(بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمَّد) (^١)، الأصل في جواز الإجارة (^٢) في الجملة (^٣) خلافًا لمن لا يعتد له (^٤)، قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (^٥)، فنص على جواز الإجارة والمعاوضة على المنافع، وقوله في هذه القصة: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (^٦)، وقوله ﷺ: "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" (^٧)، وقوله: "ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة فذكر رجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يوفه أجره" (^٨)، ولأن بالناس حاجة إلى تمليك (^٩) المنافع كحاجتهم إلى تمليك الأعيان، ولأنه
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م).
(٢) الإجارة في اللغة: من الأجر وهو الثواب والأجرة الكراء، وفي الاصطلاح: هي بيع منفعة ما أمكن نقله غير سفينة ولا حيوان لا يعقل بعوض غير ناشيء عنها بعضه يتبعض بتبعيضها (انظر: الصحاح: ٢/ ١٧٦، حدود ابن عرفة ص ٣٩٢).
(٣) انظر: المدونة: ٢/ ٣٨٦ - ٣٩٠، التفريع: ٢/ ١٨٣، الرسالة ص ٢١٨، الكافي ص ٣٦٨.
(٤) يحكي ذلك عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك (انظر: المغني: ٥/ ٤٤٣).
(٥) سورة القصص، الآية: ٢٧.
(٦) سورة القصص، الآية: ٢٦.
(٧) أخرجه ابن ماجه في الأحكام، باب: أجر الأجراء: ٢/ ٨١٧، وفيه عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم وهو ضعيف، وأصله في صحيح البخاري (انظر نصب الراية: ٤/ ١٢٩، مجمع الزوائد: ٤/ ١٠٠).
(٨) أخرجه البخاري في الإجارات، باب: إثم من منع أجر الأجراء: ٣/ ٥٠.
(٩) في (م): تملك.
[ ٢ / ١٠٨٧ ]
إجماع السلف والخلف على مر الأعصار قبل خرق من خرقه، فلا يعتد بخلافهم فيه (^١).
فصل [١ - الإجارة على منافع الأعيان]:
الإجارة هي عقد معاوضة على منافع الأعيان (^٢)، ولا تخلو المنافع من أحد أمرين: إما أن تكون معلومة الجنس كخياطة الثوب وبناء الحائط وركوب الدابة وسكنى الدار وما أشبه ذلك، وغير معلومة مثل خدمة العبد وما في معناها.
فالقسم الأول لا يحتاج إلى ضرب أجل لأنه مستغنى بالعلم بجنسه عن أن يعلم بأجل يحصره.
والقسم الثاني يحتاج إلى أصل ينضبط به (^٣)، لأنه غير معلوم في نفسه، ألا ترى أن خدمة العبد تختلف فتكون في خبز، أو طبخ أو خدمة دابة أو شراء حاجة أو غير ذلك مما يستخدم في مثله الأجراء، فلو لم ينضبط بمدة محصورة لدخل المنافع المستأجرة عليها الجهل والغرر فاحتيج لذلك إلى ضرب مدة تضبط بها (^٤).
فصل [٢ - في إجارة الدور والأرضين والحوانيت وغيرها]:
تجوز إجارة الدور والأرضين والحوانيت والثياب والدواب والرقيق وأواني الحديد والخشب وغير ذلك من العروض.
ويجوز عقد الإجارة على كل منفعة يستباح تناولها ويجوز لمالكها منعها وبذلها: كخياطة الثوب وبناء الحائط والصياغة والقصابة والصبغ وسائر الصنائع، وكذلك الخدمة وغيرها من المنافع (^٥).
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد: ٢/ ٢١٨، المغني: ٥/ ٤٣٣، نيل الأوطار: ٥/ ٢٨١.
(٢) في (م): الإجارة في عقد معاوضة على منافع الأعيان جائزة.
(٣) في (م): ليضبط به.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، الرسالة ص ٢١٨، الكافي ص ٣٦٨.
(٥) فيما تجوز إجازته انظر: المدونة: ٣/ ٣٨٦ - ٤٠٠، التفريع: ٢/ ١٨٣ - ١٨٥، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٦٨ - ٣٦٩.
[ ٢ / ١٠٨٨ ]
فصل [٣]- في إجارة الأعيان]:
تجوز إجارة الأعيان كالدور والرقيق وغيرها على ثلاثة أوجه:
أحدها: على مدة معلومة معينة مثل: أن يقول استأجرت منك هذه الدار سنة أو سنتين أو لها يوم كذا وانتهاؤها وقت كذا لأن هذا حصر للمنافع المعقود عليها بمدة (^١) تفوت بفواتها ويلزم المستأجر رفع يده عند تقضيها، ونظيره في بيوع الأعيان، أن يقول ابتعت منك هذا الثوب أو ما في هذه الرزمة من الثياب وقد شاهدها وعرفها فيجوز ذلك، والثاني أن يذكر المدة ولا يجدها (^٢) من أي وقت يكون، فيقول: استأجرت منك هذه الدار شهرًا بدينار ولا يبين أي شهر هو فيصح عندنا ويكون من وقت العقد (^٣) خلافًا للشافعي في قوله: إنّه لا يصح إلا أن يبين أوله (^٤)؛ لأن الإطلاق في هذا محمول على العرف والعرف جار بين الناس في بياعاتهم وإجارتهم ومعاملاتهم أنهم إذا أطلقوا الأجل، فالمراد به من وقت العقد، ألا ترى أن من باع من رجل ثوبًا بدينار إلى شهر فإنه يحمل على أنا ابتداءه (^٥) من وقت العقد، وكذلك إذا أسلم إليه بشيء في ذمته وقدر الأجل ولم يعينه، فإنه يكون من وقت العقد، وكذلك قلنا فيمن حلف ألا يكلم زيدًا شهرًا ولم يعينه، فإن يمينه تنعقد من وقت حلفه لأن العرف جار في كل هذا بأن المراد به الفور والحال كذلك الإجارات (^٦).
والثالث: أن يستأجرها مشاهرة فيقول: استأجرت منك هذه الدار على حساب الشهر بكذا أو السنة أو الأسبوع أو أي مدة قدر بها الأجرة، فيجوز وإن
_________________
(١) تمده: سقطت من (م).
(٢) في (م): ولا يجردها.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٣٩٢، التفريع: ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، الكافي ص ٣٦٩.
(٤) انظر: الأم ٤/ ٢٦ - ٢٧، المهذب: ١/ ٣٩٦.
(٥) في (ق): ابتدائه.
(٦) في (م): الإجارة.
[ ٢ / ١٠٨٩ ]
لم يعين مدة ما يعقد عليه من ذلك خلافًا للشافعي في قوله: إنه لا يصح إلا أن يقول: استأجرتها شهرًا أو شهرين أو مدة يذكرها على حساب كذا (^١).
وإما قلنا أن ذلك جائز لأن المنافع المعقود عليها يعلم قدرها باختيار المستأجر، فكأن المؤجر قال: قد أجرتك هذه الدار ما شئت أن يسكنها من المدة على حساب كل شهر بكذا، فذكر الشهر يُراد لتحديد المعقود عليه وهو أجرة المنافع وإخراجه من حيز (^٢) الغرر والجهل ليقع الحساب عليه عند استيفاء المنافع، فيكون كقوله: قد بعتك من هذا الكر ما شئت على حساب كل قفيز بدرهم، فمهما أخذ منه استحق ثمنه عليه بما يقدر (^٣) له، كذلك الإجارة فإذا ثبت هذا وقع العقد على هذا الحد: فلكل واحد منهما أن يترك إذا شاء (^٤) فيسكن المستأجر ما شاء من المدة ويخرج إذا شاء وتلزمه الأجرة بحساب ما سكن، وكذلك المالك له أن يطالبه بالخروج أي وقت شاء، وقال عبد الملك: تلزمه أجرة حد واحد مما جعلاه علمًا على حساب الأجرة من شهر كذا أو (^٥) سنة، كأنه قال: استأجرت منك هذه الدار كل شهر بدينار فيلزمه كراء شهر، وكذلك لو قال: كل سنة لزمه كراء سنة واحدة.
فوجه الأول أن العقد لم يقع على شهر كامل، وإنما وقع على حساب الشهر بكذا، فلم يلزم سكنى ما لم يقع العقد عليه، ووجه الثاني أنه إذا قال: كل شهر بدينار فكأن الكراء إنما وقع على الحد الذي جعل علمًا على معرفة الأجرة المقدرة به.
فصل [٤ - إجارة الدنانير والدراهم]:
إجارة الدراهم والدنانير وكل ما لا يعرف بعينه لا تصح، وإجارته قرضه،
_________________
(١) انظر: الأم: ٤/ ٢٦ - ٢٧، المهذب: ١/ ٣٩٦.
(٢) في (م): من جهة.
(٣) في (م): بما يتقدر.
(٤) في (م): إنشاء.
(٥) كذا أو: سقطت من (م).
[ ٢ / ١٠٩٠ ]
والأجرة ساقطة عن مستأجره هذا قول ابن القاسم، وشيخنا (^١) أبو بكر الأبهري وغيره يزعمون أن ذلك يصح وتلزم الأجرة فيه إذا كان المالك حاضرًا معه (^٢)، ولابن القاسم أن الإجارة معاوضة على منافع الأعيان وإذا كانت العين نفسها لا يصح الانتفاع بها مع تبقيتها وإنما يصح مع إبدالها ببيع وغيره لم تصح إجارتها، وقد علم أن الدنانير والدراهم لا منفعة فيها مع بقاء العين، فلا يستحق أن يبذل العوض في مقابلتها بخلاف الدور والدواب وغيرها فلم يصح إجارتها.
وإنما قلنا: إن إجارتها قرضها لأن ربها ملك المدفوع إليه الانتفاع بها ولا ينتفع إلا بإتلاف أعيانها فصار ذلك ملكًا له، فلو قلنا: إنه تلزمه أجرة لكان في معناه قرض جر نفعًا، ودراهم بدراهم متفاضلة وذلك غير جائز، ووجه القول الآخر أن الانتفاع بهما يمكن بأن يضعها المستأجر بين يديه يتكثر بها ويتجمل، وله غرض في أن يرى الناس معه دنانير ودراهم فينفعه ذلك فيما يقصده به، وإذا كان كذلك صحت إجارتها.
وإنّما قلنا: يجب أن يكون المالك معها لئلا ينفقها المستأجر ويعطيه بدلها وزيادة فيكون تفاضلًا وقرضًا جر نفعًا.
فصل [٥ - في حكم عقد الإجارة]:
عقد الإجارة لازم من الطرفين ليس لأحد المتعاقدين فسخه مع إمكان استيفاء المنافع المعقود عليها (^٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن العقد يجوز أن يفسخ بوجود العذر في حق المكتري أو المكري وإن أمكن استيفاء المنفعة مثل أن يكتري جمالًا للحج ثم يبدو له أو يمرض فله الفسخ، أو دارًا يسكنها ثم يريد السفر أو دكانًا ليتجر فيه فتحترق متاعه فله الفسخ عنده في ذلك كله (^٤).
_________________
(١) في (م): وقول.
(٢) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٢، الكافي ص ٣٧٣.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٩، التفريع: ٢/ ١٨٧ - ١٨٨، الكافي ص ٣٦٨، المقدمات: ٢/ ١٦٦ - ١٦٧ و١٨٤.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٢٨ - ١٢٩، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢٠/ ١٠٥.
[ ٢ / ١٠٩١ ]
ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١) ولأنه عقد معاوضة محضة فلم يكن لأحدهما فسخه لمعنى في العاقد كالبيع، ولا يدخل عليه النكاح لأنها ليست بمحضة، ولأن أحدهما إذا قال: لا أريد السفر إلى الجهة (^٢) التي وقع الكراء إليها فعندهم أن هذا عذر (^٣) في حق المكتري دون المكري، فنقول: كل معنى لا يملك به المكري فسخ الإجارة لم يملك بمثله المكتري أصله غلاء الأجرة ورخصها.
فصل [٦ - متى يستحق تسليم الأجرة]:
الأجرة لا تستحق تسليمها بمجرد العقد ولا بتسليم العين المستأجرة، وإنما تستحق الأجرة أولًا بأول (^٤) لكل جزء من المال يقابل كل جزء من المنافع، إلا أن يكون هناك عادة أو شرط فيستحق التسليم لها أو يكون تأخيرها يؤدي إلى أمر ممنوع فيلزم تقديمه لذلك لا بمجرد العقد (^٥).
وقال الشافعي: يستحق تسليم الأجرة بتمام عقد الإجارة وتسليم العين المستأجرة شرط ذلك أو لم يشترط (^٦).
ودليلنا: أن الأجرة ثمن للمنافع (^٧) كما أن الثمن في البيع لرقبة المبيع، وقد ثبت أن في البيع لا يلزم تسليم الثمن بمجرد العقد إلا بعد تسليم المعقود عليه، فكذلك يجب في الإجارة، ولا تلزم عليه الإجارة بثوب بعينه أو بفاكهة رطبة (^٨) لأن هناك قارن العقد ما أوجب التعجل، فيكون له كاشتراط التقديم.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ١.
(٢) في (ق): إذا أريد السفر.
(٣) في (ق): غرر.
(٤) في (م): أولًا أولًا.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٤، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٦٨.
(٦) انظر: الأم: ٤/ ٢٦، مختصر المزني ص ١٢٦، الإقناع ص ١٠٠.
(٧) ثمن سقطت من (ق).
(٨) في (م): رطب.
[ ٢ / ١٠٩٢ ]
فصل [٧ - في فسخ عقد الإجارة]:
كل معنى طرأ بمنع استيفاء المنافع فإن العقد ينفسخ معه، وذلك كانهدام الدار واحتراقها وغصبها، وكذلك امتناع المؤجر من تسليمها حتى فات وقت الإجارة ظلمًا، وكذلك مرض العبد والدابة وهذا كله في الإجارة المعينة دون المضمونة (^١) لأن امتناع استيفاء المنافع لا يلزم معه الأجرة لما بيناه (أن العوض لا يستحق إلا بتسليم المنافع كالأعيان) (^٢).
فصل [٨ - استقرار الأجرة بالتمكين من المنفعة ولو لم ينتفع المستأجر باختياره]:
إذا تسلم المستأجر الدار أو الدابة المعينة وتمكن من استيفاء المنفعة فلم يستوفها حتى انقضت المدة فقد استقرت الأجرة عليه (^٣)؛ لأن الذي يجب على المكري تسليمها وتمكينه من المنفعة وقد فعل، فإذا اختار ألا يستوفيها فلا يلزم المكري شيء كما لو ابتاع مأكولًا رطبًا وقبضه (^٤) فلم يأكله حتى تلف لزمه الثمن ولم يلزم البائع شيء.
فصل [٩ - في أقسام الإجارة]:
الإجارة على ضربين: إجارة عين وإجارة متعلقة بالذمة، وكل ذلك جائز (^٥) لأن العين لما كان له بيعها كان له بيع منافعها، وكذلك لما كان له بيع شيء من الأعيان في ذمته أعني أعيانًا مبيعة لا أعيانًا معينة، فكذلك المنافع لأن الإجارة
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩، التفريع: ٢/ ١٨٤، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٦٩.
(٢) ما بين قوسين سقطت من (م).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٦، ٤٢٨، التفريع: ٢/ ١٨٤، الكافي ص ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٤) وقبضه: سقطت من (ق).
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٣ - ١٨٨، الرسالة ص ٢١٨ - ٢١٩، الكافي ص ٣٦٨ - ٣٧٤.
[ ٢ / ١٠٩٣ ]
معاوضة على المنافع كما أن الأثمان معاوضة على الرقاب، فلما جاز العقد على رقبة الدابة بالوجهين جميعًا -أعني بيع الدابة بعينها وأن يُسلم في دابة موصوفة في الذمة- صح العقد على منافعها بالوجهين جميعًا.
فصل [١٠ - في كون المنفعة المعقود عليها معلومة]:
فإذا ثبت ذلك فإن كان العقد على دابة معينة فلا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها معلومة من ركوب أو طحن أو حمل أو غير ذلك، وإنما وجب ذلك لانتفاء الغرر بانتفاء الجهالة، وليعلم المكتري ما الذي يعاوض عليه من المنافع وكذلك المكري، فإذا ثبت ذلك فإن الحق يتعلق بالذمة في المعين بل يتعين لتلك العين، فإن تلف (قبل استيفاء المنفعة، فإن العقد ينفسخ لتعذر استيفاء المنافع المعقود عليها لأنها مستحقة على وجه لا يمكن فيها القضاء ولا يلزم المكري أن يأتي بغيرها لأنه لا يستحق عليه منافع غيرها، وإن تلف) (^١)، بعد استيفاء بعض المنافع دون جميعها، فإن العقد ينفسخ فيما بقي ويلزمه من الأجرة بقدر ما استوفاه من المنفعة بقيمته من الأجرة ويسقط عنه الباقي هذا الكلام في المعين.
فصل [١١ - إجارة المضمون في الذمة]:
فأما المضمون في الذمة فمثل: أن يستأجر منه دابة ليركبها إما إلى موضع معين أو أجل (^٢) بعينه (^٣).
وإنما قلنا: إنه لا بد من أحد هذين ليحصل العلم بما يعاوض عليه لأن العمل يتقدر تارة بالمدة وتارة بنفسه بالركوب إلى موضع بعينه مقدر بنفسه مستغن عن ضرب مدة فيه كخياطة القميص وبناء الحائط، والركوب على الإطلاق من غير اشتراط مسافة معينة أو مقدرة لا بد فيه من ضرب مدة كخدمة العبد وإلا دخله
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م).
(٢) في (م): أو أجلًا.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٢، التفريع: ٢/ ١٨٣ - ١٨٥، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧١.
[ ٢ / ١٠٩٤ ]
الجهل، (فإذا ثبت ذلك فيجوز حالًا إلى أجل) (^١) لأنا لو لم نجزه إلى أجل لأدى إلى بطلان انتفاع الناس بالكراء أو انقطاع (^٢) معايشهم وتجاراتهم، وصورته إلى أجل مثل: أن يكتري منه في رجب أو شعبان للحج وعادة الناس في الخروج عندنا ببغداد في ذي القعدة فيقول: اكتريت منك كراء في ذمتك إلى الحج بعشرين دينارًا أو ما يتفقان عليه والأجل وقت خروج الناس، فإذا ثبت ذلك فيجب تعجيل النقد فيما يؤجل اعتبارًا بالسلم لأن في تأخيره كونه دينًا بدين، فأما (^٣) في الحج فعنه روايتان (^٤):
إحداهما: (أنه لا يجوز تأخير النقد إلا في اليسير وهو الثلاث فدونه، والآخر) (^٥) أنه يجوز ويكتفي فيه بالعربان كالدينارين والثلاثة.
فوجه الأولى أن في وجوب النقد ليخرج عن باب الدين بالدين، وإنما جاز التأخير في اليسير لأن الغالب في الأصول أن حكم الأكثر في حكم الجميع وأن الأقل لا حكم له.
ووجه الثانية أن تقديم العربان يخرجه عن باب الدين بالدين، فقد تعجل الشيء من أحد الطرفين، ولم يكلف نقد الكل خيفة الغرر لأن المكري قد ينتفع في الثمن ثم يخلفه، وقد جرت العادة بذلك منهم، فكان الأصلح عقد العربان ليخرج عن الدين بالدين في جميع العقد ثم يكون الباقي كالوديعة عند المكتري (^٦) أو كالرهن.
فصل [١٢ - إذا كان الكراء المضمون حالًا]:
فأما إذا كان الكراء المضمون حالًا، وشرع في الركوب فلا يحتاج إلى
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (م).
(٢) في (م): الانقطاع عن.
(٣) في (ق): فلما.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٤٤١، التفريع: ٢/ ١٨٨ - ١٨٩، الكافي ص ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٥) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٦) في (ق): عند المكري.
[ ٢ / ١٠٩٥ ]
نقد (^١) لأن أحد الطرفين قد تعجل أخذه في الركوب وتماديه فيه يقوم مقام استيفائه، كما نقوله في المقاثي والمباطخ أنه يجوز بيعها بالدين وإن كان المعقود عليه لم يخلق أكثره لأنه في حكم الموجود لتناسقه وتتابعه.
فصل [١٣ - إذا استأجر أرضًا للزرع فغرقت]:
إذا استأجر (^٢) للزرع فغرقت سقط كراؤها لتعذر استيفاء المنفعة المعقود عليها، وإن زرعها (^٣) وأمكنه شربها فلم ينبت زرعها فعليه الأجرة لأن الذي على المؤاجرة: تسليم الأرض وتمكينه من استيفاء المنفعة وليس عليه سلامتها، وكذلك إن نبت الزرع وأصابته جائحة من غير جهة الشرب لم يسقط عنه الكراء لأن التمكين قد وجد واستيفاء المنفعة غير متعذر وامتناع خروج الزرع أو سلامته ليس من مقتضى العقد فلم يلزم (^٤).
فصل [١٤ - عدم بطلان الإجارة بموت أحد المتعاقدين]:
لا تبطل الإجارة لموت أحد المتعاقدين مع بقاء العين المستأجرة وإمكان استيفاء المنافع (^٥) خلافًا لأبي حنيفة (^٦)؛ لأنه عقد معاوضة فلم ينفسخ بموت أحد المتعاقدين إذا لم يكن فيه تلف المنفعة أو تعذر استيفائها أصله عقد البيع، ولأنه عقد معاوضة من مالك على منفعة ماله، فوجب ألا ينفسخ بموت المالك أصله إذا زوج أَمَته.
فصل [١٥ - إذا اكترى دارًا فله أن يسكنها بنفسه وله أن يكريها من غيره]:
إذا اكترى دارًا فله أن يسكنها بنفسه وله أن يكريها من غيره لأن ملك منافعها
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٣٥، التفريع: ٢/ ١٨٦، الكافي ص ٣٧١ - ٣٧٢.
(٢) في (ق): ابتاع.
(٣) في (م): زرع.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٤٥٩، التفريع: ٢/ ١٨٤، والكافي ص ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٥) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٦٩.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٢٨، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ١٠٥.
[ ٢ / ١٠٩٦ ]
ثابت له وليس بمستحق عليه في استيفائها محل مخصوص، وله أن يكريها بمثل الكراء أو أقل وأكثر لأنه معاوضة على ملكه كبيع الأعيان، وله أن يكريها من المالك (^١) خلافًا لأبي حنيفة (^٢) وإن كل مملوك جاز أن يملك لغير من ملكه جاز أن يملك لمن ملكه أصله الأعيان.
فصل [١٦ - إذا اكترى دابة ليحمل عليها شيئًا فحمل عليها غيره فعطبت]:
إذا اكترى دابة ليحمل عليها شيئًا فحمل عليها غيره فعطبت: فإن كان (^٣) أضر بها ضمن قيمتها وإن كان مثله أو دونه فلا ضمان عليه لأنه إذا كان أضر بها كان متعديًا بحمله (^٤) عليها لأنه لا يملك ذلك ولا أذن له فيه صاحبها، ولا بد أن العوض عليه، فإذا كان مثله فهو كما لو تلفت فيما استأجرها له فلا يضمن وإن كان دونه كان أولى ألا يضمن لأنه بعض حقه، فإن سلمت فلربها أن يأخذه بما بين الأجرتين.
وإن اكتراها إلى مكان سار بها إلى غيره في قدر مسافته أو دونها وقدر مشقته فلا ضمان عليه، وإن تعدى بها إلى غير مثله في المسافة والمثل منه في المشقة أو مثله في المشقة وأبعد منه في المسافة، فإن تلفت ضمنها، وإن سلمت فلربها الكراء الأول وأخذه بكراء الزيادة أو إسلامها ويضمنه القيمة يوم التعدي.
وصورتها أن يكتري دابة من بغداد إلى الكوفة فيمتد بها إلى فيل (^٥): فقد بيَّنا أن لصاحبها الكراء من بغداد إلى الكوفة لأن المكتري قد استوفى المنفعة المعقودة عليها بالأجرة المسماة فاستقر البدل عليه في ذمته وتعديه فيما بعد لا يقدح في
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٥١، التفريع: ٢/ ١٨٥، الكافي ص ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٢٩.
(٣) كان: سقطت من (م).
(٤) في (م): بالجملة.
(٥) في (م): قبر، وفيل: كانت مدينة ولاية خوارزم، يقال لها: فيل، ثم سميت: المنصورة (معجم البلدان: ٤/ ٢٨٦).
[ ٢ / ١٠٩٧ ]
ذلك الاستقرار، وبينا أن صاحبها غير فيما زاد على ذلك إن شاء أخذه بالكراء وإن شاء ضمنه القيمة (^١).
وقال أبو حنيفة: لا كراء فيما زاد (^٢)، فدليلنا أنه انتفع بملك غيره من غصب للعين فلزمه بدل ما انتفع به كغير المتعدي.
ودليلنا على أن له تضمينه القيمة (^٣) خلافًا للشافعي (^٤)، أنه متعديًا بالإمساك وحبسها عن الأسواق، فتعلق عليها الضمان، فإذا ثبت هذا فعليه كراء المثل كالمتعدي ابتداء لأن هذه المنفعة مستوفاة بغير عقد ولا شبهة عقد.
فصل [١٧ - حكم من استأجر أرضًا ليزرعها شيئًا بعينه فزرعها غيره]:
إذا اكترى أرضًا ليزرعها حنطة فأراد أن يزرعها شعيرًا أو ما ضرره مثل ضرر الحنطة أو دونه، فذلك (^٥) له خلافًا لداود (^٦)؛ لأن تعيين ما يزرع في الأرض هو كتقدير المنفعة لا لكونه شرطًا، بدليل أنه لو لم يزرعها مع التمكين منها للزمه الكراء، وإذا كان كذلك كان له أن يستوفي ذلك القدر من المنفعة من المذكور وغيره.
فصل [١٨ - ليس للمستأجر أن يزرع الأرض المستأجرة ما ضرره أشد من ضرر الحنطة]:
وليس له أن يزرعها ما ضرره أشد من ضرر الحنطة، فإن فعل فلربها كراء الحنطة وقيمة الإضرار بالزيادة خلافًا للشافعي في قوله: أنه يلزمه كراء المثل في
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٣١، التفريع: ٢/ ١٨٩، الكافي ص ٣٧٢.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٢٨، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٨٨، ١٠٦.
(٣) القيمة: سقطت من (ق).
(٤) انظر: الأم: ٤/ ٣٥، مختصر المزني ص ١٢٧، الإقناع ص ١٠٠.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٤٧٣، التفريع: ٢/ ١٨٩، الكافي ص ٣٧٨.
(٦) انظر: المحلي: ٩/ ٧٧، والمغني: ٥/ ٤٨٤.
[ ٢ / ١٠٩٨ ]
الجميع (^١)؛ لأنه تناول من المنفعة زيادة على القدر المعقود عليه فلزمه بقدر (^٢) ما زاد أصله إذا اكترى جملًا ليسير عليه من بغداد إلى مكة فتعدى به إلى مصر.
فصل [١٩ - جواز اشتراط الخيار في الإجارة]:
يجوز أن يشترط (^٣) الخيار في الإجارة سواء كانت معينة أو مضمونة (^٤)، خلافًا لأصحاب الشافعي (^٥)؛ لأن المنافع أحد نوعي ما يقصد بالمعاوضات المحضة، فجاز اشتراط الاختيار فيه كالأعيان.
فصل [٢٠ - تعيين المركوب ووصفه]:
المركوب لا بد أن يعرف بتعيين أو وصف بالمشاهدة يشار إليه بأن يقال: أكريتك هذه الدابة أو الناقة، والموصوف لا بد فيه من ذكر الجنس والنوع الذكورية والأنوثية (^٦) لأن الأغراض تختلف باختلاف الأجناس لأن الجمل يقوى على الحمل أكثر من الدابة (^٧) والحمار والغرض بها مختلف، وكذلك أنواعها لأن النجيب لا يصلح للحمل، وإنما يصلح للركوب، وكذلك الذكر يكون أضعف من الأنثى فلا بد أن يبين.
فصل [٢١ - في عدم الحاجة إلى وصف الراكب]:
لا يحتاج إلى وصف الراكب خلافًا للشافعي (^٨)؛ لأن أجسام الناس متقاربة في العادة غير متفاوتة فلم يحتج إلى رؤيته، فإن آتاه بفادح عظيم الخلق ليس هو الغالب فلا يلزمه.
_________________
(١) انظر: الأم: ٤/ ٣٥، مختصر المزني ص ١٢٧، الإقناع ص ١٠٠.
(٢) مقدر: سقطت من (م).
(٣) في (م): شرط.
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٣ و٤٧٢، الكافي ص ٣٦٩.
(٥) انظر: الأم: ٤/ ٢٦، الإقناع ص ١٠٠.
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٢، التفريع: ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، الكافي ص ٣٧١.
(٧) لعله يقصد بالدابة البغل.
(٨) انظر: الأم: ٥/ ٣٥، مختصر المزني ص ١٢٧.
[ ٢ / ١٠٩٩ ]
فصل [٢٢ - في عدم تعين استيفاء المنافع في الإجارة]:
الظاهر من مذاهب أصحابنا أن استيفاء المنافع لا يتعين في الإجارة، وإنه إن عين فذلك (^١) كالوصف لا ينفسخ العقد بتلفه بخلاف العين المستأجرة إذا تلفت، وذلك كما يستأجر على رعاية غنم بأعيانها أو خياطة قميص بعينه فتهلك الغنم ويحترق الثوب فلا ينفسخ العقد وعلى المستأجر أن يأتيه بغنم مثلها (^٢) ليرعاه أو قميص مثله ليخيطه، وقد قيل: إنها يتعين (^٣) بالتعيين فينفسخ العقد بتلف المحل المعين (^٤).
فوجه الأولى: أنه قد ثبت أن عقد الإجارة لازم من الطرفين وليس لأحدهما فسخه مع التمكين من استيفاء المنافع، فلو قلنا: إن محل الاستيفاء يتعين لحصل منه (^٥) نقض الأصل لأن المستأجر يبيع الشيء المستأجر عليه فيفسخ العقد فيه باختياره، وذلك ينفي اللزوم ولا يمكنه أن يأتي بمثله أو يمنعه من البيع والهبة ينقطع تصرفه في ملكه من غير تعلق حق لغيره فيه، ولأن محل الاستيفاء حق للمستأجر دون المؤاجر ولأن المستأجر عقد على منافع يستوفيها فيلزم المؤاجر أن يوفيه إياها وتعيين ما يستوفيها منه (^٦) لا حق للمؤاجر فيه.
ووجه الثاني: أن أحد المحلين في الإجارة يصح معه (^٧) تعيينه كالأجير لأنه إذا استأجر دابة ليركبها فماتت الدابة انفسخ العقد ولم يلزمه أن يأتي ببدلها، كذلك إذا عين من يركبها والقميص الذي يخيط أو الغنم التي يرعاها يجب أن
_________________
(١) في (م): فإنه.
(٢) في (ق): مثله.
(٣) في (م): تتغير بالتغيير.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٤ - ١٨٦، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٥) في (ق): ليحصل.
(٦) في (م): فيه.
(٧) معه: سقطت من (م).
[ ٢ / ١١٠٠ ]
ينفسخ العقد بتلف ذلك كما ينفسخ العقد بتلف بموت الراعي والدابة، ولأنه قد ثبت تعيين ذلك في الظئر إذا استؤجرت لرضاع الصبي والطيب لعلاج المريض (^١) أو لقلع الضرس إذا برأ أو مات الصبي، وكذلك في سائر ما يستأجر عليه.
فصل [٢٣ - استيفاء المنافع في الإجارة الفاسدة]:
إذا استوفيت (^٢) المنافع في الإجارة الفاسدة لزم بها أجرة المثل كالمبيع بيعًا فاسدًا إذا فات أنه يلزم بالقيمة دون الثمن لأن الأجرة ثمن للمنافع كما أن الأثمان في البياعات أعواض عن الأعيان، فإذا قبض العين المستأجرة في الإجارة الفاسدة فعليه أجرة المثل سواء استعملها أو لم يستعملها (^٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا أجرة عليه إذا لم يستعملها (^٤)؛ لأنها عين قبضت على وجه الإجارة فكان تلف المنفعة فيها مضمونًا بالتبذل أصله الإجارة الصحيحة، وإن تلف المنافع في العين المقبوضة على وجه الإجارة الصحيحة (^٥) يوجب بدلها على من تلفت في قبضه أصله إذا استوفاها بنفسه.
فصل [٢٤ - أجرة الإجارة]:
لا يجوز أن تكون الأجرة في الإجارة مجهولة ولا غرر (^٦) لأنها عوض في عقد معاوضة محضة كالثمن في البيع.
ولا يجوز أن يستأجر نساجًا لينسج له غزلًا بنصف الثوب ولا بقيمته لأن الثوب
_________________
(١) في (م): العليل.
(٢) في (م): استوعبت.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٧، التفريع: ٢/ ١٨٤ - ١٨٦، الكافي ص ٣٦٨ - ٣٧٠.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٢٨ - ١٢٩، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٥) الصحيحة: سقطت من (ق).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٣٨٩، التفريع: ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، الرسالة ص ٢١٨ - ٢١٩، الكافي ص ٣٧٤ - ٣٧٧.
[ ٢ / ١١٠١ ]
الذي يخرج مجهول الصفة، ولأن نصف الغزل الذي استأجره به لا يسلمه إليه إلا بعد مدة وهي حصول النسج.
ولا يجوز في المبيع بعينه اشتراط الأجل في تسليمه إذا خيف منه الغرر وكذلك القيمة المجهولة لا يدري كم يكون مقدارها، ويجوز أن يستأجره على عمل نصف الغزل بالنصف الآخر لأنه معلوم لا غرر فيه ولا جهالة، ومتى وقع العقد على الوجه الأول ونسج الثوب فجميعه لصاحب الغزل وللصانع أجرة المثل، ومثل ذلك أن يكري دابته أو غلامه من رجل بنصف الكسب لأنه عوض مجهول فإن وقع: فلصاحب الدابة أو الغلام أجرة بالمثل، وجميع الكسب للمستأجر.
ولو قال له: اعمل على دابتي ولك النصف من الكسب لكان العقد فاسدًا للجهل بمقدار الكسب لكنه إن وقع كان الكسب كله لصاحب الدابة وللأجير (^١) أجرة المثل بخلاف الأولى لأن الإجارة في المسألة الأولى وقعت على الدابة والأجر كان مجتبيًا للكسب، وفي مسألتنا وقعت الإجارة على الرجل واجتبى الكسب من قبل الدابة، فمن وقع عليه عقد الإجارة (^٢) لم يكن له من الكسب شيء.
فصل [٢٥ - فيمن اكترى دابة إلى مكان معلوم بأجرة معلومة ثم وجد حاجته دون ذلك]:
يجوز أن يكتري الرجل الدابة إلى مكان معلوم بأجرة معلومة: فإن وجد حاجته دون ذلك فحسابه من الأجرة (^٣) لأنه يكون كأنه قال له: أكريك من هذا الطريق كل بريد (^٤) بدينار، ويجوز ذلك على ما قدمناه من قوله: أجرتك (^٥)
_________________
(١) في (ق): وللآخر.
(٢) الإجارة: سقطت من (م).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٥، التفريع: ٢/ ١٨٧، الكافي ص ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٤) بريد: البريد هو الرسول ثم استعمل في المسافة التي يقطعها وهي اثنى عشر ميلًا (المصباح المنير ص ٤٣).
(٥) في (ق): أكريتك من.
[ ٢ / ١١٠٢ ]
هذه الدار من حساب كل شهر بدينار، ويكون ذكر الفراسخ والمسافة لتتقدر الأجرة به.
فصل [٢٦ - في إجارة المشاع]:
إجارة المشاع (^١) جائزة من (^٢) الشريك وغيره (^٣)، خلافًا لأبي حنيفة (^٤) في قوله: أنه لا تجوز إلا من الشريك، وإن كل معاوضة جاز أن يعاوض عليها الشريك جاز أن يعاوض عليها الأجنبي أصله البيع، ولأنه عقد إجارة على ملك له معروف يمكن تسليمه إلى المستأجر فجاز ذلك اعتبارًا بالمجوز.
فصل [٢٧ - إجارة دار بسكنى دار أخرى]:
يجوز أن يستأجر دارًا بسكنى دار أخرى (^٥) خلافًا لأبي حنيفة (^٦) في قوله: إن المنافع لا يكون أجرة للمنافع إلا أن يكون من جهة أخرى، لأنهما منفعتان يجوز عقد الإجارة على كل واحد منهما في الانفراد، فجاز أن يعقد على إحداهما بالأخرى كما لو كانا من جنسين.
فصل [٢٨ - إجارة الظئر]:
يجوز أن يستأجر الظئر (^٧)، وكل أجير بطعامه وكسوته ويكون له ما يكون
_________________
(١) المشاع: وهو غير المتميز على حدة (الفواكه الدواني: ٢/ ١٦٥).
(٢) في (م): بين.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٤٨.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٣١، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٠٠، وقال أبو يوسف ومحمد: إجارة المشاع جائزة.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٤٤٨، الكافي ص ٣٦٩ - ٣٧٠.
(٦) انظر: فتح القدير: ٧/ ٢٢٤، و٢٠٩.
(٧) الظئر: المرضع (الكافي ص ٣٧٤).
[ ٢ / ١١٠٣ ]
لمثله من الوسط (^١) خلافًا للشافعي في منعه ذلك في كل أجير (^٢)، ولأبي حنيفة في منعه ذلك في كل أجير على الظئر (^٣).
فدليلنا أن الأعواض في المنافع يقوم العرف فيها مقام الشرط والاسم كنفقة الزوجة، وصفة ركوب الراكب في الإجارة، ولأنه لما جاز أن تكون النفقة (^٤) مجهولة وترجع إلى الوسط ويتبع في معرفتها العرف كذلك في الإجارة، وعلى أبي حنيفة (^٥)؛ لأنه عقد إجارة فصح بالطعام والكسوة اعتبارًا بالرضاع.
فصل [٢٩ - إذا اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها]:
إذا اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها، فالكراء فاسد (^٦)، لأن المنفعة المستأجر عليها مجهولة فيكون غررًا لأن الأشياء المحمولة تختلف في الإضرار بالدابة لأن حمل القطن والثياب أقل إضرارًا من حمل الصخر والحديد، والأجرة مختلفة متفاوتة، وكذلك كراء الركوب بخلاف كراء العمل، فإذا لم تكن المنفعة المكترى لها معلومة لم يصح.
فصل [٣٠ - إذا اكترى أرضًا ليغرس فيها فانقضت مدة الإجارة]:
إذا اكترى أرضًا ليغرس فيها فانقضت مدة الإجارة: فإن صاحبها غير بين أن يأخذ المستأجر بالقلع ولا شيء عليه من أجرة القلع، أو يعطيه قيمة الغراس مقلوعًا أو يبقيه في الأرض ويكونا شريكين (^٧)، خلافًا للشافعي في قوله: إنه ليس له أن يطالبه بقلع الغراس إلا بعد أن يعطيه أرش القلع (^٨)؛ لأن الإجارة
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤١٠ - ٤١٢، التفريع: ٢/ ١٨٧، الكافي ص ٣٧٤ - ٣٧٥.
(٢) انظر: الأم: ٤/ ٢٥، ٣٨، مختصر المزني ص ١٢٦، الإقناع ص ١٠٠.
(٣) انظر: مختصر القدوري - مع شرك الميداني: ٢/ ١٠١.
(٤) في (ق): القيمة.
(٥) أبي حنيفة: سقطت من (م).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢٧، التفريع: ٢/ ١٨٦ - ١٨٨، الكافي ص ٣٧١ - ٣٧٢.
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٤٦٣، التفريع: ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، الكافي ص ٣٧٨.
(٨) انظر: مختصر المزني ص ١٢٩ - ١٣٠، الإقناع ص ١٠١.
[ ٢ / ١١٠٤ ]
تقضي تسليم الأرض بعد انقضاء المدة فارغة من تعلق حق للمستأجر لها ويقل ما شغلها به، أصله إذا كان له فيها متاع أو طعام، فإنه يؤمر بقلعه، ولأن فائدة حصر العقد بالمدة تقدير المنفعة المستوفاة بها وانقطاعها فيما بعدها، وفي تبقية الغراس بعد المدة إبطال لفائدة التحديد والتقدير وخلافًا لموجب العقد.
فصل [٣١ - إجارة نزو الفحل]:
يجوز أن يؤاجر الرجل فعله من إبله أو بقره أو غيرها على أن ينزوا (^١) أكوامًا معلومة (^٢) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٣)، لأنه نوع من المنفعة كالركوب لأن كل منفعة ملك إباحتها للعين بغير عوض وملك منعه إياها، فإن المعاوضة جائزة عليها كالحمل، ولأن ذلك بمنزلة أن يستأجر رجلًا يلقح له نخلة فيقول: لأنَّه فعل يراد لحمل أُنثى ينتفع به تجوز إباحته بغير عوض، فجاز بعوض أصل التلقيح.
فصل [٣٢ - استئجار الأجير شهرًا بدينار على أن يعطيه الأجير كل يوم درهمًا]:
لا يجوز للرجل (^٤) أن يستأجر الرجل الأجير شهرًا بدينار (^٥) على أن يعطيه الأجير كل يوم درهمًا أو أقل أو أكثر (^٦) لأن ذلك فضة بذهب متأخرة، ولأنه عمل وفضة بذهب.
فصل [٣٣ - يكتري الدار في رمضان لذي القعدة]:
يجوز أن يكري داره في رمضان لذي القعدة، فتكون هذه الإجارة بعد العقد
_________________
(١) النزو: الوثوب. (المصباح المنير ص ٦٠١).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٤٠١.
(٣) انظر: مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ١٠٠، المهذب: ١/ ٤٠١.
(٤) للرجل: سقطت من (ق).
(٥) الأجير شهرًا بدينار: سقطت من (م).
(٦) انظر: المدونة: ٣/ ٤٥٠، التفريع: ٢/ ١٨٦، الكافي ص ٣٧٣ - ٣٧٤.
[ ٢ / ١١٠٥ ]
بشهر أو ما يقاربه (^١) خلافًا للشافعي في قوله: لا يجوز إلا أن تكون المدة عقيب العقد بلا فصل (^٢)؛ لأن الإجارة عقد على ما لم يخلق من المنافع، فجاز أن يتأخر شرط المدة واستيفاؤها ما لم يعد ذلك بتعذر قبضها عند الحاجة، ولأنه لو عقد على هذه الدار شهرًا أو على شهر بعده لجاز كذلك في مسألتنا لأنه قد حصل العقد للشهر الثاني قبل مضي الأول، فلا فرق بين أن يكون الأول داخل في العقد أو خارجًا عنه.
فصل [٣٤ - بيع العين المستأجرة من المستأجر وغيره]:
يجوز المؤاجرة أن يبيع العين المستأجرة من المستأجر وغيره إن بقي من مدة الإجارة ما لا يكون غررًا يخاف تغيرها في مثله (^٣)، خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (^٤)، لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ (^٥)، ولأنه ليس في بيعها إبطال حق المستأجر لأن المشتري إنما يسلمها (^٦) بعد انقضاء مدة الإجارة فكل تصرف لا يبطل حق المستأجر لا يمنع، أصله إذا باعها منه، ولأنه عقد على منفعة فلم يمنع العقد على الرقبة أصله إذا باع أمة قد زوجها.
فصل [٣٥ - إجارة الدور وسائر العقار أكثر من سنة]:
تجوز إجارة الدور وسائر العقار أكثر من سنة (^٧)، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز (^٨)، فدليلنا أنها مدة تبقى المنافع إليها ويمكن استيفاؤها كالسنة.
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٥٢، الكافي ص ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٢) انظر: الأم: ٤/ ٢٧ - ٢٩، مختصر المزني ص ١٢٦ - ١٢٧، المهذب: ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤٣٣، والرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٣١، الأم: ٤/ ٢٨ - ٢٩.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٧٥.
(٦) في (ق): سلمها.
(٧) انظر: المدونة: ٣/ ٤٥٠، ٤٥٤، الكافي ص ٣٦٩.
(٨) مختصر المزني ص ١٢٨ - ١٢٩.
[ ٢ / ١١٠٦ ]
إذا استأجرها عشر سنين بأجرة معلومة لجملة المدة جاز ولم يلزم أن يعين ما لكل سنة خلافًا للشافعي؛ لأنها مدة تجوز الإجارة إليها فوجب أن يكون ذكر الأجرة لجملتها مغنيًا عن ذكر ما يقابل تفصيلها أصله السنة والشهر.
فصل [٣٦ - ضمان ما حمله المستأجر]:
ومن استؤجر لحمل ما سوى الطعام فادعى تلفه أو كسره فلا ضمان عليه، لأن الأجير مؤتمن كالوكيل والرسول، فإن استؤجر على حمل طعام ضمن إن ادعى تلفه (^١)، خلافًا لمن منع ذلك (^٢)؛ لأن العادة جارية بأن الأكرياء يتسرعون إلى أكل الطعام الذي في أيديهم لدناءة نفوسهم، ويحملون على أن نفوس الناس (^٣) وأهل المروءات والأقدار يأنفون من أن يطلبوهم بمثله من المأكولات لا سيما العرب مع كرمهم وعزة نفوسها واعتيادها بذله والسماحة به، وفي ذلك إضرار بالناس وليس كذلك العروض وغيرها لأنه لا يقبح في العادة المطالبة بها، وإن قل ما يستأجر على حمله منها، ولا جرت عادة الأكرياء بالتسرع إلى تناولها كما جرت عادتهم بذلك في الطعام، ولأن بالحجاز يتنافس في الطعام لضيق العيش هناك وشدة الحاجة إليه فلو لم يضمن الأكرياء لتسرعوا إلى تناوله ولحق الناس الضرر، إذا استؤجر على حمل شيء فتلف منه من غير تعد ولا تفريط فلا ضمان عليه لأنا قد بينا أنه مؤتمن فلا يضمن إلا بالتعدي والتقصير في ترك التحفظ (^٤).
فصل [٣٧ - إذا ساق الدابة بالعصى وضربها فعطبت]:
إذا ضرب الدابة أو ساقها بالعصى على عادة الناس من غير خرق فعطبت لم
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤١٣، ٤٣٦، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧١.
(٢) في أحد قولي الشافعي، وروي عن عطاء وطاوس وزفر (انظر المهذب: ١/ ٤٠٨).
(٣) في (م): ويحيلون على أنفسهم الناس.
(٤) في (ق): الحفظ.
[ ٢ / ١١٠٧ ]
يضمن (^١) خلافًا لأبي حنيفة (^٢)، لأن العرف جار به بأنه لا بد للدابة من سوق وزجر على السير، والضرب بالمعروف على قدر الحاجة، فكان هذا القدر مأذونًا فيه فلم يضمن ما حدث عنه.
فصل [٣٨ - إذا غرقت السفينة المستأجرة لحمل الطعام]:
إذا استأجر سفينة لحمل طعام فغرقت فلا ضمان عليه (^٣) خلافًا لأبي حنيفة (^٤) لأن الملاح لم يتعد فأشبه أن تغرق بالموج والريح، وقياسًا عليه إذا كان صاحبه معه.
فصل [٣٩ - في كراء من غرقت سفينته]:
واختلف في كرائه فقيل: لا شيء له (^٥)، وقيل له: من الأجرة بقدر ما مضى من المسافة، فوجه الأول (^٦) أن العرف جار في مثل ذلك بأنه على البلاغ لأنه جار مجرى الجعل: كأنه يقول إذا بلغت بالطعام إلى موضع كذا وكذا (^٧) فهذه الأجرة لك، فإذا لم يحصل الفرض لم يستحق شيئًا، ووجه الآخر إنه إجارة وليس بجعل لأن العمل والأجرة مقدران، فكان له من الأجرة بحساب ما مضى كسائر الإجارات.
فصل [٤٠ - إذا اكترى إبلًا إلى الحج فأخلفه الجمال]:
إذا اكترى إبلًا إلى الحج فأخلفه الجمال (^٨): فإن المكتري يأتي الإِمام ويقيم
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، الكافي ص ٣٧١.
(٢) انظر: مختصر القدوري مع شرح الميداني: ٢/ ٩٢.
(٣) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٧، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧٢.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٢٩ - ١٣٠، مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ٢/ ٩٣.
(٥) في (ق): عليه.
(٦) في (م): الأولى.
(٧) كذا: سقطت من (م).
(٨) الجمال: صاحب الجمل والعامل عليه (المعجم الوسيط: ١/ ٣٦).
[ ٢ / ١١٠٨ ]
عنده البينة فإن كان الجمال له (^١) مال تكارى له الإِمام عليه لأن القضاء على الغائب واجب إذا التمس ذلك صاحب الحق، وإذا لم يكن للجمال مال لم يتكارى عليه (^٢) لأنه لا يحصل لمن يتكارى منه عوض ما يكترى منه (^٣)، فإن كان المكتري هو الذي هرب فالجمال أيضًا يقيم البينة ويكري الإِمام مكانه رجلًا إن كان اكترى للركوب أو حمولة مثله إن كان اكترى للحمل بسعر الوقت يوم الحكم ويكون على الهارب ضمان نقصان إن كان في الكراء وله زيادة إن حصلت ويدفع الأجرة إلى الجمال، فإن تعذر ذلك إلى فوات الحج فقد انفسخ العقد لأن الإجارة هاهنا متعلقة بزمان، والمنافع المختصة بالأزمان لا يصح فيها القضاء، والتراد واجب بينهما والكراء في غير الحج بخلاف ذلك لأن العادة لا تخصه بزمان فلا ينفسخ العقد، وتكون الحمولة له أي وقت وجده.
فصل [٤١ - في عدم ضمان الراعي ما هلك من الغنم]:
لا يضمن الراعي ما هلك من الغنم لأنه أمين كالوكيل، فإذا ذبح شاة وادعى أنه خاف عليها الموت ففيها روايتان: إحداهما وجوب الضمان، والأخرى نفيه (^٤) فوجه الوجوب أنه متعمد بذبحها لأنه لم يؤمر بذلك، وإنما هو مؤتمن فيما أذن له فيه لا في غيره، ووجه النفي فلأن التهمة زائلة عنه في العادة، والعرف يشهد أن في فعله مصلحة فلم يضمن.
فصل [٤٢ - سقوط الضمان على صاحب الحمام]:
لا ضمان على صاحب الحمام (^٥) لأنه لم يسلم إليه (^٦) ما يلزم فيه ضمان،
_________________
(١) في (م): للجمال.
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ٤٤١ - ٤٤٣، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧٢.
(٣) عوض ما يكترى منه: سقطت من (م).
(٤) انظر: المدونة: ٣/ ٤٠٨، التفريع: ٢/ ١٨٧، الكافي ص ٣٧٤.
(٥) انظر: الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧٥.
(٦) في (م): لم يتسلم ما يلزم.
[ ٢ / ١١٠٩ ]
وإن كانت الثياب سلمت إليه فلا ضمان عليه لأنه أمين كالمودع إذ قبضه للثياب لمنفعة ربها دون منفعة نفسه.
فصل [٤٣ - من استعار عبدًا بغير إذن سيده أو صغيرًا بغير إذن وليه]:
من استعار عبدًا بغير إذن سيده أو صغيرًا بغير إذن وليه في شيء فتلف فيه فينظر (^١)، فإن كان مما يتلف في مثله ولا يلحق ضرر بالاستعانة فيه فلا يضمن ما كان عنه مثل: أن يقول: ناولني هذه المروحة أو هذه الخرقة أو ما أشبه ذلك لأن ضرورة العادة قاضية بأن مثل هذا لا يكون منه تلف وأن الناس يتسامحون به فيما بينهم فلا ضمان فيه إن كان عنه تلف ولا أجرة فيه مع السلامة، وإن كان الشيء المستعان فيه مما له بال وخطر وتطلب الأجرة في مثله فهو متعد بذلك، ولولي الصغير وسيد العبد مطالبته بالأجرة إن سلم لأنه استوفى منافع لها قيمة بغير إذن من إليه (^٢) الإذن فيها، فكان ضامنًا للبذل فيها بتعديه، وإن كان عن ذلك تلف ضمن دية الحر وقيمة العبد لأنه سبب تلفهما باستعمالهما على وجه التعدي.
فصل [٤٤ - في تضمين الصناع]:
الصناع المؤثرون بصنائعهم في الأعيان: كالقصارين والصباغين والصاغة وغيرهم ضامنون بما أسلم إليهم مما يستأجرون على عمله إذا غابوا عليه، ولا يقبل قولهم في تلفه، فإن قامت لهم (^٣) بينة به سقط الضمان عنهم عند مالك وابن القاسم ولا يسقط عند أشهب وسواء عملوا بأجر أو بغير أجر ولا يضمنون ما لم يقبضوه ويحملوه إلى منازلهم، وإذا سقط الضمان عنهم، ففي وجوب الأجرة لهم خلاف: قال ابن القاسم: ليس لهم أجرة، وقال ابن المواز: تكون لهم الأجرة (^٤).
_________________
(١) انظر: الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٨، المقدسات: ٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
(٢) في (م): له.
(٣) في (ق): له.
(٤) في جملة أحكام تضمين الصناع انظر: المدونة: ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٨، التفريع: ٢/ ١٨٩، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧٥ - ٣٧٦.
[ ٢ / ١١١٠ ]
فصل [٤٥ - دليل تضمين الصناع في الجملة]:
وإنما قلنا: إن الصناع في الجملة يضمنون خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^١) في تفريقه (^٢) بين الخاص (^٣) والمشترك، لأن ذلك إجماع الصحابة، وروي عن عمر وعليّ وقال عليّ: لا يصلح الناس إلا ذلك (^٤).
ولأن في ذلك مصلحة ونظر للصناع وأرباب السلع، وفي تركه ذريعة إلى إتلاف الأموال وذلك أن بالناس ضرورة إلى الصناع إذ ليس كل أحد يحسن أن يخيط ثوبه أو يقصره أو يطرزه، فلو قبلنا قولهم: في الإتلاف مع علمهم بضرورة الناس إليهم لتسرعوا إلى ادعائه ولأُجبروا على الناس وللحق أرباب السلع أشد ضرر، فكان الحظ للجميع دفعها على التضمين، ولأنه قبض العين لنفع نفسه من غير استحقاق للأجر بعقد متقدم فلم يقبل قوله في تلفها كالمقترض والمستعير.
وإنما شرطنا في ذلك أن يتسلموه ويغيبوا عليه لأنهم إنما يضمنون بالقبض، فإذا لم يسلم إليهم وكانوا في منازل أرباب السلع أو كان أرباب السلع معهم، فلم ينفردوا بقبض (^٥) يتهمون فيه بادعاء التلف فلا وجه للتضمين مع عدم موجبه.
فصل [٤٦ - في وجه إسقاط الضمان عنهم ووجه إيجابه]:
ووجه إسقاط الضمان عنهم فيما يعلم بالبينة صدقهم فيه أنه أجير ثبت
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٣٠، الإقناع ص ١٠٠، خلافًا للشافعي في أحد قوليه (انظر مختصر المزني ص ١٢٧).
(٢) في (ق): تفريقهم.
(٣) في (م): الحاضر.
(٤) أخرج هذه الآثار البيهقي: ٦/ ١٢٢، ١٢٣، عبد الرزاق: ٨/ ٢١٧، ٢١٨، والمحلي: ٨/ ٢٠٢.
(٥) في (م): يتقدروا للقبض.
[ ٢ / ١١١١ ]
هلاك ما دفع إليه من غير تفريظ فأشبه الخاص (^١)، ولأن التهمة زائلة مع قيام البينة.
ووجه إيجابه عليهم أن أصل قبضهم هو على الضمان فلم يسقط عنهم حسمًا للباب لأن (^٢) ما طريقة المصلحة وقطع الذريعة لا يتخصص (^٣) بالأعيان كمنع قبول (^٤) شهادة الأب لابنه.
وإنما لم نفرق بين ما عملوه بأجر أو بغير أجر خلافًا لأبي حنيفة لأن تركه الأجر لا يخرجه عن سنة الصناع في الضمان كما لو عملوه بأجر ثم وهبه له، ولأنه صانع قبض السلعة ولم تتم له بينة على تلفها كما لو عملها بأجر.
فصل [٤٧ - في وجه سقوط الأجرة فيما علم هلاكه]:
ووجه سقوط الأجرة فيما علم هلاكه بغير صنعتهم أن المالك لم يسلم له غرضه الذي تلزمه الأجرة في مقابلته فأشبه أن يهلك بتفريط من الصانع، ولأن الإجارة بيع منافع الأعيان (^٥)، ولو تلف المبيع الذي يتعلق له حق توفيه قبل تسليمه إلى المشتري لم يلزمه ثمنه كذلك في مسألتنا.
ووجه إيجابها أنه أجير وفَّا عمله فسقط ضمانه فكان له الأجر أصله الخاص (^٦) ولأن الأجرة في مقابلة العمل دون سلامة السلعة فإذا حصل العمل وجب استحقاق الأجرة أصله إذا حصلت عنده.
فصل [٤٨ - في اختلاف الصانع ورب السلعة في العمل]:
إذا اختلف الصانع ورب السلعة في العمل: فقال الصانع: أمرتني بكذا مثل
_________________
(١) في (ق): الحاضر.
(٢) في (ق): كان.
(٣) في (م): لا تتخفض.
(٤) قبول: سقطت من (م).
(٥) في (ق): كالأعيان.
(٦) (ق): أصله الخاص.
[ ٢ / ١١١٢ ]
الخياط يقول: أمرتني بقطع الثوب قميصًا، ويقول ربه: بل قباء، فالقول قول الخياط إذا أتى بما يشبهه (^١) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٢)، لأن اليمين يتوجه على أقوى المتداعين سببًا والخياط أقوى سببًا لأنَّه مأذون له في التصرف ومؤتمن (^٣) عليه، فكان القول قوله مع يمينه، ولأن الظاهر معه لأنهم إنما يعملون الصنعة على أمر رب المال ويستحقون العوض في مقابلتها وبإزاء إمكان الغلط عليهم وادعائهم ذلك على أرباب السلعة (لئلا تفوتهم الأجرة، [ولأن] (^٤) أرباب السلع) (^٥) ومحبتهم ألا يصل إلى الصناع أجره فيسقط الاحتمالان ويبقي الظاهر.
…
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٣٠، مختصر المزني ص ١٢٨.
(٣) في (ق): مأمون.
(٤) بياض في (ق).
(٥) ما بين قوسين سقط من (م).
[ ٢ / ١١١٣ ]
باب: [في الجعالة]
الأصل في جواز الجعل (^١) قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ (^٢)، وقوله ﷺ للذي رقى فأخذ عليه جعلًا من أكل يرقيه باطل: "فلقد أكلنا (^٣) برقية حق" (^٤)، وكأن الجعالة كانت قبل الإسلام وأقرها النبي - ﷺ - ولم ينكرها ولا نهى عنها.
فصل [١ - صفة الجعل]:
وصفة الجعل: أن تكون الأجرة مقدرة والعمل غير مقدر، فمتى قدر العمل لم يكن جعلًا وصار إجارة، ولم يجز إلا فيما لا يتقدر من الأعمال، وصفته فيما لا يتقدر أن يجعل جعلًا في المجيء بعبده الآبق وبعيره الشارد: فإن جاء به استحق الجعل المقدر له وإن لم يأت به فلا شيء له، ولا يجوز ضرب أجل في ذلك لأنه يخرجه (^٥) عن بابه (لأن وقت إصابته غير معلوم ولا يدري هل يكون أم لا) (^٦).
_________________
(١) الجعل: هو عقد معاوضة على عمل آدمي يعوض غير ناشيء عن محله به لا يجب إلا بتمامه (الرصاع على ابن عرفة ص ٤٠٢).
(٢) سورة يوسف، الآية: ٧٢.
(٣) في (م): أكلت.
(٤) أخرجه أبو داود في الطب باب كيف رقي ٢/ ٢٢٠.
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ٤١٩ - ٤٢٢، التفريع: ٢/ ١٩٠، الرسالة ص ٢١٨، الكافي ص ٣٧٦.
(٦) ما بين قوسين سقط من (ق).
[ ٢ / ١١١٤ ]
فصل [٢ - في حكم عقد الجعالة من حيث اللزوم والجواز]:
الجعل جائز وليس بلازم إلا أن يشرع المجعول له في العمل فيلزم (^١)، وذلك لأن العمل جار فالجواز فيه دون اللزوم فلم يجز إخراجه عن بابه، وإذا شرع في العمل فقد حصل أحد الطرفين فلا يجوز إبطاله (^٢)، وإنما يجوز عندنا في الشيء الخفيف الذي لا خطر له أو ما لا ينحصر بأجرة، فأما ما يمكن أن يعقد عليه إجارة فيه أولى لأنها أبعد عن الغرر، ولأن العقد ينحصر من الطرفين فكان أولى.
فصل [٣ - عدم جواز كون الأجرة في الجعل مجهولة]:
لا يجوز أن تكون الأجرة في الجعل مجهولة (^٣) لأنه غرر، ولأن الجهل يدخل العقد من الطرفين، ولأن الجهل في العمل إنما يجوز للضرورة إليه لأنَّه لا يمكن حصره ولا ضرورة إلى ذلك في الجعل، فمن ذلك أن يجعل لمن جاء بعبده الآبق أو جمله الشارد نصفه لا يجوز لأنه لا يعرف صفته وقت المجيء به.
يجوز حصاد الزرع وجذاذ الثمر بنصفه لأنه معلوم، وإن قال: احصده فما حصدت من شيء ذلك نصفه أو ثلثه (^٤)، فجائز أيضًا لأنه معلوم، ولأن كل جزئين من الزرع مستحق بإزائها جزء منه، فإن قيَّد ذلك بزمان بعينه مثل: أن يقول احصد زرعي هذا اليوم، فما حصد منه ذلك نصفه: فقيل: لا يجوز لأن قدر ما يحصد في اليوم غير معلوم، وقيل: يجوز لأن الأجرة في الجملة مقدرة.
فأما نفض الزيتون بنصف ما يسقط منه: فإن أراد تحريك الشجرة وله نصف ما يسقط فذلك مجهول، وإن أراد الجميع جاز.
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٩٠، الكافي ص ٣٧٧.
(٢) فلا يجوز إبطاله: سقطت من (ق).
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠، التفريع: ٢/ ١٩٠، الرسالة ص ٢١٨، الكافي ص ٢٧٦.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٩٠.
[ ٢ / ١١١٥ ]
فصل [٤ - فيمن جاء بآبق أو شارد ابتداء ثم طلب الأجر]:
من جاء بآبق أو شارد ابتداء ثم طلب الأجر: فإن كان ذلك شأنه وعادته ويعلم أنه يتكسب به فله أجرة مثله بقدر تعبه وسفره وتكلف طلبه (^١)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنه متطوع لا شيء له (^٢)، لأن منافعه فيما لو أضاعه ربه لعُدَّ سفها منه يوجب له الأجر عليها أصله لو سقط من موضع عال أو وقع في بئر فأخرجه، فأثبت ذلك فله أجر مثله لأنه ليس هناك مسمى، فإن أبى صاحب العبد أن يدفع إليه خلا بينه وبين العبد لأن امتناعه من ذلك رضا بإسلام (^٣) العبد، وإن علم أن ذلك ليس من شأنه وعادته أنه يرتفع عن مثله وإنما فعله على وجه الحسبة واكتساب المودة فليس له أجرة إن طلبها لأن دعواه لذلك ينافي ظاهر حاله، فكأنه ندم فاستدرك ندمه فلا يستحق شيئًا.
فصل [٥ - مشارطة المعلم على تعليم الصبي القرآن، ومشارطة الطبيب على برء العليل]:
تجوز مشارطة المعلم على تعليم الصبي القرآن على الحذاق، ومشارطة الطبيب على برؤ العليل (^٤) لأن الضرورة تدعو إلى ذلك فجُوِّز لأجلها إذا كان مقامه في التعليم غير معلوم وبرء العليل غير معروف المدة.
فصل [٦ - الجعالة على حفر الآبار]:
يجوز (^٥) الجعل على استخراج المياه في الآبار والعين على صفة معلومة
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ١٩٠.
(٢) انظر: المبسوط: ١١/ ١٧، المهذب: ١/ ٤١٨.
(٣) في (م): بتسليم.
(٤) انظر: التفريع: ٢/ ١٨٦، الرسالة ص ٢١٩، الكافي ص ٣٧٤.
(٥) يجوز سقطت من (ق).
[ ٢ / ١١١٦ ]
ومعرفة بعد الأرض وقربها وشدتها ولينها، فإن لم يعرف ذلك لم يجز (^١) لأنها معاوضة على عمل مجهول لا تدعو ضرورة إليه، وإن لم يأت الماء فلا شيء له إلا أن يكون رب الدار (^٢) قد انتفع بشيء من عمله فتكون له الأجرة بقدره.
(تم البيع والحمد لله رب العالمين) (^٣)
…
_________________
(١) انظر: المدونة: ٣/ ٤٢١، التفريع: ٢/ ١٩٠ - ١٩١، الرسالة ص ٢١٨ - ٢١٩، الكافي ص ٧٧.
(٢) في (م): الأرض.
(٣) ما بين قوسين: سقط من (م).
[ ٢ / ١١١٧ ]