_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَابٌ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ] (بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (الْأَقْضِيَةِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ كَقَبَاءٍ وَأَقْبِيَةٍ، وَأَصْلُ قَضَاءٍ قَضَائِي لِأَنَّهُ مِنْ قَضَيْت وَالْهَمْزَةُ تُبْدَلُ مِنْ الْيَاءِ وَالْوَاوِ الْوَاقِعَيْنِ بَعْدَ الْأَلِفِ كَسَمَاءٍ وَبِنَاءٍ، وَجُمِعَ عَلَى أَقْضِيَةٍ لِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: وَالْزَمْهُ فِي فَعَالٍ أَوْ فِعَالٍ مُصَاحِبَيْ تَضْعِيفٍ أَوْ إعْلَالِ وَالضَّمِيرُ فِي الْزَمْهُ عَائِدٌ عَلَى جَمْعِ أَفْعِلَةٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَقَضَاءٌ عَلَى وَزْنِ فَعَالٍ فَيُجْمَعُ عَلَى أَفْعِلَةٍ فَيُقَالُ أَقْضِيَةٌ وَمِثْلُ قَضَاءٍ قَضِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا تُجْمَعُ عَلَى قَضَايَا كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا، وَمَعْنَى الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ فِي اللُّغَةِ الْحُكْمُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] أَيْ حَكَمَ وَقَدْ يَكُونُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ نَحْوُ قَضَيْت حَاجَتِي بِمَعْنَى فَرَغْت مِنْهَا، وَبِمَعْنَى الْفَصْلِ نَحْوُ قَضَى الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ بِمَعْنَى فَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ شَرْعًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا نُفُوذَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ أَوْ تَجْرِيحٍ لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُ التَّحْكِيمُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا وِلَايَةُ الشُّرْطَةِ وَأَخَوَاتُهَا، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَضَاءَ نَافِذٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: لَا فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ، وَلَا تَفْرِيقُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا تَرْتِيبُ الْجُيُوشِ، وَلَا قَتْلُ الْبُغَاةِ، وَلَا الْإِقْطَاعَاتُ وَهِيَ إعْطَاءُ الْأَطْيَانِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ. (وَ) فِي أَحْكَامِ (الشَّهَادَاتِ) جَمْعُ شَهَادَةٍ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْبَيَانُ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الرَّسُولُ شَاهِدًا وَالْعَالِمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا يُبَيِّنَانِ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ قَوْلٌ بِحَيْثُ يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعَهُ الْحُكْمَ بِمُقْتَضَاهُ إنْ عَدَلَ قَائِلُهُ مَعَ تَعَدُّدِهِ أَوْ حَلَفَ طَالِبُهُ، فَقَوْلُهُ: يُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إلَخْ يُخْرِجُ الرِّوَايَةَ وَالْخَبَرَ الْقَسِيمَ لِلشَّهَادَةِ وَإِخْبَارُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَى مَا كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ التَّعَدُّدِ أَوْ الْحَلِفِ، وَتَدْخُلُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَبِهَذَا تَمَيَّزَتْ الرِّوَايَةُ مِنْ الشَّهَادَةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْمُجْبَرِ عَنْهُ لَا تَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَأَيْضًا الرِّوَايَةُ خَبَرٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَالشَّهَادَةُ إمَّا إخْبَارٌ لَفْظًا وَإِنْشَاءٌ مَعْنًى لَا مَحْضٌ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ، وَإِمَّا مَحْضٌ إنْشَاءً وَبِهِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَوْلُ الشَّاهِدِ أَشْهَدُ بِكَذَا إنْشَاءٌ إذًا لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، وَأَيْضًا الشَّهَادَةُ يُطْلَبُ فِيهَا التَّعَدُّدُ أَوْ حَلِفُ الطَّالِبِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: الشَّهَادَةُ قَوْلٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ شُرُوطَ الْقَضَاءِ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِي الْقَاضِي وَنَحْنُ نُبَيِّنُهَا بِفَضْلِ اللَّهِ فَنَقُولُ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ وَاجِبٌ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَقِسْمٌ وَاجِبٌ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ، وَقِسْمٌ مُسْتَحَبٌّ، فَالْوَاجِبُ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِيَّةِ كَوْنُهُ عَدْلًا ذَكَرًا فَطِنًا مُجْتَهِدًا إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَشْهُورِ مَذْهَبِ إمَامِهِ، وَالْوَاجِبُ الْغَيْرُ الشَّرْطِيِّ كَوْنُهُ بَصِيرًا سَمِيعًا مُتَكَلِّمًا فَلَا تَجُوزُ تَوْلِيَةُ أَضْدَادِهَا فَإِنْ وَلَّى وَحَكَمَ مَضَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ، وَاَلَّذِي لَا يَكْتُبُ كَالْأَعْمَى لَا تَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا وَتَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ لِلْفَتْوَى، وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ غَنِيًّا بَلَدِيًّا وَرِعًا حَلِيمًا مُسْتَشِيرًا لِلْعُلَمَاءِ غَيْرَ مَدِينٍ، وَكَوْنُهُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ وَغَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ وَغَيْرَ مَحْدُودٍ وَخَالِيًا عَنْ بِطَانَةِ السُّوءِ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ أَيْضًا حُكْمَ الْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَنَقُولُ: الْقِيَامُ بِهِ تَعْتَرِيهِ أَحْكَامٌ سِتَّةٌ: الْوُجُوبُ الْكِفَائِيُّ عِنْدَ
[ ٢ / ٢١٩ ]
وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَلَا يَمِينَ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ أَوْ الظِّنَّةُ كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وُجُودِ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْأَجْرِ، وَالْجَوْرُ فِيهِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ مِحْنَةٌ مَنْ دَخَلَ فِيهِ اُبْتُلِيَ بِعَظِيمٍ لِتَعْرِيضِهِ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ، إذْ التَّخَلُّصُ فِيهِ عُسْرٌ لِخَبَرِ النَّسَائِيّ عَنْهُ - ﷺ -: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ وَحَكَمَ لِلنَّاسِ بِالْجَهْلِ فَهُوَ فِي النَّارِ» . وَالْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِشُرُوطِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً - إنْ لَمْ يَتَوَلَّ - أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِالضَّرْبِ. وَالْمُحَرَّمُ كَوْنُهُ جَاهِلًا أَوْ قَاصِدًا بِهِ تَحْصِيلَ الدُّنْيَا مِنْ الْأَخْصَامِ أَوْ جَائِرًا، وَالْمُسْتَحَبُّ كَتَوْلِيَتِهِ لِإِشْهَارِ عِلْمِهِ، وَالْمُبَاحُ كَقَصْدِ الِارْتِزَاقِ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِفَقْرِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمَهُ أَوْ كَرَاهَتَهُ. وَالْمَكْرُوهُ كَتَوْلِيَتِهِ لِقَصْدِ تَحْصِيلِ الْجَاهِ وَتَصْيِيرِهِ عَظِيمًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَوْ قِيلَ بِحُرْمَةِ هَذَا لِمَا بَعْدَ هَذَا. قَالَ بَعْضٌ: وَأَقُولُ الْقِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَهْمِ أَنَّ مَعْنَى صَيْرُورَتِهِ مُعَظَّمًا بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَا جَاهٍ وَأَنَفَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَمُحَالٌ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقِيلِ يَقْصِدُ هَذَا، وَإِنَّمَا الَّذِي يُرِيدُهُ بِصَيْرُورَتِهِ مُعَظَّمًا أَنْ يَصِيرَ مُحْتَرَمًا بِحَيْثُ لَا يُعَارَضُ فِي أَمْرٍ يَفْعَلُهُ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ مَنْ يُنَصِّبُ الْقَاضِيَ وَاَلَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ نَائِبُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ هُمْ الَّذِي يُقِيمُونَهُ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ السُّلْطَانِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ وِلَايَةُ الْإِمَامِ لِلْقَاضِي بِالْمُشَافَهَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَتْ بِإِرْسَالٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فَوْرِيَّةُ الْقَبُولِ، وَيَكْفِي فِي الْوِلَايَةِ مَعْرِفَةُ خَطِّ الْمُوَلَّى دُونَ إشْهَادٍ وَيَكْفِي فِيهَا الشُّيُوعُ، فَلَوْ حَكَمَ مِنْ غَيْرِ شُيُوعٍ مَضَى، وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَنِيبَ غَيْرَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الِاسْتِنَابَةِ خَارِجًا عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، بِخِلَافِ الْحَاكِمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا إذَا كَانَ جَالِسًا وَقْتَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَصَدَّرَ الْبَابَ بِحَدِيثٍ صَحِيحٍ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ عُرِّيَتْ دَعْوَاهُ عَنْ مُرَجِّحٍ غَيْرِ شَهَادَةٍ. (وَالْيَمِينُ عَلَى) الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (مَنْ أَنْكَرَ) وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ اقْتَرَنَتْ دَعْوَاهُ بِهِ أَيْ بِالْمُرَجِّحِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدَّقٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ، أَوْ تَقُولُ: الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي يَقُولُ كَانَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَمْ يَكُنْ، أَوْ تَقُولُ: الْمُدَّعِي هُوَ الَّذِي لَوْ سَكَتَ لَتُرِكَ عَلَى سُكُوتِهِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَوْ سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ عَلَى سُكُوتِهِ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: مَنْ عَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدْ عَرَفَ وَجْهَ الْقَضَاءِ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي رِفْقًا بِالْأُمَّةِ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُطْلَبُ مِنْ الْمُدَّعِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، كَمَا أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ عَلَى كُلِّ مُنْكِرٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ نَاجِي: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْ قَوْلُهُ: الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي إلَخْ مَخْصُوصٌ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّدْمِيَةُ فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَفْتَقِرُ فِيهَا إلَى بَيِّنَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بَلْ يَكْفِي اللَّوَثُ وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدَّمْنَا الْجَوَابَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا سَبَقَ. وَثَانِيهِمَا: الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي أَنَّ الْغَاصِبَ لَهَا وَطِئَهَا فَلَا تُكَلَّفُ بَيِّنَةً وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهَا الْوَطْءَ اتِّفَاقًا، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مُقَيَّدٍ بِالدَّعْوَى فِي الَّذِي يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، لَا فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا، فَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ أَوْ عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الدَّعْوَى. وَمَفْهُومُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَحَلَفَ بِشَاهِدٍ فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا نِكَاحٍ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَا عَلَى وَلِيِّهَا، فَإِنْ حَلَفَ الزَّوْجُ فِي الطَّلَاقِ وَالسَّيِّدُ فِي الْعِتْقِ رُدَّتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ دَيْنٌ فِيهِمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ شِدَّةُ ظُهُورِ النِّكَاحِ دُونَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ تَوَجَّهَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْإِنْكَارِ دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) أَيْ وَلَكِنْ لَا يَطْلُبُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (يَمِينَ) بِمُجَرَّدِ إنْكَارِهِ بَلْ (حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: حَالَةٌ تُرْفَعُ بَعْدَ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى لَا لِسُوءِ عَرْضِهِمَا فَيَخْرُجُ السَّرِقَةُ وَالْغَصْبُ، فَإِنَّ الدَّعْوَى تَتَوَجَّهُ فِيهِمَا عَلَى الْمُتَّهَمِ لِسُوءِ عَرْضِهِمَا؛ لِأَنَّ اتِّهَامَهُمَا يَقُومُ مَقَامَ الْخُلْطَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: إنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ لَا بَيِّنَةٍ جُرِحَتْ، وَلَمَّا كَانَ هُنَاكَ مَسَائِلُ ثَمَانِيَةٌ تَتَوَجَّهُ فِيهَا الْيَمِينُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى خُلْطَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا الصَّانِعَ وَالْمُتَّهَمَ وَالضَّيْفَ وَإِلَّا فِي دَعْوَى فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ الْوَدِيعَةِ
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ.
وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يُقْضَ لِلطَّالِبِ حَتَّى يَحْلِفَ فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَيَحْلِفُ قَائِمًا وَعِنْدَ مِنْبَرِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَلَى أَهْلِهَا وَالْمُسَافِرِ عَلَى رُفْقَتِهِ وَدَعْوَى مَرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ. (أَوْ الظِّنَّةُ) بِكَسْرِ الظَّاءِ أَيْ التُّهْمَةُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَتَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْخُلْطَةِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ لَيْسَتْ فِي جَمِيعِ الثَّمَانِ مَسَائِلَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُنْكِرِ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي حَالَةٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِيهَا إثْبَاتُ الْخُلْطَةِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ خَلِيلٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْخُلْطَةِ أَوْ الظِّنَّةِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْغَصْبِ أَوْ السَّرِقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَاَلَّذِي لِابْنِ نَافِعٍ أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ وَنَفَاهَا فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِمِصْرَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ عِنْدَنَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الشَّامِ إلَى الْآنَ فَإِنَّهُمْ يُوَجِّهُونَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ عِنْدَ عَدَمِ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي وَلَا يَسْأَلُونَ عَنْ خُلْطَةٍ وَلَا تُهْمَةٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْيَمِينِ عَلَى الْخُلْطَةِ أَوْ الظِّنَّةِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ قَضَى حُكَّامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ كَعَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَيُخَصَّصُ بِهِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَأَيْضًا ذَكَرَ الشَّاذِلِيُّ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ» . فَلَعَلَّ اسْتِشْهَادَهُ بِقَضَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي الْخُلْطَةَ وَالظِّنَّةَ فَلَا يُنَافِي ثُبُوتَ الْخُلْطَةِ فِي الْحَدَثِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - ﵁ -) لِأَنَّهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، فَفِعْلُهُ وَقَوْلُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّةٌ وَمَقُولَةٌ. (تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ) جَمْعُ قَضَاءٍ أَيْ أَحْكَامٌ يَسْتَنْبِطُهَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ. (بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ) أَيْ الْكَذِبِ وَالْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُجَدِّدَ أَحْكَامًا لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ بِقَدْرِ مَا يُحْدِثُهُ النَّاسُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ الشَّرْعِ، وَلَكِنْ لَوْ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَحَكَمُوا فِيهَا بِذَلِكَ نَحْوُ الْقِيَامِ الْمَطْلُوبِ فِي زَمَانِنَا لِتَرَتُّبِ الضَّرَرِ عَلَى تَرْكِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ سَبَبُهُ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَنَحْوُ الْحَلِفِ عَلَى الْمُصْحَفِ أَوْ عَلَى مَقَامِ شَيْخٍ أَوْ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ، فَإِنَّ سَبَبَ الْقِيَامِ وَسَبَبَ التَّحْلِيفِ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُعْهَدْ فِي زَمَنِ الْمُصْطَفَى وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي زَمَنِهِمْ لَحَكَمُوا فِيهِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا. وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْمُتَجَدِّدَةُ بِتَجَدُّدِ أَسْبَابِهَا لَيْسَتْ خَارِجَةً عَنْ الشَّرْعِ بَلْ هِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ عَدَمَ وُقُوعِهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَزَمَنِ الصَّحَابَةِ لِعَدَمِ حُصُولِ أَسْبَابِهَا، وَتَأْخِيرُ الْحُكْمِ لِتَأْخِيرِ سَبَبِهِ لَا يَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ حُكْمًا فِي اللِّوَاطِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى - ﵊ - وَلَا غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَوُجِدَ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْعُقُوبَةِ، وَلَا يُعَدُّ هَذَا تَجْدِيدًا لِشَرِيعَةٍ، وَيَجِبُ تَقْيِيدُ هَذَا كُلِّهِ بِأَنْ لَا يَلْزَمَ عَلَيْهِ إبَاحَةُ مُحَرَّمٍ وَلَا تَرْكُ وَاجِبٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَلِكُ لَا يَرْضَى مِنَّا إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ بِالزِّنَا أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي، أَوْ لَا يَرْضَى مِنَّا إلَّا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ لَمْ يَحِلَّ لَنَا أَنَّ نُوَافِقَهُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، إذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، وَلَا الْحُكْمَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَوْ وَقَعَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ الْحُكْمُ بِهِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي فُرُوقِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّ مَا قَالَهُ عُمَرُ لَيْسَ بِحَدِيثٍ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ ثُمَّ قَالَ كَالْمُسْتَأْنِفِ لِجَوَابِ سُؤَالٍ نَشَأَ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَهَلْ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ أَوْ بَعْدَ حَلِفِ الْمُدَّعِي؟ (وَإِذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) يَعْنِي امْتَنَعَ مِنْ الْحَلِفِ (لَمْ يُقْضَ) أَيْ لَمْ يُحْكَمْ (لِلطَّالِبِ) الَّذِي هُوَ الْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَاهُ بَلْ (حَتَّى يَحْلِفَ) أَيْ الطَّالِبُ (فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً) أَيْ عِلْمًا بِأَنْ يَقُولَ: أَتَحَقَّقُ أَنَّ لِي عِنْدَك دِينَارًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا وَهِيَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقُّهُ اسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنْ حُقِّقَ، وَمَفْهُومُ إنْ حُقِّقَ الَّذِي هُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحَقِّقْ بِأَنْ كَانَ مُوجِبُ الْيَمِينَ التُّهْمَةَ كَأَنْ يَتَّهِمَ شَخْصًا بِسَرِقَةِ مَالٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ الطَّالِبُ بَلْ يَغْرَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ بِوَجْهٍ يَمِينُ التُّهْمَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ خُلْطَةٍ، وَيَغْرَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ إلَّا فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَكَلَ فِي مَالٍ وَحَقُّهُ اسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنْ حُقِّقَ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ الدَّعْوَى إذَا كَانَتْ دَعْوَى تَحْقِيقٍ لَا يَسْتَحِقُّ الطَّالِبُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ وَهِيَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ دَعْوَى اتِّهَامٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ رَدِّ الْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ
[ ٢ / ٢٢١ ]
الرَّسُولِ - ﷺ - فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ وَفِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ وَمَوْضِعٍ يُعَظَّمُ مِنْهُ
وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ بِاَللَّهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ - ﷺ - فِي الْقَسَامَةِ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ حِينَ قُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بِخَيْبَرَ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لَمْ نَحْضُرْ فَكَيْفَ نَحْلِفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا، قَالُوا: لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ» . فَهَذَا رَدُّ الْيَمِينِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَدَّعِي فِيهِ مَعْرِفَةً إلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلِفُ إلَّا عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ، أَوْ تَقُومُ لَهُ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ يَمِينُ التُّهْمَةِ تَتَوَجَّهُ وَلَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ الْمُتَّهَمَ غَيْرُ عَالِمٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَنْ شَرْطِ الدَّعْوَى وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: أَنْ تَكُونَ بِمَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، كَأَنْ يَدَّعِي عَلَى رَشِيدٍ بِدَيْنٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ إتْلَافِ شَيْءٍ مُتَمَوِّلٍ، أَوْ عَلَى مَحْجُورٍ بِاسْتِهْلَاكِ شَيْءٍ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَأْمِينِهِ عَلَيْهِ، لَا إنْ كَانَتْ بِمَا لَا يَلْزَمُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ وَهَبَ شَيْئًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اللُّزُومِ بِالْقَوْلِ أَوْ أَنَّهُ نَذَرَ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ النَّذْرَ لَا يُقْضَى بِهِ وَلَوْ لِمُعَيَّنٍ، وَكَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى مَحْجُورٍ بَيْعًا أَوْ شِرَاءً فَلَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا شَيْءٌ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ وَكَفَاهُ بِعْت وَتَزَوَّجْت، وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِذَا كَانَتْ عَلَى الْمَحْجُورِ فَيُكَلِّفُ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ عَلَى الْمَحْجُورِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِعْذَارِ لِلْمَحْجُورِ يَمِينًا زِيَادَةً عَلَى الْبَيِّنَةِ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الطَّالِبِ مَعَ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ فِي حُكْمِ الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ وَالْمَسَاكِينِ، أَيْ وَالْحَقُّ لَا يَثْبُتُ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَيَمِينِ الْقَضَاءِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّعْوَى تَصِحُّ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهَا وَتَتَوَجَّهُ وَلَوْ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ سَفِيهٍ كَمَا يَصِحُّ تَوَجُّهُهَا مِنْهُمَا، فَقَدْ قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ: لِلْمَحْجُورِ طَلَبُ حُقُوقِهِ كُلِّهَا عِنْدَ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ وَصِيِّهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّعْوَى بُلُوغٌ وَلَا رُشْدٌ. الثَّانِي: صِفَةُ الدَّعْوَى أَنْ يَأْمُرَ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بِالْكَلَامِ ابْتِدَاءً فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقِ الْأَصْلِ وَلَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ شَيْءٍ عَلَى مَا قَالَ الْمَازِرِيُّ وَيُبَيِّنُ سَبَبَهُ، وَإِنْ غَفَلَ عَنْ بَيَانِهِ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، فَإِذَا قَالَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ كَفَى وَيُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَيَقُولُ فِي دَعْوَى الِاتِّهَامِ: أَتَّهِمُ هَذَا أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعِي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَيِّنُهُ، وَبَعْدَ فَرَاغِ الدَّعْوَى يَأْمُرُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِمَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ فَيَأْمُرُ الْقَاضِي الشُّهُودَ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَكِتَابَةِ الْإِقْرَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ خَوْفَ جَحْدِهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ أَمَرَ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ أَقَامَهَا سَمِعَهَا، وَأَعْذَرَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: هَلْ عِنْدَك مَنْ يُجَرِّحُ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ؟ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِجُرْحَتِهَا أَمَرَهُ بِغَيْرِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ طَلَبَ تَحْلِيفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ بَعْدَ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ الظِّنَّةَ وَإِنْ لَمْ يُجِبْ لَا بِإِقْرَارٍ وَلَا بِإِنْكَارٍ بَلْ سَكَتَ، أَوْ قَالَ: لَا أُخَاصِمُهُ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْبِسُهُ وَيُؤَدِّبُهُ عَلَى عَدَمِ جَوَابِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ يُجِبْ حُبِسَ وَأُدِّبَ أَيْ بِالضَّرْبِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، ثُمَّ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فَرْعُ الْجَوَابِ وَهَذَا لَمْ يُجِبْ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَعُدُّ هَذَا إقْرَارًا مِنْهُ بِالْحَقِّ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا بِذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا سِيَّمَا الْمُبْتَدِي فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ صِفَةَ الدَّعْوَى. ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ الْيَمِينِ الَّتِي تُطْلَبُ فِي الْحُقُوقِ بِقَوْلِهِ: (وَالْيَمِينُ) الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي لَا يُوَجِّهُهَا إلَّا حَاكِمٌ أَوْ مُحَكَّمٌ فِي كُلِّ حَقٍّ سِوَى اللِّعَانِ، وَقِيلَ: وَسِوَى الْقَسَامَةِ (بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) وَلَوْ كِتَابِيًّا عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ مُؤْمِنًا، وَقَوْلُنَا: تُطْلَبُ فِي الْحُقُوقِ احْتِرَازٌ عَنْ الْيَمِينِ الَّتِي تُكَفِّرُ فَإِنَّهَا أَعَمُّ، إذْ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَقَوْلُنَا: الَّتِي لَا يُوَجِّهُهَا إلَّا حَاكِمٌ أَوْ مُحَكَّمٌ إشَارَةً إلَى أَنَّ الطَّالِبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجْبِرَ خَصْمَهُ عَلَى الْحَلِفِ. وَأَمَّا اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِيهِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَقَطْ وَأَمَّا الْقَسَامَةُ فَقِيلَ يَقُولُ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْيَمِينُ فِي كُلِّ حَقٍّ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي كُلِّ مَالٍ وَلَوْ قَلِيلًا. وَأَمَّا تَغْلِيظُهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ فَأَكْثَرُ، وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ مَا يَكُونُ بِهِ التَّغْلِيظُ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ) الْمَطْلُوبُ عِنْدَ إرَادَةِ الطَّالِبِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ حَالَةَ كَوْنِهِ (قَائِمًا وَعِنْدَ مِنْبَرِ الرَّسُولِ - ﷺ -) إذَا كَانَ التَّحْلِيفُ بِمَدِينَةِ الْمُصْطَفَى - ﷺ - وَصِلَةٌ يَحْلِفُ (فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَأَكْثَرَ) وَمِثْلُ الرُّبُعِ دِينَارُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ عَرْضٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ فَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا تَغْلِيظَ فِيهِ وَإِنْ تَوَجَّهَتْ فِيهِ الْيَمِينُ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِمِنْبَرٍ غَيْرِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ إلَّا مِنْبَرَ النَّبِيِّ - ﵊ -. وَوَجْهُ الْفَرْقِ خَبَرُ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا يَمِينًا آثِمَةً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . وَرُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: مِنْبَرِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ الْمِنْبَرُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ - ﷺ - لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ عِنْدَ الْمُجَدَّدِ، وَهَلْ يَكُونُ
[ ٢ / ٢٢٢ ]
[وجد الطالب بينة تشهد له بالحق بعد يمين المطلوب]
[أقسام الشهادة]
حَيْثُ يُعَظِّمُ
وَإِذَا وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا قُضِيَ لَهُ بِهَا وَإِنْ كَانَ عَلِمَ بِهَا فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَقَدْ قِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ
وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ فِي نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ وَلَا فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِمَوْضِعِ الْأَصْلِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ. (وَ) إذَا كَانَ الْحَلِفُ (فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ) فَإِنَّهُ (يَحْلِفُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الرُّبُعِ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ (فِي الْجَامِعِ) وَهُوَ مُصَلَّى الْجُمُعَةِ لَا مُطْلَقَ مَسْجِدٍ. (وَ) يَكُونُ مَحَلُّ الْحَالِفِ مِنْ الْجَامِعِ فِي (مَوْضِعٍ يُعَظَّمُ مِنْهُ) وَهُوَ مِحْرَابُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ تَحْلِيفَهُ مُسْلِمًا أَمَّا الْكَافِرُ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَحْلِفُ الْكَافِرُ) غَيْرُ الْكِتَابِيِّ كَالْمَجُوسِيِّ (بِاَللَّهِ) فَقَطْ، وَأَمَّا الْكِتَابِيُّ فَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَحْلِفُ كَالْمُسْلِمِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَمَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ اقْتِصَارِ غَيْرِ الْكِتَابِيِّ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ هُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ تَرْجِيحُهُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَحْلِفَ كَالْمُسْلِمِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَيَحْلِفُونَ كَالْمُسْلِمِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هُوَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَقِيلَ: النَّصْرَانِيُّ يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ، وَالْيَهُودِيُّ يَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالتَّوْحِيدِ، وَبَقِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ وَالْيَهُودِيَّ كُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ فِي الْمَجُوسِيِّ قَوْلَيْنِ وَالْكِتَابِيِّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، وَالرَّاجِحُ فِي الْكِتَابِيِّ مُطْلَقًا أَنَّهُ كَالْمُسْلِمِ، وَالْمَجُوسِيُّ يَقْتَصِرُ عَلَى بِاَللَّهِ فَقَطْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمَحَلُّ التَّغْلِيظِ عَلَى الْكَافِرِ. (حَيْثُ يُعَظِّمُ) بِالْكَسْرِ أَيْ يَحْلِفُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ وَهُوَ الْكَنِيسَةُ إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَالْبِيعَةُ إنْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَبَيْتُ النَّارِ إنْ كَانَ مَجُوسِيًّا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ التَّغْلِيظَ يَكُونُ بِالْقِيَامِ لَا بِالِاسْتِقْبَالِ وَلَا بِالزَّمَانِ، كَكَوْنِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَالتَّغْلِيظُ وَاجِبٌ عِنْدَ طَلَبِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْهُ يَعُدُّنَا كُلًّا، وَيَكُونُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا يَحْلِفُ إلَّا الْبَالِغُ الْعَاقِلُ؛ لِأَنَّ الصِّبْيَانَ لَا يَحْلِفُونَ وَلَا يَحْنَثُونَ. [وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْحَقِّ بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَا لَوْ حَلَّفَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً) تَشْهَدُ لَهُ بِالْحَقِّ (بَعْدَ يَمِينِ الْمَطْلُوبِ وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا) حِينَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ (قُضِيَ لَهُ بِهَا) بَعْدَ حَلِفِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حِينَ تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ إلَّا لِعُذْرٍ وَكَنِسْيَانٍ، وَحُكْمُ الْبَيِّنَةِ الْغَائِبَةِ غَيْبَةً بَعِيدَةً حُكْمُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ بِهَا. (وَ) أَمَّا (إنْ كَانَ عَلِمَ بِهَا) حِينَ تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ (فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ) عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَمُقَابِلِهِ الضَّعِيفِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ تُقْبَلُ مِنْهُ) . (خَاتِمَةٌ لِبَابِ الْقَضَاءِ) مُحَصِّلُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ شَهَادَةَ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْخُصُومَةِ وَعِنْدَ غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَكِنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ، فَإِذَا حَضَرَ الْخَصْمُ قَرَأَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ وَفِيهَا أَسْمَاءُ الشُّهُودِ وَأَنْسَابُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ وَيَعْذِرُ إلَيْهِ فِي شَأْنِهِمْ، فَإِنْ ادَّعَى مَطْعَنًا فِيهِمْ أَمَرَهُ بِإِثْبَاتِهِ وَإِلَّا أَلْزَمَهُ الْقَضَاءَ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَإِذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إعَادَةَ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَشْهَدُوا بِحَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ لِإِيجَابٍ إلَى ذَلِكَ. [أَقْسَام الشَّهَادَة] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَاهَا لُغَةً وَشَرْعًا، وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي أَقْسَامِهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: إمَّا أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ وَذَلِكَ فِي رُؤْيَةِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِعْلُهُمَا إلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعٍ اجْتَمَعُوا عَلَى الرُّؤْيَةِ الْمُتَّحِدَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَيَجُوزُ لِلْعُدُولِ تَعَمُّدُ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ بِقَصْدِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ، وَإِمَّا عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِمَا فَيَكْفِي عَدْلَانِ عَلَى الرَّاجِحِ. وَإِمَّا عَدْلَانِ فَقَطْ وَذَلِكَ فِي نَحْوِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَى الْمَالِ. وَالثَّالِثُ: عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ الْيَمِينِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ. وَالرَّابِعُ: امْرَأَتَانِ فَقَطْ وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَجُوزُ نَظَرُ الرِّجَالِ إلَيْهِ كَالْوِلَادَةِ وَعُيُوبِ الْفَرْجِ وَالِاسْتِهْلَالِ. وَزَادَ بَعْضُ الشُّيُوخِ خَامِسًا وَهُوَ الْخُلْطَةُ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَأَشَارَ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ بِقَوْلِهِ: (وَيُقْضَى بِشَاهِدٍ) أَوْ امْرَأَتَيْنِ. (وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا كَالْأَجَلِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْإِجَارَةِ وَجِرَاحَاتِ الْخَطَإِ وَأَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَالْإِيصَاءِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وَالْوَقْفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشَارَ إلَى مَا لَا يُقْضَى فِيهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ (فِي نِكَاحٍ) أَوْ عِتْقٍ (أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ) أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ إلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَيْهِ كَعِتْقٍ وَرَجْعَةِ عَدْلَانِ وَالْمُرَادُ طَلَاقٌ غَيْرُ الْخُلْعِ، وَمِثْلُ النِّكَاحِ الْوَكَالَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ وَتَارِيخِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَمَنْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ حَالَ حَيَاتِهِ أَوْ ادَّعَى عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ امْرَأَةٌ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَوْ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَذَفَهُ. وَأَقَامَ وَاحِدٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا شَاهِدًا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ فَلَا يُقْضَى لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ
[ ٢ / ٢٢٣ ]
[ما تشهد فيه النساء]
نَفْسٍ إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ يُقْضَى بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ أَوْ مَعَ الْيَمِينِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِهِ جَائِزَةٌ
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ
وَلَا ظَنِينٍ
وَلَا يُقْبَلُ إلَّا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عِتْقٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ يَحْلِفُ كُلٌّ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ وَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ أُطْلِقَ وَدِينَ. وَقَيَّدْنَا دَعْوَى نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِحَالِ حَيَاتِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الدَّعْوَى عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى بَعْدَ الْمَوْتِ تَرْجِعُ إلَى مَالٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ. قَالَ خَلِيلٌ فِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ: فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَوَرِثَ (وَلَا) يُقْضَى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. (فِي دَمِ عَمْدٍ) فِيهِ قِصَاصٌ كَأَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ جَرَحَهُ عَمْدًا وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ قِيلَ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ وَقِيلَ يُسْجَنُ فَإِنْ طَالَ سَجْنُهُ دِينَ وَأُخْرِجَ وَسَيَأْتِي مُقَابِلُهُ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا دَمَ الْعَمْدِ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْجَرْحِ الْعَمْدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَلَا نَفْسٍ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ عَمْدٍ عَنْ الْخَطَابَةِ فَإِنَّهُ يُقْضَى فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَمِثْلُهُ الْجُرْحُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَالْجَائِفَةِ وَالْآمَّةِ وَالدَّامِغَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْمَتَالِفِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. (وَلَا) يُقْضَى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي قَتْلِ (نَفْسٍ إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ) فَإِنَّهُ بِالشَّاهِدِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ زَائِدَةٍ عَلَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَمْثِلَةِ اللَّوَثِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَالْعَدْلِ فَقَطْ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ أَوْ الْخَطَإِ تُقْسِمُ الْوُلَاةُ مَعَ شَهَادَتِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا تَقُولُ فِي كُلِّ يَمِينٍ: لَقَدْ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ عَلَى الْجُرْحِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ الْوَلِيُّ لَقَدْ جَرَحَهُ وَلَمِنْ جُرْحِهِ مَاتَ فَيَزِيدُ لَقَدْ جَرَحَهُ مَعَ كُلِّ يَمِينٍ لِيَكْمُلَ النِّصَابُ، وَتَكُونُ تِلْكَ الصِّفَةُ اجْتَمَعَ فِيهَا الْيَمِينُ الْمُكَمِّلَةُ لِلنِّصَابِ وَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَأَمَّا مَعَ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ عَلَى الْجُرْحِ فَإِنَّمَا يَحْلِفُونَ لَقَدْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ، وَمِثْلُ الْعَدْلِ شَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَكُونُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ فِيهِ لَوَثًا. (تَنْبِيهٌ) قَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلِ عَلَى الْقَتْلِ يُكْتَفَى بِهَا مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَلَا تَحْلِفُ الْوُلَاةُ مَعَ الشَّاهِدِ سِوَى أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، فَقَوْلُهُ: إلَّا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي النَّفْسِ مَعْنَاهُ فَيُقْضَى بِالْقَسَامَةِ مَعَ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يُقْضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ قَالَهُ الشَّاذِلِيُّ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَلَا فِي دَمِ عَمْدٍ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ ذَكَرَ مُقَابِلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ يُقْضَى بِذَلِكَ) أَيْ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَالْيَمِينِ فِي الْجِرَاحِ الْعَمْدِ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ،؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ كَالْأَمْوَالِ تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَيَمِينٍ مِنْ غَيْرِ قَسَامَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْقَتْلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْقَسَامَةُ سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمَ مَحَلَّ اللَّوَثِ. ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ الْقَتْلِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ أَيْ فِيهِ قِصَاصٌ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ أَيْ أَرْشَ ذَلِكَ الْجُرْحِ، فَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ بِقِيلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ الْمُبَيَّنُ لِمَا بِهِ الْفَتْوَى، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْأَرْبَعِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ أَوْ يُقَدِّمُهُ عَلَى الضَّعِيفِ وَلَا يَحْكِيهِ بِقِيلِ الْمُشْعِرِ بِالضَّعْفِ. وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْجِرَاحَ بِالْعَمْدِ أَخْذًا مِنْ الْمُقَابِلِ السَّابِقِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَيُقْضَى فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَمِثْلُهُ الْعَمْدُ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَا. [مَا تَشْهَدُ فِيهِ النِّسَاءُ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَشْهَدُ فِيهِ النِّسَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجُوزُ) وَلَا تَصِحُّ أَيْضًا (شَهَادَةُ النِّسَاءِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ) وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُنَّ فِيهَا إلَّا مَعَ الرِّجَالِ أَوْ مُنْفَرِدَاتٍ، فَيَثْبُتُ الْحَقُّ الْمَالِيُّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِالرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ وَلِذَلِكَ قَالَ: (وَمِائَةُ امْرَأَةٍ كَامْرَأَتَيْنِ وَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الْمِائَةِ (كَرَجُلٍ وَاحِدٍ) وَحِينَئِذٍ (يُقْضَى بِذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الْمِائَةِ (مَعَ رَجُلٍ) فِي الْحَقِّ الْمَالِيِّ وَلَا يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إلَى يَمِينِ الطَّالِبِ لِتَمَامِ النِّصَابِ (أَوْ) أَيْ وَيُقْضَى بِالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ الْأَكْثَرِ (مَعَ يَمِينِ) الطَّالِبِ (فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ) وَهُوَ الْأَمْوَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا. وَأَشَارَ إلَى رَابِعِ الْأَقْسَامِ وَهُوَ مَا لَا يَشْهَدُ فِيهِ إلَّا النِّسَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَشَهَادَةُ) مَبْدَأِ (امْرَأَتَيْنِ فَقَطْ) أَيْ لَا أَقَلَّ (فِيمَا لَا) يَجُوزُ أَوْ يَقْدِرُ أَنْ (يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَشِبْهِهِ) كَعَيْبِ الْفَرْجِ أَوْ الْحَيْضِ وَخَبَرُ شَهَادَةٍ (جَائِزَةٌ) مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ مِنْ الْيَمِينِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ عَامٌّ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ أَيْ عَلَى أَنَّهُ نَزَلَ مُسْتَهِلًّا صَارِخًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ عَامٌّ فِي الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ، وَإِنَّمَا عُمِلَ بِشَهَادَتَيْنِ فِيهِ لِنُدُورِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الرِّجَالِ لِذَلِكَ، وَاخْتِصَاصُ النِّسَاءِ بِذَلِكَ لِجَهْلِ الرِّجَالِ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ عَادَةً، وَكَمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي ذَلِكَ تُقْبَلُ فِي أَنَّ الْمَوْلُودَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى. وَفَائِدَةُ ثُبُوتِ الِاسْتِهْلَالِ أَوْ عَدَمِهِ تَظْهَرُ فِي الْإِرْثِ لَهُ أَوْ مِنْهُ، وَأَمَّا عَيْبُ الْفَرْجِ وَالْحَيْضِ فَهُوَ فِي الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ تُصَدَّقُ فِي نَفْيِ دَاءِ فَرْجِهَا وَفِي حَيْضِهَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شَرَفُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ، فَإِذَا تَنَازَعَ بَائِعُ أَمَةٍ مَعَ مُشْتَرِيهَا فِي عَيْبٍ بِفَرْجِهَا
[ ٢ / ٢٢٤ ]
الْعُدُولُ
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ
وَلَا شَهَادَةُ عَبْدٍ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا كَافِرٍ
وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي الزِّنَا
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ لِلْأَبَوَيْنِ وَلَا هُمَا لَهُ
وَلَا الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ وَلَا هِيَ لَهُ
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ لِأَخِيهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] نَظَرَهَا النِّسَاءُ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِ الْفَرْجِ فَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ فَيَنْظُرُهُ الرِّجَالُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَاخِلَ الثِّيَابِ وَخَارِجَ الْفَرْجِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ الْعِدْلَاتِ، فَعُيُوبُ النِّسَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الشَّهَادَةِ وَنَذْكُرُهُ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَنَقُولُ: الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ مَالِكٍ - ﵁ - فَإِنَّهُ قَالَ: هِيَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالدَّيْنِ، وَعِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَحُكْمُ تَحْمِلْهَا الْوُجُوبُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ إنْ وُجِدَ غَيْرُهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالتَّحَمُّلُ إنْ اُفْتُقِرَ إلَيْهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وَأَمَّا الْأَدَاءُ فَفَرْضُ عَيْنٍ قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ مَنْ كَبِرَ بِدَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِهَا بِذِكْرِ أَضْدَادِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ) عَلَى خَصْمِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الْعَدَاوَةِ، وَهِيَ مَانِعَةٌ مِنْ الشَّهَادَةِ لِاتِّهَامِ الشَّاهِدِ عَلَى قَصْدِ إضْرَارِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ وَلَوْ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمُخَاصَمَةُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْمُخَاصَمَةُ فِي الدِّينِ فَلَا تَمْنَعُ كَشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ، أَوْ السُّنِّيِّ عَلَى الْبِدْعِيِّ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ عَدَاوَةَ الدِّينِ عَامَّةٌ وَعَدَاوَةَ الدُّنْيَا خَاصَّةٌ، وَالْعَامُّ أَخَفُّ مِنْ الْخَاصِّ، وَيَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ الْعَدَاوَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَصْمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الشَّهَادَةِ لَهُ فَتَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُك عَلَيْهِ تَجُوزُ شَهَادَتُك لَهُ، وَكُلُّ مَنْ امْتَنَعَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْك تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَك. (وَلَا) تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ (ظَنِينٍ) أَيْ مُتَّهَمٌ فِي شَهَادَتِهِ بِالْمَيْلِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ، أَوْ مُتَّهَمٌ بِعَدَمِ الصِّدْقِ، كَأَنْ يَشْهَدَ بَدْوِيٌّ لِحَضَرِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ أَوْ عَكْسُهُ، وَالْحَالُ أَنَّا نَعْرِفُ أَنَّ الشَّاهِدَ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَكْسُهُ زَمَنَ وُقُوعِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَكَشَهَادَةِ الشَّحَّاذِ الْفَقِيرِ فِي الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَنْ اُتُّهِمَ فِي شَهَادَتِهِ إمَّا بِقِلَّةِ دِينِهِ، أَوْ بِجَلْبِ نَفْعٍ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، أَوْ بِإِدْخَالِ ضَرَرٍ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي) أَدَاءِ (الشَّهَادَةِ إلَّا الْعُدُولُ) جَمْعُ عَدْلٍ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ السَّالِمُ مِنْ فِسْقٍ وَحَجْرِ سَفَهٍ وَبِدْعَةٍ وَإِنْ مَعَ تَأْوِيلٍ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ التَّحَمُّلُ مِنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ وَهُمَا: الشَّهَادَةُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ الْأَدَاءِ عِنْدَ كِتَابَةِ خَطِّهِ، وَالْعَدْلُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَدَالَةِ وَهِيَ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَمْنَعُ مَوْصُوفَهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْعَدَالَةُ مَلَكَةٌ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنْ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْعَدَالَةُ عِنْدَنَا حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى الْحَاكِمِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَصْمُ الْعَدَالَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ أَوْ مَسْخُوطٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. [شَهَادَةُ الْمَحْدُود] (وَ) كَذَا (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ) فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فِيمَا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ صَارَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أَحْسَنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى التَّأَسِّي بِإِثْبَاتِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي صِفَتِهِ، وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ فَصَحِيحَةٌ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ، وَقَيَّدْنَا بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُحَدَّ فِيهِ قَوْلَانِ، وَاشْتِرَاطُ الْحَدِّ بِالْفِعْلِ فِي غَيْرِ الْقَتْلِ، وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ غَيْرَهُ عَمْدًا وَعُفِيَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ حُسِّنَتْ حَالَتُهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهِ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ، وَمِثْلُ الْحُدُودِ التَّعَازِيرُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ عُزِّرَ فِيمَا عُذِّرَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلْتَةً، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَاضِي فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ. (وَلَا) تَجُوزُ أَيْضًا (شَهَادَةُ عَبْدٍ) الْمُرَادُ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ وَلَوْ مُكَاتَبًا لِمُنَافَاتِهِ الْعَدَالَةَ (وَلَا صَبِيٍّ) إلَّا عَلَى مِثْلِهِ فِي جُرْحٍ أَوْ قَتْلٍ كَمَا يَأْتِي. (وَلَا كَافِرٍ) لِمُنَافَاةِ الصِّبَا وَالْكُفْرِ الْعَدَالَةَ، وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ شَهَادَةِ مَنْ ذُكِرَ إذَا أَدَّوْهَا فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا لَوْ تَحَمَّلُوهَا عَلَى تِلْكَ الْأَوْصَافِ وَتَأَخُّرِ الْأَدَاءِ حَتَّى اتَّصَفُوا بِالْعَدَالَةِ لَصَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ صَدَرَ مِنْهُمْ أَدَاءٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ثُمَّ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ فِيمَا رُدَّتْ فِيهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا إنْ حُرِّضَ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رُدَّ فِيهِ لِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ؛ لِأَنَّهُمْ يُتَّهَمُونَ عَلَى إزَالَةِ النَّقْصِ الَّذِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَجْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْصِ الْمَعَرَّةُ اللَّاحِقَةُ بِسَبَبِ رَدِّ شَهَادَتِهِمْ. (وَإِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا) وَحُسِّنَتْ حَالَتُهُ (قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ) بَعْدَ التَّوْبَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ (إلَّا فِي الزِّنَا) فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ وَهَذَا مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَحْدُودِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْمَحْدُودِ فِي الزِّنَا إلَّا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
[شهادة الزوج للزوجة]
[شهادة وصي ليتيمه بشيء على آخر]
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ
أَوْ مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ
وَلَا جَارٍّ لِنَفْسِهِ
وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا
وَلَا وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَنْ يُقَالَ: أَعَادَ هَذَا دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَصْرِ مَا سَبَقَ عَلَى الْمَحْدُودِ فِي غَيْرِ الزِّنَا، وَمِثْلُ الْحَدِّ التَّعْزِيرُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَحْدُودُ مُسْلِمًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ كَافِرًا وَوَقَعَ مِنْهُ مُوجِبُ الْحَدِّ وَحُدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا حُدَّ وَتَابَ يَصِحُّ حُكْمُهُ وَلَوْ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الْقَاضِيَ مُسْتَنِدٌ فِي حُكْمِهِ لِإِخْبَارِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ. (تَنْبِيهٌ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى صَلَاحِ حَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَتَحَدَّدُ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ خِلَافًا لِمَنْ حَدَّهَا بِسَنَةٍ أَوْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا كَانَتْ الْقَرَابَةُ الْأَكِيدَةُ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ كَالْعَدَاوَةِ قَالَ: (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ (لِلْأَبَوَيْنِ) وَإِنْ عَلَيَا (وَلَا هُمَا) أَيْ وَكَذَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ (لَهُ) أَيْ لِلْوَلَدِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَشْهَدُ لِأَصْلِهِ وَلَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَصْلِ عَلَى فَرْعِهِ أَوْ عَكْسُهُ فَتَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ امْتَنَعَتْ شَهَادَةُ شَخْصٍ لَهُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِأَحَدِ أَوْلَادِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ، وَشَهَادَةُ الْوَلَدِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِلَّا امْتَنَعَتْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ الْوَالِدُ لِلصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، أَوْ لِلْبَارِّ عَلَى الْفَاسِقِ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مُنْكِرَةً لِلطَّلَاقِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِدَعْوَى الطَّلَاقِ وَالْأَبُ يُنْكِرُهُ فَمَنَعَهَا أَشْهَبُ وَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِ غَيْرِ أُمِّهِ لَمْ يَجُزْ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ فِي عِصْمَةِ أَبِيهِ لَا إنْ كَانَتْ مَيِّتَةً، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ؛ لِأَبِيهِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ لِوَلَدِهِ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ قَوْلًا وَاحِدًا لِظُهُورِ التُّهْمَةِ بِالْمَيْلِ إلَى الْأَبِ وَالْوَلَدِ. (تَنْبِيهٌ) كَمَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ لِأَبَوَيْهِ لَا تَجُوزُ لِزَوْجِهِمَا، وَكَذَلِكَ الْوَالِدُ لَا يَشْهَدُ لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ ابْنِهِ. [شَهَادَة الزَّوْج لِلزَّوْجَةِ] (وَلَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَلَا هِيَ لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ وَكَمَا لَا يَشْهَدُ لِزَوْجَتِهِ لَا يَشْهَدُ لِابْنِهَا وَلَا لِأَبِيهَا، وَكَمَا لَا تَشْهَدُ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا لَا تَشْهَدُ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ زَوْجِ ابْنَتِهِ فَهِيَ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ مَيَلَانِهِ إلَيْهِ. (وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ الْعَدْلِ) الْمُرَادُ الْمُبَرِّزُ فِي الْعَدَالَةِ (لِأَخِيهِ) لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ: يُشْتَرَطُ تَبْرِيزُ الْعَدْلِ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ، وَشَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَشَهَادَةُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ لَمُعْتِقِهِ، وَشَهَادَةُ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَشَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَشَهَادَةُ مَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا بَعْدَ أَدَائِهَا، وَزَادُوا عَلَيْهَا الْمُزَكِّي لِلشُّهُودِ، وَمَنْ سُئِلَ عَنْ شَهَادَتِهِ فَشَكَّ فِيهَا ثُمَّ تَذَكَّرَهَا، وَمَعْنَى التَّبْرِيزِ الزِّيَادَةُ عَلَى أَقْرَانِهِ وَأَنْظَارِهِ فِي الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ. وَقَيَّدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ شَهَادَةَ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَبِكَوْنِهَا فِي الْأَمْوَالِ أَوْ فِي الْجِرَاحِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ أَوْ فِي التَّعْدِيلِ، لَا إنْ كَانَتْ بِنَسَبٍ أَوْ بِمَا فِيهِ قِصَاصٌ أَوْ بِدَفْعِ مَعَرَّةٍ، وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الشَّاهِدِ فِي عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ تُهْمَةٌ تُوجِبُ عَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ. (وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُجَرَّبٍ فِي كَذِبٍ) كَثِيرٍ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي السَّنَةِ، وَأَمَّا الْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ فِي السَّنَةِ فَلَا تَقْدَحُ إلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا مَفْسَدَةٌ. (أَوْ) أَيْ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ (مُظْهِرٍ لِكَبِيرَةٍ) الْمُرَادُ بِالْمُظْهِرِ مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ أَكَلَ الرِّبَا وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خُفْيَةً، وَكَذَا لَوْ أَظْهَرَ صَغِيرَةً حَيْثُ كَانَتْ مِنْ صَغَائِرِ الْخِسَّةِ كَنَظْرَةٍ لِأَجْنَبِيَّةٍ بِقَصْدِ الشَّهْوَةِ، أَوْ سَرِقَةِ لُقْمَةٍ أَوْ تَطْفِيفِ حَبَّةٍ لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى دَنَاءَةِ الْهِمَّةِ، وَأَمَّا صَغَائِرُ الْخِسَّةِ فَلَا يَقْدَحُ إلَّا الْإِدْمَانُ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَذِبِ الْمَانِعِ، وَإِظْهَارِ الْكَبِيرَةِ التَّلَبُّسُ بِهَا تَلَبُّسًا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مِنْهُ تَوْبَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ كَثْرَةُ كَذِبٍ أَوْ إظْهَارُ كَبِيرَةٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَتَابَ وَحُسِّنَتْ تَوْبَتُهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ فِي وَصْفِ الْعَدْلِ: لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً أَوْ كَثِيرُ كَذِبٍ أَوْ صَغِيرَةً خِسَّةً وَسَفَاهَةً وَلَعِبِ نَرْدٍ ذُو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ مِنْ حَمَّامٍ وَسَمَاعِ غِنَاءٍ وَدِبَاغَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ. قَالَ شُرَّاحُهُ: مَعْنَاهُ لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً وَقْتَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ إذَا وَعَارِفًا بِهَا وَتَابَ وَحَسُنَتْ ثُمَّ أَدَّاهَا لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِهَا. (وَلَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (جَارٍ لِنَفْسِهِ) نَفْعًا كَمَا إذَا شَهِدَ عَلَى مُوَرِّثَةِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ بِقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ غَنِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَتَّهِمُ عَلَى قَتْلِهِ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَلِذَا لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَجَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ. (وَلَا) تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ (دَافِعٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فَقِيرًا، وَكَشَهَادَةِ عَتِيقٍ لِمُعْتِقِهِ بِوَفَاءِ دَيْنٍ ثَابِتٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ فِيمَا عَلَى سَيِّدِهِ مِنْ الدَّيْنِ. [شَهَادَةُ وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ بِشَيْءٍ عَلَى آخَرَ] (وَلَا) تَجُوزُ شَهَادَةُ (وَصِيٍّ لِيَتِيمِهِ) بِشَيْءٍ عَلَى آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ لِيَتِيمِهِ. (وَ) مَفْهُومٌ لِيَتِيمِهِ أَنَّهُ (يَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ) وَمِثْلُهُ أَكِيدُ الْقَرَابَةِ كَأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فَشَهَادَتُهُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ، وَمِنْ قَوَادِحِ الشَّهَادَةِ الْأَخْذُ مِنْ الظَّلَمَةِ وَالْأَكْلُ عِنْدَهُمْ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ، وَلَا إنْ تَعَصَّبَ كَالرِّشْوَةِ وَتَلْقِينِ الْخَصْمِ وَلَعِبِ نَيْرُوزَ وَمَطَلَ وَحَلَفَ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ، وَمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا بِلَا عُذْرٍ، وَتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ، وَسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ، أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ،
[ ٢ / ٢٢٦ ]
[من يصح منه التعديل والتجريح ومن لا يصح]
[شهادة الصبيان في الجراح]
عَلَيْهِ
وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ
وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا مَنْ يَقُولُ عَدْلٌ رِضًا وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي التَّجْرِيحِ وَاحِدٌ
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ أَوْ يَحْلِفُ وَيَبْرَأُ
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ بِأَيْدِيهِمَا حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ، وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ، وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ، وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ، وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْعُدُولِ [مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ] شَرَعَ هُنَا فِي بَيَانِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّعْدِيلُ وَالتَّجْرِيحُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُ النِّسَاءِ) لِغَيْرِهِنَّ. (وَلَا تَجْرِيحُهُنَّ) لَا لِرِجَالٍ وَلَا لِنِسَاءٍ، لَا فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، فَتَعْدِيلُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ لِنَقْصِهِنَّ عَنْ مَرْتَبَةِ التَّعْدِيلِ، فَلَا يَصِحُّ تَعْدِيلٌ وَلَا تَجْرِيحٌ إلَّا مِنْ الرِّجَالِ، ظَاهِرُهُ كَانَ الْمَشْهُودُ بِعَدَالَتِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً. ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ التَّعْدِيلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ) أَيْ تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ (إلَّا مَنْ يَقُولُ) أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا (عَدْلٌ رِضًا) أَيْ مَرْضِيٌّ وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمُزَكِّي يَقُولُ فِي الْمُزَكَّى بِفَتْحِ الْكَافِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تُشْعِرُ بِالسَّلَامَةِ فِي الدِّينِ، وَالرِّضَا يُشْعِرُ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ، فَلَوْ قَالَ: هُوَ عَدْلٌ رِضًا بِدُونِ أَشْهَدُ لَمْ يَكْفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُزَكِّي أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ غَرِيبًا فَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُزَكِّيهِ كَوْنُهُ مَعْرُوفًا لِلْقَاضِي، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُزَكِّيَ مُزَكِّيَهُ عِنْدَ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي فَطِنًا وَعَارِفًا بِتَصَنُّعَاتِ الشُّهُودِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا فِي شَهَادَتِهِ عَلَى التَّزْكِيَةِ عَلَى طُولِ عِشْرَةِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَيَرْجِعُ فِي طُولِهَا لِلْعُرْفِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ سَمَاعٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُزَكِّي مِنْ أَهْلِ سُوقِ الْمُزَكَّى بِالْفَتْحِ وَمُحَلَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ مَنْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ فَيَكْفِي مِنْ غَيْرِهِمْ، (وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ التَّزْكِيَةِ. (وَلَا فِي) مُقَابِلِهَا الَّذِي هُوَ (التَّجْرِيحُ وَاحِدٌ) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ مُسْتَوْفِيَيْنِ لِجَمِيعِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ وَالْجِرَاحَةَ لَا تَخْفَى، فَشَهَادَةُ وَاحِدٍ فَقَطْ تُورِثُ رِيبَةً فِي عَدَالَةِ الشَّاهِدِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ التَّزْكِيَةِ وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ عَلَى الْكِفَايَةِ عِنْدَ تَعَدُّدِ مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَعَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ عَدَمِ التَّعَدُّدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَتْ إنْ تَعَيَّنَ أَيْ وَوَجَبَتْ الشَّهَادَةُ بِالتَّزْكِيَةِ إنْ تَعَيَّنَ التَّعْدِيلُ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُعَدِّلُهُ غَيْرُهُ، وَحُكْمُ التَّجْرِيحِ كَحُكْمِ التَّعْدِيلِ إنْ لَزِمَ عَلَى تَرْكِهِ بُطْلَانُ الْحَقِّ. قَالَ خَلِيلٌ: كَجُرْحٍ إنْ بَطَلَ حَقٌّ. الثَّانِي: مَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَأَمَّا فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ فَالتَّعَدُّدُ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا أَيْ مَعَ تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ. [شَهَادَة الصَّبِيَّانِ فِي الْجِرَاح] وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا يُقْبَلُ فِي أَدَائِهِ صَبِيٌّ دَفَعَ عُمُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ) الْقَتْلِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْأَمْوَالِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ، وَمَنَعَهَا الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ، وَإِنَّمَا جَازَتْ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ حُضُورِ الْكِبَارِ عِنْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ يُنْدَبُونَ إلَى تَعْلِيمِ الرَّمْيِ وَالصِّرَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُدَرِّبُهُمْ عَلَى الْحَرْبِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْكَرِّ وَالْفَرِّ وَحَمْلِ السِّلَاحِ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَأَدَّى إلَى إهْدَارِ دِمَائِهِمْ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ حُضُورِ الْكِبَارِ عِنْدَهُمْ، وَشَرْطُ قَبُولِهَا أَنْ يُؤَدُّوهَا. (قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا) فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ لِاتِّهَامِهِمْ عَلَى تَعْلِيمِ الْكِبَارِ لَهُمْ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ الْعُدُولُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ، وَمِنْ شُرُوطِهَا أَنْ لَا يَحْضُرَهُمْ كَبِيرٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ) فَإِنْ حَضَرَ عِنْدَهُمْ كَبِيرٌ زَمَنَ قِتَالِهِمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ. قَالَ خَلِيلٌ فِي شُرُوطِهَا: وَالشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا فُرْقَةَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يَشْهَدُ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَزِيدَ عَلَيْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْهُمْ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ، وَأَنْ تَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى رُؤْيَةِ الْجَسَدِ مَقْتُولًا، وَلَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ رُجُوعُهُمْ وَلَا تَجْرِيحُهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ، وَفَائِدَةُ الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ لُزُومُ الدِّيَةِ بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ عَمْدَ الصِّبْيَانِ كَالْخَطَإِ مِنْ الْكِبَارِ. (تَنْبِيهٌ) لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ جَوَازُ شَهَادَةِ النِّسَاءِ لِبَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِنَّ فِي نَحْوِ حَمَّامٍ أَوْ عُرْسٍ، لِوُجُودِ الْفَرْقِ بَيْنَ اجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَاجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَجَوَازِهِ لِلصِّبْيَانِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الشَّهَادَاتِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَقَالَ: (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ) تَثْنِيَةُ مُتَبَايِعٍ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ بَايَعَ وَالْمُرَادُ الْمُتَعَاقِدَانِ حَتَّى يَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ، وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ اخْتَلَفَ لِيَشْمَلَ الِاخْتِلَافَ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ قَدْرِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ، وَجَوَابُ إذَا الشَّرْطِيَّةِ (اُسْتُحْلِفَ الْبَائِعُ) أَوْ لَا جَبْرًا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «فَالْقَوْلُ
[ ٢ / ٢٢٧ ]
أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا فَإِنْ اسْتَوَيَا حَلَفَا وَكَانَ بَيْنَهُمَا
وَإِذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ أُغْرِمَ مَا أَتْلَفَ بِشَهَادَتِهِ إنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَا قَالَ الْبَائِعُ» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ مِلْكِهِ فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ وَتَحْقِيقِ دَعْوَاهُ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا. (ثُمَّ) إنْ حَلَفَ لَزِمَ الْبَيْعُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسٍ أَوْ نَوْعٍ أَوْ قَدْرِ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ. (يَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ) السِّلْعَةَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ (أَوْ) أَيْ إنْ نَكَلَ الْبَائِعُ (يَحْلِفُ) أَيْ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى خَصْمِهِ وَتَحْقِيقِ دَعْوَاهُ. (وَيَبْرَأُ) مِمَّا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَحِينَئِذٍ لِكُلٍّ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّمَاسُكِ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ وَالْفَسْخِ لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَوْ نَكَلَ الْمُبْتَاعُ أَيْضًا فَإِنَّ الْعَقْدَ يُفْسَخُ أَيْضًا إنْ حُكِمَ بِهِ، وَلَا يَنْظُرُ لِشَبَهٍ وَلَا عَدَمِهِ وَلَا لِقِيَامِ السِّلْعَةِ وَفَوَاتِهَا إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ نَوْعِهِمَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إنْ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ أَوْ نَوْعِهِ حَلَفَا وَفُسِخَ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ مَعَ الْقِيَامِ وَقِيمَتُهَا أَوْ مِثْلُهَا مَعَ الْفَوَاتِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ أَوْ الْحَمِيلِ فَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً وَلَا يُنْظَرُ لِشَبَهٍ وَلَا عَدَمِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ فَوَاتِهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي إنْ أَشْبَهَ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا فَالْفَسْخُ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي قَدْرِهِ كَمَثْمُونِهِ أَوْ قَدْرِ أَجَلٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ حَلَفَا وَفُسِخَ إنْ حُكِمَ بِهِ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْفَسْخِ، ثُمَّ قَالَ: وَصُدِّقَ مُشْتَرٍ ادَّعَى الْأَشْبَهَ وَحَلَفَ إنْ فَاتَ وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَفُسِخَ وَتُرَدُّ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ فَوَاتِهَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْفَسْخَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ مُطْلَقٌ. وَفِي الِاخْتِلَافِ فِي قَدْرِهِ أَوْ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ أَوْ الْأَجَلِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ فَوَاتِ السِّلْعَةِ، وَإِلَّا صُدِّقَ الْمُشْتَرِي إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْبَائِعُ بِالشَّبَهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّبَهُ مِنْهُمَا فَالْفَسْخُ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَدْخُلْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ لِمُنْكِرِهِ إجْمَاعًا لَكِنْ بِيَمِينِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُدَّعِي الْبَيْعِ مَالِكُ السِّلْعَةِ أَوْ مَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا. الثَّانِي: مِثْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ كُلُّ مُتَعَاقِدَيْنِ لِيَشْمَلَ الْمُتَكَارِيَيْنِ، فَلَوْ عَبَّرَ بِالْمُتَعَاقِدِينَ لَكَانَ أَشْمَلَ. (فُرُوعٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ إلَّا عِنْدَ غَلَبَةِ الْفَسَادِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لِمُدَّعِيهِ، كَادِّعَاءِ أَحَدِهِمَا صِحَّةَ الصَّرْفِ وَالْآخَرِ فَسَادَهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فَسَادُ الصَّرْفِ وَمِثْلُهُ السَّلَمُ. الْفَرْعُ الثَّانِي: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخِيَارِ وَالْبَتِّ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْبَتِّ وَلَوْ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ إلَّا لِعُرْفٍ بِالْخِيَارِ. الْفَرْعُ الثَّالِثُ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ الْمُثَمَّنِ فَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ إلَّا لِعُرْفٍ كَلَحْمٍ أَوْ بَقْلٍ بَانَ بِهِ. الْفَرْعُ الرَّابِعُ: لَوْ اخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ فَالْقَوْلُ لِمَنْ ادَّعَى الْبَقَاءَ حَيْثُ فَاتَتْ السِّلْعَةُ وَأَشْبَهَ مُدَّعِيهِ، وَأَمَّا مَعَ قِيَامِهَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ. (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَدَاعِيَانِ فِي شَيْءٍ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَادَّعَاهُ كُلٌّ لِنَفْسِهِ وَالْحَالُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ (بِأَيْدِيهِمَا) أَوْ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ أَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُقَرِّبْهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا. (حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَرَجَّحْ جَانِبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ اخْتَصَّ بِهِ الْحَالِفُ، وَمَفْهُومُ بِأَيْدِيهِمَا لَوْ كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ لَهُ الْحَائِزُ وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِأَحَدٍ وَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعِهِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا قَامَ لِكُلٍّ بَيِّنَةٌ وَهُوَ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَدَّعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ يُقِرُّ الْحَائِزُ لَهُ لَكِنْ بِيَمِينِهِ، وَقَوْلُهُ: قُسِمَ بَيْنَهُمَا يُشْعِرُ بِقِسْمَتِهِ نِصْفَيْنِ وَهُوَ وَاضِحٌ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ يَدَّعِي جَمِيعَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى شَخْصٌ جَمِيعَهُ وَالْآخَرُ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ كَالْعَوْلِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا الْكُلَّ وَالْآخَرُ النِّصْفَ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَكَيْفِيَّةُ الْعَمَلِ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكُلِّ قَدْرُ الْكَسْرِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْآخَرُ، فَيُزَادُ عَلَى الْكُلِّ النِّصْفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ لِمَجْمُوعِ الْكُلِّ وَالْكَسْرِ وَبِتِلْكَ النِّسْبَةِ يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ، فَيَأْخُذُ مُدَّعِي النِّصْفِ الثُّلُثَ وَمُدَّعِي الْكُلِّ الثُّلُثَيْنِ، وَإِذَا ادَّعَى وَاحِدٌ الْكُلَّ وَوَاحِدٌ النِّصْفَ وَثَالِثٌ الثُّلُثَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ أَقَلُّ عَدَدٍ يَشْتَمِلُ عَلَى تِلْكَ الْمَخَارِجِ وَهُوَ سِتَّةٌ، فَإِنَّ لَهَا النِّصْفَ وَالثُّلُثَ فَتُجْعَلُ لِمُدَّعِي الْكُلِّ وَيُزَادُ عَلَيْهَا مِثْلُ نِصْفِهَا وَثُلُثِهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْطَى لِمُدَّعِي الْكُلِّ سِتَّةٌ، وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ، وَلِمُدَّعِي الثُّلُثِ اثْنَانِ وَهَكَذَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُسِمَ عَلَى الدَّعْوَى إنْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ بِقَرِينَةٍ لِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ) أَيْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ مَا بِأَيْدِيهِمَا مَعًا، أَوْ لَا يَدَ لِوَاحِدٍ حُدَّ عَلَيْهِ، أَوْ بَعِيدٌ ثَالِثٌ لَمْ يَدَّعِهِ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَالَةِ (قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا) مَعَ يَمِينِ مَنْ شَهِدَتْ لَهُ الزَّائِدَةُ فِي الْعَدَالَةِ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ إلَى الْآنَ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مُرِيدَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وَكَمَا يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا يُقْضَى بِالْمُؤَرَّخَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَبِالسَّابِقَةِ تَارِيخًا عَلَى غَيْرِهَا، وَبِالنَّاقِلَةِ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ، وَبِالْمُثْبِتَةِ عَلَى النَّافِيَةِ، وَبِالدَّاخِلَةِ عَلَى الْخَارِجَةِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّاخِلَةِ بَيِّنَةُ وَاضِعِ الْيَدِ وَالْخَارِجَةِ بَيِّنَةُ غَيْرِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ بِأَعْدَلِهِمَا أَنَّهُ يُقْضَى لِمُقِيمِ الْعَادِلَةِ دُونَ
[ ٢ / ٢٢٨ ]