أَرْخَصَ مَالِكٌ فِي التَّخَلُّفِ لِكَثْرَةِ زِحَامِ النَّاسِ فِيهَا.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْوُجُوبِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (إذَا دُعِيت) أَيْ طُلِبْت (إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ) أَيْ النِّكَاحُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ فَلْيَأْتِهَا» وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَالْعِصْيَانُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: دُعِيت أَنَّ وُجُوبَ الْإِجَابَةِ مَشْرُوطٌ بِالدَّعْوَةِ وَبِتَعْيِينِ الْمَدْعُوِّ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عَيَّنَ وَإِنْ صَائِمًا، وَتَعْيِينُهُ يَحْصُلُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الْعُرْسِ: تَحْضُرُ عِنْدَنَا فِي وَقْتِ كَذَا، أَوْ بِقَوْلِهِ لِشَخْصٍ: اُدْعُ لِي فُلَانًا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَرْسَلَ لَهُ وَرَقَةً فِيهَا اسْمُهُ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ: اُدْعُ لِي أَهْلَ الْمَحِلِّ الْفُلَانِيِّ وَهُمْ مَحْصُورُونَ، لَا إنْ قَالَ: اُدْعُ لِي مَنْ لَقِيت. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ حُكْمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا وَلَا كَوْنِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا كَوْنِهَا مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهَا النَّدْبُ عَلَى الزَّوْجِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَبْحٌ وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَيَحْصُلُ النَّدْبُ بِفِعْلِهَا وَلَوْ مَرَّةً، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَثِيرَ الْمَالِ، وَاسْتَحَبَّهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِأَهْلِ السَّعَةِ أُسْبُوعًا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَطْلُوبِيَّةِ إفْشَاءِ النِّكَاحِ إلَّا أَنْ لَا يَقْصِدَ الزَّوْجُ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ تَكْرَارُهَا. فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ مُنَافٍ لِنَدْبِ فِعْلِهَا. فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ إذْ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مَنْدُوبًا وَيَجِبُ بِسَبَبِهِ أَشْيَاءُ. أَلَا تَرَى أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى مَنْدُوبَةٌ وَيَجِبُ لَهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَابْتِدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ وَيَجِبُ رَدُّهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْإِجَابَةَ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ) أَيْ فِي مَحَلِّ الْوَلِيمَةِ (لَهُمْ مَشْهُورٌ) أَيْ ظَاهِرٌ بِحَيْثُ يُخَالِطُهُ الْمَدْعُوُّ وَهُوَ مِمَّا يَحْرُمُ حُضُورُهُ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا مُنْكَرٌ بَيِّنٌ) أَيْ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ، كَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، أَوْ الْجُلُوسِ عَلَى الْفُرُشِ الْكَائِنَةِ مِنْ الْحَرِيرِ، أَوْ الِاتِّكَاءِ عَلَى وَسَائِدَ مَصْنُوعَةٍ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْجُلُوسُ مِنْك أَوْ مِنْ غَيْرِك بِحَضْرَتِك، وَلَا تَزُولُ الْحُرْمَةُ بِوَضْعِ حَائِلٍ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عَيَّنَ وَإِنْ صَائِمًا إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُنْكَرٌ كَفَرْشِ حَرِيرٍ وَصُوَرٍ كَجِدَارٍ، وَأَنْ لَا يَحْضُرَ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ الْمَدْعُوُّ، وَأَنْ لَا يَخُصَّ الْفَاعِلَ بِهَا الْأَغْنِيَاءَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا جَلَسَ جَمَاعَةٌ لِلْأَكْلِ تَقِفُ جَمَاعَةٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ يَنْظُرُونَهُمْ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ كَثْرَةُ زِحَامٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْبَابُ مَغْلُوقًا بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَلْقُ لِمَنْعِ مَنْ يَضُرُّ دُخُولُهُ، وَأَنْ تَكُونَ الْوَلِيمَةُ لِمُسْلِمٍ فَلَا تَجِبُ إجَابَةٌ لِوَلِيمَةِ كَافِرٍ، وَمَفْهُومُ الْعُرْسِ أَنَّ وَلِيمَةَ غَيْرِهِ لَا تُجَابُ بَلْ تُكْرَهُ. قَالَ اللَّخْمِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إتْيَانَ طَعَامِ غَيْرِ الْعُرْسِ، وَأَرَى إنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ صَدِيقًا أَوْ جَارًا أَوْ قَرِيبًا كَانَ طَعَامُهُ كَالْعُرْسِ. وَبَحَثَ الْأُجْهُورِيُّ فِي قَوْلِهِ كَالْعُرْسِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَفْيُ كَرَاهَةِ الْحُضُورِ، وَأَقُولُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ إبْقَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ اقْتِضَائِهِ الْوُجُوبَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ إجَابَةِ نَحْوِ الْقَرِيبِ وَالصَّدِيقِ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ الْمَنْهِيِّ الْمُكَلَّفُ عَمَّا يُوجِبُهُمَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْقِيَامَ لِمَنْ يُعَادِيك بِتَرْكِهِ، وَمَفْهُومٌ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ غَيْرُ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا كَانَ هُنَاكَ مُبَاحٌ كَضَرْبِ الْغِرْبَالِ وَالْغِنَاءِ الْخَفِيفِ لَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ لِأَجْلِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَدْعُوُّ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، لِأَنَّهُ - ﵊ - حَضَرَ ضَرْبَ الدُّفِّ وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الرَّسُولِ - ﷺ -. وَلَمَّا كَانَ الْأَكْلُ غَيْرَ لَازِمٍ لِمَنْ حَضَرَ الْوَلِيمَةَ قَالَ: (وَأَنْتَ) يَا حَاضِرَ الْوَلِيمَةِ الْمَذْكُورَةِ (فِي الْأَكْلِ) إنْ كُنْت مُفْطِرًا (بِالْخِيَارِ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْك الْأَكْلُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمُقَابِلُهُ الْوُجُوبُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي وُجُوبِ أَكْلِ الْمُفْطِرِ تَرَدُّدٌ، وَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَاضِرِهَا: «فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» أَيْ يَدْعُو مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ لِقَوْلِ مَالِكٍ - ﵁ -: الْمُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلصَّائِمِ الْفِطْرُ وَلَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إنْ أَفْطَرَ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ الْحَرَامِ. (وَقَدْ أَرْخَصَ مَالِكٌ) - ﵁ - (فِي التَّخَلُّفِ) عَنْ حُضُورِ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ (لِكَثْرَةِ زِحَامٍ) وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُ التَّخَلُّفِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحُضُورِ عِنْدَ الزِّحَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَلَا سِيَّمَا كَثْرَةُ الزِّحَامِ غَالِبًا مِنْ السَّفَلَةِ وَمِمَّنْ تُزْرِي مُجَالَسَتُهُمْ، وَفُهِمَ مِنْ سَوَابِقِ الْكَلَامِ وَلَوَاحِقِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حُضُورُ الْوَلِيمَةِ إلَّا بِإِذْنٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ صَاحِبِ الْوَلِيمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَلِيمَةِ. [بَابٌ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي] ثُمَّ شَرَعَ فِي أُمُورٍ مُهِمَّةٍ جَامِعًا لَهَا بَابٌ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٣٢٢ ]
بَابٌ فِي السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَالتَّنَاجِي وَالْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالْقَوْلِ فِي السَّفَرِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ
وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا
وَالسَّلَامُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَيَقُولَ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (السَّلَامِ، وَ) فِي حُكْمِ (الِاسْتِئْذَانِ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ لِبَيْتِ غَيْرِك فِي حُكْمِ (التَّنَاجِي، وَ) فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ صِفَةِ (الْقِرَاءَةِ، وَ) فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ (الدُّعَاءِ) وَالنَّصِّ عَلَيْهِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (ذِكْرِ اللَّهِ) - ﷾ - (وَ) فِي بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ (الْقَوْلِ فِي السَّفَرِ) وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُرَتِّبْ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى حُكْمِ التَّرْجَمَةِ بَلْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فِيمَا بَعْدَ السَّلَامِ فَقَالَ: (وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيَكْفِي فِي أَدَائِهِ وُقُوعُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ جَمَاعَةٍ وَمُقَابِلُهُ فَرْضُ عَيْنٍ، وَعَلَى كُلٍّ لَا بُدَّ مِنْ إسْمَاعِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، دَلَّ عَلَى الْوُجُوبِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وَالسُّنَّةُ فِعْلُهُ - ﷺ - وَقُدِّمَ حُكْمُ الرَّدِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ التَّصْدِيرَ بِحُكْمِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ اهْتِمَامًا بِشَأْنِ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ مَقْصِدٌ. (وَالِابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَدَلَّ عَلَى طَلَبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أَيْ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَوَصَفَ السُّنَّةَ بِقَوْلِهِ: (مُرَغَّبٌ فِيهَا) أَيْ مُشَدَّدٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ: «مَنْ قَالَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَتَبَ لَهُ عِشْرِينَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً» وَتِلْكَ السُّنَّةُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيتَهُ عَرَفْتَهُ أَوْ لَمْ تَعْرِفْهُ، وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ قَارِئًا أَوْ آكِلًا أَوْ شَارِبًا أَوْ مُشْتَغِلًا بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ أَصَمَّ عَلَى مَا يَنْبَغِي سِوَى شَابَّةٍ لَيْسَتْ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمِ، وَسِوَى قَاضِي الْحَاجَةِ أَوْ مُلَبٍّ وَمُؤَذِّنٍ وَصَاحِبِ بِدْعَةٍ وَكَافِرٍ وَسَكْرَانَ وَمَجْنُونٍ وَنَائِمٍ، وَمَنْ تَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَلَامَك فَهَؤُلَاءِ لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَسْتَحِقُّ رَدًّا. قَالَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ فِي السَّلَامِ عَلَى قَاضِي الْحَاجَةِ وَالْمُؤَذِّنِ وَالْمُلَبِّي، وَقَالَهُ غَيْرُهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الشَّابَّةِ فَلَا تَرُدُّ سَلَامًا وَلَا تَبْتَدِئُ بِسَلَامٍ. وَيَظْهَرُ أَنَّ غَيْرَهُمْ كَذَلِكَ، وَيَبْقَى النَّظَرُ لَوْ سَلَّمَ وَاحِدٌ مِمَّنْ لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ هَلْ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ أَوْ لَا؟ وَيَظْهَرُ عَدَمُ وُجُوبِ رَدِّ سَلَامِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ هِجْرَانُهُ، لِأَنَّهُ إمَّا بِدْعِيٌّ أَوْ كَافِرٌ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَقَوْلُنَا: وَلَوْ صَبِيًّا «لِأَنَّهُ - ﵊ - مَرَّ عَلَى صِبْيَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ»، وَيَجِبُ عَلَيْنَا رَدُّ سَلَامِ الصِّبْيَانِ، وَيَكْفِي رَدُّهُ عَلَى جَمَاعَةٍ بَالِغِينَ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَلَنَا فِيهِ وَقْفَةٌ لِأَنَّ الرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْبَالِغِينَ، وَرَدُّ الصَّبِيِّ غَيْرُ فَرْضٍ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكْفِي عَنْ الْفَرْضِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ، فَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِرَدِّهِ عَنْ الْبَالِغِينَ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ عَلَى الْبَالِغِ، وَمَا فِي النَّظْمِ الْمَشْهُورِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْته لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَمَّ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ بَصِيرًا، لِأَنَّ السَّلَامَ أَمَانٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّأْمِينِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّلَامَ عَلَيْهِ يَكُونُ بِمَا يَفْهَمُ مِنْهُ السَّلَامُ، كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا رَدُّ سَلَامِهِ وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ حَيْثُ صَدَرَ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ سَلَامٌ، كَذَا ظَهَرَ لِي لِأَنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَدْ جَرَى الْخِلَافُ مِنْ الشُّيُوخِ فِي أَفْضَلِيَّةِ السَّلَامِ عَلَى رَدِّهِ وَعَكْسِهِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ أَفْضَلِيَّةَ الرَّدِّ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَفْضَلِيَّةَ الِابْتِدَاءِ مَعَ كَوْنِهِ سُنَّةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عُهِدَ تَفْضِيلُ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْفَرْضِ وَذَلِكَ كَإِبْرَاءِ
[ ٢ / ٣٢٣ ]
[صفة السلام]
السَّلَامُ أَوْ يَقُولَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَمَا قِيلَ لَهُ
وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ إلَى الْبَرَكَةِ أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّك وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمُعْسِرِ مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ مَعَ وُجُوبِهِ. الثَّانِي: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَالرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَطْلُوبَ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ عَنْ الْبَعْضِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ لِلْجَمِيعِ الْفَاعِلِ وَغَيْرِهِ أَوْ قَاصِرٌ عَلَى الْفَاعِلِ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ قَاصِرٌ عَلَى الْفَاعِلِ، وَثَوَابُ سُقُوطِ الطَّلَبِ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَاعِلُ وَغَيْرُهُ. [صِفَةُ السَّلَامِ] (وَ) صِفَةُ (السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ) الْمُرَادُ الْمُسَلِّمُ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) بِزِيَادَةِ مِيمِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا لِأَنَّ مَعَهُ الْحَفَظَةَ وَهُمْ كَجَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك لَمْ يَكُنْ مُسَلِّمًا، وَهَذِهِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَرْوِيَّةُ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الصِّفَةِ، لَكِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣] وَ﴿قَالُوا سَلامًا﴾ [هود: ٦٩] قَالَ: سَلَامٌ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّنْكِيرِ، فَلَيْسَ السَّلَامُ هُنَا كَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَلِذَا قَالَ فِي الْقَبَسِ: وَقَدْ قَالَ مُعَرِّفًا السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَمُنَكِّرًا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا نَكَّرَ فَهُوَ مَصْدَرٌ، وَإِذَا عَرَّفَ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُعَرَّفًا، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عِبَارَةً عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ مُنَكَّرًا يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أَلْقَيْت عَلَيْك سَلَامَةً، وَإِذَا كَانَ مُعَرَّفًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْك. هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِلَفْظِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ تَنْكِيرِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ شَيْءٌ لِأَنَّ تَحِيَّتَنَا لَا تُقَاسُ عَلَى تَحِيَّةِ اللَّهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا لَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى لَفْظِ السَّلَامِ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلَامَ الِابْتِدَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ لَامِ التَّعْرِيفِ وَمِيمِ الْجَمْعِ، بِخِلَافِ سَلَامِ الرَّدِّ. (وَ) صِفَةُ الرَّدِّ أَنْ (يَقُولَ الرَّادُّ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ وَبِالْوَاوِ مُسْمِعًا لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَتَكْفِي الْإِشَارَةُ إلَى الْأَصَمِّ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ إلَّا إنْ كَانَ يَفْهَمُ مِنْهُ كَالْإِشَارَةِ، وَمِثْلُ الرَّدِّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ مُصَلِّيًا، وَمَا يَصْدُرُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِبْرِ مِنْ رَدِّهِمْ بِالْإِشَارَةِ بِنَحْوِ الرَّأْسِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى النُّطْقِ فَلَا يَكْفِي، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَوْ الْمُتَعَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ الْإِشَارَةُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ بَعِيدًا عَنْ الْمُسَلِّمِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يُشِيرَ إلَيْهِ بِالسَّلَامِ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي صِفَةِ السَّلَامِ مِنْ تَقْدِيمِ الْمُبْتَدَأِ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَالْأَوْلَى فِعْلُهُ وَإِنْ جَازَ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الِاخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَيَقُولَ الرَّادُّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَيَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ الرَّدِّ، وَالرَّدُّ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى لَفْظِ الْمُبْتَدَأِ، فَالسَّلَامُ هُنَا كَسَلَامِ الصَّلَاةِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، فَلَيْسَتْ الْعِبَادَةُ جَارِيَةً عَلَى سُنَنِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الرَّادُّ لَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ قَالَ: (أَوْ يَقُولُ) الرَّادُّ (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْخَبَرِ. (كَمَا قِيلَ لَهُ) أَيْ الْمُرَادُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي الْجُمْلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سَلَامَ الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا، وَمَا هُنَا مُنَكَّرٌ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْك السَّلَامُ بِحَذْفِ الْمِيمِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأَجْزَأَ فِي تَسْلِيمَةِ الرَّدِّ سَلَامٌ عَلَيْك: وَعَلَيْك السَّلَامُ، فَيَكُونُ الْجَوَازُ هُنَا أَوْلَى وَحَرَّرَهُ، وَأَمَّا سَلَامٌ عَلَيْك بِتَنْكِيرِ السَّلَامِ وَحَذْفِ مِيمِ عَلَيْكُمْ وَتَقْدِيمِ لَفْظِ السَّلَامِ فَلَا يَكْفِي كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ اللَّحْنُ هُنَا قَطْعًا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْوَاوِ غَيْرُ لَازِمٍ. قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: مَوْضِعَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا وَتَرْكُهَا: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِثْبَاتُهَا يَقْتَضِي مَعْطُوفًا وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ فَيَصِيرُ الْكَلَامُ جُمْلَتَيْنِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى السَّلَامِ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، فَيَصِيرُ الرَّادُّ مُسَلِّمًا عَلَى نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي الصَّلَاةِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَلَك الثَّنَاءُ فَيَكُونُ مُثْنِيًا عَلَى اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَبِغَيْرِ وَاوٍ يَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَهَذَا يَتَرَجَّحُ إثْبَاتُهَا عَلَى حَذْفِهَا. الثَّانِي: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ أَوْ الْخَبَرِ وَإِنْ جَازَ فِي الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الِاكْتِفَاءُ بِلَفْظِ السَّلَامِ فَقَطْ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَيَبْقَى النَّظَرُ هُنَا فِي شَيْءٍ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالسَّلَامِ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ كَمَا شَرَطُوهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُكْتَفَى بِالْعَجَمِيَّةِ وَلَوْ مِنْ الْقَادِرِ؟ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّحِيَّةِ التَّأْمِينُ وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَيَظْهَرُ الِاكْتِفَاءُ لِأَنَّ أَمْرَ الصَّلَاةِ أَشَدُّ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَلَمَّا بَيَّنَ مَا يَكْفِي فِي السُّنَّةِ وَأَدَاءِ الْوَاجِبِ شَرَعَ فِي مُنْتَهَاهُ بِقَوْلِهِ: (وَأَكْثَرُ مَا يَنْتَهِي السَّلَامُ) فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ الرَّدِّ عِنْدَ إرَادَةِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ (إلَى الْبَرَكَةِ) وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْك شَخْصٌ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَلَكَ (أَنْ تَقُولَ فِي رَدِّكَ) عَلَيْهِ
[ ٢ / ٣٢٤ ]
اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَلَا تَقُلْ فِي رَدِّك سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك
وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ
وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ
وَالْمُصَافَحَةُ حَسَنَةٌ
وَكَرِهَ مَالِكٌ الْمُعَانَقَةَ وَأَجَازَهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) وَلَا تَتَجَاوَزْ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَزَادَ فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ وَقَالَ لَهُ: إنَّ السَّلَامَ انْتَهَى إلَى الْبَرَكَةِ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ وَاجِبَةٌ حَيْثُ أَتَى بِهَا الْمُسَلِّمُ عَلَيْك كَمَا قَرَّرْنَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْك: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَيَجُوزُ زِيَادَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فَقَوْلُهُ: ﴿بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦] إذَا كَانَ الْمُسَلِّمُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ " وَإِذَا كَانَ الْمُسَلِّمُ انْتَهَى إلَى لَفْظِ " وَبَرَكَاتُهُ " فَلَا بُدَّ مِنْهَا وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا. وَلَمَّا كَانَ سَلَامُ الرَّدِّ يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ لِسَلَامِ الِابْتِدَاءِ أُخْرِجَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلَا تَقُلْ) عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (فِي الرَّدِّ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك) بِتَقْدِيمِ لَفْظِ " سَلَامُ " وَتَنْكِيرِهِ وَحَذْفِ مِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ خَبَرٌ وَإِنَّمَا هِيَ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَحُمِلَ الْمَنْهِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي بَعْضِ الشُّرَّاحِ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ بِذَلِكَ فِي الرَّدِّ وَحَرَّرَهُ، وَأَمَّا سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْك فَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ التَّتَّائِيِّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَدَمُ إجْزَائِهِ، وَلَمَّا كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةَ كِفَايَةٍ قَالَ: (وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ) عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ (أَجْزَأَ عَنْهُمْ) وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ صَبِيًّا وَيَجِبُ رَدُّ سَلَامِهِ كَالْكَبِيرِ. (وَكَذَلِكَ) يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ (إنْ رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ سُنَّةٌ، وَالرَّدَّ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فِيهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: أَجْزَأَ فِي سَلَامِ الْوَاحِدِ مِنْ الْجَمَاعَةِ، وَرَدِّ الْوَاحِد مِنْهُمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْبَدْءُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَالرَّدُّ مِنْ الْجَمِيعِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مِنْ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُسَلِّمَ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْجَمَاعَةِ أَوْ الرَّدُّ مِنْ غَيْرِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لَا إجْزَاءَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ثَوَابَ الِابْتِدَاءِ أَوْ الرَّدِّ خَاصٌّ بِمَنْ وَقَعَ مِنْهُ، وَأَمَّا ثَوَابُ سُقُوطِ الْخِطَابِ فَيَحْصُلُ لِلْجَمِيعِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّدَّ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْبَالِغِينَ إذَا كَانَ مِنْ صَبِيٍّ مُجْزٍ وَتَقَدَّمَ لَنَا الْبَحْثُ فِيهِ. (تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ إجْزَاءِ الْوَاحِدِ عَنْ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ بِالسَّلَامِ وَاحِدًا بِخُصُوصِهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّ الْمَقْصُودِ بِالسَّلَامِ بِخُصُوصِهِ. وَلَمَّا كَانَ الْقَصْدُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانَ، وَكَانَ الشَّأْنُ حُصُولَ خَوْفِ الْمَاشِي مِنْ الرَّاكِبِ قَالَ: (وَلْيُسَلِّمْ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ) لِأَمْرِهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَيُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» وَإِنَّمَا أَمَرَ الرَّاكِبَ وَمَنْ هُوَ فِي حُكْمِهِ بِالِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ لِمَزِيَّتِهِ عَلَى مُقَابِلِهِ، وَهَكَذَا يُسَلِّمُ رَاكِبُ الْفَرَسِ عَلَى رَاكِبِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ، وَرَاكِبُ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، وَأَمَّا رَاكِبُ الْجَمَلِ وَالْفَرَسِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي يُؤْمَرُ رَاكِبُ الْفَرَسِ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ وَأَقْدَرُ عَلَى الْبَطْشِ مِنْ رَاكِبِ الْجَمَلِ، وَكَذَلِكَ يُسَلِّمُ الْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ، وَأَمَّا إذَا تَسَاوَى شَخْصَانِ فِي الْمُرُورِ أَوْ الرُّكُوبِ فَيَظْهَرُ أَنْ يُطَالَبَ كُلُّ وَاحِدٍ حَتَّى يَبْدَأَ أَحَدُهُمَا، كَكُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ أَوْ سُنَّةِ كِفَايَةٍ، فَإِنَّ الْخِطَابَ يَتَوَجَّهُ لِلْجَمِيعِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَشْرَعَ فِيهِ وَاحِدٌ. وَهَذَا عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَعَدَمِهَا، وَأَمَّا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فَيَبْتَدِئُ الْمَفْضُولُ لِأَنَّ الْأَدْنَى يُؤْمَرُ بِبِرِّ الْأَعْلَى، وَلِذَلِكَ يُسَلِّمُ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْعَبْدُ عَلَى الْحُرِّ، وَالْمُتَجَالَّةُ عَلَى الرَّجُلِ، وَاللَّاحِقُ عَلَى الْمَلْحُوقِ، وَالدَّاخِلُ عَلَى الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ بِمَا تَقَدَّمَ لَقِيلَ بِسَلَامِ الْكَبِيرِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالْكَثِيرِ عَلَى الْقَلِيلِ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ السَّلَامَ أَمَانٌ، وَالْمَطْلُوبُ إيقَاعُهُ مِمَّنْ لَهُ الْقُوَّةُ عَلَى الْأَضْعَفِ مِنْهُ. (تَنْبِيهٌ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَنْ ذُكِرَ بِالسَّلَامِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ، أَوْ الْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ، لَحَصَلَتْ السُّنَّةُ، هَكَذَا ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَلَعَلَّهُ لِظُهُورِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى شَخْصٍ يُصَافِحُهُ عَقِبَ السَّلَامِ، فَقَالَ: (الْمُصَافَحَةُ) وَهِيَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُتَلَاقِينَ يَدَهُ عَلَى بَاطِنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ السَّلَامِ. (حَسَنَةٌ) أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعِنْدَ مَالِكٍ - ﵁ - لِخَبَرِ: «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» . وَلِخَبَرِ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ اخْتِطَافُ الْيَدِ بِأَثَرِ التَّلَاقِي قَبْلَ فَرَاغِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ، وَفِي شَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ يَدَهُ عَلَى يَدِ مُصَافِحِهِ قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ، وَإِذَا نَزَعَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدَهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ لَا يُقَبِّلُ يَدَهُ وَلَا يَدَ صَاحِبِهِ لِمَا يَأْتِي عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَوْ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، لَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، وَلَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ أَوْ مُبْتَدَعٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِ الْمُصَافَحَةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وَكَرِهَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ
وَلَا تُبْتَدَأُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ فَلَا يَسْتَقْبِلُهُ وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلِيَقُلْ عَلَيْك وَمَنْ قَالَ عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَيَلْزَمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» . وَأَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الِانْحِنَاءِ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ الشَّرْعِيِّ. (وَكَرِهَ مَالِكٌ) كَرَاهَةً تَنْزِيهِيَّةً (الْمُعَانَقَةَ) وَهِيَ جَعْلُ الرَّجُلِ عُنُقَهُ عَلَى عُنُقِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ فَعَلَهَا إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ، وَلَمْ يَجْرِ الْعَمَلُ بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ - ﵇ -. (وَأَجَازَهَا) سُفْيَانُ (بْنُ عُيَيْنَةَ) قَالَ فِي (الذَّخِيرَةِ): وَجَوَّزَ مَالِكٌ الْمُصَافَحَةَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ فَصَافَحَهُ وَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ لَوْلَا أَنَّهَا بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُكَ، فَقَالَ سُفْيَانُ: عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْك وَهُوَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَإِنَّهُ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ. قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَلْ عَامٌّ مَا يَخُصُّ جَعْفَرًا يَخْصُصْنَا، وَمَا يَعُمُّهُ يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ، أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِك؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرٌ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ اعْتَنَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: جَعْفَرٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقًا وَخُلُقًا مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْت بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ» . وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا وَلِنُفْرَةِ النُّفُوسِ عَنْهَا غَالِبًا، وَإِنَّمَا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَانُ مَعَ عِلْمِ مَالِكٍ بِهِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ مَالِكٌ بِالتَّحْدِيثِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَدِيثِ لَعَلَّهُ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهِ لِأَنَّهُ اسْتَجَازَهُ فِي التَّحْدِيثِ وَمِنْ التَّلَطُّفِ بِهِ الْإِذْنُ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ الْمُعَانَقَةَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ - ﵊ - فَإِنَّهُ حِينَ كَانَ بِمَكَّةَ وَقَدِمَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ وَعَلِمَ بِهِ - ﵊ - قَالَ: مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَرْكَبَ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَمَشَى إلَى إبْرَاهِيمَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ إبْرَاهِيمُ - ﵇ - وَاعْتَنَقَهُ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَانَقَ. (وَكَرِهَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ) أَيْ يَدُ الْغَيْرِ حِينَ السَّلَامِ عَلَيْهِ (وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ) أَيْ التَّقْبِيلُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَامُوا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَهُوَ صَحِيحٌ وَمِنْهَا تَقْبِيلُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ يَدَهُ - ﷺ -، وَمِنْهَا تَقْبِيلُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ: «أَرِنِي آيَةً، فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَقُلْ لَهَا: النَّبِيُّ - ﷺ - يَدْعُوك فَتَحَرَّكَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَقْبَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ تَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهَا ارْجِعِي فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ، فَقَبَّلَ الْأَعْرَابِيُّ يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَأَسْلَمَ» . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ إنْكَارُ مَالِكٍ لِمَا رُوِيَ فِي تَقْبِيلِ الْيَدَيْنِ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ، فَمَالِكٌ حُجَّةٌ فِيهَا لِأَنَّهُ إمَامُ الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ، فَلِمَا تَقَدَّمَ وَعَمَلِ النَّاسِ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ يَدِ مَنْ تَجُوزُ التَّوَاضُعُ لَهُ وَإِبْرَارُهُ، فَقَدْ قَبَّلَتْ الصَّحَابَةُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﵊ -، وَمِنْ الرَّسُولِ لِفَاطِمَةَ، وَمِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ كَانَ ذُو الْيَدِ عَالِمًا أَوْ شَيْخًا أَوْ سَيِّدًا أَوْ وَالِدًا حَاضِرًا أَوْ قَادِمًا مِنْ سَفَرٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا، وَأَمَّا لَوْ قَبَّلَ يَدَك نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْكِبْرِ وَرُؤْيَةِ النَّفْسِ عَظِيمَةً، وَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَلَعَلَّ الْمُقَبِّلَ بِالْكَسْرِ أَفْضَلُ مِنْ ذِي الْيَدِ عِنْدَ اللَّهِ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُنْكَرُ عَلَى مَنْ فَعَلَهَا مَعَ ذَوِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ لِوُرُودِهَا فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ الْمُقَاطَعَةِ وَالشَّحْنَاءِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي زَمَانِنَا، وَمَفْهُومُ تَقْبِيلِ الْيَدِ أَنَّ تَقْبِيلَ الْفَمِ أَحْرَى بِالْكَرَاهَةِ، إذْ لَا رُخْصَةَ فِي تَقْبِيلِ الرَّجُلِ فَمَ رَجُلٍ، وَأَمَّا تَقْبِيلُ ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ أُمِّهِ فَمَهُ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَهُ، كَمَا لَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ خَدَّ ابْنَتِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَبِّلَهُ خَتَنَتُهُ وَمُعْتَقَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً. . (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُكْرَهُ أَنْ (تَبْدَأَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) وَسَائِرَ فِرَقِ الضَّلَالِ (بِالسَّلَامِ) لِأَنَّ السَّلَامَ تَحِيَّةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْلَالِ لِحَدِيثِ: «لَا تَبْدَأْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَضْيَقِهِ» وَمِثْلُ الْكُفَّارِ فِي كَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ. (فَمَنْ سَلَّمَ عَلَى ذِمِّيٍّ) غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ ذِمِّيٌّ أَوْ نَاسِيًا لِلنَّهْيِ أَوْ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ (فَلَا يَسْتَقْبِلُهُ) أَيْ لَا يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ سَلَامَهُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: رُدَّ سَلَامِي الَّذِي سَلَّمْته عَلَيْك لِأَنِّي لَوْ عَلِمْت أَنَّك كَافِرٌ مَا سَلَّمْت عَلَيْك. (وَ) أَمَّا (إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِ (الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ فَلْيَقُلْ) أَيْ الْمُسْلِمُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ فِي رَدِّ سَلَامِ الذِّمِّيِّ عَلَيْهِ (عَلَيْك) بِغَيْرِ وَاوٍ لِمَا فِي مُسْلِمٍ: «إنَّ الْيَهُودَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكُمْ» فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْكَ أَوْ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ لِيَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَيْك أَوْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ الْمُسْلِمُ أَنَّ الذِّمِّيَّ نَطَقَ بِالسَّلَامِ بِفَتْحِ السِّينِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الدُّعَاءَ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ. (وَمَنْ قَالَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي رَدِّ سَلَامِ الَّذِي عَلَيْهِ (عَلَيْك السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ فَقَدْ قِيلَ) يَجُوزُ (ذَلِكَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ: يَنْبَغِي فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ الرَّادُّ
[ ٢ / ٣٢٦ ]
وَالِاسْتِئْذَانُ وَاجِبٌ فَلَا تَدْخُلْ بَيْتًا فِيهِ أَحَدٌ حَتَّى تَسْتَأْذِنَ ثَلَاثًا فَإِنْ أُذِنَ لَك وَإِلَّا رَجَعْت
وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ، فَإِنْ تَحَقَّقْت أَنَّهُمْ قَالُوا: سَامٌ عَلَيْك أَوْ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ، فَإِنْ شِئْت قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا، فَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ ذَلِكَ قُلْت: وَعَلَيْك بِالْوَاوِ لِأَنَّك إنْ قُلْت عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ وَقَدْ كَانَ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك كُنْت قَدْ نَفَيْت السَّلَامَ عَنْ نَفْسِك وَرَدَدْته عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أَنْ إفْشَاءَ السَّلَامِ عَلَى مَنْ لَمْ يُنْهَ عَنْ السَّلَامِ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ: «قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَرَدُّهُ، وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، وَإِرْشَادُ ابْنِ السَّبِيلِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِغَاثَةُ الْمَظْلُومِ، وَإِحْسَانُ الْكَلَامِ» . وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَحْثِ السَّلَامِ شَرَعَ فِي بَحْثِ الِاسْتِئْذَانِ، فَقَالَ: (وَالِاسْتِئْذَانُ) وَهُوَ طَلَبُ الْإِذْنِ بِدُخُولِ غَيْرِ بَيْتِهِ (وَاجِبٌ) عَلَى مُرِيدِ الدُّخُولِ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] قَالَ مَالِكٌ: الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِئْذَانُ، وَالسُّنَّةُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، قَالَ: اسْتَأْذِنْهَا، قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا، قَالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهِ، فَمَنْ تَرَكَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَحِكْمَةُ فَرْضِيَّتِهِ خِيفَةُ كَوْنِ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الِانْبِسَاطِ يَكْرَهُونَ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِمْ. (وَ) إذَا عَرَفْت أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ فَرْضٌ فَوَاجِبٌ عَلَيْك أَنْ (لَا تَدْخُلَ بَيْتًا) غَيْرَ بَيْتِكَ (فِيهِ أَحَدٌ) وَلَوْ مَحْرَمًا لَك (حَتَّى تَسْتَأْذِنَ) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (ثَلَاثًا فَإِنْ أُذِنَ لَك) فِي الدُّخُولِ دَخَلْت (وَإِلَّا رَجَعْت) وَلَا يَجُوزُ لَك الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَإِلَّا كُنْت عَاصِيًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُطْلَبُ الْإِذْنُ مِنْ كُلِّ مَنْ فِي الْبَيْتِ إلَّا الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ إلَى وَصْفِ الْعَوْرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْأَعْمَى هَلْ يُطَالَبُ بِهِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَتَسْتَأْذِنُ الْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ الْمُلَازِمُونَ فِي الثَّلَاثَةِ أَوْقَاتٍ الْمَذْكُورَةِ فِي آيَةٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. وَأَمَرَ - ﷾ - أَنْ لَا يَدْخُلَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ صَاحِبُ الْمَحِلِّ وَلَا الْأَطْفَالُ عَلَى أَهْلِيهِمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَمَا عَدَاهَا لَا حَرَجَ فِي دُخُولِهِمْ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ السَّمَاعِ ثُمَّ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلَّا انْصَرَفَ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بَيْتًا عَنْ نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ وَالْفُنْدُقِ وَمَا شَابَهَهَا مِنْ كُلِّ مَحَلٍّ مَطْرُوقٍ، كَبَيْتِ الْعَالِمِ وَالْقَاضِي وَالطَّبِيبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُ فِي أَوْقَاتِ الدُّخُولِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنٍ، وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِالِاسْتِئْذَانِ قَبْلَ السَّلَامِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْهُمْ ابْنُ رُشْدٍ، وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ نَحْوِ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَهُوَ بِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ اسْمَهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ، بِخِلَافِ التَّنَحْنُحِ أَوْ قَرْعِ الْبَابِ ثَلَاثًا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا فَإِنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ بِالْكَلَامِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُسْتَأْذَنُ عَلَى كُلِّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ حَتَّى أُمِّهِ وَأُخْتِهِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ بِالسَّلَامِ فَقِيلَ لَهُ مَنْ هَذَا؟ فَلْيُسَمِّ نَفْسَهُ بِاسْمِهِ وَبِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَلَا يَقُولُ: أَنَا لِأَنَّ الرَّسُولَ - ﵊ - كَرِهَهَا مِمَّنْ أَجَابَهُ بِأَنَا حَتَّى خَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا، وَلِأَنَّ بِهَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ كَفِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا غَيْرَ بَيْتِك تَبَعًا لِلْآيَةِ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى مَا فِي الْآيَةِ، وَأَمَّا دُخُولُ الْمُكَلَّفِ بَيْتَ نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلْ فِيهِ إنْ كَانَ مَعَ أَهْلِهِ مَنْ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا مَنْ يَحِلُّ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ التَّنْبِيهُ بِالتَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ خَوْفَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ السَّلَفُ، وَيَكْتَفِي فِي الْإِذْنِ حَيْثُ طَلَبَ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا بِإِذْنِ الصَّبِيِّ أَوْ الْعَبْدِ حَيْثُ يُوثَقُ بِإِذْنِهِ لِضَرُورَةِ النَّاسِ. وَلَمَّا كَانَتْ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ مُشَارِكَةً لِمَا قَبْلَهَا فِي الطَّلَبِ ذَكَرَهَا عَقِبَهَا، فَقَالَ: (وَيُرَغَّبُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ إذَا قَامَ بِهَا الْغَيْرُ وَإِلَّا وَجَبَتْ لِأَنَّهَا مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عِيَادَتُهُ عَلَيْهِ عَيْنًا، وَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ لِعِيَادَتِهِ لَا يَدْخُلُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ وَلَوْ كَانَتْ عِيَادَتُهُ مُرَغَّبًا فِيهَا لِمَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي مِنْهَا: «مِنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا، وَمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ لِلَّهِ وَأَنْ يُخَفِّفَ فِي جُلُوسِهِ عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «رَحِم اللَّهُ عَبْدًا زَارَ فَخَفَّفَ» اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْجُلُوسُ وَأَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَيُبَشِّرَهُ بِحُصُولِ صِحَّةٍ لَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الزِّيَارَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكُلِّ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
[الذكر والدعاء عند السفر أو النوم]
وَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقَدْ قِيلَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ وَذِكْرُ الْهِجْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَقَالَ عُمَرُ أَفْضَلُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَرِيضٍ وَلَوْ أَرْمَدَ أَوْ صَاحِبَ ضِرْسٍ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَلَاثَةٌ إلَخْ فَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ. (فَائِدَةٌ) وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ قَوْلِ الشَّخْصِ لِمَنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ: ذَهَبَ الشَّرُّ فَأَفْتَى الْغُبْرِينِيُّ بِعَدَمِ الْجَوَازِ، وَأَفْتَى ابْنُ عَرَفَةَ بِالْجَوَازِ مُحْتَجًّا بِآيَةِ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّرَّ الْمَرَضُ فَقَدْ قِيلَ لِعَلِيٍّ - ﵁ - وَهُوَ مَرِيضٌ: كَيْفَ أَصْبَحْت؟ فَقَالَ: بِشَرٍّ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ هَذَا؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] وَالشَّرُّ الْمَرَضُ وَالْخَيْرُ الصِّحَّةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا يُقَالُ لِلْمَرِيضِ: لَا تَتَسَاهَلْ هَذَا، أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ فُلَانٌ هَذَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعٍ، كَمَا أَفْتَى بِهِ السَّكُونِيُّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ نِسْبَةِ الْبَارِئِ لِلْجَوْرِ، وَلَوْلَا الْقَوْلُ بِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ لَكَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يَكْفُرُ لِاسْتِحَالَةِ الْجَوْرِ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - لِاسْتِحْقَاقِهِ التَّصَرُّفَ فِي سَائِرِ الْكَائِنَاتِ بِشَهَادَةِ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] فَهُوَ حَكَمٌ عَدْلٌ يُمْرِضُ وَيَشْفِي وَيُحْيِي وَيُمِيتُ لَا مُعَقِّبَ لَهُ فِي حُكْمِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي بَابٍ جُمَلٍ مُسْتَوْفٍ. وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَعَادَهَا فِي بَابِ الِاسْتِئْذَانِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ الدُّخُولِ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ إلَى مَنْ يَعُودُهُ، خِلَافًا لِمَنْ ادَّعَى تَكَرُّرَهَا الْخَالِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ. وَلَمَّا كَانَ بَيْنَ التَّنَاجِي وَالدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مُنَاسَبَةٌ وَهِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّهْيِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ التَّنَاجِي عَقِبَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْذَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يَتَنَاجَى) أَيْ يَتَسَارَرُ (اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) لِخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ يَتَنَاجَى مِنْهُمْ اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا» . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى عُمُومِ النَّهْيِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَإِذَا خَشِيَ الْمُتَنَاجِيَانِ أَنَّ صَاحِبَهُمَا يَظُنُّ أَنَّهُمَا يَتَحَدَّثَانِ فِي غَدْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِمَا كَانَ فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، وَإِنْ أَمِنَا مِنْ ظَنِّهِ ذَلِكَ كُرِهَ تَنَاجِيهِمَا فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ لِأَنَّهُ يَغُمُّ الْمُنْفَرِدَ، وَمَفْهُومُ دُونَ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ تَنَاجِي اثْنَيْنِ دُونَ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ اثْنَيْنِ لَا مَفْهُومَ لَهُ قَالَ: (وَكَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ تَنَاجِي (الْجَمَاعَةِ إذَا أَبْقَوْا وَاحِدًا مِنْهُمْ) فَعَنْ مَالِكٍ: «لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ» لِلنَّهْيِ عَنْ تَرْكِ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَلَوْ أَبْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَمَّا كَانَ النَّهْيُ عَنْ التَّنَاجِي مُقَيَّدًا بِمَا إذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُنْفَرِدِ قَالَ: (وَقَدْ قُيِّدَ لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ) أَيْ تَنَاجِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الْجَمَاعَةِ دُونَ وَاحِدٍ (إلَّا بِإِذْنِهِ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطَهُ سَقَطَ، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ بِقِيلَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَهُوَ تَقَيُّدٌ لِلنَّهْيِ السَّابِقِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّنَاجِي الْمَذْكُورِ نَهْيُ كَرَاهَةٍ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ خَوْفُ الْمُنْفَرِدِ فَيَحْرُمُ، وَفِي مَعْنَى التَّنَاجِي التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ سِوَى الْعَرَبِيَّةِ. (وَذَكَرَ الْهِجْرَةَ) بِمَعْنَى الْهِجْرَانِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْخِصَامِ (قَدْ تَقَدَّمَ) الْكَلَامُ عَلَيْهِ (فِي بَابٍ قَبْلَ هَذَا) فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ لِلْمُصَنِّفِ تَأْخِيرُهُ لِمَا بَيْنَ الْهِجْرَانِ وَالتَّنَاجِي مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي النَّهْيِ. [الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَحْثِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عِنْدَ السَّفَرِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ غَيْرِهِمَا بِقَوْلِهِ: (قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) الصَّحَابِيُّ قَالَ فِي حَقِّهِ - ﵊ -: «أَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» وَعُمْرُهُ ثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَمَقُولُ مُعَاذٍ: (مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا) بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ (أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ) إكْثَارِ (ذِكْرِ اللَّهِ) تَعَالَى وَالذِّكْرُ الْكَامِلُ مَا كَانَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] أَيْ اُذْكُرُونِي بِأَلْسِنَتِكُمْ أَذْكُرْكُمْ بِرَحْمَتِي. وَفِي الْحَدِيثِ: «قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أَعْطَيْت أُمَّتَك مَا لَمْ أُعْطِ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] لَمْ يَقُلْ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . وَقَالَ - ﵊ -: «يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ ذَكَرَنِي ذَكَرْتُهُ» وَجَاءَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الذِّكْرُ. وَقَالَ - ﵊ -: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَفْضَلِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا عُنُقَهُ؟ قَالُوا: مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ» . وَقَالَ - ﵊ - أَيْضًا: «لَا عِبَادَةَ كَالذِّكْرِ، قِيلَ لَهُ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِك حَتَّى يَنْقَطِعَ، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا» وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ فَالذِّكْرُ بَابُ الْوِلَايَةِ وَمِفْتَاحُ الْعِنَايَةِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: هُوَ رُكْنٌ قَوِيٌّ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ - ﷾ - بَلْ هُوَ الْعُمْدَةُ فِي الطَّرِيقِ،
[ ٢ / ٣٢٨ ]
مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ
وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى «اللَّهُمَّ بِك نُصْبِحُ وَبِك
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَلَا يَصِلُ أَحَدٌ إلَى اللَّهِ إلَّا بِدَوَامِ الذِّكْرِ. قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَجَدَّدَ خُشُوعُهُ وَكَثُرَ إيمَانُهُ وَازْدَادَ يَقِينُهُ وَبَعُدَتْ الْغَفْلَةُ عَنْ قَلْبِهِ، وَكَانَ إلَى التُّقَى أَقْرَبَ، وَعَنْ الْمَعَاصِي أَبْعَدَ، وَهَذَا حَامِلٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَوَسِيلَةٌ إلَى النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْكَرِيمِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ طَائِعًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا الذِّكْرُ الْكَامِلُ لِأَنَّ الذِّكْرَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ذِكْرُ اللِّسَانِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ، فَذِكْرُ اللِّسَانِ بِهِ يَصِلُ الْعَبْدَ إلَى اسْتِدَامَةِ فِكْرِ الْقَلْبِ وَالتَّأْثِيرِ بِذِكْرِ الْقَلْبِ، فَإِذَا كَانَ ذَاكِرًا بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ فَهُوَ الْكَمَالُ فِي وَصْفِهِ فِي حَالِ سُلُوكِهِ. وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِزَمَانٍ، بَلْ مَا مِنْ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ إمَّا عَلَى جِهَةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ النَّفْلِيَّةِ، وَالصَّلَاةُ مَعَ كَوْنِهَا أَشْرَفَ الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلَمَّا كَانَ الذِّكْرُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: لِسَانِيٍّ وَقَلْبِيٍّ بَيَّنَ الْأَفْضَلَ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ عُمَرُ) بْنُ الْخَطَّابِ الْمُلَقَّبُ بِالْفَارُوقِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ - ﵃ - (أَفْضَلُ) بِمَعْنَى أَكْثَرُ ثَوَابًا (مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسَانِ) وَخَبَرُ أَفْضَلَ (ذِكْرُ اللَّهِ) بِالْقَلْبِ (عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ) بِمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ سَمَاعِ أَمْرِ خَالِقِهِ وَنَهْيِهِ يَسْتَحْضِرُ بِقَلْبِهِ الْحَقَّ - جَلَّ وَعَلَا - وَيَسْتَحْضِرُ اطِّلَاعَ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّ عِلْمَهُ - تَعَالَى - بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، هَذَا مَعْنَى الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الذَّكَرُ الْقَلْبِيُّ أَفْضَلَ مِنْ اللِّسَانِيِّ، وَقِيلَ: مَعْنَى ذِكْرِهِ - تَعَالَى - عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْحُدُودِ، إنْ رَأَى وَاجِبًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَفَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى مَحْظُورًا ذَكَرَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ فَاجْتَنَبَهُ. وَمَعْنَى ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، فَقَوْلُهُ: عِنْدَ أَمْرِهِ أَيْ بِالِامْتِثَالِ وَعِنْدَ نَهْيِهِ بِالِاجْتِنَابِ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ دُعَاءِ الْعُظَمَاءِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك أَنْ لَا تَرَانَا حَيْثُ نَهَيْتَنَا، وَلَا تَفْقِدَنَا مِنْ حَيْثُ أَمَرْتَنَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذِكْرُ اللَّهِ ضَرْبَانِ: ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ فَقَطْ، وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ أَيْ مَعَ الْقَلْبِ، وَذِكْرُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَرْفَعُ الْأَذْكَارِ وَأَجَلُّهَا: التَّفَكُّرُ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَآيَاتِهِ وَمَصْنُوعَاتِهِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، وَالثَّانِي: ذِكْرُهُ تَعَالَى بِمَعْنَى اسْتِحْضَارِهِ بِالْقَلْبِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَيَمْتَثِلُ مَا أَمَرَ بِهِ وَيَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَيَقِفُ عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ هَذَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الثَّانِي، وَالثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ بِاللِّسَانِ أَيْ مَعَ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الذِّكْرُ بِمُجَرَّدِ اللِّسَانِ فَهُوَ أَضْعَفُ الْأَذْكَارِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ثَوَابٌ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ اخْتِلَافَ السَّلَفِ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْخِلَافُ عِنْدِي إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي مُجَرَّدِ ذِكْرِ الْقَلْبِ تَسْبِيحًا وَتَهْلِيلًا وَشَبَهَهُمَا، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الذِّكْرِ الْخَفِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَارِبُهُ ذِكْرُ اللِّسَانِ فَكَيْفَ يُفَاضِلُهُ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُضُورِ الْقَلْبِ فَإِنْ كَانَ لَاهِيًا فَلَا، وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ ذِكْرَ الْقَلْبِ بِأَنَّ عَمَلَ السِّرِّ أَفْضَلُ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ عَائِشَةَ - ﵂ -: لَأَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ فِي نَفْسِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَذْكُرَهُ بِلِسَانِي سَبْعِينَ مَرَّةً. وَمَنْ رَجَّحَ ذِكْرَ اللِّسَانِ قَالَ: لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُ زَادَ بِاسْتِعْمَالِ اللِّسَانِ. وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي كَتْبِ الْمَلَائِكَةِ الذِّكْرَ الْقَلْبِيَّ فَقِيلَ تَكْتُبُهُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُكْتَبْ لَمَا طُلِبَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ أَفْضَلَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ عِلْمِ الْمَلَائِكَةِ بِمَا فِي الْقَلْبِ، وَقِيلَ لَا يُكْتَبُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّاجِحَ الْأَوَّلُ. (تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الذِّكْرُ كُلُّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ، فَقَوْلُ الذَّاكِرِ: اللَّهُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مِنْ الْبِدَعِ وَأَفْعَالِ الْجَهَلَةِ، وَنَحْوُهُ لِلْبُلْقِينِيِّ وَسَلَّمَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ فِيهِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ فِيهِ ثَوَابًا مَا. الثَّانِيَةُ: ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ - ﵁ - إلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ التَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ وَالتَّسْبِيحُ نَفْيٌ، وَلِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِ: «أَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَعَ أَنَّ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةَ أَفْضَلُ مِنْ السَّلْبِيَّةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ اللَّقَانِيُّ. الثَّالِثَةُ: شَرَطَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حُصُولِ ثَوَابِ الذِّكْرِ فَهْمُ الْمَعْنَى وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ السَّنُوسِيِّ: لَا يَنْتَفِعُ الدَّاخِلُ فِي الْإِسْلَامِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي خَلَاصِ بَدَنِهِ مِنْ النَّارِ إلَّا إذَا قَالَهَا مَعَ فَهْمِ الْمَعْنَى وَلَوْ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ. وَأَقُولُ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُ هَذَا بِغَيْرِ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَيُثَابُ عَلَيْهِ الْقَارِئُ وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ. وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْقُرْآنَ يُتَعَبَّدُ بِأَلْفَاظِهِ. الرَّابِعَةُ: أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ الْقُرْآنُ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ، إنْ صَلَّى مِنْ قِيَامٍ وَإِنْ صَلَّى مِنْ جُلُوسٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةٍ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «أَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
نُمْسِي وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ» وَيَقُولُ فِي الصَّبَاحِ «وَإِلَيْك النُّشُورُ» وَفِي الْمَسَاءِ «وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» وَرُوِيَ مَعَ ذَلِكَ «اللَّهُمَّ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ.
(٢) وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الذِّكْرِ شَرَعَ فِي الدُّعَاءِ وَفِي تَأْخِيرِهِ عَنْ الذِّكْرِ الْإِشْعَارُ بِأَفْضَلِيَّةِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ، وَحَقِيقَةُ الدُّعَاءِ رَفْعُ الْحَاجَاتِ إلَى رَافِعِ الدَّرَجَاتِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَأَنَّهُ يَنْفَعُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، فَيَقْتَضِي اللَّهُ بِهِ الْحَاجَاتِ وَيَدْفَعُ بِهِ الْبَلِيَّاتِ، وَيَكْشِفُ بِهِ الْمُلِمَّاتِ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، وَلَوْلَا أَنَّهُ نَافِعٌ لَمَا أَمَرَ - ﷾ - بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَعِنْدَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ كَمَا مِنْ الْقُرْآنِ وَعْدًا يُسْمَعُ وَفِي الْحَدِيثِ «الدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ» وَيُطْلَبُ وَلَوْ بِمَا عَلِمْت السَّلَامَةَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» لِأَنَّ الدُّعَاءَ فِي نَفْسِهِ عِبَادَةٌ، وَقَدْ دَعَا - ﷺ - رَبَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ كَيَوْمِ بَدْرٍ وَعَلَى قُرَيْشٍ وَعَلَى قَاتِلِي أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَعَلَى الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَحُكْمُ الدُّعَاءِ فِي الْأَصْلِ النَّدْبُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَالدُّعَاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ، أَوْ الْحُرْمَةُ كَالدُّعَاءِ عَلَى شَقِيٍّ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَالْكَرَاهَةُ كَالدُّعَاءِ بِشَيْءٍ يَكُونُ وَسِيلَةً لِمَكْرُوهٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلِإِجَابَتِهِ شُرُوطٌ فِي الدَّاعِي وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ إلَّا اللَّهُ، وَأَنْ يَدْعُوَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ مَعَ حُضُورِ قَلْبٍ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ أَكْلَ الْحَرَامِ، وَأَنْ لَا يَمَلَّ مِنْ الدُّعَاءِ فَيَتْرُكَ وَيَقُولُ: دَعَوْت وَدَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي، وَشُرُوطُهُ فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ، فَلَا يَدْعُو بِمَا فِيهِ إثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ وَلَا إضَاعَةُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ آدَابٌ مِنْهَا: التَّعْمِيمُ فِي الدُّعَاءِ. وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَا يَخْتَرِعُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يَدْعُو بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَأْثُورِ. وَمِنْهَا: كَوْنُهُ غَيْرَ مَرْجُوٍّ لِعَدَمِ التَّكَلُّمِ. وَمِنْهَا: عَدَمُ اللَّحْنِ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ بِالصَّوَابِ. وَمِنْهَا: ابْتِدَاؤُهُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. وَمِنْهَا: الْعَزْمُ فِيهِ فَلَا يَدْعُو وَيُعَلِّقُ بِقَوْلِهِ إنْ شِئْت يَا اللَّهُ. وَمِنْهَا: تَحَرِّي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ كَالسَّحَرِ، وَعِنْدَ النِّدَاءِ وَعِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ وَفِي السُّجُودِ وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ. وَمِنْهَا: عَدَمُ الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. وَمِنْهَا: الْبُدَاءَةُ بِنَفْسِهِ. وَمِنْهَا: الدُّعَاءُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ. وَاخْتُلِفَ هَلْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَوْ لَا؟ وَعَلَى الرَّفْعِ فَهَلْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِهِمَا عَقِبَهُ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -: «أَنَّهُ - ﷺ - كَانَ إذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» . فَيُفِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهُمَا وَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي أَدْعِيَةٍ مَأْثُورَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كُلَّمَا أَصْبَحَ) أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ (وَ) كُلَّمَا (أَمْسَى) أَيْ دَخَلَ فِي الْمَسَاءِ فَأَصْبَحَ وَأَمْسَى هُنَا تَامَّتَانِ. وَفِي الْإِتْيَانِ بِكُلَّمَا الْإِشَارَةُ إلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ: (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (بِك نُصْبِحُ وَبِك نُمْسِي) وَمَعْنَى نُصْبِحُ وَنُمْسِي بِك أَيْ بِقُدْرَتِك. (وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ) وَقَدَّمَ لَفْظَ بِك عَلَى الْعَوَامِلِ فِيهَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ عَلَى حَدِّ: إيَّاكَ نَعْبُدُ أَيْ لَيْسَ الدُّخُولُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَلَيْسَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ إلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. (وَ) كَانَ - ﷺ - إذَا فَرَغَ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ (يَقُولُ فِي الصَّبَاحِ وَإِلَيْك النُّشُورُ) أَيْ الْقِيَامُ مِنْ نَوْمِنَا هَذَا مَعْنَاهُ هُنَا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ انْتِشَارُ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَاسْتِعْمَالُ النُّشُورِ فِي الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَطَرِيقُهَا أَنَّهُ شَبَّهَ الْقِيَامَ مِنْ النَّوْمِ بِالْبَعْثِ الَّذِي هُوَ إحْيَاءُ الْأَمْوَاتِ وَإِعَادَتُهُمْ كَمَا كَانُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالْمُلَاءَمَةُ بَيْنَهُمَا عَوْدُ التَّمْيِيزِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، ثُمَّ اُعْتُبِرَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْبَعْثِ وَهُوَ النُّشُورُ لِانْتِشَارِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ حِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا لِلْمُشَبَّهِ الَّذِي هُوَ الْقِيَامُ مِنْ النَّوْمِ، فَالِاسْتِعَارَةُ تَصْرِيحِيَّةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ الْمُسْتَعَارِ وَالْقَرِينَةُ هُنَا حَالِيَّةٌ. (وَ) كَانَ - ﵊ - يَقُولُ زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ: (فِي الْمَسَاءِ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ) أَيْ وَإِلَيْكَ الْمَرْجِعُ، وَمَعْنَى إلَيْك النُّشُورُ وَالْمَصِيرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مُنْتَهٍ إلَيْك يَا اللَّهُ، وَمَعْنَى انْتِهَائِهِ إلَيْهِ أَنَّهُ بِقُدْرَتِهِ - ﷾ - وَإِرَادَتِهِ، وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ أَيْضًا لِتَشْبِيهِ النَّوْمِ الْمُقْبِلِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ أَقْبَلَ عَلَى الْمَوْتِ، وَالْعِلَاقَةُ ذَهَابُ التَّمْيِيزِ عِنْدَ كُلٍّ، وَلَعَلَّ مَعْنَى الرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ بَعْدَ الْمَوْتِ رُجُوعُهُ إلَى عَالِمِ الْغَيْبِ مِنْ عَالِمِ الشَّهَادَةِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا أَصْبَحَ قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا وَبِك أَمْسَيْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: اللَّهُمَّ بِك أَمْسَيْنَا وَبِك أَصْبَحْنَا وَبِك نَحْيَا وَبِك نَمُوتُ وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» . وَالدُّعَاءُ أَوْ الذِّكْرُ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الصَّبَاحِ يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى
[ ٢ / ٣٣٠ ]
اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ عِبَادِك عِنْدَك حَظًّا وَنَصِيبًا فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ نُورٍ تَهْدِي بِهِ أَوْ رَحْمَةٍ تَنْشُرُهَا أَوْ رِزْقٍ تَبْسُطُهُ أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ أَوْ شِدَّةٍ تَدْفَعُهَا أَوْ فِتْنَةٍ تَصْرِفُهَا أَوْ مُعَافَاةٍ تَمُنُّ بِهَا بِرَحْمَتِك إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
وَمِنْ دُعَائِهِ - ﵇ - عِنْدَ النَّوْمِ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ «اللَّهُمَّ بِاسْمِك وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك لَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك
_________________
(١) [الفواكه الدواني] طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَالْمَطْلُوبُ فِي الْمَسَاءِ الْأَحْسَنُ فِعْلُهُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ قُرْبِهِ يَسِيرًا، وَبَعْدَهُ إلَى النَّوْمِ وَالسَّحَرُ وَقْتُ الْمُنَاجَاةِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّوْمِ وَالِانْتِبَاهِ فِي اللَّيْلِ وَالِاسْتِيقَاظِ لِلْفَجْرِ. وَعَدَّ الْأَقْفَهْسِيُّ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَحَبِّ فِيهَا عِنْدَ صِيَاحِ الدِّيَكَةِ بِاللَّيْلِ، وَعِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَعِنْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَإِثْرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَخُصُوصًا الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَقَدَّمْنَا قَبْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. (وَرُوِيَ) عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الصَّبَاحِ (مَعَ ذَلِكَ) الدُّعَاءَ الْمُتَقَدِّمَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَعْظَمِ) أَيْ أَوْفَرِ وَأَكْبَرِ (عِبَادِكَ عِنْدَكَ حَظًّا وَنَصِيبًا) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (فِي كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ) أَيْ تُيَسِّرُهُ وَتُنْجِزُهُ لَنَا، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا تَقْسِمُهُ بِتُيَسِّرُهُ لِأَنَّ تَقْسِيمَ الْأَشْيَاءِ وَتَقْدِيرَهَا حَاصِلٌ فِي الْأَزَلِ، لَا يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ الصَّلَاحِ وَلَا يَنْقُصُ بِعِصْيَانٍ (فِي هَذَا الْيَوْمِ وَفِيمَا بَعْدَهُ) وَبَيَّنَ ذَلِكَ الْخَيْرَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ نُورٍ تَهْدِي بِهِ) أَيْ تُرْشِدُ بِهِ إلَى الطَّاعَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ. (أَوْ) مِنْ (رَحْمَةٍ تَنْشُرُهَا) أَيْ تَبْسُطُهَا عَلَيْنَا. (أَوْ) مِنْ (رِزْقٍ تَبْسُطُهُ) أَيْ وَاسِعٍ تُنَعِّمُنَا بِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الرِّزْقُ الْحَلَالُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَجُوزُ طَلَبُهُ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْحَيَوَانُ يُسَمَّى رِزْقًا وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. (أَوْ ضُرٍّ تَكْشِفُهُ أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ) أَيْ تَسْتُرُهُ. فَإِنْ قِيلَ: النَّبِيُّ - ﷺ - مَعْصُومٌ مِنْ الذُّنُوبِ فَكَيْفَ يَقُولُ: أَوْ ذَنْبٍ تَغْفِرُهُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ: وَجَوَابٌ آخَرُ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ - ﵊ - وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ شَفَقَةً عَلَى أُمَّتِهِ وَدُعَاءً لِأُمَّتِهِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى حَدِّ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] (أَوْ شِدَّةٍ) أَيْ كُرْبَةٍ تَحْصُلُ (تَدْفَعُهَا أَوْ فِتْنَةٍ) تَحْصُلُ وَهِيَ كُلُّ مَا يُشْغِلُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (تَصْرِفُهَا) أَيْ تُبْعِدُهَا عَنَّا (أَوْ مُعَافَاةٍ) سَلَامَةٍ (تَمُنُّ بِهَا) عَلَيْنَا (بِرَحْمَتِك) أَيْ بِفَضْلِك وَإِحْسَانِك لَا بِالْجَوَابِ وَلَا بِالْإِيجَابِ لِأَنَّك الْفَاعِلُ بِالِاخْتِيَارِ، وَ(إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) مِنْ الْمُمْكِنَاتِ (قَدِيرٌ) وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَقْفَهْسِيُّ: إنَّ هَذَا الْمَرْوِيَّ حَدِيثٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ وَلَمْ يَثْبُتْ اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْجَوَازِ فَيَطْلُبُ مِنَّا فِعْلَهُ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ - ﵊ -، بِخِلَافِ مَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ كَنِكَاحِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَبِخِلَافِ مَا فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الْجَوَازِ كَالِاقْتِصَارِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَحْرُمُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْأَوَّلِ، وَيُكْرَهُ الثَّانِي لِغَيْرِ الْعَالِمِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَمِنْ دُعَائِهِ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ(السَّلَامُ عِنْدَ) إرَادَةِ (النَّوْمِ) عَلَى مَا خَرَّجَهُ مَنْ تَقَيَّدَ بِنَقْلِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (أَنَّهُ كَانَ) يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَ(يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَ) يَدَهُ (الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ) مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسِرٍّ وَلَا جَهْرٍ: (اللَّهُمَّ بِاسْمِك) أَيْ بِقُدْرَتِك (وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي) أَيْ قَبَضْتَهَا قَبْضَ وَفَاةٍ. (فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا) أَيْ أَطْلَقْتهَا عِنْدَ النَّوْمِ وَرَدَدْتهَا إلَى جَسَدِهَا. (فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك) وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الرُّوحَ تَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ عِنْدَ النَّوْمِ وَتَعُودُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ هَكَذَا قَالَ بَعْضٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الرُّوحَ وَاحِدَةٌ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِي بَقَاءِ الْجَسَدِ حَيًّا بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهُ، وَأَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ الْجَسَدَ فِيهِ رُوحَانِ: رُوحُ الْحَيَاةِ وَهِيَ الَّتِي يَمُوتُ بِمُفَارَقَتِهَا، وَرُوحُ الْيَقَظَةِ وَهِيَ الَّتِي يَنَامُ عِنْدَ خُرُوجِهَا وَيَكُونُ مُسْتَيْقِظًا بِوُجُودِهَا فَلَا إشْكَالَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ. وَفِي قَوْلِهِ: بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ الْإِشَارَةُ إلَى مَزِيَّةِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْإِنْسِ وَغَيْرِهِمْ. (اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي) أَيْ ذَاتِي (إلَيْك) لِأَنِّي لَا قُدْرَةَ لِي عَلَى تَدْبِيرِهَا وَلَا عَلَى جَلْبِ نَافِعٍ لَهَا وَلَا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهَا. (وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك) أَيْ أَسْنَدْته إلَيْك لِيَتَقَوَّى بِك، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ يَتَقَوَّى بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِنَادَ الْحِسِّيَّ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَكَنَّى بِالظَّهْرِ عَنْ نَفْسِهِ. (وَفَوَّضْت) أَيْ وَكَّلْت (أَمْرِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك) بِكُلِّيَّتِي وَذَاتِي وَالْمَعْنَى: قَصَدْتُك يَا اللَّهُ دُونَ غَيْرِك بِالْعِبَادَةِ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْجَسَدِ (رَهْبَةً) أَيْ خَوْفًا (مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك) فِي نَيْلِ عَطَائِك (لَا مَنْجَا) بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ أَيْ لَا مَهْرَبَ مِنْك. (وَلَا مَلْجَأَ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ مَرْجِعَ (مِنْك)
[ ٢ / ٣٣١ ]
الَّذِي أَنْزَلْت وَبِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك»
وَمِمَّا رُوِيَ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ»
وَرُوِيَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيُكَبِّرَ اللَّهَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَيْ لَا نَجَاةَ لِأَحَدٍ مِنْك وَلَا مَرْجِعَ لِأَحَدٍ (إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك) أَيْ أَرْجِعُ إلَيْك وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنْهُ - ﷺ - لِأُمَّتِهِ، لِأَنَّ تَوْبَتَهُ - ﷺ - إنَّمَا هِيَ تَوَاضُعُهُ وَشُكْرُهُ: لِأَنَّهُ - ﷺ - «كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» (آمَنْت) أَيْ صَدَّقْت (بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت) عَلَى رَسُولِك وَهُوَ الْقُرْآنُ. (وَبِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت) قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ: الَّذِي فِي مُسْلِمٍ وَنَبِيِّك أَيْ بَدَلَ رَسُولِك حَتَّى نُسِبَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْوَهْمِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَيْضًا بِلَفْظِ رَسُولِك وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَقُولَ: نَبِيِّك وَرَسُولِك احْتِيَاطًا، لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ مَنَعَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي الدُّعَاءِ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ وَالْأَدْعِيَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلِذَا رَدَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى مَنْ قَالَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ وَبِرَسُولِك وَقَالَ لَهُ قُلْ وَبِنَبِيِّك، وَأَيْضًا الْمُعْتَمَدُ مَنْعُ إبْدَالِ لَفْظِ النَّبِيِّ بِالرَّسُولِ وَعَكْسِهِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ فِي مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ: وَإِنْ رَسُولٌ بِنَبِيٍّ أُبْدِلَا فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ كَعَكْسٍ فُعِلَا وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ، وَإِنْ رَجَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْجَوَازَ وَاسْتَصْوَبَ النَّوَوِيُّ كَلَامَهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ نِسْبَةُ الْحَدِيثِ لِقَائِلِهِ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ فَهُوَ تَوْقِيفِيٌّ كَمَا عَرَفْت. (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت) مِنْ الذُّنُوبِ (وَمَا أَخَّرْت) أَيْ مَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ وَهَذَا أَيْضًا تَعْلِيمٌ مِنْهُ - ﵊ - لِأُمَّتِهِ لِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَنْبٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَمَا عَدَاهُ تَكَلُّفَاتٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا. (وَ) اغْفِرْ لِي أَيْضًا (مَا أَسْرَرْت) أَيْ أَخْفَيْته مِنْ الذُّنُوبِ (وَمَا أَعْلَنْت) أَيْ أَظْهَرْته مِنْ الذُّنُوبِ. (أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ رَبِّ قِنِي عَذَابَك) أَيْ نَجِّنِي مِنْ عَذَابِك (يَوْمَ تَبْعَثُ) أَيْ تُحْيِي وَتَنْشُرُ (عِبَادَك) قَائِمِينَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِحِسَابِك وَعَرْضِهِمْ عَلَيْك، وَهَذَا الدُّعَاءُ مُجَمَّعٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ مَعَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ غَيْرِ مُخِلَّيْنِ. وَفِي الْحَدِيثِ ثَلَاثُ خِصَالٍ مُسْتَحَبَّةٌ يَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا اقْتِدَاءً بِهِ - ﵊ - إحْدَاهَا: النَّوْمُ عَلَى طَهَارَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْهُ فَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِقَوْلِهِ: إذَا أَخَذْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأْ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ، وَفَائِدَةُ الْوُضُوءِ مَخَافَةُ أَنْ يَمُوتَ فِي لَيْلَةٍ وَلِيَكُونَ أَصْدَقَ لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَدَ مِنْ تَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ. وَثَانِيهَا: النَّوْمُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ كَمَا يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ وَلِأَنَّهُ أَسْرَعُ إلَى الِانْتِبَاهِ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي نَاحِيَةِ الْيَسَارِ فَإِذَا اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ فَالنَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ سُنَّةٌ، وَعَلَى الظَّهْرِ فِكْرَةٌ، وَعَلَى الْيَسَارِ اضْطِجَاعُ الْمُلُوكِ، وَعَلَى الْبَطْنِ اضْطِجَاعُ الشَّيَاطِينِ وَأَهْلِ النَّارِ. وَثَالِثُهَا: ذِكْرُ اللَّهِ لِيَكُونَ خَاتِمَةَ عَمَلِهِ. وَمِمَّا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ مَعَ الدُّعَاءِ الْمُتَقَدِّمِ مَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَنْدُبُ عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنَازِلِ بِقَوْلِهِ: (وَمِمَّا رُوِيَ) عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - كَمَا فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعِ (فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ) أَيْ أَتَحَصَّنُ (بِك أَنْ أَضِلَّ) أَيْ أَخْرُجَ عَنْ الْحَقِّ فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ. (أَوْ أُضَلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُضِلُّنِي الْغَيْرُ عَنْ الْحَقِّ. (أَوْ أَزِلَّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَمِيلُ عَنْ الْحَقِّ (أَوْ أُزَلَّ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ يُزِيغُنِي الْغَيْرُ. (أَوْ أَظْلِمَ) غَيْرِي (أَوْ أُظْلَمُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ يَظْلِمُنِي الْغَيْرُ. (أَوْ أَجْهَلَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ أَسْفَهُ عَلَى أَحَدٍ. (أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) فَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ، وَالْجَهْلُ وَالظُّلْمُ قِيلَ هُمَا مُتَرَادِفَانِ، وَقِيلَ الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ عَمْدًا، وَالْجَهْلُ وَضْعُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ كُلَّمَا يَخْرُجُ وَلَوْ تَكَرَّرَ خُرُوجُهُ، لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ الدُّعَاءِ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمَنْزِلِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ لَوْ خَرَجَ مِنْ حَائِطِهِ أَوْ مِنْ فُنْدُقِهِ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ كَانَ الْخُرُوجُ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ هُوَ لِلسَّفَرِ أَشَدُّ طَلَبًا خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْحَضَرِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «إذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ احْتَوَشَتْهُ الشَّيَاطِينُ، فَإِذَا قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ الْمَلَكُ: كُفِيتَ وَهُدِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَفَرَّقُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ وَيَقُولُونَ: مَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ رَجُلٍ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ» . وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، وَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الدُّعَاءِ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَحْمَدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَيَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَعِنْدَ الْخَلَاءِ تَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ
وَتَتَعَوَّذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ وَعِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ تَقُولُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ التَّعَوُّذِ أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَبَيْنَ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِالْقَلِيلِ عِنْدَ خُرُوجِهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَنْدُبُ عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَقَالَ: (وَمِمَّا رُوِيَ) عَنْهُ - ﷺ - مِنْ الْأَذْكَارِ (فِي دُبُرِ) بِضَمِّ الدَّالِ وَالْبَاءِ أَيْ عَقِبَ (كُلِّ صَلَاةٍ) مَفْرُوضَةٍ (أَنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَسْبِيحَةً (وَتُكَبِّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَكْبِيرَةً (وَتَحْمَدَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (اللَّهَ) تَعَالَى (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) تَحْمِيدَةً (وَتَخْتِمَ الْمِائَةَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إسْقَاطُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَإِذَا حَصَلَ لِلْإِنْسَانِ الشَّكُّ فِي الْعَدَدِ فَيَحْتَاطُ وَيُكْمِلُ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَدَدِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَقْدِيمُ التَّكْبِيرِ عَلَى التَّحْمِيدِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَاطَ بِثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَمِثْلُهَا تَحْمِيدَاتٍ وَبِأَرْبَعٍ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً وَيَقُولَ مَعَهَا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُعَقِّبَاتِ لِكَوْنِهَا تُقَالُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فَائِدَةَ هَذَا الذِّكْرِ أَنَّهُ تُغْفَرُ بِهِ الذُّنُوبُ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّتِهِ «مَجِيءُ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَالُوا لَهُ: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ مِثْلَنَا وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ وَنَحْنُ فُقَرَاءُ لَا نَتَصَدَّقُ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ لَهُمْ - ﵊ -: أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: «فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قُلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]» . ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَطْلُبُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَ) مِمَّا يُطْلَبُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (عِنْدَ) خُرُوجِك مِنْ (الْخَلَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ (تَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ) أَيْ الطَّعَامُ الْمَفْهُومُ مِنْ السِّيَاقِ (وَأَخْرَجَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ) الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهُ لَوْ بَقِيَ بَعْدَ خُبْثِهِ. (وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ) وَالْأَصْلُ فِي هَذَا فِعْلُهُ - ﷺ - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَحْوِ غُفْرَانُكَ، قَالَ فِي الْمُعَارَضَةِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ: اللَّهُمَّ غُفْرَانُكَ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا وَأَخْرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا» وَبِذَلِكَ سُمِّيَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا.
(٢) (تَنْبِيهٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يُقَالُ عِنْدَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُنْدَبُ عِنْدَ الدُّخُولِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - ﷺ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ خَبِيثٍ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ التَّعَوُّذُ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَمِنْ إنَاثِهِمْ. (فَائِدَةٌ) تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَلَاءَ اسْمٌ لِلْمَحَلِّ الَّذِي تُقْضَى فِيهِ الْحَاجَةُ، فَقَوْلُ الْعَامَّةِ بَيْتُ الْخَلَاءِ مِنْ قَبِيلِ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَيْ بَيْتٌ هُوَ الْخَلَاءُ، وَسُمِّيَ بِالْخَلَاءِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ يَكُونُ خَالِيًا عَنْ النَّاسِ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ قَصْرُ التَّعَوُّذِ فِي الْخَلَاءِ قَالَ: (وَ) يُسْتَحَبُّ لَك أَنْ (تَتَعَوَّذَ) أَيْ تَتَحَصَّنُ (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَخَافُهُ) مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَنْتَ سَائِرٌ. (وَ) كَذَا (عِنْدَمَا تَحِلُّ بِمَوْضِعٍ أَوْ تَجْلِسُ بِمَكَانٍ أَوْ تَنَامُ فِيهِ) بِأَنْ (تَقُولَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) ثَلَاثًا كَمَا فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّك إنْ قُلْت ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَلَوْ لَدَغَتْك عَقْرَبٌ أَوْ غَيْرُهَا لَمْ تَضُرَّك لَدْغَتُهَا كَمَا قَالَهُ - ﷺ -: وَرُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إنْ قَالَهَا مُسَافِرٌ ثَلَاثًا عِنْدَ نُزُولِهِ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظًا حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ جَرَّبْتُهُ أَحَدَ عَشَرَ عَامًا فَوَجَدْته صَحِيحًا، وَمَعْنَى التَّامَّاتِ الْبَالِغَةُ الْغَايَةِ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُعْجِزُ الْبَشَرِ، وَوَصْفُ كَلِمَاتِ اللَّهِ بِالتَّامَّاتِ مِنْ بَابِ الْوَصْفِ الْكَاشِفِ لَا الْمُخَصِّصِ لِأَنَّ كَلِمَاتِهِ كُلَّهَا تَامَّاتٌ، وَالْمُرَادُ بِمَا خَلَقَ كُلُّ مَخْلُوقٍ لَهُ شَرٌّ، وَمَعْنَى أَعُوذُ أَسْتَجِيرُ وَأَتَحَصَّنُ وَأَعْتَصِمُ، وَهَذَا حَدِيثٌ خَرَّجَهُ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ. (وَمِنْ) صِيَغِ (التَّعَوُّذِ) الْوَارِدَةِ عَنْهُ - ﷺ - أَيْضًا (أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ) أَيْ ذَاتُهُ الْكَرِيمَةُ (وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّذِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ) أَيْ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَنْ تَحَصَّنَ بِهِنَّ مَكْرُوهٌ مِنْ بَرٍّ أَوْ مَكْرُوهٌ مِنْ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ رَبِّي آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنْ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ
وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ خَيَّاطَةٍ وَنَحْوِهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَاجِرٍ، وَالْبَرُّ الْمُحْسِنُ الْمُطِيعُ وَالْفَاجِرُ ضِدُّهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاجِرَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْإِنْسِ أَوْ الْجِنِّ لِعِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ فَكُلُّهُمْ أَبْرَارٌ (وَ) أَعُوذُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ) وَمَعْنَى الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَهُوَ الْإِيجَادُ مِنْ الْعَدَمِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٩] وَقَالَ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] أَيْ خَالِقُكُمْ، فَلَعَلَّهُ ذَكَرَهَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اتِّحَادِ مَعْنَاهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ - ﷺ - لَا يَعْلَمُ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، وَاخْتُلِفَ فِي عِدَّتِهَا فَقِيلَ أَلْفُ اسْمٍ وَوَصْفُهَا بِالْحُسْنَى بَيَانٌ لِوَصْفِهَا اللَّازِمِ فَهُوَ وَصْفٌ كَاشِفٌ. (وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ) مِنْ الصَّوَاعِقِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ. (وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا) أَيْ يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْعَذَابِ وَهُوَ الْأَعْمَالُ الْقَبِيحَةُ. (وَ) أَعُوذُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى (مِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) كَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ (وَمِنْ) شَرِّ (فِتْنَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) الْمُرَادُ مَا يَحْصُلُ فِيهِمَا مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْإِنْسَانِ. (وَ) أَعُوذُ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى (مِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ) وَالطَّارِقُ هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَغْتَةً، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ طَوَارِقِ النَّهَارِ، فَيَكُونُ زِيَادَتُهَا مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ لِطَوَارِقِ اللَّيْلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطَّارِقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللَّيْلِ كَمَا قِيلَ، وَعَلَى ثُبُوتِهَا لَا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى الْمُشَاكَلَةِ. (وَيُقَالُ فِي ذَلِكَ) التَّعَوُّذُ (أَيْضًا) زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: (وَ) أَعُوذُ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى الْحُسْنَى (مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ رَبِّي) أَيْ خَالِقِي وَمَالِكِي (آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) وَهِيَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ فَهِيَ هُنَا مُسْتَعَارَةٌ لِلْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُقْهَرُ وَيُغْلَبُ يُمْسَكُ بِنَاصِيَتِهِ، فَالْمُرَادُ بِأَخْذِ الرَّبِّ لَهَا قَهْرُهُ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهَا لِاسْتِحَالَةِ الْأَخْذِ الْحِسِّيِّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى. (إنَّ رَبِّي) أَيْ أَمْرَهُ أَوْ رَسُولَهُ (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أَيْ عَلَى غَايَةٍ مِنْ الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ وَالْعَادِلُ لَا يَضَعُ الشَّيْءَ إلَّا فِي مَحِلِّهِ، وَهَذَا التَّعَوُّذُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَفْظُ حَدِيثٍ: «عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ تَبِعَهُ عِفْرِيتٌ مِنْ الْجِنِّ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ، وَكُلَّمَا يَلْتَفِتُ الرَّسُولُ - ﵊ - يَرَاهُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ - ﵊ -: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ تُطْفِئُ شُعْلَتَهُ وَيَخِرُّ عَلَى فِيهِ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ - ﵊ -: بَلَى، فَقَالَ جِبْرِيلُ قُلْ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ» إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَنِي يَهُودُ حِمَارًا، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعَوُّذَ بِأَسْمَائِهِ تَعَالَى مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ يُخَافُ مِنْهُ اقْتِدَاءً بِهِ - ﵊ -. (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ) أَوْ حَانُوتَهُ أَوْ بُسْتَانَه (أَنْ يَقُولَ) بَعْدَ قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِهِ أَحَدٌ، أَوْ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَعَلَى النَّدْبِ فِي الثَّانِي. (مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) فَإِنَّ قَوْلَهَا حِرْزٌ لِمَنْزِلِ قَائِلهَا الَّذِي قَالَهَا فِيهِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّ «مَنْ قَالَ أَرْبَعًا يَحْصُلُ لَهُ الْأَمْنُ مِنْ أَرْبَعٍ»: إحْدَاهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَثَانِيهَا مَنْ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنَعَمْ الْوَكِيلُ أَمِنَ مِنْ كَيْدِ النَّاسِ، ثَالِثُهَا مَنْ قَالَ: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ مَكِيدَةَ النَّاسِ، رَابِعُهَا مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ أَمِنَ مِنْ الْغَمِّ. وَرُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - أَيْضًا: «أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ سَقَمٌ أَوْ شِدَّةٌ فَقَالَ اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا شَرِيكَ لَهُ كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُ» وَبِالْجُمْلَةِ فَالدُّعَاءُ مَطْلُوبٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ. قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: وَعِنْدَنَا أَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ كَمَا مِنْ الْقُرْآنِ وَعْدًا يُسْمَعُ وَحَقِيقَتُهُ رَفْعُ الْحَاجَاتِ إلَى كَاشِفِ الْكُرُبَاتِ وَدَافِعِ الْبَلِيَّاتِ يَنْفَعُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ، وَالدُّعَاءُ يُوصِلُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ الْكَافِرِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ -: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا» . وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ» «وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقَاهُ الدُّعَاءُ فَيَتَعَالَجَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ يَتَصَارَعَانِ وَيَتَدَافَعَانِ» . وَاعْلَمْ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وَلَا يَغْسِلُ يَدَيْهِ فِيهِ وَلَا يَأْكُلُ فِيهِ إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ كَالسَّوِيقِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَقُصُّ فِيهِ شَارِبَهُ وَلَا يُقَلِّمُ فِيهِ أَظْفَارَهُ وَإِنْ أَخَذَهُ فِي ثَوْبِهِ
وَلَا يَقْتُلُ فِيهِ قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا
وَأُرَخِّصُ فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ فِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُبْرَمٌ وَمُعَلَّقٌ، وَالْمُعَلَّقُ لَا اسْتِحَالَةَ فِي رَفْعِ مَا عَلِقَ مِنْهُ عَلَى الدُّعَاءِ وَلَا فِي نُزُولِ مَا عَلِقَ نُزُولُهُ عَلَى دُعَاءٍ، وَأَمَّا الْمُبْرَمُ فَالدُّعَاءُ يَرْفَعُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ، لَكِنْ رُبَّمَا أَثَابَ اللَّهُ الْعَبْدَ عَلَى دُعَائِهِ أَوْ خَفَّفَ عَنْهُ مَا نَزَلَ بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالدُّعَاءُ أَفْضَلُ مِنْ السُّكُوتِ وَالتَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِهِ وَيُحِبُّ الدُّعَاءَ وَيَغْضَبُ لِتَرْكِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الْكَافِرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِجَابَةُ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَنَسَبَهُ لِلْجُمْهُورِ مُسْتَدِلًّا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] . وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ مِنْ بَابِ الِاسْتِسْقَاءِ يَقْتَضِي عَدَمَ قُصُورِ الِاسْتِجَابَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَعَلَى مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ يَخُصُّ بِالْمَظْلُومِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ شُرُوطًا فِي الدَّاعِي وَهِيَ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ إلَّا اللَّهُ - ﷾ - وَأَنْ يَدْعُوَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَحُضُورِ قَلْبٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِاسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ مَلَالَةٌ مِنْ الدُّعَاءِ بِحَيْثُ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ كَمْ دَعَوْت وَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنْ السَّكِينَةِ، وَشُرُوطًا فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُمُورِ الْجَائِزَةِ الْمُمْكِنَةِ، فَلَا يَدْعُو بِمُسْتَحِيلٍ وَلَا بِمُحَرَّمٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُصَدَّرًا بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ - ﷺ - وَأَنْ يَكُونَ فِي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ كَوَقْتِ السَّحَرِ أَوْ وَقْتِ النِّدَاءِ أَوْ عِنْدَ الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ أَوْ زَمَنِ السُّجُودِ أَوْ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ، وَأَنْ يَكُونَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِ مَلْحُونٍ لِلْقَادِرِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاخْتُلِفَ فِي بَسْطِ الْيَدِ وَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ أَمَارَةُ الذُّلِّ وَالسَّكِينَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ عَقِبَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - ﵊ -. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهَا فِي مَبَاحِثِ الْأَحْكَامِ: (وَيُكْرَهُ) عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ (الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ) حَيْثُ لَا يَمْنَعُ مُصَلِّيًا وَلَا يُقَذِّرُهُ (مِنْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا) كَالنَّسْخِ لِلْكَاتِبِ، وَأَمَّا مَا يُقَذِّرهُ أَوْ يُضَيَّقُ عَلَى مُصَلٍّ فَيَحْرُمُ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ وُضِعَتْ لِلْعِبَادَةِ، وَأُجِيزَتْ الْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ حَيْثُ لَا يُشَوِّشُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى مُصَلٍّ، وَإِلَّا مُنِعَ كَمَا يُمْنَعُ كُلُّ مَا يُقَذِّرُ مِنْ نَحْوِ حِجَامَةٍ أَوْ فِصَادَةٍ أَوْ إصْلَاحِ النِّعَالَاتِ الْعَتِيقَةِ، وَمِنْ الْمَكْرُوهِ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِ بِالْعِلْمِ زِيَادَةً عَلَى الْمَطْلُوبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ أَنْ يُبْصَقَ بِأَرْضِهِ وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ وَسَلُّ سَيْفٍ وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ وَهُتُفٌ بِمَيِّتٍ وَرَفْعُ صَوْتٍ كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ وَوَقِيدُ نَارٍ وَدُخُولٌ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ وَفُرُشٌ أَوْ مُتَّكَأٌ، وَمِنْ الْمَكْرُوهِ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الِاسْتِيَاكُ وَالْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ، وَأَمَّا غَرْسُ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ فِيهِ فَيَحْرُمُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، كَمَا يَحْرُمُ حَفْرُهُ وَالدَّفْنُ فِيهِ، وَمَا غُرِسَ فِيهِ مِنْ الْأَشْجَارِ يُقْطَعُ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهِيَ حَلَالٌ لِلْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ لِأَنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ كَالْفَيْءِ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَغْسِلَ يَدَيْهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِنَا لَا يَجُوزُ الْكَرَاهَةُ إنْ كَانَتَا طَاهِرَتَيْنِ وَالْحُرْمَةُ إنْ كَانَتَا نَجِسَتَيْنِ أَوْ بِهِمَا مَا يُقَذِّرُ وَلَوْ طَاهِرًا، وَاخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْجَوَازُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْكَرَاهَةُ لِسَحْنُونٍ كَمَجِّ الرِّيقِ فِيهِ وَرِحَابُ الْمَسْجِدِ كَالْمَسْجِدِ. (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُكْرَهُ أَنْ (يَأْكُلَ فِيهِ) نَحْوَ بِطِّيخٍ أَوْ فُولٍ مِمَّا يَعْفِشُهُ وَلَا يُقَذِّرُهُ (إلَّا مِثْلَ الشَّيْءِ الْخَفِيفِ) الَّذِي لَا يَحْصُلُ مِنْهُ تَلْوِيثٌ (كَالسَّوِيقِ وَنَحْوِهِ) فَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يُكْرَهُ أَنْ (يَقُصَّ فِيهِ شَارِبَهُ) وَلَا يَحْلِقُ فِيهِ رَأْسَهُ (وَلَا يُقَلِّمُ فِيهِ ظُفْرَهُ) إنْ كَانَ مَا يُزِيلُهُ يُلْقِيهِ عَلَى أَرْضِهِ بَلْ (وَإِنْ أَخَذَهُ فِي ثَوْبِهِ) بِحَيْثُ لَا يَنْزِلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى أَرْضِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِهِ، وَالْمَسَاجِدُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ جَمِيعِ مَا يَعْفِشُهَا وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَقْتُلَ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدُ (قَمْلَةً وَلَا بُرْغُوثًا) الْمُرَادُ الْكَرَاهَةُ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَقَتْلُ كَبُرْغُوثٍ بِمَسْجِدٍ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْقَمْلَةِ أَشَدُّ لِأَنَّهَا مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ قَتْلِ الْقَمْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَمْ يَطْرَحْ قِشْرَهَا فِيهِ وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ لَهَا نَفْسًا سَائِلَةً فَمَيْتَتُهَا نَجِسَةٌ، كَمَا أَنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ قَتْلِ الْبُرْغُوثِ بِهِ مَعَ طَرْحِ قِشْرِهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَكْثُرْ بِحَيْثُ يُقَذِّرُهُ لِأَنَّ تَقْذِيرَ الْمَسَاجِدِ حَرَامٌ وَلَوْ بِالطَّاهِرِ، وَلَا يُقَالُ: تَعْفِيشُ الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: التَّقْذِيرُ أَشَدُّ مِنْ التَّعْفِيشِ. (تَنْبِيهٌ) تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَتْلِ مَا ذُكِرَ فِي الْمَسْجِدِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ طَرْحِهِ فِيهِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ طَرْحَ مَا ذُكِرَ فِي الْمَسْجِدِ حَيًّا لَا حَرَجَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبُرْغُوثِ، وَأَمَّا الْقَمْلَةُ فَاخْتَارَ اللَّقَانِيُّ حُرْمَةَ طَرْحِهَا فِيهِ لِأَنَّهَا تُؤْذِي الْغَيْرَ، وَاخْتَارَ الْأُجْهُورِيُّ الْكَرَاهَةَ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى حُرْمَةِ طَرْحِ قِشْرِهَا فِيهِ لِحُرْمَةِ وَضْعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا وَقِشْرُهَا نَجِسٌ، وَأَمَّا طَرْحُهَا حَيَّةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَقَدْ نَصَّ خَلِيلٌ عَلَى الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: وَفِيهَا يَجُوزُ طَرْحُهَا خَارِجَهُ وَاسْتُشْكِلَ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَرَاهَةِ الْعَمَلِ كَالْخِيَاطَةِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ عَدَمُ جَوَازِ الْبَيَاتِ بِهَا مُطْلَقًا قَالَ: (وَأَرْخَصَ) أَيْ سَهَّلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - (فِي مَبِيتِ الْغُرَبَاءِ فِي مَسَاجِدِ الْبَادِيَةِ) لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يَبِيتُونَ فِيهِ مِنْ نَحْوِ فُنْدُقٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَسَاجِدِ الْحَاضِرَةِ فَلَا تَرْخِيصَ فِي الْبَيَاتِ بِهَا لِلْغُرَبَاءِ إلَّا أَنْ
[ ٢ / ٣٣٥ ]
[آداب قارئ القرآن]
الْحَمَّامِ إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ وَلَا يُكْثِرُ وَيَقْرَأُ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ وَالْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ
وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ فَذَلِكَ حَسَنٌ وَالتَّفَهُّمُ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ أَفْضَلُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُكُوبِهِ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لَا يَجِدُوا مَحِلًّا يَبِيتُونَ بِهِ وَإِلَّا جَازَ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبَاحُ لِأَجْلِهَا الْمَحْظُورَاتُ فَكَيْفَ بِالْمَكْرُوهِ كَمَا هُنَا وَذَلِكَ كَمَا فِي مِصْرَ الْيَوْمَ فَإِنَّ بَعْضَ الْغُرَبَاءِ لَا يُمْكِنُهُ الْبَيَاتُ فِي الْفُنْدُقِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ دَابَّةٌ أَوْ مِنْ ذَوِي الْمَالِ بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ كِرَاءَ مَحَلٍّ، وَأَمَّا غَيْرُ مَالِكٍ كَالشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ أَجَازَ الْبَيَاتَ فِي الْمَسَاجِدِ لِلْغُرَبَاءِ وَلَوْ فِي الْحَاضِرَةِ، بِدَلِيلِ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي مَسْجِدِهِ - ﷺ - فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِهِ لَيْلًا نَهَارًا. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالْعِبَادَةِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ السُّكْنَى فِي الْمَسْجِدِ فَضْلًا عَنْ الْبَيَاتِ. (تَنْبِيهٌ) نَصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى بَيَاتِ الْغَرِيبِ فِي الْمَسْجِدِ وَسَكَتَ عَنْ دَابَّتِهِ وَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ مَحَلًّا يَحْفَظُهَا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَخَافَ عَلَيْهَا مِنْ اللُّصُوصِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهَا الْمَسْجِدَ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اتِّخَاذُ إنَاءٍ يَبُولُ فِيهِ إنْ كَانَ يَخَافُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ نَحْوِ سَبُعٍ أَوْ سَبْقِ بَوْلِهِ، لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مَوْضُوعَةٌ لِلْعِبَادَةِ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ لِفَاعِلِهَا، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مُحَصِّلٌ الثَّوَابَ. [آدَابِ قَارِئِ الْقُرْآنِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي آدَابِ قَارِئِ الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ يُكْرَهُ (أَنْ يَقْرَأَ) الشَّخْصُ (فِي الْحَمَّامِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَوَاضِعِ الْأَقْذَارِ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ لِأَنَّ مَوَاضِعَ الْأَقْذَارِ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ يُنَزَّهُ الْقُرْآنُ عَنْهَا، وَلَمَّا ضَمَّنَ يَقْرَأُ مَعْنَى يَتَقَرَّبُ قَالَ: (إلَّا الْآيَاتِ الْيَسِيرَةَ) وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُكْثِرُ) زِيَادَةُ إيضَاحٍ لِمَا قَبْلَهُ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِغَالِ الرَّاكِبِ وَمَا مَعَهُ عَدَمُ جَوَازِ قِرَاءَتِهِ قَالَ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَقْرَأَ الرَّاكِبُ وَالْمُضْطَجِعُ وَالْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ) أَوْ إلَى حَائِطِهِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَعْظَمُ الْأَذْكَارِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وَيَحْصُلُ لِلْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إلَى أُخْرَى تَوْنِيسِ الْقَلْبِ بِالْقِرَاءَةِ وَالْأَمْنُ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ. (وَيُكْرَهُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ فِعْلِ الْقِرَاءَةِ (لِلْمَاشِي إلَى السُّوقِ) حَيْثُ كَانَ فِي الطَّرِيقِ إنية الْأَقْذَارِ كَأَسْوَاقِ الْحَاضِرَةِ وَلِكَثْرَةِ الْمَارِّينَ بِهَا فَيَفُوتُهُ التَّدَبُّرُ بِالِاشْتِغَالِ بِالْمَارِّ بِهَا، وَرُبَّمَا يُنْسَبُ إلَى الرِّيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِلَلِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكَرَاهَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ سِرًّا أَوْ جَهْرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَارِئُ مُتَعَلِّمًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِقَرِينَةٍ قَوْلِهِ: (وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورَ مِنْ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ الْكَثِيرَةِ فِي الْحَمَّامِ أَوْ فِي حَالِ الْمَشْيِ إلَى السُّوقِ (لِلْمُتَعَلِّمِ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِذَا حَكَاهُ بِقِيلِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَوَاضِعِ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهَا الْمَطْلُوبَةِ وَغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي سَبْعِ) لَيَالٍ (فَذَلِكَ حَسَنٌ) أَيْ مَنْدُوبٌ (وَ) لَكِنَّ (التَّفَهُّمَ مَعَ قِلَّةِ الْقِرَاءَةِ) وَلَوْ زَادَتْ مُدَّتُهَا عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ (أَفْضَلُ) مِنْ قِرَاءَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ - ﵊ - مُتَرَسِّلَةً بِحَيْثُ لَوْ شَاءَ السَّامِعُ عَدَّ حُرُوفِ مَا يَقْرَؤُهُ لَأَمْكَنَهُ، لِأَنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي قِرَاءَتِهِ يَقِفُ عَلَى أَحْكَامِهِ وَمَوَاعِظِهِ وَعَلَى وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَهَذَا يَحْمِلُهُ عَلَى تِلَاوَتِهِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي حُصُولَ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ الْقَارِئُ الْمَعْنَى خِلَافًا لِفَتْوَى بَعْضِ الشُّيُوخِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْقِرَاءَةِ الْقَلِيلَةِ عَلَى الْكَثِيرَةِ مَعَ التَّدَيُّنِ بِقَوْلِهِ: (وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ» مَعَ مَعْرِفَتِهِ - ﷺ - لِمَعَانِيهِ وَفَهْمِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا قِيلَ إنَّ بَعْضَ الْأَكَابِرِ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يُفْسَحُ لَهُمْ فِي الزَّمَنِ كَمَا تُطْوَى لَهُمْ الْأَرْضُ، وَكَرَامَاتُهُمْ لَا يُنَازِعُ فِيهَا إلَّا مَحْرُومٌ سَوَاءٌ كَانُوا أَحْيَاءً أَوْ أَمْوَاتًا. (تَتِمَّةٌ) تَشْتَمِلُ عَلَى ثَوَابِ الْقَارِئِ وَمُحَصِّلُهُ أَنَّ لِلْقَارِئِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَبِطَهَارَةٍ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا إنْ صَلَّى قَاعِدًا بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسُونَ حَسَنَةً، وَإِنْ كَانَ مُصَلِّيًا قَائِمًا يَكُونُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَالْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْأَدْعِيَةِ الَّتِي تُطْلَبُ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ بِقَوْلِهِ: (يُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ) أَيْ مَرِيدُ السَّفَرِ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ رُكُوبِهِ) أَيْ عِنْدَ وَضْعِ رِجْلِهِ فِي الرِّكَابِ (بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ) أَيْ الْحَافِظُ (فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ) أَيْ الْمُتَكَفِّلُ بِأُمُورِهِمْ عَنِّي (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ أَيْ مِنْ مَشَقَّةِ (السَّفَرِ وَ) مِنْ (كَآبَةِ) بِالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا مَدَّةٌ أَيْ سُوءُ (الْمُنْقَلَبُ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ الرُّجُوعُ أَيْ أَعُوذُ بِك مِنْ الرُّجُوعِ خَائِبًا مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ حَاجَتِي. (وَ) مِنْ (سُوءِ الْمَنْظَرِ) بِفَتْحِ الظَّاءِ أَيْ مَا يُسِيءُ النَّظَرُ إلَيْهِ (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَالْوَلَدِ) اسْتَعَاذَ بِهِ - ﷾ - مِنْ رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِهِ فِي حَالَةٍ يَحْصُلُ لَهُ فِيهَا الْحُزْنُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَغَيْرُهُمْ وَإِنْ وَقَعَ فِي لَفْظِهِ اخْتِلَافٌ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَلَبَّسَ بِالسَّفَرِ أَنْ (يَقُولَ) عِنْدَ
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وَيَقُولُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى عَلَى الدَّابَّةِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ
وَتُكْرَهُ التِّجَارَةُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ وَبَلَدِ السُّودَانِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﵇ - «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ»
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا سَفَرَ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ لَهَا.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَشْيِهِ إنْ كَانَ مَاشِيًا وَيَقُولَ (الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى عَلَى الدَّابَّةِ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا بِهِ مُقْرِنِينَ) أَيْ مُطِيقِينَ وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا السَّفِينَةَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٤] أَيْ رَاجِعُونَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُسَافِرِ ذِكْرُهُ شَرَعَ فِي أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ بِقَوْلِهِ: (وَتُكْرَهُ التِّجَارَةُ) الَّتِي يُرِيدُ السَّفَرُ بِهَا (إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ) الْمُرَادُ الْكَافِرُ لِمَا فِيهِ مِنْ إذْلَالِ دِينِ التَّاجِرِ وَالتَّغْرِيرِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي قَوَادِحِ الشَّهَادَةِ: وَتِجَارَةُ الْأَرْضِ حَرْبٌ لِأَنَّ الْمُقِيمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ تَجْرِي عَلَيْهِ أَخْلَاقُهُمْ وَرُبَّمَا يَتَطَبَّعُ بِطِبَاعِهِمْ، وَلَا يَأْمَنُ مِنْ جَبْرِهِ عَلَى الْكُفْرِ أَوْ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ الْمَعَاصِي. (وَ) كَذَا تُكْرَهُ التِّجَارَةُ إلَى (بَلَدِ السُّودَانِ) الْكُفَّارِ وَيَحْتَمِلُ وَلَوْ غَيْرُ كُفَّارٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَخَاطِرِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَعَلَى الثَّانِي عَكْسُهُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السَّفَرَ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلِنَحْوِ فَكِّ أَسِيرٍ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَدْخَلَتْهُ الرِّيحُ بَلَدَهُمْ غَلَبَةً، وَالْكَرَاهَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَنْزِيهِيَّةٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُقَالُ: يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ جَعْلُهُ مِنْ قَوَادِحِ الشَّهَادَةِ مُطْلَقًا، لِأَنَّا نَقُولُ: الْقَدْحُ يَكُونُ بِالْمَكْرُوهِ وَبِكُلِّ مُزَوَّرٍ وَلَوْ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ. وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مَظِنَّةً لِارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مَا يُنَفِّرُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» وَتَمَامُهُ: «يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهِمَتَهُ مِنْ وُجْهَتِهِ فَلْيُعَجِّلْ الْأَوْبَةَ إلَى أَهْلِهِ» . وَقَوْلُهُ: قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ يَحْتَمِلُ عَذَابَ الدُّنْيَا وَيَحْتَمِلُ مَا هُوَ أَعَمُّ لِأَنَّ الدُّنْيَا مُمْتَزِجَةٌ مَعَ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ وَسُرُورٍ فِي الدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ الْجَنَّةِ، وَكُلَّ هَمٍّ وَغَمٍّ وَعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّارِ، وَإِنَّمَا كَانَ قِطْعَةً مِنْ الْعَذَابِ لِأَنَّ فِيهِ فُرْقَةَ الْأَحْبَابِ وَمُجَاهِدَةَ النَّفْسِ وَتَشْتِيتَ الْخَاطِرِ وَمُذَكِّرٌ لِفِرَاقِ الدُّنْيَا، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَطَةُ مَنْ لَا تُشْتَهَى مُخَالَطَتُهُ، وَكَفَى بِمَا ذُكِرَ عَذَابًا فِي الْحِسِّ وَالْمَعْنَى حَتَّى قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: لَوْلَا أَنِّي أَزِيدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَقُلْت الْعَذَابُ قِطْعَةٌ مِنْ السَّفَرِ، وَقَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: «يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ مِنْ نَوْمِهِ» إلَخْ الْمُرَادُ يَمْنَعُهُ كَمَالُ نَوْمِهِ وَلَذَّةُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَالنَّهِمَةُ الْمُرَادُ بِهَا الْحَاجَةُ. وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مَظِنَّةَ الْخَلْوَةِ وَالْمُخَالَطَةِ بِالْأَجَانِبِ قَالَ: (وَلَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى لَا يَحِلُّ (أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا) كَأَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا وَمَنْ فِي حُكْمِهَا كَزَوْجِهَا (سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ) سَوَاءً فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ، وَلَا مَفْهُومَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْلُوَ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَوَرَدَ بِرِوَايَاتٍ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذِهِ، وَحُمِلَ اخْتِلَافُهَا عَلَى اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَفْهُومَ الرِّوَايَاتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ السَّفَرُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ شُمُولُهُ لِلشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ لِابْنِ رُشْدٍ بِالشَّابَّةِ، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَيَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الَّتِي انْقَطَعَ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا جُمْلَةً وَسَافَرَتْ مَعَ مَنْ مِثْلُهُ لَا يُتَوَهَّمُ مَيْلُهُ إلَيْهَا ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ مَسْأَلَةً بِقَوْلِهِ: (إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ) - ﵁ - حَيْثُ كَانَ سَفَرُهَا (فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ فَذَلِكَ) جَائِزٌ (لَهَا) قَالَ خَلِيلٌ مُشْبِهًا فِي الْوُجُوبِ: كَرُفْقَةٍ أُمِنَتْ بِفَرْضٍ أَيْ فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَهَا وَالْفَرْضُ يَشْمَلُ كُلَّ فَرْضٍ، كَمَا إذَا أَسْلَمَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ أُسِرَتْ وَأَمْكَنَهَا الْهُرُوبُ، وَيَشْمَلُ حَجَّ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ وَالْحِنْثِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْمَنْزِلِ لِإِتْمَامِ الْعِدَّةِ إذَا خَرَجَتْ ضَرُورَةً فَمَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَّا فِي حَجِّ الْفَرِيضَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الرُّفْقَةِ فَهَلْ يَكْفِي فِيهَا مَحْضُ النِّسَاءِ أَوْ مَحْضُ الرِّجَالِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ، تَرَدُّدٌ لِلشُّيُوخِ فِي فَهْمِ قَوْلِ الْإِمَامِ تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ هَلْ الْوَاوُ عَلَى بَابِهَا وَلَا بُدَّ مِنْ مَجْمُوعِ الصِّنْفَيْنِ أَوْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فَيَكْفِي أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ تَرَدُّدٌ، وَحُكْمُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَحْرَمُ أَوْ الزَّوْجُ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا، وَمَفْهُومُ حَجِّ الْفَرِيضَةِ أَنَّ حَجَّ النَّفْلِ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَسْفَارِ الْغَيْرِ الْوَاجِبَةِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهَا مَعَ الْمَحْرَمِ أَوْ الزَّوْجِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مُوَافِقٌ لِلرَّاجِحِ، وَإِنَّمَا قَصَرَهَا عَلَى مَالِكٍ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَنْسُوبَةً لَهُ، لَا لِلتَّبَرِّي مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي أُمُورٍ مُهِمَّةٍ يَحْتَاجُ الشَّخْصُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٣٣٧ ]