فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي مَالِهَا، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي مَالِ الزَّوْجِ وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَتْ مَلِيَّةً فَفِي مَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَفِي مَالِ الزَّوْجِ. .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالْأَصْلِ الدَّانِي وَالْفَرْعِ الْقَرِيبِ وَالرَّقِيقِ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» . تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي أَوْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الْوَلَدُ: أَطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدْعُنِي، فَجَعَلَ الَّذِي يَعُولُهُ الشَّخْصُ زَوْجَتَهُ وَرَقِيقَهُ وَوَلَدَهُ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ وَقْفٌ عَلَى عِيَالِي، أَوْ هَذِهِ الْعُلُوفَةُ عَلَى الْعِيَالِ تَدْخُلُ زَوْجَتُهُ فِي الْعِيَالِ، وَقَلَّ أَنْ يَعْرِفَهَا الطَّالِبُ مِنْ غَيْرِ هَذَا فَافْهَمْ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَةِ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي حَالِ حَيَاتِهَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ بِمَوْتِهَا جَرَى فِي الْكَفَنِ خِلَافٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي كَفَنِ الزَّوْجَةِ) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) كَفَنُهَا وَسَائِرُ مُؤَنِ تَجْهِيزِهَا (فِي مَالِهَا) وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْفَتْوَى، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ إلَى قَوْلِهِ: لَا زَوْجِيَّةَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً لِانْقِطَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا بِمَوْتِهَا، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: مِنْ مَالِهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَعَلَى سَيِّدِهَا. (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ) كَفَنُهَا، وَمُؤَنُ تَجْهِيزِهَا (فِي مَالِ زَوْجِهَا) إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَلْزَمُهُ لَهَا النَّفَقَةُ لِبُلُوغِهِ وَيُسْرِهِ لِبَقَاءِ أَثَرِ الزَّوْجِيَّةِ لِجَوَازِ التَّغْسِيلِ وَالنَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ وَعُزِيَ لِمَالِكٍ، وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ: وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً (وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَتْ غَنِيَّةً) بِحَيْثُ يُوجَدُ عِنْدَهَا مَا تُكَفَّنُ بِهِ (فَفِي مَالِهَا) كَسَائِرِ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ. (وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَفِي مَالِ الزَّوْجِ) وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ كَفَّنَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَالِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا. (فَائِدَةٌ) سَحْنُونٌ: لُقِّبَ بِهِ لِحِدَّةِ فَهْمِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ السَّلَامِ وَفِي سِينِهِ وَجْهَانِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الْكَثِيرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْفَتْحُ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَالضَّمُّ.
(٢) (تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: سَكَتَ عَنْ كَفَنِ مَنْ يَلْزَمُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ سِوَى الزَّوْجَةِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّفَقَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ، وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ حُرًّا، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَرَقِيقُهُ وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ السَّيِّدِ إلَّا مَا يُكَفِّنُ أَحَدَهُمَا قُدِّمَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ سَيِّدِهِ.
(٣) الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ أَبُو شَخْصٍ أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَلَدُهُ وَنَفَقَةُ كُلٍّ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَعَجَزَ عَنْ تَكْفِينِ الْجَمِيعِ فَحُكْمُهُ كَالنَّفَقَةِ، فَيُقَدَّمُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ بِالْأَصَالَةِ، وَيَنْظُرُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَى عَلَى تَكْفِينِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ بَعْضِ الْأَوْلَادِ، وَمُقْتَضَى الْإِجْرَاءِ عَلَى النَّفَقَةِ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، وَالْأُنْثَى عَلَى الذَّكَرِ، وَالصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ، وَلْتُحَرَّرْ الْمَسْأَلَةُ. وَيَظْهَرُ الِاقْتِرَاعُ عِنْدَ تَسَاوِي الْوَلَدَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا مَا يُكَفِّنُ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْكَفَنُ الْمَوْجُودُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ يَكْفِي فِي السَّتْرِ الْوَاجِبِ، وَإِلَّا قُسِمَ بَيْنَهُمَا وَحَرِّرْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا. الثَّالِثَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَمْلُوكِ الْبَهِيمِيِّ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَالِكِهِ عَلَفُهُ الْمُعْتَادُ، وَلَوْ بِالشِّرَاءِ أَوْ يَبْعَثُهُ لِلْمَرْعَى، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُكَلِّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا يُطِيقُهُ، فَإِنْ لَمْ يُطْعِمْهُ أَوْ كَلَّفَهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُهُ بِيعَ عَلَيْهِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَأَمَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ بَيْعِهِ أَوْ ذَبْحِهِ.
(٤) الرَّابِعَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ أَيْضًا عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ كَرْمٌ أَوْ زَرْعٌ يَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ بِحَيْثُ يَتْلَفُ بِتَرْكِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ، إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعُهُ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ وَلَوْ بِجَمِيعِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَثِمَ لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ بِبَيْعِهِ. [بَابٌ فِي الْبُيُوعِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَقَائِدِ الْإِيمَانِ وَبَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِ الذَّبَائِحِ وَالْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْجِهَادِ وَالْأَنْكِحَةِ، وَمَا يَطْرَأُ لَهَا مِنْ طَلَاقٍ وَعِدَّةٍ وَسُكْنَى وَنَفَقَةٍ، شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٧١ ]
بَابٌ فِي الْبُيُوعِ، وَمَا شَاكَلَ الْبُيُوعَ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فِي الدُّيُونِ إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ وَإِمَّا أَنْ يُرْبَى لَهُ فِيهِ.
وَمِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (الْبُيُوعِ) جَمْعُ بَيْعٍ مَصْدَرُ بَاعَ، وَيَتَنَوَّعُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، وَلِذَا صَحَّ جَمْعُهُ، بِخِلَافِ الْمُؤَكِّدِ لِعَامِلِهِ لَا يُثَنَّى، وَلَا يُجْمَعُ، وَحَقِيقَتُهُ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ وَاصْطَلَحَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ: الْإِخْرَاجُ عَكْسُ اشْتَرَى، يُقَالُ: بَاعَ الشَّيْءَ إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ، وَاشْتَرَاهُ إذَا أَدْخَلَهُ فِي مِلْكِهِ، وَأَمَّا شَرَى فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا، وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِخْرَاجِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَاعُوهُ، وَالضَّمِيرُ فِي بَاعُوهُ لِإِخْوَةِ يُوسُفَ الَّذِينَ أَخَذُوهُ مِنْ السَّيَّارَةِ بِادِّعَاءِ أَنَّهُ عَبْدُهُمْ وَأَبَقَ مِنْهُمْ ثُمَّ بَاعُوهُ لَهُمْ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْبَيْعُ الْأَعَمُّ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ، فَيَخْرُجُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ وَالنِّكَاحِ، وَيَدْخُلُ هِبَةُ الثَّوَابِ وَالصَّرْفِ وَالْمُرَاطَلَةِ وَالسَّلَمِ، وَكَذَلِكَ قَالَ: وَالْغَالِبُ عُرْفًا أَخَصُّ مِنْهُ بِزِيَادَةِ ذُو مُكَايَسَةِ أَحَدِ عِوَضَيْهِ غَيْرِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الْعَيْنِ فِيهِ لِتَخْرُجَ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ الدَّاخِلَةُ فِي الْأَعَمِّ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ لَا مُكَايَسَةَ أَيْ لَا مُغَالَبَةَ فِيهَا، وَالصَّرْفُ وَالْمُرَاطَلَةُ وَالْمُبَادَلَةُ الْعِوَضَانِ فِيهَا مِنْ الْعَيْنِ وَالسَّلَمِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ الْعَيْنُ، وَهِيَ رَأْسُ الْمَالِ، وَأَمَّا غَيْرُ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَإِنَّهُ فِي الذِّمَّةِ، وَمَعْنَى كَوْنِ رَأْسِ الْمَالِ مُعَيَّنًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ، وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ تَعْبِيرَ ابْنِ عَرَفَةَ بِالْعَيْنِ فِي رَأْسِ الْمَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا، وَيَنْقَسِمُ الْبَيْعُ الْأَعَمُّ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مُسَاوَمَةٍ، وَمُزَايَدَةٍ، وَهُمَا جَائِزَانِ اتِّفَاقًا، وَبَيْعِ مُرَابَحَةٍ، وَهُوَ جَائِزٌ جَوَازًا مَرْجُوحًا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى الصِّدْقِ الْمَتِينِ، وَبَيْعِ اسْتِئْمَانٍ وَاسْتِرْسَالٍ، وَحَقِيقَةِ بَيْعِ الْمُسَاوَمَةِ أَنْ يَتَرَاضَى الشَّخْصَانِ عَلَى ثَمَنٍ وَلَا تَقْبَلُ زِيَادَةً بَعْدَهُ، وَلَوْ تَضَمَّنَ غَبْنًا، وَحَقِيقَةُ بَيْعِ الْمُزَايَدَةِ أَنْ يُطْلِقَ الرَّجُلُ سِلْعَتَهُ فِي يَدِ الدَّلَّالِ لِلنِّدَاءِ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَعْطَى فِيهَا ثَمَنًا لَزِمَهُ إنْ رَضِيَ مَالِكُهَا وَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى وَيَطْلُبَ الزِّيَادَةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ هَذَا يُورِثُ الضَّغَائِنَ فِي الْقُلُوبِ. وَحَقِيقَةُ بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ وَيَبِيعَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَحَقِيقَةُ بَيْعِ الِاسْتِئْمَانِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا الِاسْتِرْسَالُ أَنْ يَصْرِفَ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ قَدْرَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ لِعِلْمِ صَاحِبِهِ بِجَهْلِ الصَّارِفِ بِهِ أَيْ بِقَدْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ الْجَاهِلُ لِلْعَالِمِ: اشْتَرِ مِنِّي كَمَا تَشْتَرِي مِنْ النَّاسِ، أَوْ بِعْنِي كَمَا تَبِيعُ النَّاسُ، وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ عَلَى طَرِيقِ الْأَكْثَرِ لِثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْجَاهِلِ إذَا كَذَبَ عَلَيْهِ الْعَالِمُ بِأَنْ غَرَّهُ، وَمُقَابِلُ الْأَكْثَرِ سَمَاعُ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ لَا يَصِحُّ، وَيُفْسَخُ إنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا، وَإِنْ فَاتَ رَدَّ مِثْلَ الْمِثْلِيِّ، وَقِيمَةَ الْمُقَوَّمِ (وَ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ (مَا شَاكَلَ) أَيْ شَابَهُ (الْبُيُوعَ) مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ، كَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ التَّرْجَمَةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَا تَرْجَمَ لَهُ مُبْتَدِئًا بِحُكْمِ الْبَيْعِ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ الْجَوَازُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْآيَةَ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي لَا تَخْصِيصَ فِيهِ، إنْ قُلْنَا: إنَّ الْفَاسِدَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ بَيْعٌ إلَّا عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْعَامِّ الَّذِي دَخَلَهُ التَّخَصُّصُ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: وَأَحَلَّ اللَّهُ كُلَّ بَيْعٍ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِهِ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، كَمَنْ اُضْطُرَّ لِشِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالنَّدْبُ كَمَنْ أَقْسَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِهَا؛ لِأَنَّ إبْرَارَ الْقَسَمِ مَنْدُوبٌ، وَالْكَرَاهَةُ كَبَيْعِ الْهِرِّ وَالسَّبُعِ؛ لِأَخْذِ جِلْدِهِ، وَالتَّحْرِيمُ كَبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْ بَيْعِهِ نَحْوِ الْكَلْبِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْبَيْعَ تَعْرِضُ لَهُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، وَكَمَا دَلَّ عَلَى حِلِّهِ الْكِتَابُ
[ ٢ / ٧٢ ]
النَّسِيئَةِ بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَلَا يَجُوزُ فِضَّةٌ بِفِضَّةٍ وَلَا ذَهَبٌ بِذَهَبٍ إلَّا مِثْلًا.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ - ﷺ -: «أَفْضَلُ الْكَسْبِ بَيْعٌ مَبْرُورٌ وَعَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ» وَالْبَيْعُ الْمَبْرُورُ الَّذِي لَمْ يَعْصِ صَاحِبُهُ بِهِ وَلَا فِيهِ وَلَا مَعَهُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِأَرْكَانِ الْبَيْعِ وَلَا لِشُرُوطِ عَاقِدِهِ، وَلَا الْمَقْعُودِ عَلَيْهِ، وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: الْعَاقِدُ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ، وَشَرْطُ صِحَّةِ عَقْدِ الْعَاقِدِ مِنْ بَائِعٍ أَوْ مُشْتَرٍ التَّمْيِيزُ بِأَنْ يَفْهَمَ السُّؤَالَ وَيَرُدَّ جَوَابَهُ، وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا، وَشَرْطُ اللُّزُومِ التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى الرُّشْدِ وَالطَّوْعِ، فَلَا يَلْزَمُ بَيْعُ الصَّبِيِّ وَلَا السَّفِيهِ وَلَا الْمُكْرَهِ إكْرَاهًا حَرَامًا، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ جِهَةِ الْمُشْتَرِي حَيْثُ كَانَ رَشِيدًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَشَرْطُ عَاقِدِهِ تَمْيِيزٌ، وَلُزُومُهُ تَكْلِيفٌ لَا إنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ جَبْرًا حَرَامًا وَرَدَّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْعَاقِدِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا، بَلْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَازِمًا وَيُجْبَرُ غَيْرُ الْمُسْلِمِ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ إدَامَةِ الْمِلْكِ، وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا الطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً حَيْثُ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى اللُّزُومِ، وَإِلَّا جَازَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ جِنْسَهُ وَلَا نَوْعَهُ، وَعَدَمُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ الصِّيغَةُ، وَيَكْفِي فِيهَا كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَوْ مُعَاطَاةً، خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي: وَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْكَلَامِ كُلَّمَا يُفْهَمُ مَعَهُ الْمُرَادُ وَلَوْ إشَارَةً؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْقَوْلِ وَعَلَى كُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِفَادَةُ مِنْ إشَارَةٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ خَلِيلٌ: يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْ بِمُعَاطَاةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ تَقَدُّمُ إيجَابٍ عَلَى قَبُولٍ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى الرِّبَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى مَا يُفْهَمُ مِنْهُ بَعْضُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (وَحَرَّمَ) اللَّهُ - ﷾ - (الرِّبَا) بِالْقَصْرِ بِقِسْمَيْهِ النَّسَاءُ بِالْمَدِّ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ وَالْفَضْلُ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ، وَفِي مُسْلِمٍ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - آكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَهُ» فَمَنْ اسْتَحَلَّ الرِّبَا كَفَرَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَكَانَ مَنْ بَاعَ بِالرِّبَا فَهُوَ فَاسِقٌ يُؤَدَّبُ بَعْدَ فَسْخِ بَيْعِهِ، وَيَلْزَمُهُ رَأْسُ الْمَالِ بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَمَنْ قَبَضَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ رَدَّهُ لِرَبِّهِ إنْ عَرَفَهُ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ فَهُوَ لَهُ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ بَلْ يَسْقُطُ عَمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. (وَكَانَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ)، وَهِيَ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ (فِي الدُّيُونِ) إذَا تَمَّ أَجَلُ الدَّيْنِ يَقُولُ لَهُ مَنْ لَهُ التَّكَلُّمُ فِي شَأْنِهِ (إمَّا أَنْ يَقْضِيَهُ) مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ (وَإِمَّا أَنْ يُرْبِيَ) أَيْ يَزِيدَ (لَهُ فِيهِ) وَيُؤَخِّرَهُ وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ هَذَا سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ. مِثَالُ الزِّيَادَةِ فِي الْقَدْرِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ وَيَدْفَعَ لَهُ عَنْ الْعَشَرَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ بَدَلَ عَدَدِ الْكِلَابِ رِيَالَاتٍ، أَوْ عَنْ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَنَادِقَةً، فَإِنْ وَقَعَ وَأَخَّرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ إلَّا رَأْسَ مَالِهِ. وَفِي مَعْنَى الزِّيَادَةِ فِي الْحُرْمَةِ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ رَهْنًا أَوْ يُقِيمَ لَهُ حَمْلًا؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، وَمِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرِ مُخَالِفٍ لِجِنْسِ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ سَارَتْ قِيمَتُهُ حِينَ التَّأْخِيرِ قَدْرَ الدَّيْنِ بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا وَحَلَّ أَجَلُهَا فَأَخَّرَهُ بِهَا أَجَلًا ثَانِيًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا طَعَامًا أَوْ عَرَضًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَغَائِبٍ أَوْ مُوَاضَعَةٍ أَوْ مَنَافِعِ عَيْنٍ. وَأَمَّا لَوْ أَخَّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَوْ تَرَكَ لَهُ بَعْضَ الْحَقِّ وَأَخَّرَهُ أَجَلًا ثَانِيًا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ رِبَا الْفَضْلِ بِقَوْلِهِ: (وَمِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ) كَخَطِيئَةٍ فَهُوَ بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ الزِّيَادَةُ وَيُقَالُ لَهَا رِبًا أَيْ زِيَادَةُ الْفَضْلِ (بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ) حَالَ كَوْنِهِ (يَدًا بِيَدٍ) أَيْ مُنَاجَزَةً وَحَالَ كَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (مُتَفَاضِلًا وَكَذَلِكَ) أَيْ مِنْ الرِّبَا فِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ (الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ) مُتَفَاضِلًا يَدًا بِيَدٍ سَوَاءٌ كَانَا مَسْكُوكَيْنِ أَوْ مَصُوغَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ؛ لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ»، وَمَعْنَى لَا تُشِفُّوا بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ لَا تُفَضِّلُوا. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْحَدِيثِ حُرْمَةُ الْمُفَاضَلَةِ فِي بَيْعِ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا وَلَوْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ قَدْ أَجَازُوا الزِّيَادَةَ الْيَسِيرَةَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: الْأُولَى الْمُبَادَلَةُ. وَهِيَ بَيْعُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهَا عَدَدًا فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِشُرُوطٍ أَشَارَ لَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ بِأَنْ تَكُونَ سِتَّةً فَأَقَلَّ، وَأَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ السُّدُسَ فَأَقَلَّ، وَأَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْمُعَاقَدَةُ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَلَةِ، وَأَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَادَةِ الْمَعْرُوفُ. وَالثَّانِيَةُ: الْمُسَافِرُ تَكُونُ مَعَهُ الْعَيْنُ غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ، وَلَا تَرُوجُ مَعَهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُسَافِرُ إلَيْهِ، فَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُهَا لِلسَّكَّاكِ لِيَدْفَعَ لَهُ بَدَلَهَا مَسْكُوكًا، وَيَجُوزُ لَهُ دَفْعُ أُجْرَةِ السِّكَّةِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ زَائِدَةٌ وَعَلَى كَوْنِهَا
[ ٢ / ٧٣ ]
بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ
وَالْفِضَّةُ بِالذَّهَبِ رِبًا إلَّا يَدًا بِيَدٍ.
وَالطَّعَامُ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْقُطْنِيَّةِ وَشَبَهِهَا مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ أَوْ إدَامٍ لَا يَجُوزُ الْجِنْسُ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ.
وَلَا يَجُوزُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَرَضًا تُفْرَضُ مَعَ الْعَيْنِ عَيْنًا، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الْمُسَافِرِ مِنْ السَّفَرِ عِنْدَ تَأْخِيرِهِ لِضَرْبِهَا. الثَّالِثَةُ: الشَّخْصُ يَكُونُ مَعَهُ الدِّرْهَمُ الْفِضَّةُ وَيَحْتَاجُ إلَى نَحْوِ الْغِذَاءِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ لِنَحْوِ الزَّيَّاتِ وَيَأْخُذَ بِبَعْضِهِ طَعَامًا أَوْ جُدُدًا، وَبِالنِّصْفِ الْآخَرِ فِضَّةً حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ أَوْ عِوَضَ كِرَاءٍ بَعْدَ تَامِّ الْعَمَلِ لِوُجُوبِ تَعْجِيلِ الْجَمِيعِ، وَكَوْنُ الْمَدْفُوعِ دِرْهَمًا فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ وَالْمَدْفُوعُ مَسْكُوكَيْنِ، وَأَنْ يَجْرِيَ التَّعَامُلُ بِالْمَدْفُوعِ وَالْمَأْخُوذِ وَلَوْ لَمْ تَتَّحِدَ السِّكَّةُ، وَأَنْ يَتَّحِدَا فِي الرَّوَاجِ بِأَنْ تَكُونَ الْفِضَّةُ الْمَأْخُوذَةُ تَرُوجُ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ وَأَنْ يَتَعَجَّلَ الدِّرْهَمَ، وَمُقَابَلَةٌ مِنْ عَيْنٍ، وَمَا مَعَهَا. وَوَجْهُ التَّفَاضُلِ فِي هَذِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ يُفْرَضُ مَعَهَا عَيْنًا، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ إلَخْ. وَإِلَى الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِ تِبْرٍ يُعْطِيهِ الْمُسَافِرُ وَأُجْرَتُهُ دَارَ الضَّرْبِ؛ لِيَأْخُذَ زِنَتَهُ. وَإِلَى الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ إلَخْ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ مُتَفَاضِلًا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) بَيْعُ (ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَلَا) بَيْعُ (فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ) لَا مُرَاطَلَةَ وَلَا مُبَادَلَةَ فِي أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةٍ. (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (مِثْلًا بِمِثْلٍ)، وَمَقْبُوضًا (يَدًا بِيَدٍ) فِي غَيْرِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ: مُبَادَلَةُ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ، وَإِعْطَاءُ الْمُسَافِرِ نَحْوَ التِّبْرِ وَيَأْخُذُ مَسْكُوكًا، وَمَسْأَلَةُ الدِّرْهَمِ، وَإِذَا تَحَقَّقَتْ الْمُمَاثَلَةُ وَوُجِدَتْ الْمُنَاجَزَةُ جَازَ الْبَيْعُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَادَلَةِ أَوْ الْمُرَاطَلَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِصَنْجَةٍ أَوْ كِفَّتَيْنِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْعَيْنِ بِنَوْعِهَا شَرَعَ فِي بَيْعِهَا بِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) بَيْعُ (الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ رِبًا) فَيَحْرُمُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا يَدًا بِيَدٍ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْمُقَابَضَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» وَتَلَخَّصَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَدْخُلُ فِي الْعَيْنِ إلَّا إذَا كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا، وَأَمَّا النَّسَاءُ فَيَدْخُلُ فِيهِ مُطْلَقًا مُخْتَلِفًا أَوْ مُتَّفِقًا مَسْكُوكًا أَوْ غَيْرَهُ.
(٢) (تَنْبِيهٌ) بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا مُرَاطَلَةٌ، وَإِمَّا مُبَادَلَةٌ، وَإِمَّا صَرْفٌ، فَالْمُرَاطَلَةُ بَيْعُ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ وَزْنًا، وَالْمُبَادَلَةُ بَيْعُ النَّقْدِ بِمِثْلِهِ عَدَدًا، وَالصَّرْفُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِفُلُوسٍ، وَتَجِبُ الْمُنَاجَزَةُ فِي الْجَمِيعِ، وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ بِعَدَمِهَا وَلَوْ قَرِيبًا أَوْ غَلَبَةً، وَأَمَّا الْمُسَاوَاةُ فَتَجِبُ فِي الْمُرَاطَلَةِ، وَكَذَا فِي الْمُبَادَلَةِ إذَا زَادَ الْعَدَدُ عَلَى سِتَّةٍ أَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَوْ بَعْضِهَا أَكْثَرَ مِنْ السُّدُسِ.
(٣) (فَرْعٌ) لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْإِنَاءِ الْمَصْنُوعِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ إقْنَاؤُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ وَلَوْ فِي حَقِّ الْأُنْثَى، وَلَكِنْ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ يَصْنَعُهُ حُلِيًّا بِعَرَضٍ أَوْ نَقْدٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ اُشْتُرِطَتْ الْمُنَاجَزَةُ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ اُشْتُرِطَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْوَزْنِ وَالْمُنَاجَزَةُ، وَأَمَّا الْمُصَنَّعُ مِنْ النَّقْدَيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِالْعَرَضِ، وَلَا يَجُوزُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا وَلَوْ التَّابِعُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا الْمُحَلَّى بِالنَّقْدَيْنِ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ حُلِّيَ بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ بِأَنْ كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ الثُّلُثَ، وَالْجَوْهَرُ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ بِجِنْسِ الْأَقَلِّ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَإِنْ كَانَ الذَّهَبُ قَدْرَ الْفِضَّةِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ إلَّا بِالْعَرَضِ. (خَاتِمَةٌ) وَقَعَ خِلَافٌ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي النُّقُودِ، فَقِيلَ غَلَبَةُ الثَّمَنِيَّةِ، وَقِيلَ مُطْلَقُ الثَّمَنِيَّةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَخْرُجُ الْفُلُوسُ الْجُدُدُ فَلَا يَدْخُلُهَا الرِّبَا وَيَدْخُلُهَا عَلَى الثَّانِي. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَطْعِمَةِ وَبَيَانِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ الرِّبَا مِنْهَا، وَمَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّعَامُ) الْكَائِنُ (مِنْ الْحُبُوبِ) ذَاتِ السُّنْبُلِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَأُلْحِقَ بِهِمَا السُّلْتُ (وَ) الْكَائِنُ مِنْ (الْقُطْنِيَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَوْ ضَمِّهَا وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَحُكِيَ تَخْفِيفُهَا، وَتُجْمَعُ عَلَى قَطَانِيٍّ كَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَالْبَسِيلَةِ وَالْجُلْبَانِ وَالتُّرْمُسِ وَاللُّوبِيَا وَالْكِرْسِنَّةِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْبَسِيلَةِ وَفِي لَوْنِهَا حُمْرَةٌ، وَالْبَاجِيُّ يَقُولُ: هِيَ الْبَسِيلَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَقْطُنُ بِالْمَحَلِّ وَلَا تَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ. (وَ) مِنْ (شَبَهِهَا) أَيْ الْقُطْنِيَّةِ (مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ) كَزَبِيبٍ أَوْ لَحْمٍ (أَوْ إدَامٍ) كَسَمْنٍ وَعَسَلٍ وَخُبْزٍ الطَّعَامُ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً. (لَا يَجُوزُ) بَيْعُ (الْجِنْسِ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) لِلسَّلَامَةِ مِنْ رِبَا الْفَضْلِ، وَلِلسَّلَامَةِ مِنْ رِبَا النَّسَاءِ اُشْتُرِطَ كَوْنُهُ (يَدًا بِيَدٍ) وَقَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَدًا بِيَدٍ، وَيَفْسُدُ الْبَيْعُ بِالتَّأْخِيرِ وَلَوْ قَرِيبًا، وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ بِالْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ إنْ وُجِدَ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَالْمِعْيَارُ لِأَهْلِ مَحَلِّ الْبَيْعِ، فَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ عِنْدَهُمْ بِأَمْرَيْنِ اُعْتُبِرَ الْغَالِبُ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِيمَا يُوزَنُ بِشَيْءٍ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى التَّحَرِّي إنْ أَمْكَنَ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَكِيلِ وَالْمَعْدُودِ فَلَا يَحْصُلُ فِيهِمَا تَعَذُّرٌ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَاعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَبِالْعَادَةِ، فَإِنْ عَسُرَ الْوَزْنُ جَازَ التَّحَرِّي عِنْدَ إمْكَانِهِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ وَيَجِبُ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ. (تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: مِمَّا يُدَّخَرُ مِنْ قُوتٍ أَنَّ عِلَّةَ أَيْ عَلَامَةَ كَوْنِ الطَّعَامِ رِبَوِيًّا أَنْ يَكُونَ يَحْصُلُ بِهِ
[ ٢ / ٧٤ ]
خِلَافِهِ كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ لَا يُدَّخَرُ وَلَا بَأْسَ بِالْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ، وَمَا لَا يُدَّخَرُ مُتَفَاضِلًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنْ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ.
وَسَائِرِ الْإِدَامِ وَالطَّعَامِ
وَالشَّرَابِ إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ، وَمَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ سَائِرِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ إلَّا فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ.
وَالْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الِاقْتِيَاتُ وَيُمْكِنَ ادِّخَارُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ، وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ تَأْوِيلَانِ، وَلِذَلِكَ جَرَى الْخِلَافُ فِي رِبَوِيَّةِ التِّينِ وَالزَّيْتِ وَالْجَرَادِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَدْخُلُ إلَّا فِي الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ الْمُتَّحِدِ الْجِنْسِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَمَعْنَى الِاقْتِيَاتِ قِيَامُ بِنْيَةِ الْآدَمِيِّ بِهِ، وَمَعْنَى الْإِدْخَارِ عَدَمُ فَسَادِهِ بِالتَّأْخِيرِ الْمَعْرُوفِ فِيهِ. وَلَمَّا كَانَ رِبَا النَّسَاءِ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ مُحَرَّمًا وَلَوْ فِي مُطْلَقِ الْجِنْسَيْنِ الْمَطْعُومَيْنِ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) بَيْعُ (طَعَامٍ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ) وَلَوْ قَرِيبًا (كَانَ مِنْ جِنْسِهِ) كَقَمْحٍ بِمِثْلِهِ (أَوْ مِنْ خِلَافِهِ) سَوَاءٌ (كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ) كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ (أَوْ لَا يُدَّخَرُ) كَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ؛ لِدُخُولِ رِبَا النَّسَاءِ فِي كُلِّ الْمَطْعُومَاتِ، فَتَخَلَّصَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ، وَأَمَّا رِبَا النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ التَّأْخِيرُ فَيَدْخُلُ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ، وَمُخْتَلِفِهِ وَلَوْ غَيْرَ مُقْتَاتٍ غَالِبًا كَالْخِيَارِ وَالْفَوَاكِهِ؛ لِأَنَّ رِبَا النَّسَاءِ يَدْخُلُ فِي كُلِّ مَا فِيهِ الطَّعْمِيَّةُ، وَلَمَّا كَانَ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَدْخُلُ إلَّا فِي الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالْفَوَاكِهِ) أَيْ بِبَيْعِ الْفَوَاكِهِ كَالْخَوْخِ وَالْمِشْمِشِ (وَالْبُقُولِ) كَالْخَسِّ وَالْهُنْدُبَا مِنْ كُلِّ مَا يُجَزُّ مِنْ أَصْلِهِ. (وَ) كُلُّ (مَا لَا يُدَّخَرُ) مِنْ الْخُضَرِ، وَهِيَ كُلُّ مَا يُجَزُّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ كَالْمُلُوخِيَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَلَوْ (مُتَفَاضِلًا، وَإِنْ كَانَ) جَمِيعُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) حَيْثُ وَقَعَ التَّنَاجُزُ (يَدًا بِيَدٍ) وَلَمَّا قَدَّمَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عَلَامَةَ الطَّعَامِ الَّذِي يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، ذَكَرَ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ مِنْ الْفَوَاكِهِ الْيَابِسَةِ) كَالْبُنْدُقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْإِدْخَارُ فَقَطْ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، بَلْ الْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الِاقْتِيَاتِ وَالْإِدْخَارِ، وَقِيلَ كَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، فَالْمُفْتَى بِهِ مَا عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّ الْفَوَاكِهَ لَا يَدْخُلُهَا رِبَا الْفَضْلِ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا. قَالَ خَلِيلٌ: لَا خَرْدَلَ وَزَعْفَرَانَ وَخُضَرَ وَدَوَاءَ وَتِينَ، وَمَوْزَ وَفَاكِهَةَ وَلَوْ اُدُّخِرَتْ بِقُطْرٍ، أَيْ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ، وَرَجَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ رِبَوِيَّةَ التِّينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِدْخَارِ كَوْنُهُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا. (وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ (سَائِرِ) أَنْوَاعِ (الْإِدَامِ) كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ، فَقَوْلُهُ: وَسَائِرِ بِالْجَرِّ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ: فِيمَا يُدَّخَرُ (وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيمَا اتَّحَدَ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ (الطَّعَامِ) الْكَائِنَةِ مِنْ غَيْرِ الْحُبُوبِ كَاللَّحْمِ وَالْمَرَقِ فَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ مَا سَبَقَ. (وَ) كَذَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي كُلِّ مَا اتَّحَدَ مِنْ أَنْوَاعِ (الشَّرَابِ) الْمُتَّخَذَةِ مِمَّا هُوَ رِبَوِيٌّ كَالشَّرَابِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ أَوْ التَّمْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اتِّحَادَ الْجِنْسِيَّةِ تَابِعٌ لِلْغَرَضِ، فَنَحْوُ الْأَنْبِذَةِ كُلِّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أُصُولُهَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ وَالْغَرَضَ مِنْهَا الْحَلَاوَةُ، كَمَا أَنَّ الْخُلُولَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الْحُمُوضَةُ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَلْبَانِ وَلَوْ مِنْ بَهِيمَةٍ وَآدَمِيٍّ، بِخِلَافِ الْعُسُولِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأُصُولِ فَإِنَّهَا أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا فِي اسْتِعْمَالِهَا. ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ الشَّرَابِ قَوْلَهُ: (إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ) فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالطَّعَامِ لِأَجَلٍ وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الطَّعَامِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَاءَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَذْبُ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ وَلَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَثَانِيهمَا الْأُجَاجُ، وَهُوَ مَا لَا يُشْرَبُ لِمَرَارَتِهِ كَالْبَحْرِ الْمَالِحِ، وَهُوَ جِنْسٌ آخَرُ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ بِالْآخَرِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ، وَأَمَّا بَيْعُ الْمَاءِ بِمَاءٍ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ جَازَ، وَلَوْ إلَى أَجَلٍ، وَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَيَمْتَنِعُ إلَى أَجَلٍ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُعَجَّلُ فَفِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ هُوَ الْكَثِيرَ فَفِيهِ تُهْمَةُ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا اتَّحَدَ جِنْسُهُ، وَهُوَ غَيْرُ رِبَوِيٍّ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِيمَا يُدَّخَرُ بِقَوْلِهِ: (، وَمَا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ مِنْ غَيْرِ الْحُبُوبِ. (وَمِنْ سَائِرِ) أَيْ جَمِيعِ (أَنْوَاعِ الْحُبُوبِ) وَلَوْ الْمُقْتَاتَةَ الْمُدَّخَرَةَ (وَمِنْ) سَائِرِ أَنْوَاعِ (الثِّمَارِ وَالطَّعَامِ) وَخَبَرُ مَا الْوَاقِعَةِ مُبْتَدَأً قَوْلُهُ: (فَلَا بَأْسَ) أَيْ فَلَا حَرَجَ فِي بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ الْآخَرِ (بِالتَّفَاضُلِ فِيهِ) حَالَةَ كَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (يَدًا بِيَدٍ) أَيْ مُنَاجَزًا فِيهِ «لِقَوْلِهِ - ﷺ - بَعْدَ ذِكْرِ مَا فِيهِ الرِّبَا: فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وَإِنَّمَا كَرَّرَ قَوْلَهُ: (وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مُطْلَقِ الطَّعَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (إلَّا فِي الْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ) وَلَوْ اُدُّخِرَتْ بِقُطْرٍ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ حُرْمَةَ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا كَانَ الْجِنْسُ مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ
[ ٢ / ٧٥ ]
وَالزَّبِيبُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَالتَّمْرُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَالْقُطْنِيَّةُ أَصْنَافٌ فِي الْبُيُوعِ وَاخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْأَنْعَامِ وَالْوَحْشِ صِنْفٌ وَلُحُومُ الطَّيْرِ كُلُّهُ صِنْفٌ وَلُحُومُ دَوَابِّ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ بِشَرْطِهِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَمَا هُوَ أَجْنَاسٌ بِقَوْلِهِ: (وَالْقَمْحُ) مُبْتَدَأٌ (وَالشَّعِيرُ)، وَهُمَا مُعَرَّفَانِ (وَالسُّلْتُ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ وَاللَّامِ السَّاكِنَةِ حَبٌّ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ وَخَبَرُ الْقَمْحِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً (كَجِنْسٍ وَاحِدٍ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ (فِي) كُلِّ (مَا يَحِلُّ مِنْهُ وَيَحْرُمُ)؛ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَنْفَعَةِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ أَوْ السُّلْتِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، خِلَافًا لِلسُّيُورِيِّ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ وَتَبِعَهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ» إلَخْ وَدَلِيلُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ لِفَتًى عَلَفَ حِمَارَهُ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِك فَابْتَعْ بِهَا شَعِيرًا وَلَا تَأْخُذْ إلَّا مِثْلَهُ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ مِثْلُهُ، وَأَيْضًا اُشْتُهِرَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اتِّحَادُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ فِي الْجِنْسِيَّةِ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ النَّاسِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ صِنْفٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ السُّلْتَ يَلْحَق بِهِمَا بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: كَجِنْسٍ وَاحِدٍ أَيْ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا اتِّحَادُ جِنْسِيَّةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَفِيهَا خِلَافٌ فَلَمْ يَزُلْ اتِّحَادُ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ. (وَالزَّبِيبُ كُلُّهُ) أَحْمَرُهُ وَأَسْوَدُهُ رَدِيئُهُ وَجَيِّدُهُ جَدِيدُهُ وَعَتِيقُهُ (صِنْفٌ وَاحِدٌ) وَكَذَا كُلُّ أَفْرَادِ التِّينِ جِنْسٌ وَاحِدٌ (وَ) كَذَلِكَ (التَّمْرُ كُلُّهُ) بَرْنِيُّ وَصَيْحَانِيٌّ وَعَجْوَةٌ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَمْرٌ وَزَبِيبٌ وَلَحْمُ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسٌ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ جِنْسٌ، فَيَجِبُ التَّمَاثُلُ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ وَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ وَلَوْ شَكًّا، كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ رَطْبًا وَالْآخَرُ يَابِسًا، وَأَمَّا الْبَلَحُ قَبْلَ أَنْ يَتَتَمَّرَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَالصَّغِيرُ الَّذِي لَا يُؤْكَلُ عَلَفٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَوْ بِالطَّعَامِ لِأَجَلٍ، وَأَمَّا الْبَلَحُ الْكَبِيرُ، وَهُوَ الرَّامِخُ أَوْ الْبُسْرُ، وَهُوَ الزَّهْوُ أَوْ الرُّطَبُ فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمِثْلِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَلَحِ الصَّغِيرِ بِجَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ، وَكَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبُسْرِ بِالزَّهْوِ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا بِالرُّطَبِ وَلَا بِالتَّمْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِنَوْعِهِ بِشَرْطِ التَّمَاثُلِ وَالتَّنَاجُزِ إلَّا الرَّطْبَ بِالْيَابِسِ، فَلَا يُبَاعُ الْقَمْحُ الْيَابِسُ بِالْبَلِيلَةِ، وَلَا الْفُولُ الْيَابِسُ بِالْحَارِّ، وَلَا النَّبِيذُ بِالتَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ وَلَوْ مُتَمَاثِلًا، بِخِلَافِ الْخَلِّ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِمَا وَلَوْ مُتَفَاضِلًا لِبُعْدِ الْخَلِّ عَنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَأَمَّا الْخَلُّ وَالنَّبِيذُ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مَعَ التَّمَاثُلِ وَالتَّنَاجُزِ لَا مَعَ التَّفَاضُلِ أَوْ عَدَمِ التَّنَاجُزِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ لِقُرْبِ الْخَلِّ مِنْ النَّبِيذِ، فَلَا يُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا انْتَقَلَ عَنْ أَصْلِهِ صَارَ كَالْجِنْسِ الْآخَرِ،؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَ الْبُعْدِ كَاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ مَعَ النِّيءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَالْقُطْنِيَّةُ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَوْ ضَمِّهَا وَاحِدَةُ الْقَطَانِيِّ كُلُّ مَا لَهُ غِلَافٌ يُخْزَنُ بِهِ كَالْفُولِ وَالْعَدَسِ وَالْبَسِيلَةِ وَالْحِمَّصِ وَالْجُلْبَانِ وَالتُّرْمُسِ وَعَنْهَا الْكِرْسِنَّةُ حَبٌّ قَرِيبٌ مِنْ الْبَسِيلَةِ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هِيَ الْبَسِيلَةُ (وَأَصْنَافٌ فِي الْبُيُوعِ) عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ (وَ) إنْ (اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ) فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْخِلَافِ مَا صَدَّرَ بِهِ مِنْ أَنَّهَا أَنْوَاعٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي النَّوْعَيْنِ مِنْهُ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ (وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ) أَيْ الْإِمَامِ فِيهَا (فِي الزَّكَاةِ) بَلْ جَزَمَ (أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ) يُضَمُّ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى يَكْمُلَ النِّصَابُ رِفْقًا بِالْفُقَرَاءِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَتُضَمُّ الْقَطَانِيُّ كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ، وَعَدَمُ اخْتِلَافِ قَوْلِ الْإِمَامِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَلَا يُنَافِي مَا قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ أَنَّهَا أَصْنَافٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ يُقَدَّمُ مَا فِيهَا عَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ نَحْوِ الْأُرْزِ وَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ هِيَ أَجْنَاسٌ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ فِي الْبُيُوعِ وَالزَّكَاةِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ أَصْلِهِ، وَإِلَّا جَازَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ قَوِيٍّ بِحَيْثُ يُبْعِدُهُ عَنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ كَقَلْيِ الْحَبِّ أَوْ طَبْخِهِ أَوْ جَعْلِهِ خُبْزًا لَا بِطَحْنِهِ وَلَوْ عُجِنَ، وَلَا بِصَلْقِهِ إلَّا التُّرْمُسَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ جِنْسًا آخَرَ بِصَلْقِهِ وَوَضْعِهِ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِيرَ حُلْوًا، وَأَمَّا صَلْقُ الْقَمْحِ أَوْ الْفُولِ أَوْ الْحِمَّصِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُلُهُ، فَلِذَا لَا يُبَاعُ الْيَابِسُ بِالْمَصْلُوقِ مِنْهَا، وَمَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ مِنْ بَيْعِ الْفُولِ الْحَارِّ بِالْيَابِسِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْجِنْسِ وَالْأَجْنَاسِ مِنْ الْحُبُوبِ شَرَعَ يُبَيِّنُ الْمُتَّحِدَ وَالْمُخْتَلِفَ مِنْ أَنْوَاعِ غَيْرِ الْحُبُوبِ بِقَوْلِهِ (وَلُحُومُ) مُبْتَدَأٌ (ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْأَنْعَامِ) كَالْبَقَرِ وَالضَّأْنِ وَالْإِبِلِ (وَ) مِنْ (الْوَحْشِ) كَالْغَزَالِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَخَبَرُ لَحْمٌ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَطْبُوخُ كُلُّهُ صِنْفٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ طَبْخِهِ كَقَلْيِهِ بِعَسَلٍ وَأُخْرَى بِخَلٍّ أَوْ لَبَنٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ طَبْخِهَا بِأَبْزَارٍ
[ ٢ / ٧٦ ]
الْمَاءِ كُلِّهَا صِنْفٌ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ لُحُومِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ شَحْمٍ فَهُوَ كَلَحْمِهِ وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَجُبْنُهُ وَسَمْنُهُ صِنْفٌ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَمْ لَا، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الطَّبْخَ بِالْأَبْزَارِ نَاقِلٌ عَنْ اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ، وَفَائِدَةُ الِاتِّحَادِ فِي الصِّنْفِيَّةِ وُجُوبُ الْمُمَاثَلَةِ، وَحُرْمَةُ التَّفَاضُلِ فِي بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَوْ لَحْمُ جَمَلٍ بِلَحْمِ ضَأْنٍ (وَ) كَذَلِكَ (لَحْمُ الطَّيْرِ كُلِّهَا) الْإِنْسِيُّ وَالْوَحْشِيُّ كَالنَّعَامَةِ وَلَوْ طَيْرَ مَاءٍ أَوْ جَرَادٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ خَبَرُ لُحُومٍ، فَالرَّخَمَةُ مِثْلُ الْحَمَامَةِ، وَالْحِدَأَةُ مِثْلُ الدَّجَاجَةِ وَالْغُرَابِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَرَقَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ. (تَنْبِيهٌ) . هَذَا فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْمُبَاحَةِ وَالطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ بِلَحْمِ الْأَنْعَامِ بِالْخَيْلِ وَسَائِرِ الدَّوَابِّ نَقْدًا، وَمُؤَجَّلًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَأَمَّا بِالْهِرِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ فَمَكْرُوهٌ بَيْعُ لَحْمِ الْأَنْعَامِ بِهَا لِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي أَكْلِهَا، وَمَالِكٌ يَكْرَهُ أَكْلَهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ. انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَكْرُوهَ الْأَكْلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحِ مِنْهَا، وَإِلَّا حَرُمَ بَيْعُ لَحْمِ الْمُبَاحِ مِنْهَا بِالْمَكْرُوهِ مُتَفَاضِلًا، وَحَرُمَ أَيْضًا بَيْعُ الْحَيِّ بِلَحْمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَعَلَيْهِ فَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ لَحْمِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ، كَمَا يُكْرَهُ بَيْعُ الْحَيِّ مِنْ الْمَكْرُوهِ بِلَحْمِ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ أَوْ الْمَكْرُوهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ أَنَّهُ يَجْرِي فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مِنْ الطَّيْرِ مَا جَرَى فِي مَكْرُوهِ الْأَكْلِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ. (وَلُحُومُ) مُبْتَدَأٌ (دَوَابِّ الْمَاءِ) كَضُفْدَعٍ وَسَمَكٍ وَتِمْسَاحٍ وَآدَمِيِّ الْمَاءِ وَكَلْبِ الْمَاءِ وَخِنْزِيرِهِ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ مِنْهَا (كُلِّهَا) وَخَبَرُ لُحُومُ (صِنْفٌ) وَاحِدٌ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الصَّبْرُ بِتَمْلِيحِهِ عَنْ أَصْلِهِ فَالْفَسْخُ لَا يَخْرُجُ عَنْ جِنْسِ الْحُلْوِ. وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ الْبَطَارِخَ فِي حُكْمِ الْمُودَعِ فِي السَّمَكِ وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ فَيُبَاعُ بِالسَّمَكِ، وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، كَمَا يُبَاعُ الطَّيْرُ وَلَحْمُهُ بِبَيْضِهِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، وَلَوْ فِي قِيَاسِ الْبَطَارِخِ عَلَى الْبَيْضِ وَقْفَةٌ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَأَيْضًا الْبَطَارِخُ كَالشَّحْمِ، وَالشَّحْمُ كَاللَّحْمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) كُلُّ (مَا تَوَلَّدَ مِنْ لُحُومِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ) مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْ الطُّيُورِ أَوْ دَوَابِّ الْمَاءِ (مِنْ شَحْمٍ) أَوْ كَبِدٍ أَوْ قَلْبٍ أَوْ طِحَالٍ أَوْ رَأْسٍ (فَهُوَ كَلَحْمِهِ) بَلْ الْعَظْمُ وَالْمَرَقُ وَالْجِلْدُ كَذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَرَقُ وَالْعَظْمُ وَالْجِلْدُ كَهُوَ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْعَظْمُ مُتَّصِلًا فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ فِي حُرْمَةِ التَّفَاضُلِ؛ لِأَجْلِ الْعَظْمِ؛ لِأَنَّهُ كَاللَّحْمِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْ اللَّحْمِ فَإِنَّمَا يَكُونُ كَاللَّحْمِ إذَا كَانَ يُمْكِنُ أَكْلُهُ كَالْقُرْقُوشَةِ إلَّا إنْ لَمْ يُمْكِنْ أَكْلُهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ أَجْنَبِيًّا كَنَوَى الْبَلَحِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: فَائِدَةُ كَوْنِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ اللَّحْمِ كَاللَّحْمِ حُرْمَةُ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَمَا مَرَّ فِي الْحُبُوبِ مَا لَمْ يَنْتَقِلْ اللَّحْمُ عَنْ أَصْلِهِ، وَإِلَّا جَازَ التَّفَاضُلُ وَنَقْلُ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ عَنْ اللَّحْمِ النِّيءِ أَنْ يُطْبَخَ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْأَبْزَارِ، وَلَوْ الْخَفِيفَةَ كَالْأُرْزِ أَوْ الْبَصَلِ زِيَادَةً عَلَى الْمِلْحِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعِيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ، وَمِثْلُ طَبْخِ اللَّحْمِ بِالْأَبْزَارِ شَيُّهُ أَوْ تَجْفِيفُهُ بِالشَّمْسِ أَوْ الْهَوَاءِ بِالْأَبْزَارِ، وَأَمَّا طَبْخُهُ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ فَلَا يَنْقُلُهُ عَنْ اللَّحْمِ النِّيءِ؛ لِأَنَّهُ صَلْقٌ، وَإِنْ نَقَلَهُ عَنْ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ. الثَّانِي: لَوْ طُبِخَ لَحْمٌ مِنْ جِنْسَيْنِ فِي قِدْرٍ أَوْ قُدُورٍ، فَإِنْ طُبِخَا بِغَيْرِ أَبْزَارٍ أَوْ طُبِخَ أَحَدُهُمَا بِهَا وَالْآخَرُ بِدُونِهَا فَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فَيُبَاعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَلَوْ مُتَفَاضِلًا، وَأَمَّا لَوْ طُبِخَا بِأَبْزَارٍ وَلَوْ فِي قِدْرَيْنِ فَقِيلَ هُمَا بَاقِيَانِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا، وَقِيلَ صَارَا جِنْسًا وَاحِدًا فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا هُمَا مَعَ لَحْمٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا بِغَيْرِ نَاقِلٍ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِمَا لِانْتِقَالِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَطْبُوخًا بِنَاقِلٍ لَجَرَى فِيهِ الْخِلَافُ.
(٢) ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَلْبَانِ بِقَوْلِهِ: (وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ) الْمُتَقَدِّمِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْإِنْسِيِّ مِنْهُ وَالْوَحْشِيِّ كُلِّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ. (وَ) كَذَلِكَ (جُبْنُهُ وَسَمْنُهُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا (صِنْفٌ) فَصِنْفٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَلْبَانِ وَالْجُبْنِ، وَلَا يَتَوَهَّمُ عَاقِلٌ فَضْلًا عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْجُزُولِيُّ تَقْدِيرُ كَلَامِهِ: وَأَلْبَانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ صِنْفٌ وَجُبْنُهُ صِنْفٌ وَسَمْنُهُ صِنْفٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا لَا مُتَفَاضِلًا، فَلَا إشْكَالَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالْعَلَّامَةُ خَلِيلٍ كَثِيرًا مَا يَسْلُكُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَتَمْرٌ وَزَبِيبٌ وَلَحْمُ طَيْرٍ، وَهُوَ جِنْسُ الْمُرَادِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ جِنْسٌ، وَكَوْنُ أَلْبَانِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ صِنْفًا يُوهِمُ أَنَّ لَبَنَ الْآدَمِيِّ صِنْفٌ آخَرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْجَمِيعُ صِنْفٌ وَاحِدٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمُطْلَقُ لَبَنٍ، قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَوْ لَبَنُ آدَمِيِّ الْجَمِيعِ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ: وَجَمِيعُ الْأَلْبَانِ: صِنْفٌ لِيُوَافِقَ كَلَامَ خَلِيلٍ، وَلِيَشْمَلَ الْمَخِيضَ مِنْهُ وَالْمَضْرُوبَ وَالْحَلِيبَ، فَيُبَاعُ الْحَلِيبُ بِالْمَخِيضِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا عَرَفْت مَا قَرَّرْنَا بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ صِنْفٌ يَطْرَأُ عَلَيْك إشْكَالٌ، وَهُوَ إيهَامُ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ الْحَلِيبِ بِالسَّمْنِ أَوْ الْجُبْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْحُكْمُ الْمَنْعُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَأَنْوَاعُ اللَّبَنِ مِنْ فُرُوعِهَا سَبْعَةٌ: حَلِيبٌ، وَمَخِيضٌ، وَمَضْرُوبٌ وَجُبْنٌ وَزُبْدٌ وَسَمْنٌ وَأَقِطٌ، وَالصُّوَرُ الْحَاصِلَةُ مِنْ بَيْعِ
[ ٢ / ٧٧ ]
[بيع الجزاف]
وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ ذَلِكَ عَلَى وَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ عَدَدٍ.
بِخِلَافِ الْجُزَافِ وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ شَرَابٍ إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ، وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالزَّرَارِيعِ الَّتِي لَا يُعْتَصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ فَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَنْوَاعِ بِبَعْضِهَا أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ إسْقَاطِ الْمُكَرَّرِ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ صُورَةً، فَبَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَوْعِهِ مُتَمَاثِلًا يَدًا بِيَدٍ جَائِزٌ فَهَذِهِ سَبْعُ صُوَرٍ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْحَلِيبِ وَالزُّبْدِ وَالسَّمْنِ وَالْجُبْنِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْمَخِيضِ وَالْمَضْرُوبِ مُتَمَاثِلًا، وَهَذِهِ ثَمَانِ صُوَرٍ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمَخِيضِ بِالْمَضْرُوبِ مُتَمَاثِلًا فَصَارَتْ الصُّوَرُ الْجَائِزَةُ سِتَّ عَشْرَةَ، وَبَقِيَ ثَلَاثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَهِيَ بَيْعُ الْأَقِطِ بِالْمَخِيضِ وَالْمَضْرُوبِ وَبَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ فَتَصِيرُ الصُّوَرُ الْجَائِزَةُ خِلَافًا وِفَاقًا تِسْعَ عَشْرَةَ صُورَةً، وَالصُّوَرُ الْبَاقِيَةُ مَمْنُوعَةٌ، وَهِيَ بَيْعُ الْحَلِيبِ بِالزُّبْدِ وَبِالسَّمْنِ وَبِالْجُبْنِ وَبِالْأَقِطِ وَبَيْعُ الزُّبْدِ بِمَا بَعْدَهُ وَبَيْعُ السَّمْنِ بِمَا بَعْدَهُ وَبَيْعُ الْجُبْنِ بِالْأَقِطِ. الثَّانِي: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إيهَامِ جَوَازِ بَيْعِ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ أَوْ الْجُبْنِ لِاخْتِلَافِ الصِّنْفِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّنْفِ الْجِنْسُ أَوْ النَّوْعُ، وَأَمَّا لَوْ أُرِيدَ بِالصِّنْفِ حَقِيقَتُهُ، وَهُوَ مَا كَانَ أَخَصَّ مِنْ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ فَلَا يَأْتِي الْإِيهَامُ الْمَذْكُورُ،؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الصِّنْفِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَ بَيْعِ صِنْفٍ بِآخَرَ، وَإِنَّمَا الْمُقْتَضَى اخْتِلَافُ الْجِنْسِ وَلِذَلِكَ قَالَ - ﵊ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» وَلَمْ يَقُلْ الْأَصْنَافُ، وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ الِاخْتِلَافُ الْمُجَوِّزُ بِبَيْعِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مُتَفَاضِلًا لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجِنْسِ أَوْ النَّوْعِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ الَّذِي يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْجَوَازُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي بَيْعِ السَّمْنِ بِالْجُبْنِ الَّذِي أَخْرَجَ زُبْدَةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جَوَازَ كُلِّ الصُّوَرِ الْوَاقِعِ فِيهَا الِاخْتِلَافُ فَافْهَمْ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بِيَاعَاتٍ نَهَى عَنْهَا الشَّارِعُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا) أَوْ أَخَذَهُ عِوَضًا عَنْ عَمَلٍ وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ أَوْ بَعْضِ الْجُنْدِ أَوْ أَخَذَ صَدَاقًا أَوْ أَرْضَ جِنَايَةٍ (فَلَا يَجُوزُ) لَهُ (بَيْعُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ) بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَقْبِضَهُ» . وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ الْحُرْمَةِ فَقِيلَ تَعَبُّدِيٌّ وَقِيلَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ سُهُولَةُ الْوُصُولِ إلَى الطَّعَامِ؛ لِيَتَوَصَّلَ إلَيْهِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَلَوْ جَازَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَرُبَّمَا أُخْفِيَ بِإِمْكَانِ شِرَائِهِ مِنْ مَالِكِيهِ، وَبَيْعُهُ خُفْيَةً فَلَمْ يَتَوَصَّلْ إلَيْهِ الْفَقِيرُ، وَلِأَجْلِ نَفْعِ نَحْوِ الْكَيَّالِ وَالْحَمَّالِ، وَمَفْهُومُ ابْتَاعَ طَعَامًا أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرَضٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا مُطْلَقُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ وَلَوْ كَرِزْقِ قَاضٍ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مِنْ دُخُولِ رِزْقِ الْقُضَاةِ فِي طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ حُكْمِ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الشُّوَنِ لَا فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ مِمَّا أَصْلُهُ صَدَقَةٌ لِنَحْوِ الْفُقَرَاءِ، وَاسْتَمَرَّ جَارِيًا إلَى هَذَا الزَّمَنِ يَنْتَقِلُ مِنْ قَوْمٍ إلَى آخَرِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ، وَالطَّعَامُ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَمَّا كَانَ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ أُخِذَ بِكَيْلٍ قَالَ: (إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ ذَلِكَ) الطَّعَامِ (عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ)، وَهَذَا الْقَيْدُ مِنْ بَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالْقَبْضُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْكَيْلُ وَلَا الْوَزْنُ وَلَا الْعَدَدُ. [بَيْع الجزاف] (بِخِلَافِ) الْمُشْتَرَى لَا عَلَى الْمَكِيلِ بَلْ عَلَى وَجْهِ (الْجُزَافِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ بِالْعَقْدِ جُزَافٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَا لَا يَنْتَقِلُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إلَّا بِقَبْضِهِ فَإِنَّهُ كَالْمُشْتَرَى عَلَى الْكَيْلِ فِي حُرْمَةِ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَلَبَنِ شَاةٍ اُشْتُرِيَ جُزَافًا، أَوْ ثَمَرَةٍ غَائِبَةٍ اُشْتُرِيَتْ عَلَى الصِّفَةِ جُزَافًا. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ: أُخِذَ بِكَيْلٍ بِقَوْلِهِ: أَوْ كَلَبَنِ شَاةٍ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: أَيْ أَوْ كَانَ كَلَبَنِ شَاةٍ، وَكَأَنْ قَالَ: أَخَذَ بِكَيْلٍ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَأَنْ يُسْلِمَ فِي لَبَنِ شَاةٍ أَوْ شِيَاهٍ مُعَيَّنَاتٍ بِشُرُوطٍ لِلْجَوَازِ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: كَوْنُ الْمَأْخُوذِ مِنْهَا مُعَيَّنَةً، وَكَثْرَةُ الشِّيَاهِ عِنْدَ الْبَائِعِ بِحَيْثُ إذَا تَعَذَّرَ أَخْذُ اللَّبَنِ مِنْ هَذِهِ يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِهَا، وَمَعْرِفَةُ قَدْرِ حِلَابِهَا، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى لَبَنًا كَيْلًا فِي كُلِّ يَوْمٍ كَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي إبَّانِ اللَّبَنِ رِطْلًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ اللَّبَنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَثْرَةُ الشِّيَاهِ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِخِلَافِ الْجُزَافِ مُخَرَّجٌ مِمَّا قَبْلَهُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ، بِشَرْطِ انْتِقَالِ الضَّمَانِ إلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ بَيَانِ الْجَائِزِ وَالْمَمْنُوعِ، فَقَوْلُ التَّتَّائِيِّ نَقْلًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ فِي الْحُكْمِ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْجُزَافَ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ كَالْمَكِيلِ يَحْرُمُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقِسْمٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْمَوْهُوبِ وَالْمُتَصَدَّقِ، بَلْ هُوَ مَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ حَمْلُ الطَّعَامِ السَّابِقِ عَلَى خُصُوصِ الرِّبَوِيِّ قَالَ: (وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ شَرَابٍ) يَحْرُمُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ خَلِيلٍ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَجَازَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا مُطْلَقُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ رِبَوِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، كَالْفَوَاكِهِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي هُوَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمَاءَ وَحْدَهُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ
[ ٢ / ٧٨ ]
يَدْخُلُ ذَلِكَ فِيمَا يَحْرُمُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَوْ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الطَّعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ
وَلَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَكُلُّ عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ بِخَطَرٍ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِطَعَامٍ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِالطَّعَامِ إلَى أَجَلٍ، كَمَا لَوْ مَرَّ وَلَوْ كَانَ مَاءَ زَمْزَمَ، وَإِنْ قَالَ فِيهِ ابْنُ شَعْبَانَ: إنَّهُ طَعَامٌ فَإِنَّهُ مُؤَوَّلٌ. (وَ) إلَّا (مَا يَكُونُ مِنْ) أَنْوَاعِ (الْأَدْوِيَةِ) كَالصَّبْرِ وَالْحُلْبَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا دَوَاءٌ. (وَ) إلَّا (الزَّرَارِيعَ) جَمْعُ زَرِيعَةٍ (الَّتِي) شَأْنُهَا أَنْ (لَا يُعْتَصَرَ مِنْهَا زَيْتٌ) بَلْ تُؤْكَلُ عَلَى حَالِهَا كَحَبِّ الْفُجْلِ الْأَبْيَضِ وَحَبِّ السَّلْقِ وَالْجَزَرِ وَاللُّفْتِ وَحَبِّ الْبَصَلِ، وَزَادَ بَعْضٌ مَا يُعْتَصَرُ مِنْهُ زَيْتٌ لِلْوَقُودِ كَبَذْرِ الْكَتَّانِ. (فَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْمَاءِ، وَمَا بَعْدَهُ (فِيمَا يَحْرُمُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بَلْ قَبْضُهُ وَ) لَا يَدْخُلُ فِيمَا يَحْرُمُ (التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) بَلْ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا، وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَيْسَتْ مِنْ مُطْلَقِ الطَّعَامِ، وَقَوْلُنَا شَأْنُهَا أَنْ لَا يُعْتَصَرَ مِنْهَا زَيْتٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ نَحْوِ الزَّيْتُونِ وَحَبِّ السِّمْسِمِ الْمَعْرُوفِ بِالْجُلْجُلَانِ وَالْقُرْطُمِ، وَمُصْلِحَاتِ الطَّعَامِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّهَا مِنْ الطَّعَامِ حُكْمًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَمُصْلِحُهُ كَمِلْحٍ وَبَصَلٍ وَثُومٍ وَتَابِلٍ كَفُلْفُلٍ وَكُزْبَرَةٍ وَأَنِيسُونَ وَشَمَارٍ وَكَمُّونَيْنِ. قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ أَنَّ مُصْلِحَ الطَّعَامِ كَالطَّعَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّرَارِيعَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا لَا يُعْتَصَرُ مِنْهُ زَيْتٌ وَيُؤْكَلُ حَبًّا، وَمَا يُعْصَرُ مِنْهُ شَيْءٌ لِغَيْرِ الْأَكْلِ، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا، وَهُمَا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَقِسْمَانِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا، وَهُمَا: مَا يُعْصَرُ مِنْهُ شَيْءٌ يُؤْكَلُ كَالْجُلْجُلَانِ وَنَحْوِهِ، وَمَا لَا يُعْصَرُ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ عَلَى حَالِهِ كَالْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ أَوْ الشَّمَرِ وَالْكَمُّونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُصْلِحٌ لِلطَّعَامِ. ثُمَّ بَيَّنَ مَفْهُومَ ابْتَاعَ الَّذِي هُوَ طَعَامُ الْمُعَاوَضَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَالنَّائِبُ ضَمِيرُ الطَّعَامِ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ اقْتَرَضَ طَعَامًا مِنْ شَخْصٍ لَمْ يَشْتَرِهِ أَوْ اشْتَرَاهُ وَقَبَضَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ مُقْرِضِهِ، وَمِثْلُهُ الْمَمْلُوكُ مِنْ نَحْوِ صَدَقَةٍ وَلَوْ اقْتَرَضَهُ عَلَى الْكَيْلِ، وَكَمَا يَجُوزُ لِلْمُقْتَرِضِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُهُ وَفَاءً عَنْ قَرْضٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْقَرْضِ مِنْ غَيْرِ مُشْتَرٍ لَمْ يَقْبِضْهُ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّنْ اشْتَرَى طَعَامًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ ثُمَّ أَقْرَضَهُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَلِكَ الْمُقْتَرِضِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَيَجْرِي هَذَا الْقَيْدُ فِي الطَّعَامِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ وَالْمَوْهُوبِ، فَشَرْطُ جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مُشْتَرٍ لَمْ يَقْبِضْهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَوَالِي عُقْدَتَيْ بَيْعٍ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا قَبْضٌ. (تَنْبِيهٌ) إذَا قُلْنَا: يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُقْتَرِضِ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ الْمُقْرِضِ، وَمِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ إنْ بَاعَهُ لِلْمُقْرِضِ يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ إذَا حَصَلَ نَقْدُ الثَّمَنِ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهُ إلَى أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، فَإِنْ بَاعَهُ الْمُقْتَرِضُ لِأَجْنَبِيٍّ فَيَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ أَيْضًا إذَا كَانَ نَقْدًا، وَأَمَّا لِأَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ هَكَذَا قَالَ الشَّاذِلِيُّ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الشَّاذِلِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ سَوَاءٌ بَاعَهُ بِعَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَمْتَنِعُ إلَى أَجَلٍ سَوَاءٌ بَاعَهُ لِقَرْضِهِ أَوْ غَيْرِهِ. وَفِي الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِمَا إذَا بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ لِمُقْرِضِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا بَاعَهُ لَهُمَا بِغَيْرِ طَعَامٍ مُطْلَقًا، وَإِلَّا امْتَنَعَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ، وَإِذَا بَاعَهُ لِمُقْرِضِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَجَلُ الْقَرْضِ إلَى أَجَلِ السَّلَمِ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِطَعَامٍ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ لِأَجَلِ السَّلَمِ لِرِبَا النَّسَاءِ، وَلَا بَيْعُهُ لِمُقْرِضِهِ بِنَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ حَيْثُ كَانَ أَجَلُ الْقَرْضِ أَقَلَّ مِنْ أَجَلِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ يُعَدُّ لَغْوًا. قَالَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ دَفَعَ نَقْدًا أَوْ عَرَضًا فِي طَعَامٍ مِثْلِ الْقَرْضِ قَدْرًا وَصِفَةً يَأْخُذُهُ بَعْدَ أَجَلِ الْقَرْضِ، وَهَذَا سَلَمٌ، فَيُشْتَرَطُ فِي أَجَلِ الْقَرْضِ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ أَجَلِ السَّلَمِ أَوْ أَكْثَرَ كَلَامِهِ، وَتَلَخَّصَ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامِ الْقَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ عَلَى الْحُلُولِ مُطْلَقًا أَيْ لِلْمُقْتَرِضِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِطَعَامٍ، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَجَلٍ عَلَى كَلَامِ الشَّاذِلِيِّ مُطْلَقًا، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فَلَا يَمْتَنِعُ إلَّا بِالطَّعَامِ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهِ، حَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ لِمُقْرِضِهِ وَكَانَ الْأَجَلُ أَقَلَّ مِنْ أَجَلِ السَّلَمِ، إلَّا إنْ كَانَ لِأَجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا أَوْ لِلْمُقْرِضِ إلَى قَدْرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَجَلِ السَّلَمِ فَيَجُوزُ، وَانْظُرْ الرَّاجِحَ مِنْ الْكَلَامَيْنِ. وَلَمَّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ النَّهْيِ الْآتِي عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ اسْتِثْنَاءُ التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْإِقَالَةِ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالشَّرِكَةِ) فِي طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَحَقِيقَةُ الشَّرِكَةِ هُنَا جَعْلُ مُشْتَرٍ قَدْرًا لِغَيْرِ بَائِعِهِ بِاخْتِيَارِهِ مِمَّا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ بِمَا نَابَهُ مِنْ ثَمَنِهِ. (وَ) كَذَلِكَ التَّوْلِيَةُ لَا بَأْسَ بِهَا فِي طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يُجْعَلَ الطَّعَامُ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِغَيْرِ بَائِعِهِ بِثَمَنِهِ، وَهِيَ فِي الطَّعَامِ غَيْرُ جُزَافٍ قَبْلَ كَيْلِهِ رُخْصَةً، فَمَنْ اشْتَرَى حِصَّةً مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ عَلَى الْكَيْلِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ بِثَمَنِهَا. (وَ) كَذَلِكَ (الْإِقَالَةُ) لَا بَأْسَ بِهَا كَالشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ (فِي) جَمِيعِ (الطَّعَامِ الْمَكِيلِ قَبْلَ قَبْضِهِ)، وَإِنَّمَا جَازَتْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ فِي طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِشَبَهِهَا بِالْقَرْضِ فِي الْمَعْرُوفِ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْهُ - ﵊ -: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ وَتَوْلِيَةٍ، وَإِقَالَةٍ»، وَهِيَ تَرْكُ الْمَبِيعِ لِبَائِعِهِ
[ ٢ / ٧٩ ]
[العقود الفاسدة]
غَرَرٍ فِي ثَمَنٍ أَوْ مَثْمُونٍ أَوْ أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ، وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ، وَلَا إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ التَّدْلِيسُ، وَلَا الْغِشُّ وَلَا الْخِلَابَةُ وَلَا الْخَدِيعَةُ، وَلَا كِتْمَانُ الْعُيُوبِ، وَلَا خَلْطُ دَنِيءٍ بِجَيِّدٍ.
وَلَا أَنْ يَكْتُمَ مِنْ أَمْرِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِثَمَنِهِ، لَكِنْ شَرَطَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ لِجَوَازِ الْإِقَالَةِ مِنْ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ أَنْ تَقَعَ مِنْ جَمِيعِهِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَتْ الْإِقَالَةُ مِنْ بَعْضِهِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرَضًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مُطْلَقًا أَوْ كَانَ عَيْنِيًّا، أَوْ طَعَامًا لَمْ يُقْبَضْ أَوْ قُبِضَ وَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ أَوْ غَابَ غَيْبَةً لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهَا، وَأَمَّا لَوْ غَابَ بِهِ غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهَا لَمْ تَجُزْ مِنْ الْبَعْضِ وَالطَّعَامُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَمَفْهُومُ الْمَكِيلِ وَقَبْلَ قَبْضِهِ جَوَازُ الْإِقَالَةِ مِنْ الْجَمِيعِ الْمُشْتَرَى جُزَافًا أَوْ مَكِيلًا بَعْدَ قَبْضِهِ بِالْأَوْلَى، وَشَرَطُوا لِجَوَازِ التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ أَنْ يَسْتَوِيَ عَقْدَاهُمَا فِيهِمَا حُلُولًا وَتَأْجِيلًا وَفِي رَأْسِ الْمَالِ، وَأَنْ لَا يَشْتَرِطَ الْمُشْرِكُ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى الْمُشْرَكِ بِفَتْحِهَا أَنْ يَنْقُدَ عَنْهُ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ، وَإِقَالَةٌ مِنْ الْجَمِيعِ وَتَوْلِيَةٌ وَشَرِكَةٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَنْ يَنْقُدَ عَنْك وَاسْتَوَى عَقْدَاهُمَا فِيهَا، وَإِلَّا فَبِيعَ كَغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُمَا إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ ثَالِثٌ فِي التَّوْلِيَةِ وَالشَّرِكَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ عَيْنًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرُهَا فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْهُمَا قَبْلَ قَبْضِ الطَّعَامِ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ فِي الْقَرْضِ الْمِثْلِيِّ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا، وَمِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنْ لَا بَأْسَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّالِبُ لِمَا ذَكَرَ الْآخِذَ أَوْ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ. الثَّانِي: إذَا قَالَ الطَّالِبُ لِلشَّرِكَةِ لِلْمُشْتَرَكِ لَهُ: أَشْرِكْنِي فَإِنْ سَمَّى لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا لَوْ أَطْلَقَ لَهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَعَهُ النِّصْفَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَسْئُولُ اثْنَيْنِ فَإِنْ سَأَلَهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ أَوْ مُنْفَرِدَيْنِ، وَكَانَ السُّؤَالُ بِلَفْظِ أَشْرِكَانِي وَاسْتَوَتْ أَنْصِبَاؤُهُمَا فَلَهُ الثُّلُثُ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ أَوْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ عَنْ غَيْرِهِ: أَشْرِكْنِي فَلَهُ نِصْفُ حِصَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ. [الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ عَقْدِ بَيْعٍ)، وَهُوَ مَا تُمْلَكُ بِهِ الذَّاتُ وَقَدْ مَرَّ حَدُّهُ (وَ) عَقْدِ (إجَارَةٍ)، وَهُوَ الْعَقْدُ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَاقِلِ غَالِبًا (أَوْ) عَقْدِ (كِرَاءٍ)، وَهُوَ مَا تُمْلَكُ بِهِ مَنْفَعَةُ الدَّوَابِّ وَالدُّورِ وَقَدْ وَقَعَ مُتَلَبِّسًا (بِخَطَرٍ أَوْ غَرَرٍ) تَفْسِيرُ الْخَطَرِ وَحَقِيقَةُ الْغَرَرِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا شَكَّ فِي حُصُولِ عِوَضَيْهِ أَوْ الْمَقْصُودِ مِنْهُ غَالِبًا، وَالْغَرَرُ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ (فِي ثَمَنٍ)، وَهُوَ مَا يَدْفَعُهُ الْمُشْتَرِي (أَوْ) فِي (مَثْمُونٍ)، وَهُوَ مَا يَدْفَعُهُ الْبَائِعُ، وَالْمُرَادُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ أَوْ هُمَا كَانَ الْعَقْدُ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهُ. (وَ) كَانَ الْخَطَرُ فِي (أَجَلٍ فَلَا يَجُوزُ) وَالْأَصْلُ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَمُعَوَّضًا، وَالْأَصْلُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الْعِوَضِ، فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ بِقَوْلِهِ: فَلَا يَجُوزُ خَبَرُ كُلِّ الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً، وَقُرِنَ بِالْفَاءِ لِمَا فِي كُلِّ مِنْ الْعُمُومِ فَاكْتَسَى شَبَهًا لِمَا شُرِطَ. مِثَالُ الْغَرَرِ فِي الثَّمَنِ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً بِعَبْدٍ آبِقٍ أَوْ بِمَا فِي يَدِهِ أَوْ صُنْدُوقِهِ، وَالْبَائِعُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ. وَمِثَالُ الْغَرَرِ فِي الْمَثْمُونِ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ عَبْدًا آبِقًا أَوْ دَابَّةً فِي السِّبَاقِ، وَلَوْ مُبَاحَةَ الْأَكْلِ أَوْ مُشْرِفَةً، وَهِيَ مُحَرَّمَةُ الْأَكْلِ. وَمِثَالُ الْغَرَرِ فِي الْأَجَلِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إلَى الْيَسَارِ أَوْ حَتَّى يَقْدُمَ زَيْدٌ، ثُمَّ أَكَّدَ مَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ) قَالَ خَلِيلٌ: كَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ حُكْمِ غَيْرٍ أَوْ رِضَاهُ. (وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مَجْهُولٍ) كَبَيْعِهِ مَا فِي صُنْدُوقِهِ أَوْ مَا فِي يَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْبَائِعُ. (وَلَا) الْبَيْعُ (إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ) كَأَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ، وَالثَّمَنُ مِنْ أَوْلَادِهَا أَوْ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَسَارُ (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْحُكْمَ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ مُلْتَبِسًا بِغَرَرٍ وَحُكْمُهُ الْفَسْخُ قَبْلَ الْفَوَاتِ، فَإِنْ حَصَلَ الْفَوَاتُ بِتَغَيُّرِ الذَّاتِ فِي الْبَيْعِ أَوْ اُسْتُوْفِيَتْ الْمَنَافِعُ فِي الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ فَالْوَاجِبُ فِي الْبَيْعِ غُرْمُ قِيمَةِ السِّلْعَةِ حَيْثُ اُتُّفِقَ عَلَى الْفَسَادِ أَوْ الثَّمَنِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِ، وَالْوَاجِبُ فِي الْمَنَافِعِ أُجْرَةُ أَوْ كِرَاءُ الْمِثْلِ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ الْغَرَرِ مَا قَلَّ، قَالَ خَلِيلٌ: وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ كَأَسَاسِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَكَالْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ، وَأَمَّا السَّمَكُ فِي الْمَاءِ أَوْ الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ فَمُمْتَنِعٌ إجْمَاعًا وَأَمَّا بَيْعُ السِّلْعَةِ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ فُلَانٌ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالرَّاجِحُ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَقَيَّدَ خَلِيلٌ الْغَرَرَ الْيَسِيرَ بِعَدَمِ قَصْدِهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْيَسِيرِ الَّذِي يُقْصَدُ لِشِرَاءِ الْحَيَوَانِ بِشَرْطِ حَمْلِهِ، حَيْثُ كَانَ حَمْلُهُ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ وَذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ. الثَّالِثُ: إنَّمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذِهِ الْكُلِّيَّةِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْبَيْعِ عِلْمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَإِلَّا وَقَعَ فَاسِدًا حَيْثُ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْبَائِعُ، وَلَا غَيْرُهُ نَوْعَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ. (وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ التَّدْلِيسُ)، وَهُوَ كِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عَنْ الْمُشْتَرِي وَقْتَ الْعَقْدِ مَعَ ذِكْرِهِ. (وَلَا) يَجُوزُ فِيهَا (الْغِشُّ)، وَهُوَ أَنْ يُحْدِثَ فِي السِّلْعَةِ مَا
[ ٢ / ٨٠ ]
سِلْعَتِهِ مَا إذَا ذَكَرَهُ كَرِهَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ أَبْخَسَ لَهُ فِي الثَّمَنِ.
وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ وَيَرُدَّ مَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يُوهِمُ زِيَادَتَهَا أَوْ جَوْدَتَهَا، كَخَلْطِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ، وَكَسَقْيِ الْحَيَوَانِ عِنْدَ بَيْعِهِ لِيُوهِمَ أَنَّهُ سَمِينٌ، وَكَتَطْرِيرِ الْكِتَابِ لِيُوهِمَ أَنَّهُ مُقَابَلٌ أَوْ مَقْرُوءٌ. (وَلَا) يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ أَيْضًا (الْخِلَابَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ الْمُخَفَّفَةِ، وَهِيَ الْكَذِبُ فِي ثَمَنِهَا إمَّا بِلَفْظٍ أَوْ كِنَايَةٍ. (وَلَا الْخَدِيعَةُ) بِأَنْ يَفْعَلَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ مَعَ مُرِيدِ الشِّرَاءِ مَا يُوجِبُ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْهُ، كَأَنْ يُجْلِسَهُ عِنْدَهُ وَيُحْضِرَ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (وَلَا كِتْمَانُ الْعُيُوبِ)؛ لِأَنَّهُ تَدْلِيسٌ، وَهُوَ حَرَامٌ. (وَلَا) يَجُوزُ لِمُرِيدِ الْبَيْعِ أَيْضًا (خَلْطُ دَنِيءٍ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ عُرُوضٍ بِجَيِّدٍ فَإِنَّ هَذَا مِنْ الْغِشِّ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَنْسَبُ لِمَقَامِ الِاخْتِصَارِ حَذْفَ قَوْلِهِ: وَلَا كِتْمَانُ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ التَّدْلِيسِ الَّذِي قَدَّمَهُ، وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَرَّرُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَلَا كِتْمَانُ الْعُيُوبِ تَفْسِيرُ التَّدْلِيسِ، وَبِقَوْلِهِ: وَلَا خَلْطُ دَنِيءٍ بِجَيِّدٍ تَفْسِيرُ الْغِشِّ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْبَيْعِ الْوَاقِعُ فِيهِ مَا ذَكَرَ، وَمُحَصَّلُهُ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ عِنْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ فِي الْغِشِّ وَالْخِلَابَةِ وَالْخَدِيعَةِ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ مُرَابَحَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا فِي التَّدْلِيسِ بِالْعُيُوبِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْعَيْبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُخْرَجُ عَنْ الْمَقْصُودِ مُفِيتٌ فَالْأَرْشُ، وَأَمَّا عِنْدَ قِيَامِ السِّلْعَةِ فَالْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي بَيْنَ التَّمَاسُكِ بِالسِّلْعَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَلَا شَيْءَ فِي نَظِيرِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ خِبْرَتَهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ مَعَ قِيَامِهَا بِحَالِهَا مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ شَيْءٍ فِيهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، كَمَا يَأْتِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالرَّدِّ.
(٢) (فَرْعَانِ) لَوْ بَاعَ شَخْصٌ حَجَرًا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ جَوْهَرٌ أَوْ ذَهَبٌ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ مَعَ النِّدَاءِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ الْعَامِّ فَلَا يُرَدُّ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا لَمْ يُسَمَّ بَلْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى رُؤْيَةِ ذَاتِهِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ كَأَبِيعُكَ هَذِهِ الزُّجَاجَةَ فَيَجِدُهَا الْمُشْتَرِي يَاقُوتَةً لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ اتِّفَاقًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَمْ أَرَهُ يَغْلَطُ إنْ سَمَّى بِاسْمِهِ وَلَا يُعَيَّنُ وَلَوْ خَالَفَ الْعَادَةَ حَيْثُ كَانَ الْبَائِعُ مَالِكًا رَشِيدًا لَا إنْ كَانَ وَكِيلًا أَوْ وَصِيًّا.
(٣) الْفَرْعُ الثَّانِي: فَلَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا سَمَكَةً أُخْرَى فَإِنَّهُمَا يَكُونَانِ لِلْمُشْتَرِي حَيْثُ اشْتَرَاهُمَا بِالْوَزْنِ، وَإِلَّا كَانَتْ الثَّانِيَةُ لِلْبَائِعِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَوْهَرَةً أَوْ نَحْوَهَا فَقِيلَ لِلْمُشْتَرِي وَقِيلَ لِلْبَائِعِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عَلَامَةُ الْمِلْكِ، وَإِلَّا كَانَتْ لُقَطَةً، وَأَمَّا الْخَرَزَةُ الْبَدَنِيَّةُ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي اتِّفَاقًا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ أَخَصُّ مِمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ عَلَى الْبَائِعِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ لِمُرِيدِ الْبَيْعِ مُرَابَحَةً أَوْ مُسَاوَمَةً (أَنْ يَكْتُمَ مِنْ أَمْرِ سِلْعَتِهِ مَا) أَيْ الْأَمْرَ الَّذِي (إذَا ذَكَرَهُ) الْبَائِعُ (كَرِهَهُ الْمُبْتَاعُ أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ أَبْخَسَ لَهُ) أَيْ لِلْمَبِيعِ (فِي الثَّمَنِ) لِاقْتِضَائِهِ نَقْصَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ تَبْيِينُ مَا يُكْرَهُ كَثَوْبِ الْأَجْذَمِ أَوْ الْأَجْرَبِ أَوْ الْمَيِّتِ وَالْمُشْتَرِي بَدْوِيٌّ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَا يَكْرَهُهُ الْمُبْتَاعُ لَا يَجِبُ بَيَانُهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ غَيْرُهُ، فَلَوْ وَقَعَ وَكَتَمَ الْبَائِعُ شَيْئًا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُهُ فَالْحُكْمُ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَمَعَ الْفَوَاتِ يَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكِتْمَانَ لَمَّا يَجِبُ بَيَانُهُ مِنْ الْغِشِّ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَأُخِذَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَيْضًا حُرْمَةُ الشِّرَاءِ بِدَرَاهِمِ الْكِيمْيَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ بِهَا يَكْرَهُهَا وَلَوْ أُخْبِرَ بِعَدَمِ تَغَيُّرِهَا، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا مَعَ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْبَيَانِ، وَنَصَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى تَجْرِيحِ الْمُشْتَغِلِ بِمُطْلَقِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ، وَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ الْمُنْتَصِرِ بِمَنْعِ إمَامَةِ الْمُشْتَغِلِ بِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ: «أَنَّهُ - ﷺ - مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بِلَّةً فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَهُ الْمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا جَعَلْته فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» أَيْ لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا،؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكْفُرُ بِفِعْلِ الْمُحَرَّمِ إلَّا إذَا اسْتَحَلَّهُ، وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ مَنْ فَعَلَهَا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْزِيرُهُ لِكُلِّ مَعْصِيَةٍ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً وَدَلَّسَ عَلَيْهِ بَائِعُهَا بِعَيْبِهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ ابْتَاعَ) أَيْ اشْتَرَى (عَبْدًا) أَوْ غَيْرَهُ وَقَبَضَهُ (فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا) لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي حِينَ الْعَقْدِ، وَمِثْلُ الْقَدِيمِ الْحَادِثُ فِي زَمَنِ خِيَارِ التَّرَوِّي، وَالْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ كَالْإِبَاقِ وَالْجُذَامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ بِمَا الْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ. (فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ) عَلَى الْبَائِعِ فِي نَظِيرِ الْعَيْبِ (أَوْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ) إلَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الْعَيْبِ وَيَسْكُتَ، أَوْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَاسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ» - وَفِي رِوَايَةٍ «الْإِبِلَ -، وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» وَالتَّصْرِيَةُ تَرْكُ الْحِلَابِ حَتَّى يَعْظُمَ الضَّرْعُ وَيَتَوَهَّمُ الْمُشْتَرِي كَثْرَةَ اللَّبَنِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: لَقَبٌ لِتَمْكِينِ الْمُبْتَاعِ مِنْ رَدِّ مَبِيعِهِ عَلَى بَائِعِهِ لِنَقْصِهِ عَنْ حَالَةٍ بِيعَ عَلَيْهَا غَيْرَ قِلَّةِ كَمِّيَّةٍ قَبْلَ ضَمَانِهِ مُبْتَاعَهُ، فَقَوْلُهُ: لِنَقْصِهِ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا أَقَالَهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمَبِيعِ فَإِنَّ لَهُ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ، وَقَوْلُهُ: غَيْرَ قِلَّةِ كَمِّيَّةٍ صِفَةٌ
[ ٢ / ٨١ ]
نَقَصَهُ الْعَيْبُ عِنْدَهُ، وَإِنْ رَدَّ عَبْدًا بِعَيْبٍ وَقَدْ اسْتَغَلَّهُ فَلَهُ غَلَّتُهُ.
وَالْبَيْعُ عَلَى الْخِيَارِ جَائِزٌ.
إذَا ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا قَرِيبًا إلَى مَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِحَالَةٍ أَخْرَجَ بِهِ صُورَةَ اسْتِحْقَاقِ الْجُلِّ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَقَوْلُهُ: قَبْلَ ضَمَانِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّقْصِ وَضَمَانُ فَاعِلٌ بِالْمَصْدَرِ، وَهُوَ لَفْظُ ضَمَانُهُ، وَلَمْ يَقُلْ قَبْلَ بَيْعِهِ لِيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْعَيْبُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي السِّلْعَةِ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَفِي مُدَّةِ ضَمَانِ الْبَائِعِ كَالْحَادِثِ فِي الْمَبِيعِ الْغَائِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَفِي الْأَمَةِ زَمَنَ مُوَاضَعَتِهَا، فَإِنَّ حُكْمَ هَذَا حُكْمُ الْمَوْجُودِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِي ثُبُوتِ الرَّدِّ بِهِ لِلْمُشْتَرِي. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَرُدَّ بِعَدَمِ مَشْرُوطٍ فِيهِ غَرَضٌ كَثَيِّبٍ لِيَمِينٍ فَيَجِدُهَا بِكْرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ صَرِيحًا أَوْ بِمُنَادَاةٍ، وَبِمَا الْعَادَةُ السَّلَامَةُ مِنْهُ كَعَوَرٍ وَقَطْعٍ وَلَوْ أُنْمُلَةً، وَخِصَاءٍ وَاسْتِحَاضَةٍ وَرَفْعِ حَيْضَةِ اسْتِبْرَاءٍ وَعُسْرٍ وَزِنًى وَشُرْبٍ وَبَخَرٍ وَزَعَرٍ، وَزِيَادَةِ سِنٍّ وَظُفُرٍ وَعُجَرٍ وَبُجَرٍ وَالِدَيْنِ أَوْ وَالِدٍ لَا أَخٍ وَلَا جَدٍّ، وَجُذَامِ أَبٍ أَوْ جُنُونِهِ بِطَبْعٍ لَا بِمَسِّ جِنٍّ، وَكَرَهَصٍ وَعَثْرٍ وَحِرَانٍ وَعَدَمِ حَمْلٍ مُعْتَادٍ، وَكَالدَّيْنِ وَتَقْوِيسِ الذِّرَاعَيْنِ، وَقِلَّةِ الْأَكْلِ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، أَوْ الْعَاقِلِ إذَا كَانَ يَنْقُصُ عَمَلُهُ بِسَبَبِ قِلَّةِ أَكْلِهِ. وَأَمَّا كَثْرَةُ الْأَكْلِ فَلَيْسَتْ عَيْبًا فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَأَمَّا فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فَيَظْهَرُ أَنَّهَا عَيْبٌ حَيْثُ خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَخْيِيرِ مَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا بِأَكْلِهِ فَيُوجَدُ أَكُولًا.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الرَّدُّ بِالْعَيْبِ ثَابِتٌ فِي الْقَلِيلِ كَالْكَثِيرِ إلَّا فِي الدُّورِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعَقَارَاتِ فَلَا رَدَّ فِيهَا بِالْقَلِيلِ وَلَا الْمُتَوَسِّطِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِأَرْضِ الْمُتَوَسِّطِ، وَأَمَّا الْكَثِيرُ كَالْكَائِنِ بِوُجْهَتِهَا مِمَّا يَنْقُصُ ثَمَنُهَا فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي الرَّدَّ بِهِ أَوْ التَّمَاسُكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، فَعُيُوبُهَا ثَلَاثَةٌ: كَثِيرٌ فِيهِ الرَّدُّ وَلَا أَرْشَ لَهُ إنْ تَمَاسَكَ، وَالْمُتَوَسِّطُ لَهُ الْأَرْشُ وَلَا رَدَّ لَهُ، وَالْقَلِيلُ جِدًّا لَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ بَيْنَ الدُّورِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ غَيْرَهَا قَدْ يُرَادُ مِنْهُ التِّجَارَةُ.
(٣) الثَّانِي: مَحَلُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرِ ذَاتِ الْمَبِيعِ كَالْعُيُوبِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي كَلَامِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ لَا بِتَغَيُّرِ ذَاتِ الْمَبِيعِ كَسُوسِ الْخَشَبِ وَالْجَوْزِ، وَمَرَارَةِ نَحْوِ الْقِثَّاءِ، وَعَدَمِ حَلَاوَةِ نَحْوِ الْبِطِّيخِ، فَلَا رَدَّ لِلْمُشْتَرِي بِهِ إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَرُدَّ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَأَمَّا لَوْ تَغَيَّرَ عِنْدَهُ قَبْلَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ فَتَغَيُّرُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُتَوَسِّطٌ، وَمُخْرَجٌ عَنْ الْمَقْصُودِ كَهَرَمِ الدَّابَّةِ وَقَطْعِ الشَّفَةِ قَطْعًا غَيْرَ مُعْتَادٍ، وَقَلِيلٌ جِدًّا، وَأَشَارَ إلَى الْمُتَوَسِّطِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَدْخُلَهُ) أَيْ الْمَبِيعَ (عِنْدَهُ عَيْبٌ مُفْسِدٌ) أَيْ يُنْقِصُ ثَمَنَهُ وَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ، كَعَجَفِ الدَّابَّةِ أَوْ سِمَنِهَا سِمَنًا بَيِّنًا خَارِجًا عَنْ الْعَادَةِ بِحَيْثُ لَا تَلْحَقُ غَيْرَهَا، أَوْ عَمًى أَوْ شَلَلٍ أَوْ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ. (فَلَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي (أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ مِنْ الثَّمَنِ) وَلَا يُرَدُّ الْمَبِيعُ (أَوْ يَرُدُّهُ) أَيْ الْمَبِيعَ عَلَى بَائِعِهِ (وَيَرُدُّ مَا نَقَصَهُ الْعَيْبُ) الْحَادِثُ (عِنْدَهُ)، وَهَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ لِلْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا أَوْ غَيْرَ مُدَلِّسٍ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَرُدَّ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَتَغَيَّرَ الْمَبِيعُ إنْ تَوَسَّطَ فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ وَرَدُّهُ وَدَفْعُ الْحَادِثِ وَقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، فَيُقَوَّمُ سَالِمًا مِنْ الْعَيْبَيْنِ بِعَشَرَةٍ مَثَلًا، وَبِالْقَدِيمِ بِثَمَانِيَةٍ، وَبِالْحَادِثِ بِسِتَّةٍ، فَإِنْ رَدَّ دَفَعَ لِلْبَائِعِ اثْنَيْنِ، وَإِنْ تَمَاسَكَ أَخَذَ اثْنَيْنِ، وَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ أَوْ نَقَصَ فَبِنِسْبَةِ ذَلِكَ مِنْهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ يُنْسَبُ إلَى ثَمَنِهِ سَلِيمًا مِنْ الْعَيْبَيْنِ، وَأَرْشَ الْحَادِثِ يُنْسَبُ إلَى ثَمَنِهِ مَعِيبًا بِالْقَدِيمِ، وَمَحَلُّ هَذَا التَّخْيِيرِ مَا لَمْ يَقْبَلْهُ الْبَائِعُ بِالْحَادِثِ، وَإِلَّا نَزَلَ الْحَادِثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، فَيُخَيَّرُ الْمُبْتَاعُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْقَدِيمِ، أَوْ يَرُدَّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْحَادِثِ. قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ أَوْ يَقِلَّ فَكَالْعَدِمِ، وَفَسَّرْنَا الْمُفْسِدَ بِالنَّقْصِ لِلثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ عَنْ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَبِيعِ مُفَوِّتٌ لِلرَّدِّ، وَمُوجِبٌ لِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعَ بِأَرْشِ الْقَدِيمِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُخْرَجُ عَنْ الْمَقْصِدِ مُفِيتٌ فَالْأَرْشُ فَيُقَوَّمُ سَلِيمٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ سَالِمٌ، فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، يُقَالُ: وَمَا قِيمَتُهُ مَعِيبًا بِالْقَدِيمِ، فَإِذَا قِيلَ: ثَمَانِيَةٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ الثَّمَنِ بِنِسْبَةِ مَا نَقَصَتْهُ الثَّمَانِيَةُ عَنْ الْعَشَرَةِ، وَهُوَ الْخُمُسُ، فَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجَعَ بِثَلَاثَةٍ، وَإِذَا كَانَ الثَّمَنُ مِائَةً رَجَعَ بِعِشْرِينَ، وَهَكَذَا، وَأَمَّا الْقَلِيلُ جِدًّا فَكَالْعَدِمِ كَوَعْكٍ وَرَمَدٍ وَصُدَاعٍ وَذَهَابِ ظُفْرٍ. (تَنْبِيهٌ) . كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَيْبِ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِيمٌ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ التَّنَازُعُ فِي عَدَمِ عَيْبٍ أَوْ حُدُوثِهِ أَوْ تَنَازَعَا فِي وُجُودِ عَيْبٍ، مِثْلُهُ يَخْفَى، وَعَدَمِ وُجُودِهِ، فَالْحُكْمُ فِي هَذَا الثَّانِي قَبُولُ قَوْلِ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْعَادَةِ أَنْ تَقُولَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ إنَّهُ حَادِثٌ مُعْتَمَدَةٌ فِي شَهَادَتِهَا عَلَى الْعَادَةِ، وَكُلُّ مَنْ قَطَعَتْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَكُلُّ مَنْ رَجَّحَتْ قَوْلَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَعِنْدَ الْإِشْكَالِ عَلَيْهَا الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ، وَإِلَى هَذَا كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ فِي الْعَيْبِ أَوْ قِدَمِهِ إلَّا بِشَهَادَةِ عَادَةٍ لِلْمُشْتَرِي، وَحَلَفَ مَنْ لَمْ تَقْطَعْ بِصِدْقِهِ وَيَمِينِهِ بِعْته، وَمَا هُوَ بِهِ، وَتَكُونُ
[ ٢ / ٨٢ ]
تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ أَوْ مَا تَكُونُ فِيهِ الْمَشُورَةُ
وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِي الْخِيَارِ وَلَا فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ وَلَا فِي الْمُوَاضَعَةِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِنَافِي الظَّاهِرِ وَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فِي الْخَفِيِّ. وَمَا كَانَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ اغْتِلَالِ الْمُشْتَرِي، نَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِلَّةَ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ رَدَّ الْمُبْتَاعُ عَبْدًا) مَثَلًا (بِعَيْبٍ قَدِيمٍ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ كَانَ (قَدْ اسْتَغَلَّهُ) قَبْلَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ وَرَضَاهُ أَوْ فِي زَمَنِ الْخِصَامِ (فَلَهُ غَلَّتُهُ) إلَى حِينِ فَسَخَ الْبَيْعَ بِرَدِّ الْمَبِيعِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْغَلَّةُ لَهُ لِلْفَسْخِ، وَالْمُرَادُ الْغَلَّةُ الَّتِي لَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهَا دَالًّا عَلَى الرِّضَا بِالسِّلْعَةِ الْمَعِيبَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ كَلَبَنٍ وَصُوفٍ، أَوْ عَنْ تَحْرِيكٍ وَاسْتَوْفَاهَا قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ أَوْ بَعْدَهُ حَيْثُ لَا يَكُونُ اسْتِيفَاؤُهَا مُنْقِصًا كَسُكْنَى الدَّارِ فِي زَمَنِ الْخِصَامِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْغَلَّةُ لَهُ مِنْ غَيْرِ غَايَةٍ؛ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الرِّضَا فَلَا فَسْخَ لَهُ بَعْدَ اسْتِيفَائِهَا كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَاسْتِخْدَامِ الرَّقِيقِ الْمُنْقِصَيْنِ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي حَتَّى يَرُدَّ السِّلْعَةَ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا قَبْلَ الرَّدِّ مِنْهُ، وَمِثْلُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِالْفَسَادِ وَبِالِاسْتِحْقَاقِ وَأَخْذِهَا بِالشُّفْعَةِ أَوْ بِالْفَلَسِ، وَهَذَا فِي الْغَلَّةِ غَيْرِ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُؤَبَّرَةً يَوْمَ الشِّرَاءِ. وَكَذَا فِيهَا إنْ فَارَقَتْ الْأُصُولَ قَبْلَ رَدِّهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى أُصُولِهَا فَيُفَصَّلُ فِيهَا بَيْنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ أَوْ الْفَسَادِ فَازَ بِهَا الْمُشْتَرِي إنْ كَانَتْ أَزْهَتْ. وَأَمَّا فِي الشُّفْعَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فَيَفُوزُ بِهَا إنْ يَبِسَتْ، وَأَمَّا لَوْ رُدَّتْ بِتَفْلِيسٍ فَتُرَدُّ وَلَا يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي إلَّا بِجَدِّهَا، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِاَلَّتِي لَمْ تَكُنْ مُؤَبَّرَةً يَوْمَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَبَّرَةَ يَوْمَ الشِّرَاءِ كَالْوَلَدِ وَالصُّوفِ التَّامِّ لَيْسَتْ بِغَلَّةٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» «قَالَ - ﵊ - فِيمَنْ ابْتَاعَ غُلَامًا وَأَقَامَ عِنْدَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ وَجَاءَ بِهِ إلَى الرَّسُولِ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ صَاحِبُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ اسْتَغَلَّ غُلَامِي، فَقَالَ - ﵊ -: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَنَصَّ خَلِيلٌ عَلَى مَا تَخْرُجُ بِهِ السِّلْعَةُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَتَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ بِقَوْلِهِ: وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ إنْ رَضِيَ بِالْقَبْضِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا بِالْفِعْلِ وَلَا مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ قَبْضُهَا فِيهِ أَوْ ثَبَتَ مُوجِبُ الرَّدِّ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالرَّدِّ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ حَاضِرًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَائِبًا فَلَا تَنْتَقِلُ إلَى ضَمَانِهِ إلَّا بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَيُسَمَّى خِيَارَ النَّقِيضَةِ، شَرَعَ فِي خِيَارِ التَّرَوِّي، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: بَيْعُ وَقْفٍ بَتَّهُ أَوَّلًا عَلَى إمْضَاءٍ يُتَوَقَّعُ فَيَخْرُجُ الْبَيْعُ اللَّازِمُ ابْتِدَاءً وَلَكِنْ يُؤَوَّلُ إلَى خِيَارٍ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْبِ فَهَذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ بَتُّهُ أَوَّلًا وَيُسَمَّى خِيَارَ النَّقِيصَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَتَهُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ (وَالْبَيْعُ) الْمَدْخُولُ فِيهِ (عَلَى الْخِيَارِ) لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَوْ أَجْنَبِيٍّ (جَائِزٌ) لِيَتَرَوَّى فِي أَخْذِ السِّلْعَةِ أَوْ رَدِّهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ شَذَّ بِمَنْعِهِ، وَخِيَارُ التَّرَوِّي عِنْدَنَا إنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْطِ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ كَالشَّرْطِ بِالْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَقِيلَ: إلَّا ابْنَ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: بِأَنَّ التَّرَوِّيَ يَكُونُ بِالْمَجْلِسِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ فَهْمُ قَوْلِهِ - ﷺ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» فَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْقَوْلِ وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ إمَامُنَا - ﵁ - مَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ: إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا بَيْعًا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ، فَلَا يَنْقَضِي الْخِيَارُ بِالْمُفَارَقَةِ بَلْ يَبْقَى بِيَدِ مَنْ جُعِلَ لَهُ إلَى تَمَامِ الْمُدَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ وَلَوْ تَفَرَّقَا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ: «الْمُتَعَاقِدَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَالْعَمَلُ عَنْهُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ مَالِكٌ الْعَمَلَ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ آحَادٍ، وَعَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ. وَأَشَارَ إلَى شَرْطِ الْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (إذَا ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا) وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْخِيَارَ لِأَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَجَلُ مَعْلُومًا لَهُمَا وَنِهَايَتُهُ (إلَى مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ) وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: إلَى مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ إلَى اخْتِلَافِ مُدَّتِهِ بِاخْتِلَافِ السِّلَعِ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ كَشَهْرٍ فِي دَارٍ وَلَا يَسْكُنُ وَكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ وَاسْتَخْدَمَهُ، وَكَثَلَاثَةٍ فِي دَابَّةٍ وَكَيَوْمٍ لِرُكُوبِهَا فِي الْبَلَدِ وَلِرُكُوبِهَا فِي خَارِجِهَا يَكْفِي الْبَرِيدُ وَنَحْوُهُ، وَكَثَلَاثَةٍ فِي ثَوْبٍ أَوْ سَفِينَةٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ وَلَا عَقَارٍ وَلَا رَقِيقٍ. وَأَمَّا نَحْوُ الدَّجَاجِ وَالطُّيُورِ وَبَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا عَمَلَ لَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُدَّةَ الْخِيَارِ فِيهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِإِسْرَاعِ التَّغَيُّرِ لَهَا، فَتَكُونُ مُدَّةُ الْخِيَارِ فِيهَا مَا لَا تَتَغَيَّرُ فِيهِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا سَائِرُ الْفَوَاكِهِ وَالْأَطْعِمَةِ الَّتِي تَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ. فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ رَطْبِ الْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ كَانَ النَّاسُ يُشَاوِرُونَ غَيْرَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَحْتَاجُونَ إلَى رَأْيِهِمْ فَلَهُمْ مِنْ الْخِيَارِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ تَغَيُّرٌ وَلَا فَسَادٌ. ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ إلَى مَا تُخْتَبَرُ فِيهِ السِّلْعَةُ قَوْلَهُ: (أَوْ) إلَى (مَا تَكُونُ فِيهِ الْمَشُورَةُ) لِلْغَيْرِ حَيْثُ لَا تَزِيدُ مُدَّةُ الْمَشُورَةِ عَلَى مُدَّةِ الْخِيَارِ الْمَعْلُومَةِ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا جَوَازَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ عَلَى مَشُورَةِ الْغَيْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَشُورَةَ
[ ٢ / ٨٣ ]
بِشَرْطٍ.
وَالنَّفَقَةُ فِي ذَلِكَ وَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَإِنَّمَا يُتَوَاضَعُ لِلِاسْتِبْرَاءِ الْجَارِيَةُ الَّتِي لِلْفِرَاشِ فِي الْأَغْلَبِ أَوْ الَّتِي أَقَرَّ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] خِلَافُ اخْتِبَارِ الْمُشْتَرِي لِلسِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِبَارَهَا امْتِحَانُهَا مِنْ جِهَةِ قِلَّةِ أَكْلِهَا أَوْ عَمَلِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَشُورَةُ فَتَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِأَجْلِ الْإِقْدَامِ عَلَى الشِّرَاءِ أَوْ عَدَمِهِ، كَبَتِّ الْبَيْعِ أَوْ رَدِّ السِّلْعَةِ، وَاسْتَفِدْ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ زَمَنَ الْمَشُورَةِ لَوْ كَانَ يَتَأَخَّرُ عَنْ مُدَّةِ الْخِيَارِ لَأَفْسَدَ الْبَيْعَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةٍ بَعِيدٍ أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ أَوْ غَيْبِهِ عَلَى مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَفَسَدَ بِشَرْطٍ إلَخْ أَنَّ الْبَيْعَ لَوْ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ وَلَمْ يُعَيِّنَا أَجَلًا لَمْ يَفْسُدْ الْمَبِيعُ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُصَارُ إلَى أَجَلِ تِلْكَ السِّلْعَةِ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّاذِلِيُّ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ كَانَتْ مُدَّةُ الْخِيَارِ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ مَعْلُومَةً بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ الشَّاذِلِيِّ: وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ بَلْ لَوْ سَكَتَا عَنْهُ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَكَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِهِ كَمَا عِنْدَنَا فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ فِي بَيْعِ الدَّوَابِّ، وَالْعُرْفُ عِنْدَ مَالِكٍ كَالشَّرْطِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ خِيَارَ التَّرَوِّي لَا يَكُونُ إلَّا بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِالْمَجْلِسِ، وَلَمْ يُبَيِّنَا حُكْمَ مَا لَوْ شَرَطَاهُ. وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ اشْتِرَاطَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ، وَلِي بَحْثٌ فِيهِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ الْمَدْخُولِ فِيهِ عَلَى مَشُورَةِ شَخْصٍ قَرِيبٍ كَمَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ جَهْلِ زَمَنِ الْخِيَارِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ. وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي عَدَمُ فَسَادِ الْعَقْدِ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ لِأَحَدِهِمَا مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ لِقِصَرِ زَمَانِ الْمَجْلِسِ عُرْفًا عَنْ مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا عَلَيْهِ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا حَصَلَ مِنْهُ نَفْيُ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِأَحَدِ الْمُبَايِعَيْنِ بِمُقْتَضَى الْمَجْلِسِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي أَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَاهُ لِأَحَدِهِمَا مُدَّةَ الْمَجْلِسِ لَعُمِلَ بِهِ وَحَرِّرْ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ. وَلَا يُقَالُ: مُدَّةُ الْخِيَارِ مَحْدُودَةٌ بِأَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كَلَامِهِمْ حَدٌّ لِأَكْثَرِهِ، وَلِذَلِكَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِاشْتِرَاطِ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلَا يُنَافِي جَوَازُ اشْتِرَاطِ أَقَلَّ مِنْهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ شَرَطَا نَفْيَ الْخِيَارِ جُمْلَةً لَكَانَ لَهُمَا ذَلِكَ،.
(٢) الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَقْطَعُ الْخِيَارَ وَيُعَدُّ بَعْدُ الْمُخْتَارُ رَاضِيًا، وَبَيَّنَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: وَقَاطَعَهُ قَوْلُ وَفِعْلُ الْمَازِرِيِّ وَتَرَك هُوَ عَدَمَهُمَا، فَالْقَوْلُ نَحْوُ رَضِيت، وَالْفِعْلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرَضِيَ مُشْتَرٍ كَاتِبٌ أَوْ زَوْجٌ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ قَصَدَ تَلَذُّذًا أَوْ رَهَنَ أَوْ آجَرَ أَوْ أَسْلَمَ لِلصَّنْعَةِ أَوْ تَسَوَّقَ أَوْ جَنَى أَوْ تَعَمَّدَ أَوْ نَظَرَ الْفَرْجَ أَوْ عَرَّبَ دَابَّةً أَوْ وَدَكَهَا، وَالتَّرْكُ كَالْقَضَاءِ مُدَّةَ الْخِيَارِ، وَالسِّلْعَةُ تَحْتَ يَدِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، وَلَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ نَحْوِ الْيَوْمَيْنِ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الرَّدَّ بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ لَكَانَ لَهُ الرَّدُّ فِي الْغَدِ وَالْغَدَاءَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَيَلْزَمُ بِانْقِضَائِهِ وَرُدَّ فِي كَالْغَدِ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ وَلَا خَلِيلٌ الَّذِي تَكُونُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ زَمَنَ الْخِيَارِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِاخْتِبَارِ الثَّمَنِ أَوْ لِلتَّرَوِّي فِي إمْضَاءِ الْعَقْدِ وَعَدَمِهِ فَمَحَلُّ السِّلْعَةِ عِنْدَ الْبَائِعِ إذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ تَكُونُ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لِاخْتِبَارِ أَكْلِ السِّلْعَةِ أَوْ عَمَلِهَا أَوْ لَبَنِهَا فَمَحَلُّهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ تَسْلِيمُهَا لِلْمُشْتَرِي إنْ بَيَّنَ ذَلِكَ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَاتَّفَقَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا وَادَّعَى كُلٌّ نَقِيضَ قَصْدِ صَاحِبِهِ فُسِخَ الْبَيْعُ حَتَّى يَحْصُلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى شَيْءٍ. وَلَمَّا كَانَتْ السِّلْعَةُ فِي زَمَنِ خِيَارِ التَّرَوِّي عَلَى مِلْكِ بَائِعِهَا لِانْحِلَالِ الْبَيْعِ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ) أَيْ تَعْجِيلُ الثَّمَنِ (فِي) زَمَنِ (الْخِيَارِ وَلَا فِي) زَمَنِ (عُهْدَةِ الثَّلَاثِ)، وَهِيَ بَيْعُ الرَّقِيقِ عَلَى أَنَّ ضَمَانَهُ فِي الثَّلَاثِ مِنْ بَائِعِهِ وَلَوْ بِالسَّمَاوِيِّ. (وَلَا فِي) زَمَنِ (الْمُوَاضَعَةِ)، وَهِيَ جَعْلُ الْأَمَةِ الْعَلِيَّةِ أَوْ الْوَخْشِ الَّتِي أَقَرَّ بَائِعُهَا بِوَطْئِهَا. (بِشَرْطٍ) فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِتَرَدُّدِ الْمَنْقُودِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ، فَالْعَقْدُ يَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِ نَقْدِ الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ أَسْقَطَاهُ بَلْ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ نَقْدٌ بِالْفِعْلِ، وَلَا يُقَالُ: الْعِلَّةُ إنَّمَا تَظْهَرُ مَعَ النَّقْدِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا كَانَ النَّقْدُ بِالْفِعْلِ يَصْحَبُ الشَّرْطَ غَالِبًا نُزِّلَ غَيْرُ الْحَاصِلِ مَنْزِلَةَ الْحَاصِلِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ بِقَوْلِهِ: وَفَسَدَ بِشَرْطٍ قَدْ نُقِدَ كَغَائِبٍ وَعُهْدَةِ ثَلَاثٍ، وَمُوَاضَعَةٍ وَأَرْضٍ لَمْ يُؤْمَنْ رَبُّهَا وَجُعْلٍ، وَإِجَارَةٍ بِجُزْءِ زَرْعٍ وَأَجِيرٍ تَأَخَّرَ شَهْرًا، وَمَفْهُومٌ بِشَرْطِ جَوَازِ النَّقْدِ تَطَوُّعًا إلَّا فِي الْمُوَاضَعَةِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَمِثْلُهَا مَسَائِلُ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ:، وَمُنِعَ، وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مَوَاضِعِهِ وَغَائِبٍ وَكِرَاءٍ ضَمِنَ وَسَلَّمَ بِخِيَارٍ، وَقَوْلُهُ بِخِيَارٍ رَاجِعٌ لِلْأَرْبَعِ مَسَائِلَ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ النَّقْدُ، وَإِنْ تَطَوُّعًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ فَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: وَكِرَاءٌ ضَمِنَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ الْمَضْمُونُ وَالْمُعَيَّنُ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَالْمَفْهُومُ فِيهِ مُعَطَّلٌ، وَمَوْضُوعُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ دَخَلَا عَلَى شَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ. وَأَمَّا لَوْ شَرَطَا عَدَمَ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا بِعَدَمِهَا كَمَا فِي بِيَاعَاتِ مِصْرَ فَلَا يَضُرُّ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ، وَلَكِنْ لَا يُقَرَّانِ عَلَى تَرْكِ الْمُوَاضَعَةِ، بَلْ تُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَيُجْبَرَانِ عَلَى وَضْعِهَا تَحْتَ يَدٍ أَمِينَةٍ، وَأَمَّا الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَتَوَاضَعُ، وَهِيَ الْوَخْشَةُ الَّتِي لَمْ يُقِرَّ بَائِعُهَا بِوَطْئِهَا فَإِنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ عِنْدَ مُشْتَرِيهَا، وَلَا يُمْتَنَعُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ
[ ٢ / ٨٤ ]
الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا، وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا وَلَا تَجُوزُ الْبَرَاءَةُ مِنْ حَمْلِهَا إلَّا حَمْلًا ظَاهِرًا.
وَالْبَرَاءَةُ فِي الرَّقِيقِ جَائِزَةٌ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِثَمَنِهَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ غَلَبَةُ تَوَقُّعِ حَمْلِ مَنْ تَتَوَاضَعُ، وَنُدْرَةُ حَمْلِ غَيْرِهَا. (تَنْبِيهٌ) . عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ مَا يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهِ بِشَرْطٍ، وَهُوَ ثَمَانِ مَسَائِلَ وَيَجُوزُ تَطَوُّعًا، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَمْتَنِعُ النَّقْدُ فِيهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَرْبَعُ مَسَائِلَ وَذَكَرَهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَمُنِعَ وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وَغَائِبٍ وَكِرَاءٍ ضَمِنَ وَسَلَّمَ بِخِيَارٍ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالضَّمَانُ زَمَنَ الْخِيَارِ بِقَوْلِهِ: (وَالنَّفَقَةُ) وَالْكِسْوَةُ عَلَى الْمَبِيعِ بِالْخِيَارِ أَوْ عَلَى الْعُهْدَةِ أَوْ الْمُوَاضَعَةِ. (فِي ذَلِكَ) الزَّمَنِ الْوَاقِعِ فِي تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ. (وَالضَّمَانُ) كِلَاهُمَا (عَلَى الْبَائِعِ)؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ عَلَى مِلْكِهِ فِي أَزْمِنَةِ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي الْخِيَارِ: وَالْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، وَمَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ سِوَى الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ، وَالنَّفَقَةُ وَالْأَرْشُ وَالْغَلَّةُ لِلْبَائِعِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ النَّمَاءُ عَلَيْهِ التَّوَاءُ أَيْ الْهَلَاكُ، وَقَالَ - ﵊ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ الْبَائِعُ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ كَذِبُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَثَوْبٍ أَوْ كِتَابٍ إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِلْمُشْتَرِي عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَلَفٍ أَوْ ضَيَاعٍ، وَإِلَّا كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُ الْمُشْتَرِي وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ، وَلَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَصِفَةُ يَمِينِهِ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا أَنْ يَقُولَ: لَقَدْ ضَاعَتْ فِي دَعْوَى الضَّيَاعِ، أَوْ تَلِفَتْ فِي دَعْوَى التَّلَفِ، وَمَا فَرَّطْت، وَغَيْرُ الْمُتَّهَمِ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ مَا فَرَّطْت، وَأَمَّا مَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ حَلَفَ، وَلَا يَنْفِي عَنْهُ الضَّمَانَ إلَّا شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ.
(٢) (فَرْعَانِ) الْأَوَّلُ: قَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ: وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلَانِ دَابَّتَيْنِ عَلَى خِيَارٍ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهَا مَاتَتْ بِمَوْضِعِ كَذَا، فَقَالَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ: لَمْ يَمُتْ عِنْدَنَا إلَّا وَاحِدَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصَدَّقٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا صَادِقٌ قَطْعًا وَالْآخَرُ يَضْمَنُ بِالشَّكِّ، وَقَالَ غَيْرُ مَنْ سَبَقَ: يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ، وَصَوَّبَ عَبْدُ الْحَقِّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَضْمَنُ نِصْفَ دَابَّتِهِ وَيَبْرَأُ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي.
(٣) وَالْفَرْعُ الثَّانِي: لَوْ اشْتَرَى شَخْصٌ شَيْئًا بِخِيَارٍ فَادَّعَى الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ هَلَكَ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ وَقَالَ الْبَائِعُ بَعْدَ أَيَّامِ الْخِيَارِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ يُتَّهَمُ عَلَى إرَادَةِ نَقْضِ الْبَيْعِ، وَهَذَا إنْ تَصَادَقَا عَلَى انْقِضَاءِ أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي انْقِضَائِهَا فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ الِانْقِضَاءَ وَالْمُشْتَرِي الْبَقَاءَ فَالْقَوْلُ لِمُنْكِرِ التَّقَضِّي، وَهُوَ الْمُشْتَرِي. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ تَجِبُ مُوَاضَعَتُهَا مِنْ الْجَوَارِي بِقَوْلِهِ: (وَإِنَّمَا) يَجِبُ أَنْ (يَتَوَاضَعَ) أَيْ يُوضَعَ (لِلِاسْتِبْرَاءِ الْجَارِيَةُ) الْعَلِيَّةُ هِيَ (الَّتِي) تُرَادُ (لِلْفِرَاشِ فِي الْأَغْلَبِ) سَوَاءٌ أَقَرَّ بَائِعُهَا بِوَطْئِهَا أَمْ لَا. (أَوْ الَّتِي أَقَرَّ الْبَائِعُ بِوَطْئِهَا، وَإِنْ كَانَتْ وَخْشًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَتَوَاضَعُ الْعَلِيَّةُ أَوْ وَخْشٌ أَقَرَّ بَائِعُهَا بِوَطْئِهَا عِنْدَ مَنْ يُؤْمَنُ وَالشَّأْنُ لِلنِّسَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْبَيَانِ أَنْ تُوضَعَ الْجَارِيَةُ عَلَى يَدِ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ لَهُ أَهْلٌ حَتَّى تُعْرَفَ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا مِنْ الْحَمْلِ بِحَيْضَةٍ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَبِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ يَائِسَةً مِنْ الْحَيْضِ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، أَمِنَتْ الْحَمْلَ أَمْ لَا، وَيُنْدَبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدِ النِّسَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مَأْمُونٍ لَهُ أَهْلٌ، وَيُنْهَى عَنْ كَوْنِهَا عَلَى يَدِ أَحَدِهِمَا نَهْيَ كَرَاهَةٍ إنْ كَانَ مَأْمُونًا، وَحُرْمَةٍ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَيُكْتَفَى بِامْرَأَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى إسْقَاطِهَا لَمْ يَفْسُدْ الْبَيْعُ وَلَكِنْ يُجْبَرَانِ عَلَيْهَا، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ زَمَنَ الْمُوَاضَعَةِ كَانَ عَيْبًا فِي الْعَلِيَّةِ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي فِي رَدِّهَا وَالتَّمَاسُكِ بِهَا إنْ كَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ يُفْسَخُ بَيْعُهَا، وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَخْشَ الَّتِي لَمْ يُقِرَّ بَائِعُهَا بِوَطْئِهَا لَا مُوَاضَعَةَ فِيهَا، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ قَبْلَ وَطْئِهِ. وَيُقَالُ لَهُ الِاسْتِبْرَاءُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْمُوَاضَعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ فِي زَمَنِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي. (تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنَّمَا يَتَوَاضَعُ إلَخْ مَا أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا مُوَاضَعَةَ فِي مُتَزَوَّجَةٍ وَحَامِلٍ، وَمُعْتَدَّةٍ وَزَانِيَةٍ كَالْمَرْدُودَةِ بِعَيْبٍ أَوْ فَسَادٍ أَوْ إقَالَةٍ إنْ لَمْ يَغِبْ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا لَوْ غَابَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَرْدُودَةِ بِمَا ذَكَرَ فَفِيهَا الْمُوَاضَعَةُ، لَكِنْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَرْدُودَةِ بِالْعَيْبِ وَالْإِقَالَةِ إنْ كَانَ الرَّدُّ بِهِمَا بَعْدَ دُخُولِهَا فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَجَبَتْ فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ، وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ بِهِمَا قَبْلَ دُخُولِهَا فِي ضَمَانِهِ فَلَا مُوَاضَعَةَ. (وَلَا تَجُوزُ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَمْلِ) الَّذِي يَتَوَقَّعُ ظُهُورُهُ فِي الْأَمَةِ الْعَلِيَّةِ بَعْدَ اشْتِرَائِهَا (إلَّا حَمْلًا ظَاهِرًا) وَقْتَ الْعَقْدِ فَيَجُوزُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْمَالِكِ أَمَةً عَلِيَّةً، وَيُشْتَرَطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ حَمْلِهَا بِحَيْثُ لَا رَدَّ لَهُ بِسَبَبِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَمْلُهَا ظَاهِرًا وَقْتَ الْعَقْدِ لَجَازَ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِهَا لِدُخُولِ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يَجُوزُ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِ الْوَخْشِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَلِيَّةِ لَا يَجُوزُ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِهَا غَيْرِ الظَّاهِرِ وَبَيْنَ الْوَخْشِ يَجُوزُ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِهَا مُطْلَقًا؟ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ الْحَمْلَ يَضَعُ مِنْ حَمْلِ الْعَلِيَّةِ كَثِيرًا فَهُوَ غَرَرٌ وَعَيْبٌ، بِخِلَافِ الْوَخْشِ الْحَمْلُ يُوجِبُ الرَّغْبَةَ
[ ٢ / ٨٥ ]
الْبَائِعُ.
وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ حَتَّى يُثْغِرَ.
وَكُلُّ بَيْعٍ فَاسِدٍ فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ فَضَمَانُهُ مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِيهَا. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ فِي الْعَلِيَّةِ حَيْثُ يَجُوزُ التَّبَرِّي مِنْ الظَّاهِرِ دُونَ الْخَفِيِّ؟ فَالْجَوَابُ: وُجُودُ الْغَرَرِ فِي الْخَفِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَرَدَّدُ فِي وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ، بِخِلَافِ الظَّاهِرِ الْمُشْتَرِي جَازِمٌ بِوُجُودِهِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ التَّبَرِّي مِنْ الْحَمْلِ الظَّاهِرِ مُطْلَقًا، وَالْخَفِيِّ فِي الْوَخْشِ فَقَطْ أَنْ لَا يَكُونَ الْبَائِعُ قَدْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَمْلِهَا مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلٍ يَلْزَمُهُ، وَمَحَلُّ جَوَازِ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِهَا الظَّاهِرِ أَنْ لَا يَمْضِيَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ مُقَرَّبٌ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ وَالْمُحَرَّمُ إذَا قَوِيَ مَرَضُهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَاتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا كَمُحَرَّمٍ أَشْرَفَ إلَى أَنْ قَالَ: وَحَامِلٌ مُقَرَّبٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْمَمْنُوعِ الْفَسَادُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ بَيْعِ الْأَمَةِ مَعَ التَّبَرِّي مِنْ حَمْلِهَا وَسَكَتَ عَنْ بَيْعِ الذَّاتِ بِشَرْطِ حَمْلِهَا، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَكَحَامِلٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ تَشْبِيهٌ فِي الْفَسَادِ، وَمَحَلُّ الْفَسَادِ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ إذَا كَانَ اشْتِرَاطُهُ لِقَصْدِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ؛ لِكَوْنِ الْحَمْلِ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَمْلِ ظَاهِرًا أَوْ خَفِيًّا؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ إنْ لَمْ يَظْهَرْ، وَمِنْ بَيْعِ الْأَجِنَّةِ إنْ كَانَ ظَاهِرًا، وَهَذَا تَسْتَوِي فِيهِ الْأَمَةُ وَالْبَهِيمَةُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْ اشْتِرَاطِ حَمْلِهَا التَّبَرِّي مِنْهُ فَلَا فَسَادَ عَلَى الْمُرْتَضِي مِنْ الْخِلَافِ، وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا صُرِّحَ بِالْقَصْدِ أَوْ فُهِمَ مِنْ الْحَالِ قَصْدُهُ، وَأَمَّا بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْحَمْلِ وَلَمْ يُصَرَّحْ بِقَصْدِهِ وَلَا فُهِمَ مِنْ الْحَالِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَكْثُرُ قَصْدُ النَّاسِ إلَيْهِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ فِي الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ، وَيُمْكِنُ جَرَيَانُهُ فِي الرَّقِيقِ إذَا كَانَ حَمْلُهُ يَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ، فَإِنْ كَانَ يَنْقُصُ فِيهِ الثَّمَنُ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى قَصْدِ التَّبَرِّي، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي عَدَمِ الْجَوَازِ بَيْعُهَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ جَنِينِهَا أَوْ بَيْعِ جَنِينِهَا وَحْدَهُ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَّا حَمْلًا ظَاهِرًا بِالنَّصْبِ هَذَا مَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي الْحَمْلِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَّا حَمْلٍ بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْحَمْلِ الْمَجْرُورِ بِمِنْ، وَهُوَ الْأَوْلَى فِي الْمُسْتَثْنَى بَعْدَ النَّفْيِ أَوْ شَبَهِهِ. وَلَمَّا كَانَ التَّبَرِّي مِنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الرَّقِيقِ قَالَ: (وَالْبَرَاءَةُ فِي الرَّقِيقِ) فَقَطْ (جَائِزَةٌ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ (الْبَائِعُ) مِنْ الْعُيُوبِ، وَهَذَا أَحَدُ شَرْطَيْنِ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ تَطُولَ إقَامَةُ الرَّقِيقِ عِنْدَ الْبَائِعِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ: وَتَبَرِّي غَيْرِهِمَا فِيهِ مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ إنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ رَقِيقٌ طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَيْبًا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَتَبَرَّأَ مِنْ عُيُوبِهِ، بِأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى مُشْتَرِيهِ عَدَمَ رَدِّهِ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ يَظْهَرُ كَإِبَاقٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا حَيْثُ طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَ بِهِ هَذَا الْعَيْبُ لَظَهَرَ، فَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِعَيْبِهِ أَوْ لَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّبَرِّي مِنْ عَيْبِهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا أَنْ يُبَيِّنَهُ لِلْمُشْتَرِي. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِذَا عَلِمَهُ بَيَّنَ أَنَّهُ بِهِ وَوَصَفَهُ أَوْ أَرَاهُ لَهُ وَلَمْ يَحْمِلْهُ فَالظَّاهِرُ كَالْعَوَرِ وَالْقَطْعِ يُرِيهِ لَهُ، وَنَحْوِ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ يَصِفُهُ وَصْفًا شَافِيًا بَعْدَ بَيَانِ أَنَّهُ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: يَأْبَقُ أَوْ يَسْرِقُ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُفَصِّلُ لَهُ بِأَنْ يَقُولَ: أَبَقَ عِنْدِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ سَرَقَ مِرَارًا الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ كَذَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ رُبَّمَا يَغْتَفِرُ سَرِقَةَ نَحْوِ الرَّغِيفِ، وَلَا يَكْفِي الْإِجْمَالُ بِأَنْ يَقُولَ فِيهِ جَمِيعُ الْعُيُوبِ، وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيمَا إذَا قَالَ: إنَّهُ سَارِقٌ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ يَسِيرِ السَّرِقَةِ دُونَ الْمُتَفَاحِشِ وَعَلَيْهِ الْبِسَاطِيُّ وَالنَّقْلُ يُوَافِقُهُ أَوْ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ وَلَا فِي الْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِجْمَالِ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ، وَالظَّاهِرُ الرُّجُوعُ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا بِفَقَطْ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ التَّبَرِّي مِنْ الْعُيُوبِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَرِقَّاءِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يُمْكِنُهُ التَّحَيُّلُ بِكَتْمِ عُيُوبِهِ أَوْ بَعْضِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ تَحَيُّلٌ، فَلِذَا لَا يَجُوزُ لِبَائِعِ نَحْوِ الْجَمَلِ أَوْ الثَّوْرِ أَوْ الْحِمَارِ التَّبَرِّي مِنْ عَيْبِهِ، بَلْ مَتَى مَا ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ وَثَبَتَ قِدَمُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْعَقْدِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي رَدِّهِ وَلَوْ تَبَرَّأَ مِنْهُ الْبَائِعُ، كَمَا لَا يَجُوزُ التَّبَرِّي مِنْ عُيُوبِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَمْ تَطُلْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ، وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّقِيقَ مُبَاعٌ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَدْفُوعُ قَرْضًا فَلَا يَجُوزُ لِمُقْرِضِهِ أَنْ يَتَبَرَّأَ لِلْمُقْتَرِضِ مِنْ عُيُوبِهِ لِأَدَائِهِ إلَى سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا خِلَافًا لِمَنْ عَمَّمَ فِي الرَّقِيقِ. الثَّانِي: هَذَا الْكَلَامُ فِي الْبَائِعِ الْبَالِغِ وَلَوْ حَاكِمَا أَوْ وَارِثًا؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْحَاكِمِ وَالْوَارِثِ الرَّقِيقِ بَيْعُ بَرَاءَةٍ إنْ بَيَّنَ أَنَّهُ إرْثٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ مِنْهُ بَيْعُ حَاكِمٍ وَوَارِثٍ رَقِيقًا فَقَطْ بَيَّنَ أَنَّهُ إرْثٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْبَائِعِ فَلَا يُعْتَبَرُ عِلْمُهُ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ فَائِدَةَ التَّبَرِّي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا رَدَّ لَهُ بِظُهُورِ الْعَيْبِ الَّذِي تَبَرَّأَ مِنْهُ الْبَائِعُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. وَمِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ أَنْ (يُفَرَّقَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الظَّرْفُ أَعْنِي (بَيْنَ الْأُمِّ) الْعَاقِلَةِ (وَ) بَيْنَ (وَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ)، وَمَا شَابَهَهُ مِنْ كُلِّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَيَشْمَلُ كَلَامُهُ: لَوْ دَفَعَ الْوَلَدُ أَوْ الْأُمُّ أُجْرَةً أَوْ صَدَاقًا أَوْ وُهِبَ أَحَدُهُمَا لِلثَّوَابِ، وَالْمُرَادُ الْأُمُّ دُنْيَةً وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ:
[ ٢ / ٨٦ ]
الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ، فَإِنْ حَالَ سَوْقُهُ أَوْ تَغَيَّرَ فِي بَدَنِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبْضِهِ وَلَا يَرُدُّهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا، وَإِنْ بِقِسْمَةٍ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فِي الْبَيْعِ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ أَيْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ كَدَفْعِ أَحَدِهِمَا صَدَقَةً أَوْ هِبَةً لِغَيْرِ ثَوَابٍ بَلْ لِوَجْهِ الْمُعْطِي فَلَا حُرْمَةَ وَيُجْبَرَانِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ، وَقِيلَ يُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ، وَيَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا بِالْعِتْقِ، وَيُكْتَفَى بِجَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ اتِّفَاقًا، فَإِذَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ وَبَاعَ الْأُمَّ فَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْإِنْفَاقَ عَلَى الْوَلَدِ وَكِسْوَتَهُ إلَى حُصُولِ الْإِثْغَارِ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْأُمَّ وَبَاعَ الْوَلَدَ اشْتَرَطَ عَلَى مُشْتَرِيهِ جَمْعَهُ مَعَ أُمِّهِ. ، وَنَفَقَةُ الْأُمِّ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنْ دَبَّرَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُ الْآخَرِ وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ الْآخَرِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، بِخِلَافِ لَوْ كَاتَبَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ بَاعَ كِتَابَتَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بَيْعُ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ مَعَ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ، وَيَشْتَرِطُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إذَا عَتَقَ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يَحْصُلَ الْإِثْغَارُ، وَقَيَّدْنَا بِدِنْيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْرُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْجَدَّةِ وَوَلَدِ وَلَدِهَا، كَمَا لَا تَحْرُمُ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ، وَلَا بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا مِنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْأُمُّ مِنْ النَّسَبِ، وَقُلْنَا الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ التَّفْرِقَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُقَلَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبَالَغَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ بِقِسْمَةٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ جَارِيَةٍ وَأَوْلَادِهَا الصِّغَارِ لَا يَجُوزُ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَاحِدٌ الْأُمَّ وَالْآخَرُ الْوَلَدَ وَتَسْتَمِرُّ الْحُرْمَةُ. (حَتَّى يُثْغِرَ) الْوَلَدُ فَإِنْ أَثْغَرَ أَيْ سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ وَنَبَتَتْ كُلُّهَا وَلَوْ لَمْ يَتَكَامَلْ نَبَاتُهَا جَازَتْ التَّفْرِقَةُ، وَالْمُرَادُ الْإِثْغَارُ الْمُعْتَادُ. قَالَ خَلِيلٌ: مَا لَمْ يُثْغِرْ مُعْتَادًا وَيُكْتَفَى بِبُلُوغِ زَمَنِهِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ بَعْدَ السَّبْعِ وَلَوْ لَمْ يُثْغِرْ بِالْفِعْلِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ حَقٌّ لِلْأُمِّ، وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: مَا لَمْ تَرْضَ الْأُمُّ، وَإِلَّا جَازَتْ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْإِثْغَارِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ التَّفْرِقَةِ «قَوْلُهُ - ﷺ -: أَلَا لَا تُولَهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» وَقَوْلُهُ - ﷺ - أَيْضًا: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ أَوْ أَحْبَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً لَكِنْ غَيْرَ حَرْبِيَّةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ وَلَدُهَا مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ زِنًى، وَلَوْ كَانَ مَجْنُونًا وَأُمُّهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُخَافَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا الْحَرْبِيَّةُ فَلَا تَحْرُمُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَيَجُوزُ لِبَعْضِ الْمُجَاهِدِينَ أَخْذُ الْأُمِّ أَوْ الْوَلَدِ دُونَ أُمِّهِ، وَالْمَسْبِيَّةُ مَعَ صَغِيرٍ تَدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُهَا فَيُقْبَلُ قَوْلُهَا حَيْثُ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى صِدْقِهَا. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَثْبُتُ الْبُنُوَّةُ الْمَانِعَةُ لِلتَّفْرِقَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ مَالِكِيهِمَا أَوْ دَعْوَى الْأُمِّ مَعَ قَرِينَةِ صِدْقِهَا، وَتَصْدِيقُ الْمَسْبِيَّةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ التَّفْرِقَةِ فَقَطْ لَا فِي غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْبُنُوَّةِ، فَلَا يَخْتَلِي بِهَا إنْ كَبِرَ، وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا لَكِنْ هِيَ لَا تَرِثُ مَنْ أَقَرَّتْ بِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ حَصَلَتْ التَّفْرِقَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَفُسِخَ إنْ لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ إلَّا أَنْ يَمْضِيَ زَمَنُ الْحُرْمَةِ بِأَنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى حَصَلَ الْإِثْغَارُ الْمُعْتَادُ، وَإِلَّا مَضَى الْبَيْعُ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَتْ التَّفْرِقَةُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعِهِمَا فِي مِلْكٍ، وَقِيلَ يَكْفِي جَمْعُهُمَا فِي حَوْزٍ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْفَسْخِ، وَيُضْرَبُ بَائِعُ التَّفْرِقَةِ، وَمُبْتَاعُهَا كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْتَادَاهُ، وَمَحَلُّ ضَرْبِهِمَا إنْ عَلِمَا حُرْمَةَ التَّفْرِقَةِ، وَإِلَّا عُذِرَا بِالْجَهْلِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْنَا جَوَازُ عِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ كِتَابَتِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ نِصْفِهِمَا أَوْ ثُلُثِهِمَا وَلَوْ لِغَيْرِ الْعِتْقِ. وَيُثْغِرُ يَجُوزُ فِي يَائِهِ الْفَتْحُ وَيَسْكُنُ الْمُثَلَّثَةُ وَكَسْرُ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا مَعَ تَسْكِينِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْضًا، وَهُوَ سُقُوطُ الرَّوَاضِعِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي ضَمَانِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا وَفِيمَا يُنْقَلُ مِلْكُهُ إلَى الْمُشْتَرِي بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ) مَبِيعٍ (بَيْعٍ فَاسِدٍ) لِفَقْدِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ (فَضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ) لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ حَيْثُ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُبْتَاعُ (فَإِنْ قَبَضَهُ الْمُبْتَاعُ) قَبْضًا مُسْتَمِرًّا بَعْدَ بَتِّ الْبَيْعِ (فَضَمَانُهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ) أَيْ زَمَنِ (قَبْضِهِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ بِقَبْضِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ عَلَى وُجْهَةِ التَّمَلُّكِ لَا عَلَى جِهَةِ الْأَمَانَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَلَا ضَمَانَ وَلَوْ مَكَّنَهُ الْبَائِعُ مِنْ قَبْضِهِ، وَالضَّمَانُ ضَمَانُ أَصَالَةٍ لَا ضَمَانُ رِهَانٍ، فَلَا يَنْتَفِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ، وَقَيَّدْنَا الْقَبْضَ بِالْمُسْتَمِرِّ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَقَبَضَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى الْبَائِعِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَهَلَكَتْ فَإِنَّ ضَمَانَهَا مِنْ بَائِعِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَبْضَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَتِّ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ بَيْعِ الْخِيَارِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَوْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ إذَا وَقَعَ عَلَى خِيَارِ الضَّمَانِ فِيهِ مِنْ الْبَائِعِ لِمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى تَلَفِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ كَمَا قَدَّمْنَا.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِضَمَانِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا بَعْدَ قَبْضِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ، وَأَمَّا نَحْوُ الْمَيْتَةِ وَالزِّبْلِ وَالْكَلْبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَدَّى ثَمَنَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالْمُرَادُ الْكَلْبُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى مِنْ قَتْلِهِ تَعَدِّيًا كَمَا نَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي: وَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ.
(٣) الثَّانِي: مَفْهُومُ الْفَاسِدِ أَنَّ الْبَيْعَ
[ ٢ / ٨٧ ]
فَلْيَرُدَّ مِثْلَهُ وَلَا تُفِيتُ الرِّبَاعُ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ.
وَلَا يَجُوزُ سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَكَذَلِكَ مَا قَارَنَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الصَّحِيحَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ لِأَنَّ مِنْهُ مَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ لِلْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ عَقْدِهِ وَذَلِكَ إذَا كَانَ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ تُوفِيهِ وَوَقَعَ بَتًّا، وَمِنْهُ لَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَّا بِقَبْضِهِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ، وَقَبَضَهُ بِكَيْلِ مَا يُكَالُ أَوْ وَزْنِ مَا يُوزَنُ أَوْ عَدِّ مَا يُعَدُّ، وَمِثْلُ مَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةِ الْمَحْبُوسَةِ لِلثَّمَنِ أَوْ لِإِشْهَادٍ لَا يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي لَا بِقَبْضِهَا؛ لِأَنَّهَا عِنْدَ بَائِعِهَا كَالرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ الْغَائِبُ الْمُشْتَرِي عَلَى صِفَةٍ أَوْ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الَّتِي تَجِبُ مُوَاضَعَتُهَا لَا يَضْمَنُهَا مُشْتَرِيهَا إلَّا بِرُؤْيَتِهَا الدَّمَ، وَكَذَا الثِّمَارُ يَسْتَمِرُّ ضَمَانُهَا مِنْ بَائِعِهَا حَتَّى تَأْمَنَ الْجَائِحَةَ بِأَنْ يَتَنَاهَى طِيبُهَا وَيَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَخْذِهَا فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ ضَمَانُهَا لِمُشْتَرِيهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُوجِبُ الضَّمَانِ فِيهَا غَيْرَ الْجَائِحَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ. ثُمَّ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الضَّمَانَ فِي الثِّمَارِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ لِلْأَمْنِ مِنْ الْجَائِحَةِ حَيْثُ إنَّ مُوجِبَ الضَّمَانِ الْجَائِحَةُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْجَائِحَةِ فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ بِالْعَقْدِ. وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنْ اشْتَرَيْت بَعْضَ الطِّيبِ فَضَمَانُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ أَخْذِهَا بِمَنْزِلَةِ قَبْضِهَا، وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ قَبْلَ طِيبِهَا فَضَمَانُهَا مِنْ الْبَائِعِ حَتَّى يَجِدَهَا الْمُشْتَرِي. انْتَهَى. وَأَقُولُ فِي هَذَا وَقْفَةٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُهُ إلَى الْمُشْتَرِي إلَّا بِقَبْضِهِ بِالْفِعْلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِتَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِنْ أَخْذِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ، فَلَعَلَّ مَا فِي الْأُجْهُورِيِّ زَلَّةُ قَلَمٍ؛ لِأَنَّ الْأُجْهُورِيَّ إمَامٌ عَظِيمٌ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ. الثَّالِثُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْبَيْعَ بَيْعًا فَاسِدًا بَاقٍ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ عَلَى الصَّحِيحِ لِوُجُوبِ فَسْخِهِ شَرْعًا قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ الْفَاكِهَانِيُّ قَائِلًا: جَعْلُ الضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْفَاسِدَ لَمْ يَنْقُلْ الْمِلْكَ، وَجَعْلُ الضَّمَانِ بَعْدَ الْقَبْضِ مِنْ الْمُشْتَرِي يَقْتَضِي أَنَّ الْفَاسِدَ يَنْقُلُ وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابًا، وَأَقُولُ: لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ نَقْلِ الْمِلْكِ وَالضَّمَانِ إذْ قَدْ يُوجَدُ الضَّمَانُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ مِلْكٍ، كَمَنْ أَتْلَفَ شَيْءَ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبِ مِلْكٍ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ، وَالْمُشْتَرِي هُنَا مُتَعَدٍّ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا، فَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّ ضَمَانَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ لِتَعَدِّيهِ بِالْقَبْضِ لِمَا يَجِبُ فَسْخُ عَقْدِهِ قَبْلَ فَوَاتِهِ، وَيَدُلُّك عَلَى مَا قُلْنَا أَنَّهُ يَضْمَنُ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَوْ بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى بِنَاءِ الضَّمَانِ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَاسِدَ يَنْقُلُ الْمِلْكَ لِمَا ذَكَرْنَا.
(٢) الرَّابِعُ: إذَا رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِسَبَبِ الْفَسَادِ يَفُوزُ مُشْتَرِيهَا بِغَلَّتِهَا. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ وَرُدَّ وَلَا غَلَّةَ أَيْ وَلَا تَصْحَبُهُ الْغَلَّةُ فِي الرَّدِّ بَلْ يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ كَانَ مِنْهُ، وَالْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْفَسَادِ وَبِوُجُوبِ الْفَسْخِ وَلَوْ فِي الثُّنْيَا الْمَمْنُوعَةِ عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ: مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا مَوْقُوفًا شِرَاءً فَاسِدًا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ وَقْفٌ فَإِنَّهُ لَا يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ، بَلْ يَجِبُ رَدُّهَا حَيْثُ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرِ رَشِيدٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُعَيَّنٍ وَبَاعَهُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ فَإِنَّهُ يَفُوزُ الْمُشْتَرِي بِغَلَّتِهِ وَلَوْ عَلِمَ بِأَنَّهُ وَقْفٌ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الْبَائِعُ رَشِيدًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَمَا يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِكُلْفَةِ الْحَيَوَانِ إذَا كَانَتْ الْغَلَّةُ قَدْرَ الْكُلْفَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ زَادَتْ الْكُلْفَةُ عَلَى الْغَلَّةِ أَوْ كَانَ لَا غَلَّةَ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالْكُلْفَةِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَنْ الْبَائِعِ بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِقَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ وَلَهُ غَلَّةٌ تُبْتَغَى كَالْغَنَمِ وَالدَّوَابِّ وَالْعَبِيدِ ثُمَّ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ فَسَادٍ لَا يَرْجِعُ بِنَفَقَتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ لَهُ غَلَّةٌ تُبْتَغَى كَالنَّخْلِ إذَا رُدَّتْ مَعَ ثِمَارِهَا فَإِنَّهُ يُرْجَعُ بِقِيمَةِ سَقْيِهَا وَعِلَاجِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مَالِهِ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، وَأَمَّا النَّفَقَةُ فِيمَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالْبِنَاءِ وَالصِّبَاغِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهَا وَلَهُ الْغَلَّةُ كَسُكْنَى الدَّارِ، نَقَلَ جَمِيعَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَلَمَّا كَانَ مَحَلُّ بَقَاءِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ إذَا لَمْ يَفُتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي قَالَ: (فَإِنْ حَالَ سَوْقُهُ) بِأَنْ تَغَيَّرَ ثَمَنُهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ (أَوْ تَغَيَّرَ بَدَنُهُ) تَشَغَّرَ أَوْ كَبِرَ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي غُرْمُ (قِيمَتِهِ) إنْ كَانَ الْفَسَادُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ قَبْضِهِ) لَا يَوْمَ الْعَقْدِ وَلَا يَوْمَ الْفَوَاتِ (وَلَا يَرُدُّهُ) عَلَى بَائِعِهِ لِانْتِقَالِ مِلْكِهِ إلَى الْمُشْتَرِي بِالْفَوَاتِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ إذَا فَاتَ يَمْضِي بِالثَّمَنِ. قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ فَاتَ مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ كَانَ الْخِلَافُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ بِالثَّمَنِ، وَإِلَّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَحَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ إنَّمَا تَكُونُ مُفِيتَةً فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْعَقَارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَ) الْمُشْتَرَى فَاسِدًا وَحَالَتْ أَسْوَاقُهُ (مِمَّا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ) أَوْ يُعَدُّ (فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِتَغَيُّرِ سَوْقِهِ لِقِيَامِ مِثْلِهِ مَقَامَهُ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَيْ بِالْفِعْلِ عَنْ الْمِثْلِيِّ الْمُشْتَرَى جُزَافًا إذَا فَاتَ فَإِنَّهُ يُحْرَزُ وَيُقَوَّمُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَلَا يَرُدُّ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْمُقَوَّمَ فِي الْفَوَاتِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ. (وَلَا تُفِيتُ الرِّبَاعُ) أَيْضًا وَسَائِرُ الْعَقَارَاتِ (حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ) وَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا لِفَسَادِ بَيْعِهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمِثْلِيَّاتِ وَالْعَقَارَاتِ لَا تَفُوتُ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي تَصْوِيرِهِ، وَالْفَوَاتُ بِتَغَيُّرِ سَوْقٍ غَيْرِ مِثْلِيٍّ وَعَقَارٍ وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ وَفِيهَا شَهْرٌ وَشَهْرَانِ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ خِلَافٌ وَقَالَ: بَلْ فِي شَهَادَةٍ وَبِنَقْلِ عُرُوضٍ، وَمِثْلِيٍّ لِبَلَدٍ بِكُلْفَةٍ وَبِتَغَيُّرِ ذَاتِ غَيْرِ مِثْلِيٍّ
[ ٢ / ٨٨ ]
[باب السلم]
السَّلَفَ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ.
وَالسَّلَفُ جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي الْجَوَارِي وَكَذَلِكَ تُرَابُ الْفِضَّةِ
وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] كَالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ وَكِبَرِ صَغِيرِ الْحَيَوَانِ، وَهُزَالِهِ، وَبِالْخُرُوجِ عَنْ يَدِ مُشْتَرِيهِ بِأَنْ بَاعَ مَا اشْتَرَاهُ أَوْ، وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ، وَبِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ بِأَنْ رَهَنَهُ أَوْ آجَرَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَقَارِ أَنْ يُرَادَ لِلْقُنْيَةِ لَا لِلتِّجَارَةِ فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ كَثْرَةُ ثَمَنٍ، وَالْأَصْلُ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ الْقَضَاءُ بِالْمِثْلِ فَلَا يَفُوتَانِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ. وَأَمَّا زَرْعُ الْأَرْضِ الْمُشْتَرَاةِ شِرَاءً فَاسِدًا فَلَا يُفِيتُهَا وَتُرَدُّ، ثُمَّ إنْ كَانَ الرَّدُّ فِي الْإِبَّانِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْكِرَاءُ، وَلَا يُقْلَعُ زَرْعُهُ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ شُبْهَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِهِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا غَرْسُهَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ: إنْ عَظُمَتْ مُؤْنَتُهُ وَكَانَ مُحِيطًا بِهَا فَاتَتْ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَكْثَرَهَا، وَإِنْ كَانَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ فَوْقَ نِصْفِهَا فَاتَ جَمِيعُهَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِهَا فَلَا يَفُوتُ مِنْهَا شَيْءٌ وَتُرَدُّ كُلُّهَا وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ غَرْسِهِ قَائِمًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْجِهَةُ الرُّبُعَ فَأَكْثَرَ إلَى الثُّلُثِ أَوْ حَتَّى النِّصْفِ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ تَفُوتُ تِلْكَ الْجِهَةُ فَقَطْ، وَالْبِنَاءُ حُكْمُ الْغَرْسِ فِي التَّفْصِيلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَاتَتْ بِهِمَا جِهَةٌ هِيَ الرُّبُعُ فَقَطْ لَا أَقَلُّ وَلَهُ الْقِيمَةُ قَائِمًا. [بَاب السَّلَم] وَلَمَّا كَانَ السَّلَفُ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا شَبِيهًا بِالْمَبِيعِ فَاسِدًا فِي وُجُوبِ فَسْخِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَبَعْدَ فَوَاتِهِ يُرَدُّ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ (سَلَفٌ يَجُرُّ نَفْعًا) لِغَيْرِ الْمُقْتَرِضِ بِأَنْ يَجُرَّ لِلْمُقْرِضِ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُقْتَرِضِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ، فَلَا يَقَعُ جَائِزًا إلَّا إذَا تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، فَلَا يَجُوزُ إقْرَاضُ الْمَقْصُوصِ لِيَأْخُذَ جَيِّدًا، وَلَا الْحَبِّ الْقَدِيمِ لِيَأْخُذَ جَيِّدًا، وَأَحْرَى الدُّخُولُ عَلَى أَكْثَرِ كَمِّيَّةٍ فَإِنَّهُ مَحْضُ رِبًا لِقَوْلِ ابْنِ يُونُسَ: مِنْ أَرْبَى الرِّبَا مَا جَرَّ مِنْ السَّلَفِ نَفْعًا، كَشَرْطِ عَفَنٍ بِسَالِمٍ، وَكَدَفْعِ ذَاتٍ يَشُقُّ حَمْلُهَا لِيَأْخُذَ بَدَلَهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ إرَاحَتُهُ مِنْ حَمْلِهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ كَثْرَةَ الْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ فَلَا مَنْعَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَكَعَيْنٍ عَظُمَ حَمْلُهَا كَسُفْتَجَةٍ إلَّا أَنْ يَعُمَّ الْخَوْفُ فَيَجُوزَ أَنْ يُسَلِّفَهَا فِي مَحَلِّهَا وَيَأْخُذَ سَفْتَجَةً أَيْ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا لِوَكِيلِ الْمُتَسَلِّفِ بِإِعْطَاءِ مِثْلِ الذَّاتِ الْمَدْفُوعَةِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ، وَمَحَلِّ الْمَنْعِ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ نَفْعُ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ، وَإِلَّا جَازَ كُلُّ مَا مُنِعَ.
(٢) (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا وَقَعَ الْقَرْضُ الْمَمْنُوعُ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُرَدُّ أَنْ يَفُوتَ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَلَا يُرَدُّ وَيَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْقِيمَةُ فِي الْمُقَوَّمِ، وَالْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ رَدًّا لَهُ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ الَّذِي هُوَ السَّلَفُ فَرْعٌ وَالْبَيْعَ أَصْلُهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ إذَا وَقَعَ فَاسِدًا يُرَدُّ إلَى فَاسِدِ أَصْلِهِ لَا إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ، وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ الْقَرْضِ مِنْ الْبَيْعِ أَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْقَرْضُ كَذَلِكَ، لَكِنْ أَخْرَجُوا الْقَرْضَ مِنْ الْبَيْعِ حَيْثُ أَجَازُوا فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ إقْرَاضُ الْمَجْهُولِ كَمِلْءِ غِرَارَةٍ بِمِثْلِهَا عَدَمُ مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَالدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجُزَافَ الْمَدْخُولَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَيَجُوزُ فِيهِ جَهْلُ الْأَجَلِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَيُقْرَضُ مَا لَا يُبَاعُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الِاسْتِثْنَاءِ الرِّفْقُ بِالْمُتَسَلِّفِ حَيْثُ يَجُوزُ فِي السَّلَفِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ. (وَلَا يَجُوزُ) أَيْضًا اشْتِرَاطُ (بَيْعٍ وَسَلَفٍ) «؛ لِأَنَّهُ - ﵊ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ»، وَحَمَلَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ النَّهْيَ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ أَوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ، فَاَلَّذِي يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَأَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَبِيعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ أَصْلًا أَوْ إلَّا مِنْ نَفَرٍ قَلِيلٍ، أَوْ لَا يَطَأَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً، أَوْ لَا يَفْعَلَ بِهَا شَيْئًا مِمَّا تُرَادُ لَهُ، أَوْ شَرْطٍ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ كَشَرْطِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ. وَمَعْنَى إخْلَالِهِ بِالثَّمَنِ أَنَّهُ يَقْتَضِي إمَّا كَثْرَتَهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَوْ نَقْضَهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ الْبَائِعِ. وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ اُتُّهِمَا عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي بُيُوعِ الْآجَالِ. (تَنْبِيهٌ) . إذَا عَلِمْتَ مَا حَمَلْنَا عَلَيْهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ظَهَرَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ فِي اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْفَسَادِ عِنْدَ الشَّرْطِ حَيْثُ لَمْ يُسْقِطَاهُ، وَالْأَصَحُّ الْبَيْعُ حَيْثُ أَسْقَطَاهُ قَبْلَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ، بِخِلَافِ إسْقَاطِهِ بَعْدَ فَوَاتِهَا فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الصِّحَّةَ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسَلِّفَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّفَ الْبَائِعَ أَخَذَهَا بِالنَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُسَلِّفُ كَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَهُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَابَ عَلَى السَّلَفِ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْحَطَّابُ، وَهَذَا فِي الْمَبِيعِ الْمُقَوَّمِ، وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ مُطْلَقًا، هَذَا حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُخِلِّ بِالثَّمَنِ، وَأَمَّا حُكْمُ الشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِلْمَقْصُودِ كَمَوْتِ الْجَارِيَةِ الَّتِي شَرَطَ بَائِعُهَا عَلَى مُشْتَرِيهَا أَنْ لَا يَطَأَهَا أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَهَا فَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ لِلْبَائِعِ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا، وَمِنْ ثَمَنِهَا. (كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَجُوزُ (مَا) أَيْ عَقَدَ (قَارِنُ السَّلَفِ) وَبَيْنَ عُمُومِ مَا يَقُولُهُ (مِنْ إجَارَةٍ أَوْ إكْرَاءٍ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ، وَقَالَ - ﵊ -: «لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ» فَكَمَا لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ السَّلَفِ مَعَ الْبَيْعِ، لَا يَجُوزُ شَرْطُ السَّلَفِ مَعَ الْإِجَارَةِ أَوْ الْكِرَاءِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْبَيْعِ بَلْ النِّكَاحُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالصَّرْفُ لَا يَجُوزُ شَرْطُ السَّلَفِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ فِي
[ ٢ / ٨٩ ]
الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ وَلَا التَّأْخِيرُ بِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ وَلَا تَعْجِيلُ عَرْضٍ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ إذَا كَانَ مِنْ بَيْعٍ.
وَلَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] النِّكَاحِ مِثْلُ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْعِ، وَالزَّوْجَةَ مِثْلُ الْبَائِعِ، وَصَدَاقَ الْمِثْلِ نَظِيرُ الْقِيمَةِ فِي السِّلْعَةِ، وَالْمُسَمَّى نَظِيرُ الثَّمَنِ لِلسِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ. وَالضَّابِطُ الْحَاصِرُ لِمَا يَمْتَنِعُ جَمْعُهُ مَعَ السَّلَفِ هُوَ كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ. وَأَمَّا اجْتِمَاعُ السَّلَفِ مَعَ الصَّدَقَةِ أَوْ الْهِبَةِ إنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ أَوْ مِنْ الْوَاهِبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَلَا يَجُوزُ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْبَيْعِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ نَحْوِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ، لَا يَجُوزُ جَمْعُ الْبَيْعِ مَعَ النِّكَاحِ أَوْ الشَّرِكَةِ أَوْ الْجُعْلِ أَوْ الْمُغَارَسَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ، وَلَا جَمْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ الْآخَرِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَ الْبَيْعِ، وَمَا مَعَهُ شَرَعَ فِي حُكْمِ السَّلَفِ وَحْدَهُ وَفِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ سَلَفُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَالسَّلَفُ)، وَهُوَ الْقَرْضُ (جَائِزٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ) يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ فَيَدْخُلُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغُ وَلَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ، وَمِلْءُ الظَّرْفِ الْمَجْهُولِ. (إلَّا فِي سَلَفِ الْجَوَارِي) لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مِلْكِهَا، فَلَا يَجُوزُ سَلَفُهَا لَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَارِيَّةِ الْفُرُوجِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نَفْسَ الذَّاتِ الْمُقْتَرَضَةِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ رَدُّهَا بَعْدَ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَلِذَا لَا يَحْرُمُ إقْرَاضُهَا لِمَنْ لَا يَأْتِي مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ كَصَغِيرٍ وَشَيْخٍ فَانٍ، أَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ امْرَأَةً وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ لَا تُشْتَهَى، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ وَرُدَّتْ إلَّا أَنْ تَفُوتَ بِمُفَوِّتِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَالْقِيمَةُ، وَلَا تُرَدُّ كَاسْتِيلَادِهَا وَلَا يَغْرَمُ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ وَلَدِهَا، وَلَا تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ، وَاخْتَلَفَتْ فِي الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا هَلْ تَكُونُ فَوْتًا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يُمْكِنَ فِيهَا الْوَطْءُ ثَالِثُ الْأَقْوَالِ لَا تَفُوتُ إلَّا بِالْوَطْءِ، وَمِثْلُ الْجَارِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حُرْمَةِ إقْرَاضِهَا لَا تَحْصُرُهُ الصِّفَةُ كَتُرَابِ الصَّوَّاغِينَ، وَمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى وَفَائِهِ بِمِثْلِهِ كَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْأَشْجَارِ، وَإِنْ أَمْكَنَ وَصْفُهَا، وَلِذَلِكَ يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَقِبَ قَوْلِهِ إلَّا فِي الْجَوَارِي (وَكَذَلِكَ تُرَابُ الْفِضَّةِ) لَا يَجُوزُ قَرْضُهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حَقِيقَةَ السَّلَفِ وَبَيَّنَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: دَفْعُ مُتَمَوَّلٍ فِي عِوَضٍ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُ عَاجِلًا تَفَضُّلًا فَقَطْ لَا يُوجِبُ إمْكَانَ عَارِيَّةٍ لَا تَحِلُّ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّةٍ، وَقَالَ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِيَشْمَلَ مَا إذَا رَدَّ عَيْنَ مَا تَسَلَّفَهُ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ لَا عَاجِلًا عَنْ الْمُبَادَلَةِ الْمِثْلِيَّةِ، وَقَوْلُهُ تَفَضُّلًا أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، لَا إنْ حَصَلَ بِهِ نَفْعٌ لِلْمُقْرِضِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُقْرِضِ فَلَا يَجُوزُ. الثَّانِي: تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِجَائِزٍ يُوهِمُ إبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْجَائِزِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْجَائِزِ الْمَأْذُونَ فِيهِ شَرْعًا، لَا يُنَافِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إيصَالِ النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ وَتَفْرِيجِ كُرْبَتِهِ بَلْ قِيلَ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - رَأَى مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ: دِرْهَمُ الْقَرْضِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ بِعَشَرَةٍ، ثُمَّ سَأَلَ - ﵊ - جِبْرِيلَ وَقَالَ: مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ وَالْمُقْتَرِضُ لَا يَقْتَرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَتِهِ» . وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَرْضِ؛ لِأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ لَا يَأْخُذُ بَدَلَهَا بِخِلَافِ الْمُقْرِضِ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى صَدَقَةٍ لَمْ تَقَعْ الْمَوْقِعَ مَعَ قَرْضٍ وَقَعَ لِمَكْرُوبٍ انْدَفَعَتْ بِهِ كُرْبَتُهُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَقْتَضِي وُجُوبُهُ أَوْ حُرْمَتُهُ أَوْ كَرَاهَتُهُ وَتَعْسُرُ إبَاحَتُهُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ النَّدْبُ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ وَقَدْ فَعَلَهُ - ﷺ -، فَفِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ - ﷺ - اسْتَلَفَ مِنْ رَجُلٍ بِكْرًا فَجَاءَتْهُ إبِلُ الصَّدَقَةِ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بِكْرًا، فَقُلْت: لَا أَجِدُ إلَّا جَمَلًا خِيَارًا رُبَاعِيًّا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَعْطِهِ إيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» وَلَعَلَّ هَذَا قَبْلَ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ - ﷺ -، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَقْضِي مَا عَلَيْهِ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ وَالرُّبَاعِيُّ مِنْ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ.
(٢) الثَّالِثُ: السَّلَفُ يُمْلَكُ وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ مِنْ صَدَقَةٍ، وَهِبَةٍ وَنِحْلَةٍ وَعُمْرَى وَغَيْرِهَا لِلْمُسْتَلِفِ، وَإِذَا قَبَضَهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ لِرَبِّهِ إلَّا إذَا انْتَفَعَ بِهِ عَادَةَ أَمْثَالِهِ أَوْ يَمْضِي الْأَجَلُ الْمُشْتَرَطُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمُلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ إلَّا بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ، وَيَجُوزُ ضَرْبُ الْأَجَلِ فِي الْقَرْضِ عِنْدَ مَالِكٍ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا دَفَعَهُ الْمُقْتَرِضُ لَزِمَ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ حَيْثُ دَفَعَهُ لَهُ بِمَحَلِّهِ لَا بِغَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ، بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ مَخُوفًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ قَبْلَ الْمَحَلِّ كَسَائِرِ الدُّيُونِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَشْيَاءَ نَهَى عَنْهَا الشَّارِعُ فَقَالَ: (لَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ) أَيْ الْحَطِيطَةُ (مِنْ الدَّيْنِ) كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ (عَلَى) شَرْطِ (تَعْجِيلِهِ) قَبْلَ حُلُولِهِ كَأَنْ يَكُونَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنُ عَرَضٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ طَعَامٍ لِأَجَلٍ كَشَهْرٍ مَثَلًا وَيَتَّفِقُ مَعَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى إسْقَاطِ بَعْضِهِ وَيُعَجِّلُ لَهُ الْبَاقِيَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الشَّهْرِ فَهَذَا حَرَامٌ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الصُّورَةُ بِضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ، أَيْ حُطَّ عَنِّي حِصَّةً مِنْهُ وَأُعَجِّلُ لَك بَاقِيَهُ، وَحُرْمَةُ ضَعْ وَتَعَجَّلْ عَامَّةٌ فِي دَيْنٍ بِالْبَيْعِ
[ ٢ / ٩٠ ]
ذَلِكَ مِنْ قَرْضٍ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ، وَمَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ أَكْثَرَ عَدَدًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا وَأْيٌ وَلَا عَادَةٌ فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُجِزْهُ، وَمَنْ عَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالْقَرْضِ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِأَدَائِهِ إلَى سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا بَيَانُهُ أَنَّ مَنْ عَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ يُعَدُّ مُسَلِّفًا لِمَا عَجَّلَهُ لِيَأْخُذَ عَنْهُ بَعْدَ الْأَجَلِ مَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ جَمِيعُ الدَّيْنِ، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ رَدَّ إلَيْهِ مَا أَخَذَهُ وَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ دَيْنِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْبَاقِيَ الَّذِي كَانَ أَسْقَطَهُ عَنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ. (وَ) كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الدَّيْنِ عَلَى إسْقَاطِ بَعْضِهِ (لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ (بِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ) كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، كَانَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ وَفِيهِ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤَخِّرَ لِمَا فِي الذِّمَّةِ مُسَلِّفٌ، وَهُوَ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ الثَّانِي كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْمِدْيَانِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ فَسْخَ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ حَرَامٌ مُطْلَقًا. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ أَنَّ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ أَجَلًا ثَانِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَوْ مَعَ تَرْكِ بَعْضِهِ لَا حُرْمَةَ فِيهِ بَلْ مَنْدُوبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِرْفَاقِ بِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَالتَّبَرُّعُ لَهُ بِإِسْقَاطِ بَعْضِهِ. (وَ) مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ أَنْ (لَا يُعَجَّلَ عَرَضٌ) أَيْ غَيْرُ نَقْدٍ قَبْلَ أَجَلِهِ (عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ) سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ فِي الْكَمْيَّةِ أَوْ الْكَيْفِيَّةِ، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ. (إذَا كَانَ) الْعَرَضُ (مِنْ بَيْعٍ) أَوْ سَلَمٍ. وَتُعْرَفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِ " حُطَّ الضَّمَانَ عَنِّي وَأَنَا أَزْيَدُك "، وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْجِنْسِ فِي الْكَمْيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشَرَةُ أَثْوَابٍ أَسْيُوطِيَّةٍ لِشَهْرٍ، وَيَتَّفِقُ مَعَ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ نِصْفَ الشَّهْرِ مَعَ زِيَادَةِ ثَوْبٍ مِنْ نَوْعِهَا، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ الْجِنْسِ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَنْ يُعَجِّلَ الْعَدَدَ عَلَى وَصْفٍ أَجْوَدَ مِنْ الْمُشْتَرَطِ، وَمِثَالُ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَنْ يُعَجِّلَ الْأَثْوَابَ عَلَى وَصْفِهَا مَعَ زِيَادَةِ دِرْهَمٍ أَوْ طَعَامٍ. وَمَفْهُومُ عَلَى الزِّيَادَةِ أَنَّ التَّعْجِيلَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ جَائِزٌ حَيْثُ رَضِيَ الْمُسَلِّمُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مِنْ حَقِّهِمَا فِيهَا. وَأَمَّا التَّعْجِيلُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ أَدْنَى صِفَةً فَيَمْتَنِعُ، وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَجُوزُ الْوَضِيعَةُ مِنْ الدَّيْنِ عَلَى تَعْجِيلِهِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ تَعْجِيلِ أَوْ تَأْخِيرِ الدَّيْنِ عَلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ وَعَلَى تَعْجِيلِ عَرَضِ الْبَيْعِ بِزِيَادَةٍ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عَرَضِ الْقَرْضِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِتَعْجِيلِهِ ذَلِكَ) الْعَرَضِ عَلَى الزِّيَادَةِ فِيهِ حَيْثُ كَانَ (مِنْ قَرْضٍ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ)، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا كَانَ دَفْعُ الزِّيَادَةِ فِي الصِّفَةِ بَعْدَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الصِّفَةِ مُتَّصِلَةٌ فَلَا تُهْمَةَ بِسَبَبِهَا، «وَلِأَنَّهُ - ﷺ - رَدَّ فِي سَلَفِ بِكْرٍ جَمَلًا رُبَاعِيًّا وَقَالَ: إنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» وَلِأَنَّ حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك لَا يَدْخُلُ الْقَرْضَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقَرْضِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَمِنْ حَقِّهِمَا، وَلِذَلِكَ لَوْ عَجَّلَ الْمُقْتَرِضُ الْقَرْضَ قَبْلَ أَجَلِهِ وَفِي مَحَلِّهِ يَلْزَمُ الْمُقْرِضَ قَبُولُهُ إنْ كَانَ جَمِيعُ الْحَقِّ أَوْ بَعْضُهُ لِعُسْرِهِ بِالْبَاقِي. وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلِ صِفَةٍ أَيْ جَائِزٌ، سَوَاءٌ حَلَّ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَحِلَّ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا، وَأَمَّا قَضَاؤُهُ بِأَقَلَّ صِفَةً أَوْ قَدْرًا أَوْ فِيهِمَا فَيَجُوزُ إنْ حَلَّ لَا إنْ لَمْ يَحِلَّ، فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْقَرْضِ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَوْ نَقَصَ صِفَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ لِلسَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا. وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الصِّفَةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ رَدَّ فِي الْقَرْضِ) الَّذِي عَلَيْهِ (أَكْثَرَ عَدَدًا فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ) الْمُرَادُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ حُلُولُ أَجَلِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ فَرَاغِ الْأَجَلِ. (فَقَدْ اخْتَلَفَ) الْعُلَمَاءُ (فِي ذَلِكَ) بِالْجَوَازِ وَعَدَمِهِ وَقَيَّدَ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ: (إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ وَلَا وَأْيٌ) أَيْ وَعْدٌ (وَلَا عَادَةٌ) بَيْنَ النَّاسِ بِقَضَاءِ الْأَكْثَرِ، وَبَيَّنَ الْخِلَافَ بِقَوْلِهِ: (فَأَجَازَهُ أَشْهَبُ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ «خِيَارُ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» . (وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ) أَيْ مَنَعَهُ بِقَرِينَةٍ (وَلَمْ يُجِزْهُ) وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ، وَعَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: لَا أَزِيدُ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ عَلَى مِيزَانٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: فَحَيْثُ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ يَجُوزُ قَضَاءُ ذَلِكَ الْعَدَدِ كَانَ مِثْلَ وَزْنِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ أَزْيَدَ فِي الْعَدَدِ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْوَزْنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ قَضَاهُ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ، فَإِنْ سَاوَى الْأَقَلُّ وَزْنَ جَمِيعِ الْعَدَدِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ جَازَ، وَإِلَّا مُنِعَ هَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ الْعَامِلُ بِالْوَزْنِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ ذَلِكَ الْوَزْنَ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ أَوْ نَقَصَ أَوْ سَاوَى. وَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَكْثَرَ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِأَقَلَّ حَيْثُ حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ وَبِالْوَزْنِ فَاخْتَارَ الْأُجْهُورِيُّ إلْغَاءَ الْعَدَدِ وَاخْتَارَ غَيْرُهُ إلْغَاءَ الْوَزْنِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ. وَحَمَلْنَا مَجْلِسَ الْقَضَاءِ عَلَى حُلُولِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيَّنُ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ كَلَامِ خَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ قَبْلَ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا اُتُّفِقَ عَلَى حُرْمَةِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَعْدِ أَوْ الْعَادَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ الْعَرَضِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ عَلَيْهِ
[ ٢ / ٩١ ]
قَرْضٍ مُؤَجَّلٍ فَلَهُ أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ الْعُرُوضَ وَالطَّعَامَ مِنْ قَرْضٍ لَا مِنْ بَيْعٍ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرٍ أَوْ حَبٍّ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ، وَإِنْ نَخْلَةً مِنْ نَخِيلٍ كَثِيرَةٍ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْأَنْهَارِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ مُؤَجَّلٍ) كُلٌّ مِنْهُمَا (فَلَهُ) أَيْ فَيَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ (أَنْ يُعَجِّلَهُ قَبْلَ أَجَلِهِ) مُسَاوِيًا لِمَا فِي الذِّمَّةِ أَوْ أَعْلَى وَيُجْبَرُ صَاحِبُهُ عَلَى قَبُولِهِ؛ لِأَنَّ أَجَلَ دَيْنِ الْعَيْنِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَانَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَلَا فَرْقَ فِي جَبْرِ صَاحِبِ الْعَيْنِ عَلَى قَبُولِهَا بَيْنَ كَوْنِ الدَّفْعِ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا كُلْفَةَ فِي حَمْلِ الْعَيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُ الْعَيْنِ غَيْرَهَا مِمَّا يَخِفُّ حَمْلُهُ كَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، وَإِنْ أُلْحِقَتْ بِالْعُرُوضِ فِي غَيْرِ هَذَا، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قَبُولُ صِفَتِهِ. قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ وَفِي مَحَلِّهِ ثُمَّ قَالَ: كَفِيلُ مَحَلِّهِ فِي الْقَرْضِ مُطْلَقًا، وَفِي الطَّعَامِ إنْ حَلَّ إنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إنْ غَابَ. قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ لُزُومُ قَبُولِ دَيْنِ الْعَيْنِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ بِأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ خَوْفٌ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي دَيْنِ غَيْرِ الْعَيْنِ، وَيُقَيَّدُ أَيْضًا لُزُومُ الْقَبُولِ بِأَنْ يُجْعَلَ جَمِيعُهُ أَوْ بَعْضُهُ مَعَ عُسْرِهِ بِالْبَاقِي، وَقَوْلُنَا مُسَاوِيًا أَوْ أَعْلَى؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْأَقَلِّ حَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَعْ مِنْ حَقِّك وَتَعَجَّلْ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ الْقَرْضَ أَيْضًا، وَتَعْجِيلُ الْأَكْثَرِ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا فَوْقَ رُجْحَانِ الْمِيزَانِ فِيهِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَهُوَ حَرَامٌ فِي الْقَرْضِ، بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِأَكْثَرَ إذَا كَانَ عَيْنًا. قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي قَضَاءِ الْقَرْضِ: وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ وَجَازَ بِأَكْثَرَ. (تَنْبِيهٌ) . إذَا عَرَفْت هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ لَوْ قَالَ بَدَلَ فَلَهُ أَيْ يُعَجِّلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ فَيَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا قَبُولُهَا قَبْلَ أَجَلِهَا؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَلِأَجْلِ الْإِخْرَاجِ الْآتِي فِي قَوْلِهِ: لَا مِنْ بَيْعٍ فَإِنَّهُ مُخْرَجٌ مِنْ لُزُومِ الْقَبُولِ لَا مِنْ جَوَازِ التَّعْجِيلِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي عُرُوضِ الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ أَجَلِهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ مِنْ حَقِّهِمَا فَيَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى التَّعْجِيلِ، وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ - ﵀ - لَمْ يَقْصِدْ التَّدْقِيقَ فِي التَّعْبِيرِ نَظَرًا لِحَالِ مَنْ قَصَدَهُ بِكِتَابِهِ، وَلَمَّا كَانَ دَيْنُ الْقَرْضِ يَفْتَرِقُ فِيهِ عَرَضُ الْبَيْعِ مِنْ الْقَرْضِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَلِكَ لَهُ) أَيْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ (أَنْ يُعَجِّلَ الْعُرُوضَ وَالطَّعَامَ) قَبْلَ الْأَجَلِ إذَا كَانَتَا (مِنْ قَرْضٍ) وَيُجْبَرُ الْمُقْتَرِضُ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْقَرْضِ مِنْ حَقِّ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا أُسْقِطَ حَقُّهُ مِنْهُ لَزِمَ الْآخَرَ الْقَبُولُ حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ، وَإِلَّا لَا يَلْزَمُهُ لِكُلْفَةِ الْحَمْلِ بِخِلَافِ الْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ (لَا مِنْ بَيْعٍ) فَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ دَيْنِ الْعَرَضِ وَالطَّعَامِ قَبُولُهُ قَبْلَ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي عَرَضِ الْبَيْعِ، وَمِنْهُ السَّلَمُ مِنْ حَقِّهِمَا، فَإِذَا عَجَّلَهُ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ قَبُولُهُ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ التَّعْجِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنُ الْعَرَضِ تَعْجِيلُهُ إذَا رَضِيَ مَنْ هُوَ لَهُ بِقَبْضِهِ قَبْلَ أَجَلِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَيْنَ الْعَيْنِ يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ تَعْجِيلُهُ وَيَلْزَمُ صَاحِبَهُ قَبُولُهُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ فَيُفَصَّلُ فِيهِ إنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ، فَكَذَلِكَ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ وَيُجْبَرُ مُسْتَحِقُّهُ عَلَى قَبُولِهِ، وَأَمَّا مِنْ بَيْعٍ فَلَا يُجْبَرُ مُسْتَحِقُّهُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَجَلُ فِي عُرُوضِ الْبَيْعِ مِنْ حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّهَا تُرْصَدُ بِهَا الْأَسْوَاقُ طَلَبًا لِلْأَرْبَاحِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَلَخَّصَ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ لُزُومُ قَبُولِ دَيْنِ الْقَرْضِ الْعَيْنِ مُطْلَقًا أَوْ غَيْرِ الْعَيْنِ حَيْثُ كَانَ الدَّفْعُ فِي بَلَدِ الْقَرْضِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ غَيْرِ التَّعَيُّنِ مُطْلَقًا، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْعَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ خَوْفٌ. الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ الدَّفْعِ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِوُضُوحِ أَمْرِهِ، وَهُوَ وُجُوبُ الدَّفْعِ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ الْقَبُولِ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إنْ غَابَ وَجَازَ أَجْوَدُ وَأَرْدَأُ لَا أَقَلُّ إلَّا عَنْ مِثْلِهِ وَيُبْرِئُ مِمَّا زَادَ، أَيْ يَجُوزُ لِلْمُسَلِّمِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَفِي مَحَلِّ السَّلَمِ الْأَجْوَدَ عَلَى الْأَدْنَى وَالْأَدْنَى عَنْ الْأَجْوَدِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَجْوَدِ حَسَنُ قَضَاءٍ وَالْأَدْنَى حَسَنُ اقْتِضَاءٍ، وَأَمَّا قَبُولُ الْأَقَلِّ قَدْرًا عَنْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَمَا لَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا كَالْحَدِيدِ وَالْخَشَبِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ الرِّبَا كَالْأَطْعِمَةِ وَالنُّقُودِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ الْقَلِيلِ عَنْ مِثْلِهِ، وَإِبْرَاءِ ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا زَادَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ، وَأَمَّا أَخْذُ الْقَلِيلِ صُلْحًا عَنْ الْجَمِيعِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ ذَكَرْنَاهُ إتْمَامًا لِلْفَائِدَةِ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ يُعْلَمُ مِنْهَا شَرْطِيَّةُ الِانْتِفَاعِ وَالْعِلْمِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَعَدَمِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ كَبَلَحٍ وَعِنَبٍ (أَوْ حَبٍّ) كَقَمْحٍ وَفُولٍ (لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ)؛ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ الْمُعْتَبَرَ شَرْعًا فِي الْبَيْعِ، وَلِذَا «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ»، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ لَمَّا ذَكَرَ إنْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا عَلَى شَرْطِ الْجَذِّ فَيَجُوزُ إنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يَتَمَالَأْ عَلَيْهِ. وَكَذَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ بِأَنْ اشْتَرَيَا مَعَهُ أَوْ الْأَصْلَ أَوَّلًا ثُمَّ أُلْحِقَ بِهِ،
[ ٢ / ٩٢ ]
وَالْبِرَكِ مِنْ الْحِيتَانِ.
وَلَا بَيْعُ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَلَا بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَا بَيْعُ نِتَاجِ النَّاقَةِ وَلَا بَيْعُ مَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالْأَصْلُ وَالْأَشْجَارُ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّمَرِ، وَالْأَرْضُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُبُوبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ بَدَا صَلَاحُهُ إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ وَقَبْلَهُ مَعَ أَصْلِهِ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ أَوْ عَلَى قَطْعِهِ إنْ نَفَعَ وَاضْطُرَّ لَهُ وَلَمْ يَتَمَالَأْ عَلَيْهِ عَلَى التَّبْقِيَةِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَإِذَا وَقَعَ الشِّرَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ، وَضَمَانُ الثَّمَرَةِ مِنْ الْبَائِعِ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ، فَإِذَا جَذَّهَا رَطْبَةً رَدَّ قِيمَتَهَا وَتَمْرًا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِلَّا رَدَّ مِثْلَهُ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا قِيمَتَهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِقَوْلِهِ: (وَيَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ ثَمَرٍ وَحَبٍّ (إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ) وَأَوْلَى كُلُّهُ قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ بَدَا صَلَاحُهُ إنْ لَمْ يَسْتَتِرْ، فَإِنْ اسْتَتَرَ فِي أَكْمَامِهِ كَقَلْبِ لَوْزٍ وَجَوْزٍ فِي قِشْرِهِ وَكَقَمْحٍ فِي سُنْبُلِهِ وَبِزْرِ كَتَّانٍ فِي جَوْزِهِ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ جُزَافًا؛ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَيَصِحُّ كَيْلًا، وَأَمَّا شِرَاءُ مَا ذُكِرَ مَعَ قِشْرِهِ فَيَجُوزُ جُزَافًا وَلَوْ بَاقِيًا فِي شَجَرِهِ لَمْ يُقْطَعْ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ، وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِوَرَقِهِ، ثُمَّ بَالَغَ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الْبَعْضِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ) كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ (نَخْلَةً مِنْ نَخِيلٍ كَثِيرَةٍ) إذَا لَمْ تَكُنْ بَاكُورَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَبُدُوُّهُ فِي بَعْضِ حَائِطٍ كَافٍ فِي جِنْسِهِ إنْ لَمْ تُبْكِرْ. وَأَمَّا الْبَاكُورَةُ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَحْدَهَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَيَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرِهَا وَحْدَهَا. وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ بُدُوَّ صَلَاحِ الْبَلَحِ لَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ نَحْوِ الْعِنَبِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْمَقَاثِي وَالثَّمَرِ، وَأَمَّا بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِ الزَّرْعِ فَلَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ بَاقِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ يُبْسِ حَبِّ جَمِيعِ الزَّرْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَرِ وَالْمَقَاثِي يُكْتَفَى بِبُدُوِّ صَلَاحِ بَعْضِ الْجِنْسِ، وَالزَّرْعُ لَا يَحِلُّ إلَّا بِبُدُوِّ صَلَاحِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إذْ إنَّ الثَّمَرَ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ يَتْبَعُهُ الْبَاقِي سَرِيعًا، وَمِثْلُهُ نَحْوُ الْقِثَّاءِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ، وَلِشِدَّةِ حَاجَةِ النَّاسِ لِأَكْلِ الثِّمَارِ رَطْبَةً.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا يَبْدُو بِهِ الصَّلَاحُ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ فِي الْبَلَحِ الزُّهُوُّ بِضَمِّ الزَّايِ وَالْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ احْمِرَارُهُ أَوْ اصْفِرَارُهُ، وَيَقُومُ مَقَامَ الزُّهُوِّ ظُهُورُ الْحَلَاوَةِ فِي الْبَلَحِ الْخُضَارِيِّ، وَأَمَّا بُدُوُّهُ فِي نَحْوِ الْعِنَبِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ فَظُهُورُ الْحَلَاوَةِ وَفِي الْمَوْزِ بِالتَّهَيُّؤِ لِلنُّضْجِ، وَفِي ذِي النَّوْرِ بِفَتْحِ النُّونِ بِانْفِتَاحِهِ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، وَفِي الْبُقُولِ وَاللُّفْتِ وَالْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَالْبَصَلِ بِإِطْعَامِهَا وَاسْتِقْلَالِ وَرَقِهَا بِحَيْثُ لَا تَفْسُدُ عِنْدَ قَلْعِهَا، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ الْمَعْرُوفُ بالعبدلاوي وَالْقَاوُونِ فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَصْفَرَّ. وَالثَّانِي يُكْتَفَى بِتَهَيُّئِهِ لِلِاصْفِرَارِ، وَأَمَّا الْبِطِّيخُ الْأَخْضَرُ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ بِتَلَوُّنِ لُبِّهِ بِالسَّوَادِ أَوْ الْحُمْرَةِ، وَأَمَّا قَصَبُ السُّكَّرِ فَبِظُهُورِ حَلَاوَتِهِ، وَأَمَّا الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ، وَمَا شَابَهَهُمَا فَبِأَخْذِهِ فِي الْيُبْسِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْقَمْحِ وَالْفُولِ وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْحُبُوبِ فَبُدُوُّ صَلَاحِهِ يُبْسُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهِ فَرِيكًا فُسِخَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِقَبْضِهِ بَعْدَ جَذِّهِ قَالَ خَلِيلٌ: وَمَضَى بَيْعُ حَبِّ أَفْرُكٍ قَبْلَ يُبْسِهِ بِقَبْضِهِ، وَأَقُولُ: الضَّابِطُ الشَّامِلُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْحَالَةَ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهَا عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ. الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ الَّذِي يَطْرَحُ بُطُونًا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ مُحَصَّلُهُ أَنَّ مَا لَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ مِمَّا يُخَالِفُ كَالْيَاسَمِينِ، وَالْمَقَاثِي كَالْخِيَارِ فَلِلْمُشْتَرِي جَمِيعُ الْبُطُونِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا تَطْرَحُهُ الْمَقْثَأَةُ مُدَّةَ نَحْوِ جُمُعَةٍ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ لِعَدَمِ ضَبْطِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا تَتَمَيَّزُ بُطُونُهُ بِأَنْ تُقْطَعَ الْبَطْنُ ثُمَّ تَخْلُفُهَا أُخْرَى فَحُكْمُهُ أَنْ تُبَاعَ كُلُّ بَطْنٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَلَا يَكْفِي فِي حِلِّ بَيْعِ بَطْنٍ بُدُوُّ صَلَاحِ أُخْرَى. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بَطْنَ ثَانٍ أَوَّلُ هَذَا حُكْمُ الْبُطُونِ الَّتِي تَأْتِي وَتَنْقَطِعُ أَصْلًا، وَبَقِيَ حُكْمُ مَا تَسْتَمِرُّ ثَمَرَتُهُ زَمَنًا طَوِيلًا فَهَذَا يَجِبُ عِنْدَ بَيْعِهِ ضَرْبُ الْأَجَلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ ضَرْبُ الْأَجَلِ إنْ اسْتَمَرَّ كَالْمَوْزِ. الثَّالِثُ: مَا قَرَرْنَاهُ مِنْ نَصْبِ " نَخْلَةً " عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِكَانَ الْمُضْمَرَةِ هُوَ الظَّاهِرُ لِكَثْرَةِ حَذْفِهَا مَعَ اسْمِهَا بَعْدَ إنْ وَلَوْ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ رَفْعُهَا، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ عَلَى جَعْلِهِ فَاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، وَإِنْ بَدَا نَخْلَةٌ أَيْ صَلَاحُ نَخْلَةٍ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ اسْتِحْسَانِ الرَّفْعِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عِلْمُهُ: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا فِي الْأَنْهَارِ) جَمْعُ نَهْرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا، وَهِيَ الْبِحَارُ. (وَ) مَا فِي (الْبِرَكِ مِنْ الْحِيتَانِ) لِكَثْرَةِ الْغَرَرِ وَكَذَلِكَ الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ وَالنَّحْلُ خَارِجًا عَنْ الْجَبْحِ؛ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَتَسَلُّمِهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَ النَّحْلُ فِي جَبْحِهِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَوْ بِدُونِ جَبْحِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَصَافِيرِ بِقَفَصِهَا لَكِنْ مَذْبُوحَةً وَأَمَّا حَيَّةٌ فَلَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مَعَ طَرَفِهَا فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ تَابِعٌ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ النَّحْلِ فِي جَبْحِهِ وَيُدَخِّلُ الْجَبْحُ تَبَعًا، كَمَا أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى الْجَبْحِ وَسَكَتَ عَنْ النَّحْلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ النَّحْلُ وَلَا يَدْخُلُ الْعَسَلُ فِي الصُّرَّتَيْنِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ قَيَّدَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلٍّ مَحْصُورٍ كَبِرْكَةٍ صَغِيرَةٍ بِحَيْثُ يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَيُقْدَرُ عَلَى تَنَاوُلِهَا، وَإِلَّا جَازَ. (تَنْبِيهٌ) . تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَسَكَتَ عَنْ جَوَازِ اصْطِيَادِهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِلْغَيْرِ، وَأَرَادَ غَيْرُ الْمَالِكِ لِلْأَرْضِ اصْطِيَادَ مَا فِيهَا فَفِي مَنْعِهِ خِلَافٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَالِكِ
[ ٢ / ٩٣ ]
فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ
وَلَا بَيْعُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ.
وَنُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ، وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْهَا، وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ.
وَلَا بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً إمَّا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَرْضِ مَنْعُ الِاصْطِيَادِ مِنْهَا إلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ اصْطِيَادُ الْغَيْرِ يَضُرُّ صَاحِبَ الْأَرْضِ، كَأَنْ تَكُونَ الْبِرْكَةُ فِي وَسَطِ زَرْعِ صَاحِبِ الْأَرْضِ. (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ الْجَنِينِ) حَالَ كَوْنِهِ (فِي بَطْنِ أُمِّهِ) وَلَا بَيْعُ أُمِّهِ مَعَ اسْتِثْنَائِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُسْتَثْنَى بِبَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ، وَعِلَّةُ الْحُرْمَةِ فِي الْبَيْعِ الْغَرَرُ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْأُمِّ يَسْرِي إلَى جَنِينِهَا لِخَبَرِ: «كُلُّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا» . (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ) مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ (وَلَا بَيْعُ نِتَاجِ مَا تُنْتَجُ) بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي بِمَعْنَى الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَفَاعِلُهُ (النَّاقَةُ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا يُبَاعُ حَبَلُ الْحَبَلَةِ» فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ بِنِتَاجِ مَا تُنْتَجُ النَّاقَةُ لِمَا فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ جَنِينُ الْجَنِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ بَيْعِ الْجَنِينِ فَكَيْفَ بِجَنِينِ الْجَنِينِ، وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ حَبَلَ الْحَبَلَةِ بِأَنَّهُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ الصَّغِيرِ وَتَأْجِيلُ ثَمَنِهِ لِيَكُونَ مِنْ نِتَاجِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا أَيْضًا، وَلَا مَفْهُومَ لِلنَّاقَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ السَّابِقُ. (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْإِبِلِ) الْمُرَادُ الْفُحُولُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الْفَحْلِ لِصَاحِبِ النَّاقَةِ مَثَلًا: أَبِيعُك مَا يَتَكَوَّنُ مِنْ مَاءِ فَحْلِي هَذَا فِي بَطْنِ نَاقَتِك أَوْ نَاقَتِي، لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ - ﷺ - مِنْ النَّهْيِ عَنْ عَسِيبِ الْفَحْلِ، وَخَبَرُ الْمُوَطَّإِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا: «أَلَّا رِبًا فِي الْحَيَوَانِ»، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ ثَلَاثَةٍ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: الْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ الْإِنَاثِ، وَالْمَلَاقِيحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ بَيْعُ الْجَزُورِ إلَى أَنْ يُنْتَجَ نِتَاجُ النَّاقَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ. (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعُ) الْعَبْدِ (الْآبِقِ وَلَا الْبَعِيرِ الشَّارِدِ) لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ عَقْدِ الْبَيْعِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: بَيْعُ الْآبِقِ فِي إبَاقِهِ فَاسِدٌ وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ وَيُفْسَخُ، وَإِنْ قُبِضَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُقَيَّدًا بِبَلَدٍ وَحُبِسَ لِصَاحِبِهِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ مَوْثُوقًا وَحُبِسَ لِصَاحِبِهِ جَازَ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ وَيَكُونُ تَحْصِيلُهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَيُؤَخَّرُ قَبْضُ الثَّمَنِ إلَى حِينِ الْقَبْضِ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: تَفْصِيلُ اللَّخْمِيِّ وَتَأَمَّلْ هَذَا الضَّعِيفَ مَعَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ: وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْآبِقَ عِنْدَ رَجُلٍ جَازَ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُوصَفُ لَهُ إذَا وُصِفَ لِلسَّيِّدِ أَيْضًا حَالُهُ الْآنَ وَصِفَتُهُ إنْ مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِيهِ أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ صِفَتَهُ لَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْقُرْبِ وَالْمُشْتَرِي يَعْرِفُ صِفَتَهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْوَصْفِ، وَأَنْ لَا يَشْتَرِطَا نَقْدَ الثَّمَنِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَائِنِ عِنْدَهُ الْآبِقُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَمِثْلُهُ مَنْ لَمْ يُمْكِنْ الْوُصُولُ إلَى مَا فِي يَدِهِ، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّخْمِيِّ مُلَخَّصُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ. (وَنَهَى) - ﷺ - نَهْيَ تَحْرِيمٍ (عَنْ بَيْعِ الْكِلَابِ) وَالْمَنْعُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِي اتِّخَاذِهِ بِدَلِيلِ (وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْهَا) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْجَوَازُ، وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا عَنْ مَالِكٍ الْمَنْعُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ وَعَدَمُ نَهْيٍ لَا كَكَلْبِ صَيْدٍ، وَالْكَرَاهَةُ رَوَاهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَلَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ، وَإِنْ نُقِلَتْ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَالْجَوَازُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَسَحْنُونٍ حَتَّى قَالَ سَحْنُونٌ: أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى النَّهْيِ الْمَذْكُورِ مَا فِي مُسْلِمٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ»، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ مَا تَأْخُذُهُ الْمَرْأَةُ عَلَى فَرْجِهَا، وَسُمِّيَ مَهْرًا مَجَازًا، وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى كِهَانَتِهِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَثْمَانُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَبِيثَةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَذَلِكَ مَا يُؤْخَذُ عَلَى الْجَاهِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِبَاحَةُ اتِّخَاذِ الْكِلَابِ لَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَعَقَدَ عَلَى الْكَلْبِ فَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُفْسَخُ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْفَسْخَ، وَإِنْ طَالَ، وَعَنْ ابْنِ نَاجِي الْمُضِيُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِالْجَوَازِ، هَذَا حُكْمُ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهٍ، وَهُوَ كَلْبُ الزَّرْعِ وَالْحِرَاسَةِ وَالصَّيْدِ وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ، وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى قَاتِلِهِ تَعَدِّيًا لِقَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يُنْدَبُ قَتْلُهُ، وَلَمَّا كَانَ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ الضَّمَانِ قَالَ: (وَأَمَّا مَنْ قَتَلَهُ) أَيْ الْكَلْبَ الْمَأْذُونَ فِيهِ (فَعَلَيْهِ) غُرْمُ (قِيمَتِهِ) يَوْمَ قَتْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَغُرْمِ قِيمَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَلَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ حُرْمَةِ الْبَيْعِ وَعَدَمِ الضَّمَانِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: لَوْ حَلَفَ شَخْصٌ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ مَثَلًا فَحَرَقَهُ شَخْصٌ وَأَخَذَ الْحَالِفُ قِيمَتَهُ لَا حِنْثَ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ. (وَ) كَذَلِكَ (لَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ أَيْضًا (بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) حَيْثُ كَانَ (مِنْ جِنْسِهِ) وَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ لِلْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَحَيَوَانٍ بِلَحْمِ جِنْسِهِ إنْ لَمْ يُطْبَخْ، وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَجُوزُ، كَبَيْعِ لَحْمِ طَيْرٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ
[ ٢ / ٩٤ ]
أَوْ عَشَرَةٍ إلَى أَجَلٍ قَدْ لَزِمَتْهُ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَلَا الزَّبِيبُ بِالْعِنَبِ لَا مُتَفَاضِلًا، وَلَا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِهِ مِنْ سَائِرِ الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ، وَهُوَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَلَا يُبَاعُ جُزَافٌ بِمَكِيلٍ مِنْ صِنْفِهِ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ ذَوَاتَ الْأَرْبَعِ جِنْسٌ وَالطَّيْرُ كُلُّهُ جِنْسٌ آخَرُ، وَقَيَّدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مَنْعَ بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ بِمَا إذَا لَمْ يُطْبَخْ اللَّحْمُ، وَإِلَّا جَازَ بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: وَلَوْ كَانَ الطَّبْخُ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ وَاشْتِرَاطُ الْأَبْزَارِ فِي انْتِقَالِ اللَّحْمِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي انْتِقَالِهِ عَنْ اللَّحْمِ لَا عَنْ الْحَيَوَانِ. وَإِذَا بِيعَ الْمَطْبُوخُ بِالْحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ فَشَرْطُ جَوَازِهِ التَّعْجِيلُ، وَأَمَّا إلَى أَجَلٍ فَيَحْرُمُ إلَّا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ كَجَمَلٍ أَوْ ثَوْرٍ، وَمِثْلُ اللَّحْمِ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ بِالْحَيَوَانِ الْحَيَوَانُ الَّذِي لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ أَوْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ أَوْ قُلْت: لَا يَجُوزُ بَيْعُ وَاحِدٍ مِنْهَا بِالْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا لَحْمًا. وَأَمَّا حَيَوَانٌ يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ مَثَلًا فَيَجُوزُ وَلَوْ لِأَجَلٍ كَجَوَازِ بَيْعِ حَيَوَانِ الْقُنْيَةِ بِلَحْمٍ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَوْ لِأَجَلٍ، بِخِلَافِ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْقُنْيَةِ فَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ التَّعْجِيلُ. وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ فَيَجُوزُ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ حَيْثُ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ سِتٌّ: بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ، بَيْعُهُ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَهَاتَانِ صُورَتَانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ. وَصُورَتَانِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ. وَصُورَتَانِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مِنْ جِنْسِهِ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهَذِهِ جُمْلَةُ السِّتِّ وَأَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ بِاللَّحْمِ مِنْ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ، وَإِمَّا بِغَيْرِ جِنْسِهِ فَيَكْفِي الْمُنَاجَزَةُ، كَمَا أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْمُنَاجَزَةِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْقُنْيَةِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَلَوْ لَحْمًا نِيئًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ بِالْحَيَوَانِ فَتَقَدَّمَ إنْ كَانَا يُرَادَانِ لِلْقُنْيَةِ فَالْجَوَازُ وَلَوْ لِأَجَلٍ. وَأَمَّا مَا لَا يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ وَلَوْ نَقْدًا لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ أَحَدُهُمَا لَحْمًا، وَأَمَّا بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيَجُوزُ نَقْدًا لَا إلَى أَجَلٍ، وَالْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تُرَادُ لِلْقُنْيَةِ كَمَا لَا تُبَاعُ بِلَحْمٍ مِنْ جِنْسِهَا وَلَوْ نَقْدًا وَلَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لِأَجَلٍ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا كِرَاءً لِأَرْضٍ وَلَا قَضَاءً عَنْ دَارِهِمْ أُكْرِيَتْ الْأَرْضُ بِهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» . وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ حَيْثُ لَمْ يُطْبَخْ لِلْمُزَابَنَةِ؛ لِأَنَّ دَافِعَ الْمَذْبُوحِ قَدْ يُذْبَحُ الْحَيُّ فَيَصِيرُ لَحْمًا مَغِيبًا بِلَحْمٍ مَغِيبٍ، وَقَدْ يَزِيدُ لَحْمُهُ عَلَى اللَّحْمِ الْمَدْفُوعِ فِيهِ وَقَدْ يَنْقُصُ، وَالشَّكُّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحْقِيقِ التَّفَاضُلِ، وَأَمَّا لَوْ طُبِخَ لَجَازَ بَيْعُهُ بِالْحَيَوَانِ لِانْتِقَالِهِ وَصَارَ كَأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ. (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا (بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ) أَيْ جَمْعُ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَيْ فِي عَقْدٍ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ «نَهْيِهِ - ﵊ - عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ»، وَمَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى صُورَتَيْنِ، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ إحْدَاهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ) شَخْصٌ (سِلْعَةً إمَّا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ إلَى أَجَلٍ) وَالْحَالُ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ السِّلْعَةَ (قَدْ لَزِمَتْهُ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ)، وَإِنَّمَا مُنِعَ ذَلِكَ لِلْغَرَرِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَدْرِي بِمَ بَاعَ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَدْرِي مَا اشْتَرَى، وَلِذَلِكَ لَوْ عُكِسَ التَّصْوِيرُ كَأَنْ يَبِيعَهَا بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِخَمْسَةٍ لِأَجَلٍ لَجَازَ لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ إنَّمَا يَخْتَارُ الْبَيْعَ إلَى أَجَلٍ بِالثَّمَنِ الْقَلِيلِ، وَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ الْعَقْدِ بَيْعَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الثَّمَنِ، وَمَفْهُومُ قَدْ لَزِمَتْهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَوْ وَقَعَ عَلَى الْخِيَارِ لَجَازَ سَوَاءٌ كَانَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهَا. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ إحْدَى سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِغَيْرِ الْجَوْدَةِ كَثَوْبٍ وَدَابَّةٍ أَوْ رِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ وَالْحَال أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ إحْدَاهُمَا عَلَى اللُّزُومِ وَلَوْ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ إنْ اخْتَلَفَ أَوْ بِالثَّمَنِ إنْ اتَّحَدَ، وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ فِيمَا يُعَيِّنُهُ فَجَائِزٌ، كَمَا يَجُوزُ اخْتِلَافُهُمَا بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى أَخْذِ الْأَجْوَدِ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ تَكُنْ السِّلْعَةُ الْمَبِيعَةُ أَحَدَ طَعَامَيْنِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ مُطْلَقًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُعَدُّ مُنْتَقِلًا. وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ يَبِيعُهَا بِالْإِلْزَامِ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ أَكْثَرَ لِأَجَلٍ، أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إلَّا بِجَوْدَةٍ وَرَدَاءَةٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهَا لَا طَعَامَ، وَإِنْ مَعَ غَيْرِهِ. (وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ) بِالْمُثَنَّاةِ (بِالرُّطَبِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي التَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا بَيْعُ (الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ) لَا نَقْدًا وَلَا مُؤَجَّلًا (لَا مُتَفَاضِلًا وَلَا مُتَمَاثِلًا وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) كَائِنٍ (مِنْ جِنْسِهِ مِنْ سَائِرِ) أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ (الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ) وَالْحُبُوبِ فَلَا يُبَاعُ الْفُولُ الْحَارُّ بِالْيَابِسِ وَلَا الْقَمْحُ بِالْبَلِيلَةِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ مَعَ عَدَمِ انْتِقَالِ أَحَدِهِمَا، وَلِذَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُدَمَّسِ بِالْيَابِسِ وَالْقَمْحِ بِالْهَرِيسَةِ يَدًا بِيَدٍ لِانْتِقَالِ الْمُدَمَّسِ وَالْمَطْبُوخِ عَنْ أَصْلِهِ، كَمَا يَجُوزُ الْيَابِسُ بِالرَّطْبِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الرِّبَوِيِّ. ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الْمَنْعِ فِي التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَمَا بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَمَا بَعْدَهُ (مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ) أَيْ لِأَجْلِ (الْمُزَابَنَةِ) أَوْ الَّذِي هُوَ الْمُزَابَنَةُ فَتَكُونُ بَيَانِيَّةً كَهِيَ فِي آيَةِ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] أَيْ الَّذِي هُوَ
[ ٢ / ٩٥ ]
وَلَا جُزَافٌ بِجُزَافٍ مِنْ صِنْفِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا إنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ.
وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَلَا يُنْقَدُ فِيهِ بِشَرْطٍ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ مَكَانُهُ أَوْ يَكُونَ مِمَّا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ شَجَرٍ فَيَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ.
وَالْعُهْدَةُ جَائِزَةٌ فِي الرَّقِيقِ إنْ اُشْتُرِطَتْ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً بِالْبَلَدِ
[الْعُهْدَةِ]
فَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ الضَّمَانُ فِيهَا مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَوْثَانُ، وَالْمُزَابَنَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ وَيُغَالِبُهُ، وَفَسَّرَهَا أَهْلُ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ، أَوْ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُبَاعُ جُزَافٌ)، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ (بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ)؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ، وَهَذَا أَحَدُ التَّفْسِيرَيْنِ، وَأَشَارَ إلَى الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يُبَاعُ (جُزَافٌ بِجُزَافٍ مِنْ جِنْسِهِ)، وَهَذَا هُوَ بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَمِثَالُ الْأَوَّلِ: كَصُبْرَةِ قَمْحٍ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ مِنْ الْقَمْحِ. وَمِثَالُ الثَّانِي: كَصُبْرَةِ قَمْحٍ غَيْرِ مَكِيلَةٍ بِأُخْرَى غَيْرِ مَكِيلَةٍ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَجُوزُ: وَكَمُزَابَنَةِ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ عَنْ بَيْعِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُزَابَنَةَ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وَمِثْلُ الْجِنْسَيْنِ فِي الْجَوَازِ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ إذَا دَخَلَتْ الصَّنْعَةُ الْقَوِيَّةُ فِيهِ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْمَصْنُوعِ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَةٌ، أَوْ تَدْخُلُ فِيهِ صَنْعَةٌ سَهْلَةٌ كَقِطْعَةِ نُحَاسٍ جُعِلَتْ صَحْنًا أَوْ إبْرِيقًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا بِمَا تَدْخُلُهُ صَنْعَةٌ قَوِيَّةٌ وَلَوْ جُهِلَ قَدْرُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ بَيْعُ نُحَاسٍ بِتَوْرٍ وَلَا بِفُلُوسٍ؛ لِهَيِّنَةِ صَنْعَتِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالرِّبَوِيِّ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ، إلَّا أَنَّ الرِّبَوِيَّ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ وَعَدَمِهَا، فَإِنَّ الَّذِي يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهُ بِجِنْسِهِ إلَّا عِنْدَ تَحْقِيقِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنَّمَا تَدْخُلُ فِيهِ الْمُزَابَنَةُ عِنْدَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُفَاضَلَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَجْهُولَيْنِ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ (إنْ كَانَ) مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُفَاضَلَةُ الْبَيِّنَةُ (مِمَّا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) بِأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ وَلَا مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، بَلْ كَانَ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا النَّسَاءِ فَقَطْ، أَوْ لَا يَدْخُلُهُ رِبًا أَصْلًا كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ إنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ أَيْ رِبَا فَضْلٍ، وَأَمَّا مَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ فَلَا يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا عِنْدَ تَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ غَيْرَ مَحْصُورٍ فِي مُشَاهَدَتِهِ مَعَ شَرْطِيَّةِ الْعِلْمِ فِي بَيْعِ اللُّزُومِ قَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ) وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجُوزُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ لِجِنْسِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ عَلَى يَوْمٍ أَوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ أَيْ وَلَوْ كَانَ بِوَصْفِ بَائِعِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَاعَ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ وَجَوَازُهُ مَشْرُوطٌ بِغَيْبَتِهِ وَيَكْفِي غَيْبَتُهُ، وَلَوْ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ وَلَا غَيْبَتُهُ عَنْ الْبَلَدِ عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ عَرَفَةَ، خِلَافًا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَبْعُدَ مَكَانُهُ جِدًّا كَخُرَاسَانَ مِنْ الْأَنْدَلُسِ، كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَبِيعٍ عَلَى اللُّزُومِ، وَمِثْلُ غَيْبَتِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ حُضُورُهُ بِهِ حَيْثُ كَانَ فِي رُؤْيَتِهِ مَشَقَّةٌ أَوْ فَسَادٌ. وَأَمَّا الْحَاضِرُ بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلَا مَشَقَّةَ وَلَا فَسَادَ فِي رُؤْيَتِهِ فَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهِ مِنْ رُؤْيَتِهِ حَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَنْ يَكُونَ بِوَصْفِ غَيْرِ الْبَائِعِ إنْ اشْتَرَطَ نَقْدَ الثَّمَنِ فِيهِ، وَإِلَّا جَازَ وَلَوْ بِوَصْفِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي يَعْرِفُ مَا يُوصَفُ لَهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَكَانَهُ بَعِيدًا جِدًّا كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ. (وَ) مِنْ شُرُوطِ الْمَبِيعِ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ أَيْضًا أَنْ (لَا يُنْقَدَ فِيهِ) الثَّمَنُ (بِشَرْطِ إلَّا أَنْ يَقْرُبَ مَكَانُهُ) أَيْ الْمَبِيعِ عَلَى الصِّفَةِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةٍ كَيَوْمَيْنِ ذَهَابًا حَيْثُ لَا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا (أَوْ يَكُونُ مِمَّا يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ)، وَهُوَ الْعَقَارُ (مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ شَجَرٍ فَيَجُوزُ) اشْتِرَاطُ (النَّقْدِ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِمَّا يَقْرُبُ مَكَانُهُ أَوْ يُؤْمَنُ تَغَيُّرُهُ. وَقَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ النَّقْدُ فِيهِ أَيْ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ تَطَوُّعًا، وَمَعَ الشَّرْطِ فِي الْعَقَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ وَصْفِ الْبَائِعِ وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ كَالْيَوْمَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَائِبَ الْمَبِيعَ بِالصِّفَةِ عَلَى اللُّزُومِ يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ تَطَوُّعًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا بِشَرْطٍ فَيَجُوزُ فِي الْعَقَارِ مُطْلَقًا وَفِي غَيْرِهِ إنْ قَرُبَ مَكَانُهُ، وَأَمَّا مَا بِيعَ عَلَى الْخِيَارِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ وَإِنْ بِلَا شَرْطٍ فِي مُوَاضَعَةٍ وَغَائِبٍ وَكِرَاءٍ ضَمِنَ وَسَلَّمَ بِخِيَارٍ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ بَيْعِ الْغَائِبِ مَا يُبَاعُ عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ، وَهَذَا جَائِزٌ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَا مَشَقَّةَ فِي رُؤْيَتِهِ أَوْ كَانَ بَعِيدًا جِدًّا. قَالَ خَلِيلٌ: وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ، وَلَا يُقَالُ: شَرْطُ الْبَيْعِ عِلْمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ زَمَنَ الْعَقْدِ
[ ٢ / ٩٦ ]
الْبَائِعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَعُهْدَةُ السَّنَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ.
وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْعُرُوضِ وَالرَّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا شَرْطٌ فِي الْبَيْعِ عَلَى اللُّزُومِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُبَاعَ عَلَى رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ، وَهُوَ جَائِزٌ وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا بَيْنَ يَدَيْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ خَلْفَ جِدَارٍ أَوْ فِي صُنْدُوقٍ مَثَلًا.
(٢) (تَتِمَّتَانِ) . الْأُولَى: لَمْ يَذْكُرْ ضَمَانَ الْغَائِبِ، وَمُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ عَقَارًا وَأَدْرَكَتْهُ الصِّفَةُ سَالِمًا يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِيعَ بِشَرْطِ النَّقْدِ أَمْ لَا، قَرُبَ مَكَانُهُ أَوْ بَعُدَ حَيْثُ بِيعَ جُزَافًا، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَلِي وَقْفَةٌ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ جُزَافًا مَعَ غَيْبَتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: بِنَاءً عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْوَصْفِ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ وَغَيْرُ الْعَقَارِ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ، وَكَذَا الْعَقَارُ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ خِلَافُهُ، وَإِلَّا عُمِلَ بِالشَّرْطِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ. الثَّانِيَةُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا عَلَى تَحْصِيلِ الْغَائِبِ، وَإِحْضَارِهِ لِلْمُشْتَرِي، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَقَبْضُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا عَلَى الْبَائِعِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِتْيَانُ بِالْغَائِبِ عَلَى مُبْتَاعِهِ وَشَرْطُهُ إيَّاهُ عَلَى بَائِعِهِ مَعَ ضَمَانِهِ يَفْسُدُ بَيْعُهُ، وَإِنْ كَانَ ضَمَانُهُ فِي إتْيَانِهِ مُبْتَاعَهُ فَجَائِزٌ، وَهُوَ بَيْعٌ، وَإِجَارَةٌ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَهْدِ الَّذِي هُوَ الِالْتِزَامُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] أَيْ بِمَا الْتَزَمْتُمْ لِي مِنْ طَاعَتِي أُوفِ لَكُمْ بِمَا الْتَزَمْتُ لَكُمْ مِنْ ثَوَابِي. وَأَمَّا شَرْعًا وَاصْطِلَاحًا: فَهِيَ تَعَلُّقُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ مِنْ بَائِعِهِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ. وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَالْعَامَّةُ هِيَ عُهْدَةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ دَرْكُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالرَّقِيقِ، وَلَا يُعْمَلُ بِشَرْطِ إسْقَاطِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَكَذَا الْعَيْبُ فِي غَيْرِ الرَّقِيقِ، وَكَذَا فِي الرَّقِيقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَيْبِ الَّذِي يَعْلَمُ بِهِ الْبَائِعُ، بِخِلَافِ عَيْبِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ بِهِ إنْ طَالَتْ إقَامَتُهُ عِنْدَهُ، وَخَاصَّةً وَهِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرَّقِيقِ فَقَطْ، وَأَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْعُهْدَةُ)، وَهِيَ تَعَلُّقُ ضَمَانِ الْمَبِيعِ مِنْ كُلِّ حَادِثٍ أَوْ مِنْ حَادِثٍ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَحْدُودٍ (جَائِزَةٌ) مَعْمُولٌ بِهَا (فِي الرَّقِيقِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى التَّحَيُّلِ بِكَتْمِ بَعْضِ عُيُوبِهِ دُونَ غَيْرِهِ. (إنْ اُشْتُرِطَتْ) بِأَنْ اشْتَرَطَهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ بِهَا الْعَادَةُ. (أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً) أَيْ مُعْتَادَةً (فِي الْبَلَدِ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ، وَكَذَا إنْ حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَيُقْضَى بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ وَلَا حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا فَلَا تَلْزَمُ وَلَا يُقْضَى بِهَا. وَتِلْكَ الْعُهْدَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: عُهْدَةُ ثَلَاثٍ وَعُهْدَةُ سَنَةٍ. (فَعُهْدَةُ الثَّلَاثِ) قَلِيلَةُ الزَّمَانِ كَثِيرَةُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ (الضَّمَانَ فِيهَا مِنْ الْبَائِعِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) يَحْدُثُ فِي الرَّقِيقِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَوَامِلَ لِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ وَتُعْتَبَرُ بِلَيَالِيِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ ابْتِدَاءً أَوْ بِانْقِضَاءِ أَيَّامِ الْخِيَارِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ فِي عُهْدَةِ الثَّلَاثِ بِكُلِّ حَادِثٍ حَتَّى الْمَوْتِ مَا عَدَا ذَهَابَ الْمَالِ، فَمَنْ اشْتَرَى عَبْدًا وَاشْتَرَطَ مَالَهُ ثُمَّ ذَهَبَ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ فَلَا يُرَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِي مَالِهِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَهُ السَّيِّدُ لِنَفْسِهِ لَكَانَ لَهُ رَدُّهُ بِذَهَابِ مَالِهِ، وَإِذَا كَانَ ضَمَانُ الْحَادِثِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ مِنْ الْبَائِعِ وَيَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي بِهِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَهُ الرَّدُّ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ، وَالنَّفَقَةُ وَالْأَرْشُ وَالْمَوْهُوبُ الْجَمِيعُ عَلَى الْبَائِعِ وَلَهُ إلَّا الْمُسْتَثْنَى مَالُهُ فَمَا يُوهَبُ لِلْعَبْدِ تَابِعٌ لِمَالِهِ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَبِيعَ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ يُرَدُّ بِكُلِّ حَادِثٍ وَبِالْقَدِيمِ بِالْأَوْلَى مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَبِعْ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا الْبَائِعُ بِهِ مَعَ طُولِ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُرَدَّ بِالْقَدِيمِ عَمَلًا بِالْبَرَاءَةِ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ بِالْحَادِثِ عَمَلًا بِالْعُهْدَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْ الَّتِي حَمَلَ السُّلْطَانُ النَّاسَ عَلَيْهَا، كَمَا قَرَّرَهُ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ. (تَنْبِيهٌ) . ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْعُهْدَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ الْخِيَارِ وَتَدْخُلُ مِنْ أَيَّامِ الْمُوَاضَعَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَدَخَلَتْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ بِمَعْنَى أَنَّ الزَّمَانَ يُحْسَبُ لَهُمَا، فَإِذَا انْقَضَتْ أَيَّامُ الْعُهْدَةِ قَبْلَ رُؤْيَةِ الدَّمِ انْتَظَرَتْهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُوَاضَعَةُ؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِذَا اشْتَرَى عَلَى الْعُهْدَتَيْنِ قُدِّمَتْ عُهْدَةُ الثَّلَاثِ وَتُبْتَدَأُ عُهْدَةُ السَّنَةِ بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ. (وَعُهْدَةُ السَّنَةِ) عَكْسُ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَثِيرَةُ الزَّمَانِ قَلِيلَةُ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيهَا (مِنْ الْجُنُونِ) إذَا كَانَ بِطَبْعٍ أَوْ مَسِّ جِنٍّ، لَا إنْ كَانَ بِكَضَرْبَةٍ أَوْ طَرْبَةٍ. (وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ) الْمُحَقَّقَيْنِ وَفِي مَشْكُوكِهِمَا خِلَافٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي عُهْدَةِ السَّنَةِ بِجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ لَا بِكَضَرْبَةٍ بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِ الْحَاصِلِ مِنْ تِلْكَ الْأَدْوَاءِ إلَى تَمَامِ السَّنَةِ لَا إنْ حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهَا دَاخِلَ السَّنَةِ وَزَالَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا رَدَّ بِهِ إلَّا أَنْ تَقُولَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِعَوْدِهِ، وَيَسْقُطُ كُلٌّ مِنْ الْعُهْدَتَيْنِ بِالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَسَقَطَتَا بِكَعِتْقٍ فِيهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْعُهْدَتَيْنِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَفِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ وَهِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ كَانَا يَذْكُرَانِ فِي خُطْبَتِهِمَا عُهْدَةَ الرَّقِيقِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حِينَ يُشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ الْوَلِيدَةُ وَعُهْدَةَ السَّنَةِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَضَى بِهَا، وَبِهَا قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ وَابْنُ شِهَابٍ وَالْقُضَاةُ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا يَقْضُونَ بِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
[ ٢ / ٩٧ ]
[السلم في العروض]
وَالطَّعَامِ وَالْإِدَامِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ
وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ.
وَيُعَجِّلُ رَأْسَ الْمَالِ أَوْ يُؤَخِّرُهُ إلَى مِثْلِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ بِشَرْطٍ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْكَلَامُ السَّابِقُ وَاضِحٌ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ حُصُولُ الْعَيْبِ زَمَنَ الْعُهْدَةِ، وَأَمَّا لَوْ انْقَضَتْ أَيَّامُهَا وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ وَشَكَّ فِي حُصُولِهِ فِي زَمَنِ الْعُهْدَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَلَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالْمُحْتَمَلُ بَعْدَهُمَا مِنْهُ أَيْ مِنْ الْبَائِعِ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْعَمَلُ بِالْعُهْدَةِ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهَا فِي كُلِّ رَقِيقٍ انْتَقَلَ مِلْكُهُ لِغَيْرِ مَالِكِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ اسْتَثْنَى الْمُتَيْطِيُّ إحْدَى وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: لَا فِي مُنْكَحٍ بِهِ أَوْ مُخَالَعٍ أَوْ مُصَالَحٍ بِهِ فِي دَمِ عَمْدٍ أَوْ مُسَلَّمٍ فِيهِ أَوْ بِهِ أَوْ مُقْرَضٍ أَوْ غَائِبٍ اُشْتُرِيَ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ مُقَاطَعٍ بِهِ مُكَاتَبٍ وَاَلَّذِي يَبِيعُهُ السُّلْطَانُ عَلَى نَحْوِ مُفْلِسٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ فَلَا عُهْدَةَ فِيهَا بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ. وَأَمَّا لَوْ اُشْتُرِطَتْ بِالْفِعْلِ لَعُمِلَ بِهَا مَا ارْتَضَاهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْأُجْهُورِيِّ، وَلِلْمُشْتَرِي إسْقَاطُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ إنَّمَا لَهُ إسْقَاطُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَقَطْ.
(٢) الثَّالِثُ: عُهْدَةُ الرَّقِيقِ غَيْرُ عُهْدَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ عُهْدَةَ الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَيُقْضَى بِهَا وَلَوْ دَخَلَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الَّذِي تَكُونُ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ عَلَى مُتَوَلِّي الْبَيْعِ إلَّا الْوَكِيلَ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ فِي صُورَتَيْنِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَهُمَا أَنْ يُصَرِّحَ بِالْوَكَالَةِ أَوْ يَعْلَمَ الْعَاقِدُ أَنَّهُ وَكِيلٌ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضِ، وَأَمَّا هُوَ فَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَلَّ نَفْسَهُ مَحَلَّ الْبَائِعِ، وَكَذَا الْمُقَارِضُ وَالشَّرِيكُ الْمُفَوِّضُ فِي الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمَا فِيمَا وَلْيُبَايِعْهُ وَالْعُهْدَةُ فِي مَالِ الْيَتَامَى، فَإِنْ هَلَكَ مَالُ الْأَيْتَامِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَيْتَامِ. [السَّلَمُ فِي الْعُرُوضِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَيْعِ خَاصَّةً، وَهُوَ السَّلَمُ وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ إثْبَاتٌ مَالِيٌّ فِي الذِّمَّةِ مَبْذُولٌ فِي الْحَالِ وَعِوَضُهُ مُؤَجَّلٌ يُقْبَضُ فِي الْمَآلِ، وَلِذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ دُونَ الْعِوَضِ، وَالسَّلَفُ فِي اللُّغَةِ التَّقْدِيمُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] أَيْ قَدَّمْتُمْ، وَمَعْنَاهُ شَرْعًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يُوجِبُ عِمَارَةَ ذِمَّةٍ بِغَيْرِ عَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ غَيْرِ مُتَمَاثِلِ الْعِوَضَيْنِ، فَقَوْلُهُ بِغَيْرِ عَيْنٍ أَخْرَجَ بَيْعَةَ الْأَجَلِ، وَقَوْلُهُ وَلَا مَنْفَعَةَ أَخْرَجَ بِهِ الْكِرَاءَ الْمَضْمُونَ، وَقَوْلُهُ غَيْرِ مُتَمَاثِلِ الْعِوَضَيْنِ أَخْرَجَ بِهِ السَّلَفَ، وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ فَقَالَ: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ) أَيْ يَجُوزُ السَّلَمُ (فِي الْعُرُوضِ)، وَهِيَ مَا عَدَا الْحَيَوَانَاتِ وَالْأَطْعِمَةَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَ) فِي (الرَّقِيقِ وَ) فِي (الْحَيَوَانِ) الْبَهِيمِيِّ (وَ) فِي (الطَّعَامِ) الْمُرَادُ بِهِ سَائِرُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ بِقَرِينَةِ: (وَالْإِدَامُ) كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَكُلِّ مَا يُؤْتَدَمُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْجَوَازِ وَلَا نَظَرَ إلَى مَنْ خَالَفَ فِي بَعْضِ الْبِيَاعَاتِ، نَعَمْ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ، وَهُوَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك، كَمَا اُسْتُثْنِيَتْ الْحَوَالَةُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَبَيْعُ الْعَرِيَّةِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ، وَكَمَا اُسْتُثْنِيَتْ الْإِقَالَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالشَّرِكَةُ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَاسْتُثْنِيَ الْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ. وَلَمَّا كَانَ السَّلَمُ مُسْتَثْنًى مِنْ أَصْلٍ مَمْنُوعٍ احْتَاجَ إلَى شُرُوطٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا يُشْتَرَطُ فِي أَصْلِهِ، وَعِدَّتُهَا سَبْعُ شُرُوطٍ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلَاثًا وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَكَوْنُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ وَتَأْجِيلُهُ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ أَقَلُّهُ نِصْفُ شَهْرٍ إنْ كَانَ قَبْضُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ بِيَدِ الْعَقْدِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ إلَّا كَفَى تَأْجِيلُهُ بِمَسَافَةِ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ كَمَا يُبَيِّنُهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي، وَوُجُودُهُ عِنْدَ حُلُولِهِ وَبَيَانُ الصِّفَةِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَثْمَانُ اخْتِلَافًا قَوِيًّا وَأَنْ يُضْبَطَ بِعَادَتِهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنِ وَلَا نَقْدَيْنِ وَلَا شَيْئًا فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ، بَلْ الشَّرْطُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ وَلَوْ تَقَارَبَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَمِثْلُ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ اخْتِلَافُ الْمَنْفَعَةِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، كَفَارِهِ الْحُمُرِ فِي الْأَعْرَابِيَّةِ، وَكَسَابِقِ الْخَيْلِ وَقُوَّةِ الْحَمْلِ فِي الْإِبِلِ، وَكَثْرَةِ لَبَنِ الْبَقَرَةِ أَوْ قُوَّتِهَا فِي الْعَمَلِ، أَوْ اخْتِلَافِ الْأَفْرَادِ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى بَعْضِ تِلْكَ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) أَيْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ عَقْدِ السَّلَمِ بَيَانُ صِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ تَبَيَّنَ صِفَاتُهُ الَّتِي يُخْتَلَفُ بِهَا الثَّمَنُ فِي السَّلَمِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا كَالنَّوْعِ وَالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ وَالتَّوَسُّطِ بَيْنَهُمَا، فَيُبَيِّنُ فِي الْحُبُوبِ كَوْنَهُ قَمْحًا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَوْنَهُ سَمْرَاءَ أَوْ مَحْمُولَةً، وَكَوْنَهُ جَدِيدًا أَوْ قَدِيمًا أَوْ ضَامِرًا أَوْ مُمْتَلِئًا، وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهُ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ عَرَضًا، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْأَوْصَافِ وَعِلْمُ النَّاسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ الْعَاقِدَانِ بِمَعْرِفَةِ الصِّفَةِ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيمَا يَخْتَصُّ الْعَاقِدَانِ بِمَعْرِفَتِهِ؛ لِأَدَائِهِ إلَى النِّزَاعِ. وَأَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: لَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَتُرَابِ الْمَعَادِنِ وَالصَّوَّاغِينَ، وَلَا نَحْوِ النِّيلَةِ الْمَخْلُوطَةِ بِالطِّينِ أَوْ
[ ٢ / ٩٨ ]
[أقل أجل السلم]
وَأَجَلُ السَّلَمِ أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ بِبَلَدٍ آخَرَ، وَإِنْ كَانَتْ مَسَافَتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَمَنْ أَسْلَمَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقْبِضُهُ بِبَلَدٍ أَسْلَمَ فِيهِ فَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْحِنَّاءِ، وَلَا نَحْوِ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا الْمُقْتَضِي لِتَعْيِينِهَا الْمُوصِلِ إلَى السَّلَمِ فِي مُعَيَّنٍ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ السَّلَمِ كَوْنُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ. (تَنْبِيهٌ) . ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ عُقِدَ السَّلَمُ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ صِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُفْصَلُ فِي مَفْهُومِ هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ كَوْنِ الشَّارِعِ أَوْ الْعَادَةِ عَيَّنَ شَيْئًا خَاصًّا أَوْ لَا. فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْأَوَّلِ وَيَفْسُدُ فِي الثَّانِي. (وَ) مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَلَى (أَجَلٍ مَعْلُومٍ) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُّ وَلَا الْمُؤَجَّلُ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْأَجَلِ الْمَعْلُومِ قَوْلُهُ - ﷺ -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَالْأَمْرُ هُنَا لِلْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْأَجَلُ لِلسَّلَامَةِ مِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَاشْتُرِطَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا لِيُعْلَمَ مِنْهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ، وَالْأَجَلُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَالثَّمَنُ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ. (وَ) مِنْ الشُّرُوطِ (تَعْجِيلُ) جَمِيعِ (رَأْسِ الْمَالِ) فِي حَضْرَةِ الْعَقْدِ (أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ (أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى مِثْلِ يَوْمٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ) تَأْخِيرُ تِلْكَ الْمُدَّةِ (بِشَرْطٍ)؛ لِأَنَّ مَا قُبِضَ دَاخِلَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامِ فِي حُكْمِ الْمَقْبُوضِ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ حَيْثُ حَصَلَ الْقَبْضُ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ الثَّالِثِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا جَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِقَبْضِ الْبَعْضِ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. قَالَ خَلِيلٌ: شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلَاثًا وَلَوْ بِشَرْطٍ، وَفِي فَسَادِهِ بِالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا تَرَدُّدٌ وَالرَّاجِحُ الْفَسَادُ، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ كَانَ أَجَلُ السَّلَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَجَلُ السَّلَمِ عَلَى أَقَلَّ بِأَنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ يُقْبَضُ فِي غَيْرِ بَلَدِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقَبْضُ بِالْمَجْلِسِ أَوْ بِالْقُرْبِ بِأَنْ لَا يُؤَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ كَالْيَوْمِ، وَهَذَا أَيْضًا فِي رَأْسِ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا يَأْتِي. وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ حَيَوَانًا لَجَازَ تَأْخِيرُهُ وَلَوْ إلَى أَجَلِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَأْخِيرُ حَيَوَانٍ بِلَا شَرْطٍ أَيْ وَأَمَّا بِالشَّرْطِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْعَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ طَعَامًا أَوْ عَرَضًا فَقِيلَ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُمَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ مَعَ كَيْلِ الطَّعَامِ، وَإِحْضَارِ الْعَرَضِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مَعَهُمَا وَيُكْرَهُ مَعَ عَدَمِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ. [أَقَلِّ أَجَلِ السَّلَمِ] وَلَمَّا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الشُّيُوخِ فِي أَقَلِّ أَجَلِ السَّلَمِ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مُخْتَارَهُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) أَقَلُّ (أَجَلِ السَّلَمِ أَحَبُّ إلَيْنَا) عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ (أَنْ يَكُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) فَأَكْثَرَ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَجَلُ السَّلَمِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا أَقَلَّ مِنْهَا حَيْثُ كَانَ يُقْبَضُ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَأَنْ يُؤَجَّلَ بِمَعْلُومٍ زَائِدٍ عَلَى نِصْفِ شَهْرٍ، فَذَكَرَ لَفْظَ زَائِدٍ تَأْكِيدًا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ أَقَلَّ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ هُوَ مُخْتَارُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ، وَإِنَّمَا حَدَّ أَقَلَّ الْأَجَلِ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ زَمَنٍ تَتَغَيَّرُ فِيهِ الْأَسْوَاقُ غَالِبًا وَيَتَمَكَّنُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَأَمَّا أَكْثَرُ الْأَجَلِ فَمُنْتَهَاهُ مَا لَا يَجُوزُ تَأْجِيلُ ثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَا لَا يَعِيشُ الْبَائِعُ إلَيْهِ غَالِبًا، كَأَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً وَيَشْتَرِطَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَّا بَعْدَ مِائَتَيْ سَنَةٍ أَوْ سِتِّينَ إنْ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ بِالْمَوْتِ. (أَوْ) يَكُونُ الْأَجَلُ (عَلَى أَنْ يُقْبَضَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (بِبَلَدٍ آخَرَ) غَيْرِ بَلَدِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي الْأَجَلِ (وَإِنْ كَانَتْ مَسَافَتُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْجِيلِ بِالْخَمْسَةَ عَشَرَ إذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ يُقْبَضُ بِبَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ مُسْتَثْنِيًا مِنْ التَّحْدِيدِ بِنِصْفِ الشَّهْرِ: إلَّا أَنْ يُقْبَضَ بِبَلَدٍ كَيَوْمَيْنِ فَلَا يُشْتَرَطُ نِصْفُ الشَّهْرِ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ مَسَافَةَ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ لَكِنْ بِشُرُوطٍ: أَنْ يَدْخُلَا عَلَى قَبْضِهِ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ إلَى الْبَلَدِ. وَأَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ. وَأَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ الْخُرُوجُ فَوْرًا وَيُخْرَجُ الْمُسَلَّمُ بِالْفِعْلِ. وَأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ فِي الْبَرِّ أَوْ فِي الْبَحْرِ بِغَيْرِ رِبْحٍ كَالْمُنْحَدَرَيْنِ. فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ فَلَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ إلَّا بِنِصْفِ الشَّهْرِ فَأَكْثَرَ، وَلَمَّا كَانَ التَّأْجِيلُ لِمَا يُقْبَضُ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ أَقَلُّهُ نِصْفَ الشَّهْرِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ ذَكَرَ بَعْضَهَا مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أَسْلَمَ) غَيْرَهُ عَلَى شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ (إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَدَخَلَا عَلَى أَنَّ الْمُسَلَّمَ (يَقْبِضُهُ) أَيْ الْمُسَلَّمَ فِيهِ الْمَفْهُومُ مَنْ أَسْلَمَ (بِبَلَدٍ أَسْلَمَ فِيهِ فَقَدْ أَجَازَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ) أَيْ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ (مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ)، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَرَاهَةِ فَقِيلَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَقِيلَ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَالرَّاجِحُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ التَّحْدِيدِ بِنِصْفِ الشَّهْرِ إنْ كَانَ يُقْبَضُ فِي بَلَدِ الْعَقْدِ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَ يُقْبَضُ بِبَلَدٍ عَلَى مَسَافَةٍ كَيَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ فَيَكْفِي مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ ضَعِيفٌ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ تَنْبِيهًا عَلَى الْخِلَافِ، وَإِلَّا فَقَدْ صَدَّرَ بِالرَّاجِحِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَوْ نَقَصَ الْأَجَلُ عَنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ عِنْدَ اشْتِرَاطِهَا يَفْسُدُ عَقْدُ السَّلَمِ وَلَوْ كَانَ الْمَنْقُوصُ يَوْمًا خِلَافًا لِمَا فِي بَعْضِ شُرَّاحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: إذَا سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ
[ ٢ / ٩٩ ]
[بيع الدين بالدين]
الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ.
وَلَا يُسْلَمُ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا فِي مِثْلِهِ صِفَةً، وَمِقْدَارًا وَالنَّفْعُ لِلْمُتَسَلِّفِ.
وَلَا يَجُوزُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
وَتَأْخِيرُ رَأْسِ الْمَالِ بِشَرْطٍ إلَى مَحَلِّ السَّلَمِ أَوْ مَا بَعُدَ مِنْ الْعُقْدَةِ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَجَلِ فَسَدَ السَّلَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَبْضِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ أَجَلٌ مَعْلُومٌ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ صِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَشَرْنَا لِذَلِكَ فِيمَا سَبَقَ.
(٢) الثَّالِثُ: كَمَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ بِالزَّمَانِ يَجُوزُ بِغَيْرِهِ كَقُدُومِ الْحَاجِّ أَوْ الْحَصَادِ أَوْ الدِّرَاسِ، وَيُعْتَبَرُ مِيقَاتُ مُعْظَمِ مَا ذُكِرَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ ذِكْرِ الْعَقْدِ، وَمَا ذَكَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يُسَلَّمَ الشَّيْءُ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ اخْتِلَافًا قَوِيًّا قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ جِنْسِ مَا سَلَّمَ فِيهِ) كَأَنْ يَدْفَعَ عَرَضًا فِي عَرَضٍ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ حَدِيدًا فِي حَدِيدٍ، أَوْ حَيَوَانًا فِي حَيَوَانٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ فِي مِثْلِهِ قَرْضٌ لَا سَلَمٌ، فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ شُرُوطِ الْقَرْضِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا تَمَحُّضُ النَّفْعِ لِلْمُقْتَرِضِ، وَلَا يُنْظَرُ لِلصِّيغَةِ بِلَا قَرْضٍ، وَلَوْ وَقَعَ عَلَى لَفْظِ السَّلَمِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأَنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنِ وَلَا نِدَّيْنِ وَلَا شَيْءَ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَالْعَكْسِ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ. فَيَجُوزُ سَلَمُ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنْفَعَةِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا يُصَيِّرُ الشَّيْءَ كَالْجِنْسِ الْآخَرِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ دَفْعَ الشَّيْءِ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ كَعَكْسِهِ مُمْتَنِعٌ وَلَوْ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ وَالنَّقْدَيْنِ، وَالْعِلَّةُ إمَّا سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ أَقَلَّ أَوْ أَدْنَى، أَوْ تُهْمَةُ ضَمَانٍ يُجْعَلُ إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ أَكْثَرَ أَوْ أَجْوَدَ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ وَالنَّقْدَيْنِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَيَمْتَنِعُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِلَفْظِ السَّلَمِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا إنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْقَرْضِ فَيَجُوزُ حَيْثُ تَمَحَّضَ النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، وَسَيَأْتِي الْإِشَارَةُ لِبَعْضِ هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يُسْلَمَ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ أَوْ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يُسْلَمُ رَقِيقُ ثِيَابِ الْقُطْنِ فِي رَقِيقِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُقَارَبَةَ تُصَيِّرُ الْجِنْسَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يُسْلَمُ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَلَعَلَّهُ كَرَّرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي خَلِيلٍ أَنَّ الْجِنْسَيْنِ يَجُوزُ سَلَمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ وَلَوْ تَقَارَبَتْ الْمَنْفَعَةُ فَإِنَّهُ قَالَ مُشَبِّهًا فِي الْجَوَازِ: وَكَالْجِنْسَيْنِ، وَلَوْ تَقَارَبَتْ الْمَنْفَعَةُ كَرَقِيقِ ثِيَابِ الْقُطْنِ فِي رَقِيقِ ثِيَابِ الْكَتَّانِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي غَلِيظِهِ، فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَلَامُ أَشْهَبَ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِذَا جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ شَيْءٌ فِي جِنْسِهِ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَلَوْ حَصَلَ الِاخْتِلَافُ بِالْمَنْفَعَةِ أَوْ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَحَلُّ الْمَنْعِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ الِاخْتِلَافُ، وَإِلَّا جَازَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ خَلِيلٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، وَهُوَ فِي الْحَمِيرِ بِالْفَرَاهَةِ وَهِيَ سُرْعَةُ الْمَشْيِ، فَيَجُوزُ سَلَمُ الْحِمَارِ الْفَارِهِ فِي اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا فَرَاهَةَ فِيهَا، وَالْبِغَالُ مِنْ جِنْسِ الْحَمِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَالِاخْتِلَافُ الْقَوِيُّ فِي الْخَيْلِ بِالسَّبْقِ لَا بِالْهَمْلَجَةِ الَّتِي هِيَ حُسْنُ السَّيْرِ، إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ لَهَا الْبَرْزَنَةُ بِأَنْ يَصِيرَ جَافِي الْأَعْضَاءِ فَيَجُوزُ سَلَمُ الْهِمْلَاجِ الْغَلِيظِ الْأَعْضَاءِ فِي مُتَعَدِّدٍ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي الْجِمَالِ بِكَثْرَةِ الْحَمْلِ، وَفِي الْبَقَرِ بِالْقُوَّةِ عَلَى الْعَمَلِ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيُّ وَيَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَى كَلَامِهِ أَنَّ الْبَقَرَ وَالْجَوَامِيسَ تَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ فِي الْأَمْصَارِ كَمَا تَخْتَلِفُ بِهِ الْمَعْزُ وَالضَّأْنُ، وَصَحَّحَ بَعْضُ الشُّيُوخِ اخْتِلَافَ الضَّأْنِ بِكَثْرَةِ الصُّوفِ، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَيَخْتَلِفُ بِبُلُوغِ الْغَايَةِ فِي الْغَزْلِ أَوْ الطَّبْخِ أَوْ الْحِسَابِ أَوْ الْكِتَابَةِ، وَالطَّيْرُ بِالتَّعْلِيمِ لِمَنْفَعَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا بِالْبَيْضِ وَلَا بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا، وَمِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمَنْفَعَةِ يَجُوزُ سَلَمُ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُلَ التَّعَدُّدُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ بِمَنْزِلَةِ التَّعَدُّدِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَلَمُ الشَّيْءِ فِي جِنْسِهِ وَكَانَ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ عُمُومَ الْمَنْعِ، وَلَوْ عِنْدَ تَسَاوِي الْغَرَضَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ: (إلَّا أَنْ يُقْرِضَهُ قَرْضًا) وَفِي نُسْخَةٍ شَيْئًا بَدَلَ قَرْضًا (فِي مِثْلِهِ صِفَةً، وَمِقْدَارًا) أَيْ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ. (وَ) الْحَالُ أَنَّ (النَّفْعَ لِلْمُتَسَلِّفِ) فَقَطْ فَيَجُوزُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ قَرْضٌ وَلَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ فِي غَيْرِ الطَّعَامَيْنِ وَالنَّقْدَيْنِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْقَرْضِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ الْكَافِيَةُ. [بَيْع الدِّين بالدين] ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ مُشَارِكَةٍ لِمَا قَبْلَهَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ وَهِيَ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ الْكَالِئِ» بِالْهَمْزِ. قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: وَهُوَ النَّسِيئَةُ أَيْ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ) أَيْ نَسِيئَةٌ بِنَسِيئَةٍ. فَأَوَّلُ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَك عَلَى شَخْصٍ مِائَةُ شَقَّةٍ
[ ٢ / ١٠٠ ]
يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ فِي ذِمَّتِهِ فَتَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ آخَرَ لَا تَتَعَجَّلُهُ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْك حَالًّا.
، وَإِذَا بِعْت سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَا تَشْتَرِهَا بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا، أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَثَلًا إلَى أَجَلٍ فَتَبِيعُهَا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ بِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ وَيُصَوَّرُ فِي أَرْبَعَةٍ. وَمِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَلِثَالِثٍ عَلَى رَابِعٍ دَيْنٌ فَبَاعَ كُلٌّ مِنْ صَاحِبَيْ الدَّيْنَيْنِ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الَّذِي هُوَ لِلْآخَرِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقَدُّمِ عِمَارَةِ ذِمَّةٍ أَوْ ذِمَّتَيْنِ عَلَى الْبَيْعِ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ كَوْنُهُ يُوصِلُ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُخَاصَمَةِ الَّتِي يُبْغِضُهَا الشَّارِعُ، وَقِيلَ مَحْضُ تَعَبُّدٍ. وَثَانِيهَا: ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَهُوَ تَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَتَأْخِيرُ رَأْسِ الْمَالِ) مُبْتَدَأٌ وَرَأْسُ الْمَالِ مُضَافٌ إلَيْهِ (بِشَرْطٍ إلَى مَحَلِّ السَّلَمِ) أَيْ إلَى حُلُولِهِ (أَوْ) تَأْخِيرُهُ إلَى (مَا بَعُدَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ (مِنْ الْعُقْدَةِ) بِأَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَائِنٌ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرُ تَأْخِيرِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأٌ، وَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَوْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِلَا شَرْطٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: شَرْطُ السَّلَمِ قَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ أَوْ تَأْخِيرُهُ ثَلَاثًا وَلَوْ بِشَرْطٍ، فَيَفْسُدُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الثَّلَاثِ وَلَوْ قَلِيلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (تَنْبِيهٌ) . فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أُمُورٌ: مِنْهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَالْإِطْلَاقُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ حُمِلَ عَلَى الْعَيْنِ أَشْكَلَ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ الْمُوهِمِ لِلْجَوَازِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ أَشْكَلَ مَنْطُوقُهُ مَعَ الشَّرْطِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ حُرْمَةُ تَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ بِالشَّرْطِ وَلَوْ حَيَوَانًا، وَأَمَّا بِغَيْرِ شَرْطٍ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْحَيَوَانِ، وَلَوْ إلَى حُلُولِ أَجَلِ السَّلَمِ، وَأَمَّا الْعَرَضُ وَالطَّعَامُ فَقِيلَ كَذَلِكَ حَيْثُ كِيلَ الطَّعَامُ وَأُحْضِرَ الْعَرَضُ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَقِيلَ يُكْرَهُ مُطْلَقًا كَمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا. وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ بِشَرْطٍ يُوهِمُ جَوَازَ التَّأْخِيرِ عِنْدَ عَدَمِهِ مُطْلَقًا وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ. وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ مَا بَعُدَ مِنْ الْعُقْدَةِ يُوهِمُ أَنَّ الْقَرِيبَ جَائِزٌ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُفَسَّرَ الْقَرِيبُ بِمَا لَمْ يَزِدْ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَطْلَقَ ذَلِكَ اتِّكَالًا عَلَى الْمَوْقِفِ، وَلِأَنَّ إطْلَاقَهُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ مَنْطُوقِهِ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ بِشَرْطٍ فَوْقَ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْعَيْنِ، وَلَا غَيْرِهَا، وَالْمَفْهُومُ عَلَى الْمَوْقِفِ بَيَانُهُ. وَأَشَارَ إلَى ثَالِثِ الْأَقْسَامِ، وَهُوَ أَشَدُّهَا حُرْمَةً بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ) وَصَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَك شَيْءٌ) مِنْ الْمَالِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ الْمَدِينِ الْمَفْهُومِ مِنْ لَفْظِ دَيْنٍ (فَتَفْسَخُهُ فِي شَيْءٍ) مُخَالِفٍ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَوْ فِي عَدَدِهِ أَوْ صِفَتِهِ (لَا تَتَعَجَّلُهُ) الْآنَ وَقَدَّرْنَا لَفْظَ مُخَالِفٍ لِفَهْمِهِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً تَكُونُ غَيْرًا غَالِبًا، وَأَيْضًا لَفْظُ فَسْخٍ يَقْتَضِي الِانْتِقَالَ عَنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ، فَيَشْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا فَفَسَخَهُ فِي عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرَضِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ، وَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ عَرَضًا وَفَسَخَهُ فِي عَيْنٍ فَيَحْرُمُ أَيْضًا مُطْلَقًا، وَتَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ دَيْنُهُ عَيْنًا وَفَسَخَهَا فِي عَيْنٍ أَجْوَدَ وَأَوْلَى وَأَكْثَرَ. وَأَمَّا إذَا فَسَخَ الْعَيْنَ فِي عَيْنٍ مِثْلِهَا قَدْرًا وَعَدًّا أَوْ أَقَلَّ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْفَسْخِ عَلَى هَذَا فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَأْخِيرٍ بِالْحَقِّ أَوْ مَعَ حَطِيطَةٍ لِبَعْضِهِ فَفِيهِ ثَوَابٌ. وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ، وَكَكَالِئٍ بِمِثْلِهِ فُسِخَ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَغَائِبٍ أَوْ مُوَاضَعَةٍ أَوْ مَنَافِعِ عَيْنٍ وَبَيْعُهُ بِدَيْنٍ وَتَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ عَلَى جَعْلِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ أَقْسَامٌ لِلْكَالِئِ بِالْكَالِئِ الْمُفَسَّرِ بِبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ تَقَسُّمُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُقَسَّمُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ النَّسِيئَةِ بِالنَّسِيئَةِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ غَيْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِخُصُوصِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُغَايَرَةَ تَحْصُلُ وَلَوْ بِالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: وَبِمَا يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ مِمَّنْ وَلِعَ بِأَكْلِ الرِّبَا، وَهِيَ مَا إذَا أَخَذَ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ سِلْعَةً فِي دَيْنِهِ ثُمَّ يَرُدُّهَا لَهُ بِشَيْءٍ مُؤَخَّرٍ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَهُوَ أَكْثَرُ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ فَإِنَّهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا يُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّهُ فَسَخَ دَيْنَهُ ابْتِدَاءً مِنْ شَيْءٍ لَا يَتَعَجَّلُهُ، وَهُوَ حَقِيقَةُ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ، وَهُوَ حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الْمَفْسُوخُ فِي مُؤَخَّرٍ قَدْ تَمَّ أَجَلُهُ أَوْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَخَّرَهُ أَزْيَدَ مِنْهُ. الثَّانِي: إنَّمَا لَمْ يَعْطِفْ الْمُصَنِّفُ فَسْخَ الدَّيْنِ عَلَى سَابِقِهِ بَلْ اسْتَأْنَفَ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ لِيُنَبِّهَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ فَسْخَ الدَّيْنِ أَشَدُّ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُرْمَةِ، وَيَلِيهِ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَأَخَفُّهَا ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي رَأْسِ الْمَالِ التَّأْخِيرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ فَسْخُ الدَّيْنِ أَشَدُّ فِي الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَالرِّبَا مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَتَحْرِيمُهُمَا بِالسُّنَّةِ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ السَّلَمَ يَجِبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مُؤَجَّلًا شَرَعَ هُنَا فِي مَفْهُومِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْك (بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك عَلَى) شَرْطِ (أَنْ
[ ٢ / ١٠١ ]
الْأَوَّلِ وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ، وَأَمَّا إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ وَتَكُونُ مُقَاصَّةً.
[الْبِيَاعَات الْمُنْهِيَ عَنْهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ]
وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْجُزَافِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَكُونَ عَلَيْك) يَا بَائِعَ الشَّيْءِ الَّذِي بِعْته وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَك (حَالًّا) أَيْ مُعَجَّلًا، فَإِنْ وَقَعَ فَسْخٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا لَا يَجُوزُ الْفَسَادُ، وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ: بِعْ لِي السِّلْعَةَ الْفُلَانِيَّةَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَالِكِهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: بِعْنِي سِلْعَةَ فُلَانٍ، وَمِثْلُ بِعْنِي أُسَلِّمُك عَلَى السِّلْعَةِ الْفُلَانِيَّةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَالَّةً عَلَيْك؛ لِأَنَّ السَّلَمَ الْحَالَّ بَاطِلٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ «أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - ﵁ - قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي، فَقَالَ حَكِيمٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي بَيْعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي فَأَبْتَاعُ لَهُ مِنْ السُّوقِ، قَالَ: لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» قَالَ الْمَتْيَوِيُّ وَأَشْهَبُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ النَّهْيِ: لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَكَأَنَّهُ أَيْ الْمُشْتَرِي لِتِلْكَ السِّلْعَةِ مِمَّنْ يَبْتَاعُهَا مِنْ الْغَيْرِ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَاشْتَرِ مِنْهَا كَذَا وَكَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَك مَا فَضَلَ وَعَلَيْك مَا نَقَصَ، وَفِي هَذَا غَرَرٌ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَيَّنَ لَهُ سِلْعَةَ شَخْصٍ وَقَالَ لَهُ اشْتَرِهَا مِنِّي؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يَبِيعُهَا لَهُ وَتَارَةً لَا يَبِيعُهَا، وَعَلَى فَرْضِ بَيْعِهَا لَهُ قَدْ يَكُونُ بِثَمَنٍ مِثْلِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَهَا بِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ فَيُضَيِّعُ عَلَيْهِ الزَّائِدَ، وَهُوَ سَفَهٌ، وَإِنْ بَاعَهَا بِكَثِيرٍ وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهَا مِنْ صَاحِبِهَا بِقَلِيلٍ فَيَأْكُلُ الزَّائِدَ بِالْبَاطِلِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَوْضُوعُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ عَلَى السِّلْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا بَائِعُهَا وَلِذَلِكَ مُنِعَ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ هَذَا مَفْهُومُ السَّلَمِ الْجَائِزِ، وَهُوَ مَا أُجِّلَ فِيهِ الْمُسَلَّمُ فِيهِ، وَهَذَا حَالٌّ وَالسَّلَمُ الْحَالُّ مَمْنُوعٌ، وَأَمَّا لَوْ طَلَبَ شَخْصٌ مِنْ آخَرَ سِلْعَةً؛ لِيَشْتَرِيَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا عِنْدَهُ فَنَصَّ خَلِيلٌ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: جَازَ لِمَطْلُوبٍ مِنْهُ سِلْعَةً أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ الْغَيْرِ وَيَبِيعَهَا بَعْدَ اشْتِرَائِهَا لِطَالِبِهَا وَلَوْ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالْأُمَّهَاتِ، فَلَا تَتَوَهَّمَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ عَيْنُ كَلَامِ خَلِيلٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا مَوْضُوعًا وَحُكْمًا. الثَّانِي: قَيَّدَ بَعْضُ الشُّيُوخِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ يَغْلِبُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَغْلِبُ وُجُودُهُ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ عَلَى الْحُلُولِ إجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْقَبْضِ وَلَيْسَ سَلَمًا، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَازَ الشِّرَاءُ مِنْ دَائِمِ الْعَمَلِ كَالْخَبَّازِ وَاللَّحَّامِ بِشَرْطِ وُجُودِهِ عِنْدَهُ، وَحُصُولُ الشُّرُوعِ فِي الْأَخْذِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَشْرَعَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى تَعْجِيلِ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى، وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْدُ الثَّمَنِ؛ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ هَذَا بَيْعٌ لَا سَلَمٌ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِظُهُورِ عِلَّةِ حُرْمَتِهَا، شَرَعَ فِي بِيَاعَاتٍ نُهِيَ عَنْهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَهِيَ بُيُوعُ الْآجَالِ وَحَقِيقَتُهَا بِالْمَعْنَى الْإِضَافِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَجَّلَ ثَمَنُهُ الْعَيْنَ، وَمَا أَجَّلَ ثَمَنُهُ غَيْرَهَا سَلَمٌ، وَحَقِيقَتُهَا بِالْمَعْنَى اللَّقَبِ مَا تَكَرَّرَ فِيهِ بَيْعُ عَاقِدَيْ الْأَوَّلِ وَلَوْ بِغَيْرِ عَيْنٍ قَبْلَ انْقِضَائِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ وَقَعَ لِأَجَلٍ وَاللَّقَبُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ، فَكَانَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ: وَهُوَ عِلْمٌ لِمَا تَكَرَّرَ فِيهِ إلَخْ. وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ الْمُتَعَاقِدَانِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا يَقْصِدُونَ ذَلِكَ، فَمَنَعَهَا مَالِكٌ؛ لِأَنَّهُ بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ فَقَالَ: (وَإِذَا بِعْت) مِنْ شَخْصٍ (سِلْعَةً) عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ (بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ) مَعْلُومٍ كَشَهْرٍ مَثَلًا (فَلَا) يَحِلُّ لَك أَنْ (تَشْتَرِيَهَا) مِمَّنْ اشْتَرَاهَا مِنْك (بِأَقَلَّ مِنْهُ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ دُونَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ)؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الْيَدِ وَعَادَتْ إلَيْهَا تُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا دَفَعَ قَلِيلًا لِيَأْخُذَ بَدَلَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ. (وَلَا) يَحِلُّ لَك أَيْضًا أَنْ تَشْتَرِيَهَا مِنْهُ (بِأَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ (إلَى) أَجَلٍ (أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ) الَّذِي اُشْتُرِيَ إلَيْهِ لِلْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ يَدْفَعُ عِنْدَ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ قَلِيلًا يَأْخُذُ عَنْهُ بَعْدَ الْأَجَلِ الْبَعِيدِ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَهَذَا سَلَفٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وَلِذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ لِأَبْعَدَ لَجَازَ، وَبِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ النَّقْدِ وَلِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ أَبْعَدَ بِأَكْثَرَ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) لَوْ اشْتَرَيْت مَا بِعْته مِنْ مُشْتَرِيهِ (إلَى الْأَجَلِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ) الشِّرَاءُ (كُلُّهُ جَائِزٌ) سَوَاءٌ كَانَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالْعِلَّةِ لِلْجَوَازِ بِقَوْلِهِ: (وَتَكُونُ) أَيْ تُوجَدُ (مُقَاصَّةٌ) أَيْ إنَّمَا جَازَتْ الصُّوَرُ كُلُّهَا عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ؛ لِوُجُودِ الْمُقَاصَّةِ حِينَئِذٍ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطَاهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاقَطَ الثَّمَنَانِ وَذَلِكَ عِنْدَ اتِّفَاقِ الثَّمَنَيْنِ. وَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فَعِنْدَ تَمَامِهِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فِي قَدْرِ الْقَلِيلِ، وَيَدْفَعُ الزَّائِدَ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ، فَانْتَفَى ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الْمُوجِبِ لِلْمَنْعِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَرَطَا الْمُقَاصَّةَ فِيمَا أَصْلُهُ مَمْنُوعٌ لَجَازَ، كَشِرَائِهَا بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ، أَوْ بِأَقَلَّ نَقْدًا وَلِدُونِ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّ ضَابِطَ هَذَا الْبَابِ الْجَائِزِ ابْتِدَاءً لَا يَمْنَعُهُ إلَّا شَرْطُ نَفْيِ الْمُقَاصَّةِ، وَالْمَمْنُوعُ ابْتِدَاءً لَا يُصَيِّرُهُ جَائِزًا إلَّا شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا بِعْت سِلْعَةً فَلَا تَشْتَرِيهَا إلَخْ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْك شِرَاءُ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِذَا بَاعَهُ فَرَسًا إلَى أَجَلٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ رَقِيقًا وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَهَا بِهِ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِأَكْثَرَ
[ ٢ / ١٠٢ ]
[بيع الجزاف]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِأَبْعَدَ، وَمِثْلُ شِرَاءِ غَيْرِهَا شِرَاءُ عَيْنِ مَا بَاعَ بَعْدَ تَغَيُّرِهِ كَثِيرًا فِي جَوَازِ جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مِثْلَهَا مِنْ نَوْعِهَا فَإِنْ كَانَتْ سِلْعَتُهُ مِثْلِيَّةً فَكَأَنَّهُ اشْتَرَى عَيْنَ مَا بَاعَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَمِثْلِهِ وَالْأَوْلَى كَغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلَّ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ، فَالسِّلْعَةُ الْمِثْلِيَّةُ شِرَاؤُهَا أَوْ مِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ فِي امْتِنَاعِ ثَلَاثِ صُوَرٍ، قَبْلَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَهِيَ بِأَقَلَّ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ وَيَجُوزُ مَا عَدَاهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الشِّرَاءُ الثَّانِي بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ زِيدَ عَنْ الثَّلَاثِ الْمَمْنُوعَةِ صُورَتَانِ، وَهُمَا: كَوْنُ الشِّرَاءِ الثَّانِي بِأَقَلَّ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ. وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مِثْلَ سِلْعَتِهِ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ كَمَا لَوْ كَانَتْ سِلْعَتُهُ فَرَسًا وَاشْتَرَى مِنْهُ فَرَسًا لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ سِلْعَةٍ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ بَاعَ مُقَوَّمًا فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ كَتَغَيُّرِهَا كَثِيرًا فَتَجُوزُ الصُّوَرُ كُلُّهَا، كَمَا تَجُوزُ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَجَلِ أَوْ عِنْدَ اتِّفَاقِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ هَذَا الْبَابِ إذَا اتَّفَقَ الثَّمَنَانِ فَالْجَوَازُ وَلَا يُنْظَرُ لِاخْتِلَافِ الْأَجَلِ، وَكَذَا إذَا اتَّفَقَ الْأَجَلَانِ فَالْجَوَازُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى اخْتِلَافِ الثَّمَنَيْنِ. وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ إذَا اخْتَلَفَ الْأَجَلَانِ وَالثَّمَنَانِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الْيَدِ السَّابِقَةِ بِالْعَطَاءِ، فَإِنْ دَفَعَتْ قَلِيلًا وَعَادَ إلَيْهَا كَثِيرٌ فَالْمَنْعُ، وَإِلَّا فَالْجَوَازُ، وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: فَمَنْ بَاعَ بِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِجِنْسِ ثَمَنِهِ مِنْ عَيْنٍ وَطَعَامٍ وَعَرَضٍ، فَإِمَّا نَقْدًا أَوْ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ يَمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا عُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ وَصُوَرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً خَارِجَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعٍ، وَهِيَ صُوَرُ النَّقْدِ، وَلِدُونِ الْأَجَلِ وَلِلْأَجَلِ، وَلِأَبْعَدَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ مِثْلُ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، الْجَائِزُ تِسْعٌ وَالْمُمْتَنِعُ ثَلَاثٌ، وَهِيَ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلَّ كَشِرَاءِ مَا بَاعَهُ بِعَشَرَةٍ إلَى شَهْرٍ بِثَمَانِيَةٍ نَقْدًا، أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِاثْنَيْ عَشَرَ لِأَبْعَدَ. (تَنْبِيهٌ) . عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ كَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ أَنْ تَكُونَ الْبَيْعَةُ الْأُولَى إلَى أَجَلٍ، وَكَوْنُ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا هُوَ الْبَائِعَ أَوَّلًا أَوْ مَنْ تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ، أَوْ الْبَائِعِ الثَّانِي هُوَ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ أَوْ مَنْ تَنَزَّلَ مَنْزِلَتَهُ، وَكَوْنُ السِّلْعَةِ الْمُشْتَرَاةِ ثَانِيًا هِيَ الْمُبَاعَةَ أَوَّلًا عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَالْمُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَكِيلُهُ أَوْ عَبْدُهُ الْمَأْذُونُ أَوْ الْمَأْذُونُ حَيْثُ كَانَ يَتَّجِرُ لِلسَّيِّدِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَكِيلُ أَوْ الْمُوَكِّلُ بِبَيْعِ الْآخَرِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ بَاعَ السَّيِّدُ ثُمَّ اشْتَرَى الْعَبْدُ أَوْ عَكْسُهُ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ لِأَجَلٍ لِغَيْرِ نَفْسِهِ بِأَنْ اشْتَرَاهُ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَكُرِهَ فَقَطْ، وَمِثْلُ شِرَائِهِ لِابْنِهِ الْمَحْجُورِ شِرَاءُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِمَنْ فِي حِجْرِهِ. وَأَمَّا عَكْسُ هَذَا، وَهُوَ شِرَاءُ الْأَجْنَبِيِّ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ أَوْ شِرَاءُ مَحْجُورِهِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلًّا إنَّمَا يَشْتَرِي بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ فَهُوَ كَشِرَاءِ الْبَائِعِ لِنَفْسِهِ.
(٢) (فَرْعَانِ عَزِيزَانِ مُنَاسِبَانِ لِلْبَابِ) الْأَوَّلُ: مَنْ طَلَبَ مِنْهُ شَخْصٌ دَرَاهِمَ قَرْضًا فَامْتَنَعَ وَدَفَعَ لَهُ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا سِلْعَةً، وَبَعْدَ اشْتِرَائِهَا لِصَاحِبِ الدَّرَاهِمِ بَاعَهَا لِطَالِبِ الْقَرْضِ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، فَالظَّاهِرُ أَوْ الْمَجْزُومُ بِهِ حُرْمَةُ هَذَا الْفِعْلِ، وَأَحْرَى فِي الْمَنْعِ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ مِصْرَ تُجَّارُ الْبُنِّ مِنْ بَيْعِهِمْ الْبُنَّ لِشَخْصٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَبِيعُهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ يُعَجِّلُهُ إلَى الْمُشْتَرِي بَلْ هَذَا دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
(٣) الثَّانِي: مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ قَدْ حَلَّ أَجَلُهُ فَطَالَبَهُ بِهِ فَوَجَدَهُ مُعْسِرًا بِجَمِيعِهِ، وَوَجَدَ عِنْدَهُ سِلْعَةً لَا تَفِي بِهِ فَأَخَذَهَا مِنْهُ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ، ثُمَّ بَاعَهَا لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ الْيَدِ وَعَادَتْ إلَيْهَا تُعَدُّ لَغْوًا، وَكَأَنَّهُ فَسَخَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ ابْتِدَاءً فَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ. (خَاتِمَةٌ) . لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَقَعَ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ، بِأَنْ اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلَّ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ، وَمُحَصَّلُهُ: أَنَّ الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ تُفْسَخُ؛ لِأَنَّهَا الْمَمْنُوعَةُ، وَالْأُولَى صَحِيحَةٌ هَذَا إذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، فَإِنْ فَاتَتْ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا يُفْسَخَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ أَوَّلُ مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ فَقُلْ إلَّا أَنْ يُفَوِّتَ الثَّانِيَ فَيُفْسَخَانِ، وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ؟ . خِلَافٌ مَحَلُّهُ فِي فَسْخِ الْأَوَّلِ حَيْثُ فَاتَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي الثَّانِي، وَهُوَ بَائِعُهَا الْأَوَّلُ وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا فَسْخُ الثَّانِي فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ رَوْمًا لِلْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَالَغَ فِي اخْتِصَارِ الْمَسْأَلَةِ. [بَيْع الجزاف] وَلَمَّا كَانَ بَيْعُ الْجُزَافِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ الْجُزَافِ) وَحَقِيقَتُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَهُ أَيْ دُونَ أَنْ يُعْلَمَ بِالْفِعْلِ وَالْأَصْلُ مَعَهُ، وَلَكِنْ خَفَّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ أَوْ قَلَّ جَهْلُهُ، وَلِجَوَازِهِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُصَادِفَ كَوْنُهُ جُزَافًا، فَلَا يَصِحُّ الْجُزَافُ الْمَدْخُولُ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ لِلْجَزَّارِ أَوْ الْعَطَّارِ أَوْ بَيَّاعِ الْفُولِ: اصْنَعْ لِي كَوْمًا مَثَلًا وَأَنَا أَشْتَرِيهِ مِنْك، أَوْ يَقُولُ لِصَاحِبِ صُبْرَةٍ: امْلَأْ لِي هَذِهِ الْغِرَارَةَ بِكَذَا، أَوْ يَقُولُ لِلْجَزَّارِ: اعْطِنِي وَزْنَ هَذَا الْحَجَرِ الْمَجْهُولِ، أَوْ لِلْعَطَّارِ: امْلَأْ هَذِهِ الْوَرَقَةَ فُلْفُلًا مَثَلًا، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الْجُزَافِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ مِنْ شِرَاءِ الْفُولِ الْحَارِّ أَوْ الْمِلْحِ أَوْ اللَّبَنِ بِأَنْ يَدْفَعَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي مِقْدَارًا فِي ظَرْفِهِ مِنْ غَيْرِ كَيْلٍ فَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُ مُجَزَّفًا عِنْدَ الْجَزَّارِ أَوْ الْعَطَّارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَرَاهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ شِرَائِهِ إنْ كَانَ فِي ظَرْفٍ بِأَنْ يَفْتَحَ وَرَقَةَ الْفُلْفُلِ أَوْ الْبُنِّ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ زِيَادَةً، وَإِلَّا امْتَنَعَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْمَدْخُولِ عَلَيْهِ. الثَّانِي مِنْ الشُّرُوطِ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ حَاضِرًا مَرْئِيًّا، وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بَصِيرًا، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْمَى
[ ٢ / ١٠٣ ]
فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.
سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ مَا كَانَ مَسْكُوكًا، وَأَمَّا نِقَارُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَذَلِكَ فِيهِمَا جَائِزٌ.
وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ جُزَافًا، وَلَا مَا يُمْكِنُ عَدَدُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جُزَافًا.
وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] جُزَافًا وَلَا شِرَاؤُهُ لِاشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ وَلَوْ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَيَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِهِ الْمُتَّصِلِ بِبَاقِيهِ كَالصُّبْرَةِ يَرَى ظَاهِرَهَا وَالْغِرَارَةِ وَالْحَاصِلِ الْكَبِيرِ وَكَرُؤْيَةِ بَعْضِ مَغِيبِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ حُضُورُ جَمِيعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مَعَ الْإِكْفَاءِ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ حِرْزِهِ، وَهَذَا الشَّرْطُ فِي غَيْرِ قِلَالِ الْخَلِّ الْمُطَيَّنَةِ وَيُعْلَمُ أَنَّهُ يُفْسِدُهَا الْفَتْحُ لَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَمْلُوءَةً، أَوْ يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي نَقْصَهَا، وَلَوْ بِإِخْبَارِ الْبَائِعِ وَصِفَةِ مَا فِيهَا، وَفِي غَيْرِ الثِّمَارِ الْغَائِبَةِ عَنْ بَلَدِ الْعَقْدِ عَلَى مَسِيرَةِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَيُكْتَفَى فِي حِلِّ بَيْعِهَا بِذِكْرِ الصِّفَةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ نَقْدِ الثَّمَنِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهَا، كَمَا إذَا بَعُدَتْ جِدًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَرُهَا يَابِسًا. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكْثُرَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ حِرْزُهُ، وَإِلَّا امْتَنَعَ بَيْعُهُ جُزَافًا وَلَا مَعْدُودًا، وَأَمَّا مَا قَلَّ بِحَيْثُ لَا مَشَقَّةَ فِي ضَبْطِهِ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ فَيَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَعْدُودِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لِلْمُتَبَايِعَيْنِ فَلَوْ عَلِمَاهُ مَعًا لَجَازَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ بَيْعِ الْجُزَافِ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَإِنْ أَعْلَمَ الْعَالِمُ الْجَاهِلَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَسَدَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ يَفْسُدْ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْجَاهِلِ، كَظُهُورِ عَيْبٍ فِي السِّلْعَةِ دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ مِنْ أَهْلِ الْحَزْرِ أَوْ يُوَكِّلَا مَنْ هُوَ كَذَلِكَ، وَيُحْرَزُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ. السَّادِسُ: أَنْ تَسْتَوِيَ أَرْضُهُ بِأَنْ لَا تَكُونَ مُرْتَفِعَةً وَلَا مُنْخَفِضَةً وَيَظْهَرُ كَذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ اسْتِوَاؤُهَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ. السَّابِعُ: وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمَعْدُودِ أَنْ يَكُونَ فِي عَدِّهِ مَشَقَّةٌ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَأَمَّا الْمَوْزُونُ وَالْمَكِيلُ فَيَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا بِغَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُمَا الْمَشَقَّةُ لِتَوَقُّفِهِمَا عَنْ مِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مُعْتَادٍ، وَالْعَدُّ يَتَيَسَّرُ غَالِبًا لِكُلِّ أَحَدٍ. الثَّامِنُ: أَنْ لَا تَتَفَاوَتَ أَفْرَادُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَفَاوُتًا بَيِّنًا بِكَثْرَةِ ثَمَنِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَقِلَّةِ الْبَعْضِ كَالرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ، وَأَمَّا تَفَاوُتُ الثَّمَنِ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ فَلَا يُمْنَعُ كَأَثْمَانِ الْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ. التَّاسِعُ: أَنْ لَا يَشْتَرِيَ الْجُزَافَ مَعَ الْكَيْلِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مَعَ خُرُوجِ كُلٍّ عَنْ أَصْلِهِ، بِخِلَافِ لَوْ وَقَعَ كُلٌّ عَلَى الْأَصْلِ فَيَجُوزُ، كَمَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْجَزَّافِينَ وَالْمَكِيلِينَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ مَعَ الْخُرُوجِ عَنْ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ فِي الْحُبُوبِ الْكَيْلُ وَالْأَرْضِ الْجُزَافُ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَجُزَافٌ إنْ رَأَى وَلَمْ يَكْثُرْ جِدًّا وَجَهْلًا وَحَزَرًا وَاسْتَوَتْ أَرْضُهُ وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَمْ تُقْصَدْ أَفْرَادُهُ إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ. قَالَ شُرَّاحُهُ: وَكُلُّ الشُّرُوطِ لِلصِّحَّةِ سِوَى اسْتِوَاءِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّرَرُ عِنْدَ تَبَيُّنِ عَدَمِ الِاسْتِوَاءِ، وَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ جَازَ مَعَ الْجُزَافِ (فِيمَا يُوزَنُ) كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالْبُنِّ (أَوْ يُكَالُ) كَالْحِنْطَةِ وَالْفُولِ، أَوْ يُعَدُّ كَالْبِطِّيخِ وَالسَّمَكِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَا تَتَفَاوَتُ أَثْمَانُ أَفْرَادِهِ أَوْ تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا يَسِيرًا، وَإِنَّمَا أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ الْمَعْدُودَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْمَعْدُودِ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ جُزَافًا، فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ عَلَى حَدِّ: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ وَالْبَرْدَ، وَالتَّقْدِيرُ هُنَا فِيمَا يُوزَنُ أَوْ يُكَالُ أَوْ يُعَدُّ. وَلَمَّا كَانَ الْمُقَدَّرُ فِي قُوَّةِ الْمَلْفُوظِ بِهِ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَعْدُودَ الْمَسْكُوكَ بِقَوْلِهِ: (سِوَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ) وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ (مَا كَانَ مَسْكُوكًا) فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا جُزَافًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْمَسْكُوكِ جُزَافًا إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهِ عَدَدًا أَوْ عَدَدًا وَوَزْنًا لِقَصْدِ أَفْرَادِهِ حِينَئِذٍ الْمُؤَدِّي لِلْمُخَاطَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ، فَإِنْ انْفَرَدَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ جَازَ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ: وَنَقْدَانِ سَكٍّ وَالتَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ وَإِلَّا جَازَ. (تَنْبِيهٌ) . فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَسْكُوكِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ اتِّكَالًا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَسْكُوكَ إنَّمَا يَتَعَامَلُ بِهِ عَدَدًا، وَمَفْهُومُ الْمَسْكُوكِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا نِقَارُ) بِكَسْرِ النُّونِ أَيْ فَجَرَاتُ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الشِّرَاءِ جُزَافًا (فِيهِمَا جَائِزٌ)؛ لِعَدَمِ قَصْدِ الْأَفْرَادِ حِينَئِذٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التِّبْرَ وَالْحُلِيَّ الْمُكَسَّرَ وَكَذَا الْمَسْكُوكُ الْمُتَعَامَلُ بِهِ وَزْنًا فَقَطْ يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَالْفُلُوسُ الْجُدُدُ كَالنَّقْدِ. (تَنْبِيهٌ) . لَمْ يُبَيِّنْ مَا تُبَاعُ بِهِ النِّقَارُ الْمَذْكُورَةُ إذَا تُعُومِلَ بِهَا وَزْنًا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهَا تُبَاعُ بِالْعُرُوضِ، وَكَذَا بِالْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ، وَكَذَا بِجِنْسِهَا بِشَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْوَزْنِ وَالْمُنَاجَزَةِ. (وَ) كَذَا (لَا يَجُوزُ شِرَاءُ الرَّقِيقِ وَالثِّيَابِ) وَالْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُقَوَّمَاتِ الَّتِي تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهَا حَالَ كَوْنِ شِرَائِهَا (جُزَافًا)؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْأَفْرَادِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا يُؤَدِّي إلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْمُقَامَرَةِ وَهِيَ حَرَامٌ، وَأَمَّا نَحْوُ الْبِطِّيخِ وَالْأُتْرُجِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ أَفْرَادُهُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَلَا يُمْنَعُ شِرَاؤُهَا جُزَافًا، وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ بَيْعِ الْجُزَافِ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ فِي عَدِّ مَا يُعَدُّ ذَكَرَ مَفْهُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ) مَا يُمْكِنُ عَدُّهُ بِلَا مَشَقَّةٍ (جُزَافًا) لِسُهُولَةِ الْعَدِّ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَيَجُوزُ
[ ٢ / ١٠٤ ]
الْمُبْتَاعُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الثِّمَارِ وَالْإِبَارُ التَّذْكِيرُ، وَإِبَارُ الزَّرْعِ خُرُوجُهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَا فِي الْعِدْلِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ.
وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ لَا يُنْشَرُ وَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَيْعُهُمَا جُزَافًا؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ الْمَشَقَّةُ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى مِعْيَارٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مُعْتَادٍ، وَمِمَّا لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ جُزَافًا مَا لَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ كَحَمَامِ حَيٍّ فِي بُرْجِهِ، وَلَا مَا كَانَ مَدْخُولًا عَلَيْهِ كَامْلَأْ لِي هَذِهِ الْغِرَارَةَ مِنْ ذَلِكَ الْحَبِّ بِدِينَارٍ مَعَ وُجُودِ الْمِكْيَالِ الشَّرْعِيِّ أَوْ الْمُعْتَادِ إلَّا فِي نَحْوِ التِّينِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّ قَفَصَهُمَا كَالْمِكْيَالِ الشَّرْعِيِّ لَهُمَا. ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفِ يَتَكَلَّمُ عَلَى بَابِ التَّدَاخُلِ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَهَبَ الْمَالِكُ أَوْ يَبِيعَ أَرْضًا أَوْ شَجَرًا أَوْ يَسْكُتَا عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ أَوْ دُخُولِ الْأَرْضِ، فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنَاءِ يَتَنَاوَلُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ عَلَى الشَّجَرِ. قَالَ خَلِيلٌ: تَنَاوُلُ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ الْأَرْضَ وَتَنَاوَلَتْهُمَا وَالْبَذْرَ لَا الزَّرْعَ فَلَا تَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ الْأَرْضِ، بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ كَجُزْءٍ مِنْهَا، وَمِثْلُ الزَّرْعِ الْمَدْفُونُ فَلَا تَتَنَاوَلُهُ، وَهُوَ لِلْبَائِعِ إنْ ادَّعَاهُ وَأَشْبَهَ، وَإِلَّا كَانَ لُقَطَةً، وَقَوْلُنَا وَيَسْكُتَا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ شَرَطَا هَدْمَ الْبِنَاءِ أَوْ قَطْعَ الشَّجَرِ فَلَا يَتَنَاوَلَانِهَا. وَالْعَادَةُ كَالشَّرْطِ، وَقَدْ يَقْتَضِي الْعَقْدُ النَّقْصَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا) مُثْمِرًا فَإِنْ كَانَتْ (قَدْ أُبِّرَتْ) كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا (فَثَمَرَتُهَا) بَاقِيَةٌ (لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ) فَتَكُونُ (لَهُ) عَمَلًا بِالشَّرْطِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُشْتَرِي»، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْبُورَةٍ أَوْ أُبِّرَ مِنْهَا دُونَ النِّصْفِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْأَصْلِ، وَأَمَّا لَوْ أُبِّرَ نِصْفُهَا لَكَانَ لِكُلٍّ حُكْمُهُ، فَالْمُؤَبَّرُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ. وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْبَائِعِ لِغَيْرِ الْمُؤَبَّرِ، فَصَحَّحَ فِي الشَّامِلِ الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُبْقًى. قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَشَهَرَ بَعْضٌ الْمَنْعَ كَمَنْعِ اسْتِثْنَاءِ الْجَنِينِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَى. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ بَيْعُهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِأَصْلِهَا، وَاشْتِرَاطُ بَعْضِهَا يَقْتَضِي قَصْدَ بَيْعِهَا لِذَاتِهَا وَعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ. الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا مُثْمِرًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ مَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا نَخْلٌ مُثْمِرٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأَرْضِ يَتَنَاوَلُ مَا فِيهَا مِنْ شَجَرٍ أَوْ بِنَاءٍ، وَأَمَّا الثَّمَرُ الَّذِي يَكُونُ مُؤَبَّرًا عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ خَلِيلٌ كَالْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ لَهُ، فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِأَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي قَائِلًا بِأَنَّ تَنَاوُلَ الْأَرْضِ لِأَصْلِهِ يَقْتَضِي تَنَاوُلَهَا لِفَرْعِ الْأَصْلِ بِالْأَوْلَى، وَرَدَّ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ: «مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ» وَأَقُولُ: لَا يَحْسُنُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْعَقْدُ عَلَى ذَاتِ النَّخْلِ، وَفَتْوَى ابْنُ عَتَّابٍ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْأَرْضُ لَا ذَاتُ النَّخْلِ وَالْأَرْضُ تَتَنَاوَلُهُ فَكَيْفَ لَا تَتَنَاوَلُ تَمْرَهُ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ سَقْيُ النَّخْلِ الَّذِي ثَمَرُهُ لِلْبَائِعِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى السَّقْيِ. وَفِي خَلِيلٍ: أَنَّ السَّقْيَ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ، وَعِنْدَ عَدَمِهَا لِكُلٍّ السَّقْيُ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْآخَرِ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ كَوْنِ الثَّمَرِ الْمُؤَبَّرِ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُمْ لَوْ تَنَازَعَا فِي الِاشْتِرَاطِ وَعَدَمِهِ لَكَانَ الْقَوْلُ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ حَتَّى يُثْبِتَ الْمُشْتَرِي اشْتِرَاطَهُ. الرَّابِعُ: إنَّمَا أَنَّثَ الْمُصَنِّفُ الضَّمِيرَ الْعَائِدَ عَلَى نَخْلًا فِي قَوْلِهِ: قَدْ أُبِّرَتْ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ وَالنَّخِيلَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَيَجُوزُ فِي الضَّمِيرِ الْعَائِدِ عَلَيْهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، وَمِنْهُ: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] وَلَمَّا كَانَ غَيْرُ النَّخْلِ كَالنَّخْلِ فِي كُلِّ مَا تَقَدَّمَ قَالَ: (وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ الثِّمَارِ) كَالْخَوْخِ وَالتِّينِ وَالْعِنَبِ، فَالثَّمَرُ الْمُؤَبَّرُ كُلُّهُ أَوْ جُلُّهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، وَغَيْرُهُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْبَائِعُ. ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ التَّأْبِيرِ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِبَارُ) مُخْتَلِفٌ فَفِي النَّخْلِ (التَّذْكِيرُ)، وَهُوَ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى لِئَلَّا تَسْقُطَ ثَمَرَتُهَا وَيُقَالُ لَهُ اللِّقَاحُ، وَقِيلَ شَقُّ الطَّلْعِ عَنْ الثَّمَرَةِ، وَفِي غَيْرِ النَّخْلِ كَالْخَوْخِ وَالتِّينِ أَنْ تُبْرَزَ الثَّمَرَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا وَتَتَمَيَّزَ بِحَيْثُ تَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ. (وَإِبَارُ الزَّرْعِ) وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ ذِي الثَّمَرِ كَالْبِرْسِيمِ وَالْقَرَظِ (خُرُوجُهُ مِنْ أَرْضِهِ) فَمَنْ ابْتَاعَ أَرْضًا ذَاتَ زَرْعٍ ظَاهِرٍ لِلنَّاظِرِ يَكُونُ زَرْعُهَا لِبَائِعِهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، كَمَنْ اشْتَرَى نَخْلًا مُؤَبَّرًا كُلَّهُ أَوْ جُلَّهُ، وَمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا مَبْذُورَةً لَمْ يَبْرُزْ زَرْعُهَا فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ بَذْرَهَا كَمَا قَدَّمْنَا. (وَ) مِثْلُ مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا (مَنْ بَاعَ عَبْدًا) يَمْلِكُ جَمِيعَهُ (وَلَهُ مَالٌ) سِوَى ثِيَابِ مِهْنَتِهِ (فَمَالُهُ) جَمِيعُهُ بَاقٍ (لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) كُلَّهُ (الْمُبْتَاعُ) فَيَكُونَ لَهُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا
[ ٢ / ١٠٥ ]
[البيع والشراء على البرنامج]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي»، وَإِذَا كَانَ مَالُهُ لَا يَتْبَعُهُ فَأَحْرَى وَلَدُهُ. وَقَوْلُنَا: يَمْلِكُ جَمِيعَهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ، فَإِنَّ مَالَ الْمُشْتَرَكِ يَكُونُ لِمُشْتَرِيهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الشُّرَكَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ انْتِزَاعُهُ إلَّا بِمُوَافَقَةِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْبَائِعُ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَإِنَّ مَالَهُ يَبْقَى بِيَدِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ فِي يَوْمِ نَفْسِهِ، وَإِذَا مَاتَ وَرَثَةُ الْمُتَمَسِّكِ بِالرِّقِّ، وَقَوْلُنَا: سِوَى ثِيَابِ مَهْنَتِهِ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ خِدْمَتِهِ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَى ذَاتِ الْعَبْدِ يَتَنَاوَلُهَا، وَاخْتُلِفَ لَوْ شَرَطَهَا الْبَائِعُ هَلْ يُوَفَّى لَهُ بِشَرْطِهِ أَوْ لَا خِلَافَ، وَقَوْلُنَا: كُلُّهُ احْتِرَازٌ عَلَى اشْتِرَاطِ بَعْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، كَمَا لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ بَعْضِ الصُّبْرَةِ أَوْ بَعْضِ الزَّرْعِ أَوْ حِلْيَةِ السَّيْفِ أَوْ أَحَدِ عَبْدَيْنِ يَبِيعُهُمَا وَيَسْتَثْنِي مَالَ أَحَدِهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ الْمُرَادُ يَشْتَرِطُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْعَبْدِ؟ . وَالْحُكْمُ الْجَوَازُ فِيهِمَا وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، لَكِنْ فِي اشْتِرَاطِهِ لِلْعَبْدِ الْبَيْعُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا، وَأَمَّا فِي اشْتِرَاطِهِ لِنَفْسِ الْمُشْتَرِي فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَبْدِ مِمَّا يُبَاعُ بِهِ مَالُهُ، وَأَنْ يَشْتَرِطَهُ جَمِيعَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، وَهَذَا عَلَى اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ، وَأَمَّا عَلَى اخْتِيَارِ ابْنِ نَاجِي حَيْثُ قَالَ: مَالُ الْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ لِبَيْعِهِ كَالْعَدَمِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، وَلَا يُرَاعَى فِيهِ رِبًا وَلَا صَرْفُ مُسْتَأْخِرٍ وَلَا تَفَاضُلٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَبَعٌ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ نَاجِي سَوَاءٌ قَالَ الْمُشْتَرِي: أَشْتَرِيهِ بِمَالِهِ، أَوْ قَالَ: أَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ وَمَالَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَمَالُهُ مَعَ مَالِهِ، وَصَلَ الْأَقْفَهْسِيُّ بَيْنَ قَوْلِهِ بِمَالِهِ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَشْتَرِيهِ وَمَالَهُ فَيُرَاعَى فِيهِ الرِّبَا، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا لَا يَجُوزُ بِعَيْنٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَقَوْلُ ابْنِ نَاجِي عَلَى الْمَعْرُوفِ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَطَهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُشْتَرَطَ فَإِنَّ الْعَقْدَ يُفْسَخُ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بَاعَ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ دَفَعَهُ صَدَاقًا أَوْ خَالَعَتْ بِهِ الزَّوْجَةُ فَمَالُهُ لِلزَّوْجِ فِي الْأُولَى وَلِلزَّوْجَةِ فِي الثَّانِيَةِ، إلَّا أَنْ تَشْتَرِطَهُ الزَّوْجَةُ فِي الْأُولَى أَوْ الزَّوْجُ فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنْ كَانَ بِعِتْقٍ أَوْ كِتَابَةٍ فَإِنَّ مَالَهُ يَتْبَعُهُ وَلَوْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُنْزَعُ مَالُهُ كَمَا يُشِيرُ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْزِعَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مَالَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِعَهُ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَقِيلَ مَالُهُ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ لِلْمُعْطَى لَهُ، وَقِيلَ يَبْقَى لِلْمُعْطِي بِالْكَسْرِ. الثَّالِثُ: إسْنَادُ الْمَالِ لِلْعَبْدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْلِكُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ بِدَلِيلِ عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ وَجَوَازِ انْتِزَاعِ السَّيِّدِ لِمَا لَهُ. الرَّابِعُ: مِثْلُ الثِّمَارِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَمَالِ الْعَبْدِ فِي كَوْنِهِمَا لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمَا الْمُشْتَرِي خِلْفَةُ الْقَصِيلِ كَالْقَرَظِ وَالْبِرْسِيمِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُجَدُّ وَيَخْلُفُ كَالْمُلُوخِيَّةِ، فَإِنَّ خِلْفَتَهُ لِبَائِعِهِ حَتَّى يَشْتَرِطَهَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ اشْتِرَاطُهَا حَيْثُ كَانَتْ فِي أَرْضٍ مَأْمُونَةٍ كَأَرْضِ السَّقْيِ، وَيُشْتَرَطُ جَمِيعُهَا، وَأَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُهَا بِعَدِيدٍ وَصَلَاحِ أَصْلِهَا. الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ جَوَازِ شِرَاءِ الْمُشْتَرِي لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْبَائِعِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْهُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْخِلْفَةِ أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةً، وَأَنْ يَكُونَ شِرَاؤُهَا قَبْلَ جُذَاذِ أَصْلِهَا؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ حِينَئِذٍ تَابِعٌ. [الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ] وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْغَيْبَةِ فِي الْمَبِيعِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ مَنْعُ بَيْعِ مَا فِي الْبَرْنَامَجِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ) وَبَيْعِ (مَا فِي الْعِدْلِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ الثِّيَابِ مُعْتَمَدِينَ (عَلَى الْبَرْنَامَجِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ) مَكْتُوبَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْعِدْلِ فَلَا بَأْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَوَازُ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ وَعَلَى الْبَرْنَامَجِ. قَالَ شُرَّاحُهُ: أَوْ جَازَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ وَكَانَ الْأَصْلُ مَنْعَهُ حَتَّى يُنْظَرَ بِالْعَيْنِ لَكِنَّهُ أُجِيزَ لِمَا فِي حَلِّ الْعِدْلِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ تَلْوِيثِ مَا فِيهِ، وَمُؤْنَةِ شَدِّهِ إلَى أَنْ يَرْضَهُ الْمُشْتَرِي فَأُقِيمَتْ الصِّفَةُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، فَإِنْ وُجِدَ عَلَى الصِّفَةِ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ، وَإِلَّا خُيِّرَ الْمُشْتَرِي، وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ الْمَعْلُومَةِ بَيَانُ عِدَّةِ الثِّيَابِ وَأَصْنَافِهَا وَذَرْعِهَا وَصِفَتِهَا.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَوْ تَنَازَعَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِ الْمَتَاعِ وَالْغَيْبَةِ عَلَيْهِ، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الثِّيَابَ الَّتِي فِي الْعِدْلِ مُوَافِقَةً لِمَا فِي الدَّفْتَرِ الَّذِي هُوَ الْبَرْنَامَجُ، وَالْحَالُ أَنَّ الدَّفْتَرَ قَدْ ضَاعَ أَوْ حُرِقَ أَوْ كَانَ مَوْجُودًا مَعَهُ، وَادَّعَى الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّ مَا أَتَى بِهِ غَيْرَ مَا وَجَدَهُ فِي الْعِدْلِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ مُدَّعٍ لِبَيْعِ بَرْنَامَجٍ أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لِلْمَكْتُوبِ الْمُرَادِ فِي بَيْعِ بَرْنَامَجٍ، فَاللَّامُ بِمَعْنَى فِي، وَصِفَةُ يَمِينِهِ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ مَا فِي الْعِدْلِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْبَرْنَامَجِ، وَحَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى أَنَّ الْبَرْنَامَجَ ضَاعَ أَوْ حُرِقَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا لَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.
(٣) الثَّانِي: لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الثِّيَابَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا فِي الْبَرْنَامَجِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى خَمْسِينَ ثَوْبًا مَثَلًا فَوَجَدَ زِيَادَةَ ثَوْبٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ الْبَائِعُ شَرِيكًا لِلْمُشْتَرِي بِجُزْءٍ مِنْ
[ ٢ / ١٠٦ ]
يُوصَفُ.
أَوْ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ لَا يَتَأَمَّلَانِهِ، وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ.
وَلَا يَسُومُ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا. وَفِي رِوَايَةٍ: بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا، وَقَوْلُ مَالِكٍ: بِجُزْءٍ مِنْ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ جُزْءًا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْحَقُّ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ بِجُزْءٍ مِنْ أَحَدٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا، وَاعْتَذَرَ ابْنُ اللَّبَّادِ عَنْ مَالِكٍ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ اللِّفَافَةَ فِي الْعَدَدِ، وَإِنْ نَاقَشَ فِيهِ عِيَاضٌ قَائِلًا: اللِّفَافَةُ مَلْغِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الثِّيَابِ فَهِيَ كَحَبْلِ الشَّدِّ، وَإِنْ وَجَدَ فِيهِ أَقَلَّ بِأَنْ وَجَدَ فِيهِ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَوْبًا وُضِعَ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا، فَإِنْ كَثُرَ النَّقْصُ رَدَّ الْمَبِيعَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَخْذُهُ، وَمَحَلُّ الشَّرِكَةِ عِنْدَ الزِّيَادَةِ، وَالْوَضْعُ عِنْدَ ظُهُورِ النَّقْصِ إذَا كَانَ مَا فِي الْعِدْلِ مُتَّحِدِ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا كَمَا لَوْ كَانَ فِيهِ عَشَرَةٌ مِنْ الشَّاشِ وَعَشَرَةٌ مِنْ البفت ثُمَّ وُجِدَتْ الزِّيَادَةُ فِي أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَوْ النَّقْصِ لَكَانَ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْوَضْعُ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ فَقَطْ. الثَّالِثُ: الْبَرْنَامَجِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ لَفْظَةٌ فَارِسِيَّةٌ اسْتَعْمَلَتْهَا الْعَرَبُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا الدَّفْتَرُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ صِفَةُ مَا فِي الْعِدْلِ الَّذِي هُوَ الْغِرَارُ. قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ - ﵀ -: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ، بَلْ لَوْ حَفِظَ الْبَائِعُ عَدَدَ الْعِدْلِ وَصِفَتَهُ وَبَاعَهُ عَلَى عَدَدِهِ وَوَصْفِهِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا، وَذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ بَرْنَامَجًا مَصْرُوفٌ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْأَعْجَمِيُّ إنَّمَا يُمْنَعُ صَرْفُهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ عَلَمًا فِي اللُّغَةِ الْأَعْجَمِيَّةِ. الرَّابِعُ: مِثْلُ بَائِعِ مَا فِي الْبَرْنَامَجِ فِي قَبُولِ قَوْلِهِ الصَّيْرَفِيُّ، وَالْمُقْرِضُ يَدَّعِي الْقَابِضَ مِنْهُمَا أَنَّهُ وَجَدَ مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا أَوْ نَاقِصًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا دَفَعْت إلَّا جَيِّدًا. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى بَيْعِ الْبَرْنَامَجِ: وَعَدَمُ دَفْعِ رَدِيءٍ أَوْ نَاقِصٍ، وَصِفَةُ يَمِينِهِ أَنْ يَحْلِفَ مَا يَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَمَا دَفَعْت إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِي، إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ فَيَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ. وَلَمَّا كَانَتْ عِلَّةُ جَوَازِ الْبَيْعِ عَلَى الْبَرْنَامَجِ كَثْرَةَ الْمَشَقَّةِ بِحَلِّ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا وَنَشْرِهَا لِكَثْرَتِهَا ذَكَرَ مُحْتَرَزَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ) مَطْوِيٍّ يَشْتَرِطُ بَائِعُهُ عَلَى مُشْتَرِيهِ أَنَّهُ (لَا يُنْشَرُ) لَهُ (وَلَا يُوصَفُ) لَهُ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَا سَبَقَ لَهُ رُؤْيَةٌ بَلْ يَبِيعُهُ عَلَى اللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ لَمْسِهِ بِيَدِهِ وَلَا يُقَلِّبُهُ وَلَا يَعْرِفُ مَا فِيهِ. قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ: وَكَمُلَامَسَةِ الثَّوْبِ أَوْ مُنَابَذَتِهِ فَيَلْزَمُ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهُ عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ لَجَازَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ نَوْعَهُ وَلَا جِنْسَهُ. وَقَوْلُهُمْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ الْعِلْمُ بِالْمَبِيعِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيْعِ الْبَتِّ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَا يُنْشَرُ وَلَا يُوصَفُ أَنَّهُ لَوْ نُشِرَ لَجَازَ الشِّرَاءُ، وَلَوْ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا لَوْ وُصِفَ فَلَا يَجُوزُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ فِي الشَّيْرَجِ الْمُدْرَجِ فِي جِرَابِهِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي رُؤْيَتِهِ فَسَادٌ، وَإِلَّا اُتُّفِقَ عَلَى الْجَوَازِ، كَمَا أَجَازُوا بَيْعَ قِلَالِ الْخَلِّ الْمُطَيَّنَةِ إذَا كَانَ الْفَتْحُ يُفْسِدُهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَمْلُوءَةً أَوْ يُعْلَمُ مَا نَقَصَ مِنْهَا مِنْ ثُلُثٍ وَنَحْوِهِ، وَيَكْفِي عِلْمُ الْمُشْتَرِي وَلَوْ مِنْ الْبَائِعِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ مَا فِي الْبَرْنَامَجِ عَلَى الْوَصْفِ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةَ، فَأَوْلَى لِدَفْعِ الْفَسَادِ الْمُؤَدِّي إلَى تَلَفِ الْمَالِ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ. (أَوْ) أَيْ وَكَذَا لَا يَجُوزُ شِرَاءُ ثَوْبٍ (فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ) وَالْحَالُ أَنَّ الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ (لَا يَتَأَمَّلَانِهِ وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اللُّزُومِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْبَيْعِ عَلَى اللُّزُومِ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَدَمُ جَهْلٍ بِمَثْمُونٍ أَوْ ثَمَنٍ وَلَوْ تَفْصِيلًا، وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجُوزُ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ جِنْسَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَا نَوْعَهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ يُوهِمُ أَنَّ الْمُقْمِرَ يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى اللُّزُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُقْمِرُ كَالْمُظْلِمِ، وَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ لَفْظِ مُظْلِمٍ أَوْ ذِكْرِ مُقْمِرٍ مَعَ حَذْفِ مُظْلِمٍ لِيَكُونَ نَاصًّا عَلَى الْمُتَوَهِّمِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءٌ بِلَيْلٍ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ، بَلْ لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ نَهَارًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى الْبَتِّ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى الْخِيَارِ فَلَا بُطْلَانَ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَغَائِبٍ: وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ. الثَّانِي: قَوْلُهُ: لَا يَتَأَمَّلَانِهِ وَلَا يَعْرِفَانِ مَا فِيهِ جَعَلَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَالتَّعْلِيلِ لِسَابِقِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي اللَّيْلِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ الشِّرَاءُ فِي اللَّيْلِ لِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ لَيْلًا وَلَوْ تَأَمَّلَاهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْأُمَّهَاتِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَبِيعِ لَا تُدْرَكُ لَيْلًا. وَفِي مُخْتَصَرِ الْبُرْزُلِيِّ: إذَا كَانَ الْعَاقِدُ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِالْقَمَرِ مِثْلَ النَّهَارِ جَازَ. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي شَهَادَةٍ. الثَّالِثُ: إنَّمَا ثَنَّى الضَّمِيرَ فِي يَتَأَمَّلَانِهِ وَيَعْرِفَانِ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ الْعِلْمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَالْبَائِعُ قَدْ لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَا عِنْدَهُ فَسَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُشْتَرِي لِعِلْمِ الْبَائِعِ بِشَيْئِهِ، وَثُبُوتُ النُّونِ فِي يَتَأَمَّلَانِهِ وَيَعْرِفَانِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ؛ لِأَنَّ لَا نَافِيَةٌ، وَأَمَّا عَلَى نُسْخَةِ إسْقَاطِهَا فَهُوَ عَلَى إجْرَاءِ لَا النَّافِيَةِ مَجْرَى النَّاهِيَةِ، أَوْ عَلَى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ تَحْذِفُ نُونَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ لِمُجَرَّدِ التَّخْفِيفِ، وَجَاءَ عَلَيْهَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَذَلِكَ إذَا رَكَنَا وَتَقَارَبَا لَا فِي أَوَّلِ التَّسَاوُمِ.
وَالْبَيْعُ يَنْعَقِدُ بِالْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقْ الْمُتَبَايِعَانِ.
وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ.
إذَا ضَرَبَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَبَيْتُ أَسْرِي وَتَبِيتِي تُدَلِّكِي وَجْهَك بِالْعَنْبَرِ وَالْمِسْكِ الزَّكِيّ «وَقَوْلُهُ - ﷺ -: كَمَا تَكُونُوا يُوَلَّى عَلَيْكُمْ» وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الدَّابَّةَ كَالثَّوْبِ قَالَ: (وَكَذَلِكَ) لَا يَجُوزُ شِرَاءُ (الدَّابَّةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ لَا. (فِي لَيْلٍ) مُقْمِرٍ وَأَوْلَى (مُظْلِمٍ) عَلَى مَا عَلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا أَشْهَبُ فَفَصَّلَ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِاللَّيْلِ حَيْثُ كَانَ الْمَقْصُودُ لَحْمَهُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِبَارُهُ بِاللَّيْلِ فَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ بِاللَّيْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شِرَاءَ الْحُوتِ وَنَحْوِهِ مِنْ الطُّيُورِ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي يُرَادُ مِنْهَا اللَّحْمُ، وَمُلَخَّصُ مَا فُهِمَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إنْ عَلِمَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ إدْرَاكُهُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي النَّهَارِ عَنْ إدْرَاكِهِ لَهُمَا فِي اللَّيْلِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ لُبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَنَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ» فَالْمُلَامَسَةُ هِيَ لُزُومُ الْمَبِيعِ بِلَمْسِ الرَّجُلِ ثَوْبَ الْآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ وَلَا يُقَلِّبُهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ لِآخَرَ وَلَا يَلْمِسَهُ وَلَا يَنْشُرَهُ بَلْ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِمُجَرَّدِ طَرْحِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إحَاطَةٍ بِحَالِهِ، وَاللُّبْسَتَانِ إحْدَاهُمَا اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقِيهِ فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللُّبْسَةُ الثَّانِيَةُ اخْتِبَاؤُهُ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْخِيَارِ لَجَازَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَمْرًا مُشَارِكًا لِمَا قَبْلَهُ فِي النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَسُومُ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ) أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ بَيْنَ صَاحِبِ الْعَطَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَقَدْ نَهَى - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْضَ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِهِ» وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي فَهْمِ الْحَدِيثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ أَنَّ السَّوْمَ وَالْبَيْعَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ عَلَى عَطَاءِ الْغَيْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُمَا شَيْئَانِ فَالسَّوْمُ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ، وَالْبَيْعُ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّمَنِ الَّذِي هُوَ السِّلْعَةُ. وَمِثَالُهُ أَنْ يَحْضُرَ شَخْصٌ لِصَاحِبِ سِلْعَةٍ وَيُرِيدُ شِرَاءَهَا مِنْهُ فَيَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ بِسِلْعَةٍ وَيَقُولُ لِمَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ الْمَذْكُورَ: سِلْعَتِي هَذِهِ خَيْرٌ لَك مِنْ سِلْعَةِ فُلَانٍ الَّتِي أَرَدْت شِرَاءَهَا، وَأَنَا أَرْضَى مِنْك بِمَا أَعْطَيْت فِي سِلْعَةِ فُلَانٍ. وَلَا شَكَّ فِي حُرْمَةِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّبَاغُضِ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ السَّوْمِ مَشْرُوطَةً بِمَا إذَا كَانَ الْبَائِعُ رَكَنَ إلَى الْمُشْتَرِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ وَمَحَلُّ حُرْمَةِ السَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ (إذَا رَكَنَا) أَيْ الْمُتَعَاقِدَانِ أَيْ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَفَسَّرَ التَّرَاكُنَ بِقَوْلِهِ: (وَتَقَارَبَا) بِأَنْ مَالَ الْبَائِعُ إلَى الْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي إلَى الشِّرَاءِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِاللَّفْظِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَطَاءِ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ يَعْرِضَ لَهُ سِلْعَةً أُخْرَى يُرَغِّبُهُ فِيهَا حَتَّى يَعْرِضَ عَنْ الْأُولَى، وَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْ تَفْسِيرِ الرَّاسِخِينَ، وَبَيَانِ الْمُتَفَقِّهِينَ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِيمَا تَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ أَنْ يَسُومَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ إذَا رَكَنَ الْبَائِعُ إلَى السَّائِمِ وَجَعَلَ يَشْتَرِطُ وَزْنَ الدَّرَاهِمِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ الْعُيُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَنَّ الْبَائِعَ رَكَنَ إلَى الْمُشْتَرِي، فَهَذَا الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَيَّنَ مَفْهُومَ إذَا رَكَنَا بِقَوْلِهِ: (لَا مِنْ أَوَّلِ التَّسَاوُمِ) فَلَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - ﵁ -: أَمَّا قَبْلَ التَّرَاكُنِ وَالتَّقَارُبِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ لَدَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْبَاعَةِ فِي سِلَعِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَخْسِهَا وَبَيْعِهَا بِالنَّقْصِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ، وَإِنْ فَهِمَ مِنْ التَّقْيِيدِ رَدًّا عَلَى مَنْ كَرِهَ التَّزَايُدَ فِي السِّلْعَةِ مُطْلَقًا مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِي النَّهْيِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ الْغَيْرِ قَبْلَ التَّرَاكُنِ أَوْ أَرَادَ السَّائِمُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ بِسَوْمِهَا وَالزِّيَادَةِ فِي ثَمَنِهَا غُرُورَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاجِشًا، وَقَدْ «نَهَى - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلَا تَنَاجَشُوا»
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَنْ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ طَلَبَ مُرِيدُ الشِّرَاءِ مِنْ الْغَيْرِ الْكَفَّ عَنْ الْعَطَايَا فِي السِّلْعَةِ لِيَأْخُذَهَا بِرُخْصٍ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ سُؤَالُ الْبَعْضِ لِيَكُفَّ عَنْ الزِّيَادَةِ لَا الْجَمْعِ، وَلَا الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ كَالْجَمْعِ فِي كَوْنِهِ مُقْتَدًى بِهِ، فَإِنْ خَالَفَ الْجَائِزَ وَسَأَلَ مَنْ لَا يَجُوزُ سُؤَالَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ خُيِّرَ الْبَائِعُ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ رَدِّهَا وَعَدَمِهِ، فَإِنْ أَمْضَى بَيْعَهَا فَالْجَمِيعُ فِيهَا شُرَكَاءُ لِتَوَاطُئِهِمْ عَلَى تَرْكِ الزِّيَادَةِ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ أَوْ تَلِفَتْ، وَلِلْمُبْتَاعِ أَنْ يُلْزِمَهُمْ الشَّرِكَةَ إنْ نَقَصَتْ أَوْ تَلِفَتْ، وَلَهُمْ الدُّخُولُ مَعَهُ قَهْرًا عَلَيْهِ إنْ زَادَتْ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهَا فِي سُوقِهَا أَمْ لَا، كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ أَمْ لَا، وَإِنْ فَاتَتْ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ عَلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ. الثَّانِي: اسْتَثْنَى بَعْضُ الشُّيُوخِ مِنْ النَّهْيِ عَنْ السَّوْمِ الْمَذْكُورِ سَوْمَ مَا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا مِنْ سِلَعِ الْمُفْلِسِ أَوْ مِنْ التَّرِكَةِ الَّتِي يَبِيعُهَا لِلْأَيْتَامِ، وَكَذَا مَا بِيعَ فِي الْمَغَانِمِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَبِيعُهُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّزَايُدُ فِيهِ وَلَوْ كَانَ لِغَيْرٍ أَعْطَى فِيهِ وَحَصَلَ التَّرَاكُنُ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ قَبُولَ الزِّيَادَةِ،
[ ٢ / ١٠٨ ]