. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالْأَلْفِ شَهْرٍ مَا يَشْمَلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَوَقَعَ خِلَافٌ هَلْ يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِمَنْ عَمِلَ عَالِمًا بِهَا أَوْ يَحْصُلُ لِكُلِّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْعَمَلُ وَلَوْ لَمْ يَشْعُرْ بِهَا؟ وَالصَّوَابُ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ حُصُولُ الثَّوَابِ مُطْلَقًا، لَكِنَّ ثَوَابَ مَنْ عَمِلَ مَعَ الْعِلْمِ بِهَا بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ عَلَامَاتِهَا أَتَمُّ مِنْ ثَوَابِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَعَلَامَاتُهَا كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أَنَّ الْمِيَاهَ الْمَالِحَةَ تَعْذُبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى أَصْلِهَا، وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَطْلُعُ يَوْمَهَا عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ بِخِلَافِ يَوْمِ غَيْرِهَا، وَمِنْهَا: اقْشِعْرَارٌ وَبُكَاءٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَكُونُ مُشْرِقَةً نَيِّرَةً وَمُعْتَدِلَةً لَا حَارَّةً وَلَا بَارِدَةً وَلَا سَحَابَ فِيهَا وَلَا مَطَرَ وَلَا رِيحَ، وَلَا يُرَى فِيهَا نَجْمٌ، وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا مُشَعْشَعَةً حَمْرَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، كَانَ - ﵊ - يَأْمُرُ مَنْ رَأَى عَلَامَةً لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنَّك عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي. وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: لَوْ رَأَيْت لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا سَأَلْت اللَّهَ إلَّا الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. هَذَا مُلَخَّصُ الْكَلَامِ عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: مُقْتَضَى هَذَا اخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَا، وَثَوَابُ الْعَمَلِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِهِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ قَدْرٍ، وَعِدَّةُ الْأَلْفِ شَهْرٍ بِالسِّنِينَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً [بَاب فِي زَكَاة الْعَيْن وَالْحَرْث وَالْمَاشِيَة وَمَا يَخْرَج مِنْ الْمَعْدِن] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مُعْظَمِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ، شَرَعَ فِي الزَّكَاةِ وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرَ الصَّوْمِ عَنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَخَّرَهَا عَنْ الصَّوْمِ لِمُنَاسَبَةِ الصَّوْمِ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ:
[ ١ / ٣٢٥ ]
[زكاة الحرث]
بَابٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَذِكْرُ الْجِزْيَةِ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ وَزَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَرِيضَةٌ
فَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ فَيَوْمُ حَصَادِهِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ فَفِي كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً
وَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) بَيَانِ أَحْكَامِ (زَكَاةِ الْعَيْنِ) (وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَ) ذِكْرٍ فِي (أَحْكَامِ) وَقَدْرِ (الْجِزْيَةِ) فِي بَيَانِ قَدْرِ (مَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ) بِضَمِّ التَّاءِ جَمْعُ تَاجِرٍ كَفَاجِرٍ وَفُجَّارٍ، وَيُقَالُ تِجَارٌ بِكَسْرِهَا كَصَاحِبٍ وَصِحَابٍ (أَهْلِ الذِّمَّةِ وَ) مِنْ تِجَارَةِ (الْحَرْبِيِّينَ) وَسَتَأْتِي الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهِيَ أَحْكَامُ الرِّكَازِ وَزَكَاةِ الْعُرُوضِ، وَالزَّكَا فِي اللُّغَةِ النُّمُوُّ وَالزِّيَادَةُ، يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ وَزَكَا الْمَالُ إذَا كَثُرَ، وَفِي الشَّرْعِ بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ شَرْطُ وُجُوبِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ بُلُوغُ الْمَالِ نِصَابًا، وَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ: إخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ الْمَالِ إلَخْ، وَوَجْهُ تَسْمِيَةِ الْجُزْءِ زَكَاةً عَلَى مَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّ فَاعِلَهَا يَزْكُو بِفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ أَيْ يُرْفَعُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقِيلَ: لِنُمُوِّ ذَلِكَ الْجُزْءِ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ لِخَبَرِ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِكَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إلَّا طَيِّبًا كَانَ كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ يُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» أَوْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَبَدَأَ بِحُكْمِهَا فَقَالَ: (وَزَكَاةُ) بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَهِيَ بِمَعْنَى تَزْكِيَةِ (الْعَيْنِ) أَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. (وَالْحَرْثِ) وَهِيَ سَائِرُ الْحُبُوبِ الْمَعْرُوفَةِ وَالثِّمَارِ وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ الْآتِي بَيَانُهَا. (وَالْمَاشِيَةِ) وَهِيَ خُصُوصُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَا غَيْرِهَا مِنْ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (فَرِيضَةٌ) وَلَوْ كَانَتْ الْمَاشِيَةُ مَعْلُوفَةً أَوْ عَامِلَةً وَلَوْ كَانَ الْحَرْثُ فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ دَلَّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَفُرِضَتْ فِي ثَانِيَةِ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» إلَى قَوْلِهِ: «وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَالَ الْقَرَافِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا فَمَنْ جَحَدَهَا فَهُوَ كَافِرٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ كَرْهًا وَإِنْ بِقِتَالٍ وَتُجْزِيهِ وَفَرْضِيَّتُهَا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ.
(٢) وَلِوُجُوبِهَا شُرُوطٌ سِتَّةٌ: الْإِسْلَامُ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ خِطَابِ الْكُفَّارِ، وَالْمِلْكُ التَّامُّ، وَالنِّصَابُ، وَمُرُورُ الْحَوْلِ فِي غَيْرِ الْمَعْدِنِ، وَمَجِيءُ السَّاعِي فِي الْمَاشِيَةِ، وَعَدَمُ الدَّيْنِ فِي الْعَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ خِطَابُ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، فَيَكُونُ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الزَّكَاةِ، بِخِلَافِ خِطَابِهِمْ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُنَا عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَطَاءٍ مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا مِلْكَ لَهُمْ مَعَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ جَمِيعَ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ وَدَائِعِ اللَّهِ يَبْذُلُونَهُ فِي مَحَلِّهِ؛ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا شُرِعَتْ طُهْرَةً لِمَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَالْأَنْبِيَاءُ مُبَرَّءُونَ مِنْ الدَّنَسِ لِعِصْمَتِهِمْ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا بَنَاهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ عَلَى مَذْهَبِ إمَامِهِ مِنْ عَدَمِ مِلْكِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ. [زَكَاة الْحَرْث] ثُمَّ بَيَّنَ وَقْتَ وُجُوبِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ فِي الْحُبُوبِ بِقَوْلِهِ: (فَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ) كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالْقَطَانِيِّ السَّبْعَةِ وَذَوَاتِ الزُّيُوتِ وَالثِّمَارِ الْآتِيَةِ (فَيَوْمُ حَصَادِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَقَوْلُنَا وَقْتَ وُجُوبِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ يَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ الْإِفْرَاكِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَالْوُجُوبُ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ وَطَيِّبِ الثَّمَرِ فَمَا أُكِلَ بَعْدَ الْإِفْرَاكِ زَمَنَ الْمَسْغَبَةِ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالْفُولِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّاهُ وَيُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ مِنْ جِنْسِهِ حَبًّا نَاشِفًا أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ مَا اسْتَأْجَرَ بِهِ، وَأَمَّا الثِّمَارُ فَوَقْتُ الْوُجُوبِ فِيهَا يَوْمَ الطِّيبِ. قَالَ مَالِكٌ: إذَا زَهَتْ النَّخْلُ وَطَابَ الْكَرْمُ وَاسْوَدَّ الزَّيْتُونُ أَوْ قَارَبَ وَأَفْرَكَ الزَّرْعُ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ وَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ. (وَ) أَمَّا تَزْكِيَةُ (الْعَيْنِ) غَيْرَ الْمَعْدِنِ
[ ١ / ٣٢٦ ]
زَكَاةَ مِنْ الْحَبِّ وَالتَّمْرِ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَذَلِكَ سِتَّةُ أَقْفِزَةٍ وَرُبُعُ قَفِيزٍ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ - ﵊ -
وَيُجْمَعُ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ فِي الزَّكَاةِ فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (وَالْمَاشِيَةِ فَفِي) تَمَامِ (كُلِّ حَوْلٍ مَرَّةً) حَيْثُ لَا سَاعِيَ فِي الْمَاشِيَةِ وَإِلَّا فَبَعْدَ حُضُورِهِ وَعَدَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ حُضُورُهُ وَحَضَرَ بِالْفِعْلِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَيْنَ إنَّمَا تُزَكَّى بَعْدَ تَمَامِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَذَا الْمَاشِيَةُ الَّتِي لَا سَاعِيَ لَهَا أَوْ لَا يُمْكِنُ وُصُولُهُ وَإِلَّا فَبَعْدَ وُصُولِهِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ إنْ كَانَ وَبَلَغَ، فَإِنْ تَخَلَّفَ وَأُخْرِجَتْ أَجْزَأَ الْإِخْرَاجُ وَلَوْ تَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَحَلُّ الْإِجْزَاءِ إنْ أَثْبَتَ الْمُخْرَجَ وَالْإِخْرَاجَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أُخْرِجَتْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي دُونَ تَخَلُّفٍ فَلَا تُجْزِئُ، بِخِلَافِ الَّتِي لَا سَاعِيَ لَهَا فَيُجْزِئُ إخْرَاجُهَا وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ حَيْثُ كَانَ التَّقَدُّمُ بِيَسِيرٍ كَالشَّهْرِ. قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ قُدِّمَتْ بِكَشَهْرٍ فِي عَيْنٍ وَمَاشِيَةٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ إخْرَاجِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي بَلَغَهُ الْمَالُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) تُشْرَعُ (زَكَاةٌ مِنْ الْحَبِّ) الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالْأُرْزُ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةِ وَالْعَلْسُ وَالْقَطَانِيُّ السَّبْعَةُ الَّتِي هِيَ الْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالتُّرْمُسُ وَالْحِمَّصُ وَالْبِسِلَّةُ وَالْفُولُ وَالْجُلْبَانُ وَذَوَاتُ الزُّيُوتِ وَهِيَ حَبُّ الْفُجْلِ الْأَحْمَرِ وَالسِّمْسِمِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْجُلْجَانِ وَالْقُرْطُمُ وَالزَّيْتُونُ. (وَالتَّمْرُ) وَالزَّبِيبُ فَهَذِهِ عِشْرُونَ نَوْعًا لَا غَيْرَهَا مِنْ نَحْوِ بِزْرِ كَتَّانٍ أَوْ سَلْجَمٍ أَوْ بِزْرِ فُجْلٍ أَبْيَضَ وَلَا فِي فَوَاكِهَ كَرُمَّانٍ أَوْ خَوْخٍ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) بِنَاءً عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ تَحْدِيدٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذِكْرِ قَوْلِهِ - ﷺ - فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» . وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» وَالْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَقُولُ النِّصَابُ تَقْرِيبٌ فَتَجِبُ عِنْدَ النَّقْصِ الْيَسِيرِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْأَوْسُقُ قَدْ لَا تُعْرَفُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَسَّرَ قَدْرَهَا بِالْكَيْلِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) مِنْ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَدْرُهُ بِالْكَيْلِ (سِتَّةُ أَقْفِزَةٍ) جَمْعُ قَفِيزٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صَاعًا وَرُبْعُ قَفِيزٍ فَالسِّتَّةُ أَقْفِزَةُ (وَرُبْعُ) قَفِيزٍ هِيَ الْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَقَدْرُهَا بِالْكَيْلِ الْمَصْرِيِّ عَلَى مَا حَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ بِالْأَقْدَاحِ أَرْبَعُمِائَةِ قَدَحٍ وَبِالْأَرَادِبِ أَرْبَعَةُ أَرَادِبَ وَوَيْبَةٍ لِكِبَرِ الْكَيْلِ فِي زَمَنِهِ عَمَّا كَانَ فِي الْأَزْمِنَةِ السَّابِقَةِ، فَلَا يُنَافِيهِ ضَبْطُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ فِي زَمَنِهِ الْأَوْسُقَ بِالْكَيْلِ الْمَصْرِيِّ سِتَّةُ أَرَادِبَ وَنِصْفَ وَيْبَةٍ. (وَالْوَسْقُ) قَدْرُهُ بِالصِّيعَانِ (سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ) أَيْ صَاعُ النَّبِيِّ - ﷺ - (أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّهِ - ﵊ -) وَالْمُدُّ حُفْنَةٌ وَهِيَ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مَبْسُوطَتَيْنِ، وَوَزْنُهُ رَطْلٌ وَثُلُثُ بِالْبَغْدَادِيِّ، فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ بِالْأَرْطَالِ الشَّرْعِيَّةِ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رَطْلٍ كُلُّ رَطْلٍ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالْوَزْنِ الْمَكِّيِّ، وَالرَّطْلُ اثْنَا عَشَرَ أُوقِيَّةً وَالْأُوقِيَّةُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَوَزْنُ الدِّرْهَمِ خَمْسُونَ وَخُمْسَا حَبَّةٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا بِالْأَرْطَالِ الْمَصْرِيَّةِ فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَلْفُ رَطْلٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ رَطْلٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رَطْلًا، فَعُلِمَ أَنَّ الْخَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصِّيعَانِ ثَلَاثُمِائَةِ صَاعٍ، وَبِالْأَمْدَادِ أَلْفُ مُدٍّ وَمِائَتَا مُدٍّ، وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ قَدْرُ النِّصَابِ بِالْكَيْلِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَصْرِيِّ وَبِالْوَزْنِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَصْرِيِّ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْقَدْرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ النِّصَابِ وَهُوَ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ فَيُدْخِلُ أَرْضَ السَّيْحِ أَيْ الْمَاءِ الْجَارِي، وَمَا سُقِيَ مِنْ السَّمَاءِ، وَمَا سُقِيَ بِقَلِيلِ مَاءٍ كَالذُّرَةِ الصَّيْفِيِّ بِأَرْضِ مِصْرَ فَإِنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ قَلِيلُ مَاءٍ عِنْدَ وَضْعِ حَبِّهِ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ لَا يُسْقَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَنِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِمَشَقَّةِ كَالدَّوَالِيبِ وَالدِّلَاءِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وَإِنْ سُقِيَ بِهِمَا فَعَلَى حُكْمَيْهِمَا حَيْثُ تَسَاوَيَا أَوْ تَقَارَبَا فَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ ذِي السَّيْحِ وَنِصْفُهُ مِنْ ذِي الْآلَةِ، وَإِنْ سُقِيَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرُ فَقِيلَ الْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ وَيُلْغَى الْأَقَلُّ وَقِيلَ لَا تَبَعِيَّةَ وَتُعْتَبَرُ الْقِسْمَةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ سُقِيَ بِهِمَا فَعَلَى حُكْمَيْهِمَا وَهَلْ يُغَلَّبُ الْأَكْثَرُ خِلَافٌ.
(٣) الثَّانِي: شَرْطُ اعْتِبَارِ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً مِنْ التِّبْنِ الَّذِي لَا تُخْزَنُ بِهِ، وَأَنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً الْجَفَافِ فِيمَا أُكِلَ أَخْضَرُ كَفَرِيكٍ وَشَعِيرٍ أَوْ فُولٍ أَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِفُّ أَصْلًا كَعِنَبٍ وَزَيْتُونٍ وَبَلَحِ مِصْرَ، أَوْ مِمَّا يَجِفُّ كَعِنَبٍ وَبَلَحِ غَيْرِ مِصْرَ وَأُكِلَ قَبْلَ جَفَافِهِ. الثَّالِثُ: شَرْطُ وُجُوبِهَا فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ أَنْ تَكُونَ مَزْرُوعَةً، وَأَمَّا مَا وُجِدَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ نَابَتَا فِي الْجِبَالِ وَالْأَرَاضِي الْمُبَاحَةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَا يُجْمَعُ مِنْ الزَّيْتُونِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ فِي الْجِبَالِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِنْ بَلَغَ خَرْصُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَا يَكُونُ أَهْلُ قَرْيَةِ ذَلِكَ الْجَبَلِ أَحَقَّ بِهِ وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ فِي جَمِيعِ مَا سَمَّيْت لَك الْخُمُسَ إنْ جُعِلَ فِي الْغَنَائِمِ . ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ لِكَمَالِ النِّصَابِ وَمَا لَا يُضَمُّ بِقَوْلِهِ:
[ ١ / ٣٢٧ ]
خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَلْيُزَكَّ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ أَصْنَافُ الْقَطْنِيَّةِ وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ أَصْنَافُ التَّمْرِ وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ الزَّبِيبِ وَالْأَرْزِ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ لَا يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ
وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ التَّمْرِ أَدَّى الزَّكَاةَ عَنْ الْجَمِيعِ مِنْ وَسَطِهِ
وَيُزَكَّى الزَّيْتُونُ إذَا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَخْرَجَ مِنْ زَيْتِهِ وَيُخْرِجُ مِنْ الْجُلْجُلَانِ وَحُبِّ الْفُجْلِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (وَيُجْمَعُ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ) وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِشَعِيرِ النَّبِيِّ - ﷺ - إذَا لَمْ يَكْمُلْ النِّصَابُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ وَصِلَةُ يُجْمَعُ (فِي الزَّكَاةِ) لِتَقَارُبِ مَنْفَعَتِهَا وَلِذَلِكَ جُعِلَتْ فِي الْبَيْعِ جِنْسًا بِحَيْثُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ. (فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا) بَعْدَ الضَّمِّ (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) فَأَكْثَرُ (فَلْيُزَكِّ ذَلِكَ) الْمَجْمُوعَ وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِسَابِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِذَ مِنْ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ كَالتَّمْرِ نَوْعًا أَوْ نَوْعَيْنِ وَإِلَّا فَمِنْ أَوْسَطِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ أَحَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى عَنْ الْأَدْنَى أَجْزَأَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ، وَيَجِبُ الضَّمُّ وَلَوْ زُرِعَتْ بِبُلْدَانٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتُضَمُّ الْقَطَانِيُّ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ وَإِنْ بِبُلْدَانٍ إنْ زُرِعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ حَصَادِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْحَصْدَ فِي الْحُبُوبِ كَالْحَوْلِ، وَإِنْ زُرِعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ حَصَادِ الْآخَرِ فَلَا ضَمَّ، فَإِذَا زُرِعَ فِي ثَلَاثَةِ أَمَاكِنَ وَزُرِعَ الثَّانِي قَبْلَ حَصَادِ الْأَوَّلِ وَزُرِعَ الثَّالِثُ بَعْدَ حَصَادِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ حَصَادِ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصَابٌ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ وَسْقَانِ وَفِي الثَّالِثِ وَسْقَانِ أَيْضًا وَفِي الْوَسَطِ وَهُوَ الثَّانِي ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّهُ يُضَمُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الضَّمِّ أَنْ يَبْقَى مِنْ حَبِّ الْأَوَّلِ إلَى حَصَادِ الثَّانِي مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، فَلَا بُدَّ فِي زَكَاةِ الْجَمِيعِ عِنْدَ ضَمِّ الْوَسَطِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَبْقَى حَبُّ السَّابِقِ لِحَصْدِ اللَّاحِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَسَطِ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ نِصَابٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَسْقَانِ فَلَا زَكَاةَ فِي الْجَمِيعِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَكْمُلُ النِّصَابُ مِنْ الْوَسَطِ مَعَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَسَطِ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ، وَفِي الْأَوَّلِ اثْنَانِ وَفِي الثَّالِثِ وَاحِدٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَنَصَّ اللَّخْمِيُّ: لَا زَكَاةَ عَلَى الْقَاصِرِ، وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ كَمُلَ النِّصَابُ مِنْ الْأَوَّلِ وَالْوَسَطِ زُكِّيَ الثَّالِثُ مَعَهُمَا، وَإِنْ كَمُلَ مِنْ الثَّالِثِ وَالْوَسَطِ زَكَّاهُمَا دُونَ الْأَوَّلِ. قَالَ بَعْضٌ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ إذَا كَمُلَ النِّصَابُ مِنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَالْأَوَّلُ مَضْمُومٌ لِلثَّانِي فَالْحَوْلُ لِلثَّانِي وَهُوَ خَلِيطٌ لِلثَّالِثِ، وَإِذَا كَمُلَ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَالْمَضْمُومُ الثَّانِي لِلثَّالِثِ فَالْحَوْلُ لِلثَّالِثِ وَلَا خُلْطَةَ لِلْأَوَّلِ بِهِ وَهُوَ فَرْقٌ جَيِّدٌ. (وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ) لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ (أَصْنَافُ التَّمْرِ) كَالصَّيْحَانِيِّ فَإِنَّهُ يُضَمُّ لِلْبَرْنِيِّ وَالْعَجْوَةِ؛ لِأَنَّ الضَّابِطَ أَنَّ الْأَنْوَاعَ الْمُتَقَارِبَةَ فِي الْمَنْفَعَةِ يُضَمُّ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ مُرَاعَاةً لَحِقَ الْفُقَرَاءِ وَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِسَابِهِ إلَّا إذَا زَادَتْ عَلَى نَوْعَيْنِ فَمِنْ أَوْسَطِهَا كَمَا يَأْتِي، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَمْحَ وَمَا مَعَهُ لَا يُضَمُّ لِأَصْنَافِ التَّمْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَكَذَلِكَ تُجْمَعُ أَصْنَافُ الْقَطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا لِبَعْضِهَا بِشَرْطِ زَرْعِ الْمَضْمُومِ قَبْلَ حَصَادِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مِنْ جَمِيعِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَكَّى وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهَا فِي الزَّكَاةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَتُجْمَعُ الْقَطْنِيَّةُ عَلَى قَطَانِيٍّ وَهِيَ كُلُّ مَا لَهُ غِلَافٌ كَالْبَسِيلَةِ وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ وَالْجُلْبَانِ وَالْفُولِ وَالتُّرْمُسِ وَاللُّوبِيَا، وَسُمِّيَتْ بِالْقَطَانِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَقْطُنُ بِالْمَكَانِ أَيْ تُقِيمُ بِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْجُلْجُلَانُ وَلَا حَبُّ الْفُجْلِ وَلَا الْكِرْسِنَّةُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عِنْدَ الضَّمِّ يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِحِسَابِهِ، وَإِنْ أُخْرِجَتْ مِنْ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فَقَطْ أَجْزَأَ إنْ كَانَ الْمُخْرَجُ مِنْهُ أَعْلَى مِنْ الْمُخْرَجِ عَنْهُ. (وَكَذَلِكَ) تُجْمَعُ (أَصْنَافُ الزَّبِيبِ) بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَيُضَمُّ الْجُعْرُورُ لِغَيْرِهِ وَالْأَسْوَدُ لِلْأَحْمَرِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ النِّصَابُ زَكَّى وَإِلَّا فَلَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ شَرَعَ فِيمَا لَا يُضَمُّ بِقَوْلِهِ: (وَالْأُرْزُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: (وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ) مَعْطُوفَانِ عَلَيْهِ وَجُمْلَةُ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ لَا يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ (إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ) كَمَا أَنَّهَا أَجْنَاسٌ فِي الْبَيْعِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَهَا (وَإِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ) مُخْتَلِفَةٌ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ (مِنْ التَّمْرِ) وَكَمُلَ النِّصَابُ بِضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ (أَدَّى) أَيْ أَخْرَجَ الْمَالِكُ (الزَّكَاةَ عَنْ الْجَمِيعِ مِنْ وَسَطِهِ) أَيْ التَّمْرِ، وَمِثْلُ أَصْنَافِ التَّمْرِ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ الْوَسَطِ أَصْنَافُ الزَّبِيبِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ ذَلِكَ رِفْقًا بِالْمُزَكِّي وَبِالْفُقَرَاءِ، إذْ لَوْ أُخِذَ مِنْ الْأَعْلَى عَنْ الْجَمِيعِ لَأَضَرَّ بِرَبِّ الْمَالِ، أَوْ مِنْ الْأَدْنَى عَنْ الْجَمِيعِ لَأَضَرَّ بِالْفُقَرَاءِ، فَكَانَ الْعَدْلُ الْوَسَطَ، وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ أَخْرَجَ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ وَلَمْ يُخْرِجْ مِنْ أَوْسَطِهَا لِوُضُوحِ أَمْرِهِ وَهُوَ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَوْ كَانَ الْحَائِطُ كُلُّهُ جَيِّدًا أَوْ كُلُّهُ رَدِيئًا لَأُخِذَ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَفْهُومُ أَصْنَافٍ لَوْ اجْتَمَعَ صِنْفَانِ فَقَطْ جَيِّدٌ وَرَدِيءٌ، فَفِي الْجَوَاهِرِ: يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِقِسْطِهِ وَلَا يُنْظَرُ لِلْأَكْثَرِ، وَمَفْهُومُ أَصْنَافِ التَّمْرِ أَنَّ أَصْنَافَ الْحُبُوبِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ كُلٍّ بِحَسَبِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُخِذَ مِنْ الْحَبِّ كَيْفَ كَانَ كَالتَّمْرِ نَوْعٍ أَوْ نَوْعَيْنِ وَإِلَّا فَمِنْ أَوْسَطِهَا ، وَلَمَّا كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ الْكَيْلُ وَالْإِخْرَاجُ تَارَةً مِنْ الْحَبِّ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِ أَشَارَ لِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: (يُزَكَّى الزَّيْتُونُ إذَا بَلَغَ حَبُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) مُقَدَّرَةِ الْجَفَافِ
[ ١ / ٣٢٨ ]
[زكاة العين]
مِنْ زَيْتِهِ فَإِنْ بَاعَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ
وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ
وَلَا زَكَاةَ مِنْ الذَّهَبِ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَإِذَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ رُبْعُ الْعُشْرِ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ وَإِنْ قَلَّ
وَلَا زَكَاةَ مِنْ الْفِضَّةِ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ خَمْسُ أَوَاقٍ وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ أَعْنِي أَنَّ السَّبْعَةَ دَنَانِيرَ وَزْنُهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَإِذَا قَالَ الْمُخْرِصُ إنَّهُ بَعْدَ الْجَفَافِ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (أَخْرَجَ) الْمَالِكُ زَكَاتَهُ (مِنْ زَيْتِهِ) إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَهُ فِيهَا زَيْتٌ وَلَوْ كَانَ زَيْتُهُ رَطْلًا وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبِّهِ وَلِأَئِمَّتِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُصَنِّفِ ضَعِيفٌ، فَلَوْ قَالَ الْخَارِصُ أَنَّهُ يَقْصُرُ عَنْ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَلَوْ كَثُرَ زَيْتُهُ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ إنْ سُقِيَ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، وَنِصْفُهُ إنْ سُقِيَ بِهَا، وَالنَّقْصُ وَالْعَصْرُ عَلَى رَبِّهِ. (وَ) كَذَلِكَ (يُخْرِجُ) جُزْءَ الزَّكَاةِ (مِنْ الْجُلْجُلَانِ) وَهُوَ السِّمْسِمُ (وَمِنْ حَبِّ الْفُجْلِ) الْأَحْمَرِ إذَا بَلَغَ حَبُّ كُلٍّ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ (مِنْ زَيْتِهِ) وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ زَيْتُهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبِّ مَا ذُكِرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُعْتَمَدُ إجْزَاءُ الْإِخْرَاجِ مِنْ حَبِّهِمَا، وَمِثْلُهُمَا الْقُرْطُمُ فَتُسْتَثْنَى هَذِهِ مِنْ ذَوَاتِ الزُّيُوتِ؛ لِأَنَّهَا تُرَادُ لِغَيْرِ الْعَصْرِ كَثِيرًا فَلَيْسَتْ كَالزَّيْتُونِ الَّذِي لَهُ زَيْتٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْ زَيْتِهِ كَتَعَيُّنِ الْإِخْرَاجِ مِنْ ثَمَنِ مَا لَيْسَ لَهُ زَيْتٌ مِنْهُ. (فَإِذَا بَاعَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ مِنْ حَبِّ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَبْلَ الْعَصْرِ (أَجْزَأَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى هَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إلَّا مِنْ زَيْتِهِ كَمَا صَدَّرَ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَيُزَكَّى الزَّيْتُونُ إلَى قَوْلِهِ: مِنْ زَيْتِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّيْتُونَ إذَا كَانَ لَهُ زَيْتٌ يَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِنْ زَيْتِهِ وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ حَبِّهِ، وَلِأَئِمَّتِهِ إذَا بَاعَهُ وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا زَيْتَ لَهُ فِيهَا كَزَيْتُونِ مِصْرَ فَيُخْرِجُ مِنْ ثَمَنِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَمِثْلُهُ مَا لَا يَجِفُّ مِنْ رُطَبِ مِصْرَ وَعِنَبِهَا وَحِمَّصِهَا وَفُولِهَا وَفَرِيكِهَا إذَا بِيعَتْ قَبْلَ جَفَافِهَا، إلَّا أَنَّ هَذَا يَجُوزُ إخْرَاجُ زَكَاتِهَا حَبًّا يَابِسًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَحْوِ الْجُلْجُلَانِ وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُزَكَّى مِنْ أَنْوَاعِ النَّبَاتِ عِشْرُونَ نَوْعًا وَكَانَتْ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ صَرِيحًا مِنْ كَلَامِهِ نَصَّ عَلَى مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي الْفَوَاكِهِ) كَانَتْ تَيْبَسُ كَالْبُنْدُقِ أَوْ لَا كَالْخَوْخِ وَالرُّمَّانِ. (وَ) كَذَا لَا زَكَاةَ فِي (الْخُضَرِ) كَالْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَالْبُقُولِ كَالْبَصَلِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ - ﵂ -: جَرَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي الْخُضَرِ عَلَى عَهْدِهِ - ﵊ - وَعَهْدِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ [زَكَاةِ الْعَيْنِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا يُزَكَّى مِنْ الْحُبُوبِ وَمَا لَا يُزَكَّى شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْعَيْنِ وَبَيَانِ قَدْرِ النِّصَابِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ مِنْ الذَّهَبِ) مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَهُ (فِي أَقَلَّ مِنْ) وَزْنِ (عِشْرِينَ دِينَارًا) شَرْعِيَّةً بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ تَحْدِيدٌ. (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْعَيْنُ مِنْ الذَّهَبِ وَزْنَ (عِشْرِينَ دِينَارًا فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ) وَهُوَ (رُبْعُ الْعُشْرِ) وَوَزْنُ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَالْقِيرَاطُ ثَلَاثُ حَبَّاتٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ فَوَزْنُهُ مِنْ الْحَبَّاتِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ الْمَصْرِيَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ سِكَّةِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ فَقَدْ صَغُرَتْ عَنْ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى صَارَ النِّصَابُ مِنْهَا ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَنِصْفَ دِينَارٍ وَخَرُّوبَةً وَسُبْعَيْ خَرُّوبَةٍ كَمَا حَرَّرَهُ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَيْنُ لَا وَقَصَ فِيهَا قَالَ: (فَمَا زَادَ) عَلَى الْعِشْرِينَ دِينَارًا (فَبِحِسَابِ ذَلِكَ وَإِنْ قَلَّ الزَّائِدُ) (لَا زَكَاةَ فِي الْفِضَّةِ فِي أَقَلَّ مِنْ) وَزْنِ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) شَرْعِيَّةٍ وَوَزْنُهُ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، وَوَزْنُ الْمِائَتَيْنِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمِصْرِيَّةِ فِي زَمَانِنَا عَلَى مَا حَرَّرَهُ الْأُجْهُورِيُّ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ. (وَذَلِكَ) الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِّ النِّصَابِ وَهُوَ الْمِائَتَا دِرْهَمٍ (خَمْسُ أَوَاقٍ وَالْأُوقِيَّةُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَزْنُهَا بِالدَّرَاهِمِ الشَّرْعِيَّةِ (أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) شَرْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ ضَرْبِ الْخَمْسَةِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِائَتَانِ، وَيُقَالُ لَهَا دَرَاهِمُ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ بِهَا تُقَدَّرُ الْمَكَايِيلُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ أُوقِيَّةٍ وَرَطْلٍ وَمُدٍّ وَصَاعٍ، وَالضَّارِبُ لَهَا النَّاقِشُ عَلَيْهَا عَلَّامَةُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَلَمَّا ضَرَبَهَا جَاءَتْ عَلَى حِسَابِ خَمْسِينَ وَخُمُسَيْ حَبَّةٍ وَهِيَ وَزْنُ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ. ثُمَّ بَيَّنَ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ بِبَيَانِ صِفَتِهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ أَعْنِي أَنَّ السَّبْعَةَ دَنَانِيرَ) الشَّرْعِيَّةِ (وَزْنُهَا عَشْرَةُ دَرَاهِمَ) شَرْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّ وَزْنَ السَّبْعَةِ دَنَانِيرَ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُ حَبَّاتٍ، وَوَزْنُ الْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّك إذَا اعْتَبَرْت مَا فِي سَبْعَةِ دَنَانِيرَ وَمَا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْ الْحَبَّاتِ وَجَدَتْهُمَا عَدَدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ وَزْنَ الدِّرْهَمِ كَمَا تَقَدَّمَ خَمْسُونَ وَخُمُسَا حَبَّةٍ مِنْ الشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطِ، وَكُلُّ دِينَارٍ وَزْنُهُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً، وَإِذَا ضَرَبْت عَشْرَةً عَدَدَ الدَّرَاهِمِ فِي خَمْسِينَ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ وَتَبْقَى الْأَخْمَاسُ وَهِيَ عِشْرُونَ خُمْسًا الْحَاصِلَةُ مِنْ ضَرْبِ الْعَشَرَةِ فِي الْخُمُسَيْنِ بِضَمِّ الْخَاءِ بِأَرْبَعِ حَبَّاتٍ فَالْجُمْلَةُ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُ حَبَّاتٍ، وَإِذَا ضَرَبْت سَبْعَةً عِدَّةَ الدَّنَانِيرِ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ عَدَدَ حَبَّاتِ الدِّينَارِ
[ ١ / ٣٢٩ ]
وَيُجْمَعُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي الزَّكَاةِ فَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةُ دَنَانِيرَ فَلْيُخْرِجْ مِنْ كُلِّ مَالٍ رُبْعَ عُشْرِهِ
وَلَا زَكَاةَ فِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَخْرُجُ هَذَا الْعَدَدُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُ حَبَّاتٍ، فَاتَّفَقَتْ السَّبْعَةُ دَنَانِيرَ وَالْعَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي عِدَّةِ الْحُبُوبِ، وَحَاصِلُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الدِّرْهَمَ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الدِّينَارِ، وَالدِّينَارُ مِثْلُ الدِّرْهَمِ وَثَلَاثَةِ أَسْبَاعٍ مِثْلِهِ، فَكُلُّ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ وَزْنُهَا وَزْنُ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ، فَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: وَالْمُرَادُ بِتِلْكَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي كُلُّ عَشْرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، وَقَوْلُنَا: بَيَّنَ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ بَيَانَ نَوْعِ دَنَانِيرِ الزَّكَاةِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ لِوُجُودِ الْفَاصِلِ، وَالْأَصْلُ فِي الصِّفَةِ الِاتِّصَالُ بِالْمَوْصُوفِ فَالْمُتَعَيِّنُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلِذَلِكَ تَعَقَّبَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ أَحَالَ فِيهِ مَجْهُولًا عَلَى مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ وَزْنَ الدِّرْهَمِ لَا وَزْنَ الدِّينَارِ، وَالثَّانِي قَوْلُهُ مِنْ وَزْنِ سَبْعَةٍ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ أَحَالَ الدَّرَاهِمَ عَلَى الدَّنَانِيرِ، وَقَوْلُهُ أَعْنِي يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ الدَّنَانِيرَ يُفَسِّرُهَا بِالدَّرَاهِمِ فَهِيَ مِنْ مُشْكِلَاتِ الرِّسَالَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَغَيْرُهُ. (فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ) الَّتِي وَزْنُ كُلِّ عَشْرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ دَنَانِيرَ (مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا) وَهُوَ (خَمْسَةُ دَرَاهِمَ)؛ لِأَنَّ عُشْرَ الْمِائَتَيْنِ عِشْرُونَ وَالْخَمْسَةُ رُبْعُهَا، وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: وَلَا زَكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَيْنُ لَا وَقَصَ فِيهَا قَالَ: (فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكْثَرَ وَمُجْمَعٍ مِنْهُمَا بِالْجُزْءِ رُبْعُ الْعُشْرِ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ: وَهَذَا فِيمَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِهِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِهِ يُشْتَرَى بِهِ نَحْوُ طَعَامٍ مِمَّا يُمْكِنُ قَسْمُهُ عَلَى أَرْبَعِينَ جُزْءًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: قَدْ عَفَوْت عَنْكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ فَهَاتُوا صَدَقَةَ الْوَرِقِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ» وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْدِيدِ النِّصَابِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الدَّرَاهِمِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا عَرَفْت، وَأَمَّا بِالدَّرَاهِمِ الْمَصْرِيَّةِ فَالنِّصَابُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَمٍ وَثُمُنُ دِرْهَمٍ، وَذَلِكَ لِنَقْصِ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَصْرِيِّ خَرُّوبَةً وَعُشْرَ خَرُّوبَةٍ وَنِصْفَ عُشْرِ خَرُّوبَةٍ، وَأَمَّا مِقْدَارُ النِّصَابِ مِنْ الْفِضَّةِ الْعَدَدِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْأَنْصَافِ فَهُوَ سِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ نِصْفًا وَثُلُثَا نِصْفٍ. قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا، وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيِّنُ التَّعْوِيلُ عَلَى مَا يُسَاوِي الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيَّةٍ وَزْنًا؛ لِأَنَّ الْأَنْصَافَ لَا ضَبْطَ لَهَا لِاخْتِلَافِهَا بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، فَكُلُّ مَنْ مَلَكَ ذَلِكَ الْوَزْنَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى الْعَدَدِ، إذْ الْأَنْصَافُ الْمَقْصُوصَةُ قَدْ لَا يَعْدِلُ الْأَلْفُ مِنْهَا وَزْنَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا مِقْدَارُهُ مِنْ الْقُرُوشِ فَيَنْضَبِطُ لِانْضِبَاطِهَا بِالْوَزْنِ، وَإِلَّا اخْتَلَفَ بِاخْتِلَافِ نَوْعِهَا، فَالْكِلَابُ وَالرِّيَالُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ وَرُبْعٌ لِاتِّفَاقِهِمَا وَزْنًا، وَأَمَّا الْبَنَادِقَةُ فَالنِّصَابُ مِنْهَا عِشْرُونَ وَأَبُو طَافَّةَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ.
(٣) الثَّانِي: أَفْهَمَ قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَخْ أَنَّهَا لَوْ نَقَصَتْ عَنْ ذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُسْقِطُ لِلزَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ النَّقْصُ الَّذِي يَحُطُّهَا فِي الرَّوَاجِ عَنْ زِنَةِ الْكَامِلَةِ لَا الَّذِي تَرُوجُ مَعَهُ كَالْكَامِلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُهَا قَالَ خَلِيلٌ مُبَالِغًا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ بِرَدَاءَةِ أَصْلٍ أَوْ إضَافَةٍ وَرَاجَتْ كَكَامِلَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَرُجْ كَالْكَامِلَةِ فَإِنَّ زَكَاتَهَا تَسْقُطُ إنْ كَانَ نَقْصُهَا حِسِّيًّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعْنَوِيًّا فَيُعْتَبَرُ الْخَالِصُ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ نِصَابًا زَكَّى وَإِلَّا فَلَا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِلَّا حَسَبَ الْخَالِصِ، فَإِنْ قِيلَ: زَكَاةُ النَّاقِصَةِ الَّتِي تَرُوجُ كَالْكَامِلَةِ مُنَافٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ تَحْدِيدٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا تَقْرِيبٌ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ وَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَبْنُونَ مَشْهُورًا عَلَى ضَعِيفٍ، أَوْ أَنَّ النَّقْصَ الْيَسِيرَ الَّتِي تَرُوجُ مَعَهُ رَوَاجَ الْكَامِلَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ كَنَقْصِ الْمِكْيَالِ الْمُتَعَارَفِ. الثَّالِثُ: أَفْهَمَ اقْتِصَارُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَنَّ الْفُلُوسَ الْجُدُدَ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، قَالَ فِي الطِّرَازِ الْمَذْهَبُ لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُعُومِلَ بِهَا عَدَدًا خِلَافًا لِبَعْضِ الشُّيُوخِ. وَلَمَّا كَانَ اخْتِلَافُ قَدْرِ النِّصَابِ مِنْ الْعَيْنَيْنِ مُوهِمًا لِعَدَمِ جَوَازِ جَمِيعِ النِّصَابِ مِنْهُمَا دَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ أَنْ (يُجْمَعَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) لِنَقْصِ كُلٍّ عَنْ النِّصَابِ (فِي الزَّكَاةِ) رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ فَقَدْ مَضَتْ السُّنَّةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ضَمَّ الذَّهَبَ إلَى الْفِضَّةِ وَالْفِضَّةَ إلَى الذَّهَبِ وَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْهُمَا» . ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْجَمْعِ قَوْلَهُ: (فَمَنْ كَانَ لَهُ) مِنْ الْوَرِقِ وَزْنُ (مِائَةِ دِرْهَمٍ) مِنْ الْفِضَّةِ (وَ) لَهُ مِنْ الذَّهَبِ وَزْنُ (عَشْرَةِ دَنَانِيرَ) أَوْ عِنْدَهُ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَعِنْدَهُ دِينَارٌ يُسَاوِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا (فَلْيُخْرِجْ مِنْ كُلِّ مَالٍ رُبْعَ عُشْرِهِ) لَكِنْ بِالتَّجْزِئَةِ وَالْمُقَابَلَةِ بِأَنْ يَجْعَلَ كُلَّ دِينَارٍ فِي مُقَابَلَةِ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ دِينَارَ الزَّكَاةِ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ لَا بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَكْثَرَ وَمُجْمَعٍ مِنْهُمَا بِالْجُزْءِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَإِنْ لِطِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ.
[ ١ / ٣٣٠ ]
[زكاة عروض التجارة]
[زكاة عروض الاحتكار]
الْعُرُوضِ حَتَّى تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ
فَإِذَا بِعْتهَا بَعْد حَوْلٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ أَخَذْت ثَمَنَهَا أَوْ زَكَّيْته فَفِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةُ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ أَقَامَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ حَوْلًا أَوْ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدِيرًا لَا يَسْتَقِرُّ بِيَدِك عَيْنٌ وَلَا عَرَضٌ فَإِنَّك تُقَوِّمُ عُرُوضَك كُلَّ عَامٍ وَتُزْكِي ذَلِكَ مَعَ مَا بِيَدِك مِنْ الْعَيْنِ
وَحَوْلُ رِبْحِ الْمَالِ حَوْلُ أَصْلِهِ وَكَذَلِكَ حَوْلُ نَسْلِ الْأَنْعَامِ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ
وَمَنْ لَهُ مَالٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: فَلْيُخْرِجْ مِنْ كُلٍّ عَدَمُ جَوَازِ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إخْرَاجُ ذَهَبٍ عَنْ وَرِقٍ وَعَكْسُهُ بِصَرْفِ وَقْتِهِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْفُلُوسِ الْجُدُدِ عَنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ فَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَيُجْزِئُ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي نَوَادِرِهِ. الثَّانِي: فُهِمَ مِنْ جَعْلِ الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ مُقَابِلَةً لِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ أَنَّ صَرْفَ دِينَارِ الزَّكَاةِ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ كَدِينَارِ الْجِزْيَةِ بِخِلَافِ صَرْفِ دِينَارِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا. [زَكَاة عُرُوض التِّجَارَة] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالْعَيْنِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُرُوضِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ فِي) أَعْوَاضِ (الْعُرُوضِ) وَمِثْلُهَا الْكُتُبُ وَالْحَدِيدُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِي أَعْيَانِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْعُرُوضِ هُنَا مَا عَدَا النُّقُودِ وَمَاشِيَةُ الْأَنْعَامِ وَأُلْحِقَ بِهَا مَا فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ وَنَقَصَ عَنْ النِّصَابِ أَوْ كَمُلَ، وَأُخْرِجَتْ زَكَاةُ عَيْنِهِ كَالْحَبِّ الْمُزَكَّى حِينَ التَّصْفِيَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ زَكَاةُ عَيْنِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَإِنَّمَا قُدِّرَتْ فِي أَعْوَاضِ الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الْعُرُوضِ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَلَوْ نَوَى بِهَا الْمَالِكُ التِّجَارَةَ. (حَتَّى تَكُونَ) أَيْ تَصِيرَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ (لِلتِّجَارَةِ) بِأَنْ يَنْوِيَ حِينَ اسْتِحْدَاثِ مِلْكِهِ التِّجَارَةَ فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِزَكَاةِ عِوَضِهِ إذَا بَاعَهُ وَلَوْ صَاحَبَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ غَيَّرَهَا كَنِيَّةِ قِنْيَةٍ أَوْ غَلَّةٍ أَوْ هُمَا، وَأَمَّا لَوْ اسْتَحْدَثَ مِلْكَهُ بِنِيَّةِ الْقِنْيَةِ أَوْ الِاغْتِلَالِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ أَصْلًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلَا عَبْدِهِ» . وَاعْلَمْ أَنَّ التِّجَارَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا احْتِكَارٌ بِأَنْ يَنْتَظِرَ بِالْبَيْعِ الرِّبْحَ وَيَرْصُدَ الْأَسْوَاقَ، وَإِمَّا إدَارَةٌ يَبِيعُ وَلَوْ بِالرُّخْصِ، وَلِلْقِسْمَيْنِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ، أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ الْعَرْضَ مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ، لَا إنْ مُلِكَ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بِمُعَاوَضَةٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ. كَالْمَأْخُوذِ مِنْ خُلْعٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إذَا بَاعَهُ وَلَوْ نَوَى بِهِ حِينَ تَمَلَّكَهُ التِّجَارَةَ بَلْ ثَمَنُهُ فَائِدَةٌ يَسْتَقْبِلُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، فَلَوْ أَخَّرَ ثَمَنَهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَخَّرَ قَبْضَهُ هُرُوبًا مِنْ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نَوَى بِشِرَائِهِ التِّجَارَةَ وَلَوْ صَاحَبَ نِيَّتَهَا نِيَّةُ غَيْرِهَا كَمَا قَدَّمْنَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ عَيْنًا اشْتَرَاهُ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ أَوْ عَرْضًا مَلَكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ وَلَوْ لِلْقِنْيَةِ ثُمَّ بَاعَهُ وَاشْتَرَى بِهِ ذَلِكَ الْعَرْضَ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَبِيعَ ذَلِكَ الْعَرْضَ بِعَيْنٍ لَا أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ بَاعَهُ بِغَيْرِ عَيْنٍ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِبَيْعِهِ بِغَيْرِ الْعَيْنِ الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالْبَيْعُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَقِيقِيِّ مِنْهُ وَالْمَجَازِيِّ بِأَنْ يَسْتَهْلِكَهُ شَخْصٌ وَيَأْخُذَ التَّاجِرُ قِيمَتَهُ، لَكِنْ إنْ كَانَ التَّاجِرُ مُحْتَكِرًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيعَ بِنِصَابٍ؛ لِأَنَّ عُرُوضَ الِاحْتِكَارِ لَا تُقَوَّمُ، وَإِنْ كَانَ مُدِيرًا فَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي حَقِّهِ مُطْلَقُ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ ثَمَنُ مَا بَاعَهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْوِيمُ بَقِيَّةِ عُرُوضِهِ [زَكَاة عُرُوضِ الِاحْتِكَارِ] ، وَبَدَأَ بِحُكْمِ عُرُوضِ الِاحْتِكَارِ بِقَوْلِهِ: (فَإِذَا بِعْتهَا) أَوْ اسْتَهْلَكَهَا شَخْصٌ وَأَخَذْت قِيمَتَهَا أَيْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِكَارِ (بَعْدَ حَوْلٍ فَأَكْثَرَ) ابْتِدَاؤُهُ (مِنْ يَوْمِ أَخَذْت) أَيْ مَلَكْت (ثَمَنَهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ زَكَّيْته (أَوْ) مِنْ يَوْمِ (زَكَّيْته فَفِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةُ) حَيْثُ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا لَا إنْ كَانَ عَرْضًا، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِأَخْذِ الْعَرْضِ ثَمَنًا الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ (لِحَوْلٍ وَاحِدٍ) سَوَاءٌ (أَقَامَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ حَوْلًا أَوْ أَكْثَرَ) وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُحْتَكِرِ أَنْ يَكُونَ بَاعَ بِنِصَابٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: بِعْتهَا بَعْدَ حَوْلٍ عَمَّا لَوْ بَاعَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ. (تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا قَدَّمْت لَك مِنْ الشُّرُوطِ ظَهَرَ لَك مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْإِجْمَالِ الْحَامِلِ عَلَيْهِ الِاخْتِصَارُ. الثَّانِي: رُبَّمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ بِالْعِنَايَةِ جَوَازُ الِاحْتِكَارِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَوْ فِي الْأَطْعِمَةِ، لَكِنْ يُفِيدُ الْجَوَازَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ بِالنَّاسِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ جَمِيعَ مَا فِي السُّوقِ بِحَيْثُ لَا يَتْرُكُ لِغَيْرِهِ شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فَيُمْنَعُ، وَلَا يُمْكِنُ إلَّا مِنْ شِرَاءِ قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَثَنَّى بِالْكَلَامِ عَلَى عُرُوضِ الْإِعَارَةِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ مُدِيرًا) أَيْ حَرِيصًا عَلَى سُرْعَةِ الْبَيْعِ بِحَيْثُ (لَا يَسْتَقِرُّ) أَيْ لَا يَمْكُثُ (بِيَدِك عَيْنٌ وَلَا عَرْضٌ) بَلْ تَبِيعُ وَلَوْ بِلَا رِبْحٍ وَتَخْلُفُهُ بِغَيْرِهِ كَالْعَطَّارِينَ وَالزَّيَّاتِينَ وَنَحْوِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَرْصُدُ الْأَسْوَاقَ. (فَإِنَّك) يَا مُدِيرُ إذَا بِعْت بِنَقْدٍ وَلَوْ دِرْهَمًا (تُقَوِّمُ عُرُوضَك) قِيمَةَ عَدْلٍ تُرَاعِي فِيهَا الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ فِي (كُلِّ عَامٍ) وَالتَّقْوِيمُ عَامٌّ فِي سَائِرِ عُرُوضِهِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ طَعَامَ سَلَمٍ وَلَوْ بَارَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ بَوَارَهَا وَكَسَادَهَا لَا يَنْقُلُهَا لِلْقِنْيَةِ وَلَا لِلِاحْتِكَارِ، وَكَذَا دُيُونُهُ الَّتِي عَلَى النَّاسِ الْمُؤَجَّلَةُ الْكَائِنَةُ مِنْ بَيْعٍ كَانَتْ عُرُوضًا أَوْ نُقُودًا حَيْثُ كَانَتْ مَرْجُوَّةً، لَكِنَّ الْعَرْضَ يَوْمٌ بِعَيْنٍ وَالنَّقْدَ بِعَرْضٍ ثُمَّ بِنَقْدٍ لَا دُيُونُهُ الْغَيْرُ الْمَرْجُوَّةِ، وَلَا دَيْنُ الْقَرْضِ أَوْ دُيُونُهُ الْكَائِنَةُ مِنْ بَيْعٍ إذَا كَانَتْ مِنْ النَّقْدِ الْحَالِّ الْمَرْجُوِّ فَالْمُعْتَبَرُ عَدَدُهَا، وَأَمَّا دَيْنُ الْقَرْضِ فَلَا يُزَكَّى إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ وَلَوْ مَكَثَ أَعْوَامًا عَلَى الْمَدِينِ. (وَ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّقْوِيمِ (تُزَكِّي ذَلِكَ) الْقَدْرَ الْمَجْمُوعَ مِنْ الْقِيَمِ (مَعَ مَا بِيَدِك مِنْ الْعَيْنِ) النَّاضَّةِ عِنْدَك وَكَذَلِكَ
[ ١ / ٣٣١ ]
تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ أَوْ يَنْقُصُهُ وَعَنْ مِقْدَارِ مَالِ الزَّكَاةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُزَكَّى مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] النَّقْدُ الْحَالُّ الْمَرْجُوُّ وَالْمُعَدُّ لِلنَّمَاءِ، لَا إنْ كَانَ سَلَفًا عَلَى النَّاسِ فَلَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْحَالِّ مِنْهُ، وَلَا يُقَوَّمُ الْمُؤَجَّلُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَتَأَوَّلَتْهُ الْمُدَوَّنَةُ بِتَقْوِيمِ الْمُؤَجَّلِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْمُدِيرَ لَا يَلْزَمُهُ تَقْوِيمُ عُرُوضِهِ إلَّا إنْ بَاعَ شَيْئًا وَلَوْ بِدِرْهَمٍ حَيْثُ قَبَضَهُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ سَرِيعًا بَعْدَ قَبْضِهِ، لَا إنْ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا أَوْ بَاعَ عُرُوضَهُ بِعُرُوضٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالْبَيْعِ بِالْعُرُوضِ الْهُرُوبَ مِنْ الزَّكَاةِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كُلَّ عَامِ لَمْ يُبَيِّنْ أَوَّلَ الْعَامِ إحَالَةً عَلَى الْمُحْتَكِرِ مِنْ أَنَّهُ يُزَكِّي مِنْ يَوْمِ تَزْكِيَةِ الْأَصْلِ أَوْ مِلْكِهِ.
(٢) الثَّالِثُ: لَوْ بَاعَ الْعُرُوضَ بَعْدَ التَّقْوِيمِ فَزَادَ ثَمَنَهَا عَلَى قِيمَتِهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ زِيَادَتُهُ مُلْغَاةٌ بِخِلَافِ حُلِيِّ التَّجْرِ، كَمَا أَنَّهَا لَوْ بِيعَتْ بِبَخْسٍ فَلَا تُسْتَرَدُّ الزِّيَادَةُ مِنْ الْفَقِيرِ.
(٣) الرَّابِعُ: لَوْ كَانَ الْمُدِيرُ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَبَاعَ بِعَيْنٍ فَهَلْ يُقَوِّمُ عُرُوضَهُ لِحَوْلٍ مِنْ يَوْمِ إسْلَامِهِ أَوْ يَسْتَقْبِلُ بِثَمَنِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ؟ قَوْلَانِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُحْتَكِرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ بِالثَّمَنِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ قَوْلًا وَاحِدًا كَالْفَائِدَةِ ، وَأَمَّا الْعَيْنُ لَا تُزَكَّى كَغَيْرِهَا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ عَامٍ، وَكَانَ حَوْلُ الرِّبْحِ وَالنِّتَاجِ حَوْلَ أَصْلِهِ قَالَ: (وَحَوْلُ رِبْحِ الْمَالِ حَوْلُ أَصْلِهِ) فَيُضَمُّ لِأَصْلِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمُّ الرِّبْحِ لِأَصْلِهِ كَغَلَّةِ مُكْتَرٍ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ رِبْحَ دَيْنٍ لَا عِوَضَ لَهُ عِنْدَهُ، فَإِذَا اسْتَلَفَ قَدْرًا وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً ثُمَّ بَاعَهَا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَا تَسَلَّفَهُ عِشْرِينَ دِينَارًا مَثَلًا بَعْد حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ السَّلَفِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِقَدْرٍ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ حَوْلٍ بِثَمَنٍ زَائِدٍ عَلَى ثَمَنِهَا نِصَابًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَفَائِدَةُ بِنَاءِ حَوْلِهِ عَلَى حَوْلِ أَصْلِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ نِصَابٍ وَكَمُلَ بِهِ النِّصَابُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ كَامِنٌ فِي أَصْلِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ رِبْحِ الْفَوَائِدِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ بِهِ كَمَا يَسْتَقْبِلُ بِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةِ أَوْ غَيْرِ مُزَكًّى كَثَمَنِ مُقْتَنًى، وَحَقِيقَةُ رِبْحِ الْمَالِ الَّذِي حَوْلُهُ حَوْلُ أَصْلِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ زَائِدُ ثَمَنٍ مُبِيحٍ تَجُرُّ عَلَى ثَمَنِهِ الْأَوَّلِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. (تَنْبِيهٌ): لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - حَوْلَ أَصْلِهِ وَفِيهِ تَفْصِيلٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا تَسَلَّفَهَا، أَوْ عَرْضَا تَسَلَّفَهُ، أَوْ عَرَضًا اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ عَرَضًا اشْتَرَاهُ لِلْقِنْيَةِ، وَبَدَا لَهُ التَّجْرُ فِيهِ، فَالْحَوْلُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ يَوْمِ الْقَرْضِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ يَوْمِ التَّجْرِ، وَفِي الثَّالِثِ مِنْ يَوْمِ الشِّرَاءِ. وَفِي الرَّابِعِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ رِبْحِ الْمَالِ (حَوْلُ نَسْلِ الْأَنْعَامِ) هُوَ (حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ) وَلَوْ كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثٌ مِنْ الْإِبِلِ فَوَلَدَتْ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ مِنْ الضَّأْنِ فَوَلَدَتْ تَمَامَ النِّصَابِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ بَعْدَ تَمَامِ حَوْلِ الْأُمَّهَاتِ، لِأَنَّ نَسْلَ الْحَيَوَانِ كَرِبْحِ الْمَالِ يُضَمُّ لِأَصْلِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ النَّسْلُ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمَّهَاتِ فَلَوْ نَتَجَتْ الْإِبِلُ غَنَمًا أَوْ الْبَقَرُ إبِلًا نِصَابًا لَكَانَ حَوْلُ النَّسْلِ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ، لَكِنْ يُرَاعَى النِّصَابُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَكْمِيلِ النِّصَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النَّسْلُ مِنْ نَوْعِ الْأَصْلِ، فَلَا تُضَمُّ الْإِبِلُ لِلْبَقَرِ وَلَا عَكْسُهُ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ. (خَاتِمَةٌ) لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ اسْتَفَادَ شَيْئًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَفَادَهُ عَيْنًا بِأَنْ وَرِثَ نَقْدًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ بَاعَ دَارًا أَوْ ثَوْبًا أَوْ قَبَضَ أُجْرَةً فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْقَبْضِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةٍ أَوْ ثَمَنِ غَيْرِ مُزَكًّى، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَا اسْتَفَادَهُ مَاشِيَةً فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نَوْعِهَا نِصَابٌ ضَمَّهَا إلَيْهِ وَزَكَّاهَا لِحَوْلِ الْأَصْلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَضُمَّتْ الْفَائِدَةُ لَهُ وَإِنْ قَبْلَ حَوْلِهِ بِيَوْمٍ لَا لِأَقَلَّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَائِدَةِ الْعَيْنِ وَفَائِدَةِ الْمَاشِيَةِ أَنَّ زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ مَوْكُولَةٌ لِلسَّاعِي فَلَوْ لَمْ تُضَمَّ لَخَرَجَ السَّاعِي فِي كُلِّ زَمَنٍ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا مَوْكُولَةٌ لِأَرْبَابِهَا . وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعَيْنِ عَدَمُ الدَّيْنِ قَالَ: (وَمَنْ لَهُ مَالٌ) أَيْ مِنْ الْعَيْنِ (تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) لِكَوْنِهِ نِصَابًا (وَ) لَكِنْ (عَلَيْهِ دَيْنُ مِثْلِهِ) أَيْ قَدْرُهُ كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ (أَوْ) أَقَلُّ مِنْهُ لَكِنْ (يُنْقِصُهُ عَنْ مِقْدَارِ مَالِ الزَّكَاةِ) أَيْ عَنْ النِّصَابِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ (فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) لِخَبَرِ: «إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ» وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ: هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ فَإِنْ فَضَلَ لَهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلْيُزْكِهِ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. (تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّيْنِ شُمُولُهُ لِدَيْنِ الزَّكَاةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِذَا تَجَمَّدَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ مَا يُعَادِلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ النِّصَابَ أَوْ يُنْقِصَهُ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَشُمُولُهُ لِلْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ، وَلَوْ مَهْرَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّلَ لِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ لَا دَيْنَ كَفَّارَةٍ أَوْ هَدْيٍ أَوْ نَذْرٍ فَلَا يُسْقِطُ زَكَاةَ مَا عِنْدَهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَتُؤْخَذُ وَلَوْ كَرْهًا، بِخِلَافِ نَحْوِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ. وَلَمَّا كَانَ إسْقَاطُ
[ ١ / ٣٣٢ ]
عُرُوضٍ مُقْتَنَاةٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُقْتَنَاةٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ رَيْعٍ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ فَلْيُزَكِّ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ تَفِ عُرُوضُهُ بِدَيْنِهِ حَسَبَ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ فِيمَا بِيَدِهِ فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ
وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنُ زَكَاةَ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ
وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي دَيْنٍ حَتَّى يَقْبِضَهُ وَإِنْ أَقَامَ أَعْوَامًا فَإِنَّمَا يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهِ وَكَذَلِكَ الْعَرْضُ حَتَّى يَبِيعَهُ وَإِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الدَّيْنِ الزَّكَاةِ مِنْ الْعَيْنِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ مِنْ الْعُرُوضِ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ) أَيْ مَنْ لَهُ مَالُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْرُهُ وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ (مِمَّا لَا يُزَكَّى) وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (مِنْ عُرُوضٍ مُقْتَنَاةٍ) كَثِيَابٍ (أَوْ رَقِيقٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُقْتَنًى أَوْ عَقَارٍ أَوْ رُبْعِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ) أَوْ مُعَشَّرٍ وَإِنْ زُكِّيَ أَوْ مَعْدِنٍ أَوْ قِيمَةِ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ (فَلْيُزَكِّ مَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ) وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الدَّيْنِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ حَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَا يُجْعَلُ فِي الدَّيْنِ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُزَكَّى إلَخْ الظَّرْفُ خَبَرُ يَكُونَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْمِ وَمَا فِيهِ وَفَاءٌ اسْمُهَا مُؤَخَّرٌ، وَقَوْلُهُ مِمَّا لَا يُزَكَّى رُتْبَتُهُ التَّأْخِيرُ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَا الْوَاقِعَةِ اسْمًا، فَفِي كَلَامِهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا فِيهِ وَفَاءٌ مِمَّا لَا يُزَكَّى مِنْ عَرَضٍ إلَخْ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ تَفِ عُرُوضُهُ) الَّتِي عِنْدَهُ (بِدَيْنِهِ) بِأَنْ زَادَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ عَلَى قِيمَةِ الْعُرُوضِ الَّتِي عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْعُرُوضَ فِي مُقَابَلَةِ بَعْضِهِ (حَسَبَ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ) مِمَّا خَرَجَ عَنْ قِيمَةِ الْعَرَضِ (فِيمَا بِيَدِهِ) مِنْ الْمَالِ (فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ) الْمَحْسُوبُ فِي الدَّيْنِ (مَا فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ) مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَعِنْدَهُ مِنْ الْعُرُوضِ الَّتِي تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مَا يُوفِي عَشْرَةً تَبْقَى عَشْرَةُ مِنْ الدَّيْنِ بِحَسَبِهَا وَيَأْخُذُهَا مِنْ الثَّلَاثِينَ الَّتِي عِنْدَهُ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَبْقَى بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ عِشْرُونَ فَيُزَكِّيهَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ إذَا لَمْ يَبْقَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ وَعَلَيْهِ عِشْرُونَ دِينَارًا وَعِنْدَهُ مِنْ الْعُرُوضِ مَا يَفِي بِعَشْرَةٍ يَبْقَى مِنْ الدَّيْنِ عَشْرَةٌ يُعْطِيهَا مِنْ الْعِشْرِينَ الَّتِي عِنْدَهُ يَفْضُلُ لَهُ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ عَشْرَةٌ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا يُسْقِطُ زَكَاةَ الْعَيْنِ فَقَطْ ذَكَرَ مُحْتَرِزَهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُسْقِطُ الدَّيْنَ زَكَاةُ حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ وَلَا مَاشِيَةٍ) وَلَا مَعْدِنٍ وَلَا رِكَازٍ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْ زَرْعِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أَوْ وَجَدَ فِي مَاشِيَتِهِ نِصَابًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَيُوَفِّي دَيْنَهُ مِنْ الْبَاقِي. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا تَسْقُطُ زَكَاةُ حَرْثٍ وَلَا مَاشِيَةٍ وَمَعْدِنٍ بِدَيْنٍ أَوْ فَقْدٍ أَوْ أَسْرٍ وَظَاهِرُهُ كَالْمُصَنِّفِ، وَلَوْ اسْتَدَانَ الدَّيْنَ لِإِحْيَاءِ الزَّرْعِ أَوْ الْمَاشِيَةِ أَوْ اسْتَعَانَ بِهِ عَلَى إخْرَاجِ الْمَعْدِنِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ لَمْ يُقَيِّدْهُ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَبَيْنَ الْعَيْنِ أَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ ظَاهِرَةٌ وَزَكَاتُهَا مَوْكُولَةٌ إلَى السَّاعِي يَأْخُذُهَا قَهْرًا، بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّ زَكَاتَهَا مَوْكُولَةٌ إلَى أَمَانَةِ أَرْبَابِهَا لِخَفَائِهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي أَنَّ عَلَيْهِمْ دَيْنًا كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي إخْرَاجِهَا، وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِمَا فَرَّقَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِإِسْقَاطِ الدَّيْنِ لِزَكَاةِ الْعَيْنِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَبْعَثُونَ الْخُرَّاصَ وَالسُّعَاةَ وَلَا يُنْقِصُونَ شَيْئًا لِأَجْلِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَا مِنْ مَاشِيَةٍ وَكَانُوا يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ الدَّيْنِ فِي الْعَيْنِ» .
(٢) . (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ الْخِلَافُ فِي إسْقَاطِ الدَّيْنِ لِصَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عَدَمُ إسْقَاطِهَا بِالدَّيْنِ لِوُجُوبِ تَسَلُّفِ الصَّاعِ عَنْهُ فِي الْحَالِّ لِلْقَادِرِ عَلَى وَفَائِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ خَلِيلٌ . وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمَدِينَ إذَا نَصَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ وَمَا لَهُ مِنْ الدَّيْنِ الْمَرْجُوِّ كُلَّ عَامٍ، بِخِلَافِ الْمُحْتَكِرِ إنَّمَا يُزَكِّي إذَا بَاعَ بِنِصَابٍ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ دَيْنِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُحْتَكِرِ وَمِثْلُهُ الْمُقْرِضُ (فِي دَيْنٍ) لَهُ عَلَى آخَرَ مَا دَامَ عَلَى الْمَدِينِ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنَ سِلْعَةٍ بَاعَهَا الْمُحْتَكِرُ أَوْ عَيْنًا أَقْرَضَهَا لَهُ. (حَتَّى يَقْبِضَهُ) عَيْنًا وَبَالَغَ عَلَى عَدَمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَقَامَ أَعْوَامًا) فَإِنْ قَبَضَهُ عَيْنًا (فَإِنَّمَا يُزَكِّيهِ لِعَامٍ وَاحِدٍ) مِنْ يَوْمِ مَلَكَ أَوْ زَكَّى الْأَصْلَ (بَعْد قَبْضِهِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يُزَكَّى دَيْنٌ إنْ كَانَ أَصْلُهُ عَيْنًا بِيَدِهِ أَوْ عَرْضَ تِجَارَةٍ وَقُبِضَ عَيْنًا وَلَوْ بِهِبَةٍ أَوْ إحَالَةً لِسَنَةٍ مِنْ أَصْلِهِ، فَأَفَادَ أَنَّهُ إنَّمَا يُزَكَّى بِشُرُوطٍ: مِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُ هَذَا الدَّيْنِ عَيْنًا بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ وَكِيلِهِ أَوْ عَرْضًا مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَأَقْرَضَ الْعَيْنَ أَوْ بَاعَ الْعَرْضَ، لَا إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ إرْثٍ أَوْ كَانَ الْعَرْضُ الَّذِي بَاعَهُ عَرْضَ قِنْيَةٍ فَلَا زَكَاةَ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْبَالِ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِ الْمَالِ الْمُورَثِ أَوْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْقِنْيَةِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَقْبِضَ الدَّيْنَ حَقِيقَةً وَهُوَ وَاضِحٌ، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ وَهَبَهُ الْمُحْتَكِرُ لِغَيْرِ الْمَدِينِ وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمُحْتَكِرُ يُزَكِّيهِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ أَرَادَ أَنَّ الزَّكَاةَ مِنْهُ وَأَوْلَى لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ الْوَاهِبُ، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَهُ لِلْمَدِينِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْوَاهِبِ وَمِنْ الْقَبْضِ الْحُكْمِيِّ الْإِحَالَةُ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُحْتَكِرِ مِائَةُ دِينَارٍ عَلَى شَخْصٍ وَمَضَى لَهَا حَوْلٌ فَأَكْثَرُ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ حَالَ حَوْلُهَا فَأَحَالَ بِاَلَّتِي عَلَيْهِ عَلَى الَّتِي لَهُ، فَعَلَى الْمُحْتَكِرِ الْمُحِيلِ زَكَاةُ الْمِائَةِ الَّتِي لَهُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، لِأَنَّ قَبُولَ الْمُحَالِ لِلْحَوَالَةِ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُحِيلِ، وَهَذَا
[ ١ / ٣٣٣ ]
كَانَ الدَّيْنُ أَوْ الْعَرْضُ مِنْ مِيرَاثٍ فَلْيَسْتَقْبِلْ حَوْلًا بِمَا يَقْبِضُ مِنْهُ
وَعَلَى الْأَصَاغِرِ الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ
وَلَا زَكَاةَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَإِذَا أُعْتِقَ فَلْيَأْتَنِفْ حَوْلًا مِنْ يَوْمئِذٍ بِمَا يَمْلِكُ مِنْ مَالِهِ
وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي عَبْدِهِ وَخَادِمِهِ وَفَرَسِهِ وَدَارِهِ وَلَا مَا يُتَّخَذُ لِلْقِنْيَةِ مِنْ الرِّبَاعِ وَالْعُرُوضِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِخِلَافِ الْمَالِ الْمَوْهُوبِ لَا يُزَكِّيهِ الْوَاهِبُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ يُزَكِّيهِ ثَلَاثَةٌ فِي عَامٍ وَاحِدٍ: الْمُحِيلُ وَالْمُحَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْمُحِيلَ يُزَكِّيهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ حَيْثُ كَانَ عِنْدَهُ مَا يَجْعَلُهُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَالْمُحَالُ يُزَكِّيهِ مِنْهُ، وَمَفْهُومُ هَذَا الشَّرْطِ لَا زَكَاةَ وَلَوْ أَخَّرَ الْمُحْتَكِرُ قَبْضَهُ هُرُوبًا مِنْ الزَّكَاةِ وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَقْبِضَ عَيْنًا إنْ قَبَضَ عَرْضًا بَدَلَهُ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ بَيْعِهِ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مِنْ الدَّيْنِ نِصَابًا أَوْ يَكُونُ عِنْدَهُ مَا يُكْمِلُ النِّصَابَ وَلَوْ فَائِدَةً جَمَعَهَا مَعَ الْمَقْبُوضِ مِلْكًا وَحَوْلًا، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ مِنْ يَوْمِ مَلَكَ أَوْ زَكَّى أَصْلَهُ وَلَوْ تَلِفَ الْمَقْبُوضُ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا أَوْ هُمَا حَيْثُ حَصَلَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْإِخْرَاجِ لَا إنْ تَلِفَ النِّصَابُ أَوْ بَعْضُهُ سَرِيعًا. (تَنْبِيهٌ): حَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى دَيْنِ الْقَرْضِ وَدَيْنِ الْمُحْتَكِرِ لِقَوْلِهِ: حَتَّى يَقْبِضَهُ؛ لِأَنَّ الْمُدِيرَ يُزَكِّي كُلَّ عَامٍ حَيْثُ نَضَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَلَوْ الدَّيْنَ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، إمَّا عَدَدُهُ إنْ كَانَ نَقْدًا حَالًّا مَرْجُوًّا، وَإِمَّا قِيمَتُهُ إنْ كَانَ عَرْضًا أَوْ نَقْدًا مُؤَجَّلًا مَرْجُوًّا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ إرْثٍ وَنَحْوِهِ فَسَيَأْتِي. ثُمَّ شَبَّهَ فِي دَيْنِ الْمُحْتَكِرِ قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ الْعَرْضُ) الَّذِي بِيَدِهِ لِلِاحْتِكَارِ لَا يُزَكِّيهِ (حَتَّى يَبِيعَهُ) بِعَيْنٍ وَيَكُونُ نِصَابًا فَيُزَكِّيهِ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: فَإِذَا بِعْتهَا بَعْدَ حَوْلٍ فَأَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ أَخَذْت ثَمَنَهَا أَوْ زَكَّيْته، فَفِي ثَمَنِهَا الزَّكَاةُ لِحَوْلٍ وَاحِدٍ قَامَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ حَوْلًا أَوْ أَكْثَرَ، فَتَلَخَّصَ مِنْ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَنَّ الْمُدِيرَ يُزَكِّي كُلَّ سَنَةٍ إذَا نَضَّ لَهُ شَيْءٌ مَا مِنْ الْمَالِ وَيُقَوِّمُ عُرُوضَهُ، وَالْمُحْتَكِرُ لَا يُزَكِّي إلَّا إذَا بَاعَ بِنِصَابٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الدَّيْنِ النَّاشِئِ عَنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ فَقَالَ: (وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَوْ الْعَرْضُ) حَاصِلًا (مِنْ إرْثٍ) أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ أَرْشِ جِنَايَةٍ أَوْ مَهْرٍ أَوْ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ خَطَأٍ أَوْ عَمْدٍ أَوْ عَمَلِ يَدٍ (فَلْيَسْتَقْبِلْ) الْمَالِكُ (حَوْلًا بِمَا يَقْبِضُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَهُ لِأَنَّهُ فَائِدَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَقْبَلَ بِفَائِدَةٍ تَجَدَّدَتْ لَا عَنْ مَالٍ كَعَطِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُزَكًّى كَثَمَنِ مُقْتَنًى، وَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ فِي تَعْرِيفِهَا مَا مُلِكَ لَا عَنْ عِوَضٍ مُلِكَ لِتَجْرٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ حَوْلًا كَامِلًا بِثَمَنِ مَا ذَكَرَ بَعْدَ قَبْضِهِ عَيْنًا، وَلَوْ فَرَّ بِتَأْخِيرِ الْقَبْضِ أَعْوَامًا قَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ شَامِلَةً، وَإِنْ وَرِثَ عَيْنًا اسْتَقْبَلَ بِهَا حَوْلًا كَامِلًا مِنْ قَبْضِهِ أَوْ قَبْضِ رَسُولِهِ، وَلَوْ أَقَامَ أَعْوَامًا أَوْ عَلِمَ بِهِ أَوْ وَقَفَ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْجَارِي عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا فِي خَلِيلٍ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَا يَتَحَصَّلُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ يَسْتَقْبِلُ بِهِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ مَا يَقْبِضُهُ مِنْ وَظَائِفِهِ أَوْ جَرَامِكَةٍ لِصِدْقِ حَدِّ الْفَائِدَةِ عَلَيْهِ. وَلَمَّا كَانَ الْخِطَابُ بِالزَّكَاةِ وَضْعِيًّا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَكْلِيفُ الْمَالِكِ قَالَ: (وَعَلَى الْأَصَاغِرِ) وَهُمْ غَيْرُ الْبَالِغِينَ وَمِثْلُهُمْ الْمَجَانِينُ (الزَّكَاةُ فِي أَمْوَالِهِمْ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ) لَكِنْ اتِّفَاقًا فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ لِنُمُوِّهِمَا بِنَفْسِهِمَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْعَيْنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ فِي الْعَيْنِ: وَإِنْ لِطِفْلٍ أَوْ مَجْنُونٍ دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ظَاهِرُهَا الْعُمُومُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِئَلَّا تَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ الْوَلِيُّ فَالْمُعْتَبَرُ مَذْهَبُهُ، فَإِذَا كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى الْوُجُوبَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ أَوْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى الْوُجُوبَ فَلَا حَاجَةَ إلَى رَفْعٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَرَى سُقُوطَ الزَّكَاةِ عَنْ مَالِ الصَّغِيرِ فَلَا يُخْرِجُ حَتَّى يَرْفَعَ لِمَنْ يَرَى الْوُجُوبَ، كَمَا لَوْ جَهِلَ فَيَنْبَغِي الرَّفْعُ إلَيْهِ لَعَلَّهُ مِمَّنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ عَلَى الْأَصَاغِرِ فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ إخْرَاجِهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ بِخَمْرٍ يَجِدُهَا فِي التَّرِكَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرَى تَحْلِيلَهَا لِإِرَاقَتِهَا فَيَضْمَنُهَا إنْ أَرَاقَهَا. (وَ) عَلَى الْأَصَاغِرِ أَيْضًا (زَكَاةُ الْفِطْرِ) لَكِنَّ الْمُطَالَبَ بِالْإِخْرَاجِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَلَمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ الْحُرِّيَّةُ قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَى عَبْدٍ) لَا شَائِبَةَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ (وَلَا عَمَّنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَا فِيمَا يُرَبِّيهِ لِلتِّجَارَةِ بِلَا خِلَافٍ لِعَدَمِ تَمَامِ مِلْكِهِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى سَيِّدِهِ أَيْضًا فِيمَا بِيَدِهِ وَلَوْ انْتَزَعَهُ مِنْهُ اسْتَقْبَلَ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْعَبْدِ فِي مَالِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] وَخَبَرُ لَا النَّافِيَةِ مُتَعَلِّقٌ (فِي ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمِ (كُلِّهِ) مِنْ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ أَوْ عَيْنٍ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الْإِشَارَةِ زَكَاةُ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِزَكَاةِ الْأَمْوَالِ. (فَإِذَا أُعْتِقَ) الْعَبْدُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ سَيِّدُهُ أَخْذَ مَالِهِ (فَلْيَأْتَنِفْ حَوْلًا مِنْ يَوْمئِذٍ) أَيْ مِنْ يَوْمِ نَجَزَ عِتْقُهُ (بِمَا يَمْلِكُ) فِي الْحَالِ (مِنْ مَالِهِ) الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ كَمَالِ مِلْكِهِ،
[ ١ / ٣٣٤ ]
[زكاة المعادن]
وَلَا فِيمَا يُتَّخَذُ لِلِّبَاسِ مِنْ الْحُلِيِّ
وَمَنْ وَرِثَ عَرْضًا أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ رُفِعَ مِنْ أَرْضِهِ زَرْعًا فَزَكَّاهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُبَاعَ وَيَسْتَقْبِلَ بِهِ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُ ثَمَنَهُ
وَفِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ الزَّكَاةُ إذَا بَلَغَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يُمَلِّكَ يُعَدُّ مَالِكًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي تَزْكِيَتِهِ مُرُورُ الْحَوْلِ كَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ، وَأَمَّا الثِّمَارُ وَالْحُبُوبُ فَيُنْظَرُ إنْ عَتَقَ قَبْلَ الطِّيبِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ الطِّيبِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا: وَلَمْ يُشْتَرَطْ إلَخْ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَكُونُ لَهُ فِي الْعِتْقِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ السَّيِّدُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَبْقَى لِسَيِّدِهِ بَعْدَ بَيْعِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُشْتَرِي. (تَنْبِيهٌ): قَدْ عَلِمْت مِنْ قَوْلِنَا فِي الْحَالِّ دَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ يَمْلِكُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ الْعِتْقِ دُونَ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ فِي يَدِهِ حِينَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَأْتِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَأَيْضًا قَرِينَةُ الْحَالِ تُعَيِّنُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَالِ الْكَائِنِ بِيَدِهِ زَمَنَ الرِّقِّيَّةِ، فَنَسَخَهُ مَلَكَ بِلَفْظِ الْمَاضِي . وَلَمَّا كَانَتْ الْمَاشِيَةُ الَّتِي فِي عَيْنِهَا الزَّكَاةُ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ خَاصَّةً قَالَ: (وَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ فِي عَبْدِهِ) الذَّكَرِ (وَخَادِمِهِ) الْأُنْثَى وَلَوْ قَالَ فِي رَقِيقِهِ لَشَمَلَهَا (وَ) لَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ أَيْضًا فِي (فَرَسِهِ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: «إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ» . (وَ) لَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ أَيْضًا فِي (دَارِهِ وَلَا فِيمَا يُتَّخَذُ لِلْقِنْيَةِ مِنْ الرِّبَاعِ وَالْعُرُوضِ الْمُقْتَنَاةِ) يَنْبَغِي رُجُوعُ الْمُقْتَنَاةِ لِكُلِّ مَا تَقَدَّمَ سِوَى الرِّبَاعِ، وَأَمَّا الْمُتَّخَذُ لِلتِّجَارَةِ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ فَالزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَنْوِيعِ التِّجَارَةِ إلَى إدَارَةٍ وَاحْتِكَارٍ وَالْمَنْفِيِّ زَكَاةُ عَيْنِهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّكْرَارِ. (وَلَا) زَكَاةَ أَيْضًا عَلَى أَحَدٍ (فِيمَا يُتَّخَذُ لِلِّبَاسِ مِنْ الْحُلِيِّ) الْمُبَاحِ سَوَاءٌ كَانَ مُقْتَنًى أَوْ مُتَّخَذًا لِلْكِرَاءِ كَانَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَسَوَاءً كَانَ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ أَوْ تَكَسَّرَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَدَمَ إصْلَاحِهِ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ كَمَا لَوْ تَهَشَّمَ وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُبَاحِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحَرَّمِ الِاسْتِعْمَالِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَ مُرَصَّعًا عَلَى جَوْهَرٍ فَيُزَكَّى زِنَتُهُ إنْ أَمْكَنَ نَزْعُهُ بِغَيْرِ فَسَادٍ وَإِلَّا تَحَرَّى، وَالْمُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ غَيْرُ الْمَلْبُوسِ كَالْمِرْوَدِ وَالْمُكْحُلَةِ وَآلَةِ نَحْوِ الْأَكْلِ، وَعَلَى الرَّجُلِ خَاتَمُ الذَّهَبِ أَوْ الْخِنْجَرُ أَوْ الرِّكَابُ وَلَوْ كَانَ الْمُحَرَّمُ مُعَدًّا لِلْعَاقِبَةِ لِيُجْعَلَ صَدَاقًا أَوْ مَنْوِيًّا بِهِ التِّجَارَةُ، فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ مِنْ الْحُلِيِّ مَا تَجْعَلُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ الْقُرُوشِ أَوْ الْفِضَّةِ الْعَدَدِيَّةِ أَوْ الذَّهَبِ الْمَسْكُوكِ فَإِنَّ عَلَيْهَا فِيهِ الزَّكَاةَ، بِخِلَافِ مَا صَاغَتْهُ لِتُلَبِّسَهُ لِبِنْتِهَا إذَا كَبُرَتْ أَوْ وَجَدَتْ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ يَشْتَرِي أَوْ يَصُوغُ حُلِيًّا لِمَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ أَوْ الْإِمَاءِ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ. (تَنْبِيهٌ): حُلِيٌّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى وَزْنِ ثَدْيٍ فَيَكُونُ مُفْرَدًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ فَيَكُونُ جَمْعًا، وَقَدْ تُكْسَرُ الْحَاءُ فِي الْجَمْعِ مِثْلَ عِصِيٍّ، وَقُرِئَ بِذَلِكَ ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ. (وَمَنْ وَرِثَ عَرْضًا أَوْ وُهِبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ الْعَرْضِ وَالضَّمِيرُ فِي (لَهُ): عَائِدٌ عَلَى مَنْ (أَوْ رَفَعَ): بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ حَصَدَ (مِنْ أَرْضِهِ زَرْعًا فَزَكَّاهُ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ): الْمَذْكُورِ مِنْ عَرْضٍ أَوْ زَرْعٍ فَمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ الزَّمَانِ وَلَوْ مَضَى أَعْوَامٌ. (حَتَّى يُبَاعَ): ذَلِكَ الْمَذْكُورُ بِعَيْنِ نِصَابٍ. (وَيُسْتَقْبَلُ بِهِ): أَيْ بِالثَّمَنِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْبَيْعِ (حَوْلًا مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُ): الْمَالِكُ (ثَمَنَهُ)؛ لِأَنَّ ثَمَنَ مَا ذُكِرَ كَالْفَائِدَةِ يَسْتَقْبِلُ بِهِ كَمَا مَرَّ، لَا إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ وَلَوْ هَارِبًا أَوْ بَاعَ بِعُرُوضٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ): هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ لَمْ يَحْتَرِزْ الْمُصَنِّفُ بِهَا عَنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِزَكَاةِ عَيْنِ الْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ ثَمَنَهَا بَعْدَ بَيْعِهَا فَائِدَةٌ يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ زَرْعِهِ فَالتَّقْيِيدُ بِهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ مَا اشْتَرَاهُ لِيَأْكُلَهُ أَوْ وَجَدَهُ نَابِتًا فِي الْجَبَلِ كَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِي عَيْنِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْحَبَّ الَّذِي يُزَكَّى مَا زَرَعَهُ الْإِنْسَانُ لَا مَا وَجَدَهُ نَابِتًا فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَإِنَّ هَذَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهِ مَرَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: زَكَاةُ عَيْنِهِ إنْ كَانَ نِصَابًا، وَالثَّانِيَةُ: ثَمَنُهُ إذَا بَاعَ بِنِصَابٍ بَعْدَ الْحَوْلِ إنْ كَانَ مُحْتَكِرًا، أَوْ يُقَوِّمُهُ كُلَّ سَنَةٍ إنْ كَانَ مُدِيرًا وَنَضَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ اكْتَرَى وَزَرَعَ لِلتِّجَارَةِ زَكَّى ثُمَّ زَكَّى الثَّمَنَ لِحَوْلِ التَّزْكِيَةِ [زَكَاة الْمَعَادِن] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْدِنِ فَقَالَ: (وَفِيمَا يُخْرَجُ): بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالنَّائِبُ ضَمِيرُ الْمُسْتَتِرِ فِي يُخْرَجُ عَائِدٌ عَلَى مَا (مِنْ الْمَعْدِنِ): بِكَسْرِ الدَّالِ مِنْ عَدَنَ بِفَتْحِ الدَّالِ فِي الْمَاضِي يَعْدِنُ بِكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ إذَا أَقَامَ بِهِ. قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَالْقِيَاسُ إنْ كَانَ اسْمَ مَكَانِ الْفَتْحِ كَمَذْهَبٍ وَمَقْعَدٍ. ثُمَّ بَيَّنَ الْمُخْرَجَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (مَنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ): وَقَوْلُهُ: (الزَّكَاةُ): بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: فِيمَا يَخْرُجُ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ مَعْدِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخَبَرَ لِلْحَصْرِ أَيْ لَا يُزَكَّى مِنْ الْمَعَادِنِ إلَّا مَعْدِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، كَقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنَّمَا يُزَكَّى مَعْدِنُ عَيْنٍ لَا مَعْدِنُ نُحَاسٍ
[ ١ / ٣٣٥ ]