الأصل في القضاء (^٢) قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (^٣)، وقوله ﷿ ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (^٤)، وقوله تعالى ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (^٥)، وقوله - ﷺ -: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (^٦)، وقوله لمعاذ ابن جبل لما وجهه إلى اليمن قاضيًا: "بم تحكم" قال: بكتاب الله، قال "فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله - ﷺ - قال "فإن لم تجد" قال أجتهد رأيي، فقال رسول الله - ﷺ -: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" (^٧)، وفيه أخبار كثيرة عنه - ﷺ - وعن السلف بعده.
_________________
(١) في م: كتاب الأقضية فقط.
(٢) القضاء في اللغة: القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، والقضاء الحكم (معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٩٩)، وفي الاصطلاح: صفه حكمية توجب لموصفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين (حدود ابن عرفة: ٤٣٣).
(٣) سورة ص، الآية: ٢٦.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٩.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٠٥.
(٦) أخرجه البخاري في الاعتصام باب أجر الحاكم إذا اجتهد ٨/ ١٥٨، ومسلم في الأقضية باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد: ٣/ ١٣٤٢.
(٧) أخرجه أبو داود في الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء: ٤/ ١٨، والترمذي في الأحكام باب ما جاء في القاضي كيف يقضي: ٣/ ٦١٦، وأحمد: ٥/ ٢٣٠، ٢٣٦، والبيهقي: ١٠/ ٨٧ وابن عدي والطبراني وليس إسناده بمتصل (انظر تلخيص الحبير: ٤/ ١٨٢).
[ ٣ / ١٤٩٩ ]
فصل [١ - الخصال التي يجب توفرها في القاضي]:
ويجب أن يكون في القاضي خصال منها ما لا يتم الحكم إلا بها ما هو من أداب القضاء وسنة الحكم في الشرع، فأول ما يجب (^١) فيه أن يكون فقيهًا غير عامي ومن أهل الاجتهاد عارفا بالكتاب والسنة وطرق الاجتهاد وترتيب الأدلة وكيفية النظر فيها وتخريج الفروع على الأصول، ولا يجوز له تقليد غيره من العلماء ما دام عليه فسحة في النظر ومهلة يمكنه فيها الاجتهاد فإن خاف فوات الحادثة متى أخرها إلى أن يلوح (^٢) له فيها النظر وقع عليه فرض الحكم فيها فهل يجوز له أن يقلد غيره من العلماء أو لا يجوز له فيها نظر فكان الأقوى أن يجوز لأن تأخير الحكم يؤدي إلى فوات الفرض وإضاعته، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم قد كان يقلد بعضهم بعضًا في الأحكام إذا خفي على المقلد منهم طريق النظر في حكم الحادثة (^٣).
فصل [٢ - في عدم جواز كون الحاكم عاميًّا]:
وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون الحاكم عاميا خلافًا لأبي حنيفة (^٤)، لقوله تعالى ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (^٥) وذلك يتضمن الاجتهاد، وقوله تعالى ﴿فاحكم بين الناس بالحق﴾ (^٦) والمقلد لا يفرق (^٧) بين الحق والباطل بالتقليد، وقوله - ﷺ -: لمعاذ: بما تحكم قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد" قال فبسنة رسول الله - ﷺ -، قال "فإن لم تجد"، قال أجتهد رأيي،
_________________
(١) يجب: سقطت من م.
(٢) في ق: يبرح.
(٣) في جملة هذه الأحكام انظر: الموطأ: ٢/ ٧١٩، المدونة: ٤/ ٧٦، الكافي: ٤٩٧.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٣، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٤/ ٧٨.
(٥) سورة النساء، الآية: ١٠٥.
(٦) سورة ص، الآية: ٢٦.
(٧) في م: لا يغرق الفرق.
[ ٣ / ١٥٠٠ ]
فقال رسول الله - ﷺ - "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - ﷺ - لما يرضي رسول الله" (^١) وقوله "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (^٢).
وهذا كله يدل على أن الحاكم يجب أن يكون من أهل الاجتهاد ولأن التقليد لا يثمر عليه ولا يجوز التقليد إلا للعامي للضرورة بالعامي إلى أن يلي الحكم ويقلد غيره ولأن القضاء آكد وأقوى من الفتيا لأن الحاكم يلزم غيره بحكمه، والمستفتي لا يلزمه المصير إلى فتيا المفتي فإن لم يجز للمفتي أن يكن مقلدًا فالقاضي أولى.
وينبغي للقاضي أن يكون فطنًا متيقظًا كثير التحرز من الحيل وما ينم (^٣) مثله على المغفل أو الناقص أو المتهاون، وأن يكون عالمًا بالشروط عارفًا بما لا بد منه من العربية واختلاف معاني العبارات فإن الأحكام تختلف باختلاف العبارات في الدعاوي والإقرار والشهادات وغير ذلك مما يتعلق، ولأن كتاب الشرط هو الذي يتضمن حقوق المحكوم له وعليه والشهادات تسمع بما فيه فقد يكون العقد واقعًا على وجه يصح أو لا يصح فيجب أن يكون فيه علم بتفصيل ذلك وتحمله (^٤)، وينبغي أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ويستعين بهم على ما هو سبيله ويعول بهم على التوصل إلى ما ينوبه ويخففوا عنه فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه من النظر في الوصايا والأحباس والوقوف والقسمة وأموال الأيتام وغير ذلك مما ينظر فيه.
والأولى عندنا (^٥) أن يقضي في المسجد خلافًا للشافعي في كراهية (^٦) ذلك
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ١٤٩٩.
(٢) سبق تخريج الحديث ١٤٩٩.
(٣) ينم: أي يخفي.
(٤) وتحمله: سقطت من م.
(٥) عندنا: سقطت من م.
(٦) انظر، مختصر المزني: ٢٩٩، الإقناع: ١٩٤.
[ ٣ / ١٥٠١ ]
لأن النبي - ﷺ - كان يحكم فيه، والأئمة بعده وليقرب الوصول إليه على كل من أراده.
وينبغي له التسوية بين الخصمين في المجلس وأن يكون إقباله عليهما على حد سواء كما روي عن السلف والأئمة من القضاء بذلك وأن يبتدى منهما من بدأ بالدعوى فيسمع دعواه ويستوفي الحكم له ثم يثني من بعده وإن تشاحى في التقديمة والتبدية ولم يعلم صدق أحدهما أقرع بينهما فيبدأ بمن يخرج سهمه لأنه لا طريق إلى الفصل (^١) بينهما إلا بذلك ويجوز أن يقال أن ذلك موكول إلى اجتهاد الحاكم والإقراع أقرب إلى العدل.
وينبغي إذا استوفى سماع البينة وأراد الحكم أن يقول للمحكوم عليه أو لوكيله إن لم يحضر: أبقيت لك حجة؟ أم هل عندك ما تدفع به حجة خصيمك؟ فإذا قال لا، حكم حينئذ، وإن قال نعم انتظر ما يأتي به فإن تبين منه اللدد (^٢) حكم ولم يلتفت إلى قوله.
وينبغي أن يكون له صاحب مسائل يكون من أهل الأمانة والثقة فيسأله عن شهوده ويعول عليه في تعديل من شهد عنده، وينبغي للمزكي أن يكون عالمًا بوجوه التعديل والجرح عارفًا بطرقهما.
وللحاكم أن يحكم بشهادة من يعلمه عدلًا وأن يرد شهادة من يعلمه فاسقًا أو يعلمه غير مستكمل بشروط العدالة وليس ذلك حكمًا بعلمه، وشروط القضاء وآدابه كثيرة لا يحتملها هذا المختصر وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.
فصل [٣ - في منع الحاكم من أن يحكم بعلمه]:
ولا يحكم الحاكم بعلمه في شيء أصلًا لا قبل ولايته ولا بعدها لا في حكمه ولا في غيره ولا في حقوق الله ولا في حقوق الآدميين.
_________________
(١) في م: القضاء.
(٢) في م: الرفع، واللدد: هو من اشتدت خصومته (المصباح المنير: ٥٥١).
[ ٣ / ١٥٠٢ ]
وقال عبد الملك يحكم بعلمه في مجلس حكمه إذا حضر عنده الخصم واعترف بحق خصمه (^١).
وقال أبو حنيفة يحكم في حقوق الآدميين فيما علمه بعد القضاء لا يحكم فيما علم قبله (^٢) وقال الشافعي إنه يحكم بعلمه في كل الأشياء (^٣).
فدليلنا قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (^٤) فأمر بجلد القاذف متى لم يقم بينة على ما رمى به المقذوف، وقوله - ﷺ - في حديث هلال بن أمية لما لاعن زوجته: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال وإن جاءت به على نعت كذا فهو (لشريك فجاءت به على النعت المكروه فقال - ﷺ -: "لو كنت راجمًا أحد بغير بينة لرجمتها" (^٥) موضع الدليل أنه - ﷺ - علم أنها زنت لإخباره أنها جاءت به على نعت كذا فهو) (^٦) لغير زوجها ثم لم يحكم بالحد لعدم البينه.
وعند المخالف يجب أن يرجمها إذا علم بذلك، وروى أنه - ﷺ - بعث أبا جهم مصدقًا فلاحقاه رجلان فشجهما فأتيا إلى النبي - ﷺ - يطلبان القصاص فبذل لهما مالًا فرضيا به فقال إني أخطب الناس وأذكر لهم ذلك أفرضيتما، قالا: نعم فخطب الناس ثم قال أرضيتما بعد أن ذكر القصة فقالا: لا، فهم بهم المهاجرون
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٧٨، التفريع: ٢/ ٢٤٥، الكافي: ٥٠٠.
(٢) انظر مختصر الطحاوي ٣٣٢، تحفة الفقهاء: ٣/ ٣٧٠.
(٣) انظر مختصر المزني: ٢٩٩، الإقناع: ١٩٦.
(٤) سورة النور، الآية: ٤.
(٥) سبق تخريج الحديث ص ٩٠٠.
(٦) ما بين قوسين من م.
[ ٣ / ١٥٠٣ ]
والأنصار فمنعهم النبي - ﷺ - ثم نزل فزادهما فرضيا فصعد المنبر فقال أرضيتما فقالا: نعم (^١)، موضع الدليل أنه لم يحكم عليهما بعلمه لما جحدا أن يكونا رضيا، ولأنه - ﷺ - امتنع من قتل المنافقين مع علمه بكفرهم وقال: "لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (^٢) وإنما لم يقتلهم لأن الناس لم يعلموا بكفرهم كعلمه، ولأن الحاكم لما كان غير معصوم فقد تلحقه الظنة والتهمة في أن الحكم لوليه على عدوه وأمكن وقوع ذلك منهم وجب حسم الباب: بألا يحكم بعلمه لئلا يدعى عليه بذلك، ولإمكان أن يقع ذلك منه فيلحق الناس أذية منه: فإذا منع أن يحكم بعلمه زالت التهمة في ذلك ويعرض الكلام في الحدود ولأصحاب الشافعي فيها وجهان.
ودليلنا أنه لا يحكم فيها بالعلم، الظاهر والأخبار وقول أبي بكر - ﵁ - لو رأيت رجلًا (^٣) على حد من حدود الله ما أقمته عليه حتى يشهد على ذلك أربعة (^٤)، ولا مخالف له نعلمه وإن سلموا ذلك قسنا عليه سائر الحقوق، وقلنا إنه حكم بعلم فلم يجز أصله الحدود واعتبارا بعلمه قبل الولاية مع أبي حنيفة، وفي غير مجلس الحكم مع عبد الملك.
فصل [٤ - في جواز تنفيذ الحاكم الحكم بعلمه]:
إذ ثبت أنه ليس له أن يحكم فله أن ينفذ الحكم بعلمه بعدالة الشهود ويقف عنه بعلمه بفسقهم وليس ذلك حكمًا منه بعلمه بدليل أن لغيره من الحكم أن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الديات باب العامل يصاب علي يديه خطأ: ٤/ ٦٧٢، النسائي في القسامة باب السلطان يصاب على يده: ٨/ ٢١، وابن ماجه في الديات باب الجارح يفتدي بالقود: ٢/ ٨٨١، وعبد الرزاق: ٩/ ٤٦٢، والبيهقي: ٨/ ٤٩، بسند صحيح (الهداية في تخريج أحاديث بداية المجتهد: ٨/ ٦٦٦).
(٢) أخرجه البخاري في المناقب باب ما ينهي من دعوى الجاهلية: ٤/ ١٦٠.
(٣) في م: أحدًا.
(٤) سنن البيهقي: ١٠/ ١٤٤، كنز العمال: ٥/ ٥٦٨، المحلى ٩/ ٤٢٦.
[ ٣ / ١٥٠٤ ]
يحكم بشهادتهم ولو كان ذلك حكمًا بالعلم لم يجز لمن جاء بعده أن يحكم بشهادة من قد رد شهادته الذي قبله كما لا يجوز له نقض حكم حكم به مما يسوغ لهما (^١) الحكم به.
فصل [٥ - في كون الحاكم شاهدا فيما علمه ومنع الحكم فيه]:
إذا علم شيئًا ومنع الحكم فيه بعلمه فإنه قد يكون شاهدًا فيه لمن له الحكم فيرفع إلى الإِمام أو إلى غيره من الحكام ويدعي صاحب الحق شهادة الحكم فيكون الحاكم كأحد الشهود فيعمل فيه كما يعمل في شهادة الشاهد وسائر الحقوق (^٢).
فصل [٦ - إذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أن يكون حكم به]:
وإذا حكم الحاكم بحكم ثم أنكر أن يكون حكم به فإذا شهد شاهدان على حكمه ثبت ولم يسقط بإنكاره وكذلك لو نسي (^٣) أن يكون حكم به فشهد به عنده شاهدان قبل شهادتهما (^٤)، وقال أبو حنيفة والشافعي إن لم يذكر حكمه لم تنفع شهادة الشهود شيئًا (^٥).
ودليلنا أنها شهادة عنده على حكم لو كان ذاكرًا له لساغ قبولهما فكذلك إذا كان ناسيًا، أصله إذا شهد عنده بحكم غيره، ولأنه قد تعلق بذلك حق لغيره وهو من يشهد بالحكم له فلو قلنا أن الشهادة غير مقبولة إلا أن يذكرها ومعلوم أنه قد ينسى ويشك لأدى إلى تضييع حقوق الناس ولكان لا معنى للإشهاد على إنفاذه، ولأنه قد يتهم أيضًا أن يكون جحد حكمه لعداوة بينه وبين المشهود له.
_________________
(١) في م: إليه.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٧٨، التفريع: ٢/ ٢٤٥، الكافي: ٥٠٠.
(٣) في ق: خشي.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٦، الكافي: ٥٠٠.
(٥) انظر مختصر الطحاوي: ٢٢٩ - ٣٣٠، الإقناع: ١٩٦.
[ ٣ / ١٥٠٥ ]
فصل [٧ - إذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم به]:
وإذا وجد في ديوانه حكمًا بخطه ولم يذكر أنه حكم لم يجز له أن يحكم به إلا أن يشهد عنده شاهدان (^١) خلافًا لابن أبي ليلى في قوله يحكم بالخط (^٢)، لأنه لم يثبت عنده أنه حكم به فلا يجوز قياسًا على حكم غيره.
فصل [٨ - في عدم جواز تولي العبد والمرأة الحكم]:
لا خلاف أعلمه أن العبد لا يجوز أن يكون حاكمًا (^٣) (والعلة فيه نقصه بالرق، وأما المرأة فلا يجوز أن تكون حاكمًا) (^٤) عندنا على وجه، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون حاكمًا في كل أمر تجوز فيه شهادة النساء (^٥) فدليلنا قوله - ﷺ -: "إنكن ناقصات عقل ودين" (^٦) وهذا خارج مخرج الذم وفيه تنبيه على منع رد شيء من أمور الدين إليهن، وقوله - ﷺ -: "لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة (^٧) " وقوله: "أخروهن حيث أخرهن الله" (^٨)، ولأنها ولاية لفصل القضاء وتنفيذ الأحكام كالإمامة الكبرى، ولأنه لا يصح أن يكون حاكمًا في الحدود والقتل فكذلك في غيره من الأحكام أصله العبد.
_________________
(١) انظر المدونه: ٤/ ٧٦، التفريع: ٤/ ٢٤٧، الكافي: ٥٠٢.
(٢) انظر بدائع الصنائع: ٩/ ٤٠٩١، المغني: ٩/ ٧٦.
(٣) انظر مراتب الإجماع: ٤٩، بداية المجتهد: ٢/ ٤٥١، نيل الأوطار: ٨/ ٢٦٥.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) انظر مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٤/ ٨٤.
(٦) أخرجه عبد الرزاق موقوفًا على ابن مسعود: ٣/ ١٤٩، ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه (نصب الراية: ٢/ ٣٦).
(٧) أخرجه البخاري في المغازي باب كتاب النبي - ﷺ - إلى كسرى وقيصر: ٨/ ١٣٦.
(٨) أخرجه عبد الرزاق: ٣/ ١٤٩، موقوفًا على ابن مسعود (انظر نصب الراية: ٢/ ٣٦).
[ ٣ / ١٥٠٦ ]
فصل [٩ - فيمن قال بجواز تولي المرأة الحكم مطلقًا]:
وذهب ابن جرير الطبري (^١) إلى أن المرأة يجوز أن تكون حاكمًا على الإطلاق في كل ما يجوز أن يحكم فيه الرجل (^٢)، وسمعت أبا الفرج بن ظرارة (^٣) وسئل عن هذه المسألة في مجلس السلطان الأعظم عندنا بمدينة السلام وأنا حاضر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فاحتج بأن قال: لأن الغرض من الحكام (^٤) تنفيذ الأحكام، وسماع البينة، والفصل بين الخصوم وذلك متأت من المرأة كتأتيه من الرجل فلا فرق بينهما إلا كفرق ما بين الأنثى والذكر وهذا القدر غير مؤثر (^٥) فنقضه القاضي الإِمام أبو بكر محمَّد بن الطيب الأشعري (^٦) شيخنا ﵀ بالإمامة الكبرى لأن الغرض بها حفظ البيضة وحماية الجوزة والذب عن الأمة وجباية الخراج وأموال المسلمين وصرفها في وجوهها قد يتأتى ذلك من المرأة كتأتيه من الرجل ومع ذلك فلا يجوز أن تكون إمامًا.
_________________
(١) ابن جرير الطبري: محمَّد بن جرير بن يزيد بن كثير أبو جعفر الطبري الإِمام المفسر صاحب التصانيف البديعة سمع من السدي ومحمد الرازي وأحمد بن منيع وغيرهم وحدث عنه أبو القاسم الطبراني وأبو شعيب الحراني وغيرهم ت ٣١٠. (شذرات الذهب: ٢/ ٢٦٠، سير أعلام النبلاء: ١٤/ ٢٦٧).
(٢) انظر الأحكام السلطانية - للماوردي -: ٦٥، المحلي: ١٠/ ٦٣١، المغني: ٩/ ٣٩.
(٣) أبو الفرج بن ظرارة: -لعله- الإمام أبو الفرج أحمد بن محمَّد بن عمر بن حسن ابن المسلمة البغدادي المعدل سمع أحمد بن كامل وأبا بكر النجاد وروى عنه الخطيب وجماعة ت ٤١٥ هـ (سير أعلام النبلاء: ١٧/ ٣٤١).
(٤) في م: الحاكم.
(٥) في م: مؤثر.
(٦) أبو بكر بن الطيب: هو أبو بكر الباقلاني وقد سبقت ترجمته في مقدمة التحقيق في ص ٢٧.
[ ٣ / ١٥٠٧ ]
قلت أنا وينتقض أيضًا بالعبد فانفصل (^١) وأجاب الشيخ (^٢) بأن قال: لا يمتنع أيضًا أن يكون الأصل في كل من استنيب في شيء يتأتى منه فعل (^٣) ذلك الشيء فإنه يصح (^٤) تأتيه فيه إلا أن يقوم دليل من جهة الشرع يمنعه، وأجاب القاضي عن هذا بأنا لا نسلم أن يكون ذلك أصلًا في الشرع وإنما هو على حسب ما يقوم عليه الدليل من إطلاق أو تقييد قال: وهذا حيلة لدفع (^٥) النقض.
فصل [١٠ - إذا كان القاضي لا يعرف لغة الخصمين أو أحدهما]:
إذا كان القاضي لا يعرف لغة الخصمين أو أحدهما احتاج إلى من يترجم عنه (^٦)، وقال أبو حنيفة يكفي في ذلك رجل واحد كان أو امرأة (^٧)، وقال الشافعي لا يكفي في ذلك أقل من اثنين (^٨)، ولا أحفظ في هذا الوقت شيئًا من متقدمي أصحابنا، وفصل متأخرو شيوخنا فقالوا إن كان الإقرار يتضمن مالًا أو يتعلق بالمال قبل رجل وامرأتان وإن كان مما لا يتضمن ذلك لم يقبل فيه إلا رجلان، والأمر على ما قالوه، إلا أنه إن كان إقراره بمال أو دعواه بمال أو ما يتعلق بالمال فعندي أنه يخرج على وجهين: أحدهما أنه يقبل فيه رجل وامرأتان، والآخر لا يقبل فيه شهادة رجلين والذي لأجله وجب ذلك اختلافهم فيما يتعلق بالمال مما ليس هو في الحقيقة شهادة على مال هل يقبل فيه رجل وامرأتان أم لا وذلك لأنهم اختلفوا في الشهادة على الوكالة بالمال (^٩):
_________________
(١) فانفصل: سقطت من ق.
(٢) في م ور: المحتج.
(٣) في ق: قبل.
(٤) في م ور: يصلح.
(٥) في ق: لرفع.
(٦) انظر الكافي: ٤٩٨.
(٧) انظر مختصر الطحاوي: ٣٢٩.
(٨) انظر مختصر المزني: ٢٩٩، الإقناع: ١٩٧.
(٩) انظر التفريع: ٢/ ٣١٦ - ٣١٧، الكافي: ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ ٣ / ١٥٠٨ ]
والوكالة في المطالبة والخصومة فيه ليست مالًا وإنما هي فعل بدن وحكم يثبت فيه يجر إلى تعلق المال فكذلك في مسألتنا هي شهادة على لغة وهي أن معنى ما قاله باللغة العربية أنه إقرار بمال والشهادة على أن هذا اللفظ في لغة الخصم موضوع لهذا المعنى في لغة العرب ليست بشهادة على مال فيجب على هذا ألا يقبل فيه إلا شاهدان.
فصل [١١ - متى يحلف الحاكم المدعى عليه للمدعي؟]:
لا يحلف الحاكم المدعى عليه إلا أن يعلم أن بينهما مخالطة أو معاملة أو تهمة دون الاقتصار على مجرد الدعوى، واختلف أصحابنا في تأويل ذلك (^١): فمنهم من قال ينظر إلى الدعوى فإن كان مما يجوز ويشبه أن يدعي مثلها على المدعى عليه أحلف له، (ومنهم من قال إن كان المدعى عليه يشبه أن يكون مثله [يعامل] (^٢) المدعي فيما ادعى عليه أحلف له) (^٣)، ومنهم من قال إن المسألة على ظاهرها لا يحلفه الحاكم إلا أن يعلم بينهما مخالطة أو معاملة وهذا كله إذا كانا من أهل البلد أو مقيمين به، وأما إن كانا غريبين فيحلفه ولا يعتبر مخالطته ولا غيرها، وعند أبي حنيفة والشافعي أنه يحلف على أي وجه كان (^٤).
فدليلنا أن ما قلناه مروي عن علي بن أبي طالب - ﵁ - (^٥) وهو صحابي إمام ولا مخالف له، ولأن من أصلنا الحكم بالذرائع ومعناها المنع من المباح إذا قويت التهمة في التطرق به إلى الممنوع، وهذا موجود في مسألتنا لأن اليمين تشق وتصعب على أهل الأقدار والديانات، وربما افتدوا منها وربما بذلوا
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٧٧٢، المدونة: ٤/ ٧٦، التفريع: ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، الرسالة ٢٤٥، الكافي: ٤٨٥ - ٤٨٧.
(٢) طمس في ق.
(٣) ما بين قوسين سقط من م ور.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ٣٦٤، مختصر المزني: ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٥) انظر سنن البيهقي: ١٠/ ٢٥٩، ٢٦١، عبد الرزاق: ٨/ ٢٧٧، المحلي: ٩/ ٣٨٥.
[ ٣ / ١٥٠٩ ]
الشيء الذي يدعى عليهم كراهية أن يتحدث عنهم أنهم أقدموا على اليمين وحراسة لحسن الظن بهم وانتفاء التهمة (^١) عنهم فلو كانت اليمين بمجرد الدعوى لما شاء أحد أن يؤدى أهل الدين والقدراء ويتعرض لما لهم إلا وأظهر الدعوى فيحصل إما على شيء يأخذه أو على الأذية والذلة لهم، وفي ذلك إضرار بالناس وتطريق إلى من يريد أذاهم إلى ما يريده لهم فوجب حسم الباب بالمنع منه حتى إذا كان مع الدعوى سبب يقويها وجب اليمين لغلبة الظن بإمكان ما يدعيه المدعى ولا يلزم على هذا ألا يعديه (^٢) لأن حضور مجلس الحاكم إذا لم تقارنه يمين لا هجنة (^٣) فيه لأنه لم يتم للمحضر (^٤) المدعى عليه ما أراد به.
فصل [١٢ - في تحكيم غير الحاكم]:
إذا حكم الرجلان بينهما رجلًا ورضيا بحكمه فحكم بينهما بما يجوز في الشرع لزمها ولم يعتبر موافقة حاكم البلد أو مخالفته (^٥)، وقال أبو حنيفة إن وافق ما حكم به رأى قاضي البلد لزم وإلا لم يلزم (^٦)، وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر يكون فتوى منه لا حكمًا (^٧)، فدليلنا على لزومه خلافًا للشافعي قول - ﷺ -: "المؤمنون عند شروطهم" (^٨)، وقوله: "لكل مسلم شرطه" (^٩)، ولأنهما إذا تراضيا به لزمهما حكمه لإلزامهما أنفسهما وذلك كما لو رضي بقاض البلد، ولا يشبه هذا الشهادة إذا
_________________
(١) في م: الظن.
(٢) في م: يغديه.
(٣) في ق: لا سحبة.
(٤) في ق: للحاضر.
(٥) انظر المدونة ٤/ ٧٧، التفريع: ٢/ ٢٤٨، الكافي ٥٠١.
(٦) انظر مختصر الطحاوي ٣٣٣، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٤/ ٨٨.
(٧) انظر الإقناع ١٩٧، المهذب: ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٨) سبق تخريج الحديث ص ١٠٤٤.
(٩) سبق تخريج الحديث ص ١٠٤٤.
[ ٣ / ١٥١٠ ]
قال فلان صادق فيما شهد به عليَّ ثم أنكر شهادته لأن الرضا بالشهادة ليس برضا بإجتهاد لأن الشهادة علم يؤديها الشاهد إلى الحاكم لا مجال للإجتهاد فيها له أن ينكر إذا شهد عليه بالباطل، والقضاء بخلافها لأن طريقه الاجتهاد فما رضيا بحكمه وعلما أنه يجتهد وأن اجتهاده ربما وافق مراد أحدهما وربما خالفه فقد دخلا على الرضا بما يكون منه.
فأما إذا حكم بينهما بجور أو بخلاف نص أو إجماع فلا يلزم كالشهود إذا شهدوا بالباطل لأنهما إنما رضيا بأن يحكم بالشرع لا بخلافه، ودليلنا على أنه يلزم وإن خالف رأي قاض البلد أنه إذا ثبت أن يتراضيا به (^١) فقد صار حاكمًا ينفذ حكمه عليها وصار بمنزلة حاكم آخر في البلد لأن تراضيهما به يقوم مقام نصب السلطان له.
فصل [١٣ - في كتاب حاكم بلد إلى حاكم بلد آخر]:
إذا ثبت عند حاكم بلد حق لإنسان على رجل في بلد آخر وتعذر عليه إقامة بينة عند حاكم ذلك البلد جاز للحاكم الذي يثبت الحق عنده أن يكتب بما يثبت عنده له إلى حاكم ذلك البلد وعلى المكتوب إليه أن ينفذه إذا شهد شاهدان (^٢) بأنه كتاب ذلك الحاكم ولا تنفع الشهادة على حكمه دون لفظه بأنه كتابه (^٣).
وإنما قلنا إن كتاب الحاكم إلى الحاكم يثبت به الحق للضرورة إليه (^٤) لأن البينة ربما يتعذر إقامتها عند ذلك الحاكم فلم يبق طريق إلا أن يكتب ذلك الحاكم به إلى من يلتمس تنفيذه للحكم لأنه لو لم يقبل ذلك لأدى إلى ضياع الحقوق، ولأن كتاب الحاكم أو شهادة الشهود بثبوت الحق يثبت عند الحاكم (^٥) الثاني بشهادة الشهود عنده بحكم الأول به فكذلك شهادتهم عليه أن هذا كتابه.
_________________
(١) في م تراضيهما.
(٢) في ق: شاهد.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٧٧، التفريع: ٢/ ٢٤٦، الكافي: ٤٩٩.
(٤) في ق: فيه.
(٥) الحاكم: سقطت من ق.
[ ٣ / ١٥١١ ]
وإنما قلنا إن الشهادة على الخط لا تنفع لأن الخط لا يحكم باعتراف كاتبه على ما كتبه (^١) لأنه قد يكتب أشياء لا يؤخذ بها ولو لفظ كتبه لأخذ به.
فصل [١٤ - إذا مات القاضي المكتوب إليه]:
وإذا مات المكتوب إليه أو عزل فجاء الكتاب إليه والمكاتبة للذي قبله لزم الثاني أن يحكم بما فيه (خلافًا لما حكي عن أبي حنيفة من أنه لا يجوز للقاضي الثاني أن يحكم بما فيه (^٢» (^٣) لأن الحاكم لا يخلو أن يكون كتب ما به قد حكم أو بثبوت حق عنده لم يحكم به: فإن كان قد كتب بأنه قد حكم فيلزم كل من ثبت عنده ذلك من الحكام تنفيذه، وإن كان قد كتب بها يثبت عنده فذلك جار مجرى الشهادة على الشهادة فشهود الفرع إذا ماتوا جاز لغيرهم تحمل الشهادة كذلك ها هنا.
فصل [١٥ - في حكم الحاكم على الغائب]:
يحكم على الغائب إذا أقام الحاضر البينة وسأل الحكم له (^٤)، وقال أبو حنيفة يسمع الحاكم دعوى الحاضر وبينته ولكن لا يحكم له على الغائب ولا على من هرب قبل الحكم وبعد إقامة البينة (^٥)، ودليلنا قوله - ﷺ - لهند وقالت له إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي أفأخذ من ماله فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (^٦)، وقول عمر بن الخطاب - ﵁ - لما خطب الناس "ألا إن أسفيع: جهينه رضي لدينه وأمانته أن يقول سبق الحاج فادان معرضا وإنا بايعوا ماله فمن كان له عليه دين فليحضر (^٧) ولم يكن أسفيع حاضرًا
_________________
(١) في ق: كتابه فإن على ما كاتبه.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٠.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٩.
(٥) انظر مختصر الطحاوي مع شرح الميداني: ٤/ ٨٨.
(٦) سبق تخريج الحديث.
(٧) سبق تخريج هذا الأثر ص ١١٨٢.
[ ٣ / ١٥١٢ ]
ولا أنكر ذلك على عمر أحد، ولأنها بينة مسموعة طلب صاحبها الحكم بها فأشبه إذا كان الخصم حاضرًا، ولأنها دعوى مستحق على غائب قامت بها بينة فوجب أن يحكم بها أصله إذا ادعى على رجل أنه قتل وليه خطأ لا خلاف أنه يحكم له بالدية على العاقلة وإن كانوا غيبًا لأن غيبة المدعى عليه لا تمنع الحكم عليه أصله إذا ادعى على ميت وأقام البينة أو ادعى على جماعة غيب أحدهم حاضر، ولأن عدم الحضور بالموت أبلغ في التعذر منه بالغيبة فإذا قضى مع الموت فمع الغيبة (^١) أولى، ولأن ذلك ذريعة إلى إبطال حقوق الناس لأنه لا يشأ أحد أن يأخذ أموال الناس ولا يؤديها إلا غاب فلا يمكن القضاء عليه، ولأن الاتفاق حاصل على أن الحاكم يسمع البينة عليه والفائدة في ذلك الحكم بها وإلا لم ينتفع باستماعها، ولأنهم قد وافقونا على أن امرأة لو ادعت النفقة على زوجها وهو غائب وذكرت أن له وديعة عند رجل فأقربها فإنه يقضى لها بنفقتها ويؤخذ لها منه فكذلك سائر الحقوق.
فصل [١٦ - في التفريق في الحكم مع الغيبة بين الرباع وغيرها]:
وإنما فرقنا بين الرباع وغيرها من الأموال لأن الرباع مأمونة لا يخاف عليها فاستحسن مالك ﵀ التوقف عن الحكم فيها مع الغيبة (^٢)، وأن لا يعجل بذلك إلى أن يقدم الغائب فيذكر حجة إن كانت له ويحكم عليه بما لا يحتاج إلى نقض بعده، وعنه رواية أخرى أنه لا فرق بين الرباع وسائر الأموال في وجوب القضاء على الغائب.
فصل [١٧ - في كون حكم الحاكم لا يغير الشيء عن باطنه وحقيقته]:
حكم الحاكم لا يغير الشيء عن باطنه عما هو عليه ولا يحيله عن حقيقته، ولا
_________________
(١) في ق: غيبة.
(٢) في ق: الغيب.
[ ٣ / ١٥١٣ ]
فرق في ذلك بين ما يملك الحاكم ابتداؤه وبين ما لا يملكه في أن حكمه إذا كان عن سبب غير صحيح لم ينفذ في الباطن، ومثال ذلك أن يدعى رجل على أجنبية أنها زوجته ويقيم على ذلك شاهدي زور فيشهدان فيحكم الحاكم بشهادتهما هذا حكم لا يصح في الباطن ولا يحل المرأة له فإن وطئها مع علمه فهو زان، وكذلك لو ادعت امرأة على رجل أنه طلقها ثلاثًا وشهد بذلك شاهدا زور فحكم الحاكم بالفرقة فإنها لا تطلق عندنا وتكون المرأة على حالها ولا يجوز لها أن تزوج بذلك الحكم ولا لأحد الشاهدين أن يتزوجها هذا وما أشبه من نظائره (^١)، وقال أبو حنيفة في هذه المسائل إن حكم الحاكم يزيل الشيء عن حقيقته في الباطن (^٢).
ففي المسألة الأولى إذا حكم له الحاكم بالزوجية جاز له أن يطأها وتصير زوجته عند الله تعالى، وقال في المسألة الثانية أنها تصير مطلقة بحكم الحاكم بشهادة الزور بطلاقها ويجوز لها أن تتزوج ويجوز لأحد شاهدي الزور أن يتزوجها وهو يعلم أن الزوج لم يطلقها، وإن حكم الحاكم بطلاقها إنما كان عن شهادة الكذب، وقال في نوع آخر وهو أن يدعي على ذات محرم أنها زوجته وشهد له بذلك شاهدا زور أن الحكم لا ينفذ في الباطن ولا تكون زوجته، وكذلك إذا أقام شاهدي زور في دعوى مال (^٣) فحكم له الحاكم فإنه لا ينفذ، وفصلوا بين الموضعين بأن لكل موضع جاز أن يكون للحاكم في ابتداء فعله ولاية نفذ حكمه فيه ظاهرًا وباطنًا، وكل موضع لا ولاية له في ابتداء فعله لم ينفذ حكمه إلا في الظاهر دون الباطن قالوا فالأول مثل ما قدمناه في ادعاء الزوجية والطلاق وإنما
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢، الرسالة: ٢٤٧، الكافي: ٤٧٥.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٣٥٠.
(٣) في ق: الحاكم.
[ ٣ / ١٥١٤ ]
نفذ حكمه في الظاهر والباطن لأن للحاكم ولاية عقد النكاح وفي أن يطلق على غيره، ومثال الثاني ادعاء زوجية ذوات المحارم وادعاء مال لأن الحاكم لا ولاية له في تزويج ذوات (^١) المحارم ولا في نقل الأموال وكذلك لو ادعى رجل على أنه قتل وليًّا له وأقام شاهدي زور فحكم الحاكم بالقود لم يكن للمحكوم له أن يقتل لأن الحاكم ليس له أن يبتدئ القتل.
فدليلنا قوله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٢) فحرم المحصنة وهي التي لها زوج إلا أن يملك الكوافر (^٣) بالسبي، وعند المخالف أن التي لها زوج تحل متى حكم الحاكم بشهادة زور أنها قد طلقت أو أن يقيم شهادة زور بتزويجه إياها، وقوله ﷿: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (^٤) فعم، وعندهم أنها لا تحل (^٥) له أن يراجع نكاحها وإن لم يطلقها إذا حكم (^٦) الحاكم بشهادة زور أنه طلقها، وقوله - ﷺ -: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أستمع فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" (^٧)، وهذا صريح (^٨) بأن حكمه بها ليس بجائز للمحكوم له
_________________
(١) في ق: ذوات المحرم.
(٢) سورة النساء، الآية: ٢٤.
(٣) في ق: كالكوافر.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٣٠.
(٥) في م: أنها تحل.
(٦) في م: إذا شهد.
(٧) أخرجه البخاري في المظالم باب إثم من خاصم في باطل: ٣/ ١٠١، ومسلم في الأقضية باب الحكم بالظاهر: ٣/ ١٣٣٧.
(٨) في م: تصريح.
[ ٣ / ١٥١٥ ]
ولا يحل له بسبب غير صحيح في الباطن فلم ينفذ الحكم له في الباطن، كادعاء زوجية ذوات المحارم والحكم بالمال، ولأنه حكم بشهادة زور فلم ينفد في الباطن كالمال، ولأن كل شاهدين لو علم الحكم بحالهما لم (يجز له الحاكم بشهادتهما فإذا حكم فيها مع الجهل بحالهما لم ينفذ) (^١) حكمه في الباطن كالكافرين والعبدين.
* * *
_________________
(١) ما بين القوسين سقط من م.
[ ٣ / ١٥١٦ ]
باب [في اشتراط العدالة في الشهادة]
العدالة معتبرة في الشهادة وشرط في قبولها والحكم بها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^١)، وقوله - ﷺ -: "فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا" (^٢)، وللإتفاق على أن شهادة الفاسق غير مقبولة، وقوله - ﷺ - لهلال بن أمية: "ألا أن يجلد هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين" (^٣) يريد بخروجه عن العدالة بثبوت قذفه، ولا خلاف في ذلك (^٤).
فصل [١ - في عدم اكتفاء الحاكم من العدالة بظاهر الإِسلام]:
لا يجوز للحاكم أن يكتفي من العدالة بظاهر الإِسلام دون البحث عن حالها والسؤال عن طرائقها والعلم بعدالتهما (^٥)، وقال أبو حنيفة يكفيه ظاهر إسلامها ويحكم بشهادتهما ولا يلزمه البحث عن عدالتهما إلا أن يجرحهما الخصم (^٦)، ودليلنا قوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٧) يعني من المسلمين فعلم أن
_________________
(١) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٢) سبق تخريج الحديث ص ٤٥٥.
(٣) سبق تخريج الحديث ٨٩٨.
(٤) انظر بداية المجتهد مع الهداية في تخريج أحاديث البداية: ٨/ ٦٤٠، شرح مسلم - للنووي -: ١/ ١٥٠، المغني: ٩/ ١٦٤، فتح الباري: ٥/ ٢١١.
(٥) انظر المدونة: ٤/ ٧٩، التفريع: ٢/ ٢٣٨، الرسالة: ٢٤٦، الكافي: ٤٦١.
(٦) انظر مختصر الطحاوي: ٣٦٦، مختصر القدوري - مع شرح الميداني -: ٤/ ٦١.
(٧) سورة الطلاق، الآية: ٢.
[ ٣ / ١٥١٧ ]
العدالة معنى زائد على العلم بالإِسلام، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^١) والرضا لا يكون إلا بعد البحث عن حاله (^٢) ولا يكفي في ذلك العلم بصحة اعتقاده لأن (أفعاله قد تكون مخالفة لما يوجب اعتقاده) (^٣)، وروي عن عمر - ﵁ - أن رجلين شهدا عنده فقال: لا أعرفكما ولا يضركما ألا أعرفكما جيئاني برجل يعرفكما فجاءاه برجل فقال أتعرفهما قال: نعم، قال: أكنت معهما في السفر الذي يكشف أخلاق الناس قال: لا، قال: أفأنت جارهما تعرف صباحهما ومساءهما، قال: قال لا، قال: أعاملتهما بالدنانير والدراهم التي تتقطع بهما الأرحام، قال لا، قال يا بن أخي ما تعرفهما جيئاني بمن يعرفكما (^٤). وهذا قوله بحضرة المهاجرين والأنصار والصحابة ولم ينقل عن أحد خلافه، ولأن العدالة أمر مشروط في الشهادة يمكن اعتبار باطنه فلم يجز أن يحكم بظاهره، أصله دار الإِسلام لأن ظاهر الدار الإِسلام، ولأنها شهادة يتعلق بها حكم الحاكم فلا يكتفي فيها بظاهر الإِسلام، أصله إذا كان في قتل أو حد.
فصل [٢ - في صفة العدل]:
صفة العدل الجائز الشهادة: (^٥) أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا مسلمًا ثقة أمينًا غير فاسق بفجور ولا كذب متيقظًا غير غافل فطنًا ضابطًا عارفًا بالشهادات وصفة تحملها التي يجوز معها إقامتها متحرزًا من الحيل التي تنم على من قل تيقظه (^٦)
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٢) في ق: عن ذلك.
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) أخرجه البيهقي: ١٠/ ١٩٧.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٧٢٠، المدونة: ٤/ ٧٩، التفريع: ٢/ ٢٣٨ - ٢٣٩، الرسالة: ٢٤٦، الكافي: ٤٦١ - ٤٦٢.
(٦) في ق: تحفظه.
[ ٣ / ١٥١٨ ]
من الشهود بعيدا عن التهمة بالشره ودناءة النفس حافظًا لمرؤته ليس بينه وبين المشهود له أو عليه التهمة معه من بمحبة إيصال نفع إليه أو دفع ضرر عنه أو ضد ذلك من إلحاق ضرر به ولا في الشهادة بذلك النوع المشهود فيه ما يوجب من التهمة ما قدمناه.
والتهمة المراعاة في الشهادات تكون في ثلاثة مواضع: في المشهود له والمشهود عليه والشيء المشهود به، وتفصيل هذه الجملة: أن الولد لا تقبل شهادته لوالديه ولا لأجداده وجداته من قرب منهم أو بعد وكذلك الوالدان والأجداد للولد وولد الولد وإن سفلوا ذكورهم وإناثهم الوارث منهم وغير الوارث، وكذلك شهادة أحد الزوجين لصاحبه، والسيد لعبده، وشهادة من له دين على مفلس بحق له على آخر، وشهادة الوصي لمن يلي عليه، وفي شهادته عليهم روايتان: إحداهما الجواز والأخرى المنع، ومن عدى الوالدين والمولودين من سائر القربات جائز شهادتهم لأقاربهم كالأخ والعم وولدهم (^١) إلا أن تعرض تهمة من دفع عار أو إثبات ولاء للشاهد أو نسب أو أن يكون في عياله أو تناله صلته أو معروفه وما أشبه فيمنع فيه دون سائر الحقوق.
ولا تقبل شهادة الصديق الملاطف ولا السؤَّال (^٢) المتكففين للناس.
وأما التهمه في المشهود عليه فشهادة العدو على عدوه، والشهادة بجرح من شهد على أبيه (^٣) وأخيه أو ببعض من لا تجوز له شهادته كجد فإن هذا يتهم بدفع العار عنهم بشهادته.
وشهادة الخصم لا تقبل مثل أن يشهد بجرح من يشهد عليه بزنا أو قتل أو حق
_________________
(١) وولدهم: سقطت من ق.
(٢) قال صاحب التفريع: ولا تجوز شهادة السؤال الذين يطلبون صلة الناس ومعروفهم (التفريع: ٢/ ٢٣٦).
(٣) في م: ابنه.
[ ٣ / ١٥١٩ ]
سائر الحقوق، وكل من منع الشهادة له فشهادته عليه جائزة مقبولة (^١) وكل من لم تقبل شهادته عليه فشهادته له مقبولة.
وأما التهمة في الشهادة والشيء المشهود به فمثل شهادة البدوي على الحضري (^٢) في الحقوق الممكن الإشهاد عليها في الحضر دون القتل والجراح ومما لا يمكن تعمد الإشهاد عليه ومثل شهادة ولد الزنا وشبهه، وفي شهادة التائب من كبيرة كان عليها أو تاب منها خلاف بين أصحابنا هل يقبل في ذلك النوع أم لا، ومثل شهادة الكافر بعد إسلامه والصبي بعد بلوغه والفاسق بعد عدالته والعبد بعد عتقه فيما كانوا يشهدون به فردت شهادتهم فيه (لأنهم يتهمون على دفع العار عنهم بقبول ما ردت شهادتهم فيه) (^٣).
وإذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وما لا تهمة فيه ردت في الجميع ولم تقبل فيما لا تهمة فيه وإن جمعت بين ما ترد لغيره التهمة وبين ما لا ترد فيه قبلت فيما لا ترد وردت فيما لا تقبل فيه، ومثال الأول أن يشهد بشهادة لنفسه ولأجنبي، أو يشهد اثنان كل واحد منهما لصاحبه بكتاب واحد أو يشهد بحق واحد لأبيه (^٤) ولأجنبي فلا تقبل في الجميع، وإذا شهد بالوصية له فيها شيء فإن كان ذا بال لم تقبل أصلًا وإن كان يسيرًا لا خطب له ولا تسبق التهمة إليه أن يكون شهد لأجلها فيها ثلاث روايات:
إحداها قبول الشهادة في الجميع، والأخرى ردها في الجميع والثالثة ردها فيما له بال وقبولها فيما ليس له بال، ومثال الثاني أن يشهد النساء بوصية فيها مال وعتق أو يشهدان بطلاق ودين بشهادة واحدة فيقبلن في الدين دون الطلاق
_________________
(١) في م: غير مقبوله، وهو غلط.
(٢) في ق: القروي.
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) في م: لابنه.
[ ٣ / ١٥٢٠ ]
وتقبل شهادة القاذف ما لم يجلد فإذا (جلد لم تقبل إلا أن يتوب وإذا تاب شاهد الزور وعرفت توبته قبلت شهادته) (^١)، وقال عبد الملك إن كانت حاله في الظاهر كحال مالك بن أنس والعمري (^٢) فلا تقبل شهادته من بعد لأنه لا يستطيع زيادة على ما كان يظهر منه، وإن كان دونهما جازت شهادته بعد توبته إذا ظهر منه من حسن الحال زيادة على ما كان يعرف منه.
فصل [٣ - في اشتراط البلوغ في العدالة]:
أما اشتراط البلوغ فلأن العدالة من صفات التكليف فهي تتضمن البلوغ، وقد قال النبي - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاث فذكر الصبي حتى يحتلم" (^٣)، والبلوغ مشترط في كل الشهادات إلا في موضع ضرورة خرج عن القياس فأجريت كشهادة من يعقل الشهادة من الصبيان فيه للضرورة على أوصاف نذكرها، ومنعت في كل موضع سواه فلا يجب أن يعترض به على الأصل ونحن نبينه.
فصل [٤ - في شروط قبول شهادة الصبيان]:
شهادة الصبيان تقبل في الجراح والقتل على شروط تسعة: (^٤).
أحدها أن يكونوا ممن يعقلون الشهادة، والثاني أن يكونوا ذكورًا، والثالث أن
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) العمري: الإِمام القدوة أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن صاحب رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوى العمري المدني روى عن أبيه وعن أبي طوالة وعنه: ابن عيينة وابن المبارك وغيرهم ت ١٨٤ هـ (شذرات الذهب: ١/ ٣٠٦، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٧٣).
(٣) سبق تخريج الحديث ٢٦٢.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٧٢٦، المدونة ٤/ ٨٠، التفريع: ٢/ ٢٣٧، الرسالة: ٢٤٦.
[ ٣ / ١٥٢١ ]
يكونوا أحرارًا، والرابع أن يكونوا مسلمين والخامس أن يكون ذلك في قتل أو جرح، وبعض أصحابنا يقول تكون في الجراح دون القتل، والسادس أن يكون ذلك فيما بينهم خاصه لا لصبي على بالغ ولا لبالغ على صبي، والسابع أن يكون ذلك قبل أن يفترقوا ويغيبوا، والثامن أن تتفق شهادتهم ولا تختلف، والتاسع أن يكون من شهد منهم اثنان فصاعدًا.
وعند أبي حنيفة والشافعي لا تقبل على وجه (^١) ونحن نتكلم على جواز قبولها في الجملة ثم ندل على وجوب اعتبار ما ذكرناه من الشروط فيها.
فصل [٥ - في الدليل على قبول شهادة الصبيان على الصفة المشترطة]:
ودليلنا على قبولها على الصفة المشترطة فيها أن ذلك إجماع الصحابة لأنه مروي عن علي وابن الزبير ومعاوية - ﵃ - ولا مخالف لهم، وروي أن عليًّا رضوان الله عليه كان يأخذ بأولى شهادة الصبيان (^٢)، وروى مالك عن هشام (^٣) بن عروة عن أبيه أن ابن الزبير كان يجيز شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح (^٤)، وروى قتادة أن معاوية كان يجيز شهادة بعضهم على بعض ما لم يدخلوا البيوت فيعلموا (^٥)، ولا مخالف لهم ولأن الضرورة تدعوا إلى قبولها لأنا لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى أمور ممنوعة وذلك أنا قد ندبنا إلى تدريبهم (^٦) على الحرب وتعليمهم الرمي والصراع واستعمال السلاح للحاجة إلى الجهاد وأن
_________________
(١) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٥، مختصر المزني: ٣٠٥.
(٢) عبد الرزاق: ٨/ ٣٥٠ - ٣٥١، كنز العمال: ٧/ ٢٥، المحلي: ١٠/ ٦١٤ - ٦١٥.
(٣) عن هشام: سقطت من ق.
(٤) الموطأ: ٢/ ٧٢٦، البيهقي: ١٠/ ١٦٢.
(٥) انظر المحلي: ١٠/ ٦١٤.
(٦) في ق ور: تضربهم.
[ ٣ / ١٥٢٢ ]
ذلك مما يجب أن يلزموا (^١) عليه وبالقوة من الصغر لينشؤوا عليه ويألفوه ومعلوم أنه لا بد أن يخلوا بنفوسهم لما يتعاطونه (^٢) من ذلك ولا سيما العرب فإن ذلك لها مع أولادها عادة قد طبعوا عليها ولو انتظر إلى أن يشهدوا (^٣) أمورهم كبيرًا يكون معهم لضاق عليهم لأنه لهم عادة في كل وقت ركوب الخيل وما جرى مجراه وهم من الجنس المحقون دماهم وكانت الجراح والدماء قد غلظ أمرها وشدد الأمر في حفظها بما زادت (^٤) على سائر الحقوق فقبلت فيها الأيمان مع اللوث وليس ذلك في غيرها حياطة لها ومعلوم أنهم إذا اجتمعوا جاز أن يكون بينهم الجراح التي ربما أدت إلى القتال أو إلى ما دونه فلو لم تقبل شهادتهم لأدى إلى أشياء ممنوعة: إما إلى أن لا يجوز لهم التعليم إلى أن يبلغوا وذلك خلاف الإجماع، أو إلى ألا يمكنوا من الرمي ولا علاج بسيف أو رمح إلا إذا كان معهم شهود عدول وهذا أيضًا معتذر ومؤدى (^٥) إلى أن يتعلموا إلى أن لا يفعلوا من ذلك ما يؤدي (^٦) جراح فهذا أيضًا غير منضبط ولا متأت لهم أو إلى أن ذلك إن جرى أهدرت جراحهم ودماؤهم وهذا أيضًا خلاف الواجب لأنه لا يجوز لنا أن نبيح لهم (^٧) ما يؤدي إلى هدر دمائهم وإضاعتها فلم يبق إلا ما قلناه وقد ألزمونا على هذا قبول شهادة العبيد وقد احترزنا منهم بأنهم يجب أن يكونوا من أهل الشهادة بعد البلوغ، وألزمونا اجتماع النساء في الصنيع إذا جرى بينهم، من الجراح فأجبنا على ذلك قل ما يقع وما يفعلونه (^٨)
_________________
(١) في ق: يضربوا وفي ر: أن يترابوا.
(٢) في ق: يتعاوضونه.
(٣) في ق: أن تواسطوا.
(٤) في م: زيدت.
(٥) في م: وجزء.
(٦) في م: ما لا يؤدى.
(٧) في ق: نبيحهم.
(٨) في م: وما تعلق.
[ ٣ / ١٥٢٣ ]
من ذلك منهي عنه، والتزمه (^١) قوم من متأخري أصحابنا، وألزمونا المال فأجبنا عنه بأن الدماء لها حرمة فاحتيط لها ما لم يحتط لغيرها.
فصل [٦ - دليل اشتراط العقل في شهادة الصبيان]:
فإذا ثبت وجوب قبولها في الجملة فإنما راعينا اعتبار العقل لأن الغرض من قبول شهادتهم (^٢) أن يؤدوا إلينا (^٣) ما علموا من الحال الحادثة (^٤) التي يشهدون بها وذلك لا يتأتى إلا من العاقل فكان شرطًا معتبرًا فيها.
فصل [٧ - دليل اشتراط الذكورية في شهادة الصبيان]:
وإنما شرطنا الذكورية لأن الإناث ولا مدخل لهن في إثبات الدماء، وقد روي عن مالك جواز قبول شهادة الإناث الأحرار (^٥)، ووجه ذلك اعتبارهن بالبالغين في كونها لوثا في القسامة على إحدى الروايتين.
فصل [٨ - دليل اشتراط الحرية في شهادة الصبيان]:
وإنما شرطنا الأحرار لأن العبيد لا مدخل بجنسهم في الشهادة أصلًا ولا يلطخ بها في دم.
فصل [٩ - دليل اشتراط الإِسلام في شهادة الصبيان]:
وإنما شرطنا الإِسلام لأن البالغين من الكفار لا تقبل شهادتهم فالأصاغر أولى.
فصل [١٠ - دليل شهادة الصبيان في جرح أو قتل]:
وإنما شرطنا أن يكون ذلك في جرح أو قتل لحرمة الدماء ووجوب حفظها وعدم الضرورة في ذلك إلى غيرها، ووجه قول من يفرق بين الجراح والقتل من
_________________
(١) في ق: وألزمه.
(٢) في م: الشهادة.
(٣) في ق: النساء.
(٤) في ق: الجارية.
(٥) انظر المدونة: ٤/ ٨٣، التفريع ٢/ ٢٣٨، الكافي: ٧٤٠.
[ ٣ / ١٥٢٤ ]
أصحابنا أن القتل أغلظ أمرًا من الجراح بدليل أن القسامة فيه دون الجراح وشهادة الصبيان ضعيفة فوجب قصرها على أضعف الأمرين، والصحيح التسوية بينهما لأنها ليس الواجب بها قتل وإنما الواجب بها مال فلا معنى للتفريق بينهما.
فصل [١١ - في اشتراط قبول شهادة الصبيان قبل التفريق]:
وإنما شرطنا أن يكون ذلك قبل التفرق لأن الغالب من حالهم أن يخبرون بالصدق إذا بدهوا ويؤدون الأمر على ما جرى عليه وأنهم إذا تفرقوا غيبوا ولقنوا وتعلموا الكذب وقد روي هذا المعنى عمن أجاز شهادتهم من الصحابة.
فصل [١٢ - اشتراط اتفاق شهادة الصبيان]:
وإنما شرطنا أن يكون ما يؤدونه متفقًا لأن الغرض من قبول قولهم أن يغلب على الظن صدقهم فيما يخبرون بموضع اختلاف أقوالهم وتناقضها مما يغلب على الظن كذبهم وتعلمهم وإخبارهم عن الأمر بخلاف ما هو عليه فلم يقبل.
فصل [١٣ - اشتراط كون عددهم اثنان]:
وإنما شرطنا أن يكون عددهم اثنين لأن شهادة واحد غير مقبولة في البالغين ففي الأصاغر أولى، فإذا ثبت ما ذكرناه عدنا إلى تفصيل أصل المسألة.
فصل [١٤ - في اشتراط العقل في الشهود]:
وإنما شرطنا العقل لقوله تعالى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ (^١)، وقوله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٢) والمجنون غير مرضي ولا علم له بما شهد به، وقوله - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاث: فذكر المجنون" (^٣) وذلك يفيد أنه لا حكم لقوله ولا خلاف في ذلك (^٤).
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ٨١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٣) سبق تخريج الحديث ص ٢٦٢.
(٤) بداية المجتهد - مع الهداية في تخريج أحاديث البداية: ٨/ ٦٤٠، شرح مسلم - للنووي -: ١/ ١٥٠، المغني: ٩/ ١٦٤، فتح الباري: ٥/ ٢١١.
[ ٣ / ١٥٢٥ ]
فصل [١٥ - في اشتراط كون شهادة الصبيان فيما بينهم]:
وإنما شرطنا أن يكون ذلك فيما بينهم لأن الكبير لا ضرورة به إلى مخالطة الصبيان فكان قولهم يسقط مع مشاهدة الكبار، ولأن القياس يمنع قبول شهادتهم وإنما أجيزت للضرورة فيجب قصرها على قدر ما دل عليه الدليل.
فصل [١٦ - في اشتراط الحرية في الشهادة]:
وإنما شرطنا الحرية، خلافًا لداود في قوله أن شهادة العبد مقبوله لسيده ولغيره (^١)، لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) وهذه الإضافة تفيد الحرية دون الإِسلام لأن غير المسلم ليس بعدل، ولأنه نوع نقص يمنع الميراث بينه وبين الأحرار فوجب أن يمنع قبول الشهادة كالكفر، ولأن الشهادة مبنية على التفاضل والكمال وكل ما هذه سبيله فلا مدخل للعبد فيه كالرجم.
فصل [١٧ - في اشتراط الإسلام في الشهادة]:
وإنما شرطنا الإِسلام خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن شهادة الكفار مقبولة على أهل ملتهم وعن سائر أنواع الكفر (^٣)، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^٤) ولا تخلو هذه الإضافة أن تكون إلى الدين أو الحرية أو النسب وأي ذلك فالكافر لا مدخل له فيه والنسب غير معتبر باتفاق، ولأن كل من لا تقبل شهادته على المسلمين لم تقبل على غيرهم كالفاسق الملي (^٥)، ولأنه فاسق بفعله كالملي، ولأن فسق المسلم أدون منه وشهادته غير مقبولة فشهادة الكافر أولى.
_________________
(١) انظر المحلى: ١٠/ ٥٩٨.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٣) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٥، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٤/ ٦٣.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٥) في م: الولي.
[ ٣ / ١٥٢٦ ]
فصل [١٨ - اشتراط الثقة في الشاهد]:
وإنما شرطنا أن يكون ثقة لأن ذلك من صفات العدالة لأن الكذاب والخائن فاسقان غير عدلين ولا مرضيين فلم يجز قبول شهادتهما.
فصل [١٩ - اشتراط الأمانة في الشاهد]:
وإنما شرطنا الأمانة لأن ضدها الخيانة وذلك فسوق (^١) والخائن غير عدل ولا مرضي وإنما شرطنا نفي الفجور والكذب لأن ذلك من ضروب الفسق الذي هي أبلغ ما يفسق به الفاسق ولا خلاف في ذلك (^٢).
فصل [٢٠ - اشتراط الضبط والفطنة والتحرز في الشاهد]:
وإنما شرطنا الضبط والفطنة والتحرز لأنه ما لم يكن كذلك تمت عليه حيلة الخصم فلا يؤمن أن يشهد بالزور والكذب فإذا كان متحرزًا متيقظًا (^٣) أمن عليه ذلك وأدى الشهادة سليمة مما يخاف عليه من الزلة فيها، ولذلك أصل في الشهادات وهو جعل امرأتين بإزاء شهادة (^٤) واحد من الرجال لأن الغالب من شأن النساء السهو وقلة التحصيل ولذلك قال - ﷺ -: "إنكن ناقصات عقل ودين" (^٥)، وذكر في نقصان العقل أن شهادة امرأتين مقام شهادة رجل فيتم عليها حيلة لا يؤمن معها أن تؤدي الشهادة على خلاف ما هي عليه فضممنا إليها أخرى لأن ذلك يبعد عن الجماعة ويؤمن فيها غالبًا وكل هذا يدل على وجوب ما رعيناه في الشهود.
_________________
(١) في م: فسق.
(٢) انظر: المغني: ٩/ ١٦٤، فتح الباري: ٥/ ٢١١.
(٣) في ق: منتقظًا.
(٤) في م: شاهد.
(٥) سبق تخريج الحديث ص ١٥٠٦.
[ ٣ / ١٥٢٧ ]
فصل [٢١ - اشتراط كون الشاهد عارفًا بالشهادات]:
وإنما شرطنا أن يكون عارفًا بالشهادات ووجه تحملها لأنه متى لم يكن كذلك لم يكن مرضيًّا وقد شرط الله تعالى الرضا في قبول الشهادة والجاهل ليس بمرضي، وليس يكفي في ذلك أن يكون من أهل الدين دون أن يضاف إليه العلم لما يشهد به ومعرفة آداء الشهادات ولأنه إذا كان غير عارف بكيفية تحملها لم يؤمن أن يؤديها على الوجه الممنوع قبولها معه فلم يجز.
فصل [٢٢ - اشتراط بعد الشاهد عن الشره ودناءة النفس]:
وإنما شرطنا بعده عن الشره ودناءة النفس (^١) لأنه إذا كان معروفًا بذلك سقطت مروءته وسبقت الظنة إليه وتسرع إليه التهم أنه إنما يشهد لشيء يعطى له وذلك قادح في العدالة والدين مزيغ (^٢) الصدق والأمانة فوجب حسم الباب بانتفائه عن الشاهد.
فصل [٢٣ - اشتراط حفظ المروءة في الشاهد]:
وإنما شرطنا الحفظ للمروءة لأن من لا يحفظ مروءته ويراعيها ليس بمرضي، ولأنه إذا أهملها دل ذلك منه على إهماله دينه وقلة مراعاة ما يلزمه من حق الله وسبقت الظنة إليه وقدح ذلك في عدالته، وإنما شرطنا نفي التهمة في الجملة لقول - ﷺ - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين (^٣) ولا جار لنفسه" (^٤)، وروي: "لا
_________________
(١) في م: والدناءة.
(٢) في ق: مؤمن وفي م: موقع.
(٣) ظنين: أي متهم (المصباح المنير: ٣٨٧).
(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل والبيهقي: ١٠/ ٢٠١، وأخرجه مالك موقوفًا على عمر بن الخطاب - ﵁ -: ٢/ ٧٢٠، وله طرق يقوي بعضها بعضا (انظر تلخيص الحبير: ٤/ ٢٠٣).
[ ٣ / ١٥٢٨ ]
تقبل شهادة ذي ظنة" (^١)، ولأن ذلك لو جاز (^٢) لقبلت شهادة الإنسان لنفسه ولم يحتج إلى غيره فإذا كان غيره يتهم له جرى مجرى شهادته لنفسه.
فصل [٢٤ - في منع قبول شهادة الولد لوالديه، وشهادتهما له]:
ونتكلم على التفصيل لهذه الجملة على ما قدمناه، وإنما منعنا من قبول شهادة الولد لوالديه وشهادتهما له خلافًا لداود وغيره في إجازته ذلك (^٣) لقوله - ﷺ - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" (^٤) والظنة موجوده ها هنا لأنه معلوم بالطبائع (^٥) أن الابن يحب نفع أبيه والأب يحب إيصال المنفعة إلى ابنه ورفع الضرر عنه ويؤثر ذلك على منفعه نفسه فضلًا من غيره فربما دعاه ذلك إلى أن يشهد له في الزور ويركب كل محظور في تخليصه من ضرر يقع فيه أو إيصال نفع إليه، (وقد قال تعالى ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ (^٦» (^٧) وقد قال - ﷺ - "فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها" (^٨).
_________________
(١) أخرجه البيهقي: ١٠/ ٢٠١، والحاكم: ٤/ ٩٩، وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي.
(٢) في ق: لو كان.
(٣) أجاز أحمد في إحدى الروايتين عنه قبول شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب له، وروي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أن شهادة كل واحد منهما للآخر مقبولة، وروي ذلك عن داود وشريح، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو ثور وغيرهم (انظر المغني: ٩/ ١٩١).
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) في م: بالطباع.
(٦) سورة الأحقاف، الآية: ١٥.
(٧) ما بين قوسين سقط من م.
(٨) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب فاطمة: ٤/ ٢١٩، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة: ٤/ ١٩٠٢.
[ ٣ / ١٥٢٩ ]
فصل [٢٥ - في منع قبول شهادة سائر الوالدين والمولودين]:
وإنما أجرينا سائر الوالدين والمولودين من بعد منهم مجرى من قرب للاتفاق على ألا فرق بينهما في ذلك لأن عمود الولادة يجمعهم، ولأن التهمة قائمة في الجنس لا تخصص ببعض منه وإن كانت في الأقرب (^١) أكثر.
فصل [٢٦ - في منع شهادة أحد الزوجين للآخر]:
وإنما منعنا من قبول (^٢) شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا للشافعي (^٣) لقوله - ﷺ -: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" (^٤) والظنين المتهم والتهمة حاصلة بين الزوجين في غالب الطباع ودليل ذلك الشرع والعادة، أما الشرع فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (^٥) فأخبر ﵎ أن الزوجية سبب لسكون نفس كل واحد منهما إلى الآخر وإنه طبعهم على التحابب (^٦) والتودد والحنو (^٧) والرأفة (^٨) ونبه على تأكيد ذلك بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (^٩) وقوله ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ (^١٠) فجعل هذين الجنسين غاية ومثلًا يستطرف وقوع العداوة من مثلها لأنهما الغاية في المحبة والعطف
_________________
(١) في م: الأقارب.
(٢) من قبول: سقطت من م.
(٣) انظر المهذب: ٢/ ٣٣١.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) سورة الروم، الآية: ٢١.
(٦) في م: الحنة.
(٧) في م: التجبب.
(٨) في م: الرقة.
(٩) سورة الروم، الآية: ١٤.
(١٠) سورة التغابن، الآية: ١٤.
[ ٣ / ١٥٣٠ ]
التي لا زيادة فوقها فدل ذلك على قوة التهمة وتأكدها، وأما العادة فالعلم بأن الإنسان يحب نفع زوجته ويهوى هواها (^١) ويكره ضررها حتى أنه يغضب لها أهله وأقاربه وينتفع بما لها ويتبسط فيه ويتجمل به وأنه ينتهى في محبتها والميل إليها إلى حد تقوى معه التهمة، وإذا صح ذلك كانت هذه التهمة مانعة من قبول شهادة أحدهما للآخر كالأب والابن ونحوه قياسًا فنقول لأنها شهادة تقوي التهمة وأسبابها من الشاهد والمشهود له فكانت مردوده أصله شهادة الأب لابنه، ولأنها شهادة يجر بها الشاهد نفعًا إلى نفسه فلم تقبل كشهادته لنفسه ولغريمه.
فصل [٢٧ - في منع شهادة السيد لعبده]:
وأما شهادة السيد لعبده فإنها أدخل في المنع من جميع ما ذكرناه (^٢)، لأن التهمة قائمة فيها إن شهد فيها بغير مال على مثل تزويج أو رجعة أو ما أشبه ذلك، وإن شهد بمال كانت شهادته لنفسه لأنه يملك عبده وماله.
فصل [٢٨ - في منع شهادة الغريم لغريمه]:
فأما شهادة الغريم لغريمه المفلس (^٣) فلأنه متهم فيه أيضًا أن يكون إنما شهد له أن يصل المال إليه فيكون كأنه شهد لنفسه فلم يقبل، ولأنه خصم وقد قال - ﷺ - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين".
فصل [٢٩ - في منع شهادة الوصي لمن يلي عليه]:
إنما منعنا شهادة الوصي لمن يلي عليه (^٤) لأنه يجر بها إلى نفسه نفعًا وهو جواز تصرفه في المال وكونه في قبضه لحق ولايته، ووجه قوله إن شهادته عليهم تقبل لانتفاء التهمة عنهم فيها بخلاف الشهادة لهم لأنه يخرج عن يده ما لا يقطع حق ولايته فيه، ولأن كل من لم تقبل شهادة إنسان له قبلت عليه كالأب والابن،
_________________
(١) في ق: يهواها.
(٢) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٦.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٣٦٢.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٦، الكافي: ٤٦١.
[ ٣ / ١٥٣١ ]
ووجه قوله إنها لا تقبل اعتبارًا بالشهادة لهم لأنها شهادة في حق لوليه (^١) بولاية لأن التهمة قائمة في الموضعين لأنهم (^٢) يخرج عنهم مالًا بقوله ولزمه بحق الولاية حفظه.
فصل [٣٠ - في إجازة شهادة سائر القرابة عدى من ذكرناه]:
وإنما أجزنا شهادة سائر القرابة عدى من ذكرنا لأن التهمة تضعف فيها ولا تقوي قوتها في الولادة والزوجية وإنما منعناها إذا كان في عيال من يشهد له لأن التهمة تقوى فيها فيمتنع قبولها، وكذلك في دفع العار مثل أن يقذف أخوه رجلًا ويشهد هو وثلاثة على المقذوف بأنه زنى فلا يقبل لأنه بشهادته يدفع العار عن أخيه لأن عاره ينجر إليه، وكذلك لو قذف أخاه رجل وأتى بأربعة شهداء أنه زنى ثم شهد هذا الأخ بجرحهم (^٣) (فلا يقبل لأنه متهم بالجرح) (^٤) أن يريد دفع العار عن أخيه.
فصل [٣١ - في منع شهادة الصديق الملاطف]:
وإنما منعنا قبول شهادة الصديق الملاطف إذا كانت تناله الصله والمعروف خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥)، لقوة التهمة لأنه معلوم أنه من بينه وبين غيره صداقة ومودة فإنه يبره ويصله وأنه يحب جر النفع إليه ودفع الضرر عنه فردت شهادته له وعلى نحو من ذلك شهادة السؤال بل الرد (^٦) فيهم أولى لأن الصدقة قد يكون منها البر وقد لا يكون والسؤال أمرهم مبني على التماس البر من أدنى وجوهه.
_________________
(١) في ق: تولية.
(٢) في م: لأنه.
(٣) في م: بالجرح.
(٤) ما بين قوسين سقط من م.
(٥) انظر شرح فتح القدير: ٦/ ٣١، المهذب: ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٦) في ق: البر.
[ ٣ / ١٥٣٢ ]
فصل [٣٢ - في منع شهادة العدو على عدوه]:
ولمثل ذلك منعنا شهادة العدو على عدوه (^١) خلافًا لأبي حنيفة (^٢) لأن الطباع تقضي أن العدو يحب ضرر عدوه وإذايته ويتهم بإدخال الضرر عليه بشهادته عليه فمنعناها لأجل ذلك كما منعناه في الصديق لقضائها بضد ما تقضي به في العدو والتهمة قائمة في الموضعين.
وتحريره أن يقال بأن بينهما تهمة غالبة في الطباع فكانت مؤثرة في رد الشهادة كالتهمة بين الأب والابن على أن نص الخبر شاهد لنا وهو قوله - ﷺ - "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي غمر على أخيه" (^٣).
فصل [٣٣ - في منع شهادته لجرح من شهد عليه بحق أو حد]:
وإنما منعنا قبول شهادته لجرح من شهد عليه بحق أو حد لأنه خصم في ذلك وقد قال - ﷺ - "لا تقبل شهادة خصم" (^٤).
فصل [٣٤ - في من منعت شهادته له قبلت عليه]:
وإنما قلنا من منع شهادته (له قبلت عليه، ومن منع شهادته عليه قبلت له) (^٥) لأن التهمة توجد في أحد الموضعين وتنتفي من الآخر فحيث توجد منعناها وحيث تنتفي نجيزها لأنها هي العلة المؤثرة.
فصل [٣٥ - في منع شهادة البدوي على القروي]:
وإنما منعنا شهادة البدوي على القروي في الحقوق التي يمكن التوثق فيها بإشهاد
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٥، الكافي: ٤٦٢.
(٢) انظر شرح فتح القدير: ٤/ ١٦٦، حاشية ابن عابدين: ٤/ ٣٠٠.
(٣) سبق تخريج الحديث ١٥٢٨.
(٤) سبق تخريج الحديث ١٥٢٨.
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٥٣٣ ]
الحاضر (^١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٢)، لقوله - ﷺ -: "لا تقبل شهادة بدوي على قروي" (^٣) وروي "على صاحب قرية" (^٤) ولأن التهمة تقوى في هذه الشهادة لأن الناس لا يتركون التوثق بإشهاد جيرانهم وأهل بلدهم ويستشهدون بالأباعد وأهل البدو (^٥) إلا لريبة يعلمون معها أن الشهود من الحضر لا يشهدون في ذلك فيعدلون إلى من لا يعرفه، ولذلك قلنا إنها تقبل في الجراح وفيما يتفق من الحقوق في البادية التي يخاف فواتها والتجاحد إن وقف عليها إلى الحصول في الحضر لانتفاء التهمة فيها.
فصل [٣٦ - في عدم قبول شهادة ولد الزنا]:
وإنما قلنا إن شهادة ولد الزنا لا تقبل في الزنا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٦)، لقوله - ﷺ -: "لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين" (^٧) والظنه ها هنا موجودة لأنه يحب أن يكون غيره مشاركًا له في المعرة، والعادة تقضي بذلك لأن كل معرور (^٨) بأمر لازم لا يفارقه يحب أن يكون غيره مثله (^٩) ولو أمكنه لا يبقى
_________________
(١) في ق: الحاضرة.
(٢) انظر شرح فتح القدير: ٦/ ٤٠، الإقناع: ٢٠٣.
(٣) أخرجه أبو داود في الأقضية باب شهادة البدوي على أهل الأمصار: ٤/ ٢٦، وابن ماجه في الأحكام باب من لا تجوز شهادته: ٢/ ٧٩٣، والبيهقي: ١٠/ ٢٥٠، والحاكم: ٤/ ٩٩، وقال الذهبي: هو حديث منكر على نظافة إسناده (انظر تلخيص المستدرك: ٤/ ٩٩).
(٤) في رواية البيهقي: ١٠/ ٢٥٠.
(٥) في م: البلد.
(٦) انظر شرح فتح القدير: ٦/ ٤٦، الإقناع: ٢٠٣.
(٧) سبق تخريج الحديث ١٥٢٨.
(٨) معرور: من به عرة أو معرة وهي الفضيحة (انظر المنير: ٤٠١).
(٩) في م: مشاركًا له.
[ ٣ / ١٥٣٤ ]
أحد إلا يكون مثل حاله لأحب ذلك لئلا ينفرد بالعار فيكون في مشاركة غيره له سلوة وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (^١) معناه لما كنتم تعتقدون في الدنيا من المشاركة في الشدة يحدث معها السلوة لمن هو فيها غير خالصة (^٢) لكم، ونحو ذلك روي عن عثمان - ﵁ - أنه قال: ودت الزانية أن النساء كلهن زنين (^٣)، فأخبر أن ذلك طبع في الناس أن المعرور يحب أن يشاركه كل واحد في معرته ليقل من يعيره بذلك وإذا صح قوة التهمة في هذه الشهادة بما ذكرناه وجب ردها.
فصل [٣٧ - في شهادة من كان على كبيرة]:
وأما من كان على كبيرة مثل الزنا وشرب الخمر (^٤) وغيره فتاب منها، فوجه القول أن شهادته لا تقبل في مثل ذلك الشيء اعتباره بمسألتنا بعلة أنه معنى يلحق به العار فاتهم بمشاركة غيره له في المعرة، ووجه القول بأنها تقبل أن معرة هذه الأشياء تزول بالتوبة منها كالكافر يسلم ويفارق ولد الزنا لأن معرته لا تزول فالتهمة لا تفارقه.
فصل [٣٨ - في عدم قبول شهادة الفاسق والكافر والصبي والعبد بعد زوال العدل المناعة]:
وإنما قلنا في الفاسق والكافر والصبي والعبد إنهم إذا شهدوا بشهادة فردت ثم شهدوا بها بعد زوال العلل المانعة من قبول شهادتهم أنها لا تقبل خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥) فيمن عدا الفاسق للتهمة منهم أن يكونوا إنما شهدوا بها
_________________
(١) سورة الزخرف الآية: ٣٩.
(٢) في ق: خاصلة.
(٣) ذكره ابن قدامة في المغني: ٩/ ١٩٦، وشكك في نسبه ذلك لعثمان - ﵁ -.
(٤) في م: والشراب.
(٥) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٣، الإقناع: ٢٠١.
[ ٣ / ١٥٣٥ ]
ليزول عنهم العار (^١) بردها، واعتبارا بالفاسق لأنهم موصوفون بنقص ينافي العدالة فوجب إذا شهدوا حال وجود هذا النقص ثم زال أنهم إذا أعادوها لا تقبل كالفاسق.
فصل [٣٩ - إذا جمعت الشهادة ما فيه التهمة وبين ما لا تهمة فيه]:
وإنما فرقنا بين أن تجمع الشهادة ما فيه التهمة وبين ما لا تهمة فيه أنه يرد الجميع وبين أن تجمع أنواعها تقبل شهادة ذلك (^٢) في بعضها ولا تقبل في البعض فقبلناها فيما تقبل فيه لأن في المسألة الأولى تقوى التهمة أن يكون إنما شهد بما لا يتهم فيه ليقبل فيما يتهم فيه وذلك كما يشهد لابنه ولأجنبي بحق فإنما شهد للأجنبي لأنها إذا قبلت في حقه قبلت في حق ابنه فردت في الجميع، وفي المسألة الأخرى لا تهمة فيه فوجب قبولها.
فصل [٤٠ - فيمن شهد في وصية له فيها شيء]:
والصحيح من الروايات فيمن شهد في وصية (^٣) له فيها شيء ألا تقبل شهادته لا في حقه ولا في حق غيره (^٤) لأن مع التهمة لا تتبعض الشهادة على ما ذكرناه.
فصل [٤١ - في قبول شهادة القاذف ما لم يجلد]:
وإنما قلنا إِن شهادة القاذف تقبل ما لم يجلد لأنه على العدالة لا يثبت فسقه إلا بأن يثبت عليه البينة فيجلد، فإذا جلد ثبت فسقه فلم تقبل شهادته لقوله ﷿ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا
_________________
(١) في م: العادة.
(٢) في م: ذلك الشاهد.
(٣) في ق: وصيته.
(٤) انظر المدونة: ٤/ ٨٢، التفريع: ٢/ ٢٣٧، الرسالة.
[ ٣ / ١٥٣٦ ]
تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (^١) وإنما أجزنا شهادته بعد التوبة خلافًا لأبي حنيفة (^٢) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (^٣)، ولأن كل من ردت شهادته لفسق قبلت عند زوال فسقه اعتبارًا بالزاني والسارق.
فصل [٤٢ - في قبول شهادة شاهد الزور بعد توبته]:
وإنما قلنا في شاهد الزور إن شهادته تقبل إذا تاب لأن فسقه يزول بالتوبة فأشبه شارب الخمر وغيره من الفساق إذا تابوا، وعبد الملك أجراه مجرى الزنديق لأنه إذا كان في الظاهر كمالك بن أنس والعمري فإنه لا يوصل إلى توبته وإلى العلم بها لأنه لا يقدر أن يزيد على ما كان عليه وقد كان بتلك الصفة وهو فاسق فشكل حاله.
* * *
_________________
(١) سورة النور الآية: ٤.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٢، مختصر القدوري: ٤/ ٦٠.
(٣) سورة النور الآية: ٥.
[ ٣ / ١٥٣٧ ]
باب [- في التزكية]
القدر الذي يلزم في التزكية: أن يشهد الشاهد لمن يزكيانه أنه عدل رضي ولا يكفي أحد الوصفين عن الآخر ولا يكفي من ذلك أن يقول لا أعلم له زلة ولا جريمة (^١) ولا أعلم إلا خيرًا وإني لأرضى به لي وعلي (^٢)، وإنما قلنا لا بد من وصفه بالعدالة والرضا لأن الله تعالى شرطهما في قبول الشهادة وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣) وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٤) ومعنى العدالة (^٥): هو الاستواء والاستقامة ولذلك تنتفي الشهادة مع التهمة والغفلة وغيرهما لأن أحوال الشاهد غير مستقيمة معهما.
وإنما قلنا إنه لا يجزى من ذلك أن يقول لا أعلم إلا خيرًا أو لا أعلم له زلة لأن ذلك شهادة بنفي (^٦) فلا يستفاد بها شيء، ولأن التزكية في العدالة إثبات عدالة الشاهد والأخبار عما لا يعلمه الحاكم منه، فإذا قال لا أعلم له زلة ولا أعلم إلا خيرًا كان بمنزلة الحاكم لأن الحاكم أيضًا لا يعلم له زلة، وقد يعلم منه الخير والتدين ولكن لا يعلم هل هو ممن يصلح للشهادة أم لا، وأما قوله إني رضي به لي وعلي فليس بتزكية أيضًا لأنه قد يرضى بغير العدل وبالمغفل (^٧)
_________________
(١) في م: خزية.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ١٠٤، ١٠٥، التفريع: ٢/ ٢٣٩، الرسالة: ٢٤٦، الكافي: ٤٦٥.
(٣) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٥) في م: العدل.
(٦) في ق: تتقي.
(٧) م: وبالمتغفل.
[ ٣ / ١٥٣٨ ]
والمتهم لغرض له وقد لا يرضى العدل المرضي على حسب اختياره فليس على رضا الإنسان لأموره غمار (^١) فلم يكن قوله هذا مؤثرًا في التزكية.
فصل [١ - في قبول شهادة من عرفه القاضي بالعدالة والرضا]:
ومن عرفه القاضي بالعدالة والرضا قبل شهادته ولم يحتج إلى أن يشهد عنده بتزكية، وكذلك المشتهر بالصلاح والدين لأن الغرض بالتزكية أن يعلم الحاكم أنه من أهل الشهادة فإذا عرف منه أغناه عن التزكية، وليس ذلك حكمًا بالعلم لأنه أمر يظهر ولا يخفى أعني العدالة والفسق، ولأنه قد يتوقف عن قبول شهادته ويقبله غيره من الحكام ولو كان حكمًا لم يجز نقضه، وإذا كان الحاكم لا يعرفه لم يثبت عدالته إلا بشهادة عدلين وبأن يعلمه صاحب مسائله بما عرف من حديثه لأنه خليفته وقائم في التزكية والجرح مقامه، والتعديل الذي يكونا شهادة لا يكون إلا باثنين (^٢).
فصل [٢ - في تعارض الجرح والتعديل في التزكية]:
إذا عدل رجلان رجلًا وجرحه آخران ففيها روايتان: (^٣) إحداهما أن ينظر إلى أعدل البينتين فيؤخذ بها، والأخرى أن شهادة الجرح أولى من التعديل.
فوجه الأولى تعارض البينتين في أمر طريقه الاجتهاد فوجب الحكم بأعدلهما، أصله في الأموال، ووجه الثانية أن الجرح يخفى ولا يظهر فالشاهدان به عرفا من حال المجروح ما خفي عن المعدلين فكانت شهادتهما أولى، ولأن ذلك كالخبرين الحاظر والمبيح إذا تعارضا أن الحاظر أولى.
* * *
_________________
(١) غمار: أي مستورة (انظر المصباح المنير: ٤٥٢).
(٢) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٩، الكافي: ٤٦٥ - ٤٦٦.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٩، الكافي: ٤٦٥.
[ ٣ / ١٥٣٩ ]
باب [- في حكم تحمل الشهادة]
تحمل الشهادة فرض في الجملة، لقوله تعالي ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^١) وذلك من أفضل البر لأنه يتعلق به حفظ أموال الناس وحقوقهم وحقوق الله تعالى وإقامة حدوده، وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (^٢)، وقوله ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (^٣) وذلك على عمومه في التحمل والأداء، وقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (^٤) قال سفيان بن عيينة (^٥): هو ما يدفع الله بالشهود من التجاحد والتظالم (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (^٧).
فصل [١ - في أن تحمل الشهادة من فروض الكفايات]:
إذا ثبت أن ذلك فرض في الجملة فإنه من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين فهو جار مجرى غسل الميت ودفنه والصلاة عليه ومجرى الجهاد
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٣٥.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٥١.
(٥) سفيان بن عيينة: ابن أبي عمران ميمون مولى محمَّد بن مزاحم، أبو محمَّد الهلالي الكوفي ثم المكي سمع من عمرو بن دينار وابن شهاب وغيرهما وحدث عنه الأعمش وابن جريح وغيرهما قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز ت ١٠٧ هـ (شذرات الذهب: ١/ ٣٥٤ سير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٥٤).
(٦) انظر الجامع في أحكام القرآن: ٣/ ٢٦٠.
(٧) سورة الطلاق، الآية: ٢.
[ ٣ / ١٥٤٠ ]
وغيره من فرائض (^١) الكفايات والدليل على ذلك (^٢) أنها براءة للتوثق وحفظ الحقوق فإذا حصل هذا المعنى بالبعض سقط عن الباقين كما ذكرناه.
فصل [٢ - في تعين فرض تحمل الشهادة]:
وإذا ثبت، فقد يتعين فرضها في بعض المواضع وقد لا يتعين: (فالمواضع التي يتعين) (^٣) أن يدعى الشاهد إلى تحمل الشهادة وهناك جماعة كبيرة ممن يتحملها فإنه يجب على اثنين منهم بغير أعيانهم فمن قام منهم بها سقط عن الباقين.
وأما المواضع التي يسقط فيها فهو أن يدعى إلى تحمل شهادة قد تحملها غيره فلا تلزمه الإجابة لأن الغرض قد سقط بمن قام بها وتحملها، وأما المواضع التي يتعين فيها فرضها فمثل أن يدعى إلى تحملها وليس هناك غيره فتلزمه الإجابة وكذلك لو كان هناك من يتحملها إلا أنه يتعذر وجودهم أو يخاف بانتظارهم فوات الحادث مثل موت الموصي أو جحود المقر أو ما أشبه ذلك فتلزمه الإجابة وهذا إذا لم يكن له ما يعذر به فإن كان له عذر من مرض أو زمانه أو حق مثل ذلك الحق يخاف فوته وما أشبه ذلك من الأعذار لم (^٤) يلزمه.
فصل [٣ - في حكم أداء الشهادة]:
فإذا ثبت تحملها على الوجه الذي ذكرناه، فأداؤها فرض أيضًا على الكفاية وحكمها حكم التحمل في التعيين وغيره، فإن دعي إلى إقامتها وهناك من يقيمها غيره لم تلزمه الإجابة لأن المقصود من الأداء إثبات الحق عند الحاكم فإذا حصل المقصود سقط الغرض، وكذلك إن كان من يسقط الغرض به كالصلاة على الجنازة، وأما إن دعي ولم يكن قد أشهد سواه أو أشهدوا سواه ولكن تعذر إحضارهم لبعد أو غيبة أو موت أو مرض فإنه يتعين عليهما الحضور والأداء
_________________
(١) في م: فروض.
(٢) في م: على أنها إنما تراد.
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) في م: فلا.
[ ٣ / ١٥٤١ ]
لأن في امتناعهما إتلاف الحق وإضاعته، والدليل على وجوب الأداء في الجملة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (^١) قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (^٢) وقوله ﷿: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٣)، ولا خلاف في ذلك (^٤) والله أعلم.
* * *
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٣.
(٤) انظر مراتب الإجماع: ٥٣، المغني: ٩/ ١٤٦.
[ ٣ / ١٥٤٢ ]
باب [- في أقسام البينة]
البينة مرتبة بحسب الحقوق المشهود فيها والمحتاج إلى إقامتها وما هي عليه من التوسعة والتضييق والتخفيف والتثقيل وإمكان التوثق وتعذره على ما نبينه من بعد، والبيانات على اختلاف مراتبها في القوة والضعف لا تخرج من أقسام (^١):
أحدها: أربعة شهود رجال بالغون، والثاني: شاهدان رجلان، والثالث: شاهد وامرأتان، والرابع: شاهد ويمين المدعي، (والسادس: شاهد المدعي ونكول المدعى عليه، والسابع: امرأتان ونكول المدعى عليه) (^٢) والثامن: يمين المدعي ونكول المدعى عليه، والتاسع: يمين المدعي مع قوة السبب، والعاشر: امرأتان بانفرادهما والحادي عشر: شهادة الصبيان في الموضع الذي ذكرناه، والثاني عشر: أيمان الأولياء في الدم مع اللوث، والثالث عشر: شهادة السماع، والرابع عشر: كتاب قاض إلى قاض، والخامس عشر: معرفة العفاص والوكاء في اللقطة لأن ذلك كالبينة، وربما أغفلنا شيئًا يجري ما ذكرناه فنبينه بقدر ما أوردناه عليه.
فصل [١ - في الحقوق المشهود بها]:
الحقوق المشهود بها على ستة أضرب: أحدهما أحكام تثبت في البدن (ليست بمال ويطلع عليها الرجال على غالب الحال، والثاني أحكام تثبت بالبدن تتعلق بالمال، والثالث أحكام تثبت في البدن لا يطلع عليه الرجال بل النساء كعيوبهن والولادة) (^٣)، والرابع: شهادة على مال، الخامس: شهادة على
_________________
(١) انظر: الموطأ: ٢/ ٧٢٢، المدونة: ٤/ ٩٦، التفريع: ٢/ ٢٤٢، الرسالة: ٢٤٧، الكافي: ٤٧٨.
(٢) ما بين قوسين سقط من م.
(٣) ما بين قوسين مطموس في ق وم وتم إكمال النقص من ر.
[ ٣ / ١٥٤٣ ]
ما كان المقصود منه المال وهذا كالقسم الذي قبله وإن انفرد عنه، السادس ما يجمع القسمين من هذه الأقسام أو أكثر.
فإذا ثبت هذا فانقسام البينات على الحقوق على وجوه أحدها: ما لا مدخل فيه لشهادة النساء أصلًا ولا يقبل فيه إلا الرجال، والآخر ما يقبل فيه الرجال والنساء ولا يقبل فيه النساء بانفرادهن، والثالث ما تقبل فيه النساء بانفرادهن، والرابع ما يقبل فيه الرجل الواحد والمرأتان مع يمين المدّعى ثم بقية الأقسام على ما قدمناه.
فصل [٢ - في الأحكام التي تثبت في البدن ليست بمال]:
أما الأحكام التي تثبت في البدن ليست بمال ويطلع عليها الرجال في غالب الحال كالزنا والقذف والقتل والنكاح والرجعة والطلاق والإعتاق والإحصان (^١) والتعديل والتجريح ورؤية الأهلة والشهادة على الشهادة (^٢) وما أشبه ذلك فهذا لا يقبل فيه إلا الرجال.
فالأربعة في الشهادة على إثبات الزنا وذلك على ثلاثة أوجه: إما شهادة على رؤية الزنا فهو المتفق عليه، وإما شهادة على الشهادة به وإما الشهادة على كتاب الحكم به وهذان مختلف في الشهادة بهما (^٣): فقيل يكفي شهادة اثنين على شهادة كل واحد من الأربعة وعلى كتاب الحاكم به، وقيل لا يكفي إلا أربعة على كل واحد من الأربعة وكذلك على كتاب القاضي.
وأما الشاهدان فلسائر الأحكام التي تثبت في البدن وفي المال مما عددناه.
وأما الشاهد والمرأتان والشاهد ويمين المدعى والمرأتان واليمين فلحقوق الأموال وما المقصود منه المال، وأما المال فمثل أن يشهدوا أن فلانًا أقرض (^٤)
_________________
(١) في م: الإصلاح.
(٢) في ق: الشهادات على الشهادات.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٨٢، ٨٣، التفريع: ٢/ ٢٤٠، الكافي: ٤٦٦.
(٤) في ق: اقترض.
[ ٣ / ١٥٤٤ ]
فلانًا ما لا أو أودعه أو أعاره أو غصبه وما أشبه ذلك، وما المقصود منه المال كالبيع والإجارات والشفعة والرهن والقراض والمساقات والصلح والكفالات وجنايات الخطأ والعمد التي لا قود فيها وما ضارع ذلك مما يكون المقصود منه المال فهذا كله يثبت بالشاهد والمرأتين وبالشاهد ويمين المدعي.
وأما الشاهد ونكول المدعى عليه يقبل في كل موضع قبل فيه الشاهد واليمين والمرأتان واليمين، وقد اختلف في قبوله في الطلاق والعتاق فعنه في ذلك روايتان وكذلك في نكول المدعى عليهم مع اللوث وقد بيناه في موضعه، وأما الأحكام بالبدن المتعلقة بالمال مثل الشهادة على الوكالة بطلب المال وعلى إسناد (^١) الوصيه التي ليس فيها إلا المال فقد اختلف أصحابنا فيها فقال مالك وابن القاسم وابن وهب يجوز فيها شاهد وامرأتان، وقال أشهب وعبد الملك لا تقبل فيها إلا رجلان.
وأما المرأتان ونكول المدعى عليه فإنه يقبل في كل موضع يقبل فيه الشاهد (واليمين وليس في كل موضع يقبل فيه الشاهد) (^٢) والنكول، وكذلك يمين المدعي مع النكول، وأما يمين المدعي مع قوة السبب فمثل يمين المشتري (^٣) في الاختلاف في ثمن المبيع بعد قبض السلعة لأن يمينه (^٤) قد قوي بالقبض، فأما المرأتان بانفرادهما ففي حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبًا كالولادة والاستهلال والرضاع وعيوب النساء وما أشبه ذلك.
وأما شهادة الصبيان واللوث واللقطة فقد ذكرناه وأما شهادة السماع ففي ما يتغير (^٥) ولا يزول وذلك مثل النسب والموت والولاء والحبس المتأبد وقيل في النكاح.
_________________
(١) في م: أشهاد.
(٢) ما بين قوسين سقط من ق.
(٣) في م: المشترك.
(٤) في م: سببه.
(٥) في ق: ما لا يتغير.
[ ٣ / ١٥٤٥ ]
فأما كتاب القاضي فإنه يقبل في كل شيء من الحقوق والحدود ولا يثبت إلا بشاهدين إلا ما ذكرناه من الخلاف في كتابه بشهادة الزنا عنده، هذا جملة من القول في أقسام البينة والأحكام المشهود فيها ونحن نتكلم على تفصيلها.
فصل [٣ - في إثبات حد الزنا]:
فأما قولنا إن الحد في الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال فقد بيناه في كتاب الحدود وقد ذكرنا توجيه الخلاف فيما يتعلق به، وإنما منعنا أن لا يقبل في أحكام الأبدان التي يطلع عليها الرجال إلا شهادة رجلين خلافًا لأبي حنيفة (^١) أنه يقبل في جميعها شهادة النساء مع الرجال كالطلاق والرجعة والنكاح وغير ذلك إلا ما أوجب قتلًا أو حدًّا، فلقوله تعالى في الطلاق والرجعة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) وهذا كناية عن ذكرين، واعتبارا بالقتل، وما يوجب الحد بعلة أنه من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال وهذا علة تستمر في التعديل والتجريح وكل ما هو من بابه.
فصل [٤ - في قبول الشاهدين والشاهد والمرأتين في المال]:
وإنما قلنا إن الشاهدين والمرأتين يقبلان في المال أو ما يكون المقصود منه المال، لقوله جل ذكره ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (^٣)، ولا خلاف في ذلك (^٤).
_________________
(١) انظر مختصر الطحاوي: ٢٣٨، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٤/ ٥٦.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٢.
(٣) سووة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٤) بداية المجتهد مع الهداية في تخريج أحاديث البداية: ٨/ ٦٤٧، المغني: ٩/ ١٥١، فتح الباري: ٥/ ٢٠٣.
[ ٣ / ١٥٤٦ ]
فصل [٥ - في الحكم بالشاهد واليمين في المال وحقوقه]:
وإنما قلنا إن الشاهد واليمين يحكم به في المال وحقوقه خلافًا لأبي حنيفة في منعه الحكم به على كل وجه (^١)، لما روي أن رسول الله - ﷺ -: قضى باليمين مع الشاهد (^٢)، ولأن كل حجة يسقط بها المدعى عليه عن نفسه المطالبة جاز أن تكون في جنبة المدعي، أصله البينة، ولأن الأصول موضوعة على أن اليمين تكون في جنبة أقوى المتداعيين سببًا لقوة سببه، وأن البينة يطالب بها أضعفهما سببًا لضعف سببه ألا ترى أنها تجب بالابتداء على المنكر لقوة سببه على المدعي لأن الأصل براءة ذمته مما أدعي عليه، وإذا صح ذلك فسبب المدعي قد قوي بالشاهد فوجب أن يكون اليمين في جنبته.
فصل [٦ - في قصر الحكم باليمين والشاهد في الأموال دون الأبدان]:
وإنما قلنا إن ذلك في الأموال أو ما يتعلق بها دون حقوق الأبدان للإجماع على ذلك من كل قائل باليمين والشاهد وقصرهم إياها على هذا النوع (^٣)، ولأن حقوق الأموال أخفض رتبة من حقوق الأبدان بدلالة قبول النساء فيها، (وقد اختلف قوله في جراح العمد هل يجب القود فيها بالشاهد) (^٤) واليمين فعنه فيه روايتان: إحداهما أنه يجب به التخيير بين القود والدية ومن جنس (^٥) عمده ما لا يجب فيه إلا مال بخلاف النفس، والأخرى أنه لا يجب لأنه من حقوق الأبدان وهو الصحيح.
_________________
(١) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٣.
(٢) أخرجه مسلم في الأقضية باب القضاء باليمين والشاهد: ٣/ ١٣٣٧.
(٣) انظر المغني: ٩/ ١٥١.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) في ق: ومن حبس عنده.
[ ٣ / ١٥٤٧ ]
فصل [٧ - في قبول شهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وحقوقها]:
وإنما قلنا إنه يقبل في الأموال وحقوقها شهادة امرأتين ويمين المدعي خلافًا للشافعي (^١)؛ لأنهما قد أقيما في الشرع مقام رجل واحد في الشهادة على الأموال لقوله ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (^٢) فإذا جاز أن يحكم بشهادة الرجل مع اليمين جاز أن يحكم بشهادة امرأتين مع اليمين، ولأنهما إحدى شرطي شهادة المال كالشاهد الواحد، ولأنه سبب مؤثر في الحكم قويت به حجة المدعي فجائز (^٣) أن يحلف معه، أصله الشاهد الواحد.
فصل [٨ - في الحكم بالشاهد الواحد ونكول المدعي عليه]:
وإنما قلنا إنه يحكم بالشاهد الواحد ونكول المدعى عليه خلافًا للشافعي (^٤) لأن النكول سبب مؤثر في الحكم فوجب إذا انضاف إلى الشاهد الواحد أن يحكم به، أصله يمين المدعي، ونبين تأثيره في الحكم أنه إذا نكل المدعى (عليه انتقلت اليمين إلى جنبة المدعي) (^٥) فحلف وكان نكوله كشاهد، ولأن الشاهد (^٦) أقوى من يمين المدعي بدليل أنه إنما يحتاج إلى اليمين مع عدم الشاهد وأن اليمين مختلف في دخولها في بينة المدعي والشاهد غير مختلف فيه، وأن
_________________
(١) انظر مختصر المزني: ٣٠٧، الإقناع: ٢٠١، المهذب: ٢/ ٣١٢.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٣) في م: فجاز.
(٤) انظر المهذب: ٢/ ٣١٢، ٣٣٥.
(٥) ما بين قوسين سقط من م.
(٦) في ق: لشهادة.
[ ٣ / ١٥٤٨ ]
الشاهد يدخل في البينة في جميع الحقوق وأن اليمين (^١) مضاف إليه وهو لا يضاف إليها وإذا ثبت تأكيده على اليمين ثم كان النكول إذا اجتمع مع أضعف السببين (^٢) يحكم به كان إذا انضاف إلى الأقوى والآكد أولى.
فصل [٩ - في ثبوت الوكالة بالمال بشهادة رجل وامرأتين]:
ووجه القول في الوكالة بالمال إنها تثبت بشهادة رجل وامرأتين أنها شهادة على مقصود به المال كالشهادة على البيع والإجازة، ووجه منع قبولها أن الوكالة فعل بدن ليست بمال قال عبد الملك: لأن الشاهد واليمين لا يقبل فيهما فكذلك الرجل والمرأتان لأن أحدهما لا يقبل إلا حيث يقبل الآخر.
فصل [١٠ - في الحكم بشهادة امرأتين مع النكول]:
وإنما قلنا يحكم بشهادة امرأتين مع النكول لأنها أحد شرطي شهادة المال كالشاهد الواحد.
فصل [١١ - في الحكم بيمين المدعي ونكول المدعى عليه]:
وإنما قلنا إنه يحكم بيمين المدعي ونكول المدعى عليه في الأموال وما يتعلق بها لأنها سببان مؤثران في تنفيذ الحكم فإذا اجتمعا وجب الحكم بهما كالشاهد واليمين وذلك أن النكول مؤثر في وجوب الحكم به إذا انضم إليه شاهد وامرأتان وكذلك كون اليمين في جنبة المدعى.
فصل [١٢ - في عدم الحكم بمجرد النكول]:
ولا يحكم بمجرد النكول دون أن ترد اليمين على المدعي فيما ترد فيه فإذا حلف حكم له على المدعى عليه (^٣)، وقال أبو حنيفة إذا نكل المدعى عليه عن
_________________
(١) وأن اليمين: سقطت من م.
(٢) في م: البينتين.
(٣) انظر الموطأ: ٢/ ٧٢٢، التفريع: ٢/ ٢٤٣، الكافي: ٤٧٢.
[ ٣ / ١٥٤٩ ]
اليمين كررت عليه ثلاث فإن حلف وإلا حكم عليه بنفس نكوله ولا ترد اليمين على المدعي هذا إذا كانت الدعوى في المال.
واتفقوا على أنه لا يحكم بالنكول في قتل العمد وجراحه، ثم اختلفوا في حكمه فعند أبي حنيفة أنه يحبس إلى أن يحلف أو يعترف، وعند أبي يوسف يحكم عليه بالدية (^١) فالكلام معهم في موضعين: أحدهما: هل يحكم بالنكول بمجرده أم لا، والآخر هل يلزم رد اليمين على المدعي أم لا.
فدليلنا على أنه لا يحكم بمجرد النكول اتفاقنا على أنه لا يحكم به في دعوى دم العمد فكذلك في سائر الحقوق بعلة أنه نكول عن اليمين توجهت على المدعى عليه ولأنه نكول لا يحكم به دم العمد فلذلك في غيره أصله الأول والثاني ولأن البينة حجة للمدعي في إثبات ما يدعيه واليمين حجة للمنكر فيها ينفيه وقد ثبت أن المدعي لو قعد عن إقامة البينة لم يسقط حقه ولم يحكم عليه بضد ما ادعاه فكذلك المدعى عليه إذا قعد عن اليمين لأن المدعى عليه لو أمسك عن جواب المدعي أو قال لا اعترف ولا أنكر ولا أحلف لم يلزمه فهذا حكم وهو نكول على الأمرين عن الاعتراف وعن اليمين فكان بنكوله عن اليمين وحدها أولى.
ودليلنا على وجوب اليمين مع النكول قوله - ﷺ - في القسامة "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ قالوا لم نحضر قال: فتبرأ لكم اليهود بخمسين يمينا" (^٢) وهذا رد اليمين، ولأن ذلك إجماع لأنه مروي عن عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب (^٣) رضوان الله عليهم ولا مخالف لهم ولأن الأصول موضوعة على أنه لا يحكم للمدعي على سبب واحد وإنما يحكم بسببين كالشاهدين، أو كشاهد ويمين، أو كشاهد وامرأتين، أو شاهد ونكول، فأما النكول وحده فإنه
_________________
(١) انظر مختصر الطحاوي: ٣٦٧، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٤/ ٣٠ - ٣١.
(٢) سبق تخريج الحديث ص ١٣٤٥.
(٣) انظر البيهقي: ١٠/ ١٢٣، ١٧٧، عبد الرزاق: ١٠/ ٣٥، ٤١، والمغني: ٩/ ٢٣٣.
[ ٣ / ١٥٥٠ ]
سبب واحد فلابد أن ينضاف إليه غيره فإذا ثبت ذلك فليس إلا يمين المدعي، ولأن اليمين في الدعوى يتوجه على أقوى المتداعيين سببا ولذلك وجبت في الأصل على المنكر وانتقلت إلى المدعي إذا كان له شاهد، وإذا (^١) ثبت ذلك فالمدعي في هذا الموضع أقوى سببا من المنكر لأن ذلك قد أضعف جنبته (^٢) بنكوله فانتقلت اليمين إلى جنبة المدعي.
فصل [١٣ - في الحكم باليمين مع قوة السبب]:
وأما اليمين مع قوة السبب فقد بيناه فيما تقدم من اختلاف الزوجين في قبض الصداق ومقداره والمتبايعين في مقدار الثمن والعرف في التداعي ووجه ذلك أن العرف أصل يقوى به سبب المدعي فإذا كان كذلك انتقلت اليمين إلى جهته كما لو كان معه شاهد ألا ترى أن العرف يرجع إليه ويحكم به إذا لم يكن هناك غيره مثل الخلاف إذا وقع في النقد والسير والحمولة وغيرها.
فصل [١٤ - فيما تقبل فيه شهادة النساء]:
وإنما قلنا إن شهادة النساء مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال غالبا من أحكام الأبدان في الجملة بانفرادهن (^٣) مثل عيوب النساء والولادة وما في معنى ذلك لأن الشهادة رتبت في الشرع على حسب الأشياء المشهود بها وتأكدها وضعفها وإمكان التوصل إلى إثباتها: فجعل في الزنا أربعة رجال لأنه غلظ فيه فجعل التغليظ من وجهين: أحدهما الجنس والآخر العدد، وجعل في القتل وغيره من حقوق الأبدان شاهدان رجلان فغلظ فيه من وجهة الجنس فقط لأنه لم يطلب
_________________
(١) في ق: وإنما.
(٢) في م: سبب نفسه.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٨١، التفريع ٢/ ٢٣٧، الرسالة: ٢٤٦، الكافي: ٤٩٦.
[ ٣ / ١٥٥١ ]
فيه من الستر ما طلب في الزنا، وجعل فيه القسامة مع اللوث لتأكد أمره لئلا يجتري الناس على الدماء.
وجعل في الأموال شهادة النساء مع الرجال لأنها أحفظ حرمة من الأبدان ودعت الضرورة في هذا الموضع أعني الولادة وما تعلق بها إلى قبول شهادتهن منفردات كما دعت إلى قبول شهادة الصبيان فيما بينهم في الجراح لأنها لو لم نقبلها لأدى ذلك إلى إضاعة دمائهم كذلك في هذا الموضع لو لم تقبل شهادة النساء في الولادة وما يجري مجرها لأدى ذلك إلى أحد أمرين ممنوعين: أما إلى إضاعة الحقوق المتعلقة بها أو إلى أنا يحضر الرجال هذه المواضع ويطلعوا على عورات النساء وذلك باطل فلم يبق إلا قبولها.
جملة ما تقبل فيه شهادة النساء منفردات ما ذكرناه من عيوب النساء التي لا يطلع عليها سواهن من الولادة والاستهلال والرضاع وما أشبه ذلك، ولا خلاف في هذا إلا في الرضاع فعندنا أنهن يقبلن فيه بانفرادهن عن الرجال، وقال أبو حنيفة (^١) لا يقبلن فيه على انفرادهن (^٢)، ودليلنا أنه لا يحضره الرجال في الغالب فجاز أن يقبلن فيه منفردات كالولادة والاستهلال، ولأنها شهادة على عورة لشهادة النساء مدخل فيه كالولادة.
فصل [١٥ - فيما ينضم إلى شهادة النساء]:
إذا ثبت أنّه لا يحتاج في ذلك إلى شهادة الرجال فعنه في شيء ينضم إلى شهادتهن روايتان: (^٣) إحداهما أنه لا يكفي في ذلك إلا أن يفشى ذلك عند الجيران أو يظهر وينشر، والأخرى أن شهادتهن مقبولة وإن لم يفشى (*).
_________________
(١) انظر مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٤/ ٥٥ - ٥٦.
(٢) في م: على الانفراد.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٨، الرسالة: ٢٤٦، الكافين: ٤٧٠. (*) هكذا بالأصل والصواب يفش.
[ ٣ / ١٥٥٢ ]
فوجه الأولى أن الرضاع وإن كان مما ينفرد به النساء فيتعلق به أحكام شرعية ولا يكاد يخفى أمره غالبا بل يظهر وينتشر ويفشو أمره ولا يكتم (^١) فإذا شهدن به ولم يكن شيء مما ذكرناه ضعفت الشهادة ودخلها التهمة.
ووجه الثانية اعتباره بسائر العورات اللاتي يقبلن فيها وهذه أصح (^٢).
فصل [١٦ - في العدد الذي يكفي من النساء في الشهادة]:
وإنما قلنا إن العدد الذي يكفي منهن اثنتان خلافًا للشافعي في قوله أربع (^٣) ولغيره في قوله ثلاث (^٤) لأن كل جنس قبلت منه شهادة في شيء على انفراد (كفى منه شخصان أصله الرجال) (^٥)، وإنما قلنا لا تكفي امرأة واحدة خلافًا لأبي حنيفة في قوله إذا كن ما بين السرة والركبة قبل فيه امرأة واحدة (^٦)، لأنها شهادة في حق فلم يثبت بشهادة شخص واحد أصله سائر الحقوق لأن شهادة الرجل آكد وأقوى من شهادة النساء فإذا لم تقبل شهادة من رجل واحد فشهادة امرأة واحدة أولى.
فصل [١٧ - في قبول شهادة المرأة في الاستهلال]:
وإنما تقبل في الاستهلال (^٧) خلافًا لمن منع ذلك (^٨) اعتبارًا بالولادة والرضاع لأنّه لا يطلع عيه الرجال في غالب الحال.
_________________
(١) في م: ولا يتكلم.
(٢) في م ور: وهذا أوضح.
(٣) انظر مختصر المزني: ٣٠٣، الإقناع: ٢٠١.
(٤) قال عثمان بن البتي يكفي ثلاث لأن كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة كما لو كان معهن رجل (المغني: ٩/ ١٥٦).
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
(٦) انظر مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٤/ ٥٦.
(٧) الاستهلال: هو خروج المولود صارخًا (المصباح المنير: ٦٣٩).
(٨) منع ذلك الإِمام أبي حنيفة وخالفه صاحباه (انظر اللباب في شرح مختصر القدوري: ٤/ ٥٦ والمغني: ٩/ ١٥٦).
[ ٣ / ١٥٥٣ ]
فصل [١٨ - في قبول الشهادة على السماع]:
وإنما قلنا إن الشهادة على السماع (^١) تقبل فيما لا يتغير حاله ولا ينتفل الملك فيه (^٢) لأن الضرورة تدعو إلى قبولها وإلا تلف الحق المشهود به لأن البينة لا تبقى على مر السنين وتطاول الأوقات وكان ثبوت الحق المشهود به مما يؤمن تغيره وزواله كالولاء الذي لا يصح نقله عن الملك بل يبقى ميراثًا وكالموت والنسب والوقف المحرم وما أشبه ذلك فجازت فيه شهادة السماع.
وصفتها أن يشهد شاهدان إنا لم نزل نسمع أن فلان بن فلان على مر السنين وتطاول الأوقات وليس للعدد (^٣) الذي يسمع منه الشهود حد محصور أكثر من ثلج النفس وثقتها إلى خبرهم فهي في معنى الخبر في المتواتر، ووجه قوله في النكاح إنها تقبل فيه أنه أمر ثابت لا يتغير إذا مات أحد الزوجين فأشبه الولاء والوقف، ووجه قوله إنه لا تقبل فيه أن أصله غير (^٤) مستقر بدليل جواز التنقل فيه فكان كالشهادة على الأملاك أنها تثبت بالسماع.
فصل [١٩ - في قبول كتاب القاضي إلى القاضي]:
وإنما قلنا إن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل وإنه يلزم المكتوب إليه تنفيذ ما فيه للضرورة إلى ذلك (^٥) لأنه لو لم يقبل لأدى إلى تلف الحق المشهود به لأن البينة التي للمدعي قد تكون بغير البلد الذي يحتاج إلى إقامتها به فلا يجوز تكليفهم السفر إليه ليشهدوا به وقد لا يكون هناك من يعرفهم بالعدالة فلم يبق إلا
_________________
(١) الشهادة على السماع: هو لقب يصرح الشاهد فيه باستناد شهادته لسماع من غير معين (حدود ابن عرفة: ٤٥٥).
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٨٧، الكافي: ٤٦٧ - ٤٦٨.
(٣) في م: للقدر.
(٤) غير: سقطت من م.
(٥) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٦، الكافي: ٥٠٠.
[ ٣ / ١٥٥٤ ]
شهادتهم في الموضع الذي هم به وكتاب الحاكم الذي يشهدون عنده إلى الحاكم الذي يحتاج إليه في إقامة الشهادة عنده بما ثبت عنده من الحق بشهادتهم وعلى ذلك مضى أمر السلف.
وإنما قلنا إنه لا يثبت إلا بشاهدين دون طابع (^١) القاضي لأنه سبب يجب به تنفيذ الحكم فوجب أن لا يكون إلا بشاهدين أصله إقرار المدعي عليه، ووجه قوله في الزنا إنه يثبت الكتابة بشاهدين أن الشهادة بالكتاب (^٢) غير الشهادة بالزنا فإذا ثبت الكتاب بشاهدين فالحد يقام بشهادة الأربعة الذين شهدوا عند الحاكم الأول، ووجه القول بأنه لا بد من أربعة أن الحد يقام بكتاب الحاكم وما يقام به الحد من الشهادة لا يكون إلا بأربعة أصله الشهادة المباشرة.
فصل [٢٠ - فيمن دفع إلى شهود كتابًا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه]:
اختلف قول مالك فيمن دفع إلى شهود كتابا مطويًا وقال اشهدوا على ما فيه هل يصلح تحملهم الشهادة أم لا وكذلك الحاكم إذا كتب كتابًا إلى حاكم وختمه وأشهد الشهود بأنه كتابه ولم يقرأ عليهم فعنه في ذلك روايتان (^٣): إحداهما أن الشهادة جائزة وإن لم يقرأ الكتاب والأخرى أنهم لا يشهدون به إلا أن يقرءوه وقت تحمل الشهادة، فوجه الجواز أنه أشهدهم على إقراره بما في الكتاب، عرفوه فصح تحملهم الشهادة أصله إذا قرآه عليهم، ولأن عمال النبي - ﷺ - كانت ترد عليهم كتبه فيعملون بما فيها من غير أن يقرءوها. واستدل القاضي إسماعيل ابن إسحق بدليل أن النبي - ﷺ - دفع كتابا إلى عبد الله بن جحش (^٤) وأمره أن
_________________
(١) طابع: هو الختم.
(٢) في ق: بالكتابة.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٧، الكافي: ٤٧٥.
(٤) عبد الله بن جحش الأسدي: الذي كانت عنده أم حبيبة -أم المؤمنين- وكان رحل إلى النجاشي فتنصر هناك حتى مات (البداية والنهاية: ٤/ ١٤٥، شذرات الذهب: ١/ ٥٤).
[ ٣ / ١٥٥٥ ]
يسير ليلتين ثم يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه (^١)، ولأن الإنسان قد يكره أن يعلم غيره ما أقر به (^٢) ويحب طي ذلك وإخفاءه فلو لم تجز الشهادة عليه إلا إذا أظهره ونشره للحق في ذلك ضرر ومشقة، ووجه المنع قوله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ (^٣) وإذا لم يقرءوا الكتابة لم يعلموا ما يشهدون به فلم تجز شهادتهم، ولقوله - ﷺ -: "إن رأيت مثل الشمس فاشهد" (^٤) ولأن الخط قد يعمل عليه ويزور فلا يؤمن ذلك في الكتاب المطوي فإذا قرأه وعرف ما فيه أمنوا الحيلة فيه.
…
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام: ٣/ ٢٨٨، طبقات ابن سعد: ٢/ ١٠، سنن البيهقي: ١١/ ١٢.
(٢) في م: ما أمر به.
(٣) سورة يوسف الآية: ٨١.
(٤) أخرجه البيهقي: ١٠/ ١٥٦، وفي إسناده محمَّد بن سليمان بن مسمول وهو ضعيف وابن عدي في الكامل: ٦/ ٢٢١٣، صححه الحاكم: ٤/ ٩٨، (انظر تلخيص الحبير: ٤/ ١٩٨).
[ ٣ / ١٥٥٦ ]
باب [شهادة الأعمى]
شهادة الأعمى جائزة في كل ما وقع له العلم به، وإنما يمنع فيما طريقه الرؤية فقط فيقبل على ما يلمسه أنه حار أو بارد أو لين أو خشن وفيما يذوقه أنه حلو أو حامض وفيما يشمه وكذلك فيما يسمعه (^١)، والدليل على ذلك أن العمى لا يؤثر في العلم بما يشهد من ذلك فكان فقد البصر كفقد غيره من الأعضاء في أنه لا يمنع قبول ما يتحمله من الشهادة به، فأما شهادته بالإقرار وما طريقه الصوت فيقبل عندنا سواء تحملها أعمى أو بصير ثم عمي خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنها لا تقبل إذا تحملها أعمى (^٢)؛ لأن الصوت طريق لمعرفة الأشخاص والتمييز بين الأعيان شرعًا وعادة: أما الشرع فدليل مالك ﵀ أن الصحابة والتابعين رووا عن أزواج النبي - ﷺ - ومعلوم أنهم سمعوا منهن من وراء حجاب وإنما كانوا يميزون بين أشخاصهن بالصوت، وقوله - ﷺ -: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (^٣)، ولم يكونوا يفرقوا بينهما إلا بالصوت، ولأن الإقدام على الفروج أغلظ من الشهادة عليه بالحقوق وقد ثبت أن الأعمى يطأ زوجته وهو لا يعرفها إلا بالصوت فدل (^٤) ذلك إجماع على أن الصوت طريق يميز به بين الأشخاص.
وأما العادة (^٥) فهي أن الأعمى إذا تكرر عليه سماع صوت زوجته وولده
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٦، الكافي: ٤٦٤.
(٢) انظر مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٤/ ٦٠، الإقناع: ٢٠٢.
(٣) سبق تخريج الحديث ص ٢٠٨.
(٤) في ق: فدليل.
(٥) العادة: سقطت من م.
[ ٣ / ١٥٥٧ ]
وصديقه وطال اجتماعه معه وكثير ألفه له وطروقه لسمعه وقع له العلم بذلك وبعد شبهه (^١) بغيره وميز بين أشخاصهم لسماعه وصار ذلك له طريقا مستمرًا لا يخالجه (^٢) فيه شك ولا ريب، وإن جاز أن يخفي عليه إذا غير صوته في بعض الأوقات فإنه إذا تبينه زال عنه الشك فحكمه في هذا حكم البصير إذا رأى الشخص في الظلمة وأنه إذا تبينه وتأمله عرفه، وكذلك لو رأى من بعد عهده به أو من كان بعهده أمرًا والتحى فإنه يشتبه عليه اشتباها إذا حقق التأمل زال عنه، وإذا ثبت ذلك صح أن الصوت طريق يميز به بين الأشخاص فقبلت شهادة الأعمى معه.
فصل [١ - شهادة الأخرس، والشهادة على الشهادة]:
شهادة الأخرس جائزة إذا فهمت إشارته (^٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤) لأن الشهادة علم يؤديه الشاهد إلى الحاكم فإذا فهم منه بطريق يفهم من مثله قبلت كالناطق إذا أداها بالصوت، ولأنها معنى يحتاج إلى النطق ليقع الفهم به فإذا تعذر النطق به جاز أن تقوم الإشارة مقامه إذا وقع الفهم بها أصله الإقرار والطلاق.
الشهادة على الشهادة جائزة وهو قول كافة الفقهاء (^٥) إلا من حكي عنه (^٦) منعها (^٧)؛ لأن عليًا ﵁ أجازها (^٨) ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا خالفه، ولأن الشهادة طريقها الأمانة كالأخبار فإذا جاز النقل في أحدهما فكذلك في الآخر، ولأن شهادة العدل علي شهادة نفسه معنى يسوغ للحاكم الحكم به فجاز أن يشهد به عنده ويحكم به إذا شهد عنده الإقرار.
_________________
(١) في ق: تنبيهه وفي ر: تشبيه.
(٢) في ق: لا يخالطه.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٢٣٦، الكافي: ٤٦٤.
(٤) انظر شرح فتح القدير: ٦/ ٢٨، حاشية قليوبي وعميرة: ٣/ ١٧٧.
(٥) انظر المغني: ٩/ ٢٠٦.
(٦) حكي ذلك عن داود (الإشراف: ٢/ ٢٩٤).
(٧) في ق: عنهم.
(٨) انظر عبد الرزاق: ٨/ ٣٣٩، المحلي: ١٠/ ٦٤٨.
[ ٣ / ١٥٥٨ ]
فصل [٢ - في جواز الشهادة على الشهادة في الحقوق والحدود كلها]:
وتجوز في الحقوق والحدود كلها (^١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله إنها لا تجوز في القتل ولا في الحدود (^٢) ولأنه حق مشهود به فجاز أن تسمع فيه الشهادة على الشهادة كسائر الحقوق.
فصل [٣ - في حكم ما إذا شهد اثنان على شهادة اثنين]:
إذا شهد اثنان على شهادة اثنين فإن شهد كل واحد منهما على شهادة كل واحد من الشاهدي الأصل قبلت (^٣) الشهادة، وإن شهد واحد على شهادة واحد وآخر لم تقبل (^٤) لأن شهادة كل واحد معنى يثبت عند الحاكم فلا يثبت بأقل من اثنين، وقد ذكرنا الخلاف في نقل الشهادة على الشهادة في الزنا وفي كتاب القاضي إلى القاضي بالزنا (^٥).
فصل [٤ - في كفاية شهادة اثنين على اثنين]:
ويكفي أن يشهد اثنان على اثنين، وقال عبد الملك ولا يحوز إلا أن يشهد على الآخر اثنان سوى الاثنين الذين شهدا (^٦) على الأول وهو أحد قولي الشافعي (^٧)، وإنما قلنا ذلك لأن شهود الفرع نقلوا (^٨) عن شهود الأصل والحق يثبت بشهود الأصل فصار الشاهدان كأنهما يشهدان بحقين فلم يحتج إلى غيرهما.
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٨٣، التفريع: ٢/ ٢٤٠، الكافي: ٤٦٦.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٣٣٣، مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٤/ ٨٦.
(٣) في م: ثبتت.
(٤) انظر المدونة: ٤/ ٨٣ - التفريع: ٢/ ٢٤٠، الكافي: ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٥) بالزنا: سقطت من م.
(٦) في ق: شهدوا.
(٧) انظر مختصر المزني: ٣١١ - ٣١٢، الإقناع: ٢٠٣.
(٨) في م: نقله.
[ ٣ / ١٥٥٩ ]
فصل [٥ - رجوع الشهود عن شهادتهم]:
إذا رجع الشهود عن شهادتهم بعد أن شهدوا وقبل حكم الحاكم، قبل رجوعهم ولم يحكم بتلك الشهادة في كل شيء شهدوا به وكذلك إن رجع بعضهم (^١) خلافًا لمن قال إنه يحكم ولا يلتفت إلى رجوعهم (^٢) لأن الحكم إنما يكون بشهادة يثبت عليها ورجوعهم عنها يجعلهم بمنزلة من لم يشهد فيصير الحكم للثاني من قوليهما دون المرجوع عنه كالحاكم إذا اجتهد ثم بان له الخطأ قبل تنفيذ الحكم.
فصل [٦ - رجوع الشهود بعد استيفاء الحكم]:
فإن رجعوا بعد استيفاء الحكم لم ينتقض برجوعهم ثم لا يخلو المشهود به أن يكون مالًا أو طلاقا أو قتلًا أو حدًّا، ولا يخلو رجوعهم أن يكون إخبارا عن غلط أو تعمد كذب (^٣) فمن شهد بمال فلما حكم به قالا غلطنا في الشهادة لم ينتقض الحكم ولم يرجع على من أخذ المال ويغرمانه للمشهود عليه، وإن رجع أحدهما غرم نصف الحق وقال عبد الملك في الغلط لا يرجع عليهما بشيء.
وإن قالا تعمدنا الكذب رجع عليهما بغير خلاف وكذلك لو رجع أحدهما بإكذاب نفسه غرم نصف المال، فإن شهدا بقتل أو قطع ثم رجع أحدهما أو كلاهما بعد الآخر غرمًا الدية إن كان غلط وإن كان عن عمد يقتص (^٤) منهما (ويغرمان الدية أيضًا هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب يقتص منهما) (^٥) في العمد وإن رجع أحدهما فعلى الخلاف الذي ذكرناه.
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٠، الكافي: ٤٧٦.
(٢) حكي عن أبي ثور أنه شذ عن أهل العلم وقال يحكم بها (المغني: ٩/ ٢٤٥).
(٣) كذب: سقطت من م.
(٤) في ر: لا يقتص.
(٥) ما بين قوسين سقط من م.
[ ٣ / ١٥٦٠ ]
وإن شهدا بطلاق ثم رجعا لم يغرما للزوج الصداق، فإن شهدا أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فاغترمه الحاكم نصف الصداق ثم رجعا غرما النصف الذي غرمه، ولو شهدا على دخوله بزوجته عنده وهو مقر بالنكاح (^١) منكر للدخول ثم رجعا عن شهادتهما غرما نصف الصداق، ولو شهدا أنه أعتق عبدا له ثم رجعا عن شهادتهما (^٢) غرما قيمته، ولو كانت الشهادة بتنجيز (^٣) عتق مكاتب غرما قيمة كتابته أو ما بقي منها فإن شهدا بإعتاق أم ولد فلا غرم عليهما.
فصل [٧ - في القول بأن رجوعهم بعد استيفاء الحق لا ينتقض به الحكم]:
وإنما قلنا إن رجوعهم بعد استيفائهم (^٤) الحق لا ينقض به الحكم خلافًا لمن حكي عنه ذلك (^٥) لأن رجوعهم إن كان إكذابًا لهم لأنفسهم فذلك تفسيق منهم لأنفسهم والحكم لا ينقض بقول فاسق وإن كان عن غلط فيجوز أن يكونوا غلطوا في الثاني فلا يقبل قولهم وقد تعلق بالأول حق للمشهود له فلم يجز إبطاله بدعواهم.
فصل [٨ - في غرامه ما رجع عليه الشهود]:
وإنما قلنا إنهم يغرمون ما أغرم المشهود عليه من المال خلافا لعبد الملك في منعه ذلك بالغلط (^٦) لأنهم في العمد مقرون بإتلاف مال غيرهم لأنهم اضطروا الحاكم إلى أن أغرمه ما شهدوا به فلزمهم غرمه، وقلنا ذلك في الغلط لأنهم بإتلافهم كالعمد، وقلنا في رجوع أحدهما أنه يغرم النصف لأن الإتلاف
_________________
(١) في م: بالطلاق.
(٢) شهادتهما: سقطت من م.
(٣) بتنجيز: سقطت من م.
(٤) في م: بعد استيفاء.
(٥) حكى ذلك عن سعيد بن المسيب والأوزاعي: (المغني: ٩/ ٢٤٩).
(٦) انظر المدونة: ٤/ ٨٣، التفريع: ٢/ ٢٤٠، الكافي: ٤٦٧.
[ ٣ / ١٥٦١ ]
لم يكن به وحده ولزم قدر ما أتلف بشهادته كالمشتركين في قتل خطأ يلزم كالواحد منهم من الدية بقسطه وكذلك المخطيء مع العامد يلزم المخطئ نصف الدية.
فصل [٩ - في الرجوع عن الشهادة بقتل أو قطع]:
وإنما قلنا في الرجوع عن الشهادة بقتل أو قطع أنه إن كان ذلك بغلط غرما الدية لما قدمناه، لا يقتص منهما لأن القصاص لا يكون إلا في العمد المحض.
ووجه القول أنه لا يقتص منهما في العمد أن شهادتهما سبب لا مباشرة فلا يجب بها القود، ولأنه غير ملجيء لأن الحاكم قد كان يمكنه أن ينعزل (^١) فلا يحكم.
ووجه إيجاب القود ما روي عن علي رضوان الله عليه أنه جاءه شاهدان فقالا: نشهد أن هذا سرق فقطعه ثم جاآه بآخر فقالا أوهمنا هو هذا فرد قولهما الثاني، وقال: لو أعلمكما تعمدتما لقطعتكما (^٢)، ولم يحفظ خلاف عليه ولأن الشهود إذا كان ظاهرهم العدالة وأدوا الشهادة إلى الحاكم لزمه الحكم بشهادتهم في حقوق الله ولمن (^٣) يطلبه إذا ثبت له من الآدميين فقد صار ملجأ بشهادتهما فكان الشاهد (^٤) كالمكره لغيره على القتل ويلزمه القود ولا يجب على هذا أن يكون على الحاكم القود كالمكره لأن القاتل مكرها مباشر بما لم يكن له أن يباشره، والحاكم لم يباشر قتلًا محرما وإنما باشر أمرًا أوجبته الشريعة فاقترقا.
وإنما قلنا إنهما إذا شهدا بطلاق قبل الدخول أو بعده ثم رجعا فلا غرم عليهما
_________________
(١) في ق: أن يقول.
(٢) أخرجه البيهقي: ١٠/ ٢٥١.
(٣) في ق: ولما.
(٤) في م: المشهود.
[ ٣ / ١٥٦٢ ]
خلافًا للشافعي في قوله يرجع عليهما بمهر المثل أو بكمال المهر (^١) لأن بالدخول قد استحق عليه المهر كاملا وبالعقد نصفه وإن كان لم يدخل لم يتلفا على الزوج شيئًا بشهادتهما فلا يلزمهما غرم.
فصل [١٠ - في رجوع الشهود بالزوجية وبالطلاق]:
وإنما قلنا إنهما إذا شهدا بالزوجية وبالطلاق قبل الدخول ثم رجعا فإنهما يغرمان نصف المهر لأنهما قد أتلفاه عليه بشهادتهما فلزمهما غرمه اعتبارًا بشهادة المبتدأة بالمال ويفارق الأول لأن المهر كان مستحقًا عليه بالعقد الثابت.
فصل [١١ - في رجوع الشهود بزوجة يقر بنكاحها]:
وإنما قلنا إنهما إذا شهد بدخوله بزوجة يقر بنكاحها ثم رجعا فإنهما يغرمان نصف الصداق فلأن ذلك القدر هو الذي أتلفاه بشهادتهما لأن النصف مستحق عليه بالعقد فلم يتلفاه عليه لما قدمناه، والثاني لا يستحق إلا بالدخول والدخول لم يثبت إلا بقولهما فإذا رجعا عن الشهادة فقد اعترفا أنهما أتلفاه عليه فيلزمهما غرمه.
فصل [١٢ - في رجوع الشهود بعتق عبده]:
وإنما قلنا إنهما إذا شهدا عليه بعتق عبده ثم رجعا أنهما يغرمان قيمته لأنهما أتلفاه عليه فيلزمهما غرم قيمته كما لو شهد عليه بمال لرجل، وقلنا في المكاتب يغرمان الكتابة لأنها المتلفة دون الرقبة، وقلنا في أم الولد لا يغرمان لأنهما لم يتلفا بشهادتهما إلا الاستمتاع ولا قيمة لذلك.
فصل [١٣ - إذا حكم بشهادة شهود ثم قامت بينة بعد ذلك بفسقهم]:
إذا حكم الحاكم بشهادة شهود ثم قامت بعد الحكم بينه بفسقهم فلا ضمان عليه فيما أتلف بشهادتهم ولو قامت بينه برقهم أو كفرهم ضمن، والفرق أن
_________________
(١) انظر مختصر المزني: ٣١٢، المهذب: ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٢.
[ ٣ / ١٥٦٣ ]
العدالة والفسق طريقهما الاجتهاد وإذا انفرد الحاكم (^١) باجتهاد لم ينقض باجتهاد مثله، وليس كذلك الحكم بشهادة العبيد والكفار (^٢) لأن ذلك لا اجتهاد فيه إذ لا يخفي الكفر والرق لأنهما خلافه أمر ظاهر فالحكم مع ذلك مقصر في اختبار (^٣) حال الشهود فضمن الحاكم بتفريطه.
…
_________________
(١) في م: وإذا نفذ الحكم.
(٢) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٠ - الكافي: ٤٦٥.
(٣) في م: تقصير اختيار وفي ق: اجتهاد.
[ ٣ / ١٥٦٤ ]
باب [- في الدعوى والبينات]
إذا تداعى (^١) رجلان شيئًا فالتقسيم يرجع إلى ثلاثة أشياء، أحدها إلى اليد والثاني إلى البينة والثالث إلى صفة الدعوى، فأما حكم اليد فينظر فإن كانت الدعوى متساوية مثل أن يدعي كل واحد جميعه فإن لم يكن في أيديهما وكان في يد من لا يدعيه لنفسه لم يحكم لأحدهما إلا ببينة فإن أقام أحدهما بينه حكم له به، وإن أقام الآخر بينة نظر إلى أعدل البينتين فحكم به فإن تساويا في العدالة (^٢) عرضت اليمين عليهما فإن نكل أحدهما حكم للحالف وإن حلفا قسم بينهما وإن نكلا تركا على ما كانا عليه، وإن كان ذلك الشيء في أيديهما فالحكم فيه مثل مالوا لم يكن في أيديهما سواء.
وإن كان في يد أحدهما فهو أولى به من المدعى الذي لا يد معه فيحكم له به مع اليمين، فإن نكل حلف المدعي وحكم له به وإن نكل أقر على (^٣) يد من هو في يده فإن أقام المدعي بينة فالبينة أولى من اليد ..
وإن أقام صاحب اليد بينه حكم بأعدل البينتين فإن تساويا سقطتا وكان صاحب اليد أولى، وسواء كانت الدعوى في ملك مطلق غير مضاف إلى سبب (أو في مضاف إلى سبب) (^٤) يتكرر أو لا يتكرر فالمطلق أن يقيم بينة بأن (هذا العبد ملكه وأن) (^٥) هذا الشيء له هكذا مطلقا، وغير المطلق هو المضاف إلى سبب
_________________
(١) في ق: إذا تداعيا.
(٢) في العدالة: سقطت من ق.
(٣) في ق: عليه.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٥٦٥ ]
وهو أن يبين سبب الملك مثل أن يقيم بينة بأن هذا العبد ملكه ولد في ملكه وأن هذه الدابة نتجت في ملكه وأن هذا الثوب ملكه (^١) نسج في ملكه، ثم هذا السبب على ضربين متكرر يمكن أن يتكرر في الملك مثل الغراس إذا قال كل واحد منهما غرسته في ملكي فهذا يمكن أن يتكرر بأن يغرس دفعتين وكذلك نسج الثوب الخز على ما يقوله أهل صنعته يمكن أن ينسج دفعتين، ومنه ما لا يمكن تكراره كالولادة والنتاج ونسج لثوب القطن.
وأما التقسيم على البينة فهو أن يقال إذا تداعى رجلان شيئًا فلا يخلو أن يكون مع كل واحد بينة أو لا بينة أو مع أحدهما أو أن تكون البينة مع أحدهما ولا بينة مع الآخر فإن أقام كل واحد منهما بينة نظر إلى أعدلهما فحكم به، وإن تساويا عرضت الأيمان عليهما فإن حلفا حكم به لصاحب اليد (منهما أو قسم بينهما إن لم يكن يدا وكان في أيديهما، وإن لم تكن مع أحد منهما بينة عرضت الأيمان عليهما فإن حلفا قسم بينهما، (وإن كان مع أحد منهما يد كان لصاحب اليد) (^٢)، وإن كان مع أحدهما بينة ولا بينة مع الآخر حكم به لصاحب البينة سواء كان صاحب اليد أو الخارج إلا أن صاحب اليد لا يكلف بينة ابتداء لأن اليد مغنيه عنها) (^٣).
وأما التقسيم (^٤) على صفة الدعوه لا يخلو أن تكون الدعوى متساوية أو مختلفة (^٥): فإن كانت متساوية فالحكم على ما ذكرنا، وإن كانت مختلفة مثل ثوب أو كيس (^٦) يدعي أحدهما جميعه ويدعي الآخر نصفه، أو يكون بين ثلاثة يدعي أحدهم كله والآخر نصفه ويدعي الثالث ثلثه فإن تقسيم اليد والبينة
_________________
(١) ملكه: سقط من م.
(٢) ما بين قوسين سقط من ق ومن م.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
(٤) في م: اليمين.
(٥) في ق: مختلطه.
(٦) في ق: كبش.
[ ٣ / ١٥٦٦ ]
على ما قدمناه لا يخلو أن يكون في أيديهم أو في يد غيرهم ممن لا يدعيه لنفسه أو في يد أحدهم، ثم لا يخلو أن يكون مع أحدهم بينة أو أن يكون مع كل واحد منهم بينة: فإن كان مع أحدهم بينه حكم له به كان في يده أو في أيديهم أو في غيرهم، وإن كان مع كل واحد منهم بينة حكم بأعدلها أو لا بينة لهم جميعًا عرضت الأيمان عليهم ثم قسم بينهم، فإن لم يكن في أيديهم قسم على موجب دعواهم، وإن كان في أيديهم فاختلف في ذلك على وجهين: أحدهما أنه يقسم على عددهم والآخر على موجب دعواهم على ما نبينه من بعد ونحن نتكلم على تفصيل الجملة (^١) وموضع الخلاف منها.
فصل [١ - أدلة الحكم فيما إذا لم يكن الشيء المدعى عليه في أيديهما أو كان في يد من لا يدعيه]:
وإنما قلنا إنه إذا لم يكن الشيء المدعى عليه في أيديهما أو كان في يد من لا يدعيه لنفسه أو لم يكن في يد أحد فإنه لا يحكم به لأحدهما إلا ببينة لقوله - ﷺ -: "لو أعطي الناس بدعاويهم لادعى قوم دم قوم وأموالهم" (^٢)، وقال للمدعي "شاهداك أو يمينه" (^٣)، ولأنهما متساويان في الدعوى لا يرجع أحدهما على الآخر فلم يكن أولى منه.
فصل [٢ - في الحكم لمن أقام البينة منهما]:
وإنما قلنا إن من أقام البينة منهما حكم له به لقوله - ﷺ - "البينة على
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: الموطأ: ٢/ ٧٢٥ - ٧٢٦، المدونة: ٤/ ٩٢ - ٩٨، التفريع: ٢/ ٢٤٢، الرسالة: ٢٤٦ - ٢٤٧، الكافي: ٤٧٨ - ٤٨٤.
(٢) أخرجه مسلم في الأقضية باب اليمين علي المدعى عليه: ٣/ ١٣٣٦.
(٣) أخرجه البخاري في الرهن باب إذا اختلف الراهن والمرتهن: ١/ ١٢٣، ومسلم في الأيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم: ١/ ١٢٢.
[ ٣ / ١٥٦٧ ]
المدعي" (^١)، وقوله "شاهداك أو يمينه" (^٢) ولأنه قد أتى بالسبب الدال على صدقه فيما ادعاه فوجب الحكم به له، وإنما قلنا إن الآخر إذا أتى ببينة نظر إلى أعدلهما فرجحت على الأخرى، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الزيادة في العدالة لا يقع بها ترجيح (^٣)، لأن الشهادة تقف صحتها على العدالة وهي مبنية (^٤) على الاجتهاد فكانت الزيادة فيها مطلوبة لأنها أبلغ في التوثيق وأقرب إلى صحة ما يشهد به، ولأن الشهادة أقوى من الخبر لأنه نص فيها على العدد فلم يقبل فيها قول العبد ولا المرأة بانفرادهما وفي الخبر لم ينص على عدد ولم يمنع في العبد ولا المرأة، ثم كانت صفة العدالة يقع بها الترجيح في الخبر فمن كان (أعدل وأوثق كان) (^٥) أولى بأن يصار إلى خبره كان في الشهادة أولى ولا يلزم على ما قلناه زيادة لأنه منصوص عليه فأغنى عن الاجتهاد.
فصل [٣ - إذا تساويا في الشهادة]:
وإنما قلنا إذا تساويا في العدالة سقطتا لأن إحداهما ليست بأولى من الأخرى فكانا كمن لا بينة معهما، وإنما قلنا تعرض الأيمان عليهما فلأن اليمين أحد الحجج للمدعي، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم به للحالف لأنه قد ساوى صاحبه بالبينة وزاد عليه باليمين فكان أرجح منه، وإن حلفا قسم بينهما لأن التقادم إذا وجد لم يكن أحدهما أولى من الآخر لتساويهما فيما يقتضي الحكم به لمن يثبت له فلم يبق إلا ما قلناه، وقد قال مالك إلا أن يكون ذلك
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير باب ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم﴾: ٥/ ١٦٦ ومسلم في الأقضية باب في اليمين على المدعى عليه: ٣/ ١٣٣٦.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) انظر مختصر الطحاوي: ٣٢٨، مختصر المزني: ٣١٢ - ٣١٣، المهذب: ٢/ ٣٣٤.
(٤) في ق: ويمين عليه.
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٥٦٨ ]
الشيء شيئًا (^١) مما يرى الإِمام أن يقف الحكم فيه فلا يقسم بينهما والنظر هو الأول، وإنما قلنا إنهما إذا نكلا تركا على ما كانا عليه فلأن تساوي (^٢) البينتين يمنع الحكم مع إحداهما، وإنما عرضنا الأيمان عليهما ليرجع أحدهما فيحكم له فأما إذا لم يوجد ذلك فقد أضعفا دعواهما فتركا على ما كان عليه.
فصل [٤ - إذا كان الشيء المدعى في أيديهما]:
وإنما قلنا إن الشيء المدعى إذا كان في أيديهما فالحكم فيه مثل ما قدمناه فإنه لا رجحان لأحدهما على الآخر لأن اليد وإن كان الترجيح يقع بها لمن (^٣) حصلت له فقد تساويا فيها فكان كتساويهما في البينة.
فصل [٥ - إذا كان الشيء المدعى في يد أحدهما]:
وإنما قلنا إن كان في يد أحدهما كان أولى من المدعي الذي لا بينه له مع يمينه لأن اليد ظاهرها يدل على الملك فقد حصل أقوى سبب من المدعي فكانت البينة على الخارج.
وإنما كانت اليمين على صاحب اليد لأنَّه مدعى عليه وقد قال - ﷺ - "اليمين على المدعى عليه" (^٤)، ولأنه أقوى سببا باليد والحيازة واليمين تكون في جنبه أقوى المتداعين سببا، وإنما لم يحكم له بمجرد اليد دون اليمين لأن السبب الواحد لا يحكم به دون أن ينضاف إليه غيره كالشاهد الواحد.
فصل [٦ - إذا نكل المدعى عليه]:
وإنما قلنا إنه إذا نكل انتقلت اليمين (إلى جنبة المدعى لأن سببه قد ضعف بنكوله فصار المدعى أقوى سببا منه فانتقلت اليمين إلى جهته) (^٥) كما أن
_________________
(١) شيئًا: سقطت من م.
(٢) في م: تهاتر.
(٣) في ق: أن.
(٤) سبق تخريج الحديث ١٥٦٨.
(٥) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٥٦٩ ]
المدعى عليه يكون اليمين في جنبته لقوه سببه ببراءة الذمة في الأصل وإذا كان مع المدعي شاهد انتقلت اليمين إليه لقوة سببه.
إنما قلنا إنه إذا حلف المدعي حكم له به لأنه قد اجتمع له سببان يمينه ونكول خصمه وذلك مؤثر في الحكم، وإنما قلنا إنه إذا نكل أقر صاحب اليد لأن نكوله (^١) أضعف دعواه وصار كأنهما لم يتأتيا بشيء ورجح الآخر عليه باليد.
فصل [٧ - إذا كان للمدعي بينة]:
إنما قلنا إذا كان للمدعي بينة كانت أولى من اليد لأنها أرجح منها لأن البينة تشهد بما لا تشهد به اليد لأن اليد مبهمة (^٢)، والبينة مفسرة، وإنما يحكم لليد بالظاهر ولقوله - ﷺ -: "البينة على المدعي" (^٣) ولم يفرق، وفائدة ذلك أنه إذا أقامها حكم له بها.
وإنما قلنا إن صاحب اليد إذا أقام بينة رجح بأعدل البينتين لما بيناه أن الغرض بالبينة العدالة والحكم بها موقوف على حصولها فوجب الترجيح بالزيادة فيها.
فصل [٨ - إذا تساوى المدعيان]:
وإنما قلنا إنهما إذا تساويا حصل التهاتر وحكم به لصاحب اليد خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن بينة الخارج أولى إذا كانت في مال مطلق أو مضاف إلى سبب يتكرر (^٤) لما روي أن رجلين تداعيا عند النبي - ﷺ - بعيرا فجاء هذا ببينة فقضى به
_________________
(١) في م: وحصول.
(٢) في م: متهمة.
(٣) سبق تخريج الحديث ١٥٦٨.
(٤) انظر مختصر الطحاوي: ٣٥٣ - ٣٥٤، مختصر القدوري- مع شرح الميداني-: ٤/ ٣٢ - ٣٤.
[ ٣ / ١٥٧٠ ]
لمن هو في يده (^١)، ولأنها متداعيان يتساويا في إقامة البينة وانفراد أحدهما باليد فوجب أن تقدم بينته لأجل اليد أصله الدعوى في الملك المضاف إلى سبب لا يتكرر كالولادة والنتاج (^٢)، ولأن كل واحد منهما مساو لصاحبه في الدعوى قبل البينة إلا أن صاحب اليد أقوى وأرجح بثبوت يده على الشيء المدعي فلما انفرد بذلك قوي أمره فقدم على المدعي لرجحانه باليد، وهذه حالهما بعد البينة لأنهما قد تساويا فيها وسقطتا وصار كأنهما لم يكونا فانفرد صاحب اليد بيده كما كان قبل البينة، وإنما عرضنا الأيمان عليهما بعد تهاتر البينتين اعتبارًا بحال الابتداء.
فصل [٩ - الاختلاف في الدعوى]:
فأما اختلاف الدعوى مثل أن يتداعى رجلان ثوبا أو كبشًا (^٣) وهو بأيديهما يدعي أحدهما الكل والآخر النصف أو ثلاثة ويدعى الثالث الثلث فقد ذكرنا أن أصحابنا يختلفون في كيفية قسمته بينهم فمنهم من يقول تقسم بينهم على عدد المدعين (^٤) بالتسوية ومنهم من يقول يقسم بينهم على صفة اختلاف الدعوى.
وصورة القول الأول أن يتداعى رجلان كبشًا أو ثوبًا وهو بأيديهما يدعي أحدهما الكل والآخر النصف فيكون بينهما نصفين وكذلك إن ادعاه ثلاثة يدعى الثالث الثلث يكون بينهم أثلاثا، وصورة الحكم على موجب الاختلاف في الدعوى في المسألة الأولى أن يحكم لمدعي الكل بثلاثة أرباع المدعى ولمدعي النصف بربعه فيقسم بينهم على أربعة أسهم.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني: ٤/ ٢٠٩، والبيهقي: ١٠/ ٢٥٦، وإسناده ضعيف (تلخيص الحبير: ٤/ ٢١٠). وقال صاحب مجمع الزوائد: ٣/ ٢٠٦، ورواه الطبراني في الكبير ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(٢) في ق النكاح.
(٣) م: كيسا.
(٤) في م: المتداعين.
[ ٣ / ١٥٧١ ]
وفي المسألة الثانية إذا ادعى أحدهم الكل والثاني النصف والثالث الثلث يقسم بينهم على ستة وثلاثين جزءًا (^١) منها لمدعي الكل خمسة وعشرون ولمدعي النصف سبعة ولمدعي الثلث أربعة أسهم، واحتج من ذهب إلى القول الأول بأنهم متساوون (^٢) في أسباب الحكم والترجيح لأنهم قد تساووا في اليمين وفي الحيازة لأن مدعي الأكثر مساو لمدعي الأقل في اليد، وإنما يزيد عليه بالدعوى وذلك لا يوجب زيادة في الحيازة، وإذا لم يكن معهم ما يرجح به أحدهم على الآخر وجب تساويهم في القسم فأما إذا لم يكن في أيديهما فعلى موجب الاختلاف.
واحتج من ذهب إلى القول الثاني بأن قال إذا ادعى أحدهما الكل وادعى الآخر النصف فمدعي النصف مقر بأنه لا حق له في النصف الآخر فصار النصف الذي يدعيه كان كمدعي الكل قد حازه وليس أحد يخاصمه فيه فيكون له ويصير التداعي في النصف الباقي فيقسم بينهما لتساويهما في حيازته، وكذلك في المسألة الثانية يقال لمدعي النصف ومدعي الثلث أنتما مقران بأن بالنصف الباقي لا حق لكما فيه فسلماه إلى مدعيه إذ لا خصومة بينكما وبينه فيه فيصير النصف لمدعي الكل (ويحصل التداعي بين مدعي النصف ومدعي الثلث) (^٣) فيقال لمدعي الثلث أنت معترف بأن السدس الزائد على الثلث لا حق لك فيه فسلمه إلى من يدعيه فيصير بين مدعي الكل وبين مدعي النصف وأيديهما متساوية فيه فيقسم بينهما نصفين فيصير لمدعي الكل سبعة أسهم من اثنى عشر سهما ولمدعي سهم من اثنى عشر بهما ثم يبقى الثلث وهم يتداعونه بالسوية وأيديهم عليه متساوية فيقسم بينهم على موجب دعواهم بالسوية فيكون لكل واحد سهم وثلث (فيصير لمدعي الكل ثمانية وثلث من اثنى عشر سهمًا ويصير لمدعي النصف سهمان وثلث من اثني عشر سهمًا، ولمدعي الثلث سهم وثلث) (^٤) فيضرب في مخرج
_________________
(١) في م: سهما.
(٢) في ق: متساويان.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٥٧٢ ]
الكسر لتسلم السهام فيكون سته وثلاثين وكذلك الاعتبار في اختلاف التداعي في الأنصباء.
ومن أصحابنا من يقول في التداعي إذا اختلف ما يدعيه كل واحد منهما أنهما إذا أجمعت الدعاوى فكانت زيادة على المال كالعول قسم بينهم على موجب العول فضم الدعوتين ثم ينظر إلى ما اجتمع بيده فجعل النصاب الذي يقسم عليه وهذا على القول بأن القسم موجب الدعوى وبيانه: إذا تداعى رجلان ثوبًا وادعى أحدهما جميعه والآخر نصفه يكون كأن المسألة عالت بالنصف فيكون من ثلاثة لمدعي الكل الثلثان ولمدعي النصف الثلث.
(وإذا ادعى أحدهما الكل والآخر النصف والآخر الثلث) (^١): قسم المدعي بينهم على أحد عشر سهما لمدعي الكل ستة، ولمدعي النصف ثلاثة، ولمدعى الثلث اثنان قال: لأنهم إذا تساووا في اليد وضاق المال على الدعاوى لم يكن أحدهم بأولى من الآخر فيجب أن يتساووا في النقص (^٢).
فصل [١٠ - إذا تداعيا ثوبًا بأيديهما]:
ولو تداعيا ثوبًا بأيديهما فقال أحدهما: لي نصفه، والنصف الثاني لزيد، وقال الآخر لي نصفه، ونصفه لزيد ولا شيء لك فيه: قسم بينهما لأن كل واحد منهما يقر للغائب بنصيب الآخر الذي قد حازه فلا يكون للمقر له شيء (^٣).
فصل [١١ - فيمن ادعى تزوج امرأة تزويجا صحيحا]:
إذا ادعى أنه تزوج امرأة تزويجًا صحيحًا سمعت دعواه ولم يكلف أن يذكر شرائط النكاح (^٤) خلافًا لأحد قولي الشافعي في قوله إن الدعوى لا تسمع إلا
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) في جملة هذه الأحكام انظر المدونة: ٤/ ٩٧ - ٩٨، التفريع: ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣، الكافي: ٤٨١ - ٤٨٢.
(٣) انظر المراجع السابقة.
(٤) انظر الكافي: ٤٨٠.
[ ٣ / ١٥٧٣ ]
بأن يذكر شروط الصحة فيقول تزوجتها بولي وشهود عدول بإذنها إن كانت ممن تستأذن (^١)، ودليلنا أنه دعوى عقد صحيح فوجب استماعها أصله إذا ذكر (^٢) شروط صحتها، ولأنه عقد معاوضة فوجب أن يسمع الدعوى فيه على الصحة مجملة من غير اعتبار بذكر شروط الصحة أصله البيع.
فصل [١٢ - إقرار أحد الابنين بمن ادعى دينا على أبيهم الميت]:
إذا مات رجل وترك ابنين فادعى رجل على الميت دينا فأقر له أحدهما فإن كان ممن تقبل (^٣) شهادته (وشهد له به حلف المدعي واستحق جميع الدعوى وإن كان ممن لا) (^٤) تقبل شهادته ولكنه لم يكن يشهد لزمه نصف ما اعترف له به وهو مقدار ما كان نصيبه لو اعترف الابن الآخر أو قامت له بينة (^٥) وقال أبو حنيفة يلزم المقر الإرث في حصته (^٦).
وإنما قلنا إنه إن شهد به لزم مع اليمين جميع الدعوى لأنها دعوى مال فقبل فيها الشاهد مع اليمين كسائر الدعاوي، وإنما قلنا إن شهادة الابن مقبولة لأن شهادة الأخ على أخيه مقبولة فيما يتعلق بدفع معرة عن الشاهد أو الأخ، ولأن التهمة عنه زائلة في ذلك، وإنما قلنا إنه يلزمه بإقراره لأنه مقر بأن غيره يستحق ما لا في يده فلزمه دفعه إليه.
وإنما قلنا إنه لا يلزم الآخر شيء بإقرار أخيه لأن إقرار الإنسان (^٧) على غيره غير مقبول، وإنما قلنا لا يلزم المقر أكثر من قدر ما كان يلزمه لو أقر الآخر لأن
_________________
(١) انظر الإقناع: ١٩٨.
(٢) في ق: إذا أنكر.
(٣) في ق: ممن لا تقبل.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) انظر المدونة: ٤/ ١٠٤، الكافي: ٤٥٩، ٤٨١.
(٦) انظر مختصر القدوري- مع شرح الميداني: ٢/ ٨٧.
(٧) الإنسان: سقطت من ق.
[ ٣ / ١٥٧٤ ]
إقراره عليه وعلى أخيه فلم يلزم ظلم غيره، ولأنه معنى يستحق في المال مقدم على الميراث فوجب إذا اعترف به بعض الورثة أن تلزمه في حصته دون حصة من لم يعرف أصله الوصية.
فصل [١٣ - اختلاف الزوجين في متاع البيت]:
إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فادعى كل واحد منهما أنه له ولا بينة لهما ولا لأحدهما نظر: فإن كان من متاع النساء فهو للمرأة مع يمينها، وإن كان من متاع الرجال فهو للرجل مع يمينه، وقال سحنون ما يعرف لأحدهما فهو له بغير يمين وما كان يصلح لهما جميعًا فهو للرجل مع يمينه، وقال المغيرة هو بينهما بعد أيمانهما وسواء كان اختلافهما قبل الطلاق أو بعده كانت الدار بينهما أو لأحدهما أو بكراء كان الاختلاف منهما أو ورثتهما أو من ورثة أحدهما مع حياة الآخر كانا حرين أو عبدين أو إحداهما كانت الزوجة مسلمة أو ذمية.
والمتاع الذي يصلح للنساء كالحلي وثياب النساء والغزل والجهاز والمتاع والذي يصلح للرجل كالسيف والدرع والرمح وسائر السلاح وثياب الرجل وكتب العلم والأدب، والذي يصلح لهما جميعًا كالدراهم والدنانير وغير ذلك مما لا يختص في العرف بأحدهما سواء كانت أيديهما عليه شاهدة مثل أن يكونا قابضين عليه حكما مثل خشب موضوعة في الدار (^١).
ووافقنا أبو حنيفة في ذلك كله إلا في الذي يصلح لهما فإنه فرق في ذلك بين الرجل إذا كان حيا أو ميتا فقال: إن كان حيا فهو له وإن كان ميتا فهو للمرأة (^٢)، وقال الشافعي من أقام البينة علي شيء فهو له وإلا كان بينهما بعد أيمانهما (^٣).
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ٤/ ٩٧، الكافي: ٤٨٢.
(٢) انظر مختصر الطحاوي: ٢٢٨، مختصر القدوري- مع شرح الميداني-: ٤/ ٥٠.
(٣) انظر الأم: ٥/ ٩٥، مختصر المزني: ٣١٨، الإقناع: ١٩٨.
[ ٣ / ١٥٧٥ ]
فصل [١٤ - في أن ما يصلح لأحدهما يكون له]:
وإنما قلنا إن ما يصلح لأحدهما يكون له لأن اليد لما كانت مؤثرة في الملك ودلت عليه بدليل أن من ادعى عمامة على رأس رجل فإن القول قول من هي عليه، وقد ثبت أن لكل واحد من الزوجين يدا في الدار بدليل أن أجنبيًّا لو أدعى بعض ما فيه فتنازعاه أو أحدهما فيكون القول قوله دون الأجنبي فوجب إذا تنازعا أن يعتبر أظهرهما في الدعوى ومن يشهد له العرف بقوة دعواه وقد ثبت أن اليد تتفاضل فيكون بعضها أقوى من بعض كالراكب والممسك باللجام، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون أقوى اليدين أولاهما بالمدعى لشهادة العرف له.
ولا يلزم عليه الدباغ والعطار إذا تنازعا فادعى الدباغ المسك وادعى العطار الجلود لأن أيديهما غير متساوية وقد ورد الظاهر والسنة بما قلناه وهو قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ (^١)، وقوله ﷿ في قصة يوسف ﵇ (^٢) ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ (^٣) فجعل قوة دعوى كل واحد منهما على ما يشهد عليه الغالب فكذلك في مسألتنا الغالب والعرف أن النساء يتخذن ما يصلح لهن والرجال يتخذون ما يصلح لهم وإذا صح ذلك ثبت ما قلناه، وروي أن رجلان تنازعا في خص (^٤) فحكم به لصاحب القمط (^٥) (^٦) وهو يؤيد ما نقوله من الحكم بالأشبه في الدعاوى.
فصل [١٦ - الحكم فيما كان يصلح لهما]:
ووجه قوله إنه يحكم به لمن يصلح بيمينه أن الحكم في الأصول لا يكون إلا
_________________
(١) سورة الأعراف الآية: ١٩٩.
(٢) ﵇ سقطت من م.
(٣) سورة يوسف، الآية: ٢٦.
(٤) الخص: هو البيت من القصب (المصباح المنير: ١٧١).
(٥) في ق: لصاحب المقص.
(٦) سبق تخريج هذا الخبر. (تعليق الشاملة): كذا الترقيم بالمطبوع، بقفز رقم عن السابق
[ ٣ / ١٥٧٦ ]
بشيئين فلم يجز الحكم له بمجرد العرف لأن ذلك حكم بسبب واحد، ووجه قول سحنون إنه له بغير يمين أن يده والعرف الشاهد له سببان فلم يحتج إلى يمينه.
ووجه قول مالك إن ما كان لهما كان للرجل أن جنبته (^١) أرجح لأن البيت له وهي متابعة له فيه والظاهر ما يكون في بيت الرجل له إلا ما يشهد العرف أن الأغلب كونه للمرأة.
وإنما شرطنا اليمين ليحصل له سببان يحكم له بهما، ووجه قول المغيرة أنه بينهما وأن أيديهما متساوية ولا شبهة فيحكم به، والبيت منسوب إليهما لا إلى الرجل وحده فلم يبق إلا أن يكون بينهما بعد (^٢) أيمانهما كالمتداعيين شيئًا بأيديهما.
فصل [١٧ - في عدم التفريق إذا كان الزوجان حرين أو عبدين]:
وإنما لم يفرق بين أن يكونا حرين أو عبدين وسائر ما ذكرناه لأن كل ذلك لا يؤثر في الدعوى بقوة ولا ضعف ولا شبهة فلذلك استوى الحكم في جميعه وإنما لم نفرق بين الحياة والموت لأن الورثة يقومون مقام مورثهم على سبيل ما كان له أن يفعل ألا ترى أنه لو اشترى بالخيار لم يكن لهم أن يفرقوا المبيع على البائع وكان لهم اختيار الجميع أو رده وكذلك ها هنا.
فصل [١٨ - إذا مات رجل وعليه دين وله دين فيه شاهد واحد]:
إذا مات رجل وعليه دين وله دين فيه شاهد واحد فللورثة أن يحلفوا مع الشاهد ويستحقوا الدين، فإذا حلفوا وأخذوا المال قضي منه الدين ثم أخذوا (الباقي ميراثا فإن لم يفضل شيء فهم مخيرون إن شاءوا حلفوا مع الشاهد ويستحقون الدين فإذا حلفوا أخذوا المال فقضوا منه الدين ثم أخذوا) (^٣) فضلا
_________________
(١) في م ور: جهته.
(٢) في ق: مع.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٥٧٧ ]
إن كان وإن شاءوا لم يحلفوا وليس للغرماء إجبارهم على اليمين فإن لم يحلفوا حلف الغرماء واستحقوا الدين في ديونهم فإن كان فيه فضل عن ديونهم لم يستحقه الورثة فإن أرادوا من بعد أن يحلفوا لم يكن لهم ذلك إلا أن يكون لامتناعهم أولا وجه مثل أن يقولوا لم نعلم أنه يفضل منه شيء وكنا نرى أن الدين يستغرقه فيكون لهم أن يحلفوا (ويستحقوا الباقي، وإن كان امتناعهم على وجه النكول والترك لم يكن لهم أن يحلفوا من بعد، وكذلك) (^١) لو ادعى إنسان على الورثة أن ميتهم أوصى له بمال وأقام على ذلك شاهدا واحدا فله أن يحلف معه فإن نكل الوارث أو مدعي الوصية للورثة وبرأ وحلف الورثة لمدعي الوصية وبرؤوا من نكل منهم لزمه ما يدعي عليه مع الشاهد، ويقيم الورثة الذين بقدر مواريثهم والموصى لهم يقسمون على حسب ما يدعى من الوصية، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم فلمن حلف نصيبه من الدين أو الوصية ولا شيء لمن لم يحلف، ولا يشارك الحالف في قسطه ولكن يعرض اليمين على المدعى عليه ويكون الحكم على ما بيناه (^٢).
فصل [١٩ - في حلف الورثة مع شاهد ميتهم]:
وإنما قلنا إن للورثة أن يحلفوا مع شاهد ميتهم لأنهم يقومون مقام (الموروث في حقوق الإرث فلما كان للميت لو كان باقيا أن يحلف مع شاهده كان ذلك) (^٣) للورثة بعده، وإنما قلنا إنهم إذا أخذوا المال بالشاهد وأيمانهم قضوا منه الدين ثم ورثوا الباقي لأن الدين مقدم على الميراث (^٤) لقوله تعالى ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ (^٥) فإذا قضوا استحقوا الباقي لوجوبه لهم …
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ١٠٩، الكافي: ٤٨٣.
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) في م: على الوارث.
(٥) سورة النساء، الآية: ١١.
[ ٣ / ١٥٧٨ ]
وإنما قلنا إنه إذا كان الدين مستغرقًا للتركة فلا شيء للورثة لأن الإرث بعد الدين (^١) فإذا تزاحما فالدين مقدم عليه، وإنما قلنا أن لهم أن يحلفوا مع استغراق الدين للإرث ولا يضرهم أن يستحق المال غيرهم لأن الحق في التقديم لهم لأنهم يقومون مقام الميت، ولأنهم لو أدوا الدين من غير التركة لكان ذلك لهم ولم يكن للغرماء الاعتراض عليهم.
وإنما قلنا إنهم مخيرون لأن الحق في ذلك لهم فإن شاءوا أخذوه وإن شاءوا تركوه، وإنما قلنا أنه ليس للغرماء إجبارهم على الحلف لأنهم يقولون لا فائدة لنا في اليمين على ما إذا استحق لم يكن لنا فيه حظ وكذلك إن كان فيه فضل فلهم أن يقولوا لسنا نختار أن نأخذ بيمين فيكون ذلك لهم.
وإنما قلنا إن للغرماء أن يحلفوا إذا نكل الورثة خلافًا للشافعي في قوله ليس لهم ذلك (^٢)؛ لأن الدين حق متعلق بالتركة (^٣) فجاز لمستحقه أن يحلف مع شاهد الميت أصله حق الإرث، وإنما قلنا إنه إن كان فيه فضل عن ديونهم لهم يستحقه الورثة لأن الإنسان لا يستحق بيمين غيره شيئًا إذا كان ممن له أن يحلف، وإنما قلنا إن لهم أن يحلفوا ويستحقوا الفضل لأنهم يستحقون ما يتركه الميت فكان لهم أن يحلفوا عليه وليس امتناعهم أولا من اليمين بمانع لهم الآن منها لأنهم يقولون لم نر أن نحلف على ما يأخذه غيرنا، فأما إذا فضل ما ناخذه فإنا نحلف عليه وهذا عذر مسوغ (^٤)، وإنما يمنع أن يحلفوا بعد ترك اليمين لأن نكولهم قد أسقط حقهم، وإنما قلنا إن للمدعي له أن يحلف مع شاهده لأنه يستحق من تركة الميت وما وصى له به، فإن لم يحلف فقد تقدم بيان النكول ورد اليمين وكذلك باقي المسألة.
_________________
(١) في م: نفعا للورثة.
(٢) انظر الأم: ٦/ ٩٤، مختصر المزني: ٣٠٩ - ٣١٠.
(٣) في م: بالشركة.
(٤) مسوغ: سقطت من ق.
[ ٣ / ١٥٧٩ ]
فصل [٢٠ - في الدعوى التي لا يجب فيها اليمين على المدعى عليه بمجرد الدعوى]:
كل دعوى لا يقبل فيها شاهد وامرأتان ولا شاهد ونكول ولا يقبل فيه إلا شاهدان فلا يجب اليمين فيها على المدعى عليه بمجرد الدعوى، وذلك مثل دعوى النكاح والرجعة والطلاق وقتل العمد وما أشبه ذلك، فإذا ادعى رجل على امرأة أنها زوجته أو امرأة على رجل أنه زوجها أو أنه طلقها فلا يمين على المنكر منهما بمجرد الدعوى (وذلك مثل دعوى الناكح) (^١) فإن أقام المدعي شاهدا واحدا حلفا المدعى عليه وإن نكل ففيها روايتان: إحداهما أنه يحكم عليه، والأخرى أنه يحبس حتى يحلف فإن طال حبسه خلي، واليمين على هذه الرواية استظهارا واحتياطا (^٢).
وإذا قلنا إنه لا يحلف بمجرد الدعوى فلا يتصور على هذا رد اليمين على المدعي لأن ذلك لا يكون إلا بنكول المدعى عليه، والنكول لا يكون بعد توجه اليمين إليه، وعند الشافعي في هذه المسائل أن اليمين تلزم المدعى عليه فإن نكل ردت على المدعي فإن حلف حكم له (^٣)، فدليلنا على أن اليمين لا تلزم ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: "إذا ادعت المرأة أن زوجها طلقها لم يحلف بدعواها إلا أن تأتي بشاهد فإن كان معها شاهد حلف" (^٤) وهذا نص، ولأن ذلك ذريعة إلى امتهان النساء بالأزواج فلا تشأ
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من ق.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٧٢، التفريع: ٢/ ٢٤٣، الرسالة: ٢٤٥، الكافي: ٤٧٩.
(٣) انظر الأم: ٧/ ٣٨، مختصر المزني: ٣٠٩، الإقناع: ١٩٨.
(٤) أخرجه ابن ماجه بلفظ قريب منه "إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك بشاهد عدل استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه" في الطلاق، باب الرجل يجحد الطلاق: ١/ ٦٥٧ وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١٥٨٠ ]
امرأة أن تؤذي زوجها إلا ادعت عليه الطلاق لتحلفه وذلك إضرار بالناس فيجب منعه على ما بيناه من الذرائع، ولا يلزم عليه دعوى الأموال لأنها أخفض رتبة والإجماع على خروجها عن حكم هذا الأصل.
فصل [٢١ - الدليل على أن اليمين لا ترد فيما لا يقبل فيه إلا شاهدين]:
ودليلنا أن اليمين لا ترد فيما لا تقبل فيه إلا شاهدين أنا وجدنا الشاهد والمرأتين أقوى من اليمين والنكول لأن النكول من غير جنبة المدعى، ولأنه لا يحتاج إليهم (^١) مع المرأتين، وإذا ثبت ذلك كان الطلاق والنكاح لا يحكم فيه بشاهد والمرأتين كان بأن لا يحكم فيه الشاهد والنكول وبالنكول واليمين أولى.
فصل [٢٢ - إذا كانت له بينة وعدل عنها إلى يمين المدعى عليه]:
إذا كان له بينة حاضرة وكان عالمًا بها قادرًا على إقامتها فعدل عنها إلى يمين المدعى عليه ثم أراد إقامتها من بعد ففيها روايتان (^٢): إحداهما أن ذلك له والأخرى أنه ليس له ذلك.
فوجه الأولى أنها حال لو أقر فيها المدعى عليه لثبت الحق عليه فوجب إذا أقام فيها المدعي البينة أن يكون له ذلك أصله قبل أن يحلف، ولأنها بينة لو أراد إقامتها قبل اليمين لكان له ذلك فوجب ألا يقطعها اليمين أصله إذا كانت غائبة أو كان لا يعلم بها، ووجه الثانية قوله - ﷺ - "شاهداك أو يمينه (^٣) فجعل له أحدهما إذا استوفاه لم يكن له الآخر، ولأنه لو قال للحاكم أريد أن محمع لي بين الأمرين بين يمينه وبينتي لم يكن له ذلك فدل على ما قلناه، ولأن عدوله إلى اليمين مع قدرته على البينة رضا بها فلم يكن له نقض موجبها كما لو صالح ثم أراد الرجوع في الصلح.
_________________
(١) في م: إليه.
(٢) انظر المدونة: ٤/ ٧٢ - ٧٣، التفريع: ٢/ ٢٤٥، الرسالة ن: ٢٤٥.
(٣) سبق تخريج الحديث ١٥٦٨.
[ ٣ / ١٥٨١ ]
فصل [٢٣ - في يمين الإنسان علي فعل نفسه وعلى فعل غيره]:
يمين الإنسان على فعل نفسه يكون على القطع وعلى فعل غيره يكون على العلم مثل أن يدعي على رجل مالا فيقر له به ويزعم أنه قضاه أباه فيحلف أنه ما قضاه قطعا، ولو أدعى أن لأبيه عليه مالا وأنه ورثه عنه فزعم المدعى عليه أنه قد قضاه إياه حلف على العلم أنه لا يعلم أباه اقتضى منه شيئًا، والفرق بينهما أنه يقدر على العلم باقتضائه نفسه ولا يصل إلى العلم باقتضاء أبيه والصغير يحلف مع شاهد أبيه على إثبات الحق إذا بلغ، ولو كان للميت شاهد بحق له ولد صغير سمع الحاكم شهادة شاهده ثم عرض اليمين على المدعى عليه فإن حلف لم يسقط الدعوى عنه ويؤخر إلى أن يبلغ الصبي فيحلف ويأخذ (^١)، وإنما عرضنا اليمين على المدعى عليه لجواز أن ينكل فيثبت الحق ولا يحتاج إلى انتظار بلوغ الصبي (^٢) فلما لم ينكل كان الحق باقيا للصبي.
فصل [٢٤ - فيمن كانت له دار يتصرف فيها مدة عشر سنين فأكثر ثم جاء من يدعيها …]:
إذا كانت في يد رجل دار جائز لها يتصرف فيها مدة عشر سنين فأكثر بالبناء والهدم والإجارة والعمارة ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان يراه ويشاهده طول هذه المدة ولا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانعًا يمنعه مطالبته من خوف سلطان أو ما أشبه ذلك من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق ولا بينه وبين المتصرف في الدار قرابة أو شركة في ميراث أو ما أشبهه مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عريًا من ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويزعم أنها له ويقيم بينة بذلك فعندنا أن بينته غير مسموعة ويكون صاحب اليد أولى بها (^٣).
_________________
(١) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤، الكافي: ٤٧٢.
(٢) في م: إلى انتظار بلوغه.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٨٩، التفريع: ٢/ ٢٤٢، الكافي: ٤٦٨.
[ ٣ / ١٥٨٢ ]
وإنما قلنا ذلك لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها غير مقبولة لقوله تعالى ﴿وأمر بالعرف﴾ (^١)، وأوجب الرجوع إليه عند الاختلاف (^٢) في الدعاوي كالنقد والحمولة والسير وغير ذلك وفي الأبنية ومعاقيد القمط ووضع الجذوع على الحائط فكذلك في هذا الموضوع، وقد علمنا أن الإنسان في العادة إذا كان له ملك يراه في يد غيره يتصرف فيه تصرف ذي الملك التام بالهدم (^٣) والبناء والعمارة والإجارة والرهن وغير ذلك وينسبه إلى ملكه وهذا حاضر يراه ويشاهده ولا ينازعه ولا يدعي معه شيئًا ولا مانع يمنعه من مطالبته ولا يذكر أنه ملكه ولا يعارض فيه بل ساكت ثم يأتي بعد سنين طويلة ومدة بعيدة فزعم أنه ملكه ويقيم البينة على ذلك فإن ذلك خلاف العادة لأن الإنسان لا يسكت (^٤) على ما يجري هذا المجرى ولذلك قلنا إنه إن كان غائبًا سمعت بينته لأنه لا عرف يكذب قوله وكذلك إذا كانت في يد سلطان يخافه إن أقام البينة.
وإنما قلنا: إن الحيازة من الأقارب لا تمنع الدعوى كجري العادة بإبساط بعضهم في إضافة الملك المشترك إليه وترك تشاحيهم فيها وإنما تبقى (^٥) مدة طويلة غير مقسومة بل على شركة المواريث المتداولة ففارقوا الأجانب.
فصل [٢٥ - التغليظ في الأيمان]:
التغليظ في الأيمان عندنا بالمكان والزمان (^٦) خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يغلظ في المكان (^٧) لقوله في - ﷺ - "من حلف على منبري هذا على يمين كاذبة ولو
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.
(٢) عند الاختلاف: سقطت من م.
(٣) التام: سقطت من م.
(٤) في ق: لا يسكتون.
(٥) تبقى: سقطت من ق.
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٧٢٨، المدونة: ٤/ ٧١، التفريع: ٢٤٣، الرسالة: ٢٤٥.
(٧) في مختصر القدوري - "ولا يجب تغليظ اليمين على المسلم بزمان ولا بمكان": ٤/ ٤١.
[ ٣ / ١٥٨٣ ]
على سواك من أراك فقد تبوأ مقعده من النار" (^١)، ولأن أبا بكر وعمر رضوان الله عليهما استحلفا عند المنبر (^٢)، وروي أن عمر ﵁ طولب بذلك في يمين توجهت عليه فافتدى ولم يحلف (^٣)، وروي عن علي ﵁ أنه قال لرجل -أحلف بالطلاق فقال لامرأته: حبلك على غاربك- تحلف بالله عند المنبر لما أردت الطلاق (^٤)، ونحوه عن ابن عباس (^٥) فدل على أنه إجماع، ولأن اليمين تراد لزجر وردع وليتخرج الحالف ويمتنع من الإقدام على يمين إن كان مبطلا بها ويخرج من حق إن كان، وقد ثبت أن الحلف في المواضع التي تعظم وتشرف أبلغ في الردع وأوقع في الزجر من الحلف في غيرها فوجب أن يكون أولى.
إذا ثبت هذا فالمواضع في البلد الذي يكون فيه الخصومة: ففي المدينة عند منبر رسول الله - ﷺ - لأنه أشرف المواضع بها، وللخبر الذي رويناه، وفي سائر البلاد في أشرف البقاع بها وأعظمها حرمة وذلك في المسجد الجامع أو غيره مما يشرف به ويعظم، وتغلظ على اليهود والنصارى فيحلف اليهودي في كنيسته والنصراني في بيعته لأن هذه المواضع هي أعظم مواضعهم عندهم، ولأن التغليظ بذلك إنما الغرض به الردع والزجر فهي في المواضع التي يعتقدون تعظيمها أبلغ فيما يراد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور باب تعظيم اليمين عند منبر النبي - ﷺ -: ٣/ ٥٦٧، وابن ماجه في الأحكام باب اليمين عند مقاطع الحقوق: ٢/ ٧٧٩، ومالك: ٢/ ٧٢٧ وأحمد: ٢/ ٣٢٩، وسنده صحيح (الهداية في تخريج أحاديث بداية المجتهد: ٨/ ٦٥٥).
(٢) أخرجه البيهقي: ١٠/ ١٧٧.
(٣) أخرجه البيهقي: ١٠/ ١٧٧.
(٤) انظر البيهقي: ٧/ ٣٤٣.
(٥) انظر الشافعي في الأم: ٧/ ٣٦، والبيهقي: ١٠/ ١٧٧.
[ ٣ / ١٥٨٤ ]
فصل [٢٦ - الحقوق التي تغلظ فيها الأيمان]:
فأما الحقوق التي تغلظ فيها فينظر فإن كانت الدعوى في غير المال مثل الدماء والطلاق والعتاق وما أشبه ذلك فإن اليمين (^١) تغلظ في ذلك كله، وإن كانت الدعوى في مال فلا تغلظ فيه عن المنبر في التافه اليسير وهو ما دون ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق وتغلظ في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم فصاعدا (^٢)، وقال الشافعي: تغلظ في العشرين دينارًا دون ما قصر عنها (^٣)، وقال بعض المتأخرين تغلظ في القليل والكثير (^٤).
ودليلنا علي أنه لا تغلظ في اليسير ما روي أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ رأى رجلًا يحلف عند المنبر فقال: أعلى دم، فقال، لا، فقال: على عظيم من المال فقال لا، فقال لقد خشيت أن يتهاون الناس بهذا المكان (^٥)، ولم ينكر ذلك عليه أحد فثبت تقدير المحلوف عليه، ولأن المقصود من التغليظ الردع والزجر بحرمة الموضع المحلوف عنده فيجب أن يكون ذلك فيما له خطر وقدر إعظامًا للموضع وتأكيدا لحرمته، ودليلنا على أنه تغلظ في ربع دينار أنه قدر من المال تثبت به حرمته في الشرع بدليل أنه يقطع فيه اليد وأنه أقل ما يستباح به البضع فجاز التغليظ فيه كنصاب الزكاة، ولأنه خارج عن التفاهة والنذارة بدليل ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت لم يكن رسول الله - ﷺ - يقطع في التافه وكان يقطع في ربع دينار (^٦).
_________________
(١) في م: الأيمان.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٧٢٨، التفريع: ٢/ ٢٤٤، الكافي: ٤٨٠.
(٣) انظر الأم: ٧/ ٣٦، مختصر المزني: ٣٠٨.
(٤) قاله ابن جرير (المغني: ٩/ ٢٢٩).
(٥) أخرجه الشافعي في الأم: ٧/ ٣٦، والبيهقي في سننه: ١٠/ ١٧٦.
(٦) سبق تخريج الحديث.
[ ٣ / ١٥٨٥ ]
فصل [٢٧ - فيما يستحب فيه التغليظ في الزمان]:
وأما التغليظ في الزمان فيستحب في الدماء واللعان أن يكون الحلف بعد صلاة العصر لقوله عز جل ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله﴾ (^١) قيل في التفسير: بعد صلاة العصر (^٢)، وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "ثلاثة لا ينظر إليهم: فذكر من حلف يمينا كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امريء مسلم" (^٣)، ولأن أدبار الصلوات أوقات مشرفة معظمة ترتجى فيها إجابة الدعاء ويقرب الإنسان إلى الله تعالى بالتسبيح والذكر فيها فهي أبعد من اكتساب الآثام بالأيمان الكاذبة، واختير بعد صلاة العصر لأنه وقت يجتمع فيه الناس وربما ردع ذلك الحالف به.
فصل [٢٨ - في كون لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ]:
لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ ولا تزاد في الحلف على أن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو فقط (^٤)، وقال الشافعي يزاد على ذلك عالم خافية الأعين وما تخفي الصدور والذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية (^٥) وما أشبه ذلك (^٦) ودليلنا أن هذه الصفات لا غاية لها ولا حصر فلم يكن بعضها بأن تغلظ اليمين به بأولى من بعض فوجب الاقتصار على الحلف باسمه تعالى ووصفه الأخص الذي لا زيادة عليه وله مزية على سائر الصفات.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١٠٦.
(٢) انظر تفسير الطبري: ٧/ ١٠٩.
(٣) أخرجه البخاري في المساقاة باب إثم من منع ابن السبيل من الماء: ٣/ ٧٥ - ٧٦، ومسلم في الأيمان باب بيان غلط الإسبال: ١/ ١٠٣.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٢٤٣ - الرسالة: ٢٤٥، الكافي: ٤٧٩.
(٥) في م: الجهر.
(٦) انظر الأم: ٦/ ٩٩، مختصر المزني: ٣٠٩.
[ ٣ / ١٥٨٦ ]
فصل [٢٩ - في كيفية إحلاف اليهودي والنصراني]:
ولا يزاد في إحلاف اليهودي أن يقال الذي أنزل التوراة على موسى ولا في إحلاف النصراني أنزل الإنجيل على عيسى (^١) خلافًا للشافعي (^٢) لأن ذلك معنى زائد على التغليظ في صفات اليمين لا يجب في حق المسلم فنقول لأنها يمين وجبت في حق فلم يزد فيها على لفظ الإخلاص أصله في حق المسلم، ولأنه كافر فلم يزد في إحلافه على اسم الله وصفة الإخلاص كالوثني، ولأن زيادة هذه الصفات إن كانت لاختصاص الكتابيين بها فيجب أن يزاد الذي كلم موسى على الطور وغير ذلك فيجب أن يزاد على الوثني اللاة والعزى لأن ذلك هو الذي يعظم وذلك باطل.
فصل [٣٠ - في الحلف قائمًا واستقبال القبلة في ذلك؟]:
يحلف قائما في كل الحقوق (^٣) لأن ذلك أبلغ في الشرح والزجر وأما استقبال القبلة فقيل إنه لا يحتاج إليه لأنه لما لم يغلظ بأن يحلف عندها لم يغلظ باستقبالها كسائر المواضع وقيل يستقبل بالحالف القبلة لقوله - ﷺ -: "خير المجالس ما استقبل به القبلة" (^٤) لأن ذلك أردع له وأزجر، ولأن استقبال القبلة يعظمها المسلمون ما لا يعظمون (^٥) الانحراف عنها ألا ترى أنه يفعل بالمحتضر وفي الدفن وعند الذبح والآذان فكذلك في اليمين.
فصل [٣١ - في افتداء اليمين]:
يجوز افتداء اليمين وهو أن يبذل شيئًا لتسقط عنه (^٦) لأنه إجماع الصحابة
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٧٢، التفريع: ٢/ ٢٤٤، الكافي: ٤٨٠.
(٢) انظر مختصر المزني: ٣٠٩.
(٣) انظر المدونة: ٤/ ٧١، الرسالة ن: ٢٤٥، الكافي: ٤٧٩ - ٤٨٠.
(٤) سبق تخريج الحديث.
(٥) في ق: يعلمون.
(٦) انظر م المدونة: ٤/ ٧١، الكافي: ٤٨٠.
[ ٣ / ١٥٨٧ ]
وروي أن عثمان ﵁ خاصمه يهودي إلى عمر وادعى عليه أربعة آلاف درهم فوجبت (^١) عليه اليمين فأبى أن يحلف وغرم المال فلما فعل ذلك وقال: والله ماله علي شيء فقال عمر ما حملك على ما فعلت قال خفت أن يصادف يمين قدرا (^٢) فيقول الناس ظلم عثمان اليهودي ولم ينكر عليه عمر (^٣)، ولأن ابن مسعود أُخِذ بأرض الحبشة فصالح (^٤) عن نفسه بدينارين (^٥)، ولأن في الاستحلاف مذلة (^٦) وامتهانا فجاز للإنسان الافتداء منها صيانة للعرض وقد قال - ﷺ - "ما وقي به المرء عرضه فهو صدقة (^٧) ".
فصل [٣٢ - في استحلاف المرأة في بيتها]:
وإذا كانت المرأة من ذوات الأقدار والشرف جاز أن يبعث الحاكم إليها من يحلفها (^٨) لأن في ذلك صيانة لها وإقلالًا من تبذيلها، ولا مقال للخصم في ذلك لأن الذي يجب له إحلافها دون تبذيلها وإن كانت ممن لا تخرج نهارًا جاز أن تؤخر لتخرج ليلًا زيادة في الصيانة وقلة التبذل.
فصل [٣٣ - فيمن أراد كتابة كتاب على غيره]:
من أراد أن يكتب على غيره كتابًا بذكر حق أملاه الذي عليه الحق وإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه فلا بأس به وإن ارتضيا بمن يمليه غيرهما جاز
_________________
(١) في م: فتزحمت.
(٢) في ق: القدر.
(٣) انظر سنن البيهقي: ١٠/ ١٧٧.
(٤) في م: فصانع.
(٥) سنن البيهقي: ١٠/ ١٣٩.
(٦) في م: بذلة.
(٧) أخرجه الحاكم: ٢/ ٥٠.
(٨) انظر المدونة: ٤/ ١٠٣، التفريع: ٢/ ٢٤٤.
[ ٣ / ١٥٨٨ ]
وأجرة الكتاب عليهما وإن كان الدين لجماعة فأجرة الكتاب عليهم بالسوية اتفقت سهامهم أو اختلفت (^١).
وإنما قلنا إنه يمل الذي عليه الحق لقوله تعالى: ﴿وليملل الذي عليه الحق﴾ (^٢)، ولأن الذي له الحق قد يزيد (^٣) فيما له عليه ويتغافل عنه الذي عليه الحق فإذا أملاها الذي عليه الحق كان ذلك أمنا لها يخاف منه وقد وعظ الله الذي عليه الحق فقال ﴿وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ (^٤)، ولأنه قد يزيد الذي له الحق في التوثق على ما يجب له وذلك غير جائز، ولأن الذي عليه الحق إذا أملاه صار ذلك إقرارا منه فيعتد به وإذا أملاه الذي كان مدعيا والدعوى لا يعتد بها فيقال للذي عليه إذا أملاه أنت لتقربها عليك فإن كان سها أو غير عالم بالشروط أمل ذلك وليه الذي إليه أمره أو وكيله لأنه إذا كان عن أمره فإقراره حاصل.
وإنما قلنا إن أملاه صاحب الحق بحضرته ورضاه جاز لأن التهمة تزول عنه وتصير كأن الذي هو عليه أمله فيكون إقرارا، وإنما قلنا إن الأجرة عليهما لأن الكاتب أجير لهما، وإنما قلنا إنها تكون على أهل الدين بالسوية وإن اختلفت أنصباؤهم لأن التعب في ذلك واحد فليس نصيب واحد منهم أكثر من نصيب الآخر والله أعلم.
…
_________________
(١) انظر المدونة: ٤/ ٧٦، التفريع: ٢/ ٢٤٦، الكافي: ٤٩٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
(٣) في م: قد ينسى.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[ ٣ / ١٥٨٩ ]