. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يُكَبِّرُ فِي الْخُطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُبَدِّلُ التَّكْبِيرَ الْمَطْلُوبَ فِي خُطْبَةِ الْعِيدِ فِيهَا بِالِاسْتِغْفَارِ كَمَا قَدَّمْنَا (وَلَا أَذَانَ فِيهَا وَلَا إقَامَةَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ.
(٢) (خَاتِمَةٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا لَوْ اسْتَجَابَ اللَّهُ الدُّعَاءَ وَأَنْزَلَ الْغَيْثَ وَتَوَقَّعْنَا مِنْهُ الضَّرَرَ لِكَثْرَتِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي بِرَفْعِهِ وَإِنَّمَا يَدَّعِي بِرَفْعِ ضَرَرِهِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي الدُّعَاءِ لِرَفْعِ ضَرَرِهِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى مَنَابِتِ الشَّجَرِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَطَهُورِ الْآكَامِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ»؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ حَوَالَيْنَا وَلَا تُنْزِلْهُ عَلَيْنَا، وَالْآكَامُ جَمْعُ أَكَمَةٍ وَهِيَ التَّلُّ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْآجَامُ مِثْلُهَا وَالْأَجَمَةُ مِنْ الْقَصَبِ، وَالظِّرَابُ بِكَسْرِ الظَّاءِ هِيَ الْبَوَادِي الْكِبَارُ وَالْجِبَالُ الصِّغَارُ، وَلَا يَقُولُ ارْفَعْهُ عَنَّا؛ لِأَنَّهُ رَحْمَةٌ فِي الْجُمْلَةِ وَنِعْمَةٌ لَا يُطْلَبُ رَفْعُهَا، وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ بِرَفْعِ الطَّاعُونِ. قَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: شَيْخُ شَيْخِ بَعْضِ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَأَفْتَى عُلَمَاءُ عَصْرِهِ بِأَنَّهُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ لَا يُسْأَلُ رَفْعُهَا إلَّا الْبَكْرِيَّ، لَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ سَيِّدِي أَحْمَدَ زَرُّوقٍ وَالْقَلْشَانِيَّ اسْتَعْمَلَا أَدْعِيَةً لِلْحِفْظِ مِنْهُ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْحَوَازَةِ، دَعَوَاتُ سَيِّدِي، أَحْمَدَ زَرُّوقٍ: تَحَصَّنْت بِذِي الْعِزَّةِ وَالْجَبَرُوتِ، وَاعْتَصَمْت بِرَبِّ الْمَلَكُوتِ، وَتَوَكَّلْت عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، اصْرِفْ عَنَّا الْأَذَى إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا. وَدَعَوَاتُ الْقَلْشَانِيِّ: اللَّهُمَّ سَكِّنْ فِتْنَةً صَدَمَتْ قَهْرَمَانَ الْجَبَرُوتَ، بِأَلْطَافِك الْخَفِيَّةِ الْوَارِدَةِ النَّازِلَةِ مِنْ بَابِ الْمَلَكُوتِ، حَتَّى نَتَشَبَّثَ بِأَلْطَافِك وَنَعْتَصِمَ بِك عَنْ إنْزَالِ قُدْرَتِك، يَا ذَا الْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ وَالرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ أَيْضًا مَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ» مَعَ أَنَّ لِقَاءَهُ يَسْتَلْزِمَ الشَّهَادَةُ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: تَمَّ ثُلُثُ الرِّسَالَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْمَنَّانَ بِفَضْلِهِ الْإِقْدَارَ عَلَى تَمَامِ شَرْحِ الْبَقِيَّةِ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ بِحَقِّ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْبَرِّيَّةِ. [بَاب مَا يَفْعَل بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غَسَلَ الْمَيِّت] وَلَمَّا كَانَ سَبَبُ الِاسْتِسْقَاءِ رُبَّمَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْمَوْتُ نَاسَبَ ذِكْرَ بَابِ الْجَنَائِزِ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ:
[ ١ / ٢٨٢ ]
بَابُ مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَكَفْنِهِ وَتَحْنِيطِهِ وَحَمْلِهِ وَدَفْنِهِ وَيُسْتَحَبُّ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ وَإِغْمَاضُهُ إذَا قَضَى وَيُلَقَّنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ قُدِرَ عَلَى أَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بَابُ) بَيَانِ (مَا يُفْعَلُ بِالْمُحْتَضَرِ) بِفَتْحِ الضَّادِ أَيْ الَّذِي حَضَرَ أَجَلُهُ. (وَفِي) بَيَانِ حُكْمِ (غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَلَمْ يُضْمَرْ بِأَنْ يَقُولَ وَفِي غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُغَسَّلُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُسَمَّى مُحْتَضَرًا إلَّا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ نَحْوَ: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٢] أَيْ الَّذِينَ كَانُوا يَتَامَى. (وَ) فِي بَيَانِ حُكْمِ (كَفْنِهِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ بِفَتْحِ الْفَاءِ. (وَ) فِي بَيَانِ (تَحْنِيطِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَفَنِ وَالْمَيِّتِ. (وَ) فِي بَيَانِ (حَمْلِهِ) إلَى الْمُصَلَّى أَوْ إلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَدَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ وَسَتْرِهِ. وَبَدَأَ بِمَا صَدَّرَ بِهِ فَقَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلَامَاتُ قُرْبِ الْمَوْتِ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالْمُحْتَضَرِ) أَيْ تَقْبِيلُهُ فَالسِّينُ زَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْقِبْلَةَ أَفْضَلُ الْجِهَاتِ وَفِيهِ التَّفَاؤُلُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: إذَا حَضَرَتْنِي الْوَفَاةُ فَاصْرِفْنِي إلَى الْقِبْلَةِ، وَمِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، وَالْمُسْتَحَبُّ فِي صِفَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يُجْعَل عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَصَدْرُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ فِي قَبْرِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا، وَهَذَا بِخِلَافِ وَضْعِهِ لِلْغُسْلِ فَيُسْتَحَبُّ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْجَنْبِ الْأَيْمَنِ، وَمُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ إحْدَادُ بَصَرِهِ وَشُخُوصُهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَتَقْبِيلُهُ عِنْدَ إحْدَادِهِ عَلَى أَيْمَنَ ثُمَّ ظَهْرٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ قَبْلَ ظُهُورِ عَلَامَاتِ الْمَوْتِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الْمَرِيضَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَهُ (إغْمَاضُهُ) أَيْ إغْلَاقُ عَيْنَيْهِ (إذَا قَضَى) أَيْ مَاتَ بِالْفِعْلِ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِإِذَا الْمُفِيدَةِ لِلتَّحْقِيقِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ وَيَرْبِطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ لِيَنْطَبِقَ فَاهُ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إغْمَاضُهُ؛ لِأَنَّ فَتْحَ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقْبُحُ بِهِ مَنْظَرُهُ، كَمَا أَنَّ فَتْحَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَمِنْ عَلَامَاتِ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ انْقِطَاعُ نَفَسِهِ وَإِحْدَادُ بَصَرِهِ وَانْفِرَاجُ شَفَتَيْهِ وَسُقُوطُ قَدَمَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّقَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ وَقَالَ: الرُّوحُ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» وَيُقَالُ عِنْدَ ذَلِكَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - اللَّهُمَّ يَسِّرْ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَسَهِّلْ عَلَيْهِ مَوْتَهُ وَأَسْعِدْهُ بِلِقَائِك وَاجْعَلْ مَا خَرَجَ إلَيْهِ خَيْرًا مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى إغْمَاضَهُ مَنْ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يُغْمَضْ وَانْفَتَحَتْ عَيْنَاهُ وَشَفَتَاهُ يَجْذِبُ شَخْصٌ عَضُدَيْهِ وَآخَرُ إبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ فَإِنَّهُمَا يَنْغَلِقَانِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ بِرِفْقٍ عَقِبَ مَوْتِهِ تَسْهِيلًا عَلَى الْغَاسِلِ، وَرَفْعُهُ عَنْ الْأَرْضِ بِأَنْ يُوضَعَ عَلَى سَرِيرٍ خَوْفَ الْهَوَامِّ، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ بِثَوْبٍ زَائِدٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهِ إلَّا الْغَرِيقَ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ تَجْهِيزِ الْمُصْطَفَى - ﵊ - فَلِلْأَمْنِ مِنْ تَغَيُّرِهِ وَلِلِاهْتِمَامِ بِعَقْدِ الْخِلَافَةِ، وَلِذَلِكَ دُفِنَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَيْلًا، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ مَاتَ لَيْلًا، حَتَّى اُسْتُثْنِيَ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ مِنْ ذَمِّ الْعَجَلَةِ وَأَنَّهَا مِنْ الشَّيْطَانِ، وَمِثْلُهُ التَّوْبَةُ وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَإِنْكَاحُ الْبِكْرِ إذَا بَلَغَتْ، وَتَقْدِيمُ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ إذَا حَلَّ، وَتَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ مِنْ السَّفَرِ، وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عِنْدَ حُلُولِهَا، فَكُلُّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعَجَلَةُ، وَأَمَّا الْغَرِيقُ وَمَنْ بِهِ مَرَضُ السَّكْتَةِ وَمَنْ يَمُوتُ فَجْأَةً أَوْ تَحْتَ هَدْمٍ فَلَا يُسْرَعُ بِتَجْهِيزِهِمْ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُلَقَّنَ) الْمُحْتَضَرُ بِأَنْ يَقُولَ الْجَالِسُ عِنْدَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ مَعَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إذْ الْعَبْدُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا بِهِمَا وَمَحَلُّ ذَلِكَ (عِنْدَ) ظُهُورِ عَلَامَاتِ (الْمَوْتِ) لِيَتَذَكَّرَهُمَا بِقَلْبِهِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِهِمَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَقِّنُوا
[ ١ / ٢٨٣ ]
[البكاء عند موت الميت]
يَكُونَ طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهُ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ وَأَرْخَصَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ بِسُورَةِ يَس ~ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ
وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ وَحَسُنَ التَّعَزِّي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِيَكُونَ ذَلِكَ آخِرَ كَلَامِهِ، وَلِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلَقِّنَهُ غَيْرُ وَارِثِهِ مِمَّنْ لَهُ بِهِ مَحَبَّةٌ وَإِلَّا فَأَرْأَفُهُمْ بِهِ، وَلَا يُلِحُّ عَلَيْهِ وَلَا يَقُولُ لَهُ قُلْ لِئَلَّا يُوَافِقَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لَا لِرَدِّ فِتْنَةِ الْفَتَّانِينَ أَوْ إبْلِيسَ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْضُرُونَ لِلْمُحْتَضَرِ عَلَى صِفَةِ مَنْ تَقَدَّمَ مَوْتًا مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ فَيَقُولُونَ لَهُ: مُتْ عَلَى دِينِ كَذَا فَإِنَّهُ خَيْرُ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَشْكُلُ عَلَى هَذَا «أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ احْتِضَارِهِ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَك بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ مِنْهُ التَّلَفُّظُ بِهَا، وَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ فَتُعَادُ عَلَيْهِ لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَضْجَرُ الْمُلَقِّنُ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الْمُحْتَضَرِ لِمَا يُلَقِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهِدُ مِنْ عَظَائِمِ الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَا لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَسَ لِسَانُهُ أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَخْطُرْ الْإِيمَانُ بِقَلْبِهِ مَاتَ مُؤْمِنًا وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ الْكَافِرَ إذَا مَاتَ كَذَلِكَ يُحْكَمُ لَهُ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّخْصُ قَبْلَ مَوْتِهِ، حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَالِ كَمَالِ عَقْلِهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُؤْمِنَ إيمَانُهُ بَاقٍ حُكْمًا بَعْدَ مَوْتِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُمَيِّزًا، خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا يُلَقَّنُ إلَّا الْبَالِغُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُلَقَّنُ بَعْدَ دَفْنِهِ. قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِنَدْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ لَكِنْ اُعْتُضِدَ بِالْقَوَاعِدِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ، وَمِمَّنْ وَافَقَ عَلَى نَدْبِهِ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالثَّعَالِبِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، حَتَّى قَالَ الْأَبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ حَمْلُ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ» عَلَى التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ الْبُعْدِ صَرِيحُ لَفْظِ الْحَدِيثِ حَيْثُ قَالَ: مَوْتَاكُمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّأْوِيلِ، وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ التَّعْلِيلُ بِصَيْرُورَتِهَا آخِرَ كَلَامِهِ فَافْهَمْ. الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مُلَازَمَةِ الْمُحْتَضَرِ وَلَا عَلَى مَنْ يَطْلُبُ مِنْهُ، وَمُحَصِّلُهُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَقَارِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى أَصْحَابِهِ مُلَازَمَتُهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى جِيرَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَعَلَى عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَةِ الْكِفَايَةِ، فَقَدْ تَرَكَ ابْنُ عُمَرَ حُضُورَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حِينَ دُعِيَ لِحُضُورِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَمَحَلُّ طَلَبِ الْحُضُورِ عِنْدَ الْمَرِيضِ عِنْدَ اشْتِدَادِ مَرَضِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَكْرَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ صَارَ عَلَى حَالَةٍ لَا يُحِبُّ أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ عَلَيْهَا فَيَسْقُطُ طَلَبُ حُضُورِهِ بِمَنْعِهِ. وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمُحْتَضَرِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قُدِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى أَنْ يَكُونَ) جِسْمُ الْمُحْتَضَرِ (طَاهِرًا وَمَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ فَهُوَ أَحْسَنُ) أَيْ مُسْتَحَبٌّ كَمَا يُسْتَحَبُّ وَضْعُ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ عِنْدَهُ (وَيُسْتَحَبُّ) أَيْضًا (أَنْ لَا يَقْرَبَهُ) أَيْ الْمُحْتَضَرَ (حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ) وَلَا صَبِيٌّ يَعْبَثُ، وَلَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ، وَلَا كَلْبٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ وَقِيلَ مُطْلَقًا، وَلَا تِمْثَالٌ وَلَا آلَةُ لَهْوٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْمُرَادُ بِتَجَنُّبِ مَا ذُكِرَ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْمُحْتَضَرِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ. (وَأَرْخَصَ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ اسْتَحَبَّ (بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ (فِي الْقِرَاءَةِ عِنْدَ رَأْسِهِ) أَوْ رِجْلَيْهِ وَالضَّمِيرُ لِلْمُحْتَضَرِ (بِسُورَةِ يَس) لِخَبَرِ: «إذَا قُرِئَتْ، عَلَيْهِ سُورَةُ يَس بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى عَبْدِي الْمَوْتَ» وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُقْرَأُ عِنْدَهُ سُورَةُ يَس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ» . وَقَالَ أَيْضًا: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يَس» . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ. (وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ (عِنْدَ مَالِكٍ أَمْرًا مَعْمُولًا بِهِ) بَلْ تُكْرَهُ عِنْدَهُ قِرَاءَةُ يَس ~ أَوْ غَيْرِهَا عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ عَلَى قَبْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إذَا فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنِّيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ فُعِلَتْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَرَجَاءَ حُصُولِ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ فَلَا، وَأَقُولُ: هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْقِرَاءَةِ فَلَا يَنْبَغِي كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ حُصُولُ بَرَكَةِ الْقُرْآنِ لِلْأَمْوَاتِ كَحُصُولِهَا بِمُجَاوَرَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي إهْمَالُ أَمْرِ الْمَوْتَى مِنْ الْقِرَاءَةِ وَلَا مِنْ التَّهْلِيلِ الَّذِي يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْنِ، وَالِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ أَنَّ مَنْ أَرَادَ حُصُولَ بَرَكَةِ قِرَاءَتِهِ وَثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ بِلَا خِلَافٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَؤُهُ لِفُلَانٍ أَوْ مَا قَرَأْته، وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَلِلْقَارِئِ ثَوَابُ الدُّعَاءِ [الْبُكَاء عِنْدَ مَوْتِ الْمَيِّت] وَلَمَّا كَانَ الْمَوْتُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الْبُكَاءُ وَالتَّفَجُّعُ بَيَّنَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالْبُكَاءِ) بِالْمَدِّ وَهُوَ مَا كَانَ (بِالدُّمُوعِ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ الِاحْتِضَارِ، وَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ حَيْثُ لَمْ يَصْحَبْهُ رَفْعُ صَوْتٍ وَلَا قَوْلٌ قَبِيحٌ. قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَبُكَاءٌ عِنْدَ مَوْتِهِ وَبَعْدَهُ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ وَقَوْلٍ قَبِيحٍ شَرْعًا، فَقَدْ
[ ١ / ٢٨٤ ]
وَالتَّصَبُّرُ أَجْمَلُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ وَيُنْهَى عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ
وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ حَدٌّ وَلَكِنْ يُنْقَى وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِمَاءٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَكَى - ﷺ - عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ» فَالْمُرَادُ بِلَا بَأْسٍ الْجَوَازُ الْمَرْجُوحُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَ) لَكِنْ (حُسْنُ التَّعَزِّي وَ) هُوَ (التَّصَبُّرُ) وَالتَّجَلُّدُ وَالرِّضَى بِمَا حَكَمَ الْجَبَّارُ (أَجْمَلُ) أَيْ أَفْضَلُ وَأَحْسَنُ مِنْ الْبُكَاءِ بِالدُّمُوعِ (لِمَنْ اسْتَطَاعَ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] وَقَالَ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ مَعَهُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي عَلَى مُصِيبَتِي وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: قُلْت ذَلِكَ حِينَ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، وَقُلْت: مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ - ﷺ - فَتَزَوَّجْته»، وَالصَّبْرُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ التَّصَبُّرُ أَحْسَنَ مِنْ الْبُكَاءِ فَلِمَ أَهْمَلَهُ - ﵊ - وَبَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ، وَأَمَّا الرَّسُولُ - ﵊ - فَيُؤْمَرُ بِفِعْلِ خِلَافِ الْأَفْضَلِ فِي حَقِّنَا لِلتَّشْرِيعِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْبُكَاءَ الْمَحْدُودَ وَهُوَ مُجَرَّدُ إرْسَالِ الدُّمُوعِ جَائِزٌ صَرَّحَ بِمُحْتَرَزِهِ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) قَرِيبُ الْمُحْتَضَرِ وَكُلُّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ (عَنْ الصُّرَاخِ وَالنِّيَاحَةِ) وَسَائِرِ الْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، فَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ حَيْثُ اسْتَلْزَمَ أَمْرًا مُحَرَّمًا لِخَبَرِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَلَا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ» وَرُوِيَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ» وَالصَّلْقُ الصِّيَاحُ فِي الْبُكَاءِ وَقُبْحُ الْقَوْلِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» . وَرُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَا إذَا أَوْصَاهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُكَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَا كَانَ بِمُجَرَّدِ إرْسَالِ الدُّمُوعِ مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ، وَحَرَامٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ وَالْأَقْوَالِ الْقَبِيحَةِ، وَجَائِزٌ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا بَعْدَهُ وَهُوَ مَا كَانَ بِالصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ قَبِيحٍ مَعَهُ.
(٢) (خَاتِمَةٌ) مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَا يُنْدَبُ فِعْلُهُ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ مِنْهَا: تَعْزِيَتُهُمْ وَحَمْلُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَعَلَى الرِّضَى بِمُصِيبَتِهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ وَإِظْهَارِ الْمَحَبَّةِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ حَتَّى قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ التَّعْزِيَةَ سُنَّةٌ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا ثَوَابٌ كَثِيرٌ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُلْبِسُ الَّذِي عَزَّى مُصَابًا لِبَاسَ التَّقْوَى» وَجَاءَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِهِ» وَصِفَتُهَا أَنْ يَقُولَ الْمُعَزِّي لِلْمُصَابِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَعَزَّى - ﷺ - امْرَأَةً فِي أَبِيهَا فَقَالَ: «إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَبْقَى، وَلِكُلِّ أَجَلٍ مُسَمًّى وَكُلٌّ إلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاحْتَسِبِي وَاصْبِرِي فَإِنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ» وَتَكُونُ التَّعْزِيَةُ قَبْلَ الدَّفْنِ وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ الْقَبْرِ وَكَوْنُهَا فِي الْمَنْزِلِ وَبَعْدَ الدَّفْنِ أَحْسَنَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَا فِي الْمُعَزَّى بِفَتْحِ الزَّايِ بَيْنَ كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا حَيْثُ كَانَ جَارًا فَيُعَزَّى الْكَافِرُ بِالْكَافِرِ لِحَقِّ الْجِوَارِ وَيُقَالُ لَهُ: أَلْهَمَك اللَّهُ الصَّبْرَ وَعَوَّضَك خَيْرًا مِنْهُ، إلَّا الشَّابَّةَ وَاَلَّذِي لَا يُمَيِّزُ فَلَا يُعْزَيَانِ، وَيُعَزَّى الشَّخْصُ فِي كُلِّ مَنْ يَتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَنْتَهِي التَّعْزِيَةُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصْنَعَ لَهُمْ طَعَامٌ أَوْ يُبْعَثَ إلَى مَحَلِّهِمْ لِاشْتِغَالِهِمْ بِمَيِّتِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ لِأَهْلِهِ حِينَ جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا وَابْعَثُوا بِهِ إلَيْهِمْ فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِنَاءِ، وَأَمَّا مَا يَصْنَعُهُ أَقَارِبُ الْمَيِّتِ مِنْ الطَّعَامِ وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُرْجَى خَيْرُهُ لِلْمَيِّتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَنَعَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ بَالِغًا رَشِيدًا فَلَا حَرَجَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِفِعْلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي ثُلُثِهِ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهُ عَمَلًا بِفَرْضِهِ، وَأَمَّا عَقْرُ الْبَهَائِمِ وَذَبْحُهُمْ عَلَى الْقَبْرِ وَحَمْلُ الْخُبْزِ وَيُسَمُّونَهُ بِعَشَاءِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ وَمِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» وَلِأَدَائِهِ إلَى الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَالْمَطْلُوبُ فِي فِعْلِ الْقُرَبِ الْإِخْفَاءُ، وَالصَّوَابُ فِي فِعْلِ هَذَا التَّصَدُّقُ بِهِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ سَلِمَ مِنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْحَطَّابِ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحْتَضَرِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ) أَيْ الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ (حَدٌّ) وَاجِبٌ بِحَيْثُ يُمْنَعُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ عَنْهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَلَكِنْ) الْمَطْلُوبُ أَنْ (يُنَقَّى) مِنْ الْقَذَرِ وَيُعَمَّ جَسَدُهُ بِالْمَاءِ، وَنَفْيُ الْحَدِّ الْوَاجِبِ لَا يُنَافِي نَدْبَ التَّحْدِيدِ بِالْوِتْرِ كَمَا يَأْتِي، وَقَوْلُنَا: الَّذِي يُطْلَبُ تَغْسِيلُهُ احْتِرَازًا عَنْ شَهِيدِ الْمُعْتَرَكِ وَعَنْ الْكَافِرِ وَعَنْ السِّقْطِ وَعَنْ مَنْ فُقِدَ أَكْثَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَلْ يَحْرُمُ تَغْسِيلُ الْكَافِرِ وَشَهِيدِ الْحَرْبِ، وَيُكْرَهُ تَغْسِيلُ السِّقْطِ وَمَنْ غَابَ أَكْثَرُهُ، وَيَكْفِي فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ الْإِسْلَامُ الْحُكْمِيُّ فَيَدْخُلُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِإِسْلَامِ صَاحِبِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْغُسْلِ
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَسِدْرٍ وَيُجْعَلُ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورٌ وَتُسْتَرُ عَوْرَتُهُ وَلَا تُقَلَّمُ أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ شَعْرُهُ وَيُعْصَرُ بَطْنُهُ عَصْرًا رَقِيقًا وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيُقْلَبُ لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ وَإِنْ أُجْلِسَ فَذَلِكَ وَاسِعٌ
وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] شُرُوطًا: اسْتِقْرَارُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَرْبِ وَوُجُودُ كُلِّ الْمَيِّتِ أَوْ جُلِّهِ وَإِسْلَامُهُ وَلَوْ حُكْمًا كَنِيَّةِ إسْلَامِ سَيِّدَيْ الْمَجُوسِيِّ أَيْ الْمَجُوسِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَإِنْ كَانَ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْجَبْرِ فَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ بِالْفِعْلِ، هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَقْرِيرُ عبق عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ جَارٍ فِي سَيِّدِي، الْمَجُوسِيِّ وَأَبِيهِ مَعًا. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُغَسَّلَ وِتْرًا) ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعَ غَسَلَاتٍ (بِمَاءٍ) مُطْلَقٍ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِنْقَاءُ بِالسَّابِعَةِ فَلَا إيتَارَ لِانْتِهَاءِ نَدْبِ الْإِيتَارِ بِالسَّبْعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْإِنْقَاءُ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَنْفِي التَّحْدِيدَ ثُمَّ يَقُولُ: وَيُغَسَّلُ وِتْرًا بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ التَّحْدِيدِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى تَعْمِيمِ الْجَسَدِ وَهُوَ الْوَاجِبُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَتَجَاوَزُ السَّبْعَ، أَوْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوِتْرُ لَا يُحَدُّ بِثَلَاثٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ جُمَلٍ حُكْمُ الْغُسْلِ قَبْلَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ السُّنِّيَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ مُشِيرًا إلَى صِفَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَغُسْلٌ كَالْجَنَابَةِ تَعَبُّدًا بِلَا نِيَّةٍ فَصِفَتُهُ كَصِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ الْإِجْزَاءُ كَالْإِجْزَاءِ وَالْكَمَالُ كَالْكَمَالِ إلَّا مَا يَخْتَصُّ بِهِ غُسْلُ الْمَيِّتِ مِنْ التَّكْرَارِ، وَلَا يُكَرِّرُ وُضُوءَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى إنْ كَانَ ثُمَّ يُوَضِّئُهُ مَرَّةً مَرَّةً، وَيُثَلِّثُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَيْرِ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ. إلَى صِفَةِ وُضُوئِهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ وُضِّئَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّهُ صَدَّرَ بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِمُطَهِّرٍ وَلَوْ بِزَمْزَمَ وَعَلَى الْوُجُوبِ الْأَكْثَرُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ الْمَاءُ يَجِبُ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَلَازَمَا أَيْ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَقُومُ مَقَامَ الْغُسْلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ بَعْدَ غُسْلِ الْمَيِّتِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ أَنْ يُغَسَّلَ مَرَّةً أُخْرَى بِمَاءٍ مَعَ (سِدْرٍ) وَهُوَ وَرَقُ النَّبْقِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغُسْلِ سِدْرٌ وَصِفَتُهُ أَنْ يُطْحَنَ وَيُذَابَ بِالْمَاءِ ثُمَّ يُعْرَكَ بِهِ بَدَنُ الْمَيِّتِ وَيُدَلَّكُ بِهِ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى إذَابَتِهِ فِي الْمَاءِ إضَافَتُهُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ حَصَلَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَهَذِهِ الْغَسْلَةُ لِلنَّظَافَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يُوجَدْ السِّدْرُ فَالصَّابُونُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِلنَّظَافَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَجْعَلَ فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَسْلَةَ الْأُولَى تَكُونُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ لِلتَّطْهِيرِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمَسْنُونِ، وَالثَّانِيَةَ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ لِلتَّنْظِيفِ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ لِلتَّطْيِيبِ لِأَمْرِهِ - ﵊ - بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ جَسَدَ الْمَيِّتِ وَيَحْفَظُهُ عَنْ مُسَارَعَةِ الْفَسَادِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ كَوْنُهُ لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ، وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِالِاسْتِعْدَادِ لِسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَأَيْضًا وَرَدَ أَنَّ آدَمَ - ﵇ - لَمَّا تُوُفِّيَ أُتِيَ بِحَنُوطٍ وَكُفِّنَ مِنْ الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ وَحَنَّطُوهُ وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ وَدَفَنُوهُ فِي لَحْدٍ وَنَصَبُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ وَابْنُهُ شِيثٌ حَاضِرٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لَهُ: اصْنَعْ هَكَذَا بِوَالِدِك وَإِخْوَتِك فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ. (وَ) يَجِبُ أَنْ (تُسْتَرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (عَوْرَتُهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَسِتْرُ الْغَاسِلِ مِنْ سُرَّتِهِ لِرُكْبَتِهِ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجَانِبِ عِنْدَ تَجْرِيدِهِ لِلتَّغْسِيلِ، وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ إذَا كَانَ الْغَاسِلُ غَيْرَ سَيِّدٍ وَغَيْرَ زَوْجٍ وَإِلَّا نُدِبَ فَقَطْ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُنْظَرُ لِفَخْذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» وَصِفَةُ سِتْرِهَا أَنْ تُلَفَّ خِرْقَةٌ وَيَضَعَهَا عَلَى قُبُلِهِ ثُمَّ يَجْعَلُ ثَوْبًا آخَرَ بِدُبُرِهِ، وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تَسْتُرُ مِنْ سُرَّتِهَا إلَى رُكْبَتِهَا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى الْمَغْسُولِ غَيْرُ غَاسِلِهِ وَالْمُعِينِ لَهُ. (وَلَا تُقَلَّمُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (أَظْفَارُهُ وَلَا يُحْلَقُ لَهُ شَعْرٌ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْغَاسِلِ قَلْمُ أَظَافِرِ الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْمَرِيضِ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا قُصِدَ بِهِ الْمَوْتُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، لَا إنْ قَصَدَ بِهِ الْإِرَاحَةَ بِإِزَالَةِ نَحْوِ الظُّفُرِ وَالشَّعْرِ كَرَاهَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ حَلْقُ شَعْرِهِ وَقَلْمُ ظُفُرِهِ وَهُوَ بِدْعَةٌ وَضَمَّ مَعَهُ إنْ فَعَلَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَجْزَاءَ لَا تَجِبُ مُوَارَاتُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ تُنَقَّى قُرُوحُهُ وَإِنَّمَا يُزَالُ مَا سَالَ مِنْهَا بِخِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا وَلَوْ كَانَ السَّائِلُ دُونَ دِرْهَمٍ قَصْدًا لِلنَّظَافَةِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْغَاسِلِ أَنْ (يَعْصِرَ بَطْنَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ غُسْلِهِ (عَصْرًا رَفِيقًا) مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ حَالَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَهُ مِمَّا لَيْسَ بِصَدَدِ الْخُرُوجِ وَفِيهِ أَذِيَّةٌ لِلْمَيِّتِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْغُسْلِ الْمَطْلُوبَةِ لِلْمَيِّتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ وُضِّئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى الْمَيِّتِ (وُضُوءَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) غَيْرُ ضَرُورِيٍّ الذِّكْرُ مَعَ قَوْلِهِ فَحَسَنٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْغَاسِلِ تَوْضِئَةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى مِثْلَ مَا يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ إرَادَةِ غُسْلِهِ لِلْجَنَابَةِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَنُدِبَ نَدْبًا بِإِزَالَةِ الْأَذَى، ثُمَّ أَعْضَاءَ وُضُوئِهِ كَامِلَةً مَرَّةً، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُزِيلُ الْأَذَى ثُمَّ يُوَضِّئُهُ وَيَتَفَقَّدُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ لِإِزَالَةِ مَا يُكْرَهُ رِيحُهُ وَيُمَيِّلُ
[ ١ / ٢٨٦ ]
[تغسيل أحد الزوجين صاحبه]
أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ مِنْ الرِّجَالِ فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا يَمَّمَ النِّسَاءُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ ذُو مَحْرَمٍ غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: تَوْضِئَةُ وَتَعَهُّدُ أَسْنَانِهِ وَأَنْفِهِ بِخِرْقَةٍ وَإِمَالَةُ رَأْسِهِ لِمَضْمَضَةٍ. (وَ) أَنْ (يُقْلَبَ) الْمَيِّتُ (لِجَنْبِهِ فِي الْغُسْلِ أَحْسَنُ) أَيْ يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ حَالَ التَّغْسِيلِ لِيَبْدَأَ بِغُسْلِ الْمَيَامِنِ قَبْلَ الْمَيَاسِرِ، وَلَا يَقْلِبُهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَلَا بَطْنِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَشْوِيهًا لَهُ، وَأَشَارَ إلَى مُقَابِلِ الْأَحْسَنِ، بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أُجْلِسَ) أَيْ الْمَيِّتُ حَالَ غُسْلِهِ (فَذَلِكَ وَاسِعٌ) أَيْ جَائِزٌ، فَقَوْلُهُ أَحْسَنُ أَيْ مِنْ إجْلَاسِهِ أَوْ قَلْبِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْغَاسِلُ مِنْ وُقُوفِهِ عَلَى الدِّكَّةِ وَيَجْعَلُ الْمَيِّتَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، بَلْ الْمَطْلُوبُ وُقُوفُهُ بِالْأَرْضِ وَيُضْجَعُ الْمَيِّتُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يُقَلِّبُهُ عَلَى الْأَيْمَنِ كَمَا قَدَّمْنَا. (تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِنْ مُسْتَحَبَّاتِ الْغُسْلِ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ مِنْ ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا إلَّا سَاتِرَ عَوْرَتِهِ وَوَضْعُهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِلْغَاسِلِ، وَلَيْسَ مِنْ سُنَنِهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَضْعُ مَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ عِنْدَهُ حَالَ التَّغْسِيلِ، وَمِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ اشْتِغَالُ الْغَاسِلِ حَالَ التَّغْسِيلِ بِالتَّفَكُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَإِذَا حَصَلَ مِنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَغْسِيلِهِ مَا لَوْ حَصَلَ مِنْ الْحَيِّ لَأَبْطَلَ غُسْلَهُ لَمْ يُبْطِلْهُ وَإِنَّمَا يُنَظَّفُ دُونَ إعَادَةِ غُسْلِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ يُعِدْ كَالْوُضُوءِ لِنَجَاسَةٍ وَغُسِلَتْ النَّجَاسَةُ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ فِي الصُّورَتَيْنِ. [تَغْسِيلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالتَّغْسِيلِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِ) أَيْ تَغْسِيلِ (أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْحَيَّ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ يُقَدَّمُ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى أَقَارِبِ الْمَيِّتِ وَعَلَى مَنْ أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ أَيْضًا، وَيُنْدَبُ لَهُ الْقِيَامُ بِأَخْذِ حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ هُنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَيُّ مُحْرِمًا فَيُنْهَى عَنْ التَّغْسِيلِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ فَعَلَ أَهْدَى إنْ أَمَذَى، وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجَيْنِ الصَّحِيحَيْ النِّكَاحِ وَلَوْ بِفَوَاتِ الْفَاسِدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ الزَّوْجَانِ إنْ صَحَّ النِّكَاحُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ فَاسِدُهُ بِالْقَضَاءِ وَإِنْ رَقِيقًا أَذِنَ سَيِّدُهُ أَوْ قَبْلَ بِنَاءٍ أَوْ بِأَحَدِهِمَا عَيْبٌ أَوْ وَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالْأَحَبُّ نَفْيُهُ إنْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لَا مُطَلَّقَةً وَلَوْ رَجْعِيًّا، بِخِلَافِ الْمُولَى مِنْهَا وَالْمُظَاهَرِ مِنْهَا فَلَهُمَا التَّغَسُّلُ بِالْقَضَاءِ لِقِيَامِ السَّبَبِ، وَالْكِتَابِيَّةُ تُغَسِّلُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ زَوْجَهَا أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ غَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ، وَأَوْصَتْ فَاطِمَةُ عَلِيًّا أَنْ يُغَسِّلَهَا، فَكَانَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى أَسْمَاءَ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ تُغَسِّلُهَا، وَمَا هَذَا إلَّا لِثُبُوتِ حَقِّ الْحَيِّ فِي التَّغْسِيلِ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَتَعَدَّدَتْ زَوْجَاتُهُ وَطَلَبْنَ التَّغْسِيلَ لَا نَصَّ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُنَّ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: الظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ وَأَوَّلُ الظَّاهِرِ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْقُرْعَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفِعْلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْزِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَتَعَدَّدُ فِيهِ الْمُسْتَحَقُّ الْمُسْتَوِي فِي الْمَرْتَبَةِ لِغَيْرِهِ وَحَرِّرْهُ.
(٣) الثَّانِي: نَصَّ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي تَغْسِيلِ صَاحِبِهِ وَسَكَتَا عَمَّا لَوْ طَلَبَا الْحَيُّ إنْزَالَ صَاحِبِهِ الْقَبْرَ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُمَا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْحَيُّ الزَّوْجَ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا عَلَى أَوْلِيَائِهَا بِالْقَضَاءِ، وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَلَا تُقَدَّمُ فِي إنْزَالِ زَوْجِهَا بَلْ الْحَقُّ لِأَوْلِيَائِهِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالزَّوْجُ أَحَقُّ بِإِدْخَالِ زَوْجَتِهِ قَبْرَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَقْرَبُ مَحَارِمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَقِيلَ النِّسَاءُ، وَقِيلَ أَهْلُ الْفَضْلِ. الثَّالِثُ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَفِي حُكْمِ الزَّوْجَيْنِ السَّيِّدُ مَعَ أَمَتِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِبَاحَةُ الْوَطْءِ لِلْمَوْتِ بِرِقٍّ تُبِيحُ الْغُسْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ: بِخِلَافِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرَكَةِ فَلَا يَحِلُّ لِلْحَيِّ مِنْهَا تَغْسِيلُهُ لِحُرْمَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ، وَتَقْدِيمُ السَّيِّدِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأَمَةِ بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ فَلَا يُقْضَى لَهَا بِالتَّقْدِيمِ عَلَى أَوْلِيَاءِ سَيِّدِهَا اتِّفَاقًا ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا سَيِّدَ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَرْأَةُ) الْمُسْلِمَةُ (تَمُوتُ فِي السَّفَرِ) أَوْ فِي الْحَضَرِ وَلَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ وَ(لَا نِسَاءَ مَعَهَا) لَا أَقَارِبَ وَلَا أَجَانِبَ (وَلَا ذُو مَحْرَمٍ) لَهَا (مِنْ الرِّجَالِ) لَا بِالنَّسَبِ وَلَا بِالرَّضَاعِ وَلَا بِالصِّهْرِ (فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ) أَجْنَبِيٌّ (وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا) أَيْ كُوعَيْهَا وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُمَا كَالْكَفَّيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ يُبَاحُ النَّظَرُ لَهُمَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ لَا يَحِلُّ لِلْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إلَيْهِ، مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ فَضْلًا عَنْ لَمْسِهِ. (وَ) أَمَّا (لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا) فِي حَالِ سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لَوَجَبَ أَنْ (يُيَمِّمَ النِّسَاءُ) الْأَجَانِبُ (وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ) بِشَرْطٍ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ) وَلَوْ أَجْنَبِيًّا (وَلَا امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ فَإِنْ كَانَتْ) أَيْ حَضَرَتْ (امْرَأَةٌ مِنْ مَحَارِمِهِ غَسَّلَتْهُ وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهُ) مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْظُرُ
[ ١ / ٢٨٧ ]
يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ فِي وِتْرٍ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ أُزْرَةٍ وَقَمِيصٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مِنْهُ مَا يَنْظُرُهُ الرَّجُلُ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَة، وَقِيلَ تَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهِ وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ، قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُقَدَّمُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ثُمَّ أَقْرَبُ أَوْلِيَائِهِ ثُمَّ أَجْنَبِيٌّ ثُمَّ امْرَأَةٌ مَحْرَمٌ، وَهَلْ يَسْتُرُهُ أَوْ عَوْرَتَهُ تَأْوِيلَانِ فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْمَيِّتِ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ أَبُوهُ ثُمَّ أَخُوهُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ جَدُّهُ ثُمَّ عَمُّهُ ثُمَّ ابْنُهُ وَالشَّقِيقُ وَعَاصِبُ النَّسَبِ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَنْبَغِي عِنْدَ مُشَاحَّةِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَرْتَبَةِ الِاجْتِمَاعُ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَرِيبٌ فَالرَّجُلُ الْأَجْنَبِيُّ الْمُسْلِمُ أَوْ الذِّمِّيُّ لَكِنْ بِحَضْرَةِ مُسْلِمٍ عَارِفٍ بِصِفَةِ الْغُسْلِ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِالتَّغْسِيلِ أَوْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ فَالْمَرْأَةُ الْمَحْرَمُ وَلَوْ بِالصِّهَارَةِ كَأُمِّ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةِ ابْنِهِ، وَيُقَدَّمُ مَحْرَمُ الرَّضَاعِ عَلَى مَحْرَمِ الصِّهَارَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَيْثُ جَازَ لَهَا أَنْ تُيُمِّمَ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ إلَى مِرْفَقَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُيَمِّمَهَا إلَّا لِكُوعَيْهَا مَعَ شِدَّةِ مَيْلِ النِّسَاءِ إلَى الرِّجَالِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَوْرَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْأَطْرَافَ كَمَا قَدَّمْنَا فِي مَبْحَثِ الْعَوْرَةِ، وَأَيْضًا شِدَّةُ حَيَاءِ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ وَلَا سِيَّمَا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ يُضْعِفُ الْأُنْثَى إلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ كَمَا يَجْرِي فِي الْغُسْلِ يَجْرِي فِي الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ، وَيُقْضَى بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ بَيْنَ مَنْ يَتَقَدَّمُ وَمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لِمَا عَرَفْت بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ فِي الْمُبَاشَرَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا لَا تُبَاشِرُ بِيَدِهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ عَوْرَتُهُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ بَلْ تَجْعَلُ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً، بِخِلَافِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْجَسَدِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهَا فِي مُبَاشَرَتِهِ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَا نِسَاءَ مَعَهَا وَلَا مَحْرَمَ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ كَانَ مَعَ الْمَيِّتَةِ) الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الَّتِي لَا نِسَاءَ مَعَهَا رَجُلٌ (ذُو مَحْرَمٍ) وَلَوْ بِالصِّهْرِ (غَسَّلَهَا مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِهَا) بِأَنْ يَجْعَلَهُ الْغَاسِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ السَّقْفِ إلَى أَسْفَلَ بِحَيْثُ يَصِيرُ نَظَرُهُ إلَى الثَّوْبِ لَا إلَى جَسَدِهَا، وَيَصِلُ الْمَاءُ مِنْ خَلْفِ الثَّوْبِ وَيَجْعَلُ خِرْقَةً عَلَى يَدِهِ غَلِيظَةً، فَكَمَا لَا يَنْظُرُ إلَى جَسَدِهَا لَا يُبَاشِرُهُ بِيَدِهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّ مَعْنَى سَتْرِ جَسَدِهَا جَعْلُ الثَّوْبِ عَلَى جَسَدِهَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ بَعْدَ تَعْلِيقِ الثَّوْبِ الْمَانِعِ مِنْ نَظَرِهِ إلَى جَسَدِهَا، وَبَعْدَ جَعْلِ خِرْقَةٍ غَلِيظَةٍ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا غَسَّلَتْ مَحْرَمَهَا الذَّكَرَ مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهِ حَيْثُ لَفَّتْ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً كَثِيفَةً، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِ خِرْقَةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهَا مُبَاشَرَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ وَهُوَ الْعَوْرَةُ فَقَطْ أَوْ جَمِيعُ الْجَسَدِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ. وَأَمَّا لَوْ غَسَّلَتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً لَجَازَ لَهَا مُبَاشَرَةُ جَمِيعِ جَسَدِهَا وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا أَوْ الرَّجُلُ مَعَ النِّسَاءِ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَإِنَّهُمَا يُيَمَّمَانِ وَيُدْفَنَانِ» . وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُيَمِّمُ الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ لِلْمِرْفَقَيْنِ وَالرَّجُلُ إنَّمَا يُيَمِّمُهَا إلَى كُوعَيْهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلًّا إذَا يَمَّمَ غَيْرَهُ يَمَسُّ وَجْهَهُ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: وَانْظُرْ كَيْفَ جَازَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَمْسُ وَجْهِ الْآخَرِ بِيَدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ، فَإِنْ قُلْت: يُحْمَلُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَضَعَهَا عَلَى التُّرَابِ، قُلْت: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا اقْتَصَرَ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْكُوعَيْنِ اهـ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْخِرْقَةِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا جَازَ مَا ذُكِرَ مَعَ الْخِرْقَةِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا مُحْوِجَ إلَى مُجَاوَزَةِ كُوعَيْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُمَا سُنَّةٌ، وَلَا يُسْتَبَاحُ الْمُحَرَّمُ بِفِعْلِ سُنَّةٍ وَتَأَمَّلْهُ.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ الْأُنْثَى الْمُحَقَّقَةِ وَعَلَى الذَّكَرِ الْمُحَقَّقِ وَسَكَتَ عَنْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ يَمُوتُ وَلَا مَحْرَمَ لَهُ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إلَّا سَيِّدٌ ذَكَرٌ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ جَارِيَةً مِنْ مَالِهِ تُغَسِّلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَا تُورَثُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ لَا وُصُولَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُيَمَّمُ وَيُدْفَنُ، وَيَنْبَغِي إذَا يَمَّمَهُ رَجُلٌ أَنْ يُيَمِّمَهُ إلَى كُوعَيْهِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ يَمَّمَتْهُ امْرَأَةٌ يَمَّمَتْهُ إلَى مِرْفَقَيْهِ بِالْأَوْلَى مِنْ الرَّجُلِ الْمُحَقَّقِ.
(٣) الثَّانِي: لَوْ يَمَّمْنَ النِّسَاءُ الْمَيِّتَ الذَّكَرَ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ غَسَّلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَالنِّسَاءُ خَلْفَهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، هَذَا مَا ارْتَضَاهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ . الثَّالِثُ: لَوْ يُمِّمَ الْمَيِّتُ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ التَّيَمُّمِ قَالَ الطِّخِّيخِيُّ: إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ غُسِّلَ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِلَّا فَلَا اهـ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ كَانَ مَعَ النِّسْيَانِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ: وَبِوُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا فِيهَا إلَّا نَاسِيه إلَّا أَنْ يَفْرُقَ بِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ أَمْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ طَلَبِ الْإِسْرَاعِ بِدَفْنِ الْأَمْوَاتِ وَحَرِّرْهُ.
(٤) الرَّابِعُ: لَوْ تَعَذَّرَ التَّغْسِيلُ وَالتَّيَمُّمُ يُدْفَنُ مِنْ غَيْرِ صَلَاةٍ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلَازُمًا وَارْتَضَاهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا اللَّقَانِيُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَأَجَابَ عَنْ خَلِيلٍ بِأَنَّ مُرَادَهُ تَلَازُمًا أَيْ غَالِبًا، وَأَمَّا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغْسِيلٍ مَعَ تَيَسُّرِ الْغُسْلِ بَلْ لِسَهْوٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ فَفِيهِ
[ ١ / ٢٨٨ ]
[التكفين وما يكفن فيه الميت]
وَعِمَامَةٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ «وَقَدْ كُفِّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا - ﷺ -» وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ وَيُعَمَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَنَّطَ وَيُجْعَلَ الْحُنُوطُ بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي جَسَدِهِ وَمَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ
وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ فِي الْمُعْتَرِكِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ بِثِيَابِهِ
وَيُصَلَّى عَلَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي عبق، وَالثَّانِي يَفُوتُ تَغْسِيلُهُ بِتَمَامِ دَفْنِهِ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ، إلَّا أَنَّ هَذَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَّا أَنْ يُدْفَنَ بِغَيْرِهَا. [التَّكْفِينِ وَمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ وَعَلَى مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّكْفِينِ وَمَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ بِقَوْلِهِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكَفَّنَ الْمَيِّتُ) الَّذِي يَجِبُ تَغْسِيلُهُ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ (فِي وِتْرٍ) مِنْ الثِّيَابِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ (ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ) وَهِيَ: الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ لِلرَّجُلِ وَالْخِمَارُ لِلْمَرْأَةِ وَالْأُزْرَةُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَالْأَفْضَلُ فِي الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا: وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْوِتْرِ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَا شَفْعًا لِزِيَادَةِ السِّتْرِ، وَالثَّلَاثَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لِمَا فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ السِّتْرِ وَالْوِتْرِيَّةِ. (أَوْ خَمْسَةٌ) وَهِيَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ وَالْخِمَارُ وَالْأُزْرَةُ وَلِفَافَتَانِ يُدْرَجُ فِيهِمَا الْمَيِّتُ وَتُجْعَلُ الْعُلْيَا أَوْسَعَ مِنْ السُّفْلَى، وَالْخَمْسَةُ أَفْضَلُ مِنْ السِّتَّةِ وَلَا يُزَادُ الرَّجُلُ عَلَى خَمْسٍ فَقَوْلُهُ: (أَوْ سَبْعَةٌ) بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ فَيُزَادُ لَهَا عَلَى الْخَمْسِ السَّابِقَةِ لِفَافَتَانِ. (وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ أُزْرِهِ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَا يُتَّزَرُ بِهِ. (وَ) مِنْ (قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ) لِلرَّجُلِ (فَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الثَّلَاثَةِ (مَحْسُوبٌ فِي عَدَدِ الْأَثْوَابِ الْوِتْرِ) وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَا جُعِلَ لَهُ إلَخْ أَنَّ نَحْوَ الْخِرَقِ وَالْعَصَائِبِ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى الْوَجْهِ وَالْوَسَطِ وَغَيْرِهِمَا لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ السَّبْعِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ إيتَارِ الْكَفَنِ بِقَوْلِهِ: «وَقَدْ كُفِّنَ» بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ «رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ أُدْرِجَ» أَيْ لُفَّ (فِيهَا إدْرَاجًا) مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِعَامِلِهِ (- ﷺ -) وَصِفَةُ الْإِدْرَاجِ أَنْ تُبْسَطَ الْوَافِيَةُ أَوَّلًا وَيُجْعَلَ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ تُجْعَلُ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْقَصْرِ عَلَيْهَا وَيُجْعَلُ عَلَيْهَا الْحَنُوطُ ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَيْهَا بَعْدَمَا يُجَفَّفُ بِخِرْقَةٍ، فَإِذَا وُضِعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْلَبُ عَلَيْهِ الَّذِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيُمْنَى، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْلَبُ أَوَّلًا الَّذِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيَسَارِ وَيُخَاطُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كُفِّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهَا: لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ فَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْكَفَنِ وَقَالَ: فَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ خَاصَّةً لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ أَثْوَابٍ زِيَادَةً عَلَى الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ فَنَقَلَ عَنْهُمَا اسْتِحْبَابَ زِيَادَةِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَسَحُولِيَّةٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا فَعَلَى الْفَتْحِ النِّسْبَةُ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقَصَّارُ الَّذِي يَسْحَلُهَا أَيْ يُقَصِّرُهَا وَيَغْسِلُهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ النِّسْبَةُ إلَى سَحُولَةَ الْقَرْيَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْيَمَنِ، وَعَلَى الضَّمِّ فَهُوَ جَمْعُ سُحُلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قُطْنٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَضْمُومُ، كَمَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الثَّوْبُ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَثْوَابٍ أَفْضَلُ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يُقَمَّصَ الْمَيِّتُ) أَيْ يَلْبَسَ قَمِيصًا (وَيُعَمَّمَ) أَيْ يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ، كَمَا يُنْدَبُ تَخْمِيرُ رَأْسِ الْمَرْأَةِ كَمَا قَدَّمْنَا (وَيَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ (أَنْ يُحَنَّطَ) أَيْ يُطَيَّبَ الْمَيِّتُ بِمِسْكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ مُحْرِمًا وَمُعْتَدَّةً وَلَا يَتَوَلَّيَاهُ. (وَ) أَنْ (يُحْمَلَ الْحَنُوطُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا يَتَطَيَّبُ بِهِ (بَيْنَ أَكْفَانِهِ وَفِي) مَنَافِذِ (جَسَدِهِ) كَعَيْنَيْهِ وَأَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ بِأَنْ يُدِرُّ مِنْهُ عَلَى قُطْنٍ وَيُلْصَقُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَفِي أُذُنَيْهِ وَعَلَى مَخْرَجِهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالٍ. (وَ) يُجْعَلُ (فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ) كَالْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ يُلَفُّ الْكَفَنُ عَلَيْهِ بَعْدَ تَبْخِيرِهِ بِنَحْوِ الْعُودِ وَيُرْبَطُ الْكَفَنُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقِيلَ يُخَاطُ وَيُحَلُّ عِنْدَ الدَّفْنِ.
(٢) (تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ التَّكْفِينِ وَلَا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَإِنْ نَصَّ عَلَى نَدْبِ إيتَارِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَالْبَاقِي سُنَّةٌ خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَالْخِلَافُ فِي الذَّكَرِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَأَمَّا التَّكْفِينُ وَهُوَ إدْرَاجُ الْمَيِّتِ فِي الْكَفَنِ فَوَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمُوَارَاتِهِ فِي التُّرَابِ.
(٣) الثَّالِثَةُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَنْ يَلْزَمُهُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَإِلَّا فَمِنْ مَالِهِ وَلَوْ صَغِيرًا. الثَّالِثَةُ: الْأَفْضَلُ فِي الْكَفَنِ الْبَيَاضُ لِمُوَافَقَةِ كَفَنِهِ - ﷺ - وَيَجُوزُ بِالْمَلْبُوسِ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا
[ ١ / ٢٨٩ ]
[غسل الشهداء والصلاة عليهم]
قَاتِلِ نَفْسِهِ وَيُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ
وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ
وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ وَيَقُولُ حِينَئِذٍ اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ نَزَلَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] سَاتِرًا لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ - ﵁ -: الْحَيُّ أَوْلَى بِالْجَدِيدِ إنَّهُ لِلْمِهْنَةِ وَالصَّدِيدِ، وَيُكْرَهُ التَّكْفِينُ فِي الْحَرِيرِ وَلَوْ لِلرِّجَالِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، كَمَا يُكْرَهُ التَّكْفِينُ بِالنَّجَسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ أَوْ الْأَسْوَدِ أَوْ الْأَزْرَقِ، بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِمَا فِيهِ طِيبٌ كَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُوَرَّسِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا عِنْدَهَا فَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي كُلِّ سَاتِرٍ وَلَوْ نَجِسًا أَوْ حَشِيشًا. [غُسْلِ الشُّهَدَاءِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ] ثُمَّ أَشَارَ إلَى بَعْضِ شُرُوطِ التَّغْسِيلِ بِذِكْرِ ضِدِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ) بِقَتْلِهِ (فِي الْمُعْتَرَكِ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ شَرْطَ التَّغْسِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَيِّتُ شَهِيدَ حَرْبٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُغَسَّلُ شَهِيدُ مُعْتَرَكٍ فَقَطْ وَلَوْ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ وَإِنْ أَجْنَبَ عَلَى الْأَحْسَنِ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَغْسِيلُهُ سَوَاءٌ قَاتَلَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَوْ لِلْغَنِيمَةِ، سَوَاءٌ غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْعَدُوَّ أَوْ عَكْسُهُ، سَوَاءٌ قَاتَلَ أَوْ لَمْ يُقَاتِلْ بِأَنْ كَانَ غَافِلًا حَتَّى قَتَلَهُ الْعَدُوُّ، أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ بِظَنِّهِ كَافِرًا، أَوْ دَاسَتْهُ الْخَيْلُ، أَوْ رَجَعَ بِسَيْفِهِ عَلَيْهِ، أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، أَوْ حَمَلَ عَلَى الْعَدُوِّ فَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ. (وَ) كَمَا لَا يُغَسَّلُ (لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) لِقَوْلِ خَلِيلٍ وَتَلَازُمًا؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّهِيدُ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا لِرَفْعِ دَرَجَتِهِ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ طَلَبِ تَغْسِيلِهِ قَوْلُهُ - ﷺ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ فَإِنِّي قَدْ شَهِدْت عَلَيْهِمْ وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْ كَلْمٍ وَيُكْلَمُ فِي اللَّهِ إلَّا هُوَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ» . فَإِنْ قِيلَ: لِمَ غُسِّلَتْ الْأَنْبِيَاءُ وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ أَكْمَلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ حُرْمَةَ غُسْلِ الشُّهَدَاءِ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْضِي الْأَفْضَلِيَّةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ، وَإِذَا شَرَعَ الشَّخْصُ فِي الصَّلَاةِ يُقْبِلُ عَلَيْهِ وَيُوَسْوِسُ لَهُ، مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ مِنْ الْأَذَانِ، وَأَيْضًا الشَّهِيدُ إنَّمَا حُذِّرَ مِنْ تَغْسِيلِهِ اسْتِبْقَاءً لِلدَّمِ لِيَشْهَدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى حُرْمَةِ تَغْسِيلِ الشُّهَدَاءِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَتَلَهُ كَافِرٌ مَعَ أَنَّهُ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَاتِلَ عُمَرَ - ﵁ - غَيْرُ حَرْبِيٍّ بَلْ رَقِيقٌ نَصْرَانِيٌّ يَلْزَمُ قَاتِلَهُ قِيمَتُهُ. وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: فِي الْمُعْتَرَكِ عَنْ شَهِيدِ الْآخِرَةِ كَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيبِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَسُمِّيَ الشَّهِيدُ شَهِيدًا؛ لِأَنَّ رُوحَهُ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ وَدَخَلَتْهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِخِلَافِ رُوحِ غَيْرِهِ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ صَاحِبِهَا وَهُوَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ وَالصِّرَاطِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ كُلًّا مِنْ شَهِيدِ الْحَرْبِ وَالْآخِرَةِ لَا يُسْأَلُ. (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُدْفَنَ بِثِيَابِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَدُفِنَ بِثِيَابِهِ إنْ سَتَرَتْهُ وَإِلَّا زِيدَ بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ قَلَّ ثَمَنُهَا وَخَاتَمٍ قَلَّ فَصُّهُ لَا دِرْعٍ وَسِلَاحٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «زَمِّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ» . (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ)؛ لِأَنَّ عِصْيَانَهُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لَا يُسْقِطُ طَلَبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُسْلِمًا. (وَ) كَذَا يَجِبُ أَنْ (يُصَلَّى عَلَى مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ) مُوجِبٍ لِلْقَتْلِ كَرَجْمٍ أَوْ حِرَابَةٍ أَوْ تَرْكِ صَلَاةٍ كَسَلًا. (أَوْ) قَتَلَهُ فِي (قَوَدٍ) لِقَتْلِهِ مُكَافِئًا لَهُ لِلْحُكْمِ بِإِسْلَامِ الْجَمِيعِ، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَيْ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الَّذِي يُبَاشِرُ الصَّلَاةَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَعَاصِي غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ قَاتِلِ نَفْسِهِ وَمَا بَعْدَهُ (الْإِمَامُ) وَلَا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْمُرَادُ يُكْرَهُ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْمَكْرُوهِ: وَصَلَاةُ فَاضِلٍ عَلَى بِدْعِيٍّ أَوْ مُظْهِرِ كَبِيرَةٍ، وَالْإِمَامِ عَلَى مَنْ حَدُّهُ الْقَتْلُ بِحَدٍّ أَوْ قَتْلٍ وَإِنْ تَوَلَّاهُ النَّاسُ دُونَهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ فَتَرَدَّدَ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُصَلَّى عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ وَلَا تُعَادُ مَرْضَاهُمْ وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُمْ أَدَبًا لَهُمْ، فَإِنْ خِيفَ ضَيْعَتُهُمْ غُسِّلُوا وَكُفِّنُوا وَصَلَّى عَلَيْهِمْ غَيْرُ أَهْلِ الْفَضْلِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ الْإِمَامُ بِالذِّكْرِ مَعَ عَدَمِ قَصْرِ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهِ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي قَوْلِهِ بِجَوَازِ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالرَّجْمِ مُحْتَجًّا «بِأَنَّهُ - ﷺ - صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ»، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي تَعْزِيرٍ أَوْ فِي حَدٍّ غَيْرِ الْقَتْلِ لَا تُكْرَهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَلَا مَنْ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِرًا بِالْمَعَاصِي، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ صَلَاتِهِمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ جُمْلَةً عَلَى مَنْ ذُكِرَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ صَلَاتُهُ حَتَّى الْفَاضِلُ لِوُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى كُلِّ مَحْكُومٍ لَهُ بِالْإِسْلَامِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ الْمَكْرُوهَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِمِجْمَرٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الْجَمْرُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا بِالْمِبْخَرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِتْبَاعُهُ بِنَارٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ: «لَا يُتْبَعُ الْمَيِّتُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ» قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَكَرَاهَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ زَائِدَةٌ عَنْ التَّرْجَمَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ) فِي حَالِ الذَّهَابِ إلَى الصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ (أَفْضَلُ) مِنْ الْمَشْيِ خَلْفَهَا لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ»
[ ١ / ٢٩٠ ]
[صفة وضع الميت في قبره]
بِك وَخَلَّفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَك اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -
وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ وَتَجْصِيصُهَا
وَلَا يُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ وَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَافِعٌ وَحَقُّ الشَّافِعِ أَنْ يَتَقَدَّمَ، فَالْمَاشِي أَمَامَهَا مُحَصِّلٌ لِفَضِيلَتَيْنِ الْمَشْيِ وَالتَّقَدُّمِ، وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ إلَّا بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ الْمَاشِينَ، وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالرَّاكِبُونَ فَالْمَنْدُوبُ فِي حَقِّهِمْ التَّأَخُّرُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمَشْيُ مُشَيِّعٍ وَإِسْرَاعُهُ وَتَقَدُّمُهُ وَتَأَخُّرُ، رَاكِبٍ وَامْرَأَةٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ لِخَبَرِ: «أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهُمْ إلَيْهِ وَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَنَدْبُ الْإِسْرَاعِ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ بِجَنَائِزِكُمْ»؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْرَاعِ مَا فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ دُونَ الْخَبَبِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْقَصْدِ.
(٢) (تَنْبِيهٌ): الَّذِي يُطْلَبُ مِنْهُ الْخُرُوجُ لِتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا هُمْ الرِّجَالُ وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَأَمَّا النِّسَاءُ الْمَخْشِيَّاتُ الْفِتْنَةَ فَلَا يَحِلُّ خُرُوجُهُنَّ وَلَوْ لِجِنَازَةِ وَلَدٍ أَوْ زَوْجٍ، وَأَمَّا الشَّابَّةُ غَيْرُ الْمَخْشِيَّةِ فَتَخْرُجُ لِجِنَازَةِ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهَا فَقْدُهُ كَابْنِهَا وَزَوْجِهَا وَأَخِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ. [صِفَةِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُجْعَلَ الْمَيِّتُ) أَيْ يُضْجَعَ (فِي قَبْرِهِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، وَتُحَلُّ عُقَدُ كَفَنِهِ، وَتُمَدُّ يَدُهُ الْيُمْنَى عَلَى جَسَدِهِ، وَيُعْدَلُ رَأْسُهُ بِالتُّرَابِ وَرِجْلَاهُ بِرِفْقٍ، وَيُجْعَلُ التُّرَابُ خَلْفَهُ وَأَمَامَهُ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَضْعُهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فَعَلَى ظَهْرِهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِوَجْهِهِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَضُجِعَ فِيهِ عَلَى أَيْمَنَ مُقْبِلًا وَتُدُورِكَ إنْ خُولِفَ بِالْحَضْرَةِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي قَبْرِهِ بَلْ مَيِّتُ الْبَحْرِ إنْ لَمْ يُرْجَ الْبُرْءُ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُثَقَّلُ بِشَيْءٍ فِي رِجْلَيْهِ أَوْ لَا قَوْلَانِ. (تَنْبِيهٌ) هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ يَمُوتُ وَخِفْنَا عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ لِعَدَمِ كَافِرٍ يُوَارِيه فَيَجِبُ عَلَيْنَا مُوَارَاتُهُ وَلَا يُسْتَقْبَلُ بِهِ قِبْلَتَنَا وَلَا قِبْلَتَهُ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُنْصَبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ الطُّوبُ النِّيءُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسَدُّهُ بِلَبِنٍ ثُمَّ لَوْحٍ ثُمَّ قُرْمُودٍ ثُمَّ آجُرٍّ ثُمَّ قَصَبٍ، وَسَتْرُهُ بِالتُّرَابِ أَوْلَى مِنْ التَّابُوتِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ " مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَلْحَدَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَنَصَبَ اللَّبِنَ عَلَى لَحْدِهِ» وَفَعَلَ بِهِ - ﵊ - كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَهُوَ أَفْضَلُ مَا يَسُدُّهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ خَلَا التُّرَابَ فَالسَّدُّ بِهِ وَصَبُّهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ وَضْعِهِ فِي التَّابُوتِ وَهُوَ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُوضَعُ كَالصُّنْدُوقِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ لِلْوَاضِعِ لِلْمَيِّتِ فِي حَالِ إضْجَاعِهِ لَهُ أَنْ (يَقُولَ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ سَدِّ الْقَبْرِ عَلَيْهِ (اللَّهُمَّ إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ نَزَلَ بِك) ضَيْفًا (وَخَلَّفَ) بِشَدِّ اللَّامِ أَيْ تَرَكَ (الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَافْتَقَرَ إلَى مَا عِنْدَك) مِنْ الرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدِمَ وَحِيدًا فَرِيدًا وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مُتَعَزِّزًا بِقَوْمِهِ وَمَالِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا أَوْ أَبًا (اللَّهُمَّ ثَبِّتْ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَشَدِّهَا (عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ (مَنْطِقَهُ) أَيْ نُطْقَهُ وَالْمَعْنَى: أَسْأَلُك يَا رَبِّ أَنْ تُعْطِيَ هَذَا الْمَيِّتَ قُوَّةً عَلَى فَهْمِ وَرَدِّ جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْأَلَانِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بَعْدَ إقْعَادِهِ وَرَدِّ الْحَيَاةِ فِي جَمِيعِهِ وَقِيلَ نِصْفِهِ الْأَعْلَى وَإِعْطَائِهِ مِنْ الْعَقْلِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفَهْمُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الْحَاضِرِينَ لِلدَّفْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآخِرَةِ وَقْتُ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي الْعَقِيدَةِ. (وَلَا تَبْتَلِهِ) أَيْ لَا تَخْتَبِرْهُ (فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ) أَيْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى رَدِّ جَوَابِهِ لِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ صِفَةَ السُّؤَالِ مُخْتَلِفَةٌ بِالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ. (وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ - ﷺ -) أَيْ اجْعَلْهُ فِي جِوَارِهِ وَمَشْمُولًا بِشَفَاعَتِهِ، وَاخْتَارَ هَذَا الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ لَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: «بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - اللَّهُمَّ تَقَبَّلْهُ بِأَحْسَنِ قَبُولٍ» . قَالَ الْإِمَامُ أَشْهَبُ: عَقِبَ هَذَا الدُّعَاءِ إنْ دَعَا بِغَيْرِهِ فَحَسَنٌ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الدُّعَاءِ مِمَّا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى خَلِيلٍ فَرَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى دَفْنِ الْمَيِّتِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ إظْهَارِ قَبْرِهِ فَقَالَ: (وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ) وَكَذَا تَحْوِيزُ مَوَاضِعِهَا بِالْبِنَاءِ حَوْلَهَا؛ لِأَنَّهُ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَإِنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ «وَضَعَ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ حَجَرًا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهِ قَبْرَ أَخِي وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِهِ» وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ لِلْبِنَاءِ إذَا عَرَى قَصْدُ الْمُبَاهَاةِ وَإِلَّا حَرُمَ، كَمَا إذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ كَصَيْرُورَتِهِ مَأْوًى لِلُّصُوصِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَمَحِلُّهَا أَيْضًا إذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْبَانِي أَوْ مُبَاحَةٍ كَمَوَاتٍ، وَأَمَّا فِي أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ فَحَرَامٌ كَالْقَرَافَةِ بِمِصْرَ، وَمَحَلُّهَا أَيْضًا مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُجَرَّدَ تَمْيِيزِ الْقَبْرِ وَإِلَّا جَازَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ لِلتَّمْيِيزِ، قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ الْبِنَاءُ أَوْ التَّجْوِيزُ، كَمَا يَجُوزُ وَضْعُ خَشَبَةٍ أَوْ
[ ١ / ٢٩١ ]