قال ابن عبد الحكم: "ولا وضوء لصلاة من قَيح (^١)، ولا دم (^٢)، ولا قَلَس (^٣)، ولا قيء (^٤)، ولا رعاف" (^٥).
قال أبو حنيفة: يتوضأ من ذلك كله (^٦) ما خلا القلس، إلا أن يكون ملء الفم فيكون بمنزلة القيء (^٧).
_________________
(١) القيح: بفتح فسكون من قاح، وهو: السائل اللزج الأصفر الذي يخرج، من الجرح ونحوه لفساد فيه، وهو المدَّة لا يخالطها دم، تقول: قاح الجرح يقيح ويقوح، وقيَّح الجرح وتقيَّح وأقاح، واوِيَّةٌ يائِيَّةٌ. انظر: الصحاح للجوهري ١/ ٣٩٨، القاموس المحيط ص ٣٠٣، معجم لغة الفقهاء ١/ ٤٥٠.
(٢) الدم: أصله دمي ج دماء ودمي، السائل الأحمر الذي يجري في عروق الإنسان والحيوان. معجم لغة الفقهاء ١/ ٢٥٣.
(٣) والقَلسُ: ما خَرَجَ من الحَلْق مِلءَ الفَم أو دونَه وليس بَقَيءٍ فإذا غَلَبَ فهو القَيْءُ يقال: قَلَسَ الرجل يقلِسُ قَلسًا وهو خروجُ القَلْس مِن حَلْقه. انظر: الخليل كتاب العين ٥/ ٧٨.
(٤) القيء: ما قذفته المعدة. من قاءَ يَقيءُ قَيْئًا. وفي الحديث: "الراجعُ في هِبَتِهِ كالراجع في قَيْئِهِ". واستقاء وتَقَيَّأ: إذا تكلَّف القَيْءَ، وقَيَّأتُهُ وأقَأتُهُ أنا بمعنى. انظر: الصحاح ٢/ ١٠٣، المعجم الوسيط ٢/ ٧٦٩.
(٥) التفريع ١/ ١٩٦، النوادر والزيادات ١/ ٤٨، الاستذكار ١/ ١٥٦، منح الجليل ١/ ٦٦، قال مالك ﵀ في الموطأ ١/ ٢١: الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف ولا من دم ولا من قيح يسيل من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم، وهذا مذهب الشافعي ﵀. والرعاف هو الدم الخارج من الأنف.
(٦) بدائع الصنائع ١/ ٢٤، وما بعده، اللباب في شرح الكتاب ١/ ٨، الجوهرة النيرة ١/ ٨، نور الايضاح ص ٢١.
(٧) المبسوط للشيباني ١/ ٥٦، والسرخسي ١/ ١٣٣، بدائع الصنائع ١/ ٢٦.
[ ١٢٠ ]
قال أحمد بن حنبل: في الدم يخرج من الأنف إذا كان قليلًا فليس به بأس إلا أن يكثر مثل الرعاف (^١).
وقال إسحاق بن راهويه مثل ذلك (^٢).
وقال أحمد بن حنبل: في القلس إذا كان قليلًا فليس فيه وضوء وإذا كثر ففيه الوضوء (^٣).
وقال الأوزاعي في القلس: إذا ظهر على اللسان استأنف الوضوء والصلاة (^٤)، وأما الرعاف فإنه يتوضأ ويبني على الصلاة ما لم يتكلم (^٥).
قال ابن عبد الحكم: "ومن نام مضطجعًا أو قائمًا فليتوضأ (^٦)، وإن نام
_________________
(١) مسائل الإمام أحمد لإسحاق المروزي ٢/ ٣٥٩.
(٢) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ٢/ ٣٦٠.
(٣) مسائل الإمام أحمد ٢/ ١٨ رواية ابنه عبد الله، المغني لابن قدامة ١/ ٢٠٩.
(٤) الأوسط لابن المنذر ١/ ١٨٧.
(٥) مختصر اختلاف العلماء ص ٩٣ - ٩٤.
(٦) الاستذكار ١/ ١٤٨، الذخيرة ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، وللنائم عند المالكية إحدى عشرة حالة. الأولى: الساجد قال في المدونة: يجب منه الوضوء إذا استثقل. الثانية: الراكع إذا استثقل نومه وجب عليه الوضوء أيضًا. الثالثة: المضطجع إذا استثقل نومه؛ أوجب الوضوء. "ملحوظة": الحديث الذي يرويه ابن عباس مرفوعًا: إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعًا فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله. ضعيف لا يصح، قال الإمام الدارقطني: تفرد به أبو خالد عن قتادة ولا يصح. وقال الألباني ﵀ في ضعيف سنن أبي داود ١/ ٦١: وهذا إسناد ضعيف؛ وله أربع علل: ضعف أبي خالد الدالاني، والانقطاع بينه وبين قتادة، والانقطاع بين قتادة وأبي العالية، والوقف، ولذلك ضعف الحديث البخاريُ وأحمد والترمذي وإبراهيم الحربي وابن حزم وغيرهم، ونقل النووي اتفاق أهل الحديث على ضعفه. انتهى =
[ ١٢١ ]
جالسًا فلا وضوء عليه إلا أن يطول به" (^١).
قال أبو حنيفة: ولا وضوء عليه وإن طال به، يريد الجالس (^٢).
قال الأوزاعي: إذا ذهب به الأحلام ولم يعرف ما يكون فعليه
_________________
(١) = بل ثبت عند ابن ماجه ٤٧٤ ما يعارض ذلك عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ. وهو حديث صحيح بل هو على شرط الشيخين. قال الطنافسي: قال وكيع: تعني وهو ساجد. قلت: لعل ذلك من خصوصياته ﷺ. الرابعة والخامسة: الراكب والجالس قال في المدونة: إذا استثقل وطال أوجب الوضوء وإلا فلا. السادسة: المحتبي قال في المدونة: لا وضوء عليه لأنه لا يثبت لو استثقل بخلاف الجالس. السابعة: المستند قال القاضي في الإشراف: هو عند مالك ﵀ كالجالس؛ لأن الصحابة ﵃ كانوا ينتظرون الصلاة ولا يعرون عن النوم. الثامنة: القائم. التاسعة: الماشي. العاشرة: المستند القائم قال صاحب القبس: ما استثقل نومًا في هذه الحالات فعليه الوضوء وإلا فلا. الحادية عشرة: إذا استثفر وارتبط ثم نام، قال الطرطوشي: الذي يأتي على المذهب أن لا وضوء عليه. انظر: الذخيرة ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢ للقرافي.
(٢) النوادر والزيادات ١/ ٥٠، الإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ١٠٠، البيان والتحصيل ١/ ٤٥٠، الاستذكار ١/ ١٤٨، بداية المجتهد ١/ ٣٦، الذخيرة ١/ ٢٣١، المنتقى ١/ ٧٣، مواهب الجليل ١/ ٤٢٧.
(٣) البسوط للشيباني ١/ ٥٨، بدائع الصنائع ١/ ٣١، شرح فتح القدير ١/ ٤٨، وما بعده. تبيين الحقائق ١/ ١٠، الهداية شرح البداية ١/ ١٥، الاختيار لتعليل المختار ١/ ١٣، الفتاوى الهندية ١/ ١٢.
[ ١٢٢ ]
الوضوء (^١).
قال ابن عبد الحكم: "وليس ما يراه المرء في نومه يوجب الغسل إنما يوجبه الماء الدافق (^٢)، فأما أن يجد بللًا (^٣) أو يراه يجامع امرأته ولا ينزل شيئًا فلا غسل عليه (^٤)، ولا يستنجي بعظم ولا روث ولكن بالحجارة" (^٥).
_________________
(١) الأوسط لابن المنذر ١/ ١٤٦، وقال الشافعي في الأم ١/ ١٢، وإذا نام الرجل قاعدًا فأحب إلي له أن يتوضأ، قال: ولا يبين لي أن أوجب عليه الوضوء، وأما الإمام أحمد: فهو مع مالك في أن النائم قاعدًا إذا أطال النوم توضأ.
(٢) النوادر والزيادات ١/ ٦٠ وما بعده، وفي مسند الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا قال: "يغتسل" وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يرى بللًا قال: "لا غسل عليه" فقالت أم سليم: هل على المرأة ترى ذلك شيء قال: "نعم إنما النساء شقائق الرجال"، أخرجه أحمد ٦/ ٢٥٦، وأبو داود ٢٣٦، والترمذي ١١٣، والدارمي ٧٦٥، وأبو يعلى ٤٦٩٤، والطبراني في الأوسط ٨٩٦٦، وحسنه الأرنؤوط وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٢٨٦٣.
(٣) المعتمد في المذهب أن من وجد المني بعد الاستيقاظ من النوم أنه يغتسل، قال مالك في المدونة ١/ ١٣٦: من انتبه من نومه فرأى بللًا على فخذيه، وفي فراشه، قال: ينظر فإن كان مذيًا توضأ ولم يكن عليه الغسل، وإن كان منيًّا اغتسل، ولذلك نقل القرافي الإجماع على وجوب الغسل فيه، ونصه قال: "ولإجماع الأمة أن من استيقظ ووجد المني ولم در احتلامًا أن عليه الغسل". انظر: الذخيرة ١/ ٢٩٥.
(٤) المدونة ١/ ١٣٦، الاستذكار ١/ ٢٧٢، الكافي ١/ ١٥١، التاج والإكليل ١/ ٣٠٥، شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ١٣٩.
(٥) بداية المجتهد ١/ ٨٤، الذخيرة ١/ ٢٠٨، التاج والإكليل ١/ ٢٨٦، مواهب الجليل ١/ ٤١٧، لما رواه البخاري في صحيحه ١٥٤ من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "ابغني أحجارًا أستَنْفضُ بها، ولا تأتني بعظم ولا روث" فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه وأعرضت عنه فلما قضى أتبعه بهن.
[ ١٢٣ ]
قال الشافعي: في الاستنجاء مثل قول ابن عبد الحكم (^١)، قال: ويستنجي بما يشبه الحجارة من آجرٍّ (^٢)، وخرقٍ (^٣)، ومَدَر (^٤)، وخَزَفٍ (^٥)، وتراب (^٦).
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ولا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها لغائط، ولا بول" (^٧).
_________________
(١) مسند الشافعي ص ١٣، المجموع ٢/ ١١٣، الحاوي الكبير ١/ ١٧٣، وما بعده.
(٢) الآجر: بضم الجيم وتشديد الراء. لفظ معرب واحدته: آجرة، الطين يشوى بالنار ويستخدم في البناء، ويعرف باللبن المشوي، وبالقرميد. معجم لغة الفقهاء ١/ ٣٥.
(٣) الخرق: قال الليث: خَرَقْت الثوب إذا شققته وخرقت الأرض إذا قطعتها حتى بلغت أقصاها، ولذلك سُمِّي الثَّور مخراقًا، والاخْتراقُ: الممرُّ في الأرض عرضًا على غير طريق، يقال اخترقت دار فلان- إذا جعلتها طَريقًا لحاجتك، والريح تخترق في الأرض، والخيل تخترق ما بين الشجر والقُرى. والخَرْق: المفازة البعيدة، اخترقته الريح، فهو خَرْقٌ أمْلس. والخَرْقُ: الشَّقُّ في الأرض والحائط والثوب ونحوه. تهذيب اللغة ٢/ ٤٠٧، وقال في اللسان ١٠/ ٧٣: الخرق الفرجة وجمعه خروق خرقه يخرقه خرقا وخرقه واخترقه فتخرق وانخرق واخرورق يكون ذلك في الثوب وغيره، والخرق الشق في الحائط والثوب ونحوه يقال: في ثوبه خرق وهو في الأصل مصدر والخرقة القطعة.
(٤) المدر: بالتحريك من مدر، وهو قطع الطين اليابس، وقيل الطين الذي لا رمل فيه، واحدته مدرة، وفي أصل المخطوط: "مذر". وهو خطأ.
(٥) الخَزَف: ما عمل من الطين وشوي بالنار فصار فخارا واحدته خزفة. لسان العرب ٩/ ٦٧.
(٦) الأم ١/ ٢٢، الحاوي للماوردي ١/ ١٦٧، البيان في مذهب الإمام الشافعي ١/ ٢٢٣، وما بعده.
(٧) المدونة ١/ ١١٧، النوادر والزيادات ١/ ٢١، الاستذكار ٢/ ٤٤٢، وما بعده. الكافي ١/ ١٧١، القوانين الفقهية ص ٢٩، التاج والإكليل ١/ ٢٧٩، مواهب الجليل ١/ ٤٠٤، المنتقى ١/ ٤٦٣، الزرقاني على الموطأ ١/ ٥٥١، الخلاصة الفقهية=
[ ١٢٤ ]
قال أبو حنيفة في استقبال القبلة: ذلك واسع (^١).
قال أحمد بن حنبل في استقبال القبلتين في الغائط والبول (^٢) قال: أما في الكعبة فهو أشد إنما الرخصة في بيت المقدس (^٣).
قال إسحاق: كلاهما فيه رخصة في كنف البيوت، وأما في الصحاري فلا يستقبل القبلتين، ولا يستدبر إلا أن يجعل بينه وبين القبلة سترة (^٤).
* * *
_________________
(١) = ص ٥٩، والنهي هنا مخصوص بالصحارى والفيافي والسطوح وغيرها، وأما في البيوت فلا بأس في ذلك، وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأصحابهما وهو الراجح في مذهب الإمام أحمد. انظر: الاستذكار ١/ ٤٤٣، الرسالة للشافعي ص ٢٩٦، المجموع ٢/ ٧٨، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل ١/ ٨٢، والأصل في ذلك حديث أبي أيوب الأنصار ﵁ مرفوعًا: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا". أخرجه البخاري ٣٨٦، ومسلم ٦٣٢.
(٢) شرح فتح القدير ١/ ٤٢٠، حاشية ابن عابدين ١/ ٣٤١.
(٣) المغني ١/ ١٨٤، عمدة الفقه ص ١٥، الفروع وتصحيح الفروع ١/ ١٢٦، الإنصاف ١/ ٨٢، مختصر الإنصاف ١/ ٢٣، المبدع شرح المقنع ١/ ٥٥، حاشية الروض المربع ١/ ١٣٤.
(٤) مسائل الإمام أحمد ٢/ ٤٦١.
(٥) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ٢/ ٤٦٢، الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٢٦، الاستذكار ١/ ٤٤٣، نيل الأوطار ١/ ٩٣.
[ ١٢٥ ]