_________________
(١) وهذا باب جامع كما سماه المصنف فإنه جمع فيه أصول الآداب والأخلاق الإسلامية، وفنون التربية والسلوك السوية التي يجب أن يكون عليها المسلم في حياته اليومية وفي علاقته مع ربه سبحانه، وكذلك في علاقته مع غيره حتى تكون الحياة حياةً طيبة مباركة في ضوء ما أصله الشرع الحكيم. وإن ما صنعه المصنف -ابن عبد الحكم ﵀ في آخر كتابه هذا؛ هو عادة معظم فقهاء المالكية أنهم يخصصون في آخر مصنفاتهم بابا أو كتابا يسمونه "باب الجامع" أو "كتاب الجامع"، كما فعله الإمام مالك نفسه في أواخر الموطأ وسماه: "كتاب الجامع". وكذلك المصنف -ابن عبد الحكم- في آخر كتابه المختصر الكبير له "كتاب الجامع"، وسماه هنا في المختصر الصغير باب جامع الصنوف، وفعل نحو ذلك ابن الجلاب البصري في آخر كتابه التفريع له "كتاب الجامع"، وكذلك فعل أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني في آخر كتابه مختصر المدونة له "كتاب الجامع"، والحافظ ابن عبد البر في آخر كتابه الكافي له "كتاب الجامع"، وكذلك القاضي عبد الوهاب المالكي له في آخر كتابه المعونة "كتاب الجامع" وللإمام القرافي في آخر كتابه الذخيرة "كتاب الجامع"، وابن جزي الكلبي الغرناطي له في آخر كتابه القوانين الفقهية "كتاب الجامع"، وابن الحاجب في آخر كتابه جامع الأمهات له "كتاب الجامع"، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وقد صنف بعضهم مصنفات خاصة باسم كتاب الجامع، كما فعله عبد الله بن وهب في: كتاب "الجامع" لابن وهب، وكذلك ابن أبي زيد القيرواني في "كتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ" وهو مطبوع منزوع من كتابه السابق مختصر المدونة، وهذا أمر مهم للغاية، فإن العالم يحتاج إلى ذكر جمل لطيفة في الآداب والأخلاق الإسلامية، ولا يجد لها موضعًا مناسبًا لذكرها في ثنايا أبواب العبادات والمعاملات وغيرها، لكن فقهاء المالكية وُفِّقوا لهذا النوع من التبويب، فكانت الفكرة حلًّا مهما لهذه القضية، وقد قال الإمام القرافي ﵀ في الذخيرة ١٣/ ٢٣١، موضحًا أهمية ذلك في كتاب الجامع، فقال: "هذا الكتاب يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب وهو من محاسن التصنيف، لأنه تقع فيه مسائل لا يناسب وضعها في ربع من أرباع الفقه أعني العبادات والمعاملات والأقضية والجنايات فجمعها المالكية في أواخر تصانيفها وسموها بالجامع أي جامع الأشتات من المسائل =
[ ٥١٨ ]
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام (^١)، والذي يخرجه من الهجرة أن يقول إذا لقيه: السلام عليكم (^٢)، ولا يحل لأحد من الرجال أن يلبس شيئًا من الحرير (^٣)، ولا يتختم
_________________
(١) = التي لا تناسب غيره من الكتب وهي ثلاثة أجناس: ما يتعلق بالعقيدة، وما يتعلق بالأقوال، وما يتعلق بالأفعال". انتهى.
(٢) أخرجه البخاري ٥٧٢٧، ومسلم ٢٥٦٠، من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
(٣) تفسير القرطبي ١٤/ ٧٠.
(٤) لقوله ﷺ: من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة. أخرجه البخاري ٥٤٩٤ ومسلم ٢٠٧٣، عن أنس بن مالك، وأخرجه الطيالسي ص ٢٩٤، وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو". قال القرطبي ١٢/ ٣٠: وهذا نص صريح وإسناده صحيح، فإن كان "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" من قول النبي ﷺ فهو الغاية في البيان، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلى بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا يقال بالرأي، والله أعلم. وكذلك "من شرب الخمر ولم يتب" و"من استعمل آنية الذهب والفضة" وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، وليس ذلك بعقوبة كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة، وعن عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرم الله عليه شربها في الجنة، ومن مات من أمتي وهو يتحلى الذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة. أخرجه أحمد ٢/ ٢٠٩، وحسنه الحافظ في الفتح ١٠/ ٣٢، وصححه الألباني في صحيح الترغيب ٢/ ٢٢٦، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ظاهر الحديث ومذهب نفر من الصحابة ومن أهل السنة؛ أنه لا يشرب الخمر في الجنة، وكذلك لو لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الجنة وذلك؛ لأنه استعجل ما أمر بتأخيره ووعد به، فحرمه عند ميقاته كالوارث إذا قتل مورثه فإنه يحرم ميراثه؛ لأنه استعجل به وهو موضع احتمال، وموقف إشكال وردت فيه الأخبار. فالله أعلم. انظر: طرح التثريب ٨/ ٢٢٥.
[ ٥١٩ ]
بالذهب (^١) ويسهل في ربط الأسنان بالذهب (^٢) وذلك واسع للضرورة إن شاء الله (^٣) ولبس الرجل (^٤) إلى أنصاف [ساقيه]، فإن جاوز إلى كعبه فهو مِنْ ذلك في سعة إن شاء الله، ولا يجاوز ذلك (^٥)، وتسدل المرأة دِرعها (^٦) خلفها ما بينها وبين الذراع، ولا تزيد على ذلك، ولا يجوز لأحد أَن يمشي في نعل واحدة، لينتعِلْها أو ليخلعها (^٧)، ومن انتعل فليبدأ بيمينه (^٨)، ومن خلع فليبدأ بشمماله، ولا يحل لأحد أن يشتمل الصماء (^٩) وهو: أن يشتمل
_________________
(١) لحديث على بن أبى طالب ﵁ قال: نهانى رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب وعن لباس القَسِّىِّ، وعن القراءة فى الركوع والسجود وعن لباس المعصفر. أخرجه مسلم ٥٥٦٠. ومعنى المعصفر: المصبوغ بالعصفر وهو نبات أصفر اللون. والقَسِّى: ثياب من كتان مخلوط بالحرير منسوبة إلى قرية قس بمصر.
(٢) روى أبو داود ٤٢٣٤، والترمذي ١٧٧٠، عن عرفجة بن أسعد قال: أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفًا من ورق فأنتن علي فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفًا من ذهب، قال الترمذي: حسن غريب، وقال الألباني: حسن. قال الترمذي: روى غير واحد من أهل العلم أنهم شدوا أسنانهم بالذهب وفي هذا الحديث حجة لهم.
(٣) انظر: حاشية الدسوقي ١/ ٦٣.
(٤) في الأصل: وسبل المرأة.
(٥) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩١٤، بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا".
(٦) درع المرأة: ما تلبسه فوق قميصها.
(٧) أخرجه مالك ٢/ ٩١٦، والبخاري ٥٥١٨، ومسلم ٢٠٩٧، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة لِيُنْعِلْهُما جميعًا أو لِيُحْفِهِما جميعًا".
(٨) لحديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. رواه البخاري ١٦٦، ومسلم ٢٦٨.
(٩) اشتمال الصماء: أن يتغطى الرجل بثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فتنكشف عورته. والصماء: أن يغطى الرجل جسده بثوب واحد ليس ليديه مخرج منه.
[ ٥٢٠ ]
الرجل في الثوب الواحد على أحد شقيه، ولا يجوز لأحد أن يحتبي (^١) في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء (^٢)، ولا بأس بلبس المُعَصْفَر (^٣) والموْرِد (^٤) والمُمَشَّق (^٥) وغير ذلك من الصبغ، ومن الفطرة تقليم الأظفار وقص الشارب وتنظيف الإبط وحلق العانة والختان (^٦)، وينبغي للمرأة أن تتعاهد السواك (^٧)، ولا يسدل ناصيته ويفرقُ شعره إذا احتمل ذلك (^٨)،
_________________
(١) مِنَ الاحتباء: وهو الجلوس بشكل ينصب فيه رجليه ويطوق ركبتيه بيديه، أو هو أن يَضُّمَّ الإنسان رجْلَيْه إلى بَطْنه بثَوْب يَجْمَعُهُما به مع ظَهْره، ويَشُدُّه عليها، وقد يكون الاحتباء باليَدَيْن عوَض الثَّوب.
(٢) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء. أخرجه البخاري ٣٦٠، من حديث أبي سعيد، ومسلم ٥٦٢٣، من جابر ﵄.
(٣) المعصفر: الثوب المصبوغ بالعصفر وهو نبات أحمر أو أصفر اللون. هذا الجواز على المذهب كما نقله ابن رشد في بداية المجتهد ١/ ٣٢٧، عن مالك، وإلا فقد سبق النهي عنه في حديث على بن أبي طالب ﵁ في النهي عن التختم بالذهب، والحديث في صحيح مسلم.
(٤) المورد من الثياب: هو ما صبغ على لون الورد.
(٥) في الأصل: "والممص" والصواب "المُمَشَّق" وهو: المصبوغ بالمشق، وهو الطين الأحمر.
(٦) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب". أخرجه البخاري ٥٥٥٠، ومسلم ٢٥٧.
(٧) لأنهن شقائق الرجال، ولقوله ﷺ في حديث عائشة: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". رواه النسائي ٥ بسند صحيح.
(٨) وعن عائشة قالت: كان شعر رسول الله ﷺ دون الجمة وفوق الوفرة. أخرجه أحمد ٦/ ١١٨، وابن ماجه ٣٦٣٥، وهو صحيح لغيره، وفي الصحيحين من حديث البراء ابن عازب ﵁ قال: "له شعر يبلغ شحمة أذنيه". وشحمة أذنيه: هو ما لان من أسفل أذنه.
[ ٥٢١ ]
ويعفي لحيته ويحفي شاربه (^١) وإحفاؤه: أن يقص إطاره، وليس إحفاؤه أن يحلقه" (^٢).
قال أبو حنيفة: قص الشارب حلقه (^٣).
قال عبد الله بن عبد الحكم: "ومن أكل أو شرب فليأكل وليشرب بيمينه، ولا يأكل ولا يشرب بشماله (^٤)، ويُسَمِّ الله وليأكل مما يليه" (^٥).
قال أبو حنيفة: إلا التمر فإن رسول الله ﷺ كانت تجول يده في التمر (^٦).
_________________
(١) لقوله ﷺ في حديث ابن عمر: "أعفوا اللحى وأحفوا الشوارب". رواه أحمد ٢/ ٥٢، والنسائي ٥٠٤٦، بسند صحيح. فقال أهل اللغة أبو عبيد والأخفش وجماعة: الإحفاء الاستئصال، والإعفاء ترك الشعر لا يحلقه.
(٢) وقد جاء في التمهيد لابن عبد البر ٢١/ ٦٣: قال مالك في الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ولا يجزه فيمثل بنفسه، وذكر ابن عبد الحكم عنه قال: وتحفى الشوارب وتعفى اللحى وليس إحفاء الشارب حلقه وأرى أن يؤدب من حلق شاربه. ونقل القرطبي في التفسير ٢/ ١٠٤، عن الأشهب عن مالك أنه قال: في حلق الشارب: هذه بدع، وأرى أن يوجع ضربًا من فعله.
(٣) وقد نقل عن الشافعي كما في التمهيد ٢١/ ٦٤ أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء، وقال الأثرم: رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدًا وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشوارب، فقال: يحفى كما قال النبي ﷺ: "أحفوا الشوارب".
(٤) لحديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". رواه مسلم ٥٣٨٤.
(٥) لحديث عمر بن أبي سلمة قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ: "يا غلام سَمِّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك". رواه البخاري ٥٠٦١، ومسلم ٥٣٨٨.
(٦) لم أعثر عليه في شيء من دواوين السنة، ومع ذلك فإن هذا اللفظ مما يبعد في القلب كل البعد أن يصح في مثله حديث. والله أعلم.
[ ٥٢٢ ]
قال عبد الله: "ولا ينبغي لأحد أن يشرب في آنية الفضة ولا الذهب (^١)، ولا ينبغي لأحد أن ينفخ في شرابه (^٢)، ولا يتنفس فيه، فإن غلبه التنفس فَلْيُنَحِّ الإناء عن فيه، ثم يتنفس فإن رأى به القذى (^٣) فليهرقها (^٤)، ولا ينفخها ليطرحها" (^٥).
قال أبو حنيفة: في الشرب يتنفس ثلاثًا؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة أنفاس هن أهنأ وأمرأ وأبرأ" (^٦).
_________________
(١) لقوله ﷺ: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة". أخرجه البخاري ٥١١٠، ومسلم ٢٠٦٧، من حديث حذيفة ﵁.
(٢) أخرجه الدارمي ٢/ ١٦٤، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الشراب. وإسناده صحيح.
(٣) القَذَاة: الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك. قال أهل اللغة: القذى في العين والشراب مما يسقط فيه. نيل الأوطار ٢/ ١٥٩.
(٤) الكلام هنا غير واضح بالمخطوط إلا أني استدركت النقص من بعض المصادر المختصة.
(٥) أخرجه الترمذي ١٨٨٧، وأحمد ١٨/ ١٩٦، بسند صحيح عن أبي المثنى الجهني قال: سمعت مروان وهو يسأل أبا سعيد الخدري: هل نهى رسول الله ﷺ أن يتنفس وهو يشرب في إنائه؟ فقال أبو سعيد: نعم. فقال له رجل: يا رسول الله، فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: "فإذا تنفست، فنح الإناء عن وجهك"، قال: فإني أرى القذاة فأنفخها؟ قال: "فإذا رأيتها فأهرقها، ولا تنفخها". وفي حديث أبي قتادة مرفوعًا: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه". أخرجه البخاري ١٥٢، ومسلم ٢٦٧.
(٦) أخرجه مسلم ٥٤٠٦، وأبو داود ٣٧٢٧، وأحمد ٣/ ١١٨، من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان إذا شرب تنفس ثلاثًا وقال: "هو أهنأ وأمرأ وأبرأ". وهذا لفظ أبي داود وأحمد. وأما لفظ مسلم إنه: أروى وأبرأ وأمرأ. ومعنى أروى: من الري، وهو ذهاب العطش. وأبرأ: من البرأ، وهو ذهاب المرض، =
[ ٥٢٣ ]
قال عبد الله: "ولا بأس أن يشرب الرجل قائمًا (^١)، ومن أتي بشراب
_________________
(١) = فإما أن يريد به أنه يبرئه من ألم العطش، أو أنه لا يكون منه مرض، فإنه قد جاء في حديث آخر "فإنه يورث الكباد، وهو مرض الكبد". ولا يصح الحديث مرفوعًا، لكنه صح من مرسل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى حسين. أخرجه عبد الرزاق ١٠/ ٤٢٨، أمْرأ: من الاستمراء، وهو ذهاب كظة الطعام وثقله. أهنأ: من الشيء الهنيء، وهو اللذيذ الموافق للغرض، إنما نهي عن النفخ في الشراب: من أجل ما يخاف أن يبدر من فيه وريقه فيقع فيه، أو لرائحة رديئة تخرج منه فتعلق بالماء، وربما شرب بعده غيره فيتاذى به. انظر: جامع الأصول ٥/ ٧٩. وعن نوفل بن معاوية مرفوعًا: كان رسول الله ﷺ يشرب ثلاثة أنفاس يسمي الله في أوله ويحمد الله في آخره انظر: صحيح الجامع ٤٩٥٦. وكان أنس يتنفس في الإناء مرتين أو ثلاثًا، وزعم أن النبي ﷺ كان يتنفس ثلاثًا. أخرجه البخاري ٥٣٠٨، ومسلم ٢٠٢٨.
(٢) لأحاديث منها: حديث ابن عباس ﵄ قال: سقيتُ رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم. أخرجه البخاري ١٥٥٦، ومسلم ٢٠٢٧، وروى البخاري في صحيحه ٥٢٩٣ أيضا من حديث علي ﵁: أنه صلى الظهر ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر ثم أتي بماء فشرب وغسل وجهه ويديه وذكر رأسه ورجليه ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قيامًا وإن النبي ﷺ صنع مثل ما صنعت، وأخرج الحميدي في مسنده ١/ ١٧٢، بسند صحيح من حديث كَبْشَة أو كُبَيْشَة بنت ثابت -أخت حسان بن ثابت الشاعر- قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم فشرب مِنْ فِيِّ قربةٍ مُعَلَّقَةٍ وهو قائمٌ قالت: فقطعتُ فَمَ القربة. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا. رواه الترمذي ١٨٨٣، وقال: حديث حسن صحيح، وروى ابن حبان ١٢/ ١٤١، والترمذي ١٨٨٠، وابن ماجه ٣٣٠١، بسند صحيح من حديث ابن عمر موقوفًا قال: كنا على عهد رسول الله ﷺ نأكل ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام. فهذه الأحاديث كلها صحيحة كما ترى فهي تبين بالضرورة جواز الشرب قائمًا. ولكن هناك أحاديث أخرى مضادة لها، تدل على النهي عن الشرب قائمًا، فمن هذه الأحاديث: ما أخرجه مسلم في صحيحه ٥٣٩٤، من حديث قتادة عن أنس بن مالك ﵁ عن =
[ ٥٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النبي ﷺ أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا، قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر أو أخبث. كما روى مسلم ٥٣٩٦، نحوه عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائمًا، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم ٥٣٩٨، أيضا مرفوعًا: "لا يشربن أحد منكم قائمًا فمن نسي فليستقئ". لكن الشيخ الألباني ﵀ ضعف هذه الزيادة وهي قوله: "فمن نسي فليستقئ". من أجل عمر بن حمزة، قال: وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم، ولذلك قال الحافظ في "التقريب": "ضعيف"، فالحديث بهذه الزيادة ضعيف. قلتُ: وقد سبق الشيخ الألباني ﵀ إلى هذا التضعيف: أبو الوليد الباجي والقاضي عياض وغيرهما، إلا أن الحافظ ابن حجر تعقبه -أي القاضي عياض- بقوله كما في فتح الباري ١٠/ ٨٣: أما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات وقد تابعه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشرت إليه عند أحمد وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح. والله أعلم. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: أنه رأى رجلًا يشرب قائمًا فقال له: "قه"، قال، لمه؟ قال: "أيسرك أن يثرب معك الهر؟ " قال: لا، قال: "فإنه قد شرب معك من هو شر منه! الشيطان". أخرجه أحمد ٢/ ٣٠١، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٢٥، رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٧٥. فهذه أصح أحاديث الباب سواء من يقول بالجواز، أو من يقول بالنهي. فسلك أهل العلم في هذا مسالك؛ فمنهم من قال بأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذا أمر في الحقيقة لا اعتراض عليه، ومنهم من قال إن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز، وهذا أمر فيه نظر!. وذلك لعدم الإحاطة بثبوت التاريخ، وبالتالي فلا يقطعنَّ أحد بشيء من ذلك، وقد ادعى ابن حزم نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي كما ذكر عنه الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ٨٤ أي على عكس ما سبق، متمسكًا بأن الجواز على وفق الأصل وأحاديث النهي مقرِّرَةٌ لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، وقد رد على مثل هذه الدعوى الحافظ ابن عبد البر في كتابه الاستذكار ٨/ ٣٥٦ فقال في هذه المسألة: الأصل الإباحة حتى يرد النهي من وجه لا معارض له فإذا تعارضت الآثار سقطت، والأصل ثابت في =
[ ٥٢٥ ]
ومعه غيره فإذا شرب فليعطه الأيمن فالأيمن (^١)، وينبغي لمن نام أن يوكئ
_________________
(١) = الإباحة حتى يصح الأمر أو النهي بما لا مدفع فيه. وبالله التوفيق. ومن أهل العلم من حمل أحاديث النهي على العموم، وأحاديث الجواز على الخصوص أي أن الجواز خاص بالنبي ﷺ، وهذا أمر عجيب يكفي بطلانه عن إبطاله، فإن دعوى الخصوصية. لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل هنا يعول عليه، وعلى كل حال فقد رد على هذه الفرية وسابقتها -أي ادعاء ابن حزم نسخ أحاديث الجواز- العلامة ابن شاهين في كتابه الناسخ والمنسوخ ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤، فقال: وقد صح عن النبي ﷺ أنه شرب قائمًا وأن أصحابه كانوا يشربون قيامًا، والإباحة للشرب قائمًا أقرب إلى أن يكون نسخ النهي، لأنه لو كان النهي ثابتًا أو هو الآخِر من الأمرين لما كان أصحاب رسول الله ﷺ يشربون قيامًا، ولو كان شربه قائمًا له دون غيره لما جاز لأصحابه أن يشربوا قيامًا، لأنهم كانوا يفعلون هذا على عهد رسول الله ﷺ، وهذا أشبه أن يكون ناسخًا للنهي والله أعلم. انتهى. الترجيح: فالذي يترجح لديَّ في المسألة بعد هذا العرض والتحرير، هو: أن يُجْمَع بين الأمرين بأن يحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيان الجواز. أي كأن النبي ﷺ نهى عن ذلك أولًا ثم فعل ليبين للأمة جواز الفعل، وهذا واضح في لفظ حديث السابق وهو حديث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا وقاعدًا، وبذلك نكون قد أعملنا الدليلين على القاعدة المشهورة: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، والجمع أولى من الترجيح إن أمكن الجمع. وقد تمكنا -بفضل الله- من ذلك، حتى لا تُهدر نصوص ثابتة صحيحة عن الصادق المصدوق ﷺ، وهذه الطريقة التي سلكناها، هي طريقة الإمامين الجليلين: الخطابي وابن بطال كما نقل عنهما الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١٠/ ٨٤، ثم عَقَّب الحافظ قائلًا: وهذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، والله أعلم.
(٢) المنتقى ٤/ ٣٣٠، والدليل في ذلك حديث أنس بن مالك ﵁: أنَّها حُلِبَتْ لرسول الله ﷺ شاةٌ داجنٌ وهي في دار أنس بن مالك وشِيْبَ لبنُها بماء من البئر التي في دار أنس، فأَعْطَى رسولَ الله ﷺ القدحَ فشرب منه، حتى إذا نزع القدحَ من فيه =
[ ٥٢٦ ]
سقاءه (^١) ويُكْفِئ إناءه (^٢) أو يُخَمِّره (^٣) وأن يطفئ سراجه (^٤)، ولا تخلو المرأة مع رجل ليس بذي محرم منها (^٥)، ولا بأس أن تأكَل مع من يُعرف لها الأكل معه بالوجه الذي يُعرف من الرجال (^٦)، ولا بأس أن يرى الرجلُ
_________________
(١) = وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر: وخافَ أن يعطيه الأعرابِيَّ أعط أبا بكر يا رسول الله عندك، فأعطاه الأعرابِيَّ الذي على يمينه ثم قال: الأيمن فالأيمن. رواه البخاري ٢٢٢٥، ومسلم ٢٠٢٩. ومعنى: داجن التي تألف البيوت وتعلف فيها. شيب: خلط. الأيمن فالأيمن: أعطوا الأيمن ثم من على يمينه.
(٢) أي يشد رأسه بالوكاء، وهو الذي يشد به رأس القربة.
(٣) مِن كفأ الإناء: إذا قلبه على فمه.
(٤) التخمير: التغطية.
(٥) لحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان جُنْحُ الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من الليل فَحُلُّوهم [وفي لفظ مسلم فَخَلُّوهُمْ] فأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم". أخرجه البخاري ٥٣٠٠، ومسلم ٥٣٦٨.
(٦) لنهيه ﷺ عن ذلك في غير ما حديث، من أجمعها رواه الترمذي ٢١٦٥ بسند صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله امرأتي خرجت حاجّة واكتتبت في غزوة كذا كذا قال: ارجع فحج مع امرأتك. أخرجه البخاري ٤٩٣٥، ومسلم ٣٣٣٦.
(٧) كالأكل مع عبدها إذا كان وغدًا أي قبيح المنظر أو خادمها إذا كان مأمونًا. انظر: التفريع ٢/ ٣٥٠.
[ ٥٢٧ ]
شعر امرأة ابنه وكف امرأته (^١)، ولا بأس بالرقية من العين (^٢)، ولا بأس أن يتوضأ له من يتهمون أنه أصابه ذلك، أن يغسل له وجهه ويديه ومرفقته وركبته وأطراف رجليه وداخل إزاره، ثم يجعله في إناء، ثم يصبه عليه (^٣)،
_________________
(١) قال مالك في الموطأ ٢/ ٩٤٨: ليس على الرجل ينظر إلى شعر امرأة ابنه أو شعر أم امرأته بأس. وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٨/ ٤٣٢: لا أعلم في هذا خلافًا وأجمعوا أنه لا يجوز أن ينظر أحد إلى ذات محرم منه نظر شهوة، وأن ذلك حرام عليه الله يعلم المفسد من المصلح ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
(٢) لأن العين حق، وفي سنن ابن ماجه ٣٥٠٨، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "استعيذوا بالله؛ فإن العين حق"، وروى مسلم في صحيحه ٥٨٣١، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "العين حق ولو كان شيء سَابَق القدر لَسَبَقَتْه العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا". وقال ﷺ: "إذا رأى أحدكم من أخيه ومن نفسه ومن ماله ما يعجبه فليبركه، فإن العين حق". رواه ابن ماجه ٣٥٠٩، وانظر: السلسلة الصحيحة ٢٥٧٢.
(٣) انظر هذا التوصيف: التفريع ٢/ ٣٥٧، وروى الإمام مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٩، عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه قال: رأى عامر بن ربيعة سهل بن حنيف يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جِلْدَ مُخَبَّأةٍ [أي الجَارِيَة التي في خدْرِها لم تَتَزَوَّج بعدُ] فلُبِطَ سهلٌ [أي صُرع] فأتي رسولُ الله ﷺ فقيل: يا رسول الله هل لك في سهل بن حنيف والله ما يرفع رأسه، فقال: هل "تتهمون له أحدًا؟ " قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، قال فدعا رسول الله ﷺ عامرا فتغيظ عليه وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه ألا برَّكت اغتسل له"، فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه فراح سهل مع الناس ليس به بأس. وفي حديث ابن عباس السابق: "وإذا استغسلتم فاغسلوا". قال الشوكاني في نيل الأوطار ٩/ ٨٨: أي إذا طلبتم للاغتسال فاغسلوا أطرافكم عند طلب المعيون ذلك من العائن، وهذا كان أمرًا معلومًا عندهم فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم وظاهر الأمر الوجوب.
[ ٥٢٨ ]
ولا بأس بالرقية من العقرب (^١) والكيِّ من اللَّقْوَة (^٢)، ولا بأس برقية المسلم للنصراني، والكي بكتاب الله أو بأسماء الله (^٣)، ولا بأس بمعالجة الطبيب من العلة، [وأنْ] يُتْرَك (^٤)، ولا بأس بالحجامة، وبأجر الحجامة (^٥)، ولا بأس أن
_________________
(١) روى مسلم في صحيحه ٥٨٥٩ عن جابر قال: كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله ﷺ عن الرقى قال: فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نهيت عن الرُّقَى وأنا أَرْقِي من العقرب فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
(٢) اللقوة: بفتح اللام داء في الوجه. وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار ١/ ٣٦٢: هي الريح التي تميل أحد جانبي الفم. أو نقول: داء يصيب الوجه فيميله على أحد الجانبين. وروى عبد الرزاق ١١/ ١٨، عن نافع قال: اكتوى ابن عمر من اللقوة ورقى من العقرب.
(٣) انظر: التفريع ٢/ ٣٥٧، المعونة ٢/ ٥٩٧.
(٤) أي أن التداوي وعدمه سيان، انظر: التفريع ٢/ ٣٥٧.
(٥) انظر: التفريع ٢/ ٣٥٧، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره ولو علم كراهية لم يعطه. أخرجه البخاري ٢١٥٩، ومسلم ٤١٢٤، وفي صحيح البخاري ٥٣٧١، سئل أنس ﵁: عن أجر الحجام فقال احتجم رسول الله ﷺ، -حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ- وأعطاه صاعين من طعام وكلَّم مواليه فخففوا عنه وقال: إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري. الحديث .. ومعنى مواليه الذين أعتقوه. فخففوا عنه: أي من الخراج المفروض عليه، والقسط البحري: نوع من البخور المستخدم في التداوي، قال مالك: ليس العمل على كراهية أجر الحجام، ولا أرى به بأسًا، واحتج على ذلك بأن ما يحل للعبد أكله فإنه يحل للأحرار كأجرة سائر الأعمال. انظر: المنتقى ٤/ ٤٢٥، وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري ٦/ ٢٣٣: فى هذا الباب بيان أن أجر الحجام حلال كما تأوله ابن عباس، وفيه دليل أنه لا وجه لكراهة أبى حنيفة لأجر الحجام، واستدلاله على ذلك بنهيه ﷺ عن ثمن الدم، وهذا النهى عن العلماء ليس كنهيه عن ثمن الخمر والميتة، وليس من كسب الحجام فى شيء، بدليل حديث أنس وابن عباس، ولو أراد ﵇ بنهيه عن ثمن الدم النهى عن كسب الحجام لكان منسوخًا بحديث أنس وابن عباس، أو يكون نهيه عنه على سبيل التنزه. وحديث النهي؛ رواه أبو داود ٣٤٢٣، والترمذي ١٢٧٥، وصححه من حديث =
[ ٥٢٩ ]
يترك الرجل شعره أبيض، ولا يخضبه، ولا بأس عليه بخضابه (^١) أو بالحناء أو بغيره وغير السواد أحب إلينا (^٢)، ولا خير في اللعب بالنرد وبالشطرنج (^٣)، وإذا سلم الرجل على جماعة فرد عليه واحد أجزأ عنهم (^٤)، ويسلم الراكب على الماشي (^٥)، وينهي السلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله
_________________
(١) = رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث." قال ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٢٦: وهذا الحديث لا يخلو أن يكون منسوخًا منه كسب الحجام بحديث أنس وابن عباس والإجماع على ذلك، أو يكون على جهة التنزه كما ذكرنا، وليس في عطف ثمن الكلب ومهر البغي عليه ما يتعلق به في تحريم كسب الحجام؛ لأنه قد يعطف الشيء على الشيء وحكمه مختلف.
(٢) الخضاب: صبغ الشعر أو الأعضاء بالحناء.
(٣) التفريع ٢/ ٣٥٣ قال فيه ابن الجلاب البصري: ولا بأس بالخضاب وتركه، وغير السواد أحب إلينا منه.
(٤) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. قال القرطبي في التفسير ٦/ ٢٩١: وهذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارًا أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ٩١]. فكل لهو دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حرامًا مثله.
(٥) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] قال القرطبي في بيان فقه هذه الآية في تفسيره ٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، ورده فريضة؛ لقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزئ أولا؛ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء، وأن المسلم قد رد عليه مثل قوله.
(٦) لقوله ﷺ: يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير. أخرجه البخاري ٥٨٧٧، ومسلم ٢١٦٠، عن أبي هريرة.
[ ٥٣٠ ]
وبركاته، ويرد مثل ذلك (^١)، ولا بأس أن يسلم الرجل على المرأة المتجالة (^٢)، وأما الشابة فلا يجب ذلك له (^٣)، ومن سلم عليه يهودي أو نصراني فليرد عليه وليقل: عليك (^٤) ويستأذن الرجل على أمه إذا دخل عليها (^٥)، ومن
_________________
(١) لأنه الأكمل، لحديث عمران بن حصين ﵁: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم. قال قال النبي ﷺ: "عشر". ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله. فقال النبي ﷺ: "عشرون"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال النبي ﷺ: "ثلاثون". رواه أبو داود ٥١٩٧، والترمذي ٢٦٨٩، وصححه.
(٢) المرأة المتجالة: بالجيم العجوز التي انقطع أرب الرجال منها.
(٣) شرح الزرقاني ٤/ ٤٥٨، وفي الموطأ ٢/ ٩٥٩، قال يحيى: سئل مالك هل يسلم على المرأة فقال: أما المتجالة فلا أكره ذلك، وأما الشابة فلا أحب ذلك.
(٤) قال ابن أبي زيد في الرسالة ١٦١١: وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل عليك، ومن قال عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك. قلتُ: هذا الأخير -السلام بالكسر- ليس عليه دليل، بل الأولى هو الالتزام بما ورد عن النبي ﷺ وهو قوله: "عليك" كما ذكر ابن أبي زيد ﵀ أولًا، والدليل على ذلك؛ حديث ابن عمر ﵁ مرفوعًا: إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليكم فقل عليك. أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٦٠، والبخاري ٦٥٢٩، ومسلم ٥٧٨٢. وعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله ﷺ: "مهلًا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ: "فقد قلت: وعليكم". أخرجه البخاري ٥٩٠١، ومسلم ٥٧٨٤.
(٥) روى البخاري في الأدب المفرد ص ٣٦٤، بسند صحيح عن علقمة قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال أأستأذن على أمِّي؟ فقال: ما على كل أحيانها تحب أن تراها. وأورد ابن عبد البر في التمهيد ١٦/ ٢٣٢، ما نصه: قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه وذوات قرابته، قال: نعم فقلت: بأي وجبت قال: بقول الله ﷿ ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩].
[ ٥٣١ ]
استأذن على قوم فليستأذن ثلاثًا فإن أُذِنَ له وإلا فليرجع (^١)، وإذا عطس الرجل فليقل: الحمد لله ولْيُسْمِع مَن سمعه (^٢) فليشهد بأن يقول: يرحمك الله، فإذا قيل له ذلك [فليقل]: يهديكم الله ويصلح بالكم (^٣) فإن عطس ثلاثًا أو أربعًا فهو في سعة من تشميته (^٤)، ولا تجوز التماثيل في البيوت إلا
_________________
(١) وجاء في الرسالة ١٦١١، ما نصه: والاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت. قال القرطبي في التفسير ١٢/ ٢١٥: ثم ينصرف من بعد الثلاث. وإنما قلنا: إن السنة الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها لحديث أبي موسى الأشعري، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب وشهد به لأبي موسى؛ أبو سعيد الخدري، ثم أبي بن كعب. وهو حديث مشهور أخرجه الصحيح وهو نص صريح. انتهى. ونص حديث أبي موسى المشار إليه عند البخاري ٥٨٩١، ومسلم ٢١٥٣، قال أبو سعيد الخدري ﵁: كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت فقال ما منعك؟ قلت استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع"، فقال: والله لتقيمن عليه بينة أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك.
(٢) وفي التفريع ٢/ ٣٥٤: من يليه.
(٣) لحديث أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم". رواه البخاري ٥٨٧٠، وفي التمهيد ١٧/ ٣٣٢، قال مالك: لا بأس أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم، كل ذلك جائز، وهو قول الشافعي، قال: أي ذلك قال فحسن.
(٤) انظر: الموطأ ٢/ ٩٦٥، البيان والتحصيل ١٧/ ١٤١، القوانين الفقهية ص ٢٩٣، وفي حديث سلمة بن الأكوع، ﵁ قال: عطس رجل عند رسول الله ﷺ وأنا شاهد فقال رسول الله ﷺ: "يرحمك الله"، ثم عطس الثانية والثالثة، فقال رسول الله ﷺ: "هذا رجل مزكوم". رواه الترمذي ٢٧٤٣ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٥٣٢ ]
رقمًا في ثوب، فذلك سهل فيه إن شاء الله" (^١).
قال أبو حنيفة: ما كان يبسط (^٢).
_________________
(١) الاستذكار ٨/ ٤٨٣ - ٤٨٦، البيان والتحصيل ١/ ٣٣١، الذخيرة ٢/ ٩٩، وقد روى البخاري ٥٦١٣، ومسلم ٥٦٣٩، من حديث بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة". قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقمًا في ثوب". قال الدكتور مصطفي البغا: ربيب ميمونة هو الخولاني ليس ابن زوجها، ولكنها ربته، وكان من مواليها فسمي ربيبها، ومعنى يوم الأول: الوقت الماضي. وروى مالك ٢/ ٩٦٦، والبخاري ١٩٩٩، ومسلم ٢١٠٧، أيضًا من حديث نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها أخبرته: أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخله فعرفت في وجهه الكراهية فقلت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ﷺ ماذا أذنبت؟. فقال رسول الله ﷺ: "ما بال هذه النمرقة". قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها فقال رسول الله ﷺ: "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيو ما خلقتم". وقال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة". قال ابن بطال ﵀ في شرح صحيح البخاري ٩/ ١٧٩: اختلف العلماء فى الصور: فكره ابن شهاب ما نصب منها وما بسط كان رقمًا أو لم يكن، على حديث نافع عن القاسم عن عائشة، وقالت طائفة: إنما يكره من التصاوير ما كان فى حيطان البيوت، وأما ما كان رقمًا فى ثوب فهو جائز على حديث زيد بن خالد عن أبى طلحة، وسواء كان الثوب منصوبًا أو مبسوطًا، وبه قال القاسم وخالف حديثه عن عائشة.
(٢) انظر: عمدة القاري ٣٢/ ١٢٢، شرح معاني الآثار ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٧، قال الطحاوى: وقد ثبت أن المنهي عنه من الصور؛ هي: نظير ما يفعله النصارى في كنائسهم من الصور في جدرانها ومن تعليق الثياب المصورة فيها، فأما ما كان يوطأ ويمتهن ويفرش فهو خارج من ذلك وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى =
[ ٥٣٣ ]
قال الشافعي: … (^١).
قال عبد الله: "ومن رأي في بيته شيئًا من الحيات فَلْيُؤْذِنْه ثلاثة أيام فإن بدا فليقتله، وليس عليه فيما سوى المنازل (^٢)، ولا يتناجى اثنان دون
_________________
(١) = ثم قال: .. فعلى ما وصفنا علمنا أن الثياب المبسوطة كهيئة البسط لا ما سواها من الثياب المعلقة والملبوسة.
(٢) سقط قول الشافعي من الأصل، والله المستعان.
(٣) لما أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٧٦، ومسلم في صحيحه ٥٩٧٦، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه قال: دخلت على أبي سعيد الخدري فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى قضى صلاته فسمعت تحريكًا تحت سريرٍ في بيته، فإذا حيةٌ فقمتُ لأقتلها فأشار أبو سعيد أن اجلس، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم قال إنه قد كان فيه فتى حديث عهدٍ بعرس فخرج مع رسول الله ﷺ إلى الخندق فبينا هو به إذ أتاه الفتى يستأذنه فقال: يا رسول الله ائذن لي أحدث بأهْلي عهدًا فأذن له رسول الله ﷺ وقال: "خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك بني قَريظة"، فانطلق الفتى إلى أهله فوجد امرأته قائمة بين البابين فأهوى إليها بالرمح ليطعنها وأدركته غيرة فقالت: لا تعجل حتى تدخل وتنظر ما في بيتك، فدخل فإذا هو بحية منطوية على فراشه فركز فيها رمحه ثم خرج بها فنصبه في الدار فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى ميتًا فما يدري أيهما كان أسع موتًا، الفتى أم الحية، فَذُكِرَ ذلك لرسول الله ﷺ؟ فقال: "إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان". وقال عبد الله بن عمر ﵄ بينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة وزيد بن الخطاب فقالا: تقتلها فقلت إن رسول الله ﷺ قد أمر بقتل الحيات، قالا: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت وهي العوامر. رواه البخاري ٣١٢٣، ومسلم ٢٢٣٣، وأما الحيات في الصحاري والأودية وغيرها فلا بأس بقتلها، لعموم قوله ﷺ: "خَمْسٌ من الدوابِّ كلُّهن فَاسق، يُقْتَلْنَ في الحرَم: الغُرابُ، والحِدَأَةُ، والعقربُ، والفَأْرَةُ، والكلب العقُورُ". رواه البخاري ٣١٣٦، ومسلم ٢٩١٩.
[ ٥٣٤ ]
ثالث (^١)، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها (^٢) إلا أن أهل العلم يرخصون لها إذا لم يكن لها محرم أن تؤدي فريضة الله في الحج مع جماعة النساء" (^٣).
_________________
(١) لما روى البخاري ٥٩٣٠، ومسلم ٢١٨٣، من حديث مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كانوا ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الثالث". أي: لأنه ربما يتوهم أنهما يريدان به غائلة بخلاف تناجيهما بحضرة جماعة لا بأس به. ولذلك جاء في رواية الإمام أحمد ٢/ ١٤٦ بلفظ: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه".
(٢) في حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". فقام رجل فقال: يا رسول الله امرأتي خرجت حاجة واكتتبت في غزوة كذا كذا قال: "ارجع فحج مع امرأتك". أخرجه البخارى ٤٩٣٥، ومسلم ٣٣٣٦، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُسافِرَ مَسيرة يوم وليلة وليس معها ذو حُرمَة منها". وفي رواية أخرى: "مَسيرَة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها". وفي رواية أخرى: "مسيرة يوم". وفي رواية أخرى لمسلم: "مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذُو حرمة منها". أخرجه البخاري ومسلم، وفي أخرى لمسلم: "لا يحلُّ لامرأة تسافر ثلًاثا إلا ومعها ذو محرم منها"، وفي أخرى لأبي داود نحو رواية مسلم، إلا أنه قال: "بَريدًا". والبريد: أربعة فراسخ، وقيل: فرسخان، وأصل هذه الكلمة فارسية، وانظر الروايات: جا مع الأصول ٥/ ٢٤. فجمع الحافظ ابن عبد البر ﵀ هذه الأقوال بقوله: وقد اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها، وَمَحْمَلُها عندي -والله أعلم-: أنها خرجت على أجوبة السائلين فحدَّث كل واحد بمعنى ما سمع كأنه قيل له ﷺ في وقت ما: هل تسافر المرأة مسيرة يوم بلا محرم؟ فقال لا. وقيل له في وقت آخر: هل تسافر المرأة مسيرة يومين بغير محرم؟ فقال لا، وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم؟ فقال لا. وكذلك معنى الليلة والبريد ونحو ذلك، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى والله أعلم. ويجمع معاني الآثار في هذا الباب وإن اختلفت ظواهرها: الحظر على المرأة أن تسافر سفرًا يخاف عليها الفتنة بغير محرم قصيرا كان أو طويلًا. والله أعلم. انظر: التمهيد ٢١/ ٥٥.
(٣) وقد فصل هذه المسألة الحافظ ابن عبد البر ﵀، فنقل في التمهيد ٢١/ ٥١، =
[ ٥٣٥ ]
قال أبو حنيفة: لا تخرج إلا مع ذي محرم منها (^١).
قال الأوزاعي: تحج المرأة من غير ذي محرم يريد بذلك قضاء حجة الإسلام الواجبة مع قوم مأمونين يجزئ ذلك عنها (^٢)، وتُخْرِجُ معها سلمًا تصعد عليه وتنزل، ولا يقربها رجل إلا أنه يأخذ برأس البعير ويضع رجله على ذراع البعير (^٣) لا يقربها (^٤).
قال عبد الله: "ومن دعي إلى وليمة فليجب (^٥)، ولا يتخذ المسافرون
_________________
(١) = مذهب القائلين بوجوب المحرم، وأنه من شروط السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فمن لم يكن لها من النساء ذو محرم فتخرج معه فليست ممن استطاع إلى الحج سبيلًا لنهي رسول الله ﷺ أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها، قال: وممن ذهب إلى هذا إبراهيم النخعي والحسن والبصري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور. قال: "وقال آخرون: جائز للمرأة أن تحج حجة الفريضة إذا كانت مع ثقات من ثقات المسلمات والمسلمين، فأما مالك والشافعي فقالا: تخرج مع جماعة النساء". قال الشافعي وإذا خرجت مع حرة مسلمة ثقة لا شيء عليها. انتهى.
(٢) ذكر الطحاوي ﵀ في آخر مناقشته للمسألة في شرح معاني الآثار ٢/ ١١٤، قال ما لفظه: وفي ثبوت ما ذكرنا دليل على أن المرأة ليس لها أن تحج إذا كان بينها وبين الحج مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فإذا عدمت المحرم وكان بينها وبين مكة المسافة التي ذكرنا فهى غير واجدة للسبيل الذي يجب عليها الحج بوجوده.
(٣) الشرح الكبير لابن قدامة ٣/ ١٩٠.
(٤) في الأصل على ذراع البئر.
(٥) انظر هذا التوصيف: التمهيد ٢١/ ٥١، الجوهر النقي ٥/ ٢٢٥.
(٦) لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها". أخرجه مالك ٢/ ٥٤٦، والبخاري ٤٨٧٨، ومسلم ١٤٢٩، وفي رواية جابر في صحيح مسلم ٣٥٩١ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك". وروى ابن المواز عن مالك كما في المنتقى ٣/ ٢٣٠، أنه قال: الوليمة التي يجب أن تؤتى وليمة النكاح، =
[ ٥٣٦ ]
شيئًا من الأجراس في أعناق دوابهم، ولا ركابهم (^١)، ولا بأس أن يُقَلِّدوا (^٢) الخيل والدواب والركاب (^٣)، ولا يقلدوها شيئًا من الأوتار (^٤)، ولا ينام
_________________
(١) = وما سمعت أنه يجب أن تؤتى غيرها من الأصنعة، وأرى أن تجاب الدعوة إلا من عذر، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي إجابة وليمة العرس واجبة ولا أرخص في ترك غيرها من الدعوات التي لا يقع عليها اسم وليمة. قلتُ: وكل ذلك إذا كانت الدعوة لا تشتمل على المعاصي والمخالفات. قال الإمام البخاري ﵀ ٥/ ١٩٨٥: باب هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة. قال: ورأى ابن مسعود صورة في البيت فرجع، لكن الصواب: أبي مسعود كما في بعض النسخ وقد قال الحافظ ابن حجر: لم أر الأثر المعلق إلا عن أبي مسعود عقبة ابن عمرو، وأخرجه البيهقي من طريق عدي بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود أن رجلا صنع طعامًا فدعاه فقال: أفي البيت صورة، قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة. وسنده صحيح. انظر: فتح الباري ٩/ ٢٤٩، ثم قال البخاري: ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترًا على الجدار فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء فقال مَنْ كنت أخشي عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعاما فرجع. رواه البخاري معلقًا ووصله الإمام أحمد وغيره انظر: فتح الباري ٩/ ٢٤٩، وتغليق التعليق ٤/ ٤٢٤، وقال مالك في الدف: هو من اللهو الخفيف، فإذا دعي إلى وليمة، فوجد فيها دفًّا فلا أرى أن يرجع. فتح الباري لابن رجب ٦/ ٨٤.
(٢) لقوله ﷺ: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس". رواه مسلم ٥٦٦٨.
(٣) التقليد: وضع الشيء في العنق مع الاحاطة به، ويسمى ذلك: قلادة.
(٤) الركاب: الإبل.
(٥) المعونة ٢/ ٦٠١، وروى أبو داود ٢٥٥٤، بسند صحيح عن عباد بن تميم أن أبا بشير الأنصاري أخبره أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﷺ رسولًا والناس في مبيتهم: "لا يُبْقَيَنَّ في رقبة بعير قِلادةٌ من وتر ولا قِلادةٌ إلا قطعت". قال مالك: أرى أن ذلك من أجل العين. قال العظيم آبادي في عون المعبود ٧/ ١٦٠: وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والقلائد التمائم ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصم من الآفات، فنهاهم النبي ﷺ عنها وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئًا. قال ابن الأثير في النهاية ٤/ ١٤٥: والأوتار: جمع وِتْر بالكسر وهو الدَّمُ وطَلَبُ الثأر يُرِيد اجْعلوا ذلك لازِمًا لها في أعناقها لُزوم القَلائد للأعناق، وقيل: أراد بالأوتار: =
[ ٥٣٧ ]
الرجلان في ثوب واحد ليس بينهما ستر، يباشر أحدُها صاحبَه، ولا تنام الرأتان كذلك (^١)، ولا ينظر الرجل إلى عورة أخيه (^٢)، ولا يدخل الرجلُ الحمَّام إلا بمئزر (^٣)، ولا تدخل امرأة إلا مِنْ سقم (^٤)، ولا يسافر بالقرآن إلى
_________________
(١) = جَمْع وَتَر القَوْس: أي لا تَجْعلوا في أعْناقها الأوتار فتَخْتنِقَ؛ لأنَّ الخيلَ ربما رعَت الأشجار فنَشِبَت الأوتار ببعض شُعَبها فَخَنَقَتْها، قال الهروي: والقول هو الأول. وقيل: إنما نَهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يَعْتقدون أن تَقْليد الخيل بالأوتار يَدْفع عنها العين والأذَى فتكون كالعُوذة لها، فنهاهم وأَعْلَمَهم أنها لا تَدْفع ضَرَرًا ولا تَصْرف حَذَرًا.
(٢) لقوله ﷺ في حديث مسلم: "ولا يفضي الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد، ولا تفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد". ومعنى يفضي: مِن أفضى: إذا ألصق جسده بجسده. والنهي هنا للكراهة على الصحيح في المذهب. انظر: التفريع ٢/ ٣٥٦، المعونة ٢/ ٥٩٥.
(٣) لقوله ﷺ: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل فى ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد". رواه مسلم من حديث أبى سعيد الخدرى ﵁.
(٤) هو الإزار: وهو ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن.
(٥) كما في حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدْخِلْ حَلِيْلَتَهُ الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر". أخرجه الترمذي ٢٨٠١، بسند حسن، من أجل ليث بن أبي سليم وهو صدوق إلا أن فيه كلامًا، أن نساء دخلن على أم سلمة ﵂ فسألتهن من أنتن قلن: من أهل حمص، قالت: من أصحاب الحمامات، قلن: وبها بأس، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله عنها ستره". أخرجه أحمد ٦/ ٣٠١، والحاكم ٤/ ٣٢١، والطبراني ٢٣/ ٣١٤، وقال الألباني في صحيح الترغيب ١/ ٤١: صحيح لغيره. قال القاضي عبد الوهاب البغدادي في المعونة ٢/ ٥٩٣: وقال بعض متأخري أصحابنا أي المالكية: إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء مفردًا، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز.
[ ٥٣٨ ]
أرض العدو" (^١).
"تم المختصر بحمد الله".
قال أبو القاسم عبيد الله: كلما كان فيه من قول أبي حنيفة فهو ما سمعته من محمد بن العباس المعروف بالليل، وكلما كان فيه من قول الشافعي ﵁ فهو مما سمعته من أبي موسى العسكري المعلم، وما كان فيه من قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فهو مما سمعته من أبي بكر العمري القاضي، وكلما كان فيه من قول الأوزاعي فهو مما أجازه لي إسحاق بن إبراهيم من كتب سعيد بن محمد البروي، وما كان فيه من قول سفيان الثوري فهو مما استخرجته من جامع سفيان الصغير الذي أجازه لي عبد الله بن إسماعيل البصري.
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وكان الفراغ منه في ثاني يوم الأربعاء من صفر سنة ثمان عشر وسبعمائة.
وكاتبه العبد الفقير المستجير بالرب الرحيم محمد بن إلياس بن إبراهيم خطيب عين الزيتون، غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ فيه، ودر له
_________________
(١) لحديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. رواه البخاري ٢٨٢٨، ومسلم ١٨٦٩. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٥/ ٢٥٤: وأجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه، واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه؛ قال مالك: لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يفرق بين العسكر الكبير والصغير، وقال أبو حنيفة: يكره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو إلا في العسكر العظيم فإنه لا بأس بذلك، واختلفوا من هذا الباب في تعليم الكافر القرآن، فمذهب أبي حنيفة أنه لا بأس بتعليم الحربي والذمي القرآن والفقه، وقال مالك: لا يُعَلَّمُوا القرآن ولا الكتاب.
[ ٥٣٩ ]
بالتوبة والمغفرة ولجميع المسلمين آمين آمين يا رب العالمين (^١).
* * *
_________________
(١) وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. كتبه/ عمر بن على بن أبي بكر زاريا. بعد صلاة الفجر من يوم الاثنين ٢٣ ذي الحجة ١٤٣١ هـ. الموافق ٢٩/ ١١/ ٢٠١٠ الميلادي. المعادي الجديدة - مدينة القاهرة جمهورية مصر العربية.
[ ٥٤٠ ]