بَابٌ فِي الْوَصَايَا وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَلَاءِ وَيَحِقُّ عَلَى مَنْ لَهُ مَا يُوصِي فِيهِ أَنْ يُعِدَّ وَصِيَّتَهُ.
وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ.
وَالْوَصَايَا خَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ وَيُرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَابٌ فِي الْوَصَايَا] (بَابٌ فِي) الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ (الْوَصَايَا) جَمْعُ وَصِيَّةٍ وَهِيَ لُغَةً: الْوَصْلُ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ صِيتَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ إذَا وَصَلْته بِهِ، كَأَنَّ الْمُوصِيَ لَمَّا أَوْصَى بِالشَّيْءِ وَصَلَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِمَا قَبْلَهُ فِي نُفُوذِ التَّصَرُّفِ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ لَا الْفُرَّاضِ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ يَلْزَمُ بِمَوْتِهِ أَوْ نِيَابَةً عَنْهُ بَعْدَهُ، فَمَا يُوجِبُ حَقًّا فِي رَأْسِ مَالِهِ مِمَّا عَقَدَهُ فِي صِحَّتِهِ لَا يُسَمَّى وَصِيَّةً كَمَا خَرَجَ مَا يَلْزَمُ بِدُونِ الْمَوْتِ كَالْتِزَامِ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِشَخْصٍ وَزَادَ قَوْلَهُ: أَوْ نِيَابَةً عَطْفًا عَلَى حَقًّا لِيَدْخُلَ الْإِيصَاءُ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُرَّاضِ فَهِيَ عَقْدٌ يُوجِبُ حَقًّا فِي ثُلُثِ عَاقِدِهِ فَقَطْ، فَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنْ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ الْفُرَّاضِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عِنْدَ الْفُرَّاضِ قَاصِرَةٌ عَلَى الْإِيصَاءِ بِمَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَتَنَوَّعَ إلَى وَصِيَّةِ نِيَابَةٍ عَنْ الْمُوصِي، كَالْإِيصَاءِ عَلَى الْأَطْفَالِ وَعَلَى قَبْضِ الدُّيُونِ وَتَفْرِقَةِ التَّرِكَةِ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَتَعْرِيفُ ابْنِ عَرَفَةَ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّوْعَيْنِ. (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ (الْمُدَبَّرِ) وَهُوَ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ عَلَى الْمَوْتِ وَيَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ. (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (الْمُكَاتَبِ) وَهُوَ الْمُعْتَقُ عَلَى مَالٍ مُؤَجَّلٍ يَدْفَعُهُ لِسَيِّدِهِ. (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (الْمُعْتَقِ) لَا عَلَى وَجْهِ التَّدْبِيرِ وَلَا الْكِتَابَةِ، كَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ أَوْ لِلْمُثْلَةِ أَوْ لِلسِّرَايَةِ أَوْ لِلْمِلْكِ. (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (أُمِّ الْوَلَدِ) وَهِيَ الْحُرُّ حَمْلُهَا مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا عَلَيْهِ جَبْرًا. (وَ) فِي الْكَلَامِ عَلَى (الْوَلَاءِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ مِنْ الْوَلَايَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ مِنْ النَّسَبِ وَالْعِتْقِ وَأَصْلُهُ الْوَلِيُّ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَأَمَّا مِنْ الْإِمَارَةِ وَالتَّقَدُّمِ فَبِالْكَسْرِ وَقِيلَ بِالْوَجْهَيْنِ فِيهِمَا، وَالْمَوْلَى لُغَةً يُقَالُ لِلْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ وَأَبْنَائِهِمَا، وَلِغَيْرِهِمَا كَالنَّاصِرِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْقَرِيبِ، وَالْمُرَادُ هُنَا وَلَايَةُ الْإِنْعَامِ وَالْعِتْقِ، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِمَوْصُوفِهَا حُكْمَ الْعُصُوبَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا، فَهَذِهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ جَمَعَهَا فِي تَرْجَمَةِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ. وَشَرَعَ فِي بَيَانٍ عَلَى التَّفْصِيلِ فَقَالَ: (وَيَحِقُّ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ يَتَأَكَّدُ نَدْبُهَا (عَلَى مَنْ لَهُ مَا) أَيْ مَالٌ (يُوصِي فِيهِ أَنْ يُعِدَّ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَعَدَّ أَيْ يَحْصُرُ وَيُهَيِّئُ (وَصِيَّتَهُ) وَيُشْهِدُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا بِدُونِ الْإِشْهَادِ لَا يَجِبُ تَنْفِيذُهَا وَتَبْطُلُ وَلَوْ كَانَتْ بِخَطِّ الْمُوصِي لِاحْتِمَالِ رُجُوعِهِ عَنْهَا إلَّا يَقُولَ: مَا وَجَدْتُمْ بِخَطِّ يَدِي فَأَنْفِذُوهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَلَبِ مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ - ﵊ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ مَا يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» وَحَمَلَ الْحَدِيثَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ الْمَوْتِ فَجْأَةً. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ، إلَّا أَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا ضَيَاعَ الْحَقِّ عَلَى أَرْبَابِهِ إنْ لَمْ يُوصِ فَتَجِبُ، وَلِذَا قَسَّمَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيُّ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: فَتَجِبُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَتُنْدَبُ إذَا كَانَتْ بِقُرْبَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، وَتَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا كَالْإِيصَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَتُكْرَهُ إذَا كَانَتْ بِمَكْرُوهٍ أَوْ فِي مَالِ فَقِيرٍ، وَتُبَاحُ إذَا كَانَتْ بِمُبَاحٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ، وَإِنْفَاذُهَا يَنْقَسِمُ إلَى تِلْكَ الْأَقْسَامِ هَكَذَا قَالَا، وَبَحَثَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ قَائِلًا: الصَّوَابُ أَنَّ تَنْفِيذَهَا فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ مَا عَدَا الْمُحَرَّمَ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُمَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّنْفِيذُ مِنْ الْمُوصِي نَفْسِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ إنْفَاذُ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَيُنْدَبُ لَهُ إنْفَاذُ الْمَنْدُوبَةِ بِمَعْنَى عَدَمِ رُجُوعِهِ، وَالْمُبَاحَةُ يُبَاحُ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا، وَأَمَّا مُتَوَلِّي أَمْرِ التَّرِكَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ حَتَّى الْمُبَاحَةِ
[ ٢ / ١٣٢ ]
[الإيصاء بأكثر من الثلث]
إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ.
وَالْعِتْقُ بِعَيْنِهِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهَا وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا فِي الْمَرَضِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ وَعَلَى مَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَالْمَكْرُوهَةُ، كَالْإِيصَاءِ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى قَبْرِهِ، وَكَالْإِيصَاءِ بِبِنَاءِ قُبَّةٍ عَلَيْهِ لِغَيْرِ الْمُبَاهَاةِ، وَكَالْإِيصَاءِ بِالْحَجِّ عَنْهُ، أَوْ الْإِيصَاءِ بِعَمَلِ مَوْلِدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ أَوْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُسْلِمِينَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَنْ لَهُ مَالٌ يَشْمَلُ الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ وَالْكَبِيرَ وَالسَّفِيهَ الْمُسْلِمَ أَوْ الْكَافِرَ، فَيُوَافِقُ قَوْلَ خَلِيلٍ: صَحَّ إيصَاءُ حُرٍّ مُمَيِّزٍ مَالِكٍ وَإِنْ سَفِيهًا وَصَغِيرًا وَكَافِرًا إلَّا بِكَخَمْرٍ لِمُسْلِمٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ الْحُرِّيَّةُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْمِلْكُ لِمَا أَوْصَى بِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغٌ وَلَا رُشْدٌ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إنْ كَانَ صَبِيًّا بُلُوغُهُ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَارَبَهَا، وَأَنْ يَكُونَ ضَابِطًا بِحَيْثُ لَا يَخْلِطُ فِي وَصِيَّتِهِ، وَقِيلَ مَعْنَى الضَّبْطِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا فِيهِ قُرْبَةٌ وَإِنْ صَحَّتْ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمَذْكُورِ وَالسَّفِيهِ مَعَ تَبْذِيرِهِ لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا، فَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِمَا فِي الْوَصِيَّةِ لَكَانَ الْحَجْرُ لِحَقِّ الْغَيْرِ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْمُوصَى لَهُ وَهُوَ مَنْ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ لِلْمُوصَى بِهِ شَرْعًا حَالًا أَوْ مَالًا وَلَوْ حُكْمًا، فَيَدْخُلُ الْإِيصَاءُ لِلْحَمْلِ وَيَسْتَحِقُّ إنْ اسْتَهَلَّ وَإِلَّا بَطَلَتْ، وَغَلَّةُ الْمُوصَى بِهِ قَبْلَ اسْتِهْلَالِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي بِالْكَسْرِ، وَتَصِحُّ لِلْمَيِّتِ حَيْثُ عَلِمَ الْمُوصِي بِمَوْتِهِ، وَتُصْرَفُ فِي دَيْنِهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ تُدْفَعُ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ فَتَكُونُ بَاطِلَةً، وَيَدْخُلُ بِقَوْلِي وَلَوْ حُكْمًا الْإِيصَاءُ لِنَحْوِ الْمَسْجِدِ أَوْ الْقَنْطَرَةِ، وَيَخْرُجُ بِقَوْلِي شَرْعًا إيصَاءُ الْكَافِرِ بِالْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ لِمُسْلِمٍ فَلَا تَصِحُّ وَإِنْ صَحَّتْ مِنْهُ بِذَلِكَ لِكَافِرٍ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِيغَتَهَا وَهِيَ كُلُّ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْوَصِيَّةُ مِنْ لَفْظٍ أَوْ إشَارَةٍ وَلَوْ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْكَلَامِ أَوْ خَطٍّ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ تَنْفِيذُهَا إلَّا بِإِشْهَادِ الْمُوصِي عَلَيْهَا لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَنْهَا مَا دَامَ حَيًّا كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ؟ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ ثَبَتَ أَنْ عَقَدَهَا خَطُّهُ أَوْ قَرَأَهَا وَلَمْ يُشْهِدْ أَوْ لَمْ يَقُلْ أَنْفِذُوهَا لَمْ تَنْفُذْ وَلَهُمْ الشَّهَادَةُ حَيْثُ أَشْهَدَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِمْ الْكِتَابَ وَلَا فَتَحَهُ لَهُمْ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الْوَصِيَّةِ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ حَيْثُ أَشْهَدَهُمْ عَلَى مَا فِيهَا أَوْ قَالَ لَهُمْ: أَنْفِذُوا وَصِيَّتِي. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ لَا تَصِحُّ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا وَصِيَّةَ) صَحِيحَةٌ (لِوَارِثِ) الْمُوصِي حِينَ مَوْتِهِ لَا حِينَ الْإِيصَاءِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْوَارِثُ يَصِيرُ غَيْرَ وَارِثٍ وَعَكْسُهُ الْمُعْتَبَرُ مَالُهُ فَتَصِحُّ لِابْنِ الْوَارِثِ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْوَارِثِ، كَمَا تَصِحُّ لِأَخِيهِ إذَا طَرَأَ لَهُ مَنْ يَحْجُبُهُ حَجْبَ حِرْمَانٍ وَقَدَّرْنَا مُتَعَلِّقَ الْمَجْرُورِ صَحِيحَهُ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ بَاطِلَةٌ وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَارِثُ كَانَتْ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُ، وَمِثْلُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ الْوَصِيَّةُ لِبَعْضِ عَبِيدِ الْوَرَثَةِ حَيْثُ كَانَتْ بِشَيْءٍ لَهُ بَالٌ، بِخِلَافِهَا لِعَبْدِ الْوَارِثِ الْمُتَّحِدِ فَتَصِحُّ حَيْثُ كَانَ يَجُوزُ جَمْعُ الْمَالِ أَوْ وَقَعَتْ بِتَافِهٍ أَوْ قَصَدَ بِهِ الْعَبْدَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَصِحُّ لِعَبْدِ وَارِثِهِ إنْ اتَّحَدَا وَبِتَافِهٍ أُرِيدَ بِهِ الْعَبْدُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . (تَنْبِيهٌ) كَمَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ تَبْطُلُ أَيْضًا بِارْتِدَادِ الْمُوصِي أَوْ الْمُوصَى لَهُ وَلَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ لِلْإِسْلَامِ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى مَا تُسْقِطُهُ الرِّدَّةُ: وَإِحْصَانًا وَوَصِيَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ بِكِتَابٍ فَتَصِحُّ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ، وَكَذَا تَبْطُلُ إذَا وَقَعَتْ بِمَعْصِيَةٍ كَالْإِيصَاءِ بِشَيْءٍ لِمَنْ يَشْرَبُ بِهِ خَمْرًا، أَوْ بِشَيْءٍ لِمَنْ يُصَلِّي أَوْ يَصُومُ بِهِ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَرْجِعُ مِيرَاثًا، بِخِلَافِ الْإِيصَاءِ بِالْمَكْرُوهِ كَالْإِيصَاءِ بِضَرْبِ قُبَّةٍ لَا بِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ أَوْ بِفِعْلِ ضَحِيَّةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَكْرُوهٌ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ وَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا. [الْإِيصَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ] ثُمَّ بَيَّنَ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَالْوَصَايَا) الصَّحِيحَةُ الْوَاجِبَةُ التَّنْفِيذِ (خَارِجَةٌ) أَيْ مَصْرُوفَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ (مِنْ الثُّلُثِ) فَلَا يَجُوزُ الْإِيصَاءُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ وَقَعَ وَأَوْصَى بِأَكْثَرَ لَمْ تَصِحَّ. (وَيَرُدُّ) بِمَعْنًى يُبْطِلُ (مَا زَادَ عَلَيْهِ) أَيْ الثُّلُثِ وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ شَيْئًا يَسِيرًا. (إلَّا أَنْ تُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ) الْبَالِغُونَ الرُّشَدَاءُ فَتَكُونَ الْإِجَازَةُ ابْتِدَاءَ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لَهُمْ، وَإِنْ أَجَازَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ مَضَتْ حِصَّةُ الْمُجِيزِ وَرُدَّتْ حِصَّةُ الْمُمْتَنِعِ لَهُ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَالْوَصَايَا خَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ ظَاهِرُهُ مِنْ ثُلُثِ جَمِيعِ مَالِ الْمُوصِي الْمَعْلُومِ لَهُ حِينَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَجْهُولِ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا تَخْرُجُ إلَّا مِنْ ثُلُثِ مَا عُلِمَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَوْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِ تَدْبِيرِهِ فِي الْمَرَضِ فَيَكُونُ كَالْوَصِيَّةِ، وَفِي الصِّحَّةِ فَيَكُونُ فِي الثُّلُثِ الْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ كَصَدَاقِ الزَّوْجَةِ الْمَنْكُوحَةِ فِي الْمَرَضِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَهِيَ وَمُدَبَّرٌ إنْ كَانَ فَمَرِضَ فِيمَا عُلِمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مُدَبَّرِ الصِّحَّةِ وَالْوَصِيَّةِ أَنَّ عَقْدَ التَّدْبِيرِ لَازِمٌ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَقْدُهَا مُنْحَلٌّ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا دَامَ حَيًّا، وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ الرُّجُوعِ عَلَى مَا قَالَ بَعْضٌ: الثَّانِي: أَشْعَرَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: بِرَدِّ مَا زَادَ بِعَدَمِ رَدِّ الثُّلُثِ كَمَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْوَرَثَةَ لَيْسَ لَهَا رَدُّ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ الزَّوْجِ تَتَبَرَّعُ زَوْجَتُهُ بِأَكْثَرَ فَلَهُ رَدُّ الْجَمِيعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ تَبَرُّعِهَا وَزَائِدِ الْوَصِيَّةِ بِأَنَّ الزَّوْجَةَ قَدْ تَقْصِدُ بِتَبَرُّعِهَا بِالزَّائِدِ ضَرَرَ زَوْجِهَا بِخِلَافِ الْمُوصِي، وَبِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَوْ رَدَّ زَوْجُهَا جَمِيعَ تَبَرُّعِهَا يُمْكِنُهَا التَّبَرُّعُ
[ ٢ / ١٣٣ ]
[أحكام الوصايا المتحدة الرتبة ويضيق الثلث عن حملها]
فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ فَأَوْصَى بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّأٌ عَلَى الْوَصَايَا وَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهِ.
وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ تَحَاصَّ أَهْلُ الْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا.
وَلِلرَّجُلِ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ.
وَالتَّدْبِيرُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ مُدَبَّرٌ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِثُلُثِهَا، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ قَدْ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ سَرِيعًا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِيصَاءُ بَعْدَ رَدِّ الْجَمِيعِ فَيَفُوتُ الْقَصْدُ مِنْ الْوَصِيَّةِ. الثَّالِثُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَلْ الْمُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمُوصَى حِينَ الْإِيصَاءِ أَوْ حِينَ الْمَوْتِ؟ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثُلُثُهُ يَوْمَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ الْوَصِيَّ لَهُ لَا يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ يَوْمِ التَّنْفِيذِ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا يَوْمَ الْمَوْتِ بِحَيْثُ يَحْمِلُ ثُلُثُهُ الْمَالَ الْمُوصَى بِهِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ التَّنْفِيذِ نَحْوَ جَائِحَةٍ حَتَّى قَلَّ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا ثُلُثُ الْبَاقِي، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ وَصِيَّةِ الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ. (خَاتِمَةٌ) الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا التَّزَوُّدُ لِلدَّارِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَبْدَأُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ ضِيقِ الثُّلُثِ عَنْ حَمْلِ جَمِيعِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ بِقَوْلِهِ: (وَالْعِتْقُ) الْمُوصَى بِهِ لِعَبْدٍ (بِعَيْنِهِ) وَهُوَ يَشْمَلُ مَا كَانَ عِنْدَهُ وَأَوْصَى بِعِتْقِهِ كَأَعْتِقُوا عَبْدِي مَرْزُوقًا، وَيَشْمَلُ مَا أَوْصَى بِشِرَائِهِ كَاشْتَرُوا عَبْدَ فُلَانٍ الْمُعَيَّنِ وَاعْتِقُوهُ، وَيَشْمَلُ مَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ نَاجِزًا أَوْ إلَى شَهْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَيَشْمَلُ مَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ مَجَّانًا أَوْ عَلَى مَالٍ وَعَجَّلَهُ أَوْ بِكِتَابَتِهِ وَعَجَّلَهَا. (مُبَدَّأٌ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ أَوْ بِكِتَابَةِ عَبْدٍ أَوْ عِتْقِهِ عَلَى مَالٍ وَمَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ دَفْعِ الْكِتَابَةِ وَالْمَالِ وَلَمْ يَحْمِلْ الثُّلُثُ الْجَمِيعَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ مُبَدَّأٌ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا. (وَالْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ) عِنْدَ الضِّيقِ (عَلَى مَا) أَوْصَى بِهِ. (فِي) حَالِ (الْمَرَضِ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ تَدْبِيرَ الصِّحَّةِ لَازِمٌ بِخِلَافِهِ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ مُنْحَلٌّ (وَ) كَذَا يُقَدَّمُ الْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَّةِ أَيْضًا (عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ) حَتَّى مَاتَ (فَأَوْصَى بِهِ) أَيْ بِإِخْرَاجِهِ (فَإِنَّ ذَلِكَ) الْمُفَرِّطَ فِيهِ يَكُونُ (فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّأً عَلَى الْوَصَايَا) فَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، وَقَوْلُهُ: (وَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ مُبَدَّأٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ زَكَاةِ الْعَيْنِ وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهِ مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ مَا قَبْلَهُ ارْتَكَبَهُ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ، وَهَذَا مَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِحُلُولِ مَا فَرَّطَ فِيهِ وَبَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَيُوصِي بِإِخْرَاجِهِ وَإِلَّا أَخْرَجَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ أَشْهَدَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ بِحُلُولِهَا وَبَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَمَفْهُومُ فَأَوْصَى بِهِ أَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ بِالتَّفْرِيطِ وَلَمْ يُوصِ بِالْإِخْرَاجِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ ثُلُثٍ وَلَا رَأْسِ مَالٍ، وَمَفْهُومُ فَرَّطَ أَنَّ زَكَاةَ عَامِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَيْسَ حُكْمُهَا كَذَلِكَ، وَحُكْمُهَا أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَعَرَّفَهُ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ وَلَوْ وَاحِدًا أَوْ أَوْصَى بِهَا فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَمْ تَخْرُجْ لَا مِنْ ثُلُثٍ وَلَا رَأْسِ مَالٍ وَتُؤْمَرُ الْوَرَثَةُ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْرَفُ حُلُولُهَا إلَّا مِنْهُ فَإِنْ أَوْصَى بِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَإِلَّا لَمْ يَخْرُجْ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَهَا، وَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا زَكَاةُ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ فَمَتَى اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا، شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي مَعْرِفَةِ حُلُولِهَا أَمْ لَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ زَكَاةِ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا أَنَّ زَكَاةَ الْعَيْنِ قَدْ يُخْرِجُهَا وَلَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ إخْرَاجُهَا إلَّا إذَا أَوْصَى بِهِ، بِخِلَافِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِتْقَ لِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ إنَّمَا يُبْدَأُ عَلَى بَعْضِ الْوَصَايَا لَا عَلَى جَمِيعِهَا خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَبَيَّنَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ الَّذِي يُقَدَّمُ مِنْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ بَيَانِ تَرْتِيبِهَا بِقَوْلِهِ: وَقُدِّمَ لِضِيقِ الثُّلُثِ فَكُّ الْأَسِيرِ الَّذِي أَوْصَى بِفِدَائِهِ، ثُمَّ مُدَبَّرُ الصِّحَّةِ، ثُمَّ صَدَاقُ الْمَرِيضِ، ثُمَّ زَكَاةٌ أَوْصَى بِهَا إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِحُلُولِهَا وَيُوصِيَ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ، ثُمَّ زَكَاةُ الْفِطْرِ، ثُمَّ عِتْقُ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ يَسَعْهُمَا، ثُمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ثُمَّ كَفَّارَةُ فِطْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ كَفَّارَةُ التَّفْرِيطِ فِي قَضَائِهِ، ثُمَّ النَّذْرُ ثُمَّ الْعِتْقُ الْمُبْتَلُّ فِي الْمَرَضِ وَالْمُدَبَّرُ فِيهِ، ثُمَّ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ أَوْ يَشْتَرِي أَوْ لِكَشَهْرٍ أَوْ بِمَا فَعَجَّلَهُ، ثُمَّ الْمُوصَى بِكِتَابَتِهِ وَالْمُعْتَقُ بِمَالٍ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ بَعْدُ، ثُمَّ الْعِتْقُ لِسَنَةٍ ثُمَّ الْمُعْتَقُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا ثُمَّ عِتْقٌ لَمْ يُعَيَّنْ، ثُمَّ حَجٌّ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيَتَحَاصَّانِ، ثُمَّ عِتْقٌ لَمْ يُعَيَّنْ وَمُعَيَّنُ غَيْرِهِ وَجُزْئِهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ. [أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَّحِدَةِ الرُّتْبَةِ وَيَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْوَصَايَا الْمُتَّحِدَةِ الرُّتْبَةِ وَيَضِيقُ الثُّلُثُ عَنْ حَمْلِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ) أَيْ لَمْ يَسَعْ جَمِيعَ مَا أَوْصَى بِهِ (تَحَاصَّ أَهْلُ الْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا) كَمَا تَتَحَاصُّ غُرَمَاءُ الْمُفْلِسِ فِي الْمَالِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ أَثْمَانِ مَا يَبِعْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ دُيُونِهِمْ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ، وَالْوَصَايَا الَّتِي لَا تَبْدِئَةَ فِيهَا هِيَ الَّتِي لَمْ يُرَتِّبْهَا الْمُوصِي وَلَا الشَّارِعُ، كَأَنْ يُوصِيَ لِشَخْصٍ بِنِصْفِ مَالِهِ مَثَلًا وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ، وَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ الْوَصِيَّتَيْنِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَخْذِ أَحَدِهِمَا نِصْفَهُ وَالْآخَرِ ثُلُثَهُ، لِأَنَّ مَقَامَ النِّصْفِ مِنْ اثْنَيْنِ وَالثُّلُثِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهُمْ مُتَبَايِنَانِ، فَيُضْرَبُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ بِسِتَّةٍ، هَذَا حَاصِلُ مَخْرَجِ الْوَصِيَّتَيْنِ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَالثُّلُثُ اثْنَانِ وَالْبَاقِي وَاحِدٌ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ الزَّائِدَ اقْتَسَمَا الثُّلُثَ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَمَقَامُهُمَا مِنْ سِتَّةٍ لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ وَلِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَهِيَ الْمُحَاصَّةُ فَاجْعَلْهَا ثُلُثَ الْمَالِ يَكُونُ الْمَالُ خَمْسَةَ عَشَرَ، خَمْسَةٌ لِلْمُوصَى لَهُمْ لِلْمُوصَى لَهُ بِالنِّصْفِ
[ ٢ / ١٣٤ ]