بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ قَصُّ الشَّارِبِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَهُوَ طَرْفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى الشَّفَةِ لَا إحْفَاؤُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَابٌ فِي الْفِطْرَةِ وَالْخِتَانِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ وَاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ] (بَابٌ فِي) تَفْسِيرِ (الْفِطْرَةِ) مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فَإِنَّ الشُّيُوخَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالسُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي اخْتَارَهَا لِأَنْبِيَائِهِ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ فُطِرُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْخِصَالِ الَّتِي يَتَكَمَّلُ بِهَا الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ يَصِيرُ بِهَا عَلَى أَشْرَفِ الْأَوْصَافِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالدِّينِ وَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ - ﵊ -: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» . (وَ) فِي حُكْمِ (الْخِتَانِ) وَالْخِفَاضِ (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (حَلْقِ الشَّعْرِ) الَّذِي يُؤْذَنُ فِي حَلْقِهِ وَمَا لَا يُؤْذَنُ فِي حَلْقِهِ، وَذَكَرَ هَذَيْنِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي الْفِطْرَةِ عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ. (وَ) فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ أَنْوَاعِ (اللِّبَاسِ، وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (سَتْرِ الْعَوْرَةِ) وَتَفْسِيرِهَا. (وَ) فِي بَيَانِ (مَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ) مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي التَّرْجَمَةِ، كَالصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَنَقِفُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَدَأَ بِبَيَانِ مَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسُ) خِصَالٍ إحْدَاهَا: (قَصُّ الشَّارِبِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ، وَلَمَّا كَانَ إمَامُنَا مَالِكٌ - ﵁ - لَا يَقُولُ بِقَصِّ جَمِيعِهِ وَإِنَّمَا يَقُولُ بِنَدْبِ النَّازِلِ عَلَى الشَّفَةِ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الشَّخْصُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَهُوَ) أَيْ الشَّارِبُ الَّذِي يُؤْذَنُ فِي قَصِّهِ (الْإِطَارُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَوْ فَتْحِهَا وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ طَرَفُ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ) أَيْ النَّازِلِ (عَلَى الشَّفَةِ لَا إحْفَاؤُهُ) أَيْ جَزُّهُ وَاسْتِئْصَالُهُ، قَالَ يَحْيَى فِي الْمُوَطَّإِ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الْإِطَارُ وَلَا يَجُزُّهُ فَيُمَثِّلُ بِنَفْسِهِ، زَادَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ جَزَّ شَارِبَهُ يُؤَدَّبُ وَيُبَالَغُ فِي عُقُوبَتِهِ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ وَمِنْ فِعْلِ النَّصَارَى، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ جَزُّهُ تَمَسُّكًا بِرِوَايَةِ: «اُحْفُوَا الشَّوَارِبَ وَاعْفُوَا اللِّحَى» . وَأَخَذَ مَالِكٌ بِخَبَرِ: «قُصُّوا الشَّوَارِبَ» وَجَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ بِأَنْ يُقَصَّ مِنْ أَعْلَاهُ وَيُحْلَقَ مِنْ طَرَفٍ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي أَلْفِيَّتِهِ: وَالْمَتْنُ إنْ نَافَاهُ مَتْنٌ آخَرُ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلَا تَنَافُرَ وَفِي قَصِّهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ظُهُورُ حَاشِيَتِهِ، وَمِنْهَا: تَسْهِيلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمِنْهَا: زَوَالُ الْأَدْرَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، وَمِنْهَا: تَحْسِينُ الْخِلْقَةِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ مَالِكٍ قَصُّ طَرَفِ الشَّارِبِ فَقَطْ، وَأَمَّا قَصُّ جَمِيعِهِ فَمَكْرُوهٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا جَزُّهُ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَأْلُوفُ لِلنَّاسِ طَرِيقُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ: «قُصُّوا وَاحْفُوا» بِجَزِّ أَسْفَلِهِ وَتَقْصِيرِ أَعْلَاهُ وَهُوَ الْأَمْسُ بِتَحْسِينِ الْخِلْقَةِ، وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ - ﷺ - فِي نَفْسِهِ هَلْ قَصُّهُ أَوْ اسْتِئْصَالُهُ؟ وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ - ﷺ - الْقَطْعُ بِشَيْءٍ فَوَّضَ الْمُصَنِّفِ عِلْمَ مَا أَرَادَهُ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَفِي قَصِّ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحَى مُخَالَفَةٌ لِفِعْلِ الْأَعَاجِمِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ وَيَعْفُونَ الشَّوَارِبَ، وَآلُ كِسْرَى أَيْضًا كَانَتْ تَحْلِقُ
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْجَنَاحَيْنِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَلَا بَأْسَ بِحِلَاقِ غَيْرِهَا مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ وَالْخِتَانُ لِلرِّجَالِ سُنَّةٌ وَالْخِفَاضُ لِلنِّسَاءِ مَكْرُمَةٌ وَأَمَرَ النَّبِيُّ أَنْ تُعْفَى اللِّحْيَةُ وَتُوَفَّرَ وَلَا تُقَصَّ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْ طُولِهَا إذَا طَالَتْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِحَاهَا وَتُبْقِي الشَّوَارِبَ، فَمَا عَلَيْهِ الْجُنْدُ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَمْرِ الْخَدَمِ بِحَلْقِ لِحَاهُمْ دُونَ شَوَارِبِهِمْ لَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْأَئِمَّةِ لِمُخَالَفَتِهِ لِسُنَّةِ الْمُصْطَفَى - ﷺ - وَلِمُوَافَقَتِهِ لِفِعْلِ الْأَعَاجِمِ وَالْمَجُوس وَالْعَوَائِدُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا إلَّا عِنْدَ عَدَمِ نَصٍّ عَنْ الشَّارِعِ مُخَالِفٍ لَهَا، وَإِلَّا كَانَتْ فَاسِدَةً يَحْرُمُ الْعَمَلُ بِهَا، أَلَا تَرَى لَوْ اعْتَادَ النَّاسُ فِعْلَ الزِّنَا أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ الْعَمَلِ بِهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ إضَافَةِ قَصِّ إلَى الشَّارِبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّعْرِ لِأَنَّهُ الَّذِي يُقَصُّ، وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ أَنَّ الشَّارِبَ اسْمٌ لِمَحَلِّ الشَّعْرِ، وَعَلَيْهِ فَفِي كَلَامِهِ حَذْفُ مُضَافَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَصُّ طَرَفِ شَعْرِ الشَّارِبِ وَرُبَّمَا يَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ: وَهُوَ الْإِطَارُ. الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ السَّبَّالِينَ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ، وَاَلَّذِي أَخَذَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - فَتَلَهُمَا وَلَمْ يَقُصَّهُمَا، فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إبْقَائِهِمَا، وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّهُمَا كَالشَّارِبِ. (وَ) ثَانِيهمَا (قَصُّ الْأَظْفَارِ) فَإِنَّهُ سُنَّةٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إلَّا فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ، وَأَقَلُّ زَمَنِ قَصِّهِ الْجُمُعَةُ لِطَلَبِهِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَيَكُونُ بِالْمِقَصِّ أَوْ السِّكِّينِ لِكَرَاهَتِهِ بِالْأَسْنَانِ وَلِأَنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ أُصْبُعٌ لِلْبُدَاءَةِ بِهِ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ زَمَنُ الْقَصِّ فِيهِ. (وَ) ثَالِثَةُ الْخِصَالِ (نَتْفُ) أَيْ إزَالَةُ شَعْرِ (الْجَنَاحَيْنِ) وَهُمَا الْإِبِطَانِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالنَّتْفُ فِي الْجَنَاحَيْنِ أَحْسَنُ مِنْ الْحَلْقِ وَمِنْ الْإِزَالَةِ بِالنُّورَةِ، وَسُنَّةُ النَّتْفِ الْبُدَاءَةُ بِالْجَنَاحِ الْأَيْمَنِ وَيُنْدَبُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْهُ. (وَ) رَابِعَةُ الْخِصَالِ (حَلْقُ الْعَانَةِ) وَهِيَ مَا فَوْقَ الْعَسِيبِ وَالْفَرْجِ وَمَا بَيْنَ الدُّبُرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَهُوَ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَلْقِ الْإِزَالَةُ بِغَيْرِ النَّتْفِ فَيَشْتَمِلُ الْإِزَالَةَ بِالنُّورَةِ وَبِالْحَلْقِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ وَلَوْ فِي حَقِّ النِّسَاءِ، وَيُكْرَهُ إزَالَةُ شَعْرِ الْعَانَةِ بِالنَّتْفِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِأَنَّهُ يُرْخِي الْمَحَلَّ وَيُؤْذِي الرَّجُلَ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ. (وَلَا بَأْسَ بِحِلَاقِ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْعَانَةِ (مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ) كَشَعْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ شَعْرِ الْجَسَدِ حَتَّى شَعْرِ حَلَقَةِ الدُّبُرِ، إلَّا الرَّأْسَ وَاللِّحْيَةَ فَإِنَّ حَلْقَهُمَا بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ فِي اللِّحْيَةِ وَغَيْرُ مُحَرَّمَةٌ فِي الرَّأْسِ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ إلَّا فِي التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ، وَالظَّاهِرُ مِنْ لَا بَأْسَ الْإِبَاحَةُ، وَقَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ: تَرْكُ إزَالَتِهِ اقْتِدَاءٌ بِهِ - ﷺ -، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ حَلْقَ الرَّأْسِ لِغَيْرِ الْمُتَحَلِّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَذَكَرَ الزَّنَاتِيُّ خِلَافًا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ ثُمَّ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ كَرَاهَتُهُ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ وَإِبَاحَتُهُ لِلْمُتَعَمِّمِ لِوُجُودِ الْعِوَضِ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ عَدَمَ حَلْقِ الرَّأْسِ الْيَوْمَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ حَلْقِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلُهُ لِهَوَى نَفْسِهِ وَإِلَّا كَرِهَ أَوْ حَرُمَ، كَمَا يَحْرُمُ إبْقَاءُ الشُّوشَةِ لِلْعُجْبِ وَبِدُونِهِ يُكْرَهُ، كَمَا يُكْرَهُ الْقَزَعُ وَهُوَ تَفْرِيقُ شَعْرِ الرَّأْسِ مَعَ حَلْقِ مَا بَيْنَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَرَبُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ عَدِّ قَصِّ الشَّارِبِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الْعَانَةِ وَالْجَنَاحَيْنِ مِنْ الْفِطْرَةِ عَدَمُ سُنِّيَّةِ إزَالَةِ شَعْرِ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ بَلْ الْإِبَاحَةُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ لَا بَأْسَ كَمَا بَيَّنَّا. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ إزَالَةَ شَعْرِ الْعَانَةِ وَالْجَنَاحَيْنِ تَشْتَرِك فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَأَمَّا شَعْرُ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ فَلَا بَأْسَ بِإِزَالَتِهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ فَقَطْ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إزَالَةُ مَا فِي إزَالَتِهِ جَمَالٌ لَهَا وَلَوْ شَعْرُ اللِّحْيَةِ إنْ نَبَتَ لَهَا لِحْيَةٌ وَإِبْقَاءُ مَا فِي بَقَائِهِ جَمَالٌ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِهَا وَلِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ فِي حَقِّهَا التَّقْصِيرُ عِنْدَ تَحَلُّلِهَا مِنْ إحْرَامِهَا. (وَ) خَامِسَةُ الْخِصَالِ (الْخِتَانُ لِلرِّجَالِ) فَإِنَّهُ (سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الْمُتَّضِحِ الذُّكُورَةِ، وَحَقِيقَتُهُ إزَالَةُ الْجِلْدَةِ السَّاتِرَةِ لِرَأْسِ الذَّكَرِ، وَالزَّمَنُ الْمُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ فِيهِ عِنْدَ أَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ، وَيُكْرَهُ خَتْنُهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَدَمَ جَوَازِ إمَامَةِ وَشَهَادَةِ تَارِكِهِ عَمْدًا اخْتِيَارًا، وَإِذَا أَسْلَمَ شَيْخٌ كَبِيرٌ سُنَّ خَتْنُهُ بِأَنْ يُؤْمَرَ بِخَتْنِهِ نَفْسَهُ لِحُرْمَةِ نَظَرِ عَوْرَةِ الْكَبِيرِ مَعَ سُنِّيَّةِ الْخِتَانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ فَيُرَخَّصُ لَهُ تَرْكُهُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا فَقِيلَ يُجْزِئُهُ، وَقِيلَ تُمَرُّ الْمُوسَى عَلَى مَوْضِعِ الْخِتَانِ كَمَا تُمَرُّ عَلَى رَأْسِ الْأَقْرَعِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ وَيُخْتَنُ الرِّجَالُ لَا النِّسَاءُ. (وَالْخِفَاضُ) وَهُوَ قَطْعُ مَا عَلَى فَرْجِ الْأُنْثَى كَعُرْفِ الدِّيكِ (لِلنِّسَاءِ) وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (مَكْرُمَةٌ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ كَرَامَةٌ بِمَعْنَى مُسْتَحَبٌّ لِأَمْرِهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ السَّتْرُ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْفَاعِلَةِ وَالْمَفْعُولِ بِهَا وَلِذَلِكَ لَا يُصْنَعُ لِلْخِفَاضِ طَعَامٌ، بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُشْهَرَ وَيُدْعَى إلَيْهِ النَّاسُ.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
[صباغ الشعر]
كَثِيرًا وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ،
وَيُكْرَهُ صِبَاغُ الشَّعْرِ بِالسَّوَادِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قُلْنَا الْمُتَّضِحُ الذُّكُورَةِ احْتِرَازًا مِنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، فَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ لِشُيُوخِ مَذْهَبِنَا هَلْ يُخْتَنُ أَمْ لَا، وَعَلَى خَتْنِهِ فَهَلْ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ أَوْ فِيهِمَا مَعًا أَوْ لَا. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا نَصًّا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ يُخْتَنُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَقِيلَ لَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَهُمْ، ابْنُ نَاجِي: لَا يُخْتَنُ لِمَا عَلِمْت مِنْ قَاعِدَةِ تَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُخْتَنُ الرِّجَالُ الصِّبْيَانُ وَيُخْفَضُ النِّسَاءُ الْجَوَارِي لِمَنْعِ اطِّلَاعِ الرِّجَالِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي لَا يُخْتَنُ فِيهِ شَيْءٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: يُؤْمَرُ بِخَتْنِ نَفْسِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمِنْ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ لَا يَقْتَضِي الْحَصْرَ، فَلَا يُنَافِي مَا قِيلَ إنَّ مِنْ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَمَسْحُ الْأُذُنَيْنِ وَالِاسْتِنْجَاءُ، فَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى الْخَمْسِ لِأَنَّهَا أَظْهَرُ فِي تَحْسِينِ الْخِلْقَةِ أَوْ أَوْكَدُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى اللِّحْيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَرَ النَّبِيُّ) - ﷺ - كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ لِلْإِمَامِ بِ (أَنْ تُعْفَى اللِّحْيَةُ) أَيْ يُوَفَّرَ شَعْرُهَا وَيَبْقَى مِنْ غَيْرِ إزَالَةٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا فَقَوْلُهُ: (وَتُوَفَّرُ وَلَا تُقَصُّ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ وَذَكَرَهُ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ، وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَأَمَرَ " الْوُجُوبُ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ يَحْرُمُ حَلْقُهَا إذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ، وَأَمَّا قَصُّهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَالَتْ فَكَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ طَالَتْ كَثِيرًا فَأَشَارَ إلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ مَالِكٌ) - ﵁ - (وَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْ طُولِهَا إذَا طَالَتْ) طُولًا (كَثِيرًا) بِحَيْثُ خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ لِغَالِبِ النَّاسِ فَيُقَصُّ الزَّائِدُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَقْبُحُ بِهِ الْمَنْظَرُ، وَحُكْمُ الْأَخْذِ النَّدْبُ فَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمَعْرُوفُ لَا حَدَّ لِلْمَأْخُوذِ، وَيَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا تَحْسُنُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُقَصُّ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ مِنْ لِحْيَتِهِمَا مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ، وَالْمُرَادُ بِطُولِهَا طُولُ شَعْرِهَا فَيَشْمَلُ جَوَانِبَهَا فَلَا بَأْسَ بِالْأَخْذِ مِنْهَا أَيْضًا، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ: قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ يُوهِمُ انْفِرَادَ مَالِكٍ بِقَوْلِهِ قَالَ: (وَقَالَهُ) أَيْ نَدْبُ الْأَخْذِ مِنْ الطَّوِيلَةِ قَبْلَ مَالِكٍ (غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَ) غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ (التَّابِعِينَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَالْمُرَادُ قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: مِنْ تَرْكِ طُولِهَا حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ التَّشْوِيهِ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِلطُّولِ كَثِيرًا لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَكَمَا يُسْتَحَبُّ قَصُّ الزَّائِدِ يُسْتَحَبُّ تَسْرِيحُهَا وَلِمَا وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ جَالِسًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ لِيُسَرِّحَ لِحْيَتَهُ وَرَأْسَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَسْرِيحِهِمَا قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟» . (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَخْذُ الزَّائِدِ عَلَى الْمُعْتَادِ، فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَلْقُ مَا تَحْتَ الْحَنَكِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ حَتَّى قَالَ: إنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّ حَلْقَهُ مِنْ الزِّينَةِ فَتَكُونُ إزَالَتُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ، يُحْمَلُ كَلَامُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَى بَقَائِهِ تَضَرُّرُ الشَّخْصِ وَلَا تَشْوِيهِ خِلْقَتِهِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُ عَلَى بَقَائِهِ قُبْحُ مَنْظَرِ صَاحِبِهِ أَوْ تَضَرُّرُهُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - ﵊ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ عَرْضِ لِحْيَتِهِ وَطُولِهَا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا شَعْرُ الْخَدِّ فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازُ إزَالَتِهِ، وَأَمَّا شَعْرُ الْأَنْفِ فَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَصَّهُ لَا نَتْفَهُ لِأَنَّ بَقَاءَهُ أَمَانٌ مِنْ الْجُذَامِ وَنَتْفَهُ يُورِثُ الْأَكَلَةَ، وَأَمَّا شَعْرُ الْعَنْفَقَةِ فَيَحْرُمُ إزَالَتُهُ كَحُرْمَةِ إزَالَةِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، وَقَيَّدْنَا ذَلِكَ بِالرَّجُلِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا إزَالَةُ مَا عَدَا شَعْرَ رَأْسِهَا. الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَتْفِ الشَّيْبِ مِنْ اللِّحْيَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ: لَا أَعْلَمُهُ حَرَامًا وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ، أَيْ إزَالَتُهُ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الصَّوَابِ، كَمَا يُكْرَهُ تَخْفِيفُ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبِ بِالْمُوسَى تَحْسِينًا وَتَزْيِينًا، وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّلْبِيسَ عَلَى النِّسَاءِ كَانَ أَشَدَّ فِي النَّهْيِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى إزَالَةِ الشَّعْرِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ تَغَيُّرِ لَوْنِهِ مَعَ بَقَائِهِ فَقَالَ: [صِبَاغُ الشَّعْرِ] (وَيُكْرَهُ صِبَاغُ الشَّعْرِ) الْغَيْرِ الْأَسْوَدِ (بِالسَّوَادِ) لِغَيْرِ مُقْتَضًى شَرْعِيٍّ، وَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ قَدْ تَكُونُ مَحْمُولَةً عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ: (مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ) بَلْ لِمُجَرَّدِ التَّنْزِيهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ الصِّبَاغُ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ مَثَلًا فَلَا حَرَجَ فِيهِ بَلْ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِغَرُورِ مُشْتَرٍ لِعَبْدٍ أَوْ مُرِيدِ نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ السَّوَادِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ الصِّبَاغِ (بِالْحِنَّاءِ) بِالْمَدِّ لِتَحْمِيرِ الشَّعْرِ (وَالْكَتَمِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَهُوَ وَرَقُ السُّلَّمِ لِتَصْفِيرِ الشَّعْرِ، وَعَلَى جَوَازِهِ لِلرِّجَالِ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ دُونَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّ فِيهِمَا مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ فَفِي فِعْلِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ تَشَبُّهٌ بِهِنَّ، وَقَدْ لَعَنَ - ﷺ - الْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ لَهَا فِعْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ شَعْرِهَا، لَكِنْ حَدَّهُ عُمَرُ - ﵁ - لِلْمَرْأَةِ فِي الْيَدَيْنِ بِمَوْضِعِ السِّوَارِ، وَنَهَى عَنْ التَّطْرِيفِ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْحِنَّاءِ إلَخْ الْإِبَاحَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
[لباس الحرير]
وَنَهَى الرَّسُولُ - ﵇ - الذُّكُورَ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ وَتَخَتُّمِ الذَّهَبِ وَعَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي حِلْيَةِ الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي لِجَامٍ وَلَا سَرْجٍ وَلَا سِكِّينٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ،
وَيَتَخَتَّمُ النِّسَاءُ بِالذَّهَبِ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَظْهَرُهُمَا مَا قَدَّمْنَا، فَفِي الذَّخِيرَةِ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَغْيِيرِ الشَّيْبِ بِالصُّفْرَةِ وَالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ هَلْ التَّرْكُ أَوْ الْفِعْلُ وَالْقَوْلَانِ لِمَالِكٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الصِّبَاغُ بِالسَّوَادِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ صَرْفَ لَوْنٍ إلَى لَوْنٍ مَعَ ذَهَابِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْحِنَّاءِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَذْهَبْ جُمْلَةً وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ فَلَا يَتَلَبَّسُ الشَّيْبُ عَلَى أَحَدٍ بِاحْمِرَارِهِ أَوْ اصْفِرَارِهِ. الثَّانِي: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَبَغَ وَإِنَّمَا قَالَ: «اخْتَضِبُوا وَفَرِّقُوا وَخَالِفُوا الْيَهُودَ» لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَأَمَرَ - ﵊ - بِمُخَالَفَتِهِمْ، وَإِنَّمَا صَبَغَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَنْهَى عَنْ لُبْسِهِ بِقَوْلِهِ: [لِبَاسِ الْحَرِيرِ] (وَنَهَى الرَّسُولُ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ(السَّلَامُ الذُّكُورَ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ) لِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ» . وَلِخَبَرِ: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» (وَ) نَهَى - ﵊ - الذُّكُورَ أَيْضًا عَنْ (تَخَتُّمِ الذَّهَبِ) لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - ﵊ -: «أَنَّهُ أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» . (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي النَّهْيِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحُرْمَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ اتِّفَاقًا، وَاخْتُلِفَ فِي الصِّغَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ وَالْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ، وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَطَّابُ كَرَاهَةُ تَحْلِيَةِ الصَّبِيِّ بِالذَّهَبِ أَوْ الْحَرِيرِ وَالْجَوَازُ بِالْفِضَّةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ لِقَوْلِهِ: وَحَرُمَ اسْتِعْمَالُ ذَكَرٍ مُحَلًّى وَلَوْ مِنْطَقَةً وَآلَةَ حَرْبٍ، وَالْحُرْمَةُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَلَوْ لِعُذْرٍ وَكَحَكَّةٍ أَوْ جِهَادٍ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ: وَيَنْبَغِي إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْمَرَضِ وَإِلَّا جَازَ، وَمَفْهُومُ الذُّكُورِ الْجَوَازُ لِلْإِنَاثِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا وَلَوْ نِعَالًا كَسَرِيرٍ وَهَذَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا، وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِينِهَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ اللُّبْسِ لِلْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ فَرْشِهِ وَالْجُلُوسِ عَلَيْهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْجَوَازُ وَالْحُرْمَةُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْحُرْمَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ تَبَعًا كَزَوْجٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِزَوْجَتِهِ، خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي إجَازَتِهِ تَبَعًا لَهَا وَكَانَتْ مُصَاحِبَةً لَهُ فِي الْجُلُوسِ عَلَيْهِ كَمَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْخَطُّ الرَّقِيقُ دُونَ الْأُصْبُعِ اتِّفَاقًا، كَمَا تَجُوزُ الْخِيَاطَةُ بِهِ أَوْ اتِّخَاذُ رَايَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْهُ، وَحُرْمَةُ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ مُسْتَمِرَّةٌ وَلَوْ فَرَشَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ لُبْسُ الْمُبَطَّنِ بِالْحَرِيرِ أَوْ الْمَحْشُوِّ بِالْحَرِيرِ أَوْ الْمَرْقُومِ بِالْحَرِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا كَمَا يَأْتِي، وَمِنْ الْمُحَرَّمِ السِّجَافُ الْعَرِيضُ حَيْثُ زَادَ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَفِي قَدْرِ عَرْضِ الْأُصْبُعِ أَوْ الْأَرْبَعِ قَوْلَانِ: بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْحَرِيرِ وَجَعْلُهُ سِتَارَةً مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. الثَّالِثُ: حُرْمَةُ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ شَامِلَةٌ لِلْخَالِصِ وَلِمَا بَعْضُهُ فِضَّةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا مَا بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَلَوْ قَلَّ، وَاخْتُلِفَ فِي إعَادَةِ الْمُصَلِّي بِهِ فِي الْوَقْتِ وَعَدَمِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ، وَحُرْمَةُ التَّخَتُّمُ بِهِ لَا يُنَافِي جَوَازَ اتِّخَاذِ السِّنِّ مِنْهُ وَأَوْلَى رَبْطُهَا وَالْأَنْفِ قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْمُصْحَفَ وَالسَّيْفَ وَالْأَنْفَ وَرَبْطَ سِنٍّ مُطْلَقًا لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمُحَرَّمَاتِ. (وَ) نَهَى - ﵊ - الرِّجَالَ (عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) لِأَنَّهُ حَلِيلَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ عَلَى الْحُرْمَةِ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ كَكَرَاهَةِ التَّخَتُّمِ بِالنُّحَاسِ إلَّا لِمَنْ بِهِ مَرَضُ الصَّفْرَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ النُّحَاسِ، وَإِلَّا لُحُوقَ الْجِنِّ بِالنِّسْبَةِ لِخَاتَمِ الْحَدِيدِ فَإِنَّهُ نَافِعٌ كَمَا يَنْفَعُ تَعْلِيقُ الْأُتْرُجِّ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْجِنِّ أَيْضًا، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَ التَّخَتُّمِ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ اسْتِعْمَالِ الْحَرِيرِ وَالتَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ اسْتِعْمَالِ الْمُحَلَّى بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ) الْمَجْعُولَةِ (فِي حَلِيلَةِ الْخَاتَمِ) الْمَصْنُوعِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَجُوزُ اتِّخَاذُ خَاتَمٍ مِنْهُ وَهُوَ مَا عَدَا الْحَدِيدَ وَالنُّحَاسَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِحِلْيَةِ الْخَاتَمِ نَفْسُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِأَنَّهُ - ﵊ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَزْنَ دِرْهَمَيْنِ، فَيَجُوزُ لَنَا اتِّخَاذُهُ بِشَرْطِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ - ﵊ - لِأَنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُهُ عُجْبًا، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا فَلَا يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ وَلَوْ كَانَ وَزْنُ الْجَمِيعِ دِرْهَمَيْنِ، كَمَا لَا يَجُوزُ مَا زَادَ وَزْنُهُ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ، أَوْ الَّذِي بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَبَعْضُهُ فِضَّةٌ وَلَوْ قَلَّ الذَّهَبُ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ مَعْنَى لَا بَأْسَ وَالْمَنْصُوصُ الْجَوَازُ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ بِنَدْبِ اتِّخَاذِهِ اقْتِدَاءً بِالْمُصْطَفَى - ﷺ -، كَمَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ
[ ٢ / ٣٠٨ ]
[التختم بالذهب]
[التختم بالحديد]
وَنُهِيَ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ وَالِاخْتِيَارُ مِمَّا رُوِيَ فِي التَّخَتُّمِ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ،
وَاخْتُلِفَ فِي لِبَاسِ الْخَزِّ فَأُجِيزَ وَكُرِهَ وَكَذَلِكَ الْعَلَمُ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ إلَّا الْخَطَّ الرَّقِيقَ،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي خِنْصَرِ الْيَسَارِ وَيُكْرَهُ فِي الْيَمِينِ كَمَا يَأْتِي، وَيُعْلَمُ مِنْ قَصْرِ الْجَوَازِ عَلَى الْخَاتَمِ حُرْمَةُ الطَّوْقِ وَالدُّمْلُجِ مِنْ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ. (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِتَحْلِيَةِ (السَّيْفِ) بِالْفِضَّةِ أَوْ الذَّهَبِ سَوَاءٌ اتَّصَلَتْ الْحِلْيَةُ كَقَبْضَتِهِ أَوْ انْفَصَلَتْ عَنْهُ كَغِمْدِهِ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي سَيْفِ الرَّجُلِ، وَأَمَّا سَيْفُ الْمَرْأَةِ فَيَحْرُمُ تَحْلِيَتُهُ وَلَوْ كَانَتْ تُجَاهِدُ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ إلَّا الْمَلْبُوسَ، وَمَفْهُومُ السَّيْفِ أَنَّ بَقِيَّةَ آلَاتِ الْحَرْبِ يَحْرُمُ تَحْلِيَتُهَا لِأَنَّ السَّيْفَ أَعْظَمُ آلَاتِ الْحَرْبِ. (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِتَحْلِيَةِ جِلْدِ (الْمُصْحَفِ) بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّمَا تَحْلِيَتُهُ مِنْ دَاخِلِ جِلْدِهِ أَوْ كِتَابَتُهُ أَوْ تَجْزِئَتُهُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فَمَكْرُوهَةٌ، بِخِلَافِ كِتَابَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَرِيرِ أَوْ تَحْلِيَتِهِ بِهِ فَلَا تَحْرُمُ وَلَا تُكْرَهُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُصْحَفِ مِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ فَيَحْرُمُ تَحْلِيَتُهُ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا وَأَوْلَى تَحْلِيَةُ الْإِجَازَةِ. وَلَمَّا كَانَ يَحْرُمُ عَلَى الذُّكُورِ اسْتِعْمَالُ كُلِّ مُحَلًّى سِوَى مَا مَرَّ قَالَ: (وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفِضَّةِ وَمِثْلُهُ الذَّهَبُ (فِي لِجَامِ وَلَا) فِي (سَرْجٍ) وَلَا فِي رِكَابٍ (وَلَا) فِي (سِكِّينٍ) وَأَوْلَى فِي الْحُرْمَةِ الْخِنْجَرُ (وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ نَحْوِ الْمِنْطَقَةِ وَالْمِهْمَازِ وَسَائِرِ الْآلَاتِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي لِجَامٍ إلَخْ أَنَّ ذَاتَ اللِّجَامِ وَالسَّرْجِ وَالسِّكِّينِ مَصْنُوعَةٌ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ ثُمَّ طُلِيَتْ بِالنَّقْدَيْنِ وَيُقَالُ لِمِثْلِ هَذَا مُمَوَّهٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ بِالْحُرْمَةِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفِي الْمُغَشَّى وَالْمُمَوَّهِ وَالْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلَقَةِ وَإِنَاءِ الْجَوْهَرِ قَوْلَانِ، فَالْمُغَشَّى الْمَصْنُوعُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَيُطْلَى بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ، وَالْمُمَوَّهُ عَكْسُهُ، وَالْمُضَبَّبُ إنَاءٌ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ يُكْسَرُ فَيُلْحَمُ بِسِلْكِ فِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، وَذُو الْحَلْقَةِ إنَاءٌ يُصْنَعُ لَهُ حَلْقَةٌ بِسُكُونِ اللَّامِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يُعَلَّقُ بِهَا، وَإِنَاءُ الْجَوْهَرِ كَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُغَشَّى بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَالْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ، وَفِي الْمُمَوَّهِ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلَقَةِ بِالْمَنْعِ وَالْكَرَاهَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْقَوْلَانِ بِمَعْنَى التَّرَدُّدِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي إنَاءِ الْجَوْهَرِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ عَلَى السَّوَاءِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ السَّرْجُ أَوْ اللِّجَامُ أَوْ رَأْسُ السِّكِّينِ مِنْ مَحْضِ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ لَحَرُمَ قَوْلًا وَاحِدًا. الثَّانِي: مَا حَرُمَ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا أَوْ مُقْتَنًى. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَإِنَاءُ نَقْدٍ وَاقْتِنَاؤُهُ وَإِنْ لِامْرَأَةٍ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى صَنْعَةِ مَا لَا يَحِلُّ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهُ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يَصْنَعُهُ حُلِيًّا، وَيُبَاعُ بِعَرْضٍ أَوْ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لَكِنْ يَدًا بِيَدٍ، وَأَمَّا بِنَوْعِهِ فَيُبَاعُ بِشَرْطِ التَّمَاثُلِ فِي الْوَزْنِ وَالتَّنَاجُزِ وَيَحْرُمُ بَيْعُهَا لِمَنْ يَقْتَنِيهَا، وَإِنْ وَقَعَ صَحَّ الْبَيْعُ، وَيُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ اشْتَرَاهُ كَافِرٌ يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَيُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ. [التَّخَتُّم بِالذَّهَبِ] (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يَتَخَتَّمَ النِّسَاءُ بِالذَّهَبِ) وَأَوْلَى الْفِضَّةُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ جَمِيعُ الْمَلْبُوسَاتِ مِنْ النُّقُودِ وَلَوْ نَعْلًا وَقَبْقَابًا، وَمَا أُلْحِقَ بِاللِّبَاسِ كَالْإِزَارِ وَكَالْحِيَاصَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَلْبُوسِ كَمُكْحُلَةٍ أَوْ مِرْوَدٍ أَوْ كُرْسِيٍّ أَوْ مِلْعَقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَعْلًا لَا كَسَرِيرٍ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ جَوَازِ تَخَتُّمِ النِّسَاءِ بِالذَّهَبِ جَوَازُ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ مِنْ بَابِ أَوْلَى قَالَ: [التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ] (وَنَهَى) - ﵊ - النِّسَاءَ كَالرِّجَالِ (عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا شَارَكَتْ النِّسَاءُ الرِّجَالَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالْحَدِيدِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَمِثْلُ الْحَدِيدِ النُّحَاسُ وَالرَّصَاصُ، وَأَمَّا الْجِلْدُ وَالْعَقِيقُ وَالْقَصْدِيرُ وَالْخَشَبُ فَجَائِزٌ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْفِضَّةِ وَغَيْرِ الْحَدِيدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ جَائِزٌ وَلَوْ لِلرِّجَالِ، وَبِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسُ مَكْرُوهٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. (تَنْبِيهٌ) إذَا عَرَفْت أَنَّ مَا هُنَا مِنْ خُصُوصِ النِّسَاءِ عَلِمْت عَدَمَ تَكْرَارِ هَذَا مَعَ مَا سَبَقَ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخَتُّمُ الرِّجَالِ بِالْفِضَّةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَحَلِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَالِاخْتِيَارُ) أَنَّ الْمُخْتَارَ عَنْ الْجُمْهُورِ (مِمَّا رُوِيَ) عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - (فِي التَّخَتُّمِ) أَيْ فِي لُبْسِ الْخَاتَمِ، وَخَبَرُ الِاخْتِيَارِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً (التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ جَعْلُهُ فِي الْخِنْصَرِ، وَمِمَّنْ كَانَ يَلْبَسُهُ فِي يَسَارِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ -، وَعَلَّلَ نَدْبَ جَعْلِهِ فِي الْيَسَارِ بِقَوْلِهِ: (لِأَنَّ تَنَاوُلَ الشَّيْءِ) الصَّادِقِ بِالْخَاتَمِ يُنْدَبُ كَوْنُهُ (بِالْيَمِينِ فَهُوَ يَأْخُذُهُ) أَيْ الْخَاتَمَ (بِيَمِينِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي يَسَارِهِ) وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُلْبَسُ فِي خِنْصَرِ الْيَسَارِ، وَكَانَ فَصُّ خَاتَمِ الْمُصْطَفَى - ﷺ - مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ مِنْ مَعْدِنٍ بِالْحَبَشَةِ أَوْ الْيَمَنِ وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ أَعْلَى، وَرَسُولُ سَطْرٌ أَوْسَطُ، وَلَفْظُ اللَّهِ سَطْرٌ أَسْفَلُ، وَكَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِنْ دَاخِلِ كَفِّهِ، وَاسْتَمَرَّ فِي يَدِهِ - ﷺ - إلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ كَانَ بَعْدَهُ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ ثُمَّ فِي يَدِ عُثْمَانَ ثُمَّ وَقَعَ مِنْهُ فِي بِئْرِ أَرِيسَ وَلَمْ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
[جر الرجل إزاره في الأرض]
وَلَا يَلْبَسُ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا يَصِفُهُنَّ إذَا خَرَجْنَ،
وَلَا يَجُرُّ الرَّجُلُ إزَارَهُ بَطَرًا وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَلْيَكُنْ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ وَأَتْقَى لِرَبِّهِ،
وَيُنْهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَهِيَ عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ يَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يُوجَدْ، وَسَبَبُ اتِّخَاذِهِ - ﷺ - الْخَاتَمَ أَنَّهُ - ﵊ - أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى الْأَعَاجِمِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا كُلُّهُ مِنْ فِضَّةٍ فَصُّهُ مِنْهُ، وَقَدْ نَبَذَ خَاتَمًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ ذَهَبٍ وَاسْتَمَرَّ عَلَى لُبْسِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ إلَى أَنْ مَاتَ - ﷺ -، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ عَلَى مَا فِي الْقَبَسِ، وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ فَصَّهُ كَانَ حَبَشِيًّا مِنْ جَزْعٍ أَوْ عَقِيقٍ فَعَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَلَا تَنَافِيَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْ اللِّبَاسِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ شَرَعَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي لِبَاسِ الْخَزِّ) بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ مَا سُدَاه حَرِيرٌ وَلُحْمَتُهُ صُوفٌ أَوْ قُطْنٌ أَوْ كَتَّانٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ اقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: (فَأُجِيزَ) أَيْ أُبِيحَ هَذَا قَوْلٌ (وَكُرِهَ) وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ لِابْنِ رُشْدٍ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَثَالِثُهَا تَحْرِيمُهُ، وَرَابِعُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْخَزِّ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الثِّيَابِ الْمَشُوبَةِ بِالْقُطْنِ فَتُمْنَعُ لِأَنَّ الْخَزَّ إنَّمَا أُجِيزَ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْمُجِيزَ مِنْ الصَّحَابَةِ نَحْوُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا وَمِنْ التَّابِعِينَ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ. (وَكَذَلِكَ) اُخْتُلِفَ فِي (الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ مِنْ الْحَرِيرِ) الْخَالِصِ وَيُتَصَوَّرُ الْعَلَمُ مِنْ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ فِي نَحْوِ الْحَبْكَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيمَا يُجْعَلُ عَلَى رُءُوسِ النِّسَاءِ فِي حَبَرَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاَلَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ مَا كَانَ قَدْرَ أُصْبُعٍ إلَى أَرْبَعَةٍ فَقِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ يُكْرَهُ. (إلَّا الْخَلْطُ الرَّقِيقُ) الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مِنْ الْعَلَمِ وَهُوَ مَا نَقَصَ عَنْ قَدْرِ أُصْبُعٍ فَيَجُوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْأُصْبُعُ الْمُتَوَسِّطُ. (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يَلْبَسَ النِّسَاءُ مِنْ الرَّقِيقِ مَا) أَيْ الْمَلْبُوسَ الَّذِي (يَصِفُهُنَّ) لِلنَّاظِرِ إلَيْهِنَّ (إذَا خَرَجْنَ) مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي إسْنَادِ الْوَصْفِ إلَى الثِّيَابِ مِنْ التَّجَوُّزِ وَالْخُرُوجُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ لُبْسُ مَا يُرَى مِنْهُ أَعْلَى جَسَدِهَا كَثَدْيِهَا أَوْ أَلْيَتِهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، فَالْوَاصِفُ هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ الْعَوْرَةَ، وَمِثْلُ الْوَاصِفِ الَّذِي يَشِفُّ أَيْ يُرَى مِنْهُ لَوْنُ الْجَسَدِ مِنْ كَوْنِهِ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ، وَأَمَّا لُبْسُ النِّسَاءِ الْوَاصِفَ أَوْ الَّذِي يَشِفُّ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا كَزَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِيهِ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي التَّحْقِيقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ، وَمَفْهُومُ النِّسَاءِ أَنَّ الرِّجَالَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ لُبْسُ مَا يَصِفُ بَلْ يُكْرَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ مُحَدِّدٌ لَا بِرِيحٍ وَالْكَرَاهَةُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي حُرْمَةُ لُبْسِ الرَّجُلِ الْقَمِيصَ الَّذِي يَشِفُّ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ عِنْدَ مَسْأَلَةِ دُخُولِ الرَّجُلِ الْحَمَّامَ. وَأَيْضًا الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ جَعَلَ الَّذِي يَشِفُّ كَالْعَدَمِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ نَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاعْتَمَدُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّ أَمْرَ النَّظَرِ أَشَدُّ مِنْ الصَّلَاةِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّظَرِ وَوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ. [جَرّ الرَّجُلُ إزَارَهُ فِي الْأَرْضِ] (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَجُرَّ الرَّجُلُ إزَارَهُ) فِي الْأَرْضِ (بَطَرًا) أَيْ تَكَبُّرًا (وَلَا ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ) بِضَمِّ الْخَاءِ أَوْ كَسْرِهَا مَعَ الْمَدِّ أَيْ الْعُجْبِ لِخَبَرِ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ يَجُرُّ إزَارَهُ بَطَرًا أَوْ عُجْبًا» وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ قَصْدِ الْكِبْرِ أَوْ الْعُجْبِ، وَأَمَّا عِنْدَ انْتِفَائِهِمَا فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ أَوْ تُرْخِيه ذِرَاعًا كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا خُفَّ لَهَا وَلَا جَوْرَبَ. (تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ بَطَرًا إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ أَوْ إزَارَهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ كِبْرًا وَلَا عُجْبًا، وَتَقْيِيدُهُمْ جَوَازَهُ لِلْمَرْأَةِ بِقَصْدِ السَّتْرِ يَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْمَذْكُورِ بِالْأَوْلَى، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْجَرَّ مِنْ الرَّجُلِ مَظِنَّةُ الْبَطَرِ وَالْعُجْبِ فَيَحْرُمُ فِي حَقِّهِ ذَلِكَ وَلَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ الْقَصْدِ. وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ. (وَ) إذَا قُلْتُمْ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ جَرُّ ثَوْبِهِ أَوْ إزَارِهِ عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ فَ (لْيَكُنْ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ الثَّوْبِ وَالْإِزَارِ مُنْتَهِيًا فِي الطُّولِ إنْ أَرَادَ اللَّابِسُ تَطْوِيلَهُ (إلَى الْكَعْبَيْنِ) لَا أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَرَدَ: «إزْرَةُ الْمُؤْمِنُ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَمَيْهِ وَمَا سَفُلَ عَنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ» . (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا قُلْنَا إنْ أَرَادَ اللَّابِسُ التَّطْوِيلَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ اللَّامَ لَيْسَتْ لِلْأَمْرِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ أَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَهِيَ فِي: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] لِأَنَّهُ مَقَامُ إبَاحَةٍ بَعْدَ نَهْيٍ، وَيَجُوزُ فِي مِثْلِهِ اسْتِعْمَالُ اللَّازِمِ. ثُمَّ عَلَّلَ مَطْلُوبِيَّةَ كَوْنِ إزْرَةِ الرَّجُلِ إلَى الْكَعْبَيْنِ بِقَوْلِهِ: (فَهُوَ) أَيْ كَوْنُ مَا ذُكِرَ لِلْكَعْبَيْنِ (أَنْظَفُ لِثَوْبِهِ) وَإِزَارِهِ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إلَى الْأَرْضِ (وَأَتْقَى لِرَبِّهِ) أَيْ أَبْعَدُ
[ ٢ / ٣١٠ ]
وَيَسْدُلُ الْأُخْرَى وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك ثَوْبٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَوْبٍ،
وَيُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَآزِرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَالْفَخِذُ عَوْرَةٌ وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا،
وَلَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ،
وَلَا تَدْخُلُهُ الْمَرْأَةُ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ،
وَلَا يَتَلَاصَقُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ،
وَلَا تَخْرُجُ امْرَأَةٌ إلَّا مُسْتَتِرَةً فِيمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ مِنْ شُهُودِ مَوْتِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِمَقْتِ رَبِّهِ لِانْتِفَاءِ مَا يُوجِبُ غَضَبَهُ تَعَالَى لِقُرْبِ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ التَّوَاضُعِ، وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] (وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَجُرَّ ثَوْبَهُ مِنْ الْخُيَلَاءِ (يُنْهَى) تَحْرِيمًا (عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ) بِالْمَدِّ (وَهِيَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ صِفَةَ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ (عَلَى غَيْرِ ثَوْبٍ) سَاتِرٍ عَوْرَتَهُ وَصَوَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (يَرْفَعُ ذَلِكَ) أَيْ طَرَفَ الثَّوْبِ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَيَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ (مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ) وَيُخْرِجُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِهِ (وَيَسْدُلُ) بِضَمِّ الدَّالِ أَوْ كَسْرِهَا أَيْ يُرْخِي الثَّوْبَ مِنْ الْجِهَةِ (الْأُخْرَى) وَحَاصِلُ مَعْنَاهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ بِثَوْبٍ يُلْقِيه عَلَى مَنْكِبَيْهِ مُخْرِجًا يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ أَوْ مُخْرِجًا إحْدَى يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِهِ، هَذَا الثَّانِي هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَفْسِيرُ الْفُقَهَاءِ لَهَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ. قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَنْ يَشْتَمِلَ بِالثَّوْبِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ وَيُخْرِجُ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ تَحْتِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ إنْ كَانَ مَعَهُ سَاتِرٌ ثُمَّ كَرِهَهُ (وَ) مَحَلُّ الْحُرْمَةِ (إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَ اشْتِمَالِك ثَوْبٌ) لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى تَنْكَشِفُ عَوْرَتَهُ. (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي الِاشْتِمَالِ الْمَذْكُورِ (عَلَى ثَوْبٍ) فَقِيلَ بِالْحُرْمَةِ وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْكَرَاهَةِ: وَصَمَّاءُ بِسَتْرٍ وَإِلَّا مُنِعَتْ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مَعَ السَّاتِرِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى أَكْتَافِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَشْفَ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ كَشْفِ الْكُلِّ، وَأَمَّا الِاضْطِبَاعُ فَهُوَ عَيْنُ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ فِي التَّحْقِيقِ، وَأَمَّا التَّوْشِيحُ وَهُوَ أَخْذُ أَحَدِ طَرَفَيْ الثَّوْبِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ الْيُمْنَى لِيَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، وَأَخْذُ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنْ تَحْتِ الْيُسْرَى لِيَضَعَهُ عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ، وَأَقُولُ كَلَامُهُمْ مُسَلَّمٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَيَتَوَقَّفُ فِي الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إذَا كَانَ يَحْصُلُ مَعَهُ كَشْفٌ لِجَنْبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا. (وَيُؤْمَرُ) الْمُكَلَّفُ وَلَوْ جِنِّيًّا (بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ) وُجُوبًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي خَلْوَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا وَإِنَّمَا يُنْدَبُ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُ حَدِّ الْعَوْرَةِ وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السَّاتِرِ وَالْمَسْتُورِ عَنْهُ، وَقَوْلُنَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ حَالَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ سَتْرُهَا وَلَوْ بِخَلْوَةٍ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ مِنْ أَنْوَاعِ السَّاتِرِ بِقَوْلِهِ: (وَإِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ) الْمُسْتَحَبَّةِ أَنْ تَكُونَ مُنْتَهِيَةً بِالتَّقْصِيرِ (إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ) وَيَجُوزُ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ يَنْتَهِي إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَأَمَّا أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ وَهَذَا فِي حَقِّ الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجُوزُ لَهَا التَّطْوِيلُ لِلثَّوْبِ وَلَوْ ذِرَاعًا حَيْثُ كَانَ لِلسَّتْرِ لَا لِلْكِبْرِ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِزْرَةِ هُنَا الثَّوْبُ لَا خُصُوصُ مَا يَأْتَزِرُ بِهِ الْإِنْسَانُ الَّذِي ابْتِدَاؤُهُ مِنْ السُّرَّةِ، وَالْإِزْرَةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَاللِّبْسَةِ وَالْجِلْسَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْهَيْئَةُ وَهِيَ بِكَسْرِ الْفَاءِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَةٍ وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَةٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْفَخِذِ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ بِقَوْلِهِ: (وَالْفَخِذُ) وَهُوَ مَا بَيْنَ السَّاقِ وَالْوَرِكِ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَفِيهَا لُغَاتٌ أَرْبَعُ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. (عَوْرَةٌ) لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهِ كَشْفُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ نَظَرُهُ لَكِنْ مَعَ مَنْ يَسْتَحْيِ صَاحِبُهُ مِنْهُ (وَلَيْسَ كَالْعَوْرَةِ نَفْسِهَا) وَلِذَا لَا يُعِيدُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ لِكَشْفِهِ وَلَوْ عَمْدًا، وَإِلَّا أَعَادَتْ الْأَمَةُ فِي الْوَقْتِ وَالْحُرَّةُ أَبَدًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأُنْثَى عَوْرَةٌ حَقِيقَةً مُطْلَقًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ يَجُوزُ كَشْفُهَا مَعَ الْخَوَاصِّ وَلَا يَجُوزُ مَعَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَشَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَخِذَهُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَتَرَهُ حِينَ أَقْبَلَ عُثْمَانُ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ الرَّسُولُ - ﵊ - مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا فَخِذَيْهِ وَسَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تُبَالِهِ وَدَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تُبَالِهِ أَيْ لَمْ تَهْتَمَّ لِدُخُولِهِمَا وَتَسْتُرْ فَخِذَيْك ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسَتْ وَسَوَّيْت ثِيَابَك، فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟» وَالِاسْتِحْيَاءُ مِنْهُ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ مُشَارِكَةٍ قَبْلَهَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَدْخُلَ الرَّجُلُ الْحَمَّامَ) وَلَوْ خَالِيًا (إلَّا بِمِئْزَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ الْهَمْزَةِ وَيَجُوزُ تَرْكُهَا وَفَتْحُ الْمِيمِ خَطَأٌ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ صَفِيقًا لَا تَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ، وَالنَّهْيُ عَلَى الْوُجُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ خَالِيًا، وَعَلَى النَّدْبِ إنْ كَانَ خَالِيًا، وَالْحَمَّامُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مُذَكَّرٌ بِاتِّفَاقٍ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تَدْخُلَهُ الْمَرْأَةُ) وَلَوْ بِمِئْزَرٍ (إلَّا مِنْ عِلَّةٍ) لِقَوْلِهِ
[ ٢ / ٣١١ ]
أَبَوَيْهَا أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا وَلَا تَحْضُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ أَوْ لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ أَوْ عُودٍ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] - ﵊ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ فَلَا يُدْخِلَنَّ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ» . وَقَالَ أَيْضًا - ﵊ -: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّجَالُ إلَّا بِإِزَارٍ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ جَوَازُ دُخُولِهِ لِلرَّجُلِ بِالْمِئْزَرِ وَلَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مَنَعَ رُؤْيَةَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ فَلَا يَجُوزُ، وَجَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمِئْزَرِ لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ: تَرْكُ دُخُولِهِ أَحْسَنُ لِاحْتِمَالِ الِانْكِشَافِ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ -: وَاَللَّهِ مَا دُخُولُهُ بِصَوَابٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ مَنْعِ دُخُولِهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الدُّخُولِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مَعَ وُجُودِ مِنْ لَا يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ عِنْدَ الْعِلَّةِ الْمُحْوِجَةِ إلَى دُخُولِهِ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ مَعَ زَوْجِهَا، وَأَمَّا مَعَ امْرَأَةٍ فَعَوْرَتُهَا مَعَهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ حَيْثُ كَانَتْ مُسْلِمَةً اتِّفَاقًا، وَأَمَّا مَعَ الْكَافِرَةِ فَقِيلَ إنَّ الْمُسْلِمَةَ مَعَهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ الرَّجُلِ اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمَةِ كَشْفُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْكَافِرَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَتُهَا، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا جَوَازُ دُخُولِهَا مَعَ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ سَتْرِ مَا لَا يَحِلُّ نَظَرُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ إلَيْهِ. قَالَ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ أَبُو الْإِرْشَادِ الْأُجْهُورِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ دُخُولَهُ لَهُ شُرُوطُ جَوَازٍ كَغَضِّ الْبَصَرِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ بِإِعْطَاءِ الْوَاجِبِ وَأَخْذِ الْمُعْتَادِ وَتَغْيِيرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ لَا يُمَكِّنَ الدَّلَّاكَ وَلَوْ مَمْلُوكَهُ مِنْ دَلْكِ عَوْرَتِهِ وَهِيَ مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ إلَى جَوْفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ لِأَنَّ الْجَسَّ أَخَصُّ مِنْ النَّظَرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ وَأَمَتُهُ، وَلَهُ آدَابٌ أَنْ يَدْخُلَهُ بِالتَّدْرِيجِ وَيَخْرُجَ مِنْهُ كَذَلِكَ، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَمَانٌ مِنْ النِّقْرِسِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ عَذَابَ جَهَنَّمَ وَحَالَةَ الْمَوْتِ، وَمِنْ الْآدَابِ الدُّخُولُ مَعَ الِاعْتِدَالِ مِنْ حَيْثُ الْجُوعُ وَالشِّبَعُ، فَإِنَّ دُخُولَهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَالٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الدَّاخِلِ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ قَبْلَ عَرَقِهِ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِهِ إلَّا مَنْ نَدَرَ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَتَلَاصَقَ رَجُلَانِ) الْمُرَادُ بَالِغَانِ وَلَوْ شَيْخَيْنِ أَوْ قَرِيبَيْنِ. (وَلَا امْرَأَتَانِ) كَذَلِكَ (فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ) وَالْمُرَادُ بِالتَّلَاصُقِ الِاتِّصَالُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ لِخَبَرِ: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» . وَعُلِمَ مِنْ تَقْرِيرِنَا أَنَّ النَّهْيَ لِلْحُرْمَةِ إنْ كَانَ التَّلَاصُقُ بِالْعَوْرَةِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، وَالْكَرَاهَةُ إنْ كَانَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ، أَوْ بِالْعَوْرَةِ لَكِنْ مَعَ حَائِلٍ كَثِيفٍ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْتِذَاذٍ وَإِلَّا حَرُمَ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ غَيْرِ الْبَالِغِينَ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغَا الْعَشْرَ فَلَا حَرَجَ فِيهِ، وَبَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ فَتُكْرَهُ الْمُلَاصَقَةُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ فَحَرَامٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ وَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَالْكَرَاهَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَلِيِّهِ، وَأَمَّا بِحَائِلٍ فَمَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الْبَالِغِ إلَّا لِقَصْدِ الِالْتِذَاذِ فَحَرَامٌ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَعِنْدِي وَقْفَةٌ فِيمَا قَالَ فِيهِ يُكْرَهُ لِلْوَلِيِّ مِنْ تَلَاصُقِ عَوْرَةِ الصَّبِيِّ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ فَفَوْقُ بِعَوْرَةِ الْبَالِغِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي حُرْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَلِيِّ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي تَلَاصُقِ الذَّكَرَيْنِ، وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي تَلَاصُقِ الْمَرْأَتَيْنِ، وَأَمَّا تَلَاصُقُ رَجُلٍ وَأُنْثَى فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَكَّ فِي حُرْمَةِ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ وَلَوْ بِغَيْرِ عَوْرَةٍ، وَلَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ حَيْثُ كَانَا بَالِغَيْنِ، أَوْ الرَّجُلُ وَالْأُنْثَى مَعَ مُنَاهَزَةِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الْمُنَاهِزَ كَالْكَبِيرِ هَكَذَا يَظْهَرُ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاخْتِلَاءُ بِالْأُنْثَى فَضْلًا عَنْ تَلَاصُقِهِمَا تَحْتَ لِحَافٍ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا ذَكَرْنَاهُ لَك مِنْ التَّفْصِيلِ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْإِجْمَالِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي لِحَافٍ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ لِحُرْمَةِ تَلَاصُقِ الْبَالِغَيْنِ بِعَوْرَتَيْهِمَا وَلَوْ لَمْ يَكُونَا تَحْتَ لِحَافٍ، كَمَا يَحْرُمُ نَظَرُ كُلٍّ إلَى عَوْرَةِ صَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَلَاصُقٍ. الثَّالِثُ: فَيَبْدَأُ الصَّغِيرُ بِمَنْ بَلَغَ الْعَشْرَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْعَشْرَ يَجُوزُ تَلَاصُقُهُ مَعَ مِثْلِهِ بِالْعَوْرَةِ، لِأَنَّ طَلَبَ الْوَلِيِّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْمَضَاجِعِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ وَهْبٍ الْمُقَدَّمَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَائِلِ بِالتَّفْرِقَةِ عِنْدَ بُلُوغِ السَّبْعِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (تَخْرُجَ امْرَأَةٌ) شَابَّةٌ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا لَمْ يَنْقَطِعْ أَرَبُ الرِّجَالِ مِنْهَا، وَلَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِهَا الِافْتِتَانُ بِهَا (إلَّا مُسْتَتِرَةً) وَأَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا (فِيمَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ شُهُودِ مَوْتِ أَبَوَيْهَا) أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ زَوْجِهَا (أَوْ ذِي قَرَابَتِهَا) كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَالْأَجْدَادِ. (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاحُ لَهَا) الْخُرُوجُ مِنْ أَجْلِهِ كَزِيَارَةِ أَبَوَيْهَا أَوْ حُضُورِ عُرْسِ وَاحِدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ، أَوْ حَاجَةٍ لَا غِنَاءَ لَهَا عَنْهَا وَلَا تَجِدُ مَنْ يَقُومُ بِهَا. (وَلَا) يَجُوزُ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ خُرُوجِهَا أَنْ (تَحْضُرَ مِنْ ذَلِكَ) الَّذِي خَرَجَتْ لِأَجْلِهِ (مَا فِيهِ نَوْحُ نَائِحَةٍ
[ ٢ / ٣١٢ ]
شِبْهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ إلَّا الدُّفَّ فِي النِّكَاحِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْكَبَرِ،
وَلَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمُحْرِمٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ إذَا خَطَبَهَا وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَلَهُ أَنْ يَرَى وَجْهَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَيُنْهَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَوْ) مَا فِيهِ (لَهْوٌ مِنْ مِزْمَارٍ وَعُودٍ أَوْ شَبَهِهِ مِنْ الْمَلَاهِي الْمُلْهِيَةِ إلَّا الدُّفَّ) بِضَمِّ الدَّالِ أَوْ فَتْحِهَا وَهُوَ الْمُغَشَّى مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُعْرَفُ بِالطَّارِّ وَيُقَالُ لَهُ الْغِرْبَالُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا حُضُورُهُ لِجَوَازِهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (فِي النِّكَاحِ) وَإِبَاحَةِ ضَرْبِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا صَرَاصِرُ أَوْ جَلَاجِلُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ. لِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ فِي الْإِطْلَاقِ الْمَعْرُوفِ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ وَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلَادَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُهُ فِي كُلِّ فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ. (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي) جَوَازِ ضَرْبِ (الْكَبَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ الْمُجَلَّدُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَالْمِزْهَرُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَقْوَالٍ، الْجَوَازُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْكَرَاهَةُ فِيهِمَا، وَالْجَوَازُ فِي الْكَبَرِ وَكَرَاهَةُ الْمِزْهَرِ، وَأَجَازَ ابْنُ كِنَانَةَ الزَّمَّارَةَ وَالْبُوقَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا لَا يُلْهِي كُلَّ اللَّهْوِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ نَثْرُ اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ لَا الْغِرْبَالِ وَلَوْ لِرَجُلٍ وَفِي الْكَبَرِ وَالْمِزْهَرِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي الْكَبَرِ، ابْنُ كِنَانَةَ: وَتَجُوزُ الزَّمَّارَةُ وَالْبُوقُ، وَقَيَّدْنَا الْمَرْأَةَ بِالشَّابَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُتَجَالَّةِ الَّتِي لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، فَهَذِهِ تَخْرُجُ وَلَوْ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَبِمَنْ لَا يُخْشَى مِنْهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الَّتِي يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا لِنَجَابَتِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَابَّةٌ غَيْرُ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ إلَّا لِصَلَاةِ الْفَرْضِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِجِنَازَةِ مَنْ تَتَأَثَّرُ بِمَوْتِهِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَمُتَجَالَّةٌ لَا رَغْبَةَ لِلرِّجَالِ فِيهَا وَهَذِهِ تَخْرُجُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَشَابَّةٌ يُخْشَى الِافْتِتَانُ بِهَا فَهَذِهِ لَا تَخْرُجُ أَصْلًا، وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِ الشَّابَّةِ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا بِالْخُرُوجِ لِنَحْوِ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَوْ شَرَطَ لَهَا فِي صُلْبِ عَقْدِهَا وَحَيْثُ سَاغَ خُرُوجُهَا، فَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي زَمَنِ أَمْنٍ مِنْ الرِّجَالِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي وَقْتٍ يُخْشَى عَلَيْهَا فِيهِ، وَلَا تَخْرُجُ إلَّا فِي ثِيَابِ الزِّينَةِ، وَلَا تَمْشِي إلَّا بَعِيدَةً عَنْ الرِّجَالِ، وَأَنْ لَا تَتَطَيَّبَ وَأَنْ تُبَالِغَ فِي السَّتْرِ لِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ كَذِرَاعِهَا أَوْ سَاقِهَا لَا كَفَّيْهَا وَلَا وَجْهِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ جَمِيلَةً أَوْ يَكْثُرَ الْفَسَادُ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُ حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَخْلُوَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ) وَلَا زَوْجَةٍ بَلْ أَجْنَبِيَّةٍ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَكُونُ ثَالِثُهُمَا يُوَسْوِسُ لَهُمَا فِي الْخَلْوَةِ بِفِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ، قَالَ - ﷺ -: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ مِنْهُ بِمَحْرَمٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمَا وَيَسْتَوْجِبَانِ الْعُقُوبَةَ وَلَوْ ادَّعَيَا الزَّوْجِيَّةَ إلَّا أَنْ يُثْبِتَاهَا أَوْ يَكُونَا طَارِئَيْنِ» . وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِذَاتِ الْمَحْرَمِ وَلَوْ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ تَنَاوُلُ الرَّجُلِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالشَّيْخِ وَالشَّابِّ وَالْمَرْأَةِ لِلشَّابَّةِ وَالْمُتَجَالَّةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا فِي السِّنِّ، لِأَنَّ الشَّيْخَ يَمِيلُ لِلشَّيْخَةِ خِلَافًا لِلشَّاذِلِيِّ فِي تَقْيِيدِهِ الْمَرْأَةَ بِالشَّابَّةِ وَالرَّجُلَ بِالشَّابِّ، فَأَجَازَ خَلْوَةَ الشَّيْخِ الْهَرَمِ بِالْمَرْأَةِ شَابَّةً أَوْ مُتَجَالَّةً، وَخَلْوَةَ الشَّابِّ بِالْمُتَجَالَّةِ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ خَلْوَةُ الْمَرْأَةِ بِعَبْدِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِعَبْدٍ بِلَا شِرْكٍ وَمُكَاتَبٍ وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعْرِ السَّيِّدَةِ وَبَقِيَّةِ أَطْرَافِهَا الَّتِي يَنْظُرُهَا مَحْرَمُهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا، وَأَمَّا عَبْدُ زَوْجِهَا فَيَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ خَصِيًّا وَأَنْ يَكُونَ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي تَقْيِيدُ هَذَا بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالدِّينِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَمِيلُ الْمَرْأَةُ لِلنَّصْرَانِيِّ الْخَادِمِ فِي أَسْفَلِ الدَّارِ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ جَوَازُ خَلْوَةِ الْمَرْأَةِ بِمِثْلِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا فَائِقَةً فِي الْجَمَالِ، وَكَذَا خَلْوَةُ الذَّكَرِ بِالذَّكَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا شَابًّا تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَأُخْرَى لَوْ كَانَا شَابَّيْنِ مَشْهُورَيْنِ بِالْجَمَالِ بِحَيْثُ يُتَوَقَّع مَيْلُ أَحَدِهِمَا إلَى صَاحِبِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الْفَاسِدِ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ نَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ غَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ مُقَيَّدَةً بِحَالِ الِاخْتِيَارِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرَاهَا) أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ غَيْرَ الْمُتَجَالَّةِ (لِعُذْرٍ مِنْ شَهَادَةٍ عَلَيْهَا) أَوْ لَهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ لِلشَّاهِدَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ. (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ عُذْرِ الشَّهَادَةِ كَعُذْرِ الطِّبِّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إلَى مَحَلِّ الْمَرَضِ إذَا كَانَ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْيَدَيْنِ قِيلَ وَلَوْ بِفَرْجِهَا لِلدَّوَاءِ، كَمَا يَجُوزُ لِلْقَابِلَةِ نَظَرُ الْفَرْجِ. قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَلِي فِيهِ وَقْفَةٌ إذْ الْقَابِلَةُ أُنْثَى وَهِيَ يَجُوزُ لَهَا نَظَرُ فَرْجِ الْأُنْثَى إذَا رَضِيَتْ لِأَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى رُؤْيَةِ فَرْجِهَا، وَلَوْ زَوْجَةٌ ادَّعَى زَوْجُهَا عَيْبًا بِفَرْجِهَا وَادَّعَتْ عَدَمَهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِهِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ. (وَ) أَيْ وَكَذَا لَا بَأْسَ بِرُؤْيَتِهَا (إذَا خَطَبَهَا) رَجُلٌ لِنَفْسِهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ نَظَرُ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ بِعِلْمِهَا وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ لِرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ وَالطَّبِيبِ وَالْخَاطِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِخَلْوَةٍ بِالْمَرْأَةِ وَإِلَّا حَرُمَتْ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِرُؤْيَةِ الْأَجْنَبِيِّ لِغَيْرِ الْمُتَجَالَّةِ. (وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ) وَهِيَ الْعَجُوزُ الْفَانِيَةُ (فَلَهُ) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ (أَنْ يَرَى وَجْهَهَا) وَكَفَّيْهَا (عَلَى كُلِّ حَالٍ) وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِلْأَمْنِ مِمَّا يَحْصُلُ بِرُؤْيَةِ الشَّابَّةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرِيدُ الرُّؤْيَةِ لِلْمُتَجَالَّةِ مِثْلَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ جَوَازُ رُؤْيَتِهِ لَهَا بِالْعُذْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّابَّةِ،
[ ٢ / ٣١٣ ]
النِّسَاءُ عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ وَعَنْ الْوَشْمِ،
وَمَنْ لَبِسَ خُفًّا أَوْ نَعْلًا بَدَأَ بِيَمِينِهِ وَإِذَا نَزَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ،
وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ قَائِمًا،
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] الْآيَةَ أَيْ مُتَزَيِّنَاتٍ بِزِينَةٍ خَفِيَّةٍ كَقِلَادَةٍ وَخَلْخَالٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْبَابِ. [وَصَلّ الشعر] (وَيُنْهَى النِّسَاءُ عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ) وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لِخَبَرِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة» وَحُرْمَةُ الْوَصْلِ لَا تَتَقَيَّدُ بِالنِّسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا خُصَّ النِّسَاءُ لِأَنَّهُنَّ اللَّاتِي يَغْلِبُ مِنْهُنَّ ذَلِكَ عِنْدَ قِصَرِ أَوْ عَدَمِ شَعْرِهِنَّ يَصِلْنَ شَعْرَ غَيْرِهِنَّ بِشَعْرِهِنَّ، أَوْ عِنْدَ شَيْبِ شَعْرِهِنَّ يَصِلْنَ الشَّعْرَ الْأَسْوَدَ بِالْأَبْيَضِ لِيَظْهَرَ الْأَسْوَدُ لِتُغْرِيهِ الزَّوْجَ، وَمَفْهُومُ " وَصْلِ " أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَصِلْهُ بِأَنْ وَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ وَصْلٍ لَجَازَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْخُيُوطِ الْمَلْوِيَّةِ كَالْعُقُوصِ الصُّوفِ وَالْحَرِيرِ تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ لِلزِّينَةِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِي فِعْلِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ وَيَلْتَحِقُ بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ، وَيُفْهَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ وَصْلِ الشَّعْرِ عَدَمُ حُرْمَةِ إزَالَةِ شَعْرِ بَعْضِ الْحَاجِبِ أَوْ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالتَّرْجِيحِ وَالتَّدْقِيقِ وَالتَّحْفِيفِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى الصَّلَاةِ بِالشَّعْرِ الْمَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِصِحَّتِهَا مِمَّا مَرَّ إنْ كَانَ مَخْرُوزًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَبَاطِلَةٌ إنْ كَانَ مِمَّا مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ. (وَ) يُنْهَى النِّسَاءُ أَيْضًا (عَنْ الْوَشْمِ) فِي الْوَجْهِ أَوْ فِي الْيَدِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ النَّقْشُ بِالْإِبْرَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ وَيُحْشَى الْجُرْحُ بِالْكُحْلِ أَوْ الْهِبَابِ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ لِيَخْضَرَّ الْمَحَلُّ الْمَجْرُوحُ، وَالنَّهْيُ لِلْحُرْمَةِ عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، بَلْ النَّهْيُ فِي الرِّجَالِ أَشَدُّ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَا يُحْكَى مِنْ إبَاحَتِهِ فَمَرْدُودٌ لِمُخَالَفَتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَة، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة، وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ» وَالْوَشْرُ نَشْرُ الْأَسْنَانِ أَيْ بَرْدُهَا حَتَّى يَحْصُلَ الْفَلْجُ وَتَحْسُنُ الْأَسْنَانُ بِذَلِكَ، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ طَوِيلَةً فَتَنْشُرُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهَا الْقِصَرُ، وَالتَّنْمِيصُ هُوَ نَتْفُ شَعْرِ الْحَاجِبِ حَتَّى يَصِيرَ دَقِيقًا حَسَنًا، وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - جَوَازُ إزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ الْحَاجِبِ وَالْوَجْهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ جَوَازُ حَلْقِ جَمِيعِ شَعْرِ الْمَرْأَة مَا عَدَا شَعْرَ رَأْسِهَا، وَعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ مَا فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْ اسْتِعْمَالِ مَا هُوَ زِينَةٌ لَهَا كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمَفْقُودِ زَوْجُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَرَكَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَقَطْ وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ كِتَابِيَّةً وَمَفْقُودًا زَوْجُهَا التَّزَيُّنَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحْتَمَلِ عِنْدَ وُجُوبِ الْعَارِضِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ تَغْيِيرٍ مَنْهِيًّا عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ خِصَالَ الْفِطْرَةِ كَالْخِتَانِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَالشَّعْرِ وَغَيْرِهَا مِنْ خِصَاءِ مُبَاحِ الْأَكْلِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ اللَّعْنِ وَبَيْنَ مَا اشْتَهَرَ مِنْ عِنْدِ جَوَازِ الدُّعَاءِ بِاللَّعْنِ عَلَى الْمُعَيَّنِ لِحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ لَعَّانًا» لِأَنَّ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ بِبُعْدِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ الدُّعَاءُ بِاللَّعْنِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْحَدِيثِ، أَوْ إنَّ لَفْظَ لَعَّانٍ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ إنَّمَا تَصْلُحُ لِمَنْ يَكْثُرُ مِنْهُ ذَلِكَ بِحَيْثُ صَارَ عَادَةً لَهُ، وَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَسُوغُ لَهُ لَعْنُ غَيْرِهِ. الثَّانِي: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَشْمَ حَرَامٌ لِلظَّاهِرِ مِنْ الْحَدِيثِ حَتَّى صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ شَاسٍ بِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ يُلْعَنُ فَاعِلُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْكَرَاهَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَا يُعَارِضُ النَّهْيَ عَنْ الْوَشْمِ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ بِهَا لِزَوْجِهَا، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَسْمَاءَ - ﵂ - لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى ذَاتِ الزَّوْجِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ حُرْمَتِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ كَالْمُحْتَدَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّامِصَةِ الَّتِي تُزِيلُ شَعْرَ بَعْضِ الْحَاجِبِ. الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضٌ: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ الْوَشْمِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِمَرَضٍ وَإِلَّا جَازَ، لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ قَدْ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ فِي زَمَنِ الِاخْتِيَارِ فَكَيْفَ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ؟ . الرَّابِعُ: الْوَشْمُ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ لَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ بِإِزَالَتِهِ بِالنَّارِ بَلْ هُوَ مِنْ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ بِهِ، هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ مَذْهَبِنَا، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَقَلَّ أَنْ تَجِدَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى عَلَى مَا ذَكَرْنَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ آدَابٍ وَمَكْرُوهَاتٍ فَقَالَ: (وَمَنْ لَبِسَ) أَيْ أَرَادَ عَلَى حَدِّ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] (خُفًّا أَوْ نَعْلًا) أَوْ سِرْوَالًا. (بَدَأَ) اسْتِحْبَابًا (بِيَمِينِهِ وَإِذَا نَزَعَ بَدَأَ بِشِمَالِهِ) لِأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ يُطْلَبُ فِيهِ الْبَدْءُ بِالْيَمِينِ، وَكُلَّ نَقْصٍ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْيَسَارِ، وَالْخُلُوُّ نَقْصٌ لِأَنَّهُ تَعَرٍّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ: «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ عَنْ
[ ٢ / ٣١٤ ]
وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ،
وَتُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْقِبَابِ وَالْجُدَرَانِ وَالْخَاتَمِ وَلَيْسَ الرَّقْمُ فِي الثَّوْبِ مِنْ ذَلِكَ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَائِشَةَ: «كَانَ - ﷺ - يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ وَشَأْنِهِ كُلِّهِ» وَالْقَاعِدَةُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَخْذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ كَاللُّبْسِ وَدُخُولِ الْمَسَاجِدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَسْلِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ، وَمَا كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ فَالتَّيَاسُرُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الرَّأْسِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْحَلْقَ لِلرَّأْسِ صَارَ مِنْ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِعَالِ) أَيْ لُبْسِ النَّعْلِ حَالَ كَوْنِهِ، (قَائِمًا) كَمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ حَالَةَ كَوْنِهِ جَالِسًا فَلَا بَأْسَ لِلْجَوَازِ الْمُسْتَوِي، وَمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِعَالِ حَالَ الْقِيَامِ فَغَيْرُ صَحِيحٌ، وَعَلَى الصِّحَّةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُ مِنْ قِيَامٍ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ التَّعَمُّمِ حَالَ الْقُعُودِ، وَعَنْ التَّسَرْوُلِ حَالَ الْقِيَامِ. (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقْطَعَ الرِّجْلِ فَلَا بَأْسَ بِمَشْيِهِ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمَشْيُ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ وَلَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا، وَلَكِنْ انْقَطَعَتْ إحْدَاهُمَا وَاسْتَمَرَّ لَابِسًا لِلْأُخْرَى وَهُوَ يَمْشِي، وَأَمَّا وُقُوفُ الشَّخْصِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةِ لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرُوهِ. (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا فِعْلُ (التَّمَاثِيلِ) جَمْعُ تِمْثَالٍ بِكَسْرِ التَّاءِ وَهِيَ صُورَةُ الْحَيَوَانَاتِ (فِي الْأَسِرَّةِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ سَرِيرٍ وَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ لِلرُّقَادِ عَلَيْهِ. (وَ) كَذَا يُكْرَهُ فِعْلُ التَّمَاثِيلِ فِي (الْقِبَابِ) جَمْعُ قُبَّةٍ وَهِيَ مَا يُجْعَلُ مِنْ الثِّيَابِ عَلَى الْهَوْدَجِ أَوْ عَلَى السَّرِيرِ أَوْ عَلَى الْخَيْمَةِ. (وَ) كَذَلِكَ يُكْرَهُ التِّمْثَالُ أَيْضًا فِي (الْجُدَرَانِ) بِضَمِّ الْجِيمِ جَمْعُ جَدْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْحَائِطُ. (وَ) كَذَا فِي (الْخَاتَمِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا وَفِيهِ لُغَاتٌ أُخَرُ مَشْهُورَةٌ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تُكْرَهُ التَّمَاثِيلُ الَّتِي فِي الْأَسِرَّةِ وَالْقِبَابِ وَالْمَنَابِرِ وَلَيْسَ كَالثِّيَابِ وَالْبُسُطِ الَّتِي تُمْتَهَنُ انْتَهَى، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْقِبَابِ إلَخْ أَنَّ التِّمْثَالَ مَنْقُوشٌ فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ جُعِلَ التِّمْثَالُ صُورَةً مُسْتَقِلَّةً لَهَا ظِلٌّ كَمَا لَوْ صُنِعَ صُورَةَ سَبُعٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ آدَمِيٍّ وَوَضَعَهَا عَلَى الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، حَيْثُ كَانَتْ الصُّورَةُ كَامِلَةً سَوَاءٌ صُنِعَتْ مِمَّا تَطُولُ إقَامَتُهُ كَحَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ مِمَّا لَا تَطُولُ إقَامَتُهُ، كَمَا صُنِعَ صُورَةُ السَّبُعِ أَوْ الْفَرَسِ مِنْ عَجِينٍ أَوْ حَلَاوَةٍ مِمَّا لَا تَطُولُ إقَامَتُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ نَاقِصَةً كَصُورَةِ حِمَارٍ أَوْ سَبُعٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ فَلَا حُرْمَةَ فِيهَا بَلْ قِيلَ بِكَرَاهَتِهَا وَقِيلَ خِلَافُ الْأَوْلَى. وَالْحَاصِلُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّمَاثِيلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَقْسَامِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ حَيَوَانٍ كَامِلَةٍ وَلَهَا ظِلٌّ قَائِمٌ وَحُمِلَ عَلَيْهَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مِنْ أَنَّ فَاعِلَ تِلْكَ الصُّورَةِ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُ: أَحْيِ مَا خَلَقْت» وَالْمُبَاحُ مَا كَانَ عَلَى صُورَةِ غَيْرِ حَيَوَانٍ كَصُورَةِ الْأَشْجَارِ وَالْفَوَاكِهِ وَالسَّحَابِ مِمَّا هُوَ مَصْنُوعٌ لِلَّهِ وَلَيْسَ حَيَوَانًا، وَالْمَكْرُوهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَرْسُومَةِ فِي الْأَسِرَّةِ وَالْحِيطَانِ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ غَيْرَ مُمْتَهَنٍ، وَأَمَّا التَّمَاثِيلُ الْمَرْسُومَةُ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُمْتَهَنَةِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَلَكِنَّ تَرْكَهَا أَوْلَى وَهِيَ الْآتِيَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِمَّا لَهُ ظِلٌّ قَائِمٌ الْمُجْمَعُ عَلَى حُرْمَتِهِ صُوَرُ لَعِبِ الْبَنَاتِ فَإِنَّهُ لَا تَحْرُمُ، وَيَجُوزُ اسْتِصْنَاعُهَا وَصُنْعُهَا وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لَهُنَّ لِأَنَّ بِهِنَّ يَتَدَرَّبْنَ عَلَى حَمْلِ الْأَطْفَالِ، فَقَدْ كَانَ لِعَائِشَةَ - ﵂ - جِوَارٍ يُلَاعِبْنَهَا بِصُوَرِ الْبَنَاتِ الْمَصْنُوعَةِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ، فَإِذَا رَأَيْنَ الرَّسُولَ - ﵊ - يَسْتَحِينَ مِنْهُ وَيَتَقَنَّعْنَ وَكَانَ الرَّسُولُ يَشْتَرِيهَا لَهَا، وَأَمَّا فِعْلُهَا لِلْكِبَارِ فَحَرَامٌ، وَلَمَّا كَانَتْ تَمَاثِيلُ الْحَيَوَانَاتِ إنَّمَا تُكْرَهُ فِيمَا لَا يُمْتَهَنُ كَالْمَصْنُوعَةِ فِي الْحَائِطِ، ذَكَرَ أَنَّ مَا صُنِعَ فِي الْمُمْتَهَنِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ الرَّقْمُ) لِصُورَةِ الْحَيَوَانِ (فِي الثَّوْبِ) وَالْبِسَاطِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُمْتَهَنٍ (مِنْ ذَلِكَ) الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِقَوْلِ الْجَلَّابِ: وَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِ التَّمَاثِيلِ فِي الثِّيَابِ وَالْبُسْطِ. (وَ) لَكِنْ (تَرْكُهُ) فِي الثَّوْبِ أَوْ غَيْرِهِ (أَحْسَنُ) مِنْ فِعْلِهِ لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ، وَلَوْ فِي الثَّوْبِ فَفِي تَرْكِهِ سَلَامَةٌ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَالَ:
[ ٢ / ٣١٥ ]