لما كان مدار هذا الباب على بيان أداب الشريعة ومندوباتها ومسنوناتها وتفصيل المستحب والفاضل والمرغب فيه والمرخص فيه والمكروه وما يتعلق بذلك من أحكام المكلفين وجب بيان معاني هذه الأوصاف قبل ذكر الأفعال التي هي محالها ليفهم الدارس معانيها ويقف على الغرض منها، وإلا فمتى وصف الفعل أنه واجب أو ندب وهو ما يعرف معنى الوجوب والندب كان كالحاطب (^٢) بين ظلام وعشاء (^٣) فلذلك وجب (^٤) البدأ بهذا الباب وأحكامه، وقد كان من حق التصنيف أن يكون الابتداء أولى به من الخاتمة ولكن تجدد هذا الرأي بعد خروج نسخ منه كرهنا إفسادها بالاختلاف والله الموفق للصواب (^٥).
فصل [١ - في حكم أفعال المكلفين]:
اعلم أن أفعال المكلفين لا تخرج على اختلاف أوصافها وتباين أحكامها على خمسة أحكام وهو: الوجوب والندب والحظر والكراهة والإباحة ولكل واحد
_________________
(١) هذا الأسلوب في تبويب المسائل الذي يدرج جانبا منها تحت عنوان "الجامع". يختص بالتأليف في مذهب مالك وهو لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب، وهو من محاسن التصنيف لأنه يجمع مسائل لا يتناسب وضعها في ربع من أرباع الفقه وهم في ذلك يتأسون بإمام المذهب في مؤلفه الموطأ (انظر مقدمه تحقيق كتاب الجامع- لابن أبي زيد: ٧٩ - ٨١).
(٢) في م: كالحائط وفي ر: كالخابط.
(٣) عشاء بالكسر والمد أول ظلال الليل، أو لعله يقصد عشي العين (المصباح المنير: ٤١٢).
(٤) في م: وجه.
(٥) في ن: والله ولي التوفيق.
[ ٣ / ١٦٩١ ]
من هذه الألفاظ معنى على طريق اللغة ومعنى على طريق الأصوليين ونحن نبين جميع ذلك.
فأما معنى الوجوب فهو تحريم الترك (^١) فكل واجب فتركه حرام، وقيل ما في فعله ثواب وفي تركه عقاب (^٢)، والأول أخص وله عبارات يقال واجب ومفروض ومكتوب ولازم ومستحق.
هذا على طريق الأصوليين وبجميعه قد ورد بها شرع قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٣) يعني وجب، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ (^٤) وقال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ (^٥) يريد أن نوجبها عليكم، وقال: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٦) يريد مستحقا، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٧) وغيرها من ألفاظ الوجوب، وفي الحديث "فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر من رمضان"، (^٨) وحديث الخثعمية (^٩) لما قالت إن فريضة الله تعالى على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا (^١٠)، وقال تعالى: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (^١١)، ويبين ذلك أن أهل اللغة لا يفرقون بين
_________________
(١) انظر مختصر ابن الحاجب: ١/ ٢٣٠، شرح تنقيح الفصول-: ٧١.
(٢) انظر المستصفى: ١/ ٦٥، الأحكام، لابن حزم: ١/ ٣٢٣، إرشاد الفحول: ٦.
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٨٣.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٤٥.
(٥) سورة هود، الآية: ٢٨.
(٦) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٧) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٨) سبق تخريج الحديث في صدقة الفطر.
(٩) الخثعمية: وهي امرأة من خثعم.
(١٠) الحديث أخرجه البخاري في الحج باب وجوب الحج وفضله: ٢/ ١٤٠.
(١١) سورة مريم الآية: ٧١.
[ ٣ / ١٦٩٢ ]
قول السيد لعبده فرضت عليك وأوجبت عليك وحتمت وكتبت وألزمت وأنا استحق عليه ويرونه كله عباره عن الوجوب وتحريم الترك (^١).
فأما أصل الوجوب في اللغة فهو السقوط يقال أوجب الحائط إذا سقط ووجبت الشمس (^٢)، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (^٣) فشبهوا المفروض بالشيء الذي قد سقط فلا يمكن رفعه كما لا يمكن الخروج عن الواجب إلا بفعله.
وأصل الفرض عندهم التقدير ومنه فرض القاضي أي تقديره (^٤) ومنه قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (^٦) أي قدر، واللزوم (^٧) أخذ الإنسان الشيء وإمساكه (^٨) إياه.
فصل [٢ - في الندب]:
والندب ما تتعلق الفضيلة بفعله ولا يتعلق العقاب بتركه (^٩) وهو مشارك للواجب في الوصف الأول ويباين له في الوصف الثاني، وله اعتبارات يقال: ندب ومستحب ومسنون وتطوع وإرشاد ونفل وفضيلة ومرغب فيه، وأصل الندب في اللغة الدعاء إلى الشيء (^١٠) يقال: ندبته إلى كذا.
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٦/ ٨٩ - ٩٠، الصحاح: ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) انظر المراجع السابقة.
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٦.
(٤) انظر معجم مقاييس اللغة: ٤/ ٤٨٩، الصحاح: ٤/ ١٠٩٧.
(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٣٧.
(٦) سورة التحريم الآية: ٢.
(٧) في م: ألزم.
(٨) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٤٥، الصحاح: ٥/ ٢٠٢٩.
(٩) انظر مختصر ابن الحاجب: ١/ ٢٢٥، شرح تنقيح الفصول: ٧١، الأحكام - للآمدي: ١/ ١١٩.
(١٠) انظر معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٤١٣.
[ ٣ / ١٦٩٣ ]
والاستحبات المحبة، والمسنون في الشرع في أعلى مراتب المندوب (^١) وهو في اللغة الطريقة (^٢) ومنه ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ (^٣) أي طريقتهم، وقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ (^٤) وقوله - ﷺ -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي" (^٥)، والتطوع مأخوذ من الطوع (^٦) وهو الانقياد يقال: أطاع بكرا أي انقاد إليه، واستجاب له، والإرشاد الهداية إلى المطلوب وإلى ما فيه الصلاح والنفل والهبة (^٧) والفضيلة مأخوذة من الفضل وهو في الفعل استحقاق الثواب عليه (^٨)، والرغبة والإرغاب إلى الفعل ليناله الفاعل.
فصل [٣ - في الحظر والكراهة والإباحة والصحة والرخصة]:
والمحظور هو المحرم الممنوع: وهو ما حرم فعله، وهو نقيض الواجب (^٩) والحظر، في اللغة المنع (^١٠) ومنه الحظيرة (^١١).
والمكروه نقيض المندوب إليه، وهو ما تعلق الثواب عليه بتركه ولا عقاب في فعله (^١٢).
_________________
(١) في م: المندوبات.
(٢) انظر الصحاح: ٥/ ٢١٢٨.
(٣) سورة الحجر الآية: ١٣.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٧٧.
(٥) أخرجه أبو داود في السنة باب في لزوم السنة: ٥/ ١٤، وابن ماجه في المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين: ١/ ١٥، والترمذي في العلم باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع: ٥/ ٤٣، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٦) انظر الصحاح: ٣/ ١٢٥٥.
(٧) انظر معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٩٨، الصحاح: ٢/ ٤٧٤.
(٨) انظر الصحاح: ٥/ ١٧٩١.
(٩) انظر شرح تنقيح الفصول: ٧١، المستصغي: ١/ ٧٦، الأحكام للآمدي: ١/ ١١٣.
(١٠) انظر معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٨٠، الصحاح: ٢/ ٦٣٤.
(١١) في ق: الخطرة.
(١٢) انظر شرح تنقيح الفصول: ٧١، والأحكام - للآمدي: ١٠/ ١٢٢.
[ ٣ / ١٦٩٤ ]
والإباحة التوسعة والإطلاق ومنه باحة الدار أي وسطها (^١)، والمباح كل فعل وقع من المكلف يستوي فعله وتركه لا ثواب في فعله ولا عقاب في تركه (^٢)، فهذه أصول أحكام أفعال المكلفين وما بعد ذلك داخل فيه: فالطاعة امتثال الأمر يقال أطاع فلانا إذا امتثل أمره (^٣).
والصحة وقوع الفعل على الشروط التي يعتد بها لفاعله معها (^٤)، والرخصة التخفيف بعد المنع والاستثناء من جملة ممنوعة، ومنه رخص السعر إذا كان بعد الغلاء (^٥)، وهذه جملة وافية في هذا الفصل.
* * *
_________________
(١) انظر معجم مقاييس اللغة: ١/ ٣١٥، الصحاح: ١/ ٣٥٦.
(٢) انظر، شرح تنقيح الفصول: ٧١، المستصفي: ١/ ٦٦، الأحكام- للآمدي: ١/ ١٢٣.
(٣) انظر معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٤٣١، الصحاح: ٢/ ١٢٥٥.
(٤) انظر، شرح تنقيح الفصول: ٧٦، المستصفي: ١/ ٩٤، الأحكام- للآمدي: ١/ ١٣٠.
(٥) انظر مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٧، شرح تنقيح الفصول: ٨٥، المستصفي: ١/ ٩٨، الأحكام للآمدي: ١/ ١٣٢.
[ ٣ / ١٦٩٥ ]
باب - في السلام
الابتداء بالسلام سنة، ورده آكد من ابتدائه، وينتهي السلام إلى البركة (^١) ويسلم الماشي على الجالس، والراكب على الماشي، والجالس، ويسلم الواحد من الجماعة يجزي عنهم ورد الواحد كذلك، ولا يبتدأ أهل الذمة بالسلام فإن بَدَؤُا به رد عليهم ولفظ الرد: وعليكم ويجزي سلام المسلم أن يزيد الابتداء على لفظ الرد والرد على لفظ الابتداء إلا أن الانتهاء في ذلك إلى البركات، ولا بأس بالسلام على المرأة المتجالة، ويكره سلام الرجل على الشابة (^٢).
فصل [١ - في سنية الابتداء بالسلام]:
وإنما قلنا إن الابتداء بالسلام سنة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (^٣)، وقوله - ﷺ -: "أفشوا السلام" (^٤) "من حق المسلم على المسلم ثلاثة: فذكر ويسلم عليه إذا لقيه" (^٥).
فصل [٢ - في حكم رد السلام]:
وإنما قلنا إن رده آكد من ابتدائه لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا
_________________
(١) أي إلى: وبركاته.
(٢) في جملة أحكام السلام انظر/الموطأ: ٢/ ٩٥٩، التفريع: ٢/ ٣٤٨، الرسالة: ٢٦٧، الكافي: ٦١٠.
(٣) سورة النور، الآية: ٦١.
(٤) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون: ١/ ٧٤.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في الجنائز باب الأمر باتباع الجنائز: ٢/ ٧٠، ومسلم في السلام باب من حق المسلم على المسلم …: ٤/ ١٧٠٥، وفيه حق المسلم على المسلم ست أما لفظ ثلاث فلم أعثر عليه.
[ ٣ / ١٦٩٦ ]
بِأَحْسَنَ مِنْهَا أو ردوها﴾ (^١) قيل إن ذلك في رد السلام (^٢)، ولأنه قد تعلق به المسلم كما تعلق في رد المشمت حق التشميت (^٣).
فصل [٣ - إلى أين ينتهي السلام]:
وإنما قلنا إنه ينتهي إلى قوله: وبركاته، فلأن ذلك ما ورد به الخبر عن النبي - ﷺ - والسلف ومنع ما زاد عليه وروي أن عمر ﵁ أتى النبي - ﷺ - فقال: السلام عليك يا رسول الله السلام عليك أيدخل عمر (^٤)، وروي أن رجلًا سلم على عبد الله بن عباس فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد بعد ذلك شيئًا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة (^٥)، وروي أن رجلًا سلم على عبد الله بن عمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته والعاديات والرائحات فقال ابن عمر عليك ألف وكأنه كره ذلك (^٦).
فصل [٤ - في تسليم الماشي على الجالس والراكب على الماشي]:
وإنما قلنا يسلم الماشي على الجالس والراكب على الماشي لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "يسلم الصغير على الكبير والماشي على القاعد والراكب على الماشي" (^٧).
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٨٦.
(٢) انظر تفسير الطبري: ٥/ ١٨٩.
(٣) حق التشميت: سقطت من ق.
(٤) أخرجه أحمد: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: ٨/ ٤٧).
(٥) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٩٥٩.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٩٦٢.
(٧) أخرجه البخاري في الاستئذان باب تسليم الراكب على الماشي: ٧/ ١٢٧، ومسلم في السلام باب يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير: ٤/ ١٧٠٣.
[ ٣ / ١٦٩٧ ]
وإنما قلنا إن تسليم الواحد من الجماعة مجزيء (^١) عنهم لما روي عنه - ﷺ - أنه قال: "إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم" (^٢).
فصل [٦ - في كفاية رد الواحد من الجماعة]:
وإنما قلنا إن رد الواحد من الجماعة مجزيء عنهم خلافًا لمن فرق بين الابتداء والرد فأجازه في الابتداء وأوجب في الرد أن يرد كل واحد منهم (^٣)، لقوله تعالى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٤) فمفهومه أن يرد بمثل ما ابتدأ من غير زيادة وذلك يقتضي أنه إذا سلم واحد رد واحد، وقوله - ﷺ -: "إذا سلم واحد من القوم أجزأ عنهم" (^٥) ولم يفرق بين الابتداء والرد ولأنه رد التحية وكتشميت العاطس.
فصل [٧]:
وإنما قلنا لا يبتدئ أهل الذمة بالسلام لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (^٦) والكافر ليس بأهل التحية والإكرام بل للإذلال والهوان، وقوله - ﷺ -: "لا تبدؤهم بالسلام" (^٧).
_________________
(١) في م: يجزي.
(٢) أخرجه مالك في موطئه مرسلًا: ٢/ ٩٥٩.
(٣) انظر الفواكه الدواني: ٢/ ٣٥٢.
(٤) سورة النساء، الآية: ٨٦.
(٥) سبق تخريج الحديث قريبا.
(٦) سورة النور الآية: ٦١.
(٧) أخرجه مسلم في السلام باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام: ٤/ ١٧٠٧.
[ ٣ / ١٦٩٨ ]
فصل [٨]:
وإنما قلنا يقول في الرد إذا سلم الذمي: وعليك، لقوله - ﷺ -: "إن اليهود إذا سلم عليكم (^١) أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقل وعليك" (^٢)، وفي رواية أخرى "وعليكم" (^٣) وقد اختار بعضهم أن يرد ﵇ بكسر السين وهي الحجارة (^٤) والأول أولى.
فصل [٩ - وجه جواز تزايد لفظي الابتداء والرد]:
وإنما أجزنا تزايد اللفظين لأن كل واحد (^٥) مروي عن السلف، ولأن المعنى واحد فيهما.
فصل [١٠ - دليل جواز سلام الرجل على المرأة والمرأة على الرجل]:
وإنما قلنا سلام الرجل على المرأة جائز والمرأة على الرجل لأن النبي - ﷺ - سلم على النساء (^٦)، ولأنه تحية للمؤمن فلم يختص به الرجال دون النساء كتشميت العاطس.
فصل [١١ - في التفريق بين السلام على المتجالة والشابة]:
وإنما فرقنا بين المتجالة والشابة لأن المتجالة لا تسبق الظنة إلى المسلم عليها أراد أن يكون بذلك محادثتها والإلتذاذ بكلامها والتذرع إلى ما يرتاب منها وذلك غير مأمون في الشابة فكره لما يطرق عليه.
_________________
(١) عليكم سقطت من ق.
(٢) أخرجه البخاري في الاستئذان باب كيف يرد على أهل الذمة السلام: ٧/ ١٣٣، ومسلم في السلام باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام: ٤/ ١٧٠٦.
(٣) أخرجه البخاري في الاستئذان باب كيف يرد على أهل الذمة السلام: ٧/ ١٣٣.
(٤) قال ابن فارس سميت الحجارة سلاما لأنها أبعد شيء في الأرض من الفناء والذهاب لشدتها وصلابتها (معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٩١).
(٥) في م: ذلك.
(٦) في السنن: أن أسماء بنت يزيد تحدث أن رسول الله - ﷺ - مر على عصبة من النساء قعود فسلم عليهن أخرجه الترمذي في الاستئذان باب ما جاء في التسليم على النساء: ٥/ ٥٦ وقال حديث حسن، وأخرجه أبو داود في الأدب باب في السلام على النساء: ٥/ ٣٨٢ وابن ماجه في الأدب باب السلام على الصبيان والنساء: ٢/ ١٢٢٠.
[ ٣ / ١٦٩٩ ]
فصل [١٢ - في منع هجر المسلم لأخيه فوق ثلاثة]:
هجرة المسلم لأخيه فوق ثلاث (^١) ليال منهي عنه إلا أن يكون من أهل الأهواء والبدع أو من فساق الأفعال المديمين (^٢) على ذلك فمستحب (^٣) هجرته ردعا له وزجرا، والذي يخرج به هاجر أخيه من هجرته أن يسلم عليه إذا لقيه (^٤).
وإنما منعنا دوام الهجرة زيادة على الثلاثة أيام لأن ذلك مؤد إلى التقاطع والتدابر المنهي عنه ومورث للعداوة والبغضاء وتمكن الأحقاد في قلوب المؤمنين بعضهم لبعض، وضد ذلك ما حض النبي - ﷺ - من المواصلة والألفة، ونهي عنه من التقاطع والتدابر لقوله - ﷺ - "لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يهجر أحدكم أخاه فوق ثلاث" (^٥).
فصل [١٣ - في استثناء الهجر أقل من ثلاث]:
وإنما استثنينا الثلاث لورود الخبر باستثنائها من المنع وتجري العادة (^٦) في الطبائع في الهجرة عند حدوث ما يثيرها ويجر إليها وكانت استدامتها ممنوعة لما ذكرناه واحتيج إلى ضرب مدة ليفصل بها بين ما رخص فيه لغلبة الطباع بين ما منع منه وكان أول ما ضرب لذلك الثلاث لأنها جعلت في الشرع فصلا في عدة مواضع.
_________________
(١) ثلاث سقطت من م.
(٢) في ق: مؤمنين وفي ر: المدمنين.
(٣) فمستحب: سقطت من ق.
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٣٤٨، الرسالة: ٢٦٧، الكافي: ٦١٣.
(٥) أخرجه البخاري في الأدب باب الهجرة وقول رسول الله - ﷺ - لا يحل لرجل: ٧/ ٩٠، ومسلم في البر والصلة والأدب باب تحريم الظن: ٤/ ١٩٨٥.
(٦) العادة في: سقطت من ق.
[ ٣ / ١٧٠٠ ]
فصل [١٤ - فيما يخرج من الهجر]:
وإنما قلنا يخرجه من ذلك أن يسلم عليه، لقوله - ﷺ -: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (^١)، ولأنه يزول بذلك عن الهجرة المنهي عنها إلى ضرب من المواصلة وهي تحية أخيه المسلم المأمور بابتدائه بها.
فصل [١٥ - في هجر المبتدع]:
وإنما استثنينا هجران المبتدع في اعتقاده والمجاهر (^٢) بفسقه ومعاصيه ردعا له عما هو عليه وليزدجر (^٣) عنه ويقلع عن استدامته وغضبا لله سبحانه في مواصلة من هذه سبيله وإيثار ألفته ومخالطته، ولئلا ينسب مواصله إلى مثل طريقته ويضاف إليه ما يعرف من قبيح الطريقة به أو الرضا بذلك من فعله، وفي الحديث "المرء على دين خليله فينظر أحدكم من يخالل" (^٤)، ولأن المخالطة لأهل البدع قد يكون من ضعف القلب وشره العامية بحيث يأمن على نفسه أن يشكك في دينه، ويمكن في قلبه شبهة بدعة يبعد زوالها منه يتعذر تلافيها، وقد قيل: لا يمكن زائغ (^٥) القلب من أذنيك، وروي ذلك عن جملة من السلف ﵃.
فصل [١٦ - في جواز المصافحة وكراهية المعانقة وتقبيل اليد]:
والمصافحة جائزة وتكره المعانقة وأشد من ذلك تقبيل اليد (^٦)، وإنما أجزنا
_________________
(١) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٢) في ق ور: المهاجر.
(٣) في م ور: لينزجر.
(٤) أخرجه الحاكم: ٤/ ١٧١، عن أبي الحباب وقال الحكم حديث أبي الحباب صحيح ولم يخرجاه.
(٥) في م: رابع.
(٦) انظر الرسالة: ٢٧٧، المقدمات: ٣/ ٤٤٠، ٤٤١.
[ ٣ / ١٧٠١ ]
المصافحة لقوله - ﷺ - "ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا" (^١).
فصل [١٧ - في وجه كراهية المعانقة]:
وإنما كرهنا (^٢) المعانقة لأنها لم ترد عن النبي - ﷺ -، ولا عن السلف مع أنها أخلاق العامة إلا أن يكون من طول الاشتياق وقدوم من غيبة أو مع الأهل وما أشبه ذلك ويفارق المصافحة لوجود العمل بها، وقد ذكر عن بعض أهل العلم إجازتها (^٣)، ووجهه (^٤) ما روي عن حديث أبي ذر أن رسول الله - ﷺ - كان يصافحه فجاءه فالتزمه" (^٥) واعتبارًا بالمصافحة.
فصل [١٨ - كراهية تقبيل اليد]:
وإنما كره تقبيل اليد لأنه من التكبر والتجبر الذي تستعمله الأعاجم ولم ينقل عن أحد من السلف (^٦).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الأدب باب في المصافحة: ٥/ ٣٨٨، وابن ماجه في الأدب باب المصافحة: ٢/ ١٢٢٠، والترمذي في الاستئذان باب في المصافحة: ٥/ ٧٠، والحديث عن الأجلح وفيه مقال (نصب الراية: ٤/ ٢٦٠).
(٢) في م: كرهت.
(٣) منهم ابن عيينة ولقد حاج مالك في ذلك بحديث قدوم جعفر من أرض الحبشة فاعتنقه النبي - ﷺ - (انظر الرسالة: ٢٧٧، المقدمات: ٣/ ٤٤٠ - ٤٤١).
(٤) ووجه: سقطت من م.
(٥) أخرجه أبو داود في الأدب باب في المعانقة: ٥/ ٣٨٩، وقد ذكر البخاري هذا الحديث في التاريخ الكبير وقال مرسل.
(٦) ولقد أنكر مالك ما روي في ذلك من أحاديث صحيحة، وقال أتباع مالك في ذلك إن كان إنكار ذلك من جهه الرواية فمالك حجه فيها لأنه إمام الحديث، وإن كان من جهة الفقه فلما ذكره القاضي عبد الوهاب، وقال بعض المالكية بجواز تقبيل يد العالم والشيخ والوالد والقادم من السفر وإن كان ظاهر المذهب خلافه (انظر الرسالة: ٢٧٧، والمقدمات: ٣/ ٤٤١، الفواكه الدواني: ٢/ ٣٥٥).
[ ٣ / ١٧٠٢ ]
فصل [١٩ - في تشميت العاطس]:
وينبغي للعاطس أن يحمد الله تعالى، وأن يسمع من يقرب منه، وينبغي لمن سمعه أن يشمته إلا أن يتوالى منه ذلك مرارًا (^١) فيسقط عنه تشميته، وتشميته أن يقول يرحمك الله، ولرده لفظان أحدها أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، والآخر أن يقول: يغفر الله لكم، والأول أفضل (^٢).
وإنما قلنا إنه إذا عطس حمد الله ﷿ لقوله - ﷺ -: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله" (^٣) وروت عائشة ﵂ أن رجلًا عطس عند النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله ماذا أقول فقال: "قل الحمد لله" (^٤) وإنما قلنا إن على من سمعه أن يشمته لقوله - ﷺ - "إذا عطس فليشمته" (^٥) وقوله " فليقل له صاحبه يرحمك الله" (^٦)، إنما قلنا إنه لا يستحق التشميت إلا إذا سمع منه الحمد لله لقوله - ﷺ -: "إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل صاحبه يرحمك الله" (^٧) فشرط فيه أن يكون بعد التحميد، وروي أنه - ﷺ - عطس عنده رجلان فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقيل له في ذلك فقال "لأن ذلك حمد لله فشمته وهذا لم يحمد الله فلم أشمته" (^٨).
_________________
(١) في ق: مرات.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٩٦٥، التفريع: ٢/ ٣٥٤، الكافي: ٦١٤.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب باب إذا عطس كيف يشمت: ٧/ ١٢٥.
(٤) أخرجه أحمد: ٦/ ٧٩، وأبو يعلى وفيه أبو معشر نجيح وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد: ٨/ ٦٠).
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٧) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٨) أخرجه البخاري في الأدب باب الحمد للعاطس: ٧/ ١٢٥، ومسلم في الزهد باب تشميت العاطس: ٤/ ٢٢٩٢.
[ ٣ / ١٧٠٣ ]
(وإنما قلنا إن للرد لفطين لأن الرواية جاءت بهما) (^١) وإنما قلنا إن قوله: يهديكم الله أفضل لقوله - ﷺ -: "وليقل يهديكم الله ويصلح بالكم" (^٢) ولأن الهداية أفضل من المغفرة لأنها قد تعرى من الذنوب، والمغفرة لا تكون إلا لذنب، وإنما قلنا إن التشميت يسقط مع الموالاة لقوله - ﷺ - "إن عطس فشمته ثم إن عطس فشمته ثم إن عطس فقال إنك مضنوك" (^٣) يريد مزكوم.
فصل [٢٠ - في خصال الفطرة]:
وعشر من الفطرة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فالتي في الرأس المضمضة والاستنشاق والسواك وقص إطار الشارب، وإعفاء اللحية، والتي في الجسد: حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء والختان (^٤)، وإنما قلنا ذلك لورود الروايات بذلك، فأما المضمضة والاستنشاق والسواك والختان فقد ذكرنا حكم جميعها.
فصل [٢١ - في قص الشارب]:
فأما قص إطار (^٥) الشارب فلقوله - ﷺ - "أحفوا الشوارب" (^٦) (ومعنى ذلك قص ما زاد من أطرافه (^٧)، وروي أنه - ﷺ - كان يأمر بقص شاربه (^٨)
_________________
(١) ما بين قوسين من م.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق باب تشميت العاطس: ٤/ ٢٢٩٣.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٩٢١، الرسالة: ٢٧٢، الكافي: ٦١٢.
(٥) إطار: سقطت من م، والإطار: طرف الشعر المستدير على الشفه (الرسالة: ٢٧٢).
(٦) أخرجه مسلم في الطهارة باب خصال الفطرة: ١/ ٢٢٢.
(٧) أطرفه مطموسة في ق.
(٨) أخرجه الترمذي في الأدب باب ما جاء في قص الشارب: ٥/ ٨٦، وقال هذا حديث حسن غريب.
[ ٣ / ١٧٠٤ ]
وأما حلقهُ فمثلة منهي عنها) (^١) هذا مذهب أكثر أهل العلم وعلماء المدينة، ومروي عن جمهور الصحابة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى استحبابه (^٢).
وإنما قلنا ذلك لقوله - ﷺ -: "ليس منا من حلق" (^٣)، ولأن في تبقيته جمالًا للوجه وزينة، وفي حلقه مثلة وذهاب بهاء الوجه (^٤) وجماله فكانت تبقيته هي المستحبة كشعر اللحية، وروي عن عمرو وأبي سعيد الخدري وراع بن خديج وجابر وسهل بن سعيد (^٥) وأبي هريرة وغيرهم أنهم كانوا يجزون شواربهم (^٦)، وقال مالك كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا حزبه أمر فتل شاربه (^٧)، وقال ابن المسيب أول من قص الشارب إبراهيم - ﷺ - (^٨)، فأما إعفاء اللحية وتوفيرها وتكثيرها لأن في ذلك جمالًا للوجه وزينة للرجل، وجاء في بعض الأخبار "أن الله ﷿ زين بني آدم باللحى (^٩) " ولأن الغرض بذلك
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) انظر الأم: ١/ ٢١، فتح الباري: ١٠/ ٣٤٧.
(٣) أخرجه أبو داود في الجنائز باب في النوح: ٣/ ٤٩٦، والنسائي في الجنائز باب شق الجيوب: ٤/ ١٨، قال ابن حجر "والاستدلال بهذا الخبر في غير ما ورد فيه (فتح الباري: ١٠/ ٣٤٨).
(٤) في م: لماء الوجه.
(٥) سهل بن سعد: بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس، وله ولأبيه صحبة، مشهور، مات سنة ثمان وثمانين وقيل بعدها وقد جاز المائة (تقريب التهذيب: ٢٥٧).
(٦) انظر البيهقي: ١/ ١٥١ وفيه من طريق ابن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عمر ورافع بن خديج وأبا أسد الأنصاري وسلمة بن الأكوع وأبا رافع ينهكون شواربهم.
(٧) أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا عبد الله بن أحمد وهو ثقة مأمون (مجمع الزوائد: ٥/ ١٦٩).
(٨) الموطأ: ٣/ ٩٢٢.
(٩) لم أعثر على تخريج هذا الخبر.
[ ٣ / ١٧٠٥ ]
مخالفة الأعاجم في نتفها وتبقية اليسير منها، والأعفاء التكثير ومنه قوله تعالى ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (^١) يريد كثروا، (^٢) هذا ما لم يخرج بطولها عن الحد المعتاد ويفضي بصاحبها إلى الطنز (^٣) والسخرية منه.
فصل [٢٢ - في حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر]:
وأما حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار فمستحب لورود الخبر به (^٤) واتصال العمل من السلف والأعصار إلى هلم جرا به، ولأنه من النظافة وإزالة الشين والقذارة فكان استنانه متأكدا.
فصل [٢٣ - في الاستئذان]:
ولا ينبغي لأحد أن يدخل على أجانب أو أقارب إلا بإذن ويستأذن ثلاثا فإن أذن له وإلا رجع إلا أن يغلب على ظنه أنه لم يسمع فلا بأس أن يزيد، وليستأذن في دخوله على أمه وذوات محارمه، وأن يسلم على أهل بيته (^٥) وأهله إذا دخل منزله (^٦).
فصل [٢٤ - الدليل على الاستئذان]:
وإنما قلنا أن الاستئذان مأمور به في الجملة لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ … إلى قوله: فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (^٧)، وقوله
_________________
(١) سورة الأعراف الآية: ٩٥.
(٢) انظر تفسير.
(٣) في ق: التطريه. وفي ر: الطنزية، والطنز: السخرية (الصحاح: ٣/ ٨٨٣).
(٤) في قوله - ﷺ - "خمس من الفطرة: الختان والاستحداد ونتف الإبط: وتقليم الأظافر وقص الشارب" أخرجه البخاري في اللباس باب تقليم الأظافر: ٧/ ٥٦ ومسلم في الطهارة باب خصال الفطرة: ١/ ٢٢١.
(٥) أهل بيته: سقطت من م.
(٦) انظر: الموطأ: ٢/ ٩٦٣، التفريع: ٢/ ٣٤٩، الرسالة: ٢٧٨، الكافي: ٦١٠.
(٧) سورة النور، الآية: ٢٨.
[ ٣ / ١٧٠٦ ]
﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (^١) وقوله ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ (^٢) الآية، ولأنه إذا دخل ولم يستأذن ربما صادف كراهة من القوم لدخوله أو كونهم على ضروب من الانبساط يكرهون أن يراهم الغير عليها.
فصل [٢٥ - في الاستئذان على الأقارب]:
وإنما قلنا يستأذن على الأقارب كاستئذانه على الأجانب لأنه متى فاجأهن بالدخول جاز أن يصادف منهن عورة لا يجوز له الاطلاع عليها (^٣) أو أمرا يكرهن الوقوف عليه منهن، وقد نبه النبي - ﷺ - من سأله عن ذلك على هذا المعنى لقوله - ﷺ - لما سأله (هل علي أن استأذن على أمي، قال له "نعم"، قال إني معها في البيت قال استأذن عليها قال إني خادمها، قال استأذن عليها) (^٤) أتحب أن تراها عريانة (^٥) وفي طريق آخر: "أتحب أن ترى منها ما لا تحب" قال لا، قال "فاستأذن" (^٦).
فصل [٢٦ - في جواز عدم الاستئذان على الزوجة والأمة]:
فأما أمته وزوجته الجائز له وطأها فليس عليه استئذانهن لأن أكثر ما في ذلك أن يصادف منهن تكشفًا وتبسطًا (^٧) وقد أبيح له النظر إلى أبدانهن.
_________________
(١) سورة النور الآية: ٥٩.
(٢) سورة النور الآية: ٥٨.
(٣) في ق: عليهن.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) أخرجه مالك في موطئه (٢/ ٩٦٣)، مرسلًا، وقال ابن عبد البر عن الحديث أنه مرسل صحيح.
(٦) ذكره البخاري في الأدب المفرد من طريق مسلم بن النذير ومن طريق موسى بن طلحه وقال ابن حجر: وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة (فتح الباري: ١١/ ٢٥).
(٧) في ق: ووسطا.
[ ٣ / ١٧٠٧ ]
فصل [٢٧ - في أن الاستئذان ثلاثًا]:
وإنما قلنا إن الاستئذان ثلاثًا لما روى أبو موسى الأشعرى وأبو سعيد الخدري أنه - ﷺ - قال: "الاستئذان ثلاث فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع" (^١)، ولأنه قد لا يسمع في أول مرة واحتيج إلى زيادة عليه فكانت الثلاثة أولى ما حد فيه.
فصل [٢٨ - في رجوع من لم يسمع إذنا]:
وإنما قلنا إنه إذا رجع لقوله - ﷺ -: "فإن أذن لك فادخل وإلا فارجع (^٢)، ولأن الدخول على الإنسان بغير إذنه غير جائز، والزيادة على القدر الذي ورد به الشرع تعد لما حد فيه، ولا يعلم (^٣) إذا لم يؤذن له إنه يكره الدخول فلا ينبغي أن يزد (^٤).
فصل [٢٩ - في زيادة الاستئذان إذا لم يسمع]:
وإنما قلنا إنه إذا غلب على ظنه أنه لم يسمع جاز له أن يزيد لأنه إذا لم يسمع كان كمن لم يستأذن لأن الاستئذان الذي له حكم هو ما صادف سماعًا يعلم من المستأذن عليه هو إذن أو كراهة، فإذا لم يسمع كان كالمستأذن على النائم فلا يكون لاستئذانه حكم.
فصل [٣٠ - في السلام على الأهل]:
وإنما استحببنا أن يسلم على أهله لقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (^٥)، ولأنه إذا استحب له ذلك بسمع الأجانب كان
_________________
(١) أخرجه البخاري في البيوع باب الخروج في التجارة: ٢/ ٦، ومسلم في الأدب باب الاستئذان: ٣/ ١٦٩٤.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) في م: ولأنه يعلم.
(٤) في م: أن يؤذيهم.
(٥) سورة النور، الآية: ٦١.
[ ٣ / ١٧٠٨ ]
أولى مع الأقارب، ولأنها تحية ندب إليها فلم يختلف فيها حكم الأجانب والأقارب كتشميت العاطس.
فصل [٣١ - في منع التناجي]:
ولا يتناجى اثنان دون واحد (^١) لنهيه - ﷺ - عن ذلك (^٢)، ولأن في ذلك انكسار قلبه لأنه يعتقد أنهما يكرهان اطلاعه على ما هما فيه وستره عنه وارتيابه بهما، وظنه أنهما في شيء من أمره، ويجوز إذا كانوا جماعة لأنه قد شركه الباقون فيما يستر عنه من الحديث فيزول عنه الحزن.
فصل [٣٢ - في تصرفات الإنسان بجوارحه]:
ما يتصرف فيه الإنسان بجوارحه على ضربين: منه ما يستحب له فعله بيمينه فإن فعله بشماله أساء وأجزاه، ومنه ما يستحب له فعله بشماله فإن فعله بيمينه أساء إلا أن يكون له عذر في الموضعين.
فالضرب الأول كالعبادات التي ليس طريقها إزالة الأذى وأوائل الأفعال دون الخروج منها وذلك كالوضوء وتناول الشيء من يد غيره، والأكل والشرب واللباس للنعل وما أشبه ذلك كل هذا يستحب له فعله بيمينه.
والآخر كالاستنجاء والاستنثار وخلع النعل وتنقية الأنف وغير ذلك من إزالة النجاسة والأذى فهذا كله مستحب له فعله بشماله (^٣)، والأصل في هذا قوله - ﷺ -: ("إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم" (^٤» (^٥) وقوله - ﷺ - "إذا انتعل أحدكم
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٩٨٨، التفريع: ٢/ ٣٥٥، الرسالة: ٢٧٨.
(٢) أخرجه البخاري في الاستئذان باب لا يتناجى اثنان دون الثالث: ٧/ ١٤٢، ومسلم في السلام باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه: ٤/ ١٧١٧.
(٣) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٦، ٩٢٢، ٩٢٦، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الكافي: ٦١٤.
(٤) أخرجه أبو داود في اللباس باب في الانتفال، وابن ماجه في الطهارة باب التيمن في الوضوء: ١/ ١٤١، وأحمد: ٢/ ٣٥٤ وصححه ابن خزيمة: ١/ ٩١، وابن حبان في صحيحه.
(٥) ما بين قوسين من م.
[ ٣ / ١٧٠٩ ]
فليبدأ بيمينه وإذا خلع فليبدأ بشماله ولتكن اليمنى أولهما تنتعل واليسرى أولهما للخلع" (^١)، وقوله - ﷺ -: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله (فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) (^٢) (^٣)، وقالت عائشة ﵂: كانت يمينه - ﷺ - لوجهه وشماله لما وراء ذلك (^٤).
فصل [٣٣ - في منع المشي في نعل واحد]:
ولا ينبغي أن يمشي الرجل في نعل واحد (^٥) لنهي رسول الله - ﷺ - عن ذلك وقوله "لينتعلها جميعًا أو يخلعها جميعًا" (^٦)، ولأن ذلك يشغل قلبه ويؤثر فيه ضربا من التخيل والاضطراب، ولأنه ضرب من الشهرة والتعريض لأن من يراه نسبه إلى اختلال الرأي ونقصان المروءة وقلة التحصيل ويطرق عليه اللهو وذلك خلاف موجب المروءة والتصور (^٧)، ويجوز ذلك في الشيء الخفيف إذا كان هناك عذر وهو أن يمشي في إحداهما متشاغلًا بإصلاح الأخرى، وإن كان الاختيار أن يقف إلى الفراغ منها لأنه ينسب حينئذٍ إلى شيء مما يكره، وإنما تناول له في العجلة والإسراع إلى ما لا يأمن فوته فيكون ذلك عذرا له.
_________________
(١) أخرجه البخاري في اللباس باب ينزع نعل اليسرى: ٧/ ٤٩، ومسلم في اللباس والزينة باب استحباب لبس النعل في اليمنى أولا: ٣/ ١٦٦٠.
(٢) أخرجه مسلم في الأشربة باب آداب الطعام والشراب وأحكامها: ٢/ ١٥٩٨.
(٣) ما بين قوسين سقط من ق.
(٤) أخرجه البخاري في الوضوء باب التيمن في الوضوء والغسل: ١/ ٥٠، ومسلم في الطهارة باب التيمن في الطهور وغيره: ١/ ٢٢٦، بلفظ قريب منه.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٦، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الكافي: ٦١٤.
(٦) أخرجه البخاري في اللباس باب لا يمشي في نعل واحد ٧/ ٤٩، ومسلم في اللباس والزينه باب استحباب لبس النعل في اليمين أولا …: ٣/ ١٦٦٠.
(٧) في م: التصديق.
[ ٣ / ١٧١٠ ]
فصل [٣٤ - في التسمية على الطعام]:
ويستحب للمرء أن يسم الله عند أكله وشربه، وأن يحمد الله عند فراغه (^١) لما روي أنه - ﷺ - كان إذا وضع يده في الطعام قال: "بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا" (^٢)، وقال لعمر بن أبي سلمة: "سم الله وكل مما يليك" (^٣) وروى أبو أمامة (^٤) أنه - ﷺ - إذا فرغ من الطعام قال: "الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه" (^٥)، وروى أبو سعيد أنه - ﷺ - كان يقول "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" (^٦).
فصل [٣٥ - في آداب الأكل الأخرى]:
وينبغي له أن يتناول اللقمة بيمينه لما بيناه، ولا يأكل إلا مما يليه إذا كان الطعام نوعًا واحدًا (^٧) لقوله - ﷺ -: "وكل مما يليك" (^٨)، ولأن في تعديه
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٩٢٧، التفريع: ٢/ ٣٤٩، الرسالة: ٢٧٥، الكافي: ٦١٣.
(٢) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب التسمية على الطعام: ٤/ ١٣٩، الترمذي في الأطعمة باب ما جاء في التسمية على الطعام: ٤/ ٢٥٣، وقال حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري في الأطعمة باب الأكل مما يليه: ٦/ ١٩٦، ومسلم في الأشربة باب آداب الطعام: ٣/ ١٥٩٩.
(٤) أبو أمامة: البلوي حليف بني حارثة اسمه إياس وقيل عبد الله بن ثعلبه، وقيل ثعلبه بن عبد الله أو ابن سهيل، صحابي (تقريب التهذيب: ٦١٩).
(٥) أخرجه البخاري في الأطعمة باب ما يقول إذا فرغ من طعامه: ٦/ ٢١٤.
(٦) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب ما يقول الرجل إذا طعم: ٤/ ١٨٧، والترمذي في الدعوات باب ما يقول إذا فرغ من الطعام: ٥/ ٤٧٣، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٧) انظر الموطأ: ٢/ ٩٢٧، التفريع: ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠، الرسالة: ٢٧٤، الكافي: ٦١٣.
(٨) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ٣ / ١٧١١ ]
ما يلي غيره دناءة وقلة مروءة وأدب (^١)، وإذا كان أنواعًا مختلفة جاز أن يجيل يده في نواحيه لأنه ينسب (^٢) في ذلك إلى غرض صحيح غير مستقبح وهو إرادة النوع الذي في الناحية البعيدة عنه.
فصل [٣٦ - في منع النفخ في الطعام]:
ولا ينبغي أن ينفخ في طعام ولا شراب ولا أن يتنفس في إنائه، وإذا ضاق النفس بالشارب فلينح (^٣) القدح عن فيه فإذا تنفس أعاده (^٤) لما روي أنه - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب (^٥)، فقال له رجل: إني أروى من نفس واحد فقال له - ﷺ -: "فأبن القدح عن فيك وتنفس" (^٦)، وروي أنه - ﷺ - قال: "اشرب في ثلاثة أنفاس فهذا أهنأ وأمرأ" (^٧)، ولأنه إذا تنفس في الإناء جاز أن يطير مع نفسه شيء من ريقه أو أنفه فتعافه النفس وينسب إلى القذارة، (وكذلك قلنا إنه إذا رأى القذراة) (^٨) في الإناء أراقها ولم ينفخها ووردت الرواية بذلك.
_________________
(١) في ق: اداب.
(٢) في ق: سبب.
(٣) في ق: فلينتح.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٩٢٤، التفريع: ٢/ ٣٥٠، الرسالة: ٢٧٥، الكافي: ٦١٣.
(٥) في ق: الشرب.
(٦) أخرجه مالك: ٢/ ٩٢٥، الترمذي في الأشربة باب ما جاء في كراهية النفخ في الشراب: ٤/ ٢٦٩، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٧) أخرجه مسلم في الأشربة باب كراهية التنفس في نفس الإناء: ٣/ ١٦٠٣. بلفظ "أن النبي، كان يتنفس في الإناء ثلاثًا ويقول هو: أروي وأمرأ وأبرأ" وفي رواية أبي داود "أهنأ" بدل أروي.
(٨) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ٣ / ١٧١٢ ]
فصل [٣٧ - في جواز الشرب قائمًا]:
ويجوز الشرب قائمًا لأنه - ﷺ - فعل ذلك (^١)، وذكر مثله عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وروي عن سعد وابن عمر وعائشة (^٢) ﵃ أجمعين.
فصل [٣٨ - في كراهية الأكل متكئا]:
يكره الأكل متكئا لقوله - ﷺ -: "أما أنا فلا آكل متكئا" (^٣)، ولأن ذلك من فعل الأعاجم اعتقادًا للتجبر والتعظيم، وإذا أراد دفعه إلى غيره دفعه إلى الأيمن لما بيناه من استحباب التيامن على غيره، ولما روي أنه - ﷺ - أتي بشراب وعن يمينه أعرابي وعن شماله أبي بكر وعمر والأشياخ (^٤)، فقال للأعرابي وإن أذنت دفعت إلى أبي بكر"، فقال الأعرابي: لا أوثر بنصيبي منك أحدًا: "فتله (^٥) رسول الله - ﷺ - في يده" (^٦)، ولأن ذلك مذهب العرب وسنتها فإذا أكده الشرع كان أدخل في الندب وأولى بالاستحباب.
فصل [٣٩ - في تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة]:
ولا يجوز الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ولا اتخاذها للاستعمال في غير ذلك (^٧)، وإنما قلنا ذلك لقوله - ﷺ - "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (^٨)، وكذلك الأكل أيضًا ممنوع لأن
_________________
(١) فقد ثبت أنه - ﷺ - شرب قائمًا من زمزم أخرجه البخاري في الأشربة باب الشرب قائمًا: ٦/ ٢٤٨، ومسلم في الأشربة باب في الشرب من زمزم قائمًا: ٣/ ١٦١٠.
(٢) أخرج هذا الآثار: مالك: ٢/ ٩٢٥ - ٩٢٦، أبو داود: ٤/ ١٠٩، الترمذي: ٤/ ٢٢٦.
(٣) أخرجه البخاري في الأطعمة باب الأكل متكئًا: ٦/ ٢٠١.
(٤) الأشياخ: هم كبار الصحابة رضوان الله عليهم.
(٥) فتله: أين ألقاه (انظر الصحاح: ٤/ ١٦٤٥).
(٦) أخرجه البخاري في الأشربة باب الأيمن فالأيمن: ٦/ ٢٤٨، ومسلم في الأشربة باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ: ٣/ ١٦٠٣.
(٧) انظر الموطأ: ٢/ ٩٢٤، التفريع: ٢/ ٣٥١.
(٨) أخرجه البخاري في الأشربة باب آنية الفضة: ٦/ ٢٥١، ومسلم في اللباس والزينة باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة: ٣/ ١٦٣٤.
[ ٣ / ١٧١٣ ]
المعني فيه وفي الشرب واحد وهو الخيلاء والتجبر، ولأنه من ضروب ملوك الأعاجم والأكاسرة (^١)، ويجوز استعمال المضبب (^٢) إذا كان يسيرًا.
فصل [٤٠ - في آداب النوم]:
وينبغي لمن أراد النوم أن يوكيء سقاءه (^٣) ويكفي إناءه (^٤) ويغلق بابه ويطفيء سراجه (^٥) لورود الخبر بنص ذلك، ولأنه لا يأمن أن يتعدى من تركه ضررا إذا لم يكن للسراج من يراعيه أو أن يعبث بالإناء شيء من الهوام، وأما إغلاق الباب فاحترازا من السارق، وقد قال - ﷺ -: "أوكوا السقاء وأكفؤا الإناء واطفؤوا المصباح فإن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم" (^٦)، وفي بعض الأمهات فصل زائد.
فصل [٤١ - في جواز الشرب قائمًا]:
يجوز الشرب قائمًا لأنه - ﷺ - فعل ذلك والسلف (^٧)، وقال ابن عمر كنا نأكل ونحن نسعى ونشرب ونحن قيام على عهد رسول الله - ﷺ - (^٨).
_________________
(١) الأكاسرة: جمع الكسرى -على غير قياس-، وكسرى: هو لقب لملوك الفرس (الصحاح: ٢/ ٨٠٦).
(٢) في ق: المنضب.
(٣) أي شد وربط رأس القربة بالوكاء وهو الخيط.
(٤) أي اقلبوه ولا يترك للعق الشيطان ولحس الهوام وذوات الأقذار.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩٢٩، التفريع: ٢/ ٣٥٠.
(٦) أخرجه مسلم في الأشربة باب الأمر بتغطية الإناء: ٣/ ١٥٩٤.
(٧) أعاد المصنف هذا الفصل بعد أن ذكره قريبًا؟!
(٨) أخرجه ابن ماجه في الأطعمة باب الأكل قائمًا: ٢/ ١٠٩٨، الترمذي في الأشربة باب ما جاء في النهي عن الشرب قائمًا: ٤/ ٢٦٥، وقال هذا حديث صحيح غريب.
[ ٣ / ١٧١٤ ]
فصل [٤٢ - في كراهية تعمد غسل اليد للأكل]:
كره مالك تعمد غسل اليد للأكل (^١) لأنه من زي الأعاجم، ولم يرو عن السلف إلا أن يخاف أن يكون مس بيده شيئًا يكره أن يباشر به الطعام، ولأن ذلك إن كان مقصودا به المبالغة في النظافة فيكره له الاقتداء بالأعاجم مع مضادتهم العرب واعتقادهم أنهم أبصر وأعرف بتدبير الأمور وسائر (^٢) النظافة لأن التخلق بأخلاق العرب في الجملة أولى، والتعلق بآدابهم وسننهم أحق إلا قدر ما ورد به الشرع بمنعه.
فصل [٤٣ - في اجتناب المسجد على آكل الكراث والبصل والثوم]:
وينبغي لآكل الكراث (^٣) والبصل والثوم اجتناب المسجد (^٤) لقوله - ﷺ - "من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مصلانا" (^٥)، وقوله - ﷺ - "من أكل هذه الشجرة فلا يقربنَّ مسجدنا يؤذينا بريح الثوم" (^٦)، وروي أنه - ﷺ - كان يجتنب ذلك لأجل جبريل ﵇ (^٧» (^٨).
_________________
(١) هذا الذي قال مالك رده ابن عبد البر بحديث سليمان ﵁ "غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر .. " وقال إنه صحيح، ولكن قال مالك: ليس العمل عليه وقال ابن وهب يغسلها (انظر الكافي: ٦١١ - ٦١٢، شرح زروق وشرح ابن ناجي على الرسالة: ٣٨٨، الفواكه الدواني: ٣٥٠).
(٢) في م: آلة.
(٣) الكراث: بقل معروف (الصحاح: ١/ ٣٩٠).
(٤) انظر الرسالة: ٢٧٥.
(٥) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب في أكل الثوم: ٤/ ١٧١، وقال الهيثمي رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: ٢/ ٢٠).
(٦) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة باب نهي من أكل ثومًا أبو بصلًا أو كراثًا: ١/ ٣٩٣.
(٧) فقد روي أنه - ﷺ - أتي ببدر -أي بطبق- فيه خضروات من البقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول، فقال قربوها إلى بعض أصحابه كان معه فلما رآه كره أكلها قال: كل فإني أناجي من لا تناجي" أخرجه البخاري، في الآذان باب الثوم النيء والبصل: ١/ ٢٠٧.
(٨) ما بين قوسين سقط من م.
[ ٣ / ١٧١٥ ]
فصل [٤٤ - استحباب غسل اليد والفم من الدسم]:
يستحب غسل اليد والفم من الدسم (^١) لأمره - ﷺ - بذلك (^٢)، وروي أنه - ﷺ - شرب لبنا فمضمض، وقال: إن له دسما" (^٣)، وإن لم يكن في طعامه ذلك فليس عليه غسل يده، وقد روي أن منديل عمر ﵁ كان بطن قدمه (^٤).
فصل [٤٥ - إجابة وليمة العرس]:
ولا بأس بالإجابة إلى وليمة العرس (^٥) لقوله - ﷺ -: "من دعي إلى وليمة فليجب" (^٦) فلينبغي ألا يمتنع من دعي إليها من الحضور بخلاف دعوة الختان وغيرها، وإن أجاب إلى ذلك فلا بأس وإن امتنع فلا بأس (^٧)، وإنما استحببنا حضور وليمة النكاح لأن في ذلك معونة على إظهاره، والمبالغة في إعلانه وذلك مستحب فيه، وليس عليه أن يأكل وإنما عليه أن يحضر لقوله - ﷺ -: "من دعي إلى وليمة فليجب فإن كان مفطرًا فليأكل وإن كان صائما فليصل" (^٨) "أي
_________________
(١) انظر الرسالة: ٢٧٤، الكافي: ٦١٤.
(٢) أخرج الترمذي حديث "من نام وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه". في الأطعمة باب ما جاء في كراهية البتوته وفي يده ريح غمر: ٤/ ٢٥٥، وقال هذا حديث حسن غريب.
(٣) أخرجه البخاري في الأشربة باب شرب اللبن ٦/ ٢٤٧، ومسلم في الحيض باب نسخ الوضوء مما مسته النار: ١/ ٢٧٤.
(٤) لم أجده، ولكنه روي عن جابر قال: كنا زمن النبي - ﷺ - لا نجد مثل ذلك الطعام إلا قليلا فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا سواعدنا وأقدامنا … (أخرجه البخاري في الأطعمة باب المناديل: ٦/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٥٤٦، التفريع: ٢/ ٣٥٥، الكافي: ٦١٤.
(٦) أخرجه مسلم في النكاح باب الأمر بإباحة الداعي إلى دعوة: ٢/ ١٠٥٤.
(٧) وإن امتنع فلا بأس: سقطت من م.
(٨) سبق تخريج الحديث قريبا.
[ ٣ / ١٧١٦ ]
فليدع، وهذا إذا كانت الوليمة (خالية من اللعب والمنكر كالطبل والزمر، وإن كان فيها شيء من ذلك فلا ينبغي حضوره إلا أن يكون خفيفا لا ينكر نوعه فلا بأس به) (^١).
فصل [٤٦ - كراهية تسرع أهل الفضل في إجابة الدعوة إلى الطعام]:
يكره في الجملة لأهل الفضل التسرع إلى إجابه الطعام والتسامح بذلك (^٢)، لأن فيه مذلة، ودناءة وإضاعة للتصاون وأخلاق ذوي الهيئة عند دماءة النفس ونسبة فاعله إلى الشره ودناءة النفس وجرأته عليه وانبساطه، وسيما إن كان حاكمًا أو ممن يتعلق به حقوق الناس واعتقاد منِّه عليه (^٣)، وقد قيل: ما وضع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له.
فصل [٤٧ - في عيادة المريض وشهود الجنازة]:
عيادة المسلم أخاه إذا مرض مستحبة مندوب إليها (^٤) لقوله - ﷺ -: "من حق المسلم علي المسلم ثلاث: فذكر ويعوده إذا مرض (^٥) "، وقوله - ﷺ -: "لا تقاطعوا ولا تدابروا" (^٦)، وروي: إذا عاد الرجل المريض خاض الرحمة (^٧) فإذا قعد عنده قرت فيه" (^٨) وشهادة جنازته آكد في الاستحباب من عيادته (^٩) لقوله - ﷺ - "ويشهد جنازته إذا مات" (^١٠) ولأنه إلى الدعاء له بعد الموت أحوج منه إليه حال الحياة.
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من ق.
(٢) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٥، الكافي: ٦١٤.
(٣) عليه: سقطت من ق.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٩٤٦، الرسالة: ٢٦٧، الكافي: ٦١٥.
(٥) سبق تخريج الحديث ١٦٩٦.
(٦) سبق تخريج الحديث.
(٧) خاص الرحمة: شبه الرحمة بالماء من الخوض.
(٨) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٩٤٦.
(٩) انظر الرسالة: ١٦٧.
(١٠) سبق تخريج الحديث ١٦٩٦.
[ ٣ / ١٧١٧ ]
فصل [٤٨ - في تحريم الغيبة وما جاء في حفظ اللسان]:
والغيبة (^١) حرام (^٢) لقوله ﷿ ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (^٣)، ولما روي من الآثار في منعها والنهي عنها، ولأن فيها مؤدى إلى العداوة والبغضاء وإفساد المودات وتولد الأحقاد وذلك ضد المأمور به، ويجب في الجملة لأهل الدين والعلم والفضل والورع حفظ ألسنتهم واستعمال الصمت والإقلال من الكلام إلا فيما لا بد منهم وما تدعوا الحاجة إليه من دعاء أو قراءة أو درس أو تعليمه أو مصلحة حال الإنسان، فإن في الإكثار منه السقط والخطل والتعريض للزلل ولمثل ذلك مدح العلماء الصمت، وقال مالك ﵀: من عد كلامه من عمله (^٤) قل كلامه (^٥)، وروي أن عمر دخل على أبي بكر الصديق ﵄ وهو يجبذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (^٦).
فصل [٤٩ - في منع الحرير والتختم بالذهب للرجال وإباحته للنساء]:
لبس الحرير ممنوع للرجال مباح للنساء (^٧) لقوله - ﷺ - "الحرير محرم على ذكور أمتي". (^٨)، وقوله: "لباس من لا خلاق له" (^٩)، ويجوز للنساء لأن
_________________
(١) الغيبة: وهو أن يذكر أخاه بما يكره من العيوب.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٩٨٧، الرسالة: ٢٦٧، الكافي: ٦١٣، ٦١٥.
(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٢.
(٤) في م: من علمه.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩١١ - ٩١٢، الرسالة: ٢٧٢.
(٦) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٩٨٨.
(٧) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٢، التفريع: ٢/ ٣٥١، الرسالة: ٢٧٢.
(٨) أخرجه أبو داود في اللباس باب الحرير للنساء: ٤/ ٣٣٠، وابن ماجه في اللباس باب لبس الحرير …: ٢/ ١١٨٩، والنسائي في الزينة باب تحريم الذهب على الرجل: ٨/ ١٣٨ والترمذي في اللباس باب في الحرير والذهب: ٤/ ١٨٩ وقال حسن صحيح.
(٩) أخرجه البخاري في الجمعة باب يلبس أحسن ما يجد: ١/ ٢١٤ ومسلم في اللباس باب استعمال إناء الذهب: ٣/ ١٦٣٩.
[ ٣ / ١٧١٨ ]
الزينة مباح لهن، ولأن ذلك ينفعهن عند الأزواج، وكذلك التختم بالذهب ممنوع للرجل (^١) لنهيه - ﷺ - عنه للرجال (^٢)، ويجوز للنساء.
فصل [٥٠ - في جواز لبس الخز ويسير الحرير]:
ويجوز لبس الخز (^٣) لأنه ليس من الحرير وقد لبسه السلف (^٤)، وكرهه مالك لأجل السرف وإن دعت ضرورة إلى لبس الحرير جاز، وقد رخص في اليسير منه كالعلم في الثوب وشبهه (^٥).
فصل [٥١ - حكم التماثيل والصور]:
ولا يجوز التماثيل في بناء أو لباس أو فراش إلا أن يكون رقما في ثوب (^٦)، والأصل فيه نهيه - ﷺ - عنه وتشديده وقوله "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة" (^٧) وقوله: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون" (^٨)، وقوله "إن أصحاب هذه الصور يقال لهم يوم القيامة أحيوا ما خلقتم" (^٩)، وقوله لعائشة ﵂ "لم تزل الملائكة تدفعني في القرام الذي نصبتيه" (^١٠).
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٢، التفريع: ٢/ ٣٥١، الرسالة: ٢٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في اللباس باب خواتيم الذهب: ٧/ ٥٠، ومسلم في اللباس باب في تحريم خاتم الذهب: ٣/ ١٦٥٤.
(٣) الخز: اسم دابه ثم أطلق علي الثوب المتخذ من دبرها (المصباح المنير: ١٦٨).
(٤) فقد روى مالك عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها كست عبد الله بن الزبير مطرف خز كانت عائشة تلبسه (الموطأ: ٢/ ٩١٢).
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٢، الرسالة: ٢/ ٣٥١، الرسالة: ٢٧٢.
(٦) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٢، الرسالة: ٢٧٠.
(٧) أخرجه البخاري في البيوع باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء: ٢/ ١٦، ومسلم في اللباس والزينة باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صوره: ٣/ ١٦١٩.
(٨) أخرجه مسلم في اللباس والزينة باب تحريم تصوير صورة الحيوان: ٣/ ١٦٦٧.
(٩) هو جزء من الحديث الذي قبل هذا.
(١٠) أخرجه البخاري في الصلاة باب إذا صلى في ثوب مصلب أو تصاوير: ١/ ٩٩ بلفظ أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاوير تعرض في صلاتي .. ".
[ ٣ / ١٧١٩ ]
فصل [٥٢ - في كون التختم في اليسار]:
والاختيار التختم في اليسار لأن ذلك هو المروي عن النبي - ﷺ - (^١) والسلف الأكثر منهم، ولأن خلافه قد صار كالشعار للمبتدعة، علل بعض أصحابنا بأن المتناول باليمين ليوضع الشمال.
فصل [٥٣ - ما يكره للنساء لبسه من الثياب]:
يكره أن يلبس النساء من الرقيق ما يبين منه أبدانهن (^٢) لأن ذلك من التبرج وإبداء الزينة المنهي عنها، وفي ذلك قال النبي - ﷺ - "كاسيات في الدنيا عاريات يوم القيامة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها (^٣) "، وروي أن حفصه بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق فشقته عائشة ﵂ وكستها خمارًا كثيفًا (^٤).
فصل [٥٤ - في عدم جواز الثوب بطرا وخيلاء]:
ولا يجوز لأحد أن يجر ثوبه بطرًا ولا خيلاء (^٥) لقوله - ﷺ - "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من يجر إزاره بطرا" وروي "خيلاء" (^٦) ويستحب تقصير الثياب إرادة التواضع ولينفي عن الرجل الخيلاء في المشية واللبسة المتوعد عليها (^٧)، وفي الحديث: "بينما رجل ممن كان قبلكم يتبختر في حلة فأمر الله
_________________
(١) فقد روي عن أنس أنه قال كان خاتم النبي - ﷺ - في هذا وأشار إلى الخنصر اليسرى، أخرجه مسلم في اللباس باب في لبس الخاتم في الخنصر من اليد: ٣/ ١٦٥٩.
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٣، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الرسالة: ٢٧٠.
(٣) أخرجه مسلم في اللباس والزينة باب النساء الكاسيات العاريات: ٣/ ١٦٨٠.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٩١٣.
(٥) البطر: هو الطغيان وتجاوز الحد، والخيلاء هي الحركة في تلون وكبر وعجب (معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٦٢، ٢٣٥).
(٦) أخرجه البخاري في اللباس باب من جر ثوبه من الخيلاء، ومسلم في اللباس باب تحريم جر الثوب خيلاء.
(٧) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٤، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الرسالة: ٢٧٠.
[ ٣ / ١٧٢٠ ]
﷿ الأرض أن تبلعه فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" (^١)، وقال - ﷺ - "إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين فما زاد ففي النار" (^٢)، وهذا للرجال فأما النساء فلهن الزيادة على ذلك نحو الشبر وما زاد عليه إلى الذراع لما روي أن أم سلمة قالت فكيف بالنساء يا رسول الله - ﷺ -: "يرخين شبرًا" قال: إذا تبدوا أسواقهن وأقدامهن قال: "فذراع ولا يزدن عليه" (^٣).
فصل [٥٥ - في النهي من اشتمال الصماء]:
اشتمال الصماء (^٤) على غير ثوب منهي عنه، وعلى ثوب مختلف أصحابنا فيه والاحتباء على غير ثوب منهي عنه أيضًا (^٥)، والأصل فيه ما روي أنه - ﷺ - نهي عن لبستين اشتمال الصماء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء (^٦) ووجه الجواز إذا كان على الثوب أن المنع من ذلك خيفة انكشاف العورة فإذا أمن هذا جاز، ووجه المنع عموم النهي لأن المنع من ذلك لصفة اللبسة وذلك موجود وإن كانت من وراء ثوب.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد: ٢/ ٤٩٤، وفي مسلم بلفظ قريب منه: في اللباس باب تحريم التبختر في المشي: ٣/ ١٦٥٤.
(٢) أخرجه أبو داود في اللباس باب في قدر موضع الإزار: ٤/ ٣٥٣، وابن ماجه في اللباس باب موضع الإزار أين هو: ٢/ ١١٨٣، ومالك: ٢/ ٩١٤.
(٣) أخرجه أبو داود في اللباس باب في قدر الذيل: ٤/ ٣٦٥، والنسائي في الزينة باب ذيول النساء: ٨/ ١٨٤، ومالك: ٢/ ٩١٥.
(٤) اشتمال الصماء: هي أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب وسميت صماء لأن يده حينئذ تصير داخل ثوبه فإن أصابه شيء يريد الاحتراس منه والاتقاء بيديه تعذر عليه وإن أخرجها من تحت الثواب انكشفت عورته (انظر الفواكه الدواني: ٢/ ٣٨).
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٧، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الرسالة: ٢٧١.
(٦) أخرجه البخاري في اللباس باب الاحتباء في ثوب واحد: ٧/ ٤٢.
[ ٣ / ١٧٢١ ]
فصل [٥٦ - في أحكام جملة أقسام اللباس]:
جملة أقسام اللباس خمسة متعلقها (^١): واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح وهذه الأحكام تثبت على وجهين: أحدهما على وجه العموم (^٢)، والأخرى على وجه الخصوص ثم متعلقها وجهان (^٣)، وثبوت هذه الأحكام لها ضربان: راجع إلى حق الله ﷿ وراجع إلى حق الإنسان ونحن نبين جملة ذلك (^٤).
أما الواجب فما يستر العورة عن أعين الناس (^٥) وهذا القسم عام غير خاص وهو الراجع إلى حق الله تعالى، وأما الراجع منه إلى حق الإنسان فما يقي من الحر والبرد ويستدفع به الضرر في الحروب وما أشبه ذلك، ولسنا نريد بأنه يرجع إلى حق المخلوق أنه يجوز له تركه لأنه لو كان كذلك (^٦) لم نصفه بأنه واجب وإنما نريد أنه يجب لأجل المخلوق لا لعبادة هو شرط في صحتها وهذا أيضًا عام غير خاص.
فأما المندوب: على التقسيم الذي ذكرناه فما هو لحق الله كالرداء في الجماعة وأن لا يعري منكبيه من شيء والثياب الجميلة في الأعياد وما في معنى ذلك، والراجع إلى حقوق المخلوقين ما يتجملون به بينهم وما لا يزدري بصاحبه ولا ينقص من مروءته وهذا من حقوق الآدميين وهو عام في الندب.
فأما المحظور: فعلى ضربين عام وخاص، فالعام منه ضربان راجع إلى نوع الملبوس وراجع إلى صفة اللبس، والأول منه السرف الزائد على القدر المأذون
_________________
(١) متعلقها: سقطت من م.
(٢) في م: على وجه المنع ظ: وهو خطأ.
(٣) في م: وجهات.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٩١٠، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الرسالة: ٢٧١.
(٥) في م: المخلوقين.
(٦) في ق: له ذلك.
[ ٣ / ١٧٢٢ ]
فيه المخرج صاحبه إلى الخيلاء والبطر، والثاني منه اشتمال الصماء والحبوة على غير ثوب وهذا عام في كل لابس وخصوصه في الصفة مختلف فيه: أعني إذا اشتمل الصماء من فوق ثوب وهذا يستر العورة، صفة اشتمال الصماء أن يلتحف بالثوب ويرفعه على أحد جانبيه فلا يكون ليده موضع يخرج منه ولذلك سمي الصماء، والاحتباء مذهب العرب وصفته: أن يجلس ويضع ركبتيه (ويدير ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ به ركبته) (^١) ويشده حتى يكون كالمعتمد عليه والمستند إليه، وهذا إذا كان تحته الثوب يستر العورة فهو داخل في قسم المباح، وإن كان على غير ثوب فهو محظور لأدائه إلى كشف العورة ومنه التلثم وتغطية الأنف في الصلاة وقد ذكرناه، وأما الخاص فالحرير وتحريمه للذكور دون الإناث وليس من هذا الباب الثوب النجس (^٢) لأن ذلك لا يرجع إلى اللبس، وإنما يرجع إلى حمل النجاسة بدليل منعه لبس الثوب الذي فيه نجاسة على حد منعه أن يستعملها في بدنه وليس ذلك بلبس، ومنه التختم بالذهب إن عد لباسا ومنه لبس المخيط في الإحرام، وكل هذا القسم يرجع إلى حق الله ولعل فيه ما يرجع إلى حق الآدميين والظاهر الأول.
وأما المكروه: فنقيض المندوب إليه فيغنينا عن التفصيل، ومنه في الجملة ما خالف زي العرب وأشبه زي الأعاجم وعاداتهم كالتعمم بغير تحنيك، وقد روي "تلك عمامة الشيطان" (^٣)، وترك التردى وما أشبه ذلك لأن سنة العرب ومذاهبها هي سنة النبي - ﷺ - ومذهبه إلا قدر ما نهى عنه.
وأما المباح: فما يرجع إلى نوع الملبوس كالقطن والكتان والصوف، وإلى صفته كالقميص والمناديل والعمائم وثياب النساء ومنه راجع إلى صفة اللبس كالرداء والاحتباء والسدل وهو أن يطرح رداءه على منكبيه ويبقى وسطه على
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من ق.
(٢) في م: الذي فيه نجاسه.
(٣) لم أعثر عليه.
[ ٣ / ١٧٢٣ ]
رأسه أو ظهره، وقد يكون عاما وقد يكون خاصا على ما بيناه وقد نبهنا بقدر ما ذكرناه على ما أغفلناه.
فصل [٥٧ - في دخول الحمام]:
دخول الحمام جائز للرجال إذا كان بمئازر ولا يجوز للنساء إلا من علة إما من مرض لا يصلحه إلا الحمام أو الحاجة إلى الاغتسال لحيض أو نفاس لشدة البرد … إسخان الماء في غيره وما أشبه ذلك (^١)، وإنما فرقنا بين الرجل والمرأة في ذلك لقوله - ﷺ - " الحمام بيت لا يستر فيه لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزر، ولا امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا من علة" (^٢)، وروي أن نسوة من أهل حمص دخلن على عائشة ﵂ فقالت لعلكن من النساء اللاتي يدخلن الحمامات قلن: إنا لنفعل ذلك فقالت أما إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيت زوجها فقد هتكت ما بينها وما بين الله ﷿ (^٣)، وقال بعض متأخري أصحابنا إن هذا النهي إنما كان في الوقت الذي لم يكن للنساء مفردًا، فأما اليوم فقد زال ذلك فيجب أن يجوز.
فصل [٥٨ - في منع وصل الشعر والوشم]:
ووصل الشعر والوشم ممنوع منه (^٤) لقوله - ﷺ -: "لعن الله الواصلة
_________________
(١) انظر، التفريع: ٢/ ٣٥٦، الرسالة: ٢٧١، الكافي: ٦١١.
(٢) أخرجه الترمذي في الأدب باب ما جاء في دخول الحمام: ٥/ ١٠٤ وقال هذا حديث حسن غريب ونص الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام .. " وليس فيه " … من علة".
(٣) أخرجه أبو داود في الحمام في أوله: ٤/ ٣٠١، وابن ماجه في الأدب باب دخول الحمام: ٢/ ١٢٣٤، والترمذي في الأدب باب ما جاء في دخول الحمام: ٥/ ١٠٥ وقال هذا حديث حسن.
(٤) انظر الرسالة: ٢٧٠.
[ ٣ / ١٧٢٤ ]
والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" (^١) والمعنى في ذلك أن فيه غرورًا وتدليسًا.
فصل [٥٩ - في الخضاب]:
والخضاب (^٢) جائز وتركه واسع إلا بالسواد فإنه يكره (^٣)، وإنما قلنا إنه جائز لأن رسول الله - ﷺ - كان يخضب بالحناء والكتم (^٤)، وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (^٥)، وقال مالك (^٦) كان رسول الله - ﷺ - لا يخضب (^٧) قال يدل على ذلك أن عائشة ﵂ سئلت وقالت: كان أبو بكر يخضب (^٨) فلو كان رسول يخضب لذكرته، لأنه لا يجوز أن يخفى ذلك عليها وإنما كره السواد لأن ذلك تدليسا على النساء وإيهاما أنه خلقة وأنه باق على الشباب فتدخل المرآة على ذلك ولو عرفت أنه خضاب لم تدخل عليه.
فصل [٦٠ - في تحريم خلوة الرجل بالمرأة]:
ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم للنهي عن ذلك (^٩)، وقوله - ﷺ - "إن
_________________
(١) أخرجه البخاري في الناس باب الموصولة: ٧/ ٦٣، ومسلم في اللباس باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة: ٣/ ١٦٧٧.
(٢) الخضاب: الحناء.
(٣) انظر الموطأ: ٢/ ٩٤٩، التفريع: ٢/ ٣٥٣، الرسالة: ٢٧٢.
(٤) أخرجه أحمد: ٤/ ١٦٣، وقال الهيثمي: رواه البزار وفيه يحيى بن أبي كثير أبو النفير وهو ضعيف جدًّا (مجمع الزوائد: ٥/ ١٦٣). والكتم: نبت فيه حمرة يخلط مع الوسمة للخضاب الأسود (الصحابي: ٥/ ٢٠١٩).
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩٥٠ وابن أبي شيبة: ٨/ ٤٣٣.
(٦) في ق: وقالوا.
(٧) الموطأ: ٢/ ٩٥٠.
(٨) الموطأ: ٢/ ٩٥٠.
(٩) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٤، الرسالة: ٢٦٩ - ٢٧٠، الكافي: ٦٩٢.
[ ٣ / ١٧٢٥ ]
الشيطان ثالثهما" (^١) وفائدته أن الشيطان يدعوه إلى المعصية مع الخلوة، وإذا كان معها غيره راقبه وخاف أن يطلع عليه أو لا يحدث نفسه بذلك فيكون على أصل (^٢) خشية الله من مواقعة المعصية لا رهبة من الخلق.
فصل [٦١ - نوم الاثنين في لحاف واحد]:
ولا يجتمع رجلان ولا امرأتان متعريين في لحاف أو إزار واحد (^٣) للنهي عن ذلك (^٤)، ولأن كل واحد يرى عورة صاحبه.
فصل [٦٢ - في غض البصر]:
يجوز النظر إلى المتجالة ويكره إلى الشابة إلا لعذر من شهادة أو علاج أو غير ذلك (^٥)؛ لأن الشابة لا تؤمن الفتنة بها والتلذذ بالنظر إليها والمتجالة قد زال منها هذا المعنى، وقد قال الله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ (^٦) الآية، ويجوز النظر إلى الشابة عند الخطبة لإباحته - ﷺ - ذلك وقوله "فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (^٧)، ولا يجوز أن يطلع (^٨) منها على محرم لأن ذلك لا يجوز إلا بالعقد المبيح له.
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٣٩ عن جابر مرفوعًا وعن ابن عباس معناه متفق عليه (إرواء الغليل: ٦/ ٢١٥).
(٢) في م: أفضل.
(٣) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٦، الرسالة: ٢٧١، الكافي: ٦١١.
(٤) في قوله - ﷺ - "ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" أخرجه مسلم في الحيض باب تحريم النظر إلى العورات: ١/ ٢٦٦.
(٥) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٠، الرسالة: ٢٦٩ - ٢٧٠، الكافي: ٦١١.
(٦) سورة النور الآية: ٦٠.
(٧) أخرجه ابن ماجه في النكاح باب النظر إلى المرأة: ١/ ٥٩٩، والحاكم: ٢/ ١٦٥، وصححه.
(٨) في ق: أن ينضم.
[ ٣ / ١٧٢٦ ]
فصل [٦٣ - أكل المرأة مع عبدها أو خادمها]:
ويجوز أن تأكل المرأة مع الوغد (^١) من عبيدها الذي يؤمن منه التلذذ بها وأن يرى شعرها، ولا يجوز ذلك مع الشاب الذي ربما حدثته نفسه بمحرم منها أو المرغوب فيه لنظافته (^٢).
فصل [٦٤ - في حضور اللهو واللعب والملاهي]:
لا يجوز تعمد حضور اللهو واللعب ولا شيء من الملاهي المطربة كالطبل والزمر وما في معناه، وقد رخص من ذلك فيما يستعمل في النكاح من الدف والكبر (^٣)، والأصل في منعه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (^٤) ولأن ذلك من المنكر المنهي عنه المتوعد عليه لأن فيه ما يدعوا إلى المعاصي والآثام ويحسن شرب الخمر وذلك ممنوع، وربما أدى إلى هتك المروءة وزوال التصاون.
فصل [٦٥ - النهي عن قراءة القرآن بالألحان المطربة]:
ولا يجوز قراءة القرآن بالألحان المطربة والمشبهة بالأغاني إعظامًا له وتنزيها عن الأغاني والمناكير (^٥)، ولأن ثمرة قراءته الخشية لله وتجديد التوبة عند سماع مواعظه والاعتبار ببراهينه وقصصه وأمثاله والشوق إلى موعوده وذلك ينافي تلحينه واعتقاد الاطراب بطيب (^٦) سماعه، وينبغي تقسيم قرائته إلى تفخيم وإعظام فيما يليق بذلك منه وإلى تحرير وترقيق على حساب المواعظ المقرؤة منه والحال
_________________
(١) الوغد: يطلق على العبد الذي ليس له منظر وكان قبيح الصورة (الكافي: ٦١٢ والمصباح المنير: ٦٦٦).
(٢) انظر التفريع: ٣/ ٣٥٠، الكافي: ٦١٢.
(٣) انظر الرسالة: ٢٨٠.
(٤) سورة القصص، الآية: ٥٥.
(٥) انظر الرسالة: ٢٨٠.
(٦) في م:
[ ٣ / ١٧٢٧ ]
المقروءة فيها، وقد نبه الله تعالى على ما ذكره من تقسيم القراءة وصفتها بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (^١)، وقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (^٣) وقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ (^٤)، ولأن الألحان إذا كرهت في الشعر كانت في القرآن أولى.
فصل [٦٦ - النهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو]:
لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (^٥) ومخافة أن ينالوه (^٦)، وللنهي الوارد في ذلك (^٧) استخفافًا بحرمته وضد ما أمر به من تعظيمه وإكرامه، ويجوز أن يكتب إليهم بالآية والآيتين إذا كان الغرض بذلك الدعاء إلى الإسلام لما روي أنه - ﷺ - كتب إليهم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (^٨)﴾ (^٩).
_________________
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢.
(٢) سورة محمَّد، الآية: ٢٩.
(٣) سورة ص، الآية: ٢٩.
(٤) سورة المائدة الآية: ٨٣.
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٤٤٦، التفريع: ٢/ ٣٥٦.
(٦) قاله مالك في موطئه: ٢/ ٤٤٦.
(٧) أخرجه البخاري في الجهاد والسير باب السفر بالمصاحف إلى أرض العدو: ٤/ ١٥ ومسلم في الإمارة باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار: ٣/ ١٤٩٠.
(٨) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.
(٩) أخرجه البخاري في باب كيف كان بدعي الوصي إلى رسول الله - ﷺ -: ١/ ٢، ومسلم في الجهاد باب كتب النبي - ﷺ - إلى هرقل: ٢/ ٩٧.
[ ٣ / ١٧٢٨ ]
فصل [٦٧ - التعوذ بالقرآن وبأسماء الله تعالى]:
التعوذ بالقرآن وبأسماء الله تعالى جائز (^١) لقوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٢) وقوله تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (^٣) و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (^٤) وإخباره تعالى عن أنبيائه وصالحي عباده أنهم تعوذوا به، وروي أنه - ﷺ - كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذات وينفث (^٥)، وكان من تعوذه "أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات من شر ما خلق وما ذرأ وما برأ ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها وإن ربي على صراط مستقيم" (^٦)، ومنه ما علمه عثمان بن أبي العاصي (^٧)، "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجده" (^٨)، وفيه أخبار كثيرة.
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٩٤٢، التفريع: ٢/ ٣٥٧، الرسالة: ٢٨٢.
(٢) سورة النمل، الآية: ٩٨.
(٣) سورة الفلق، الآية: ١.
(٤) سورة الناس الآية: ١.
(٥) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب فضل المعوذات: ٦/ ١٠٥، ومسلم في السلام باب رقية المريض بالمعوذات: ٤/ ١٧٢٣.
(٦) أخرجه الطبراني في الصغير، وقال الهيثمي: وفيهن من لم أعرفه (مجمع الزوائد: ١٠/ ١٣٠ - ١٣١)، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء باب التعوذ: ٤/ ٢٠٨٠ جزءا منه وهو (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فقط.
(٧) عثمان بن أبي العاص: الثقفي الطائفي، أبو عبد الله، صحابي مشهور، استعمله النبي - ﷺ - على الطائف ومات في خلافة معاوية بالبصرة (تقريب التهذيب: ٣٨٤).
(٨) أخرجه أبو داود في الطب باب كيف الرقي: ٤/ ٢١٨، والترمذي في الطب باب حدثنا إسحق بن موسى: ٤/ ٣٥٦، وقال حسن صحيح، ومالك: ٢/ ٩٤٢، وأخرجه مسلم في باب استحباب وضع يده علي موضع الألم: ٤/ ١٧٢٨، بلفظ (أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر).
[ ٣ / ١٧٢٩ ]
فصل [٦٨ - في الرقية]:
والرقية (^١) جائزة بالقرآن وبأسماء الله تعالى (^٢) لقوله جل ذكره ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) وقوله تعالى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ (^٤) وقوله - ﷺ - "استرقوا لهما فإنه لو سبق القدر شيء لسبقت العين" (^٥).
فصل [٦٩ - في العين]:
من عين إنسانًا توضأ له العائن، وصفة ذلك: أن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في إناء ثم يصبه على المريض (^٦) لورود الخبر بذلك في حديث عامر بن ربيعة (^٧) لما مر بسهل بن حنيف (^٨) فعين سهلا، فأمره النبي - ﷺ - أن يتوضأ له على هذه الصفة بعد أن تغيظ، وقال: علام يقتل أحدكم أخاه (^٩).
_________________
(١) الرقية:
(٢) انظر الموطأ: ٢/ ٩٤٢، التفريع: ٢/ ٣٧٧، الرسالة: ٢٨٢.
(٣) سورة الإسراء الآية: ٨٢.
(٤) سورة الأنعام الآية: ٩٢.
(٥) أخرجه ابن ماجه في الطب من استرقى من العين: ٢/ ١١٦٠، الترمذي في الطب باب ما جاء في الرقية من العين: ٤/ ٣٤٦، ومالك: ٢/ ٩٤٠ وهو معضل.
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٩٣٨، التفريع: ٢/ ٣٥٧، الرسالة: ٢٨٢٣، ٢٨٤.
(٧) عامر بن ربيعة: ابن كعب بن مالك العنزي، حليف آل الخطاب، صحابي مشهور، أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا مات ليالي قتل عثمان (تقريب التهذيب: ٢٨٧).
(٨) سهل بن حنيف بن واهب الأنصاري الأوسي، صحابي من أهل بدر، استخلفه علي على البصرة ومات في خلافته (تقريب التهذيب: ٢٥٧).
(٩) أخرجه البخاري في الطب باب العين حق: ٧/ ٢٣، ومسلم في السلام باب الطب والمرض: ٤/ ٧١٨.
[ ٣ / ١٧٣٠ ]
فصل [٧٠ - الرقية من العقرب وفي رقية الذمي]:
والرقية جائزة من العقرب لأنه مما يؤذي شر الإيذاء (^١) وروي أنه - ﷺ - (أرخص في الرقية من كل ذي حمي) (^٢)، ويجوز رقية الذمي إذا كانت بكتاب الله، لما روي أنه - ﷺ - دخل على عائشة وعندها يهودية ترقيها فقال: "بكتاب الله فارقي" (^٣).
فصل [٧١ - الكي من اللقوة]:
والكي من اللقوة (^٤) وسائر ما يحتاج إليه ويصلح (^٥) به لأنه على علاج العرب، وقد اكتوى جماعة من الصحابة (^٦)، والتعالج والتداوي للمريض جائز: بالحجامة والكي وشرب الدواء وقطع العرق وكل ما فيه رجاء لصلاح البدن وزوال المرض إلا أن يكون شرب خمر أو استعمال نجس أو أمر ممنوع، والأصل فيه أن النبي - ﷺ - تداوى واحتجم وشاور الطبيب، وقال لطبيبين: أيكما أطب" قالوا يا رسول الله: وهل في الطب من خير؟ قال: "إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء" (^٧)، وقيل لعائشة ﵂ من أين لك العلم بالطب؟ فقالت: إن العلل كانت تعتاد رسول الله - ﷺ - كثيرًا وكان يشاور الطبيب وكنت
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٩٤٢، ٩٤٤، التفريع: ٢/ ٣٥٧، الرسالة: ٢٨٢.
(٢) أخرجه مسلم في السلام باب استحباب الرقية من العين والنخلة والحمي والنظرة بلفظ "أن رسول الله - ﷺ - رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة": ٤/ ١٧٢٥.
(٣) الثابت أن أبا بكر هو الذي دخل على عائشة (الموطأ: ٢/ ٩٤٣).
(٤) اللقوه: داء يصيب الوجه (الصحاح: ٦/ ٢٤٨٥).
(٥) انظر الموطأ: ٢/ ٩٤٤، التفريع: ٢/ ٣٥٨، الرسالة: ٢٨٢.
(٦) مما جاء في الموطأ: ٢/ ٩٤٤، أن عبد الله بن عمر اكتوى من اللقوة ورقي من العقرب.
(٧) أخرجه مالك في موطئه مرسلا: ٢/ ٩٤٤ لكن شواهده كثيرة صحيحة مثبتة كما جاء في الصحيحين في البخاري في الطب باب ما أنزل الله داء: ٧/ ١١، ومسلم في السلام باب لكل داء دواء: ٤/ ١٧٢٩.
[ ٣ / ١٧٣١ ]
أسمع ما يقول له (^١)، فأما شرب الخمر وغيرهما من النجاسات للتداوي فغير جائز لعموم قوله تعالى ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (^٢)، وقوله - ﷺ -: "ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها" (^٣).
فصل [٧٢ - في تحريم اللعب بالنرد والشطرنج]:
لا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج (^٤) لأنها تلهي عن العبادات وتشغل عن ذكر الله، وتؤدي محبتها (^٥) والإدمان عليها إلى القسام والحلف كاذبا وترك الصلوات وذلك فسوق، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" (^٦)، فأما إن كان شيئًا خفيفًا يستعمل معه بعض ما ذكرناه جاز لأنه خفيف.
فصل [٧٣ - مطالبة حية البيت بالخروج قبل قتلها]:
من رأى من الحيات شيئًا في منزله فليؤذنه ثلاثة أيام فإن بدى له بعد ذلك فليقتله، وأما في الصحاري وما عدى البيوت فليقتله من غير إيذان (^٧)، والأصل فيه قوله - ﷺ - "من ترآى له شيء من الحيات في البيوت فليؤذنه ثلاثًا فإن بدى
_________________
(١) لم أعثر على تخريج لهذا الأثر.
(٢) سورة المدثر الآية: ٥.
(٣) أخرجه البزار وأبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان (مجمع الزوائد: ٥/ ٨٩).
(٤) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٤، الرسالة: ٢٨٦.
(٥) في ق: صحبتها.
(٦) أخرجه أبو داود في الأدب باب في النهي عن اللعب بالنرد: ٥/ ٢٣٠، وابن ماجه في الأدب باب اللعب بالنرد: ٢/ ١٢٣٧، ومالك: ٢/ ٩٥٨، الحاكم: ١/ ٥٠ وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(٧) انظر الموطأ: ٢/ ٩٧٥، الرسالة: ٢٨٧.
[ ٣ / ١٧٣٢ ]
له بعد ذلك فليقتله" (^١)، وروى سالم (^٢) عن ابن عمر قال بينما أنا يوما أطارد حية من دواب البيوت أبصر ذلك زيد بن الخطاب (^٣) وأبو لبابة فقالا: مه يا عبد الله: فقلت إن رسول الله - ﷺ - يقتلها فقالا: قد نهي عن ذوات البيوت (^٤)، وفي حديث أبي سعيد قال: كان فتى منا حديث عهد، بعرس دخل منزله فوجد حية منطوية (^٥) على فراشه فركز فيها رمحه فانتضمها فاضطربت الحية في رأس الرمح وخر الفتى صريعا فما يدري أيهما كان أسرع موتا الفتى أم الحية فقال رسول الله - ﷺ -: "استغفروا لصاحبكم، ثم قال "إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم ذلك فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدى لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" (^٦)، فأما في الصحاري والأودية فلا بأس بقتلها لعموم قوله - ﷺ - "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم فذكر: الحية والعقرب" (^٧)، وقال - ﷺ -: "ما سلمناهن منذ حاربهن فمن تركهن مخافة شر فليس منا" (^٨)، وروي أنه - ﷺ - رخص في قتل الحية والعقرب في الصلاة (^٩).
_________________
(١) شاهده حديث مسلم في السلام باب قتل الحيات وغيرها: ٤/ ١٧٥٦ ولفظه قريبا جدًّا منه.
(٢) سالم: بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي، العدوي، المدني، أبو عمر أو أبو عمر أو أبو عبد الله، أحد الفقهاء السبعة ت ١٠٦ هـ (تقريب التهذيب: ٢٢٦).
(٣) زيد بن الخطاب: ابن نفيل العدوي أخو عمر كان قديم الإسلام، شهد بدرًا واستشهد باليمامة سنة اثنتي عشرة (تقريب التهذيب: ٢٢٣).
(٤) أخرجه مالك: ٢/ ٩٧٥، ومسلم في السلام باب قتل الحيات وغيرها: ٤/ ١٧٥٣.
(٥) في ق: مطوية.
(٦) أخرجه مسلم في السلام باب قتل الحيات وغيرها: ٤/ ١٧٥٦.
(٧) أخرجه مسلم في المناسك باب ما يندب للحرم وغيره قتله من الدواب: ٢/ ٨٥٦.
(٨) أخرجه أبو داود في الأدب باب في قتل الحيات: ٥/ ٤٠٩، وابن حبان في صحيحه (مسالك الدلالة: ٤٣٥).
(٩) أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير: ١/ ١٠٩، فيه أيوب بن عتبة متروك الحديث.
[ ٣ / ١٧٣٣ ]
فصل [٧٤ - في جواز قتل الوزغ وكراهية قتل النمل والضفادع]:
يجوز قتل الوزغ (^١) لما نهي عنه، وأنه - ﷺ - أمر به وسماه فويسقاء (^٢)، ويكره قتل النمل إلا من أذية شديدة لأنه نهى - ﷺ - عن قتلها (^٣) فأما إذا آذته فله قتلها لأن له إزالة ما يؤذيه من الهوام بالقتل، ويكره ذلك بالنار في النمل والقمل للتعذيب، وروي "لا يعذب بالنار إلا رب النار" (^٤)، ويكره قتل الضفادع للنهي عنه، ولأنه لا أذية فيه (^٥).
فصل [٧٥ - في سفر المرأة من غير محرم]:
لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم (^٦) لنهيه - ﷺ - أن تسافر المرأة يوما وليلة إلا مع ذي محرم (^٧)، ولأنه لا يؤمن عليها الفاحشة ولهذا أسقط عنها التغريب في حد الزنا، وهو فيما عدى سفر الغرض من الحج والخروج من أرض العدو وقد بيناه فيما تقدم.
فصل [٧٦ - اتخاذ الأجراس والأوتار في أعناق الجمل]:
يكره للمسافرين من اتخاذ الأجراس في أعناق الجمل والركاب (^٨) لما روى أن
_________________
(١) الوزغ: حية سامة وأبرص (انظر الصحاح: ٤/ ١٣٢٨، غرر المقالة: ٢٨٨).
(٢) سبق ذكر تخريج الحديث قريبًا.
(٣) أخرجه أبو داود في الأدب في باب قتل النمل: ٥/ ٤١٨، وابن ماجه في الصيد باب ما ينهي عن قتله: ٢/ ١٠٧٤ وفي إسناده إبراهيم بن الفضل المخزوني وهو ضعيف، وصححه ابن حبان.
(٤) أخرجه البزار في مسنده وسكت عنه (انظر نصب الراية: ٣/ ٤٠٨).
(٥) انظر الرسالة: ٢٨٧، ٢٨٨.
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٩٧٨، التفريع ٢/ ٣٥٤، الرسالة: ٢٨١ الكافي: ٦١١.
(٧) أخرجه البخاري في الحج باب حج النساء: ٢/ ٢١٩، ومسلم في الحج باب سفر المرأة مع محرم: ٢/ ٩٧٥.
(٨) انظر التفريع: ٢/ ٣٥٦، الكافي: ٦١٥.
[ ٣ / ١٧٣٤ ]
رفقة من مصر أقبلت وفيها جرس فأمر النبي - ﷺ - بقطعه وقال: إن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس (^١)، وكذلك تقليد الأوتار منهي عنه لما لا يؤمن منهم أن يؤدين إلى جناية (^٢).
فصل [٧٧ - تنزيه المساجد من التشاغل بالصنائع ومن سائر الأوساخ]:
يكره قتل القمل (^٣) في المساجد، والتشاغل فيها بالصنائع كالخياطة والخرازة وغيرها، ويستحب تنزيهها من تقليم الأظافر وسائر الأوساخ (^٤)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (^٥) وهذه الإضافة تقتضي تعظيمها وإفرادها عما يكون للمخلوقين، وقال جل ذكره ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (^٦) فأخبر عما وضعت له، فوجب ألا يعمل فيها غيره، ولأنها إذا دخلها الأعمال والبيع والشراء كانت كالأسواق وزال تعظيمها ودخلها الغش والكذب ودخول اليهودي والنصراني وابتذلت ودخلها الكلام والقر والسقط وقول الهجو، وما يذم الجلوس في الأسواق لأجله وذلك يبطل الفرق بينها وبين الأسواق لقوله - ﷺ -: "خير البقاع المساجد وشرها الأسواق" (^٧)، وأما تنزيهها عن الأقذار والأوساخ فلقوله - ﷺ - "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" (^٨) وعلة ذلك
_________________
(١) أخرجه مسلم في اللباس والزينة باب كراهة الكلب والجرس في السفر: ٣/ ١٦٧٢.
(٢) لأنه يوقظ الهوام ويسمع قطاع الطريق فيقبلون إليهم كبلاد العرب، فأما إذا كان معهم جمع كبير كمسيرة أهل مصر فلا بأس لأن القطاع إذا سمعوا ذلك هربوا (انظر حاشية كتاب التفريع: ٢/ ٣٥٦).
(٣) في م: كثرة العمل.
(٤) انظر الرسالة: ٢٨٠.
(٥) سورة الجن الآية: ١٨.
(٦) سورة النور الآية: ٣٦.
(٧) أخرجه الحاكم: ١/ ٩، ٢/ ٨، وأخرجه الطبراني في الكبير وفيه بكار بن تميم، وقال في الميزان مجهول (مجمع الزوائد: ٢/ ٩).
(٨) أخرجه ابن ماجه في المساجد والجماعات باب ما يكره في المساجد: ١/ ٢٤٧، وفيه الحارث بن نبهان متفق على ضعفه.
[ ٣ / ١٧٣٥ ]
ما لا يؤمن أن تكون منهم من البول والأقذار، ولأنه إذا منع فيها من أعمال الصنائع والمعايش كان ما ذكرناه أولى.
فصل [٧٨ - في خصاء الغنم والخيل والإبل]:
يجوز خصاء الغنم بخلاف الخيل (^١) والإبل (^٢)، لما روي أنه - ﷺ - نهى عن خصاء الجمل (^٣)، وروي أنه ضحى بكبشين أملحين موجئين (^٤) ولم ينكر ذلك ولأن الغنم تراد للأكل فليس في خصائها ما يمنع ذلك بل فيه صلاح للحومها وترطيب لها والخيل تراد للركوب والجهاد (^٥) وذلك ينقص قوتها ويقل نسلها فلذلك كره.
فصل [٧٩ - في واسم البهائم]:
وتكره السمة (^٦) في الوجوه ولا تكره في غيره (^٧)، لأنه - ﷺ - نهى عن السمة في الوجه وأرخص فيها في الأذن (^٨) وروى أنه مر به - ﷺ - حمار قد كوي وجهه فعاب ذلك (^٩)، ويجوز في غيره لأن بالناس حاجة إلى علامات يعرفون بها بهائمهم فجاز في الوضع الذي لا يعود بالضرر.
_________________
(١) انظر الرسالة: ٢٨٤.
(٢) الإبل: سقطت من م.
(٣) أخرجه أحمد: ٢/ ٢٥٠، وفيه عبد الله بن نافع وهو ضعيف: (مجمع الزوائد: ٥/ ٢٦٨).
(٤) سبق تخريج الحديث في الأضحية، ومعنى موجئين: من الوجاء يطلق على رض عروق البيضتين حتى تنفضخا من غير إخراج فيشبه الخصاء (المصباح المنير: ٦٥٠).
(٥) والجهاد: سقطت من ق.
(٦) السمة: وهو العلامة بالنار أو بالشرط بالموس (الفواكه الدواني: ٢/ ٣٧٦).
(٧) انظر الرسالة: ٢٨٤.
(٨) أخرجه مسلم في اللباس والزينة باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه: ٣/ ١٦٧٣.
(٩) أخرجه مسلم في اللباس والزينة باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه ووسمه فيه: ٣/ ١٦٧٣.
[ ٣ / ١٧٣٦ ]
فصل [٨٠ - في الرؤيا]:
من رأى في منامه بعض ما يكره تفل عن يساره ثلاثًا وتعوذ بالله من شر ما رآه (^١)، لقوله - ﷺ -: "الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات إذا استيقظ وليتعوذ بالله من شرها فإنها لن تضره إن شاء الله (^٢)، ويجب أن يفسرها من له علم بها (^٣) لأنها أصلا لا يؤمنن عليها إذا فسرها من لا يعلم أن يكذب أو يخمن لعموم قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٤).
فصل [٨١ - في السبق]:
السبق (^٥) جائز بالخيل والإبل وبالسهام وبالرمي (^٦)، والأصل فيه قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (^٧)، وقال - ﷺ - "ألا أن القوة الرمي" (^٨)، (وقال - ﷺ - "لا سبق إلا في نصل أو
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٩٥٦، الرسالة: ٢٨٥.
(٢) أخرجه البخاري في الطب باب النفث في الرقبة: ٧/ ٢٤، ومسلم في الرؤيا: ٤/ ١٧٧٢.
(٣) انظر الفواكه الدواني: ٢/ ٣٨٠.
(٤) سورة الإسراء الآية: ٣٦.
(٥) السبق: بسكون الباء - مصدر يسبق إذا تقدم، وبفتحها المال الذي يوضع بين أهل السباق (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢/ ٨٦).
(٦) انظر الموطأ: ٢/ ٤٦٧، الرسالة: ٢٨٦.
(٧) سورة الأنفال الآية: ٦٠.
(٨) أخرجه مسلم في الإمارة باب فضل الرمي والحث عليه: ٣/ ١٥٢٢.
[ ٣ / ١٧٣٧ ]
حافر" (^١» (^٢)، وروي أنه - ﷺ - سابق بين الخيل التي أضمرت (^٣)، وسابق بناقته القصواء (^٤).
فصل [٨٢ - في منع السباق بالبغال والحمير]:
السباق بالبغال والحمير لا يجوز، خلافًا لأحد وجهي أصحاب الشافعي (^٥)، لأن الغرض بالسباق قتل العدو ولا يتأتي كذلك في البغال والحمير لأنها لا تصلح للكر والفر وإنما تصلح له الخيل وحدها ألا ترى أنه لا يسهم لهما.
فصل [٨٣ - من يأخذ الجعل في السباق]:
يجوز أن يخرج الرجل سبقا فإن سبقه غيره أخذه وإن سبق هو كان الذي أخرجه لمن يليه، ولا يرجع السبق إلى مخرجه، وإن جعلا محللا يأخذ السبق جاز إذا أمنا أن يسبقاه (^٦)، والأصل فيه قوله - ﷺ -: "من أدخل فرسا بين فرسين
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في السبق: ٣/ ٦٣، والنسائي في الخيل باب السبق: ٦/ ١٨٨، وابن ماجه في الجهاد باب السبق والبرهان: ٢/ ٩٦٠، والترمذي في الجهاد باب ما جاء في الرهبان والسبق: ٤/ ١٧٨ وحسنه وصححه ابن حبان: ١٦٣٨.
(٢) ما بين قوسين سقط من م.
(٣) أضمرت: في اللغة: ضمر أي دق وقيل لحمه، أما أضمرته أي عددته للسباق وهو أن تعلفه قوتا بعد السمن (المصباح المنير: ٢/ ٣٦٤)، والحديث أخرجه البخاري في الجهاد باب السبق بين الخيل: ٣/ ٢١٩، ومسلم في الإمارة باب المسابقة بين الخيل وتضميرها: ٣/ ١٤٩١.
(٤) فعن أنس قال: كان للنبي - ﷺ - ناقه تسمي العضباء لا تسبق … ألخ الحديث، أخرجه البخاري في الجهاد باب ناقة النبي - ﷺ -: ٣/ ٢٢٠ وأخرجه مسلم في الجهاد باب غزوه ذي قرد: ٣/ ١٤٣٩.
(٥) انظر المهذب: ١/ ١٤١٣.
(٦) انظر الرسالة: ٢٨٧.
[ ٣ / ١٧٣٨ ]
وقد أمن أن يسبقهما فهو قمار فإن لم يأمن فليس بقمار" (^١)، ولأنه إذا أمن أن يؤخذ سبقه ورجاء أن يؤخذ سبق غيره حصل المعنى المقصود منه فجاز، وإنما منعنا رجوع السبق إلى مخرجه اعتبارًا بالولى لأنه لا يكون في إخراج السبق فائدة، قال محمَّد بن عبد الحكم: هذا أحد قوليه وعلى الوجه الآخر يجوز وهو النظر.
…
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في المحلل: ٣/ ٦٦ وابن ماجه في الجهاد باب السبق والبرهان: ٢/ ٩٦٠، وصححه ابن حزم (تخليص الحبير: ٤/ ١٦٣).
[ ٣ / ١٧٣٩ ]
باب في فضل المدينة والصلاة بها وفضل مالك -﵀- وترجيح مذهبه
المدينة عند أصحابنا أفضل البقاع كلها (^١)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي وغيرهما من تفضيل مكة عليها (^٢)، لما روت عمرة بنت عبد الرحمن (^٣) عن نافع بن خديج أن النبي - ﷺ - قال: المدينة خير من مكة" (^٤) هذا نص، ولقوله: إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك وإنه دعى لمكة، وأنا أدعو للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ومثله معه" (^٥) وهذا صريح في أنها أفضل لأن تضعيف الدعاء لها إنما هو لفضلها على ما قصر عنها، وقوله - ﷺ -: "لا يصبر على لأوائها (^٦) وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة" (^٧)
_________________
(١) انظر الموطأ: ٢/ ٨٨٤، المقدمات: ٣/ ٤٧٧.
(٢) انظر حاشية بن عابدين: ٢/ ٦٢٦، المجموع: ٧/ ٤٤٤.
(٣) عمرة بنت عبد الرحمن: ابن سعد بن زرارة الأنصارية، المدينة أكثرت عن عائشة ثقة من الثالثة ماتت قبل المائة (تقريب التهذيب: ٧٥٠).
(٤) أخرجه الطبراني: ٤/ ٣٤٣، وابن عدي: ٦/ ٢١٩٤ والبخاري في التاريخ الكبير: ١/ ١٦٠. وفيه محمَّد بن عبد الرحمن بن داود وهو مجمع على ضعفه (مجمع الزوائد: ٢/ ٣٠٢).
(٥) أخرجه مسلم في الحج باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة: ٢/ ١٠٠٠ ومالك: ٢/ ٨٨٥.
(٦) لأوائها: من اللأواء وهي الشذة، وتعذر الكسب وسوء الحال، وقال بعضهم شده الجوع (الصحاح: ٦/ ٢٤٧٨).
(٧) أخرجه مسلم في الحج باب الترغيب في سكنى المدينة: ٢/ ١٠٠٤، ومالك: ٢/ ٨٨٦.
[ ٣ / ١٧٤٠ ]
وتخصيصه ذلك يدل على أنه لا زيادة على فضيلتها، وقوله: "لا يخرج أحد عن المدينة رغبة عينها إلا أبدلها الله خيرا منه" (^١)، وقوله في الأعرابي الذي بايعه ثم قال أقلني بيعتي، المدينة كالكير ينفي خبثها وينصع طيبها" (^٢)، وقوله - ﷺ -: "اللهم إنهم أخرجوني من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك" (^٣) وهذه ظواهر أقوى من النصوص وقوله "أمرت بقرية تأكل القرى يقال لها يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما تنفي الكير خبث الحديد (^٤)، وقوله - ﷺ - "تأكل القرى (^٥) "إلا رجوع فضلها عليها وزيادتها على غيرها، وقوله "إن الإيمان ليأزر (^٦) إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها" (^٧) وتخصيصه إياها بذلك يدل على فضلها على جميع البقاع التي لا يوجد هذا المعنى فيها لقوله - ﷺ - "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" (^٨)، وقد علم أنه خصص ذلك
_________________
(١) أخرجه مالك: ٢/ ٨٨٧.
(٢) أخرجه البخاري، في فضائل المدينة باب فضل المدينة …: ٢/ ٢٢١، مسلم في الحج باب المدينة تنفي شرارها: ٢/ ١٠٠٦، ومالك: ٢/ ٨٨٦.
(٣) أخرجه الحاكم: ٣/ ٣، وهو حديث منكر .. وقال ابن حزم: هو حديث لا يسند، وإنما هو مرسل من جهه محمَّد بن الحسن بن زبالة وهو هالك (المقاصد الحسنة: ٨٩).
(٤) أخرجه البخاري في فضائل المدينة باب فضل المدينة: ٢/ ٢٢١ ومسلم في الحج باب المدينة تنفي شرارها: ٢/ ١٠٠٦ ومالك: ٢/ ٨٨٧.
(٥) أخرجه مسلم في الحج باب المدينة تنفي شرارها: ٢/ ١٠٠٦.
(٦) يأرز: أي يلجأ، وينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها (الصحاح: ٣/ ٨٦٤).
(٧) أخرجه البخاري في فضائل المدينة باب الإيمان يأرز إلى المدينة: ٢/ ٢٢٢، ومسلم في الإيمان باب أن الإسلام بدأ غريبا: ١/ ١٣١.
(٨) أخرجه البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب فضل ما بين القبر والمنبر: ٢/ ٥٦، ومسلم في الحج ما بين القبر والمنبر روضة …: ٢/ ١٠١٠.
[ ٣ / ١٧٤١ ]
الموضع منها لفضله على بقيتها فكان بأن يدل على فضلها على ما سواها أولى، وقوله - ﷺ - "على أنقاب (^١) المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال (^٢) وهذا بين عن فضلها على البقاع التي لم تحرس من ذلك، وقوله: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" (^٣)، ولا يجوز أن يسأل ربه أن يحبب إليه الأدنى على الأعلى، وما روي من إنكار عمر ﵁ على عبد الله بن عياش المخزومي (^٤) في قوله: مكة خير من المدينة فقال: أنت القائل لمكة خير من المدينة فقال هي حرم الله وأمنه فقال عمر: لا أقول في حرم الله ولا في أمنه شيئًا (^٥).
ولا أحد أنكر عليه هذا الإنكار، ولأن رسول الله - ﷺ - مخلوق منها وهو خير البشر فتربتها أفضل الترب، ولأن فضل الهجرة يوجب أن يكون المقام بها طاعة وقربة والمقام بغيرها ذنبا ومعصية وذلك قال على فضلها على سائر البقاع.
فصل [١ - في تفضيل المساجد الثلاثة: المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ - ومسجد إيليا]:
الصلاة في كل المساجد متساوية الفضيلة إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام
_________________
(١) أنقاب: جمع نقب وهي أبوابها.
(٢) أخرجه البخاري في فضائل المدينة باب لا يدخل الدجال المدينة: ٢/ ٢٢٣، ومسلم في الحج باب صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال: ٢/ ١٠٠٥ ومالك: ٢/ ٨٩٢.
(٣) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة: ٤/ ٢٦٤، ومسلم في الحج باب الترغيب في السكنى المدينة والصبر على لأوائها: ٢/ ١٠٠٣ ومالك: ٢/ ٨٩١.
(٤) عبد الله بن عياش: ابن عباس القتباني، أبو حفص المصري صدوق يغلط، أخرج له مسلم في الشواهد من السابقة، مات سنة سبعين (تقريب التهذيب: ٣١٧).
(٥) الموطأ: ٢/ ٨٩٤.
[ ٣ / ١٧٤٢ ]
ومسجد النبي ومسجد إيليا (^١)، والأصل فيه قوله - ﷺ - " لا تشهد المطي إلا إلى ثلاثة فذكرها" (^٢) وقوله - ﷺ - "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" (^٣).
فصل [٢ - في تفضيل الصلاة في المسجد النبوي]:
فإذا ثبت هذا فالصلاة في مسجده أفضل من الصلاة في المسجد الحرام في الجملة، فأما تحديد ما يفضل به عليه فلم يرد خبر ولا يوجبه نظر، وقد قيل إنه بدون الألف وأظن قد قيل غيره (^٤)، وإنما قلنا ذلك في الجملة لأنه إذا ثبت بما ذكرناه فضيلة المدينة على مكة كانت الصلاة في مسجدها أفضل لا محالة ويكون استثناء المسجد الحرام من تفضيل الصلاة في مسجد الرسول - ﷺ - على سائر المساجد وهو مقدار الفضيلة لا في أصلها فكأنه قال - ﷺ - الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فهو أفضل منه بدون ألف كفضل مكة على غيرها، فكانت لها بذلك مزية على سائر المساجد كما كان للمدينة مزية على مكة وذلك المقدار لا يعلم إلا بتوقيف فلذلك وقفنا في تقديره.
فصل [٣ - في إجماع أهل المدينة]:
إجماع أهل المدينة نقلا حجه تحرم مخالفته ومن طريق الاجتهاد مختلف في كونه حجه: والصحيح عندنا أنه يرجح به على غيره ولا يحرم الذهاب إلى
_________________
(١) يقصد بمسجد إليا: بيت المقدس.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: ٢/ ٥٦، مسلم في الحج باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: ٢/ ١١١٤.
(٣) أخرجه البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: ٢/ ٥٦، ومسلم في الحج باب فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة: ٢/ ١٠١.
(٤) انظر الموطأ: ٢/ ٨٨٤، المقدمات: ٢/ ٤٧٩ - ٤٨١.
[ ٣ / ١٧٤٣ ]
خلافه، فأما إجماعهم من طريق النقل أو ما في معناه: فإنه ينقسم إلى نقل قول ونقل فعل ونقل إقرار ونقل ترك وعليه بني أصحابنا الكلام في كثير من مسائلهم واحتجوا به على مخالفهم وتركوا له أخبار الأحاد والمقاييس (^١)، وهو مثل نقل الآذان والإقامة وتقديم الآذان للفجر قبل وقتها والصاع والمد وترك أخذ الزكاة من الخضروات وإثبات الأحباس والوقوف وغير ذلك ودليلنا على كونه حجة: اتصال نقله على الشرط المراعى في التواتر من تساوي أطرافه وامتناع الكذب والتواطء والتواصل والتشاعر على ناقليه وهذه صفة ما يحج نقله (^٢)، ولا معتبر (^٣) لقولهم إنه لم يثبت هذه الصفة لنقلهم لأن الذين نقلوا ذلك هم الذين نقلوا موضع قبره ومنبره - ﷺ - وهم أهل المدينة قرنا بعد قرن وخلفا عن سلف ولدا عن والد وآخر عن أول، وكذلك قال مالك ﵀ لما احتاج لإثبات الوقوف فقال: هذه صدقات رسول الله - ﷺ - وأحباسه مشهورة عندنا بالمدينة معروفة، ولمسائها رجع أبو يوسف إلى القول بأن مقدار الصاع ما يقوله أصحابنا وترك مذهب أبي حنيفة (^٤) لما رأى (^٥) من تواتر النقل وتناصره من الخلف عن السلف، وإذا ثبت ذلك صح ما قلنا، ومن ذهب إلى أن إجماعهم (^٦) من طريق الاستنباط والاجتهاد حجه احتج بأن لأهلها من المزية بمشاهدة خطاب رسول الله - ﷺ - وسماع كلامه والمعرفة بأسباب خطابه وألفاظه ومخارج أقواله ما ليس لغيرهم ممن نأى وبعد عنه، وقد ثبت أن من حملت له هذه المزية كان أعرف بطرق الاستنباط ووجوه الاجتهاد والاستخراج فكانوا حجه
_________________
(١) انظر: إحكام الفصول: ٤٨٠، المقدمات: ٣/ ٤٨١، مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٥.
(٢) في م: فعله.
(٣) في ق: معتد.
(٤) انظر تمام القصة في سنن البيهقي: ٤/ ١٧١، وذكر القصة كذلك أبو عبيد في الأموال: ٤٦٣، والحافظ ابن حجر في الفتح: ١١/ ٥٩٨.
(٥) لما رأى: سقطت من ق.
(٦) في م: ابتاعهم.
[ ٣ / ١٧٤٤ ]
بما يجتهدون فيه، ولأن السنن والأحكام منا ابتدأت وعنها انتشرت إلى غيرها من الآفاق: فإذا وجدناهم مجمعين على ما لم يتبين نقله ولا اشتهر أنه توقيف حملوا فيه على أنهم عرفوا منه ما لم يعرف غيرهم لأنه ليس إلا ذلك، والقول بأنهم غيروا أو ما عرفوا [] (^١) ما علموه وذلك ممتنع مع عدالتهم ونزاهتهم ووجه القول بأنه ليس بحجة وهو الذي كان يقول شيخنا أبو بكر [الأبهري] (^٢) وكافة البغداديين من أصحابنا إلا اليسير منهم [لأنهم بشر يخطيء ويصيب والعصمة] (^٣) تثبت لجميع الأمة دون بعضها فلا يؤمن معهم، وقد وقع الخطأ في بعض ما اجتهدوا فيه وهذا زيادة منهم على [] (^٤) التبديل والتغيير.
فصل [٤ - في الترجيح بعمل أهل المدينة]:
إذا ثبت أنه ليس بحجة ولا تحرم مخالفته وهو أولى من اجتهاد غيرهم إذا اقترن بأحد الخبرين المعارضين رجح به على ما عرى عنه (^٥)، ودليلنا أن الترجيح مطلوب به قوة [بحيث يكون القول الذي] (^٦) يقارنه أقرب إلى الحق وأولى بالصواب، وذلك لأن أهل المدينة بما ذكرناه من مزية المعاينة والرجحان بالمشاهدة والمعرفة بمخارج الكلام [وسبب] (^٧) الأحكام ما ليس لغيرهم من راجع إلى نقل فكان اجتهادهم أولى لأن سببه الذي بني عليه
_________________
(١) طمس في ق وم.
(٢) مطموس: في ق وم.
(٣) طمس في م وق.
(٤) طمس في م وق.
(٥) انظر المقدمات: ٣/ ٤٨٤.
(٦) طمس في م ون.
(٧) طمس في م وق.
[ ٣ / ١٧٤٥ ]
أقوى، ولقوله - ﷺ -: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها" (^١) وذلك يفيد أن اجتهادهم إلى الصواب أقرب وعن الخطأ أبعد، وبذلك احتج من رجح اجتهاد عمر ﵁ على اجتهاد غيره لقوله - ﷺ - "أن الحق ينطق على لسان عمر وقلبه" (^٢)، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتوقفون عن الفتيا في الحادثة إذا نزلت بهم وهم غائبون عن المدينة ويؤخرون ذلك إلى وقت عودهم إليها وروي عن ابن مسعود وابن عمر وأشار به عبد الرحمن على عمر (^٣)، وذلك لأن اعتقادهم أن الاجتهاد بها أقوى، وأن النفوس بها أشرح والصدور بها أرحب وأفصح والتبين والتبصر بها أبهج وأوضح، وقد صرح بذلك عبد الرحمن بن عوف في قوله لعمر بن الخطاب: أمهل يا أمير المؤمنين لتقدم دار الهجرة وبها الصحابة، وهذا واضح فيما قلناه بحمد الله.
فصل [٥ - مخالفة خبر الآحاد لعمل أهل المدينة]:
إذا روي خبر من أخبار الآحاد في مقابلة عملهم المتصل وجب إطراحه والمصير إلى عملهم لأن هذا العمل طريقه طريق النقل المتواتر فكان إذن أولى من أخبار الآحاد (^٤)، وذلك مثل ما ذكرناه في نقل الآذان، ووجوب المعاقلة بين الرجل والمرأة، وتقديم الآذان على الفجر وما في معناه، وحمل ذلك على [غلط] (^٥) راويه أو نسخه أو غير ذلك مما يجب إطراحه لأجله، وليس هذا من القول
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ص ١٧٤١.
(٢) أخرجه الترمذي في المناقب باب ما بعد باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄: ٥/ ٥٧٦ وقال هذا حديث حسن غريب بلفظ وأن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه.
(٣) أخرجه البخاري في الحدود باب الاعتراف بالزنا: ٨/ ٢٤، ومسلم في الحدود باب رجم الثيب: ٣/ ١٣١٧.
(٤) في ق: من الأخبار.
(٥) طمس في م وق.
[ ٣ / ١٧٤٦ ]
بأنا لا نقبل الخبر حتى يصحبه العمل في شي لأنه لو ورد خبر في حادثة (^١) لا نقل لأهل المدينة فيه لقبلناه وإن كنا نطرحه إذا عاد برفع النص، وهذا مذهب السلف وأكابر التابعين مثل سعيد بن المسيب إذا أنكر على ربيعه معارضته إياه في المعاقله (^٢) وأبي الزناد (^٣) وأبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم وغيرهم، وقد ذكرناه في المواضع وقد استوفيناه فيها.
فصل [٦ - في ترجيح مذهب الإمام مالك - ﵀ -]:
إذا اختلف العلماء وتنازعوا في حكمهما: (^٤) فالواجب الرجوع إلى النظر والاجتهاد في طلب الحكم من الأدلة التي هي مظانة (^٥) ومواضع طلبه وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس والعمل (^٦) واعتقاد ما يؤدي صحيح النظر في ذلك إليه ويقف (^٧): المجتهد عليه ولا يفتقدون الحق في أقاويل المختلفين في قول فلان دون قول غيره، ولا في مذهب دون ما سواه من [المذاهب] (^٨) إلا أن يكون الدليل قد قام عنده على صحته وعين له الحق به، فإن قيل أتراكم تعتقدون مذهب مالك بن أنس ﵀ وتختارونه (^٩) دون غيره من مذاهب المخالفين وتخبرون عن صوابه وتأمرون المبتدئ بدرسه فخبرونا عن موجب
_________________
(١) في حادثة: سقطت من م.
(٢) سبق ذكر القصة في العقل، ص ١٠٤٠، وانظر الموطأ: ٢/ ٨٦٠.
(٣) في ق: أبي الزياد.
(٤) في المقدمات: في حكم النازلة: ٣/ ٤٨٤.
(٥) في م: مكانه.
(٦) في م: والعبرة.
(٧) في ق: وينفذ.
(٨) طمس في ق وم.
(٩) في م: وتنتحلونه.
[ ٣ / ١٧٤٧ ]
ذلك عندكم أهو تقليدكم له وإنكم صرتم إليه لأنه قاله أو لأن الدليل عندكم قال عليه، قيل له: قد فرغنا من الجواب عن هذه المطالبة في العقد الذي عقدناه وجملته إنا لم نصر إلى قوله إلا وقد علمنا صحته وعرفنا صحة الأصول التي بني عليها واعتمد في اجتهاده على الرجوع إليها فلما عرفنا ذلك من مذهبه عقدناه وحكمنا بصوابه، إن قيل فهذا حجتكم فيما تعتقدونه في نفوسكم فما حجتكم في إرشادكم على المبتدئ الذي لم يعرف من حاله ما عرفتم منه (^١) وتعوليكم به عليه وترجيحكم له في الجملة على غيره، قيل له: فأما إرشادنا المبتدئ إليه وأمرنا إياه بدرسه واعتقاده فلأنه استرشدنا إلى الصواب الذي يجب أن يعتقد وقد عرفنا أن ذلك هو الصواب فلذلك أرشدناه إليه، وأما ترجيحنا إياه على غيره من المذاهب) (^٢) فلقوله - ﷺ -: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدوا من عالم أعلم من بالمدينة (^٣) فالدلالة في هذا من موضعين: إحداهما إخباره بأن من ينطبق عليه هذا الإسم أعلم أهل وقته ولم نجد هذا [في غيره] (^٤) ولا موصوفا به سواه، حتى إذا قيل هذا قول عالم المدينة وإمام دار الهجرة عقل من ذلك أنه المراد به فاكتفي به عن أن يقال أنه مالك بن أنس [ولم يؤدي] (^٥) سمعه إلى استفهام عليه، ولا يعرض له توقف فيه للعرف الذي في الغالب قصره عليه وانتفاء الشركة عنه فيه كما إذا قيل هذا قول الشافعي أنه أراد بذلك قول محمَّد بن إدريس دون غيره [من أهل نسبه، وكذلك الأوزاعي والثورى] (^٦).
_________________
(١) في م: إليه.
(٢) ما بين قوسين سقط من ق.
(٣) أخرجه الترمذي في العلم باب ما جاء في عالم المدينة: ٥/ ٤٦ وقال حديث حسن وأخرجه البيهقي: ١/ ٣٨٦ والحاكم: ١/ ٩١ وصححه، وأحمد: ٢/ ٢٩٩.
(٤) طمس في ق وم.
(٥) طمس في ق وم.
(٦) الثوري: سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى، أمير المؤمنين في الحديث ت ١٦١ هـ (سير أعلام النبلاء: ٧/ ٢٢٩).
[ ٣ / ١٧٤٨ ]
والثاني تأويل الأئمة ذلك فيه: منهم ابن جريج وابن عيينة وعبد الرحمن ابن مهدي (^١) من غير خلاف عليهم في ذلك (^٢)] (^٣).
[انتهى كتاب المعونة على مذهب عالم المدينة وصلى الله على سيدنا محمَّد]
_________________
(١) عبد الرحمن بن مهدى بن حسان، أبو سعيد البصري، الحافظ الحجه الإمام ت ١٩٨ هـ (تذكرة الحفاظ: ١/ ٣٢٩).
(٢) انظر سنن الترمذي: ٥/ ٤٦.
(٣) ما بين معقوفتين مطموس في ق، م وأكملنا النقص من كتاب "المقدمات" لابن رشد الذي نقل معظم هذا الفصل: ٣/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
[ ٣ / ١٧٤٩ ]