دَابَّةٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى.
وَالْمُودَعُ إنْ قَالَ رَدَّ الْوَدِيعَةَ إلَيْك صَدَقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ.
وَإِنْ قَالَ ذَهَبْت فَهُوَ مُصَدَّقٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَضَمِنَ الْمَغِيبُ عَلَيْهِ إلَّا لِبَيِّنَةٍ، وَهَلْ وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَهُ تَرَدَّدَ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ نَفْيَ الضَّمَانِ، لِأَنَّ الْإِعَارَةَ مَعْرُوفٌ وَإِسْقَاطَ الضَّمَانِ مَعْرُوفٌ ثَانٍ، وَمِثْلُ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ لَوْ عَلِمَ أَنَّ التَّلَفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ كَسُوسٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ قَرْضِ فَأْرٍ لَكِنْ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانُ الْعَارِيَّةِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا يَوْمَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْعَارِيَّةِ عَلَى مَا يَنْقُصُهَا الِاسْتِعْمَالُ الْمَأْذُونُ فِيهِ بَعْدَ الْحَلِفِ، لَقَدْ ضَاعَتْ ضَيَاعًا لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَدِّهَا لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إخْفَائِهَا رَغْبَةً فِي أَخْذِهَا بِقِيمَتِهَا، فَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَنَقَصَتْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا مَعَ مُرَاعَاةِ نَقْصِهَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ. الثَّانِي: إذَا غَرِمَ الْمُسْتَعِيرُ الْقِيمَةَ ثُمَّ وُجِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ اللِّصِّ فَإِنَّهَا تَكُونُ حَقًّا لِلْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا لِغُرْمِ قِيمَتِهَا، وَمِثْلُ الْمُسْتَعِيرِ الْحَيَّاكُ وَالْخَيَّاطُ وَالصَّبَّاغُ يَدَّعُونَ الضَّيَاعَ وَيَغْرَمُونَ قِيمَةَ مَا ضَاعَ ثُمَّ يُوجَدُ فَإِنَّهُ يَكُونُ حَقًّا لَهُمْ، وَأَمَّا لَوْ وُجِدَ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِصَاحِبِهِ كَالْغَاصِبِ يَدَّعِي ضَيَاعَ أَوْ تَلَفَ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُسْتَعِيرُ (مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يُمْكِنُ إخْفَاؤُهُ (مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) كَبَقَرَةٍ أَوْ سَفِينَةٍ بِمِرْسَاةٍ وَلَوْ شَرَطَ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ الضَّمَانَ قَالَ خَلِيلٌ: لَا غَيْرُهُ وَلَوْ بِشَرْطٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ وَالضَّيَاعِ بِغَيْرِ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ دَابَّةٍ يَوْمَ كَذَا ثُمَّ تَشْهَدُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) عَلَيْهَا بِأَنَّ حَمْلَهَا أَضَرَّ مِمَّا اسْتَعَارَهَا لَهُ وَلَوْ أَقَلُّ قَدْرًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَلِفَتْ بِفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ فَلَا ضَمَانَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِعْلُ الْمَأْذُونِ وَمِثْلُهُ وَدُونِهِ لَا أَضَرَّ، وَجَوَازُ فِعْلِ الْمِثْلِ جَائِزٌ وَلَوْ فِي الْمَسَافَةِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْعُدُولُ عَنْ الْمَسَافَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا وَإِنْ سَاوَتْ إلَّا بِإِذْنِ الْمُكْرِي لِمَا فِي الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ بَيْعِ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَهُوَ يَجُوزُ، وَإِذَا ثَبَتَ تَعَدِّيهِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا بَعْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ، وَنَظِيرُهُ وَلَوْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا جَدِيدًا لِلُبْسِهِ ثُمَّ يَدَّعِي ضَيَاعَهُ سَرِيعًا دُونَ ثُبُوتٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ بَعْدَ لُبْسِهِ شَهْرًا كَمَا أَشَرْنَا لِذَلِكَ قَبْلُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَا لَوْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِحَمْلِ شَيْءٍ ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ: وَحُكْمُهُ إذَا زَادَ مَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ فَإِنَّ صَاحِبَهَا بِالْخِيَارَيْنِ أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ أَوْ يَأْخُذُ كِرَاءَ الزَّائِدِ فَقَطْ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِيمَا أُعِيرَتْ لَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ عَشَرَةٌ، قِيلَ: كَمْ يُسَاوِي كِرَاؤُهَا فِي جَمِيعِ مَا حُمِلَ عَلَيْهَا مِنْ الزَّائِدِ وَغَيْرِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ دَفَعَ لِلْمُعِيرِ الْخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي فَاللَّازِمُ الْقِيمَةُ هَكَذَا يَظْهَرُ، وَأَمَّا لَوْ سَلِمَتْ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ أَوْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ وَسَلِمَتْ أَوْ عَطِبَتْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُعِيرِ إلَّا كِرَاءَ الزَّائِدِ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ. الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ مَعَ قِيَامِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ فَإِنَّ الْخِيَارَ فِيهِ لِلْمُعِيرِ، إنْ شَاءَ يَأْمُرُ الْمُسْتَعِيرَ بِقَلْعِهِمَا وَتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، أَوْ يَدْفَعُ لَهُ قِيمَتَهُمَا مَقْلُوعَيْنِ بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا الْمُسْتَعِيرُ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَغَرَسَهَا أَوْ بَنَاهَا. [بَاب الْوَدِيعَة] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الْعَارِيَّةِ شَرَعَ فِي سَابِعِ الْأَبْوَابِ وَهُوَ بَابُ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أَيْ مَا تَرَكَ عَادَةَ إحْسَانِهِ فِي الْوَحْيِ إلَيْك وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْأَسْمَى لُغَةً الْأَمَانَةُ، وَاصْطِلَاحًا مَالٌ وَكُلٌّ عَلَى حِفْظِهِ، وَأَمَّا بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَقَالَ خَلِيلٌ: الْإِيدَاعُ تَوْكِيلٌ بِحِفْظِ مَالٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نَقْلُ مُجَرَّدِ حِفْظِ مِلْكٍ يُنْقَلُ فَيَدْخُلُ إيدَاعُ ذِكْرِ الْحُقُوقِ وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَبِ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ لِانْتِفَاءِ لَوَازِمِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الضَّمَانِ، وَأَيْضًا الْحُرُّ لَا يُقَالُ لَهُ مَالٌ، وَيَخْرُجُ وَضْعُ الْأَمَةِ مُدَّةَ الْمُوَاضَعَةِ عِنْدَ أَمِينَةٍ، لِأَنَّ وَضْعَهَا لَمْ يَكُنْ لِحِفْظِهَا وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِخْبَارِ بِحَيْضِهَا، وَقَوْلُهُ يُنْقَلُ تَقْتَضِي إخْرَاجَ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَقَارِ الَّتِي لَمْ تَقْبَلْ النَّقْلَ حِسًّا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْإِيدَاعَ لَا يَتَقَيَّدُ بِمَا يُنْقَلُ حِسًّا، فَيَكُونُ الْإِيدَاعُ فِيهِ لِيَحْفَظَهُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ مِمَّنْ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ الْإِيدَاعِ فِي الْأَصْلِ الْجَوَازُ لِلْفَاعِلِ وَالْقَابِلِ، وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ كَخَائِفٍ فَقْدَهَا الْمُوجِبِ لِهَلَاكِهِ أَوْ فَقْرِهِ إنْ لَمْ يُودِعْهَا مَعَ وُجُودِ قَابِلٍ لَهَا يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِهَا، وَالْحُرْمَةُ كَإِيدَاعِ الْغَاصِبِ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَحْدِهَا لِيَرُدَّهَا لِرَبِّهَا، أَوْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ مُسْتَغْرِقَ الذِّمَّةِ، لِأَنَّ عِيَاضًا ذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَبِلَ وَدِيعَةً مِنْ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ ثُمَّ رَدَّهَا إلَيْهِ بِضَمِّهَا لِلْفُقَرَاءِ وَنَدْبِهَا حَيْثُ يَخْشَى
[ ٢ / ١٦٩ ]
بِكُلِّ حَالٍ.
وَالْعَارِيَّةُ لَا يُصَدَّقُ فِي هَلَاكِهَا فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ.
وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ ضَمِنَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ دَنَانِيرَ فَرَدَّهَا فِي
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَا يُوجِبُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَكَرَاهَتُهَا حَيْثُ يَخْشَى مَا يُحَرِّمُهَا دُونَ تَحَقُّقٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَخَبَرُ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ وَمِنْ عَمَلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الْخِيَانَةُ فَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ وَعَمَلِ الْفُسَّاقِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُسْنِ الْإِيدَاعِ وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ، وَالْمُودَعُ بِالْفَتْحِ، وَشَرْطُهُمَا أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ فِي الْجُمْلَةِ لِيَشْمَلَ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَوَكَّلُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدٍ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فَلَا يُودَعَانِ وَلَا يَسْتَوْدِعَانِ، لَكِنْ إنْ أَوْدَعَاك شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْك يَا رَشِيدُ حِفْظُهُ، وَإِنْ أَوْدَعْت عِنْدَهُمَا فَأَتْلَفَا أَوْ فَرَّطَا لَمْ يَضْمَنَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ أَوْدَعَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا أَوْ فَرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَالثَّالِثُ الشَّيْءُ الْمُودَعُ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهُ وَلَوْ عَقَارًا، وَأَمَّا الصِّيغَةُ فَهِيَ شَرْطٌ وَقِيلَ رُكْنٌ رَابِعٌ وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ طَلَبُ الْحِفْظِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ، حَتَّى لَوْ وَضَعَ شَخْصٌ مَتَاعَهُ عِنْدَ جَالِسٍ رَشِيدٍ بَصِيرٍ سَاكِتٍ وَذَهَبَ الْوَاضِعُ لِحَاجَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ حِفْظُهُ بِحَيْثُ يَضْمَنُهُ إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهِ حَتَّى ضَاعَ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا مِنْهُ بِالْإِيدَاعِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا الْأَعْمَى فَلَا بُدَّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْمَنَ إنْ فَرَّطَ فَقَالَ: (وَالْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَهُوَ مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ (إنْ قَالَ رَدَدْت الْوَدِيعَةَ إلَيْك) يَا مُودِعُ بِكَسْرِ الدَّالِ (صَدَقَ) لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمَانَةِ عَدَمُ الضَّمَانِ وَإِنَّمَا يَصْدُقُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ الْمُتَّهَمُ أَيْ الَّذِي يُظَنُّ فِيهِ التَّسَاهُلُ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنْ وَكَّلَ حَلَفْت يَا مُودِعُ إنْ حَقَّقْت عَلَيْهِ الدَّعْوَى كَانَ مُتَّهَمًا أَمْ لَا وَتُضَمِّنُهُ الْوَدِيعَةَ، وَهَذَا عَامٌّ فِي دَعْوَى الرَّدِّ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَدَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ تَتَوَجَّهُ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ وَلَوْ كَانَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَلَا يَغْرَمُ إذَا نَكَلَ إلَّا بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى مُودِعٍ بِالْكَسْرِ، وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى فَلَا تُتَوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ اتَّهَمَ وَإِذَا نَكَلَ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَمَحَلُّ تَصْدِيقِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِإِشْهَادٍ) بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى الرَّدِّ لِلْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ عَلَى يَدِ بَيِّنَةٍ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ لَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى رَدِّهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلتَّوَثُّقِ هِيَ الَّتِي يَقُولُ مُشْهِدُهَا: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَشْهَدْت خَوْفَ دَعْوَى الرَّدِّ أَوْ الْجَحْدِ، وَأَمَّا إشْهَادُهَا خَوْفَ الْمَوْتِ أَوْ خَوْفَ دَعْوَى التَّلَفِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّوَثُّقَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِلتَّوَثُّقِ قَصْدُ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ أَشْهَدَ تِلْكَ الْبَيِّنَةَ بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَأَمَّا لَوْ أَشْهَدَ مِنْ قَصْدِهِ وَفِي الْحَطَّابِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا لِلتَّوَثُّقِ عِلْمُ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ أَنَّ الْمُودَعَ بِالْكَسْرِ قَصَدَ بِهَا التَّوَثُّقَ، وَأَمَّا لَوْ أَشْهَدَ مَنْ هِيَ عِنْدَهُ أَنَّ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لِزَيْدٍ مَثَلًا قَاصِدًا إشْهَادَهَا عَلَى قَبْضِهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَإِشْهَادِهَا الْمُودِعَ بِالْكَسْرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ كَإِشْهَادِهَا فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرَّدِّ. (تَنْبِيهٌ) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: رَدَدْتهَا عَلَيْك أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رَدَدْتهَا لِوَالِدِك مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، لِأَنَّ دَعْوَى الرَّدِّ لِلْيَدِ الَّتِي لَمْ تَدْفَعْ لَا تَنْفَعُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَارِثِك، وَالضَّابِطُ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ الْمُؤْتَمَنَةِ إذَا كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِلْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى الدَّفْعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ عَلَى ذِي الْيَدِ الَّتِي ائْتَمَنَتْهُ أَوْ عَلَى وَارِثِهَا وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الضَّمَانُ، وَلَمَّا كَانَتْ دَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ مُخَالِفَةٌ لِدَعْوَى الرَّدِّ قَالَ: (وَإِنْ قَالَ) مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ (ذَهَبَتْ) أَوْ ضَاعَتْ أَوْ هَلَكَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنِّي فِي حِفْظِهَا (فَهُوَ مُصَدَّقٌ) فِيمَا ادَّعَاهُ بِيَمِينِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا أَوْ حَقَّقَ عَلَيْهِ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ الدَّعْوَى وَالْمُتَّهَمُ يَغْرَمُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ، وَفِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ لَا يَغْرَمُ إلَّا بَعْدَ حَلِفِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (بِكُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوَثُّقِ أَمْ لَا، كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا أَمْ لَا. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِدَعْوَى التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ، أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ، أَوْ قَالَ: ضَاعَتْ مِنْ سِنِينَ وَكُنْت أَرْجُوهَا، وَلَوْ كَانَ صَاحِبُهَا حَاضِرًا فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ هَلَكَتْ بِتَقْصِيرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّهَا فِي إتْلَافِهَا أَوْ كَانَ الْمُودِعُ بِالْكَسْرِ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا، وَنَظِيرُهَا فِي الضَّمَانِ مَعَ الْإِذْنِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: اُقْتُلْنِي أَوْ اُقْتُلْ وَلَدِي، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ: احْرِقْ ثَوْبِي وَاقْطَعْ يَدِي فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِذْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَ وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الْتِزَامُ حِفْظِهَا بِمُجَرَّدِ قَبُولِهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْإِذْنُ. وَلَمَّا كَانَتْ الْعَارِيَّةُ
[ ٢ / ١٧٠ ]
[حكم الاتجار الوديعة بغير إذن مالكها]
صُرَّتِهَا ثُمَّ هَلَكَتْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ.
وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَالرِّبْحُ لَهُ إنْ كَانَتْ عَيْنًا.
وَإِنْ بَاعَ الْوَدِيعَةَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] تُخَالِفُ الْوَدِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَ قَالَ: (وَالْعَارِيَّةُ) مُخَالِفَةٌ لِلْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ (لَا يُصَدَّقُ فِي) دَعْوَى (هَلَاكِهَا) أَوْ ضَيَاعِهَا (فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ) مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَارِيَّةَ مُؤَدَّاةٌ أَيْ مَضْمُونَةٌ، وَإِنَّمَا أَعَادَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ وَإِنْ قَدَّمَهَا فِي الْعَارِيَّةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَعَدَّى عَلَى وَدِيعَةٍ) بِأَنْ حَرَقَهَا أَوْ دَلَّ لِصًّا عَلَيْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (ضَمِنَهَا) لِصَاحِبِهَا وَمِنْ التَّعَدِّي عَلَيْهَا إطْلَاقُ الْفَحْلِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا وَتَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَمِنْهُ نَقْلُهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى آخَرَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ أَوْ لَهَا وَلَكِنْ لَمْ يَنْقُلْهَا نَقْلَ أَمْثَالِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ انْكَسَرَتْ فِي نَقْلِ مِثْلِهَا وَيَخْلِطُهَا إلَّا كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ حَيْثُ وَقَعَ الْخَلْطُ بِالْمِثْلِ أَوْ غَيْرِهِ لِلْإِحْرَازِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ وَدِيعَةً إذْ غَيْرُهَا أَحْرَى فِي الضَّمَانِ بِالتَّعَدِّي مِنْ عَارِيَّةٍ وَرَهْنٍ وَغَيْرِهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي بَيَانِ التَّعَدِّي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْإِتْلَافِ خِلَافًا لِظَاهِرِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ، بَلْ مَتَى حَصَلَ الْإِتْلَافُ بِسَبَبِ مَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ ضَمِنَهَا وَلَوْ خَطَأً. قَالَ خَلِيلٌ: تُضَمْنَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ عَلَيْهَا مِنْ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ كَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَأْتِي لِبَائِعِ الْفَخَّارِ وَيَقُولُ لَهُ: قَلِّبْ مَا يُعْجِبُك فَيَأْخُذُ شَيْئًا يُقَلِّبُهُ فَيَسْقُطُ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا عَلَى شَيْءٍ فَيُتْلِفُهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْمَسْقُوطِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ السُّقُوطَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، سَوَاءٌ كَانَ يَضْمَنُ بِبَعْثِهَا لِصَاحِبِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَضْيِيعٍ مِنْ الرَّسُولِ وَبِنِسْيَانِهَا فِي مَوْضِعِ إيدَاعِهَا وَبِدُخُولِهِ الْحَمَّامَ بِهَا وَبِخُرُوجِهِ بِهَا يَظُنُّهَا لَهُ، أَوْ سَافَرَ بِهَا أَوْ يَسْتَعْمِلُهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَتَتْلَفُ، أَوْ أَمَرَهُ بِوَضْعِهَا فِي مَحَلٍّ فَخَالَفَ وَوَضَعَهَا فِي مَحَلٍّ غَيْرِ حِرْزٍ لَهَا، أَوْ تَكُونُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ إغْرَاءٌ لِلسَّارِقِ كَوَضْعِهَا فِي مَحَلٍّ عَلَيْهِ قُفْلَانِ. الثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِمَنْ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ إيدَاعُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ لِأَنَّ رَبَّ الْوَدِيعَةِ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِأَمَانَتِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِمَّنْ اعْتَادَ الْإِيدَاعَ عِنْدَهُ كَزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ، أَوْ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ عُذْرٌ يَقْتَضِي الْإِيدَاعَ عِنْدَ الْغَيْرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِشْهَادُ عَلَى الْعُذْرِ لِأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ، كَمَا لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا أَنِّي إنَّمَا أَوْدَعْتهَا لِعُذْرٍ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْهِدَهُمْ عَلَى عَيْنِ الْعُذْرِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا إذَا تَصَرَّفَ فِي الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ) أَيْ الْوَدِيعَةُ شَيْئًا مِثْلِيًّا (دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ) وَتَصَرَّفَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا. (فَرَدَّهَا فِي صُرَّتِهَا) الْمُرَادُ مِثْلُهَا (ثُمَّ هَلَكَتْ) بَعْدَ دَعْوَاهُ رَدَّهَا (فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ) وَعَدَمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا الْقَوْلُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَجَمَاعَةٍ حَيْثُ كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْوَدِيعَةِ مَكْرُوهًا بِأَنْ كَانَ مَلِيًّا حِينَ تَصَرُّفِهِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُعْدَمًا لَحُرِّمَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهَا إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّهَا، كَمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي الْوَدِيعَةِ الْمُقَوَّمَةِ كَعَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ إلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْوَدِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ وَحَرَامٌ، فَالْجَائِزُ التَّصَرُّفُ بِالْإِذْنِ مُطْلَقًا، وَالْحَرَامُ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ إذْنٍ حَيْثُ كَانَتْ مُقَوَّمَةً مُطْلَقًا أَوْ مِثْلِيَّةً وَهُوَ مُعْدَمٌ، وَإِذَا ادَّعَى رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهَا لِيَدِ صَاحِبِهَا، وَلَا يَكْفِي شَهَادَتُهَا عَلَى رَدِّهَا إلَى مَوْضِعِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَرِئَ إنْ رَدَّ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْجَائِزُ وَالْمُحَرَّمُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ لِأَنَّهُمَا صَارَا كَالسَّلَفِ الْحَقِيقِيِّ، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِمَا لِيَدِ صَاحِبِهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إجْمَالًا لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الرَّدِّ إلَى مَحَلِّ الْوَدِيعَةِ إلَّا فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ بِخِلَافِ قِسْمَيْ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بِأَنَّ الْجَائِزَ وَالْمُحَرَّمَ صَارَا بِمَنْزِلَةِ الْقَرْضِ فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى رَدِّهِ إلَى يَدِ صَاحِبِهِ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمَضْمُونَ وَهُوَ الْمِثْلُ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَالْقِيمَةُ إنْ كَانَتْ مُقَوَّمَةً، وَالضَّمَانُ لَهَا فِي ذِمَّةِ الْحُرِّ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُودَعُ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَيَضْمَنُهَا فِي ذِمَّتِهِ أَيْضًا، لَكِنْ يَدْفَعُهَا مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ وَقَبِلَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَتَقَ لَا فِي رَقَبَتِهِ، إلَّا أَنْ يُسْقِطَ سَيِّدُهُ عَنْهُ ضَمَانَهَا بِأَنْ يَقُولَ: أَسْقَطْتهَا عَنْ عَبْدِي فَلَا يُتْبَعُ بِهَا وَلَوْ عَتَقَ لِأَنَّهُ عَيْبٌ أَسْقَطَهُ عَنْ عَبْدِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ صَاحِبَهَا هُوَ الْمُسَلِّطُ لَهُمَا عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَبُولُهُمَا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا، اللَّهُمَّ أَنْ يَصُونَا بِهَا مَالَهُمَا فَيَضْمَنَانِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِمَّا صَوَّنَّاهُ لَا إنْ تَلِفَ مَا صَوَّنَّاهُ وَاسْتَفَادَا غَيْرَهُ. [حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الِاتِّجَارِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ اتَّجَرَ بِوَدِيعَةٍ) عِنْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا (فَذَلِكَ) الِاتِّجَارُ (مَكْرُوهٌ) سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُحَرَّمُ تَسَلُّفُهُمَا كَالْمُقَوَّمِ مُطْلَقًا وَالْمِثْلِيِّ لِلْمُعْدَمِ، أَوْ يُكْرَهُ كَالْمِثْلِيِّ لِلْمَلِيءِ، لِلْفَرْقِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالتِّجَارَةِ، بِأَنَّ الْمُتَسَلِّفَ قَصَدَ تَمَلُّكَهَا بِصَرْفِهَا فِي مَصَالِحِهِ، وَالْمُتَّجِرَ قَصَدَ تَحْرِيكَهَا لِيَأْخُذَ رِبْحَهَا وَيَحْبِسَ رَأْسَ الْمَالِ لِصَاحِبِهِ. (وَ) إذَا اتَّجَرَ الْوَدِيعَةِ فَ (الرِّبْحُ لَهُ)
[ ٢ / ١٧١ ]