانِ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ عَجْزَ نَفْسِهِ فَيُفَوِّضَ أَمْرَهُ إلَى خَالِقِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ قَالَ: (وَالْفِكْرَةُ) أَيْ التَّفَكُّرُ وَالتَّأَمُّلُ (فِي أَمْرِ اللَّهِ) أَيْ فِي مَصْنُوعَاتِهِ وَخَبَرُ الْفِكْرَةِ (مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ) لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا تَفَكَّرَ وَنَظَرَ فِي
[ ٢ / ٣٠٢ ]
لِغَيْرِك بِذَنْبِهِ وَفِي سَالِفِ ذَنْبِك وَعَاقِبَةِ أَمْرِك وَمُبَادَرَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَصْنُوعَات خَالِقِهِ عَلِمَ وُجُوبَ وُجُودِهِ وَكَمَالَ قُدْرَتِهِ وَحَقِّيَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ فَيَجِدُّ فِي عِبَادَتِهِ «قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وَلِذَا قَالَ - ﵊ -: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ إذَا عَبَدَ اللَّهَ ثَلَاثِينَ سَنَةً تُظِلُّهُ سَحَابَةٌ، فَعَبَدَ اللَّهَ فَتًى مِنْهُمْ فَلَمْ تُظِلُّهُ فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: لَعَلَّ وَقَعَ مِنْك فُرُطَةً، فَقَالَ: لَمْ يَقَعْ مِنِّي شَيْءٌ، قَالَتْ: لَعَلَّك نَظَرْت مَرَّةً إلَى السَّمَاءِ فَلَمْ تَعْتَبِرْ، قَالَ: لَعَلَّ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَمَا أُتِيتَ إلَّا مِنْ ذَلِكَ. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْفِكْرَةُ فِي أَمْرِ إلَخْ أَنَّهُ لَا يَتَفَكَّرُ فِي ذَاتِهِ تَعَالَى لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى إدْرَاكِهَا، وَلِذَا قَالَ - ﷺ - لِقَوْمٍ اشْتَغَلُوا بِالتَّفَكُّرِ فِي اللَّهِ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ» فَالْأَدَبُ النَّظَرُ فِي عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ نَفْسُ الشَّخْصِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالنَّظَرِ فِي نَفْسِهِ عَلَى وُجُوبِ وُجُودِ صَانِعِهِ لِاسْتِحَالَةِ إيجَادِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ، وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «أَتَانِي النَّبِيُّ - ﷺ - فِي لَيْلَتِي حَتَّى مَسَّ جِلْدُهُ جِلْدِي ثُمَّ قَالَ: ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي ﷿، فَقَامَ إلَى الْقِرْبَةِ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، مَا اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ حَتَّى أَتَى بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُبْكِيك وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا بِلَالُ وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ: وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» . وَقَالَ ابْنُ الْعَبَّاسِ: رَكْعَتَانِ مَعَ تَفَكُّرٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ بِلَا قَلْبٍ. وَقَالَ أَيْضًا: التَّفَكُّرُ فِي الْخَيْرِ يَدْعُو إلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَالنَّدَمُ عَلَى الشَّرِّ يَدْعُو إلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تَفَكَّرَ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ. وَبَيْنَا ابْنُ سُرَيْجٍ يَمْشِي إذْ جَلَسَ فَتَقَنَّعَ بِكِسَائِهِ وَجَعَلَ يَبْكِي، فَقُلْنَا: مَا يَبْكِيك؟ قَالَ: تَفَكَّرْت فِي ذَهَابِ عُمْرِي وَقِلَّةِ عَمَلِي وَاقْتِرَابِ أَجَلِي. وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَالِ، فَإِنَّ النَّفْسَ شَمَخَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَنْ الْعِبَادَةِ وَتَعَلَّقَتْ بِمَحَبَّةِ الدُّنْيَا، فَإِذَا حَصَلَ التَّفَكُّرُ انْقَمَعَتْ وَرَجَعَتْ إلَى الْعِبَادَةِ. وَإِذَا عَلِمْتَ مَشْمَخَةَ النَّفْسِ عَنْ الْعِبَادَةِ وَاشْتَدَّ تَعَلُّقُهَا بِمَحَبَّةِ الدُّنْيَا حَتَّى صَدَّتْهَا عَنْ الْآخِرَةِ (فَاسْتَعِنْ بِذَكَرِ الْمَوْتِ) عَلَى نَفْسِك لِأَنَّهُ هَاذِمُ اللَّذَّاتِ، وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ قَصُرَ أَمَلُهُ وَكَثُرَ عَمَلُهُ وَاسْتَعَدَّ وَتَهَيَّأَ لِلْمَوْتِ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، وَلِذَلِكَ يُطْلَبُ تَقْصِيرُ الْأَمَلِ إلَّا لِلْعَالِمِ، وَلِذَا قَالَ - ﷺ -: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» . (وَ) اسْتَعِنْ عَلَى نَفْسِك أَيْضًا بِذِكْرِ (الْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ فِيمَا يَحْصُلُ لَك بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَالْعَذَابِ الَّذِي مِنْهُ ضَغْطَةُ الْقَبْرِ الَّتِي لَمْ يَنْجُ مِنْهَا إلَّا الْأَنْبِيَاءُ، وَالْمُكْثِ فِي الْقَبْرِ مُدَّةَ الْبَرْزَخِ مَعَ كَوْنِهِ وَحِيدًا، وَالْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْحِسَابِ وَالْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ الَّذِي لَا بُدَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُرُورِ عَلَيْهِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ مَعَ كَوْنِهِ دَقِيقًا وَمَمْدُودًا عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي هَذِهِ الْعَظَائِمِ مُنَغِّصٌ وَمُزَهِّدٌ فِي الدُّنْيَا وَمُرَغِّبٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَمِنْ نُحِبُّ لِلْعَمَلِ لَهَا. (وَ) اسْتَعِنْ أَيْضًا أَيُّهَا الْمُنْهَمِكُ عَلَى تَبْلِيغِ نَفْسِك مُشْتَهَاهَا بِالْفِكْرَةِ (فِي) إسْبَاغِ (نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك) فَإِنَّك إذَا تَفَكَّرْت فِي ذَلِكَ تَسْتَحِي أَنْ تَعْصِيَهُ، لِأَنَّ الْإِحْسَانَ يَسْتَرِقُّ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ وَيَحْمِلُهُ عَلَى خِدْمَةِ سَيِّدِهِ. (وَ) إذَا لَمْ يَقْمَعْهَا التَّفَكُّرُ فِي النِّعْمَةِ اسْتَعِنْ عَلَيْهَا بِالْفِكْرَةِ فِي (إمْهَالِهِ لَك) أَيْ تَأْخِيرِهِ لَك تَارِكًا عُقُوبَتَك عَلَى عِصْيَانِهِ. (وَأَخْذِهِ لِغَيْرِك) سَرِيعًا (بِذَنْبِهِ) مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ مِمَّنْ كَانَ يُؤْخَذُ بِذَنْبِهِ سَرِيعًا، وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: إذَا رَأَيْت رَبَّك يُوَالِي عَلَيْك نِعَمَهُ فَاحْذَرْهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . (وَ) إذَا لَمْ تَنْقَمِعْ نَفْسَك بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا سَبَقَ اسْتَعِنْ عَلَيْهَا بِالتَّفَكُّرِ (فِي سَالِفِ ذَنْبِك) أَيْ فِي الذَّنْبِ الَّذِي سَلَفَ وَوَقَعَ مِنْك فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ وَاخْشَ الْمُعَاقَبَةَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ الْمُكَفِّرِ لِلذُّنُوبِ. (وَ) إنْ لَمْ تَنْزَجِرْ وَتُنْقِذْ نَفْسَك اسْتَعِنْ بِالتَّفَكُّرِ فِي (عَاقِبَةِ أَمْرِك) لِأَنَّك لَا تَدْرِي مَا الْخَاتِمَةُ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي أَنْ لَا تُخَيِّرَ نَفْسَك عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّك لَا تَدْرِي مَا الْخَاتِمَةُ، فَيَحْمِلُك ذَلِكَ عَلَى هَضْمِ النَّفْسِ وَتَرْكِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَعَلَى عَدَمِ الْعَظَمَةِ عَلَى الْإِخْوَانِ، لِأَنَّ رُؤْيَةَ الشَّخْصِ نَفْسَهُ رَفِيعًا عَنْ إخْوَانِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْآفَاتِ أَعَاذَنَا اللَّهُ وَمِنْ نُحِبُّ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ الْمَطْلُوبُ مِنْ الشَّخْصِ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ دَائِمًا فِي حَضِيضِ النُّقْصَانِ فِي سَائِرِ أُمُورِهِ حَتَّى عِبَادَتِهِ، لِأَنَّ التَّوَاضُعَ ذَرِيعَةٌ إلَى الرِّفْعَةِ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ: اتَّضِعْ وَلَا تَرْتَفِعْ، وَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ مِنْ وَرَعٍ وَلَا يَتَّسِعُ. (وَ) إذَا لَمْ يُكْسِبْك التَّفَكُّرُ فِيمَا مَضَى مَا يَقْمَعُ نَفْسَك عَنْ غَيِّهَا اسْتَعِنْ عَلَيْهَا بِالتَّفَكُّرِ فِي (مُبَادَرَةِ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك) وَالْمَعْنَى: خَوِّفْ نَفْسَك بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ سَرِيعًا، لِأَنَّك لَا تَدْرِي هَلْ بَقِيَ مِنْ
[ ٢ / ٣٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عُمُرِك قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ؟ وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَنْبَغِي لَك يَا أَخِي إذَا خَرَجَ مِنْك نَفَسٌ أَنْ تُخَوِّفَ نَفْسَك بِقَوْلِك لَهَا: لَا أَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ بَعْدَهُ نَفَسٌ أَوْ هُوَ آخِرُ الْأَنْفَاسِ. وَالتَّفَكُّرُ فِي قُرْبِ الْأَجَلِ يُقَلِّلُ الْأَمَلَ وَيُعِينُ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعَمَلِ، وَطُولُ الْأَمَلِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَيُضْعِفُ الْعَمَلَ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَغْتَرَّ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ قُوَّةٍ، لِأَنَّ الَّذِي أَعْطَى مَا ذُكِرَ قَادِرٌ عَلَى سَلْبِهِ وَإِنْزَالِ ضِدِّهِ، فَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْعَاقِلِ الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ وَمُلَابَسَةُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ رَجَاءَ أَنْ يَمُوتَ عَلَى السَّعَادَةِ وَهِيَ الْمَوْتُ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمَنْ لَا فِكْرَةَ عِنْدَهُ قَدْ يَأْتِيه الْمَوْتُ سُرْعَةً وَهُوَ مُطِيعٌ لِهَوَاهُ فَيَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْآدَابَ فِي هَذَا الْبَابِ حَثًّا لِلطَّالِبِ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهَا، لِأَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهَا صَارَ مِنْ أَكَابِرِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ جَرَّدُوا قُلُوبَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَاسْتَحْقَرُوا جَمِيعَ مَا سِوَاهُ، وَفَّقَنَا اللَّهُ وَمَنْ نُحِبُّ لِلْعَمَلِ بِمَا فِي كِتَابِهِ، لِأَنَّ الْعَامِلَ بِمَا فِيهِ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِسُنَّةِ الْمُصْطَفَى - ﷺ -، فَرَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَدْعُ شَيْئًا مِمَّا يُطْلَبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ إلَّا نَبَّهَ عَلَيْهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْمُكَلَّفِ وَبَاطِنِهِ، شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْسِينِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ لِأَنَّ تَحْسِينَ الْبَاطِنِ أَوْكَدُ مِنْ تَحْسِينِ الظَّاهِرِ فَقَالَ:
[ ٢ / ٣٠٤ ]