[أسباب العدة]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] إذَا حُرِّمَتْ الْمُرْضِعَةُ عَلَى الرَّضِيعِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا لِأَنَّهُنَّ جَدَّاتٌ، وَأَخَوَاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا، وَأَوْلَادُهَا مِنْ الْجِهَتَيْنِ إخْوَةٌ، وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الْإِخْوَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْلَادُ الرَّضِيعِ أَحْفَادُ الْمُرْضِعَةِ، وَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي الرَّضِيعِ وَلَا عَلَى أَخِيهِ، وَكَذَلِكَ زَوْجُ الْمُرْضِعَةِ أَوْ الْمُرْتَضِعِ، وَأَبُوهُ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمٌّ، وَوَلَدُهُ أَخٌ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ حَلَالٍ وَلَوْ مِنْ حَرَامٍ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ مِنْهُ بِصَاحِبِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الرَّضِيعَ يَصِيرُ أَخًا لِأَوْلَادِ فَحْلِ الْمُرْضِعَةِ، وَلَوْ كَانَ رَضَعَ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ذَلِكَ الْفَحْلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا يَكُونُ أَخًا لِبَنَاتِ ذَلِكَ الْفَحْلِ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا إذَا كَانَ قَدْ وَطِئَ الْمُرْضِعَةَ وَأَنْزَلَ قَبْلَ الْإِرْضَاعِ حَتَّى يَصْدُقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ لَبَنِ ذَلِكَ الْفَحْلِ، وَأَمَّا لَوْ رَضَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ نِكَاحِهِ إيَّاهَا ثُمَّ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الرَّضَاعِ فَلَا تَكُونُ بَنَاتُهُ أَخَوَاتٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهِ حَتَّى يَكُونَ ابْنًا لَهُ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجُوزُ لِلرَّبِيبِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ امْرَأَةِ أَبِيهِ مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ حَيْثُ شَرَطُوا عَدَمَ رَضَاعِهَا مِنْ لَبَنِ أَبِيهِ بِأَنْ فُطِمَتْ قَبْلَ نِكَاحِ أَبِيهِ لِأُمِّهَا. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ أَرْضَعَ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يَقُولَ: أَرْضَعَتْ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْفَاعِلَ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ، وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمِرٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حَرْ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إلَى لَفْظِ مَنْ فَاتَهُ يَجُوزُ مُرَاعَاةُ لَفْظِهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣١] إذْ لَوْ رَاعَى الْمَعْنَى لَقَالَ: وَمَنْ تَقْنُتْ لِأَنَّ التَّاءَ مَعَ الْمُضَارِعِ كَالتَّاءِ مَعَ الْمَاضِي فِي اللُّزُومِ، وَقَوْلُهُ: فَبَنَاتُهَا وَبَنَاتُ فَحْلِهَا إخْوَةٌ، كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَخَوَاتٌ لِأَنَّهُ جَمْعُ أُخْتٍ وَإِخْوَةً جَمْعُ أَخٍ الْمَذْكُورِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ رَاعَى لَفْظَ مَا مِنْ قَوْلِهِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِ بَنَاتِهَا أَخَوَاتٍ لِلرَّضِيعِ وَعَدَمِ حِلِّهِنَّ لِإِخْوَتِهِ قَالَ: (وَ) يَجُوزُ (لِأَخِيهِ) أَيْ ذَلِكَ الصَّبِيِّ نَسَبًا (نِكَاحُ بَنَاتِهَا) لِأَنَّ الَّذِي يُقَدَّرُ وَلَدًا لِلْمُرْضِعَةِ خُصُوصُ الرَّضِيعِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ وَلِصَاحِبِهِ مِنْ وَطْئِهِ، فَكَأَنَّهُ حَاصِلٌ مِنْ بَطْنِهَا وَمِنْ ظَهْرِهِ وَفُرُوعُهُ كَهُوَ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُرْضِعَةُ وَأُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَعَمَّاتُهَا وَخَالَاتُهَا كَمَا تَحْرُمُ عَلَى فُصُولِهِ، وَلَا تَحْرُمُ عَلَى أُصُولِهِ وَلَا عَلَى إخْوَتِهِ، وَيَسْتَمِرُّ كُلُّ مَنْ رَضَعَ وَلَدًا لِصَاحِبِ اللَّبَنِ لِانْقِطَاعِهِ وَإِنْ بَعْدَ سِنِينَ وَاشْتَرَكَ مَعَ الْقَدِيمِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ أُصُولَ الرَّضِيعِ مَعَ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ إخْوَتُهُ أَجَانِبُ فِي تِلْكَ الْمُرْضِعَةِ فَتَحِلُّ لَهُنَّ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ وَلِصَاحِبِهِ مَنْ وَطْئِهِ لِانْقِطَاعِهِ وَإِنْ بَعْدَ سِنِينَ فَمُحْتَرِزٌ خَاصَّةً أُصُولُهُ وَإِخْوَتُهُ، وَأَمَّا فُصُولُهُ فَلَمْ يُحْتَرَزْ بِخَاصَّةٍ عَنْهَا بَلْ هُمْ مِثْلُهُ فِي الْحُرْمَةِ كَمَا ذَكَرْنَا. (تَتِمَّتَانِ) الْأُولَى: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الرَّضَاعُ، وَبَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَبِامْرَأَتَيْنِ إنْ فَشَا قَبْلَ الْعَقْدِ، سَوَاءٌ كَانَتَا أَجْنَبِيَّتَيْنِ أَوْ أُمَّهَاتِهِمَا، قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ شَارِحُ الْمُدَوَّنَةِ، لَا بِامْرَأَةٍ وَلَوْ فَشَا وَلَوْ كَانَتْ عِدْلَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الرَّضَاعِ حَصَلَ فِي زَمَنِ إسْلَامِ الْمَرْأَةِ أَوْ كُفْرِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَرَضَاعُ الْكُفْرِ مُعْتَبَرٌ، فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ رَضَعَ عَلَى كَافِرَةٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَوْلَادِهَا وَلَوْ بَعْدَ إسْلَامِهِنَّ. الثَّانِيَةُ: الرَّضَاعُ عَلَى الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ مُحَرِّمٌ، كَمَا أَنَّ الشَّكَّ فِي وُصُولِ اللَّبَنِ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ مُحَرِّمٌ كَمَا عِنْدَ ابْنِ نَاجِي وَتَبِعَهُ الْخَطَّابُ وَالسَّنْهُورِيُّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. [بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ] [أَسْبَابُ الْعِدَّةِ] وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ قَدْ يَتَسَبَّبُ عَنْ ثُبُوتِ الرَّضَاعِ نَاسَبَ ذِكْرَ بَابِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ:
[ ٢ / ٥٦ ]
بَابٌ فِي الْعِدَّةِ وَالنَّفَقَةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَعِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَالْأَمَةُ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ قُرْءَانِ كَانَ الزَّوْجُ فِي جَمِيعِهِنَّ حُرًّا أَوْ عَبْدًا وَالْأَقْرَاءُ هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ أَوْ مِمَّنْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ فَثَلَاثَةُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بَابٌ فِي) بَيَانُ أَحْكَامِ (الْعِدَّةِ) وَقَدْرِهَا، وَمَنْ تَلْزَمُهَا، وَمَنْ لَا تَلْزَمُهَا، وَمَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرْكُهُ زَمَنَهَا. وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْعُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ مَنْعِ مَنْ طَلَّقَ رَابِعَةً مِنْ نِكَاحِ غَيْرِهَا لَا يُقَالُ لَهُ عِدَّةٌ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْ النِّكَاحِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ كَزَمَنِ الْإِحْرَامِ أَوْ الْمَرَضِ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ مُعْتَدٍ (وَ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ (النَّفَقَةِ) وَهِيَ مَا بِهِ قَوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ دُونَ سَرَفٍ. (وَ) فِي بَيَانِ (الِاسْتِبْرَاءِ) وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ غَامِضٍ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الْأَرْحَامِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ. وَأَسْبَابُ الْعِدَّةِ ثَلَاثَةٌ: مَوْتٌ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ، كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَهَا ثَلَاثَةٌ أَقْرَاءٌ وَشُهُورٌ وَوَضْعُ حَمْلٍ. وَبَدَأَ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ) الْبَالِغِ غَيْرِ الْحَامِلِ (الْمُطَلَّقَةِ) بَعْدَ خَلْوَةِ زَوْجِهَا الْبَالِغِ غَيْرِ الْمَجْبُوبِ خَلْوَةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فِيهَا (ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ) جَمْعُ قَرْءٍ بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ أَطْهَارٍ، وَتَحِلُّ لِغَيْرِ الْمُطَلِّقِ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ، أَوْ الرَّابِعَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، وَلَكِنْ تُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تَتَعَجَّلَ بِالْعَقْدِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ، بَلْ حَتَّى يَمْضِيَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ؛ لِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ فِي الْعِدَّةِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ. وَلَا يُقَالُ: مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ وُجُوبُ التَّأْخِيرِ وَعَدَمُ الْحِلِّ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ الِاسْتِمْرَارُ وَعَدَمُ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ، وَقَيَّدْنَا الْحُرَّةَ بِالْبَالِغِ لِقَوْلِهِ ثَلَاثُ أَقْرَاءٍ، وَبِغَيْرِ الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا وَضْعُ حَمْلِهَا كَمَا يَأْتِي، وَبِالزَّوْجِ الْبَالِغِ؛ لِأَنَّ زَوْجَةَ الصَّبِيِّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْمَوْتِ، وَبِغَيْرِ الْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّ زَوْجَتَهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا مِنْ طَلَاقِهِ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقِيلَ: عَلَيْهَا الْعِدَّةُ إنْ كَانَ يُعَالِجُ وَيُنْزِلُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ خَلِيلٌ، وَعَلَى الثَّانِي عِيَاضٌ، وَإِلَى هَذِهِ الْقُيُودِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: تَعْتَدُّ حُرَّةٌ وَإِنْ كِتَابِيَّةً بِخَلْوَةِ بَالِغٍ غَيْرِ مَجْبُوبٍ أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ إنْ نَفَيَاهُ. وَأَمَّا مَقْطُوعُ الْأُنْثَيَيْنِ قَائِمُ الذَّكَرِ فَيَجِبُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْعِدَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِدَّةِ سَوَاءٌ (كَانَتْ) تِلْكَ الْحُرَّةُ الْمُطَلَّقَةُ (مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً) طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ أَوْ أَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. (وَ) أَمَّا عِدَّةُ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ (الْأَمَةُ وَ) كُلُّ (مَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَمُبَعَّضَةٍ وَأَوْلَى الْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ فَهِيَ (قَرْءَانِ) بِفَتْحِ الْقَافِ أَيْ طُهْرَانِ، فَتَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ، أَوْ الثَّالِثَةِ إنْ طَلُقَتْ فِي حَيْضٍ، وَإِنَّمَا اعْتَدَّتْ بِقَرْأَيْنِ مَعَ أَنَّ الرَّقِيقَ عَلَى النِّصْفِ؛ لِأَنَّ الْقَرْءَ لَا يَتَبَعَّضُ وَسَوَاءٌ (كَانَ الزَّوْجُ فِي جَمِيعِهِنَّ) أَيْ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْقِنِّ، وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ (حُرًّا أَوْ عَبْدًا) لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ بِالْمَرْأَةِ، وَفِي الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالطَّلَاقَ مِنْ الزَّوْجِ. ثُمَّ فَسَّرَ الْأَقْرَاءَ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَقْرَاءُ) مَعْنَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ (هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي) تَحْصُلُ (بَيْنَ الدَّمَيْنِ) خِلَافًا لِمَنْ أَرَادَ بِهَا الْحَيْضَ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ بِلَفْظِ الْأَقْرَاءِ الدِّمَاءَ؛ لِأَنَّ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ قَرْءٌ وَاحِدٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَقْرَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْحَيْضَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، حَيْثُ كَانَتْ تُمَيِّزُ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا كَانَتْ مُرْتَابَةً، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا. (تَنْبِيهٌ) . مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إشْكَالٌ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَسَّرَهَا بِالدِّمَاءِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَيَانُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهَا حِلُّهَا قَبْلَ الثَّلَاثَةِ أَقْرَاءٍ إذَا كَانَ طَلَاقُهَا فِي آخِرِ طُهْرٍ؛ لِأَنَّهَا تَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْمُنْقَضِي طُهْرَانِ وَبَعْضُ طُهْرٍ، وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِأَنَّ الْجَمْعَ قَدْ أُطْلِقَ فِي كَلَامِهِ - تَعَالَى - عَلَى مُعْظَمِ الْمُدَّةِ
[ ٢ / ٥٧ ]
[عدة الحامل]
أَشْهُرٍ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.
وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ سَنَةٌ.
وَعِدَّةُ الْحَامِلِ فِي وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَضْعُ حَمْلِهَا كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَالْمُطَلَّقَةُ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] كَ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] مَعَ أَنَّهُ فِي شَهْرَيْنِ وَعَشْرِ لَيَالٍ، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ طُهْرٍ كَامِلٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاعْتَدَّتْ بِطُهْرِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَحْظَةً. لَمَّا فَرَغَ مِنْ عِدَّةِ ذَاتِ الْحَيْضِ شَرَعَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهَا فَقَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ) الْمُطَلَّقَةُ (مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ وَلَكِنْ مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ (أَوْ) كَانَتْ كَبِيرَةً لَكِنْ (قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ) بِأَنْ جَاوَزَتْ السَّبْعِينَ (فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) عِدَّتُهَا (فِي) حَقِّ (الْحُرَّةِ، وَ) مِثْلُهَا (الْأَمَةُ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أَيْ عِدَّتُهُنَّ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَأَيْضًا الْحَمْلُ لَا يَظْهَرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَتُعْتَبَرُ الشُّهُورُ بِالْأَهِلَّةِ، وَإِذَا طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ عَمِلَتْ مِنْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ عَلَى الْأَهِلَّةِ وَكَمَّلَتْ الْمُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مِنْ الرَّابِعِ، وَلَوْ كَانَ الْمُنْكَسِرُ نَاقِصًا، وَلَا تَحْسُبُ يَوْمَ الطَّلَاقِ إنْ طَلُقَتْ بَعْدَ فَجْرِهِ، وَقَيَّدْنَا الصَّغِيرَ بِالْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا لَا عِدَّةَ طَلَاقٍ عَلَيْهَا. فَإِنْ قِيلَ: زَوْجَةُ الصَّبِيِّ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَلَوْ كَبِيرَةً وَهُوَ مُطِيقٌ، وَالْمُطِيقَةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ حَيْثُ كَانَ زَوْجُهَا بَالِغًا. فَالْجَوَابُ: أَنَّ الصَّبِيَّ لَا مَاءَ لَهُ قَطْعًا فَعَدَمُ الْحَمْلِ مِنْ وَطْئِهِ مُحَقَّقٌ، وَأَمَّا الْمُطِيقَةُ فَلَا يُقْطَعُ بِعَدَمِ حَمْلِهَا لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْبَنَاتِ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ. (تَنْبِيهٌ) إنَّمَا تَعْتَدُّ الصَّغِيرَةُ بِشَرْطِهَا بِالْأَشْهُرِ حَيْثُ لَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي آخِرِهَا وَإِلَّا انْتَقَلَتْ لِلْأَقْرَاءِ، وَالْآيِسَةُ إذَا رَأَتْ الْحَيْضَ فِي أَثْنَاءِ أَشْهُرِهَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ. [عِدَّةُ الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ فِي الطَّلَاقِ] وَمِمَّا تَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ أَيْضًا عِدَّةُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَشَارَ إلَيْهَا أَيْضًا بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ) الزَّوْجَةِ (الْحُرَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ أَوْ الْأَمَةِ) الْمُسْتَحَاضَةِ أَيْضًا يَسْتَرْسِلُ عَلَيْهَا الدَّمُ زِيَادَةً عَلَى أَيَّامِ الْحَيْضِ الْمُعْتَادِ لَهُمَا (فِي الطَّلَاقِ سَنَةٌ) بِشَرْطِ عَدَمِ التَّمْيِيزِ، وَمِثْلُهُمَا فِي الِاعْتِدَادِ بِسَنَةٍ مَنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا بِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ لِمَرَضٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ أَوْ مَرِضَتْ تَرَبَّصَتْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةٍ، فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ كُلَّ السَّنَةِ لَيْسَ بِعِدَّةٍ بَلْ تِسْعَةٌ اسْتِبْرَاءٌ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ عِدَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ عَلَى كُلِّ السَّنَةِ عِدَّةً، وَأَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا مَيَّزَتْ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ لَا بِالْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ الْمُمَيَّزَ بَعْدَ طُهْرٍ تَامٍّ يُعَدُّ حَيْضًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُمَيَّزُ بَعْدَ طُهْرٍ تَمَّ حَيْضًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ. [عِدَّةُ الْحَامِلِ] وَمِمَّا تَشْتَرِكُ فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ أَيْضًا وَضْعُ الْحَمْلِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحَامِلِ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَضْعُ حَمْلِهَا) كُلِّهِ حَيْثُ كَانَ لَاحِقًا أَوْ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ دَمًا مُجْتَمِعًا سَوَاءٌ (كَانَتْ) تِلْكَ الْمُعْتَدَّةُ (حُرَّةً أَوْ أَمَةً) مُسْلِمَةً (أَوْ كِتَابِيَّةً) وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَهَذِهِ مُخَصَّصَةٌ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقَوْله تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَإِنَّمَا خَصَّصَتْ آيَةُ الْحَوَامِلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِدَّةِ الِاسْتِدْلَال عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَوَضْعُ الْحَمْلِ أَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ مِنْ الزَّمَانِ وَالْحَيْضِ، وَقَوْلُنَا اللَّاحِقُ بِالْفِعْلِ أَوْ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ؛ لِيَدْخُلَ حَمْلُ الْمُلَاعَنَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا فَلَا تَنْقَضِي عِدَّةُ زَوْجَتِهِ بِوَضْعِ حَمْلِهَا لَا مِنْ مَوْتٍ وَلَا طَلَاقٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ فِي الطَّلَاقِ تَعُدُّ نَفْسَهَا حَيْضَةً، وَعَلَيْهَا فِي الْوَفَاءِ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَهُوَ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ الْوَضْعِ، أَوْ تَمَامُ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي الْحُرَّةِ، أَوْ الشَّهْرَيْنِ وَالْخَمْسِ لَيَالٍ فِي الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ، وَقَوْلُنَا كُلُّهُ الِاحْتِرَازُ عَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِهَا وَلَدَانِ فَلَا تَحِلُّ إلَّا بِوَضْعِهِمَا، فَلَوْ نَزَلَ بَعْضُ الْوَاحِدِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ وَلَوْ الثُّلُثُ فَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَوْ مَاتَ الْحَمْلُ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِهِ وَبَقِيَ فِي بَطْنِهَا نَحْوُ عُضْوٍ مُنْفَصِلٍ كَمَا لَوْ تَقَطَّعَ الْحَمْلُ وَتَأَخَّرَ ذَلِكَ أَنَّ عِدَّتَهَا تَنْقَضِي، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَوْكِيدِ خَلِيلٍ بِكُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَعْضِ الْبَاقِي الْمُتَّصِلِ أَوْ الْمُنْفَصِلِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. نَعَمْ ظَهَرَ لَنَا حُكْمٌ آخَرُ، وَهُوَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِتَمَامِ وَضْعِ الْحَمْلِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ نَوْعِ الْأُمِّ وَالْأَبِ، كَأَنْ تَضَعَ حَيَوَانًا بَهِيمًا، وَرُبَّمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. وَلَمَّا كَانَ مُوجِبُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ الدُّخُولَ بِهَا قَالَ: (وَالْمُطَلَّقَةُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ) مُطَلِّقُهَا الْبَالِغُ (بِهَا) أَوْ دَخَلَ وَلَكِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَطْؤُهَا (لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا) إلَّا أَنْ تُقِرَّ الزَّوْجَةُ بِهِ أَوْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] وَلَا مَفْهُومَ لِلْمُؤْمِنَاتِ، وَلِأَنَّ
[ ٢ / ٥٨ ]
[عدة الحرة من الوفاة]
كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً.
وَفِي الْأَمَةِ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلِذَلِكَ لَا عِدَّةَ عَلَى زَوْجَةِ الصَّغِيرِ، وَلَا عَلَى مَنْ لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْوَفَاةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ بُلُوغِ زَوْجٍ أَوْ إطَاقَةِ زَوْجَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهَا ضَرْبًا مِنْ التَّعَبُّدِ. [عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا غَيْرِ الْحَامِلِ بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ) لِزَوْجِهَا وَلَوْ عَبْدًا (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) بِرَفْعِ أَرْبَعَةُ وَعَشْرٌ خَبَرُ عِدَّةُ الْوَاقِعَةُ مُبْتَدَأٌ سَوَاءٌ (كَانَتْ) الزَّوْجَةُ (صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً) وَلَوْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ غَيْرَ مُطِيقَةٍ أَوْ الْكَبِيرَةُ لَا يُولَدُ لِمِثْلِهَا وَسَوَاءٌ (دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً) حَيْثُ كَانَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ مُسْلِمًا كَانَ الزَّوْجُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ، أَوْ لَا كَصَبِيٍّ أَوْ مَجْبُوبٍ حَيْثُ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ النِّكَاحُ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ كَخَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، إلَّا إنْ كَانَ الزَّوْجُ الْبَالِغُ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ مُطِيقَةٌ فَتَعْتَدُّ كَالْمُطَلَّقَةِ، وَكَذِمِّيَّةٍ تَحْتَ ذِمِّيٍّ يَمُوتُ عَنْهَا وَيُرِيدُ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِثَلَاثِ حِيَضٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً تَحِيضُ، أَوْ بِحَيْضَةٍ إنْ كَانَتْ أَمَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِلَّا فَكَالْمُطَلَّقَةِ إنْ فَسَدَ. قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ، وَإِنْ تَكُنْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَامِلًا وَالْحَالُ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ مَاتَ عَنْهَا وَنِكَاحُهَا مُجْمَعٌ عَلَى فَسَادِهِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَقَرْءَانِ إنْ كَانَتْ أَمَةً وَهَذَا إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَإِلَّا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ أَوْ آيِسَةً اُسْتُبْرِئَتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَقَوْلُ خَلِيلٍ: كَالذِّمِّيَّةِ تَحْتَ ذِمِّيٍّ تَشْبِيهٌ فِي حُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ، وَاحْتُرِزَ بِتَحْتِ ذِمِّيٍّ عَمَّا لَوْ كَانَتْ تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَمَاتَ فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ حُرَّةً، وَعَلَى الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ تَنْقَضِي قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا أَوْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا تَحِلُّ إلَّا إنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: إنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَا رِيبَةَ بِهَا، وَإِلَّا انْتَظَرَتْهَا أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ لَا تَتِمُّ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا الْحَيْضَ فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ وَتَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا إمَّا لِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ اسْتِحَاضَةٍ وَلَمْ تُمَيِّزْ، أَوْ كَانَتْ تَتِمُّ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَنِ حَيْضَتِهَا وَلَكِنْ قَالَتْ النِّسَاءُ بِهَا رِيبَةٌ مِنْ جَسِّ بَطْنٍ انْتَظَرَتْ الْحَيْضَةَ؛ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْحَيْضَةِ عَنْ عَادَتِهَا، وَكَذَا قَوْلُ النِّسَاءِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي بَرَاءَةِ رَحِمِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَيْضَةِ أَوْ تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ أَوْ لَمْ تَزُلْ حَلَّتْ، وَإِنْ زَادَتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ انْتَظَرَتْ أَقْصَى الْأَمَدِ، إلَّا أَنْ تَزُولَ الرِّيبَةُ قَبْلَ الْأَقْصَى، وَإِلَّا حَلَّتْ، وَالْأَقْصَى قِيلَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ خَمْسُ سِنِينَ، فَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ذَاتِ الْحَيْضِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَتَحِلُّ بِتَمَامِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَمِثْلُهَا الْمَأْمُونَةُ الْحَمْلِ إمَّا لِصِغَرِهَا أَوْ يَأْسِهَا أَوْ كَوْنِ الزَّوْجِ لَا يُولَدُ لَهُ تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَكَذَا غَيْرُ مَأْمُونَةِ الْحَمْلِ وَلَكِنْ تَتِمُّ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَنِ حَيْضَتِهَا، أَوْ لَا تَتِمُّ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضِهَا وَلَكِنْ أَتَاهَا الْحَيْضُ فِيهَا أَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ، وَأَمَّا إنْ تَأَخَّرَ لِمَرَضٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ اُسْتُحِيضَتْ، وَلَمْ تُمَيِّزْ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَيْضَةِ أَوْ تَمَامِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَتَحِلُّ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ رِيبَةٌ بَعْدَ التِّسْعَةِ فَتَمْكُثُ أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَأَخُّرَ الْحَيْضِ لِمَرَضٍ كَالتَّأَخُّرِ لِغَيْرِ سَبَبٍ فِي انْتِظَارِ الْحَيْضِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، وَحَكَى عَلَيْهِ ابْنُ بَشِيرٍ الِاتِّفَاقَ أَنَّهُ كَالتَّأْخِيرِ لِلرَّضَاعِ فَتَحِلُّ بِتَمَامِ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ حَيْثُ قَالَتْ النِّسَاءُ لَا رِيبَةَ بِهَا. الثَّانِي: إنَّمَا تَرَكَ التَّاءَ مِنْ عَشْرٍ حَيْثُ قَالَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ؛ إمَّا لِأَنَّ الْمُرَادَ عَشْرُ مُدَدٍ كُلَّ مُدَّةٍ وَلَيْلَةٍ، وَالْمُدَّةُ مُؤَنَّثَةٌ وَالتَّاءُ تُتْرَكُ مِنْ الْمَعْدُودِ الْمُؤَنَّثِ مِنْ الثَّلَاثِ إلَى الْعَشَرَةِ أَوْ تَغْلِيبًا لِلَّيَالِيِ عَلَى الْأَيَّامِ لِسَبْقِهَا عَلَيْهَا، فَلَوْ زُوِّجَتْ بَعْدَ عَشْرِ لَيَالٍ وَقَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ فُسِخَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ يَتَحَرَّكُ فِيهَا الْحَمْلُ، وَزِيدَتْ الْعَشْرُ لِاحْتِمَالِ نَقْصِ الشُّهُورِ أَوْ تَأَخُّرِ الْحَرَكَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ تَأْنِيثَ الْعَشْرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّيْلِيُّ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرِ لَيَالٍ قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ ضَعِيفٌ، وَإِنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الْحُرَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) قَدْرُ زَمَنِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ (فِي) حَقِّ الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ وَمَنْ فِيهَا بَقِيَّةُ رِقٍّ) كَمُبَعَّضَةٍ وَأُمِّ وَلَدٍ (شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ) مَعَ أَيَّامِهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أَوْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ مَجْبُوبٍ أَوْ صَغِيرٍ، أَوْ رَأَتْ الْحَيْضَ فِي دَاخِلِهَا، أَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ، وَإِلَّا مَكَثَتْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَتَحِلُّ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتَمْكُثَ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَتَحِلَّ، إلَّا تَزِيدُ الرِّيبَةُ فَتَمْكُثُ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ
[ ٢ / ٥٩ ]
مَا لَمْ تَرْتَبْ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْحَيْضِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ فَتَقْعُدُ حَتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ.
وَأَمَّا الَّتِي لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَقَدْ بُنِيَ بِهَا فَلَا تُنْكِحُ فِي الْوَفَاةِ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَالْإِحْدَادُ أَنْ لَا تَقْرَبَ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ بِحُلِيٍّ أَوْ كُحْلٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَجْتَنِبَ الصِّبَاغَ كُلَّهُ إلَّا الْأَسْوَدَ وَتَجْتَنِبَ الطِّيبَ كُلَّهُ وَلَا تَخْتَضِبَ بِحِنَّاءٍ وَلَا تَقْرَبُ دُهْنًا مُطَيِّبًا وَلَا تَمْتَشِطُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مُكْثُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ مِنْ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَإِنْ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ لِقِصَرِ مُدَّةِ عِدَّةِ الْأَمَةِ فَلَا يَظْهَرُ الْحَمْلُ فِيهَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَنَصَّفَتْ بِالرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتِسْعَةٌ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ ذَاتَ الْحَيْضِ الْمَدْخُولَ بِهَا إنْ لَمْ تَحِضْ دَاخِلَهَا تَمْكُثُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، سَوَاءٌ تَمَّتْ قَبْلَ زَمَنِ حَيْضَتِهَا أَمْ لَا، وَلَوْ تَأَخَّرَ لِرَضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ فَرَاجِعْهُ، وَلَمَّا كَانَ حِلُّ الْمُعْتَدَّةِ بِانْقِضَاءِ زَمَنِ عِدَّتِهَا مَشْرُوطًا بِعَدَمِ رِيبَتِهَا قَالَ: (مَا لَمْ تَرْتَبْ الْكَبِيرَةُ ذَاتُ الْحَيْضِ) سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً (بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ)، وَإِلَّا (فَتَقْعُدْ حَتَّى تَذْهَبَ الرِّيبَةُ) إمَّا بِحَيْضَةٍ أَوْ بِتَمَامِ مُضِيِّ التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ، هَذَا حُكْمُ الْمُرْتَابَةِ بِتَأَخُّرِ الْحَيْضِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا مَدْخُولٌ بِهَا وَتَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا عَنْ عَادَتِهَا وَزَوْجُهَا يُولَدُ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ رِيبَتُهَا بِجَسِّ بَطْنٍ فَإِنَّهَا تَمْكُثُ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ أَرْبَعَ أَوْ خَمْسَ سِنِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَاتَ الرِّيبَةِ تَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ. وَلَمَّا قَدَّمَ حُكْمَ الْأَمَةِ ذَاتِ الْحَيْضِ شَرَعَ فِي حُكْمِ غَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: (وَأَمَّا) الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ (الَّتِي لَا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَ) الْحَالُ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ (قَدْ بَنَى بِهَا فَلَا) يَحِلُّ أَنْ (تُنْكِحَ فِي الْوَفَاةِ إلَّا بَعْدَ) مُضِيِّ (ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا عَلَى أَحَدِ أَقْوَالٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَحِلُّ بِمُضِيِّ شَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَنَّ الَّتِي يَتَوَقَّفُ حِلُّهَا عَلَى الثَّلَاثَةِ أَشْهُرٍ إنَّمَا هِيَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الَّذِي يُولَدُ لَهُ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَلَمْ تَرَ الْحَيْضَ فِي الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَنَصَّفَتْ بِالرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَرْتَابَ فَتِسْعَةٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ يَأْسٍ أَوْ حَاضَتْ فِيهَا أَوْ كَانَ زَوْجُهَا صَغِيرًا أَوْ مَجْبُوبًا فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الشَّهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ضَعِيفٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَوَابِعِ الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْإِحْدَادُ) لُغَةً الِامْتِنَاعُ مِنْ حَدَدْت الرَّجُلَ مِنْ كَذَا إذَا مَنَعْتَهُ مِنْهُ وَأَحَدَّتْ الْمَرْأَةُ امْتَنَعَتْ مِنْ الزِّينَةِ، وَمِنْهُ الْحُدُودُ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ الْجَانِيَ مِنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِ مَا فَعَلَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ تَرْكُ مَا هُوَ زِينَةٌ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ لَا تَقْرَبَ) الْمَرْأَةُ (الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَرَكَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَقَطْ، وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ كِتَابِيَّةً، وَمَفْقُودًا زَوْجُهَا التَّزَيُّنَ بِالْمَصْبُوغِ، وَلَوْ أَدْكَنَ إنْ وَجَدَتْ غَيْرَهُ إلَّا الْأَسْوَدَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ وَلَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إلَّا إذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» . قِيلَ: الْعَصْبُ ثِيَابٌ مِنْ الْيَمَنِ فِيهَا بَيَاضٌ وَسَوَادٌ، وَالنُّبْذَةُ بِضَمِّ النُّونِ الْقِطْعَةُ وَالشَّيْءُ الْيَسِيرُ، وَالْقُسْطُ بِضَمِّ الْقَافِ، وَالْأَظْفَارُ نَوْعَانِ مِنْ الْبَخُورِ رَخَّصَ فِيهِ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ لِتَطْهِيرِ الْمَحَلِّ، وَإِزَالَةِ كَرَاهِيَتِهِ، وَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَصَرَ مَالِكٌ الْإِحْدَادَ عَلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الْإِبْعَادُ عَمَّا تُرَادُ الْمَرْأَةُ لَهُ صَوْنًا لِلْأَنْسَابِ، وَإِنْ ارْتَابَتْ فَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الرِّيبَةُ، وَصِلَةُ الزِّينَةِ (بِحُلِيٍّ أَوْ كُحْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ نَحْوِ إزَالَةٍ لِشُعْثٍ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تَكْتَحِلُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ فَتَسْتَعْمِلُهُ لَيْلًا وَتَمْسَحُهُ نَهَارًا لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ لِامْرَأَةٍ مُعْتَدَّةٍ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا: اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ نَهَارًا» وَعَيْنُهَا بِضَمِّ النُّونِ فَاعِلُ اشْتَكَتْ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَازِمٌ بِمَعْنَى مَرِضَتْ عَيْنُهَا، وَالْحُلِيُّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُفْرَدٌ فَيَكُونُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ جَمْعٌ فَيَكُونُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَشَدِّ الْيَاءِ جَمْعُ حَلْيٍ وَهُوَ كُلُّ مَا تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ قُرْطٍ وَسِوَارٍ وَخَاتَمِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ مَعْنَى لَا تَقْرَبُ الزِّينَةَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ اسْتَعْمَلَتْ شَيْئًا مِنْ الزِّينَةِ زَمَنَ عِدَّتِهَا عَصَتْ وَوَجَبَ عَلَيْهَا التَّوْبَةُ، وَإِنْ اكْتَفَتْ بِعِدَّتِهَا. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَجْتَنِبَ) لُبْسَ سَائِرِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ (الصِّبَاغِ كُلِّهِ إلَّا) الْمَصْبُوغَةَ بِنَوْعِ (الْأَسْوَدِ) فَإِنَّهَا لَا تَجْتَنِبُهُ، وَإِنْ وَجَدَتْ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ زِينَةً لَهَا لِشِدَّةِ بَيَاضِهَا. (وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (تَجْتَنِبَ الطِّيبَ كُلَّهُ) الْمُذَكَّرَ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَخْفَى أَثَرُهُ كَالْوِرْدِ وَالْيَاسَمِينِ، وَمُؤَنَّثِهِ وَهُوَ مَا يَخْفَى لَوْنُهُ وَتَظْهَرُ رَائِحَتُهُ كَالْمِسْكِ وَالزُّبْدَةِ، وَعَبَّرَ بِتَجْتَنِبُ إشَارَةً لِلتَّعْمِيمِ فَلَا تَتَطَيَّبُ بِهِ وَلَا تَتَّجِرُ بِهِ، وَإِنْ احْتَاجَتْ إلَى ذَلِكَ فِي تَمَعُّشِهَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا الضَّيَاعَ بِتَرْكِ ذَلِكَ، وَإِلَّا انْبَغَى الْجَوَازُ عَلَى مَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ. (وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (لَا تَخْتَضِبَ بِحِنَّاءٍ) قَالَ خَلِيلٌ: فَلَا تَمْتَشِطُ بِحِنَّاءٍ أَوْ كَتَمٍ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَهُوَ شَيْءٌ أَسْوَدُ يُصْبَغُ بِهِ الشَّعْرُ يُذْهِبُ حُمْرَتَهُ وَلَا يُسَوِّدُهُ. (وَ) كَذَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ (لَا تَقْرَبَ
[ ٢ / ٦٠ ]
[عدة أم الولد من وفاة سيدها]
[واستبراء الأمة]
بِمَا يُخْتَمَرُ فِي رَأْسِهَا وَعَلَى الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ الْإِحْدَادُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْكِتَابِيَّةِ وَلَيْسَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ إحْدَادٌ وَتُجْبَرُ الْحُرَّةُ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ.
وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا حَيْضَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا فَإِنْ قَعَدَتْ عَنْ الْحَيْضِ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ حَيْضَةٌ انْتَقَلَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] دُهْنًا مُطَيِّبًا وَلَا تَمْتَشِطُ بِمَا تُخْتَمَرُ) أَيْ تَبْقَى رَائِحَتُهُ (فِي رَأْسِهَا) بِخِلَافِ نَحْوِ الزَّيْتِ وَالسِّدْرِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ فَيَجُوزُ لَهَا اسْتِعْمَالُهُ، وَلَمَّا كَانَ الْإِحْدَادُ مُتَحَتِّمًا عَلَى كُلِّ مُتَوَفًّى عَنْهَا قَالَ: (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْأَمَةِ) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا (وَالْحُرَّةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ الْإِحْدَادُ) لَكِنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرَةِ الْوَلِيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجَنِّبَهَا كُلَّ مَا يُزَيِّنُ زَمَنَ عِدَّتِهَا. (وَاخْتُلِفَ فِي) الْمُتَوَفَّى عَنْهَا (الْكِتَابِيَّةِ) فِي وُجُوبِ الْإِحْدَادِ عَلَيْهَا وَعَدَمِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَتُرِكَتْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَقَطْ، وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ كِتَابِيَّةً، وَمَفْقُودًا زَوْجُهَا التَّزَيُّنَ، وَعُمُومُ الْحَدِيثِ لَا تَلْبَسُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْمُعَصْفَرَ، وَلَمَّا كَانَ الْإِحْدَادُ مَشْرُوعًا خَوْفَ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، خُصَّ بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا دُونَ الْمُطَلَّقَةِ وَلِذَا قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ) زَمَنَ عِدَّتِهَا (حَدَّادٌ) وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَأَمْكَنَ الزَّوْجُ أَنْ يَنْفِيَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا. (وَتُجْبَرُ) الزَّوْجَةُ (الْحُرَّةُ الْكِتَابِيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنْ) زَوْجِهَا (الْمُسْلِمِ فِي الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ) فَتَتَرَبَّصُ فِي الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَفِي الطَّلَاقِ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الْوَطْءَ أَوْ كَبِيرَةً لَا تَحِيضُ، وَمَفْهُومُ الْمُسْلِمِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ زَوْجُهَا كَافِرًا لَا يَكُونُ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا إنْ أَرَادَ مُسْلِمٌ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ وَلَوْ فِي الْوَفَاةِ حَيْثُ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَتْ الْعِدَّةُ مُخْتَصَّةً بِالزَّوْجَةِ. [عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا] شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ بِالْمِلْكِ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَوْ يُعْتِقُهَا بِبَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ) وَهِيَ الْحُرَّةُ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا (مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا حَيْضَةٌ)؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهَا كَالْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَلَوْ عِدَّةَ حُرَّةٍ وَلَوْ مِنْ وَفَاةٍ. (كَذَلِكَ) تَعْتَدُّ بِحَيْضَةٍ (إنْ أَعْتَقَهَا) قَبْلَ مَوْتِهِ، وَأَرَادَ الْغَيْرُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلَا مَفْهُومَ لِأُمِّ الْوَلَدِ بَلْ كُلُّ أَمَةٍ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا لَا تَتَزَوَّجُ إلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا بِحَيْضَةٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ أُمَّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ فِيهَا شَائِبَةَ حُرِّيَّةٍ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْحَيْضَةَ غَيْرُ كَافِيَةٍ فِيهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهَا تِلْكَ الْحَيْضَةُ فِي الْمَوْتِ أَوْ عِنْدَ عِتْقِهَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً بِالْغَيْرِ عِنْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْحَيْضَةُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ الْحَيْضَةِ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا وَلَوْ كَانَ اسْتَبْرَأَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا اسْتَأْنَفَتْ أُمُّ الْوَلَدِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا كَالْحُرَّةِ تَطْهُرُ مِنْ الْحَيْضِ ثُمَّ يَمُوتُ الزَّوْجُ قَبْلَ وَطْئِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ، وَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ يَسْتَبْرِئُهَا سَيِّدُهَا بِحَيْضَةٍ أَوْ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا مِنْ مُطَلِّقِهَا فَفِيهَا تَفْصِيلٌ، فَإِنْ أَعْتَقَهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى حَيْضَةٍ بَلْ تَحِلُّ مَكَانَهَا، وَأَمَّا غَيْرُ أُمِّ الْوَلَدِ يَسْتَبْرِئُهَا سَيِّدُهَا الْوَارِثُ اسْتِبْرَاؤُهَا بِحَيْضَةٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَبِمَوْتِ سَيِّدٍ، وَإِنْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمَةَ تَسْتَأْنِفُ حَيْضَةً بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَلَوْ اُسْتُبْرِئَتْ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أُمَّ وَلَدٍ أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا لَوْ أُعْتِقَتْ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَسْتَأْنِفُ إنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَا إنْ كَانَتْ غَيْرَهَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ أُمِّ الْوَلَدِ وَغَيْرِهَا شَبَّهَ أُمَّ الْوَلَدِ بِالْحُرَّةِ، وَالْحُرَّةُ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةً بِمَوْتِ الزَّوْجِ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا. (فَإِنْ قَعَدَتْ) أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْ صَغُرَتْ (عَنْ الْحَيْضِ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) عِدَّتُهَا مِنْ سَيِّدِهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إطْلَاقِ الْعِدَّةِ عَلَى الْحَيْضَةِ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ سَيِّدِهَا فِيهِ تَجَوُّزٌ، إذْ هُوَ اسْتِبْرَاءٌ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهَا مُدَّةُ مَنْعِ النِّكَاحِ لِفَسْخِهِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ، فَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالزَّوْجَةِ وَلَوْ أَمَةً، وَأَيْضًا الْعِدَّةُ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الْأَطْهَارُ لَا الْحَيْضُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَجُوزُ بِإِطْلَاقِ الْعِدَّةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ وَفَاةِ سَيِّدِهَا أَوْ عِتْقِهِ إيَّاهَا حَيْضَةٌ. الثَّانِي: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ الَّتِي مَاتَ سَيِّدُهَا وَزَوْجُهَا، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عِدَّةِ الْأَمَةِ أَوْ جُهِلَ فَعِدَّةُ حُرَّةٍ، وَمَا تُسْتَبْرَأُ بِهِ الْأَمَةُ وَفِي الْأَقَلِّ عِدَّةُ حُرَّةٍ، وَهَلْ قَدْرُهَا كَأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ قَوْلَانِ. [وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ] ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا وَهُوَ لُغَةً الِاسْتِقْصَاءُ وَالْبَحْثُ وَالْكَشْفُ عَلَى الْأَمْرِ الْغَامِضِ، وَشَرْعًا الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الْأَرْحَامِ عِنْدَ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مُرَاعَاةً لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَهُوَ وَاجِبٌ كَوُجُوبِ الْعِدَّةِ فِي الزَّوْجَاتِ لِخَبَرِ
[ ٢ / ٦١ ]
أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ هِيَ فِي حِيَازَتِهِ قَدْ حَاضَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ إنَّهُ اشْتَرَاهَا فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ.
وَاسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ فِي الْبَيْعِ إنْ كَانَتْ تُوطَأُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاَلَّتِي لَا تُوطَأُ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.
وَمَنْ ابْتَاعَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ فَلَا يَقْرَبُهَا وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى تَضَعَ.
وَالسُّكْنَى لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخُولٍ بِهَا وَلَا نَفَقَةَ إلَّا لِلَّتِي طَلُقَتْ دُونَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] سَبَايَا أَوْطَاسٍ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ - «أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ» . فَقَالَ: (وَاسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ) لِمَنْ لَمْ تَتَيَقَّنْ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا، وَكَانَتْ تَحِلُّ لَهُ مُسْتَقْبَلًا، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ قَبْلَ حُصُولِ مِلْكِهَا (حَيْضَةٌ) وَاحِدَةٌ حَيْثُ كَانَتْ تَحِيضُ سَوَاءٌ (انْتَقَلَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ) مِنْ الْغَيْرِ لَهُ (أَوْ) بِقَبُولٍ مِنْ (هِبَةٍ) أَوْ وَصِيَّةٍ (أَوْ) انْتَقَلَ مِلْكُهَا لَهُ (بِسَبْيٍ) لَهَا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَإِرْثٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَمْتَعَ بِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا مُحَرَّمًا لَهَا عَلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ إنْ لَمْ تُوقَنْ الْبَرَاءَةُ وَلَمْ يَكُنْ وَطْؤُهَا مُبَاحًا وَلَمْ تَحْرُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَلَوْ تَأَخَّرَتْ حَيْضَتُهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَأَخَّرَتْ أَوْ أَرْضَعَتْ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ اُسْتُحِيضَتْ، وَلَمْ تُمَيِّزْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ كَالصَّغِيرَةِ وَالْيَائِسَةِ، وَنَظَرَ النِّسَاءُ فَإِنْ ارْتَابَتْ فَتِسْعَةٌ أَيْ تَمْكُثُ تَمَامَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ الرِّيبَةُ أَوْ ذَهَبَتْ حَلَّتْ، وَإِنْ زَادَتْ تَرَبَّصَتْ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ مَا قَدَّمْنَاهُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ هِيَ) أَيْ الْأَمَةُ (فِي حِيَازَتِهِ) بِرَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، وَالْحَالُ أَنَّهَا (قَدْ حَاضَتْ عِنْدَهُ) وَعُلِمَ بِذَلِكَ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ وَلَوْ امْرَأَةً (ثُمَّ إنَّهُ اشْتَرَاهَا) أَوْ مَلَكَهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ (فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ) لِتَيَقُّنِهِ بَرَاءَةَ رَحِمِهَا (إنْ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ) خُرُوجًا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا فِيهِ أَوْ يَلِجُ سَيِّدُهَا عَلَيْهَا، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِبْرَاؤُهَا لِسُوءِ الظَّنِّ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تُسْتَبْرَأُ بِهِ مَنْ لَا تَحِيضُ بِقَوْلِهِ: (وَاسْتِبْرَاءُ الصَّغِيرَةِ فِي الْبَيْعِ) أَيْ إذَا أَرَادَ سَيِّدُهَا أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ اسْتَحْدَثَ مِلْكَهَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ (إنْ كَانَتْ تُوطَأُ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ) قَبْلَ بَيْعِهَا أَوْ قَبْلَ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا يَظْهَرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَهِيَ لَمْ يُقْطَعْ بِعَدَمِ حَمْلِهَا. (وَ) كَذَلِكَ اسْتِبْرَاءُ الْأَمَةِ (الْيَائِسَةِ مِنْ الْمَحِيضِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) وَكَذَا الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي لَمْ تُمَيِّزْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا الَّتِي تُمَيِّزُ فَتُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَفْهُومَ إنْ كَانَتْ تُوطَأُ بِقَوْلِهِ: (وَاَلَّتِي لَا تُوطَأُ) لِصِغَرِهَا كَبِنْتِ خَمْسِ سِنِينَ (فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا) عَلَى مَالِكِهَا عِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِهَا، وَلَا عَلَى مُشْتَرِيهَا عِنْدَ اشْتِرَائِهَا، لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ رَحِمِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا اسْتِبْرَاءَ إنْ تُطِقْ الْوَطْءَ أَوْ حَاضَتْ تَحْتَ يَدِهِ كَمُودَعَةٍ، وَمَبِيعَةٍ بِالْخِيَارِ وَلَمْ تَخْرُجْ وَلَمْ يَلِجْ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا أَوْ أَعْتَقَ وَتَزَوَّجَ أَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، وَإِنْ بَعُدَ الْبِنَاءُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَطِيَّةَ لِلْوَطْءِ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا وَلَوْ كَانَتْ وَخْشَةً وَلَا تَحْمِلُ عَادَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ صَغِيرَةً أَطَاقَتْ الْوَطْءَ أَوْ كَبِيرَةً لَا تَحْمِلَانِ عَادَةً أَوْ وَخْشًا أَوْ بِكْرًا أَوْ رَجَعَتْ مِنْ غَصْبٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ اُشْتُرِيَتْ وَهِيَ مُتَزَوِّجَةٌ، وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بِنَائِهِ بِهَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تُسْتَبْرَأُ بِهِ الْحَامِلُ فَقَالَ: (وَمَنْ ابْتَاعَ حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ) كَزَوْجٍ أَوْ زَانٍ (أَوْ مَلَكَهَا بِغَيْرِ الْبَيْعِ) كَإِرْثٍ أَوْ صَدَقَةٍ (فَلَا يَقْرَبُهَا) بِوَطْءٍ (وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشَيْءٍ) مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ (حَتَّى تَضَعَ) حَمْلُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْوَضْعِ كَالْعِدَّةِ، وَحَرُمَ فِي زَمَنِهِ الِاسْتِمْتَاعُ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا حَرُمَ وَطْؤُهَا فَقَطْ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دَمِ النِّفَاسِ، بِخِلَافِ الْمُقَدِّمَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَاتٍ حَرُمَ وَطْؤُهَا يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعِ، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ وَطْؤُهُمَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهِمَا بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لَا بِأَعْلَاهَا لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «الْحَائِضُ تَشُدُّ إزَارَهَا وَشَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا» وَإِلَّا الْمَزْنِيَّ بِهَا وَالْمُغْتَصَبَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا فَلَا يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا سَيِّدِهَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَلَوْ وَطْئًا. فَيُفِيدُ قَوْلُ خَلِيلٍ بَعْدَ بَيَانِ عِدَّةِ الْحُرَّةِ: وَقَدْرُ عِدَّةِ الْأَمَةِ مِنْ زَوْجِهَا وَوَجَبَ إنْ وُطِئَتْ بِزِنًى أَوْ غَصْبٍ قَدْرُهَا بِغَيْرِ الْحَامِلِ فَرَاجِعْ شُرَّاحَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَمْلُوكَةِ الْحَامِلِ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا قَوْلُهُ - ﷺ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» يَعْنِي لَا يَحِلُّ لَهُ إتْيَانُ الْحَبَالَى مِنْ غَيْرِهِ، وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْحَامِلَ مِنْهُ لَوْ زَنَتْ بِغَيْرِهِ زَمَنَ حَمْلِهَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَإِنَّمَا قِيلَ يُكْرَهُ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُعْتَدَّةُ زَمَنَ عِدَّتِهَا مِنْ سُكْنَى أَوْ نَفَقَةٍ بِقَوْلِهِ: (وَالسُّكْنَى) وَاجِبَةٌ (لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَدْخُولٍ بِهَا) سَوَاءٌ كَانَ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ بِسَبَبِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُعْتَدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ أَوْ الْمَحْبُوسَةِ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ السُّكْنَى فَتَدْخُلُ الْمَحْبُوسَةُ بِزِنَاهُ، أَوْ فُسِخَ نِكَاحُهُ الْفَاسِدُ لِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهَارَةٍ أَوْ لِعَانٍ، وَلَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْفَسَادِ أَوْ نَحْوِهِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الْحَبْسِ بِسَبَبِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ فِي التَّقْيِيدِ بِحَيَاتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ السُّكْنَى لِلْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] وَلَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِ الْمَسْكَنِ لَهُ بِخِلَافِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ
[ ٢ / ٦٢ ]
الثَّلَاثِ وَلِلْحَامِلِ كَانَتْ مُطَلَّقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا.
وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ إلَّا فِي الْحَمْلِ.
وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُلَاعَنَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَلَا نَفَقَةَ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ وَلَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ لِلْمَيِّتِ أَوْ قَدْ نَقَدَ كِرَاءَهَا.
وَلَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فِي طَلَاقٍ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرُ الْمُطِيقَةِ كَزَوْجَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْبُوبِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا. (وَلَا نَفَقَةَ) لِلزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ (إلَّا الَّتِي طَلُقَتْ دُونَ الثَّلَاثِ) حَيْثُ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ كَالزَّوْجَةِ إلَّا فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهَا وَالْأَكْلِ مَعَهَا. (وَ) إلَّا (لِلْحَامِلِ كَانَتْ مُطَلَّقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا) قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ كَوْنُ الزَّوْجِ حُرًّا وَالزَّوْجَةُ حُرَّةً لَا إنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ النَّفَقَةُ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ رَقِيقٌ لَهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا وَهِيَ حُرَّةٌ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّيِّدِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَالزَّوْجُ حُرًّا لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ فَيَلْزَمَ إيَّاهُ رَضَاعُهُ وَنَفَقَتُهُ، إلَّا أَنْ يَعْدَمَ الْأَبُ أَوْ يَمُوتَ فَعَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ سَيِّدَهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى إسْقَاطِ نَفَقَتِهِ بِعِتْقِهِ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: إذَا ادَّعَتْ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا أَنَّهَا حَامِلٌ لِتَأْخُذَ النَّفَقَةَ لَمْ تُصَدَّقْ حَتَّى يَظْهَرَ بِحَرَكَتِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا نَفَقَةَ بِدَعْوَاهَا بَلْ بِظُهُورِ الْحَمْلِ وَحَرَكَتِهِ فَتَجِبُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَمِثْلُ ظُهُورِهِ بِحَرَكَتِهِ أَوْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ بِحَمْلِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَوْ أُنْفِقَ عَلَيْهَا مُدَّةً بَعْدَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَرَكَةِ أَوْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ ثُمَّ ظَهَرَتْ غَيْرَ حَامِلٍ لَرَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ أَنْفَقَ بِحُكْمٍ أَمْ لَا. الثَّانِي: لَوْ طَلَّقَ طَلَاقًا بَائِنًا وَهُوَ غَائِبٌ، وَأَنْفَقَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْبَتِهِ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِطَلَاقِهِ، فَقِيلَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ إعْلَامِهَا بِالطَّلَاقِ، وَعَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَتْ الْمُطَلَّقَةُ وَيَغْرَمُ مَا تَسَلَّفَتْ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُخْبِرْهَا مَنْ يَثْبُتُ بِخَبَرِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ عَدْلَانِ، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهَا، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا لَا نَفَقَةَ لَهَا إلَّا الْحَامِلُ قَالَ: (وَلَا نَفَقَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ) لِبَيْنُونَتِهَا (إلَّا فِي) زَمَنِ (الْحَمْلِ) اللَّاحِقِ بِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ خَالَعَهَا عَلَى إسْقَاطِهَا فَتَسْقُطُ، كَمَا تَسْقُطُ لَوْ خَالَعَهَا عَلَى إسْقَاطِ أُجْرَةِ رَضَاعِهَا إيَّاهُ بَعْدَ وَضْعِهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَازَ شَرْطُهُ نَفَقَةَ وَلَدِهَا مُدَّةَ رَضَاعِهِ فَلَا نَفَقَةَ لِلْحَمْلِ. (وَ) كَذَا (لَا نَفَقَةَ لِلْمُلَاعَنَةِ) لِانْقِطَاعِ عِصْمَتِهَا بِلِعَانِهَا (وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا)؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَامِلِ شَرْطُهَا كَوْنُ الْحَمْلِ لَاحِقًا بِصَاحِبِ الْعِدَّةِ، وَلِذَا لَوْ اسْتَلْحَقَ الْمَلَاعِنُ الْوَلَدَ الَّذِي نَفَاهُ حُدَّ وَلَحِقَ بِهِ، وَتَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ كَانَ مُوسِرًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا نَفَقَةَ لِحَمْلِ مُلَاعَنَةٍ وَأَمَةٍ وَلَا عَلَى عَبْدٍ إلَّا الرَّجْعِيَّةَ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمُعْتَدَّةُ فِي الْوَفَاةِ وَارِثَةً وَالْوَارِثُ لَا نَفَقَةَ لَهُ فِي التَّرِكَةِ إلَّا بَعْدَ قَسْمِهَا قَالَ: (وَلَا) تَجِبُ (نَفَقَةٌ لِكُلِّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ) وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا لَا نَفَقَةَ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا كِسْوَةٌ لِدُخُولِهَا فِي مَفْهُومِ النَّفَقَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا (وَ) إنَّمَا تَجِبُ (لَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَتْ الدَّارُ) مَمْلُوكَةً (لِلْمَيِّتِ أَوْ) كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً وَالْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ نَقَدَ كِرَاءَهَا) وَهِيَ أَحَقُّ مِنْ الْوَرَثَةِ وَالْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا إنْ دَخَلَ بِهَا وَالسَّكَنُ لَهُ أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْكَنُ لَهُ وَلَا نَقَدَ كِرَاءَهُ فَقِيلَ: لَا سُكْنَى لَهَا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَهَا السُّكْنَى إنْ كَانَ الْكِرَاءُ وَجِيبَةً، فَالْخِلَافُ فِي الْوَجِيبَةِ، وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ بِالْإِطْلَاقِ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَسْكَنَهَا مَعَهُ وَضَمَّهَا إلَيْهِ فَلَهَا السُّكْنَى، وَإِنْ صَغِيرَةً لَا يُجَامَعُ مِثْلُهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ زَوْجُهَا إنَّمَا أَسْكَنَهَا؛ لِيَحْفَظَهَا عَمَّا يَكْرَهُ فَلَا سُكْنَى لَهَا حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَهَا السُّكْنَى بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَا سُكْنَى لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ سُكْنُهَا مَعَهُ فِي حَيَاتِهِ؛ لِأَجْلِ الزَّوْجِيَّةِ مُطْلَقًا، أَوْ أَسْكَنَهَا؛ لِيَحْفَظَهَا عَمَّا يَكْرَهُ حَيْثُ كَانَتْ مُطِيقَةً، وَإِلَّا فَلَا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ خَلِيلٍ مَعَ التَّحْقِيقِ فَرَاجِعْهُ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ السُّكْنَى زَمَنَ عِدَّتِهَا إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطٍ بَيَّنَ مَحِلَّهَا وَصِفَةَ إقَامَتِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ أَنْ (تَخْرُجَ) الْمُعْتَدَّةُ (مِنْ بَيْتِهَا) الَّذِي كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ عِدَّتِهَا، بَلْ لَوْ نَقَلَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ وَاتُّهِمَ عَلَى النَّقْلِ لَوَجَبَ عَلَيْهَا الرُّجُوعُ، أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَإِنْ بِشَرْطٍ فِي إجَارَةِ رَضَاعٍ أَوْ خِدْمَةٍ، وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ إنْ لَمْ يَرْضَ أَهْلُ الطِّفْلِ بِإِرْضَاعِهِ فِي مَحَلِّهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَسَكَنَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْكُنُ وَرَجَعَتْ لَهُ إنْ نَقَلهَا وَاتُّهِمَ أَوْ كَانَتْ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ لِشَرْطٍ فِي إجَارَةِ رَضَاعٍ وَانْفَسَخَتْ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَرْجِعَ إنْ خَرَجَتْ لِحَجِّ الصَّرُورَةِ وَبَلَغَهَا مَوْتُ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقُهَا إنْ كَانَتْ قَرِيبَةً عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَوَجَدَتْ ثِقَةً تَرْجِعُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَتْ تُدْرِكُ
[ ٢ / ٦٣ ]
وَفَاةٍ حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ فَلْتَخْرُجْ وَتُقِيمُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ.
وَالْمَرْأَةُ تُرْضِعُ وَلَدَهَا فِي الْعِصْمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا لَا يُرْضِعُ وَلِلْمُطَلَّقَةِ رَضَاعُ وَلَدِهَا عَلَى أَبِيهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] شَيْئًا مِنْ الْعِدَّةِ بَعْدَ رُجُوعِهَا، لَا إنْ كَانَتْ قَرِيبَةَ الْوَضْعِ بِحَيْثُ لَا تُدْرِكُ شَيْئًا إنْ رَجَعَتْ، وَأَمَّا فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْقُرَبِ كَالْخُرُوجِ لِرِبَاطٍ أَوْ زِيَارَةِ صَالِحٍ فَتَرْجِعُ، وَلَوْ وَصَلَتْ بَلْ وَلَوْ بَعْدَ إقَامَتِهَا نَحْوَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَأَمَّا لَوْ خَرَجَتْ لِلِانْتِقَالِ فَبَلَغَهَا الْمَوْتُ أَوْ الطَّلَاقُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي الِاعْتِدَادِ بِأَيِّ مَحَلٍّ شَاءَتْ، وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا تَخْرُجُ أَيْ خُرُوجَ انْتِقَالٍ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا فَيَجُوزُ لَهَا لَكِنْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَأْمُونَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمِنَةِ، فَفِي الْأَمْصَارِ فِي وَسَطِ النَّهَارِ وَفِي غَيْرِهَا فِي طَرَفَيْ النَّهَارِ، وَلَكِنْ لَا تَبِيتُ إلَّا فِي مَسْكَنِهَا، كَمَا إذَا كَانَتْ تَتَكَسَّبُ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ مَحَلِّهَا كَالْقَابِلَةِ وَالْمَاشِطَةِ، فَلَوْ خَرَجَتْ لِلِانْتِقَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهَا قَهْرًا عَلَيْهَا وَلَوْ بِالْأَدَبِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَرْأَةِ (فِي) عِدَّةِ (طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ) فَيَجِبُ أَنْ تَمْكُثَ (حَتَّى تُتِمَّ الْعِدَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُطَلَّقَةِ وَ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] «وَقَوْلُهُ - ﵊ - فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ لِلْفُرَيْعَةِ لَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِوَفَاةِ زَوْجِهَا وَأَرَادَتْ أَنْ تَذْهَبَ إلَى مَحَلِّ أَهْلِهَا: اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ) السَّاكِنَةُ بِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعَارِيَّةِ الْمَحْدُودَةِ بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَادَةِ أَوْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ. (وَ) الْحَالُ أَنَّ رَبَّ الدَّارِ (لَمْ يَقْبَلْ مِنْ الْكِرَاءِ مَا يُشْبِهُ) أَنْ يَكُونَ كِرَاءً لَهَا بَلْ طَلَبَ أَزْيَدَ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا (فَلْتَخْرُجْ) وَلَا يَلْزَمُهَا وَلَا زَوْجَهَا الْإِقَامَةُ بِدَفْعِ أَكْثَرَ مِنْ كِرَاءِ مِثْلِهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ لِعُذْرٍ لَا يُمْكِنُهَا الْإِقَامَةُ مَعَهُ، كَخَوْفِ سُقُوطِ الْمَحَلِّ أَوْ اللُّصُوصِ أَوْ ضَرَرِ الْجِيرَانِ وَلَا حَاكِمَ بِالْبَلَدِ، وَإِلَّا رَفَعَتْ لَهُ، فَمَنْ تَبَيَّنَ ضَرَرَهُ زَجَرَهُ الْحَاكِمُ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ أُشْكِلَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ يَخْرُجُ، هَكَذَا قَالَ خَلِيلٌ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مُخَالِفًا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ: يُخْرِجُ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا رَبُّ الدَّارِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَأَرَادَتْ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ الدَّارِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إخْرَاجُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَوْلَى الْوَرَثَةُ، وَإِنَّمَا يَبِيعُونَهَا إنْ أَرَادُوا ذَلِكَ مَعَ الْبَيَانِ لِلْمُشْتَرِي. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْغُرَمَاءِ بَيْعُ الدَّارِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا، وَمِثْلُ الْغُرَمَاءِ الْوَرَثَةُ حَيْثُ يَكُونُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ بِشَرْطِ اسْتِثْنَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ، وَإِلَّا ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، فَإِنْ ارْتَابَتْ فَهِيَ أَحَقُّ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الصَّبْرِ وَالْفَسْخِ. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ بِالْحَمْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ بَيْعُهَا، بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ فَإِنَّهُمْ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ كَالْوَارِثَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّيْنِ، وَأَمَّا بِالْأَشْهُرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا حَتَّى لِلزَّوْجِ لَكِنْ بِشَرْطِ اسْتِثْنَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ. الثَّانِي: قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ لِرَبِّ الدَّارِ إخْرَاجَ الْمُعْتَدَّةِ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ إذَا زَادَ غَيْرُهُ عَلَى الْأُجْرَةِ الْأُولَى النَّاقِصَةِ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَطَالَبَهَا بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ فَأَبَتْ، وَأَمَّا لَوْ رَضِيَتْ بِدَفْعِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُهَا. (وَ) يَجِبُ عَلَيْهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا لِلِانْتِقَالِ عِنْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ أَنْ (تُقِيمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تَنْتَقِلُ إلَيْهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْأَوَّلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَزِمَتْ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَنْ يُطَالَبُ بِأُجْرَةِ الْمَحَلِّ الثَّانِي، وَهُوَ الزَّوْجُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّكْنَى مُطْلَقًا، فَيَلْزَمُهُ إبْدَالُ الْمُنْهَدِمِ وَالْمُعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَأُبْدِلَتْ فِي الْمُنْهَدِمِ وَالْمُعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ الْمُنْقَضِي الْمُدَّةِ، وَأَمَّا فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ فَإِنَّمَا تَجِبُ لَهَا السُّكْنَى إذَا كَانَ الْمَسْكَنُ مَمْلُوكًا لَهُ، أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهُ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَإِذَا انْهَدَمَ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ السُّكْنَى، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا وَلَوْ كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِغَيْرِهِ. الثَّانِي: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى امْرَأَةِ نَحْوِ الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ مِنْ كُلِّ سَاكِنٍ بِمَحَلٍّ مَوْقُوفٍ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الْوَصْفِ وَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ وَيَنْتَصِبُ غَيْرُهُ مَكَانَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَامْرَأَةُ الْأَمِيرِ وَنَحْوِهِ لَا يُخْرِجُهَا الْقَادِمُ، وَإِنْ ارْتَابَتْ، بَلْ تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى زَمَنَ الْعِدَّةِ، وَلَوْ تَوَلَّى غَيْرُ الْمَيِّتِ الْمُطَلِّقِ وَتَسْتَمِرُّ وَلَوْ لِأَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَكَذَا امْرَأَةُ مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ دَارُ حَيَاتِهِ وَبَعْدُ تَصِيرُ حَبْسًا عَلَى غَيْرِهِ وَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ الْأَوَّلُ وَتَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ انْتَقَلَ الْحَبْسُ لَهُ إخْرَاجُهَا، وَلَوْ لِأَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ كَخَمْسِ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَبَسَ دَارِهِ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلِزَوْجَتِهِ السُّكْنَى، وَلَا يَجُوزُ لِلذُّرِّيَّةِ مُعَارِضَتُهَا زَمَنَ الْعِدَّةِ.
(٣) وَأَمَّا زَوْجَةُ نَحْوِ إمَامِ الْمَسْجِدِ أَوْ خَطِيبِهِ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُهَا فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا السُّكْنَى خِلَافٌ. اقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا السُّكْنَى زَمَنَ عِدَّتِهَا حَيْثُ قَالَ: بِخِلَافِ حَبْسِ مَسْجِدٍ بِيَدِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجَةِ الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ بِأَنَّ دَارَ الْإِمَارَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَزَوْجَةُ نَحْوِ الْأَمِيرِ لَهَا حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ بِالتَّبَعِ لِزَوْجِهَا، بِخِلَافِ خَادِمِ الْمَسْجِدِ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْتُ الْمَسْجِدِ
[ ٢ / ٦٤ ]
وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ أُجْرَةَ رَضَاعِهَا إنْ شَاءَتْ.
وَالْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ بَعْدَ الطَّلَاقِ إلَى احْتِلَامِ الذَّكَرِ وَنِكَاحِ الْأُنْثَى وَدُخُولِهَا، وَذَلِكَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مَوْقُوفًا عَلَى خُصُوصِ مَنْ مَاتَ مِنْ نَحْوِ إمَامٍ، خِلَافًا لِابْنِ زَرْقُونٍ فِي تَقْيِيدِهِ بِالدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفَةُ عَلَى خُصُوصِ الْإِمَامِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ وَيَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ فَيَكُونُ لَهَا السُّكْنَى كَزَوْجَةِ الْأَمِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَخَالَفَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَإِطْلَاقُ خَلِيلٍ أَيْضًا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ الِاسْتِبْرَاءِ وَسُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ أَوْ نَفَقَتِهَا، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ إرْضَاعُ الصَّغِيرِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَمَنْ يَسْتَحِقُّ حَضَانَتَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجِبُ عَلَى (الْمَرْأَةِ) أَنْ (تُرْضِعَ وَلَدَهَا) مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ مَا دَامَتْ (فِي الْعِصْمَةِ) أَيْ أَبِيهِ وَلَوْ حُكْمًا؛ لِتَدْخُلَ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ غَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ فِي ذَلِكَ لِلُزُومِ نَفَقَتِهَا، وَغَايَةُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْ الرَّضَاعِ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] هَذَا أَكْثَرُهُ، وَالصَّحِيحُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِيمَنْ هُوَ حَقُّهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْأُمِّ «لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِلْمَرْأَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهَا مِنْهَا: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ مَا لَمْ تَنْكِحِي» . وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَ أَنَّهُ مِنْ حَقِّهِمَا، وَلِذَا لَا يَجُوزُ فِطَامُ الْوَلَدِ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ لُزُومُ الرَّضَاعِ لِلْأُمِّ مُقَيَّدًا بِغَيْرِ ذَاتِ الْقَدْرِ قَالَ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا لَا يُرْضِعُ) وَلَدَهُ لِعُلُوِّ قَدْرٍ أَوْ مَرَضٍ نَزَلَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُهَا فَعَالِيَةُ الْقَدْرِ، مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عُمُومِ " الْوَالِدَاتُ " فِي الْآيَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ -. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اخْتَصَّ مَالِكٌ دُونَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِاسْتِثْنَاءِ عَالِيَةِ الْقَدْرِ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ؛ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ ؛ وَلِأَنَّ الْعُرْفَ عَدَمُ تَكْلِيفِهَا بِذَلِكَ، وَهُوَ كَالشَّرْطِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْإِرْضَاعِ فَلَهَا الْأَجْرُ عَلَى الْأَبِ، كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ سُقُوطِ الرَّضَاعِ عَنْ عَالِيَةِ الْقَدْرِ كَوْنُ الْأَبِ أَوْ الْوَلَدِ غَنِيًّا مَعَ وُجُودِ مَنْ يُرْضِعُهُ غَيْرُ أُمِّهِ وَقَبُولُهُ إيَّاهَا، وَإِلَّا لَزِمَهَا الْإِرْضَاعُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَعَلَى الْأُمِّ الْمُتَزَوِّجَةِ وَالرَّجْعِيَّةِ رَضَاعُ وَلَدِهَا بِلَا أَجْرٍ إلَّا لِعُلُوِّ قَدْرٍ كَالْبَائِنِ إلَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ غَيْرَهَا، أَوْ يَعْدَمَ الْأَبُ أَوْ يَمُوتَ وَلَا مَالَ لِلصَّبِيِّ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ إلَّا أُمَّهُ لَزِمَهَا إرْضَاعُهُ وَلَهَا الْأَجْرُ مِنْ مَالِهِ حَيْثُ يَكُونَ لَهُ مَالٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكُلُّ مَنْ يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ وَلَا لَبَنَ لَهَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْجَارُ مَنْ يُرْضِعُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَأْجَرَتْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ، وَفَاعِلُ اسْتَأْجَرَتْ مَنْ يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ مَجَّانًا وَجَبَ عَلَيْهَا خَلَفُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهَا بِمَا تَدْفَعُهُ فِي الْأُجْرَةِ، وَيَجِبُ فِيمَنْ تَسْتَأْجِرُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي لَبَنِهَا عَيْبٌ كَكَوْنِهَا حَمْقَاءَ أَوْ جَذْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالرَّضِيعِ. وَمَفْهُومٌ فِي الْعِصْمَةِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْمُطَلَّقَةِ) الْبَائِنِ (رَضَاعُ وَلَدِهَا) بِالْأُجْرَةِ وَتَرْجِعُ بِهَا (عَلَى أَبِيهِ) الْمُوسِرِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِيهِ مَنْ يُرْضِعُهُ مَجَّانًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا إنْ قَبِلَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُرْضِعُهُ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ أُمِّهِ مَجَّانًا عَلَى الْأَرْجَحِ فِي التَّأْوِيلِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهَا لِلْأُمِّ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا الرَّضَاعُ مِنْ شَرِيفَةِ قَدْرٍ أَوْ بَائِنٍ إذَا قَبِلَ غَيْرَهَا أَنْ تُرْضِعَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ الْأَبِ أَوْ مَالِ الْوَالِدَانِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ مَالٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي طَلَبِ الْأُجْرَةِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الْأَبِ مُتَبَرِّعَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ، وَهِيَ حَرَامٌ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الَّتِي مِثْلُهَا لَا تُرْضِعُ وَلَدَهَا لَا يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ وَكَانَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لَوْ أَرْضَعَتْهُ لَا يَجُوزُ لَهَا طَلَبُ الْأَجْرِ دَفَعَ ذَلِكَ الْإِيهَامَ بِقَوْلِهِ: (وَلَهَا) أَيْ الَّتِي لَا يَلْزَمُهَا الْإِرْضَاعُ لِعُلُوِّ قَدْرِهَا (أَنْ) تُرْضِعَ وَلَدَهَا وَ(تَأْخُذَ أُجْرَةَ رَضَاعِهَا) مِنْ أَبِيهِ (إنْ شَاءَتْ) وَلَوْ كَانَتْ فِي عِصْمَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلَهَا إنْ قَبِلَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَعَلَى حَمْلِ هَذَا عَلَى مَنْ فِي الْعِصْمَةِ انْدَفَعَ تَكْرَارُ هَذِهِ مَعَ مَا قَبْلَهَا. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْحَضَانَةِ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُتَرْجِمِ لَهُ مَمْدُوحَةٌ فَقَالَ: (وَالْحَضَانَةُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ مِنْ كَسْرِهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحِضْنِ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَا دُونَ الْإِبْطِ كِفَايَةُ الطِّفْلِ وَتَرْبِيَتُهُ وَالْإِشْفَاقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ هِيَ مَحْصُولُ قَوْلِ الْبَاجِيِّ: حِفْظُ الْوَلَدِ فِي مَبِيتِهِ، وَمُؤْنَةِ طَعَامِهِ وَلِبَاسِهِ، وَمَضْجَعِهِ وَتَنْظِيفِ جِسْمِهِ حَقٌّ (لِلْأُمِّ بَعْدَ الطَّلَاقِ) مِنْ أَبِي الْمَحْضُونِ أَوْ مَوْتِهِ غَايَتِهَا. (إلَى احْتِلَامِ الذَّكَرِ) الْمُحَقَّقِ (وَ) إلَى (نِكَاحِ الْأُنْثَى وَدُخُولِهَا) لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي حَدِيثِ الرَّضَاعِ حَيْثُ «طَلَّقَ شَخْصٌ زَوْجَتَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ ابْنَهَا فَأَتَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَالَ لَهَا: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» قَالَ خَلِيلٌ: وَحَضَانَةُ الذَّكَرِ لِلْبُلُوغِ وَالْأُنْثَى كَالنَّفَقَةِ لِلْأُمِّ وَلَوْ لِأُمِّهِ عِتْقُ وَلَدِهَا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَقَيَّدْنَا الذَّكَرَ بِالْمُحَقَّقِ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ تَسْتَمِرُّ حَضَانَتُهُ مَا دَامَ مُشْكِلًا، وَالْمُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ هُنَا بِغَيْرِ الْإِنْبَاتِ بَلْ بِالسِّنِّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَلَامَاتِ، وَلَا يُعْتَبَرُ بُلُوغُ الذَّكَرِ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ فَتَنْتَهِي حَضَانَةُ الذَّكَرِ بِبُلُوغِهِ وَلَوْ مَجْنُونًا أَوْ زَمِنًا، وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ لِبُلُوغِهِ مَجْنُونًا أَوْ زَمِنًا، وَتَنْتَهِي حَضَانَةُ الْأُنْثَى بِدُخُولِ الزَّوْجِ وَلَوْ صَغِيرَيْنِ، وَإِنْ اسْتَمَرَّتْ نَفَقَتُهُمَا عَلَى أَبِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ سُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالْحَضَانَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدُّخُولَ بِالصَّغِيرِ أَوْ الْكَبِيرِ
[ ٢ / ٦٥ ]
بَعْدَ الْأُمِّ إنْ مَاتَتْ أَوْ نُكِحَتْ لِلْجَدَّةِ ثُمَّ لِلْخَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَوِي رَحِمِ الْأُمِّ أَحَدٌ فَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ.
فَإِنْ لَمْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمُعْسِرِ مُسْقِطٌ لِلْحَضَانَةِ دُونَ النَّفَقَةِ، وَالزَّوَاجُ بِالْبَالِغِ الْمُوسِرِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ مُسْقِطٌ لِلنَّفَقَةِ حَيْثُ دُعِيَ لِلدُّخُولِ مَعَ إطَاقَتِهَا الْوَطْءَ مَعَ بَقَاءِ الْحَضَانَةِ، فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ، وَبِبَيَانِهَا يُعْلَمُ مَا فِي عِبَارَةِ خَلِيلٍ مِنْ تَشْبِيهِ الْحَضَانَةِ بِالنَّفَقَةِ السَّاقِطَةِ بِدُخُولِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ أَوْ الْمُوسِرِ، أَوْ الْمَدْعُوِّ إلَى الدُّخُولِ مَعَ بُلُوغِهِ، وَإِطَاقَتِهَا وَاسْتِمْرَارِ حَضَانَتِهَا، وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ سَلِيمَةٌ مِنْ إيهَامِ، خِلَافِ الْمُرَادِ لِتَصْرِيحِهَا بِسُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالدُّخُولِ، وَيُفْهَمُ مِنْهَا عَدَمُ سُقُوطِهَا بِالْعَقْدِ دُونَ الدُّخُولِ، وَإِنْ سَقَطَتْ النَّفَقَةُ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ أَمَةً عَتَقَ وَلَدُهَا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، إلَى قَوْلِ مَالِكٍ: إذَا أُعْتِقَ وَلَدُ الْأَمَةِ وَزَوْجُهَا حُرٌّ فَطَلَّقَهَا فَهِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ تُبَاعَ فَتَظْعَنَ إلَى غَيْرِ بَلَدِ الْأَبِ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، أَوْ يُرِيدُ الْأَبُ انْتِقَالًا عَنْ بَلَدِ الْأُمِّ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَالْعِتْقُ نَصٌّ عَلَى الْمُتَوَهِّمِ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يُعْتَقْ، وَكَذَا أُمُّ الْوَلَدِ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ وَلَدِهَا مِنْ زَوْجِهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا، وَكَذَا وَلَدُ الْأَمَةِ أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ مِنْ سَيِّدِهِمَا فَلَهُمَا حَضَانَتُهُ إذَا عَتَقَا أَوْ مَاتَ سَيِّدُهُمَا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَمَةِ حَضَانَةَ ابْنِهَا مِنْ زَوْجِهَا أَنْ لَا يَتَسَرَّرَهَا لِسَيِّدٍ أَيْ يَتَّخِذُهَا لِلْوَطْءِ؛ لِأَنَّ تَسَرُّرَ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَةِ دُخُولِ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ بِالْحَضَانَةِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُصَرِّحْ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ الْحَضَانَةِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْأُمِّ، وَمَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِهَا وَهُوَ الْوُجُوبُ الْعَيْنِيُّ، إنْ لَوْ يُوجَدْ إلَّا الْحَاضِنُ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْمَحْضُونِ وَالْكِفَائِيُّ عِنْدَ تَعَدُّدِهِ، وَلِذَا إذَا وَجَدَ جَمَاعَةٌ طِفْلًا مَنْبُوذًا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْتِقَاطُهُ وَحَضْنُهُ، فَإِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. الثَّانِي: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَالْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ ظَاهِرَةٌ وَلَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا حَصْرُ الْحَضَانَةِ فِي الْأُمِّ لِمَا تَقَرَّرَ فِي النَّحْوِ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ نَحْوُ: الْكَرَمُ فِي الْعَرَبِ، وَالْمَجْدُ فِي قُرَيْشٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِقْهًا؛ لِأَنَّ غَيْرَهَا يَحْضُنُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ حَصْرٌ إضَافِيٌّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: الْحَضَانَةُ بَعْدَ طَلَاقِ الْأُمِّ لَهَا لَا لِلْأَبِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ غَيْرَهَا لَهُ الْحَضَانَةُ إذَا سَقَطَتْ حَضَانَةُ مَنْ قَبْلَهُ فِي الْمَرْتَبَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَذَلِكَ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ حَضَانَةِ الْوَلَدِ (بَعْدَ الْأُمِّ إنْ مَاتَتْ أَوْ نَكَحَتْ) أَيْ تَزَوَّجَتْ بِأَجْنَبِيٍّ وَدَخَلَ بِهَا يَنْتَقِلُ (لِلْجَدَّةِ) أُمِّ أُمِّ الْمَحْضُونِ، وَإِنْ عَلَتْ لِقُرْبِ شَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِ ابْنَتِهَا. وَمِثْلُهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أُمُّ أَبِ الْأُمِّ، فَالْمُرَادُ الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الشَّامِلَةِ لِجِهَةِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَإِنْ قُدِّمَتْ الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ الْإِنَاثِ. (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْضُونِ جَدَّةٌ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ أَوْ كَانَتْ وَلَكِنْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ (لِلْخَالَةِ) أَيْ خَالَةِ الْمَحْضُونِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهِ مُطْلَقًا (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ يُوجَدُ (مِنْ ذَوِي رَحِمٍ) أَيْ قَرَابَاتِ (الْأُمِّ أَحَدٌ فَالْأَخَوَاتُ) يَحْضُنَّ الطِّفْلَ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ مَرْتَبَةَ الْأَخَوَاتِ بَعْدَ خَالَةِ الْمَحْضُونِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ أَسْقَطَ بَعْدَ الْخَالَةِ خَالَةَ الْخَالَةِ، وَعَمَّةَ أُمِّهِ، وَعَمَّةَ خَالَتِهِ، وَهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبَعْدَهُمَا الْجَدَّةُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ كَأُمِّ أَبِيهِ وَأُمِّ أَبِ أَبِيهِ، وَبَعْدَ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَةِ أَبِ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى أَخَوَاتِ الْمَحْضُونِ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ: ثُمَّ الْخَالَةُ ثُمَّ خَالَتُهَا ثُمَّ جَدَّةُ الْأَبِ ثُمَّ الْأَبُ، وَإِنْ كَانَ خَلِيلٌ أَسْقَطَ أَيْضًا عَمَّةَ الْأُمِّ وَعَمَّةَ الْخَالَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ جَعْلُ الْمُصَنِّفِ الْأَخَوَاتِ بَعْدَ الْخَالَاتِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِنَّ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إمَامٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: يَجِبُ تَقْيِيدُ الرَّحِمِ بِالْمَحْرَمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْمَحْرَمِ كَبِنْتِ عَمَّةِ الْمَحْضُونِ أَوْ بِنْتِ خَالَتِهِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا حَقَّ لَهُنَّ فِي الْحَضَانَةِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ: اعْلَمْ أَنَّ الْحَضَانَةَ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى وَصْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ رَحِمٍ، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُحَرَّمَةً عَلَى الْمَحْضُونِ، فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ رَحِمٍ وَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَبِنْتِ الْخَالَةِ وَبِنْتِ الْعَمَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ وَلَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَحِمٍ لَهُ كَالْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ بِالصِّهَارَةِ أَوْ الرَّضَاعِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ وَهُوَ انْفِرَادُ الْحَاضِنِ فِي السُّكْنَى عَمَّنْ سَقَطَتْ حَضَانَتُهُ. (وَ) يَلِي مَرْتَبَةَ أَخَوَاتِ الطِّفْلِ (الْعَمَّاتُ) الْمُرَادُ عَمَّتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ أُخْتَ الْأَبِ أَوْ أُخْتَ أَبِ الْأَبِ، وَبَعْدَ الْعَمَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ الْخَالَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَهِيَ بَعْدَ عَمَّةِ الْأَبِ، وَسَوَاءٌ أُخْتُ أُمِّ الْأَبِ أَوْ أُخْتُ أُمِّ أَبِيهِ، وَإِنْ عَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْضُونِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ عَمَّةٌ وَلَا خَالَةٌ أَوْ كَانَتْ وَسَقَطَتْ حَضَانَتُهَا فَقِيلَ: تَلِيهَا بِنْتُ الْأَخِ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَقِيلَ: بِنْتُ الْأُخْتِ شَقِيقَةً أَوْ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ. قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ هَلْ بِنْتُ الْأَخِ أَوْ الْأُخْتِ أَوْ الْأَكْفَاءِ مِنْهُنَّ أَيْ أَوْ هُمَا فِي الْمَرْتَبَةِ سَوَاءٌ، وَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي شَأْنِهِمَا فَيَقْضِي لِأَحْرَزِهِمَا، وَمَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ مِنْهُمَا بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَحْضُونِ. ثُمَّ شَرَعَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ بَعْدَ الْإِنَاثِ السَّابِقَاتِ عَلَى الْأَبِ وَالْمُتَأَخِّرَات عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ
[ ٢ / ٦٦ ]
[النفقة وأسبابها]
يَكُونُوا فَالْعَصَبَةُ.
وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ النَّفَقَةُ إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً.
وَعَلَى أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ.
وَعَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَكُونُوا) أَيْ الْإِنَاثُ السَّابِقَاتُ اللَّاتِي لَهُنَّ الْحَضَانَةُ بَعْدَ أُمِّ الْمَحْضُونِ، وَلِذَا قَالَ بَعْدُ: الصَّوَابُ يَكُنْ بَنُونَ الْإِنَاثِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ لِلْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ رَاعَى الْأَشْخَاصَ فَذَكَّرَ الضَّمِيرَ، وَالْمَعْنَى: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُقَدَّمْنَ فِي الْحَضَانَةِ لِرِفْقِهِنَّ (فَالْعَصَبَةُ) غَيْرُ الْأَبِ هُمْ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْحَضَانَةَ، وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ الْعَصَبَةِ الشَّامِلُ لِعَصَبَةِ الْوَلَاءِ، وَإِنْ قُدِّمَتْ عَصَبَةُ النَّسَبِ عَلَى عَصَبَةِ الْوَلَاءِ، وَمَحَلُّ اسْتِحْقَاقِ الْعَصَبَةِ بَعْدَ الْإِنَاثِ السَّابِقَاتِ حَيْثُ لَا وَصِيَّ، وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَى الْعَصَبَةِ فِي الْإِنَاثِ الصِّغَارِ، وَفِي الذُّكُورِ مُطْلَقًا، وَلَهُ حَضَانَةُ الْإِنَاثِ الْكِبَارِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَوَاتُ مَحَارِمَ فَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي حَضَانَتِهِ لَهُنَّ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حَالٍ، فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الشَّفَقَةِ فَهُوَ أَحَقُّ، وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُ الْوَصِيِّ وَصِيُّ الْوَصِيِّ، وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي، وَيُقَدَّمُ بَعْدَ الْوَصِيِّ أَخُ الْمَحْضُونِ، وَيُقَدَّمُ الشَّقِيقُ عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ الْأَخُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُهُ لَا جَدٌّ لِأُمٍّ وَاخْتَارَ خِلَافَهُ، وَالْمُرَادُ ثُمَّ بَعْدَ الْوَصِيِّ الْأَخُ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِخَلِيلٍ أَنْ يَقُولَ: ثُمَّ الْأَخُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ أَبُ الْأَبِ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْأَخِ وَابْنِهِ عَلَى الصَّوَابِ، وَأَمَّا الْجَدُّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَعَلَى أَنَّهُ لَهُ الْحَضَانَةُ عَلَى اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ. وَاسْتَظْهَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّ مَرْتَبَتَهُ تَلِي مَرْتَبَةَ الْجَدِّ أَبِ الْأَبِ، ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْمُعْتِقُ بِكَسْرِ التَّاءِ وَعَصَبَتُهُ مِنْ مَوَالِي النَّسَبِ، ثُمَّ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ وَهُوَ الْمُعْتَقُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَصُورَتُهُ إنْسَانٌ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ الْحَضَانَةُ وَهُوَ مَوْلًى أَعْلَى فَوُجِدَ قَدْ مَاتَ وَلَهُ عَتِيقٌ فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَنْتَقِلُ لِعَتِيقِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الشَّقِيقَ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَدْخُلُ فِيهِمْ الشِّقَاقَةُ، ثُمَّ الَّذِي لِلْأُمِّ عَلَى ذِي الْأَبِ لَا فِي نَحْوِ الْوَصِيِّ وَلَا الْمَوْلَى. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إنَّمَا قَيَّدْنَا الْعَصَبَةَ بِقَوْلِنَا غَيْرِ الْأَبِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ مَرْتَبَةَ أَبِ الْمَحْضُونِ قَبْلَ أَخَوَاتِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي خَلِيلٍ، خِلَافًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُوهِمِ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْعَصَبَةِ الْمُؤَخَّرِينَ فِي الْمَرْتَبَةِ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا حَضَانَةَ لَهُ، إذْ جَعَلَ مَرْتَبَةَ الْعَصَبَةِ وَالِيَةً لِمَرْتَبَةِ الْإِنَاثِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَصِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى سَائِرِ الْعَصَبَةِ وَيَلِيهِ الْإِخْوَةُ كَمَا ذَكَرْنَا تَبَعًا لِخَلِيلٍ - ﵀ -. الثَّانِي: إذَا اجْتَمَعَ شَخْصَانِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْمَرْتَبَةِ قُدِّمَ مَنْ لَهُ صِيَانَةٌ وَشَفَقَةٌ عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِذَا انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَصْفٍ قُدِّمَ صَاحِبُ الشَّفَقَةِ عَلَى ذِي الصِّيَانَةِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ قُدِّمَ بِالسَّوَاءِ، فَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْجَمِيعِ فَالظَّاهِرُ الْقُرْعَةُ.
(٢) الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى شُرُوطِ الْحَاضِنِ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَشَرْطُ الْحَاضِنِ الْعَقْلُ وَالْكَفَاءَةُ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَحْضُونِ، فَالزَّمِنُ وَالْمُسِنُّ وَالْأَعْمَى وَالْأَخْرَسُ وَالْأَصَمُّ لَا حَضَانَةَ لَهُمْ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ نَحْوِ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ، لِمَا أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ مِنْ حُصُولِ مِثْلِ ذَلِكَ الْمَرَضِ الْمُتَّصِلِ بِصَاحِبِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّشْدِ وَالضَّبْطِ بِحَيْثُ يَحْفَظُ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ الْحِفْظُ، وَيَكْتَفِي بِحَضْنِ حَاضِنِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ عِنْدَهُ حَاضِنٌ، وَعَدَمُ الْقَسْوَةِ فَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ قِلَّةُ الْحَنَانِ وَالْعِطْفِ إمَّا لِطَبْعِهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنِ أَبَوَيْ الْمَحْضُونِ قُدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَكَوْنُ الْمَكَانِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ الْحَاضِنُ حِرْزًا بِأَنْ لَا يُخْشَى عَلَى الْبِنْتِ الْفَسَادُ فِيهِ، وَكَذَا الذَّكَرُ إنْ كَانَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْفَسَادُ أَيْضًا. وَهَذَا يَتَضَمَّنُ اشْتِرَاطَ أَمَانَةِ الْحَاضِنِ عَلَى الْمَحْضُونِ، وَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْحَاضِنِ الذَّكَرِ أُنْثَى تَحْضُنُ كَامْرَأَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ الْأَزْوَاجِ يَسْتَأْجِرُهَا، أَوْ أَمَةٍ لَمْ يَتَّخِذْهَا لِلْوَطْءِ، وَكَوْنُ الْأُنْثَى الْحَاضِنَةِ خَالِيَةً عَنْ دُخُولِ الزَّوْجِ الْأَجْنَبِيِّ بِهَا، وَإِلَّا انْتَقَلَتْ الْحَضَانَةُ لِمَنْ بَعْدَهَا، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالدُّخُولِ وَيَسْكُتَ الْعَامَ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ حَضَانَتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُحَرَّمًا لِلْمَحْضُونِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَضَانَةٌ كَخَالَةٍ وَتَزَوَّجَ بِالْحَضَانَةِ غَيْرِ الْأُمِّ أَوْ كَانَ وَالِيًا لِلْمَحْضُونِ كَابْنِ عَمِّهِ، أَوْ كَانَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ الْحَاضِنَةِ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يُرْضِعُهُ عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ الْحَضَانَةُ لِذَاتِ الزَّوْجِ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمُبَاشَرَةِ، فَمَنْ اتَّصَفَ بِضِدِّهَا سَقَطَ حَقُّهُ جُمْلَةً إلَّا الْقُدْرَةَ فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ، فَالْحَاضِنُ الْمُسِنُّ لَوْ طَلَبَ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَحْضُنُ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْأَجْذَمِ أَوْ صَاحِبِ الْقَسْوَةِ فَلَا حَقَّ لَهُ. الرَّابِعُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ يَقْبِضُ نَفَقَةَ الْمَحْضُونِ، وَاَلَّذِي يَقْبِضُهَا الْحَاضِنُ قَهْرًا عَلَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَطْفَالَ لَمْ يَنْضَبِطْ لَهُمْ حَالٌ، وَلَكِنْ قَبْضُهَا مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِالسَّعَةِ وَعَدَمِهَا، فَتَكُونُ بِالْجُمُعَةِ أَوْ الشَّهْرِ، وَإِذَا ادَّعَى الْحَاضِنُ ضَيَاعَهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى الضَّيَاعِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالسُّكْنَى تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَأُجْرَةُ مَحَلِّ الْحَاضِنِ عَلَى أَبِ الْمَحْضُونِ، وَلَا يَلْزَمُ الْحَاضِنَةَ شَيْءٌ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ، وَلَا تَسْتَحِقُّ الْحَاضِنَةُ شَيْئًا لِأَجْلِ حَضَانَتِهَا لَا نَفَقَةَ وَلَا أُجْرَةَ حَضَانَةٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْحَاضِنَةُ أُمَّ الْمَحْضُونِ وَهِيَ فَقِيرَةٌ وَالْمَحْضُونُ مُوسِرٌ، وَإِلَّا وَجَبَ لَهَا أُجْرَةُ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ فِي مَالِهِ مِنْ حَيْثُ فَقْرِهَا، وَلَوْ لَمْ تَحْضُنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [النَّفَقَةُ وَأَسْبَابُهَا] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْحَضَانَةِ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى ثَالِثِ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَرْجَمَ لَهَا وَهُوَ بَابُ النَّفَقَةِ
[ ٢ / ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَحَقِيقَتُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ دُونَ سَرَفٍ وَأَسْبَابُهَا ثَلَاثَةٌ: الزَّوْجِيَّةُ وَالْمِلْكُ وَالْقَرَابَةُ، فَقَالَ: (وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ) الْمُوسِرَ (النَّفَقَةُ) عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْأَحْرَارِ غَيْرِ الْأَقَارِبِ بِغَيْرِ اضْطِرَارٍ أَوْ الْتِزَامٍ (إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ) الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَرِيضَةً وَلَوْ مُشْرِفَةً، أَوْ الَّتِي دَعَتْهُ لِلدُّخُولِ بِهَا، وَهِيَ مُطِيقَةٌ لِوَطْئِهِ مَعَ بُلُوغِهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا، فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا سَوَاءٌ (كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً) قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ لِلْمُمَكِّنَةِ مُطِيقَةِ الْوَطْءِ عَلَى الْبَالِغِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا قُوتٌ وَإِدَامٌ وَكِسْوَةٌ، وَمَسْكَنٌ بِالْعَادَةِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَحَالِهَا وَالْبَلَدِ وَالسِّعْرِ، وَإِنْ أَكُولَةً، وَتُزَادُ الْمُرْضِعُ مَا تَتَقَوَّى بِهِ، إلَّا الْمَرِيضَةَ وَقَلِيلَةَ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا مَا تَأْكُلُ إلَّا الْمُقَرَّرُ لَهَا شَيْءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ، فَيَلْزَمُ الْمُقَرَّرَ، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ الْحَرِيرُ، قِيلَ مُطْلَقًا وَقِيلَ فِي حَقِّ الْمَدَنِيَّةِ لِقَنَاعَتِهَا، فَيُفْرَضُ لَهَا الْمَاءُ وَالزَّيْتُ وَالْحَطَبُ وَالْمِلْحُ وَاللَّحْمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِلْقَادِرِ، وَيَلْزَمُهُ الْحَصِيرُ وَالسَّرِيرُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْقَابِلَةِ، وَيَلْزَمُهُ لَهَا الزِّينَةُ الَّتِي تَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهَا كَالْكُحْلِ وَالدُّهْنِ الْمُعْتَادَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ لَهَا مُكْحُلَةٌ وَلَا دَوَاءٌ إذَا مَرِضَتْ، وَلَا أُجْرَةُ حِجَامَةٍ وَلَا ثِيَابُ مَخْرَجٍ، وَيَلْزَمُهَا لَهُ الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ وَفَرْضٍ وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ إنْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْبَوَادِي اللَّاتِي اعْتَدْنَ ذَلِكَ، لَا إنْ كَانَ زَوْجُهَا عَادَةُ زَوْجَتِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، كَبَعْضِ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْدَارِ وَلَا يَلْزَمُهَا التَّكَسُّبُ لَهُ كَغَزْلٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ نَسْجٍ وَلَوْ كَانَ عُرْفُ بَلَدِهَا ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضٌ: إلَّا أَنْ يَعْتَادُوا ذَلِكَ، وَأَمَّا نَحْوُ الْخِيَاطَةِ وَغَسْلُ الثِّيَابِ فَيَجْرِي عَلَى الْعُرْفِ، قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا.
(٢) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ الرَّجُلُ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجَتِهِ إلَّا إذَا كَانَ بَالِغًا وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ، وَإِنْ اتَّسَعَ فِي الْمَالِ وَافْتَضَّهَا؛ لِأَنَّهَا أَوْ وَلِيَّهَا هِيَ الْمُسَلَّطَةُ لَهُ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ أَوْ تُطِيقُهُ، لَكِنْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الدُّخُولِ أَوْ مَكَّنَتْهُ وَدَعَتْهُ لَكِنَّهُ صَبِيٌّ أَوْ بَالِغٌ إلَّا أَنَّهَا مُشْرِفَةٌ عَلَى الْمَوْتِ بِأَنْ أَخَذَتْ فِي النَّزْعِ، بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا إلَّا مَوْتُهَا. الثَّانِي: قَيَّدْنَا الرَّجُلَ بِالْمُوسِرِ؛ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ، بَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ بِأَكْلِهَا مَعَهُ، وَلَوْ مُقَرَّرَةً، وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ مَحْجُورَةً لِسَفَهِهَا؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي نَفَقَتِهِ، وَكَذَا تَسْقُطُ إذَا مَنَعَتْهُ الْوَطْءَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا بِوَجْهٍ، وَإِلَّا وَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ إذَا خَرَجَتْ لِضَرَرٍ بِهَا مِنْهُ عَجَزَ عَنْ رَدِّهَا، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ الْحَاضِرِ زَوْجُهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ، لَا إنْ كَانَ غَائِبًا وَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ مُدَّةَ سَفَرِهِ، أَوْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا مُطْلَقًا أَوْ بَائِنًا، وَهِيَ حَامِلٌ، وَإِلَّا فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ مَحَلِّ طَاعَتِهِ، وَإِذَا وُجِدَ شَرْطُ الْإِنْفَاقِ وَجَبَتْ النَّفَقَةُ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا وَنَفَقَتُهُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ إلَّا لِعُرْفٍ بِأَنَّهَا عَلَى السَّيِّدِ.
(٣) الثَّالِثُ: لَوْ عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ النَّفَقَةِ فَلَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا الْفَسْخُ إنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ لَا مَاضِيَةٍ إلَّا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَالِمَةً بِفَقْرِهِ وَرَاضِيَةً بِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا إنْ عَلِمَتْ فَقْرَهُ أَوْ أَنَّهُ مِنْ السُّؤَالِ إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ أَوْ يَشْتَهِرَ بِالْعَطَاءِ وَيَنْقَطِعَ، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ، وَصِفَةُ الْفَسْخِ يُفْصَلُ فِيهَا بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجِ ثَابِتَ الْعُسْرِ وَالْمَرْأَةِ ثَابِتَةَ الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ بِالشُّهْرَةِ أَوْ يَكُونَانِ طَارِئَيْنِ فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتِ الْعُسْرِ فَيَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَإِنْ أَنْفَقَ أَوْ طَلَّقَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِلَّا طُلِّقَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِ بِأَنْ يَأْمُرَهَا بِطَلَاقِهِ أَوْ يَقُولَ طَلَّقْتهَا مِنْك. وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ رَجْعَتِهَا إلَّا إنْ وَجَدَ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ يَسَارًا يَقُومُ بِوَاجِبِ مِثْلِهَا، بِحَيْثُ يَجِدُ شَيْئًا يَظُنُّ مَعَهُ إدَامَةُ النَّفَقَةِ، وَيَحْصُلُ الْأَمْنُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْهَا مَعَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا لَوْ تَجَمَّدَ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ فَلَهَا الطَّلَبُ بِهَا حَيْثُ تَجَمَّدَتْ فِي زَمَنِ يُسْرِهِ، وَلَكِنْ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا كَمَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ عَنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا، بِخِلَافِ عَجْزِهِ عَنْ الْحَالِ مِنْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهَا التَّطْلِيقُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ التَّطْلِيقُ مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أَسْبَابَ النَّفَقَةِ ثَلَاثَةٌ وَقَدَّمَ الْآكَدَ مِنْهَا وَهُوَ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ، شَرَعَ فِي ثَانِي الْأَسْبَابِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ بِقَوْلِهِ: (وَ) لَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ الْحُرَّ الْمُوسِرَ النَّفَقَةُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ قَرَابَاتِهِ (عَلَى أَبَوَيْهِ) دُنْيَةِ الْحُرَّيْنِ (الْفَقِيرَيْنِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَبِالْقَرَابَةِ عَلَى الْمُوسِرِ نَفَقَةٌ وَالْوَالِدَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُطَالَبَ بِالنَّفَقَةِ إنْ كَانَ زَوْجًا اُشْتُرِطَ بُلُوغُهُ وَيَسَارُهُ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مَالِكًا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغٌ، وَقَيَّدْنَا بِالْحُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَيْنِ غَنِيَّانِ بِسَيِّدِهِمَا بِدِنْيَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ لَا تَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ وَلَدَ الْوَلَدِ، لِلْأَبَوَيْنِ إثْبَاتُ فَقْرِهِمَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيفُهُمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُقُوقِ، وَإِنْ كَانَ الْعُسْرُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَيَمِينٍ، وَاخْتُلِفَ فِي حَمْلِ الْوَلَدِ عَلَى الْمَلَأِ أَوْ الْعَمِّ إذَا طَلَبَهُ
[ ٢ / ٦٨ ]
الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ عَلَى الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَلَا زَمَانَةَ بِهِمْ وَعَلَى الْإِنَاثِ حَتَّى يُنْكَحْنَ وَيَدْخُلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَلَا نَفَقَةَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَبَوَانِ، وَادَّعَى الْعَجْزَ عَلَى قَوْلَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَخٌ مَلِيءٌ، وَإِلَّا اتَّفَقَ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْمَلَأِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَدَمُ، وَقَيَّدْنَا الْوَلَدَ بِالْحُرِّ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ، وَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى الْكَسْبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَخَالَفَهُ اللَّخْمِيُّ، وَإِذَا كَانَ لِلْوَالِدَيْنِ نَحْوُ دَارٍ لِأَفْضَلَ فِي ثَمَنِهَا فَكَالْعَدِمِ، وَكَمَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمُوسِرَ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ خَادِمِهِمَا وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُحْتَاجَيْنِ إلَيْهِ، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اتِّخَاذُ خَادِمٍ لَهُمَا إنْ احْتَاجَا إلَيْهِ وَحَرِّرْهُ. وَكَذَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ نَفَقَةُ خَادِمِ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ إعْفَافُ أَبِيهِ بِزَوْجَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْقُوتِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ أَمَةٍ لَهُ وَلَا أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ إلَّا إذَا لَمْ تُعِفَّهُ الْوَاحِدَةُ، وَإِذَا تَعَدَّدَتْ زَوْجَةُ الْأَبِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ وَيَخْتَارُهَا الْأَبُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُنَّ أُمَّهُ فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَتَعَدَّدُ إنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أُمَّهُ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ يُنْفِقُ عَلَى أُمِّهِ فَقَطْ حَيْثُ كَانَتْ تُعِفُّهُ، وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ عَلَى الْوَلَدِ. الْأُمُّ يُنْفِقُ عَلَيْهَا بِالْقَرَابَةِ وَالْأُخْرَى بِالزَّوْجِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَالزَّوْجِيَّةُ، وَالْقَوْلُ لِلْأَبِ فِيمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا الْوَلَدُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا أُمَّهُ وَطَلَبَ الْأَبُ النَّفَقَةَ عَلَى مَنْ نَفَقَتُهَا أَكْثَرُ، وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ الْأُمُّ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ هُنَا لِلزَّوْجَةِ لَا لِلْقَرَابَةِ.
(٢) (فَرْعٌ) لَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ الْفَقِيرَةُ بِفَقِيرٍ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يُسْقِطُهَا تَزْوِيجُهَا بِفَقِيرٍ، وَمِثْلُهَا الْبِنْتُ لَوْ تَزَوَّجَتْ بِفَقِيرٍ تَسْتَمِرُّ نَفَقَتُهَا عَلَى أَبِيهَا، وَلَوْ قَدَرَ زَوْجُ الْأُمِّ أَوْ الْبِنْتِ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ لَزِمَ الْوَلَدَ وَالْأَبَ إكْمَالُهَا. (تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ الْوَلَدُ مُتَعَدِّدًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى الْأَوْلَادِ حَسَبَ الْيَسَارِ عَلَى أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ. (وَ) كَمَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمُوسِرَ إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَى أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ يَلْزَمُ الْوَلَدَ الْمُوسِرَ إجْرَاؤُهَا (عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ) الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَيَسْتَمِرُّ وُجُوبُ الْإِنْفَاقِ (عَلَى الذُّكُورِ حَتَّى يَحْتَلِمُوا وَ) الْحَالُ أَنَّهُمْ (لَا زَمَانَةَ) أَيْ لَا عَجْزَ قَائِمٌ (بِهِمْ) قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ وَتَجِبُ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الذَّكَرِ الْحُرِّ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ وَلَا سَعَةَ تَقُومُ بِهِ عَلَى الْأَبِ الْحُرِّ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَيَجِدُ مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ، أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ صَنْعَةٌ لَا مَعَرَّةَ فِيهَا تَقُومُ بِهِ لَسَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا أَنْ يَنْفَدَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَفْرُغَ مَالُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ يَدْفَعُهُ الْأَبُ قِرَاضًا وَيُسَافِرُ الْعَامِلُ وَلَا يُوجَدُ مُسَلِّفٌ فَتَعُودُ عَلَى الْأَبِ. وَأَمَّا الْوَلَدُ الرَّقِيقُ فَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ لَا عَلَى أَبِيهِ وَلَوْ حُرًّا، وَلَا عَلَى الْأَبِ الرَّقِيقِ نَفَقَةٌ وَلَهُ وَلَوْ حُرًّا، وَنَفَقَةُ وَلَدِهِ الْحُرِّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ كَانَ مُتَخَلِّفًا عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرِّيَّتُهُ بِالْعِتْقِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى مُعْتِقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ زَمِنًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَعْمَى، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَكْتَسِبُ فِيهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ أَوْ يَلْحَقُهُ بِهِ الْمَعَرَّةُ لَمْ يَسْقُطْ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَلَغَ صَحِيحًا قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ بِحَيْثُ سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ ثُمَّ طَرَأَتْ زَمَانَتُهُ أَوْ جُنُونُهُ لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (تَنْبِيهٌ) . عُلِمَ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَهُ مَالٌ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنَّمَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، كَمَا عُلِمَ أَنَّ مِثْلَ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ مَنْ بَلَغَ زَمِنًا أَوْ مَجْنُونًا وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَلَا مَالَ لَهُ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّغِيرِ فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَى أَبِيهِ. (وَ) يَجِبُ عَلَى الْأَبِ الْإِنْفَاقُ (عَلَى الْإِنَاثِ) الْفَقِيرَاتِ وَلَوْ كَبِرْنَ وَجَاوَزْنَ حَدَّ التَّعْنِيسِ (حَتَّى يُنْكَحْنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يُعْقَدُ عَلَيْهِنَّ (وَيَدْخُلُ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ) الْبَالِغُونَ الْمُوسِرُونَ، وَمِثْلُ الدُّخُولِ الدَّعْوَى لِلدُّخُولِ حَيْثُ كَانَ بَالِغًا وَهِيَ مُطِيقَةٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَقَةُ الْأُنْثَى حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الصَّبِيُّ أَوْ الْفَقِيرُ فَإِنَّ نَفَقَتَهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ أَبِيهَا لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ نَفَقَةَ الْأُمِّ الْفَقِيرَةِ، وَمِثْلُهَا الْبِنْتُ لَا تَسْقُطُ بِالزَّوَاجِ لِلْفَقِيرِ، فَلَوْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا، وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِ بَكَارَتِهَا فَإِنَّ نَفَقَتَهَا تَعُودُ عَلَى أَبِيهَا، بِخِلَافِ لَوْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا ثِيبَةً صَحِيحَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَمَرَّتْ إنْ دَخَلَ زَمِنَةً ثُمَّ طَلَّقَ لَا إنْ عَادَتْ بَالِغَةً أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ، وَالْمَعْنَى: إنْ عَادَتْ إلَى الْأَبِ بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ بَالِغَةٌ صَحِيحَةٌ قَادِرَةٌ عَلَى الْكَسْبِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ، أَوْ عَادَتْ الزَّمَانَةُ عِنْدَ الزَّوْجِ بَعْدَ بُلُوغِهَا صَحِيحَةً فَلَا تَعُودُ نَفَقَتُهَا عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ الضَّابِطَ فِي ذَلِكَ إنْ ثِيبَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ مَعَ بُلُوغِهَا وَصِحَّتِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْ أَبِيهَا، وَلَوْ طَرَأَتْ عَلَيْهَا الزَّمَانَةُ بَعْدَ ذَلِكَ وَطَلُقَتْ، بِخِلَافِ لَوْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا زَمِنَةً وَاسْتَمَرَّتْ حَتَّى طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَعُودُ عَلَى الْأَبِ كَعَوْدِهَا بِطَلَاقِهَا أَوْ مَوْتِ زَوْجِهَا وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ وَلَوْ ثَيِّبًا.
(٣) (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ عَنْ الْكَلَامِ عَلَى نَفَقَةِ خَادِمِ الْأَوْلَادِ أَوْ اتِّخَاذِهِ عِنْدِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَعِنْدَ الْقَرَوِيِّينَ لَا يَلْزَمُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ كَلَامِ خَلِيلٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَبَ أَنْ يَخْدُمَ الْوَلَدَ إنْ احْتَاجَ وَكَانَ مَلِيًّا قَالَ فِيهَا: وَإِنْ أَخَذَ الْوَلَدَ مَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ فَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى مَا بَقُوا فِي الْحَضَانَةِ وَيَخْدُمُهُمْ إنْ اتَّسَعَ إلَى ذَلِكَ.
[ ٢ / ٦٩ ]
لِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَقَارِبِ وَإِنْ اتَّسَعَ فَعَلَيْهِ إخْدَامُ زَوْجَتِهِ.
وَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ وَيُكَفِّنَهُمْ إذَا مَاتُوا وَاخْتُلِفَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ أَوْلَادٍ أَوْ أَبَوَيْنِ، وَالصَّوَابُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ بِالْأَصَالَةِ وَنَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ بِالْعُرُوضِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَفَقَةُ الْأُمِّ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبِ، وَنَفَقَةُ الصَّغِيرِ عَلَى نَفَقَةِ الْكَبِيرِ، وَنَفَقَةُ الْأُنْثَى عَلَى نَفَقَةِ الذَّكَرِ، وَعِنْدَ التَّسَاوِي يَقَعُ التَّحَاصُصُ كَمَا يَقَعُ التَّحَاصُصُ فِي الزَّوْجَاتِ عِنْدَ ذَلِكَ، وَكَذَا تُقَدَّمُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وَأَمَّا نَفَقَةُ نَفْسِهِ فَتُقَدَّمُ وَلَوْ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ لِسُقُوطِ الْوُجُوبِ عَنْهُ لِغَيْرِهِ حِينَئِذٍ. الثَّالِثُ: مُقْتَضَى لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ الْإِنْفَاقُ إلَّا عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَبَوَيْهِ وَأَوْلَادِهِ أَنَّ الْأُنْثَى لَيْسَتْ كَالذَّكَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا بَيْنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ فَتُسَاوِي الرَّجُلَ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَوْلَادِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْأُمِّ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ الْيَتِيمِ الْفَقِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي آخِرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ: نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ دُونَ الْأُمِّ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى هَذَا لُزُومُ اسْتِئْجَارِ مَنْ لَزِمَهَا الرَّضَاعُ وَلَا لَبَنَ لَهَا؛ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ كَجَرَيَانِهِ بِلُزُومِ الْإِرْضَاعِ لِغَيْرِ عَالِيَةِ الْقَدْرِ مَا دَامَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى أَبِيهِ وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ.
(٢) الرَّابِعُ: مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ، بَلْ صَرِيحُ الْآيَةِ أَنَّ نَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ وَاجِبَةٌ عَلَى الْوَلَدِ الْمُوسِرِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمٍ حَيْثُ كَانَ فَقْرُهُمَا ثَابِتًا، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهَا مِنْ جُمْلَةِ الدَّيْنِ الْمُسْقِطِ لِزَكَاةِ مَا عِنْدَ الْوَلَدِ مِنْ الْمَالِ الْحُكْمِ مَعَ التَّسَلُّفِ، وَأَمَّا أَصْلُ الْوُجُوبِ عَلَى الْوَلَدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الْفَقِيرِ عَلَى وَالِدِهِ، وَلَفْظُ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الزَّكَاةِ بَعْدَ تَنْظِيرِهِ فِي تَقْرِيرِ بَعْضِ الشُّيُوخِ، إذْ يَأْتِي فِي بَابِ النَّفَقَةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ الْمُعْسِرِ تَجِبُ عَلَى وَالِدِهِ الْمُوسِرِ بِمُجَرَّدِ الْعُسْرِ وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت. وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ صَرِيحُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ وَعَكْسُهُ، وَهُوَ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ وَاجِبَةٌ بِالْأَصَالَةِ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الْوَالِدِ كَانَتْ سَاقِطَةً فَلَا تَجِبُ إلَّا بِالْحُكْمِ.
(٣) الْخَامِسُ: لَوْ تَرَكَ الْوَلَدُ الْإِنْفَاقَ عَلَى أَحَدِ أَبَوَيْهِ مُدَّةً مَعَ وُجُوبِهَا أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهَا مَنْ وَجَبَتْ لَهُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَسْقُطُ عَنْ الْمُوسِرِ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ إلَّا لِقَضِيَّةٍ أَوْ يُنْفِقُ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَنَازَعَ فِيهَا ابْنُ عَرَفَةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ عَنْ الْمُوسِرِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ، وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ بِالْقَرَابَةِ مُخْتَصَّةً بِالْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ فَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ أَنَّ النَّفَقَةَ بِالْقَرَابَةِ مَحْصُورَةُ الْأُبُوَّةِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهَا إمَّا وَاجِبَةً عَلَى الْأَبِ أَوْ لَهُ قَالَ: (وَلَا نَفَقَةَ) وَاجِبَةٌ عَلَى الْحُرِّ الْمُوسِرِ (لِمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ (مِنْ الْأَقَارِبِ) فَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، وَلَا عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، وَلَا عَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهَا عَلَى الْأُصُولِ وَعَلَى الِابْنِ وَابْنِهِ وَعَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَخِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِهَا عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَةِ وَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ اتَّسَعَ) الزَّوْجُ الْأَهْلَ لِلْإِخْدَامِ (فَعَلَيْهِ إخْدَامُ زَوْجَتِهِ) الْمُتَأَهِّلَةِ لِلْإِخْدَامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِخْدَامُ أَهْلِهِ، وَإِنْ بِكِرَاءٍ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَقَضَى لَهَا بِخَادِمِهَا إنْ أَحَبَّتْ إلَّا لِرِيبَةٍ، وَإِخْدَامُهَا إنَّمَا يَكُونُ بِأُنْثَى أَوْ بِذَكَرٍ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ، فَفِي كَلَامِ خَلِيلٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إخْدَامُهَا إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ أَهْلِيَّةً فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَإِذَا اشْتَرَى لَهَا خَادِمًا يَخْدُمُهَا فَإِنَّهَا لَا تَمْلِكُ إلَّا بِهِبَةٍ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرَطِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَإِنَّهَا تَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَهْرِ، وَمَفْهُومُ كَلَامِ خَلِيلٍ الْمُفِيدِ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا انْتَفَتْ الْأَهْلِيَّةُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَلْزَمُهُ إخْدَامُهَا وَلَوْ كَثُرَ مَالُهُ، إلَّا إذَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ مِنْ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ، وَمَفْهُومُ إنْ اتَّسَعَ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّسَعِ لَا يَلْزَمُهُ إخْدَامٌ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَهْلًا وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ بِنَفْسِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَشَارَ إلَى السَّبَبِ الثَّالِثِ مِنْ أَسْبَابِ النَّفَقَةِ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَالِكِ وَلَوْ رَقِيقًا (أَنْ يُنْفِقَ عَلَى عَبِيدِهِ) وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ كَمُدَبَّرَةٍ أَوْ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ وَلَوْ أَشْرَفَ الرَّقِيقُ عَلَى الْمَوْتِ، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَكُونُ الْإِنْفَاقُ بِقَدْرِ كِفَايَتِهِمْ، فَلَا يُسْرِفُ وَلَا يَقْتُرُ وَيَنْظُرُ لِوُسْعِهِ وَحَالِ الْعَبِيدِ فَلَيْسَ النَّجِيبُ كَالْوَغْدِ، فَإِنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ بِيعَ مَا يُبَاعُ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُ سَيِّدُهُ. قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا تَجِبُ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ وَدَابَّتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَرْعًى، وَإِلَّا بِيعَ كَتَكْلِيفِهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ، وَأَمَّا مَنْ لَا يُبَاعُ كَأُمِّ الْوَلَدِ فَقِيلَ يُنْجِزُ عِتْقَهَا وَقِيلَ تُزَوَّجُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنْ كَانَ فِي خِدْمَتِهِ مَا يَكْفِيهِ خُدِمَ وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَإِلَّا نَجَّزَ عِتْقَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَوْ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى عَبِيدِ عَبِيدِهِ، وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ سَيِّدُهُمْ الْأَسْفَلُ (وَ) كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ عَبِيدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ (يُكَفِّنَهُمْ إذَا مَاتُوا) وَسَائِرُ مُؤَنِ التَّجْهِيزِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ النَّفَقَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهُوَ عَلَى الْمُنْفِقِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رِقٍّ لَا زَوْجِيَّةٍ، وَالْفَقِيرُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا
[ ٢ / ٧٠ ]