_________________
(١) [الفواكه الدواني] [بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ وَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ] [أَرْكَان النِّكَاح] وَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ مَسَائِلِ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ شَرَعَ فِي النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ بِقَوْلِهِ: (بَابٌ فِي) أَحْكَامِ (النِّكَاحِ، وَ) أَحْكَامِ (الطَّلَاقِ وَ) أَحْكَامِ (الرَّجْعَةِ وَ) أَحْكَامِ (الظِّهَارِ وَ) أَحْكَامِ (الْإِيلَاءِ وَ) أَحْكَامِ (اللِّعَانِ وَ) أَحْكَامِ (الْخُلْعِ وَ) أَحْكَامِ (الرَّضَاعِ) . فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ جَمَعَهَا فِي تَرْجَمَةٍ اخْتِصَارًا وَذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ حَقِيقَةَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي مَحَلِّهِ اللُّغَوِيَّةَ وَالْعُرْفِيَّةَ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرَهُ فَنَقُولُ: حَقِيقَةُ النِّكَاحِ فِي اللُّغَةِ الدُّخُولُ إذْ يُقَالُ: نَكَحَ النَّوْمُ الْعَيْنَ بِمَعْنَى دَخَلَ فِيهَا، وَنَكَحَتْ الْحَصَى أَخْفَافَ الْإِبِلِ دَخَلَ فِيهَا، وَالْبَذْرُ الْأَرْضَ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ السَّبَبِيَّةِ وَالْمُسَبَّبِيَّة وَعَلَى الْوَطْءِ حَقِيقَةً، وَفِي الشَّرْعِ عَلَى الْعَكْسِ فَإِطْلَاقُهُ فِيهِ عَلَى الْوَطْءِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَعَلَى الْعَقْدِ مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: النِّكَاحُ عَقْدٌ عَلَى مُجَرَّدِ مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ بِآدَمِيَّةٍ غَيْرُ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا بِبَيِّنَةٍ قَبْلَهُ، غَيْرُ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا إنْ حُرِّمَتْ بِالْكِتَابِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْآخَرِ، فَيَخْرُجُ بِغَيْرِ مُوجِبٍ قِيمَتَهَا عَقْدُ تَحْلِيلِ الْأَمَةِ إنْ وَقَعَ بِبَيِّنَةٍ، وَيَدْخُلُ نِكَاحُ الْخَصِيِّ وَالطَّارِئَيْنِ لِأَنَّهُ بِبَيِّنَةٍ صِدْقًا فِيهَا، وَيَخْرُجُ بِغَيْرِ عَالِمٍ عَاقِدُهَا حُرْمَتَهَا الْعَقْدُ عَلَى مَنْ تَحْرُمُ عَلَى الْعَاقِدِ مَعَ عِلْمِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ بِالْكِتَابِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ الزِّنَا وَمُقَابِلُهُ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَ الْحُرْمَةُ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَمُقَابِلُهُ مِنْ الزِّنَا، وَالْحُرْمَةُ بِالْكِتَابِ كَالْأُمِّ دَنِيَّةٌ فَإِنَّ حُرْمَتَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ، وَالْمُحَرَّمَةُ بِالْإِجْمَاعِ كَأُمِّ الْأُمِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ بِآدَمِيَّةٍ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ نِكَاحِ الْجِنِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - ﵁ - عَنْ نِكَاحِ الْجِنِّ فَقَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الدِّينِ، وَلَكِنْ أَكْرَهُ أَنْ تُوجَدَ امْرَأَةٌ حَامِلَةٌ فَتَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ زَوْجِهَا الْجِنِّيِّ فَيَكْثُرُ الْفَسَادُ، فَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ يَقْتَضِي الْجَوَازَ، وَالتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْعَكْسِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَهُ الْأَصْلِيَّ وَهُوَ النَّدْبُ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «أُبَاهِي بَدَلَ مُكَاثِرٌ»، وَلِحَدِيثِ: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ» وَعَدَّ مِنْهَا النِّكَاحَ وَمَحَلُّ نَدْبِهِ إنْ رَجَّى النَّسْلَ أَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَشْتَاقُ النِّكَاحَ دُونَ خَشْيَةِ زِنًا بِتَرْكِهِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ الْمُضَيِّقُ وَذَلِكَ إذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ صَوْمٌ وَلَا تَسَرٍّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ أَوْ التَّسَرِّي فَالْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَكِنَّ الزَّوَاجَ أَفْضَلُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» فَقَدَّمَ النِّكَاحَ عَلَى الصَّوْمِ، وَالسَّرَارِي تَنْتَقِلُ طِبَاعُهُنَّ لِلْوَلَدِ، وَيُبَاحُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَرْجُو النَّسْلَ وَلَا تَمِيلُ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ فِعْلِ خَيْرٍ، وَيَكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْطَعُهُ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَيَحْرُمُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَخْشَى بِتَرْكِهِ زِنًا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَوْ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ الْحَرَامِ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ إلَّا فِي التَّسَرِّي، وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ مَعْنَاهَا هُنَا الْجِمَاعُ، وَالْوِجَاءُ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَالْمَدِّ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا كَسْرُ الشَّهْوَةِ وَلَهُ فَوَائِدُ أَعْظَمُهَا دَفْعُ غَوَائِلِ الشَّهْوَةِ وَيَلِيهَا أَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاتَيْنِ: فَانِيَةٌ وَهِيَ تَكْثِيرُ النَّسْلِ، وَبَاقِيَةٌ هِيَ الْحِرْصُ عَلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ يُنَبِّهُ عَلَى لَذَّةِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّهُ إذَا ذَاقَ لَذَّتَهُ يُسْرِعُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ الْمُوصِلِ إلَى اللَّذَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ وَلَا سِيَّمَا النَّظَرُ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَيَلِيهَا تَنْفِيذُ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَحَبَّهُ مِنْ بَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَامْتِثَالُ أَمْرِ رَسُولِهِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا» الْحَدِيثَ وَيَلِيهَا بَقَاءُ الذِّكْرِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ بِسَبَبِ دُعَاءِ الْوَلَدِ الصَّالِحِ بَعْدَ انْقِطَاعِ عَمَلِ أَبِيهِ بِمَوْتِهِ وَلَهُ أَرْكَانٌ أَرْبَعٌ:
[ ٢ / ٣ ]
وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا فِي الْعَقْدِ فَلَا يَبْنِي بِهَا حَتَّى يُشْهِدَا.
وَأَقَلُّ الصَّدَاقِ رُبُعُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْوَلِيُّ وَالْمَحَلُّ وَالصِّيغَةُ وَالصَّدَاقُ الْمَفْرُوضُ وَلَوْ حُكْمًا، وَأَشَارَ إلَيْهِمَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرُكْنُهُ وَلِيٌّ وَصَدَاقٌ وَمَحَلٌّ وَصِيغَةٌ، وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَلِيِّ اهْتِمَامًا بِهِ لِمُخَالَفَةِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ فِي اعْتِبَارِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا نِكَاحَ) صَحِيحٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ سِوَى أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ (إلَّا بِ) مُبَاشَرَةِ (وَلِيٍّ) وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ لَهُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِلْكٌ أَوْ أُبُوَّةٌ أَوْ تَعْصِيبٌ أَوْ إيصَاءٌ أَوْ كَفَالَةٌ أَوْ سَلْطَنَةٌ أَوْ ذُو إسْلَامٍ وَشُرُوطُهُ سِتَّةٌ: الْإِسْلَامُ إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُسْلِمَةً وَأَنْ يَكُونَ حَلَالًا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَالذُّكُورَةُ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْأُنْثَى وَلَوْ عَلَى ابْنَتِهَا أَوْ أَمَتِهَا، وَالْحُرِّيَّةُ فَلَا يُزَوِّجُ الرَّقِيقُ ابْنَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا يُزَوِّجُ الصَّبِيُّ أُخْتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَالْعَقْلُ فَلَا يُزَوِّجُ الْمَجْنُونُ ابْنَتَهُ، فَهَذِهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ فِي وَلِيِّ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَهِيَ شَرْطُ كَمَالٍ فَيُسْتَحَبُّ وُجُودُهَا كَمَا يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ رَشِيدًا، فَيَعْقِدُ السَّفِيهُ ذُو الرَّأْيِ عَلَى ابْنَتِهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ اسْتِئْذَانُ وَلِيِّهِ، فَإِنْ عَقَدَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ لَمْ يُفْسَخْ عَقْدُهُ، بِخِلَافِ ضَعِيفِ الرَّأْيِ يَعْقِدُ لِنَحْوِ ابْنَتِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ عَقْدُهُ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ، وَأَمَّا وَكِيلُ الزَّوْجِ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا التَّمْيِيزُ وَعَدَمُ الْإِحْرَامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجِ الْجَمِيعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى رُكْنِيَّةِ الْوَلِيِّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَةِ نَهْيُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْعَضْلِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا جَائِزًا لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ عَاضِلًا بِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا وَلَا تُبَالِي بِمَنْعِ الْوَلِيِّ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَخَبَرُ: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» وَخَبَرُ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» قَالَهُ ثَلَاثًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُزَوِّجُ نَفْسَهَا قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا، وَتُحْمَلُ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى نَحْوِ الصَّغِيرَةِ، فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ عِنْدَنَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فُسِخَ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ، وَهَلْ بِطَلَاقٍ أَوْ لَا قَوْلَانِ، وَلَهَا بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ حَلَالًا وَإِلَّا فَصَدَاقُ الْمِثْلِ (وَ) لَا نِكَاحَ إلَّا بِ (صَدَاقٍ) سُمِّيَ وَلَوْ حُكْمًا وَالْمُضِرُّ إنَّمَا هُوَ الدُّخُولُ عَلَى إسْقَاطِ الصَّدَاقِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي فَسْخَ الْعَقْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ وَهُوَ عَقْدٌ بِلَا ذِكْرِ مَهْرٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يَدْخُلُ حَتَّى يُسَمِّيَ لَهَا صَدَاقًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَقِيقَتِهِ وَقَدْرِهِ: (وَ) لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَهَادَةِ (شَاهِدَيْ عَدْلٍ) وَيُسْتَحَبُّ إشْهَادُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ (فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ الْأَلِفُ ضَمِيرُ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ (فِي) حَضْرَةِ (الْعَقْدِ فَلَا يَبْنِ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَلِيَ (بِهَا حَتَّى يُشْهِدَ) أَيْ الزَّوْجُ وَهَذِهِ النُّسْخَةُ مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يَبْنِ، وَنُسْخَةُ يُشْهِدَا بِأَلِفِ الِاثْنَيْنِ مُنَاسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يُشْهِدَا بِضَمِيرِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ، فَإِنْ وَجَدَا رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَشْهَدَاهُمَا عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ كَفَى فِي الْوُجُوبِ، وَكَذَا إنْ لَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ شَاهِدَيْنِ وَأَشْهَدَهُمَا، بِخِلَافِ لَوْ أَشْهَدَ أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ ثُمَّ لَقِيَهُمَا الْآخَرُ وَحْدَهُ وَأَشْهَدَهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عِنْدَ التَّفَرُّقِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبِكْرِ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ عَلَى ثَيِّبٍ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ وَأَشْهَدَا مُتَفَرِّقَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ سِتَّةٍ شَاهِدَيْنِ عَلَى الزَّوْجِ وَشَاهِدَيْنِ عَلَى الْوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى شَهَادَةُ الْإِبْدَادِ أَيْ التَّفَرُّقِ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ الْإِشْهَادِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا حُضُورُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ فَمُسْتَحَبٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الدُّخُولِ فَوَاجِبٌ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَنْدُوبِ: وَإِشْهَادُ عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ بِعَقْدِهِ وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ، وَلِأَحَدٍ إنْ فَشَا وَلَوْ عَلِمَ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُرْمَةِ الدُّخُولِ بِلَا إشْهَادٍ، وَالْفَسْخُ بِطَلْقَةٍ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَتَكُونُ بَائِنَةً لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الْفُشُوِّ شَهَادَةُ وَاحِدٍ بِالْعَقْدِ أَوْ الْبِنَاءِ، وَيَحْصُلُ الْفُشُوُّ بِالْوَلِيمَةِ وَضَرْبِ الدُّفِّ وَالدُّخَانِ، وَشَرْطُ الشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَلِيٍّ لِلْمَرْأَةِ، فَلَا يَصِحُّ شَهَادَةُ وَلِيِّهَا لِاتِّهَامِهِ بِالسَّتْرِ عَلَيْهَا، كَمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهَا أَذِنَتْ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا لِاتِّهَامِهِ عَلَى تَصَحُّحِ فِعْلِ نَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ مُطْلَقُ وَلِيٍّ لَا خُصُوصُ الْمُبَاشِرِ لِعَقْدِ نِكَاحِهَا، وَشَرْطُهُ أَيْضًا الْعَدَالَةُ وَقْتَ تَحَمُّلِ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ لَا تُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ إلَّا وَقْتَ الْأَدَاءِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ الْعُدُولُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ الدُّخُولِ اُسْتُكْثِرَ الشُّهُودُ كَالثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ. (تَتِمَّةٌ) بَقِيَ مِنْ الْأَرْكَانِ الْمَحَلُّ وَالصِّيغَةُ، أَمَّا الْمَحَلُّ فَهُوَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ الْخَالِيَانِ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْإِحْرَامِ وَالْمَرَضِ وَالْعِدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ وَالصِّيغَةُ وَهِيَ كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ أَوْ مِنْ وَكِيلِهِمَا، كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْت أَوْ وَهَبْت أَوْ تَصَدَّقْت أَوْ مَنَحْت أَوْ أَعْطَيْت مِنْ ذِكْرِ الصَّدَاقِ، وَيَدْخُلُ فِي الدَّالِّ الْكِتَابَةُ وَالْإِشَارَةُ وَلَوْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي حَقِّ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، وَأَمَّا مِنْ النَّاطِقِ فَتَكْفِي مِنْ أَحَدِهِمَا إنْ وَقَعَ فِي الْمُبْتَدِئِ لَفْظُ الْإِنْكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِشَارَةُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْوَلِيِّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ إنَّمَا ابْتَدَأَ بِلَفْظٍ نَحْوِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ مَعَ ذِكْرِ الصَّدَاقِ فَإِنَّمَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ
[ ٢ / ٤ ]
دِينَارٍ.
وَلِلْأَبِ إنْكَاحُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَإِنْ بَلَغَتْ وَإِنْ شَاءَ شَاوَرَهَا وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ فِي الْبِكْرِ وَصِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الزَّوْجِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدِئُ بِلَفْظٍ نَحْوِ الْهِبَةِ الزَّوْجَ فَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الْوَلِيِّ، وَالضَّابِطُ أَنَّ الْمُبْتَدِئَ إنْ نَطَقَ بِالْإِنْكَاحِ أَوْ الزَّوَاجِ صَحَّتْ الْإِشَارَةُ مِنْ غَيْرِهِ زَوْجًا أَوْ وَلِيًّا إنْ نَطَقَ الْمُبْتَدِئُ بِنَحْوِ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بُنِيَ عَلَى كَوْنِ الْمُبْتَدِئِ الْوَلِيَّ، فَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الزَّوْجِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ أَنْ تَكْفِيَ الْإِشَارَةُ مِنْ الزَّوْجِ أَيْضًا. قَالَ جَمِيعَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ بِنَحْوِ الْهِبَةِ الزَّوْجَ لَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ مِنْ الْوَلِيِّ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَقَوْلُهُ وَهَذَا فِي حَقِّ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ، وَأَمَّا الْعَاجِزُ فَيَجُوزُ الْإِشَارَةُ مِنْهُ وَلَوْ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، يَقْضِي أَنَّ الْقَادِرَ لَا تَجُوزُ الْإِشَارَةُ مِنْهُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ الْخُطْبَةِ لِيَسَارَتِهِمَا، بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَيَلْزَمُ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَوْ قَالَ الْأَوَّلُ بَعْدَ رِضَا الْآخَرِ: لَا أَرْضَى أَنَا كُنْت هَازِلًا لِأَنَّ هَزْلَ النِّكَاحِ جَدٌّ وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْهَزْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ جَرَيَانُ الْعَادَةِ بِمُسَاوَمَةِ السِّلَعِ لِمُجَرَّدِ اخْتِبَارِ ثَمَنِهَا، وَمِثْلُ النِّكَاحِ الطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ وَالْعِتْقُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، رَاجِعْ شَرْحَ الْأُجْهُورِيِّ عَلَى خَلِيلٍ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي جَوَازِ وَطْءِ الزَّوْجِ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَمْ أُرِدْ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا كُنْت هَازِلًا، وَظَهَرَ لَنَا جَوَازُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ صِحَّةَ النِّكَاحِ عَلَى وُجُوبِ الصِّيغَةِ الصَّرِيحَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ، وَسَلَّمَ لَنَا شُيُوخُنَا هَذَا الِاسْتِظْهَارَ حِينَ صَدَرَ الْبَحْثُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصُ فِي مَرَضِهِ: إنْ مِتّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ وَصَحَّ: إنْ مِتّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي بِمَرَضٍ، وَهَلْ إنْ قِيلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ تَأْوِيلَانِ، فَنَصَّ أَصْبَغُ عَلَى جَوَازِهَا سَوَاءٌ طَالَ زَمَانُ الْمَرَضِ أَوْ قَصُرَ، وَخُرُوجُهَا عَنْ الْأَصْلِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا السَّيِّدُ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ لِأَمَتِهِ: إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي فَقَدْ زَوَّجْت أَمَتِي مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِكَثْرَةِ وُقُوعِ النِّكَاحِ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ يَنْبَغِي الْإِحَاطَةُ بِعِلْمِ أَحْكَامِهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَنْ ثَانِي الْأَرْكَانِ وَهُوَ الصَّدَاقُ بِقَوْلِهِ: (وَأَقَلُّ الصَّدَاقِ رُبُعُ دِينَارٍ) مِنْ خَالِصِ الذَّهَبِ وَهُوَ وَزْنُ ثَمَانَ عَشَرَةَ حَبَّةً مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَأَمَّا أَكْثَرُهُ فَلَا حَدَّ لَهُ، وَالصَّدَاقُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا مُشْتَقٌّ مِنْ الصِّدْقِ لِأَنَّ وُجُودَهُ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الزَّوْجَيْنِ، وَيُقَالُ لَهُ الْمَهْرُ وَالطَّوْلُ وَالنِّحْلَةُ، وَلَمْ أَرَ حَدَّهُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ خَلِيلٌ: الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ، وَأَقُولُ: يُمْكِنُ تَعْرِيفُهُ بِأَنَّهُ مُتَمَوَّلٌ يُمَلَّكُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا لِمُحَقَّقَةِ الْأُنُوثَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا عِنْدَ إرَادَةِ نِكَاحِهَا، فَقَوْلُنَا: مُتَمَوَّلٌ جِنْسٌ يَشْمَلُ الذَّوَاتِ وَالْمَنَافِعَ، وَيَخْرُجُ بِهِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَالْقِصَاصِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا صَدَاقًا، وَقَوْلُنَا: يُمَلَّكُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا يُدْخِلُ نَحْوَ هِبَةِ أَبِيهَا لِفُلَانٍ أَوْ عِتْقِهِ عَنْهُ أَوْ عَنْهَا، لِأَنَّ الشَّارِعَ يُقَدَّرُ دُخُولَهُ فِي مَلَكَتِهَا قَبْلَ هِبَتِهِ أَوْ قَبْلَ عِتْقِهِ، وَقَوْلُنَا: لِمُحَقَّقَةِ الْأُنُوثَةِ لِإِخْرَاجِ الْأُنْثَى الْمُشْكِلِ لِأَنَّهُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ، وَقَوْلُنَا: مِمَّنْ يَجُوزُ نِكَاحُهَا دُونَ آدَمِيَّةٍ لِيَشْمَلَ الْجِنِّيَّةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا لِظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي جَوَابِ سَائِلِهِ عَنْهُ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الدِّينِ، وَاعْتَمَدَ مَالِكٌ - ﵁ - فِي كَوْنِ أَقَلِّهِ رُبُعَ دِينَارٍ عَلَى أَنَّهُ عِوَضٌ قِيَاسًا عَلَى إبَاحَةِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، فَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّهِ فَسَدَ إنْ لَمْ يُتِمَّهُ، وَيُفْسَخُ إنْ أَرَادَ الدُّخُولَ قَبْلَ إتْمَامِهِ، فَإِنْ أَتَمَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا فَسَادَ، وَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ إتْمَامِهِ ثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَزِمَهُ إتْمَامُ الرُّبُعِ دِينَارٍ، وَكَانَ الْقِيَاسُ لُزُومَ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، فَخَرَجَتْ هَذِهِ مِنْ الْقَاعِدَةِ فِي الْفَاسِدِ لِصَدَاقِهِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى فِي الْفَسَادِ لَوْ عَقَدَ عَلَى إسْقَاطِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ بِمَا لَا يُقْبَلُ شَرْعًا كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ جِلْدِ أُضْحِيَّةٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ صَحَّ تَمَلُّكُهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ بِالْبَيْعِ، وَالصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ أَجَازُوا فِيهِ الْغَرَرَ الْخَفِيفَ، كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى شُورَتِهَا أَوْ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا أَوْ عَلَى عَدَدٍ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ، وَلَوْ لَمْ يُوصَفْ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلَهَا الْوَسَطُ مِنْ مَشُورَةِ مِثْلِهَا فِي الْحَاضِرَةِ أَوْ فِي الْمِصْرِ، وَالْمُرَادُ بِشُورَتِهَا جِهَازُهَا وَمَتَاعُ بَيْتِهَا، وَلَهَا الْوَسَطُ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ بِاعْتِبَارِ رَغْبَةِ الزَّوْجِ فِيهَا، لِأَنَّ صَدَاقَ الْمِثْلِ مَا يَرْغَبُ بِهِ الزَّوْجُ فِي الزَّوْجَةِ بِاعْتِبَارِ دِينِهَا وَجَمَالِهَا وَحَسَبِهَا وَبَلَدِهَا، وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَقَلَّ الصَّدَاقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَكْثَرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنْ كَرِهَ مَالِكٌ - ﵁ - الْإِفْرَاطَ فِي كَثْرَةِ الصَّدَاقِ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَسْهِيلُ أَمْرِهَا وَقِلَّةُ صَدَاقِهَا» قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنَا أَقُولُ عِنْدِي وَمِنْ شُؤْمِهَا تَعْسِيرُ أَمْرِهَا وَكَثْرَةُ
[ ٢ / ٥ ]
يُزَوِّجُهَا حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا.
وَلَا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ إلَّا بِرِضَاهَا وَتَأْذَنُ بِالْقَوْلِ وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] صَدَاقِهَا. وَلَمَّا كَانَ الْوَلِيُّ يَتَنَوَّعُ إلَى مُجْبِرٍ وَغَيْرِ مُجْبِرٍ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشُورَةِ الْمَرْأَةِ وَإِجَازَتِهَا شَرَعَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْأَبِ) الَّذِي لَا وَلِيَّ لَهُ (إنْكَاحُ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ) قَهْرًا عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَمْ تَذْهَبْ عُذْرَتُهَا لِمُقَابَلَتِهَا بِالثَّيِّبِ وَيُقَالُ لَهَا الْعَذْرَاءُ إنْ لَمْ تَبْلُغْ اتِّفَاقًا بَلْ (وَإِنْ بَلَغَتْ) وَصَارَتْ عَانِسًا عَلَى الْمَشْهُورِ (بِغَيْرِ إذْنِهَا) وَبِغَيْرِ رِضَاهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبْرُ الْمَجْنُونَةِ وَالْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا إلَّا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ كُلَّ ذِي عَيْبٍ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ كَالْعِنِّينِ وَالْمَجْذُومِ وَالْمَجْنُونِ بِذِي عَيْبٍ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَيْهِ، كَأَعْمَى أَوْ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ أَوْ دُونِهَا فِي النَّسَبِ، لِأَنَّ الْمَوْلَى وَغَيْرَ الشَّرِيفِ وَالْأَقَلَّ جَاهًا كُفُؤٌ وَيُجْبِرُهَا وَلَوْ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُقَيَّدُ بِالْبِكْرِ الَّتِي لَمْ تُزَوَّجْ أَصْلًا أَوْ زُوِّجَتْ وَطَلُقَتْ قَبْلَ إقَامَةِ سَنَةٍ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَتْ سَنَةً وَلَمْ يَمَسَّهَا الزَّوْجُ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَلَّقَهَا فَإِنَّهَا لَا تُجْبَرُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إقْرَارِهَا بِالْمَسِّ أَوْ إنْكَارِهَا، لِأَنَّ إقَامَةَ السَّنَةِ عِنْدَ الزَّوْجِ مِنْ بُلُوغِهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ فِي تَكْمِيلِ الصَّدَاقِ وَعَدَمِ جَبْرِ الْأَبِ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ بِالْعَطْفِ عَلَى مَنْ لَمْ يُجْبِرْ: أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً وَأَنْكَرَتْ أَيْ الْمَسِيسَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْجَبْرِ لَا يُنَافِي نَدْبَ الْمُشَاوَرَةِ قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ) أَيْ أَرَادَ الْأَبُ (شَاوَرَهَا) أَيْ الْبِكْرَ الْبَالِغَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا وَلِأَنَّهُ أَدْوَمُ لِلْعِشْرَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْبَالِغِ فَلَا يُنْدَبُ مُشَاوَرَتُهَا، وَقَيَّدْنَا الْأَبَ بِاَلَّذِي لَا وَلِيَّ لَهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ أَبٍ لَهُ وَلِيٌّ فَالْجَبْرُ لِوَلِيِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فَإِنَّهُ يَجْرِي فِي جَبْرِ ابْنَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ، الْخِلَافُ الْجَارِي فِي مُعَامَلَاتِهِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَتَصَرُّفُهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَى الْإِجَازَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَمَا يُجْبِرُ الْأَبُ الْبِكْرَ يُجْبِرُ الثَّيِّبَ الْمَجْنُونَةَ وَلَوْ ذَاتَ أَوْلَادٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبْرُ الْمَجْنُونَةِ وَالْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا إلَّا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالثَّيِّبُ إنْ صَغُرَتْ أَوْ بِعَارِضٍ أَوْ بِحَرَامٍ، وَهَلْ إنْ لَمْ تُكَرِّرْ الزِّنَا تَأْوِيلَانِ، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ فَلَا جَبْرَ لَهُ وَلَوْ ثِيبَتْ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا بِفَاسِدٍ وَلَا إنْ رَشَدَتْ بَعْدَ بُلُوغِهَا أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً ابْتِدَاؤُهَا مِنْ بُلُوغِهَا لِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الْوَطْءِ، وَسَوَاءٌ أَقَرَّتْ بِالْوَطْءِ أَوْ أَنْكَرَتْهُ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَتْ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُجْبِرُهَا إذَا أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ، وَكَلَامُ خَلِيلٍ فِي الْمَجْنُونَةِ الَّتِي لَا تُفِيقُ وَيُجْبِرُهَا وَلَوْ مَعَ وَلَدِهَا، وَيُشَارِكُ الْأَبَ فِي جَبْرِهَا الْحَاكِمُ حَيْثُ عَدَمُ الْأَبِ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا، وَأَمَّا الَّتِي تُفِيقُ فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهَا، وَحَصَلَ عِنْدِي تَوَقُّفٌ فِي جَبْرِ الْأَبِ أَوْ الْحَاكِمِ الْمَجْنُونَةَ هَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِاحْتِيَاجِهَا إلَى النِّكَاحِ كَمَا قُيِّدَ بِهِ جَبْرُ الْمَجْنُونِ الذَّكَرِ؟ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَجَبْرُ أَبٍ وَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ مَجْنُونًا احْتَاجَ أَمْ لَا، لَمْ أَرَ فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، وَمِنْ الثَّيِّبَاتِ بِالنِّكَاحِ مَنْ تُجْبَرُ وَهِيَ الثَّيِّبُ الْكَبِيرَةُ إذَا ظَهَرَ فَسَادُهَا وَعَجَزَ وَلِيُّهَا عَنْ صَوْنِهَا فَيُجْبِرُهَا الْوَلِيُّ وَلَوْ غَيْرَ أَبٍ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْأَبِ رَفْعُ أَمْرِهَا لِلْحَاكِمِ قَبْلَ جَبْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ وَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ مَضَى؟ ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ التَّتَّائِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: قَدَّمْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُ الْبِكْرَ الْمُرْشِدَةَ بَعْدَ بُلُوغِهَا وَأَلْحَقُوا بِهَا الْبِكْرَ الَّتِي يُرِيدُ أَبُوهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ ذِي عَيْبٍ يُوجِبُ لَهَا الْخِيَارَ فِيهِ كَالْمَجْنُونِ وَالْمَجْذُومِ. الثَّالِثُ: إذَا كَانَ لِلْأَبِ جَبْرُ ابْنَتِهِ فَالْمَالِكُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقْوَى لِأَنَّهُ الذَّكَرُ الْكَبِيرُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبَرَ الْمَالِكُ أَمَةً وَعَبْدًا بِلَا إضْرَارٍ، فَلَا يُجْبِرُ الْأَمَةَ الرَّفِيعَةَ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ قَبِيحِ الْمَنْظَرِ، وَلَا يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى النِّكَاحِ بِمَنْ صَدَاقُهَا يَضُرُّ بِهِ، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ جَبْرُ السَّيِّدِ لِرَقِيقِهِ بِمَنْ لَيْسَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، فَلَا يُجْبِرُ أُمَّ الْوَلَدِ وَلَا مُكَاتَبَةً وَلَا مُدَبَّرًا وَلَا مُدَبَّرَةً حَيْثُ مَرِضَ السَّيِّدُ وَلَا مُعْتَقًا لِأَجَلٍ إذَا قَرُبَ الْأَجَلُ، لَا إنْ لَمْ يَمْرَضْ أَوْ لَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ، فَلَهُ جَبْرُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ، فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ الْمَالِكُ أَقْوَى عَدَمُ جَبْرِهِ لِلرَّقِيقِ إذَا تَضْمَنَّ جَبْرُهُ مَا لَا يَرْضَاهُ الرَّقِيقُ مِمَّا يَضُرُّهُ وَجَبْرُهُ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ مِنْ نَحْوِ خَصِيٍّ وَمَجْذُومٍ، فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: الْأَبُ مَعَهُ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ إضْرَارِهِ بِخِلَافِ السَّيِّدِ مَعَ رَقِيقِهِ (وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (فِي الْبِكْرِ) وَبَيَّنَ غَيْرَ الْأَبِ بِقَوْلِهِ: (وَصِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ) مِنْ أَخٍ أَوْ عَمٍّ أَوْ قَاضٍ (فَلَا) يَحِلُّ لَهُ أَنْ (يُزَوِّجَهَا) بِغَيْرِ إذْنِهَا (حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ) لِذَلِكَ الْغَيْرِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ، وَيُعَيَّنُ لَهَا الزَّوْجَ وَيُسَمِّي لَهَا الصَّدَاقَ وَتَرْضَى بِهِمَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ وَكَّلَتْهُ مِمَّنْ أَحَبَّ عَيَّنَ وَإِلَّا فَلَهَا الْإِجَازَةُ وَلَوْ بَعْدُ لَا الْعَكْسُ (وَ) يَكْفِي فِي (إذْنِهَا صُمَاتُهَا) أَيْ سُكُوتُهَا وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرِضَا الْبِكْرِ صَمْتٌ لِأَنَّ شَأْنَ الْأَبْكَارِ الْحَيَاءُ، وَأَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَا صُنْعُهَا الطَّعَامَ حِينَ يُقَالُ لَهَا: اللَّيْلَةُ يَحْضُرُ فُلَانٌ لِنَعْقِدَ لَهُ عَلَيْك، فَتَفْرِشُ الْمَحَلَّ وَتَصْنَعُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرْبَاتِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْأَمْصَارِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْوَصِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ وَصِيُّ الْأَبِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالْإِجْبَارِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ، وَأَمَّا هَذَا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذَانُ لِأَنَّهُ لَهُ جَبْرُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ وَإِلَّا فَخِلَافٌ، وَسَيَأْتِي النَّصُّ عَلَى هَذَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِإِنْكَاحِهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى تَبْلُغَ الْيَتِيمَةُ وَهِيَ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهَا
[ ٢ / ٦ ]
بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا كَالرَّجُلِ مِنْ عَشِيرَتِهَا أَوْ السُّلْطَانِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الدَّنِيَّةِ أَنْ تُوَلِّيَ أَجْنَبِيًّا.
وَالِابْنُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْفَسَادُ، أَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً لَا مَالَ لَهَا وَلَا مُنْفِقَ. قَالَ خَلِيلٌ بَعْدَ النَّصِّ عَلَى الْمُجْبِرِينَ: ثُمَّ لَا جَبْرَ فَالْبَالِغُ إلَّا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا وَشُووِرَ الْقَاضِي، وَالْمُرَادُ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْقَاضِي مُوجِبَاتُ التَّزْوِيجِ، وَتَأْذَنَ لِلْوَلِيِّ بِالْقَوْلِ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كُفُؤًا لَهَا مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالنَّسَبِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْحَالِ وَالْمَالِ، وَكَوْنُ الصَّدَاقِ صَدَاقَ مِثْلِهَا، وَتَرْضَى بِالزَّوْجِ، فَإِنْ زُوِّجَتْ مَعَ فَقْدِ تِلْكَ الشُّرُوطِ أَوْ بَعْضِهَا فُسِخَ نِكَاحُهَا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ مَعَ الطُّولِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ فِيهِ الْأَوْلَادَ، وَمِثْلُ الْيَتِيمَةِ مَجْهُولَةُ الْأَبِ لِغُرْبَتِهَا بِالْجَلَاءِ فَيُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ بِشُرُوطِ الْيَتِيمَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَمَّا لَوْ خِيفَ عَلَى الْيَتِيمَةِ الضَّيَاعُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ فَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: لَا خِلَافَ أَنَّهَا تُزَوَّجُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَجْهُولَةَ الْأَبِ كَذَلِكَ، وَمِثْلُهُمَا ذَاتُ الْأَبِ الَّتِي يَقْطَعُ عَنْهَا النَّفَقَةَ وَيَغِيبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً وَيَخْشَى عَلَيْهَا الضَّيَاعَ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ لَا غَيْرُهُمَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ الْعَشْرَ وَإِلَّا أَذِنَتْ بِالْقَوْلِ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. الثَّانِي: يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا أَبْكَارٌ سَبْعٌ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهِنَّ. الْأُولَى: الْبِكْرُ الْمُرْشِدَةُ بَعْدَ بُلُوغِهَا لَا يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا وَأَوْلَى غَيْرُهُ إلَّا بِرِضَاهَا بِنُطْقِهَا. الثَّانِيَةُ: الْمَعْضُولَةُ تَرْفَعُ أَمْرَهَا لِلْحَاكِمِ فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ وَلِيَّهَا بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا أَوْ يَعْقِدُ لَهَا الْحَاكِمُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ ذَاتَ أَبٍ وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِإِنْكَاحِهَا فَلَا تَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا لِبَقَاءِ جَبْرِهِ. الثَّالِثَةُ: الَّتِي تُزَوَّجُ بِعَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَلَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ، وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِي الْبَلَدِ بِدَفْعِهِ صَدَاقًا فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا لِأَنَّهَا بَائِعَةٌ مُشْتَرِيَةٌ، وَالْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الصَّمْتِ. الرَّابِعَةُ: الَّتِي زُوِّجَتْ بِرَقِيقٍ وَلَوْ بَعْضَهُ وَلَوْ رَقِيقَ أَبِيهَا فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا وَلَوْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لَهَا أَبَاهَا، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ كُفُؤٌ لِلْحُرَّةِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِعَبْدِ أَبِيهَا لِمَا يَلْحَقُهَا عِنْدَ تَزَوُّجِهَا بِعَبْدِ أَبِيهَا مِنْ الْمَعَرَّةِ. الْخَامِسَةُ: الَّتِي تُزَوَّجُ بِنَحْوِ خَصِيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي عَيْبٍ يُوجِبُ لَهَا الْخِيَارَ بِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَوْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لَهَا أَبًا كَمَا تَقَدَّمَ. السَّادِسَةُ: الْيَتِيمَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ذَاتُ الشُّرُوطِ. السَّابِعَةُ: الْمُفْتَاتُ عَلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي يَعْقِدُ لَهَا نَحْوُ أَخِيهَا بِدَعْوَى إذْنِهَا ثُمَّ يَسْتَأْذِنُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا، وَيَتَنَاوَلُ هَذَا جَمِيعَ الْمَذْكُورَاتِ إذَا زُوِّجْنَ بِغَيْرِ إذْنٍ ثُمَّ يُسْتَأْذَنَّ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَا يَمْضِي نِكَاحُهُنَّ إلَّا بِرِضَاهُنَّ بِالْقَوْلِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْعَقْدِ فِي الْبَلَدِ وَكَوْنِ الْمُزَوَّجَةِ فِي الْبَلَدِ أَيْضًا، وَأَنْ يَقْرُبَ مَا بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْإِجَازَةِ، وَأَنْ لَا يُقِرَّ الْعَاقِدُ بِالِافْتِيَاتِ حَالَ الْعَقْدِ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهَا رَدٌّ قَبْلَ الرِّضَا، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ الِافْتِيَاتُ عَلَى الزَّوْجِ مَعَ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهَا، وَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا فُسِخَ الْعَقْدُ أَبَدًا، وَمِثْلُ الِافْتِيَاتِ عَلَى الْمَرْأَةِ الِافْتِيَاتُ عَلَى الزَّوْجِ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْأَبْكَارِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِنَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الثَّيِّبَاتِ الْغَيْرِ الْمُلْحَقَاتِ بِالْأَبْكَارِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُزَوِّجُ الثَّيِّبَ) الْحُرَّةَ الَّتِي لَا تُجْبَرُ (أَبٌ وَلَا غَيْرُهُ) مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ (إلَّا بِرِضَاهَا وَتَأْذَنُ بِالْقَوْلِ) لِخَبَرِ: «الثَّيِّبُ يُعْرِبُ عَنْهَا لِسَانُهَا» وَقَيَّدْنَا بِاَلَّتِي لَا تُجْبَرُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَمِنْ أُلْحِقَ بِهَا مِمَّنْ تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ فَلَا تُسْتَأْذَنُ، وَبِالْحُرَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْأَمَةِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يُجْبِرُهَا، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ مَا يُغْنِي عَنْ الْإِطَالَةِ هُنَا. وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اعْتِبَارِ رِضَا الثَّيِّبِ الْمَذْكُورَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ اسْتِئْذَانِ الْوَلِيِّ قَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ) الشَّرِيفَةُ غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ (إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا) الْخَاصِّ كَأَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا (أَوْ) بِإِذْنِ (ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا) وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (كَالرَّجُلِ مِنْ عَشِيرَتِهَا) أَيْ عَصَبَتِهَا مِنْ النَّسَبِ أَوْ الْوَلَاءِ كَالْمَوْلَى الْأَعْلَى وَعَصَبَتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ. قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِذِي الرَّأْيِ الْمُسْتَوْفِي شُرُوطَ الْوَلِيِّ السِّتَّةَ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا وَهِيَ: الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَعَدَمُ الْإِحْرَامِ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ، انْتَهَى لَفْظُهُ وَلِي فِيهِ وَقْفَةٌ، إذْ شُرُوطُ الْوَلِيِّ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ فِي كُلِّ الْمَسَائِلِ، وَلَوْ كَانَ الْعَاقِدُ سَيِّدًا أَوْ أَبًا، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذِي الرَّأْيِ الْكَامِلُ فِي الْعَقْلِ، وَجَزَالَةُ الرَّأْيِ بِمَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ بِالْمُزَوَّجَةِ، وَلِذَا قَالَ التَّتَّائِيُّ: وَذُو الرَّأْيِ مَنْ تُرَدُّ إلَيْهِ الْأُمُورُ يَعْنِي الْمُشْكِلَاتِ وَيُشَاوِرُ فِيهَا لِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إذَا تَعَدَّدَتْ وَتَسَاوَتْ مَرْتَبَتُهَا وَحَصَلَ تَنَازُعٌ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فِيمَنْ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ فَيُقَدِّمُهُ، الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ تَنَازَعَ الْأَوْلِيَاءُ الْمُتَسَاوُونَ فِي الْعَقْدِ أَوْ الزَّوْجُ نَظَرَ الْحَاكِمُ فِي الْأَصْلَحِ لِمُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ لِجَزَالَةِ رَأْيِهِ وَحُسْنِ دِينِهِ وَعِلْمِهِ بِالْمَصَالِحِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: عِنْدَ تَنَازُعِهِمْ فِي الْعَقْدِ يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمْ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَضْلِ فَيُقَدَّمُ الْأَسَنُّ، فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي السِّنِّ أَيْضًا زَوَّجَ الْجَمِيعَ، وَفِي تَنَازُعِهِمْ فِي الزَّوْجِ يُقَدَّمُ الْأَصْلَحُ مِنْ الْأَزْوَاجِ لِلزَّوْجَةِ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي وَجْهِ اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فَقِيلَ: مَحْضُ تَعَبُّدٍ، وَقِيلَ: لِدَفْعِ الْمَعَرَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ الْوَلِيَّ إنْ زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَعَلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ الْعَصَبَةُ، فَإِنْ قِيلَ: الرَّجُلُ مِنْ عَشِيرَتِهَا وَلِيٌّ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ حِينَئِذٍ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلِيِّهَا؟ فَالْجَوَابُ: يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَلِيِّ أَكِيدُ الْقَرَابَةِ كَأَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا، وَيُرَادُ بِالرَّجُلِ مِنْ عَشِيرَتِهَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ عَصَبَةِ النَّسَبِ أَوْ الْوَلَاءِ وَمَا يَلِيهِمْ مِنْ
[ ٢ / ٧ ]
أَوْلَى مِنْ الْأَبِ وَالْأَبُ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ وَمَنْ قَرُبَ مِنْ الْعَصَبَةِ أَحَقُّ وَإِنْ زَوَّجَهَا الْبَعِيدُ مَضَى ذَلِكَ. .
وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بَقِيَّةِ الْأَوْلِيَاءِ الْخَاصَّةِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى السُّلْطَانِ لِأَنَّهُ آخِرُ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: (أَوْ) يَأْذَنُ (السُّلْطَانُ) أَوْ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَاكِمُ حَيْثُ كَانَ مُعْتَنِيًا بِأَمْرِ الشَّرِيعَةِ، فَأَوْفَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، لِأَنَّ مَرْتَبَةَ الْحَاكِمِ مُتَأَخِّرَةٌ عَمَّنْ قَبْلَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى السُّلْطَانِ وَلَا حَاكِمٌ أَيْضًا فَوِلَايَةٌ عَامَّةٌ مُسَلَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وَلَوْ كَانَتْ شَرِيفَةً، وَلِلْوَلِيِّ مِنْ ذِي الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ أَنْ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَأْذِنَهَا وَتَرْضَى بِهِ كَابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ إذَا وَكَّلَتْهُ فِي أَنْ يُزَوِّجَهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِابْنِ عَمٍّ وَنَحْوِهِ إنْ عَيَّنَ تَزْوِيجَهَا مِنْ نَفْسِهِ بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا وَتَرْضَى وَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، وَنَظِيرُهُ السَّيِّدُ يُعْتِقُ أَمَتَهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَإِذَا أَعْلَمَهَا وَرَضِيَتْ بِهِ وَبِمَا عَيَّنَهُ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ أَنْ يَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، وَلَمَّا كَانَتْ حُرْمَةُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ إنَّمَا هِيَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ الشَّرِيفَةِ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ غَيْرُ الشَّرِيفَةِ فَفِي جَوَازِ نِكَاحِهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا خِلَافٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي) الثَّيِّبِ (الدَّنِيئَةِ) بِالْهَمْزِ لِأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ لِلدَّنَاءَةِ، وَالدَّنِيئَةُ غَيْرُ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا لِعَدَمِ مَالِهَا وَجَمَالِهَا وَحَسَبِهَا هَلْ يَجُوزُ لَهَا (أَنْ تُوَلِّيَ) أَيْ تُوَكِّلَ رَجُلًا (أَجْنَبِيًّا) مَعَ وُجُودِ وَلِيِّهَا الْخَاصِّ الْغَيْرِ مُجْبِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَالثَّانِي لِأَشْهَبَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَيَصِحُّ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَصَحَّ بِهَا فِي دَنِيئَةٍ مَعَ خَاصٍّ لَمْ يُجْبَرْ، وَأَمَّا لَوْ وَكَّلَتْ الْأَجْنَبِيَّ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا أَبَدًا وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ، وَأَمَّا الشَّرِيفَةُ تُوَكِّلُ أَجْنَبِيًّا مَعَ الْخَاصِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ فَيُفْسَخُ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ وَيُطَوِّلَ بِحَيْثُ تَلِدُ الْأَوْلَادَ أَوْ يَمْضِي مَا يُمْكِنُ أَنْ تَلِدَ فِيهِ الْأَوْلَادَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ خَلِيلٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَصَحَّ بِهَا دَنِيئَةً مَعَ خَاصٍّ: لَمْ يُجْبِرْ كَشَرِيفَةٍ دَخَلَ وَطَالَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ خُيِّرَ الْقَرِيبُ أَوْ الْحَاكِمُ مَعَ الْقَرِيبُ فِي الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ، وَأَمَّا إنْ حَصَلَ طُولٌ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فَقِيلَ يَتَحَتَّمُ الْفَسْخُ، وَقِيلَ يُخَيِّرُ الْوَلِيُّ وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ قَرُبَ فَلِلْأَقْرَبِ، أَوْ الْحَاكِمِ إنْ غَابَ الرَّدُّ، وَفِي تَحَتُّمِهِ إنْ طَالَ قَبْلَهُ تَأْوِيلَانِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَلِيَّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مُجْبِرٌ وَغَيْرُ مُجْبِرٍ، وَغَيْرُ الْمُجْبِرِ عَلَى قِسْمَيْنِ: خَاصٌّ وَعَامٌّ، وَالْمَنْكُوحَةُ فِي كُلٍّ إمَّا شَرِيفَةٌ أَوْ دَنِيئَةٌ، فَتَزْوِيجُ غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ بَاطِلٌ مُطْلَقًا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ شَرِيفَةً أَمْ لَا، كَانَ الزَّوْجُ خَاصًّا أَوْ عَامًّا، وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْخَاصِّ مَعَ الْخَاصِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ إلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ فَصَحِيحٌ مُطْلَقًا أَيْ فِي شَرِيفَةٍ أَوْ دَنِيئَةٍ لِقَوْلِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى مَا يَصِحُّ: وَبِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إنْ لَمْ يُجْبِرْ وَإِنْ كُرِهَ ابْتِدَاءً عَلَى مَا ارْتَضَاهُ شُيُوخُ الْمُدَوَّنَةِ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ يَحْرُمُ، وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْعَامِّ مَعَ وُجُودِ الْخَاصِّ الْغَيْرِ الْمُجْبِرِ فَصَحِيحٌ فِي الدَّنِيئَةِ مُطْلَقًا كَالشَّرِيفَةِ إنْ دَخَلَ وَطَالَ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطُّولِ وَبَيَانُ مَفْهُومِ الْقَيْدَيْنِ أَعْنِي الدُّخُولَ وَالطُّولَ فَافْهَمْ. ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الثَّيِّبِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ بِقَوْلِهِ: (وَالِابْنُ) وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ (أَوْلَى مِنْ الْأَبِ) فِي الْعَقْدِ عَلَى أُمِّهِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ إذْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - «قُمْ يَا عُمَرُ فَزَوِّجْ أُمَّك» أَيْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -. وَفِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِابْنِهَا: قُمْ يَا عُمَرُ زَوِّجْ النَّبِيَّ - ﷺ - فَزَوَّجَهَا» قَالَ: وَفِي بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ جَهَالَةٌ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هُوَ - ﵊ - يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَكَوْنُ عُمَرَ زَوَّجَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌّ، قُلْنَا: مُسَلَّمٌ لَكِنْ تَزْوِيجٌ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ وَكَوْنُهُ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَقَعَ إلَّا كَذَلِكَ؟ وَقَوْلُهُمْ: كَوْنُ عُمَرَ زَوَّجَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَلِيٌّ كَلَامٌ سَاقِطٌ انْتَهَى بَلْ يَدُلُّ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِالنَّسَبِ تَفْتَقِرُ إلَى التَّعْصِيبِ وَالِابْنُ أَقْوَى مِنْ الْأَبِ تَعْصِيبًا لِأَنَّهُ يَحْجُبُ الْأَبَ نَقْصًا، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِمَوَالِي مَوَالِيهَا مِنْ الْأَبِ، وَأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَبِ (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى هُوَ مَا فَهِمَهُ جُلُّ شُيُوخِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي: فَإِنْ زَوَّجَهَا الْبَعِيدُ مَعَ أَقْرَبَ مَضَى وَصَحَّ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ بِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إنْ لَمْ يُجْبِرْ. الثَّانِي: مَحَلُّ تَقْدِيمِ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ مَا لَمْ تَكُنْ الثَّيِّبُ فِي حِجْرِ أَبِيهَا أَوْ وَصِيِّهَا أَوْ مُقَدَّمَ قَاضٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِي مَنْزِلَةِ الْأَبِ وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ كُلٌّ عَلَى الِابْنِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يَكُنْ الِابْنُ مِنْ زِنًا وَلَمْ تُثَيَّبْ قَبْلَهُ بِنِكَاحٍ وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَبُ لِبَقَاءِ جَبْرِهِ عَلَيْهَا، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً؛ لِأَنَّ أَبَاهَا يُجْبِرُهَا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ وَلَدِهَا، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ بِنِكَاحٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ زِنًا بَعْدَ ذَلِكَ فَالِابْنُ يُقَدَّمُ فِي هَذِهِ عَلَى أَبِيهَا فَافْهَمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلثَّيِّبِ ابْنٌ فَالْأَقْرَبُ إلَيْهَا أَحَقُّ بِنِكَاحِهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَالْأَبُ) الشَّرْعِيُّ (أَوْلَى مِنْ الْأَخِ) فِي الْعَقْدِ عَلَى أُخْتِهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَبُ عَلَى أَخِ الْمَنْكُوحَةِ لِأَنَّ أَخَاهَا إنَّمَا يُدْلِي إلَيْهَا بِأَبِيهَا، وَالْمُدْلِي إلَى شَخْصٍ بِوَاسِطَةٍ يُحْجَبُ بِهَا، وَقَيَّدْنَا الْأَبَ بِالشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَةَ مِنْ الزِّنَا مَقْطُوعَةُ النَّسَبِ، فَلَا حَقَّ لِصَاحِبِ الْمَاءِ
[ ٢ / ٨ ]
الطِّفْلَ فِي وِلَايَتِهِ وَلَا يُزَوِّجَ الصَّغِيرَةَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِإِنْكَاحِهَا وَلَيْسَ ذَوُو الْأَرْحَامِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءُ مِنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا وَإِنْ حَرُمَ التَّزْوِيجُ بِهَا لِقُبْحِ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ فَيُزَوِّجُهَا أَخُوهَا الشَّقِيقُ أَوْ لِأَبِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخٌ وَلَا ابْنُهُ فَجَدُّهَا أَبٌ أَبِهَا دَنِيَّةً لَا جَدُّ جَدِّهَا، فَعَمُّهَا ابْنُ الْجَدِّ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمٌّ فَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ كَذَلِكَ صُعُودًا أَوْ هُبُوطًا، وَيُقَدَّمُ الشَّقِيقُ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَالْأُخْتَانِ عَلَى غَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَى الْإِرْثِ وَالْوَلَاءِ وَالصَّلَاةِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَخَ وَابْنَهُ يُقَدَّمَانِ عَلَى الْجَدِّ هُنَا، كَمَا يُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ فِي الْوَلَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَرُبَ مِنْ الْعَصَبَةِ) فَهُوَ (أَحَقُّ) وَقَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّمَ ابْنٌ فَابْنُهُ فَأَخٌ فَابْنُهُ فَجَدٌّ فَعَمٌّ فَابْنُهُ، وَقُدِّمَ شَقِيقٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَحَقَّ أَنَّهُ أَوْلَى بِمُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ عَلَى وَلِيَّتِهِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ، فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ أَوْلَى وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ شُيُوخُ الْمُدَوَّنَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَى أَحَقَّ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِنْ زَوَّجَهَا الْبَعِيدُ مَضَى لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْعَصَبَةِ عَنْ الْأَخِ لِلْأُمِّ وَالْجَدِّ لِلْأُمِّ فَلَا دَخْلَ لَهُمَا فِي النِّكَاحِ إلَّا بِطَرِيقِ وِلَايَةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُرِيدَةِ النِّكَاحِ وَلَوْ بِكْرًا أَوْلَى مِنْ النَّسَبِ فَالْمَوْلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْمُعْتِقُ، وَوَقَعَ خِلَافٌ فِي الْأَسْفَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلًى فَالْكَافِلُ وَهُوَ الذَّكَرُ الَّذِي رَبَّى الْمَكْفُولَةَ وَحَضَنَهَا لِفَقْدِ أَبِيهَا حَتَّى بَلَغَتْ وَطَلَبَتْ النِّكَاحَ، لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِهَا الْكَافِلُ الْوِلَايَةَ، فَقِيلَ عَشْرُ سِنِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَقِيلَ مُدَّةٌ بِحَيْثُ يُعَدُّ فِيهَا مُشْفِقًا، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْكَافِلَ لَا وِلَايَةَ لَهُ إلَّا عَلَى الدَّنِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهَا وَلِيٌّ وَلَا كَافِلٌ فَالْحَاكِمُ الْمُعْتَنِي بِالسُّنَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ آخِرُ الْأَوْلِيَاءِ الْخَاصَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ كَانَ وَلَكِنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ تُوَكِّلُ مَنْ تَخْتَارَهُ مِنْهُمْ وَيُزَوِّجُهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَلَوْ بِكْرًا. (وَإِنْ زَوَّجَهَا) أَيْ الثَّيِّبَ غَيْرَ الْمُجْبَرَةِ الْوَلِيُّ الْخَاصُّ (الْبَعِيدُ) مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ كَتَزْوِيجِ أَخِيهَا غَيْرِ الْمُفَوَّضِ مَعَ وُجُودِ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا مَعَ وُجُودِ أَخِيهَا (مَضَى ذَلِكَ) قَالَ خَلِيلٌ وَصَحَّ بِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إنْ لَمْ يُجْبِرْ وَإِلَّا فُسِخَ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ، وَقَوْلُنَا غَيْرِ الْمُفَوَّضِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْأَخِ الَّذِي فَوَّضَ إلَيْهِ أَبُوهُ التَّصَرُّفَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَسَائِرِ أُمُورِ الدُّنْيَا سِوَى الْعَقْدِ عَلَى أُخْتِهِ ثُمَّ تَعَدَّى وَعَقَدَ عَلَى أُخْتِهِ الْبِكْرِ وَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَبِيهَا وَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَأَجَازَهُ فَإِنَّهُ يَمْضِي. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ جَازَ يُجْبِرُ فِي ابْنٍ وَأَخٍ وَجَدٍّ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ بِبَيِّنَةٍ جَازَ، وَلَوْ كَانَتْ الشُّهُودُ لَمْ تَسْمَعْ صِيغَةَ تَفْوِيضِهِ لَهُ، وَإِنَّمَا شَهِدَتْ بِمُشَاهَدَةِ التَّصَرُّفِ الْمُشْبِهِ لِتَصَرُّفِ الْمُفَوِّضِ لَهُ بِالصِّيغَةِ (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: تَغْيِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمُضِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْرُمُ الْإِقْدَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ مِنْ بَابِ الْأَوْجَبِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَصَحَّ بِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ إنْ لَمْ يُجْبِرْ وَلَمْ يَجُزْ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُلُّ شُيُوخِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ التَّرْتِيبَ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَقَطْ، وَأَنَّ مُخَالَفَتَهُ مَكْرُوهٌ فَقَطْ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ فِيهِ تَأْوِيلَانِ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، فَأَوَّلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا ظَاهِرٌ فِيمَا عَلَيْهِ جُلُّ شُيُوخِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُهُ هُنَا ظَاهِرٌ فِي مُوَافَقَةِ كَلَامِ خَلِيلٍ أَيْ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ فَافْهَمْ. الثَّانِي: مَفْهُومُ قَوْلِ زَوْجِهَا الْبَعِيدِ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مَعَ وُجُودِ مُسَاوِيهِ أَحْرَى بِالْمُضِيِّ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَحَلُّ الْمُضِيِّ إذَا زَوَّجَهَا الْبَعِيدُ لِكُفُؤٍ، فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفُؤٍ فَيَصِلُ فِيهِ إنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا بِالِاعْتِقَادِ رُدَّ نِكَاحُهُ وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الدِّينِ حَقٌّ لِلَّهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ إسْقَاطُهَا، بِخِلَافِ لَوْ زَوَّجَهَا لِدَنِيءٍ فِي النَّسَبِ أَوْ فَقِيرٍ أَوْ فَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ أَوْ بِذِي عَيْبٍ يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلزَّوْجَةِ فَلَا يَرُدُّ بِهِ مُطْلَقًا، بَلْ إنْ أَسْقَطَتْهَا الْمَرْأَةُ مَعَ الْوَلِيِّ سَقَطَتْ مُرَاعَاتُهَا، وَإِنْ أَسْقَطَهَا أَحَدُهُمَا فَحَقُّ الْآخَرِ بَاقٍ؟ قَالَ خَلِيلٌ: وَالْكَفَاءَةُ الدِّينُ وَالْحَالُ وَلَهَا وَلِلْوَلِيِّ تَرْكُهَا أَيْ الْكَفَاءَةِ فِي التَّدَيُّنِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ عَدَمِ الْفِسْقِ بِالْجَارِحَةِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالدِّينِ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ الْإِسْلَامَ، إذْ لَيْسَ لِلزَّوْجَةِ وَلَا لِلْوَلِيِّ تَرْكُ الْإِسْلَامِ وَالرِّضَا بِالْكَافِرِ فَافْهَمْ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى نَائِبِ الْأَبِ وَهُوَ الْوَصِيُّ بِقَوْلِهِ: (وَ) يَجُوزُ (لِلْوَصِيِّ) الذَّكَرِ (أَنْ يُزَوِّجَ الطِّفْلَ) الذَّكَرَ (الَّذِي فِي وِلَايَتِهِ) إذَا طَلَبَ الطِّفْلُ ذَلِكَ وَكَانَ فِي تَزْوِيجِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا يُجْبِرُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَمَرَهُ بِالْإِجْبَارِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنَّمَا يُجْبِرُهُ الْوَصِيُّ إذَا كَانَ لَهُ جَبْرُ الْأُنْثَى وَذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالْإِجْبَارِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجُ وَإِلَّا فَخِلَافٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ كَتَزْوِيجِهِ مِنْ مُوسِرَةٍ أَوْ شَرِيفَةٍ أَوْ ابْنَةِ عَمٍّ، وَمِثْلُ الْوَصِيِّ فِي اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ الْأَبُ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَبَرَ أَبٌ وَوَصِيٌّ وَحَاكِمٌ مَجْنُونًا احْتَاجَ وَصَغِيرًا، وَفِي السَّفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْمَجْنُونِ حَاجَتُهُ إلَى النِّكَاحِ لِإِقْبَالِهِ عَلَى الْفَسَادِ، وَكَذَا لِلْخِدْمَةِ عِنْدَ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْخِدْمَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ نَحْوِ الزَّوْجَةِ، وَهَذَا فِي الْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يُفِيقُ أَصْلًا، وَأَمَّا مُتَقَطِّعُ الْجُنُونِ فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي جَبْرِ الْمَجْنُونَةِ، وَمَعْلُومٌ
[ ٢ / ٩ ]
الْعَصَبَةِ.
وَلَا يَخْطُبُ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ وَذَلِكَ إذَا رَكَنَا وَتَقَارَبَا.
وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الشِّغَارِ وَهُوَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَنَّ الْأَبَ إنَّمَا يُجْبِرُ الْمَجْنُونَ الَّذِي بَلَغَ مَجْنُونًا لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بَاقِيَةٌ، وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا رَشِيدًا ثُمَّ طَرَأَ جُنُونُهُ فَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا وِلَايَتُهُ لِلْحَاكِمِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيَّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ يَدْفَعُ الصَّدَاقَ عَنْ الطِّفْلِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَصَدَاقُهُمْ إنْ أُعْدِمُوا عَلَى الْأَبِ وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَيْسَرُوا بَعْدُ وَلَوْ شُرِطَ ضِدُّهُ وَإِلَّا فَعَلَيْهِمْ إلَّا لِشَرْطٍ، وَالضَّمِيرُ لِلْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمُزَوِّجُ لَهُمْ الْوَصِيَّ أَوْ الْحَاكِمَ فَصَدَاقُهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ أَوْ عَلَى مَنْ تَحَمَّلَ عَنْهُمْ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَصِيُّ وَلَا الْحَاكِمُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمَا. الثَّانِي: قَيَّدْنَا الْوَصِيَّ بِالذِّكْرِ، وَأَمَّا الْأُنْثَى إذَا كَانَتْ وَصِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً عَلَى ذَكَرٍ فَلَهَا مُبَاشَرَةُ عَقْدِ نِكَاحِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ وَصِيَّةً عَلَى أُنْثَى لَوَجَبَ عَلَيْهَا التَّوَكُّلُ فِي مُبَاشَرَةِ عَقْدِهَا لِوُجُوبِ ذُكُورَةِ وَلِيِّهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ وَوَصِيَّةٌ وَمُعْتَقَةٌ وَإِنْ أَجْنَبِيًّا كَعَبْدٍ أَوْ وَصِيٍّ، وَلَهَا اخْتِيَارُ الزَّوْجِ وَتَقْرِيرُ الصَّدَاقِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِحُكْمِ الطِّفْلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُزَوِّجُ) الْوَصِيُّ مُطْلَقًا (الصَّغِيرَةَ) الَّتِي فِي وِلَايَتِهِ (إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ الْأَبُ بِإِنْكَاحِهَا) أَوْ يُعَيِّنَ لَهُ الزَّوْجُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الطِّفْلِ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهُ إذَا طَلَبَ وَكَانَ فِي نِكَاحِهِ مَصْلَحَةٌ دُونَ الطِّفْلَةِ، أَنَّ الطِّفْلَ إذَا بَلَغَ وَكَرِهَ النِّكَاحَ لَهُ الْفَسْخُ عَنْ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْأُنْثَى لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ مِلْكٌ لِلزَّوْجِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَصِيَّ إنْ أَمَرَهُ الْأَبُ بِالْإِجْبَارِ أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ كَانَ لَهُ جَبْرُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِجْبَارِ وَلَا عَيَّنَ الزَّوْجَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأُنْثَى حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ بِالْقَوْلِ، وَأَمَّا الذَّكَرُ فَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ وَلَوْ أُنْثَى أَنْ يُزَوِّجَهُ إذَا طَلَبَ وَكَانَ فِي نِكَاحِهِ مَصْلَحَةٌ وَلَا يَجُوزُ جَبْرُهُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي فِي وِلَايَتِهِ أَنَّ الْوَصِيَّ عَلَى الضَّيْعَةِ أَوْ عَلَى التَّرِكَةِ أَوْ عَلَى تَفْرِقَةِ الثُّلُثِ لَيْسَ كَالْوَصِيِّ عَلَى ذَاتِ الصَّغِيرِ أَوْ الصَّغِيرَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ الْأَطْفَالِ. وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: أَنَّ الْوَصِيَّ عَلَى بَيْعِ التَّرِكَةِ أَوْ عَلَى قَبْضِ الدُّيُونِ لَا يُجْبِرَانِ، وَلَكِنَّهُ إنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَجَبَرَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مَضَى، ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُجْبِرُ فِيهَا الْوَصِيُّ لَوْ جَبَرَ مَضَى بَعْدَ الْوُقُوعِ، ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: وَلَعَلَّ وَجْهَ الصِّحَّةِ أَنَّهُ وَصِيٌّ فِي الْجُمْلَةِ فَرَاجِعْهُ، وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا مُحَمَّدٍ الْخَرَشِيِّ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ زَوَّجَ مُوصًى عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ وَقَبْضِ دَيْنِهِ صَحَّ مَا نَصَّهُ قَوْلُهُ صَحَّ أَيْ بَعْدَ الْوُقُوعِ إذَا زَوَّجَ مَنْ لَمْ تُجْبَرْ، إذْ لَيْسَ لَهُ جَبْرُ بَنَاتِهِ اتِّفَاقًا، فَالْمُرَادُ زَوَّجَ مِنْهُنَّ مَنْ لَمْ تُجْبَرْ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ بِإِذْنِهَا، وَأَمَّا لَوْ زَوَّجَ مَنْ تُجْبَرُ لَفُسِخَ أَبَدًا، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِ فَانْظُرْ مَا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَبَقِيَ قِسْمٌ فِي الْوَصِيِّ فِيهِ الْخِلَافُ وَهُوَ الَّذِي أَوْصَاهُ عَلَى بُضْعِ بَنَاتِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: أَنَا وَصِيٌّ عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى عَقْدِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى بَنَاتِي، فَقِيلَ لَهُ الْجَبْرُ وَرُجِّحَ، وَقِيلَ لَا جَبْرَ، وَوَصِيُّ الْوَصِيِّ كَالْوَصِيِّ وَإِنْ بَعُدَ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَإِذَا قَالَ وَصِيٌّ فَقَطْ أَوْ وَصِيٌّ عَلَى مَالِي، وَقُلْنَا لَا يُجْبِرُ فَإِنْ فَعَلَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَمْضِي، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ وَإِنْ زَوَّجَ مُوصًى عَلَى بَيْعِ تَرِكَتِهِ وَقَبْضِ دُيُونِهِ صَحَّ، انْتَهَى لَفْظُ الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ عِنْدَ وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَهُ أَبٌ إلَى قَوْلِهِ خِلَافٌ، وَرَاجَعْت كَلَامَهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ فَوَجَدْته مُخَالِفًا لِمَا فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَإِنَّ كَلَامَهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ كَالصَّرِيحِ فِي مُوَافَقَةِ كَلَامِ شَيْخِنَا الْخَرَشِيِّ، وَأَيْضًا قَوْلُ خَلِيلٍ: ثُمَّ لَا جَبْرَ فَالْبَالِغُ أَيْ لَا تُزَوَّجُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَإِذْنِهَا فَرَاجِعْهُ: ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ الْعَصَبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ ذَوُو الْأَرْحَامِ) وَهُمْ قَرَابَاتُ الْأُنْثَى مِنْ جِهَةِ أُمِّهَا كَأَخِيهَا لِأُمِّهَا وَجَدِّهَا لِأُمِّهَا وَخَالِهَا وَأَبْنَائِهِمْ (مِنْ الْأَوْلِيَاءِ) الْخَاصَّةِ (وَ) إنَّمَا تَكُونُ (الْأَوْلِيَاءُ مِنْ) جِهَةِ الْقَرَابَةِ (الْعَصَبَةِ) كَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْإِخْوَةِ بِغَيْرِ الْأُمِّ وَالْأَعْمَامِ، وَبِقَوْلِنَا مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ لَا يَرُدُّ الْمُعْتِقَ وَلَا الْكَامِلَ وَكُلَّ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا بِقَوْلِهِ (وَلَا) يَجُوزُ أَنْ (يَخْطُبَ أَحَدٌ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) وَالْخِطْبَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْتِمَاسُ التَّزَوُّجِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْرِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهُ - ﵊ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْأَخُ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَتَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ. وَلَمَّا كَانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الْغَيْرِ تَرَتَّبَ الْعَدَاوَةُ وَكَانَتْ مَوْجُودَةً فِي سَوْمِ الشَّخْصِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ قَالَ - ﷺ - فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: «وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ» وَذَلِكَ النَّهْيُ الْمَذْكُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ (إذَا رَكَنَا وَتَقَارَبَا) التَّقَارُبُ تَفْسِيرٌ لِلتَّرَاكُنِ، وَمَعْنَى التَّقَارُبِ الْمِيلُ إلَى الْأَوَّلِ وَالرِّضَا بِهِ، وَالضَّمِيرُ فِي الْخِطْبَةِ لِلْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبَةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُعْتَبَرُ رُكُونُهَا، وَإِلَّا فَالْمُعْتَبَرُ كَوْنُ وَلِيِّهَا بِأَنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً أَوْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ حَيْثُ رَضِيَتْ بِرُكُونِ الْوَلِيِّ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْحُرْمَةَ بِالتَّرَاكُنِ لِفَهْمِهِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّهَا جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - لِتَسْتَشِيرَهُ فِيمَنْ تَنْكِحُهُ وَقَالَتْ لَهُ: إنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمِ بْنَ هِشَامٍ خَطَبَانِي. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ أَيْ لِكَثْرَةِ أَسْفَارِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ فَانْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ مَشْرُوطَةٌ بِالرُّكُونِ بِالْخَاطِبِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا لَمْ يَأْمُرْهَا بِأَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ
[ ٢ / ١٠ ]
الْبُضْعُ بِالْبُضْعِ.
وَلَا نِكَاحٌ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَهُوَ النِّكَاحُ إلَى أَجَلٍ.
وَلَا النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ وَلَا مَا جَرَّ إلَى غَرَرٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِخِطْبَتِهِمَا فَإِنْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ فَقَدْ خَطَبَ أُسَامَةُ عَلَى خِطْبَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَا مُتَعَاقِبَيْنِ فَالثَّانِي خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ الْأَوَّلِ وَأُسَامَةُ خَطَبَ عَلَى خِطْبَتِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ بِإِرْشَادِهِ - ﷺ - إيَّاهَا إلَى أُسَامَةَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَازِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ رُكُونُ مَنْ لَهُ الْكَلَامُ، وَمِثْلُهُ رُكُونُ أُمِّهَا حَيْثُ لَمْ تُرِدْ، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا اسْتَمَرَّ الرُّكُونُ، فَلَوْ رَجَعَتْ الْمَخْطُوبَةُ أَوْ وَلِيُّهَا عَنْ الرُّكُونِ قَبْلَ خِطْبَةِ الْغَيْرِ لَمْ تَحْرُمُ خِطْبَتُهَا، وَصَرَّحَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَا عَلَى وَلِيِّهَا أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الرُّكُونِ، وَعَدَمُ الْحُرْمَةِ لَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ لِأَنَّهُ مِنْ إخْلَافِ الْوَعْدِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي رُجُوعِ الزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا. الثَّانِي: مَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا كَانَ الرُّكُونُ لِغَيْرِ فَاسِقٍ وَالْخَاطِبُ الثَّانِي صَالِحًا قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ خِطْبَةُ رَاكِنَةٍ لِغَيْرِ فَاسِقٍ وَلَوْ لَمْ يُقَدَّرْ صَدَاقٌ وَفُسِخَ إنْ لَمْ يُبَيَّنْ، وَأَمَّا خِطْبَةُ الرَّاكِنَةِ لِلْفَاسِقِ فَلَا تَحْرُمُ إلَّا مِنْ فَاسِقٍ مِثْلِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَةُ غَيْرِ الْفَاسِقِ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ لِأَنَّ غَيْرَ الْفَاسِقِ يُعَلِّمُهَا أُمُورَ دِينِهَا، فَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّالِحِ وَمَجْهُولِ الْحَالِ يَجُوزُ لَهُمَا الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ، وَالْمُحَرَّمُ خِطْبَةُ الْفَاسِقِ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَالِحًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مَجْهُولَ حَالٍ. (فَإِنْ قِيلَ): إنَّ قَيْدَ الْأَخِ لَاغٍ فَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الذِّمِّيِّ مَعَ أَنَّ الذِّمِّيَّ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَاسِقِ عِنْدَ اللَّهِ. (فَالْجَوَابُ): أَنَّ الْفَاسِقَ عَلَى حَالِهِ لَا يُقَرُّ عَلَيْهَا شَرْعًا، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ عَلَى حَالٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ بِغَيْرِ الْكُفْرِ: الثَّالِثُ: إذَا حَصَلَتْ الْخِطْبَةُ الْمُحَرَّمَةُ فَإِنَّ عَقْدَ الثَّانِي يُفْسَخُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ: فَإِنْ بَنَى بِهَا فَلَا فَسْخَ، وَكَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ لَا يُفْسَخُ. الرَّابِعُ: يَخْطُبُ وَيَسُومُ بِالرَّفْعِ عَلَى مَا رَوَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ عَنْ الْمُصَنِّفِ، فَيَكُونُ مِنْ ذِكْرِ النَّهْيِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ. الْخَامِسُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ إلَّا الْخِطْبَةَ بِالْكَسْرِ وَهِيَ الْتِمَاسُ التَّزْوِيجِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ وَهِيَ الْكَلَامُ الْمُسَجَّعُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الرَّسُولِ - ﵊ - فَلَمْ يَذْكُرْهَا مَعَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ عِنْدَ الْخِطْبَةِ بِالْكَسْرِ، وَتَكُونُ مِنْ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ، وَتُسْتَحَبُّ مِنْهُمَا أَيْضًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَهِيَ أَرْبَعُ خُطَبٍ، وَيُسْتَحَبُّ إخْفَاؤُهَا وَتَقْلِيلُهَا، وَالْمُبْتَدِئُ بِهَا الْخَاطِبُ عِنْدَ الْخِطْبَةِ وَالْوَلِيُّ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَصِيغَتُهَا أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إنَّ فُلَانًا أَوْ أَنَا أُرِيدُ الِاتِّصَالَ بِكُمْ أَوْ أُرِيدُ نِكَاحَ فُلَانَةَ، ثُمَّ يُجِيبُهُ الْآخَرُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِأَكْثَرَ مِنْ أَلْفَاظِ الْخُطْبَةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَكَذَلِكَ تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَيَقُولُ الزَّوْجُ: قَبِلْت نِكَاحَهَا، وَالْوَلِيُّ يَقُولُ: أَنْكَحْتُك إيَّاهَا، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْخُطْبَةِ وَالْعَقْدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِقُرْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ كَوْنُهَا فِي شَوَّالٍ، وَيُسْتَحَبُّ إظْهَارُ الْعَقْدِ وَالدُّعَاءُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ: يُبَارَكُ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ، وَنَحْوُهُ بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْأَنْكِحَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ (نِكَاحُ الشِّغَارِ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ لُغَةً مُطْلَقُ الرَّفْعِ لِقَوْلِهِمْ: شَغَرَ الْكَلْبُ رِجْلَهُ إذَا رَفَعَهَا لِيَبُولَ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ الرِّجْلِ هَذَا الْجِمَاعُ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ الصَّدَاقِ، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ - ﵊ - بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ الْبُضْعُ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ (بِالْبُضْعِ) أَيْ بِالْفَرْجِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ: زَوَّجَتْك ابْنَتِي أَوْ أُخْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك أَوْ أُخْتَك مِنْ غَيْرِ صَدَاقٍ، وَهَذَا صَرِيحُ الشِّغَارِ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: صَرِيحٌ وَوَجْهٌ وَمُرَكَّبٌ، فَالصَّرِيحُ الْخَالِي مِنْ الصَّدَاقِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْوَجْهُ الْمُسَمَّى فِيهِ الصِّدْقُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْمُرَكَّبُ الْمُسَمَّى فِيهِ الْوَاحِدَةُ دُونَ الْأُخْرَى، وَحُكْمُ صَرِيحِ الشِّغَارِ الْفَسْخُ مُطْلَقًا وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَهَا بَعْدَهُ صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِ فَسْخِهِ بِطَلَاقٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً أَوْ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ سَحْنُونٌ قَائِلًا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ: وَحُكْمُ الْوَجْهِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَهُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَحُكْمُ الْمُرَكَّبِ مِنْ الصَّرِيحِ، وَالْوَجْهُ فَسْخُ نِكَاحِ كُلٍّ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيُفْسَخُ نِكَاحُ مَنْ لَمْ يُسَمَّ لَهَا، وَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الْمُسَمَّى لَهَا بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ فَسَادِ نِكَاحِ الشِّغَارِ إذَا تَوَقَّفَ نِكَاحُ إحْدَاهُمَا عَلَى نِكَاحِ الْأُخْرَى، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَسَمَّيَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ وَدَخَلَا عَلَى التَّفْوِيضِ فَلَا فَسَادَ، وَعُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُجْبَرَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. الثَّانِي: قَدْ قَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِي الْفَسْخِ فِي كَوْنِهِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى طَلْقَتَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي عَلَى عِصْمَةٍ كَامِلَةٍ، وَيَظْهَرُ أَيْضًا فِيمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى شَيْءٍ، فَعَلَى أَنَّ الْفَسْخَ بِطَلَاقٍ لَا تَرْجِعُ بِهِ، وَعَلَى أَنَّ الْفَسْخَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ تَرْجِعُ بِهِ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ (نِكَاحٌ بِغَيْرِ صَدَاقٍ) بِأَنْ دَخَلَا عَلَى إسْقَاطِهِ وَيَكُونُ فَاسِدًا لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الصَّدَاقَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ، وَحُكْمُ هَذَا النِّكَاحِ بَعْدَ الْوُقُوعِ الْفَسْخُ قَبْلَ
[ ٢ / ١١ ]
فِي عَقْدٍ أَوْ صَدَاقٍ وَلَا بِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا فَسَدَ مِنْ النِّكَاحِ لِصَدَاقِهِ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا مَضَى وَكَانَ فِيهِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْبِنَاءِ وَالثُّبُوتُ بَعْدُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، كَكُلِّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ لِصَدَاقِهِ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ أَبَقٍ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا. قَالَ خَلِيلٌ مُشَبِّهًا فِي الْفَسْخِ: أَوْ بِمَا لَا يُمْلَكُ كَخَمْرٍ وَحُرٍّ أَوْ كَقِصَاصٍ أَوْ عَلَى إسْقَاطِهِ، وَحَمَلْنَا كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى شَرْطِ إسْقَاطِ الصَّدَاقِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ سَكَتَا عِنْدَ وَقْتِ الْعَقْدِ، أَوْ دَخَلَا عَلَى التَّفْوِيضِ بِاللَّفْظِ، أَوْ عَلَى تَحْكِيمِ الْغَيْرِ فِي بَيَانِ قَدْرِهِ فَلَا فَسَادَ كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ (نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَهُوَ النِّكَاحُ إلَى أَجَلٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - نَهَى عَامَ الْفَتْحِ عَنْهُ»، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ، إذْ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ، وَشَرْطُ فَسَادِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إعْلَامُ الزَّوْجَةِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْكِحُهَا مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعْلِمْهَا وَإِنَّمَا قَصَدَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَفْسُدُ وَإِنْ فَهِمَتْ مِنْهُ ذَلِكَ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ بَعْدَ الْأَجَلِ بِحَيْثُ لَا يَبْلُغُهُ عُمْرُ أَحَدِهِمَا؟ وَمُقْتَضَى إلْغَاءِ الطَّلَاقِ إلَيْهِ إلْغَاءَ مَا نَعَيْته فَلَا يَكُونُ فِيهِ نِكَاحُ مُتْعَةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْأَجَلَ الْبَعِيدَ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ عُمْرُهُمَا لَا يَكُونُ النِّكَاحُ إلَيْهِ نِكَاحَ مُتْعَةٍ، بِخِلَافِ مَا يَبْلُغُهُ عُمْرُهَا أَوْ عُمْرُ أَحَدِهِمَا، وَإِذَا وَقَعَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ يَفْسَخُ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى مَا يَفْسَخُ: وَمُطْلَقًا كَالنِّكَاحِ لِأَجَلٍ، وَفَسْخُهُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَقِيلَ بِطَلَاقٍ، وَيُعَاقَبُ فِيهِ الزَّوْجَانِ بِغَيْرِ الْحَدِّ، وَلَوْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِحُرْمَةِ النِّكَاحِ، وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ، وَلِلْمَرْأَةِ فِيهِ الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وَقِيلَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَعَدَمُ الْحَدِّ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ بِأَنَّهُ النِّكَاحُ لِأَجَلٍ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ وَتَسْمِيَةِ الصَّدَاقِ وَهُوَ تَفْسِيرُ ابْنِ رُشْدٍ، وَفَسَادُهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرْبِ الْأَجَلِ خَاصَّةً، وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ مَا ضُرِبَ فِيهِ الْأَجَلُ وَتُرِكَ فِيهِ الْإِشْهَادُ وَالْوَلِيُّ وَالصَّدَاقُ فَالْحَدُّ فِيهِ، رَاجِعْ التَّحْقِيقَ. (تَنْبِيهٌ) نِكَاحُ الْمُتْعَةِ كَانَ جَائِزًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ كَالْمَيْتَةِ، ثُمَّ حُرِّمَ عَامَ خَيْبَرَ، ثُمَّ رُخِّصَ فِيهِ عَامَ الْفَتْحِ وَقِيلَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ حُرِّمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: نُسِخَ مَرَّتَيْنِ كَالْقِبْلَةِ وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ (النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ) مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، وَكَذَا يَحْرُمُ التَّصْرِيحُ بِالْخِطْبَةِ فِيهَا وَكَذَا الْمُوَاعَدَةَ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَصَرِيحُ خِطْبَةٍ مُعْتَدَّةٍ وَمُوَاعَدَتِهَا كَوَلِيِّهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ وَلَوْ رَجْعِيًّا، دَلَّ عَلَى حُرْمَتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ لِلْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ حِينَ مَاتَ زَوْجُهَا: «اُمْكُثِي فِي بَيْتِك حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» . وَفِي الْمُوَطَّإِ أَيْضًا: أَنَّ صُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّةَ كَانَتْ زَوْجَةَ رَشِيدٍ الثَّقَفِيِّ وَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَضَرَبَ زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ عِدَّتَهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَكَانَ الْآخَرُ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنْ الْآخَرِ ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا. وَقَوْلُنَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ تَزَوَّجَهَا صَاحِبُ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ دُونَ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ مُبَانَةً بِالثَّلَاثِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا قَبْلَهُ حُدَّ مَعَ فَسْخِ نِكَاحِهِ؟ وَلَكِنْ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، كَالْمَنْكُوحَةِ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مِنْ غَيْرِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْعَقْدَ الْوَاقِعَ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ يُفْسَخُ مُطْلَقًا وَلَوْ عِدَّةَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ وَفَسْخُهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَأَمَّا تَأْيِيدُ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ فَمَشْرُوطٌ بِكَوْنِهَا مُعْتَدَّةً مِنْ وَفَاةٍ أَوْ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ، وَبِالدُّخُولِ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ بِتَقْبِيلِهَا أَوْ التَّلَذُّذِ بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ دَاخِلَ الْعِدَّةِ، وَكَمَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرُمُ عَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ. الثَّانِي: مِثْلُ الْمُعْتَدَّةِ فِي حُرْمَةِ خِطْبَتِهَا وَنِكَاحِهَا الْمَحْبُوسَةُ لِلِاسْتِبْرَاءِ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ غَلَطٍ وَلَوْ مِنْ مُرِيدِ النِّكَاحِ إلَّا تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ فَمَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْفَسْخُ الْوَاقِعُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ فِي الِاسْتِبْرَاءِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَسْخِهِ، وَيَجِبُ لَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ. الثَّالِثُ: مِثْلُ الْمُعْتَدَّةِ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ الْمَنْكُوحَةُ فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ مِنْهَا أَوْ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ وَلِيِّهَا وَلَكِنْ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا، وَمِثْلُهَا فِي الْفَسْخِ أَبَدًا الَّتِي يُفْسِدُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَيَتَزَوَّجُهَا، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا مِنْ الْأَنْكِحَةِ (مَا جَرَّ) أَيْ وَصَّلَ (إلَى غَرَرٍ فِي عَقْدِ) النِّكَاحِ كَالنِّكَاحِ عَلَى خِيَارِ التَّرَوِّي وَلَوْ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، أَوْ عَلَى إنْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّدَاقِ لِكَذَا فَلَا نِكَاحَ وَجَاءَ بِهِ عِنْدَ الْأَجَلِ أَوْ قَبْلَهُ، وَالْحُكْمُ فِي هَذَا الْفَسْخِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالْمُسَمَّى وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِالدُّخُولِ وَإِنْ فَسَدَ لِعَقْدِهِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ أَثَّرَ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ، فَأَشْبَهَ مَا فَسَدَ لِصَدَاقِهِ فِي ثُبُوتِهِ
[ ٢ / ١٢ ]
صَدَاقُ الْمِثْلِ.
وَمَا فَسَدَ مِنْ النِّكَاحِ لِعَقْدِهِ وَفُسِخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَفِيهِ الْمُسَمَّى وَتَقَعُ بِهِ الْحُرْمَةُ كَمَا تَقَعُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالدُّخُولِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّدَاقِ حَتَّى فَاتَ الْأَجَلُ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا الْعَقْدُ عَلَى الْخِيَارِ فِي الْمَجْلِسِ كَأَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْعَقْدُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ. قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلِي فِيهِ بَحْثٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْخِيَارِ: إنَّ اشْتِرَاطَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِي حَالِ عَقْدِ الْبَيْعِ يُفْسِدُهُ مَعَ أَنَّهُ يُشَدِّدُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ مَا يُفْتَقَرُ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ. (تَنْبِيهٌ) إذَا مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي نِكَاحِ الْخِيَارِ قَبْلَ الْفَسْخِ لَا إرْثَ فِيهِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَعَ أَنَّ التَّوَارُثَ يَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ أَنَّ نِكَاحَ الْخِيَارِ قَبْلَ الدُّخُولِ مِنْ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِيهِ الْإِرْثُ وَالضَّمِيرُ لِلْمُخْتَلَفِ فِيهِ الْإِنْكَاحُ الْمَرِيضُ وَزَادُوا عَلَيْهِ نِكَاحُ الْخِيَارِ، فَإِنَّهُ لَا إرْثَ فِيهِ لِوَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ صَاحِبُهُ قَبْلَ فَسْخِ النِّكَاحِ (وَ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ مِنْ النِّكَاحِ مَا جَرَّ إلَى غَرَرٍ فِي (صَدَاقٍ) كَالنِّكَاحِ عَلَى عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ عَلَى جَنِينٍ أَوْ ثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا عَلَى شَرْطِ إبْقَائِهَا، أَوْ عَلَى بَيْتٍ يَبْنِيهِ لَهَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَصِفْهُ لَهَا (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا عَقْدُ النِّكَاحِ (بِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) وَإِنْ حَلَّ تَمَلُّكُهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ، وَأَوْلَى مَا لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَلِذَلِكَ كَانَ تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ أَحْسَنَ مِنْ تَعْبِيرِ مَنْ عَبَّرَ بِمَا لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ كَخَلِيلٍ لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَضَمَّنَ إثْبَاتُهُ وَدَفْعُهُ كَدَفْعِ الْعَبْدِ فِي صَدَاقِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَتَمْلِكُهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَكَذَا لَوْ وَقَعَ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا فِي الْبَيْتِ مَعَ غَيْرِهَا، أَوْ لَا إرْثَ لَهَا مِنْهُ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَهَا نَفَقَةً مُسَمَّاةً فِي كُلِّ شَهْرٍ، أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَةِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْعَبْدِ عَلَى الْأَبِ أَوْ السَّيِّدِ، أَوْ عَلَى نَفَقَةِ زَوْجَةِ الْكَبِيرِ الْمَالِكِ لِأَمْرِ نَفْسِهِ، وَالْحُكْمُ فِي النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالثُّبُوتُ بَعْدَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَيَسْقُطُ الْعَمَلُ بِالشَّرْطِ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ مِنْ وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجِ الْبَالِغِ وَوُجُوبِ الْقَسْمِ ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا وَقَعَ هَلْ يُفْسَخُ مُطْلَقًا أَوْ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَعَلَى الْفَسْخِ هَلْ تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ شَيْئًا أَمْ لَا؟ وَعَلَى اسْتِحْقَاقِهَا هَلْ تَسْتَحِقُّ الْمُسَمَّى أَوْ صَدَاقَ الْمِثْلِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا فَسَدَ مِنْ النِّكَاحِ لِصَدَاقِهِ) إمَّا لِمُجَرَّدِ غَرَرٍ أَوْ لِوُقُوعِهِ بِمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ أَوْ تَمَلُّكُهُ فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ (فُسِخَ) وُجُوبًا (قَبْلَ الْبِنَاءِ) وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَسَقَطَ بِالْفَسْخِ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ الْمَرْأَةُ رَدَّتْهُ وَيَكُونُ فَسْخُهُ طَلَاقًا. (وَإِنْ دَخَلَ بِهَا مَضَى) أَيْ ثَبَتَ (وَكَانَ فِيهِ صَدَاقُ الْمِثْلِ) وَهُوَ مَا يَرْغَبُ بِهِ مِثْلُهُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ دِينٍ وَجَمَالٍ وَحَسَبٍ وَمَالٍ وَبَلَدٍ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ، فَاعْتِبَارُ أُخْتِهَا شَقِيقَتِهَا أَوْ لِأَبِيهَا لَا أُمِّهَا وَلَا أُخْتِهَا لِأُمِّهَا، وَهَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ إشَارَةٌ إلَى قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ مَا فَسَدَ مِنْ النِّكَاحِ لِصَدَاقِهِ أَوْ لِعَقْدِهِ الْمُوجِبِ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ لَا شَيْءَ فِيهِ إنْ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بِالدُّخُولِ وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ، (وَأَشَارَ إلَى الْفَاسِدِ لِعَقْدِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا فَسَدَ مِنْ النِّكَاحِ لِعَقْدِهِ) كَوُقُوعِهِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ أَوْ كَانَ الْوَلِيُّ صَبِيًّا أَوْ أُنْثَى أَوْ رَقِيقًا، أَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ الْإِحْرَامِ، أَوْ وَقَعَ لِأَجَلٍ، أَوْ كَانَ صَرِيحَ شِغَارٍ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، لَكِنَّ الْمُتَّفَقَ عَلَى فَسَادِهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَالْمُخْتَلَفَ فِيهِ بِطَلَاقٍ، فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ فِيهِ. (وَ) أَمَّا إذَا (فُسِخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَفِيهِ الْمُسَمَّى) إنْ كَانَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَإِلَّا فَصَدَاقُ الْمِثْلِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ دُخُولُهُ وَبِنَاؤُهُ لَا إنْ كَانَ صَبِيًّا، فَوَطْؤُهُ كَالْعَدَمِ لَا يَلْزَمُ بِهِ صَدَاقٌ، وَبِمَا قَرَّرْنَا مِنْ دَعْوَى حَذْفِ الْخَبَرِ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ بَعْضٍ إنَّ وَاوَ فُسِخَ زَائِدَةٌ لِصِحَّتِهَا عَلَى مَا قَرَّرْنَا أَوْ تُجْعَلُ لِلْحَالِ، وَقَوْلُهُ: فَفِيهِ الْمُسَمَّى الْخَبَرُ وَكَذَا لَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ وَعُثِرَ عَلَيْهِ إلَخْ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ مَنْ فُسِخَ نِكَاحُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ لَهَا، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ الْبَالِغُ قَدْ تَلَذَّذَ بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ، كَمَا أَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ أَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ وَطْءُ الصَّبِيِّ كَلَا وَطْءٍ، وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَطْءِ لَا صَدَاقَ لَهَا، وَعِنْدَ التَّنَازُعِ فِي حُصُولِ الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ فِي خَلْوَةِ الِاهْتِدَاءِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَتْ فِي خَلْوَةٍ وَإِنْ بِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، وَإِذَا كَانَ الْبَالِغُ تَلَذَّذَ بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْءِ وَطَلَّقَهَا قَبْلَ إقَامَتِهَا عِنْدَهُ سَنَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَوِّضَهَا شَيْئًا بِحَيْثُ يَرَاهُ الْإِمَامُ أَوْ النَّاسُ حَيْثُ لَا إمَامَ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، قَالَ خَلِيلٌ: وَتُعَاضُ الْمُتَلَذَّذُ بِهَا. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ كَوْنَ الْفَسْخِ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمُحَصَّلُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْأَنْكِحَةَ الْمُتَعَرِّضَةَ لِلْفَسْخِ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَهُوَ كُلُّ نِكَاحٍ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ الْوَلِيَّيْنِ أَوْ لِلسَّيِّدِ أَوْ لِلسُّلْطَانِ فَسْخُهُ فَالْفَسْخُ فِيهِ بِطَلَاقٍ، وَذَلِكَ إذَا زَوَّجَهَا الْبَعِيدُ مَعَ وُجُودِ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَوْلِ بِفَسْخِهِ، أَوْ وُجِدَ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَا يُوجِبُ لِلْآخَرِ فَسْخَ النِّكَاحِ، وَكَالْعَبْدِ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَرُدَّ نِكَاحَهُ أَوْ يُجِيزَهُ، فَإِنْ فُسِخَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِطَلَاقٍ وَكَذَا إذَا فَسَخَهُ السُّلْطَانُ. وَقِسْمٌ يُفْسَخُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَذَلِكَ كُلُّ نِكَاحٍ مُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ كَنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَكَالْمُعْتَدَّةِ وَكَالْمَنْكُوحَةِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، وَكَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
[ ٢ / ١٣ ]
[المحرمات في النكاح]
وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَلَا يُحَصَّنُ بِهِ الزَّوْجَانِ.
وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ النِّسَاءِ سَبْعًا بِالْقَرَابَةِ وَسَبْعًا بِالرَّضَاعِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَقِسْمٌ فِيهِ الْخِلَافُ هَلْ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ أَوْ بِغَيْرِهِ؟ وَهُوَ نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَكَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ. أَوْ نِكَاحِ الْمَرِيضِ أَوْ الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ أَنَّ فَسْخَهُ بِطَلَاقٍ، بَلْ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ الْحَطَّابِ: إنَّ فَسْخَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ طَلَاقٌ وَلَوْ وَقَعَ بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَهُوَ طَلَاقٌ إنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ كَمُحَرَّمٍ وَشِغَارٍ. الثَّالِثُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا كَخَلِيلٍ كَوْنَ الْفَسْخِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحُكْمِ أَوْ لَا، وَبَيَّنَهُ الْأُجْهُورِيُّ بِمَا مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ مِنْ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَى مَنْ نَكَحَتْ فَاسِدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِفَسْخِهِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، هَكَذَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، وَلِي فِيهِ بَحْثٌ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ مُجَرَّدَ فَسْخِهِ يَكُونُ طَلَاقًا وَلَوْ لَمْ يُلْفَظْ فِيهِ بِطَلَاقٍ، وَالطَّلَاقُ يَحُلُّ الْعِصْمَةَ فِي الصَّحِيحِ فَكَيْفَ بِالْفَاسِدِ الَّذِي الْأَصْلُ فِيهِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ وَحُرِّرَ مُنَصَّفًا، وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى فَسَادِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ فَسْخُهُ عَلَى حُكْمٍ لِمَا عَرَفْت مِنْ فَسْخِهِ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَوْ لُفِظَ فِيهِ بِالطَّلَاقِ، وَمِنْ ثَمَرَةِ ذَلِكَ صِحَّةُ الْعَقْدِ عَلَى مَنْ عُقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا فَاسِدًا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ بِحُكْمٍ وَلَا طَلَاقٍ، لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَى فَسَادِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ تَحْرُمُ عَلَى أُصُولِ الزَّوْجِ وَفُرُوعِهِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ بَيَّنَ مَا تَقَعُ بِهِ الْحُرْمَةُ مِنْ الْعَقْدِ أَوْ الْوَطْءِ بِقَوْلِهِ: (وَتَقَعُ بِهِ) أَيْ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الْفَسْخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ (الْحُرْمَةُ) أَيْ حُرْمَةُ الْمَنْكُوحَةِ عَلَى أُصُولِ الْعَاقِدِ وَعَلَى فُصُولِهِ، وَكَذَا حُرْمَةُ أُصُولِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا أَوْ فُصُولِهَا عَلَى الْعَاقِدِ الْمَذْكُورِ. (كَمَا تَقَعُ) تِلْكَ الْحُرْمَةُ (بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ) وَالتَّشْبِيهُ فِي تَرْتِيبِ الْحُرْمَةِ عَلَى كُلٍّ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيمُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّلَذُّذِ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَمِثْلُ الصَّحِيحِ الْفَاسِدُ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ. قَالَ خَلِيلٌ فِي الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ: وَالتَّحْرِيمُ بِعَقْدِهِ وَفِيهِ الْإِرْثُ إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُنْفِقُ عَلَى فَسَادِهِ فَلَا طَلَاقَ وَلَا إرْثَ كَخَامِسَةٍ وَحَرُمَ وَطْؤُهُ فَقَطْ أَيْ لَا الْعَقْدُ، لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ يَحْصُلُ بِهَا التَّحْرِيمُ كَمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ كَالصَّحِيحِ فِي حُصُولِ التَّحْرِيمِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ فِيمَا يَحْرُمُ بِالْعَقْدِ وَفِي التَّوَارُثِ بِهِ وَفِي تَوَقُّفِ فَسْخِهِ عَلَى طَلَاقٍ عَلَى مَا فِيهِ، بِخِلَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ لَا تَوَارُثَ بِعَقْدِهِ، وَلَا طَلَاقَ فِي فَسْخِهِ، وَلَا تَحْرِيمَ بِعَقْدِهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّحْرِيمُ بِالتَّلَذُّذِ الْمُسْتَنَدِ إلَيْهِ. (تَنْبِيهٌ) كُلُّ مَا يَحْصُلُ التَّحْرِيمُ بِعَقْدِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ صَاحِبِ الْعَقْدِ بُلُوغُهُ بِخِلَافِ مَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ التَّحْرِيمُ عَلَى التَّلَذُّذِ فَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ وَكَوْنُ وَطْئِهِ يَدْرَأُ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مُعْتَدَّةً أَوْ ذَاتَ مَحْرَمٍ أَوْ رَضَاعٍ مَعَ عَدَمِ عِلْمِ الزَّوْجِ بِحُرْمَتِهَا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَدْرَأْ الْحَدَّ لَمْ يُنْشَرْ كَالتَّزْوِيجِ بِوَاحِدَةٍ مِمَّا ذَكَرْنَا مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهَا، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَفْسُوخِ لِفَسَادِهِ بِالصَّحِيحِ فِي حُصُولِ التَّحْرِيمِ مُسَاوَاتُهُ لَهُ فِي حِلِّ الْمَبْتُوتَةِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ بِهِ) أَيْ بِالْوَطْءِ الْمُسْتَنِدِ لِلْعَقْدِ الَّذِي فُسِخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى فَسَادِهِ وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْؤُهُ (الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا) أَوْ اثْنَتَيْنِ إنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَأَمَّا لَوْ نُكِحَتْ الْمَبْتُوتَةُ نِكَاحًا فَاسِدًا مُخْتَلَفًا فِيهِ وَطَلُقَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ وَطْؤُهُ بِحَيْثُ ثَبَتَ النِّكَاحُ حَلَّتْ، وَأَمَّا لَوْ طَلُقَتْ بَعْدَ أَوَّلِ وَطْئِهِ فَفِي حِلِّهَا تَرَدُّدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّزْعَ هَلْ هُوَ وَطْءٌ أَوْ غَيْرُ وَطْءٍ، وَإِنَّمَا حَصَلَ التَّحْرِيمُ بِالْوَطْءِ دُونَ التَّحْلِيلِ احْتِيَاطًا فِي الْجَانِبَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمَبْتُوتَةُ حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ قَدْرَ الْحَشَفَةِ بِلَا مَنْعٍ وَلَا نُكْرَةَ فِيهِ بِانْتِشَارٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ إلَى أَنْ قَالَ: لَا بِفَاسِدٍ إنْ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدَهُ بِوَطْءٍ ثَانٍ، وَفِي الْأَوَّلِ تَرَدُّدٌ (وَ) كَمَا لَا تَحِلُّ الْمَبْتُوتَةُ بِالْفَاسِدِ (لَا يُحَصَّنُ بِهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الزَّوْجَانِ) لِأَنَّ التَّحْصِينَ كَالتَّحْلِيلِ فِي التَّوَقُّفِ عَلَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ الَّذِي حَلَّ وَطْؤُهُ مِنْ الْبَالِغِ وَبِانْتِشَارٍ مَعَ إبَاحَةِ الْوَطْءِ. (تَنْبِيهٌ) تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا يَفْسُدُ مِنْ الْأَنْكِحَةِ لِأَجْلِ الصَّدَاقِ أَوْ لِخَلَلٍ فِي الْعَقْدِ، وَسَكَتَ عَمَّا يَفْسُدُ لِذِكْرِ بَعْضِ شُرُوطِهِ، قَالَ سَيِّدِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: إنَّمَا سَكَتَ عَمَّا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ لِمَا فِي الشُّرُوطِ مِنْ التَّفْصِيلِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: الشُّرُوطُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ كَشَرْطِ الْإِنْفَاقِ أَوْ الْمَبِيتِ فَهَذَا اشْتِرَاطُهُ وَعَدَمُهُ سِيَّانِ، أَيْ لَا يُوقِعُ فِي الْعَقْدِ خَلَلًا وَلَا يُكْرَهُ اشْتِرَاطُهُ وَيُحْكَمُ بِهِ ذُكِرَ أَوْ تُرِكَ. النَّوْعُ الثَّانِي: عَكْسُ هَذَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُنَاقِضًا لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، كَشَرْطِ أَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا أَوْ يُؤْثِرَ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُنْفِقَ، وَهَذَا النَّوْعُ يُمْنَعُ اشْتِرَاطُهُ وَيُؤَدِّي إلَى الْخَلَلِ فِي الْعَقْدِ، فَيُفْسَخُ لِأَجْلِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيُلْغَى. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: مَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْعَقْدِ وَلَا يَنْفِيهِ وَلَا يَقْتَضِيه، كَشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، أَوْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ بَيْتِهَا، وَهَذَا يُكْرَهُ اشْتِرَاطُهُ، وَلَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِاشْتِرَاطِهِ وَلَا يُفْسَخُ لِأَجْلِهِ لَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، أَيْ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، رَاجِعْ التَّحْقِيقَ بِبَعْضِ التَّصَرُّفِ [الْمُحْرِمَات فِي النِّكَاح] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ نِكَاحُهُ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَنْكُوحَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُتْعَةِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) وَتَعَالَى عَلَى مُرِيدِ النِّكَاحِ مِنْ الرِّجَالِ لِمُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ: (سَبْعًا مِنْ النِّسَاءِ بِالْقَرَابَةِ) حَرَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا (سَبْعًا) بَعْضُهُنَّ
[ ٢ / ١٤ ]
وَالصِّهْرِ فَقَالَ ﷿ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] فَهَؤُلَاءِ مِنْ الْقَرَابَةِ.
وَاَللَّوَاتِي مِنْ الرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] (بِالرَّضَاعِ وَ) بَعْضُهُنَّ تَحْرِيمُهُ بِسَبَبِ (الصِّهْرِ) وَهُنَّ قَرَابَاتُ الزَّوْجَةِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ كَمَا يَأْتِي، فَعُلِمَ مِنْ تَقْدِيرِنَا لَفْظَ بَعْضٍ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ السَّبْعَ مِنْ مَجْمُوعِ الرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ، فَلَا تَفْهَمْ أَنَّ الْمُرَادَ سَبْعٌ بِالرَّضَاعِ وَسَبْعٌ بِالصِّهَارَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ بِالرَّضَاعِ اثْنَتَانِ الْأُمَّهَاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَبَقِيَّةُ السَّبْعِ حَرَّمَهَا اللَّهُ بِالصِّهْرِ، وَقَوْلُنَا: حَرَّمَهُ اللَّهُ لَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مِثْلُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ وَهُنَّ سَبْعٌ، لِأَنَّ مَا يَأْتِي فِي الْمُحَرَّمِ بِالسُّنَّةِ، وَمَا هُنَا فِي الْمُحَرَّمِ بِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُنَّ سَبْعٌ بَعْضُهُنَّ بِالرَّضَاعِ وَبَعْضُهُنَّ بِالصِّهْرِ، وَالصِّهْرُ وَاحِدُ الْأَصْهَارِ وَهُمْ أَهْلُ بَيْتِ الْمَرْأَةِ، وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الصِّهْرَ مِنْ الْأَحْمَاءِ وَالْأَخْتَانِ جَمِيعًا، يُقَالُ: صَاهَرْت فِيهِمْ إذَا تَزَوَّجْت مِنْهُمْ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَقَالَ فِي الْجَلَالَيْنِ: الصِّهْرُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الذَّكَرُ أَوْ الْأُنْثَى طَلَبًا لِلتَّنَاسُلِ، وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: الْمُحَرَّمُ بِالصِّهْرِ أَرْبَعٌ: زَوْجَةُ الِابْنِ وَزَوْجَةُ الْأَبِ وَأُمُّ الزَّوْجَةِ وَابْنَتُهَا، وَيُمْكِنُ ضَابِطُهُ بِأَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَنْ حَرُمَ عَلَيْك بِسَبَبِ عَقْدِك عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ حَرُمَ عَلَيْك بِسَبَبِ عَقْدِ أَصْلِك عَلَيْهِ أَوْ عَقْدِ فَرْعِك، وَهَذَا شَامِلٌ لِلْأَرْبَعِ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَبَسِ، إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الضَّابِطِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحَرَّمِ بِالصِّهْرِ وَفِيهِ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ السُّنَّةُ جَعَلَتْ الْمُحَرَّمَ بِالْجَمْعِ مُلْحَقًا بِالْمُحَرَّمِ بِالصِّهْرِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى السَّبْعِ اللَّاتِي مِنْ الْقَرَابَاتِ بِقَوْلِهِ: (فَقَالَ ﷿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) مُعَاشِرَ الرِّجَالِ (أُمَّهَاتُكُمْ) وَهِيَ مَنْ لَهَا عَلَيْك يَا مُرِيدَ النِّكَاحِ وِلَادَةٌ وَلَوْ بِوَسَائِطَ لِتَشْمَلَ الْجَدَّاتِ وَلَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فَيَحْرُمُ عَلَيْك نِكَاحُ الْجَمِيعِ (وَ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَيْضًا (بَنَاتُكُمْ) جَمْعُ بِنْتٍ وَهِيَ كُلُّ أُنْثَى لَك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ تَخَلَّقَتْ مِنْ مَائِك الْفَاسِدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَلَوْ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ أَصْلُهُ وَإِنْ عَلَا، وَفَرْعُهُ وَإِنْ سَفَلَ، وَيَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ أَصْلِك عَلَيْك حُرْمَتُك عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ الْأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ، فَتَحْرُمُ عَلَى أُمِّك كَمَا تَحْرُمُ هِيَ عَلَيْك وَهَكَذَا (وَ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ (أَخَوَاتُكُمْ) جَمْعُ أُخْتٍ وَهِيَ كُلُّ مَنْ لِأَبِيك أَوْ أُمِّك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْأَخَوَاتُ مَنْ اجْتَمَعْت مَعَهُنَّ فِي صُلْبٍ وَرَحِمٍ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا. (وَ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ (عَمَّاتُكُمْ) جَمْعُ عَمَّةٍ وَهِيَ كُلُّ مَنْ اجْتَمَعَ مَعَ أَبِيك فِي صُلْبٍ وَرَحِمٍ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا (وَ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ (خَالَاتُكُمْ) جَمْعُ خَالَةٍ وَهِيَ كُلُّ مَنْ اجْتَمَعَتْ مَعَ أُمِّك فِي صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ. قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: وَكَذَلِكَ عَمَّةُ الْأَبِ وَخَالَتُهُ وَعَمَّةُ الْأُمِّ وَخَالَتُهَا، وَكَذَلِكَ عَمَّةُ الْعَمَّةِ، وَأَمَّا خَالَةُ الْعَمَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَمَّةُ أُخْتَ أَبٍ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَلَا تَحِلُّ خَالَةُ الْعَمَّةِ لِأَنَّهَا أُخْتُ الْجَدَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَمَّةُ إنَّمَا هِيَ أُخْتُ أَبٍ لِأَبٍ فَقَطْ فَخَالَتُهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ بَنِي أَخِيهَا فَتَحِلُّ لَهُ، وَكَذَلِكَ عَمَّةُ الْخَالَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْخَالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأَبٍ فَعَمَّتُهَا حَرَامٌ لِأَنَّهَا أُخْتُ جَدٍّ، وَإِنْ كَانَتْ الْخَالَةُ أُخْتَ الْأُمِّ لِأُمٍّ فَقَطْ فَعَمَّتُهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ بَنِي أَخِيهَا، وَضَابِطُ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ يَرْجِعُ نَسَبُك إلَيْهِ بِالْوِلَادَةِ فَأُخْتُهُ عَمَّتُك، وَكُلَّ أُنْثَى يَرْجِعُ نَسَبُك إلَيْهَا بِالْوِلَادَةِ فَأُخْتُهَا خَالَتُك، ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ (وَ) حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (بَنَاتُ الْأَخِ) وَبِنْتُ الْأَخِ كُلُّ أُنْثَى لِأَخِيك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ وَإِنْ سَفَلَتْ، كَانَ الْأَخُ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ (وَ) حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا (بَنَاتُ الْأُخْتِ) وَهِيَ كُلُّ أُنْثَى لِأُخْتِك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ وَإِنْ سَفَلَتْ، كَانَتْ الْأُخْتُ شَقِيقَةً أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ (فَهَؤُلَاءِ) السَّبْعُ اللَّوَاتِي يَحْرُمْنَ (مِنْ الْقَرَابَةِ) وَأَشَارَ إلَيْهِنَّ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَحَرُمَ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَلَوْ خُلِقَتْ مِنْ مَائِهِ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ غَيْرِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، فَالْأُصُولُ الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ فَيَحْرُمْنَ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَالْفُصُولُ الْأَوْلَادُ فَيَحْرُمْنَ وَإِنْ سَفُلْنَ، وَفُصُولُ الْأُصُولِ الْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُنَّ فَيَحْرُمْنَ وَإِنْ سَفُلْنَ، وَالْأَصْلُ غَيْرُ الْأَوَّلِ الْجَدُّ، وَفُرُوعُهُ عَمَّاتٌ وَخَالَاتٌ وَبَنَاتُهُنَّ غَيْرُ مُحَرَّمَاتٍ، وَالْحَرَامُ فَصْلُ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَتَجُوزُ بِنْتُ الْعَمَّةِ وَبِنْتُ الْخَالَةِ (وَ) السَّبْعُ (اللَّوَاتِي) يَحْرُمْنَ (مِنْ الرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ) يَجْمَعُهَا قَوْله تَعَالَى: وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ صَغِيرَةً لَا يُولَدُ لَهَا، أَوْ كَانَتْ مَيِّتَةً حَيْثُ كَانَ فِي ثَدْيِهَا لَبَنٌ وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ عَلَى الْأَظْهَرِ، أَوْ كَانَتْ الذَّاتُ الْمُرْضِعَةُ خُنْثَى مُشْكِلًا كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، (وَ) حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا (أَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ) كَانَ رَضْعُكُمْ مُصَاحِبًا لِرَضْعِهِنَّ أَوْ سَابِقًا أَوْ مُتَأَخِّرًا، لِأَنَّ الَّذِي يَرْضِعُ مِنْ امْرَأَةٍ يُقَدَّرُ كَأَنَّهُ نَزَلَ مِنْ بَطْنِهَا، فَجَمِيعُ أَوْلَادِهَا إخْوَةٌ لَهُ، كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَلَمْ يُنَصَّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْمُحَرَّمِ بِالرَّضَاعِ إلَّا عَلَى الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَبِوَاقِي السَّبْعِ
[ ٢ / ١٥ ]
قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ ﴿بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِالصِّهْرِ، وَأَشَارَ إلَيْهِنَّ بِقَوْلِهِ: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) وَهِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ لَهَا عَلَى زَوْجَتِك وِلَادَةٌ أَوْ رَضَاعٌ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ، فَيَشْمَلُ جَدَّةَ الزَّوْجَةِ وَإِنْ عَلَتْ سَوَاءٌ جَدَّتُهَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا أَوْ أُمِّهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَالْمُرَادُ زَوْجَتُك مَنْ عَقَدْت عَلَيْهَا وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ تَلَذُّذٌ بِهَا، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ، وَسَوَاءٌ عُقِدَ لَهُ عَلَيْهَا فِي حَالِ بُلُوغِهِ أَوْ صِبَاهُ (وَ) حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا (رَبَائِبُكُمْ) وَهِيَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ (اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ) وَوَصْفُ الرَّبَائِبِ بِاَللَّاتِي فِي الْحُجُورِ طَرْدِيٌّ أَوْ غَيْرُ مُعْتَبَرِ الْمَفْهُومِ، بِخِلَافِ وَصْفِ الْأُمَّهَاتِ بِقَوْلِهِ: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ) أَيْ تَلَذَّذْتُمْ (بِهِنَّ) لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ غَيْرُ مُحَرِّمٍ لِلْقَاعِدَةِ الْمُقَرَّرَةِ مِنْ أَنَّ التَّلَذُّذَ بِالْأُمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، وَالْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى حُرِّمَ: وَبِتَلَذُّذِهِ وَإِنْ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَوْ بِنَظَرٍ فُصُولُهَا. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً بِحَيْثُ لَا تُشْتَهَى، أَوْ كَانَ النَّظَرُ إلَيْهَا مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ يَصِفُ حَيْثُ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَأَمَّا لَوْ انْضَمَّ لِلنَّظَرِ فِعْلٌ كَلَمْسٍ فَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ وَلَوْ لِلْوَجْهِ أَوْ الْكَفَّيْنِ حَيْثُ وُجِدَتْ اللَّذَّةُ لَا إنْ لَمْ تُوجَدْ، وَلَوْ قُصِدَتْ فَلَا تَحْرُمُ، كَمَا لَا يَحْرُمُ الِالْتِذَاذُ بِالْكَلَامِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ قُوَّةُ الِالْتِذَاذِ بِالنَّظَرِ دُونَ الْكَلَامِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ دَخَلْتُمْ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) أَيْ بِنِسَائِكُمْ بَلْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا (فَلَا جُنَاحَ) أَيْ لَا حَرَجَ (عَلَيْكُمْ) فِي نِكَاحِ بَنَاتِهِنَّ لِمَا عَرَفْته مِنْ أَنَّ الْبَنَاتِ إنَّمَا تُحَرَّمُ بِالتَّلَذُّذِ بِالْأُمَّهَاتِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى التَّلَذُّذُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاءٍ بِالزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِهَذَا وَمَا قَبْلَهُ إلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ فُقَهَائِنَا وَهِيَ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ فَاسِدًا حَيْثُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالتَّلَذُّذُ بِالْأُمَّهَاتِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمْ يُحَرِّمُ بَنَاتِهِنَّ، وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ قُوَّةُ مَحَبَّةِ الْأُمِّ لِلْبِنْتِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَالْأُمُّ أَشَدُّ بِرًّا بِالْبِنْتِ دُونَ الْعَكْسِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِهِ مُحَرِّمًا بِنْتَهَا. (وَ) حُرِّمَ عَلَيْكُمْ (حَلَائِلُ) جَمْعُ حَلِيلَةٍ وَهُنَّ زَوْجَاتُ (أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) وَالْمُرَادُ مَنْ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ الْأَبْنَاءُ وَلَوْ فَاسِدًا حَيْثُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ لَهُ صَغِيرًا جِدًّا وَالْمُرَادُ الْفَرْعُ وَإِنْ سَفُلَ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: مِنْ أَصْلَابِكُمْ مِنْ الِابْنِ بِالتَّبَنِّي، فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْك حَلِيلَتُهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَقَدْ «تَزَوَّجَ - ﷺ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ زَوْجَةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَقَدْ كَانَ - ﷺ - تَبَنَّاهُ حَتَّى كَانَ يُدْعَى زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ»، حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا - ﷺ - قَالُوا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ - ﷺ - حَلِيلَةَ ابْنِهِ وَكَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الْآيَةَ، تَكْذِيبًا لَهُمْ وَتَصْرِيحًا بِالْجَوَازِ (تَنْبِيهَاتٌ): الْأَوَّلُ: جَعَلْنَا مُحْتَرِزَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ابْنَ التَّبَنِّي فَقَطْ، لِأَنَّ الِابْنَ مِنْ الرَّضَاعِ حُكْمُ ابْنِ الصُّلْبِ فِي حُرْمَةِ حَلِيلَتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ حُرْمَةُ حَلِيلَةِ ابْنِ الرَّضَاعِ مُسْتَنِدَةً لِلْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ ابْنَ الرَّضَاعِ يُقَدَّرُ كَأَنَّهُ مِنْ ظَهْرِ الرَّجُلِ صَاحِبِ اللَّبَنِ، وَمِنْ بَطْنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ، فَلَا يَحِلُّ لِأَبِيهِ فَرْعُهُ وَإِنْ سَفُلَ، وَلَا يَحْرُمُ لَهُ هُوَ أَخْذُ أُمِّ أَوْ جَدَّةِ أَبِيهِ، وَلَا أَوْلَادِ أَبِيهِ، وَلَا أَوْلَادِ أُمِّهِ وَإِنْ سَفُلْنَ لِأَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ وَأَوْلَادُ أَخَوَاتٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ وَلِصَاحِبِهِ مِنْ وَطْئِهِ لِانْقِطَاعِهِ وَإِنْ بَعْدَ سِنِينَ. الثَّانِي: مَفْهُومُ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ أَنَّ جِوَارِي الْأَبْنَاءِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ التَّلَذُّذُ وَلَوْ بِغَيْرِ الْوَطْءِ حَيْثُ تَلَذَّذَ بِهِنَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّ الضَّابِطَ أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ التَّحْرِيمُ بِالْمُصَاهَرَةِ لَا يَشْتَرِطُ فِي الْمَعْقُودِ لَهُ الْبُلُوغَ، بِخِلَافِ مَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ التَّحْرِيمُ عَلَى التَّلَذُّذِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغُ الْمُتَلَذِّذِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ مَالِكٍ، وَمِثْلُ الْوَطْءِ مُقَدَّمَاتُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ التَّلَذُّذِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ فِيهِ الشَّكُّ فَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ قَالَ الْأَبُ نَكَحْتهَا أَوْ وَطِئْت أُمَّهُ عِنْدَ قَصْدِ الِابْنِ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ نُدِبَ التَّنَزُّهُ، وَفِي وُجُوبِهِ إنْ فَشَا تَأْوِيلَانِ، وَفِي الْأُجْهُورِيِّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: مَنْ مَلَكَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ وَطِئَهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تَحِلُّ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ فِي الْعَلِيِّ وَقَالَ: يُنْدَبُ فِي مَا لَوْ خَشِيَ أَنْ لَا يُصِيبَ وَلَا تَحْرُمَ، وَكَذَا إنْ بَاعَهَا الْأَبُ لِابْنِهِ وَالِابْنُ لِأَبِيهِ ثُمَّ غَابَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ. الثَّالِثُ: الْوَطْءُ الْمُسْتَنِدُ لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ كَالْوَطْءِ الْمُسْتَنِدِ لِلنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَيَحْرُمُ وَطْؤُهُ، وَمَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهُ إلَّا إنْ دَرَأَ الْحَدَّ، قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ. الرَّابِعُ: قَدْ قَدَّمْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِي التَّحْرِيمِ بِالْعَقْدِ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَالصَّحِيحِ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْإِكْرَاهِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ بِالْإِكْرَاهِ فَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الَّذِي
[ ٢ / ١٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَحَرَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ.
وَنَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ مَعَ الْإِكْرَاهِ فَعَلَى عَدَمِ الْحَدِّ يُحَرِّمُ، وَعَلَى الْحَدِّ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي الزِّنَا (وَ) حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا (أَنْ تَجْمَعُوا) أَيْ الْجَمْعُ فِي النِّكَاحِ (بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) وَلَوْ مِنْ الرَّضَاعِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِلْكِ فَقَطْ، أَوْ وَاحِدَةٍ لِلْوَطْءِ وَالْأُخْرَى لِلْخِدْمَةِ، أَوْ وَاحِدَةٍ بِالنِّكَاحِ وَالْأُخْرَى لِلْخِدْمَةِ فَلَا حَرَجَ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلْوَطْءِ، قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: فَمَنْ فِي مِلْكِهِ أُخْتَانِ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُمَّ أَرَادَ التَّلَذُّذَ بِإِحْدَاهُمَا فَلَهُ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا وَيَمْتَنِعَ مِنْ التَّلَذُّذِ بِالْأُخْرَى، وَلَا يَتَوَقَّفُ جَوَازُ تَلَذُّذِهِ بِمَنْ أَرَادَ التَّلَذُّذَ بِهَا عَلَى تَحْرِيمِ الْأُخْرَى بِمَا سَبَقَ، أَيْ مِنْ زَوَالِ مِلْكٍ أَوْ عِتْقٍ وَإِنْ لِأَجَلٍ. (إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أَيْ وَقَعَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفَسَخَهُ الْإِسْلَامُ فَلَا يُؤَاخَذُ فَاعِلُهُ بِهِ لِأَنَّهُ يُغْفَرُ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ مُنْقَطِعٌ، وَالْمَعْنَى: لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ لَا إثْمَ فِيهِ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعِ اللَّاتِي يُحَرِّمْنَ بِالرَّضَاعِ وَالصِّهْرِ هِيَ السَّادِسَةُ، وَأَشَارَ إلَى تَمَامِ السَّبْعِ بِقَوْلِهِ: (وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾ [النساء: ٢٢] أَيْ عَقَدَ عَلَيْهِ ﴿آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى فَرْعِ الْإِنْسَانِ وَإِنْ سَفُلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَنْ عَقَدَ عَلَيْهِ أَصْلُهُ وَإِنْ عَلَا، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا حَيْثُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْأَصْلِ تَلَذُّذٌ بِهِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ بِالصِّهَارَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَلَذُّذٍ بَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، إلَّا فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ بِسَبَبِ نِكَاحِ أُمِّهَا فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّلَذُّذِ بِأُمِّهَا، وَحُرْمَةُ حَلِيلَةِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ وَلَوْ كَانَ عَقَدَ الْأَبُ عَلَيْهَا فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَقَيَّدْنَا الْفَاسِدَ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا يُحَرِّمُ إلَّا وَطْؤُهُ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ، وَمِثْلُ حَلِيلَةِ الْأَصْلِ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى فَرْعِهِ وَإِنْ سَفُلَ مَوْطُوءَتُهُ بِالْمِلْكِ حَيْثُ تَلَذَّذَ بِهَا الْأَصْلُ وَلَوْ مُسْتَنِدًا لِعَقْدٍ فَاسِدٍ حَيْثُ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي تَسْمِيَتِهَا حَلِيلَةً قَبْلَ التَّلَذُّذِ، وَلَكِنْ تُقَيَّدُ الْحُرْمَةُ بِأَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ تَلَذَّذَ بِهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بِالْعَقْدِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغُ الزَّوْجِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَجَازٌ فِي الْوَطْءِ، وَأَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ التَّحْرِيمُ عَلَى التَّلَذُّذِ فَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ الْمُتَلَذِّذِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَتْمِيمُ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ كَالْمُتَقَدِّمِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، لِأَنَّ نِكَاحَ حَلِيلَةِ الْأَبِ لَمْ تَسْبِقْ بِهِ شَرِيعَةٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الْوَلَدُ يَعْقِدُ عَلَى حَلِيلَةِ أَبِيهِ جَهْلًا، خِلَافَ نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ شَرِيعَةَ قَوْمٍ وَنَسَخَهُ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ. قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ مَعَ قَوْلِهِمْ فِيهِ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّهُ، لِأَنَّ مَا كَانَ شَرِيعَةً لِقَوْمٍ لَا يُؤَاخَذُونَ بِهِ حَتَّى يُقَالَ الْإِسْلَامُ يَجُبُّهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَنْ يُعَلِّلُ غُفْرَانَ حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِجَبِّ الْإِسْلَامِ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ كَانَ شَرِيعَةً وَتَأَمَّلْهُ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا مَرَّ بَيَانُ عِدَّةِ السَّبْعِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالْقَرَابَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَأَمَّا السَّبْعُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالصِّهْرِ وَالرَّضَاعِ فَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالرَّضَاعِ مِنْهُنَّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْأُمَّهَاتُ وَالْأَخَوَاتُ فَقَطْ، وَالْخَمْسُ بِالصِّهْرِ وَهُنَّ: بِنْتُ الزَّوْجَةِ وَأُمُّهَا وَحَلِيلَةُ الْأَبِ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ، وَعَدَّ مِنْهُنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا، مَعَ أَنَّ الْمُحَرَّمَةَ بِالصِّهْرِ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ بِسَبَبِ عَقْدِ أَصْلِك أَوْ فَرْعِك عَلَيْهَا، أَوْ عَقْدِك عَلَى غَيْرِهَا كَأُمِّ الزَّوْجَةِ، وَأُمِّ الْمُحَرَّمَةِ بِالْجَمْعِ فَلَا يَنْطَبِقُ هَذَا الضَّابِطُ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ أَلْحَقَتْهَا بِالْمُحَرَّمَةِ بِالصِّهْرِ وَمَضَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ غَلَّبَ الْمُحَرَّمَ بِالصِّهْرِ عَلَى الْمُحَرَّمِ بِالْجَمْعِ، فَأُطْلِقَ عَلَى مَا عَدَا الْمُحَرَّمِ بِالنَّسَبِ وَالْمُحَرَّمِ بِالرَّضَاعِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ بِالصِّهْرِ، هَكَذَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَمْرٍو لِمَا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ آيَةِ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] عَدَمُ حُرْمَةِ غَيْرِهِنَّ، مَعَ أَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالرَّضَاعِ سَبْعٌ عَلَى عَدَدِ الْمُحَرَّمِ بِالنَّسَبِ قَالَ: (وَحَرَّمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ) أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى (السَّلَامِ) مِنْ النِّسَاءِ (بِالرَّضَاعِ) مِثْلَ (مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) وَهُنَّ السَّبْعُ اللَّاتِي فِي الْآيَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلَى آخِرِهَا، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» . فَكَمَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ الْأُمَّهَاتُ وَالْبَنَاتُ وَالْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَبَنَاتُ الْأَخَوَاتِ كَذَلِكَ يَحْرُمْنَ مِنْ الرَّضَاعِ، فَأُمُّك رَضَاعًا كُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْك أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ وَلَدَتْك بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأُمَّهَاتُهُمَا، وَبِنْتُك كُلُّ مَنْ رَضَعَتْ عَلَى زَوْجَتِك بِابْنِك أَوْ أَرْضَعَتْهَا بِنْتُك مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَأَخَوَاتُك كُلُّ مَنْ وَلَدَتْهُ مَنْ أَرْضَعَتْك أَوْ وُلِدَ لِفَحْلِهَا، فَإِنْ جَاءَ مِنْ أُمِّك وَفَحْلِهَا وَلَدٌ فَهُوَ أَخٌ شَقِيقٌ لَك مِنْ الرَّضَاعِ، وَإِنْ وُلِدَ لِأُمِّك مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْفَحْلِ وَلَدٌ فَهُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، وَإِنْ وُلِدَ لِأَبِيك مِنْ أُمِّك مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ سُرِّيَّةٍ فَهُوَ أَخُوك لِأَبِيك، وَأَخَوَاتُ الْفَحْلِ عَمَّاتُ الرَّضِيعِ، وَأَخَوَاتُ أُمِّ الرَّضِيعِ خَالَاتٌ لَهُ، وَبَنَاتُ الْأَخِ مَنْ أَرْضَعَتْهُنَّ امْرَأَةُ أَخِيك بِلَبَنِهِ، وَبَنَاتُ الْأَخَوَاتِ مَنْ أَرْضَعَتْهُنَّ الْأَخَوَاتُ، وَكُلُّ هَذَا دَخَلَ تَحْتَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، نَعَمْ اسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ الْحَدِيثِ بَعْضَ إنَاثٍ تَحْرُمُ
[ ٢ / ١٧ ]
فَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ بِالْعَقْدِ دُونَ أَنْ تُمَسَّ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بَنَاتُهَا حَتَّى يَدْخُلَ بِالْأُمِّ أَوْ يَتَلَذَّذَ بِهَا بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ أَوْ بِشُبْهَةٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ وَلَا يَحْرُمُ بِالزِّنَا حَلَالٌ.
وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَطْءَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مِنْ النَّسَبِ وَلَا تَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ، الْأُولَى: أُمُّ أَخِيك أَوْ أُخْتُك. الثَّانِيَةُ: أُمُّ وَلَدِ وَلَدِك. الثَّالِثَةُ: جَدَّةُ وَلَدِك. الرَّابِعَةُ: أُخْتُ وَلَدِك. الْخَامِسَةُ: أُمُّ عَمِّك وَعَمَّتِك. وَالسَّادِسَةُ: أُمُّ خَالِك وَخَالَتِك، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا أُمَّ أَخِيك أَوْ أُخْتِك، وَأُمَّ وَلَدِ وَلَدِك، وَجَدَّةَ وَلَدِك، وَأُخْتَ وَلَدِك، وَأُمَّ عَمِّك وَعَمَّتِك، وَأُمَّ خَالِك وَخَالَتِك، فَقَدْ لَا يَحْرُمْنَ مِنْ الرَّضَاعِ أَيْ وَيَحْرُمْنَ مِنْ النَّسَبِ وَقَدْ وَفَّى كَلَامَهُ لِلتَّحْقِيقِ وَلَمَّا كَانَ الْمُحَرَّمُ بِالْجَمْعِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ مُخْتَصًّا بِالْأُخْتَيْنِ وَأَلْحَقَتْ السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِالْأُخْتَيْنِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا قَالَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ بِالسُّنَّةِ: (وَنَهَى) - ﵊ - عَنْ (أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ) عَلَى (خَالَتِهَا) أَوْ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا أَوْ أُخْتِهَا وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا»، وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ بِقَوْلِهِ: وَجَمْعُ خَمْسٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرًا حَرُمَ أَيْ نِكَاحُ الْأُخْرَى، وَهَذَا الضَّابِطُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ امْتِنَاعُ الْجَمْعِ بِالْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ أَوْ الصِّهَارَةِ، فَلَا يَرِدُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَمَتِهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ زَوْجِهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا لَوْ قُدِّرَتْ كُلٌّ ذَكَرًا حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْأُخْرَى، لِأَنَّ الشَّخْصَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ عَمَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَبِنْتُ أَخِيهَا لَوْ قُدِّرَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ بِنْتُ أَخِيهِ، وَلَوْ قُدِّرَتْ بِنْتُ الْأَخِ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ عَمَّتِهِ، وَضَابِطُ خَلِيلٍ رُبَّمَا يَشْمَلُ الْعَمَّتَيْنِ وَالْخَالَتَيْنِ وَالْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ، وَمِثَالُ الْعَمَّتَيْنِ يُوجَدُ فِي بِنْتَيْ رَجُلَيْنِ تَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا أُمَّ الْآخَرِ، وَالْخَالَتَيْنِ يُتَصَوَّرُ فِي بِنْتَيْ رَجُلَيْنِ تَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنْتَ الْآخَرِ، وَالْخَالَةُ وَالْعَمَّةُ يُتَصَوَّرُ فِي بِنْتَيْ رَجُلَيْنِ تَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا أُمَّ الْآخَرِ، وَالْآخَرُ بِنْتَ الْآخَرِ اُنْظُرْ التَّتَّائِيُّ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَرَّمَتَيْ الْجَمْعِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَحُكْمُهُ الْفَسْخُ وَلَوْ حَصَلَ دُخُولٌ بِهِمَا بِلَا طَلَاقٍ وَلَا مَهْرٍ لِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَأَمَّا إنْ تَرَتَّبَتَا فِي الْعَقْدِ فَإِنْ عُلِمَتْ الْأُولَى فُسِخَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ وَثَبَتَ نِكَاحُ الْأُولَى، وَمِثْلُ الْعِلْمِ لَوْ صُدِّقَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا ثَانِيَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ لِيَسْقُطَ عَنْهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَيُفْسَحُ نِكَاحُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا ثَانِيَةٌ لَكِنْ بِطَلَاقٍ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ الْأُولَى مِنْ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَدَّعِ الزَّوْجُ الْعِلْمَ بِأَوَّلِيَّةِ إحْدَاهُمَا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ نِكَاحُهُمَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَ نِكَاحُ ثَانِيَةٍ صُدِّقَتْ وَإِلَّا حَلَفَ لِلْمَهْرِ بِلَا طَلَاقٍ كَأُمٍّ وَابْنَتِهَا بِعَقْدٍ. الثَّانِي: الْوَطْءُ بِالْمِلْكِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ كَالْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ كَمَا قَدَّمْنَا، فَتَحْرُمُ أُصُولُ الْمَوْطُوءَةِ بِالْمِلْكِ وَفُرُوعُهَا عَلَى وَاطِئِهَا، وَكَذَا تَحْرُمُ الْمَوْطُوءَةُ عَلَى أُصُولِ الْوَاطِئِ وَفُرُوعِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى وَاطِئِهَا الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا فِي الْوَطْءِ، وَمِثْلُ الْوَطْءِ التَّلَذُّذُ، فَلَوْ تَلَذَّذَ بِأَمَةٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَتَّى يُحَرِّمَ فَرْجَ الْأُولَى حَيْثُ أَرَادَ اتِّخَاذَهَا لِلْوَطْءِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَّتْ الْأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَةِ أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ بِعِتْقٍ وَإِنْ لِأَجَلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ نِكَاحٍ يُحِلُّ الْمَبْتُوتَةَ وَقَدَّمْنَا ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ حَلِيلَةَ الِابْنِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ بِالصِّهَارَةِ أَعَادَهَا لَيُبَيِّنَ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بِقَوْلِهِ: (فَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً) أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا (حُرِّمَتْ بِالْعَقْدِ) وَلَوْ فَسَدَ إنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ (دُونَ أَنْ تُمَسَّ عَلَى آبَائِهِ) أَيْ أُصُولِهِ وَإِنْ عَلَوْا (وَ) حُرِّمَتْ أَيْضًا عَلَى (أَبْنَائِهِ) أَيْ فُرُوعِهِ وَإِنْ سَفُلُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] (وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ (أُمَّهَاتُهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ مُحَرِّمٌ الْأُمَّهَاتِ (وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بَنَاتُهَا) أَيْ فُرُوعُهَا (حَتَّى يَدْخُلَ بِالْأُمِّ أَوْ يَتَلَذَّذَ بِهَا بِنِكَاحٍ) أَيْ بِسَبَبِهِ (أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ) وَلَوْ كَانَ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ لِبَاطِنِ الْجَسَدِ. قَالَ خَلِيلٌ: بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَأُصُولِ زَوْجَتِهِ وَبِتَلَذُّذِهِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَوْ بِنَظَرِ فُصُولِهَا، وَهَذَا إشَارَةٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَطْرُوقَةِ وَهِيَ الْعَقْدُ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ، وَالتَّلَذُّذُ بِالْأُمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ مَا يَشْمَلُ الْفَاسِدَ إنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى فَسَادِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ إلَّا وَطْؤُهُ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ. وَلَمَّا كَانَتْ شُبْهَةُ النِّكَاحِ كَالنِّكَاحِ قَالَ: (أَوْ بِشُبْهَةٍ مِنْ نِكَاحٍ) عَطْفٌ عَلَى بِنِكَاحٍ أَيْ إنْ تَلَذَّذَ الشَّخْصُ بِالْمَرْأَةِ بِسَبَبِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ يَحْصُلُ بِهِ التَّحْرِيمُ لِأُصُولِ الْمُتَلَذِّذِ بِهَا وَفُرُوعِهَا عَلَى الْمُتَلَذِّذِ وَعَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ يَتَزَوَّجَ تَزْوِيجًا فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَكِنْ يَدْرَأُ الْحَدَّ، كَأَنْ يَتَزَوَّجَ بِمُعْتَدَّةٍ أَوْ خَامِسَةٍ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ غَيْرَ عَالِمٍ وَيَتَلَذَّذَ بِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ فَرْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ وَأَصْلُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ الْعَقْدُ وَإِنْ فَسَدَ إنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَوَطْؤُهُ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْعَقْدُ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا، فَلَا عِبْرَةَ بِعَقْدِ الْمُكْرَهِ وَلَا عَقْدِ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِ الْعَبْدِ وَوَلِيِّ الصَّبِيِّ، وَمِثْلُ الْوَطْءِ الْمُقَدِّمَاتُ وَقَدْ قُدِّمَتْ
[ ٢ / ١٨ ]
الْكَوَافِرِ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ وَيَحِلُّ وَطْءُ الْكِتَابِيَّاتِ بِالْمِلْكِ وَيَحِلُّ وَطْءُ حَرَائِرِهِنَّ بِالنِّكَاحِ وَلَا يَحِلُّ وَطْءُ إمَائِهِنَّ بِالنِّكَاحِ لِحُرٍّ وَلَا لِعَبْدٍ.
وَلَا تَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ عَبْدَهَا وَلَا عَبْدَ وَلَدِهَا، وَلَا الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَلَا أَمَةَ وَلَدِهِ وَلَهُ أَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْإِشَارَةَ إلَى ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ التَّلَذُّذُ بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ يَحْصُلُ بِهِ التَّحْرِيمُ قَالَ: (أَوْ) يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشُبْهَةِ (مِلْكٍ) كَأَنْ يَشْتَرِيَ أَمَةً وَيَتَلَذَّذَ مِنْهَا وَلَوْ بِقِبْلَةٍ ثُمَّ تُسْتَحَقَّ أَوْ يَظْهَرَ بِهَا عَيْبٌ فَيَرُدَّهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ أُصُولُهَا وَلَا فُرُوعُهَا، كَحُرْمَةِ أُصُولِ وَفُرُوعِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا بِتَلَذُّذِهِ بِهَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي مَفْهُومِ التَّلَذُّذِ وَالنِّكَاحِ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَحْرُمُ بِالزِّنَا حَلَالٌ) وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَلَوْ تَكَرَّرَ زِنَاهُ بِهَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِهِ أُصُولُهَا وَلَا فُرُوعُهَا، بَلْ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأُمِّهَا أَوْ ابْنَتِهَا الَّتِي لَمْ تَتَخَلَّقُ مِنْ مَائِهِ لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى يَجُوزُ لِأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ نِكَاحُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا نِكَاحُهَا لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ. قَالَ سَحْنُونٌ؟ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ عَلَيْهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ رَوَى فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ زَنَى بِأُمِّ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهُ يُفَارِقُهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُفَارَقَةِ هَلْ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ؟ قَالَ الْعَلَّامَةُ بَهْرَامُ: وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ فِي الْمُعْتَمَدِ هَلْ هُوَ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَوْ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ؟ وَاخْتَصَرَ الْبَرَادِعِيُّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ عَنْ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَأَفْتَى بِالتَّحْرِيمِ إلَى أَنْ مَاتَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى تَصْحِيحِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَجَمَاعَةٌ إلَى تَصْحِيحِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ، وَوُجُوبِ التَّعْوِيلِ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ عَلَيْهِ كُلَّ الْأَصْحَابِ خَلَا ابْنَ الْقَاسِمِ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الرَّاجِحِ الْمُوَافِقِ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَلَوْ ثَبَتَ رُجُوعُ الْإِمَامِ عَمَّا فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ الرَّاجِحُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَهُوَ عَدَمُ نِسْبَةِ التَّحْرِيمِ بِالزِّنَا مَعَ رُجُوعِ الْإِمَامِ عَنْهُ؟ مَعَ أَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَا يُنْسَبُ إلَى قَائِلِهِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ رَاجِحًا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَصْحَابَهُ أَخَذَتْ مِنْ قَوَاعِدِهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ فَصَارَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ مَذْهَبًا لِمَالِكٍ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ مُخَالِفًا لَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يَسْتَنْبِطُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ مِنْ قَوَاعِدِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ فِيهَا نَصٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ مَنْقُولَةٌ عَنْ أَصْحَابِهِ وَتُنْسَبُ إلَى مَذْهَبِهِ كَغَالِبِ مَسَائِلِ الْإِقْرَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَالرَّضَاعِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالدِّينِ بِقَوْلِهِ: (وَحَرَّمَ اللَّهُ ﷾) عَلَى الْمُسْلِمِ (وَطْءَ الْكَوَافِرِ) جَمْعُ كَافِرَةٍ (مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) كَالْمَجُوسِيَّاتِ وَالصَّابِئَاتِ وَعَابِدَاتِ الْأَوْثَانِ وَنَحْوِهِنَّ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] فَإِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالنَّهْيُ عَامٌّ فِي الْوَطْءِ (بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ) وَالْمُرَادُ بِالْوَطْءِ سَائِرُ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: (وَيَحِلُّ) لِلْمُسْلِمِ (وَطْءُ) الْإِمَاءِ (الْكِتَابِيَّاتِ بِالْمِلْكِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] (وَيَحِلُّ لَنَا) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ (وَطْءُ حَرَائِرِهِنَّ) أَيْ الْكِتَابِيَّاتِ (بِالنِّكَاحِ) لِلْقَاعِدَةِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَازَ لَنَا وَطْءُ إمَائِهِمْ بِالْمِلْكِ يَجُوزُ لَنَا وَطْءُ حَرَائِرِهِمْ بِالنِّكَاحِ وَلَوْ يَهُودِيَّةً تَنَصَّرَتْ وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَا الْمَجُوسِيَّةُ إذَا تَهَوَّدَتْ أَوْ تَنَصَّرَتْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهَا تُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ. قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ الْحَرَائِرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ فِي آيَةِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] غَيْرُ الْكِتَابِيَّاتِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَمَّا تَشَرَّفَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِتَمَسُّكِهِمْ بِالْكِتَابِ وَأَضَافَهُمْ الْبَارِي ﷾ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] أُبِيحَتْ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَحَلَّ لَنَا طَعَامُهُمْ أَيْ ذَبَائِحُهُمْ (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِتَعْبِيرِهِ بِيَحِلُّ جَوَازُ نِكَاحِهِنَّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْحِلِّ عَدَمَ الْحُرْمَةِ فَلَا يُنَافِي الْكَرَاهَةَ، وَمَشَى عَلَيْهَا خَلِيلٌ لِأَنَّهَا قَوْلُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمِ: وَالْكَافِرَةُ إلَّا الْحُرَّةَ الْكِتَابِيَّةَ بِكُرْهٍ وَتَأَكَّدَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ نِكَاحُهَا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَلَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَلَا مِنْ الذَّهَابِ إلَى الْكَنِيسَةِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ عَلَى دِينِهَا، وَأَيْضًا رُبَّمَا تَمُوتُ وَهِيَ حَامِلٌ فَتُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالْوَلَدُ الْكَائِنُ فِي بَطْنِهَا مَحْكُومٌ لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مَظِنَّةُ الْمَوَدَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الْآيَةَ، ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ الْمِلْكِ فِي الْإِمَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَحِلُّ) لَنَا (وَطْءُ إمَائِهِنَّ) أَيْ الْكِتَابِيَّاتِ (بِالنِّكَاحِ لِحُرٍّ وَلَا لِعَبْدٍ) وَالْمُرَادُ بِإِمَائِهِنَّ الْكَائِنَاتُ عَلَى دِينِهِنَّ، فَلَيْسَتْ الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ، وَحُرْمَةُ نِكَاحِ
[ ٢ / ١٩ ]
يَتَزَوَّجَ أَمَةَ وَالِدِهِ وَأَمَةَ أُمِّهِ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأَةِ أَبِيهِ مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ وَتَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ ابْنَ زَوْجَةِ أَبِيهَا مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَلَوْ عَجَزَ عَنْ صَدَاقِ الْحُرَّةِ، لِأَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ لِمَنْ عَدِمَ صَدَاقَ الْحُرَّةِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ مَشْرُوطٌ بِإِسْلَامِ الْأَمَةِ، لِأَنَّ الْأَمَةَ الْكَافِرَةَ وَلَدُهَا رَقِيقٌ، فَيَلْزَمُ عَلَى نِكَاحِ الْمُسْلِمِ لَهَا اسْتِرْقَاقُ الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَأَبَاهُ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَوْ تَزَنْدَقَتْ الْيَهُودِيَّةُ أَوْ النَّصْرَانِيَّةُ بِأَنْ أَظْهَرَتْ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَخْفَتْ الْمَجُوسِيَّةَ لَا يَجُوزُ لَنَا نِكَاحُهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَلَا وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ إنْ كَانَتْ أَمَةً، بِخِلَافِ لَوْ أَظْهَرَتْ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَخْفَتْ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ عَكْسِهِ فَإِنَّهَا لَا تَحْرُمُ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ، كَأَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ الْيَهُودِيَّةَ أَوْ النَّصْرَانِيَّةَ أَوْ الْحُرَّةَ الْمَجُوسِيَّةَ، وَالْحُكْمُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ أَوْ أَسْلَمَتْ، وَيُرْجَمُ الزَّوْجُ فِي نِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ: لَوْ تَعَمَّدَ الْمُسْلِمُ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّةِ بِخِلَافِ لَوْ تَزَوَّجَتْ الْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ بِمَجُوسِيٍّ أَوْ بِكَافِرٍ غَيْرِهِ لَمْ يَحُدَّا وَإِنْ تَعَمَّدَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يُحَدُّ فِي تَزَوُّجِهِ بِالْمَجُوسِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِالْمَجُوسِيِّ لَا حَدَّ عَلَيْهَا، أَنَّ إسْنَادَ النِّكَاحِ إلَى الرَّجُلِ عَلَى جِهَةِ الْحَقِيقَةِ، وَإِسْنَادَهُ إلَى الْمَرْأَةِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ أَوْ الْحَقِيقَةِ الضَّعِيفَةِ، وَانْظُرْ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ هَلْ يُحَدُّ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ لَا حَدَّ لِحِلِّ وَطْءِ الْأَمَةِ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ الْمَجُوسِيَّةِ، وَحَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ، فَتَلَخَّصَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَوَافِرَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَنْ لَا تَحِلُّ حَرَائِرُهُنَّ وَلَا إمَاؤُهُنَّ وَهُنَّ غَيْرُ الْكِتَابِيَّاتِ، وَمَنْ يَحِلُّ حَرَائِرُهُنَّ بِالنِّكَاحِ وَإِمَاؤُهُنَّ بِالْمِلْكِ وَهُنَّ الْكِتَابِيَّاتُ (وَلَا) يَحِلُّ أَنْ (تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَبْدَهَا وَلَا عَبْدَ وَلَدِهَا) لِأَنَّهُ كَعَبْدِهَا وَالْمِلْكُ يُنَافِي الزَّوْجِيَّةَ، لِأَنَّ الزَّوْجَةَ تُطَالِبُ الزَّوْجَ بِنَفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَخِدْمَةِ الرِّقِّ، وَهُوَ يُطَالِبُهَا بِنَفَقَةِ الرِّقِّ وَخِدْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ؟ وَالْمُرَادُ بِالْوَلَدِ الْجِنْسُ فَيَشْمَلُ ابْنَ ابْنِهَا وَإِنْ نَزَلَ، وَيَشْمَلُ الْأُنْثَى أَيْضًا. (تَنْبِيهٌ) لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُرْمَةِ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ عَبْدَهَا وَجَوَازِ تَمْكِينِهَا لَهُ مِنْ نَظَرِهِ شَعْرَهَا الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَلِعَبْدٍ بِلَا شِرْكٍ وَمُكَاتَبٍ وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعْرِ السَّيِّدَةِ كَخَصِيٍّ وَغْدٍ لِزَوْجٍ، وَأُلْحِقَ بِشَعْرِهَا بَقِيَّةُ أَطْرَافِهَا الَّتِي يَنْظُرُ إلَيْهِ مَحْرَمُهَا، وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ مَيْلِ النُّفُوسِ إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ جَوَازَ نَظَرِ عَبْدِ زَوْجِهَا لِأَطْرَافِهَا مَشْرُوطٌ بِكَوْنِهِ خَصِيًّا وَوَغْدًا أَيْ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ، لَا إنْ كَانَ فَحْلًا أَوْ حَسَنَ الْمَنْظَرِ. (وَلَا) يَحِلُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ (الرَّجُلُ أَمَتَهُ وَلَا أَمَةَ وَلَدِهِ) قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَحْرَمِ وَمِلْكِهِ: أَوْ لِوَلَدِهِ وَفُسِخَ وَإِنْ طَرَأَ بِلَا طَلَاقٍ كَمَرْأَةٍ فِي زَوْجِهَا وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ لِيُعْتَقَ عَنْهَا، وَلَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ تَزَوُّجِ الرَّجُلِ بِمِلْكِهِ بَيْنَ الْمِلْكِ الْكَامِلِ وَالْبَعْضِ، وَلَا بَيْنَ الْقَبَّةِ الْمَحْضَةِ وَذَاتِ الشَّائِبَةِ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمِلْكَ سَبَبٌ لِلْإِبَاحَةِ، فَهُوَ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِ، وَلَا فَرْقَ فِي الرَّجُلِ بَيْنَ كَوْنِهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ أَمَةُ الْوَلَدِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَمَةِ نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَبَ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَلَا يُحَدُّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ وَتَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ إنْ احْتَاجَ، فَإِنْ وَقَعَ هَذَا الْمَمْنُوعُ بِأَنْ تَزَوَّجَ الْمَالِكُ أَمَتَهُ أَوْ أَمَةَ فَرْعِهِ أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأَمَةُ مَمْلُوكَهَا أَوْ مَمْلُوكَ فَرْعِهَا فُسِخَ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، كَمَا يُفْسَخُ لَوْ كَانَ سَابِقًا وَطَرَأَ عَلَيْهِ الْمِلْكُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَ وَإِنْ طَرَأَ بِلَا طَلَاقٍ، كَمَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ أَوْ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا أَوْ مَلَكَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ الْآخَرَ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، وَمِلْكُ الْبَعْضِ كَمِلْكِ الْكُلِّ فِي الْفَسْخِ (وَ) لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ فِي مَالِ وَالِدِهِ شُبْهَةٌ جَازَ (لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ وَالِدِهِ وَأَمَةَ أُمِّهِ) الْحُرَّيْنِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ أَصْلِهِ وَإِنْ دَنَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ حَيْثُ كَانَتْ مُسْلِمَةً لِتَخَلُّقِ الْوَلَدِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ قَيَّدْنَا الْوَالِدَ وَالْوَالِدَةَ بِالْحُرَّيْنِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الرَّقِيقَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَمَتِهَا لِأَنَّ وَلَدَهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يَمْلِكَاهُ وَإِنَّمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ عَبْدًا لَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ وَالِدِهِ وَأُمِّهِ وَلَوْ رَقِيقَيْنِ. (تَنْبِيهٌ) يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِ جَوَازِ نِكَاحِ أَمَةِ الْوَالِدِ وَالْأُمِّ الْحُرَّيْنِ بِتَخَلُّقِ الْوَلَدِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ مَنْعُ نِكَاحِ الْحُرِّ أَمَةَ أَخِيهِ أَوْ أُخْتِهِ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ لَا يُعْتَقُ عَلَى أَخِيهِ وَلَا عَلَى أُخْتِهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الْحُرَّ الرَّشِيدَ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ إلَّا الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا وَالْفَرْعُ وَإِنْ سَفُلَ، وَالْحَاشِيَةُ الْقَرِيبَةُ وَهِيَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لَا أَوْلَادُهُمْ وَلَا الْأَعْمَامُ وَلَا الْعَمَّاتُ. وَلَمَّا كَانَتْ بِنْتُ زَوْجَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ وَلَمْ تُرْضَعْ مِنْ لَبَنِ أَجْنَبِيَّةٍ قَالَ: (وَلَهُ) أَيْ مُرِيدِ النِّكَاحِ (أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ امْرَأَةِ أَبِيهِ) الْمَخْلُوقَةَ (مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ) حَيْثُ لَمْ تَشْرَبْ مِنْ لَبَنِ أُمِّهَا بَعْدَ نِكَاحِ أَبِيهِ وَإِلَّا حَرُمَتْ لِأَنَّهَا صَارَتْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ، وَلَوْ طَلَّقَهَا أَبُوهُ بَعْدَ وَطْئِهَا وَتَزَوَّجَهَا آخَرُ وَوَلَدَتْ مِنْهُ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُمَا حَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ انْقِطَاعُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاشْتَرَكَ مَعَ الْقَدِيمِ وَلَوْ بِحَرَامٍ لَا يَلْحَقُ الْوَلَدُ بِهِ فَتَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِ الْمُطَلِّقِ، كَمَا تَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِ مَنْ هِيَ فِي عِصْمَتِهِ. (وَ) كَذَا يَحِلُّ أَنْ (تَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةُ ابْنَ زَوْجَةِ أَبِيهَا) الْكَائِنَ (مِنْ رَجُلٍ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ أَبِيهَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ
[ ٢ / ٢٠ ]
[القسم بين الزوجات]
وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ نِكَاحُ أَرْبَعِ حَرَائِرَ مُسْلِمَاتٍ أَوْ كِتَابِيَّاتٍ وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ أَرْبَعِ إمَاءٍ مُسْلِمَاتٍ وَلِلْحُرِّ ذَلِكَ إنْ خَشِيَ الْعَنَتَ وَلَمْ يَجِدْ لِلْحَرَائِرِ طَوْلًا.
وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ نِسَائِهِ وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى بِقَدْرِ وُجْدِهِ وَلَا قَسْمَ فِي الْمَبِيتِ لِأَمَتِهِ وَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] انْقَطَعَ رَضَاعُهُ قَبْلَ وَطْءِ أَبِيهَا، وَأَمَّا لَوْ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ تُرْضِعُهُ فَلَا لِأَنَّهُ صَارَ وَلَدًا لَهُ وَأَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَبْدُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي الْعُقُوبَاتِ وَمِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ قَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ) الْمُسْلِمَيْنِ (نِكَاحُ أَرْبَعِ حَرَائِرَ مُسْلِمَاتٍ أَوْ كِتَابِيَّاتٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْعَبْدِ الرَّابِعَةُ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ وَالتَّلَذُّذَاتِ فَيُشَارِكُهُ فِيهَا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، بِخِلَافِ الْعُقُوبَاتِ كَالطَّلَاقِ وَالْحَدِّ فَهُوَ عَلَى النِّصْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَالذَّكَرُ كَالْأُنْثَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الرِّقِّ، وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا نَظَرَ لِمَا عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ مُسْتَنِدِينَ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] مِنْ إبْقَاءِ الْوَاوِ عَلَى بَابِهَا فَإِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ الْآيَةَ عَلَى مُقْتَضَى الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَرْبَعًا، قَالُوا: وَبِمَعْنَى أَوْ فَالْآيَةُ حُجَّةٌ لِلْمَشْهُورِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ الْخَامِسَةِ، وَأَنَّ جَوَازَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ خَصَائِصِهِ - ﷺ - بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ لِغَيْلَانَ حِينَ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرٍ: «اخْتَرْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ»، أَيْ بَاقِيهِنَّ، وَكُلُّ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُحَدَّ، وَإِنْ وَقَعَ نِكَاحُ الْخَمْسِ دَفْعَةً وَاحِدَةً بَطَلَ فِيهِنَّ، وَمِنْ دَخَلَ بِهَا مِنْهُنَّ كَانَ لَهَا صَدَاقُهَا، وَلَا شَيْءَ لِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِفَسَادِ الْعَقْدِ، وَإِنْ تَرَتَّبَ الْعَقْدُ فُسِخَ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ فَقَطْ، وَلَمَّا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ نِكَاحِ الْحُرِّ الَّذِي يُولَدُ لَهُ أَمَةُ الْأَجَانِبِ رِقَّ وَلَدِهِ قَالَ: (وَ) يَحِلُّ (لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أَرْبَعِ إمَاءٍ مُسْلِمَاتٍ) وَلَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى نِكَاحِ الْحَرَائِرِ لِأَنَّ الْإِمَاءَ مِنْ نِسَائِهِ، وَالْوَلَدُ لَا يَكُونُ أَشْرَفَ مِنْ أَبِيهِ. (وَ) كَذَا يَحِلُّ (لِلْحُرِّ ذَلِكَ) أَيْ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ بِشَرْطَيْنِ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ خَشِيَ الْعَنَتَ) أَيْ الزِّنَا إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ (وَلَمْ يَجِدْ لِلْحَرَائِرِ) وَلَوْ الْكِتَابِيَّاتِ (طَوْلًا) أَيْ مَهْرًا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ غَيْرَ الْمُغَالِيَةِ، وَتَفْسِيرُنَا الطَّوْلَ بِالْمَهْرِ هُوَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْمَالُ الَّذِي يَقْدِرُ بِهِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ وَالنَّفَقَةِ. قَالَ بَعْضٌ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَيَدْخُلُ فِي الطَّوْلِ الَّذِي يُعَدُّ بِهِ قَادِرًا عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ الدَّيْنُ الْكَائِنُ عَلَى مَلَأٍ، وَمَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ مِنْ كِتَابَةٍ وَخِدْمَةِ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَدَابَّةِ رُكُوبِهِ وَكُتُبِ الْفِقْهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا، وَمِنْ الطَّوْلِ أَيْضًا لَوْ وَجَدَ حُرَّةً تَتَزَوَّجُ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ لَا دَارِ سُكْنَاهُ وَلَا خِدْمَةِ مُدَبَّرٍ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الطَّوْلِ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ الْحُرَّةِ الَّتِي فِي عِصْمَتِهِ وَلَا تُعِفُّهُ لَا يُعَدُّ طَوْلًا، وَالْمُرَادُ بِالْمُغَالِيَةِ الَّتِي تَطْلُبُ زِيَادَةً عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا زِيَادَةً لَا يُغْتَفَرُ مِثْلُهَا فِي التَّيَمُّمِ وَفِي شِرَاءِ النَّعْلَيْنِ لِلْإِحْرَامِ، وَبَقِيَ شَرْطٌ ثَالِثٌ لِجَوَازِ نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً وَأَشَرْنَا لَهُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُرَّ الَّذِي يُولَدُ لَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أَمَةِ غَيْرِ أَصْلِهِ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ، وَأَنْ يَعْجَزَ عَنْ صَدَاقِ الْحُرَّةِ، وَأَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً كَمَا ذَكَرْنَا، أَمَّا لَوْ كَانَ لَا يُولَدُ لَهُ أَوْ كَانَتْ أَمَةَ أَصْلِهِ كَأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ جَدَّتِهِ الْأَحْرَارِ لَجَازَ لَهُ نِكَاحُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلِلْحُرِّ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِنِكَاحِ الْإِمَاءِ بِقَيْدِ الْأَرْبَعِ، لِأَنَّ مَا أُجِيزَ لِلضَّرُورَةِ يَتَحَدَّدُ بِزَوَالِهَا وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَزْيَدَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ. الثَّانِي: لَوْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ الْأَمَةَ بِشَرْطِهِ ثُمَّ زَالَ الْمُبِيحُ بِأَنْ طَرَأَ لَهُ الْمَالُ أَوْ أَمِنَ مِنْ الزِّنَا لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهُ لِوُقُوعِهِ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ إذَا تَزَوَّجَ بِالْأَمَةِ بِشَرْطِهِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهِ، بِخِلَافِ لَوْ تَزَوَّجَ مَعَ فَقْدِ الشُّرُوطِ وَلَوْ بَعْضِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ. الثَّالِثُ: عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ نِكَاحَ الْحُرِّ لِلْأَمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ وَذَلِكَ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: إحْدَاهَا: نِكَاحُهُ أَمَةَ أَصْلِهِ الْحُرِّ، ثَانِيَتُهَا: نِكَاحُهُ أَمَةَ الْغَيْرِ وَهُوَ لَا يُولَدُ لَهُ، ثَالِثُهَا نِكَاحُ أَمَةِ الْغَيْرِ وَهُوَ مِمَّنْ يُولَدُ لَهُ مَعَ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَقِسْمٌ غَيْرُ جَائِزٍ بِاتِّفَاقٍ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا تَزَوُّجُهُ بِأَمَةِ نَفْسِهِ أَوْ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ فِيهِ الْخِلَافُ وَالْمَشْهُورُ مَنْعُهُ وَهُوَ نِكَاحُ أَمَةِ الْفَرْعِ أَوْ أَمَةِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالزَّوْجُ مِمَّنْ يُولَدُ لَهُ وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ الشُّرُوطُ. (خَاتِمَةٌ) إذَا صَحَّ نِكَاحُ الْحُرِّ الْأَمَةَ فَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ عَلَى الْأَزْوَاجِ وَلَوْ عَبِيدًا، وَيُنْفِقُ الْعَبْدُ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ غَيْرِ خَرَاجٍ وَكَسْبٍ كَالْمَهْرِ إلَّا لِعُرْفٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَمَّا نَفَقَةُ أَوْلَادِ الْأَمَةِ مِنْ الزَّوْجِ الْحُرِّ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ عِتْقِهِمْ فَعَلَى سَيِّدِهِمْ وَهُوَ سَيِّدُ أُمِّهِمْ، وَأَمَّا لَوْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى أَبِيهِمْ كَإِرْضَاعِهِمْ إلَّا أَنْ يَعْدَمَ الْأَبُ أَوْ يَمُوتَ فَعَلَى السَّيِّدِ، لِأَنَّ مَنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى الْكَسْبِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْعَبِيدِ فَإِنْ كَانُوا أَرِقَّاءَ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَحْرَارًا فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَلْزَمُهُ أَوْلَادُهُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْأَرِقَّاءَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ سَيِّدُهُمْ، وَالْأَحْرَارُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَمَا ذَكَرْنَا، [الْقَسْمُ بَيْن الزَّوْجَاتِ] وَلَمَّا
[ ٢ / ٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] كَانَ يَجُوزُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ وَكَانَ الْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَبِيتِ وَاجِبًا شَرَعَ فِي بَابِ الْقَسْمِ بِقَوْلِهِ: (لِيَعْدِلْ) الزَّوْجُ (بَيْنَ نِسَائِهِ) فِي الْمَبِيتِ وَإِنْ امْتَنَعَ وَطْؤُهُنَّ. قَالَ خَلِيلٌ: إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ وَإِنْ امْتَنَعَ الْوَطْءُ شَرْعًا أَوْ عَادَةٍ أَوْ عَقْلًا دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأَمَةِ، سَوَاءٌ كُنَّ حَرَائِرَ أَوْ إمَاءَ مُسْلِمَاتٍ أَوْ كِتَابِيَّاتٍ صَحِيحَاتٍ أَوْ مَرِيضَاتٍ كَبِيرَاتٍ أَوْ صَغِيرَاتٍ، كَانَ الزَّوْجُ الْبَالِغُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا حَيْثُ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِقَالِ، وَأَمَّا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الِانْتِقَالِ فَيَمْكُثُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ، وَعَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَيْهِنَّ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِنَّ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ لَكِنْ بِشَرْطِ انْتِفَاعِهِنَّ بِحُضُورِهِ وَعَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُ عَلَيْهِنَّ، وَإِلَّا فَلَا وُجُوبَ عَلَى الْوَلِيِّ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إطَاقَةُ الصَّبِيِّ عَلَيْهِنَّ، فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - ﷺ -: «إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُجْتَهِدُونَ عَلَى وُجُوبِهِ وَعَلَى عِصْيَانِ تَارِكِهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا إمَامَتُهُ عِنْدَ بَعْضِ الشُّيُوخِ، وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِارْتِدَادِهِ بِجَحْدِهِ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَسْمَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الزَّوْجِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ أَوْ عَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ لَا عَلَى وَلِيِّ صَبِيٍّ لِعَدَمِ انْتِفَاعِهَا بِحُضُورِ الصَّبِيِّ، وَيُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجَاتِ الدُّخُولُ بِهِنَّ وَإِطَاقَتُهُنَّ الْوَطْءَ؛ فَلَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا وَلَا لِصَغِيرَةٍ لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا. الثَّانِي: إطْلَاقُهُ فِي النِّسَاءِ شَامِلٌ لِلْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ وَالْمُجْمَعِ مِنْهُمَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْأَمَةُ أَيْ الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِالْإِشَارَةِ إلَى ذَلِكَ. الثَّالِثُ: تَعْبِيرُهُ بِالنِّسَاءِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَاتُ عِنْدَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَ الْبَيَاتِ عِنْدَهَا أَوْ يُحْضِرَ لَهَا مُؤْنِسَةً لِأَنَّ تَرْكَهَا وَحْدَهَا ضَرَرٌ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْفَسَادُ أَوْ الْخَوْفُ مِنْ نَحْوِ اللُّصُوصِ. وَفِي التَّوْضِيحِ: إذَا اشْتَكَتْ الْمَرْأَةُ الْوَحْدَةَ ضُمَّتْ إلَى جَمَاعَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيَاتِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: الْوَطْءُ وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا انْتَفَى الْعُذْرُ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَالْأُجْهُورِيُّ: يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ حَيْثُ تَضَرَّرَتْ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِهِ وَقَدَرَ عَلَيْهِ الزَّوْجُ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُكَلَّفُ مَا لَا يُطِيقُهُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهَا إذَا شَكَتْ قِلَّةَ الْوَطْءِ يُقْضَى لَهَا فِي كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ بِلَيْلَةٍ، كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا شَكَا الزَّوْجُ مِنْ قِلَّةِ الْجِمَاعِ أَنْ يُقْضَى لَهُ عَلَيْهَا بِمَا تُطِيقُهُ كَالْأَجِيرِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يُقْضَى بِأَرْبَعِ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَقَدْ لَا تُطِيقُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ. الرَّابِعُ: إنَّمَا جَعَلْنَا وُجُوبَ الْعَدْلِ فِي الْمَبِيتِ فَقَطْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِهِ مِنْ نَحْوِ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَمَحَبَّةٍ قَلْبِيَّةٍ، وَلَا فِي وَطْءٍ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ إضْرَارِ الْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَمِيلَ نَفْسُهُ إلَى وَطْءِ وَاحِدَةٍ فَيَكُفَّ عَنْ وَطْئِهَا لِيُوَفِّرَ لَذَّتَهُ وَقُوَّتَهُ إلَى غَيْرِهَا فَهَذَا حَرَامٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْكَفِّ وَيُحْمَلُ عِنْدَ الْكَفِّ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحَظْ ذَلِكَ وَقْتَ الْكَفِّ لِأَنَّ الْكَفَّ مَظِنَّةُ قَصْدِ الضَّرَرِ. قَالَ خَلِيلٌ مُخَرِّجًا لَهُ مِنْ الْوَاجِبِ لَا فِي الْوَطْءِ إلَّا الْإِضْرَارَ كَكَفِّهِ لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ لِأُخْرَى. الْخَامِسُ: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَأَقَلُّهَا الَّذِي لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ وَلَا نَقْصَ عَنْهُ إلَّا بِرِضَاهُنَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. قَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا الْبُدَاءَةُ بِاللَّيْلِ وَيُكَمَّلُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُقِيمُ الْقَادِمُ مِنْ السَّفَرِ نَهَارًا عِنْدَ أَيَّتِهِنَّ أَحَبَّ وَلَا يَحْسِبُ وَيَسْتَأْنِفُ الْقَسْمَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اللَّيْلُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ الِابْتِدَاءُ بِاللَّيْلِ كَنَدْبِ الْبَيَاتِ عِنْدَ الْوَاحِدَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الزَّوْجَاتُ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ، وَأَمَّا إذَا تَفَرَّقْنَ فِي أَمَاكِنَ بِبُلْدَانٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَإِنَّ الْإِقَامَةَ عِنْدَهُنَّ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ مِنْ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي يَوْمِ ضَرَّةٍ مَحَلَّ أُخْرَى إلَّا لِحَاجَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِمَسْكَنٍ ذِي مَرَافِقَ بِحَيْثُ تَسْتَغْنِي عَنْ مَحَلِّ الْأُخْرَى، وَيَجُوزُ جَمْعُهُنَّ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ بِرِضَاهُنَّ، وَالْمُحَرَّمُ مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ الْجَمْعُ وَلَوْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي فَرْشٍ وَاحِدٍ وَلَوْ بِغَيْرِ وَطْءٍ وَلَوْ بِرِضَاهُنَّ، وَإِنْ لَازَمَ الْبَيَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ لَيْلَةَ الْمَظْلُومَةِ تَفُوتُ عَلَيْهَا وَلَا تُحَاسَبُ بِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَاتَ إنْ ظَلَمَ فِيهِ وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. السَّادِسُ: مَنْ تَزَوَّجَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى فَإِنَّهُ يَقْضِي لِلثَّانِيَةِ بِسَبْعِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَبِثَلَاثٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَأَمَّا تَزَوُّجُ اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ فِي لَيْلَةٍ فَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ تَقْدِيمَ السَّابِقَةِ فِي الدَّعْوَى، فَإِنْ اسْتَوَيَتَا فَالسَّابِقَةُ عَقْدًا، فَإِنْ اسْتَوَيَا بِالْقُرْعَةِ وَكُلُّ مَنْ قُدِّمَتْ اسْتَحَقَّ مَا يُقْضَى لَهَا بِهِ مِنْ سَبْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ. السَّابِعُ: لَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ لِقُرْبَةٍ كَحَجٍّ أَوْ غَزْوٍ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ، وَكَذَلِكَ إذَا مَرِضَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ الدَّوَرَانَ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ يَخْتَارُ الْإِقَامَةَ عِنْدَ أَيَّتِهِنَّ شَاءَ. الثَّامِنُ: كُلُّ مَنْ امْتَنَعَتْ مِنْ إطَاعَةِ الزَّوْجِ فِي أَمْرٍ مِنْ شَأْنِهَا فَلَهُ وَعْظُهَا وَهَجْرُهَا،
[ ٢ / ٢٢ ]
لِأُمِّ وَلَدِهِ.
وَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يُدْعَى إلَى الدُّخُولِ وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا.
[شَرْطَ وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ]
وَنِكَاحُ التَّفْوِيضِ جَائِزٌ وَهُوَ أَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَإِنْ لَمْ تَمْتَثِلْ فَلَهُ ضَرْبُهَا إنْ ظَنَّ إفَادَتَهُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ بِأَنْ لَا يَكْسِرَ عَظْمًا وَلَا يَشِينُ لَحْمًا، وَيُصَدَّقُ الزَّوْجُ فِي أَنَّهُ ضَرَبَهَا لِوَجْهٍ، كَمَا يُصَدَّقُ السَّيِّدُ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ائْتَمَنَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَالسَّادَاتِ عَلَى الْعَبِيدِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ وَحِرْصًا عَلَى الْإِفَادَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَاتِ مُشَارِكًا لِلْقَسْمِ فِي الْوُجُوبِ قَالَ: (وَعَلَيْهِ) أَيْ الزَّوْجِ الْبَالِغِ الْمُوسِرِ وَلَوْ عَبْدًا (النَّفَقَةُ) وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا بِهِ قِوَامُ مُعْتَادِ حَالِ الْآدَمِيِّ دُونَ سَرَفٍ. قَالَ خَلِيلٌ: يَجِبُ لِمُمَكَّنَةِ مُطِيقَةِ الْوَطْءِ عَلَى الْبَالِغِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا مُشْرِفًا قُوتٌ وَإِدَامٌ وَكِسْوَةٌ (وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا (السُّكْنَى) وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى (بِقَدْرِ وُجْدِهِ) أَيْ وُسْعِهِ أَيْ الزَّوْجِ وَحَالِ الْمَرْأَةِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَمَسْكَنٌ بِالْعَادَةِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَحَالِهَا وَالسِّعْرِ وَإِنْ أَكُولَةً، وَتُزَادُ الْمُرْضِعُ مَا تَتَقَوَّى بِهِ إلَّا الْمَرِيضَةُ وَقَلِيلَةُ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا مَا تَأْكُلُ، وَعَلَيْهِ الْمَاءُ لِشُرْبِهَا وَطَهَارَتِهَا، وَالزَّيْتُ وَالْحَطَبُ وَالْمِلْحُ وَاللَّحْمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَالْحَصِيرُ وَالسَّرِيرُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَأُجْرَةُ الْقَابِلَةِ وَالزِّينَةُ الَّتِي تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِهَا كَالْكُحْلِ وَالدُّهْنِ الْمُعْتَادَيْنِ، وَالْإِخْدَامُ إنْ كَانَ الزَّوْجُ مَلِيًّا وَهِيَ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ أَوْ كَانَ مَلِيًّا، وَالْحَالُ أَنَّهُ مِنْ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْدِمَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَهْلًا، وَلَا يَلْزَمُهُ لَهَا الدَّوَاءُ لِمَرَضِهَا وَلَا أُجْرَةُ نَحْوِ الْحِجَامَةِ وَلَا الْمُعَالَجَةُ فِي الْمَرَضِ وَلَا كِسْوَتُهَا الْحَرِيرَ وَلَا ثِيَابُ الْمَخْرَجِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ - ﵁ -. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا تَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ مُطْلَقًا عَلَى الزَّوْجِ الْبَالِغِ الْمُوسِرِ، سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، صَحِيحَةً أَوْ مَرِيضَةً، وَلَوْ ذَاتَ مَانِعٍ مِنْ الْوَطْءِ كَرَتَقٍ أَوْ جُذَامٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُهَا. الثَّانِي: الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وَقَوْلُهُ - ﷺ - «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، الزَّوْجَةُ تَقُولُ: إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِهَا، فَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأَمَّا الْمُعْسِرُ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَاجِبِ فَقِيلَ الْأَعْيَانُ لَا الْأَثْمَانُ، وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُ خَلِيلٍ: يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ قُوتٌ وَإِدَامٌ وَهُوَ وَجِيهٌ فِي النَّظَرِ، إذْ قَدْ تَتَعَذَّرُ الْأَثْمَانُ عَلَى الزَّوْجِ وَذَلِكَ كَأَهْلِ الْبَوَادِي وَالْقُرَى، وَأَيْضًا الْقَصْدُ تَحْصِيلُ مَا بِهِ قِوَامُ الْآدَمِيِّ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْقَسْمَ إنَّمَا يَجِبُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَالسَّرَارِي الْمَوْطُوآتِ بِالْمِلْكِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا قَسْمَ) وَاجِبٌ عَلَى السَّيِّدِ (فِي الْمَبِيتِ لِأَمَتِهِ) الْقِنِّ (وَلَا لِأُمِّ وَلَدِهِ) لِأَنَّ الرَّقِيقَةَ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا لِلْمَمْلُوكِ عَلَى السَّيِّدِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ الْخِدْمَةُ الَّتِي يُطِيقُهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَلَوْ تَضَرَّرَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ تَرْكِ الْوَطْءِ وَاحْتَاجَتْ لِلزَّوَاجِ لَا يُجْبَرُ سَيِّدُهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - ﷺ - «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَجِبُ لِلشَّخْصِ وَمِنْ حَقِّهِ، وَالْوَطْءُ لَا حَقَّ فِيهِ لِلرَّقِيقِ عَلَى سَيِّدِهِ فَافْهَمْ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ. ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَ وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا) وَلَوْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ أَوْ بِهَا مَانِعٌ مِنْ رَتَقٍ وَنَحْوِهِ: (أَوْ يُدْعَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ لِيُدْعَى وَفَاعِلُ يَدْخُلَ (الزَّوْجُ) عَلَى طَرِيقِ التَّنَازُعِ وَصِلَةُ يُدْعَى (إلَى الدُّخُولِ وَهِيَ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا) وَالزَّوْجُ بَالِغٌ وَمُوسِرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَهَا النَّفَقَةُ بِشَرْطِ بُلُوغِ الزَّوْجِ وَيُسْرِهِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ لِصِغَرِهَا أَوْ مَرَضِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنَّمَا يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ إذَا دُعِيَتْ إلَى الدُّخُولِ مَعَ إطَاقَتِهَا وَبُلُوغِ الزَّوْجِ، لَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ لِصِغَرِهَا أَوْ مَرَضِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا مَانِعٌ مِنْ رَتَقٍ وَنَحْوِهِ أَوْ اشْتَدَّ مَرَضُهَا بِحَيْثُ أَخَذَتْ فِي السِّيَاقِ وَالدَّعْوَى إلَى الدُّخُولِ إمَّا مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهَا الْمُجْبِرِ إذَا كَانَ زَوْجُهَا حَاضِرًا أَوْ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَائِبًا فَيَكْفِي فِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا أَنْ تَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ طُلِبَتْ لِلدُّخُولِ لَمُكِّنَتْ، وَلَا يُشْتَرَطُ طَلَبُهَا بِالْفِعْلِ لِتَعَذُّرِهِ عَلَيْهَا فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَى وَلِيِّهِ، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ بِكْرًا وَافْتَضَّهَا لِأَنَّهَا الْمُسَلِّطَةُ لَهُ عَلَى نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ وَلِيُّهَا إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَجِبُ بِشَرْطَيْنِ: بُلُوغُ الزَّوْجِ، وَيُسْرُهُ، وَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِأَرْبَعِ شُرُوطٍ: بُلُوغُ الزَّوْجِ، وَإِطَاقَتُهَا، وَالدَّعْوَى لِلدُّخُولِ، وَيُسْرُ الزَّوْجِ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْإِطَاقَةِ عَدَمُ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ، وَالدَّعْوَى حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا بَيَّنَّا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَكَتَ الْمُصَنَّفُ عَنْ الْوَاجِبِ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوَاجِبَ لَهَا، وَبَيَّنَ خَلِيلٌ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا لِلرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ مِنْ عَجْنٍ وَكَنْسٍ وَفَرْشٍ وَاسْتِقَاءِ مَاءٍ مِنْ الدَّارِ أَوْ مِنْ الصَّحْرَاءِ إنْ كَانَتْ عَادَةُ بَلَدِهَا
[ ٢ / ٢٣ ]
يَعْقِدَاهُ وَلَا يَذْكُرَانِ صَدَاقًا ثُمَّ لَا يَدْخُلُ بِهَا حَتَّى يَفْرِضَ لَهَا فَإِنْ فَرَضَ لَهَا صَدَاقَ الْمِثْلِ لَزِمَهَا وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ فَإِنْ كَرِهَتْهُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يُرْضِيَهَا أَوْ يَفْرِضَ لَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا فَيَلْزَمُهَا.
وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ انْفَسَخَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] كَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَشْرَافِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ، وَإِلَّا لَزِمَهُ إخْدَامُهَا لِذَلِكَ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَهْلًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا يَلْزَمُهَا مَا كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّكَسُّبَاتِ كَالْغَزْلِ وَالنَّسْجِ، وَأَمَّا غَسْلُ الثِّيَابِ وَخِيَاطَتِهَا فَيَنْبَغِي فِيهِ اتِّبَاعُ الْعُرْفِ، قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا. الثَّانِي: قَدْ يَعْرِضُ لِلنَّفَقَةِ مَا يُسْقِطُهَا عَنْ الزَّوْجِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا وَالدُّخُولِ بِالْمَرْأَةِ، وَذَلِكَ كَنُشُوزِ الْمَرْأَةِ بِأَنْ تَمْنَعَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَلَوْ غَيْرَ الْوَطْءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِهَا، وَكَخُرُوجِهَا مِنْ مَحَلِّ زَوْجِهَا وَإِقَامَتِهَا فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَرِضَاهُ، وَلِغَيْرِ ظُلْمٍ لَحِقَهَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا بِالْحَاكِمِ لَا إنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ أَوْ لِظُلْمٍ لَحِقَهَا، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ رَدِّهَا أَوْ خَرَجَتْ بِاخْتِيَارِهَا وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا وَلَوْ بِالْحَاكِمِ فَتَجِبُ وَلَا تَسْقُطُ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فِي الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَلَهَا النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَوْ خَرَجَتْ بِاخْتِيَارِهَا وَعَجَزَ عَنْ رَدِّهَا، وَمِمَّا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا أَيْضًا أَكْلُهَا مَعَهُ وَلَوْ كَانَتْ مُقَرِّرَةً بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَتْ سَفِيهَةً، وَالْكِسْوَةُ كَالنَّفَقَةِ إلَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَكَانَتْ مُقَرِّرَةً فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا الزَّوْجُ بِكِسْوَتِهَا مَعَهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَطْلُقَ عَلَى زَوْجِهَا إنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا إنْ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِفَقْرِهِ، لَا إنْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِفَقْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ مِنْ السُّؤَالِ إلَّا بِتَرْكِهِ، أَوْ يَكُونُ مَشْهُورًا بِالْعَطَاءِ وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ، وَإِنْ طَلُقَتْ عَلَيْهِ يَكُونُ طَلَاقُهَا رَجْعِيًّا وَلَوْ أَوْقَعَهُ الْحَاكِمُ، وَلَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ لَهَا إلَّا إذَا وَجَدَ يَسَارًا يَظُنُّ مَعَهُ دَوَامَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْفَاقِ، رَاجِعْ شُرَّاحَ خَلِيلٍ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ شَرَعَ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ بِقَوْلِهِ: (وَنِكَاحُ التَّفْوِيضِ جَائِزٌ) الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَوْ مِنْ الْقَادِرِ عَلَى الْمَالِ فِي الْحَالِ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَاهُ وَ) الْحَالُ أَنَّهُمَا (لَا يَذْكُرَانِ صَدَاقًا) وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ: نِكَاحُ التَّفْوِيضِ مَا عُقِدَ دُونَ تَسْمِيَةِ مَهْرٍ وَلَا إسْقَاطِهِ وَلَا صَرْفِهِ لِحُكْمِ أَحَدٍ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَا عَلَى إسْقَاطِهِ لَكَانَ فَاسِدًا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ، وَمَا عُقِدَ عَلَى صَرْفِ قَدْرِهِ لِحُكْمِ شَخْصٍ فَإِنَّهُ يُسَمَّى نِكَاحَ التَّحْكِيمِ وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَلَوْ كَانَ الْمُحَكَّمُ فِي صَرْفِ قَدْرِهِ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَإِنْ طَلَّقَ فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا صَدَاقَ لَهَا، وَبَعْضُهُمْ قَاسَهُ عَلَى هِبَةِ الثَّوَابِ حَيْثُ تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ قَدْرِ الثَّوَابِ مَعَ أَنَّهَا كَالْبَيْعِ. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ مُعَارَضَةِ جَوَازِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ مَعَ كَوْنِ الصَّدَاقِ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ، وَالشَّيْءُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ رُكْنِهِ، وَهُوَ أَنَّ الرُّكْنِيَّةَ أَنْ لَا يَدْخُلَا عَلَى إسْقَاطِهِ فَيَصْدُقُ بِأَنْ يُسَمِّيَاهُ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ يَذْكُرَا التَّفْوِيضَ أَوْ يَسْكُتَانِ بِالْمَرَّةِ، وَالْمُضِرُّ اشْتِرَاطُ إسْقَاطِهِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا التَّفْوِيضُ فَهُوَ فِي حُكْمِ التَّسْمِيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَلَا يَدْخُلُ بِهَا) الزَّوْجُ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ (حَتَّى يَفْرِضَ لَهَا) صَدَاقًا لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَمْكِينُهَا مِنْ نَفْسِهَا قَبْلَ قَبْضِ شَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ رُبُعَ دِينَارٍ، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ جَوَازِ الْفَرْضِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ صَحِيحًا، وَأَمَّا لَوْ طَرَأَ لَهُ الْمَرَضُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَهُوَ صَحِيحٌ فَفِي جَوَازِ فَرْضِهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ وَارِثَةً فَلَا يَجُوزُ الْفَرْضُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَوْنِهَا غَيْرَ وَارِثَةٍ فَقَوْلَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ فَرَضَ فِي مَرَضِهِ فَوَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ وَارِثَةٍ كَالذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ فَقَوْلَانِ: قِيلَ: يَصِحُّ وَيَكُونُ الْمَفْرُوضُ وَصِيَّةً مِنْ الثُّلُثِ، وَقِيلَ: يَبْطُلُ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ لِأَجْلِ الْوَطْءِ وَلَمْ يَحْصُلْ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ تَفْوِيضًا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ الصَّدَاقَ بِالْوَطْءِ لَا بِالْمَوْتِ وَلَا بِالطَّلَاقِ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَلْزَمُهَا مِنْ الْمَفْرُوضِ وَمَا لَا يَلْزَمُهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ فَرَضَ) الزَّوْجُ (لَهَا) أَيْ لِلْمَنْكُوحَةِ تَفْوِيضًا فِي حَالِ صِحَّتِهِ (صَدَاقَ مِثْلِهَا لَزِمَهَا) الرِّضَا بِهِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَاهِبِ لِلثَّوَابِ، وَهُوَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الثَّوَابِ إنْ كَانَ قَدْرَ الْقِيمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ أَنْ يَفْرِضَ الْمِثْلَ بَلْ لَا يَلْزَمُهُ أَصْلُ الْفَرْضِ (وَإِنْ كَانَ) مَا فَرَضَهُ (أَقَلَّ) مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ (فَهِيَ مُخَيَّرَةٌ) بَيْنَ الرِّضَا بِهِ إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الرَّشِيدَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ. قَالَ خَلِيلٌ عَاطِفًا عَلَى الْجَائِزِ: وَالرِّضَا بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ لِلْمُرَشِّدَةِ وَلِلْأَبِ فِي مُجْبَرَتِهِ (فَإِنْ كَرِهَتْ) الرَّشِيدَةُ الْأَقَلَّ أَوْ كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ تَفْوِيضًا غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ فَرْضِ الْمِثْلِ لَهُمَا (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) إنْ شَاءَتْ الرَّشِيدَةُ وَوَلِيُّ غَيْرِهَا (إلَّا أَنْ يُرْضِيَهَا) أَيْ الرَّشِيدَةَ أَوْ وَلِيَّ غَيْرِهَا (أَوْ) إلَّا أَنْ يَرْضَى الزَّوْجُ بِأَنْ (يَفْرِضَ لَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا) قَبْلَ فِرَاقِهَا (فَيَلْزَمُهَا) وَلَا خِيَارَ لَهَا وَمِثْلُهَا وَلِيُّ غَيْرِ الرَّشِيدَةِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِهَذَا بَعْدَ قَوْلِهِ: فَإِنْ فَرَضَ صَدَاقَ الْمِثْلِ لَزِمَهَا لِحَمْلِ مَا سَبَقَ عَلَى
[ ٢ / ٢٤ ]
[إسلام الزوجين الكافرين أو أحدهما]
النِّكَاحُ بِطَلَاقٍ وَقَدْ قِيلَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ. .
وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرَانِ ثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَذَلِكَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَرْضِهِ لَهَا ابْتِدَاءً، وَهَذَا فِي حُكْمِ الْفَرْضِ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ، وَجَرَى خِلَافٌ فِي اعْتِبَارِ صَدَاقِ الْمِثْلِ فَقِيلَ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَقِيلَ يَوْمَ الْحُكْمِ إنْ لَمْ يَبْنِ، وَيَوْمَ الدُّخُولِ إنْ بَنَى. (تَنْبِيهٌ) قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا جَوَازُ نِكَاحِ التَّحْكِيمِ وَالتَّفْوِيضِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ الْفَرْضِ فِي التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا فِي التَّحْكِيمِ فَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ فِيهِ: إنْ كَانَ الْمُحَكَّمُ الزَّوْجَ وَفَرَضَ صَدَاقَ الْمِثْلِ لَزِمَهَا الْقَبُولُ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُهُ، وَاخْتُلِفَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْمُحَكَّمَةُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَقِيلَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ إنْ فَرَضَ الْمِثْلَ لَزِمَهُمَا وَأَقَلَّ لَزِمَهُ وَأَكْثَرَ فَالْعَكْسُ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ رِضَا الزَّوْجِ وَالْمُحَكَّمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَقِيلَ: إنَّ التَّحَكُّمَ عَكْسُ التَّفْوِيضِ، وَلَمَّا اشْتَهَرَ أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ اللَّازِمَ لَا يُزِيلُ الْعِصْمَةَ فِيهِ إلَّا الطَّلَاقُ وَكَانَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ انْحِلَالِهِ بِالرِّدَّةِ قَالَ: (وَإِذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ) الْمُسْلِمَيْنِ أَيْ قَطَعَ إسْلَامَهُ لِأَنَّ الرِّدَّةَ هِيَ قَطْعُ الْإِسْلَامِ بِكَلِمَةٍ مُكَفِّرَةٍ أَوْ بِإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ فِي قَاذُورَاتٍ وَأَوْلَى رِدَّتُهُمَا مَعًا (انْفَسَخَ النِّكَاحُ) اللَّازِمُ بَيْنَهُمَا (بِطَلَاقٍ) بِأَنْ وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ لِدِينِ زَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الِارْتِدَادَ نَفْسَهُ يُعَدُّ طَلَاقًا بَائِنًا عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفَسَخَ لِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بِلَا طَلَاقٍ لَا رِدَّتِهِ فَبَائِنَةٌ وَلَوْ لِدِينِ زَوْجَتِهِ، وَقِيلَ يُعَدُّ الِارْتِدَادُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَثَمَرَةُ الْقَوْلَيْنِ تَظْهَرُ فِي عَوْدِهَا عَلَى الْأَوَّلِ بِعَقْدٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَكْفِي الرَّجْعَةُ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الرِّدَّةِ يُقَدَّرُ فَسْخُهَا طَلَاقًا، وَإِسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ لَا يُقَدَّرُ فَسْخُهُ طَلَاقًا؟ فَيُجَابُ: بِأَنَّ الرِّدَّةَ طَرَأَتْ عَلَى نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِخِلَافِ إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَأَيْضًا الْمُسْلِمُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ بِخِلَافِ الْكَافِرِ. (وَقَدْ قِيلَ) إنَّ الِارْتِدَادَ فَسْخٌ (بِغَيْرِ طَلَاقٍ) أَيْ لَا يُعَدُّ طَلَاقًا، وَعَلَيْهِ لَوْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ لِلْإِسْلَامِ وَعَقْدُ الزَّوْجِ يَكُونُ لَهُ فِيهَا ثَلَاثُ طَلْقَاتٍ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ يَبْقَى لَهُ فِيهَا طَلْقَتَانِ، فَنُلَخِّصُ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ أَرْجَحُهَا أَوَّلُهَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وُقُوعُ الْفَسْخِ بِمُجَرَّدِ الِارْتِدَادِ وَلَوْ قَصَدَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا بِرِدَّتِهِ فَسْخَ النِّكَاحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُرْتَدُّ بِرِدَّتِهِ فَسْخَ النِّكَاحِ وَإِلَّا عُومِلَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ وَلَا يُفْسَخُ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ - ﵁ -، وَعَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ وَلَا يَحْتَاجُ الزَّوْجُ إلَى عَقْدٍ وَلَا رَجْعَةٍ لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ كَامِلَةً، وَنَظِيرُهُ لَوْ قَصَدَ الْمُرْتَدُّ بِرِدَّتِهِ حِرْمَانَ وَارِثِهِ أَنَّهُ يَرِثُهُ، وَيُعَامَلُ الْمُرْتَدُّ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ فِي الْإِرْثِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ يُسْتَتَابُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، هَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا وَحَرَّرَهُ، وَنَظِيرُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَفَعَلَتْهُ قَاصِدَةً تَحْنِيثَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، وَاخْتَارَ هَذَا أَشْهَبُ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ بِالْحِنْثِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ تَزَلْ أَشْيَاخُنَا وَأَشْيَاخُهُمْ تُرَجِّحُهُ وَتُضَعِّفُ كَلَامَ أَشْهَبَ الْمُوَافِقَ لِكَلَامِ مَالِكٍ فِي عَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْقَاصِدَةِ بِرِدَّتِهَا فَسْخَ نِكَاحِهَا، وَفَرَّقَ الشُّيُوخُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الرِّدَّةِ وَمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، بِأَنَّ مَسْأَلَةَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى فِعْلِ الزَّوْجَةِ أَمْرٌ وَقَعَ مِنْ الزَّوْجِ بِاخْتِيَارِهِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا: يَحْنَثُ بِفِعْلِهَا وَلَوْ قَصَدَتْ تَحْنِيثَهُ لِأَنَّهُ الْمُعَلِّقُ لِلطَّلَاقِ فَكَأَنَّهُ الْمَوْقِعُ لَهُ، لِأَنَّهُ حِينَ التَّعْلِيقِ مُجَوِّزٌ فِعْلَهَا لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ رِدَّتِهَا وَقَعَتْ مِنْهَا بِاخْتِيَارِهَا قَاصِدَةً طَلَاقَهَا وَالْعِصْمَةُ لَيْسَتْ بِيَدِهَا فَلَمْ يَقَعْ عَلَى الرَّجُلِ، وَلَوْ وَقَعَ لَتَوَاطَأَتْ النِّسَاءُ عَلَى فِرَاقِ الْأَزْوَاجِ قَهْرًا عَلَيْهِمْ، فَافْهَمْ هَذَا الْفَرْقَ بِإِيضَاحٍ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بَيْنُونَةُ الزَّوْجَةِ بِالرِّدَّةِ وَلَوْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ بَالِغٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَيَّدَ ذَلِكَ الْأَقْفَهْسِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الزَّوْجَانِ بَالِغَيْنِ أَوْ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَا غَيْرَ بَالِغَيْنِ أَوْ الْمُرْتَدُّ فَقَوْلَانِ لِسَحْنُونٍ لَا تُعْتَبَرُ رِدَّتُهُمَا فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُعْتَبَرُ رِدَّتُهُمَا وَيُحَالُ بَيْنَهُمَا، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَعَدَمِ تَوْبَتِهِ. الثَّالِثُ: لَمْ يَذْكُرْ هَلْ لِلْمَرْأَةِ شَيْءٌ إذَا كَانَتْ الرِّدَّةُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَمْ لَا؟ وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ تَفْصِيلٍ مُحَصَّلُهُ: إذَا كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْ الزَّوْجِ غَرِمَ لَهَا النِّصْفَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجَةِ فَلَا شَيْءَ لَهَا لِأَنَّ الْفِرَاقَ مِنْ قِبَلِهَا. الرَّابِعُ: إنْ ادَّعَى رَجُلٌ رِدَّةَ زَوْجَتِهِ وَخَالَفَتْهُ بَانَتْ مِنْهُ لِإِقْرَارِهِ بِرِدَّتِهَا، وَلَوْ شَكَّ هَلْ تَزَوَّجَهَا فِي حَالِ رِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَ إسْلَامِهَا، فَإِنْ كَانَ الشَّكُّ مِنْ كُلٍّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا وُقُوعَ الْعَقْدِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْآخَرُ قَبْلَهُ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الَّذِي ادَّعَى وُقُوعَ الْعَقْدِ حَالَ الرِّدَّةِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَيَغْرَمُ لَهَا النِّصْفَ. الْخَامِسُ: لَوْ طَلَبَتْ الْمَرْأَةُ مُفَارَقَةَ زَوْجِهَا فَامْتَنَعَ فَأَفْتَاهَا رَجُلٌ عَالِمٌ تَرْتَدُّ فَارْتَدَّتْ لِتَبِينَ مِنْهُ فَإِنَّهَا لَا تَبِينُ مِنْهُ وَلَكِنْ تُسْتَتَابُ؟ فَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَحْتَجْ زَوْجُهَا إلَى عَقْدٍ لِعَدَمِ فَسْخِ نِكَاحِهَا، وَيَرْتَدُّ الْمُفْتِي لِرِضَاهُ بِالْكُفْرِ وَيُسْتَتَابُ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ [إسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ ارْتِدَادِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ شَرَعَ فِي حُكْمِ إسْلَامِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا
[ ٢ / ٢٥ ]
فَإِنْ أَسْلَمَتْ هِيَ كَانَ أَحَقَّ بِهَا إنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ وَكَانَتْ كِتَابِيَّةً ثَبَتَ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً فَأَسْلَمَتْ بَعْدَهُ مَكَانَهَا كَانَا زَوْجَيْنِ وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ.
وَإِذَا أَسْلَمَ مُشْرِكٌ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ فَلْيَخْتَرْ أَرْبَعًا وَيُفَارِقْ بَاقِيَهُنَّ.
وَمَنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا وَكَذَلِكَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فِي عِدَّتِهَا وَيَطَؤُهَا فِي عِدَّتِهَا. .
وَلَا نِكَاحَ لِعَبْدٍ وَلَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] أَسْلَمَ) الزَّوْجَانِ (الْكَافِرَانِ) فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِحَضْرَتِنَا أَوْ جَاءَا إلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ حَيْثُ كَانَ إسْلَامُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (ثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُصَحِّحُ أَنْكِحَتَهُمْ الْفَاسِدَةَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إسْلَامِهِمَا الْوَاقِعِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا كِتَابِيَّيْنِ أَوْ مَجُوسِيَّيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ حَيْثُ اتَّحَدَ وَقْتُ إسْلَامِهِمَا، وَشَرْطُ ثُبُوتِ نِكَاحِهِمَا بِإِسْلَامِهِمَا أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يُقَرَّانِ إنْ كَانَا أَخَوَيْنِ أَوْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ مَحْرَمًا مِنْ مَحَارِمِهِ. (وَ) أَمَّا (إنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا) عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَام بِأَنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ مَحَارِمِهِ مَثَلًا (فَذَلِكَ) أَيْ الْفَسْخُ (فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَ لِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا بِلَا طَلَاقٍ قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ حَيْثُ وَجَبَ الْفَسْخُ لِإِسْلَامِهِمَا أَوْ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا لِأَجْلِ مَانِعٍ مِنْ الْمَوَانِعِ كَكَوْنِهَا غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ أَوْ مَحْرَمًا فَهُوَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَبِقَوْلِنَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ سَقَطَ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْفَسْخُ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: إنْ تَقَدَّمَ إسْلَامُ الْمَرْأَةِ وَأَسْلَمَ الزَّوْجُ فِي زَمَنِ اسْتِبْرَائِهَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا يُقَرُّ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً، وَلَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً وَأَسْلَمَتْ بِالْقُرْبِ مِنْ إسْلَامِهِ، وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ أَنَّ مَا قَالَ فِيهِ يُفْسَخُ سَرِيعًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَسْلَمَا عَلَى حَالٍ لَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهٍ بِحَيْثُ يَجُوزُ إقْرَارُهُمَا عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ أَسْلَمَتْ هِيَ) دُونَهُ وَكَانَ إسْلَامُهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ (كَانَ أَحَقَّ بِهَا إنْ أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ) اتِّفَاقًا وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَهَا لَا يُقَرُّ عَلَيْهَا، لِأَنَّ إسْلَامَهُ كَالرَّجْعَةِ وَلَا رَجْعَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: أَوْ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا، وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْإِسْلَامَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا إنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ وَيَتَلَذَّذْ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِإِسْلَامِ زَوْجِهَا فِي عِدَّتِهَا وَإِلَّا تَفُوتَ كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْعِدَّةِ أَنَّهَا مَدْخُولٌ بِهَا كَمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا لَمْ يُقِرَّ عَلَيْهَا لِبَيْنُونَتِهَا بِمُجَرَّدِ إسْلَامِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَقَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا. (وَإِنْ أَسْلَمَ هُوَ) أَيْ الزَّوْجُ دُونَهَا (وَكَانَتْ) حُرَّةً (كِتَابِيَّةً ثَبَتَ عَلَيْهَا) قَالَ خَلِيلٌ: قُرِّرَ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ وَالضَّمِيرُ لِلْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ. (فَإِنْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً) وَأَسْلَمَ قَبْلَهَا (فَأَسْلَمَتْ بَعْدَهُ مَكَانَهَا) أَيْ بِقُرْبِ إسْلَامِهِ بِأَنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ إسْلَامُهَا فَوْقَ الشَّهْرِ. (كَانَا زَوْجَيْنِ) أَيْ اسْتِمْرَارٌ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَجُوسِيَّةُ الَّتِي أَسْلَمَتْ أَمَةً؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أَمَةً مُسْلِمَةً تَحْتَ مُسْلِمٍ، وَلَوْ لَمْ تُوجَدْ بَقِيَّةُ شُرُوطِ تَزَوُّجِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْأَمَةَ عَلَى الرَّاجِحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَ إسْلَامِ الْمَجُوسِيَّةِ تَهَوُّدُهَا أَوْ تَنَصُّرُهَا وَمَفْهُومُ مَكَانِهَا (إنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ) أَيْ إسْلَامُهَا عَنْ إسْلَامِهِ فَوْقَ الشَّهْرِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ الْغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ (فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ) قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى الْأَمَةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ إنْ عَتَقَتْ وَأَسْلَمَتْ وَلَمْ يَبْعُدْ كَالشَّهْرِ، وَهَلْ إنْ غَفَلَ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْكَافِرَيْنِ إنْ أَسْلَمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يُقَرَّانِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ كَانَا مَجُوسَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ فَإِنَّهُ يُقَرُّ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ مُطْلَقًا، وَعَلَى الْمَجُوسِيَّةِ حُرَّةً أَوْ أَمَةً إنْ أَسْلَمَتْ وَلَوْ لَمْ تُعْتَقْ الْأَمَةُ، وَمِثْلُ إسْلَامِ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ عِتْقُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَأَمَّا لَوْ أَسْلَمَتْ الزَّوْجَةُ ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بَانَتْ مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ أُقِرَّ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ فِي عِدَّتِهَا لَا إنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ عَنْ عِدَّتِهَا فَلَا يُقَرَّ عَلَيْهَا لِبَيْنُونَتِهَا بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ الْكَافِرِ يُسْلِمُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَسْلَمَ مُشْرِكٌ) الْمُرَادُ كَافِرٌ (وَ) الْحَالُ أَنَّ (عِنْدَهُ) الْمُرَادَ فِي عِصْمَتِهِ (أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ) مِنْ الزَّوْجَاتِ (فَلْيَخْتَرْ) إنْ شَاءَ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ صَبِيًّا (أَرْبَعًا وَيُفَارِقُ بَاقِيَهُنَّ) وَلَوْ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ فِي مَرَّةٍ أَوْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ أَحْرَمَ أَوْ مَرِضَ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَقَبْلَ اخْتِيَارِهِ، وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ النِّسَاءُ إمَاءً حَيْثُ أَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَلَوْ فُقِدَتْ شُرُوطُ تَزَوُّجِ الْأَمَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَدَّمْنَا أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاخْتَارَ الْمُسْلِمُ أَرْبَعًا وَإِنْ أَوَاخِرَ وَإِحْدَى أُخْتَيْنِ مُطْلَقًا، وَإِحْدَى أُمٍّ وَابْنَتِهَا لَمْ يَمَسَّهُمَا وَإِنْ مَسَّهُمَا حَرُمَتَا وَإِحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: مَحَلُّ اخْتِيَارِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ أَنْ يُسْلِمْنَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ بِالْقُرْبِ أَوْ يَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَيَكُونُ اخْتِيَارُهُ إمَّا بِصَرِيحِ اللَّفْظِ أَوْ بِالطَّلَاقِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَاخْتَارَ بِطَلَاقٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ إيلَاءٍ أَوْ وَطْءٍ أَوْ لِعَانٍ مِنْ الرَّجُلِ فَقَطْ لِأَنَّهُ مِنْهُمَا فَسْخٌ وَلَهُ الِاخْتِيَارُ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُخْتَارَةِ، وَفَائِدَتُهُ إرْثُهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً. الثَّانِي: لَا شَيْءَ لِمَنْ لَمْ يَخْتَرْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا شَيْءَ لِغَيْرِهِنَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ وَهَذَا مَعَ اخْتِيَارِ بَعْضِهِنَّ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدًا فَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِأَرْبَعٍ
[ ٢ / ٢٦ ]
لِأَمَةٍ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ السَّيِّدُ.
وَلَا تَعْقِدُ امْرَأَةٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مَنْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] مِنْهُنَّ غَيْرِ مُعَيَّنَاتٍ صَدَاقَانِ صَحِيحَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ صَدَاقِهَا وَهُنَّ غَيْرُ مُعَيَّنَاتٍ، فَيُقْسَمُ الصَّدَاقَانِ عَلَى عَشَرَةٍ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خُمُسُ صَدَاقِهَا، لِأَنَّ نِسْبَةَ الِاثْنَيْنِ لِلْعَشَرَةِ خَمْسٌ، وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَخْتَرْ لَزِمَهُ أَرْبَعَةُ أَصْدِقَةٍ، أَوْ لَيْسَ فِي عِصْمَتِهِ سِوَى أَرْبَعٍ وَلَكِنْ غَيْرِ مُعَيَّنَاتٍ فَتَقْسِمُ الْعَشْرُ عَلَى الْأَرْبَعِ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدَةٍ خُمُسَا صَدَاقِهَا، وَهَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ لِمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَوْ دَخَلَ بِغَيْرِهَا، وَالْمَدْخُولُ بِهَا يَكُونُ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَلَوْ دَخَلَ بِثَالِثَةٍ وَرَابِعَةٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَيْهِ أَرْبَعُ صَدَاقَاتٍ إنْ مَاتَ وَلَمْ يَخْتَرْ. الثَّالِثُ: لَوْ أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ كِتَابِيَّاتٍ وَأَسْلَمَ مِنْهُنَّ سِتٌّ وَتَخَلَّفَ أَرْبَعٌ فَلَا إرْثَ لِلْمُسْلِمَاتِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا إرْثَ إنْ تَخَلَّفَ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ عَنْ الْإِسْلَامِ لِجَوَازِ اخْتِيَارِهِنَّ أَنْ لَوْ كَانَ حَيًّا دُونَ الْمُسْلِمَاتِ، وَأَمَّا لَوْ تَخَلَّفَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعٍ فَالْإِرْثُ وَهُوَ الرَّابِعُ حَيْثُ لَا فَرْعَ، وَالثُّمُنُ مَعَ وُجُودِهِ يُقْسَمُ عَلَى الْمُسْلِمَاتِ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَخَلِّفُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَاحِدَةً قُسِمَ عَلَى تِسْعٍ، وَلَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَصْدِقَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةُ أَتْسَاعِ صَدَاقِهَا، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ تَأْيِيدَ التَّحْرِيمِ يَحْصُلُ بِالْقَرَابَةِ وَبِالصِّهَارَةِ وَبِالرَّضَاعِ. ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَحْصُلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَاللِّعَانِ وَكَالنِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ لَاعَنَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ (زَوْجَتَهُ) الْمُسْلِمَةَ وَلَاعَنَتْهُ (لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا) قَالَ خَلِيلٌ: وَبِلِعَانِهَا تَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا وَإِنْ مُلِكَتْ أَوْ انْفَشَّ حَمْلُهَا، وَأَمَّا مُجَرَّدُ لِعَانِهِ مِنْ غَيْرِ لِعَانِهَا فَلَمْ يَتَأَبَّدْ بِهِ تَحْرِيمٌ وَلَا يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُسْلِمِينَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْكُفْرِ فَلَا يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنْهُمْ، إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَ الزَّوْجَانِ إلَيْنَا رَاضِيَيْنِ بِحُكْمِنَا فَإِنَّا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّأْبِيدِ بِاللِّعَانِ: أَنَّهُ - ﷺ - لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَامْرَأَتِهِ فَلَمَّا الْتَعَنَتْ فَرَقَّ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: نَصَّتْ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا: وَسَيَأْتِي حَقِيقَةُ اللِّعَانِ وَصِفَتُهُ فِي بَابِهِ، لِأَنَّ ذِكْرَ حُكْمِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ هُنَا قَبْلَ مَحَلِّهِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِطْرَادِ، وَهُوَ ذِكْرُ الشَّيْءِ قَبْلَ مَحَلِّهِ لِمُنَاسَبَةٍ (كَذَلِكَ) أَيْ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا (الَّذِي يَتَزَوَّجُ) أَيْ يَعْقِدُ عَلَى (الْمَرْأَةِ فِي) زَمَنِ (عِدَّتِهَا) مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا أَوْ مِنْ طَلَاقِ غَيْرِ الْمُتَزَوِّجِ لَهَا الْبَائِنِ (وَيَطَؤُهَا) بَعْدَ ذَلِكَ الزَّوَاجِ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ الْعِدَّةِ، وَمِثْلُ الْوَطْءِ التَّلَذُّذُ بِهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ لَكِنْ (فِي عِدَّتِهَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ وَإِنْ بِشُبْهَةٍ وَلَوْ بَعْدَهَا وَبِمُقَدِّمَتِهِ فِيهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - حَكَمَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، وَقَيَّدْنَا الطَّلَاقَ بِالْبَائِنِ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ ذَاتُ زَوْجٍ وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا لِغَيْرِ زَوْجِهَا حَرَامًا وَيُفْسَخُ لَكِنْ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَى مَنْ تَزَوَّجَهَا، وَقَيَّدْنَا الْعِدَّةَ بِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ مُتَزَوِّجَ الْبَائِنِ مِنْهُ بِدُونِ الثَّلَاثِ جَائِزٌ، وَالْمَبْتُوتَةُ وَإِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُ لَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَإِنْ كَانَ يُفْسَخُ وَيَجِدُ لَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا الْمَحَلِّ. (تَنْبِيهٌ) مِثْلُ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ أَوْ بِالْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ، وَمِثْلُ الْمُعْتَدَّةِ الْمُسْتَبْرِئَةُ مِنْ زِنًى أَوْ غَصْبٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَتُوطَأُ بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةٍ وَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى وَاطِئِهَا وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ فِي الْعِدَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً بَيَانُهَا أَنَّ الْمَحْبُوسَةَ إمَّا فِي عِدَّةِ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ فِي اسْتِبْرَاءٍ مِنْ وَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ فِي اسْتِبْرَاءٍ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ وَيَطَؤُهَا شَخْصٌ آخَرُ فِي الْجَمِيعِ إمَّا بِنِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، أَوْ تَكُونُ مُعْتَدَّةً مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ وَيَطَؤُهَا شَخْصٌ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ أَيْضًا كَمَّلَتْ السِّتَّ عَشْرَةَ، وَالصُّوَرُ الَّتِي لَا يَتَأَبَّدُ فِيهَا التَّحْرِيمُ عِشْرُونَ بَيَانُهَا أَنْ يَطَأَهَا شَخْصٌ بِزِنًا أَوْ غَصْبٍ وَهِيَ مَحْبُوسَةٌ بِعِدَّةِ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مِنْ وَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ مِنْ غَيْرِهِ فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ وُطِئَتْ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ وَهِيَ مَحْبُوسَةٌ بِوَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ فَهَذِهِ ثَمَانٌ تَضُمُّ لِمَا قَبْلَهَا الْجُمْلَةُ عِشْرُونَ، هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ - ﵀ -، وَلَمَّا كَانَ الرَّقِيقُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لَحِقَ السَّيِّدَ قَالَ: (وَلَا نِكَاحَ) جَائِزٌ (لِعَبْدٍ وَلَا لِأَمَةٍ) وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ كَمُكَاتَبٍ وَمُكَاتَبَةٍ (إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ) لِأَنَّ تَزْوِيجَ الرَّقِيقِ عَيْبٌ، وَإِذَا وَقَعَ تَحَتَّمَ فَسْخُ نِكَاحِ الْأَمَةِ وَلَوْ وَكَّلَتْ رَجُلًا فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلِسَيِّدِهِ رَدُّ نِكَاحِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، وَوَارِثُ السَّيِّدِ بِمَنْزِلَتِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْوَرَثَةُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ لَكَانَ الْقَوْلُ لِمُرِيدِ الرَّدِّ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ فِي الْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَهَا إنْ دَخَلَ رُبُعُ دِينَارٍ وَتَرُدُّ الزَّائِدَ إنْ قَبَضَتْهُ، وَرُبُعُ الدِّينَارِ مِنْ مَالِ الْعَبْدِ وَفِي حُكْمِ الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ، وَمَا زَادَ عَلَى الرُّبْعِ دِينَارٍ يُتْبَعُ بِهِ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ إنْ غَرِمَا لَمْ يَكُنْ السَّيِّدُ أَسْقَطَ ذَلِكَ عَنْ الْعَبْدِ قَبْلَ عِتْقِهِ، أَوْ السُّلْطَانُ بِأَنْ رَفَعَ السَّيِّدُ الْأَمْرَ إلَيْهِ أَوْ يَكُونُ غَائِبًا لِأَنَّ السُّلْطَانَ يَذُبُّ عَنْ مَالِ الْغَائِبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلسَّيِّدِ إسْقَاطَ الزَّائِدِ عَنْ الْعَبْدِ مُطْلَقًا، وَعَنْ الْمُكَاتَبِ إنْ لَمْ يَغِرَّ أَوْ غَرَّ وَرَجَعَ رَقِيقًا إلَّا إنْ خَرَجَ حُرًّا، وَأَمَّا الرَّقِيقُ الْمُشْتَرَكُ فَلَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِرِضَا الشَّرِيكَيْنِ، فَإِنْ زَوَّجَهُ أَحَدُهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تُنْكَحُ أَمَةٌ وَلَا عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، فَإِنْ عَقَدَ لِلْأَمَةِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِصَدَاقٍ مُسَمًّى لَمْ يَجُزْ وَإِنْ أَجَازَهُ الْآخَرُ
[ ٢ / ٢٧ ]
امْرَأَةً لِيُحِلَّهَا لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا يُحِلُّهَا ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَعْقِدُ نِكَاحًا لِغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَيُفْسَخُ وَلَوْ دَخَلَ بِهَا، وَيَكُونُ الْمُسَمَّى بَعْدَ الدُّخُولِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَإِنْ نَقَصَ الْمُسَمَّى عَنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَتَمَّ لِلْغَائِبِ نِصْفَ صَدَاقِ الْمِثْلِ حَيْثُ لَمْ يَرْضَ بِالْمُسَمَّى، اُنْظُرْ الْأُجْهُورِيَّ - ﵀ -. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحَتُّمِ فَسْخِ نِكَاحِ الْأَمَةِ مُخَالِفٌ لِمَا إذَا بَاعَهَا الْغَيْرُ أَوْ بَاعَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ فِي الْبَيْعِ يُخَيَّرُ السَّيِّدُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْبَيْعِ لِلسَّيِّدِ، وَكَوْنُ عَقْدِ النِّكَاحِ وَاقِعًا مِنْ السَّيِّدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى. الثَّانِي: إنْ قِيلَ السَّيِّدُ لَهُ جَبْرُ الرَّقِيقِ مُطْلَقًا، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى حَيْثُ خُيِّرَ فِي فَسْخِ نِكَاحِ الذَّكَرِ وَوَجَبَ فَسْخُ نِكَاحِ الْأُنْثَى بِحَيْثُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِجَازَةُ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: شِدَّةُ الِاعْتِنَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى مُرَاعَاةِ شُرُوطِ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ، وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، لِأَنَّ زَوَاجَ الرَّقِيقِ عَيْبٌ، وَلَوْ خُيِّرَ السَّيِّدُ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ كَالذَّكَرِ لَبَادَرَتْ النَّاسُ إلَى تَزَوُّجِ الْجَوَارِي بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ بَلْ إلَى الزِّنَا، وَيَدَّعُونَ النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ، وَهَذَا فَسَادٌ كَبِيرٌ، هَذَا مَا ظَهَرَ لَنَا فِي وَجْهِ الْفَرْقِ ثُمَّ شَرَعَ فِي شَرْطِ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بِذِكْرِ الْأَضْدَادِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (تَعْقِدَ امْرَأَةٌ) نِكَاحَ نَفْسِهَا وَلَا امْرَأَةَ غَيْرِهَا وَلَوْ كَانَتْ مَمْلُوكَتَهَا أَوْ مَنْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَيَجِبُ أَنْ تُوَكِّلَ رَجُلًا يَعْقِدُ عَلَى مَمْلُوكَتِهَا أَوْ مَنْ فِي وَصِيَّتِهَا، لِأَنَّ شَرْطَ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الذُّكُورَةُ، فَإِنْ عَقَدَتْ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهَا كَانَ بَاطِلًا لِحَدِيثِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الصَّغِيرَةِ قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا. (وَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ (عَبْدٌ) نِكَاحَ امْرَأَةٍ أَيْضًا وَلَوْ كَانَتْ بِنْتَه أَوْ أَمَتَهُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْوَلِيِّ الْحُرِّيَّةُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ وَوَصِيَّةٌ وَمُعْتَقَةٌ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا كَعَبْدٍ أَوْ وَصِيٍّ وَمُكَاتَبٍ فِي أَمَةٍ طَلَبَ فَضْلًا وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّقِيقَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى بَنَاتِهِ وَلَا إمَائِهِ وَالْحَقُّ لِسَيِّدِهِ إلَّا الْمُكَاتَبَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ قَهْرًا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي نِكَاحِ أَمَتِهِ غِبْطَةٌ وَمَصْلَحَةٌ، بِأَنْ دَفَعَ لَهَا الزَّوْجُ صَدَاقًا وَاسِعًا بِحَيْثُ يُجْبَرُ عَيْبَ التَّزْوِيجِ وَيَزِيدُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُبَاشِرُ الْعَقْدَ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ الْوَصِيِّ التَّوْكِيلُ فِي عَقْدِ مَنْ فِي وَصِيَّتِهِ (وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يَعْقِدَ (مَنْ كَانَ) مِنْ الرِّجَالِ (عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ) وَمَفْعُولُ يَعْقِدَ (نِكَاحَ امْرَأَةٍ) فَهُوَ مَحْذُوفٌ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ لِدَلَالَةِ الثَّالِثِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْإِسْلَامُ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي وَلِيِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] وَأَمَّا الْكَافِرَةُ فَيُزَوِّجُهَا وَلِيُّهَا الْكَافِرُ وَلَوْ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَافِرَةِ وَلِيٌّ خَاصٌّ كَافِرٌ فَأَسَاقِفَتُهُمْ، فَإِنْ امْتَنَعُوا وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا لِلسُّلْطَانِ جَبَرَهُمْ عَلَى تَزْوِيجِهَا لِأَنَّهُ مِنْ رَفْعِ التَّظَالُمِ، وَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ خُصُوصِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ لَوْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ مَالِكًا لِكَفَّارَةٍ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] إلَّا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْكَافِرَةُ أَمَةً لَهُ أَوْ مُعْتَقَتَهُ حَيْثُ أَعْتَقَهَا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا وَيُزَوِّجُهَا، لَكِنَّ الْأَمَةَ إنَّمَا يُزَوِّجُهَا لِكَافِرٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَمَةَ الْكَائِنَةَ عَلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَطَؤُهَا الْمُسْلِمُ إلَّا بِالْمِلْكِ، وَأَمَّا مُعْتَقَتُهُ الَّتِي لَوْ قُدِّرَتْ ذَكَرًا لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ بِأَنْ أَعْتَقَهَا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَ إسْلَامِهِ أَيْضًا إنْ كَانَ كَافِرًا فِي الْأَصْلِ فَيُزَوِّجُهَا وَلَوْ لِمُسْلِمٍ، وَأَمَّا الْكَافِرَةُ غَيْرُ الْأَمَةِ وَغَيْرُ الْمُعْتَقَةِ فَلَا يَتَوَلَّى عَقْدَهَا لَا لِكَافِرٍ وَلَا لِمُسْلِمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] لَكِنْ إنْ تَجَرَّأَ وَعَقَدَ لَهَا فَإِنْ كَانَ عَلَى كَافِرٍ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُ لِأَنَّا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِي الزِّنَا إذَا لَمْ يُعْلِنُوهُ فَأَوْلَى النِّكَاحُ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ لَهَا عَلَى مُسْلِمٍ لَفُسِخَ أَبَدًا، وَإِلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ مُشَبِّهًا فِي الْحُرْمَةِ: كَكُفْرٍ لِمُسْلِمَةٍ وَعَكْسِهِ إلَّا لِأَمَةٍ وَمُعْتَقَةٍ مِنْ غَيْرِ نِسَاءِ الْجِزْيَةِ وَزَوَّجَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ، وَإِنْ عَقَدَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ تُرِكَ، وَتَلَخَّصَ أَنَّ الْوَلِيَّ إمَّا مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ وَمَنْ فِي وِلَايَتِهِ إمَّا مُسْلِمَةٌ أَوْ كَافِرَةٌ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا أَحْكَامَ الْجَمِيعِ بِفَضْلِ اللَّهِ. (تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِنْ جَعْلِ الذُّكُورَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ شُرُوطًا فِي وَلِيِّ الْمَرْأَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي وَلِيِّ الرَّجُلِ إنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَيَصِحُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ امْرَأَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ الْجَمِيعَ سِوَى الْمُحَرَّمِ وَالْمَعْتُوهِ لَا وَلِيٍّ إلَّا كَهُوَ، أَيْ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي جَمِيعِ شُرُوطِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً مُنَاسِبَةً لِمَا قَبْلَهَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ فَقَالَ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ (أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً) مَبْتُوتَةً (لِيُحِلَّهَا لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا) إنْ كَانَ حُرًّا أَوْ اثْنَتَيْنِ إنْ كَانَ عَبْدًا (وَ) إنْ وَقَعَ تَزَوُّجُهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (لَا يُحِلُّهَا ذَلِكَ) لِفَسَادِهِ فَيُفْسَخُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وَيُسَمَّى هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الدُّلْسَةِ بِضَمِّ الدَّالِ، وَالزَّوْجُ فِيهِ يُسَمَّى بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ، وَقَالَ فِيهِ - ﷺ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَإِنَّمَا
[ ٢ / ٢٨ ]
الْمَرِيضِ وَيُفْسَخُ وَإِنْ بَنَى فَلَهَا الصَّدَاقُ فِي الثُّلُثِ مُبَدَّأً وَلَا مِيرَاثَ لَهَا وَلَوْ طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لَهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لَمْ يُحِلَّهَا لِأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا يُحِلُّهَا إلَّا نِكَاحُ الرَّغْبَةِ وَهُوَ النِّكَاحُ عَلَى قَصْدِ الدَّوَامِ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَحْرَمِ وَالْمَبْتُوتَةِ: حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ قَدْرَ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرَهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا مُسْلِمًا، وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا لَازِمًا، وَيَطَؤُهَا مُبَاحًا بِلَا مَنْعٍ وَلَا نُكْرَةَ فِيهِ بِانْتِشَارٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ وَعِلْمِ خَلْوَةٍ وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ، وَعِلْمِ زَوْجَةٍ بِالْوَطْءِ فَلَا تَحِلُّ بِوَطْئِهَا فِي حَالِ نَوْمِهَا أَوْ جُنُونِهَا وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَالِمًا، بِخِلَافِ لَوْ وَطِئَهَا حَالَ جُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ حَيْثُ كَانَتْ عَاقِلَةً، لِأَنَّ الْحِلْيَةَ وَعَدَمَهَا مِنْ أَوْصَافِهَا فَلِذَا اُعْتُبِرَ عِلْمُهَا فَقَطْ، وَحُصُولُ الْحِلِّ بِوَطْءِ الْمَجْنُونِ لَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ عَاقِلًا زَمَنَ الْعَقْدِ حَتَّى يَتَأَتَّى كَوْنُ النِّكَاحِ رَغْبَةً، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الشُّرُوطِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ خَصِيًّا أَوْ عَبْدًا وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ إنْزَالٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُسَيْلَةِ فِي الْحَدِيثِ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ، وَالْمُوجِبُ لِلْفَسَادِ إنَّمَا هُوَ قَصْدُ الزَّوْجِ، وَأَمَّا قَصْدُ الْمَبْتُوتَةِ وَلَوْ مَعَ قَصْدِ الْبَاتِّ لَهَا فَهُوَ لَغْوٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَنِيَّةُ الْمُطَلَّقِ وَنِيَّتُهَا لَغْوٌ أَيْ لَا تُوجِبُ فَسَادًا وَلَا تُنَافِي الْحِلْيَةَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ الْحِلْيَةُ إلَّا بِثُبُوتِ النِّكَاحِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَعِلْمِ الْخَلْوَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُنَاكَرَةٌ لِلْوَطْءِ فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ طَارِئَةً وَالْبَاتُّ لَهَا حَاضِرٌ عِنْدَنَا وَادَّعَتْ التَّزْوِيجَ الْمُوجِبَ لِحِلِّهَا فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ لِمَشَقَّةِ الْإِثْبَاتِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْحَاضِرَةُ بِالْبَلَدِ فَتُصَدَّقُ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَأْمُونَةً، وَأَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ مِنْ يَوْمِ طَلَاقِهَا وَدَعْوَاهَا التَّزْوِيجَ بِحَيْثُ يَكُونُ الزَّمَانُ يُمْكِنُ أَنْ تَمُوتَ فِيهِ الشُّهُودُ وَالْعَارِفُونَ بِالنِّكَاحِ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَيَنْدَرِسُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ مَأْمُونَةً وَلَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ فَقَوْلَانِ فِي تَصْدِيقِ الْمَرْأَةِ وَعَدَمِ تَصْدِيقِهَا، فَقَوْلُهُمْ: لَا بُدَّ فِي الْإِحْلَالِ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى النِّكَاحِ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْخَلْوَةِ، وَاتِّفَاقُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْوَطْءِ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ، وَإِنَّمَا أَطَلْنَا فِي ذَلِكَ لِدَاعِي الْحَاجَةِ (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ (نِكَاحُ الْمُحْرِمِ) وَلَوْ بِعُمْرَةٍ (لِنَفْسِهِ وَلَا) يَصِحُّ أَنْ (يَعْقِدَ نِكَاحًا لِغَيْرِهِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَمَنَعَ إحْرَامٌ مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ وَهُمْ: الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْوَلِيُّ، فَلَا يُقْبَلُ الزَّوْجُ وَلَا تَأْذَنُ الزَّوْجَةُ وَلَا يُجِيبُ الْوَلِيُّ وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَلَا يُوَكِّلُونَ وَلَا يُجِيزُونَ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ وَقْتُ الْعَقْدِ، فَإِذَا صَدَرَ الْعَقْدُ وَوَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُحْرِمٌ كَانَ يُفْسَخُ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَعْقِدَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْطُبَ أَوْ يَحْضُرَ نِكَاحًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ بَاطِلًا: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ» . وَيَسْتَمِرُّ النَّهْيُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، فَإِنْ عَقَدَ بَعْدَ السَّعْيِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَانَ عَقْدًا صَحِيحًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ السَّعْيِ وَالطَّوَافِ وَقَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ إنْ قَرُبَ لَا إنْ بَعُدَ وَهَذَا فِي الْحَجِّ، وَأَمَّا فِي الْعُمْرَةِ فَيَصِحُّ بَعْدَ تَمَامِ سَعْيِهَا، وَيُنْدَبُ تَأَخُّرُهُ حَتَّى يَحْلِقَ وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الْحَجِّ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ الْإِحْرَامِ زَمَنَ الْعَقْدِ، أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ بَعْضُ الثَّلَاثَةِ مُحْرِمًا وَالْجَمِيعُ مُحْرِمُونَ وَلَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْعَقْدُ حَتَّى تَحَلَّلَ كُلٌّ مِنْهُمْ وَتَحَلَّلَ الْوَكِيلُ أَيْضًا صَحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ أَوْ الْوَلِيُّ وَهُوَ حَلَالٌ شَخْصًا حَلَالًا وَلَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْعَقْدُ حَتَّى أَحْرَمَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا. الثَّانِي: هَذَا حُكْمُ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ الْخَاصِّ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ الْعَامُّ كَالْحَاكِمِ يَكُونُ مُحْرِمًا وَوَكَّلَ حَلَالًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لِمُحْرِمِ السُّلْطَانِ صَحَّ عَقْدُ نَائِبِهِ الْحَلَالِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ هُوَ الْقَاضِي فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ نَائِبِهِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ، بِخِلَافِ نَائِبِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ نَائِبَ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي أَيْضًا، فَيَكُونُ كَنَائِبِ السُّلْطَانِ فِي صِحَّةِ عَقْدِهِ حَالَةَ كَوْنِهِ حَلَالًا وَإِنْ كَانَ مَنْ أَنَابَهُ مُحْرِمًا، وَمَفْهُومُ النِّكَاحِ أَنَّ شِرَاءَ الْجَوَارِي جَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ مُرَاجَعَةُ الزَّوْجَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ النِّكَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ وَحَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مُتَلَبِّسٌ بِعِبَادَةٍ، لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَعَهُ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْوُصُولِ لِلْمَرْأَةِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّ فَسَادَ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ مِنْ فَسَادِ الِاعْتِكَافِ، وَلَمَّا كَانَ نِكَاحُ الْمَرِيضِ مُشَارِكًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْكِحَةِ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ ذُكِرَ عَقِبَهُ، بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ) وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا (نِكَاحُ الْمَرِيضِ) مَرَضًا مَخُوفًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ الْوَارِثِ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ - ﵊ -. قَالَ خَلِيلٌ: وَهَلْ يَمْنَعُ مَرَضُ أَحَدِهِمَا الْمَخُوفُ وَإِنْ أَذِنَ الْوَارِثُ أَوْ إنْ لَمْ يَحْتَجْ خِلَافٌ. قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَيُلْحَقُ بِالْمَرَضِ فِي الْمَنْعِ كُلُّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مِنْ حَاضِرِ صَفِّ الْقِتَالِ وَمُقَرَّبٍ لِقَطْعٍ وَمَحْبُوسٍ لِلْقَتْلِ وَحَامِلِ سِتَّةٍ بِأَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا طَلَّقَهَا بَائِنًا دُونَ الثَّلَاثِ وَأَرَادَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْ حَمْلِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا لَهَا لِأَنَّهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. (وَ) إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ فِي الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ أَوْ فِيهِمَا أُلْحِقَ بِهِ فَإِنَّهُ (يُفْسَخُ) وُجُوبًا (وَإِنْ بَنَى بِهَا) الزَّوْجُ (فَلَهَا) عَلَيْهِ جَمِيعُ (الصَّدَاقِ) الْمُسَمَّى حَالَةَ كَوْنِهِ (فِي الثُّلُثِ مَبْدَأً) عَلَى الْوَصَايَا بَعْدَهُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَعَلَى
[ ٢ / ٢٩ ]
[الطلاق]
الْمِيرَاثُ مِنْهُ إنْ مَاتَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ
وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ بِمِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ الْأَقَلُّ مِنْهُ وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَقَوْلُهُ فِي الثُّلُثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ فَسْخِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا لَوْ صَحَّ فِي مَرَضِهِ لَصَحَّ نِكَاحُهُ، وَأَمَّا لَوْ فَسَخَ فِي حَيَاتِهِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّ لَهَا الْمُسَمَّى تَأْخُذُهُ مِنْ ثُلُثِهِ مُبَدَّأً، وَإِنْ صَحَّ بَعْدَ الْفَسْخِ وَالْبِنَاءِ فَإِنَّهَا تَأْخُذُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ، فَقَوْلُهُ فِي الثُّلُثِ يُفِيدُ أَنَّ عَلَى الْمَرِيضِ بَعْدَ بِنَائِهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثِهِ وَمِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ حَيْثُ مَاتَ بَعْدَ دُخُولِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمَرِيضُ قَبْلَ فَسْخِ نِكَاحِهِ وَقَبْلَ بِنَائِهِ لَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ فِيهِ إذَا مَاتَ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ الصَّدَاقُ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا فَسَدَ لِعَقْدِهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَمْ يُؤْثِرْ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فِيهِ الصَّدَاقُ بِالْمَوْتِ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَمُرَادُهُ بِالصَّدَاقِ الْأَقَلِّ مِنْ الْمُسَمَّى وَالثُّلُثِ وَصَدَاقِ الْمِثْلِ، إذْ لَا يُوجِبُ الْمَوْتُ أَكْثَرَ مِمَّا يُوجِبُهُ الدُّخُولُ، وَهَذَا حُكْمُ مَرَضِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَرِيضُ الزَّوْجَةَ فَإِنَّهُ يُعَجَّلْ بِفَسْخِهِ، وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ فَلَهَا الْمُسَمَّى. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى يُقْضَى لَهَا بِهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَتُقَرَّرُ بِالْوَطْءِ وَإِنْ حَرُمَ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُقَرَّرُ لَهَا بِهِ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا حُكْمُ مَرَضِ الزَّوْجَةِ فَقَطْ وَالزَّوْجِ فَقَطْ، وَبَقِيَ حُكْمُ مَا لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ مَرِيضَيْنِ وَالْحُكْمُ فِيهِمَا أَنَّهُ يُغَلَّبُ جَانِبُ الزَّوْجِ، فَعَلَيْهِ إنْ دَخَلَ الْأَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ الثُّلُثِ وَالْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ الزَّوْجُ بِالْمَرَضِ وَبَقِيَ أَيْضًا لَوْ تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي وُقُوعِ الْعَقْدِ فِي الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِأَحَدِهِمَا بِوُقُوعِ الْعَقْدِ فِي الْمَرَضِ، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِلْآخَرِ بِوُقُوعِهِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَتَعَادَلَتْ الْبَيِّنَتَانِ، فَالظَّاهِرُ عَلَى جَرْيِ الْقَوَاعِدِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ. (وَ) إذَا مَاتَ الزَّوْجُ الْمَرِيضُ قَبْلَ فَسْخِ النِّكَاحِ (لَا مِيرَاثَ لَهَا) لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ النِّكَاحِ فِي الْمَرَضِ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ وَارِثٍ، وَقَدْ نَهَى - ﷺ - عَنْ إدْخَالِهِ كَمَا نَهَى عَنْ إخْرَاجِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَوْ طَلَّقَ الْمَرِيضُ) مَرَضًا مَخُوفًا (امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا) أَوْ اثْنَتَيْنِ إنْ كَانَ عَبْدًا (لَزِمَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ مِنْهُ إذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ) الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَنَفَذَ خُلْعُ الْمَرِيضِ وَوَرَثَتِهِ دُونَهُ إلَى أَنْ قَالَ: وَلَوْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ وَوَرِثَتْ أَزْوَاجًا وَإِنْ فِي عِصْمَةٍ، وَأَمَّا لَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ صِحَّةً بَيِّنَةً ثُمَّ مَاتَ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا، كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ مَاتَتْ فِي زَمَنِ مَرَضِهِ لَمْ يَرِثْهَا، وَقَيَّدْنَا الْمَرَضَ بِالْمَخُوفِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَفِيفِ فَلَا إرْثَ لَهَا إنْ مَاتَ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمِيرَاثِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَحُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ فِي الْمَرَضِ حُكْمُ غَيْرِهَا مِمَّنْ طَلُقَتْ فِي غَيْرِهِ مِنْ وُجُوبِ جَمِيعِ الصَّدَاقِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، وَالنِّصْفِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ، وَعَدَمِ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لَهَا، وَإِنْ قَتَلَتْهُ خَطَأً وَرِثَتْ مِنْ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، وَإِنْ قَتَلَتْهُ عَمْدًا عُدْوَانًا لَمْ تَرِثْهُ مِنْ مَالٍ وَلَا دِيَةٍ، وَمَفْهُومُ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ دُونَ الثَّلَاثِ فَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَكَالثَّلَاثِ فَتَرِثُهُ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا فَمَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ يَتَوَارَثَانِ، وَبَعْدَ انْقِضَائِهَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا، وَمَفْهُومُ الْمَرِيضِ أَنَّ الصَّحِيحَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ مِنْ صَاحِبِ الْمَرَضِ الْخَفِيفِ إذَا طَلَّقَ طَلَاقًا بَائِنًا وَلَوْ دُونَ الثَّلَاثِ لَا تَوَارُثَ وَرَجْعِيًّا يَتَوَارَثَانِ. [الطَّلَاق] ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً يُعْلَمُ عِلْمُهَا مِمَّا مَرَّ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) الْمُرَادُ زَوْجَتُهُ (ثَلَاثًا) إنْ كَانَ حُرًّا أَوْ اثْنَتَيْنِ إنْ كَانَ عَبْدًا سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فِي الصُّورَتَيْنِ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الطَّلَاقِ الزَّوْجُ عَكْسُ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ وَصْفُ الْمَرْأَةِ وَفَاعِلُ الطَّلَاقِ الرَّجُلُ: (لَمْ تَحِلَّ لَهُ) بَعْدَ ذَلِكَ (بِمِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَبْتُوتَةِ: حَتَّى يُولِجَ بَالِغٌ قَدْرَ الْحَشَفَةِ بِلَا مَنْعٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَفِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْت بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَاعْتَرَضَ وَلَمْ يُصِبْهَا فَفَارَقَهَا، فَتَبَسَّمَ - ﷺ - وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُسَيْلَةِ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِنْزَالُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَهِيَ هُنَا مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ وَالْمُسَبَّبِيَّة. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَسَائِلِ النِّكَاحِ، شَرَعَ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ لُغَةً إزَالَةُ الْقَيْدِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي إرْسَالِ الْعِصْمَةِ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ كَالْمُوثَقَةِ وَالْمُطَلِّقُ لَهَا كَأَنَّهُ أَطْلَقَهَا مِنْ وَثَاقِهَا، وَلِذَلِكَ تَقُولُ النَّاسُ لِلزَّوْجِ: هِيَ فِي حِبَالِك إذَا كَانَتْ تَحْتَ يَدِك وَفِي عِصْمَتِك، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُ إصْلَاحًا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حَلِيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ مُوجِبًا، تَكَرُّرُهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ، وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ، فَقَوْلُهُ مُوجِبًا بِالنَّصْبِ حَالٌ إمَّا مِنْ ضَمِيرِ تَرْفَعُ أَوْ مِنْ
[ ٢ / ٣٠ ]
وَطَلَاقُ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِدْعَةٌ وَيَلْزَمُ إنْ وَقَعَ وَطَلَاقُ السُّنَّةِ مُبَاحٌ وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ طَلْقَةً ثُمَّ لَا يُتْبِعَهَا طَلَاقًا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي الَّتِي تَحِيضُ مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فِي الْحُرَّةِ أَوْ الثَّانِيَةِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمُبْتَدَأِ، وَيَنْقَسِمُ إلَى بِدْعِيٍّ وَإِلَى سُنِّيٍّ، وَالْبِدْعِيُّ إلَى مَكْرُوهٍ وَإِلَى مُحَرَّمٍ، وَأَشَارَ إلَى الْبِدْعِيِّ بِقَوْلِهِ: (وَطَلَاقُ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِدْعَةٌ) أَيْ مُحْدَثَةٌ، وَفِي حُكْمِ الْكَلِمَةِ لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي كَلِمَاتٍ نَسَقًا كَأَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَوْكِيدٍ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِدْعَةً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَأَيْضًا قَدْ وَقَعَ أَنَّ رَجُلًا قَدْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَتَغَيَّظَ وَقَالَ: «أَتَهْزَأُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ فَقِيلَ الْكَرَاهَةُ وَقِيلَ التَّحْرِيمُ (وَ) عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ (يَلْزَمُ إنْ وَقَعَ) وَاعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ الطَّلَاقِ أَرْبَعَةٌ أَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَرُكْنُهُ أَهْلٌ وَقَصْدٌ وَمَحَلٌّ وَلَفْظٌ، فَالْأَهْلُ الْمَوْقِعُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ وَلَوْ سَكِرَ حَرَامًا، وَالْمَحَلُّ الْعِصْمَةُ الْمَمْلُوكَةُ لِلزَّوْجِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، كَقَوْلِهِ لَهُ لِامْرَأَةٍ عِنْدَ خِطْبَتِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، الْقَصْدُ الْمُرَادُ بِهِ قَصْدُ التَّلَفُّظِ بِالصِّيغَةِ الصَّرِيحَةِ أَوْ الْكِنَايَةِ، أَوْ قَصْدُ حِلِّ الْعِصْمَةِ بِالْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ وَالصِّيغَةُ الصَّرِيحَةُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ: كَأَنْتِ بَتَّةٌ أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك، وَالْخَفِيَّةُ نَحْوُ: اذْهَبِي أَوْ كَلِّمِي أَوْ اشْرَبِي مِنْ كُلِّ مَا لَمْ يُوضَعْ لِلطَّلَاقِ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ مَعَ بَسْطِنَا الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ صَرِيحِهِ وَكِنَايَتِهِ، وَأَشَارَ إلَى بَيَانِ السُّنِّيِّ وَيُعْلَمُ مِنْهُ بَقِيَّةُ أَقْسَامِ الْبِدْعِيِّ بِقَوْلِهِ: (وَطَلَاقُ السُّنَّةِ) أَيْ الَّذِي أَذِنَتْ فِيهِ السُّنَّةُ (مُبَاحٌ) أَيْ جَائِزٌ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الطَّلَاقَ سُنَّةٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَأَضَافَهُ إلَى السُّنَّةِ، وَإِنْ جَاءَ الْإِذْنُ فِيهِ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] لِأَنَّ قُيُودَهُ مِنْ السُّنَّةِ وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَ) أَيْ طَلَاقُ السُّنَّةِ (أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ طَلْقَةً) وَاحِدَةً قَالَ خَلِيلٌ: طَلَاقُ السُّنَّةِ وَاحِدَةٌ بِطُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ بِلَا عِدَّةٍ. قَالَ شُرَّاحُهُ: بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّلْقَةُ كَامِلَةً وَأَنْ يُوقِعَهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَرْأَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ سُنِّيًّا لِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَأُدِّبَ الْمُجَزِّئُ كَمُطَلَّقِ جُزْءٍ وَإِنْ كَيَدٍ، وَمِنْ الشُّرُوطِ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ لَا يُتْبِعَهَا) أَيْ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ (طَلَاقًا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ) فَلَوْ أَرْدَفَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ طَلْقَةً أُخْرَى كَانَ بِدْعِيًّا مَكْرُوهًا، وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا لِتَطْوِيلِهِ الْعِدَّةَ إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ عِنْدَ الرَّجْعَةِ الْفِرَاقَ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْقُيُودَ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الطَّلَاقُ سُنِّيًّا أَنْ يَقَعَ فِي طُهْرٍ وَأَنْ لَا يَمَسَّهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، وَأَنْ يَكُونَ وَاحِدَةً، وَأَنْ تَكُونَ كَامِلَةً، وَأَنْ يُوقِعَهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَرْأَةِ، وَأَنْ لَا يُرْدِفَ عَلَيْهَا طَلْقَةً دَاخِلَ الْعِدَّةِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا كَانَ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا، وَالْبِدْعِيُّ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْحَيْضِ وَحَرَامٌ فِي زَمَنِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ إنْ طَلَّقَهَا فِيهِ، كَمَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا إذَا طَلَّقَهَا بَيْنَ دَمَيْنِ تَلَفَّقَ ثَانِيهِمَا لِمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ غَيْرَ حَرَامٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمُعَاوَدَةِ الدَّمِ، وَإِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَكُرِهَ فِي غَيْرِ الْحَيْضِ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الرَّجْعَةِ، كَقَبْلِ الْغُسْلِ مِنْهُ أَوْ التَّيَمُّمِ الْجَائِزِ وَمُنِعَ فِيهِ وَوَقَعَ وَأُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلَوْ لِمُعَاوَدَةِ الدَّمِ لِمَا يُضَافُ فِيهِ لِلْأَوَّلِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا ذُكِرَ إمَّا صَرِيحًا أَوْ تَلْوِيحًا. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الطَّلَاقَ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: الْإِبَاحَةُ وَالسُّنِّيَّةُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْحُرْمَةُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ يَلْزَمُ عَلَى عَدَمِهِ الْإِضْرَارُ بِالْمَرْأَةِ، إمَّا مِنْ جِهَةِ الْعَجْزِ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ رِضَاهَا بِتَرْكِهَا مِنْ الزَّوْجِ، أَوْ الْعَجْزِ عَنْ الْوَطْءِ مَعَ طَلَبِهَا لَهُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ النَّدْبُ وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ زَانِيَةً أَوْ تَارِكَةَ الصَّلَاةِ وَلَا تَنْزَجِرُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ فِرَاقُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِحُبِّهَا فَلَهُ مَسْكُهَا وَلَوْ زَانِيَةً لِخَبَرِ: «إنَّ لِي زَوْجَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: فَارِقْهَا. قَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا، قَالَ: فَأَمْسِكْهَا» صَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ، فَيَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الطَّلَاقَ يُحَرِّمُ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا لِإِزَالَةِ الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ لِلْحِلِّ.
(٢) شَرَعَ يَذْكُرُ مَا يَرْفَعُ الْحُرْمَةَ وَتَحِلُّ بِهِ الْمُطَلَّقَةُ وَهُوَ الرَّجْعَةُ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا غَيْرَ بَائِنٍ بِحِلِّ وَطْئِهِ (الرَّجْعَةُ) وَهِيَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَفْعُ الزَّوْجِ أَوْ الْحَاكِمِ حُرْمَةَ الْمُتْعَةِ بِالزَّوْجَةِ لِطَلَاقِهَا فَتَخْرُجُ الْمُرَاجَعَةُ وَهِيَ لِلْعَقْدِ عَلَى الْبَائِنِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ الْحَاكِمِ ذَكَرَهُ لِإِدْخَالِ رَجْعَةِ الْحَاكِمِ زَوْجَةَ مَنْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ وَامْتَنَعَ مِنْ رَجْعَتِهَا، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَرْتَجِعُ لَهُ قَهْرًا كَمَا يَأْتِي، وَتَعْتَرِيهَا أَحْكَامٌ خَمْسَةٌ كَمَا تَعْتَرِي الطَّلَاقَ وَالنِّكَاحَ، وَأَمْثِلَتُهَا تُعْرَفُ مِنْ أَمْثِلَةِ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ الْجَوَازَ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: وَلَهُ الرَّجْعَةُ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مُفْلِسًا أَوْ سَفِيهًا أَوْ عَبْدًا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: خَمْسَةٌ تَجُوزُ رَجْعَتُهُمْ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهُمْ وَشَرْطُهَا (فِي) الْمَرْأَةِ الْمُطَلَّقَةِ (الَّتِي تَحِيضُ) وَطَلُقَتْ
[ ٢ / ٣١ ]
فِي الْأَمَةِ.
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ أَوْ مِمَّنْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ طَلَّقَهَا مَتَى شَاءَ وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ وَتُرْتَجَعُ الْحَامِلُ مَا لَمْ تَضَعْ وَالْمُعْتَدَّةُ بِالشُّهُورِ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ وَالْأَقْرَاءُ هِيَ الْأَطْهَارُ.
وَيُنْهَى أَنْ يُطَلِّقَ فِي الْحَيْضِ فَإِنْ طَلَّقَ لَزِمَهُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] دُونَ الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ زَمَنِ حَيْضٍ (مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فِي) الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ (الْحُرَّةِ) وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا (أَوْ) أَيْ وَمَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَيْضَةِ (الثَّانِيَةِ فِي) حَقِّ الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ) وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ بِالزَّوْجَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ الْحُرَّةُ فِي الثَّالِثَةِ وَالزَّوْجَةُ الْأَمَةُ فِي الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ تَصِحَّ رَجْعَتُهَا لِبَيْنُونَتِهَا وَحِلِّهَا لِلْأَزْوَاجِ، فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ وَهُوَ يُخَالِفُ مَا قَالُوهُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ دَمَ الْحَيْضِ الْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ وَانْقِطَاعُهُ قَبْلَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ نَادِرٌ، فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الْغَالِبِ، وَإِنْ فُرِضَ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إلَى النِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ، وَإِنْ انْقَطَعَ فِي بَعْضِ يَوْمٍ رُجِعَ إلَى قَوْلِ النِّسَاءِ الْعَارِفَاتِ.
(٢) (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْمُطَلَّقَةِ فِي غَيْرِ الْحَيْضِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ الْمُطَلَّقَةِ فِي الْحَيْضِ، وَحُكْمُهَا أَنَّ لِزَوْجِهَا رَجْعَتَهَا مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الرَّابِعَةِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ الثَّالِثَةِ إنْ كَانَتْ أَمَةً، فَإِنْ دَخَلَتْ الْحُرَّةُ فِي الرَّابِعَةِ وَالْأَمَةُ فِي الثَّالِثَةِ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تُعَجِّلَ الزَّوَاجَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ حُصُولِ مَا يُعَدُّ حَيْضَةً فِي بَابِ الْعِدَّةِ وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ شَرْطَ الرَّجْعَةِ كَوْنُ الطَّلَاقِ رَجْعِيًّا، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا ابْتِدَاءً وَفَاتَ بِالدُّخُولِ وَحَصَلَ وَطْءٌ مُبَاحٌ بَعْدَ الْفَوَاتِ، فَالْبَائِنُ بِدُونِ الثَّلَاثِ لَا تَحِلُّ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَصَدَاقٍ وَرِضَا الزَّوْجَةِ كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوْ الْمُطَلَّقَةِ بِعِوَضٍ وَلَوْ مَعَ إبْرَاءٍ أَوْ لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ أَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَوْقَعَهُ عَلَى مُولٍ أَوْ مُعْسِرٍ فَإِنَّهُ رَجْعِيٌّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ صِفَةَ الرَّجْعَةِ الْكَامِلَةِ وَهِيَ مَا كَانَتْ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ، كَارْتَجَعْتُ زَوْجَتِي، وَأَعَدْت حِلَّهَا لِعِصْمَتِي، وَهَذِهِ رَجْعَةٌ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَتْ بِالْقَوْلِ فَقَطْ فَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فَتَصِحُّ وَذَلِكَ كَارْتَجَعْتُ زَوْجَتِي مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَكِنْ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَصَحَّحَ ابْنُ رُشْدٍ الرَّجْعَةَ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ لَكِنْ فِي الْبَاطِنِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْقَوْلُ مُحْتَمِلًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ رَجْعَةٍ فَلَا يَكْفِي فِي الرَّجْعَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: أَعَدْت حِلَّهَا أَوْ رَفَعْت التَّحْرِيمَ عَنْهَا، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ رَفَعْت تَحْرِيمَهَا عَلَى الْغَيْرِ، وَأَشَارَ خَلِيلٌ إلَى جَمِيعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يَرْتَجِعُ مَنْ يَنْكِحُ وَإِنْ بِكَإِحْرَامٍ وَعَدَمِ إذْنِ سَيِّدٍ طَالِقًا غَيْرَ بَائِنٍ فِي عِدَّةِ صَحِيحٍ حَلَّ وَطْؤُهُ بِقَوْلٍ مَعَ نِيَّةٍ كَرَجَعْتُ وَأَمْسَكْتهَا، أَوْ نِيَّةٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، أَوْ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ وَلَوْ هَزْلًا فِي الظَّاهِرِ لَا الْبَاطِنِ، لَا بِقَوْلٍ مُحْتَمَلٍ بِلَا نِيَّةٍ كَأَعَدْتُ الْحِلَّ أَوْ رَفَعْت التَّحْرِيمَ، وَلَا يَفْعَلُ دُونَهَا كَوَطْءٍ، وَشَرْطُهَا أَيْضًا عِلْمُ الْخَلْوَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ، وَتَقَارُنُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ دُخُولُهُمَا لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ، وَمِنْ شُرُوطِ الرَّجْعَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّلَاقِ مِنْ الْمُولِي أَنْ يَنْحَلَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلطَّلَاقِ عَلَى الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ وُجُودُ الْيَسَارِ الَّذِي يَقُومُ بِوَاجِبِ مِثْلِهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ وَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِقَوْلِ خَلِيلٍ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ: أَنَّ الرَّجْعَةَ الْكَامِلَةَ تَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ أَوْ الْقَوْلِ الصَّرِيحِ فَقَطْ أَوْ النِّيَّةِ وَحْدَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ زَمَنِ الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ لِمَنْ تَحِيضُ شَرَعَ فِي زَمَنِ بَيَانِهِ لِغَيْرِهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَتْ) الْمَرْأَةُ الَّتِي أَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا (مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ (أَوْ) كَانَتْ (مِمَّنْ قَدْ يَئِسَتْ مِنْ الْمَحِيضِ) لِكِبَرِ سِنِّهَا (طَلَّقَهَا مَتَى شَاءَ) إذْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فِي طَلْقَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ، إذْ لَا يَكُونُ الْبِدْعِيُّ مِنْهَا إلَّا الزَّائِدَ عَلَى الثِّنْتَيْنِ لِلْحُرِّ أَوْ عَلَى الْوَاحِدَةِ لِلرَّقِيقِ، لِأَنَّ طَلَاقَ ذَاتِ الْأَشْهُرِ لَا يُوجِبُ تَطْوِيلَ عِدَّةٍ. (وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ) يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا مَتَى شَاءَ لِلْأَمْنِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِالْحَيْضِ وَمِمَّنْ يَجُوزُ طَلَاقُهَا مَتَى شَاءَ الزَّوْجُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَوْ فِي حَالِ حَيْضِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَلَمَّا كَانَتْ عِدَّةُ الْحَامِلِ وَلَوْ فِي وَفَاةِ حَمْلِهَا قَالَ: (وَتُرْتَجَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الْحَامِلُ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُطَلِّقِ الْحَامِلِ أَنْ يَرْتَجِعَهَا (مَا لَمْ تَضَعْ) الْحَمْلَ كُلَّهُ فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا وَتَفُوتُ رَجْعَتُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَمْلِ الْكَبِيرِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ دَمًا مُجْتَمِعًا، فَلَوْ وَضَعَتْ إحْدَى التَّوْأَمَيْنِ أَوْ بَعْضَ وَاحِدٍ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا فَلَهُ رَجْعَتُهَا. (تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَوَاتُ الرَّجْعَةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَاحِقًا بِالزَّوْجِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا وَلَوْ احْتِمَالًا حَتَّى تَنْقَضِيَ بِوَضْعِهِ الْعِدَّةُ، فَلَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا وَهِيَ حَامِلٌ حَمْلًا غَيْرَ لَاحِقٍ بِهِ بِأَنْ وَضَعَتْهُ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهُ رَجْعَتُهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالْأَقْرَاءِ وَتُعِدُّ نِفَاسَهَا حَيْضَةً، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ احْتِمَالًا لِإِدْخَالِ الْمَنْفِيِّ بِاللِّعَانِ لِأَنَّهُ كَاللَّاحِقِ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ بِهِ. (وَ) تُرْتَجَعُ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا (الْمُعْتَدَّةُ بِالشُّهُورِ) إمَّا لِصِغَرِهَا أَوْ يَأْسِهَا أَوْ لِاسْتِحَاضَتِهَا، وَلَمْ تُمَيِّزْ دَمَ
[ ٢ / ٣٢ ]
وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ وَالْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا إلَّا بَعْدَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، أَوْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مَرِيضَةً وَلَا مُرْضِعَةً. (مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا) أَيْ مُدَّةُ عَدَمِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِانْقِضَاءِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ، أَوْ يَائِسَةً أَوْ بِمُضِيِّ سَنَةٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا اسْتِبْرَاءٌ لِزَوَالِ الرِّيبَةِ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِلْعِدَّةِ إنْ تَأَخَّرَ حَيْضُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ أَوْ مَرِضَتْ تَرَبَّصَتْ تِسْعَةً ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةٍ كَعِدَّةِ مَنْ لَمْ تَرَ الْحَيْضَ وَالْيَائِسَةِ، وَلَا فَرْقَ فِي الِاعْتِدَادِ بِالشُّهُودِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ كَالِاعْتِدَادِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الزَّوْجَةُ الْحُرَّةُ مِنْ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالْأَقْرَاءِ، وَقَوْلُنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَلَمْ تُمَيِّزْ لِأَنَّ الَّتِي تُمَيِّزُ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إمَّا بِرَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي الَّتِي تَحِيضُ مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَيْضَةِ إلَخْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ فِي الْآيَةِ الْحَيْضُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْأَقْرَاءُ) فِي آيَةِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (هِيَ الْأَطْهَارُ الَّتِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ) وَهَذَا عَلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُرَادُ بِهَا الْحِيَضُ جَمْعُ حَيْضَةٍ، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ لَفْظَ الْقُرُوءِ مَوْضُوعٌ بِالِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْأَطْهَارِ وَالدِّمَاءِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَدَلِيلُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ فِي زَمَانِ عِدَّتِهِنَّ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ - ﵊ - بِقَوْلِهِ: «بِأَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ تَعْتَدُّ بِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَقْرَائِهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَقْرَاءِ الْحَيْضَ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لَكَانَ الْمُطَلِّقُ مُطَلِّقًا لِغَيْرِ الْعِدَّةِ، وَمِنْ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ حِلُّهَا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ الْأَخِيرِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَطْهَارُ وَعَدَمُ حِلِّهَا حَتَّى تَتِمَّ الْحَيْضَةُ بِرُؤْيَةِ عَلَامَةِ الطُّهْرِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ الْحَيْضُ، وَالْأَقْرَاءُ جَمْعُ قَرْءٍ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، فَإِنْ قِيلَ: مُقْتَضَى تَفْسِيرِ الْأَقْرَاءِ بِالْأَطْهَارِ عَدَمَ حِلِّهَا بِقُرْأَيْنِ وَبَعْضِ قُرْءٍ مَعَ أَنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ فِي أَثْنَاءِ طُهْرٍ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بِهِ وَلَوْ لَحْظَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَاعْتَدَّتْ بِطُهْرِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَحْظَةً، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْجَمْعَ يُطْلَقُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ بَعْضَ وَاحِدٍ نَحْوَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ شَهْرَانِ وَعَشَرَةٌ وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الطَّلَاقَ السُّنِّيَّ مُبَاحٌ لِوُقُوعِهِ فِي طُهْرٍ ذَكَرَ مُقَابِلَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيُنْهَى) الزَّوْجُ الْمُكَلَّفُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ عَنْ (أَنْ يُطَلِّقَ) زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا وَهِيَ غَيْرُ حَامِلٍ (فِي) حَالِ (الْحَيْضِ) أَوْ النِّفَاسِ حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَاءِ أَوْ التَّيَمُّمِ الْجَائِزِ لِمَا وَرَدَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَتَغَيَّظَ وَقَالَ لَهُ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ» . وَأَخَذَ الْعُلَمَاءُ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ، وَقَيَّدْنَا بِالْمَدْخُولِ بِهَا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ غَيْرَهَا يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا مَتَى شَاءَ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ طَلَاقُ الْحَامِلِ مَتَى شَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ طَلَّقَ) فِي زَمَنِ حَيْضِهَا عَالِمًا بِهِ (لَزِمَهُ) الطَّلَاقُ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمُنِعَ فِيهِ وَوَقَعَ (وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ) أَيْ يُجْبِرُهُ الْحَاكِمُ إذَا أَوْقَعَ أَقَلَّ مِنْ الثَّلَاثِ أَوْ أَوْقَعَ وَاحِدَةً إنْ كَانَ عَبْدًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ وَلَوْ لِمُعْتَادَةِ الدَّمِ لِمَا يُضَافُ فِيهِ لِلْأَوَّلِ عَلَى الْأَرْجَحِ، فَإِنْ أَبَى هَدَّدَهُ بِالسِّجْنِ، فَإِنْ أَبَى سَجَنَهُ، فَإِنْ أَبَى هَدَّدَهُ بِضَرْبٍ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ ضَرَبَهُ إنْ ظَنَّ إفَادَتَهُ، وَيَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أَلْزَمَهُ الرَّجْعَةَ وَيَرْتَجِعُهَا لَهُ بِأَنْ يَقُولَ: ارْتَجَعْت لَك زَوْجَتَك، وَتَصِحُّ تِلْكَ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الزَّوْجِ قَوْلٌ وَلَا نِيَّةٌ، وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِرَجْعَةِ الْحَاكِمِ وَيَتَوَارَثَانِ، لِأَنَّ نِيَّةَ الْحَاكِمِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، وَنَظِيرُ هَذَا مَنْ يُجْبِرُهُ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ عَلَى النِّكَاحِ، فَلَوْ ارْتَجَعَ لَهُ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهَا بَلْ ارْتَجَعَ لَهُ ابْتِدَاءً، فَاسْتَظْهَرَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ إنْ فَهِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْتَجِعُ، وَلَوْ فَعَلَ مَعَهُ جَمِيعَ مَا سَبَقَ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ جَبْرَهُ ابْتِدَاءً عَلَى الرَّجْعَةِ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ وَغَايَةُ الْجَبْرِ عَلَى الرَّجْعَةِ. (مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ) فَإِنْ انْقَضَتْ بَانَتْ وَلَمْ تَحِلَّ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَرِضَاهَا كَابْتِدَاءِ نِكَاحِ أَجْنَبِيَّةٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: فُهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ أَنَّهُ إنْ رَاجَعَهَا يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَصْطَلِحَ وَيَزُولَ مِنْهَا الْغَيْظُ الْحَاصِلُ بِطَلَاقِهَا فِي حَيْضِهَا، وَلَا تَصْطَلِحُ إلَّا بِوَطْءٍ فِي طُهْرٍ مِنْ الْحَيْضِ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْوَطْءِ لَا يُطَلِّقُ لِأَنَّهُ مَسَّهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَةٍ أُخْرَى غَيْرِ حَيْضَةِ الطَّلَاقِ؛ الثَّانِي: مَحَلُّ الْجَبْرِ الْمَذْكُورِ إذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا بِأَنْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ، وَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ طَلُقَتْ فِي الطُّهْرِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى نَظَرِ النِّسَاءِ، خِلَافًا لِابْنِ يُونُسَ لِأَنَّ النِّسَاءِ
[ ٢ / ٣٣ ]
[ألفاظ الطلاق]
[الخلع]
زَوْجٍ.
وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا إذَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا فَخَلَعَهَا بِهِ مِنْ نَفْسِهِ.
وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَهِيَ ثَلَاثٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ قَالَ بَرِيَّةٌ أَوْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] يُصَدَّقْنَ فِي ذَلِكَ كَمَا يُصَدَّقْنَ فِي انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْقُرْءِ وَالْوَضْعِ بِلَا يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا لَمْ يَتَرَافَعَا فِي حَالِ طُهْرِ الْمَرْأَةِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَلَمَّا قِيلَ إنْ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا قَالَ: (وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) يَجُوزُ لِزَوْجِهَا أَنْ (يُطَلِّقَهَا مَتَى شَاءَ) وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ فِي الْحَيْضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مُعَلَّلٌ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لِمَحْضِ التَّعَبُّدِ. (وَ) إنَّمَا كَانَ لَهُ طَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا مَتَى شَاءَ لِأَنَّ (الْوَاحِدَةَ تُبِينُهَا) لِأَنَّ الرَّجْعِيَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي طَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَرِضَاهَا وَلَوْ قَبْلَ زَوْجٍ. (وَالثَّلَاثُ) فِي كَلِمَةٍ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالْبَتَّةِ أَوْ بِتَكْرَارِ لَفْظِ الطَّلَاقِ نَسَقًا (تُحَرِّمُهَا) عَلَى زَوْجِهَا وَلَا تَحِلُّ لَهُ (إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ) بَالِغٍ يَنْكِحُهَا رَغْبَةً مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُكَرَّرَةٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ [أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ قَالَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ (لِزَوْجَتِهِ) وَلَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا (أَنْتِ طَالِقٌ) أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَنَا طَالِقٌ مِنْك أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ (فَهِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) فَيَلْزَمُ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ حَلُّ الْعِصْمَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَوْ هَزْلًا، وَأَمَّا أَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ أَوْ مَطْلُوقَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ: صَرِيحُ الطَّلَاقِ مَا فِيهِ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ، وَمُنْطَلِقَةٌ وَمَطْلُوقَةٌ فِيهِ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ فَمَا وَجْهُ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّرِيحِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْخَبَرُ، إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ نَقَلَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوَهُ لِلْإِنْشَاءِ، وَاسْتَمَرَّ غَيْرُهُ عَلَى الْخَبَرِ فَافْتَرَقَا. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ كَخَلِيلٍ عَلَى حُكْمِ اللَّحْنِ فِي لَفْظِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقًا بِالنَّصْبِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٍ بِالْخَفْضِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى فَرْضِ عِلْمِهِ بِالنَّحْوِ هَازِلٌ، وَالْهَازِلُ يَلْزَمُهُ مَا لَفَظَ بِهِ، لِأَنَّ هَزْلَ الطَّلَاقِ جِدٌّ، وَأَمَّا لَوْ أَسْقَطَ بَعْضَ حُرُوفِهِ بِأَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِ وَلَمْ يَأْتِ بِالْقَافِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَمِثْلُهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ تَالِقٌ بِإِبْدَالِ الطَّاءِ تَاءً حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ الطَّلَاقُ فَهَلْ يَحْلِفُ وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا نَوَاهُ أَوْ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَلَا يَنْوِي قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِلْمُتَيْطِيِّ وَالثَّانِي لِأَصْبَغَ [الخلع] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْخُلْعِ وَهُوَ لُغَةً الْإِزَالَةُ، وَشَرْعًا إزَالَةُ الْعِصْمَةِ بِعِوَضٍ مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا هَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِلَفْظِ الْخُلْعِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالنَّظَرِ الْغَالِبِ، وَلَفْظُ خَلِيلٍ جَازَ الْخُلْعُ وَهُوَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ وَبِلَا حَاكِمٍ، وَبَعُوضٍ مِنْ غَيْرِهَا إنْ تَأَهَّلَ لَا مِنْ صَغِيرَةٍ وَسَفِيهَةٍ وَذَاتِ رِقٍّ، وَرَدَّ الْمَالَ وَبَانَتْ وَبَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا) لِأَنَّهَا بَائِنَةٌ وَهَذَا وَاضِحٌ إنْ سَمَّى الزَّوْجُ طَلَاقًا بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) الزَّوْجُ (طَلَاقًا) بِأَنْ طَلَّقَهَا بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَلَوْ لَمْ تَدْفَعْ لَهُ عِوَضًا وَأُخْرَى (إذَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا فَخَلَعَهَا بِهِ مِنْ نَفْسِهِ) وَمِثْلُ دَفْعِ الْعِوَضِ لَوْ وَقَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ إبْرَاءٌ وَلَوْ جَهِلَتْ مَا أَبْرَأَتْ مِنْهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا وَانْقَلَبَ بِهِ وَقَالَ: ذَاكَ بِذَاكَ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ، فَإِنْ سَمَّيَا طَلَاقًا لَزِمَ مَا سَمَّيَاهُ، وَكَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْعِوَضِ مِنْ الزَّوْجَةِ بَلْ وَلَوْ مِنْ وَلِيِّهَا أَوْ أَجْنَبِيٍّ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُ الزَّوْجِ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ دَافِعُهُ رَشِيدًا لَا إنْ كَانَ دَافِعُهُ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ رَقِيقًا، فَلَا يَسْتَقِرُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الْخُلْعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَخَبَرُ الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ لَمَّا أَرَادَتْ فِرَاقَ زَوْجِهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي، فَقَالَ - ﵊ -: خُذْ مِنْهَا فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي أَهْلِهَا» فَلَوْلَا أَنَّهُ جَائِزٌ لَمَا أَبَاحَ لَهُ - ﵊ - الْأَخْذَ مِنْهَا، وَسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الْخُلْعِ بَعْدَ بَابِ اللِّعَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ هُنَا لِمُنَاسَبَتِهَا لِمَا قَبْلَهَا فِي الْبَيْنُونَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ التَّلَفُّظِ بِهَا وَلَا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا الْخَفِيَّةُ فَلَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَلْفَاظَهُ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: صَرِيحَةٌ وَكِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَكِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ، وَالصَّرِيحَةُ لَا تَنْصَرِفُ عَنْهُ وَلَوْ نَوَى غَيْرَهُ، وَالْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ تَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَلَا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَالْخَفِيَّةُ لَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَمِنْ الظَّاهِرِ قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ (فَهِيَ ثَلَاثٌ) وَلَوْ ادَّعَى أَقَلَّ وَسَوَاءٌ (دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) لِأَنَّ الْبَتَّ هُوَ الْقَطْعُ، فَكَأَنَّ الزَّوْجَ قَطَعَ الْعِصْمَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَلَمْ يُبْقِ بِيَدِهِ مِنْهَا شَيْئًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَلْزَمَ أَلْبَتَّةَ مَنْ طَلَّقَ بِهَا وَأَلْزَمَ الثَّلَاثَةَ مَنْ طَلَّقَ بِهَا» وَقَدْ قَضَى عُمَرُ - ﵁ - فِيهَا بِالثَّلَاثِ، وَلَا
[ ٢ / ٣٤ ]
[ما تستحقه المرأة بالطلاق]
خَلِيَّةٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا وَيُنَوَّى فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا.
وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ إلَّا أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ هِيَ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَذَلِكَ إلَى أَبِيهَا وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَمَنْ طَلَّقَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ بَتَّةٌ أَوْ أَنْتِ الْبَتَّةُ، فَإِنْ قِيلَ: الْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ إذَا ادَّعَى صَرْفَ اللَّفْظِ إلَى غَيْرِ الطَّلَاقِ يُقْبَلُ فَكَيْفَ لَا يُقْبَلُ فِي الْبَتَّةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الضَّابِطَ أَغْلَبِيٌّ فَلَا يُنَافِي أَنَّ أَلْبَتَّةَ يَلْزَمُ بِهَا الثَّلَاثُ وَلَا تُقْبَلُ لَهَا نِيَّةُ أَقَلَّ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ صَارَتْ مَدْلُولَاتِهَا عُرْفًا وَشَرْعًا. وَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ وَلَا يَنْوِي مُطْلَقًا ذَكَرَ مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ وَيَنْوِي فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ (بَرِيَّةٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك) أَيْ كَتِفِك أَوْ كَالدَّمِ أَوْ كَالْمَيْتَةِ أَوْ وَهَبْتُك أَوْ رَدَدْتُك لِأَهْلِك أَوْ مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ حَرَامٌ، أَوْ أَنَا بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ (فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا) بَعْدَ بُلُوغِهِ وَإِطَاقَتِهَا وَلَا تُقْبَلُ نِيَّةُ أَقَلَّ (وَيَنْوِي فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) أَيْ تُقْبَلُ نِيَّتُهُ أَقَلَّ فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُوَافِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ، إلَّا فِي قَوْلِهِ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَإِنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْبَتَّةِ فِي لُزُومِ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِيَةٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَالثَّلَاثُ فِي بَتَّةٌ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنَةً لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا إنَّمَا يُبِينُهَا الثَّلَاثُ أَوْ الطَّلَاقُ عَلَى وَجْهِ الْخُلْعِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِحَبْلِك عَلَى غَارِبِك إذَا كَانَ الْعُرْفُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي الطَّلَاقِ، وَإِلَّا صَارَتْ فِي الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ لَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِهَا إلَّا مَعَ النِّيَّةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ عَادَةِ الْحَالِفِ، فَإِنْ اعْتَادَ ذَلِكَ أَوْ اعْتَادَهُ أَهْلُ بَلَدِهِ، وَأَوْلَى لَوْ كَانَ عَادَةَ الْجَمِيعِ لَزِمَ الطَّلَاقُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمُجَرَّدِ الْمُسَطَّرِ فِي الْكُتُبِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْعُرْفِيَّةِ يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْعُرْفِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ كَخَلِيلٍ حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الْيَمِينِ: إنْ اُعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ ابْتِدَاءً حَتَّى يَدَّعِيَ نِيَّةَ أَقَلَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ وَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَا يَنْوِي، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَالثَّلَاثُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فِي كَالْمَيِّتَةِ وَالدَّمِ، وَوَهَبْتُك وَرَدَدْتُك لِأَهْلِك، وَأَنْتِ أَوْ مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ حَرَامٌ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا وَلَا يَنْوِي وَذَلِكَ فِي بَتَّةٌ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ ابْتِدَاءً حَتَّى يَدَّعِيَ نِيَّةَ أَقَلَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ ابْتِدَاءً حَتَّى يَدَّعِيَ نِيَّةَ أَقَلَّ فَتُقْبَلُ حَتَّى فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَثَلَاثٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَقَلَّ مُطْلَقًا فِي خَلَّيْت سَبِيلَك. (فَرْعٌ) مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً تَمْلِكِينَ بِهَا نَفْسَك. قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهَا طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَحَكَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ الْقَضَاءُ. الثَّانِي: أَنَّهَا طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ قَالَ بَعْضٌ وَبِهِ الْفَتْوَى. الثَّالِثُ: أَنَّهَا الْبَتَّةُ وَهُوَ ضَعِيفٌ شَرْحُ الشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ. (تَنْبِيهٌ) جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ حَيْثُ لَا بِسَاطَ، وَأَمَّا لَوْ رَفَعَتْهُ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَ عِنْدَ الْمُفْتِي وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ بِهَذَا اللَّفْظِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَى نَفْيِ الطَّلَاقِ، لَكِنْ إنْ رَفَعَتْهُ بَيِّنَةٌ يُصَدَّقُ بِيَمِينٍ عِنْدَ الْقَاضِي، وَإِنْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا يُصَدَّقُ بِغَيْرِ يَمِينٍ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: إنْ قَالَ لِمَنْ طَلَّقَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَهُ: يَا مُطَلَّقَةُ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ بِمَا حَصَلَ إذَا أَكْثَرَتْ فِي مُرَاجَعَتِهِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَقَالَ لَهَا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ: يَا مُطَلَّقَةُ وَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ يَا مِثْلَ الْمُطَلَّقَةِ فِي طُولِ اللِّسَانِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ كَالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي الرَّائِحَةِ وَقَالَ: أَرَدْت بِبَائِنٍ مُنْفَصِلَةً مِنِّي إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ، أَوْ أَنْتِ كَالدَّمِ فِي الِاسْتِقْذَارِ إذَا كَانَتْ رَائِحَتُهَا قَذِرَةً أَوْ كَرِيهَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَدِينَ فِي نَفْيِهِ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى نَفْيِهِ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ يَدِينُ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الصَّرِيحَ يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ وَلَوْ هَزْلًا، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا حَيْثُ لَا بِسَاطَ وَإِلَّا فَيُصَدَّقُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ مُوثَقَةً وَقَالَتْ أَطْلِقْنِي فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ: (وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ) الْمُسَمَّى لَهَا صَدَاقٌ حَلَالٌ وَوَقَعَ عَقْدُهَا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ (يَجِبُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَتُشْطَرُ وَمَزِيدٌ بَعْدَ الْعَقْدِ وَهَدِيَّةٌ اُشْتُرِطَتْ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا قَبْلَهُ إلَى أَنْ قَالَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِّ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ (إلَّا أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ النِّصْفِ (هِيَ) أَيْ الْمُطَلَّقَةِ (إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا) رَشِيدَةً فَيَسْقُطُ عَنْ زَوْجِهَا بِعَفْوِهَا عَنْهُ، وَالدَّالُ عَلَى كَوْنِهَا رَشِيدَةً التَّعْبِيرُ بِالْعَفْوِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ: (وَ) أَمَّا (إنْ كَانَتْ بِكْرًا) أَوْ ثَيِّبًا مَحْجُورَةً (فَذَلِكَ) أَيْ الْعَفْوُ مُفَوَّضٌ (إلَى أَبِيهَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ عَفْوُ أَبِي الْبِكْرِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ الطَّلَاقِ، ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَبْلَ الطَّلَاقِ لِمَصْلَحَةٍ وَهَلْ وِفَاقٌ تَأْوِيلَانِ، فَمَنْ قَالَ خِلَافٌ اكْتَفَى بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَمَنْ وَقَفَ حَمَلَ قَوْلَ مَالِكٍ عَلَى عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْعَفْوِ عِنْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى الْجَوَازِ عِنْدَ تَحَقُّقِ
[ ٢ / ٣٥ ]
فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُمَتِّعَ وَلَا يُجْبَرُ وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَقَدْ فَرَضَ لَهَا فَلَا مُتْعَةَ لَهَا وَلَا لِلْمُخْتَلِعَةِ.
وَإِنْ مَاتَ عَنْ الَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَهَا وَلَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا صَدَاقَ لَهَا.
وَلَوْ دَخَلَ بِهَا كَانَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِشَيْءٍ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمَصْلَحَةِ، وَكَذَا عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوِفَاقِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْخِلَافِ فَمَالِكٌ يَقُولُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِسْقَاطِ عَدَمُ الْمَصْلَحَةِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِالْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِ الْأَبِ فِي حَقِّ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ الْمَصْلَحَةُ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهَا (وَكَذَلِكَ) أَيْ مِثْلُ أَبِي الْبِكْرِ (السَّيِّدُ) لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الزَّوْجِ (فِي أَمَتِهِ) الَّتِي زَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَجِبُ لِلزَّوْجَاتِ الْمُطَلَّقَاتِ وَيَرْجِعُ لَكُمْ الزَّائِدُ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ الزَّوْجَاتُ الرَّشِيدَاتُ فَيَتْرُكُونَهُ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَلَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: الزَّوْجُ وَعَفْوُهُ أَنْ يَدْفَعَ النِّصْفَ الَّذِي لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِلْمَرْأَةِ فَتَأْخُذَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مَا عَلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْوَلِيُّ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْوَطْءُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَسِّ فِي الْآيَةِ لَا مُجَرَّدَ الِاخْتِلَاءِ بِهَا، وَمَفْهُومُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ بَعْدَهُ يَجِبُ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ، لِأَنَّهُ يَتَقَرَّرُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ مِنْ إطَاقَةِ الزَّوْجَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَقَرَّرَ بِوَطْءٍ وَإِنْ حَرُمَ كَوَطْئِهَا فِي حَيْضِهَا أَوْ دُبُرِهَا، كَمَا يَتَقَرَّرُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ مَوْتِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا وَهِيَ غَيْرُ مُطِيقَةٍ، وَلَوْ كَانَ مَوْتُهَا بِقَتْلِهَا نَفْسَهَا كَرَاهِيَةً فِي زَوْجِهَا، أَوْ بِقَتْلِ سَيِّدِهَا لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً، كَمَا يَتَقَرَّرُ بِإِقَامَةِ سَنَةٍ بَعْدَ الِاخْتِلَاءِ بِهَا حَيْثُ كَانَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَهِيَ مُطِيقَةٌ لِتَنْزِلَ إقَامَةُ سَنَةٍ مَقَامَ الْوَطْءِ. الثَّانِي: لَوْ اخْتَلَى الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ وَطَلَّقَهَا قَبْلَ إقَامَةِ سَنَةٍ وَتَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ إنْ كَانَتْ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ، وَلَوْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ مَحْجُورَةً، وَأَمَّا خَلْوَةُ الزِّيَارَةِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ بَيْنَ كَوْنِهِ هُوَ الزَّائِرُ فَيُصَدَّقُ فِي عَدَمِ الْوَطْءِ، وَكَوْنِهَا الزَّائِرَةَ لَهُ فِي بَيْتِهِ فَتُصَدَّقُ فِي الْوَطْءِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْشَطُ فِي بَيْتِهِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا زَائِرًا لِلْغَيْرِ. وَاجْتَمَعَا فِي مَحَلِّ الْغَيْرِ فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُ الزَّوْجِ، كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ، بِخِلَافِ لَوْ اخْتَلَيَا فِي مَحَلٍّ لَيْسَ بِهِ أَحَدٌ وَتَنَازَعَا فِي الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ فَالظَّاهِرُ قَبُولُ قَوْلِهَا، وَلَمَّا وَقَعَ فِي الْمُتْعَةِ وَهِيَ مَا يُعْطِيهِ الْمُطَلِّقُ لِمُطَلَّقَتِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ بَيَّنَ مُخْتَارَ إمَامِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ) بَعْدَ الْبِنَاءِ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا (فَيَنْبَغِي لَهُ) عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (أَنْ يُمَتِّعَ) مُطَلَّقَتَهُ وَلَوْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْمُتْعَةُ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ بَعْدَ الْعِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ أَوْ وَرَثَتَهَا كَكُلِّ مُطَلَّقَةٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَشَرْعًا مَا يُعْطِيهِ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ عِنْدَ الْفِرَاقِ تَسْلِيَةً لَهَا لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ أَلَمِ الْفِرَاقِ، وَتَكُونُ عَلَى قَدْرِ حَالِ الزَّوْجِ فَقَطْ وَلَوْ كَانَ عَبْدًا، وَتُدْفَعُ لِلرَّجْعِيَّةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَلِلْبَائِنِ إثْرَ طَلَاقِهَا لِأَنَّ الْوَحْشَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُمَتَّعَ فَتُدْفَعُ لِوَرَثَتِهَا حَيْثُ مَاتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فِي الرَّجْعِيَّةِ، بِخِلَافِ لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ يُمَتِّعَهَا أَوْ رَدَّهَا لِعِصْمَتِهِ قَبْلَ دَفْعِهَا لَهَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ يَنْبَغِي قَدْ يُرَادُ بِهِ الْوُجُوبُ قَالَ: (وَلَا يُجْبَرُ) الْمُطَلِّقُ عَلَى الْمُتْعَةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَدْبِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِحْسَانِ صَرَفَ الْحَقَّ عَنْ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُحْسِنِينَ وَلَا بِالْمُتَّقِينَ وَأَيْضًا الْحَقُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الثَّابِتُ الْمُقَابِلُ لِلْبَاطِلِ وَلَمَّا كَانَتْ لِجَبْرِ أَلَمِ الْفِرَاقِ وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا لَمْ تَتَأَنَّسْ بِالزَّوْجِ حَتَّى تَتَأَلَّمَ قَالَ: (وَ) الْمُطَلَّقَةُ (الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) الزَّوْجُ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ فَرَضَ لَهَا) صَدَاقًا (فَلَا مُتْعَةَ لَهَا) لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ تَأَلُّمِهَا بِفِرَاقِهِ، أَوْ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ نِصْفَ صَدَاقِهَا مَعَ بَقَاءِ سِلْعَتِهَا، وَمَفْهُومُ فَرَضَ لَهَا أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ تَفْوِيضًا إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الْفَرْضِ لَهَا الْمُتْعَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَلَا) مُتْعَةَ أَيْضًا (لِلْمُخْتَلِعَةِ) وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ الْغَالِبَ رِضَاهَا بِالْفِرَاقِ فَلَا تَأَلُّمَ عِنْدَهَا، وَمِثْلُهَا الْمُخَيَّرَةُ وَالْمُمَلَّكَةُ وَالْمُعْتَقَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ تَخْتَارُ الْفِرَاقَ، أَوْ الَّتِي مَلَكَتْ زَوْجَهَا أَوْ مَلَكَهَا، أَوْ الَّتِي اخْتَارَتْ فِرَاقَ زَوْجِهَا لِعَيْبِهِ وَأَوْلَى وَلَوْ اخْتَارَ فِرَاقَهَا لِعَيْبِهَا لِأَنَّهَا غَارَّةٌ، بِخِلَافِ الَّتِي اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ لِتَزْوِيجٍ عَلَيْهَا أَوْ لِعِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَأَلْفَتْ أَكْثَرَ فَإِنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِسَبَبِهِ وَلَمَّا كَانَ الصَّدَاقُ الَّذِي يَتَشَطَّرُ بِالطَّلَاقِ وَيَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ إنَّمَا هُوَ الْمَفْرُوضُ قَالَ: (وَإِنْ مَاتَ) الزَّوْجُ (عَنْ) زَوْجَتِهِ (الَّتِي) نَكَحَهَا تَفْوِيضًا وَمَاتَ وَ(لَمْ يَفْرِضْ لَهَا) صَدَاقًا رَضِيَتْ بِهِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهَا (لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ) لِاسْتِحْقَاقِهَا إيَّاهُ بِالْعَقْدِ وَلَوْ فَاسِدًا حَيْثُ
[ ٢ / ٣٦ ]
[عيوب الزوجين الموجبة لخيار كل في صاحبه]
مَعْلُومٍ.
وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَدَاءِ الْفَرْجِ.
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ وَأَدَّى صَدَاقَهَا وَرَجَعَ بِهِ عَلَى
_________________
(١) [الفواكه الدواني] اُخْتُلِفَ فِيهِ. (وَلَا صَدَاقَ لَهَا) كَمَا لَوْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَتَشَطَّرُ بِالطَّلَاقِ وَلَا يَتَكَمَّلُ بِالْمَوْتِ إلَّا الْمَفْرُوضُ، وَأَمَّا لَوْ فَرَضَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا أَوْ أَقَلَّ وَرَضِيَتْ بِهِ لَوَجَبَ لَهَا بِالْمَوْتِ كَالْمِيرَاثِ كَمَا يَتَشَطَّرُ بِالطَّلَاقِ، وَقَيَّدْنَا الْفَرْضَ بِالصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْفَرْضِ فِي حَالِ الْمَرَضِ الْكَائِنِ بِالزَّوْجِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ حَيْثُ كَانَتْ الزَّوْجَةُ وَارِثَةً بِأَنْ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً وَالزَّوْجُ حُرٌّ مُسْلِمٌ، وَفِي الذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ قَوْلَانِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ فَرَضَ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثٍ، قَالَ شَارِحُهُ: أَيْ حُكْمُ فَرْضِ الْمَرِيضِ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا فِي حَالِ صِحَّتِهِ عَقْدًا صَحِيحًا حُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ لِحَذْفِ الْأَدَاةِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الذِّمِّيَّةِ وَالْأَمَةِ، فَقِيلَ: يَصِحُّ فَرْضُهُ وَيَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الثُّلُثِ لِأَنَّهُ لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَقِيلَ: فَرْضُهُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَأَجْلِ الْوَطْءِ وَلَمْ يَحْصُلْ (وَ) أَمَّا (لَوْ دَخَلَ بِهَا) أَيْ الْمَنْكُوحَةِ تَفْوِيضًا وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَمَاتَ (لَكَانَ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَاسْتَحَقَّتْهُ بِالْوَطْءِ لَا بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ. (إنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ) فَرَضَهُ لَهَا وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا حَيْثُ كَانَتْ رَشِيدَةً، لِأَنَّهَا الَّتِي يَجُوزُ لَهَا الرِّضَا بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ. قَالَ خَلِيلٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْجَائِزِ وَالرِّضَا بِدُونِهِ: لَلْمُرْشَدَةِ وَلِلْأَبِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلِلْوَصِيِّ قَبْلَهُ لَا الْمُهْمَلَةِ، وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ أَنَّ الرَّشِيدَةَ الْمَنْكُوحَةَ تَفْوِيضًا يَجُوزُ لَهَا الرِّضَا بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ، كَمَا يَجُوزُ لِأَبِي الْمَحْجُورَةِ الرِّضَا بِالْأَقَلِّ وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ، بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ لَهُ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ لِمَحْجُورَتِهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهَا، وَلَهُ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا حَيْثُ كَانَ الرِّضَا بِالْأَقَلِّ مَصْلَحَةً لِلزَّوْجَةِ، وَأَمَّا الْمُهْمَلَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ وَلَا مُقَدَّمَ وَلَا يُعْلَمُ رُشْدُهَا مِنْ سَفَهِهَا وَأُخْرَى مُحَقَّقَةُ السَّفَهِ، فَلَيْسَ لَهَا الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ لَا يَلْزَمُهَا وَلَهَا رَدُّهُ بَعْدَ رُشْدِهَا كَمَا لِلْحَاكِمِ رَدُّهُ قَبْلَهُ. (تَنْبِيهٌ) كَمَا يَجُوزُ لِأَبِي الْمَحْجُورَةِ الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، وَأَوْلَى مِنْ الْأَبِ فِي جَوَازِ الرِّضَا بِالْأَقَلِّ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ سِوَى الْأَبِ فِي مُجْبَرَتِهِ، وَالسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ غَيْرُ الْأَبِ، السَّيِّدُ فِي النِّكَاحِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْوَكِيلُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ [عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ الْمُوجِبَةِ لِخِيَارِ كُلٍّ فِي صَاحِبِهِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ الْمُوجِبَةِ لِخِيَارِ كُلٍّ فِي صَاحِبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ قَبْلَ الْعَقْدِ السَّلَامَةَ مِنْهَا وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالرِّجَالِ، وَقِسْمٌ مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ، وَقِسْمٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَالْمُخْتَصُّ بِالرِّجَالِ مَا لَا يُمْكِنُ قِيَامُهُ إلَّا بِهِمْ وَهُوَ الْخِصَاءُ وَالْجَبُّ وَالِاعْتِرَاضُ وَالْعُنَّةُ كُلُّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِذَكَرِهِ، وَالْمُخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ مَا يَتَعَلَّقُ بِفُرُوجِهِنَّ كَالرَّتْقِ وَالْعَفَلِ وَالْإِفْضَاءِ وَالْبَخَرِ وَالْقَرَنِ، وَالْمُشْتَرِكُ مَا يُمْكِنُ قِيَامُهَا بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَتَرُدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الْجُنُونِ) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ مُعْتَقِدًا سَلَامَتَهَا مِمَّا يُوجِبُ لَهُ الْخِيَارَ فِيهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهَا مَجْنُونَةٌ جُنُونًا سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي إبْقَائِهَا وَرَدِّهَا، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاءٍ بِهَا كَتَلَذُّذِهِ بِهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِجُنُونِهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَإِنْ طَلَّقَهَا لَزِمَهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَوْ حَصَلَ مِنْهُ التَّلَذُّذُ مَعَ الْجَهْلِ بِالْخِيَارِ أَوْ بِأَنَّ التَّلَذُّذَ يَقْطَعُ خِيَارَهُ لَا يُعْذَرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَسْبِقْ الْعِلْمُ أَوْ لَمْ يَرْضَ أَوْ يَتَلَذَّذْ، وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ أَيْ الْعِلْمِ أَوْ الرِّضَا إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ بِبَرَصٍ وعذيطة وَجُنُونٍ وَجُذَامٍ إلَخْ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَوْ كَانَ السَّالِمُ صَغِيرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونُ مُطْبِقًا أَوْ مُنْقَطِعًا وَلَوْ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً لِنُفْرَةِ النُّفُوسِ مِنْ ذَلِكَ، وَعَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَذَلِكَ أَيْ فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَرُدَّ الزَّوْجَ إذَا وَجَدَتْهُ مَجْنُونًا إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهَا بِهِ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَمْكِينُهَا عَالِمَةً بِعَيْبِهِ رِضًا وَظَاهِرُهَا وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ عَقَدَ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا رَدَّ لَهُ. (وَ) كَذَا تُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ (الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ) وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ أَيْ يُرَدُّ الزَّوْجُ بِالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ بِشَرْطِ كَوْنِهِمَا مُحَقَّقَيْنِ وَلَوْ قَلَّا، وَلَا فَرْقَ فِي الْبَرَصِ بَيْنَ أَسْوَدِهِ وَأَبْيَضِهِ وَعَلَامَتُهُ التَّفْلِيسُ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِشْرٌ يُشْبِهُ الْفُلُوسَ، وَكَمَا يُرَدُّ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِالْجُنُونِ أَوْ الْجُذَامِ أَوْ الْبَرَصِ، يُرَدُّ أَحَدُهُمَا بِالْعِذْبَطَةِ وَهِيَ التَّغَوُّطُ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، بِخِلَافِ الرِّيحِ فَلَا رَدَّ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي الْبَوْلِ قَوْلَانِ، وَأَمَّا جُذَامُ الْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأُصُولِ فَلَا رَدَّ بِهِ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ وَالْبَيْعَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّقِيقَ يَرُدُّ فِي الْبَيْعِ بِوُجُودِهِ أَكُولًا، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ لَا تُرَدُّ بِكَثْرَةِ أَكْلِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ غَرِمَ لَهَا النِّصْفَ أَوْ الْجَمِيعَ، بِخِلَافِ ذَاتِ الْخِيَارِ تُرَدُّ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ لَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى الرَّدِّ بِمَا ذُكِرَ مِنْ تِلْكَ الْعُيُوبِ مَا وَرَدَ: «مِنْ أَنَّهُ - ﷺ - تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ فَوَجَدَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَرَدَّهَا وَقَالَ لِأَهْلِهَا: دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَدُّ النِّسَاءِ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعِ أَعْنِي: الْجُنُونَ وَالْجُذَامَ وَالْبَرَصَ والعذيطة،
[ ٢ / ٣٧ ]
أَبِيهَا وَكَذَلِكَ إنْ زَوَّجَهَا أَخُوهَا وَإِنْ زَوَّجَهَا وَلِيٌّ وَلَيْسَ بِقَرِيبِ الْقَرَابَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لَهَا إلَّا رُبُعُ دِينَارٍ.
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَالْكَشْحُ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إلَى الضِّلْعِ الْخَلْفِ. (تَنْبِيهٌ) الْخِيَارُ ثَابِتٌ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي صَاحِبِهِ بِوُجُودِ أَحَدِ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَلَوْ وُجِدَ بِمُرِيدِ الرَّدِّ مِنْهُمَا مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ يَتَزَايَدُ بِوَاسِطَةِ الِاجْتِمَاعِ عَادَةً لَا لِتَأْثِيرِهَا، فَالْأَجْذَمُ لَهُ رَدُّ الْجَذْمَى مَثَلًا لِمَا أَجْرَى اللَّهُ مِنْ الْعَادَةِ فِي خَلْقِهِ مِنْ كَرَاهَةِ الْمَعِيبِ، وَإِنْ كَانَ نَظِيرُ ذَلِكَ الْعَيْبِ قَائِمًا بِهِ، وَالْمُقْتَضِي لِلْخِيَارِ كَرَاهَةُ النَّفْسِ لِذِي الْعَيْبِ، فَالْأَبْرَصُ لَا يُحِبُّ الْأَبْرَصَ وَهَكَذَا. ثُمَّ شَرَعَ فِي الْعَيْبِ الْمُخْتَصِّ بِالْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) تُرَدُّ الْمَرْأَةُ أَيْضًا مِنْ دَاءِ (الْفَرْجِ) الَّذِي لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ الْجِمَاعُ عُرْفًا إمَّا لِتَعَذُّرِهِ أَوْ لِعَدَمِ طِيبِ النَّفْسِ مَعَهُ، وَذَلِكَ كَرَتْقِهَا وَعَفَلِهَا وَإِفْضَائِهَا وَقَرَنِهَا وَبَخَرِهَا، (فَالرَّتْقُ) هُوَ انْسِدَادُ الْمَحَلِّ إمَّا بِاللَّحْمِ أَوْ الْعَظْمِ، وَالْعَفَلُ لَحْمٌ يَبْرُزُ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ يُشْبِهُ أُدْرَةَ الرَّجُلِ وَقِيلَ رَغْوَةٌ تَحْدُثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، وَالْإِفْضَاءُ اخْتِلَاطُ مَسْلَكِ الذَّكَرِ بِمَسْلَكِ الْبَوْلِ، وَأَحْرَى اخْتِلَاطُ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالْقَرَنُ شَيْءٌ يَبْرُزُ فِي الْفَرْجِ كَقَرْنِ الشَّاةِ، وَالْبَخَرُ هُوَ نَتْنُ الْفَرْجِ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ كَالِاسْتِحَاضَةِ وَحَرْقِ الْفَرْجِ وَنَتْنِ الْفَمِ وَالسَّوَادُ وَالْكِبَرُ وَالصِّغَرُ الْفَادِحُ وَالْعَمَى وَالثُّيُوبَةُ فَلَا رَدَّ بِهَا، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ يَظُنُّهَا بِصِفَةِ ذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا يَخْلُفُ الظَّنُّ كَالْقَرَعِ وَالسَّوَادِ مِنْ بَيْضٍ وَنَتْنِ الْفَمِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْعَوَرِ وَالْمَرَضِ وَكَوْنِهَا رَشْحَاءَ أَوْ زَلَّاءَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ شَرَطَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِغَيْرِهَا إنْ شَرَطَ السَّلَامَةَ وَلَوْ بِوَصْفِ الْوَلِيِّ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَأَمَّا الْعُيُوبُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَيَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ مَنْ كَرِهَ صَاحِبُهُ مِنْ أَجْلِهَا السَّلَامَةَ مِنْهَا، وَقَدَّمْنَا مَا يُعْلَمُ مِنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ شِدَّةِ النَّفْسِ لِلْمُتَّصِفِ بِهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَى عُيُوبِ الزَّوْجِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَيُؤَجَّلُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً إلَخْ، وَأَشَارَ إلَيْهَا خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَبِخِصَائِهِ وَجَبِّهِ وَعُنَّتِهِ وَاعْتِرَاضِهِ، فَالْخِصَاءُ قَطْعُ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ فَقَطْ حَيْثُ لَمْ يُنْزِلْ، وَالْجَبُّ قَطْعُ الذَّكَرِ مَعَ الْأُنْثَيَيْنِ وَأَحْرَى لَوْ خُلِقَ بِغَيْرِهِمَا، وَالْعُنَّةُ صِغَرُ الذَّكَرِ جِدًّا، وَلَا يُرَدُّ الزَّوْجُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ كِبَرِ سِنٍّ أَوْ عَمًى أَوْ عَرَجٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَاهَاتِ الَّتِي تَكْرَهُهَا النَّفْسُ كَالْجَرَبِ وَالصُّنَانِ إلَّا بِشَرْطِ السَّلَامَةِ مِنْهَا، لِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اشْتَرَطَتْ سَلَامَةَ الزَّوْجِ مِنْ الْكِبَرِ أَوْ الْعَمَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُيُوبِ غَيْرِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَجِبُ أَنْ يُوَفَّى لَهَا بِشَرْطِهَا، بَلْ هِيَ أَحْرَى مِنْ وُجُوبِ الْوَفَاءِ لِلزَّوْجِ بِشَرْطِهِ، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْبُوسَةٌ لِلرَّجُلِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِهِ، وَيَدُلُّك عَلَى هَذَا أَنَّ الْعَيْبَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ الدُّخُولِ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ وَحَرَّرَهُ. الثَّانِي: عُلِمَ قَرَّرَنَا أَنَّ مَحَلَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِالشَّرْطِ، أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ مِمَّنْ يُرِيدُ الرَّدَّ عِلْمٌ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَا فِعْلٌ بَعْدَ الْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ كَتَلَذُّذٍ أَوْ طُولِ إقَامَةٍ هِيَ مَظِنَّةٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وَإِلَّا سَقَطَ الْخِيَارُ، إلَّا الْمَرْأَةَ تَجِدُ الرَّجُلَ مُعْتَرِضًا وَتُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا رَاجِيَةً زَوَالَ عُذْرِهِ فَلَمْ يَزُلْ عُذْرُهُ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا، وَتُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهَا أَنَّهَا إنَّمَا مَكَّنَتْهُ رَاجِيَةً زَوَالَ عُذْرِهِ، بِخِلَافِ زَوْجَةِ نَحْوِ الْخَصِيِّ وَالْمَجْبُوبِ تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِعَيْبِهِ فَلَا يُقْبَلُ لَهَا كَلَامٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ إمْكَانُ زَوَالِ الِاعْتِرَاضِ مَعَ وُجُودِ آلَةِ الْوَطْءِ، بِخِلَافِ زَوْجَةِ الْخَصِيِّ أَوْ الْمَجْبُوبِ تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِعَيْبِهِ فَلَا يُقْبَلُ اعْتِذَارُهَا لِاسْتِحَالَةِ زَوَالِ نَحْوِ الْخِصَاءِ بِخِلَافِ الِاعْتِرَاضِ. الثَّالِثُ: إذَا تَنَازَعَا فِي الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمَ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَسَقَطَ الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ. الرَّابِعُ: بَقِيَ قِسْمٌ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ دُونَ الزَّوْجِ فِي الزَّوْجَةِ وَهُوَ الْجُذَامُ أَوْ الْبَرَصُ أَوْ الْجُنُونُ الْحَاصِلُ بِالرَّجُلِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَيَجِبُ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارُ فِي الزَّوْجِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا فَقَطْ الرَّدُّ بِالْجُذَامِ الْبَيِّنِ وَالْبَرَصِ الْمُضِرِّ الْحَادِثَيْنِ بَعْدَهُ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَالْأَصْلُ السَّلَامَةُ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ قُدْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى الْفِرَاقِ دُونَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اخْتِيَارِهَا بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ الْبَالِغُ (بِهَا) أَيْ بِزَوْجَتِهِ الْمُطِيقَةِ ذَاتِ الْعَيْبِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَعْلَمْ) بِعَيْبِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بَلْ كَفَّ عَنْهَا وَطَلَّقَهَا. (أَدَّى صَدَاقَهَا) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهَا جَمِيعَ مَا سَمَّاهُ لَهَا لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْهُ بِالْوَطْءِ، وَيُصَدَّقُ الزَّوْجُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ لَهَا الصَّدَاقَ بِالدُّخُولِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا أَوْ مَجْنُونًا وَهُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ قَائِلًا: لِأَنَّ الَّذِي عَقَدَ لِأَجْلِهِ قَدْ حَصَلَ، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ قَصَرَ الْكَلَامَ عَلَى مَنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْوَطْءُ الْكَامِلُ كَالْأَجْذَمِ لَا مَنْ ذَكَرُهُ صَغِيرٌ جِدًّا أَوْ لَا ذَكَرَ لَهُ كَالْمَجْبُوبِ. (وَ) إذَا أَدَّى الزَّوْجُ الصَّدَاقَ لَهَا (رَجَعَ بِهِ) كُلِّهِ (عَلَى أَبِيهَا وَكَذَلِكَ إنْ زَوَّجَهَا أَخُوهَا) يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ الَّذِي أَدَّاهُ لَهَا، وَكُلُّ مَنْ غَرِمَ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأَخِ الصَّدَاقَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَتَفُوزُ بِمَا قَبَضَهُ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْضُرْ الْعَقْدَ، وَالْغَارِمُ هُوَ الْوَلِيُّ الَّذِي لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ أَمْرُهَا، وَمَفْهُومُ دَخَلَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ
[ ٢ / ٣٨ ]
وَيُؤَخَّرُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً فَإِنْ وَطِئَ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَتْ.
وَالْمَفْقُودُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ ذَلِكَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] السَّالِمُ بِعَيْبِ الْآخَرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفَارَقَ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ الصَّدَاقِ، لِأَنَّ الْعَيْبَ إنْ كَانَ بِالزَّوْجَةِ فَهِيَ غَارَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِالزَّوْجِ فَالْفِرَاقُ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ يُوجِبُ الرَّدَّ مُطْلَقًا أَوْ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَمَعَ الرَّدِّ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَا صَدَاقَ وَبَعْدَهُ فَمَعَ عَيْبِهِ الْمُسَمَّى، وَمَعَهَا رَجَعَ بِجَمِيعِهِ عَلَى وَلِيٍّ لَمْ يَغِبْ كَابْنٍ وَأَخٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَمَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمَرْأَةِ مَعَ الرَّدِّ قَبْلَ الْبِنَاءِ ظَاهِرُهُ كَانَ الْعَيْبُ بِهَا أَوْ بِهِ كَانَ الرَّدُّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ أَمْ بِغَيْرِهِ. وَفِي الْأُجْهُورِيِّ مَا مُحَصَّلُهُ: هَذَا إنْ كَانَ الْعَيْبُ بِالزَّوْجِ لِأَنَّهَا الَّتِي اخْتَارَتْ مُفَارَقَتَهُ، وَكَذَا إنْ كَانَ بِالزَّوْجَةِ وَرَدَّهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا لَوْ رَدَّهَا بِلَفْظِ الطَّلَاقِ لَلَزِمَهُ النِّصْفُ لَهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ أَنَّ الرَّدَّ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ يَقْتَضِي الرِّضَا بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَقَدَّمَ لَنَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الرَّدَّ هُنَا إنَّمَا يَكُونُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، فَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الرَّدُّ إلَّا بِالطَّلَاقِ فَرَاجِعْ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا إذَا غَرِمَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً بِمَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا لَوْ حَضَرَتْ مَجْلِسَ الْعَقْدِ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ وَعَلَيْهَا إنْ زَوَّجَهَا بِحُضُورِهَا كَاتِمَيْنِ، ثُمَّ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهَا إنْ أَخَذَهُ مِنْهُ لَا الْعَكْسُ، وَلَمَّا مَرَّ حُكْمُ مَا إذَا زَوَّجَهَا قَرِيبُهَا الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا، شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا إذَا زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا الْبَعِيدُ الَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ زَوَّجَهَا) أَيْ ذَاتَ الْعَيْبِ (وَلِيٌّ لَيْسَ بِقَرِيبِ الْقَرَابَةِ) كَابْنِ الْعَمِّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ غَيْرَ عَالِمٍ بِعَيْبِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) أَيْ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَخَذَتْهُ الزَّوْجَةُ مِنْ الصَّدَاقِ (وَ) إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ بِحَيْثُ (لَا يَكُونُ لَهَا) مِنْهُ (إلَّا رُبُعُ دِينَارٍ) قَالَ خَلِيلٌ: وَرَجَعَ عَلَيْهَا فِي كَابْنِ الْعَمِّ إلَى رُبُعِ دِينَارٍ، فَإِنْ عَلِمَ بِأَمْرِهَا فَكَقَرِيبِ الْقَرَابَةِ فِي التَّفْصِيلِ السَّابِقِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ إذَا رَجَعَ عَلَى الْوَلِيِّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ رُبُعِ دِينَارٍ، وَإِذَا رَجَعَ عَلَيْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِهِ لَزِمَ عُرُوُّ الْبُضْعِ عَنْ الصَّدَاقِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ رُبُعَ الدِّينَارِ حَقُّ اللَّهِ. وَثَانِيهِمَا إذَا رَجَعَ عَلَى الْوَلِيِّ تَفُوزُ هِيَ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ فَلَمْ يَعْرُ بُضْعُهَا عَنْ صَدَاقٍ، وَأَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْعِلْمِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ، مَنْ أَكْرَى مَطْمُورَةً يُخَزِّنُ فِيهَا الْحَبَّ مَثَلًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُوضَعُ فِيهَا يُسَوَّسُ فَسَاسَ جَمِيعُ مَا وَضَعَهُ الْمُكْتَرِي يَرْجِعُ عَلَيْهِ، كَمَا يَرْجِعُ عَلَى الْوَلِيِّ الْعَالِمِ بِعَيْبِ الْمَنْكُوحَةِ، وَبِذَلِكَ حَكَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَ الْمَطْمُورَةَ لَمَا رَجَعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَمِثْلُ مَا حَكَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيِّ فِيمَا إذَا بَاعَ أَوْ أَكْرَى خَابِيَةً دَلَّسَ فِيهَا بِالْكَسْرِ وَعَلِمَ أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يَجْعَلُ فِيهَا زَيْتًا جَعَلَهُ فِيهَا فَانْهَرَقَ مِنْ كَسْرِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْكِرَاءِ لَا فِي الْبَيْعِ، مِنْ التَّتَّائِيِّ بِتَصَرُّفٍ لِلْإِيضَاحِ: وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكِرَاءِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الْفَحْصِ عَنْ حَالِهَا بِخِلَافِ الْكِرَاءِ لَا تَقْصِيرَ عِنْدَ الْمُكْتَرِي، لِأَنَّ الْمُكْرِيَ أَكْرَاهَا لِمَنْ لَهُ انْتِفَاعٌ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَالْمُكْرِي غَارٌّ، وَلَا يُقَالُ: كَذَلِكَ الْبَائِعُ، لِأَنَّا نَقُولُ: يُمْكِنُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَاهَا لَا لِيَضَعَ فِيهَا شَيْئًا بَلْ لِيَتَمَلَّكَ مَحَلَّهَا، وَحَرِّرْهُ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْوَلِيَّ الْبَعِيدَ إذَا عَلِمَ بِعَيْبِهَا يَكُونُ كَالْقَرِيبِ جِدًّا، فَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجُ مَعَ الْبَعِيدِ فِي الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ الْبَعِيدِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَيْبَهَا، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ لِلزَّوْجِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ فِي دَعْوَى الِاتِّهَامِ وَبَعْدَ حَلِفِهِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ، وَإِذَا بَرِئَ الْوَلِيُّ مِنْ الصَّدَاقِ إمَّا بِحَلِفِهِ أَوْ بِنُكُولِ الزَّوْجِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ فَإِنَّهُ يُضَيِّعُ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ إذْ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا إذَا لَا يَبْرَأُ الْوَلِيُّ وَلَكِنْ أَعَسَرَ. الثَّانِي: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الرَّدَّ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ الْخِيَارَ مُطْلَقًا أَوْ بِالشَّرْطِ وَاضِحٌ، وَعَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَأَمَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَيَجِبُ قَصْرُ الْحُكْمِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الرَّدِّ بِمَا يُوجِبُ الْخِيَارَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُهُ إلَّا بِشَرْطٍ كَعَدَمِ الْبَيَاضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا خِيَارَ فِيهِ إلَّا بِالشَّرْطِ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ وَلَمْ يَجِدْ مَا شَرَطَهُ فَإِنَّهَا تُرَدُّ إلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا زَادَهُ لِأَجْلِ مَا اشْتَرَطَهُ، أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، فَيَدْفَعُ لَهَا الْمُسَمَّى وَلَا يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ، فَلَيْسَ كَالْعَيْبِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤَجَّلُ الْمُعْتَرِضُ سَنَةً) بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ وَإِنْ مَرِضَ وَالْعَبْدُ نِصْفَهَا. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا وَجَدَتْهُ الْمَرْأَةُ مُعْتَرِضًا وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْعَامَّةِ مَرْبُوطًا أَيْ لَهُ آلَةٌ لَكِنْ لَا تَنْتَشِرُ عِنْدَ الْوَطْءِ إمَّا بِسِحْرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ يَتَحَيَّلُ فِيهِ عَلَى إزَالَةِ اعْتِرَاضِهِ وَقَدْرُهُ سَنَةً إنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، وَنِصْفُهَا إنْ كَانَ عَبْدًا، وَابْتِدَاءُ تِلْكَ الْمُدَّةِ مِنْ يَوْمِ قِيَامِ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ
[ ٢ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] صَحِيحًا، فَإِنْ قَامَتْ وَهُوَ مَرِيضٌ فَابْتِدَاؤُهَا بَعْدَ الصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى طَرَيَانِ الْمَرَضِ بَعْدَ ذَلِكَ. (فَإِنْ وَطِئَ) الزَّوْجُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ تُصَدِّقْهُ وَلَكِنْ حَلَفَ عَلَى الْوَطْءِ فِي السَّنَةِ سَقَطَ خِيَارُهَا بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا حَصَلَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ بَعْدَ وَطْئِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ انْقَضَتْ السَّنَةُ لِلْحُرِّ وَالنِّصْفُ لِلْعَبْدِ وَلَمْ يَطَأْ مَعَ تَصْدِيقِهَا لَهُ، أَوْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْوَطْءِ مَعَ إنْكَارِهَا. (فُرِّقَ بَيْنَهَا) بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. (إنْ شَاءَتْ) الزَّوْجَةُ الْفِرَاقَ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ فَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِالطَّلَاقِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِهِ؟ قَوْلَانِ: فَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَ الْأَجَلِ بِالْإِقَامَةِ مُدَّةً مَعَ بَقَاءِ الِاعْتِرَاضِ ثُمَّ أَرَادَتْ الْقِيَامَ فَلَهَا ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِ أَجَلٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ الرِّضَا بِلَا أَجَلٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ: رَضِيت بِالْبَقَاءِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ، أَوْ قَالَتْ: أَقْعُدُ مَعَهُ الْأَبَدَ، فَلَيْسَ لَهَا فِرَاقُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ زَوْجَةَ الْمَجْذُومِ لَهَا الْفِرَاقُ وَإِنْ رَضِيَتْ بِالْإِقَامَةِ مَعَهُ طُولَ عُمْرِهَا أَوْ أَطْلَقَتْ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ شِدَّةُ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لَهَا دُونَ زَوْجَةِ الْمُعْتَرِضِ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُعْتَرِضِ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ وَطْءٌ قَبْلَ اعْتِرَاضِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ كَوْنِ اعْتِرَاضِهِ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، وَأَمَّا لَوْ وَطِئَهَا سَلِيمًا ثُمَّ حَصَلَ لَهُ الِاعْتِرَاضُ بَعْدَ وَطْئِهِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهَا، كَحُصُولِ أُدْرَةٍ لَهُ مَانِعَةٍ لَهُ مِنْ الْوَطْءِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِالْقَيْلِيطِ، أَوْ حَصَلَ لَهُ هَرَمٌ بَعْدَ الْوَطْءِ فَلَا خِيَارَ لِلْمَرْأَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا الزِّنَا فَلَهَا التَّطْلِيقُ، لِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ التَّطْلِيقَ بِالضَّرَرِ الثَّابِتِ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ. الثَّانِي: إذَا تَنَازَعَ الْمُعْتَرِضُ مَعَ الزَّوْجَةِ فِي الْوَطْءِ وَعَدَمِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُصَدَّقُ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصُدِّقَ إنْ ادَّعَى فِيهَا الْوَطْءَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَلَهَا التَّطْلِيقُ، وَإِنْ نَكَلَتْ لَزِمَهَا الْبَقَاءُ، بِخِلَافِ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْوَطْءَ بَعْدَهُ فَلَا يُصَدَّقُ، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ التَّنَازُعُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَبْطُلُ اخْتِيَارُهَا، فَإِنْ نَكَلَ بَقِيَتْ زَوْجَةً إلَى الْأَجَلِ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَحْلِفَ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأَجَلِ مِنْ حَقِّهِ، فَإِنْ حَلَفَ أَوْ وَطِئَ عِنْدَهُ بَطَلَ خِيَارُهَا، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى إنْكَارِهِ حَلَفَتْ وَإِلَّا بَقِيَتْ زَوْجَةً فَالصُّوَرُ ثَلَاثٌ. الثَّالِثُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى صَدَاقِهَا، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّهُ بِالْوَطْءِ أَوْ بِانْقِضَاءِ السَّنَةِ لِأَنَّ إقَامَةَ السَّنَةِ عِنْدَنَا كَالْوَطْءِ. الرَّابِعُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى النَّفَقَةِ لَزَوْجَةِ الْمُعْتَرِضِ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا كَلَامُ الشُّيُوخِ، فَاسْتَظْهَرَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ عَدَمَ النَّفَقَةِ لَهَا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ وَأَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ: أَنَّ كُلًّا مِنْ امْرَأَةِ الْمَجْنُونِ وَالْأَجْذَمِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمُعْتَرِضِ مُتَسَاوِيَاتٌ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالتَّمْكِينِ مِنْهُ، وَإِذَا مَنَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ نَفْسَهَا مِنْ الزَّوْجِ بَعْدَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ بِمَا ذَكَرْنَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا امْرَأَةَ الْمَجْنُونِ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا وَلَوْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الضَّرَرِ، وَمِثْلُهَا زَوْجَةُ الْمُعْسِرِ بِالصَّدَاقِ إذَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا حَتَّى يُؤَدِّيَ صَدَاقَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَكَتَمَهُ. الْخَامِسُ: مَفْهُومُ الْمُعْتَرِضِ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ ذَوِي الْعُيُوبِ لَا يُؤَجَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ مَنْ يُمْكِنُ زَوَالُ عَيْبِهِ كَالْأَجْذَمِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ يُؤَجَّلُ سَنَةً عِنْدَ رَجَاءِ بُرْئِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجِّلَا فِيهِ وَفِي بَرَصٍ وَجُذَامٍ رُجِيَ بُرْؤُهُمَا سَنَةً، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَا بَيْنَ الْعَيْبِ السَّابِقِ عَلَى الْعَقْدِ وَالْحَادِثِ بَعْدَهُ، لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّابِقَ عَلَى الْعَقْدِ فِيهِ الْخِيَارُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمُتَأَخِّرَ عَلَى الْعَقْدِ إنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْخِيَارُ لِلزَّوْجَةِ فَقَطْ، وَقَيَّدْنَا بِمَنْ يُمْكِنُ زَوَالُ عُذْرِهِ احْتِرَازًا عَنْ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ فَلَا فَائِدَةَ مِنْ تَأْجِيلِهِمَا. السَّادِسُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ إذَا طَلَبَتْ التَّأْخِيرَ لِمُدَاوَاةِ عَيْبِهَا، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّهَا إذَا كَانَ يُمْكِنُ زَوَالُ عَيْبِهَا بِمُعَالَجَةٍ فَإِنَّهَا تُؤَجَّلُ لَهُ مُدَّةً بِاجْتِهَادِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَأُجِّلَتْ الرَّتْقَاءُ لِلدَّوَاءِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خِلْقَةً. قَالَ شُرَّاحُهُ: وَلَا مَفْهُومَ لِلرَّتْقَاءِ بَلْ ذَاتُ الْقَرَنِ وَالْعَفَلِ مِمَّا يُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ، كَذَلِكَ وَيَلْزَمُ الرَّجُلَ الصَّبْرُ حَيْثُ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى مُدَاوَاتِهَا حُصُولُ عَيْبٍ فِي فَرْجِهَا، كَمَا أَنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إذَا طَلَبَهُ الزَّوْجُ إذَا كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَاوَاةِ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ لِلْمُتَأَمِّلِ. السَّابِعُ: لَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَيْبًا بِصَاحِبِهِ وَالْآخَرُ يُنْكِرُ وَمُحَصَّلُهُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ مِنْ الرِّجَالِ كَانَ بِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ حَيْثُ كَانَ فِي ظَهْرِ أَوْ بَطْنِ الرَّجُلِ أَوْ فِي كَفِّ أَوْ وَجْهِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ فَإِنْ كَانَ فِي دُبُرٍ أَوْ فَرْجٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ بِيَمِينِهِ كَانَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، إلَّا إنْ كَانَ يُمْكِنُ عِلْمُهُ بِغَيْرِ نَظَرٍ كَالْخِصَاءِ وَالْجَبِّ فَإِنَّهُ يُجَسُّ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجُسَّ عَلَى ثَوْبِ مُنْكِرِ الْجَبِّ وَنَحْوِهِ، وَصُدِّقَ فِي الِاعْتِرَاضِ كَالْمَرْأَةِ فِي دَائِهَا أَيْ فِي نَفْيِ دَائِهَا، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ إلَّا بِرِضَاهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهَا عَلَى مَا ادَّعَتْهُ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَيْبُهَا دَاخِلَ الثِّيَابِ وَفِي غَيْرِ الْفَرْجِ وَالدُّبُرِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ مِنْ النِّسَاءِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ عُيُوبَ النِّسَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالرِّجَالِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنِّسَاءِ وَهُوَ مَا كَانَ بِنَحْوِ بَطْنِهَا أَوْ ظَهْرِهَا، وَمَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِهِنَّ بَعْدَ حَلِفِهِنَّ وَهُوَ دَاءُ الْفَرْجِ، وَقَوْلُنَا: إلَّا بِرِضَاهَا نَصَّ عَلَيْهِ شُرَّاحُ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَتَى بِامْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ لَهُ قُبِلَتَا، وَلَنَا فِيهِ بَحْثٌ مُحَصَّلُهُ: كَيْفَ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ بِرِضَا صَاحِبِهَا مَعَ تَصْدِيقِهِ
[ ٢ / ٤٠ ]
[أحكام الزوج المفقود]
وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ ثُمَّ تَعْتَدُّ كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ ثُمَّ تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ.
وَلَا يُورَثُ مَالُهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] فِي نَفْيِ الْعَيْبِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ جَوَازُ نَظَرِنَا إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ إذَا رَضِيَ عِنْدَ دَعْوَاهَا أَوْ بِدُبُرِهِ بَرَصًا أَوْ جُذَامًا، بَلْ كَانَ الرَّجُلُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ فَحَرِّرْهُ [أَحْكَامِ الزَّوْجِ الْمَفْقُودِ] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِ الزَّوْجِ الْمَفْقُودِ فَقَالَ: (وَالْمَفْقُودُ) وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ مُمْكِنُ الْكَشْفِ عَنْهُ، فَالْأَسِيرُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْكَشْفُ عَنْهُ لَا يُسَمَّى مَفْقُودًا فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَفْقُودُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ إمْكَانِ الْكَشْفِ عَنْهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَوْضِعٌ وَكَانَ فَقْدُهُ فِي غَيْرِ مَجَاعَةٍ وَلَا وَبَاءٍ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ زَوْجَتُهُ بِالصَّبْرِ إلَى قُدُومِهِ فَلَهَا أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ الْقَاضِي أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي عَدَمِهِ، أَوْ وَالِي الْمَاءِ وَهُوَ الَّذِي يُجْبِي الزَّكَاةَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ رَفَعَتْ لِصَالِحِي جِيرَانِهَا لِيَفْحَصُوا عَنْ حَالِ زَوْجِهَا، لَكِنْ بَعْدَ أَنْ تُثْبِتَ الزَّوْجِيَّةَ وَغَيْبَةَ الزَّوْجِ وَالْبَقَاءَ فِي الْعِصْمَةِ إلَى الْآنَ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَتَبَ كِتَابًا مُشْتَمِلًا عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي يَظُنُّ وُجُودَهُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ وُجُودَهُ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ كَتَبَ إلَى الْبَلَدِ الْجَامِعِ، وَاسْتَصْوَبَ ابْنُ نَاجِي أَنَّ أُجْرَةَ الرَّسُولِ الَّذِي يَفْحَصُ عَنْ الْمَفْقُودِ عَلَى الزَّوْجَةِ، فَإِذَا انْتَهَى الْكَشْفُ وَرَجَعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ وَأَخْبَرَهُ بِعَدَمِ وُقُوفِهِ عَلَى خَبَرِهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ (يُضْرَبَ لَهُ أَجَلٌ) قَدْرُهُ (أَرْبَعُ سِنِينَ) لِلْحُرِّ وَسَنَتَانِ لِلْعَبْدِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ مَحْضُ تَعَبُّدٍ لَفِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَمَحَلُّ التَّأْجِيلِ الْمَذْكُورِ إنْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا فِي الْأَجَلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَلَهَا التَّطْلِيقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ لَكِنْ بَعْدَ إثْبَاتِ مَا تَقَدَّمَ، وَتُزِيدُ إثْبَاتَ الْعَدَمِ وَاسْتِحْقَاقَهَا لِلنَّفَقَةِ وَتَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ لَهَا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ مِنْهُ نَفَقَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُمَكِّنُهَا الْحَاكِمُ مِنْ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا بِأَنْ تُوقِعَهُ وَيَحْكُمَ بِهِ أَوْ يُوقِعَهُ الْحَاكِمُ، وَمِثْلُ الْمَفْقُودِ مَنْ عُلِمَ مَوْضِعُهُ وَشَكَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ عَدَمِ النَّفَقَةِ يُرْسِلُ إلَيْهِ الْقَاضِي: وَإِمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَوْ تُرْسِلَ النَّفَقَةَ أَوْ تُطَلِّقَهَا، وَإِلَّا طَلَّقَهَا الْحَاكِمُ، بَلْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَعَدِمَتْ النَّفَقَةُ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهَا الْفَسْخُ إنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ لَا مَاضِيَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ الطَّلَاقِ تَعْتَدُّ عِدَّةَ طَلَاقٍ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ لِلْحُرَّةِ وَقُرْأَيْنِ لِلْأَمَةِ فِيمَنْ تَحِيضُ، وَإِلَّا فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرَّةِ وَالزَّوْجَةِ الْأَمَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَشْهُرِ. ثُمَّ بَيَّنَ ابْتِدَاءَ الْأَجَلِ بِقَوْلِهِ: (مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ) زَوْجَتُهُ (ذَلِكَ) أَيْ أَمْرَ زَوْجِهَا وَيُرْسِلُ الْحَاكِمُ فِي النَّوَاحِي لِلْكَشْفِ عَنْهُ. (وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ) فَحِينَئِذٍ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ بِمُجَرَّدِ الرَّفْعِ بَلْ بَعْدَ تَمَامِ الْكَشْفِ، وَإِلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَلِزَوْجَةِ الْمَفْقُودِ الرَّفْعُ لِلْقَاضِي وَالْوَلِيِّ وَوَالِي الْمَاءِ وَإِلَّا فَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُؤَجَّلُ أَرْبَعَ سِنِينَ إنْ دَامَتْ نَفَقَتُهَا، وَالْعَبْدُ نِصْفُهَا مِنْ الْعَجْزِ عَنْ خَبَرِهِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ كَالْوَفَاةِ كَمَا يَأْتِي. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَنُصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَنْ تَرْفَعُ لَهُ زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ خَلِيلٍ أَنَّهُ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ الثَّلَاثَةِ لَا تَرْفَعُ إلَّا لِلْقَاضِي لَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ رَفَعَتْ لِغَيْرِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الرَّفْعِ لَهُ حَرُمَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَإِنْ مَضَى مَا فَعَلَهُ إنْ كَانَ هُوَ الْوَالِي أَوْ وَالِي الْمَاءِ لَا جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَأَمَّا لَوْ رَفَعَتْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ وُجُودِ الْوَالِي أَوْ وَالِي الْمَاءِ فَالظَّاهِرُ مُضِيُّ فِعْلِهِمْ. وَفِي السَّنْهُورِيِّ وَتَبِعَهُ اللَّقَانِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ خَلِيلٍ أَنَّ الثَّلَاثَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ أَضْبَطُ، وَوُجُودُ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ يَجُوزُ أَوْ يَأْخُذُ الْمَالَ الْكَثِيرَ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ فَتَرْفَعُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا، لِوُجُوبِ لَوَازِمِ الزَّوْجِيَّةِ بِإِطَاقَتِهَا وَبُلُوغِ زَوْجِهَا وَتَمْكِينِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَلَوْ بِالْقُوَّةِ كَمَا مَرَّ. الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ لِلْمَفْقُودِ زَوْجَاتٌ وَرَفَعَتْ وَاحِدَةٌ لِنَحْوِ الْقَاضِي، ثُمَّ رَفَعَتْ وَاحِدَةٌ أُخْرَى، فَإِنَّ الْأَجَلَ الْمَضْرُوبَ لِلْأُولَى يَكُونُ أَجَلًا لِلْبَاقِيَاتِ إنْ طَلَبْنَ الْفِرَاقَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالضَّرْبُ لِوَاحِدَةٍ ضَرْبٌ لِبَقِيَّتِهِنَّ. (ثُمَّ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ بَعْدَ تَمَامِ الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ وَلَمْ يَظْهَرْ (تَعْتَدُّ) زَوْجَتُهُ (كَعِدَّةِ) زَوْجَةِ (الْمَيِّتِ) وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لِلْحُرَّةِ، وَشَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ مَعَ أَيَّامِهَا إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، وَيَلْزَمُهَا مَا يَلْزَمُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا مِنْ الْإِحْدَادِ. زَمَنَ عِدَّتِهَا، وَلَا تَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ عِنْدَ شُرُوعِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا، وَأَمَّا فِي مُدَّةِ الْأَجَلِ فَتُنْفِقُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ مَوْتَهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. قَالَ خَلِيلٌ: ثُمَّ اعْتَدَّتْ كَالْوَفَاةِ وَسَقَطَتْ بِهَا النَّفَقَةُ وَلَا تَحْتَاجُ فِيهَا إلَى إذْنٍ وَلَيْسَ لَهَا الْبَقَاءُ بَعْدَهَا. (ثُمَّ) بَعْدَ الْعِدَّةِ (تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ) وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ الْبَقَاءُ فِي عِصْمَةِ الْمَفْقُودِ لِأَنَّهَا أُبِيحَتْ لِغَيْرِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهَا فِي أَنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا إنْ قَدِمَ لِأَنَّهَا عَلَى حُكْمِ الْفِرَاقِ حَتَّى تَظْهَرَ حَيَاتُهُ، إذْ لَوْ مَاتَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ لَمْ يُوقَفْ لَهُ إرْثٌ مِنْهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِهِ حُكْمُ مَا لَوْ جَاءَ الْمَفْقُودُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ وَحُكْمُهَا حِينَئِذٍ كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ، فَإِنْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَهَا وَقَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَكِنْ عَلِمَ الْمُتَزَوِّجُ بِهَا بِأَنَّ زَوْجَهَا الْمَفْقُودَ جَاءَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ لَكِنْ
[ ٢ / ٤١ ]
إلَى مِثْلِهِ.
وَلَا تُخْطَبُ الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ.
وَمَنْ نَكَحَ بِكْرًا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] كَانَ عَقْدُهُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ، فَلَا تَفُوتُ عَلَى الْمَفْقُودِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ لَوْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ تَلَذُّذِ الثَّانِي بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ يَفُوتُ بِالدُّخُولِ فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَى الْمَفْقُودِ. قَالَ خَلِيلٌ: فَإِنْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ فَكَالْوَلِيَّيْنِ. الثَّانِي: تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ وَلَمْ يَتَكَلَّمَ عَلَى أُمِّ وَلَدِهِ، وَحُكْمُهَا كَمَا لَهُ فِي الْوَقْفِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ حَيْثُ كَانَ لِسَيِّدِهَا مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ، وَإِلَّا تُجِزْ عِتْقَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَتَتَزَوَّجُ بَعْدَ حَيْضَةٍ لِأَنَّهَا عِدَّتُهَا مِنْ سَيِّدِهَا، فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَأَشَارَ إلَى حُكْمِ مَالِهِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُوَرَّثُ مَالُهُ) أَيْ الْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ (حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ) وَهِيَ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ سَبْعُونَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، وَحَكَمَ بِخَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي سَنَةٍ فَالْأَقَلُّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَتِهِمْ تَحْقِيقٌ بَلْ تَجُوزُ عَلَى التَّقْدِيرِ وَغَلَبَةِ الظَّنِّ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا مَرَّ مِنْ ضَرْبِ الْأَجَلِ إنَّمَا هُوَ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَمَّا زَوْجَةُ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ وَمِثْلُهَا زَوْجَةُ الْأَسِيرِ فَإِنَّهُمَا يَبْقَيَانِ لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ وَأَوْلَى مَالُهُمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يُضْرَبْ لَهُمَا أَجَلٌ كَزَوْجَةِ مَفْقُودِ أَرْضِ الْإِسْلَامِ لِتَعَذُّرِ الْكَشْفِ عَنْ زَوْجِهِمَا وَمَحَلُّ بَقَائِهِمَا إنْ دَامَتْ نَفَقَتُهُمَا كَغَيْرِهِمَا وَإِلَّا فَلَهُمَا التَّطْلِيقُ: قَالَ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَإِذَا جَازَ لَهَا التَّطْلِيقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا إذَا خَشِيَتْ عَلَى نَفْسِهَا الزِّنَا بِالْأَوْلَى لِشِدَّةِ ضَرَرِ تَرْكِ الْوَطْءِ النَّاشِئِ عَنْهُ الزِّنَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أَسْقَطَتْ النَّفَقَةَ عَنْ زَوْجِهَا يَلْزَمُهَا الْإِسْقَاطُ، وَإِنْ أَسْقَطَتْ عَنْهُ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ لَا يَلْزَمُهَا وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيهِ، وَأَيْضًا النَّفَقَةُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ بِتَسَلُّفٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْوَطْءِ، فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ يُحْكَمُ بِمَوْتِ مَنْ ذُكِرَ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ عِدَّةَ وَفَاةٍ، وَيُقْسَمُ مَالُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ حِينَئِذٍ لَا عَلَى وَرَثَتِهِ حِينَ فَقْدِهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ يَوْمَ الْفَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَالْمُعْتَبَرُ وَرَثَتُهُ يَوْمَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ، فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ فَإِنَّ الْقَسْمَ لَا يَمْضِي وَيَرْجِعُ لَهُ مَتَاعُهُ، وَلَا يُقَاسُ هَا هُنَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ اشْتَهَرَ بِجِزْيَةٍ وَأَوْصَى وَمَاتَ فَإِنَّ الْوَصِيَّ لَا يَضْمَنُ، وَيَمْضِي بَيْعُ الْوَصِيِّ إنْ عُذِّرَتْ بَيِّنَتُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ. قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ نَقْلًا عَنْ خَطِّ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ فِي مُعْتَرَكِ الْمُسْلِمِينَ فَتَعْتَدُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي التَّكَشُّفِ عَنْهُ، وَلَا يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلِذَلِكَ يُقْسَمُ مَالُهُ حِينَ شُرُوعِهَا فِي الْعِدَّةِ، أَمَّا لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْجَيْشِ وَلَمْ تُشَاهِدْهُ فِي الْمُعْتَرَكِ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجْرِي فِي زَوْجَتِهِ مَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ فِي زَمَنِ الْمَجَاعَةِ أَوْ الْوَبَاءِ أَوْ الْكُبَّةِ أَوْ السُّعَالِ فَتَعْتَدُّ بَعْدَ ذَهَابِ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَأَمَّا زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ فِي الْقِتَالِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ كَائِنَةً بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْ حَالِهِ وَبَقِيَ مَنْ شَكَّ فِي حَالِهِ هَلْ فُقِدَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الْكُفَّارِ؟ لَا نَصَّ فِي حَالِهِ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِالْأَحْوَطِ، فَتُعَامَلُ زَوْجَتُهُ مُعَامَلَةَ زَوْجَةِ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ، بِخِلَافِ مَنْ سَافَرَ فِي الْبَحْرِ فَانْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْمَفْقُودِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فُقِدَ فِي شِدَّةِ رِيحٍ وَالْمَرَاكِبُ فِي الْمَرْسَى وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ خَبَرٌ، فَيُحْكَمُ بِمَوْتِهِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِغَرَقِهِ، فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمَفْقُودَ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ وَقَدْ مَرَّتْ مُفَصَّلَةَ الْأَحْكَامِ. الثَّانِي: لَوْ مَاتَ مُورِثُ الْغَائِبِ وُقِفَ نَصِيبُ ذَلِكَ الْغَائِبِ مِنْهُ، فَإِنْ قَدِمَ أَخَذَهُ وَإِنْ مَاتَ بِالتَّعْمِيرِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ الْمَوْقُوفُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ حِينَ مَاتَ الْمُعَمِّرُ، وَيَرِثُ الْمُعَمِّرَ وَرَثَتُهُ حِينَ مَاتَ بِالتَّعْمِيرِ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ يُؤَيِّدُ التَّحْرِيمَ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَحْرُمُ مِنْ أَسْبَابِهِ فِي زَمَنِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا) يَجُوزُ (أَنْ تُخْطَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا) وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ التَّصْرِيحُ بِالْخِطْبَةِ لِلْمُعْتَدَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَصَرِيحُ خِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ وَمُوَاعَدَتِهَا كَوَلِيِّهَا وَلَوْ عِدَّةَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ بِهَا فِي عِدَّتِهَا لَا يُؤَبِّدُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَالْمُوَاعَدَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ الْوَعْدُ مِنْ أَحَدِهِمَا لَكُرِهَ فَقَطْ وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِدَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِدُونِ الثَّلَاثِ يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مِنْ عِدَّتِهَا فَضْلًا عَنْ الْخِطْبَةِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مِثْلُ الْمُعْتَدَّةِ الْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ الزِّنَا تُحْرَمُ خِطْبَتُهَا فِي زَمَنِ اسْتِبْرَائِهَا وَلَوْ مِنْهُ وَكَذَا مُوَاعَدَتُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةُ وَاضِحٌ. الثَّانِي: لَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ وَخَطَبَهَا فِي عِدَّتِهَا أَوْ اسْتِبْرَائِهَا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ اُسْتُحِبَّ لَهُ فِرَاقُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا وَتَزْوِيجُ زَانِيَةٍ أَوْ مُصَرَّحٍ بِهَا بَعْدَهَا وَنُدِبَ فِرَاقُهَا وَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا زَمَنَ عِدَّتِهَا وَدَخَلَ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا إنْ كَانَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِالتَّعْرِيضِ) مِنْ مُرِيدِ النِّكَاحِ أَوْ وَلِيِّهِ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا (بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ) أَيْ الْحَسَنِ الْمُقْتَضِي لِتَرْغِيبِهَا فِي
[ ٢ / ٤٢ ]
دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ وَفِي الثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ فَإِنْ شَاءَ وَطْءَ الْأُخْرَى فَلْيُحَرِّمْ عَلَيْهِ فَرْجَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ وَشِبْهِهِ مِمَّا تَحْرُمُ بِهِ وَمَنْ وَطِئَ أَمَةً بِمِلْكٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] نِكَاحِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَجَازَ تَعْرِيضٌ: كَفِيك رَاغِبٌ، وَأَنَا لَك مُحِبٌّ، وَأَبْشِرِي بِالْخَيْرِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يُرَغِّبُهَا فِي نِكَاحِهِ مِنْهُ، وَمَحَلُّ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ فِيمَنْ يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ الْفَرْقَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقِ غَيْرِهِ الْبَائِنِ لَا الرَّجْعِيِّ، فَيَحْرُمُ التَّعْرِيضُ لَهَا إجْمَاعًا كَمَا نَقَلَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَعَزَاهُ الْقُرْطُبِيُّ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى حُكْمِ إرْسَالِ الْهَدِيَّةِ لِلْمُعْتَدَّةِ، وَنَصَّ خَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْمَوَدَّةِ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا بَيْنَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ نَاجِي: الْهَدِيَّةُ فِي زَمَانِنَا أَقْوَى مِنْ الْمُوَاعَدَةِ، فَالصَّوَابُ حُرْمَتُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا، وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ فَعَلَهَا لَا لِإِرَادَةِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ فَلَا نِزَاعَ فِي حُرْمَتِهِ لِأَنَّهُ كَالتَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ بَلْ أَقْوَى. الثَّانِي: لَوْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ وَتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَهْدَاهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَفِي التَّوْضِيحِ لِلْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ: أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَدَّةِ لَا رُجُوعَ عَلَيْهَا بِمَا أَنْفَقَ، وَذَكَرَ الشَّمْسُ اللَّقَانِيُّ تَفْصِيلًا مُحَصَّلُهُ: إنْ كَانَ عَدَمُ النِّكَاحِ مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ لَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ رَجَعَ. قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهَذَا حَيْثُ لَا عُرْفَ وَلَا شَرْطَ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ، وَأَقُولُ: الْعُرْفُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرُهَا فِي بَابِ الْقَسْمِ فَقَالَ: (وَمَنْ نَكَحَ) عَلَى زَوْجَتِهِ (بِكْرًا) وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً (فَلَهَا) عَلَيْهِ (أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا) أَيْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا (دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ) وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ فِي خِلَالِ السَّبْعَةِ. (وَ) أَمَّا لَوْ تَزَوَّجَ (الثَّيِّبَ) عَلَى غَيْرِهَا لَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ عِنْدَهَا (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بِلَيَالِيِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَقُضِيَ لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ وَلِلثَّيِّبِ بِثَلَاثٍ، وَإِنَّمَا تَمَيَّزَتْ الْبِكْرُ مِنْ الثَّيِّبِ بِطُولِ الْإِقَامَةِ عِنْدَهَا لِمَا عِنْدَهَا مِنْ الْوَحْشَةِ بِفِرَاقِ أَهْلِهَا وَأَيْضًا لِتَتَأَنَّسَ مِنْ الزَّوْجِ، بِخِلَافِ الثَّيِّبِ وَالْإِقَامَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تُنَافِي الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ مَصَالِحِهِ وَصَلَاتِهِ الْجُمُعَةَ وَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ لَهَا مَنْعُهُ فَلَيْسَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ يَجِبُ الْقَسْمُ وَيَبْدَأُ بِأَيَّتِهِنَّ أَحَبَّ، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْمَوَّازِ الْبُدَاءَةَ بِالْقَدِيمَةِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ عِنْدَهَا وَلَا الْبَيَاتُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ إضْرَارَهَا، فَعَلَيْهِ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالْبَيَاتِ عِنْدَهَا أَوْ بِالْمُؤَانَسَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ قَدَّمْنَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي لَيْلَةٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ فِي السَّابِقَةِ فِي الدَّعْوَةِ لِلدُّخُولِ أَوْ بِالْعَقْدِ إنْ تَسَاوَيَا فِي الدَّعْوَةِ وَإِلَّا أَقْرَعَ، وَهَذَا عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ لِلْمَرْأَةِ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَالْخِيَارُ لِلزَّوْجِ ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّسَاءِ فَقَالَ: (وَلَا) يَجُوزُ بِمَعْنَى يَحْرُمُ أَنْ (يُجْمَعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ (بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) وَنَحْوِهِمَا كَعَمَّتَيْنِ أَوْ خَالَتَيْنِ أَوْ امْرَأَةٍ وَأُمِّهَا. (فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ) أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْأُخْتَيْنِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْخِدْمَةِ أَوْ وَاحِدَةٌ لِلْخِدْمَةِ وَوَاحِدَةٌ لِلْوَطْءِ فَلَا حَرَجَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ وَاحِدَةٌ وَوَطِئَهَا وَأَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهَا غَيْرَهَا مِمَّنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ شَاءَ) بَعْدَ تَلَذُّذِهِ بِوَاحِدَةٍ (وَطْءَ الْأُخْرَى) أَيْ الَّتِي يَحْرُمُ جَمْعُهَا مَعَ الَّتِي تَلَذَّذَ بِهَا (فَلْيُحَرِّمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ (فَرْجَ الْأُولَى) الَّتِي تَلَذَّذَ بِهَا إمَّا (بِبَيْعٍ) بَتَّ وَلَوْ بِعَيْبٍ دَلَّسَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي (أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ) وَلَوْ لِأَجَلٍ (وَشِبْهِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ (مِمَّا يَحْرُمُ بِهِ) مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُحَرِّمُ فَرْجَ الْمَوْطُوءَةِ عَلَيْهِ كَإِخْدَامِهَا الزَّمَنَ الطَّوِيلَ كَالْأَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ عَقْدِ نِكَاحِهَا اللَّازِمِ، أَوْ أَسْرِهَا أَوْ إبَاقِهَا الْمُوجِبَيْنِ لِلْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَحَلَّتْ الْأُخْتُ بِبَيْنُونَةِ السَّابِقَةِ، أَوْ زَوَالِ مِلْكٍ بِعِتْقٍ وَإِنْ لِأَجَلٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ إنْكَاحٍ بِحِلِّ الْمَبْتُوتَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: تَحِلُّ لَهُ أُخْتُهَا بِكُلِّ عَقْدٍ لَيْسَ لَهُ حَلُّهُ، فَلَا تَحِلُّ بِفَاسِدٍ لَمْ يَفُتْ، وَلَا بِبَيْعِ خِيَارٍ أَوْ عُهْدَةِ ثَلَاثٍ أَوْ إخْدَامِ مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، وَلَا بِحَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ، أَوْ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ وَطْءٍ فَاسِدٍ، وَلَا بِرِدَّةٍ وَلَا بِإِحْرَامٍ وَلَا ظِهَارٍ وَلَا هِبَةٍ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ، وَلَا بِبَيْعِهَا أَوْ هِبَتِهَا لِعَبْدِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ وَطِئَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْأُولَى عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِغَيْرِ الْحَدِّ، وَيُوقَفُ عَنْهُمَا مَعًا حَتَّى يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا لِلْوَطْءِ وَيُحَرِّمَ الْأُخْرَى، فَإِنْ حَرَّمَ الْأُولَى فَلَا يَطَأُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا لِفَسَادِ مَائِهِ الْحَاصِلِ فِيهَا، وَإِنْ حَرَّمَ الثَّانِيَةَ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا زَمَنَ الْإِيقَافِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوُقِفَ إنْ وَطِئَهُمَا لِيُحَرِّمَ فَإِنْ أَبْقَى الثَّانِيَةَ اسْتَبْرَأَهَا. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ مَا لَوْ حَلَّتْ لَهُ الثَّانِيَةُ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ مِمَّا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْأُولَى،
[ ٢ / ٤٣ ]
[النيابة في الطلاق]
وَتَحْرُمُ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ كَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ
وَالطَّلَاقِ بِيَدِ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ وَلَا طَلَاقَ لِصَبِيٍّ
وَالْمُمَلَّكَةُ وَالْمُخَيَّرَةُ لَهُمَا أَنْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] ثُمَّ رَجَعَتْ الْأُولَى إلَى حَالَتِهَا الْأُولَى الْخَالِيَةِ عَنْ الْمُحَرَّمِ فَلَا تَرْجِعُ الْحُرْمَةُ فِيمَنْ حَلَّتْ، كَمَا لَوْ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ رَجَعَتْ الْمَأْسُورَةُ أَوْ رَجَعَتْ الْمَبِيعَةُ. قَالَ الْحَطَّابُ: مَنْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ اشْتَرَى أُخْتَهَا فَوَطِئَهَا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ أُمُّ وَلَدِهِ أَقَامَ عَلَى وَطْءِ الْأَمَةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْهُ ثُمَّ زَوَّجَهَا وَأُخْتَهَا ثُمَّ رَجَعَتَا إلَيْهِ جَمِيعًا وَطِئَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ إلَّا أَنْ يَطَأَ أُولَاهُمَا رُجُوعًا، وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ بَاعَ أَمَةً بَعْدَ وَطْئِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ وَطْءٌ حَتَّى اشْتَرَى الْمَبِيعَةَ لَمْ يَطَأْ إلَّا الزَّوْجَةَ، لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ كَالْوَطْءِ فِي الْمِلْكِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ عَقَدَ فَاشْتَرَى فَالْأُولَى أَيْ مُتَعَيَّنَةٌ لِلْبَقَاءِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ وَطْءَ الْمِلْكِ يَحْصُلُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمَوْطُوءَةِ عَلَى أَصْلِ الْوَاطِئِ وَفَرْعِهِ كَمَا يَحْرُمُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ وَطِئَ) مِنْ الْبَالِغِينَ (أَمَةً بِمِلْكٍ) وَلَوْ فَاسِدًا أَوْ تَلَذَّذَ مِنْهَا بِشَيْءٍ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ (لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا) وَإِنْ عَلَتْ (وَلَا ابْنَتُهَا) وَإِنْ سَفَلَتْ قِيَاسًا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَأَمَّا وَطْءُ غَيْرِ الْبَالِغِ فَلَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أُمَّ مَوْطُوءَتِهِ وَلَا ابْنَتَهَا لِلْقَاعِدَةِ، وَهِيَ أَنَّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بِالْوَطْءِ أَوْ التَّلَذُّذِ يُعْتَبَرُ فِيهِ بُلُوغُ الْوَاطِئِ، وَمَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغُ الْعَاقِدِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عَلَّامَةُ الزَّمَانِ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. (وَتَحْرُمُ) أَيْضًا تِلْكَ الْمَوْطُوءَةُ أَوْ الْمُتَلَذَّذُ بِهَا (عَلَى آبَائِهِ) أَيْ الْوَاطِئِ وَالْمُرَادُ أُصُولُهُ وَإِنْ عَلَوْا (وَ) تَحْرُمُ أَيْضًا عَلَى (أَبْنَائِهِ) الْمُرَادُ فُرُوعُهُ وَإِنْ سَفُلُوا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ بِالتَّلَذُّذِ بِالْمِلْكِ (كَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ) أَيْ الْعَقْدِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وَقَالَ تَعَالَى أَيْضًا: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] وَمَفْهُومُ وَطِئَ أَنَّ مُجَرَّدَ عَقْدِ الْمِلْكِ لَا يُحَرِّمُ أَصْلَ الْمَمْلُوكَةِ وَلَا فَرْعَهَا عَلَى أُصُولِهِ وَلَا عَلَى فُرُوعِهِ، بَلْ وَلَا تَحْرُمُ ذَاتُهَا عَلَى أَصْلِ الْمَالِكِ وَلَا عَلَى فَرْعِهِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ كَمَا قَدَّمْنَا. (تَنْبِيهٌ) فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِلْوَطْءِ بَلْ مُطْلَقُ التَّلَذُّذِ وَلَوْ بِالنَّظَرِ، كَمَا فُهِمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ بِمِلْكٍ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا بِزِنًا لَمْ يَحْصُلْ التَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِالزِّنَا حَلَالٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِطْلَاقُهُ الْوَطْءَ فِي الْمَمْلُوكَةِ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ الْحَرَامَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَمْلُوكَةُ مَجُوسِيَّةً، وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِ الْأُجْهُورِيِّ ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا عِنْدَ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّلَاقُ) كَائِنٌ (بِيَدِ الْعَبْدِ) الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَزَوَّجَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَوْ أَمْضَاهُ لَهُ (دُونَ السَّيِّدِ) لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إنَّمَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» وَهُوَ الزَّوْجُ، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَفَسْخُ نِكَاحِهِ بِيَدِ سَيِّدِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ بِطَلْقَةٍ وَتَكُونُ بَائِنَةً، بِخِلَافِ الْأَمَةِ تَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا فَيَتَحَتَّمُ عَلَى سَيِّدِهَا رَدُّ نِكَاحِهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الْعَبْدَ بِالْمُكَلَّفِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: (وَلَا طَلَاقَ) صَحِيحٌ (لِصَبِيٍّ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ وَلَوْ سَكِرَ حَرَامًا بِحَيْثُ صَارَ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ وَلَوْ بِأَكْلِ حَشِيشَةٍ، وَكَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمَجْنُونِ وَالْمُكْرَهِ وَلَا السَّكْرَانِ بِحَلَالٍ وَلَا الْكَافِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا يُطَلِّقُ عَلَى الصَّبِيِّ وَلِيُّهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي طَلَاقِ الشَّخْصِ لَزَوْجَةِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ طَلَّقَ زَوْجَةَ غَيْرِهِ فَيَصِحُّ. قَالَ خَلِيلٌ: وَطَلَاقُ الْفُضُولِيِّ كَبَيْعِهِ أَيْ فَيَصِحُّ بِإِجَازَةِ الزَّوْجِ وَلَوْ كَانَ الْمُطَلِّقُ صَبِيًّا أَوْ كَافِرًا لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ حَقِيقَةً الزَّوْجُ، وَلِذَلِكَ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ يَوْمِ إجَازَتِهِ لَا مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذُكِرَ قَوْلُهُ - ﷺ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» وَلِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ بِطَلَاقِهِ، وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَجْوِيزٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ الشَّخْصُ عَلَى طَلْقَةٍ فَأَوْقَعَ أَكْثَرَ أَوْ عَلَى الْعِتْقِ فَطَلَّقَ أَوْ عَكْسُهُ وَعَلَى أَنْ يَهَبَ أَوْ يَبِيعَ الْبَعْضَ فَوَهَبَ أَوْ بَاعَ الْكُلَّ لَا يَلْزَمُهُ لِشَبَهِهِ بِالْمَجْنُونِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ الْإِكْرَاهِ كَوْنُهُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ بِوُقُوعِ الْمَخُوفِ بِهِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَقُدْرَةُ الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ عَلَى فِعْلِ مَا خَوَّفَ بِهِ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ. [النِّيَابَةِ فِي الطَّلَاقِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَابَةِ فِي الطَّلَاقِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: تَوْكِيلٌ وَرِسَالَةٌ وَتَخْيِيرٌ وَتَمْلِيكٌ، فَالتَّوْكِيلُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ جَعْلُ إنْشَائِهِ بِيَدِ الْمُخَيَّرِ بَاقِيًا مَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ إنْشَائِهِ، فَلَهُ عَزْلُ الْوَكِيلِ مِنْهُ قَبْلَ إيقَاعِهِ اتِّفَاقًا، وَحَقِيقَةُ الرِّسَالَةِ جَعْلُ الزَّوْجِ إعْلَامَ الزَّوْجَةِ ثُبُوتَهُ لِغَيْرِهِ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ كَفَى أَحَدُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِثُبُوتِهِ حُصُولُهُ مِنْ الزَّوْجِ، وَحَقِيقَةُ التَّمْلِيكِ جَعْلُ إنْشَائِهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يُخَصُّ بِمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ، وَحَقِيقَةُ التَّخْيِيرِ جَعْلُ الزَّوْجِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ لِغَيْرِهِ ثَلَاثًا حُكْمًا، أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لِغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَ) الْمَرْأَةُ (الْمُمَلَّكَةُ) أَيْ الَّتِي مَلَّكَهَا زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا أَيْ عَارِيًّا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِأَنْ قَالَ لَهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ: مَلَّكْتُك أَمْرَك، أَوْ طَلَاقَك أَوْ أَمْرُك بِيَدِك، أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت (وَ) الزَّوْجَةُ (الْمُخَيَّرَةُ) أَيْ الَّتِي خَيَّرَهَا زَوْجُهَا فِي اخْتِيَارِ نَفْسِهَا أَوْ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَةِ زَوْجِهَا تَخْيِيرًا مُطْلَقًا عَارِيًّا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ بِأَنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك،
[ ٢ / ٤٤ ]
يَقْضِيَا مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ
وَلَهُ أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ خَاصَّةً فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ وَلَيْسَ لَهَا فِي التَّخْيِيرِ أَنْ تَقْضِيَ إلَّا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ لَا نُكْرَةَ لَهُ فِيهَا.
وَكُلُّ حَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ.
وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إلَّا بَعْدَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَخَبَرُ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ جُمْلَةُ. (لَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا) بِالْفِرَاقِ أَوْ الْبَقَاءِ (مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّخْيِيرُ أَوْ التَّمْلِيكُ مَا لَمْ تُوقَفْ أَوْ تُوطَأْ، فَإِنْ تَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاخْتِيَارِ، أَوْ أَوْقَفَهَا قَاضٍ أَوْ وُطِئَتْ أَوْ طَالَ الْمَجْلِسُ بِحَيْثُ خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ سَقَطَ مَا بِيَدِهَا، إلَّا أَنْ يَهْرُبَ الزَّوْجُ مُرِيدًا قَطْعَ مَا بِيَدِهِمَا قَبْلَ مُضِيِّ زَمَانٍ تَخْتَارُ فِي مِثْلِهِ وَلَمْ تَخْتَرْ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَمَا أَخَذَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ بِهِ الْقَضَاءُ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ، وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ أَنَّهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مَا جَعَلَ لَهُمَا مَا لَمْ يُوقَفَا عِنْدَ قَاضٍ أَوْ يَحْصُلُ مِنْ الزَّوْجِ تَمْكِينٌ، وَلَوْ حَصَلَ مُفَارَقَةٌ وَخُرُوجٌ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ حَيْثُ قَالَ: وَرَجَعَ مَالِكٌ إلَى بَقَائِهِمَا بِيَدِهَا فِي الْمُطْلَقِ مَا لَمْ تُوقَفْ أَوْ تُوطَأْ، وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالسُّقُوطِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا قَوْلَانِ لِلْإِمَامِ وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الْمَرْجُوعُ عَنْهُ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ إلَيْهِ آخِرَ أَمْرِهِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ مُوهِمًا عَدَمَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، وَمَفْهُومُ الْمُطْلَقِ أَنَّ التَّخْيِيرَ أَوْ التَّمْلِيكَ الْمُقَيَّدَ بِزَمَانٍ، كَخَيَّرْتُكِ أَوْ مَلَّكْتُك فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا، أَوْ بِالْمَكَانِ كَخَيَّرْتُكِ أَوْ مَلَّكْتُك فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْ الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِهِ وَلَوْ طَالَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوقِفَهَا وَلَا يُمْهِلَهَا، قَالَ خَلِيلٌ: وَوُقِفَتْ وَإِنْ قَالَ إلَى سَنَةٍ مَتَى عُلِمَ. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: لَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ، أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ عَزْلُهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ لَوْ وَكَّلَهَا فِي طَلَاقِهَا فَلَهُ عَزْلُهَا قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ لَهَا بِذَلِكَ حَقٌّ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: إنْ فَوَّضَهُ لَهَا تَوْكِيلًا فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ لَا تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَفْعَلُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوَكِّلِ، بِخِلَافِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُمَلَّكِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ عَنْ نَفْسِهِ. الثَّانِي: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ جَوَابَ الْمَرْأَةِ الْمُخَيَّرَةِ وَالْمُمَلَّكَةِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ فِي الطَّلَاقِ كَطَلَاقِهِ وَرَدِّهِ كَتَمْكِينِهَا طَائِعَةً، فَإِنْ أَجَابَتْ بِالطَّلَاقِ بِأَنْ قَالَتْ: أَنَا طَالِقٌ مِنْك، أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي، أَوْ أَنَا بَائِنَةٌ، أَوْ أَنْتَ بَائِنٌ مِنِّي، عُمِلَ بِهِ وَتَطْلُقُ مِنْهُ كَمَا تَطْلُقُ مِنْ الزَّوْجِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ صَرِيحُ طَلَاقٍ، وَإِنْ أَجَابَتْ بِرَدِّ مَا جَعَلَهُ لَهَا عُمِلَ بِهِ كَقَوْلِهَا: رَدَدْت مَا جَعَلْته لِي أَوْ لَا أَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْك، وَمِثْلُ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ الرَّدُّ بِغَيْرِهِ، كَمُضِيِّ زَمَنِ تَخْيِيرِهَا، وَكَتَمْكِينِهَا مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا وَطَوْعِهَا وَلَوْ مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُكْمِ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ مَا مَكَّنَتْهُ مِنْهُ مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَا إنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِالتَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ فَلَا يَبْطُلُ مَا جَعَلَهُ لَهَا وَلَوْ وَطِئَهَا بِالْفِعْلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ الْعِلْمِ، وَإِنْ أَجَابَتْ بِمَا يَحْتَمِلُ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ بِأَنْ قَالَتْ: قَبِلْت أَوْ قَبِلْت أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتنِي وَطُلِبَ مِنْهَا التَّفْسِيرُ وَيُقْبَلُ مَا فَسَّرَتْ بِهِ، فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِمَا أَجَابَتْ بِهِ، سَوَاءٌ صَرِيحُ اللَّفْظِ أَوْ الْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ لَا الْخَفِيَّةُ، فَلَا تُعْتَبَرُ هُنَا وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مِنْ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِهِ أَصَالَةً فَيُقْبَلُ مِنْهُ قَصْدُ حِلِّهَا وَلَوْ بِاسْقِنِي الْمَاءَ ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا لَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَنَازَعَهَا الزَّوْجُ مُدَّعِيًا إرَادَةَ أَقَلَّ فَقَالَ: (وَلَهُ) أَيْ الزَّوْجِ الَّذِي فَوَّضَ لِزَوْجَتِهِ أَمْرَهَا (أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ خَاصَّةً) إنْ أَوْقَعَتْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. (فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا، وَمِثْلُ الْمُمَلَّكَةِ الْمُخَيَّرَةُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا قَالَ خَلِيلٌ: وَنَاكَرَ مُخَيَّرَةً لَمْ تَدْخُلْ وَمُمَلَّكَةً مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُنَاكِرُ الزَّوْجُ كُلًّا مِنْهُمَا بِشُرُوطٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا وَاحِدًا بِقَوْلِهِ: فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إنْ زَادَ عَلَى طَلْقَةٍ وَأَنْ يَكُونَ نَوَى الْوَاحِدَةَ عِنْدَ التَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ لَا إنْ نَوَى أَكْثَرَ أَوْ أَطْلَقَ، وَأَنْ يُبَادِرَ بِالْمُنَاكَرَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الزَّائِدَةِ، لَا إنْ تَأَخَّرَ بَعْدَ السَّمَاعِ فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، وَأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الزَّائِدَ، وَتَكُونُ يَمِينُهُ عِنْدَ الْمُنَاكَرَةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لِيَرْتَجِعَهَا، وَعِنْدَ إرَادَةِ الْعَقْدِ عَلَى غَيْرِهَا، وَأَنْ لَا يَكُونَ كَرَّرَ قَوْلَهُ: أَمْرُك بِيَدِك مَثَلًا مَعَ عَدَمِ قَصْدِ التَّأْكِيدِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ التَّخْيِيرُ أَوْ التَّمْلِيكُ مُشْتَرَطًا لِلزَّوْجَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ، وَأَشَارَ إلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ الْمُخَيَّرَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا (فِي التَّخْيِيرِ) الْمُطْلَقِ الْعَارِي عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَدٍ. (أَنْ تَقْضِيَ إلَّا بِالثَّلَاثِ) قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ فِي الْمُطْلَقِ إنْ قَضَتْ بِدُونِ الثَّلَاثِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَبْطُلُ مَا بِيَدِهَا وَتَبْقَى فِي عِصْمَةِ زَوْجِهَا بَعْدُ، وَلَهَا عَمَّا جَعَلَهُ الشَّارِعُ لَهَا مِنْ إيقَاعِ الثَّلَاثِ، وَقَيَّدْنَا التَّخْيِيرَ بِالْمُطْلَقِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُقَيَّدِ بِعَدَدٍ فَلَا تُوقِعُ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الَّذِي سَمَّاهُ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مَا قَضَتْ بِهِ وَتَسْتَمِرُّ عَلَى تَخْيِيرِهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَبَطَلَ إنْ قَضَتْ بِوَاحِدَةٍ فِي اخْتِيَارِ تَطْلِيقَتَيْنِ أَوْ فِي تَطْلِيقَتَيْنِ وَمِنْ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَلَا تَقْضِي إلَّا بِوَاحِدَةٍ، لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَإِنْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّ مُنَاكَرَةِ
[ ٢ / ٤٥ ]
[الإيلاء]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْمُخَيَّرَةِ حَيْثُ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا ذَكَرَ الْمَدْخُولَ بِهَا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ الْمُخَيَّرَةُ) تَخْيِيرًا مُطْلَقًا بَعْدَ الدُّخُولِ (لَا نُكْرَةَ لَهُ فِيهَا) عِنْدَ إيقَاعِهَا الثَّلَاثَ لِبُطْلَانِ مَا بِيَدِهَا إنْ قَضَتْ بِأَقَلَّ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا نُكْرَةَ لَهُ إنْ دَخَلَ فِي تَخْيِيرٍ مُطْلَقٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُمَلَّكَةِ يُنَاكِرُهَا وَلَوْ مَدْخُولًا بِهَا، وَالْمُخَيَّرَةِ لَا يُنَاكِرُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا دَلَالَةُ اخْتَارِي نَفْسَك عَلَى قَطْعِ الْعِصْمَةِ، وَلَا تَنْقَطِعُ بَعْدَ الدُّخُولِ إلَّا بِالثَّلَاثِ بِخِلَافِ مَلَّكْتُك أَمْرَك. (تَتِمَّاتٌ) الْأُولَى: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ التَّخْيِيرِ، وَفِيهِ خِلَافٌ بِالْإِبَاحَةِ وَعَدَمِهَا، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَمُبَاحٌ اتِّفَاقًا، إلَّا إنْ قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ فَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَمَّا التَّوْكِيلُ فَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ كَرَاهَتَهُ إنْ قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِهِ عِنْدَ عَدَمِ التَّقْيِيدِ، وَلَعَلَّ حُكْمَهُ الْجَوَازُ كَجَوَازِ التَّوْكِيلِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَرُبَّمَا يُفْهِمُ خِفَّةُ أَمْرِهِ عَنْ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ بِجَوَازِ عَزْلِهَا فِيهِ دُونَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ. قَالَ خَلِيلٌ: إنْ فَوَّضَ لَهَا تَوْكِيلًا فَلَهُ الْعَزْلُ إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقٍّ لَا تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا. الثَّانِيَةُ: لَمْ يَنُصَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الزَّوْجِ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ لِعِلْمِهِ مِمَّا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَخْيِيرُهَا وَتَمْلِيكُهَا، وَيَصِحُّ مَا قَضَتْ بِهِ حَيْثُ كَانَتْ مُمَيِّزَةً مُطْلَقًا، وَقِيلَ إنْ أَطَاقَتْ الْوَطْءَ، وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ الْأَجْنَبِيُّ، يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يُفَوِّضَ لَهُ أَمْرَ الزَّوْجَةِ تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا أَوْ تَوْكِيلًا، وَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً، وَلَكِنْ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَتِهَا فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُنَاكَرَةٍ وَعَدَمِهَا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ حُضُورُهَا، وَقُرْبُ غَيْبَتِهِ كَالْيَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ فَيَصِيرُ لَهَا مَا جَعَلَهُ لِلْبَعِيدِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَهُ التَّفْوِيضُ لِغَيْرِهَا وَلَهُ النَّظَرُ وَصَارَ كَهِيَ إنْ حَضَرَ أَوْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً كَيَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ فَيَنْتَقِلُ لَهَا النَّظَرُ، إلَّا أَنْ تُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهَا فَيَسْقُطُ مَا كَانَ بِيَدِهَا، أَوْ مَا كَانَ بِيَدِ الْغَيْرِ إذَا عَلِمَ بِتَمْكِينِهَا وَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَكَذَا يَسْقُطُ حَقُّ الْمَجْعُولِ لَهُ أَمْرُهَا إذَا كَانَ حَاضِرًا أَوْ غَابَ وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى حَقِّهِ، فَإِنْ أَشْهَدَ فَفِي بَقَائِهِ بِيَدِهِ أَوْ يَنْتَقِلُ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ مَلَّكَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ لِرَجُلَيْنِ وَأَمَرَهُمَا بِطَلَاقِهَا، فَإِنْ قَالَ لَهُمَا: طَلِّقَاهَا إنْ شِئْتُمَا فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ الِاسْتِقْلَالُ بِطَلَاقِهَا إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ ذَلِكَ كَالْوَكِيلَيْنِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُمَا: طَلِّقَاهَا وَلَمْ يَقُلْ إنْ شِئْتُمَا لَكَانَ لِكُلٍّ الِاسْتِقْلَالُ بِطَلَاقِهَا، وَأَمَّا لَوْ فَوَّضَ لَهُمَا فِي إعْلَامِهَا بِطَلَاقِهَا فَإِنَّهُ يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي إخْبَارِهَا وَتَعْتَمِدُ عَلَى إخْبَارِهِ وَتَعْتَدُّ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهُمَا: أَعْلِمَاهَا بِأَنِّي طَلَّقْتهَا أَوْ بِطَلَاقِهَا. هَذَا تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَبَحْثُ الْأُجْهُورِيُّ. [الْإِيلَاء] وَلَمَّا قِيلَ: إنَّ الْإِيلَاءَ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الطَّلَاقُ فِي الْإِسْلَامِ، ذَكَرَ غَالِبَ مَسَائِلِهِ عَقِبَ الطَّلَاقِ وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً مُطْلَقُ الِامْتِنَاعِ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ بِيَمِينٍ وَشَرْعًا حَلِفُ زَوْجٍ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ يُوجِبُ خِيَارَهَا فِي طَلَاقِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] الْآيَةَ فَقَالَ: (وَكُلُّ حَالِفٍ) مِنْ زَوْجٍ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْجِمَاعُ وَلَوْ سَكْرَانَ سُكْرًا حَرَامًا أَوْ أَخْرَسَ إذَا فُهِمَ مِنْهُ بِإِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا كَكِتَابَةٍ وَالْأَعْجَمِيِّ بِلِسَانِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ مِنْ كَافِرٍ لِآيَةِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] سَوَاءٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِأَنَّهَا الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ، أَوْ بِمَا فِيهِ الْتِزَامٌ مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. (عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ) لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ أَوْ عَلَى مَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكُهُ، كَحَلِفِهِ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ لَا يَلْتَقِي مَعَهَا وَمَفْعُولُ تَرْكِ (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِلْحُرِّ وَأَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ. قَالَ خَلِيلٌ: الْإِيلَاءُ يَمِينُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ، وَإِنْ مَرِيضًا يَمْنَعُ وَطْءَ زَوْجَتِهِ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ، وَظَاهِرُهُ كَالْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَلَّتْ الزِّيَادَةُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. (فَهُوَ مُولٍ) الْجُمْلَةُ خَبَرُ " كُلُّ " الْوَاقِعُ مُبْتَدَأً وَقَرَنَهُ بِالْفَاءِ لِمَا فِي الْمُبْتَدَأِ مِنْ الْعُمُومِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالشَّرْطِ، وَقَوْلُنَا مِنْ زَوْجٍ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ إنَّمَا هُوَ حَلِفُ الزَّوْجِ، وَأَمَّا حَلِفُ السَّيِّدِ عَلَى وَطْءِ أَمَتِهِ فَلَا يُعَدُّ إيلَاءً لِآيَةِ: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَقَوْلُنَا مُسْلِمٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَافِرِ فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْهُ إيلَاءٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَإِنَّ الْغُفْرَانَ إنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِ لِآيَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَقَوْلُنَا مُكَلَّفٌ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْخَصِيِّ الْمَجْبُوبِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي فَلَا يَصِحُّ مِنْهُمْ إيلَاءٌ، وَقَوْلُنَا لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ الْمُرْضِعِ مُدَّةَ رَضَاعِهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا، إلَّا إذَا قَصَدَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ إضْرَارَهَا، لَا إنْ قَصَدَ إصْلَاحَ الْوَلَدِ، أَوْ لَا قَصْدَ لَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى قَصْدِ الْإِصْلَاحِ، لِمَا أَنَّ وَطْءَ الْمُرْضِعِ يُؤْذِي الْوَلَدَ غَالِبًا، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ اشْتِرَاطُ إطَاقَةِ الزَّوْجَةِ، لَا إنْ لَمْ تُطِقْهُ لِصِغَرٍ أَوْ رَتَقٍ أَوْ شِدَّةِ مَرَضٍ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ إيلَاءٌ بِحَلِفِهِ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَكْثَرُ يَقْتَضِي أَنَّ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ يَقَعُ بِهِ الْإِيلَاءُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَا، كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ الزِّيَادَةِ عَلَى الشَّهْرَيْنِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ يَكْفِي، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَجَلِ الْحُرِّ اعْتِمَادًا
[ ٢ / ٤٦ ]
[الظهار]
أَجَلِ الْإِيلَاءِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ وَشَهْرَانِ لِلْعَبْدِ حَتَّى يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ.
وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي هَذَا كَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ الثَّانِي، لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَيَظْهَرُ مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِ الضَّرَرِ الْحُرْمَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهِ مُولِيًا. شَرَعَ فِي بَيَانِ الزَّمَنِ الَّذِي يَضْرِبُ لَهُ وَيُطَلَّقُ عَلَيْهِ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُولِي (الطَّلَاقُ) إلَّا (بَعْدَ مُضِيِّ أَجَلِ الْإِيلَاءِ) الَّذِي ضَرَبَهُ الْقَاضِي لِلزَّوْجِ بَعْدَ إيلَائِهِ (وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ) ابْتِدَاؤُهَا مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ، كَوَاللَّهِ لَا أَطَؤُك فَوْقَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ إنْ احْتَمَلَتْ الْمُدَّةُ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرِ وَعَدَمَهَا، كَوَاللَّهِ لَا أَطَؤُك حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ. قَالَ خَلِيلٌ: وَالْأَجَلُ مِنْ الْيَمِينِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، لَا إنْ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ أَوْ حَلَفَ عَلَى حِنْثٍ، فَمِنْ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ لِأَنَّهُ فِي الْأَجَلِ الَّذِي لَهَا الْقِيَامُ بَعْدَ مُضِيِّهِ. (وَشَهْرَانِ لِلْعَبْدِ) لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ (حَتَّى) تَرْفَعَهُ الزَّوْجَةُ، وَ(يُوقِفُهُ السُّلْطَانُ) أَوْ الْقَاضِي وَيَأْمُرُهُ بِالْفَيْئَةِ وَهِيَ الرُّجُوعُ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، فَإِنْ وَطِئَ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ وَعَدَ بِهِ أُمْهِلَ وَاخْتُبِرَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَطَأْ طَلَّقَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعِدْ بِالْوَطْءِ بِأَنْ قَالَ بِلَفْظِهِ: لَا أَطَأُ وَلَا يُتَلَوَّمُ لَهُ، فَإِنْ ادَّعَى الْوَطْءَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ، وَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ إنْ شَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِأَنْ يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ قَوْلَانِ، وَتَقَعُ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لِمَا اُشْتُهِرَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى الْمُولِي وَالْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ رَجْعِيٌّ، وَفُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُولِي بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ، وَأَنَّ الْحَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْبَقَاءِ وَالْفِرَاقِ وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ سَفِيهَةً، فَلَهَا إسْقَاطُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ أَمَةً يُتَوَقَّعُ حَمْلُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَا سَيِّدِهَا عِنْدَ إرَادَتِهَا الْبَقَاءَ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَمَعْنَى فَاءُوا رَجَعُوا إلَى الْوَطْءِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِمْ مِنْهُ، وَتَحْصُلُ الْفَيْئَةُ بِمُجَرَّدِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِ الثَّيِّبِ، وَافْتِضَاضِ الْبِكْرِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ، وَلَوْ مَعَ جُنُونِ الرَّجُلِ لَا مَعَ إكْرَاهِهِ، فَلَا تَحْصُلُ بِوَطْئِهِ مُكْرَهًا لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ: وَطْءُ الْمُكْرَهِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مَعَ الْإِكْرَاهِ لَا يَنْتَفِي مَعَهُ قَصْدُ الضَّرَرِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ حَتَّى يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ لِلرَّدِّ عَلَى أَشْهَبَ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وُقُوعَ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ مُرُورِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ وَهُوَ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ وَالشَّهْرَانِ لِلْعَبْدِ، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالْمَشْهُورِ بِمَا تُعْطِيهِ الْفَاءُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ تَأَخُّرَ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا فَتَكُونُ الْفَيْئَةُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: اعْلَمْ أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يُوقِفُ الْمُولِي إلَّا مَعَ عَدَمِ انْحِلَالِ الْإِيلَاءِ عَنْ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِ خَلِيلٍ: وَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ بِزَوَالِ مِلْكِ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ وَلَمْ يَعُدْ بِغَيْرِ إرْثٍ، وَكَتَعْجِيلِ الْحِنْثِ، وَتَكْفِيرِ مَا يُكَفَّرُ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الِانْحِلَالُ فَلَهَا وَلِسَيِّدِهَا إنْ لَمْ يَمْتَنِعْ وَطْؤُهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْأَجَلِ بِالْفَيْئَةِ وَهِيَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُلِ إلَى آخِرِهِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِمَّا قَرَّرَنَا أَنَّ الْمُولِيَ لَهُ أَجَلَانِ: أَحَدُهُمَا الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهِ، وَالثَّانِي الَّذِي يَضْرِبُهُ الْحَاكِمُ لِلْمُولِي حِينَ إخْبَارِ الزَّوْجَةِ لَهُ بِأَنَّ زَوْجَهَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ [الظِّهَار] وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْإِيلَاءِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الظِّهَارِ، وَعَرَّفَهُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ مَنْ تَحِلُّ أَوْ أَجْزَاءَهَا بِظَهْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ جُزْئِهِ ظِهَارٌ، وَالْمُسْلِمُ يَشْمَلُ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ، فَلَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ ظِهَارٌ وَلَوْ رَفَعَ أَمْرَهُ إلَيْنَا، بِخِلَافِ إيلَائِهِ فَإِنَّنَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ الرَّفْعِ، وَالْمُكَلَّفُ يَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالسَّكْرَانَ، وَتَذْكِيرُ الْأَوْصَافِ يَقْتَضِي أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَقَعُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَحُكْمُهُ الْحُرْمَةُ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] وَكَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى ظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ حِينَ جَادَلَتْهُ - ﷺ -، وَاخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي اللَّفْظِ الَّذِي جَادَلَتْهُ بِهِ فَقِيلَ: «إنَّهَا قَالَتْ لَهُ: أَكَلَ شَبَابِي وَفَرَشْت لَهُ بَطْنِي فَلَمَّا كَبِرَ سِنِّي ظَاهَرَ مِنِّي، وَلِي صِبْيَةٌ مِنْهُ صِغَارٌ إنْ ضَمَمْتهمْ إلَيْهِ ضَاعُوا وَإِنْ ضَمَمْتهمْ إلَيَّ جَاعُوا، وَهُوَ - ﵊ - يَقُولُ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ فِي ابْنِ عَمِّك» فَمَا بَرِحْت حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] أَيْ تَرَاجُعَكُمَا، فَقَالَ - ﵊ -: «لِيُعْتِقْ رَقَبَةً. قَالَتْ: لَا يَجِدُ. قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَتْ: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ
[ ٢ / ٤٧ ]
بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا طَرَفٌ مِنْ حُرِّيَّةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَلَا يَطَؤُهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْكَفَّارَةُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَتُبْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنْت فَاذْهَبِي وَأَطْعِمِي سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي لِابْنِ عَمِّك» . وَالْعَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَبِالتَّسْكِينِ سَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، وَسُمِّيَ ظِهَارًا لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الظَّهْرِ، لِأَنَّ الْوَطْءَ رُكُوبٌ وَالرُّكُوبُ إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا عَلَى الظَّهْرِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى بَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ تَظَاهَرَ) مِنْ الْأَزْوَاجِ أَوْ السَّادَاتِ الْمُسْلِمِينَ الْمُكَلَّفِينَ (مِنْ امْرَأَتِهِ) وَلَوْ الْمُطَلَّقَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا أَوْ مِنْ أَمَتِهِ وَلَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمِّ وَلَدٍ وَنَوَى الْعُودَ لِوَطْئِهَا (فَلَا يَطَؤُهَا) وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا (حَتَّى يُكَفِّرَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَمَعْنَى الْمُظَاهَرَةِ أَنْ يُشَبِّهَ مَنْ تَحِلُّ كَزَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا بِأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَقَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهَا: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] الْمُرَادُ لِنَقِيضِ مَا قَالُوا، لِأَنَّ الَّذِي قَالُوهُ التَّحْرِيمُ وَنَقِيضُهُ التَّحْلِيلُ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ قَوْلِهِ فَلَا يَطَؤُهَا فَلَا يَمَسُّهَا لَفُهِمَ الْوَطْءُ بِالْأُولَى، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ قَبْلَهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَعَلَيْهَا مَنْعُهُ وَوَجَبَ إنْ خَافَتْهُ رَفْعُهَا لِلْحَاكِمِ، وَجَازَ كَوْنُهُ مَعَهَا إنْ أَمِنَ، وَيَلْزَمُهَا خِدْمَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا بِشَرْطِ الِاسْتِتَارِ بِغَيْرِ وَجْهِهَا وَرَأْسِهَا وَأَطْرَافِهَا لِجَوَازِ نَظَرِهِ لِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْعَوْدِ وَتَتَحَتَّمُ بِالْوَطْءِ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعُودِ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ أَوْ مَعَ نِيَّةِ الْإِمْسَاكِ. (بِعِتْقِ رَقَبَةٍ) لَا جَنِينٍ فَلَا يُجْزِئُ وَلَكِنْ يُعْتَقُ بَعْدَ وَضْعِهِ، وَبَيَّنَ وَصْفَهَا اللَّازِمَ بِقَوْلِهِ: (مُؤْمِنَةٍ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْعِتْقِ الْقُرْبَةُ، وَعِتْقُ الْكَافِرِ يُنَافِيهَا، فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِمُؤْمِنَةٍ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الرَّقَبَةَ قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. (سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ) فَلَا يُجْزِئُ رَقِيقٌ مَقْطُوعُ الْأُصْبُعِ وَلَا أَعْمَى وَلَا أَبْكَمُ، وَلَا مَجْنُونٌ وَإِنْ قَلَّ زَمَنُ جُنُونِهِ، وَلَا مَرِيضٌ مُشْرِفٌ، وَلَا مَقْطُوعُ أُذُنَيْنِ، وَلَا أَصَمُّ، وَلَا ذُو هَرَمٍ وَعَرَجٍ شَدِيدَيْنِ، وَلَا مُجْذَمٌ وَلَا أَبْرَصُ وَلَا أَفْلَجُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ ذِي الْعُيُوبِ الْمُنَقِّصَةِ نَقْصًا مُتَفَاحِشًا، بِخِلَافِ ذِي الْمَرَضِ الْخَفِيفِ أَوْ الْعَرَجِ الْخَفِيفِ أَوْ الْعَوَرِ. (وَلَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا طَرَفٌ مِنْ حُرِّيَّةٍ) فَلَا يُجْزِئُ الرَّقِيقُ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمُدَبَّرُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ أَوْ اُشْتُرِيَ لِلْعِتْقِ، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الرَّقَبَةُ مُحَرَّرَةً لِأَجْلِ الظِّهَارِ، لَا إنْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ كَأَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ، وَلَا الْمُشْتَرَاةُ عَلَى شَرْطِ حُرِّيَّتِهَا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كَامِلَةً، وَأَنْ تَكُونَ مُحَقَّقَةَ الصِّحَّةِ، لَا إنْ كَانَتْ غَائِبَةً مَقْطُوعَةَ الْخَبَرِ، فَإِنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُتَّصِفَةً بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ أَجْزَأَتْ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَلَكِنْ كَلَّفَ نَفْسَهُ وَتَدَايَنَهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ فَتَكَلَّفَ الْغُسْلَ، وَكَمَنْ فَرْضُهُ الْجُلُوسُ فَصَلَّى قَائِمًا. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَوْ تَكَلَّفَهُ الْمُعْسِرُ جَازَ، وَيُجْزِئُ عِتْقُ الْغَيْرِ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ إنْ عَادَ وَرَضِيَهُ، وَلَمَّا كَانَتْ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ مُرَتَّبَةً بِنَصِّ الْقُرْآنِ قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) عِنْدَهُ رَقَبَةً تُجْزِئُ وَلَا ثَمَنَهَا (صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) وَيَنْوِي تَتَابُعَهُمَا وَيَنْوِي بِهِمَا الْكَفَّارَةَ. قَالَ خَلِيلٌ: يَنْوِي التَّتَابُعَ وَالْكَفَّارَةَ فَإِنْ ابْتَدَأَهُمَا بِالْهِلَالِ اكْتَفَى بِهِمَا وَإِنْ كَانَا نَاقِصَيْنِ، وَإِنْ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مِنْ أَثْنَاءِ شَهْرٍ صَحَّ وَتَمَّمَ الْمُنْكَسِرُ مِنْ الثَّالِثِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ الْعَجْزُ عَنْ الْعِتْقِ وَقْتَ الْأَدَاءِ أَيْ إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ، فَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَأَنْ يَمْلِكَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِكَمَرَضٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ بِمِلْكِ رَقَبَةٍ فَقَطْ ظَاهَرَ مِنْهَا فَيُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِهِ مِنْهَا وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ عِتْقِهَا مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَظَاهِرِ الْمَالِكِ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَعَادِمِ الْمَاءِ الْوَاجِدِ لِثَمَنِهِ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ الْعَدَمَ فِي كُلٍّ حَيْثُ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ فِي الظِّهَارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المجادلة: ٤] قِيلَ: الْفَرْقُ أَنَّ الْمَظَاهِرَ فَعَلَ كَبِيرَةً بِارْتِكَابِهِ الظِّهَارَ فَشُدِّدَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ الْغَالِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ لِضَرُورَةِ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، وَأَيْضًا تَكَرُّرُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُنَبِّهْ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَيْسَرَ فِيهِ تَمَادَى إلَّا أَنْ يُفْسِدَهُ فَيَتَعَيَّنَ الْعِتْقُ، وَنُدِبَ الْعِتْقُ فِي كَالْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنْ حَصَلَ لَهُ الْيَسَارُ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْعِتْقِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ، وَمِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِغِلَظِ أَمْرِهِمَا (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْمَظَاهِرُ التَّكْفِيرَ بِالصَّوْمِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ (أَطْعَمَ) أَيْ مَلَّكَ (سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَحْرَارًا مُسْلِمِينَ وَمَفْعُولُ أَطْعَمَ الثَّانِي (مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ)
[ ٢ / ٤٨ ]
إلَى اللَّهِ ﷿ فَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ بَعْضَ الْكَفَّارَةِ بِإِطْعَامٍ أَوْ صَوْمٍ فَلْيَبْتَدِئْهَا.
وَلَا بَأْسَ بِعِتْقِ الْأَعْوَرِ فِي الظِّهَارِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِمُدِّهِ - ﵊ - وَيَدْفَعُهُمَا بُرًّا إنْ اقْتَاتُوهُ أَوْ مُخْرَجًا فِي الْفِطْرِ فَعَدْلُهُمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ مَا مِنْهُ الْإِطْعَامُ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْ الطَّعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ هُوَ الَّذِي يُخْرَجُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، كَالشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ وَالسُّلْتِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ وَالذُّرَةِ وَالْأُرْزِ وَالدَّخَنِ وَالتَّمْرِ، وَالْمُرَادُ بِعَدْلِهِمَا أَيْ فِي الشِّبَعِ بِأَنْ يُقَالَ: إذَا شَبِعَ الرَّجُلُ مِنْ الْمُدَّيْنِ الْكَائِنَيْنِ مِنْ الْبُرِّ كَمْ يُشْبِعُهُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ فَيُقَالُ كَذَا فَيُخْرَجُ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَلَا يَجُوزُ إعْطَاءُ تِلْكَ الْأَمْدَادِ لِأَقَلَّ مِنْ السِّتِّينَ وَلَا لِأَكْثَرَ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّيْنِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ وَهُوَ قَدْرُ مُدٍّ وَثُلُثَيْنِ مِنْ أَمْدَادِهِ - ﷺ - وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّ هِشَامٍ قَدْرُ مُدَّيْنِ مِنْ أَمْدَادِهِ - ﷺ -، لِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ: شَاهَدْت بِالْمَدِينَةِ مُدَّ هِشَامٍ وَحَقَّقْته فَوَجَدْته قَدْرَ مُدَّيْنِ مِنْ أَمْدَادِهِ - ﷺ -، نَقَلَ ذَلِكَ خَلِيلٌ فِي التَّوْضِيحِ. الثَّانِي: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ كَغَيْرِهَا لَا تَصِحُّ مُلَفَّقَةً كَصَوْمِ الشَّهْرِ وَإِطْعَامِ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا وَمِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ لَكِنْ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَعَيَّنَ لِذِي الرِّقِّ وَلِمَنْ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ وَقَدْ الْتَزَمَ عِتْقَ مَنْ يَمْلِكُهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا يَصُومُ إذَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ صَوْمُهُ يَضُرُّ بِسَيِّدِهِ مِنْ جِهَةِ خِدْمَتِهِ إنْ كَانَ عَبْدَ خِدْمَةٍ، أَوْ مِنْ جِهَةِ خَرَاجِهِ إنْ كَانَ عَبْدَ خَرَاجٍ، وَإِلَّا أَخَّرَ الصَّوْمَ حَتَّى يَقْوَى عَلَيْهِ وَيَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِطْعَامِ جَازَ لَهُ التَّفْكِيرُ بِهِ، فَقَوْلُ خَلِيلٍ: تَعَيَّنَ لِذِي الرِّقِّ مَعْنَاهُ لَا الْعِتْقُ فَلَا يَصِحُّ التَّكْفِيرُ بِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ بِالْإِطْعَامِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ: وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ جَوَازُ الْوَطْءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالشُّرُوعِ فِي الْكَفَّارَةِ قَالَ: (وَلَا يَطَؤُهَا) أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُظَاهِرِ أَنْ يَمَسَّ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا وَلَوْ بِالْقُبْلَةِ. (فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَحَتَّى تَنْقَضِيَ الْكَفَّارَةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: حَتَّى يُكَفِّرَ حَتَّى تَتِمَّ الْكَفَّارَةُ، قَالَ خَلِيلٌ: وَحَرُمَ قَبْلَهَا الِاسْتِمْتَاعُ وَعَلَيْهَا مَنْعُهُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَلَا يَطَؤُهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ فَلَهُ وَطْؤُهَا وَلَوْ نَهَارًا، وَإِنْ كَانَ بِالصَّوْمِ فَلَهُ وَطْءُ غَيْرِهَا لَيْلًا لِأَنَّهُ بِالنَّهَارِ صَائِمٌ (فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ مَسَّ الْمُظَاهَرُ مِنْهَا وَلَوْ بِغَيْرِ وَطْءٍ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْكَفَّارَةِ (فَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ ﷿) لِمُخَالَفَتِهِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَوُجُوبُ التَّوْبَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ عَمْدًا لِأَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عَنْ النَّاسِي، وَقَيَّدْنَا بِقَبْلِ الشُّرُوعِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (فَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ) لِلْمُظَاهَرِ مِنْهَا أَوْ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا. (بَعْدَ أَنْ فَعَلَ بَعْضَ الْكَفَّارَةِ بِإِطْعَامٍ أَوْ صَوْمٍ) وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا يَسِيرًا، كَصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ إطْعَامِ مِسْكِينٍ، سَوَاءٌ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ غَلَطًا أَوْ نِسْيَانًا، فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَجَوَابُ الشَّرْطِ (فَلْيَبْتَدِئْهَا) أَيْ الْكَفَّارَةَ لِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ وَلِبُطْلَانِ الْإِطْعَامِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَانْقَطَعَ تَتَابُعُهُ بِوَطْءِ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ وَاحِدَةٍ مِمَّنْ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ وَإِنْ لَيْلًا نَاسِيًا، وَمِثْلُ وَطْءِ الْمُقَدَّمَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ الْآيَةَ فِيهَا الْمَسُّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوَطْءِ، كَبُطْلَانِ الْإِطْعَامِ وَيُفْطِرُ السَّفَرُ أَوْ بِمَرَضٍ هَاجَهُ، لَا إنْ لَمْ يُهِجْهُ فَلَا يُقْطَعُ كَالْفِطْرِ نِسْيَانًا أَوْ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ أَوْ ظَنِّ غُرُوبٍ، فَإِنْ قِيلَ: الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ بِالْوَطْءِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ سَبْقِيَّةَ بَعْضِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْوَطْءِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ جَمِيعِهَا وَقَدْ قِيلَ بِالْإِجْزَاءِ لَوْ تَقَدَّمَ الْوَطْءُ عَلَى الْجَمِيعِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُمَاسَّةَ الَّتِي يُطْلَبُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا هِيَ الْمُمَاسَّةُ الْمُبَاحَةُ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] مِنْ قَبْلِ أَنْ تُبَاحَ لَهُ الْمُمَاسَّةُ، وَالْمُمَاسَّةُ الْوَاقِعَةُ فِي خِلَافِ الْكَفَّارَةِ لَيْسَتْ مُبَاحَةً، فَاسْتُؤْنِفَتْ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لِقَصْدِ كَفَّارَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى مُمَاسَّةٍ مُبَاحَةٍ، وَأَمَّا وَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا فَلَا حَرَجَ فِيهِ حَيْثُ وَقَعَ فِي اللَّيْلِ وَلَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ وَلَوْ عَالِمًا، كَمَا لَا يُبْطِلُهُ نَهَارًا مَعَ النِّسْيَانِ، وَلَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الرَّقَبَةِ مِنْ الْعُيُوبِ عَدَمُ إجْزَاءِ كُلِّ ذِي عَيْبٍ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ الْعَيْبُ الْفَاحِشُ لَا الْخَفِيفُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا بَأْسَ بِعِتْقِ الْأَعْوَرِ) وَهُوَ مَا ذَهَبَ نُورُ إحْدَى عَيْنَيْهِ (فِي الظِّهَار) قَالَ خَلِيلٌ: وَيُجْزِئُ أَعْوَرُ وَمَغْصُوبٌ وَمَرْهُونٌ وَجَانٍ إنْ افْتَدَيَا وَذُو مَرَضٍ وَعَرَجٍ خَفِيفَيْنِ وَمَقْطُوعُ بَعْضِ أُصْبُعٍ، وَكَذَا مَقْطُوعُ بَعْضِ الْأُذُنِ أَوْ الْأَنْفِ، كَمَا يُجْزِئُ عِتْقُ الْغَيْرِ بِشَرْطِهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَمِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ غَيْرُهَا، فَلَا بَأْسَ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لِقَوْلِ مَالِكٍ: وَجَازَ، وَقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَجَازَ مَالِكٌ عِتْقَ الْأَعْوَرِ لِأَنَّ
[ ٢ / ٤٩ ]
[اللعان]
وَوَلَدِ الزِّنَا وَيُجْزِئُ الصَّغِيرُ وَمَنْ صَلَّى وَصَامَ أَحَبُّ إلَيْنَا.
وَاللِّعَانُ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ فِي نَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ تَسُدُّ مَسَدَّ الْعَيْنَيْنِ وَتُغْنِي عَنْهُمَا، وَلِذَلِكَ وَجَبَ فِيهَا الدِّيَةُ كَامِلَةً. (وَ) كَذَا لَا بَأْسَ بِعِتْقِ (وَلَدِ الزِّنَا) فِي الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ، وَكَذَا السَّابِقُ وَالْآبِقُ مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ فِي ذَلِكَ. (وَ) كَذَا يَجُوزُ (يُجْزِئُ) عِتْقُ (الصَّغِيرِ) فِي الظِّهَارِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ صَغِيرًا جِدًّا وَلَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا لِجَبْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلِصِدْقِ اسْمِ الرَّقَبَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا الْكِتَابِيُّ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ الْكَبِيرُ الَّذِي يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْمَجُوسِيُّ فَفِي إجْزَاءٍ عِتْقِهِ وَعَدَمِهِ خِلَافٌ، وَعَلَى الْإِجْزَاءِ فَقِيلَ: يُوقَفُ عَنْ وَطْءِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا حَتَّى يُسْلِمَ، وَقِيلَ: لَا، وَعَلَى الْوَقْفِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا بِدُونِ كَفَّارَةٍ، وَعَلَى عَدَمِهِ تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى دِينِ مُشْتَرِيهِ، وَإِنَّمَا جَازَ عِتْقُ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ حَالًا دُونَ الشَّيْخِ الزَّمِنِ، لِأَنَّ الصَّغِيرَ تُرْجَى قُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بِخِلَافِ الشَّيْخِ الْفَانِي فَهُوَ كَذِي الْمَرَضِ الشَّدِيدِ. (وَ) عِتْقُ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ مُجْزِئًا لَكِنْ عِتْقُ (مَنْ صَلَّى وَصَامَ أَحَبُّ إلَيْنَا) قَالَ خَلِيلٌ: وَنُدِبَ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَصُومَ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي كُلِّ كَفَّارَةِ عِتْقٍ مَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَعَقَلَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ أَيْ عَرَفَ أَنَّهُمَا مِنْ الْقُرَبِ بِأَنْ بَلَغَ حَدَّ التَّمْيِيزِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِاحْتِلَامِ، لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ حَدَّ التَّمْيِيزِ وَعَرَفَ مَا سَبَقَ يَصِيرُ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَالْعَمَلِ بِحَيْثُ يَتَمَعَّشُ مِنْ كَسْبِهِ. (خَاتِمَةٌ) مِنْ أَعْتَقَ صَغِيرًا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْكَسْبِ أَوْ أَعْتَقَ كَبِيرًا زَمِنًا لَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا، حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكَسْبِ وَيَمُوتَ الْكَبِيرُ، هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ [اللِّعَان] وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الظِّهَارِ شَرَعَ فِي اللِّعَانِ هُوَ لُغَةً الْبُعْدُ فَيُقَالُ: لَعَنَهُ اللَّهُ أَبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَطْرُدُ الشِّرِّيرَ وَتُسَمِّيهِ لَعَيْنًا لِئَلَّا تُؤَاخَذَ بِجَرَائِرِهِ، وَلِذَا اُشْتُقَّ اللِّعَانُ مِنْ اللَّعْنَةِ الَّتِي فِي خَامِسَةِ الزَّوْجِ لِسَبْقِهِ فِي اللِّعَانِ وَكَوْنِهِ أَقْوَى وَسَبَبًا فِي لِعَانِ الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا شَرْعًا فَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: حَلِفُ زَوْجٍ عَلَى زِنَى زَوْجَتِهِ، أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا اللَّازِمِ لَهُ وَحَلِفُهَا عَلَى تَكْذِيبِهِ إنْ أَوْجَبَ نُكُولُهَا حَدَّهَا بِحُكْمِ قَاضٍ، وَاحْتُرِزَ بِاللَّازِمِ عَنْ غَيْرِ اللَّازِمِ، كَمَا لَوْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا أَوْ خَصِيًّا، فَهَذَا الْوَلَدُ مَنْفِيٌّ عَنْ الزَّوْجِ بِغَيْرِ لِعَانٍ مَعَ فَسْخِ النِّكَاحِ لِتَبَيُّنِ وُقُوعِهِ فِي الْعِدَّةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَحَلِفُهَا مَا إذَا حَلَفَ وَنَكَلَتْ وَلَمْ يُوجِبْ النُّكُولُ حَدَّهَا، كَمَا إذَا غُصِبَتْ فَأَنْكَرَ وَلَدَهَا وَثَبَتَ الْغَصْبُ فَلَا لِعَانَ عَلَيْهَا، وَاللِّعَانُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِحُكْمِ قَاضٍ عَنْ لِعَانِ الزَّوْجَيْنِ بِغَيْرِ حُكْمٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلِعَانٍ شَرْعِيٍّ، وَحُكْمُ اللِّعَانِ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَالْجَوَازُ إنْ كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا، وَالسَّتْرُ أَوْلَى قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَسَبَبُهُ: إمَّا رُؤْيَةُ الزِّنَا أَوْ نَفْيُ الْحَمْلِ وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجَيْنِ وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَاللِّعَانُ) مَشْرُوعٌ (بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ) وَلَوْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا أَوْ فَسَقَا أَوْ رَقَّا لَا كَفَرَا، بِشَرْطِ إسْلَامِ الزَّوْجِ وَتَكْلِيفِهِ وَلَوْ عِنِّينًا أَوْ هَرَمًا، أَوْ خَصِيًّا مَقْطُوعَ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَيَيْنِ، أَوْ ذَاهِبَ الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى، أَوْ مَجْبُوبًا، لَكِنْ فِي الرُّؤْيَةِ وَالْقَذْفِ، وَأَمَّا فِي نَفْيِ الْحَمْلِ فَلَا لِعَانَ عَلَى الْمَجْبُوبِ، بَلْ يَنْتَفِي بِغَيْرِ لِعَانٍ، كَحَمْلِ زَوْجَةِ الصَّبِيِّ وَكَذَا الْخَصِيُّ بِقِسْمَيْهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ، وَقَالُوا فِي الْعِدَدِ: يَرْجِعُ فِيهِ النِّسَاءُ وَشَرْطُهُ إطَاقَةُ الزَّوْجَةِ وَلَوْ كِتَابِيَّةً وَغَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، لَكِنَّ الْبَالِغَ تُلَاعِنُ كَالزَّوْجِ، وَالْمُطِيقَةُ إنَّمَا يُلَاعِنُ زَوْجُهَا دُونَهَا، وَغَيْرُ الْمُطِيقَةِ لَا لِعَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ لِعَدَمِ لُحُوقِ الْمَعَرَّةِ لَهَا، وَقَوْلُنَا: وَلَوْ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي اللِّعَانِ صِحَّةُ النِّكَاحِ، فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: كُلُّ نِكَاحٍ يَلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ فَفِيهِ اللِّعَانُ وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَمَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ أَوْ أُخْتَهُ غَيْرَ عَالِمٍ وَقَدْ حَمَلَتْ وَأَنْكَرَ الْوَلَدَ فَإِنَّهُمَا يَتَلَاعَنَانِ لِأَنَّهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ، فَإِنْ نَكَلَتْ حُدَّتْ، وَإِنْ نَكَلَ حُدَّ لِلْقَذْفِ، وَيَلْزَمُهُ الْوَلَدُ، وَلَا يُشَكِّلُ عَلَى حَصْرِ اللِّعَانِ فِي الزَّوْجَيْنِ مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ فِي شُبْهَةِ النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ، لِأَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ شَبِيهٌ بِوَطْءِ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ لُحُوقِ الْوَلَدِ وَعَدَمِ الْحَدِّ، وَاحْتُرِزَ بِالزَّوْجَيْنِ عَنْ السَّيِّدِ مَعَ أَمَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَابْنُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا لَاحِقٌ بِهِ حَيْثُ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا مِنْ غَيْرِ دَعْوَى اسْتِبْرَاءٍ وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوَطْئِهَا وَاسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نَفْيُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي بَابِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مُلَاعَنَةِ عُوَيْمِرِ الْعَجْلَانِيِّ زَوْجَتَهُ وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَيْضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ حَكَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَغَيْرُهُ. (تَنْبِيهٌ) يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ اللِّعَانُ حَصْرُهُ فِي الزَّوْجَيْنِ، لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ نَحْوُ الْكَرَمُ فِي الْعَرَبِ، وَالْخَبَرُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَعَلِّقُ الطَّرَفِ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ
[ ٢ / ٥٠ ]
أَوْ رُؤْيَةُ الزِّنَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَاخْتُلِفَ فِي اللِّعَانِ فِي الْقَذْفِ.
وَإِذَا افْتَرَقَا بِاللِّعَانِ لَمْ يَتَنَاكَحَا أَبَدًا.
وَيَبْدَأُ الزَّوْجُ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] بِمَشْرُوعٍ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فِي نَفْيِ حَمْلٍ) فَهُوَ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْخَبَرِ وَالتَّقْدِيرُ: وَاللِّعَانُ مَشْرُوعٌ بَيْنَ كُلِّ زَوْجَيْنِ حَالَ كَوْنِهِ فِي نَفْيِ حَمْلٍ؛ لِأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَحَدِ سَبَبَيْ اللِّعَانِ، وَيَصِحُّ اللِّعَانُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ وَلَوْ مَيِّتًا أَوْ مُتَعَدِّدًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ (يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ) وَلَوْ بِحَيْضَةٍ، وَمِثْلُ الِاسْتِبْرَاءِ دَعْوَاهُ عَدَمَ وَطْئِهَا بَعْدَ وَضْعِهَا الْحَمْلَ الْأَوَّلَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْمَنْفِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ بَيْنَ الْوَضْعَيْنِ مَا يَقْطَعُ الثَّانِيَ عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: يُدَّعَى قَبْلَهُ الِاسْتِبْرَاءُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ نَفْيُ حَمْلِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ إلَّا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى أَمْرٍ قَوِيٍّ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ شَكِّهِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ مَعَ اسْتِمْرَارِهِ عَلَى وَطْئِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ مَعَ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ لِعَانُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي نَفْيِهِ عَلَى عَزْلِهِ، وَلَا عَدَمِ مُشَابَهَتِهِ لَهُ، وَلَا سَوَادِهِ مَعَ كَوْنِهِ أَبْيَضَ، وَلَا عَلَى كَوْنِهِ كَانَ يَطَؤُهَا بَيْنَ فَخِذَيْهَا حَيْثُ كَانَ يُنْزِلُ، وَلَا عَلَى وَطْءٍ بِغَيْرِ إنْزَالٍ حَيْثُ وَطِئَ قَبْلَهُ وَلَمْ يَبُلَّ حَتَّى وَطِئَهَا لِاحْتِمَالِ بَقَاءِ الْمَنِيِّ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ، وَأَشَارَ إلَى السَّبَبِ الْآخَرِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) فِي دَعْوَاهُ (رُؤْيَةَ الزِّنَا) وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: رَأَيْت فَرْجَ الزَّانِي فِي فَرْجِهَا (كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ (فِي الْمُكْحُلَةِ) وَحَمَلْنَا كَلَامَهُ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَصْفُهُ كَالشُّهُودِ بِأَنْ يَقُولَ: رَأَيْت فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: رَأَيْتهَا تَزْنِي، قَالَ خَلِيلٌ فِي تَوْضِيحِهِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ الْبَصِيرُ زِنَاهَا لَاعَنَ وَإِنْ لَمْ يَرَهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بَلْ يَكْفِي التَّيَقُّنُ وَلَوْ مِنْ الْبَصِيرِ، فَلَوْ قَالَ: أَوْ فِي الزِّنَا الْمُتَيَقَّنِ لَشَمِلَ الْأَعْمَى فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ حَتَّى فِي دَعْوَى الزِّنَا حَيْثُ تَيَقُّنِهِ بِحِسٍّ أَوْ جَسٍّ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُوهِمِ قَصْرَهُ عَلَى الْبَصِيرِ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالرُّؤْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُشْتَرَطُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ يَكْفِي التَّيَقُّنُ، وَإِذَا لَاعَنَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَنْتَفِي بِذَلِكَ اللِّعَانِ مَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا عَنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدِ سَقْطٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ لِأَنَّ اللِّعَانَ إنَّمَا كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَانْتَفَى مَا وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِلَّا لَحِقَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ، وَيَنْتَفِي بِاللِّعَانِ الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَ بَيْنَ اسْتِبْرَائِهِ وَوَضْعِهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ، وَأَمَّا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي بَطْنِهَا حَالَ اسْتِبْرَائِهَا. (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: شَرْطُ اللِّعَانِ بِالرُّؤْيَةِ أَنْ لَا يَطَأَهَا بَعْدَهَا، كَمَا أَنَّ شَرْطَهُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ الْمُبَادَرَةُ بِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: بِلِعَانٍ مُعَجَّلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ وَطِئَ أَوْ أَخَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِوَضْعٍ أَوْ حَمْلٍ بِلَا عُذْرٍ امْتَنَعَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَطْءِ وَالتَّأْخِيرِ يَمْنَعُ اللِّعَانَ إذَا كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ الْوَطْءُ لَا التَّأْخِيرُ. الثَّانِي: شَرْطُ اللِّعَانِ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَأَنْ يَقْذِفَهَا صَرِيحًا، وَأَمَّا بِالتَّعْرِيضِ فَقَوْلَانِ، وَعَلَى عَدَمِ اللِّعَانِ يَحُدُّ، وَشَرْطُ لِعَانِهَا أَنْ لَا يَثْبُتَ غَضَبُهَا. قَالَ خَلِيلٌ: وَتَلَاعَنَا إنْ رَمَاهَا بِغَضَبٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَأَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ وَلَمْ يَظْهَرْ وَإِلَّا الْتَعَنَ فَقَطْ. الثَّالِثُ: اللِّعَانُ إنْ كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ لَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِ الْمَرْأَةِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ فِي الْعِدَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلَاعَنَ فِي الْحَمْلِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ لِدَعْوَى الزِّنَا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الدَّعْوَةِ أَوْ الرُّؤْيَةِ أَوْ التَّيَقُّنِ فِي الْعِدَّةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي الرُّؤْيَا فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ مِنْ بَائِنٍ لَا إنْ ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ رَآهَا أَوْ تَيَقَّنَ زِنَاهَا فِي الْعِدَّةِ، وَأَحْرَى أَنَّهُ رَآهَا بَعْدَهَا فَلَا لِعَانَ وَإِنَّمَا يُحَدُّ فَقَطْ، وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ سَبَبَ اللِّعَانِ إمَّا نَفْيُ الْحَمْلِ أَوْ دَعْوَى رُؤْيَةٍ أَوْ تَيَقُّنُ الزِّنَا، أَشَارَ إلَى حُكْمِ الْقَذْفِ الْمُجَرَّدِ عَنْ دَعْوَى الرُّؤْيَةِ أَوْ التَّيَقُّنِ بِقَوْلِهِ: (وَاخْتُلِفَ فِي اللِّعَانِ) وَعَدَمِهِ (فِي الْقَذْفِ) الْمُجَرَّدِ عَنْ دَعْوَى الرُّؤْيَةِ أَوْ تَيَقُّنِ الزِّنَا أَوْ نَفْيِ الْحَمْلِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَفِي حَدِّهِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ أَوْ لِعَانِهِ خِلَافٌ بِأَنْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ أَوْ أَنْتِ زَنَيْت، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِرُؤْيَةٍ أَوْ نَفْيِ حَمْلٍ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُلَاعَنُ وَالْأَكْثَرُ يُحَدُّ فَقَطْ ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا افْتَرَقَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بِاللِّعَانِ) مِنْهُمَا (لَمْ) يَحِلَّ لَهُمَا أَنْ (يَتَنَاكَحَا أَبَدًا) وَلَا بَعْدَ زَوْجٍ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُؤَيِّدُ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ لِعَانُهَا بَعْدَ لِعَانِهِ أَوْ قَبْلَهُ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ إعَادَتِهَا بَعْدَ لِعَانِهِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَبِلِعَانِهَا تَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا وَإِنْ مُلِكَتْ أَوْ انْفَشَّ حَمْلُهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» . قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي، قَالَ: «لَا مَالَ لَك إنْ كُنْت صَدَقْت عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْت كَذَبْت عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ، وَأَبْعَدُ لَك مِنْهَا» قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى ثُبُوتِ مَهْرِ الْمُلَاعَنَةِ بِالدُّخُولِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلِدَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ وَلَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أَبَدًا. وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَخَلِيلٍ أَنَّ الْفُرْقَةَ لَا تَحْصُلُ كَالْحُرْمَةِ إلَّا بِتَمَامِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمُقَابِلُهُ لِسَحْنُونٍ أَنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ لِعَانِ الزَّوْجِ، وَيَنْبَنِي عَلَى
[ ٢ / ٥١ ]
[صفة اللعان]
فَيَلْتَعِنُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ ثُمَّ يُخَمِّسُ بِاللَّعْنَةِ ثُمَّ تَلْتَعِنُ هِيَ أَرْبَعًا أَيْضًا وَتُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ ﷾.
وَإِنْ نَكَلَتْ هِيَ رُجِمَتْ إنْ كَانَتْ حُرَّةً مُحْصَنَةً بِوَطْءٍ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ أَوْ زَوْجٍ غَيْرِهِ وَإِلَّا جُلِدَتْ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ جُلِدَ حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ.
وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إذَا لَمْ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْخِلَافِ التَّوَارُثُ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ وَقَبْلَ لِعَانِهَا فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَتَوَارَثَانِ لَا عَلَى مُقَابِلِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِعَانًا شَرْعِيًّا بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحْكَامُ إلَّا إذَا وَقَعَ بِحُكْمِ قَاضٍ [صِفَةِ اللِّعَانِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ اللِّعَانِ بِقَوْلِهِ: (وَ) صِفَتُهُ أَنْ (يَبْدَأَ الزَّوْجُ فَيَلْتَعِنَ) أَيْ يَذْكُرَ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ) بِأَنْ يَقُولَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، إنْ كَانَ اللَّعْنُ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَهَذَا أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يَقُولُ فِي اللِّعَانِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَزَنَتْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الزِّنَا كَوْنُ الْحَمْلِ مِنْ الزَّانِي، وَأَمَّا لَوْ كَانَ اللِّعَانُ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَقُولُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ: الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَى أَشْهَدُ بِاَللَّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ عَلَى الْحُقُوقِ، وَلِذَا قَالَ خَلِيلٌ: وَشَهِدَ بِاَللَّهِ أَرْبَعًا لَرَأَيْتهَا تَزْنِي، أَوْ مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَقَوْلُ الْمَلَاعِنِ لَرَأَيْتهَا لَعَلَّهُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَأَمَّا عِنْدَ تَيَقُّنِ الزِّنَا بِحِسٍّ أَوْ جَسٍّ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَقُولُ: تَيَقَّنْتهَا تَزْنِي بَدَلَ رَأَيْتهَا، وَحَرِّرْهُ (ثُمَّ) بَعْدَ الْأَرْبَعِ شَهَادَاتٍ (يُخَمِّسُ بِاللَّعْنَةِ) بِأَنْ يَقُولَ: وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، أَوْ يَقُولَ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ كَمَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ فِي الْخَامِسَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ بَلْ هِيَ لَفْظُ اللَّعْنَةِ فَقَطْ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ قَوْلُ خَلِيلٍ وَوَصْلُ خَامِسَةٍ وَلِأَنَّهُ يُوهِمُ ذِكْرَ أَشْهَدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (ثُمَّ) بَعْدَ تَمَامِ لِعَانِ الزَّوْجِ (تَلْتَعِنُ هِيَ) أَيْ الزَّوْجَةُ بِأَنْ تَذْكُرَ (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ أَيْضًا) تَرُدُّ بِهَا شَهَادَاتِ الرَّجُلِ بِأَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا رَآنِي أَزْنِي إنْ كَانَ لِرُؤْيَةِ الزِّنَا، وَإِنْ كَانَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ مَا زَنَيْت، إنْ كَانَ قَالَ فِي شَهَادَاتِهِ لَزَنَتْ، وَإِنْ كَانَ قَالَ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، تَقُولُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنَّ هَذَا الْحَمْلَ مِنْهُ. (وَتُخَمِّسُ بِالْغَضَبِ كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ) بِأَنْ تَقُولَ: وَ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩] أَوْ لَقَدْ كَذَبَ فِيهِمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حُكْمُ بُدَاءَةِ الزَّوْجِ وَبَيَّنَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ حُكْمَهُ الْوُجُوبُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ حُكْمَ مَا لَوْ بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الْخِلَافِ فِي إعَادَتِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: لَمْ يُعْلَمْ أَيْضًا حُكْمُ ذِكْرِ أَشْهَدُ وَحُكْمُهُ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ النَّاطِقِ، فَلَا يَكْفِي أَحْلِفُ وَلَا أُقْسِمُ، كَمْ يَجِبُ لَفْظُ اللَّعْنِ فِي خَامِسَةِ الرَّجُلِ، وَالْغَضَبِ فِي خَامِسَةِ الْمَرْأَةِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَوَجَبَ أَشْهَدُ وَاللَّعْنُ وَالْغَضَبُ وَبِأَشْرَفِ الْبَلَدِ كَالْمَسْجِدِ لِلْمُسْلِمَةِ وَالْكَنِيسَةِ لِلذِّمِّيَّةِ، وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى الدُّخُولِ مَعَهَا فِي الْكَنِيسَةِ، وَلَا تَدْخُلُ هِيَ مَعَهُ الْمَسْجِدَ، وَيَجِبُ كَوْنُهُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ لِتَظْهَرَ الشَّعِيرَةُ، وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ إثْرَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَيَّدْنَا وُجُوبَ أَشْهَدُ بِالنَّاطِقِ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْأَخْرَسِ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيُلَاعِنُ الْأَخْرَسُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ إنْ فُهِمَ، كَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَنِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ، وَالزَّوْجَةُ الْخَرْسَاءُ كَذَلِكَ، وَالصَّمَّاءُ يَقْذِفُهَا زَوْجُهَا تُلَاعِنُ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الطَّلَاقِ اللِّسَانُ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَلَوْ اُعْتُقِلَ لِسَانُ النَّاطِقِ قَبْلَ اللِّعَانِ فَإِنْ كَانَ يُرْجَى زَوَالُ عُذْرِهِ عَنْ قُرْبٍ أُمْهِلَ، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ أَوْ يُرْجَى عَنْ بُعْدٍ فَيُلَاعِنُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْ اللِّعَانِ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ نَكَلَتْ هِيَ) أَيْ الزَّوْجَةُ بَعْدَ إتْيَانِ الزَّوْجِ بِشَهَادَاتِهِ (رُجِمَتْ) أَيْ ضُرِبَتْ بِالْحِجَارَةِ إلَى أَنْ تَمُوتَ. (إنْ كَانَتْ حُرَّةً مُحْصَنَةً) بِفَتْحِ الصَّادِ (بِوَطْءٍ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الزَّوْجِ) الْمَلَاعِنِ (أَوْ) مِنْ (زَوْجٍ غَيْرِهِ) فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَازِمٍ، وَحَصَلَ فِيهِ وَطْءٌ مُبَاحٌ بِانْتِشَارِ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً (جُلِدَتْ مِائَةَ جَلْدَةٍ) حَيْثُ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً مُكَلَّفَةً، فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَنِصْفُ الْحَدِّ، وَالذِّمِّيَّةُ يَلْزَمُهَا الْأَدَبُ لِأَذِيَّتِهَا لِزَوْجِهَا وَرُدَّتْ لِحُكَّامِ مِلَّتِهَا بَعْدَ تَأْدِيبِهَا لِاحْتِمَالِ اسْتِحْقَاقِهَا الْحَدَّ عِنْدَهُمْ بِنُكُولِهَا. (وَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ) بَعْدَ رَمْيِهِ زَوْجَتَهُ بِالزِّنَا أَوْ قَوْلِهِ لَهَا: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَامْتَنَعَ مِنْ اللِّعَانِ وَالْحَالُ أَنَّ زَوْجَتَهُ عَفِيفَةٌ (جُلِدَ) أَيْ حُدَّ لِقَذْفِهَا (حَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ) جَلْدَةً حَيْثُ كَانَ حُرًّا مُكَلَّفًا، وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً مُسْلِمَةً عَفِيفَةً. (وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ) لِأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِلِعَانٍ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَالزَّوْجَةُ بَالِغَةً فَإِنْ رَمَاهَا بِالزِّنَا فَلَا لِعَانَ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ انْتَفَى عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَعَلَيْهَا الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَإِنْ لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ مُطِيقَةً اُلْتُعِنَ دُونَهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ فَيَتَلَاعَنَانِ، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتْ حُدَّتْ
[ ٢ / ٥٢ ]
يَكُنْ عَنْ ضَرَرٍ بِهَا فَإِنْ كَانَ عَنْ ضَرَرٍ بِهَا رَجَعَتْ بِمَا أَعْطَتْهُ وَلَزِمَهُ الْخُلْعُ وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ بِرِضَاهَا.
وَالْمُعْتَقَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ لَهَا الْخِيَارُ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ أَوْ تُفَارِقَهُ
وَمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ.
وَطَلَاقُ الْعَبْدِ
_________________
(١) [الفواكه الدواني] الْبِكْرُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْوَطْءُ بَعْدَ بُلُوغِهَا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا مُكَلَّفًا وَالزَّوْجَةُ حُرَّةً مُكَلَّفَةً تَلَاعَنَا، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ لِلْقَذْفِ حَيْثُ كَانَتْ كِتَابِيَّةً وَأَمَةً فَلَا يُحَدُّ لَهَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النَّاكِلَ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يُحَدُّ بِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهِ مِنْ اللِّعَانِ وَلَوْ قَالَ أَرْجِعُ لِلِّعَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ خَلِيلٌ: وَلَوْ عَادَ إلَيْهِ قَبْلُ كَالْمَرْأَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَاعْتَرَضَهُ الْأُجْهُورِيُّ قَائِلًا: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ، الرَّجُلُ لَا يَقْبَلُ وَالْمَرْأَةُ تَقْبَلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نُكُولَهَا كَإِقْرَارِهَا بِالزِّنَا وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ، وَنُكُولُ الرَّجُلِ كَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِقَذْفِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَالتَّفْصِيلُ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ. الثَّانِي: اعْلَمْ أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى اللِّعَانِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ، ثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجِ، أَوَّلُهَا: رَفْعُ الْحَدِّ عَنْهُ إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً، أَوْ الْأَدَبُ إذَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً. ثَانِيهَا: إيجَابُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَلَوْ أَمَةً، أَوْ الْأَدَبِ عَلَى الذِّمِّيَّةِ إنْ لَمْ يُلَاعِنْ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ كَالْمُصَدَّقَةِ. ثَالِثُهَا: قَطْعُ نَسَبِ الْوَلَدِ. وَثَلَاثَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى لِعَانِ الزَّوْجَةِ، أَوَّلُهَا: رَفْعُ الْحَدِّ عَنْهَا. ثَانِيهَا: فَسْخُ نِكَاحِهَا اللَّازِمِ. ثَالِثُهَا: تَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْخُلْعِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ الْوَعْدُ بِهَا فَقَالَ: (وَ) يَجُوزُ (لِلْمَرْأَةِ) الرَّشِيدَةِ (أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْ زَوْجِهَا) وَلَوْ سَفِيهًا أَوْ صَبِيًّا (بِصَدَاقِهَا) جَمِيعِهِ (أَوْ) بِ (أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) بِنَصٍّ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَآيَةُ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِهِ لِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَيْهِ، وَيَفُوزُ الزَّوْجُ بِكُلِّ مَا افْتَدَتْ بِهِ وَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ. (إذَا لَمْ يَكُنْ) الِافْتِدَاءُ نَاشِئًا (عَنْ ضَرَرٍ بِهَا) غَيْرِ شَرْعِيٍّ (فَإِنْ كَانَ) مُسَبَّبًا (عَنْ ضَرَرٍ) أَوْقَعَهُ (بِهَا) فَلَا يَفُوزُ بِهِ وَ(رَجَعَتْ) عَلَيْهِ (بِمَا أَعْطَتْهُ) لَهُ (وَلَزِمَهُ الْخُلْعُ) بَعْدَ إثْبَاتِهَا الضَّرَرَ. قَالَ خَلِيلٌ: وَرُدَّ الْمَالُ بِشَهَادَةِ سَمَاعٍ عَلَى الضَّرَرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا السَّمَاعِ كَوْنُهُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ لَوْ ذَكَرَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَالْخَدَمِ وَنَحْوِهِمْ عُمِلَ بِشَهَادَتِهَا أَوْ امْرَأَتَيْنِ، وَقَالَ خَلِيلٌ أَيْضًا: وَرُدَّ الْمَالُ بِيَمِينِهَا مَعَ شَاهِدٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ، وَلَا يَضُرُّهَا إسْقَاطُ بَيِّنَةِ الضَّرَرِ، وَقَيَّدْنَا بِالرَّشِيدَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الصَّغِيرَةِ وَالسَّفِيهَةِ وَالرَّقِيقَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا عَلَى مَالٍ فَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَيُرَدُّ الْمَالُ. قَالَ خَلِيلٌ: لَا مِنْ صَغِيرَةٍ وَسَفِيهَةٍ وَذَاتِ رِقٍّ وَرُدَّ الْمَالُ وَبَانَتْ كَمَا يُرَدُّ بِتَبَيُّنِ كَوْنِهَا بَائِنًا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْخُلْعِ، أَوْ فَاسِدَةَ النِّكَاحِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ كَخَامِسَةٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ أَوْ مُتَّصِفَةٍ بِعَيْبٍ مُوجِبٍ لِلْخِيَارِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْعَيْبَ الْمُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ كَالْعَدَمِ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَقَيَّدْنَا الضَّرَرَ بِغَيْرِ الشَّرْعِيِّ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ ضَرَبَهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ أَوْ شَتَمَتْهُ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي إمْسَاكِهَا مَعَ تَأْدِيبِهَا أَوْ يُفَارِقُهَا وَلَوْ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا تَرْجِعُ بِهِ. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَلَا خَلِيلٌ حُكْمَ مَا لَوْ كَانَ الْمَالُ الْمُخَالَعُ بِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ يَثْبُتُ أَنَّ الطَّلَاقَ لِضَرَرٍ بِهَا، فَهَلْ لِلْأَجْنَبِيِّ الرُّجُوعُ بِهِ كَالزَّوْجَةِ أَوْ لَا؟ وَاسْتَظْهَرَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ الرُّجُوعَ إلَى قَصْدِ الدَّافِعِ، فَإِنْ قَصَدَ بِدَفْعِهِ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ، وَنَظِيرُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَنْ دَفَعَ لِعَبْدٍ مَالًا يُوفِي بِهِ نُجُومَ الْكِتَابَةِ وَإِنْ قَصَدَ تَخْلِيصَهَا أَوْ تَجَرَّدَ دَفْعُهُ عَنْ قَصْدٍ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهِ نَظَرًا إلَى مَا يَغْلِبُ قَصْدُ النَّاسِ إلَيْهِ. (وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا) وَهَذَا مَحْضُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَعَادَهُ لِيُرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ) فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشُهُودٍ (بِرِضَاهَا) إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ رِضَا الْمُجْبِرِ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ وَلَوْ قَبْلَ زَوْجٍ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَحْصُلُ بِدَفْعِ الْعِوَضِ وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَعِلْمِهَا، وَمِثْلُهُ لَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَائِنًا، كَمَا أَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا إذَا وَقَعَ بِعِوَضٍ، وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ رَجْعِيٌّ لَا بِشَرْطِ نَفْيِ الرَّجْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بَائِنًا، بَلْ يَكُونُ رَجْعِيًّا بِشَرْطِ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى الْخُلْعِ، وَعَدَمِ دَفْعِ عِوَضٍ عِنْدَهُ كَمَا فِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا كَانَ فِرَاقُ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ بِطَلَاقٍ بَائِنٍ نَاسَبَ ذِكْرَهُ عَقِبَ مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ بِقَوْلِهِ: (وَ) الزَّوْجَةُ الْأَمَةُ (الْمُعْتَقَةُ) كُلُّهَا عِتْقًا نَاجِزًا وَهِيَ (تَحْتَ الْعَبْدِ لَهَا الْخِيَارُ) فِي (أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ) تَحْتَهُ بَعْدَ عِتْقِهَا (أَوْ) أَيْ وَلَهَا الْخِيَارُ فِي أَنْ (تُفَارِقَهُ) وَتَسْتَقِلَّ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ نَفْسِهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً وَغَيْرُهَا يَنْظُرُ لَهَا السُّلْطَانُ، فَإِنْ نَظَرَتْ فِي نَفْسِهَا مَضَى إنْ كَانَ صَوَابًا وَيَجِبُ وَقْفُهَا وَالْحَيْلُولَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ حَتَّى تَخْتَارَ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أَوْ طَلْقَتَيْنِ. قَالَ خَلِيلٌ: وَلِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا فِرَاقُ الْعَبْدِ فَقَطْ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا نِصْفَ لَهَا لِمَجِيءِ الْفِرَاقِ مِنْ قِبَلِهَا، كَزَوْجَةِ الْأَبْرَصِ أَوْ الْأَجْذَمِ وَقَيَّدْنَا بِكُلِّهَا، وَبِنَاجِزٍ
[ ٢ / ٥٣ ]
[طلاق العبد]
[الرضاع]
طَلْقَتَانِ وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَكَفَّارَاتُ الْعَبْدِ كَالْحُرِّ بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ.
وَكُلُّ مَا وَصَلَ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ فِي الْحَوْلَيْنِ مِنْ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ وَإِنْ مَصَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُحَرِّمُ مَا أُرْضِعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَّا مَا قَرُبَ مِنْهُمَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُدَبَّرَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ، وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ أَوْ الْمُبَعَّضَةِ فَإِنَّهَا لَا خِيَارَ لَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتْ: «كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ؟ فَكَانَتْ إحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عَتَقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا» الْحَدِيثَ، وَفِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا» وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا، وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فِيهِ: إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّاسِ، أَيْ وَاَلَّذِي قَالَهُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَمَحَلُّ خِيَارِهَا مَا لَمْ يُعْتِقْهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا إلَّا سَقَطَ خِيَارُهَا كَسُقُوطِهِ مَعَ زَوْجِهَا الْحُرِّ أَصَالَةً. (تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ وُجُوبِ وَقْفِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا عَدَمُ جَوَازِ تَأْخِيرِهَا بِالِاخْتِيَارِ، إلَّا لِأَجْلِ حَيْضٍ أَوْ لِأَجْلِ النَّظَرِ فِي الْأَصْلَحِ مِنْ الْبَقَاءِ، فَتُؤَخَّرُ مُدَّةَ النَّظَرِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا بَعْدَ عِلْمِهَا بِعِتْقِهَا إلَّا بَعْدَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، فَلَوْ مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا طَائِعَةً بَعْدَ عِلْمِهَا بِالْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ اخْتِيَارُهَا، فَلَوْ تَنَازَعَا فِي الْعِلْمِ بِالْعِتْقِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهَا الْجَهْلَ، وَلَمَّا كَانَ الْفَسْخُ يُشْبِهُ الطَّلَاقَ لِحُصُولِ الْفِرَاقِ عَقِبَ كُلٍّ مِنْهُمَا قَالَ: (وَمَنْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ) أَوْ مَلَكَهَا بِسَبَبٍ غَيْرِ الشِّرَاءِ كَهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ إرْثٍ. (انْفَسَخَ نِكَاحُهُ) وَلَوْ بِمِلْكِ بَعْضِهَا. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا مَلَكَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، لِأَنَّهَا إذَا طَالَبَتْهُ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ يُطَالِبُهَا بِحَقِّ الْمِلْكِ فَيَتَعَارَضَانِ فَتَسْقُطُ النَّفَقَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ الْحُقُوقِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ خَلِيلٌ: وَفُسِخَ وَإِنْ طَرَأَ بِلَا طَلَاقٍ كَمَرْأَةٍ فِي زَوْجِهَا وَلَوْ بِدَفْعِ مَالٍ لِيُعْتِقَ عَنْهَا، وَإِذَا حَصَلَ الْمِلْكُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا صَدَاقَ لَهَا وَلَهُ وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ بَعْدَ الشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ لِأَنَّ الْمَاءَ مَاؤُهُ [طَلَاقُ الْعَبْدِ] ثُمَّ شَرَعَ فِي مَسَائِلَ يُخَالِفُ الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَطَلَاقُ الْعَبْدِ) وَلَوْ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ. (طَلْقَتَانِ) وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، فَطَلَاقُ الْحُرِّ ثَلَاثٌ وَلَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فَيَكْمُلُ النِّصْفُ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ (وَعِدَّةُ) الزَّوْجَةِ (الْأَمَةِ) وَلَوْ فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ إذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ (حَيْضَتَانِ) وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِدَّةِ بِالْمَرْأَةِ عَكْسُ الطَّلَاقِ وَعَبَّرَ بِحَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَا إمَامُنَا اخْتَارَ تَفْسِيرَ الْأَقْرَاءِ بِالْأَطْهَارِ لِاسْتِلْزَامِ الْحَيْضِ لِلطُّهْرِ فَسَقَطَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ طُهْرَانِ بَدَلَ حَيْضَتَانِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ، وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّ الِاعْتِدَادَ بِالْأَشْهُرِ تَسْتَوِي فِيهِ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْكَلَامَ عَلَى الْعِدَّةِ قَبْلَ بَابِهَا جَمْعًا لِلنَّظِيرِ مَعَ نَظِيرِهِ. (وَكَفَّارَاتُ الرَّقِيقِ) الْمُرَادُ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ الرِّقِّ وَلَوْ أُنْثَى. (كَالْحُرِّ) فِي الْجُمْلَةِ فَمَا يَصِحُّ لِلْحُرِّ إخْرَاجُ الْكَفَّارَةِ مِنْهُ يُخْرَجُ مِنْهُ لِلرَّقِيقِ، وَمَا لَا يَصِحُّ لِلرَّقِيقِ، وَقَوْلُنَا فِي الْجُمْلَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِهِ الْحُرُّ لَا الرَّقِيقُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُرُّ مِدْيَانًا فَيَسْتَوِيَانِ فِي عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ عَلَى النِّصْفِ فِي الْكَفَّارَةِ كَالطَّلَاقِ وَالْحَدِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي الْمُوجِبَاتِ لِلْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي. (بِخِلَافِ مَعَانِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ) فَإِنَّ الْعَبْدَ بِمَعْنَى الرَّقِيقِ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، وَإِضَافَةُ مَعَانِي الْحُدُودِ بَيَانِيَّةٌ أَوْ أَنَّهَا زَائِدَةٌ، فَيُعَدُّ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ نِصْفُ الْحُرِّ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُمَرَ: مَا يُسَاوِي الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ وَمَا لَا يُسَاوِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَجِبُ عَلَى الْحُرِّ دُونَ الْعَبْدِ كَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَالْجُمُعَةِ وَالزَّكَاةِ، وَقِسْمٌ يَجِبُ عَلَيْهِمَا عَلَى التَّسَاوِي كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْكَفَّارَاتِ وَتَحْلِيلِ الْمُحَلَّلَاتِ وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقِسْمٌ يُشَاطِرُ الرَّقِيقُ الْحُرَّ فِيهِ كَالْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ، وَقِسْمٌ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ النِّكَاحُ وَأَجَلُ الْمَفْقُودِ انْتَهَى، وَالْمَشْهُورُ التَّسَاوِي فِي النِّكَاحِ، فَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ الْجَمْعُ بَيْنَ أَرْبَعٍ مِنْ النِّسَاءِ، وَعَلَى النِّصْفِ فِي أَجَلِ الْمَفْقُودِ وَالْمُعْتَرِضِ [الرَّضَاع] ثُمَّ شَرَعَ فِي الرَّضَاعِ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وُصُولُ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ لِمَحَلٍّ مَظِنَّةَ غِذَاءِ آخَرَ لِلتَّحْرِيمِ بِالسَّعُوطِ وَالْحُقْنَةِ، وَلَا دَلِيلَ إلَّا مُسَمًّى الرَّضَاعِ.، وَعَقَّبَ مَا سَبَقَ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ لِلِّعَانِ، أَوْ مِلْكِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ لِحُصُولِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ كُلٍّ لِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ بِالْجَمِيعِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَالَ: (وَكُلُّ مَا وَصَلَ) وَلَوْ مَعَ الشَّكِّ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ خَلِيلٍ كَالْخَطَّابِ وَتَبِعَهُ السَّنْهُورِيِّ (إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ فِي) دَاخِلِ (الْحَوْلَيْنِ مِنْ اللَّبَنِ) وَلَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ طَالِبٍ عَلَيْهِ، وَفَرْعُ اللَّبَنِ كَالْجُبْنِ وَالسَّمْنِ كَهُوَ، وَاحْتُرِزَ بِاللَّبَنِ عَنْ الْمَاءِ الْأَصْفَرِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ تَحْرِيمٌ وَخَبَرُ " كُلُّ " الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً. (فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ) مِثْلَ مَا حَرَّمَهُ النَّسَبُ (وَإِنْ) كَانَ الْوَاصِلُ إلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ (مَصَّةً وَاحِدَةً) عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
[ ٢ / ٥٤ ]
كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ وَالشَّهْرَيْنِ وَلَوْ فُصِلَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فِصَالًا اسْتَغْنَى فِيهِ بِالطَّعَامِ لَمْ يُحَرِّمْ مَا أُرْضِعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُحَرِّمُ بِالْوَجُورِ وَالسَّعُوطِ.
وَمَنْ أَرْضَعَتْ صَبِيًّا فَبَنَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَبَنَاتُ فَحْلِهَا مَا تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ إخْوَةٌ لَهُ وَلِأَخِيهِ نِكَاحُ بَنَاتِهَا
_________________
(١) [الفواكه الدواني] وَقَوْلُهُ - ﵊ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» لَا تَحْدِيدَ فِيهِ بِعَشْرٍ وَلَا خَمْسِ رَضَعَاتٍ، وَمَا وَرَدَ مِنْ التَّحْدِيدِ فَمَنْسُوخٌ بِمَا قَدَّمْنَا. (تَنْبِيهٌ) لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ صَاحِبَةَ اللَّبَنِ بِكَوْنِهَا حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً، إشَارَةً أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَّةِ وَالْمَيِّتَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: ﴿أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَبِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ، فَإِذَا شَرِبَ الصَّغِيرُ لَبَنَ الْمَيِّتَةِ أَوْ النَّائِمَةِ صَارَ ابْنًا لَهَا فَلَا يَتَزَوَّجُ أُصُولَهَا وَلَا فُرُوعَهَا، وَلَمْ يُقَيِّدْهَا أَيْضًا بِكَوْنِهَا آدَمِيَّةً، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ، وَالْآيَةُ وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ ارْتَضَعَ صَغِيرَانِ عَلَى بَهِيمَةٍ فَلَا يَحْرُمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ أَيْضًا ذَاتَ اللَّبَنِ بِكَوْنِهَا كَبِيرَةً أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ لِلْإِشَارَةِ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. قَالَ خَلِيلٌ: حُصُولُ لَبَنِ امْرَأَةٍ وَإِنْ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً وَلَوْ غَيْرَ مُطِيقَةٍ، إلَى قَوْلِهِ: مُحَرِّمٌ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْحَوْلَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُحَرِّمُ مَا) أَيْ اللَّبَنُ الَّذِي (أُرْضِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ عَلَى ضَمِيرِ مَا (بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إلَّا) مَا رَضَعَهُ فِي (مَا قَرُبَ مِنْهُمَا كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ) فَإِنَّهُ لَا يُحَرِّمُ (وَقِيلَ وَالشَّهْرَيْنِ) وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ، لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَشَرْطُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضْعِ مُطْلَقًا عَدَمُ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالطَّعَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (وَلَوْ فُصِلَ) أَوْ مُنِعَ الرَّضِيعُ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ (قَبْلَ) تَمَامِ (الْحَوْلَيْنِ فِصَالًا) بَيِّنًا بِحَيْثُ (اسْتَغْنَى فِيهِ) الرَّضِيعُ (بِالطَّعَامِ) عَنْ اللَّبَنِ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ اللَّبَنِ (لَمْ يُحَرِّمْ مَا) أَيْ اللَّبَنُ الَّذِي (اُرْتُضِعَ) بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ (بَعْدَ ذَلِكَ) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ: إنْ حَصَلَ فِي الْحَوْلَيْنِ أَوْ زِيَادَةِ الشَّهْرَيْنِ إلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ وَلَوْ فِيهِمَا، فَلَا تَحْرِيمَ بِالرَّضَاعِ بَعْدَ الِاسْتِغْنَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ زَمَانُ الرَّضَاعِ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِ الْفِطَامِ بِنَحْوِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُعِيدَ لِلرَّضَاعِ لَكَانَ قُوَّةً فِي غِذَائِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِصَالًا بَيِّنًا. (تَنْبِيهٌ) لَوْ تَنَازَعَتْ الْأُمُّ مَعَ الْأَبِ فِي فِطَامِ الصَّغِيرِ لَمْ يُلْتَفَتْ لِمَنْ أَرَادَ الْفِطَامَ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِلْأَبَوَيْنِ مَعًا، فَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ لَمْ يُلْتَفَتْ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُمَا مَعًا. قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ. قَالَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا كَانَ الرَّضَاعُ عُرْفًا شُرْبَ الْوَلَدِ بِفَمِهِ وَكَانَ التَّحْرِيمُ يَحْصُلُ بِوُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ وَلَوْ مِنْ الْأَنْفِ أَوْ مِنْ الدُّبُرِ قَالَ: (وَيُحَرِّمُ) اللَّبَنُ الْوَاصِلُ إلَى الْجَوْفِ (بِالْوَجُورِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَهُوَ الصَّبُّ فِي الْحَلْقِ. (وَالسَّعُوطِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الصَّبُّ فِي الْأَنْفِ. قَالَ خَلِيلٌ: حُصُولُ لَبَنِ امْرَأَةٍ وَإِنْ مَيِّتَةً أَوْ صَغِيرَةً بِوَجُورٍ أَوْ سَعُوطٍ أَوْ حُقْنَةٍ تَكُونُ غِذَاءً أَوْ خَلْطُ الْأَغْلَبِ وَلَا كَمَاءٍ أَصْفَرَ، إلَى قَوْلِهِ مُحَرِّمًا مَا حَرَّمَ النَّسَبُ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، وَتَوَقَّفَ الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ فِي الْأَصْلِ إلَى الْجَوْفِ مِنْ ثُقْبَةٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ وَفَوْقَهَا وَيَظْهَرُ لِي التَّحْرِيمُ، لِأَنَّ الثُّقْبَةَ النَّافِذَةَ إلَى مَحَلِّ الْغِذَاءِ تُشْبِهُ الدُّبُرَ، وَالْوَاصِلُ مِنْهُ إلَى مَحَلِّ الْغِذَاءِ مُحَرِّمٌ، لِأَنَّهُمْ عَوَّلُوا عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ مِنْ غَيْرِ الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَحَرِّرْ الْمَسْأَلَةَ، نَعَمْ جَرَى التَّرَدُّدُ فِي الْحَاصِلِ بِالْحُقْنَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْغِذَاءِ مِنْهُ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا؟ وَكَلَامُ خَلِيلٍ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ ذَلِكَ، وَكَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ لَا، وَيَظْهَرُ لِي مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْمَصَّةِ رُجْحَانُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَوَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي لَبَنِ الْخُنَثِي الْمُشْكِلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحَرِّمُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، قَالَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ تَحْرِيمَ الرَّضَاعِ مِثْلُ تَحْرِيمِ الْوِلَادَةِ، وَيَحْرُمُ لَهُ مِثْلُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ نَحْوِ أُمِّ أَخِيك الْمُشَارِ إلَيْهَا بِقَوْلِ خَلِيلٍ: إلَّا أُمَّ أَخِيك وَأُخْتِك، أَوْ أُمَّ وَلَدِك وَجَدَّةَ وَلَدِك وَأُخْتَ وَلَدِك وَأُمَّ عَمِّك وَعَمَّتِك وَأُمَّ خَالِك وَخَالَتِك فَقَدْ لَا يَحْرُمْنَ مِنْ الرَّضَاعِ، قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِهِ: وَقَدْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّحْقِيقِ وَنَاقَشَهُ بَعْضٌ، رَاجِعْ الْأُجْهُورِيُّ (وَمَنْ أَرْضَعَتْ) مِنْ الْآدَمِيَّاتِ (صَبِيًّا) لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ اللَّبَنِ. (فَبَنَاتُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ) وَلَوْ مِنْ زَوْجٍ غَيْرِ فَحْلِهَا الْيَوْمَ (وَبَنَاتُ فَحْلِهَا) الْيَوْمَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ الرَّضَاعُ بِلَبَنِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ. (مَا تَقَدَّمَ) عَلَى رَضَاعِهِ (أَوْ تَأَخَّرَ) عِنْدَ الْجَمِيعِ (أُخُوَّةٌ لَهُ) أَيْ لِهَذَا الصَّبِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ أُصُولَ التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ ثَلَاثَةٌ: الرَّضِيعُ وَالْمُرْضِعَةُ وَفَحْلُهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّضِيعُ ذَكَرًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَجَمِيعُ أَقَارِبِهَا إلَّا بَنَاتَ إخْوَتِهَا وَأَخَوَاتِهَا لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ خَالَاتٍ وَبَنَاتُ أَخْوَالٍ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَقَارِبِ الزَّوْجِ صَاحِبِ اللَّبَنِ إلَّا بَنَاتَ إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ أَعْمَامٍ وَعَمَّاتٍ، وَإِنْ كَانَ الرَّضِيعُ أُنْثَى حُرِّمَتْ عَلَى أَقَارِبِ الْمُرْضِعَةِ إلَّا بَنِي إخْوَتِهَا وَأَخَوَاتُهَا، وَكَذَا تَحْرُمُ عَلَى أَقَارِبِ الزَّوْجِ إلَّا عَلَى بَنِي إخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ، وَتَحْرُمُ الرَّضِيعَةُ عَلَى صَاحِبِ اللَّبَنِ وَمَا تَنَاسَلَ مِنْهَا لِأَنَّهَا بِنْتُهُ، وَمَا يَتَنَاسَلُ مِنْهَا حَفَدَةٌ، وَمِنْ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إلَى الْأَطْرَافِ، ثُمَّ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ، بَيَانُهُ
[ ٢ / ٥٥ ]