الأصل في جواز الصلح (^٢) قوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ (^٣)، وقوله - ﷺ -: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (^٤)، ولأن فيه قطعًا للخصومة وداعيًا (^٥) إلى التواصل والألفة.
فصل [١ - في جواز الصلح على الإنكار والإقرار]:
وهو عندنا جائز على الإقرار والإنكار (^٦) خلافًا للشافعي في قوله إنه لا يجوز مع الإنكار (^٧)، لقوله - ﷺ -: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (^٨) فعم، ولأنها دعوى ما لم يحكم ببطلانها فجاز الصلح معها أصله مع الإقرار، ولأنها أحد حالي المنكر كالإقرار، ولأن كل
_________________
(١) بسم الله الرحمن الرحيم: سقطت من م.
(٢) الصلح: في اللغة الصلح ضد الفساد (الصحاح: ١/ ٣٨٣، معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٣٠٣)، وفي الاصطلاح عرفه ابن عرفه بقوله: انتقال عن حق أو دعوي بعوض لرفع نزاع أو خوف وقوعه (حدود ابن عرفه ص ٣١٤).
(٣) سورة النساء، الآية: ١٢٨.
(٤) أخرجه أبو داود في الأقضية باب في الصلح: ٤/ ١٩، وابن ماجة في الأحكام باب في الصلح: ٢/ ٧٨٨، والترمذي في الأحكام باب ما ذكر من رسول الله - ﷺ - في الصلح بين الناس، وقال: حسن صحيح: ٣/ ٦٣٤.
(٥) في م: داعية.
(٦) انظر: المدونة ٣/ ٣٤٥ وما بعدها، التفريع: ٢/ ٢٨٩، الكافي ص ٤٥١.
(٧) انظر: الأم ٣/ ٢٢١، مختصر المزني ص ١٠٦، الاقتناع ص ١٠٦.
(٨) سبق تخريج الحديث قريبا.
[ ٢ / ١١٩١ ]
صلح جاز (^١) مع الإقرار جاز مع الإنكار أصله الإبراء، ونفرض الكلام في أن افتداء اليمين جائز وهو أن يلزم أحد المتداعيين اليمين فيبذل المدعى عليه للمدعي (^٢) شيئًا على ألا يحلفه (^٣).
والدليل على جواز ذلك أنه مروي عن عثمان وابن مسعود (^٤) ولا مخالف لهما، ولأن المدعي عليه لا يخلو أن يكون محقًا في إنكاره أو مبطلا فإن كان مبطلًا فقد أحسن إذ (^٥) لم يحلف على باطل ودفع الحق، وإن كان محقًا فقد دفع عن نفسه شر المدعي وتبذيله إياه ونزَّه (^٦) نفسه عن اليمين التي تثقل على أهل المروءات والدين وتستبق الظنة إلى المقدم عليها.
فصل [٢ - في أضرب الصلح]:
الصلح على ضربين: منه معاوضة كالبيع فهذا حكمه حكم البيع يدخله من الجواز والمنع ما يدخل البيع، ومنه إسقاط وإبراء.
فأما القسم الأول: فهو أن يدعي على غيره شيئًا ثم يبيعه (^٧) منه فلا يجوز إلا في معلوم ولا يجوز أن يفسخ في دين إذا كان المدعى دينا، ولا في طعام قبل قبضه، ولا عن دعوي في جنس باثنين من جنسه إلى أجل، ولا عن مجهول ولا غرر، ولا على ضع وتعجل قبل حلول الأجل، وجملته أنه يمتنع فيه ما يمتنع في البيع.
فأما القسم الثاني: فهو وضع بعض الحق المدعى وإبراء منه مثل أن يكون على
_________________
(١) في م: جائز.
(٢) للمدعي: سقطت من م.
(٣) في م: تلحقه.
(٤) انظر: سنن البيهقي: ١٠/ ١٧٧.
(٥) في ق: إذا.
(٦) في م: رد.
(٧) في م: لم يبعه.
[ ٢ / ١١٩٢ ]
رجل مال حال فيصالحه على بعضه وإسقاط باقيه، وإن كان مؤجلًا فلا يجوز أن يصالحه قبل حلوله على تعجيل (^١) بعضه وإسقاط باقيه ويجوز أن يصالحه عن ذهب له على ورق يأخذها منه نقدًا، وعلى ذهب عن ورق لا يجوز الرجوع بها لأن ذمة الغريم قد برئت (^٢).
…
_________________
(١) في م: تعجل له.
(٢) انظر: في جملة هذه الأحكام: المدونة: ٣/ ٣٤٥ وما بعدها، التفريع: ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠، الكافي ص ٤٥١ - ٤٥٣.
[ ٢ / ١١٩٣ ]
باب [- في إحياء الموات]
ومن أحيا أرضًا (^١) ميتة غير مملوكة لمسلم (^٢) ولا ذمي بالوجه الذي يكون إحياء لمثلها من بناء أو حفر بئر وجصها أو غرس أو غير ذلك من وجوه الإحياء وأنواع العمارة فهي له إذا كانت في فيافي (^٣) الأرض وفلواتها (^٤) بعيدة من العمران والمواضع التي لا يتشاح الناس فيها من غير حاجة إلى استئذان الإمام، وأما إن كانت بقرب العمران في حيث يتشاح الناس فلا يجوز إلا بإذن الإمام (^٥)، والأصل في جواز الإحياء قوله - ﷺ -: "من أحيًا أرضًا ميتة فهي له" (^٦) وهذا نص، وإنما لم نشترط إذن الإمام فيما بعد عن العمران خلافًا لأبي حنيفة (^٧)، لهذا الخبر وهو عام، ولقوله - ﷺ -: "من أحاط على أرض فهي له" (^٨)، ولأنه ليس في ذلك إتلاف حق غيره ولا ما يؤدي إلى التخاصم والعداوة فكان
_________________
(١) إحياء الأرض الميتة: قال ابن عرفه عن الإحياء: لقب لتعمير دامر الأرض بما يقتضي عدم انصراف المعمر عن انتفاعه بها (الرصاع على ابن عرفه ص ٤٠٧).
(٢) في م: لم تكن لمسلم مملوكة.
(٣) فيافي: جمع فيف: وهي الصحراء الواسعة المستوية، (المعجم الوسيط: ٢/ ٧٠٨).
(٤) الفلاة: هي الأرض لا ماء فيها. (المصباح المنير ص ٤٨١).
(٥) انظر: الموطأ: ٢/ ٧٤٣، المدونة: ٤/ ٣٧٧، التفريع: ٢/ ٢٩٠.
(٦) أخرجه أبو داود في الخروج باب إحياء الموات: ٣/ ٤٥٤ والترمذي في الأحكام باب ما ذكر في إحياء الموات وقال حديث حسن غريب: ٣/ ٦٦٢ وله شاهد في البخاري في الحرث والمزارعة باب من أحيا أرضًا موات: ٥/ ١٨.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٣٤، مختصر القدوري - مع شرح الميداني ٢/ ٢١٩.
(٨) أخرجه أبو داود في الخراج باب إحياء الموات: ٣/ ٤٥٦ وأحمد: ٥/ ١٢ و٢١ والبيهقي: ٦/ ١٤٨ والطبراني والحديث مختلف فيه (انظر تلخيص الحبير: ٣/ ٦٢).
[ ٢ / ١١٩٤ ]
بملك بالإحياء (^١) مباحة كتمليك (^٢) الحشيش والصيد بالأخذ، وإنما شرطنا إذن الإمام فيما قرب من العمران خلافًا للشافعي (^٣)؛ لأن ما قرب من البلد في حكم فنائه فالانتفاع به مشترك بين أهل البلد من الاحتطاب فيه والاصطياد والرعي وغير ذلك من وجوه الإرفاق (^٤) فلو أُجيز لكل واحد اقتطاعه لأضر ذلك بأهل البلد فلم يكن بد من نظر الإمام ليكون كالحكم لمن يحييه، فإذا أحيا أرضًا ثم خرجت ودثرت وعادت إلى ما كانت عليه ثم أحياها آخر بعده فهي للثاني دون الأول بناء على الصيد إذا أفلت وعاد إلى الاستيحاش ولحق وطال زمانه وقد بيناه.
فصل [١ - في حد حريم البئر]:
حريم البئر (^٥) ليس فيه حد إلا الاجتهاد وما يعلم أنه لا يضر بالبئر الأول، وذلك يختلف باختلاف الأراضي والمواضع من الصلابة والرخاوة: فما علم أنه لا يضر بما تقدمه جاز، وما علم فيه ضرر منع، وذلك في الآبار التي تحفر في الصحاري والفلوات للماشية، فأما إذا أراد أن يحفر بئرًا في ملكه (^٦) بقرب من بئر جاره ويخاف منه الإضرار بها فإن كان له مندوحة عنه وسعة فليس له ذلك لأن قصده حينئذ الإضرار بجاره من غير ضرورة فلا يترك في ذلك، والأخرى أنه يجوز له فعله (^٧).
فوجه الأولى قوله - ﷺ -: "لا ضرر ولا اضرار" (^٨)، واعتبارًا به إذا كانت
_________________
(١) في م: بلا إحياء.
(٢) في ق: كتملك.
(٣) انظر: الأم ٤/ ٤١ - ٤٢، مختصر المزني ص ١٣٠ - ١٣١، الإقناع ص ١١٨.
(٤) في م: الارتفاق.
(٥) حريم البئر: حريم الشيء ما حوله من حقوقه ومرافقه، سمي بذلك لأنه يحرم على غير مالكه، أن يستبد بالانتفاع به (المصباح المنير ص ١٣٣).
(٦) في م: في ملك نفسه.
(٧) انظر: المدونة: ٤/ ٣٧٣، التفريع: ٢/ ٢٩١، المقدمات: ٢/ ٢٩٥ - ٣٠٢.
(٨) سبق تخريج الحديث.
[ ٢ / ١١٩٥ ]
له مندوحة عنه، ولأن الضررين إذا تقابلا فالأول أولى بالمراعات لفضل السبق، ووجه الثانية أن للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يحتاج إليه من وجوه التصرف، ولا يجب أن يمنع لحق الغير لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر ولا أن يراعي فضل السبق لأن الأول قد عرض تصرفه للبطلان إذا علم أن لجاره أن يتصرف في ملكه.
فصل [٢ - في عدم جواز منع فضل مياه البراري]:
الآبار المحتفرة في البراري وحيث لا ملك لأحد عليها ليس لأحد أن يمنع فضل مائها (^١)، لأن الناس كلهم شركاء فيها، ولقوله - ﷺ -: "الناس شركاء في ثلاث: فذكر الماء والكلأ … " (^٢)، وإن كان هو الذي حفرها في ذلك الموضع فليس له منع فضلها، فالذي يحتاج إليه أولى فإذا استغنى وحصل له قدر كفايته كان ما بقي (^٣) للمسلمين ولم يكن له منع الفضل خلافًا لمن جعل له ذلك: لأن آبار الماشية التي تحفر في البراري إنما تحفر للسبيل ولينتفع بها الحافر وغيره ولا تُحفر للتمليك والإحياء، ولأنه ليس لأحد أن يحيي في المواضع التي يتشاح الناس فيها بغير إذن الإِمام لقوله - ﷺ -: "لا حمى إلا لله ولرسوله" (^٤)، وإذا منع الماء الفاضل عن قدر حاجته كان ذلك منعًا من الشرعي لأن أحدا لا يرعي إلا على ماء، فإذا ثبت ذلك فليس له أخذ عوض عليه لأن حفرها على وجه السبيل على ما بيناه لأن الموضع ليس بملك له ولا حفرها على وجه الإحياء فتكون
_________________
(١) انظر: المدونة ٤/ ٣٧٤، التفريع: ٢/ ٢٩١، الكافي ص ٤٩١، المقدمات: ٢/ ٢٩٧.
(٢) أخرجه أبو داود في البيوع باب منع الماء: ٣/ ٧٥١ بلفظ المسلمون، وابن ماجه في الأحكام باب الرهون: ٢/ ٨٢٦، بسند صحيح، وأحمد: ٥/ ٣٦٤، والطبراني والبيهقي: ٦/ ١٥٠، وفيه عبد الله بن خراش ضعفه البخاري وأبو زرعه وغيرهما (تلخيص الحبير: ٣/ ٦٥).
(٣) في م: مالكا له.
(٤) أخرجه البخاري في المساقاة باب لا حمي إلا لله ولرسوله: ٣/ ٧٨.
[ ٢ / ١١٩٦ ]
ملكا له، فإذا ثبت هذا فإنما يلزمه بذل ما زاد على قدر كفايته ويكون أحق بما يحتاج إليه منه لأنه إنما حفرها هو ليختص هو بمنفعتها أو قدر ما يحتاج إليه منها، ولأنه - ﷺ - نهى عن منع فضل الماء (^١)، وذلك عما زاد على قدر الكفاية، فأما (^٢) إن حفر بئرًا على وجه التملك (^٣) والأحياء ليبني ويغرس في ذلك الموضع فله منع ما فضل من مائها لأن المكان يملك بالأحياء بئرًا في أرضه أو داره فإن البئر ملكه لأنه أحدثها في ملكه، وكذلك إذا ابتاع الدار والأرض وفيها البئر فإن البئر مع الأرض ملكًا له فالماء الذي فيها ملكه فله منعه إلا بعوض كسائر أملاكه إلا أن تنهدم بئر جاره وله زرع يخاف عليه التلف فإنه يلزمه أن يبذل له فضل مائه ليجي به زرعه ويجبر على ذلك لأن فيه إحياء زرع وإعانته من حيث لا ضرر عليه ببذله كما لزمه لشربه إذا اضطر إليه، ويقال لصاحب الزرع خذ أنت في إصلاح بئرك وهذا إذا كان صاحب الزرع قد زرع على أصل ماء ثم اضطر بأن انهارت بئره وانقطع ماؤه، وأما إن كان ابتداء الزرع على غير ماء اتكالا على جاره فإن لجاره أن يمنعه لأن الماء ملك له فلا يلزمه بذله إلا إذا شاء ما لم تكن ضرورة وها هنا لا ضرورة لأن الزارع هو الذي (^٤) أتلف زرع نفسه حين زرع على غير ماء، وكذلك إذا زرع على ماء فانقطع (^٥)، وإنما قلنا إن على جاره أن يمكنه من فضل مائة وأن ذلك يلزمه ويتشاغل هو بإصلاح بئره، فأما إن ترك التشاغل بإصلاح بئره اتكالا على بئر جاره لم يلزم جاره فضل الماء لأنَّه كمن زرع ابتداء على غير ماء، وقد اختلف أصحابنا فيه إذا أجبرناه على بذل الماء لجاره عند انقطاع مائه هل له مطالبته بعوض أم لا: فإذا قلنا ليس له فلأن ذلك حق على الجار على
_________________
(١) أخرجه البخاري في المساقاة باب من قال: أن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى: ٣/ ٧٥ ومسلم في المساقاة باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون بالغلاة: ٣/ ١١٩٨.
(٢) في ق: فلو.
(٣) في ق: التمليك.
(٤) هو الذي: سقطت من م.
(٥) انظر: المدونة: ٤/ ٣٧٤، التفريع: ٢/ ٢٩١، المقدمات: ٢/ ٢٩٨ - ٣٠٢.
[ ٢ / ١١٩٧ ]
طريق الإعانة مع كون أصله مباحًا كما لو احتاج إليه للشرب وإذا قلنا إن له منعه فلأن وجوب البدل لا يتضمن الإتلاف اعتبارًا بالعلم.
فصل [٣ - فيمن سأله جاره بغرز خشبة في جداره]:
وينبغي لمن سأله جاره أن يغرر خشبة في جداره أن يجبيه إلى ذلك ولا يمنعه، فإن أبي لم يجبر عليه (^١)، وإنما استحببناه له لقوله - ﷺ -: "لا يمنعن أحدكم أخاه أن يضع خشبة على جداره (^٢) "، ولأن في ذلك رفقًا بالجار ومعونة له وهو من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور مع الوصية بالجار وحسن المجاورة، وإنما قلنا لا يقض بذلك عليه خلافًا لمن أوجبه، لقوله - ﷺ -: "لا يحل مال امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه" (^٣) ولأن الحائط ملك له فلم يكن عليه بذله لغيره ليتصرف فيه كما لو أراد أن يفتح فيه بابًا أو كوة.
فصل [٤ - إذا أذن له بغرز الخشب في جداره ثم طالبه بقلعه]:
وإذا أذن له في ذلك ثم طالبه بقلعه: فإن كان لحاجته إلى بناء جداره أو لأمر لا بد له منه كان (^٤) له ذلك لأنّه لم يكلف من حق الجار ما يضر نفسه كما لا يكلف بذل مائه لزرع جاره وهو محتاج إليه، وإن لم يكن به ضرورة إليه وإنما أراد الإضرار بجاره وأذيته لم يمكن من ذلك، ويفارق حال الابتداء لأنه إذا لم يأذن في الابتداء فلم يتعلق عليه حق فإذا أذن فقد ضمن تبقية ما أذن فيه على الوجه الذي يؤدي إلى مثله في العادة فليس له الرجوع فيه (^٥).
_________________
(١) انظر: التفريع: ٢/ ٢٩٢.
(٢) أخرجه البخاري في المظالم باب لا يمنع جار جاره أن يغرز … ٣/ ١٠٢، ومسلم في المساقاة باب غرز الخشب في جدار الجار: ٣/ ١٢٣٠.
(٣) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٢٦، والبيهقي: ٦/ ١٠٠، وأبو يعلى: ٣/ ١٤٠، إسناده جيد (تلخيص الحبير: ٣/ ٤٥، ونصب الراية: ٤/ ١٦٩).
(٤) منه كان: سقطت من م.
(٥) انظر: التفريع ٢/ ٢٩٢.
[ ٢ / ١١٩٨ ]
فصل [٥ - إذا أراد الرجل أن يفتح في جداره المنفرد بملكه كوة]:
إذا ما أراد الرجل أن يفتح في جداره المنفرد بملكه كوة (^١) ليضيء منها منزله فله ذلك لأن به حاجة إلى ذلك وليس لجاره منعه مما يحتاج إليه ولا يضر به، فأما إن كان يتشرف منها على جاره فيمنع منه (^٢) لأن في ذلك إضرار بالجار، ولأن الحائط وإن كان ملكه فليس له أن يفعل فيه ما يضر بالغير ابتداء مما لا ضرورة فيه.
فصل [٦ - علو الدار التي بين اثنتين]:
علو الدار التي بين اثنين مملوك (^٣) سقفه لصاحب الدار لأن عليه إصلاحه ورم شعثه وبناؤه إن انهدم ولصاحب العلو حق الجلوس عليه (^٤)، وإنما قلنا إن عمارته على صاحب السفل لأن السقف ملك له وحق الأعلى فيما زاد عليه لأن البيت لا يكون بيتا إلا بسقفه في العادة، وإذا ثبت ذلك لزم لصاحب السفل من الانتفاع ورم الشعث من السقف أجبر على ذلك أو على البيع ممن يبني (^٥) وإلا أدى إلى إبطال ملك الأعلى.
فصل [٧ - إذا تنازع السقف بين صاحب السفل وصاحب العلو]:
وإن تنازعا السقف حكم به لصاحب السفل (^٦) خلافًا للشافعي في قوله إنّه يكون بينهما (^٧)، وإن السقف محمول على ملك صاحب السفل غير متيقن ملكه لغيره فإذا تنازعا عليه حكم به لمن هو على ملكه كالحمل على الدابة يدعيه مالك الدابة وأجنبي، ولأن العرف جار بأن البيت إنما يكون بيتا بسقفه وأن الناس
_________________
(١) الكوة: هو الخرق في الجدار منه الهواء والضوء (المعجم الوسيط: ٢/ ن ٨٠٦).
(٢) انظر: المدونة ٤/ ٣٤٧٨، التفريع: ٢/ ٢٩٢، الكافي ص ٤٩٣.
(٣) في ق: مملوكة.
(٤) انظر: المدونة: ٤/ ٣٧٨، التفريع: ٢/ ٢٩٤، الكافي ص ٤٩٣.
(٥) يبنى: سقط من م.
(٦) انظر: التفريع: ٢/ ٢٩٤، الكافي ص ٤٩٥.
(٧) انظر: المهذب: ١/ ٣٣٧، المغني المحتاج: ٢/ ١٨٩.
[ ٢ / ١١٩٩ ]
لا يسكنوه إلا مسقفًا، والحكم عند التنازع لمن شهد له العرف، ولأنه لو باع بيتًا لدخل سقفه في البيع بالإطلاق فعلم أنه منه وكذلك إذا قُسم بأنه يقسم سقفه.
فصل [٨ - إذا تنازعا حائطًا بين دارين]:
إذا تنازعا حائطًا بين حكم به لمن يشهد (^١) له العرف بأن يكون قد فعل فيه ما يفعل المُلَّاك في أملاكهم ويتصرفون غالبا فيه من الرباط ومعاقد القمط (^٢) ووجوه الآجر واللبن (^٣) وما أشبه ذلك (^٤)، وقال الشافعي لا يحكم بشيء من ذلك بل يكون بينهما (^٥)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأمر بالعرف﴾ (^٦)، وروي أن رجلين تنازعا جدارا فحكم رسول الله - ﷺ - بالجدار لمن إليه معاقد القمط (^٧) ولأن العادة أن مثل هذا التصرف إنما يكون من المُلَّاك فوجب أن يكون الحكم لمن شهد له العرف، وكما يجب مثل ذلك إذا تنازعًا في النقد أو صفة السير أو مقدار الحمولة.
فصل [٩ - التصرف في الحائط المشترك]:
الحائط المشترك ليس لأحد الشريكين أن يتصرف فيه ولا أن يحدث فيه شيئًا إلا
_________________
(١) في م: شهد.
(٢) معاقد القمط: القمط جمع قماط وهي الشرط التي يشد بها الشخص ويوثق من ليف أو خوص أو غيرهما، ومعاقد القمط: تلي صاحب الخص (النهاية: ٤/ ١٠٨).
(٣) اللبن: بكسر الباء - ما يعمل من الطين ويبنى به الواحدة لبنة (المصباح المنير ص ٥٤٨).
(٤) انظر: التفريع ٢/ ٢٩٣، الكافي ص ٤٩٣.
(٥) انظر: المهذب: ١/ ٣٣٦.
(٦) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.
(٧) أخرجه ابن ماجه في الأحكام باب الرجلان يدعيان في خص ٢/ ٧٨٥، وفيه نمران ابن حاربة قال ابن القطان حاله مجهول وذكره ابن حبان في الثقات وأخرجه الدارقطني: ٤/ ٢٢٩.
[ ٢ / ١٢٠٠ ]
بإذن شريكه (^١)؛ لأنه ليس لأحد أن يتصرف في ملك غيره بغير (^٢) إذنه وحقه غير متميز من حق الشريك فكان كالثوب والعبد، فإن انهدم وكان يستره لهما فأراد أحدهما بناؤه وأبى الآخر ففيها روايتان (^٣): إحداهما إجبار الممتنع، والأخرى نفي إجباره، فوجه إثباته (^٤) قوله - ﷺ - " لا ضرر ولا ضرار" (^٥) وفي ترك البناء بالشريك لأنه يطلع عليه ويتشرف على منزله، ولأنه لو أراد أن يفتح كوة ويشرف منها عليه لم يكن له ذلك وهذا بمنزلته، ووجه نفيه أن أحدا لا يجبر على البناء في حقه كما لو انفرد به وليس إذا تعلق بذلك حق الشريك يوجب إجبار الشريك الآخر عليه لأن حق الشريك هو منع هذا من الاطلاع عليه، فأما في وجوب (^٦) البناء فلا، وإذا ثبت أنه لا يجبر (^٧) فإنهما يقتسمان العرصة (^٨) ثم يبنى من يشاء منهما لنفسه، والبئر بين اثنين إذا غارت فإصلاحها عليهما فإن أبي أحدهما فإنما يتخرج على روايتين كالجدار.
فصل [١٠ - فيمن له مسيل ماء على سطح جاره أو شرب في بستان غيره]:
من له مسيل ماء على سطح لرجل فالنفقة للسطح على مالكه دون من له حق المسيل، ومن له شرب في بستان لرجل فاحتاجت ساقيته أو نهره إلى نققة فهي عليهما جميعًا (^٩)، قال (^١٠) والفرق أن صاحب المسيل له حق مرور الماء على
_________________
(١) انظر: التفريع ٢/ ٢٩٣، الكافي ص ٤٩٣.
(٢) في م: الا.
(٣) انظر: التفريع ٢/ ٢٩٣، الكافي ص ٤٩١.
(٤) فوجه إثباته: سقطت من م.
(٥) سبق تخريج الحديث ص ١٠٤٩.
(٦) في ق: وجوبها.
(٧) في ق: كالجبر.
(٨) في ق: بالقرعة.
(٩) انظر: المدونة ٤/ ٣٧٦، التفريع: ٢/ ٢٩٣، الكافي ص ٤٩٥.
(١٠) قال: سقطت من م.
[ ٢ / ١٢٠١ ]
(السطح فعلى صاحب) (^١) السطح تمكينه من ذلك وليس له ملك في السطح فلم تلزمه نفقه عليه، وليس كذلك صاحب الشرب لأن موضع الماء ملك بينه وبين صاحب البستان فلذلك لزمه الإنفاق على الساقية معه.
فصل [١١ - في طرح ما في السفينة خشية الغرق]:
إذا خيف على المركب الغرق فطرح بعض ما فيه من المتاع بإذن أربابه أو بغير إذنهم فإنه (^٢) يكون منهم على قدر أموالهم، ولا يجوز لأحد (^٣) الامتناع من طرح متاعه إن احتيج تخفيف المركب ورجيت بذلك نجاته (^٤) لأن في الامتناع من ذلك تلفه وتلف غيره وسواء طرح الرجل متاعه بنفسه أو طرحه غيره الحكم فيه سواء، ولا فرق بين إذنه وعدم إذنه فيما يلزمه فعله لأن الطارح فعل ما يلزمه هذا فعله فكان كالنائب عنه، وإنما قلنا إنه يكون بينهم على قدر أموالهم لأن الحق في ذلك لجميعهم، ولأن غرق المركب إنما خيف لأجل متاعهم فكانوا شركاء فيما يحتاج (^٥) إليه من التخفيف، وقد اختلف في اعتبار القيمة: فقيل يكون في وقت الطرح لأن سائر المتلفات تقوم حال الاتلاف في المواضع التي يتعلق بها الضمان، وقيل في أقرب المواضع إليه لأنه في البحر لا قيمة له لأنه لا يساوي شيئًا وهو يطرح في الماء ويتلف كما لا يقوم المرتد وقت قتله، وقيل الثمن الذي اشترى به لأنه ليس ما يرتجع (^٦) إليه سواه إذ هو أولى من أقرب المواضع إلى موضع الغرق، ولا يلزم عمال المركب شيء لأنه لم يكن الخوف لأجلهم.
فصل [١٢ - اصطدام مركبين في جريهما]:
إذا اصطدم مركبان في جريهما فانكسر أحدهما فلا ضمان على الآخر لأنه لا
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) في م: فإنهم.
(٣) في م: لأحدهما.
(٤) انظر: التفريع ٢/ ٢٩٥، الكافي ص ٤٩٢.
(٥) في ق: يحتاجوا.
(٦) في م: ما يرجع.
[ ٢ / ١٢٠٢ ]
صنع له في ذلك بخلاف الراكبين على فرسين (^١) لأن التفريط من قبل الصادم إذ هو قادر على ضبط الفرس وعلاجة وإلا فكان يجب ألا يركب فرسًا لا يضبط لئلا يجني على غيره.
…
_________________
(١) انظر: التفريع ٢/ ٢٩٥، الكافي ص ٤٩٣.
[ ٢ / ١٢٠٣ ]
باب: الوديعة (^١)
الأصل في الوديعة (^٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٣)، وقوله - ﷺ -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" (^٤)، ولأن عمل المسلمين جارٍ بها منذ عهد النبي - ﷺ - إلى يومنا، وهي أمانة محضة، ولا يضمنها المودع لأن قبضها ينفع صاحبها على التجريد: فإن ادعى أنها تلفت فالقول قوله فيها لأن يده عليها يد أمانة، وسواء كان متهمًا أو غير متهم لأن ربها رضي بأمانته سواء قبضها ببينة أو بغير بينة.
فصل [١ - ادعاء المودع ردها على مالكها]:
فإن ادعى ردها على مالكها فذلك على وجهين: إن قبضها بغير بينة فالقول قوله في ردها كالتلف، وإن كان قبضها ببينة لم تقبل منه إلا ببينة (^٥)، خلافًا للشافعي (^٦)؛ لأن رب المال لم يرض بأمانته على التجريد وإنما رضي بها في
_________________
(١) عنوان الباب: سقط من م.
(٢) الوديعة: قال ابن فارس: الواو والدال والعين أصل واحد يدل على الترك والتخلية ودعه: تركه (معجم مقاييس اللغة: ٦/ ٩٦) وفي الاصطلاح هي: مال وُكِّل على حفظه (الفواكه الدواني: ٢/ ١٨٥).
(٣) سورة النساء، الآية: ٥٨.
(٤) أخرجه أبو داود في البيوع باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده: ٣/ ٨٠٥ والترمذي في البيوع بعد باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمس يبيعها له: ٣/ ٥٦٤ وقال حسن غريب، والحاكم: ٢/ ٤٦ وقال على شرط مسلم.
(٥) انظر: المدونة ٤/ ٣٥١ وما بعدها التفريع: ٢/ ٢٦٩، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٣.
(٦) انظر: الأم ٣/ ٢٤٥، مختصر المزني ص ١٤٧، الإقناع ص ١١٣.
[ ٢ / ١٢٠٤ ]
الحفظ دون القبض لأنه توثق منه بما أشهد عليه (حين قبضها فوجب الضمان وإلا لم ينتفع بالإشهاد بها، ولا يلزم عليه) (^١) التلف لأنَّه لا يمكن الإشهاد عليه.
مسألة [٢ - إذا عرض للمودع سفر]:
إذا عرض للمودع سفر لم يجز له أن يسافر بالوديعة، فإن سافر بها ضمن إن تلفت كان السفر آمنًا أو مخوفًا (^٢)، خلافًا لأبي حنيفة في تضمينه مع الخوف (^٣)، لما روي "أن المسافر عن نفسه وماله لعلى قلت إلا ما وقى الله تعالى" (^٤) يعني الهلاك، ولأن السفر غرر ولم يأذن له صاحبها بالتغرير بها، واعتبارًا بالسفر المخوف.
فصل [٣ - إذا أراد المودع السفر فأودعها عند ثقة]:
إذا ثبت أنه لا يسافر بها فإنه يودعها ثقة ولا ضمان على واحد منهما لأنه لا يمكنه حفظها بآكد من هذا الوجه.
فصل [٤ - في المستودع يودع الوديعة غيره]:
إذا (^٥) استودعها من غير عذر (^٦) ضمن لأن مالكها رضي بأمانته دون أمانة غيره، ولم يأذن له في دفعها إلى غيره فكان متعديًا بذلك فلزمه الضمان، ويفارق ذلك حاجته إلى السفر لأن هناك ضرورة داعية إلى ما فعله، وكذلك إذا
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من م.
(٢) انظر: المدونة ٤/ ٣٥٢، التفريع: ٢/ ٢٧٠، الكافي ص ٤٠٣.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٦٤، مختصر القدوري - مع شرح الميداني - ٢/ ١٩٨.
(٤) ذكره ابن قتيبة في غريب الحديث: ٢/ ٥٦٤، وقال الحافظ ابن حجر: رواه السلفي في أخبار أبي العلاء العربي وأسنده أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وأنكره النووي في شرح المهذب، (انظر تلخيص الحبير: ٣/ ٩٨).
(٥) في م: وان.
(٦) انظر: المدونة ٤/ ٣٥١ و٣٥٥، التفريع: ٢/ ٢٧٠، الكافي ص ٤٠٣.
[ ٢ / ١٢٠٥ ]
خاف عورة منزله فله أن يودعها غيره ولا ضمان عليه لأن ذلك يجري مجرى إرادة السفر ولكن لا يصدق على الخوف على منزله إلا بأمر يظهر يعلم صدقه فيه.
فصل [٥ - إذا دفع إليه مالًا في السفر يحمله إلى بلد فبعثه مع غيره]:
إذا دفع إليه مالًا في السفر يحمله إلى بلد فعرضت له إقامة فله أن يبعثه مع غيره ولا ضمان (^١)، والفرق بينه وبين مبتديء السفر أن هذه قد أذن له في السفر به إلى ذلك البلد فلم يتعد بدفعها إلى غيره مع الضرورة والحاضر يخالفه.
فصل [٦ - إذا أنفق بعض الوديعة]:
إذا أنفق بعض الوديعة ضمن قدر ما أنفق دون جميعها، وإن أنفق الكل أو البعض ثم رد ما أنفق فلا ضمان عليه خلافًا لعبد الملك في إلزامه الضمان (^٢) لأن الذي أوجب عليه الضمان تعديه بالأخذ فهذا ردها فقد زال التعدي فسقط الضمان، ولأنه حافظ لها على الوجه الذي أمر به فلم يلزمه ضمان كالابتداء، ووجه قول عبد الملك أنه قد خرج عن الأمانة وصار متعديًا بأخذها فرده إياها لا يزيل عنه الضمان كما لو جحدها ثم اعترف بها.
فصل [٧ - سقوط الضمان بالرد فيما له مثل مما يكال أو يوزن]:
وسقوط الضمان بالرد فيما له مثل كالذهب والفضة والحنطة والعسل وكل ما يكال أو يوزن، فأما فيما يلزم فيه القيمة فلا يسقط عنه (^٣) الضمان (^٤) لأن القيمة محتاجة إلى اجتهاد وحكم فلا يقبل حكمه لنفسه، والمثل لا اجتهاد فيه.
_________________
(١) انظر: المدونة ٤/ ٣٥٤، التفريع: ٢/ ٢٧٠.
(٢) انظر: المدونة ٤/ ٣٥٦، التفريع: ٢/ ٢٧١، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٤.
(٣) في ق: فيه.
(٤) انظر: المدونة ٤/ ٣٥٩، التفريع: ٢/ ٢٧١، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٣ - ٤٠٤.
[ ٢ / ١٢٠٦ ]
فصل [٨ - في قبول قوله إنه رد ما أخذ]:
وفي قبول قوله إنه رد ما أخذ أو مثله من غير بينة روايتان (^١)، فإذا قلنا إنه يقبل فلأنه موكول (^٢) إلى أمانته كادعائه التلف أو الرد، ولأنه منفق لها على وجه التأويل واعتقاد ردها فلم يخرجه ذلك عن الأمانة، وإذا قلنا إنّه لا يقبل فلأن الدين المتعلق بالذمة لا يبرأ المقر به منه إلا ببينة أو بإقرار الغريم اعتبارًا بسائر الديون.
مسألة [٩ - كراهية التجارة بالوديعة]:
يكره أن يتجر بالوديعة (^٣) لأن صاحبها إنما دفعها إليه ليحفظها عليه لا لينتفع بها، وإن فعل فعليه الضمان وله الربح، ومن أبضع معه بضاعة ليشتري بها شيئًا فاتجر فيها فإن تلفت ضمن وإن ربح فالربح للمالك بخلاف الوديعة لأن المُبضع طالب التنمي والربح فليس لمبضع معه قطعه عنه ونقله إلى ملكه، وأن تلف المال ضمن بتعديه والمودع إنما قصد الحفظ فقط (^٤) فلم يكن له من الربح شيء.
…
_________________
(١) انظر: المدونة ٤/ ٣٥٤، التفريع: ٢/ ٢٧٠، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٣.
(٢) في ق: موكولة.
(٣) انظر: التفريع ٢/ ٢٧١، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٥.
(٤) في م: لا الربح.
[ ٢ / ١٢٠٧ ]
باب: العاريَّة (^١)
العاريَّة: تمليك منافع العين بغير عوض، وهي جائزة مندوب إليها (^٢) لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ (^٤)، وقوله - ﷺ -: "كل معروف صدقة" (^٥)، وقوله: "العارية مؤداة" (^٦)، لأنه - ﷺ - استعار (^٧) وكذلك الصحابة.
فصل [١ - أنواع العارية]:
العارية نوعان: نوع يظهر هلاكه ولا يكاد يخفى كالرباع والحيوان فهذا لا يضمن إلا بالتعدي، وضرب آخر يخفى هلاكه ويغاب عليه فهذا يضمن إذا لم
_________________
(١) العاريَّة: بتشديد الياء لأن الأصل فيها عاوره من قولك تعاور القوم الشيء إذا تداولوه بينهم قال الشاعر: إذا رد المعاور ما استعار (غرر المقالة ص ٢٢٧).
(٢) انظر: المدونة ٤/ ٣٦٠، التفريع: ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٩، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٧.
(٣) سورة الحج، الآية: ٧٧.
(٤) سورة النساء، الآية: ١١٤.
(٥) سبق تخريج الحديث ص ٩٩٨.
(٦) أخرجه أبو داود في البيوع باب في تضمين العرية: ٣/ ٨٢٥، وابن ماجة في الصدقات باب الكفالة: ٢/ ٨٠٤ والترمذي في البيوع باب ما جاء أن العارية مؤداة: ٣/ ٥٦٥ وقال حسن غريب، وهو صحيح بمجموع طرقه (انظر نصب الراية: ٤/ ٥٨، وتلخيص الحبير: ٣/ ٥٤).
(٧) كما جاء في حديث صفوان أن رسول الله - ﷺ - استعار منه يوم حنين أدرعًا. أخرج الحديث أبو داود في البيوع باب تضمين العارية: ٣/ ٨٢٢، وأحمد: ٣/ ٤٠١، والدراقطني: ٣/ ٣٩ والحاكم: ٢/ ٤٧، والبيهقي: ٦/ ٨٩.
[ ٢ / ١٢٠٨ ]
يعلم هلاكه إلا بقول المستعير، فإن علم بغير قوله ببينة تقوم على هلاكه من غير تعد كان من المستعير ففيه روايتان: إحداهما لا يضمن وهو الصحيح، والأخرى أنه يضمن وهو قول أشهب (^١)، وعند الشافعي أنها مضمونة على كل وجه (^٢)، (وعند أبي حنيفة أن العارية لا تضمن على كل وجه (^٣» (^٤)، فدليلنا على سقوط الضمان في الحيوان والرباع ما روي: "ليس على المستعير ضمان" (^٥)، ولأنه حيوان وعقار قبضه لاستيفاء منفعة فلم يضمن تلفه كالعبد المستأجر والدار، ولأنه (^٦) مستعار تلف من غير تفريط فلم يضمن كالأجراء، ودليلنا على وجوب الضمان عليه فيما يغاب عليه أنه قبضه لمنفعة نفسه فلم يكن له حكم الأمانة على التجريد، فإذا لم يعلم (^٧) تلفه إلا بقوله لزمه الضمان، فأما إذا قامت به بينة فوجه قوله لا ضمان عليه أن التهمة قد انتفت عنه بقيام البينة على أنه لا صنع له بتلفه فلم يلزمه الضمان كالعبد المحروس (^٨)، ووجه قوله أن عليه الضمان فلأن أصله مأخوذ على الضمان لا على الأمانة فلم ينتقل عن أصله حسمًا للباب.
فصل [٢ - في الإعارة لمدة معلومة أو مطلقة]:
إذا أعار شيئًا إلى مدة لم يكن له أخذه قبلها (^٩) لأن المدة قد صارت حقًّا
_________________
(١) انظر: المدونة: ٤/ ٣٦١، التفريع: ٢/ ٢٦٨، الرسالة ص ٢٣١، الكافي ص ٤٠٧.
(٢) انظر: الأم ٣/ ٢٤٤، مختصر المزني ص ١١٦، الإقناع ص ١١٤.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ١١٦، مختصر القدوري- مع شرح الميداني- ٢/ ٢٠٢.
(٤) ما بين قوسين سقط من ق.
(٥) أخرجه الدارقطني: ٣/ ٤١، والبيهقي: ٦/ ٩١ عن عمرو بن عبد الجبار عن عبيده ابن حسان وهما ضعيفان (نصب الراية: ٤/ ١١٥).
(٦) في م: لأنها.
(٧) يعلم: سقطت من م.
(٨) في م: المحرم.
(٩) انظر: التفريع: ٢/ ٢٦٩، الكافي ص ٤٠٨.
[ ٢ / ١٢٠٩ ]
للمستعير فلم يكن للمعير الرجوع فيها كما ليس له الرجوع في الهبة، وأما العارية المطلقة فليس له الرجوع فيها إلا بعد أن ينتفع المستعير بها انتفاع مثلها (^١) خلافًا للشافعي (^٢)، لأن العارية هي هبة المنافع أو تمليكها، فإن كانت مدة معلومة انحصرت عليها وإلا لزم من ذلك ما ينتفع في مثله من المدة لأنه لو جاز (^٣) له أخذها قبل ذلك لكان رجوعًا في العارية لأنه قد جعل على نفسه إباحة المنفعة وقد ملك ذلك المستعير فلم يكن للمعير إبطاله عليه.
…
_________________
(١) انظر: المدونة ٤/ ٣٦٢، التفريع: ٢/ ٢٦٨، الكافي ص ٤٠٨.
(٢) انظر: مختصر المزني ص ١١٦، الإقناع ص ١١٤.
(٣) في ق: جازت.
[ ٢ / ١٢١٠ ]
باب
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^١)