الزكاة (^١) واجبة في الجملة (^٢) لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة﴾ (^٤)، وقوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (^٥)، وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (^٦)، وقول النبي - ﷺ -: "بني الإسلام على خمس: فذكر، وإيتاء الزكاة" (^٧)، وقوله: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم" (^٨)، وحديث أبي بكر رضوان الله عليه مع أهل الرِّدَّة وقتاله إياهم على منع الزكاة وقوله: "لو منعوني عقالًا مما كانوا يدفعونه إلى النبي - ﷺ - لجاهدتهم عليه" (^٩). ولا خلاف في وجوبها في الجملة (^١٠).
_________________
(١) الزكاة لغة: النمو وهو الزيادة، وفي الشرع قال ابن عرفة: الزكاة اسم جزء من المال شرطه لمستحقه ببلوغ المال نصابًا (غرر المقالة ص ١٦٥، حدود ابن عرفة ص ٧١).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٧٣.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٤٣.
(٤) سورة فصلت، الآية: ٧.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.
(٦) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.
(٧) أخرجه البخاري في الإيمان، باب: قول النبي - ﷺ - "بني الإسلام .. " ١/ ٨ ومسلم في الإيمان، باب: أركان الإسلام ..: ١/ ٤٥.
(٨) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: وجوب الزكاة: ٢/ ١٠٨، ومسلم في الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين: ١/ ٥٠.
(٩) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: وجوب الزكاة: ٢/ ١٠٨، ومسلم في الإيمان باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله: ١/ ٥٢.
(١٠) انظر: الإجماع ص ٤٦، المغني: ٢/ ٥٧٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]
فصل [١ - أنواع زكاة الأموال]:
والزكاة الواجبة في الأموال على ضربين: زكاة عين وزكاة قيمة (^١)، فأما زكاة العين فهي من ثلاثة أنواع، وهي: العين: الذهب والفضة. والحرث: وهو ما أنبتت الأرض من الزرع والثمار من المقتات. والماشية: وهي الإبل والبقر والغنم. ولا تجب زكاة عين فيما عدا ذلك من الأنواع الثلاثة.
فصل [٢ - شروط زكاة العين]:
فأما زكاة العين فمن شروطها النصاب (^٢) والحول (^٣) إلا أن يكون من معدن (^٤)، فلا يعتبر فيه الحول على ما نذكره، وأما النصاب فهو في الذهب عشرون دينارًا لا تجب الزكاة في أقل منها إلا أن يكون نقصانًا يسيرًا تجوز فيه جواز التامة (^٥) فلا يمنع الوجوب.
فإذا بلغت عشرين ففيها ربع العشر وهو نصف دينار، وهو في الفضه. مائتا درهم، لا تجب في أقل منها إلا أن يكون نقصانًا يسيرًا على ما ذكرناه، فإذا كانت مائتين فقيها ربع العشر وهو خمسة دراهم (^٦)، والدليل على هذه الجملة قوله ﷺ: "ليس فيما دون خمس أواق (^٧) من الورق صدقة" (^٨)، وقوله: "هاتوا ربع العشر من كل أربعين درهما وليس عليك شيء
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٨، وما بعدها، التفريع: ١/ ٢٧٣، الرسالة ص ١٦٥.
(٢) النصاب: هو القدر المعتبر لوجوب الزكاة (المصباح المنير ص ٦٠٦).
(٣) الحول: مضي عام على المال (المصباح المنير ص ١٥٦).
(٤) المراد هنا المعدن الذي خلقه الله في الأرض.
(٥) ومعناه: النقصان الذي يجري ويجوز بجواز الوازنة، وهو الذي لا يتشاح الناس في مثله عادة (انظر: التفريع: ١/ ٢٧٣، والتلقين: ١/ ١٢٨).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، التفريع: ١/ ٧٣، الرسالة ص ١٦٦.
(٧) أواق في اللغة: الثقل وفي الشرع: الأوقية هي أربعون درهمًا. (معجم مقاييس اللغة ١/ ١٥٧، الرسالة، ١٦٦).
(٨) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: الورق: ٢/ ١٢١، ومسلم في الزكاة: ٢/ ٦٧٣.
[ ١ / ٣٦٠ ]
حتى يكون لك مائتا درهم، فإذا كان لك مائتا درهم ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء حتى تكون لك عشرون دينارًا ففيها نصف دينار" (^١).
فصل [٣ - زكاة ما زاد على النصاب]:
ما زاد على النصاب ففيه بحسابه قل أم كثر (^٢) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا شيء في الزائد حتى يكون أربعين درهمًا فيكون منها درهم ولا فيما زاد على العشرين حتى يكون أربعة دنانير (^٣) لقوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر" (^٤) فعم، وقوله: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" (^٥) فمفهومه وجوب الزكاة فيها وفيما زاد عليها ولأنها زيادة على نصاب في ذهب أو ورق يمكن إخراج ربع عشرها، دليلها الأربعون درهما والأربعة دنانير، ولأن الأربعة دنانير زيادة على النصاب فلم يجز أن يكون حدًّا وما دونها عفوًا، أصله الستة ولأنه نوع مال يجب على متلفه مثله فلم يكن فيه عفو بعد الوجوب كالحبوب.
فصل [٤ - دليل اعتبار الحول]:
فأما اعتبار الحول (^٦) فلقوله ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (^٧)، وروي عن أبي بكر (^٨)، وابن عمر (^٩)، وبه عملت الأمة والسلف، ولا خلاف فيه (^١٠).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: في زكاة السائمة: ٢/ ٢٢٨، قال ابن القطان: إسناده صحيح وكلهم ثقات (نصب الراية: ٢/ ٣٦٦).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٩، التفريع: ١/ ٢٧٣، الرسالة ص ١٦٦، الكافي ص ٩٠.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٧، مختصر القدوري: ١/ ١٤٦.
(٤) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: زكاة الغنم: ٢/ ١٢٣.
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٩، التفريغ: ١/ ٢٧٥، الرسالة ص ١٦٥، الكافي ص ٩١.
(٧) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: زكاة السائمة: ٢/ ١٠٠ عن الحارث الأعور ضعفه الجمهور، وأخرجه ابن ماجه في الزكاة، باب: من استفاد مالًا: ١/ ٥٧١، والحديث رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا: ٣/ ٢٥.
(٨) البيهقي: ٤/ ١٠٣.
(٩) البيهقي: ٤/ ١٠٣.
(١٠) انظر: الإجماع ص ٤٩، المغني: ٢/ ٦٢٥.
[ ١ / ٣٦١ ]
فصل [٥ - لا أثر في فروق جنس الذهب وجنس الفضة]:
ولا فرق بين أنواع الجنس من ذلك من كونه جيدًا أو رديئًا (^١)، أو كون الذهب أحمر أو أصفر، ولا بين أنواع صفاته من التبر (^٢) والنقار (^٣)، والمضروب (^٤)، والصحاح (^٥)، والغلة (^٦)، والمصوغ (^٧)، والمكسور (^٨)، إلا أن يكون حليًّا للبس على الوجه المباح على ما سنذكره (^٩).
والأصل في هذه الجملة قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ (^١٠)، يعني يؤدون زكاتها، وقوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر" (^١١)، فقيل: أن الرقة اسم للورق خاصة، وقيل: الذهب والورق، وقوله ﷺ: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" (^١٢)، ولا خلاف في ذلك (^١٣).
فصل [٦ - الجمع بين الذهب والفضة في الزكاة]:
ويجمع بين الذهب والفضة في الزكاة، فإذا كان معه من كل واحد منهما دون
_________________
(١) الرديء: هو الذهب الذي خلط بما يردئه (انظر مواهب الجليل: ٢/ ٢٩٤).
(٢) التبر: هو ما كان من الذهب غير مضروب (الصحاح: ٢/ ٦٠٠).
(٣) النقار: مفرد نقر وهو القطعة المذابة من الفضة، وقبل الذوب هي تبر (المصباح المنير ص ٦٢١).
(٤) المضروب: ما صنع على هيئة النقود المستعملة (لسان العرب: ٢/ ٣١).
(٥) الصحاح: هي التي تعتبر بالعدد وعكسها المكسورة (الصحاح: ١/ ٣٨١).
(٦) الغلة: ما نتج زيادة بتحريك الأصل بالمبيع والشراء.
(٧) المصوغ: الذي صنع حلي للزينة (الصحاح: ٤/ ١٣٢٤).
(٨) المكسور: هي التي تعتبر بالوزن.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٩، المقدمات: ١/ ٢٨٨، الكافي ص ٨٩.
(١٠) سورة التوبة، الآية: ٣٤.
(١١) و(^١٢) سبق تخريج الحديثين قريبًا.
(١٢) انظر: المحلي: ٥/ ٤٠١، المغني: ٣/ ٩.
[ ١ / ٣٦٢ ]
النصاب، وأحدهما إذا ضم عدل بالآخر، كان في معنى من معه نصاب كامل من أحدهما فعليه الزكاة (^١)، وقال الشافعي: لا يجمع بينهما (^٢)، ودليلنا قوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر" (^٣) فعم، ولأنهما متفقان في المقصود منهما في كونهما أصولًا للأثمان وقيمًا للمتلفات، فكان المالك لأحدهما كالمالك للآخر، ولأنه لو كان معه مائة درهم وعرض يساوي مائة درهم لضمه إلى المائة وزكى الجميع إذا كان مديرًا (^٤)، وأدنى أحوال الذهب أن يكون كالعرض، ولأنه مال يجب فيه ربع عشره، فلزم ضمه إلى ما معه أصله إذا كان من جنسه.
فصل [٧ - تقويم الذهب بالفضة أو بالعكس]:
ووجه التعديل بينهما أن يقام المثقال بإزاء عشرة دراهم، فإذا حصل من الجميع ما يكون به في معنى المالك المئتين أو للعشرين دينارًا لزمته الزكاة (^٥)، مثاله: أن يكون معه مائة درهم وعشرة دنانير، أو خمسة عشر دينارًا وخمسون درهمًا، فإن قومت المائة بالذهب كان في معنى المالك لعشرين دينارًا، وإن قومت العشرة الدنانير بالدراهم كانت في معنى مئة درهم، فأما إذا ضمها إلى المائة كان المالك للمائتين، ولو كان معه مائة درهم وتسعة دنانير وتسعة دنانير تساوي مائة درهم لم يضمها إليها لأن ذلك أكثر من المثقال بعشرة دراهم.
فصل [٨ - وجه إخراج الزكاة عن النوعين المجموعين]:
ويخرج عن كل واحد من النوعين منه، فإن أراد أن يخرج عن أحدهما من
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٨، التفريع: ١/ ٢٧٤، الرسالة ص ١٦٦.
(٢) انظر: الأم: ٢/ ٤٠، مختصر المزني ص ٤٩.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) مديرًا: مصطلح عند المالكية يعنون به أن العين تدار وتعرض للبيع لا للادخار أو الاقتناء.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٨، التفريع ١/ ٢٧٤، الرسالة ص ١٦٦، الكافي ص ٩٠ - ٩١.
[ ١ / ٣٦٣ ]
االآخر جاز له ذلك ولا يكون ذلك فيه قيمة، وإنما يكون بدلًا أن أحدهما في معنى الآخر فيما له إيراد يقوم مقامه وينوب منابه.
فصل [٩ - كيفية إخراج الزكاة من المضمونين]:
واختلف أصحابنا في كيفية الإخراج على ثلاثة أوجه (^١):
فقيل بالقيمة: قلت أم كثرت وهذا قول ابن المواز.
وقيل: ما لم ينقص عن المثقال بعشرة دراهم فإن نقص لم ينقص منه وإن زاد أخرج الزائد لأن الغرض بذلك الاحتياط.
وقيل: بالتعديل على حساب المثقال بعشرة دراهم ذكره الشيخ أبو بكر (^٢) عن بعض أصحابنا.
فوجه الأول فلأنه معاوضة في حق الغير، فكانت بالقيمة أصله سائر المعاوضات.
ووجه الثاني أن الأصل إخراج النوع من نوعه، وإنما سومح في أن يخرج عن أحدهما من الآخر، فيجب أن تكون المسامحة على وجه لا يدخل الضرر على المساكين، فإذا عاد بنقصانه عن القيمة الشرعية لم ينقص ورجع به إلى أصله وإن زاد لزم إخراج الزائد.
ووجه الثالث: هو أن الإخراج في هذا الموضع فرع لأصل الضم وإيجاب الجميع، فإذا كان أصل الجميع هو بالتعديل، فكلذلك الإخراج والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، التفريع: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، الرسالة ص ١٦٦، الكافي ص ٨٩.
(٢) أبو بكر الأبهري: محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح التميمي الأبهري، شيخ المالكية بالعراق في عصره، أخذ عن أبي الفرج، وابن كثير حدث عنه الدارقطني وأثنى عليه، جمع بين القراءات وعلو الإسناد والفقه الجيد، (ت ٣٧٥ هـ) (سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٣٣١، تاريخ بغداد: ٥/ ٤٦٢).
[ ١ / ٣٦٤ ]
فصل [١٠ - النقصان اليسير في النصاب]:
إذا كان النصاب ناقصًا نقصانًا يسيرًا لا يؤثر ويجري مجرى الوازن (^١) في العادة والعرف جازت المسامحة به ووجبت فيه الزكاة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٢) لقوله ﷺ: "في الرقة ربع العشر" (^٣)، ولأن ذلك إذا كان غير مؤثر في العادة كان حكمه كحكم ما لم ينقص، ولأن ما هذه سبيله لا اعتبار به في باب تعلق الأحكام بل يكون عفوًا كاختلاف المكاييل ونقصان العشر حبات والعشرين حبَّة في الأوسق مما لا ينضبط في الكيل (^٤).
فصل [١١ - إذا أضيف إلى المال مال يكمل به النصاب فالحول من كمال النصاب]:
وإذا كان معه مال يقصر عن النصاب فأفاد إليه فائدة تم بها نصابًا ضم الأول إلى الثانية وزكى الجميع لحول الثانية (^٥)، هذا إذا كانت الفائدة من غير ربح الأول وذلك لأن الحول لا يثبت للمال إلا بأن يكون نصابًا أو مسندًا إلى نصاب وهذا معدوم في مسألتنا، فوجب استئناف الحول من يوم أفاد الآخرة لأن من ذلك الوقت ثبت للمال حكم الحول بكمال النصاب.
فصل [١٢ - إذا كان الأول نصابًا والثاني دون النصاب]:
فإن كانت الأولى نصابًا والثانية دون النصاب زكى الأولى لحولها ولم يضم الثانية إليها بخلاف ما نقوله في الماشية (^٦) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه يضم
_________________
(١) معناه النقص اليسير في جميع الموازين كالحبتين وما جرى عادة الناس أن يتسامحوا فيه في البيعات وغيرها. (انظر: التفريع: ١/ ٢٧٣).
(٢) تحفة الفقهاء: ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٦، الإقناع ص ٦٤ - ٦٥.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) في (ق): الكل.
(٥) و(^٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٩، التفريع: ١/ ٢٧٤، الرسالة ص ١٦٧، الكافي ص ٩٢ - ٩٣.
[ ١ / ٣٦٥ ]
الفائدة إلى الأصل إذا كان نصابًا كما يفعل ذلك في الماشية (^١) لقوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (^٢)، ولأنها فائدة من غير أصل المال الذي عنده فيما زكاته ربع عشره، فلم يضم إلى الأولى أصله إذا كان الأول دون النصاب وبذلك فارق الماشية.
فصل [١٣ - الربح يضم إلى الأصل ويزكى بحول الأصل]:
وربح المال مضموم إلى أصله معتبر بحوله كان الأصل نصابًا أو دونه إذا تم نصابًا بربحه أو بنتاجه إن كان ماشية لأنه ربح مال تجب في عينه الزكاة، فكان حكمه في الحول حكم أصله كما لو كان الأصل نصابًا (^٣).
فصل [١٤ - إخراج الزكاة قبل وجوبها]:
ولا يجوز إخراج الزكاة قبل وجوبها (^٤) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٥) لقوله: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (^٦)، لأنه تقديم الزكاة على يعض شروط وجوبها كما لو قدمها على النصاب، ولأنه تقديم الزكاة على وقت وجوبها كما لو قدمها لحولين أو ثلاثة، ولأنها أحد الأركان التي بني الإسلام عليها فتقديمها على وقت وجوبها لا يسقط الفرض، أصله الصوم والحج.
فصل [١٥ - هلاك الزكاة بعد إخراجها وقبل إيصالها إلى الفقراء]:
إذا أخرج الزكاة حين وجبت عليه من غير تفريط فهلكت قبل أن يوصلها إلى الفقراء لم يضمن، وكذلك إن وجبت عليه، فهلك المال قبل إمكان الإخراج لم
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٩، مختصر القدوري: ١/ ١٤٥.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٠٩ - ٢١٠، التفريع: ١/ ٢٧٤، الرسالة ص ١٦٧.
(٤) في (م): ولا يجب.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٣، التفريع: ١/ ٢٧٥، الكافي ص ١٠٠.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يضمن (^١) خلافًا لمن ضمنه في الوجه الأول (^٢) لأن الزكاة متعلقة بالعين دون الذِّمَّة، ولا تنتقل إلى الذمة إلا بتفريط، ولأن إخراجها موكول إلى أمانته فهو مؤتمن عليها، فكان كالساعي تتلف الزكاة بيده لأن يده يد أمانة ولأنا قد اتفقنا على أن المال لو هلك بعد حلول الحول، وقبل إمكان الأداء لم يلزمه شيء فكان تلف الزكاة بعد إفرادها من المال وقبل وصولها إلى الفقراء إذا لم يكن بتفريط كتلفها مع جملة المال.
فصل [١٦ - تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها]:
إذا أخر إخراج الزكاة عن وقت وجوبها قادرًا على إخراجها تعلقت بذمته ولم تسقط عنه بتلف ماله (^٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه لا يضمنها (^٤) لأنه حبس الزكاة بعد وجوبها وقدرته على أدائها فوجب أن يضمنها، أصله إذا طالبه فلم يفعل، ولأنه عاص بتأخيرها، لأنها واجبة على الفور فإذا أخرها ضمنها وتعلقت بذمته.
فصل [١٧ - من ابتاع نصابًا حال عليه الحول بسلعة فباعها بربح]:
إذا حال الحول على نصاب عنده فلم يخرج زكاته حتى ابتاع به سلعة فباعها بربح فإنه يزكي المال الأول ولا يزكي الربح، لأن الربح لم يحل عليه الحول ولا يكون تابعًا لأصله (^٥) لأنه إنما يبيعه قبل تقرر الوجوب في الأصل، فلم يصح أن يتبعه ربح معدوم في ذلك الوقت ووجد في ثاني حال، وإذا ثبت ذلك وجب
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٤، التفريع: ١/ ٢٧٥، الكافي ص ١٠٠.
(٢) هذا القول هو أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد (الأم: ١/ ٥٢، الإقناع ص ٦٩، مسائل الإمام أحمد ص ١٥٥، مختصر الخرقي ص ٤٦).
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٢٧٥، الكافي ص ٩٩ - ١٠٠.
(٤) انظر: مختصر المقدوري: ١/ ١٤٦.
(٥) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٠٩ - ٢١٠، التفريع: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، الكافي ص ١١٠.
[ ١ / ٣٦٧ ]
أن يزكي المال الأول ثم يزكيه للعام الثاني مع ربحه سواء ما أخرج عنه الزكاة للعام الأول، لأن الحول قد حال عليهما فصادفهما الوجوب.
فصل [١٨ - زكاة الدين]:
الدين مسقط للزكاة عن مقدار ما قابله من العين دون الحرث والماشية، ثم ينظر فيما زاد على ذلك، فإن كان نصابًا زكاة، فإن قصر عن النصاب فلا زكاة فيه، مثاله: أن يكون معه ثلثمائة درهم ولا دين عليه فيكون عليها زكاتها سبعة دراهم ونصف، فإذا كان عليه دين مائة درهم أقام بإزائه من الثلثمائة مائة ثم زكى عن مائتين، وإن كان أصل ما معه مائتين أقام منها بإزاء الدين مائة ثم لا زكاة عليه في الباقي، وكذلك لو كان عليه خمسة دراهم لم يترك الباقي لأنه يقصر عن النصاب، وسواء كان الدين من جنس العين أو من غير جنسها (^١)، وكل هذا خلافًا للشافعي في قوله: أن الدين لا تأثير له في إسقاط الزكاة عن العين (^٢)، لما روى أصحابنا عن عمير بن عمران (^٣) عن نافع عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان للرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه" (^٤) ولأن الدين قد أخذ عوضه والزكاة لم يؤخذ عوضها فكان الدين مقدمًا على الزكاة كما قدم على الميراث.
فصل [١٩ - الفرق بين العين والماشية والحرث في تأثير الدين في إسقاط الزكاة]:
والفرق بين العين والماشية والحرث من وجهين: أحدهما أن زكاة الحرث
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٣٤، التفريع: ١/ ٢٧٦، الرسالة ص ١٦٧، الكافي ص ٩٤ - ٩٥.
(٢) انظر: الأم: ١/ ٥١، مختصر المزني ص ٥١ - ٥٢.
(٣) عمير بن عمران الحنفي البصري، في حديثه وهم وغلط (لسان الميزان: ٤/ ١٧٢٥).
(٤) هذا الحديث عن عمير بن عمران وهو يحدث بالبواطيل (الكامل في ضعفاء الرجال: ٥/ ١٧٢٥).
[ ١ / ٣٦٨ ]
والماشية إلى الإمام، فلو قبل قول أربابها أن عليهم ديونًا لأدى ذلك إلى ترك إخراج الزكاة فحُسم الباب بمنعه، وليس كذلك الذهب والفضة لأن زكاتها موكولة إلى أربابها، والثاني: أن الحرث والماشية، أموال ظاهرة وليس كذلك الذهب والفضة لأنها تخفى وتبطن.
فصل [٢٠ - الجمع بين أداء الزكاة والدين]:
وإن كان عنده من العروض ما فيه وفاء بدينه جعل الدين في العروض وزكى ما في يديه من العين إن كان نصابًا، وإن كان دينه أكثر من عروضه أقام من العروض بإزاء قيمتها من الدين ثم ضم إلى ذلك مما في يديه من العين ما يقوم بتمام دينه ثم زكى الباقي إن كان نصابًا (^١)، وكل هذا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن الدين يجعل في العين ولا يجعل في العروض ويسقط الزكاة (^٢)، ودليلنا إذا جعلنا الدين بإزاء العروض أمكن الجمع بين أداء الزكاة والدين فكان أولى من إسقاط أحدهما بالآخر أصله إذا كان معه من العين ما يفي بدينه ويفضل معه نصاب، ولأن العروض نوع من المال مأمون، فجاز أن يفعل في الدين أصله العين (^٣).
فصل [٢١ - العروض المقومة بإزاء الدين]:
والعروض التي يقيمها بإزاء الدين هي ما يستغنى عنه غالبًا ويباع عليه في دينه دون ما لا مندوحة له عنه من ثيابه التي تستر عورته وما لا بد له (^٤) منه من لباس وحصير وغطاء (^٥) وما جرى مجرى ذلك، وكذلك كسوة جمعته التي لا يبلغ
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٣٤، التفريع: ١/ ٢٧٦، الكافي ص ٩٤ - ٩٥.
(٢) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٣٧، تحفة الفقهاء: ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٣) في الإشراف (١/ ١٨٢): ولأن العروض نوع من المال مأمون، فجاز أن يجعل في الدين ويزكى العين ..
(٤) له: سقطت من (ق).
(٥) في (ق): عصارة؟
[ ١ / ٣٦٩ ]
ثمنها ذلك المبلغ، وكذلك منزله إذا كان قريبًا للثمن وكان ذا عيال (^١) ولم يكن له خطر وبال، فهذا لا يحسب في دينه ويحسب ما عداه (^٢).
فصل [٢٢ - جعل الدين في كتابة المكاتب]:
وإذا كان عليه دين وله مكاتب جعل الدين في كتابته وأدى الزكاة عن عينه (^٣) لأن الكتابة في معنى المال لأنه يبيعها إذا أراد ويؤدي الدين منها، وإن كان له مدبر فاختلف أصحابنا فمنهم من قال: يجعل الدين في قيمة رقبته (^٤) لأنه لو قتل لوجبت قيمته قيمة (^٥) عبد، ومنهم من قال: في قيمة خدمته لأن السيد لا يملك منه إلا الخدمة، وإن كان له دين على ثقة مليء غير منكر جعل دينه فيه وأخرج الزكاة من عينه.
فصل [٢٣ - زكاة مال الدائن]:
الدين لا تجب فيه الزكاة وإن أقام سنين حتى يقبض (^٦) خلافًا للشافعي (^٧) لأن الله أوجب زكاة المال منه لا من غيره عنه ولا سبيل إلى ذلك إلا بقبضه، ولأن الدية ومال الكتابة لا زكاة فيهما، وإن أقاما سنين وكذلك الدين على معسر لأن ذلك في الذمة، فكذلك سائر الديون.
فصل [٢٤ - أقسام الديون]:
الديون على ثلاثة أضرب (^٨):
_________________
(١) ذاعنا في (ق).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٣٤، التفريع: ١/ ٢٧٦، الكافي ص ٩٥.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥، التفريع: ١/ ٢٧٦.
(٤) هذا في قول ابن القاسم (التفريع: ١/ ٢٧٦).
(٥) لفظ قيمة سقط من (ق).
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٢٧٨، الرسالة: ١/ ٢٧٦.
(٧) انظر: الأم: ٢/ ٥١، الإقناع ص ٦٩.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٢٣٤، التفريع: ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، الرسالة ص ١٦٧، الكافي ص ٩٣ - ٩٤.
[ ١ / ٣٧٠ ]
منها ما كان أصله في يده عينًا ثم يصير دينًا، وذلك مثل أن يكون مع رجل ألف درهم فيقرضها من رجل أو يبتاع بها عرضًا ويبيعه من رجل بدين فيقيم ذلك في ذمة المقترض أو المشتري سنة أو سنين عدة، فهذا إذا قبضه زكاة ساعة قبضه لسنة واحدة.
ومنها ما يكون ابتداؤه فائدة إما بميراث أو هبة أو صدقة أو أرش جناية أو دية أو مهر أو ثمن سلعة كانت لقنية (^١)، فهذا إذا قبض استقبل له الحول.
ودين المدين، وهذا له حكم نذكره فيما بعد.
والفرق بين القسم الأول والثاني أن الأول كان قد حصل معه عينًا في طرفي الحول ولا اعتبار بكونه دينًا في تضاعيفه، وفي الثاني لم يحصل له عينًا إلا دفعة واحدة فلم يجر حكم الزكاة فيه.
فصل [٢٥ - أقسام العروض وما يجب الزكاة فيها]:
والعروض (^٢) على ضربين (^٣): منها ما لا تجب الزكاة فيه بوجه وهو ما أريد للقنية ولم يرد للتجارة، وذلك كالثياب للبس والخيل للركوب والرقيق للخدمة، وكل ما عدا الذهب والفضة والحرث والماشية، ولا خلاف في هذا (^٤)، ومنها ما يراد به التجارة، فتجب الزكاة في قيمته (^٥) خلافًا لداود (^٦)، لما رواه
_________________
(١) القنية: هي أن يشتري السلعة كي يملكها ينتفع بها لا للتجارة (الصحاح: ٦/ ٢٤٦٧).
(٢) هي الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا (المصباح المنير ص ٤٠٤، والفواكه الدواني: ١/ ٣٣٩).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، التفريع: ١/ ٢٨٠، الرسالة ص ١٦٦ - ١٦٧، الكافي ص ٩٧ - ٩٨.
(٤) انظر: الإجماع ص ٥١، المغني: ٣/ ٣٠.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٠، الرسالة ص ١٦٧، الكافي ص ٩٨.
(٦) انظر: المجموع: ٦/ ٤٤، المحلي: ٥/ ٣٤٧ - ٣٥٦، المغني: ٣/ ٣٠.
[ ١ / ٣٧١ ]
أبو ذر (^١) أن رسول الله - ﷺ - قال له: "أد زكاة البر" (^٢)، ولأن في إسقاط الزكاة عنه ذريعة إلى سقوط الزكاة في أكثر الأموال لأن كل من خاف أن يؤدي الزكاة ابتاع بالعين عرضًا فتسقط الزكاة عنه.
فصل [٢٦ - الزكاة في العروض التي هي للتجارة]:
وإذا اشترى العروض بنية التجارة ثبت الحكم فيه.
فإذا باعه بعد حول أو أحوال زكاة لسنة واحدة إن كان أصله عينًا، وإن كان ملكها عروضًا بميراث أو هبة أو غير ذلك، فمكثت عنده حولًا أو أحوالًا، ثم باعها، فإنه يستأنف الحول من يوم باعها، وحكمها حكم الدين، وهذا الذي ذكرناه، هو لمن يعرف حول ما يبيعه.
فأما المدير فإنه يزكي في كل سنة، وصفة المدير مثل سائر التجارة الذين يديرون البيع والشراء والتجارة، فلا ينضبط لهم حول ما يبيعونه أو يشترونه.
فالوجه فيمن هذه صفته أن يجعل لنفسه شهرًا معلومًا من السنة لزكاته، فينظر ما معه من العين وما عنده من العروض فيقومه ويضمه إلى عينه، وكذلك ما له من دين، فإذا عرف جميع ذلك، نظر فإن كان عليه دين أسقط بمقداره من الجملة وزكى الباقي إن كان نصابًا، وإن لم يكن عليه دين زكى ما معه.
والدليل على هذه الجملة أنا لو لم نفعل ذلك لكان لا بد من أحد أمرين: إما
_________________
(١) أبو ذر: جندب بن جنادة الغفاري، وقيل: جندب بن سكن أحد السابقين الأولين من نجباء أصحاب محمد - ﷺ، كان يفتي في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، روي عنه: ابن عباس، وأنس وغيرهم، كان رأسًا في الزهد (سير أعلام النبلاء: ٢/ ٤٦، طبقات ابن سعد: ٤/ ٢١٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة: ٣/ ٢١٣، والسيوطي في الدر المنثور: ٣/ ٢٣٣، وعن أبي ذر: أن رسول الله - ﷺ - قال: في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البر صدقتها .. أخرجه أحمد: ٥/ ١٧٩، والترمذي في العلل المفرد، والدارقطني: ٢/ ١٠١، والبيهقي: ٤/ ١٧٤، والحاكم: ١/ ٣٣٨، وأحد سنديه عنده على شرط الصحيح (الهداية في تخريج أحاديث بداية المجتهد: ٥/ ٣٥).
[ ١ / ٣٧٢ ]
أن لا يؤدي أصلًا زكاة أو أن يكلف ضبط حول لكل عرض عنده، ففي الأول ذريعة لإسقاط الزكاة، وفي الثاني تكليف ما لا يقدر عليه ولا يجد سبيلًا إليه فلم يبق إلا ما قلناه (^١).
فصل [٢٧ - قبض الدين دون النصاب]:
إذا قبض من دينه دون النصاب فلا زكاة عليه (^٢)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن قبض أربعين درهمًا أخرج درهمًا (^٣)، ولغيره في قوله: يزكى القليل والكثير، لأن ملكه قاصر عن نصاب فأشبه من ملك في الابتداء أقل من نصاب ولأنا قد بينا أن الدين لا تلزم فيه الزكاة حتى يقبض، ودليلنا عليه أنه لا يجب أن يخرج عن المال من غيره، فلو أوجبنا عليه إذا قبض عشرة دنانير أن يزكي عنها لجاز أن لا يقبض غيرها فيؤدي ذلك إلى أن الزكاة تجب عليه فيما دون النصاب.
فصل [٢٨ - في تكلمة النصاب من الدين أو غيره]:
فإن (^٤) كان عنده مال، فدخل عليه الحول يتم (^٥) معه ما قبضه من دينه إذا ضم إليه نصابًا ضمه إليه وزكى الجميع (^٦)، لأنه مالك لنصاب قد حال عليه الحول، حصل عينًا في يده طرفي الحول فأشبه ما يحول عليه الحول وهو في يده (^٧)، وكذلك يضم إليه ما خرج له من معدن.
فإذا ثبت هذا فلا يخلو ما يقبضه من دينه أن يكون نصابًا أو دونه، فإن كان
_________________
(١) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٣٠ - ٢٣٣، التفريع: ١/ ٢٨٠، الرسالة ص ١٦٧.
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٧٨، الرسالة ص ١٦٧، الكافي ص ٩٤.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥١.
(٤) في (م): فإذا.
(٥) في (م): فتم.
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٢٧٦، ٢٧٨، الكافي ص ٩٤.
(٧) في (م): يديه.
[ ١ / ٣٧٣ ]
نصابًا زكاة ثم يزكى ما يقبضه من بعد من قليل أو كثير، وإن كان دون النصاب فلا يخلو أن يكون عنده ما يتم به نصاب، أو لا يكون عنده فإن لم يكن عنده لم تكن عليه زكاة فيما قبضه للعِلَّة التي ذكرناها، وإن قبض بعد تمام النصاب زكى جميع النصاب أنفق الأول أو بقى عنده (^١)، على اختلاف بين أصحابنا (^٢) في إنفاقه وضياعه أو بقائه (^٣).
ثم زكى ما يقبضه من بعد من قليل أو كثير، فإن كان عنده ما يتم به ما قبضه نصابًا قد حال عليه الحول زكى الجميع، ثم زكى ما يقبضه من بعد من قليل أو كثير.
وحكم ما يقبض من ثمن العروض للتجارة حكم ما يقبض من الدين في اعتبار النصاب وما يتم به إن كان المقبوض دونه.
فصل [٢٩ - لا زكاة على العروض إذا بيع بعضها ببعض]:
وإذا كان يبيع العرض بالعرض ولا ينض له (^٤) من ثمن ذلك عين فلا زكاة عليه ولا تقويم (^٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٦)، لأن زكاة القيمة متابعة لزكاة العين، فلو أوجبنا الزكاة لكان لا يخلو أن يخرج من جنس العروض وهذا خلاف الأصول، أو أن يخرج عنها عينًا فيجب أن ينض لها ثمن فيخرج منه، وكذلك فلا قيمة على المدير إذا كان لا يبيع ولا يشتري إلا بالعروض (^٧)، لأنه يقوم ما عنده من العروض فتجعل القيمة كالثمن فتكون متابعة له.
_________________
(١) عنده سقطت من (ق).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٧٨، المقدمات: ١/ ٣٠٥.
(٣) في (م): إنفاقه.
(٤) أي لا يحصل (المصباح المنير ص ٦١٠).
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٠، الرسالة ص ١٦٦، ١٦٧.
(٦) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٤٨، الأم: ٢/ ٤٧.
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٠، الرسالة ص ١٦٧.
[ ١ / ٣٧٤ ]
فصل [٣٠ - اللؤلؤ والجوهر والطيب: زكاته في قيمته إذا كان مدارًا]:
اللؤلؤ والجوهر وأنواع الطيب من المسك والعنبر والكافور كل هذا عروض، وحكمه حكم سائر العروض (^١)، لا زكاة في عينه وإنما الزكاة في قيمته، ويختلف حكمه في الإدارة وغير الإدارة على ما ذكرناه في العروض، ولا خمس فيه، لأن الخمس لا يكون إلا فيما أخذ عن الكفار، أو من معدن على صفة تذكر فيما بعد (^٢).
فصل [٣١ - اشتراط الحرية لوجوب الزكاة]:
ولا تجب الزكاة إلا على مالك تام الملك وهم الأحرار، ولا زكاة على عبد ولا مدبر (^٣)، ولا أم ولد (^٤)، لأن العبد وإن كنا نقول: أنه يملك فإن ملكه ناقص غير مستقر، بدليل أن لسيده انتزاع ماله ولا مانع يمنعه من ذلك، وأنه ليس له أن يتصرف فيه لحق السيد، وحكم المكاتب في ذلك حكم العبد لأنه على حكم الرق ألا ترى أنه لا تجوز له الهبة ولا التصرف ولا يعاقل.
فصل [٣٢ - الإسلام شرط لوجوب الزكاة]:
ولا يؤخذ النصراني بزكاة شيء من ماله لا من عينه ولا ماشيته ولا حرثه لأنا عاهدناهم على ألا نأخذهم بفروع الدين ما داموا مقيمين على كفرهم كما لا نأخذهم بالصلاة والصوم والحج، فإذا أسلم النصراني وأعتق العبد، فالزكاة عليهما إذا حال الحول على المال الذي في أيديهما من يوم الإسلام والعتق، لأن من ذلك الوقت حصل شرط الوجوب (^٥).
_________________
(١) انظر: المدونة ١/ ٢٥١ - ٢٥٢، التفريع: ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) تذكر فيما بعد: سقطت من (م).
(٣) المدبر: هو أن يقول الرجل لعبده: أنت حر عن دبر مني.
(٤) أم ولد: هي الحر حملها من وطء مالكها عليه جبرًا.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢١٣، الرسالة ص ١٦٧.
[ ١ / ٣٧٥ ]
فصل [٣٣ - زكاة الفوائد]:
الفوائد كلها لا زكاة فيها إلا أن يحول عليها الحول من يوم أفيدت (^١) أو قبضت بعد تقدم الملك على ما ذكرناه من التفصيل (^٢)، وذلك مثل ما يملكه الإنسان بميراث أو هبة أو صدقة أو استغلال أرض أو مسكن أو إجارة عبد أو نجوم مكاتب (^٣)، أو أرش جناية أو دية وما أشبه ذلك، فأما ربح المال فحكمه حكم أصله على ما بيناه.
فصل [٣٤ - زكاة الحلي والحلية]:
تجب الزكاة في أواني الذهب والفضة، لأن اقتنائها محرم، وكذلك في حلية اللجم والسروج والدوي والمداوي والسكاكين، لأنه غير مأذون فيه، فأما الحلي المباح للرجال فهو في ثلاثة أشياء وهي حلية المصحف (^٤) والسيف والخاتم.
وحلي النساء المتخذ للبس والاستعمال فما كان من هذا اللبس والتجمل فلا زكاة فيه (^٥) خلافًا لأبي حنيفة (^٦) لأنه مال قصد به الاقتناء وترك التنمي على وجه مباح، فلم تجب فيه الزكاة اعتبارًا بعروض القنية، ولأن المعتبر في وجوب الزكاة هو النماء لأنها تجب بوجوده (^٧) وتسقط بعدمه، ألا ترى أن ما لا تجب في عينه زكاة إذا قصد به التنمي وطلب الفضل وجبت الزكاة لطلب النماء، فيجب أن يكون ما تجب في عينة الزكاة إذا عدل به عن طلب النماء على وجه مباح أن تسقط الزكاة فيه.
_________________
(١) من (ق): أفيد.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٢٢، التفريع: ١/ ٢٧٥، الرسالة ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٣) نجوم مكاتب: معناه أقساطه.
(٤) حلية المصحف وحلية السيف: أي ما يزين به المصحف والسيف (المصباح المنير ص ١٤٩).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢١١ - ٢١٢، التفريع: ١/ ٢٨٠ - ٢٨١، الرسالة ص ١٦٧.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٩، مختصر القدوري: ١/ ١٤٨.
(٧) في (م): لوجوده.
[ ١ / ٣٧٦ ]
فصل [٣٥ - زكاة الحلي المعد لغير الاستعمال واللبس]:
فأما الحلي المباح اتخاذه واستعماله إذا أريد لغير الاستعمال واللبس ففيه الزكاة (^١) مثل أن يتخذ للتجارة أو للدخر (^٢)، والإعداد للحاجة إلى بيعه لأن المؤثر في سقوط الزكاة إعداده للبُّس فقط، وأما المتخذ للكراء فعند مالك لا زكاة فيه، وعند محمد بن مسلمة أن فيه الزكاة (^٣)، ووجه قول مالك: إنه حبس عينه عن طلب النماء والزيادة، فأشبه حلي اللبس (^٤)، ووجه وجوب الزكاة فيه أن النماء موجود منه وهو مرصد له كحلي التجارة.
فصل [٣٦ - الزكاة في مال الصغير]:
والزكاة واجبة في مال الصغير كوجوبها في مال الكبير (^٥) خلافًا لأبي حنيفة حين أسقطها في ناضه (^٦) وماشيته (^٧)، لقوله ﷺ (^٨): "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" (^٩) فعم، ولأن كل زكاة لزمت الكبير لزمت الصغير كزكاة الحرث والفطر، ولأنه مسلم حر تام الملك فأشبه الكبير.
…
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢١١، التفريع: ١/ ٢٨٠.
(٢) في (ق): للدخور.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٠، المقدمات: ١/ ٢٩٤.
(٤) في (ر): حلي السيف.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢١٣، الرسالة ص ١٦٧.
(٦) ناضه: أي في ذهبه وفي فضته (مختصر الطحاوي ص ٤٥).
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٥، مختصر القدوري: ١/ ١٣٧.
(٨) ﷺ سقطت من (ق).
(٩) سبق تخريج الحديث في أول كتاب الزكاة في الصفحة (٣٥٩).
[ ١ / ٣٧٧ ]
باب: زكاة معادن الذهب والفضة
وفي معادن الذهب والفضة الزكاة إذا خرج منها نصاب (^١)، فإن كان دون النصاب، لا شيء فيه إلا أن يخرج بعد ذلك تمام النصاب من نيله (^٢) فتكون فيه الزكاة، أو يكون عنده مال قد حال عليه الحول إذا ضمه إلى ما خرج من المعدن كان نصابًا، ثم يزكي ما خرج بعد ذلك من قليل أو كثير ما دام ذلك النيل قائمًا فإن انقطع وظهر نيل لم يُبْنَ ما خرج منه على ما خرج من الأول، وكان للثاني حكم نفسه.
ولا حول في زكاة المعدن بل يزكي لوقته كالزرع، ولا يرده دين بخلاف العين من غير المعدن، وفي الندرة (^٣) الخارجة بغير مؤنة ولا كلفة الخمس، وقيل: الزكاة كغيرها.
والركاز: دفن الجاهلية، وفيه الخمس في قليله وكثيره، وذلك في ذهبه وورقه، فأما عروضه وجواهره ففيه روايتان: إحداهما أنه يخمس والأخرى أنه لا يخمس (^٤).
فصل [١ - دليل الفرق بين المعدن والركاز]:
وإنما فرقنا بين المعدن والركاز في الصفة والحكم خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٦، التفريع: ١/ ٢٧٨، الرسالة ص ١٦٨.
(٢) نيل: العرق الذي في المعدن (الفواكه الدواني: ١/ ٣٤٥) وهو ما يعرف الآن بالمنجم.
(٣) الندرة: هي المعدن الخالص الذي لا يحتاج إلى تصفية وتخليص من الشوائب عند إخراجه من مكانه كأن يخرج خالصًا مصفى. قال خليل: وفي ندرته الخمس (مواهب الجليل: ٢/ ٣٣٩).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٩، التفريع: ١/ ٢٧٩، الرسالة ص ١٦٨.
[ ١ / ٣٧٨ ]
المعدن هو الركاز (^١)، وأن فيه الخمس لقوله ﷺ: "العجماء جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس" (^٢)، ففرق بين اسميهما، فثبت أن أحدهما غير الآخر، ولأن الركاز مأخوذ من أركاز الشيء وهو دفنه (^٣) ومنه: "أنه ﷺ كانت تركز له العنزة فيصلي إليها" (^٤) والمعدن عروق أنبتها الله ﷿ في الأرض فلم تكن ركازًا لأنها بغير وضع آدمي.
فصل [٢ - الدليل على أن في المعدن الزكاة]:
وإنما قلنا: أن فيها الزكاة لما روي أن رسول الله - ﷺ - أقطع بلال بن الحارث (^٥) المعادن القبلية من ناحية الفرع (^٦) فلا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم، ولأنه مستفاد من الأرض بكلفة ومؤونة لم يتقدم عليه ملك، فكان الواجب فيه الزكاة دون الخمس كالزرع.
فصل [٣ - دليل اعتبار النصاب في المعدن]:
وإنما اعتبرنا فيه النصاب، لأن كل ما وجبت فيه الزكاة، فلا بد من اعتبار النصاب فيه كسائر الأموال، وإنما قلنا: أن يبنى النيل بعضه على بعض، لأن
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٩، تحفة الفقهاء: ٢/ ٣٢٧.
(٢) أخرجه البخاري في الديات، باب: العجماء جبار: ٨/ ٤٧، ومسلم في الحدود، باب: جرح العجماء والمعدن جبار: ٣/ ١٣٣٤.
(٣) الركاز: من ركزت الرمح، أي غرزته في الأرض، والركاز دفين الجاهلية كأنه ركز في الأرض ركزًا (الصحاح: ٣/ ٨٨٠).
(٤) أخرجه مسلم في الصلاة، باب: سترة المصلي: ١/ ٣٥٩.
(٥) بلال بن الحارث: المزني أبو عبد الرحمن المدني، روي عن النبي - ﷺ -، وعن عمر وعن ابن مسعود، وعنه ابنه الحارث، وعلقمة، وعمرو بن عوف، وكان أول من قدم من مزينه على رسول الله - ﷺ - (ت سنة ٦٠ هـ) (تهذيب التهذيب: ١/ ٥٠١ - ٥٠٢).
(٦) أخرجه الحاكم: ٣/ ٥١٧، وقال: صحيح ولم يخرجاه، والبيهقي: ٤/ ١٥٢، وأخرجه مالك مرسلًا: ١/ ٢٤٨، والقبلية منسوبة إلى قبل وهي ناحية من ساحل البحر والفرع موضع بين نخلة والمدينة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
حكمه حكم واحد، كالنوع الواحد، وكالدين الواحد إذا قبض أولًا، ولم يجب ذلك في (^١) بناء نيل على نيل، لأنه كمعدن آخر فله حكم نفسه، وإنما قلنا: إنه إذا كان عنده مال قد حال عليه الحول زكاة معه، فلأن شرط وجوب الزكاة قد وجد فيهما، فوجب ضم أحدهما إلى الآخر.
إنما لم يراع (^٢) الحول فيه خلافًا لأحد قولي الشافعي (^٣) لأنه مال مستفاد من الأرض، تجب فيه الزكاة فلم يعتبر فيه حول كالزرع، ولهذه العلة قلنا: إنه لا يرده دين بخلاف العين.
فصل [٥ - وجه إيجاب الزكاة في الندرة]:
ووجه إيجاب الزكاة في الندرة فلأنه نوع مال تجب فيه الزكاة، فلم يجب فيه الخمس لقلة المؤونة كغير المعدن، ووجه قوله: إن فيها الخمس: لما لم يكن في أحدهما كلفة ولا مشقة ولا كبير مؤونة كانت كالوضع ابتداء، فوجب فيها الخمس كالركاز، والزكاة أقيس، وإنما قلنا: إن في الركاز الخمس لما رويناه من قوله ﷺ: "وفي الركاز الخمس" (^٤)، ولأنه من أموال الكفار فكان فيه الخمس دون الزكاة كالغنائم.
فصل [٦]:
وإنما قلنا: إن الخمس في قليله وكثيره من غير مراعاة نصاب، لأن النصاب يعتبر في الزكاة دون الخمس، ولقوله ﷺ: "وفي الركاز الخمس" (^٥) ولم يخص، واعتبارًا بالغنائم.
_________________
(١) في: سقطت من (ق).
(٢) في (م): تراع.
(٣) انظر: مختصر المزني ص ٥٣، الإقناع ص ٦٦.
(٤) و(^٥) سبق تخريج الحديث قريبًا ص ٣٧٩.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فصل [٧ - التعليل لعدم إيجاب الزكاة في الركاز إذا كانت عروضًا وإيجاب الخمس فيها]:
وجه قوله: إنه لا شيء عليه في عروضه وجوهره (^١)، هو أنه لما شبه بالغنائم، وكان في الأصل أن حكم العرض في الغنائم أخف من حال العين بدليل أنه يجوز أخذ اليسير منه بغير إذن الإمام، وأنه قد يتركه الجيش لكثرته ولا يتركون الذهب والفضة كان بما (^٢) هو مشبه به أولى بالتخفيف، ووجه إيجاب الخمس فيه عموم قوله: "وفي الركاز الخمس" (^٣)، ولأنه ركاز فأشبه الذهب والفضة وهذا هو الصحيح.
فصل [٨ - المدفون من أموال المسلمين]:
ما وجد مدفونًا من أموال المسلمين فهي لقطة تعرف كما تعرف اللقطة عامًا، ثم يتصرف فيه واجده إن اختار شرط الضمان لصاحبه والله أعلم، ويعتبر الحول في جميع الزكاة إلا الحرث والمعدن فلا يعتبر فيه الحول ويعتبر النصاب في جميع الزكاة.
…
_________________
(١) جوهر الشيء: كل شيء خلقت عليه جبلته (المصباح المنير ص ١١٣).
(٢) في (م): ما.
(٣) سبق تخريج الحديث.
[ ١ / ٣٨١ ]
باب: [زكاة الإبل]
والحول معتبر في زكاة المواشي وكذلك النصاب، ولا زكاة فيما دون الخمس من الإبل (^١): فإذا كانت خمسًا ففيها شاة، ثم لا شيء فيها إلى تسع، فإذا كانت عشرًا فيها شاتان إلى أربع عشرة، فإذا كانت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه، فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياه.
ثم يؤول قبض الغنم منها ويؤخذ عنها من جنسها، ولا شيء فيما زاد على العشرين إلى أربع وعشرين، فإذا كانت خمسًا وعشرين ففيه بنت مخاض (^٢): وهي التي لها سنتان، فإن لم توجد في المال فابن لبون (^٣) ذكر: وهو الذي له ثلاث سنين، إلى خمس وثلاثين فهذا كانت ستًّا وثلاثين ففيها بنت لبون، إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستًّا وأربعون ففيها حقة، إلى ستين وهي التي لها أربع سنين قد استحقت أن يركبها الفحل وأن يحمل عليها الحمل.
فإذا كانت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمسة (^٤) وسبعين، والجذعة (^٥): التي لها خمس سنين وليس في صدقة الإبل سن زائدة على الجذعة، فإذا (^٦) كانت ستًّا وسبعين، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين،
_________________
(١) في جملة أحكام زكاة الإبل انظر: المدونة: ١/ ٢٦٣، التفريع: ١/ ٢٨١، الرسالة ص ١٦٩.
(٢) بنت مخاض: سميت بتلك لأن أمه قد ضربها الفحل فحملت ولحقت بالمخاض وهن الحوامل (المصباح المنير ص ٥٦٦، الفواكه الدواني: ١/ ٣٥١).
(٣) ابن لبون: سمي بذلك لأن أمه ولدت غيره فصار لها لبن (المصباح المنير ص ٥٤٨ الفواكه الدواني: ١/ ٣٥١).
(٤) في (م): خمس.
(٥) الجذعة: سمت جذعة لأنها أبدت أسنانها (الصحاح: ١/ ٤٣٧).
(٦) في (م): فإن.
[ ١ / ٣٨٢ ]
ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون.
ففي الثلاثين ومائة: حقة وابنتا لبون، وفيما زاد على المائة وعشرين (^١) مما دون العشر خلاف، فعن مالك ﵀ (^٢) روايتان (^٣):
إحداهما: أن الفرض يتغير بزيادة الواحد إلى تخير الساعي بين الحقتين وبين الثلاث بنات لبون، وهذه رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم.
والأخرى: أن الفرض لا يتغير إلى ثلاثين ومائة، وهذه رواية أشهب وعبد الملك بن الماجشون. وعند ابن القاسم من رأيه (^٤) أن الفرض يتغير بزيادة الواحد (^٥) إلى ثلاث بنات لبون قطعًا من غير تخيير.
والشاة المأخوذة في أول صدقة الإبل من غالب أغنام البلد من الضأن والمعز. وإذا وجب في المال أحد سِنَّين فوُجدا (^٦) جميعًا أخذ الساعي أيهما شاء، وإن عدما أخذ رب المال بأيهما شاء إلا أن لا يقدر إلا على أحدهما، فلا يأخذه إلا بما يقدر عليه، وإن وجد أحدهما أخذه ولم يطالبه بغيره، وهذا فيما يستويان فيه كالمائتين من الإبل فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون، والحكم فيها على ما ذكرناه، فأما السنَّان إذا كان أحدهما مرتبًا على صاحبه مثل ابنة مخاض أو ابن لبون ذكر، فإنهما (^٧) إن كانا في المال أخذ ابنة مخاض، إن عدمت منه ووجد ابن لبون ذكر (^٨) أخذه فإن عدما جميعًا (^٩) كان له أخذه بابنة مخاض دون ابن لبون.
_________________
(١) في (م): العشرين.
(٢) ﵀ سقطت من (ق).
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٢.
(٤) من رأيه سقطت من (ق).
(٥) في (م): الواحدة.
(٦) في (م): ووجدا.
(٧) في (م): فإنه.
(٨) ذكر سقطت من (م).
(٩) جميعًا سقطت (م) (ق).
[ ١ / ٣٨٣ ]
وإنما اعتبرنا الحول في صدقة الماشية لقوله ﷺ: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" (^١)، ولأن الحول إنما وضع في المال الذي لا يتكامل نماؤه دفعة واحدة، ترفيهًا لأرباب الأموال ليؤدوا الزكاة بعد إمهالهم مدة يتكامل فيها نماؤها، وهذا يستوي فيه العين والماشية وبذلك فارقا (^٢) الحرث.
فصل [٢]:
وإنما أوجبنا الزكاة فيها على الترتيب الذي ذكرناه من النصب والأسنان لتواتر الأخبار من طريق عمرو بن حزم (^٣)، وابن عمر (^٤)، وأنس (^٥)، على المعنى الذي رويناه (^٦).
_________________
(١) سبق تخريج الحديث (٣٦١).
(٢) في (ق): فارق.
(٣) أخرجه عبد الرزاق: ٤/ ٤، وهو مرسل وقد وصله أبو داود والترمذي وابن ماجه كما سوف يأتي، والبيهقي: ٤/ ٨٨، وابن حبان ص ٢٠٣، والدارقطني: ٢/ ١١٦ من طرق وفيها مقال. وعمر بن حزم: ابن زيد بن لوذان الأنصاري صحابي مشهور شهد الخندق فما بعدها، وكان عامل النبي - ﷺ - على نجران بعد الخمسين (تقريب التهذيب: ٤٢٠).
(٤) حديث ابن عمر أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: في زكاة السائمة: ٢/ ٢٢٥، وابن ماجه في الزكاة، باب: صدقة الإبل: ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤، والترمذي في الزكاة، باب: في زكاة الإبل والغنم: ٣/ ١٧، وقال: حديث حسن، وأخرجه الحاكم: ١/ ٣٩٢.
(٥) وحديث أنس أخرجه البخاري مفرقًا، في الزكاة، باب: العرض في الزكاة وغيره من الأبواب: ٢/ ١٢٢، وفي الشركة، باب: ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية: ٣/ ١١٠، وفي الحيل، باب: في الزكاة: ٨/ ٦٠.
(٦) في (ر): رويناه.
[ ١ / ٣٨٤ ]
فصل (^١) [٣]:
وإنما قلنا: إن أول النصاب خمس لقوله ﷺ: "ليس فيما دون خمس ذود (^٢) من الإبل صدقة" (^٣)، ولا خلاف في ذلك (^٤).
فصل [٤ - دليل انقطاع فريضة الغنم في زكاة الإبل حين تبلغ أربعًا وعشرون]:
وإنما قلنا: أن فريضة الغنم تنقطع في أربع وعشرين لقوله ﷺ: "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة" (^٥)، فقصر وجوب الغنم على هذا القدر، وإنما قلنا: إن في خمس وعشرين بنت مخاض، خلافًا لما حكي عن عليّ بن أبي طالب (^٦) ﵁: أن فيها خمس شياه (^٧)، للأخبار المروية من طريق عمرو بن حزم وابن عمر وأنس وفيها أن في خمس وعشرين بنت مخاض، وهذا نص ولأنه ليس في أصول زكاة الماشية اتصال فرضين من غير تخلل وقص (^٨) بينهما على أن الرواية بذلك عن عليّ بن أبي طالب (^٩) ﵁ ضعيفه غير ثابتة، وإنما قلنا: إنه يأخذ منها
_________________
(١) فصل سقط من (م).
(٢) الذود من الإبل، قال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: ما بين الثلاث إلى العشر (ذود) وكذا قال الفارابي، وهي خمس من الإبل على الرواية المشهورة عند الجمهور (الفواكه الدواني: ١/ ٣٥٠، المصباح المنير ص ٢١١).
(٣) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: زكاة الورق: ٢/ ١٢١، ومسلم في أوائل كتاب الزكاة: ٢/ ٦٧٣.
(٤) انظر: الإجماع ص ٤٦، المغني: ٢/ ٥٧٥.
(٥) هو نفسه حديث أنس الذي أخرجه البخاري وقد ذكرناه قريبًا ص ٢٢٩.
(٦) بن أبي طالب سقطت من (م).
(٧) البيهقي: ٤/ ٩٢.
(٨) الوقص: هو ما بين الفريضتين من نصب الزكاة مما لا شيء فيه (الفواكه الدواني: ١/ ٣٥٤).
(٩) بن أبي طالب سقطت من (م).
[ ١ / ٣٨٥ ]
ابن لبون ذكر إذا لم يكن فيه بنت مخاض لأن ذلك في الأحاديث التي رويناها، ففي حديث عمرو بن حزم: "فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيه بنت مخاض فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" (^١)، وكذلك في حديث أبي بكر الذي كتبه (^٢) لأنس (^٣).
ولا يجوز أن يأخذ سوى هذه الأسنان (^٤) خلافًا لأبي حنيفة (^٥)، لأن النص على ابن لبون قصر الأخذ عليه وبقى ما عداه، ولأن ذلك يكون على طريقة القيمة وذلك غير جائز عندنا.
فصل [٦ - الدليل في عدم أخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض]:
وإنما قلنا: أنه لا يجوز أخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض في المال خلافًا لأبي حنيفة (^٦)، لحديث عمرو بن حزم وحديث أنس وفيهما: "فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" وفي بعضها: "فإن لم يكن فيه بنت مخاض فابن لبون ذكر" (^٧)، فشرط في جواز أخذه عدم ابنة مخاض، فدل على منعه مع وجودها، ولأن كل حق تعلق بما نقل منه إلى غيره بشرط عدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجود أصله (^٨) اعتبارًا بالكفارات.
فصل [٧]:
وإنما قلنا: أنه إذا عدما من المال لم يكن للساعي أن يأخذه إلا بابنة مخاض
_________________
(١) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٢) في (ق): كتب.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) انظر الرسالة ص ١٧١.
(٥) انظر مختصر القدوري: ١/ ١٤٤.
(٦) هذا الرأي قاله أبو يوسف (انظر مختصر الطحاوي ص ٤٣).
(٧) سبق تخريج الحديثين قريبًا.
(٨) في (ق): مع وجوده.
[ ١ / ٣٨٦ ]
لأن عدمهما بمنزلة وجودهما، أنه ليس لأحدهما مزية عن على الآخر، فلما لم يكن له أن يأخذ ابن لبون مع وجودهما في المال، فكذلك مع عدمهما، ولأن الخبر شرط فيه عدم ابنة مخاض وحدها فدل أن عدمهما بخلاف ذلك.
فصل [٨ - توجيه الأقوال الواردة في زكاة المواشي]:
وما زاد على خمس وعشرين إلى مائة وعشرين لا خلاف فيه (^١) أنه على الترتيب الذي ذكرناه، وبذلك وردت الأخبار.
ووجه قوله: إن الفرض يتغير بالزيادة على مائة وعشرين في الواحدة وما دون العشرة (^٢) إلى تخير الساعي قوله ﷺ: "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (^٣)، فأطلق الزيادة ولم يفصلها، فوجب الأخذ بأول زيادة، ولأن الوقص لا يلي وقصًا، فلو اعتبرنا بعد المائة وعشرين عشرًا أخرى (^٤)، لكنا قد اعتبرنا وقصًا يعد وقص متصلًا به، وذلك خلاف الأصول ووجه رواية عبد الملك قوله: "فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (^٥) وظاهر هذا يوجب أن يكون في جميع المال، ولا يمكن ذلك إلا بزيادة العشرة (^٦). وقوله في حديث ابن عمر: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (^٧)، والكثرة لا تكون بزيادة الواحدة، ولأن أصول الزكاة: أن كل زيادة غيرت فرضًا كانت داخلة فيه (^٨)، فلو قلنا: إن الفرض يتغير بواحدة أو اثنين لكان في ذلك
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٣، الرسالة ص ١٦٩، الإقناع ص ٦١، مختصر الخرقي ص ٤٣.
(٢) في (م): العشر.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
(٤) أخرى سقطت من (م).
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٨٤).
(٦) في (م): العشر.
(٧) سبق تخريج الحديث (ص ٣٨٤).
(٨) فيه سقطت من (ق).
[ ١ / ٣٨٧ ]
مخالفة للخبر وإيجاب لبنت لبون في كل أربعين وثلث، وإن قلنا: إن الفرض يتغير بها ألا يدخل فيه كان في ذلك مخالفة الأصول.
فصل [٩]:
ووجه قول ابن القاسم: إن الفرض يتغير بالواحدة إلى ثلاث بنات لبون من غير تخيير، وهو قول الشافعي (^١) قوله ﷺ في حديث ابن شهاب (^٢): "فهذا (^٣) كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون" (^٤) وهذا نص، ووجه التخير: قوله ﷺ في سائر الأخبار: "فما زاد ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" (^٥)، فإن اعتبرنا تغير الحكم بزيادة الواحدة ورجعنا إلى الحساب كان فيه إما ثلاث بنات لبون لثلاث أربعينات أو حقتان لخمسين، فلذلك كان الساعي مخيرًا.
فصل [١٠ - فما زاد على العشرين ومائة]:
وإنما قلنا: إنَّ ما زاد على العشرين ومائة ففيه بحساب كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وأن فريضة الغنم لا تعاد، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن الفريضة تعاد (^٦) كأولها فتكون (^٧) في كل خمس (^٨) شاة إلى أربع وعشرين
_________________
(١) انظر: الأم: ١/ ٥، ٦، مختصر المزني ص ٤٠.
(٢) ابن شهاب: محمد بن سلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو بكر الفقيه، الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، من رؤوس الطبقة الرابعة (ت ١٢٥ هـ) (انظر تقريب التهذيب ص ٥٠٦).
(٣) في (م): فإن.
(٤) أخرجه أبو داود في الزكاة السائمة: ٢/ ٢٢٧، وابن ماجه في الزكاة، باب: صدقة الإبل: ١/ ٥٧٤، والترمذي في الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم، وقال: حديث حسن: ٣/ ١٧.
(٥) انظر: تخريج الأخبار التي وردت في أول كتاب الزكاة في الصفحة ٣٨٤.
(٦) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٤٠.
(٧) في (م): فيكون.
(٨) في (ق) و(م): خمسين وهو غلط.
[ ١ / ٣٨٨ ]
فيكون فيها بنت مخاض ثم في كل خمسين ومائة ثلاث حقاق لقوله ﷺ: "فما زاد ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" (^١)، فلا يخلوا أن يكون أراد في كل أربعين وفي كل خمسين زائدًا على المائة والعشرين دون المائة والعشرين، فهذا يوجب أن يكون في مائة وستين حقتان وبنت لبون، وفي مائة وسبعين ثلاث حقاق، وهذا خرق الإجماع، أو أن يكون أراد في الجمع في الزيادة والزائد (^٢) على معنى، فبحساب أن في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، فهذا قولنا، وخلاف قول أبي حنيفة لأنه يقول في مائة وثلاثين حقتان وشاتان، لأن أصل الزكاة أن يؤخذ من جنس المال إلا للضرورة، والغنم المأخوذة في أول زكاة الإبل للضرورة وهي قلة المال وضعفه عن (^٣) احتمال المواساة، فهذا زاد على مائة وعشرين فقد كثر وصار محتملًا للمواساة فلم يكن لعودة الغنم موضع.
فصل [١١ - في نوع الغنم المأخوذ في صدقة الإبل]:
وإنما قلنا: إن الغنم المأخوذة في صدقة الإبل من غالب أغنام البلد لأنه ﷺ قال: "في خمس من الإبل شاة" (^٤)، فأطلق ولم يعين فوجب الرجوع إلى العرف، ولأنه لا بد من أن يكلف الأعلى أو الأدنى، وفي تكليفة الأعلى إضرار به، وفي تكليفه الأدنى إضرار بالفقراء، فكان العدل ما قلناه.
وإنما قلنا: إنه إذا وجد السنَّين في المال كان مخيرًا لأن كل واحد منهما محل للوجوب، وإنما هو غير في الأخذ لا في إلزام رب المال وإجباره على أحدهما.
…
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
(٢) في (م): المزيد.
(٣) في (م): على.
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
[ ١ / ٣٨٩ ]
باب: في زكاة البقر (^١)
ولا زكاة في البقر حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع (^٢) -جذع أو جذعة وسنّهُ سنتان- إلى أربعين ثم فيها مسنة (^٣) -ولا يؤخذ إلا أنثى وسنها أربع سنين- ثم ما زاد على ذلك، ففي كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة (^٤).
فصل [١ -]:
وإنما قلنا ذلك لما روي في حديث عمرو بن حزم أنه ﷺ قال: "وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين باقورة بقرة" (^٥) وفي حديث معاذ: "أنه ﷺ أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة" (^٦).
_________________
(١) التعريف ساقط من (ق).
(٢) تبيع هو ابن سنة دخل في الثانية، وسمي بذلك لأنه يتبع أمه في المرعى (الفواكه الدواني: ١/ ٣٥٣، والمصباح المنير ص ٧٢).
(٣) مسنة: وسميت بذلك لتكامل أسنانها وطلوع الثنية (المصباح المنير ص ٢٩٢، والفواكه الدواني: ١/ ٣٥٣).
(٤) في جملة أحكام زكاة البقر انظر: المدونة: ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧، التفريع: ١/ ٢٨٤ الرسالة ص ١٧٠.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (ص ٣٨٤).
(٦) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: زكاة السائمة: ٢/ ٢٣٥، والنسائي في الزكاة باب: سقوط الزكاة عن الإبل إذا كانت رسلًا: ٥/ ١٧، وابن ماجه في الزكاة، باب: صدقة البقر: ١/ ٥٧٧، والترمذي في الزكاة، باب: زكاة البقر: ١/ ٢٠١٩، وقال: حديث حسن، وقد رواه بعضهم مرسلًا، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ١/ ٣٩٨، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (نصب الراية: ٢/ ٣٤٦).
[ ١ / ٣٩٠ ]
ولا شيء في الزيادة على الأربعين حتى يبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن في الخمسين مسنة وربع مسنة (^١)، لقول معاذ: "أمرني رسول الله - ﷺ - أن لا آخذ شيئًا من الأوقاص" (^٢)، ولأنها زيادة على نصاب في ماشية يجب في عينها الزكاة فلم يتغير الفرض إلى كسر، أصله الإبل والغنم، ولأنه زيادة على نصاب في صدقة البقر، فوجب أن لا ينتقل منه إلى كسر، كالعشرة الزائدة على الثلاثين، ولسان أصول الزكوات مبنية على أخذ الجنس من جنسه، وقد ثبت أن النبي - ﷺ - إنما جعل الغنم في أول صدقة الإبل لضعف المال عن احتمال المواساة فيه ولو كان للأجزاء والكسور مدخل في زكاة الماشية لأوجبه، ولم يعدل إلى إيجاب شيء من غير الجنس.
فصل [٣ -]:
وإنما قلنا: إن التبيع يجوز أن يكون ذكرًا أو أُنثى لقوله ﷺ في حديث عمرو بن حزم: "وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة" (^٣) وكذلك في حديث معاذ (^٤)، وإنما قلنا: [إن الواجب في الإبل الإناث] (^٥) فكذلك المسنة لا تكون إلا أنثى لقوله: "وفي كل أربعين مسنة" (^٦)، ولأن الأصل أخذ الإناث.
_________________
(١) وقد اختلفت الرواية عنه، فروي أبو يوسف: أن ما زاد عليها ففيه من الزكاة بحساب ذلك، وروي أسد بن عمرو وغير عنه أنه قال: لا شيء في الزيادة حتى يكون البقر ستين (انظر مختصر الطحاوي ص ٤٤، مختصر القدوري: ١/ ١٤١).
(٢) أخرجه البزار والدارقطني: ٢/ ٩٩، والبيهقي: ٤/ ٩٨، والحديث رواه الحفاظ عن الحكم بن طاوس مرسلًا ولم يتابع بقية عن المسعودي على هذا أحد، وروي من طريق الحسن بن عمارة وهو متروك (انظر نصب الراية: ٢/ ٢٤٨).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) مطموسة من جميع النسخ.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
[ ١ / ٣٩١ ]
باب: زكاة الغنم (^١)
ولا زكاة في الغنم فيما دون أربعين، فإذا كانت أربعين ففيها شاة، إلى مائة وعشرين، فإذا كانت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان، إلى مائتي وشاة، فإذا كان مائتي شاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلثمائة، ثم ما زاد على ذلك، ففي كل مائة شاة، ففي ثلثمائة وتسع وتسمعين ثلاث شياه، وفي الأربع مائة أربع شياه (^٢).
فصل [١ - دليل زكاة الغنم]:
وإنما قلنا ذلك لتواتر الأخبار على الصفة التي ذكرناها في حديث عمرو بن حزم، وأنس، وابن عمر (^٣) وغيرهم، ولا خلاف في جملة ذلك (^٤).
فصل [٢ - في ضم أنواع الجنس الواحد]:
ويضم الضأن (^٥) إلى المعز (^٦) في الزكاة، والجواميس (^٧) إلى البقر والبخت (^٨)
_________________
(١) التعريف سقط من …
(٢) في جملة أحكام زكاة الغنم انظر: المدونة: ١/ ٢٦٧ - ٢٦٨، التفريع: ١/ ٢٨٣، الرسالة ص ١٧٠.
(٣) سبق تخريج هذه الأحاديث في الصفحة (٣٨٤).
(٤) انظر: الإجماع ص ٤٦، ٤٧، المغني: ٢/ ٥٩٦.
(٥) الضأن: هي ذوات الصوف من الغنم وسميت بذلك لبياضه (المصباح المنير ص ٣٦٥، غرر المقالة ص ١٧٠).
(٦) المعز: هي ذوات الشعر من الغنم واشتقاقه من المعزاء، وهي الأرض التي لا نبات فيها (المصباح المنير ص ٥٧٥، غرر المقالة ص ١٧٠).
(٧) الجواميس: نوع من البقر مشتق من الجمود لأنه ليس فيه لين البقر (المصباح المنير ص ١٠٨، غرر المقالة ص ١٧٠).
(٨) البخت: هي الإبل الخراسانية (غرر المقالة ص ١٧٠).
[ ١ / ٣٩٢ ]
إلى العراب (^١)، لأن الجنس والاسم يجمع ذلك كله فقد دخل في عموم قوله: "في كل خمس من الإبل شاة" (^٢)، وقوله: "في كل ثلاثين باقورة تبيع وفي كل أربعين شاة شاة" (^٣).
فصل [٣ - في ضم الصغار إلى الكبار في الزكاة]:
وتضم سخال (^٤) الغنم إلى أمهاتها في الزكاة، وكذلك عجاجيل (^٥) البقر وفصلان (^٦) الإبل (^٧)، خلافًا لداود في قوله: لا زكاة في الصغار (^٨) لقوله صلى الله عليه سلم: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم" (^٩) فعم، وكذلك قوله: "في أربعين من الغنم شاة" (^١٠)، والاسم يقع على الكبار والصغار، وروي: "وتعد صغارها وكبارها" (^١١)، وروي ذلك عن عمر
_________________
(١) العراب: نوع من الإبل العربية الحسان (غرر المقالة ص ١٧٠، المصباح المنير ص ٤٠١).
(٢) و(^٣) سبق تخريج الحديثين قريبًا.
(٣) السخال: سخلة، وتطلق على أولاد الضأن والمعز ساعة تولد (المصباح المنير ص ٢٦٩، الفواكه الدواني: ١/ ٣٥٥).
(٤) العجاجيل: جمع عِجَّول وهو ولد البقرة ما دام له شهر وبعده ينتقل عنه الاسم والأُنثى عجلة (المصباح المنير ص ٣٩٤).
(٥) الفصلان: جمع فصيل، وهو ولد الناقة لأنه يفصل عن أُمه، وهو ما دون ابن مخاض (الفواكه الدواني: ١/ ٣٥٥، والمصباح المنير ص ٤٧٤).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٦٨، التفريع: ١/ ٢٨٥، الرسالة ص ١٧١.
(٧) انظر: المجموع: ٥/ ٣٣٨.
(٨) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
(٩) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
(١٠) لم أعثر عليه.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وعلي (^١)، ولا مخالف لهما (^٢)، ولأنه نماء (^٣) حادث من مال تجب في جنسه الزكاة فأشبه ربح المال.
فصل [٤]:
وسواء كانت الأمهات نصابًا أو دونه إذا أكملت نصابًا بالصغار خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤) في قولهما: إن السخال لا تضم إلى ما دون النصاب من الأمهات لقوله: "في أربعين من الغنم شاة" (^٥)، وهذه يقع عليها اسم غنم، وفي حديث عمرو: "تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي على كتفه ولا تأخذها (^٦) " (^٧)، ولم يخص، ولأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة، فكان حكمه حكم ما لم يزل مع أمهاتها، أصله إذا كانت الأمهات نصابًا.
فصل [٥ - وجوب الزكاة إذا ماتت الأمهات وكانت الصغار نصابًا]:
إذا ماتت الأمهات وبقيت السخال وجبت الزكاة فيها إذا كانت نصابًا (^٨) خلافًا لمن منعه (^٩)، لأنه إذا ثبت أنه حكمها حكم الأُمهات في باب الحول صارت كثمانين من الغنم يموت منها أربعون ويحول الحول على الباقي ففيه
_________________
(١) البيهقي: ٤/ ١٠٠، ١٠١.
(٢) في (ق): ولا خلاف لهم.
(٣) نماء سقطت من (م).
(٤) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٤٤، مختصر المزني ص ٤٣.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٨٤).
(٦) في (م): على كفه ولا يأخذها.
(٧) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٨٤).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ١٦٨، التفريع: ١/ ٢٨٥.
(٩) وهو رأي أبي حنيفة (انظر مختصر الطحاوي ص ٤٥، مختصر القدوري: ١/ ١٤٤).
[ ١ / ٣٩٤ ]
الزكاة، ولا يراعى بقاء الأُمهات، لأن السخال متساوية لها إلا (^١) على وجه البيع.
فصل [٦ - السنن المأخوذ في الزكاة]:
والسن المأخوذ في الصدقة الجذعة والثنية (^٢) لقوله ﷺ: "خذ الجذعة والثنية" (^٣) ثم الماشية على ضربين: كرائم (^٤) ولوائم.
فالكرائم لا تؤخذ إلا عن رضا أرباب الأموال، وذلك كالمواخض (^٥)، واللوابن (^٦) والربى (^٧) والأكولة (^٨) وكرائم الفحول، والأصل في منعها قوله ﷺ: "إياكم وكرائم أموالهم" (^٩)، وما روى أن عمر مر عليه بغنم من الصدقة، فرأى فيها شاة حاملًا، ذات ضرع عظيم، فقال: ما أعطى هذه الشاة أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات (^١٠) المسلمين (^١١)، فإن طاع بها أهلها (^١٢) أخذت لأنها أعلاها عليهم، ويدل عليه
_________________
(١) في (م): لا.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٦٨، التفريع: ١/ ٢٨٥، الرسالة ص ١٧٠ - ١٧١.
(٣) أخرجه البيهقي: ٤/ ١٠٠.
(٤) كرائم الأموال: نفائسها وخيارها (المصباح المنير ص ٥٣١)، واللوائم عكسها.
(٥) المواخض: جمع الماخض وهي الحامل التي دنت ولادتها (المصباح المنير: ٥٦٥).
(٦) اللوابن: جمع اللبون وهي التي تحبس في البيت للبن (المصباح المنير ص ٥٤٨).
(٧) الربى: هي التي وضعت حديثًا والتي تربي ولدها (الرسالة ص ١٧١، والمطلع ص ١٢٧).
(٨) الأكولة: هي التي تسمن للذبح (المصباح المنير ص ١٨).
(٩) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة: ٢/ ١٢٥.
(١٠) حزرات بتقديم الزاي على الراء - هي الخيار كأن المصدق يحزر فيعمل رأيه فيأخذ الخيار (الصحاح: ٢/ ٥٦).
(١١) أخرجه مالك: ١/ ٢٦٥.
(١٢) في (م): أربابها.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قوله للذي أعطى ناقة سمينة مكان بنت مخاض: "ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله وقبلناها منك" (^١).
اللوائم أدنى الماشية كالصغار والهرمة والمعيبة، وذات العوار (^٢) فلا تؤخذ نظرًا للمساكين (^٣)، والأصل في منعها قوله ﷺ: "لا يخرج في الصدقة تيس (^٤) ولا هرمة ولا ذات عوار" (^٥)، وروي: "ولا الدرنة ولا ذات عيب ولا المريضة ولا اللئيمة ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره" (^٦).
فصل [٧ - إذا كانت الماشية صغارًا أو معيبة أخذ الساعي سن الوسط]:
وإذا كانت الإبل فصلانًا أو البقر عجاجيل، أو الغنم سخالًا، لم يجز للساعي أخذ واحدة منها، وكلف ربها أن يأتي بالسن الوسط الجائز أخذه في الزكاة، وكذلك إن كانت مراضًا أو معيبة (^٧) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٨) في قولهما: أنه يأخذ منها شاة ولا يكلف ربها شاة كبيرة ولا صحيحة لقوله ﷺ في زكاة البقر: "في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة" (^٩)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: زكاة السائمة: ٢/ ٢٤١، وأحمد: ٥/ ١٤٢ الحاكم في المستدرك: ١/ ٣٩٩، ٤٠٠، وصحَّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٢) ذات العوار: التي بها عيب العور.
(٣) أي في صالح المساكين.
(٤) التيس: هو ذكر المعز الصغير (المصباح المنير ص ٧٩، الفواكه الدواني: ١/ ٣٥٥).
(٥) جاء هذا في كتاب أبي بكر لأنس ﵄ والذي سبق تخريجه في الصفحة (٣٨٤)، أخرجه البخاري في الزكاة، باب: لا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق: ٢/ ١٢٤.
(٦) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: في زكاة السائمة: ٢/ ٢٤٠، والدرنة: الجرباء.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٦٨، التفريع: ١/ ٢٨٤، الرسالة ص ١٧١.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي: ١/ ١٤٤، مختصر المزني: ٤٢.
(٩) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٤.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وقوله: "في أربعين من الغنم شاة" (^١)، وفي حديث عمر أنه قال: "تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي على كتفه (^٢)، ولا تأخذها" (^٣)، ولأن الزكاة موضوعة على العدل بين الفقراء وأرباب الأموال، فلما كنا لا نأخذ من إبله إذا كانت حوامل أو لوابن بل نكلفه السنن الوسط، فكذلك إذا كانت كلها صغارًا أو معيبة لأن في أخذها كذلك إضرارًا بالفقراء، كما أن في الأخذ منها إذا كانت من الكرائم (^٤) إضرارًا بأرباب الأموال.
فصل [٨ - وجوب الزكاة في العوامل]:
وتجب الزكاة في العوامل (^٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٦) لقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (^٧) مفهومه وجوب الصدقة في الخمس عمومًا (^٨) وقوله: "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم ففي كل خمس شاة" (^٩) فعم، ولأن اختلاف الصفات عليها كاختلاف الأسنان، وإذا كان اختلاف الأسنان لا يؤثر في الزكاة كذلك اختلاف الصفات.
فصل [٩ - ما ملكه من الماشية نصابًا أو دونه حادثًا ضمه إلى جنسه وزكى الجميع لحول القديم]:
إذا استفاد نصابًا أو دونه من الماشية -وعنده نصاب من جنسه-، ضم إليه ما
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٨٤).
(٢) في (م): كفه.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) في (م): كرائم.
(٥) العوامل: هي التي ترعى مدة وتترك أخرى، أو تعلف في حين وترعى في آخر، وقيل: هي تستعمل في الحرث والحمل والسقي (التفريع: ١/ ٢٨٩).
(٦) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٤٥، مختصر المزني ص ٤٥.
(٧) سبق تخريجه في الصفحة (٣٨٤).
(٨) أي الدلالة فيه من عموم المفهوم.
(٩) سبق تخريج الحديث في الصفحة.
[ ١ / ٣٩٧ ]
استفاده، وزكى الجميع لحول الأولى (^١) سواء أفادها بشراء أو هبة أو ميراث، فإن كان الذي عنده قل من نصاب لم يضم الفائدة إليه إلا أن تكون ولادة على ما قدمناه (^٢).
وقال الشافعي: إذا لم تكن الفائدة نتاجًا استقبل به حولًا كاملًا (^٣)، ودليلنا أن الزكاة موضوعة على النظر لأرباب الأموال والفقراء، فإذا لحق أحد الفريقين رفق أو تثقيل نظر للفريق الآخر بمثله، وقد ثبت أنه إذا كان عنده أقل من نصاب ثم أفاد إليه نصابًا أو دونه أنه لا يزكيه لحول الأصل بل الحول الذي يحول على الفائدة، وفي ذلك رفق بأرباب الأموال، لأن الأصل قد يكون عنده لعشرة أشهر، ثم يستفيد الفائدة قبل الحول بشهر أو أقل فيستقبل بالجميع حولًا من يوم الفائدة، فيكون قد زكى بعد حول وأكثر الثاني، فكان في ذلك رفق به، فيجب بإزائه أن ينظر للفقراء وهو أن يكون إذا أفادها إلى نصاب قد أقام عنده أكثر من حول أن يزكي الفائدة بحول الأصل، لأن الساعي لا يجيء إلا مرة واحدة في الحول فيشق عليه تمييز الماشية، فجعل له أن يزكيها على ما يجدها عليه، فلو قلنا: إنه يستقبل بها حولًا من يوم أفاد الفائدة لكان يزكي أيضًا بعد قريب من حولين، فكان في ذلك حيف على الفقراء، وصرف النظر في الرفق والترفيه إلى أرباب الأموال، وذلك غير جائز، فوجب أن ينظر للفقراء في هذا الوجه كما نظر لأرباب الأموال فأشبه (^٤) ذلك الخلطة في أنها تارة تخفف وتارة تغلظ، وقد قاسه أصحابنا على فائدة النتاج ولكن لا يؤثر على أصلنا، لأن النتاج لا يراعي فيها (^٥) أن يكون الأصل نصابًا، ويمكن أن يقال: إن النتاج أقوى من الفائدة لغيره، لأنه من المال فكان عين المال لا يمتنع إلحاق غيره به في
_________________
(١) في (م): الأول.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥، التفريع: ١/ ٢٨٥.
(٣) انظر: مختصر المزني ص ٥٤٢، المجموع: ٥/ ٣٢٨ - ٣٨٩.
(٤) في (م): وأشبه.
(٥) في (م): فيه.
[ ١ / ٣٩٨ ]
النصاب، وإن انفرد النتاج لقوة التسوية (^١) بين النصاب ودونه، وتفارق العين لما ذكرناه من تعلق زكاة الماشية بالساعي ومشقة التمييز عليه.
فصل [١٠ - زكاة الخلطاء]:
للخلطة (^٢) تأثير في الزكاة وهو أن الخليطين يزكيان زكاة المالك الواحد (^٣)، وقال أبو حنيفة: لا تأثير لها أصلًا (^٤)، ودليلنا قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (^٥)، فأثبت للخلطة حكمًا زائدًا على الانفراد، وقوله ﷺ: "لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة" (^٦)، فدل ذلك على أن للاجتماع والافتراق تأثيرًا في الزكاة لولا ذلك لم يكن للخشية معنى، ولأن لخفة المؤونة وثقلها تأثيرًا في الزكاة في تخفيفها وتثقيلها اعتبارًا بالسيح (^٧) والنضح (^٨)، وهذا موجود في الخلطة، فوجب أن يكون لها تأثير في ذلك.
فصل [١١ - شروط تأثير الخلطة]:
ولا تؤثر الخلطة إلا إذا كان لكل واحد من الخليطين نصاب، فإن كان جميع المال نصابًا، ولكل مالك دون النصاب أو لبعضهم دونه فلا تأثير
_________________
(١) في (م): لقوته بالتسوية.
(٢) الخلطة -بضم الخاء-: الشركة، وهي اجتماع نصابي نوع فعم مالكين فأكثر فيما يجب تزكيتها ما على ملك واحد (الفواكه الدواني: ١/ ٣٤٥).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٧ - ٢٧٩، التفريع: ١/ ٢٨٦، الرسالة ص ١٧١.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٤.
(٥) أخرجه البخاري، باب: ما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية: ٢/ ١٢٣.
(٦) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع: ٢/ ١٢٢.
(٧) السيح: الماء الجاري (المصباح المنير ص ٢٩٩).
(٨) النضح: هو البل بالماء والرش (المصباح المنير ص ٦٠٩).
[ ١ / ٣٩٩ ]
للخلطة (^١) خلافًا للشافعي (^٢) لقوله: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (^٣) فعم، ولأن قصور الملك عن النصاب مسقط للزكاة أصله المنفرد، ولأنه ممن لا يخاطب بالزكاة إذا انفرد، فإذا خالط من هو مخاطب بالزكاة لم يلزمه لمخالطته زكاة كالعبد والذمي، ولأن تأثير خفة المؤونة وتثقيلها هو في تغيير حكم الزكاة من تثقيل إلى تخفيف، أو تخفيف إلى التثقيل لا إلى ابتداء إيجاب أصله السيح والنضح.
فصل (^٤) [١٢ - صفات الخلطة المؤثرة]:
وصفات الخلطة المؤثرة هي الراعي والفحل (^٥) والدلو (^٦) والمسرح (^٧) والمبيت، وقد اختلف أصحابنا في المراعي (^٨) منها، فمنهم من يقول: إذا اجتمعا على صفتين منها فما زاد كانا خليطين أيهما كانت، ومنهم من يقول: إن الاعتبار في ذلك الاجتماع في المرعى والراعي، ومنهم من يقول: الراعي وحده، وإذا قلنا: أن الاعتبار بأكثر من وصف واحد فلقوله: "والخليطان ما اجتمعا في الدلو والمراح والراعي والفحل" (^٩)، فقد ثبت أنه لا يراعي جميع هذه الأوصاف، ولم يقم دليل على وصف واحد فلم يبق إلا ما قلناه، ولأن الخلطة إنما أثرت لتأثيرها في تخفيف المؤونة، ولذلك لا يكون بالوصف الواحد فوجب مراعاة وصف زائد عليه.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٩، التفريع: ١/ ٢٨٦.
(٢) مختصر المزني ص ٤٣.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة ٣٨٥.
(٤) الفصل ساقط من (م).
(٥) الفحل: هو الذكر من الحيوان (المصباح المنير ص ٤٦٣).
(٦) الدلو: معناه السقي. ومعنى اللفظ أن يسقى الجميع بدلو واحد.
(٧) المسرح: هو المرعى (المطلع ص ١٢٧).
(٨) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٦.
(٩) أخرجه الدارقطني: ٢/ ١٠٤، والبيهقي: ٤/ ١٠٦، من رواية ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن السائب، وابن لهيعة ضعيف (تلخيص الحبير: ٢/ ١٥٥).
[ ١ / ٤٠٠ ]
ووجه القول بأن المراعي هو الاجتماع في المرعى قوله: "وما كانا من خليطين" (^١)، فالاسم يحصل بوصف واحد، وقوله بعد ذلك: "والخلطاء ما اجتمعوا في الدلو والمراح" (^٢)، المراد به الغالب من أحوالهم لا أن ذلك شرط، ولأن الخلطة معنى يعتبر به حكم الزكاة، فوجب أن يتعلق على أقل ما يتناوله الاسم الصحيح أصله الزيادة على مائة وعشرين.
ووجه القول بأن المراعاة في ذلك الاجتماع على راع واحد وهو أن ما يعتبر (^٣) حكمه بالإجماع والانفراد كان المعتبر بالذي يحصل به الجمع، ويكون المجتمع تابعًا كالإمامة في الصلاة لما كانت الصلاة تختلف بالانفراد والاجتماع روعي في ذلك الإمام، فكان الراعي كالإمام في الكفاية به وحده.
فصل [١٣ - صفة تأثير الخلطة في التخفيف]:
وصفة تأثير الخلطة في التخفيف هو أن يكون مائة وعشرون من الغنم بين ثلاثة لكل واحد أربعون، فيكون عليهم في الانفراد ثلاث شياه، وفي الاختلاط واحدة، وصفة تأثيرها في التثقيل أن يكون لاثنين مائتان وشاة، فلأحدهما مائة وللآخر مائة وشاة، فيكون عليهما في الانفراد شاتان وفي الخلطة ثلاث.
فصل [١٤ - الخلطة أجل الهروب من الزكاة]:
فإذا ثبت هذا فلا يجوز للمنفردين أن يختلطا ولا للمختلطين أن ينفردا قاصدين بالاختلاط والانفراد تخفيف الزكاة، وصفة ذلك ما ذكرنا من اختلاط الثلاثة المنفردين كل واحد بأربعين ليسقط عنهم شاتان، وانفراد المختلطين بمائتي شاة وشاة ليسقط عنهم بالانفراد شاة، والأصل في ذلك "نهيه ﷺ أن يجمع بين مفترق أو يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (^٤)؛ لأن في ذلك
_________________
(١) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) في (م): يغير.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ١ / ٤٠١ ]
إضرار بالفقراء وذريعة إلى إسقاط حقوقهم قصدًا إلى نقص ما أوجبه الله إكماله لهم.
فصل [١٥ -]:
إذا ثبت المنع من ذلك فمتى فعل لم يؤثر في حكم الزكاة وأخذ أصحاب الماشية بما كانوا عليه من قبل (^١) خلافًا لمن أبى ذلك، لقوله: "ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (^٢)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولأن في ذلك ذريعة إلى إسقاط حقوق الفقراء لأنه لا يشاء من تجب عليه شاة إلا وجد خلطة تسقط عنه ثلثيها ويبقى عليه ثلثتيهما.
فصل [١٦ - فيمن بدل عينه بعين أخرى يبنى على حول الأولى]:
وكذلك (^٣) قلنا: أن من أبدل عينه بعين مثلها أو إبله مثلها أو بقرة ببقرة وغنمه بغنم، فإن ذلك لا يسقط الزكاة عنه وإنه يبنى على حول الأولى (^٤) خلافًا (^٥) لأبي حنيفة (^٦) في قوله في الماشية، وللشافعي في الجميع (^٧)، والأصل ما قلناه من الذريعة إلى سقوط الزكاة، وذلك أن من ملك أربعين من الغنم فتركها حتى قبل الحول بالشيء اليسير أبدلها بمثلها، فإن التهمة تقوى في قصده الفرار من الصدقة لا لغرض سواه، لأن الجنس واحد والفرض واحد لا يتفاوت الاختلاف (^٨) فيه، فلم يبق ما يحمل أمره عليه إلا الفرار من الصدقة ولأن ملكه
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠، التفريع: ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) في (م): لذلك.
(٤) في (م): الأول.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣، التفريع: ١/ ٢٨٥.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٥.
(٧) انظر: مختصر المزني ص ٤٦.
(٨) في (م): يتقارب الاختلاف.
[ ١ / ٤٠٢ ]
زال عن العين إلى مثلها وجنسها وما يقوم مقام نوعها أو يقاربه، فكان كالعين الأولى للاتفاق في الجنس والفرض، ولأن أبا حنيفة يوافقنا في من كان معه عشرون دينارًا، فابتاع بها سلعة في بعض الحول ثم باعها في آخر الحول بعشرين دينارًا أن عليه الزكاة، فكذلك يجب أن يكون حكمه إذا باعها بمثلها.
فصل [١٧ - إذا أبدل ماشيته بخلافها]:
إذا أبدل ماشيته بخلافها ففيها روايتان (^١): أحدهما: أنه كإبدالها بجنسها فيبنى الثانية على حول الأولى، والثانية أنه يستأنف حولًا للثانية، فوجه الأولى أنه أبدل ماشية تجب فيها الزكاة بماشية تجب فيها الزكاة، فوجب أن يبني (^٢) الثانية على حول الأولى (^٣) أصله إذا أبدلها بجنسها، والنكتة في ذلك قوة التهمة بالفرار من الصدقة ولا يلزم عليه العين بالماشية لأن العين جنس والماشية جنس والأغراض فيها متباينة لأن العين تراد للتصرف فيها بالشراء والبيع، إذ لا يستغنى أحد عنها، والماشية تراد للدر (^٤) والنسل والنماء، وهذا المعنى يستوي فيه الجنس والأجناس وتبيين ذلك أن الخلطة ثبتت في الماضية بين المختلطين ولا تثبت في العين على أن في بيعها بالعين خلافًا أيضًا، ووجه الثانية أن لإبداله (^٥)، وجهًا يحمل عليه بسوى الفرار من الصدقة وهو اختلاف الأغراض وتباين المنافع فضعفت التهمة، فإذا ضعفت حمل الأمر على ظاهره، وكان كإبداله الذهب والفضة بإبل أو غنم والله أعلم.
فصل [١٨ - عدم قصد الفرار من الصدقة بالجمع والتفريق]:
فأما إذا لم يقصد بالجمع والتفريق الفرار من الصدقة، فإن ذلك جائز، ويزكيها الساعي على ما يجدها عليه من اختلاط أو انفراد، ويقبل قولها أربابها
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٣، التفريع: ١/ ٢٨٥.
(٢) في (م): تبنى.
(٣) في (م): الأول.
(٤) الدر: اللبن.
(٥) في (م): لا بد لها.
[ ١ / ٤٠٣ ]
فيها (^١)، وإنما قلنا ذلك لقوله ﷺ: "لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" (^٢)، فقيد المنع بالفرار، فدل أنه إذا لم يقصد به ذلك، فإنه جائز، ولأن لهم في ذلك رفقًا ومعونة وأداؤه إلى تخفيف الزكاة مرة كإبداله إلى تثقيلها مرة أخرى، فكان مباحًا كسائر التصرف، وإنما قلنا: إن الساعي يقبل قول أرباب الماشية، ويحمل الأمر على ظاهره؛ لأن عمال رسول الله - ﷺ - وسعاته كذلك كانوا يفعلون، ولأن الظاهر أنهم يفعلون ذلك للارتفاق والترفه بالاجتماع على الراعي والمرعى، فأما قصد الفرار من كثرة الزكاة فأمر يبطن ويخالف الظاهر، فوجب أن لا يترك الظاهر ويصار إلى خلافه إلا بأمارة تقوي (^٣) التهمة في قصده.
فصل [١٩ - إذا خاف الساعي وجود قصد الفرار من الصدقة]:
إذا خاف الساعي أن يكون قصد الفرار من الصدقة أو أن يكون يستر عنه بعض ماشيته بنقصها من النصاب حمل الأمر على الظاهر من الصدق، وإن أراد استحلافه على ذلك نظر، فإن كان ذلك الإنسان على ظاهر الأمانة والديانة والصدق ولم يعرف منه إدغال ولا كذب ولا خيانة في معاملة، فليس له استحلافه لأن ظاهر حاله ينفي التهمة عنه، ووجب حمله على أداء الأمانة دون خفرها (^٤)، وإن كان المعروف منه خلاف ذلك من قلة مراعاة الدين ومحبة توفير المال من وجهه وغير وجهه، وما يجري عليه معاملته بين الناس من خيانة أو ترك (^٥) نصفه فإنه يستحلفه (^٦)؛ لأن في ذلك توصلًا إلى استيفاء حقوق الفقراء
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٧٩، التفريع: ١/ ٢٨٩.
(٢) سبق تخريج الحديث.
(٣) في (م): بالإمارة يقوى.
(٤) خفرها: بمعنى أخفاها، ويقال: أخفرت الرجل إذا انقضت عهده (معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٢٠٣).
(٥) أو ترك: سقطت من (م).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٢، التفريع: ١/ ٢٨٩.
[ ١ / ٤٠٤ ]
إذ قد يجوز أن يكون كتم حقوقهم فيرتدع عن اليمين، ولأن الزكاة حق في مال (^١) يستحقه آدمي فجاز إحلاف جاحده إذا عدمت البينة كحقوق الآدميين، فأما إذا كان الفعل مما يقوي التهمة فيه ويكون قبول قول ربه فيه ذريعة إلى إسقاط الزكاة، فإنه يعمل فيه على ما يؤدي إلى استيفاء الزكاة ولا يقبل قول أربابها، وكذلك إذا كان الإنسان معروفًا باللدد (^٢) ومنع الزكاة والهرب بماشيته، فإنه يزكي ما يجد في يده ولا يلتفت إلى ما يدعيه لقوة الإمارة الدالة على كذبه.
فصل [٢٠ - اجتهاد ساعي الزكاة]:
إذا كانت الماشية نصابًا وهي بين خليطين لكل واحد منهما دون النصاب، فأخذ الساعي منهما الزكاة لزمهما، وصار كحكم الحاكم بما فيه خلاف (^٣)، وإن كانت كلها دون النصاب فأخذ الساعي منها شاة، فذلك ظلم منه لأنه خلاف النص والإجماع ولا يلزم من لم يؤخذ منه ردها على المأخوذ منه، لأن الظلم لا يجب التراد فيه (^٤).
فصل [٢١ - في الأوقاص بين الخلطاء]:
الأوقاص على المنفرد لا شيء فيها، وهي ما بين السنين من العدد، فأما بين الخلطاء فتخرج على روايتين (^٥): إحداهما: وجوب الزكاة فيها، والأخرى سقوطها، وفائدة ذلك في خليطين لهما أربعة عشرة من الإبل لأحدهما خمس وللآخر تسع، فعليهما شاتان، وفي كيفية وجوبها روايتان: إحداهما أن على كل واحد منهما شاة كاملة، وهذا يوجب أن لا شيء في الأوقاص لأن كل شاة
_________________
(١) في (ق): مالك.
(٢) اللدد: هو شدة الخصومة (معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٠٣).
(٣) أي أن أخذ الساعي لذلك كحكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض ولا يرد (التفريع: ١/ ٢٩٠).
(٤) انظر: المدونة ص ٢٨٠، التفريع: ١/ ٢٨٨ - ٢٩٠، الرسالة ص ١٧١.
(٥) انظر في جملة هذه الأحكام: المدونة: ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، التفريع: ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨.
[ ١ / ٤٠٥ ]
في مقابلة الخمس والأربع عفو، والأخرى أن الشاتين يترادان بينهما على أربعة عشر سهمًا، فيلزم صاحب الخمسة خمسة أجزاء، وصاحب التسع تسعة أجزاء من أربعة عشر، ويمكن أن يقال: أن هذا الاختلاف في صفة الإخراج لا يوجب كون الزكاة في الأوقاص لكنه من مضمون (^١) الشركة لقوله ﷺ (^٢): "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (^٣)، فوجه القول بوجوب الزكاة في الأوقاص على الوجه الذي ذكرناه قوله: "في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم" (^٤)، وهذا يوجب أن الغنم تؤخذ من الأربع وعشرين ومتى قلنا: أن الأوقاص لا شيء فيها أوجب (^٥) أن تكون مأخوذة من العشرين وأن تكون الأربع عفوًا، وقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (^٦) وهذا يفيد تعليق الزكاة بجميع المال، ووجه القول الآخر -وهو الصحيح- قوله: "ليس فيما دون الخمس ذود صدقة" (^٧) فعم، وروي: "ليس في الأوقاص شيء" (^٨)، ولأنه وقص قصر قدره عن نصاب فلم يتعلق به وجوب، أصله الأربع من الإبل المبتدأة.
فصل [٢٢ - تأثير الخلطة فيما عدا الماشية]:
لا تأثير للخلطة فيما عدا الماشية من الأموال (^٩) لقوله: "وما كان من خليطين فإنهما يترادان بالسوية" (^١٠)، فخص بذلك الماشية، ولأن صفات
_________________
(١) في (م): مهموز.
(٢) ﷺ سقطت من (م).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٩٩).
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٨٤).
(٥) في (م): وجب.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٩٩).
(٧) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٩٠).
(٨) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٩١).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٥، التفريع: ١/ ٢٨٩.
(١٠) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٩٩).
[ ١ / ٤٠٦ ]
الخلطة لا تتصور في غير الماشية، فلم يلحق غيرها بها، ولأن الخلطة يرتفق بها الملاك مع بقاء الأعيان على الانفراد والتمييز، وذلك غير ممكن في العين والزرع.
فصل [٢٣ - الزكاة في الخيل]:
لا زكاة في الخيل (^١) خلافًا لأبي حنيفة في إيجابه الزكاة في إناثها (^٢) لقوله: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" (^٣)، وقوله: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (^٤)، وقوله: "ليس في الجبهة ولا في الكسعة ولا النخت صدقة" (^٥)، قال أهل اللغة: الجبهة الخيل (^٦)، والكسعة الحمير (^٧)، والنخت الرقيق ولأنه حيوان يقتنى للزينة والركوب كالحمير والبغال، ولأنه حيوان لا يجزي في الضحايا والهدايا كالدجاج والفراخ والوحش، ولأنه حيوان يسهم له كالذكور، ولأنه جنس لا زكاة في ذكوره، فلم يجب في إناثه كالرقيق والبغال عكسه الإبل والبقر (^٨).
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٩، المقدمات: ١/ ٣٢٣.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٦، ويقول الأحناف: أن الزكاة تجب في الخيل السائمة إذا كانت ذكورًا وإناثًا متخذة للنسل.
(٣) أخرجه البيهقي: ٤/ ١٨، عن بقية: حدثه أبو معاذ عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وأبو معاذ متروك الحديث لا يحتج به (نصب الراية: ٢/ ٣٥٧) وعند ابن ماجه في الزكاة، باب: صدقة الخيل والرقيق: ١/ ٥٧٩ بلفظ: "تجوزت لكم عن صدقة ".
(٤) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: ليس على المسلم في فرسه صدقة: ٢/ ١٢٧، ومسلم في الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه: ٢/ ٦٧٥.
(٥) هو نفسه حديث البيهقي السابق.
(٦) انظر: معجم مقاييس اللغة: ١/ ٥٠٣.
(٧) الصحاح: ٣/ ١٢٧٦.
(٨) هنا قياس عكس: فلما وجبت الزكاة في إناث الإبل والبقر وجبت في ذكورها، فكذلك الخيل لما لم تجب الزكاة في ذكورهم لم تجب في إناثها.
[ ١ / ٤٠٧ ]
فصل [٢٤ - شرط مجييء الساعي]:
مجيء الساعي شرط في وجوب الزكاة في الجملة (^١) خلافًا لمن لم يعتبره (^٢) لقوله ﷺ: "أمرت أن أخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم" (^٣)، فأضاف ذلك إلى نفسه ولأنه كان ينفر عماله وسعاته إلى أن قبض ﷺ، وقال لمعاذ: "خذ الصدقة من أغنيائهم فردها في فقرائهم" (^٤)، ولأن أبا بكر ﵁ قاتل أهل الرِّدِّة على امتناعهم من أداء الزكاة إليه (^٥)، ولأنه معنى لو تلف المال قبله لم يلزمه ضمانه فوجب أن يتعلق الوجوب به كالحول.
فصل [٢٥ - تحقيق القول في شرط مجيء الساعي]:
وتحقيق القول في ذلك: أن الزكاة في الماشية تجب بالنصاب والحول وإمكان أدائها إلى الإمام بشرط أنه إن تعذر ذلك في كل سنة كان أمرها مراعًا، فإن جاء الساعي فوجدها على الحال التي كانت عليها أخذ منها الواجب الذي كان له فيها كل سنة، وإن وجدها قد تلفت أو أتلفها المالك بوجه مباح لا يقصد به الفرار من الزكاة لم يضمن، والأصل فيه أن وجوبها لم يتقرر لعدم شرط من شروطه، فكان مجيء الساعي كالخلطة في أنه تارة يخفف وتارة يغلظ، وذلك للضرورة، فإنه لا يجيء في السنة إلا مرة واحدة ولا يتكرر مجيئه، فجعل له أن يزكي المال على ما يجده عليه (^٦)، وكذلك إذا تأخر عن مال سنين، ثم جاء زكاه لتلك السنين على ما يجده عليه والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٢) لم يعتبر ذلك الشافعي وأحمد والحسن بن صالح وإسحق وأبو ثور وابن المنذر (انظر المغني: ٢/ ٦٨٢).
(٣) سبق تخريج الحديث في أول كتاب الزكاة في الصفحة (٣٥٩).
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٩٠).
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٣٥٩).
(٦) في (م): ما لا يجده عليه.
[ ١ / ٤٠٨ ]
باب: في زكاة الحبوب والثمار وغيرها
وما أنبتته الأرض من الأقوات وما يجري مجراها من الثمار والحبوب المأكولة المدخرة، ففيه زكاة ولا زكاة فيما أنبتته من غير المأكول لا (^١) فيما لا يقتات ويدخر من المأكولات كالفواكه والبقول وما يجري مجراها (^٢)، والأصل في وجوب الزكاة في الحرث والثمار قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (^٣) وقوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (^٤)، وقوله ﷺ: "فيما سقت (^٥) السماء العشر وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر" (^٦).
فصل [١ - أنواع الثمار التي تجب فيها الزكاة]:
وتجب الزكاة في الثمار في ثلاثة أنواع: وهي التمر والزبيب والزيتون، فأما التمر والزبيب فلا خلاف في وجوب الزكاة فيهما (^٧)، ويدلس عليه أنه ﷺ قال في زكاة الكرم: "يخرص مثل النخل ويؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ زكاة التمر تمرًا" (^٨).
_________________
(١) لا: سقطت من (م).
(٢) في جملة أحكام زكاة الحبوب والثمار انظر: المدونة: ١/ ٢٨٣، ٢٨٤، التفريع: ١/ ٢٩٠ - ٢٩٢، الرسالة ص ١٦٥ - ١٦٧.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢٦٧.
(٥) في (م): سقته.
(٦) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: العشر فيما سقي من ماء السماء: ٢/ ١٣٣، ومسلم في الزكاة: ٢/ ٦٧٥.
(٧) انظر: الإجماع ص ٤٧، المغني: ٢/ ٦٩١، المجموع: ٥/ ٣٠٧.
(٨) أخرجه النسائي في الزكاة، باب: شراء الصدقة: ٥/ ٨٢، وابن ماجه في الزكاة، باب: خرص النخل والعنب: ١/ ٥٨٢، والترمذي في الزكاة، باب: ما جاء في =
[ ١ / ٤٠٩ ]
فصل [٢ - دليل وجوب الزكاة في الزيتون]:
وإنما قلنا: إن الزكاة تجب في الزيتون إذا بلغ كيلة خمسة أوسق (^١)، خلافًا للشافعي (^٢) بقوله: "فيما سقت السماء العشر" (^٣) فعم، ولأنه حب يقتات زيته غالبًا فأشبه السمسم، ولأن الزكاة تجب في الحمص واللوبياء وأنواع القطاني (^٤) والزيتون أعم منفعة في باب الأقوات، فكان أولى بوجوب الزكاة، فإذا ثبت أن فيه الزكاة فإنها تؤخذ من زيته لأن الأداء هو مما ينتهي إليه، فإذا صار إلى حد يقتات كما تؤخذ الرطب والعنب بعد أن يصير أقواتًا، فإن بيع حبًّا فقيل: يخرج من ثمنه، وقيل: من زيت مثله، فمن أصحابنا من جعل إخراج الزكاة من ثمنه رواية في أخذ القيم في الزكوات، ومنهم من علله بأن الإخراج من عينها قد فات ببيتها، وهذا هو الصحيح متى قلنا بإخراج الزكاة من الثمن، وإذا لم نقل ذلك أخرج من زيته مثله وهو النظر، وكذلك الحكم في الثمر الذي لا يثمر والعنب الذي لا يتزبب إنه يتوخى كم يخرج منه إن لو (^٥) كان مما يثمر أو يتزبب فيخرج منه ذلك القدر.
فصل [٣ - إخراج القيم في الزكاة]:
ولا يجوز إخراج القيم في الزكاة خلافًا لأبي حنيفة لقوله صلى الله عليه
_________________
(١) = الخرص: ٢/ ٣٦، ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب، قال أبو داود: لم يسمع منه، وقال: أن نافع لم يدركه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (تلخيص الحبير: ٢/ ١٧١).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥، التفريع: ١/ ٢٩٠.
(٣) مختصر المزني ص ٤٨، الإقناع ص ٦٤.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) القطاني: جمع القطنية -بكسر القاف- اسم جامع للحبوب التي تطبخ، وذلك مثل العدس والحمص والباقلاء واللوبياء والأرز وغيرها (المصباح المنير ص ٥٠٩، الصحاح: ٦/ ٢١٨).
(٦) في (ق): اللو.
[ ١ / ٤١٠ ]
وسلم (^١): "خذ الإبل من الإبل والبقر من البقر والغنم من الغم والحب من الحب" (^٢)، ففيه دليلان: أحدهما: أن تعيينه ما يأخذ من كل جنس يمنع التخيير بينه وبين غيره، والثاني أن سياقة الجميع على أخذ الجنس من الجنس تنبيه على كون المنصوص مستحقًا، وفي (^٣) قوله: "في أربعين من الغنم شاة وفي خمس من الإبل شاة" (^٤)، وقوله: "في خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم توجد فابن لبون ذكر" (^٥)، ففيه أدلة: أحدهما: أنه عيَّن بنت مخاض فلم يجز غيرها، والثاني: أن الشرط يقتضي أن لا يخرج ابن لبون مع وجود بنت مخاض وعندهم يجوز، وفي ذلك إسقاطًا الخبر، والثالث: أنه عين ما يخرج عند عدمها ولو كان إخراج القيمة جائزًا، لكان لا معنى للتعيين، وكذلك نصه في زكاة الفطر على التمر والشعير، ولأنه عوض عن الواجب المنصوص في الزكاة على وجه القيمة فأشبه السكنى، ولأن الزكاة حق تخرج على وجه الطهر كالرقبة في الكفارة، فلو تصدق بقيمة العبد لم يجزه، ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته قيمة صاع من قوت بلده لم يجزه لأنه إخراج زكاة بقيمة كذلك في مسألتنا، ولأن ذلك في معنى شراء الصدقة فليس له التصرف في ملك من لا ولاية عليه.
فصل [٤ - أنواع الحبوب التي تجب فيها الزكاة]:
والحبوب التي تجب فيها الزكاة: كل مقتات مدخر وما جرى مجراه (^٦) من
_________________
(١) ﷺ: سقطت من (ق).
(٢) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: صدقة الزرع: ٢/ ٢٥٤، وابن ماجه في الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة: ١/ ٥٨٠، وصحَّحه الحاكم على شرط البخاري، ومسلم إن صح سماع عطاء من معاذ، وقال البزار: لا نعلم أن عطاء سمع من معاذ (تلخيص الحبير: ٢/ ١٧٠).
(٣) في: سقطت من (ق).
(٤) و(^٥) سبق تخريج الحديثين في صفحة (٣٨٤).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٨، التفريع: ١/ ٢٩٠، الرسالة ص ١٦٥ - ١٦٦.
[ ١ / ٤١١ ]
الحنطة (^١)، والشعير (^٢)، والسلت (^٣)، والأرز والذرة والدخن (^٤) والباقلاء والحمص والسمسم واللوبيا والعدس والترمس والجلبان (^٥)، والبسيلة (^٦)، وحب الفجل وما قارب معانيها؛ لأن هذه الأشياء مقتاتة مدخرة وبعضها متخذ لمعنى القوت وما جرى مجراه وبها قوام عيش الناس غالبًا في أقواتهم وإدامهم.
فصل [٥ - ما يضم من الحبوب والتمر والزيتون إلى بعضها وما لا يضم]:
وهذه الحبوب والثمار على ضربين: منها ما هو صنف بنفسه لا يضم إليه إلا ما كان من أنواع جنسه، وذلك كالتمر إنه جنس لا يضم إليه غيره من زبيب أو زيتون أو حنطة أو غيرها، ويضم أنواع (^٧) بعضها إلى بعض كالبرني (^٨) والمعقلي (^٩)، والطبرزي (^١٠)، والآزاد (^١١)، والدقل (^١٢) هذا أنواعه عندنا
_________________
(١) الحنطة: هي القمح والبر (المصباح المنير ص ١٥٤).
(٢) الشعير: حب معروف.
(٣) السلت -بضم السين وتشديدها-: قيل: ضرب من الشعير ليس له قشر، وقيل: حب بين الحنطة والشعير ولا قشر له كقشر الشعير فهو كالحنطة في ملاسته وكالشعير في طبعه وبرودته (المصباح المنير ص ٢٨٤).
(٤) الدخن: حب صغير معروف عشبي من النجيليات (المعجم الوسيط: ١/ ٢٧٦).
(٥) الجلبان: نبات عشبي من فصيلة القطنيات (المعجم الوسيط: ١/ ١٢٨).
(٦) البسيلة: بقل من فصيلة القطنيات له حب كالترمس يؤكل أخضر ويطبخ يابسًا (لسان العرب: ١١/ ٥٤).
(٧) في (م): أنواعه.
(٨) البرني: نوع من أجود التمر (المصباح المنير ص ٤٥).
(٩) المعقلي: نوع من التمر بالبصرة ينسب إلى معقل بن يسار المزني (المصباح المنير ص ٤٢٣).
(١٠) الطبرزي: هو السكر الأبلوج وبه سمي نوع من التمر لحلاوته (المصباح المنير ص ٣٦٨).
(١١) الآزاد: نوع من أجود التمر (المصباح المنير ص ١٣).
(١٢) الدقل: أردأ التمر (المصباح المنير ص ١٩٧).
[ ١ / ٤١٢ ]
ببغداد والعراق، وعند أهل الحجاز ومصر البرنى والعجوة (^١) والصيحاني (^٢) وغير ذلك، وكذلك الزبيب صنف واحد لا يضم إليه غيره ويضم أنواعه كالرازقي (^٣) والطائفي والخراساني والأسود، والضرب الآخر ما يضم إلى غيره ويكون معه كالجنس، وذلك هو الحنطة والشعير والسلت فقط لا يضم حب إلى غيره سوى هذه الأصناف الثلاثة لأنها في معنى الصنف الواحد على ما سنذكره، فأما القطاني وهي الحمص والعدس والفول واللوبيا والترمس والجلبان والبسيلة وما أشبهها، فإنها صنف واحد يجمع بينها في الزكاة (^٤)، وقد قال في البيوع: إنها أصناف يجوز التفاضل بينها (^٥) إلا الحمص واللوبيا والجلبان والبسلة فمن (^٦) أصحابنا من خرج هذا رواية أخرى في الزكاة، ومنهم من قال: في الزكاة صنف وفي البيوع أصناف.
فصل [٦ - لا يضم الصنف إلى غيره]:
إنما قلنا: إنه لا يضم صنف إلى غيره لقوله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (^٧)، وقد علمنا أنه لم يرد بذلك من كل شيء، فوجب حمله على الصنف الواحد، ولأنه لا خلاف أنه لا يضم صنف إلى صنف
_________________
(١) العجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة (المعجم الوسيط: ٢/ ٥٨٧).
(٢) الصيحاني: تمر معروف بالمدينة، ويقال: كان كبش اسمه صيحان شد بنخله فنسبت إليه (المصباح المنير ص ٣٥٣).
(٣) الرازقي: ضرب من العنب -عنب الطائف- أبيض طويل الحب (المعجم الوسيط: ١/ ٣٤٢).
(٤) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٨٨، التفريع: ١/ ٢٩١ - ٢٩٢، الرسالة ص ١٦٥ - ١٦٦.
(٥) يقصد بقوله: وقد قال في البيوع: الإمام مالك (المدونة: ٣/ ١٧٩).
(٦) في (م): فإن.
(٧) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: زكاة الورق، ومسلم في الزكاة، باب: ما فيه الزكاة من الأموال.
[ ١ / ٤١٣ ]
إذا لم يكن في وقته، فكذلك إذا كان في وقته، وكان من غير صنفه ولا خلاف في ذلك (^١).
فصل [٧ - دليل ضم أنواع الصنف الواحد بعضها إلى بعض]:
وإنما قلنا: إن أنواع الصنف يضم بعضها إلى بغض لأن الصنف قد جمعها، ولأن المنفعة واحدة لا تكاد تختلف فيها، فكان كالضأن والمعز والبخت والغراب والبقر والجواميس، وكذلك الزبيب والقشمش (^٢).
فصل [٨ - في كون الشعير والحنطة والسلت في حكم الجنس الواحد]:
وإنما قلنا: إن الشعير والحنطة والسلت في حكم الجنس الواحد، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٣)، لقوله: "فيما سقت السماء العشر" (^٤) فعم، ولأن الحنطة والشعير والسلت يجتمعون (^٥) في المنبت والمحصد ولا يكاد أحدها ينفك من الآخر مع تقارب المنافع، فجرت مجرى العلس (^٦) والحنطة، وافتراقها في الاسم لا يوجب افتراقها في الحكم كالزبيب والقشمس والجواميس والبقر.
فصل [٩ - نصاب الحرث]:
ولا زكاة في شيء من الحرث حتى تبلغ خمسة أوسق (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨)
_________________
(١) انظر: الإجماع ص ٤٧، المغني: ٢/ ٧٣٠ - ٧٣١.
(٢) القشمش: ضرب من الزبيب، صغير الحب جدًّا، وقيل: إنه ثمر ما ينبت من النوى (التفريع: ٢/ ١٢٦).
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٧، مختصر المزني ص ٤٨.
(٤) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: العشر فيما سقى من السماء: ٢/ ١٢٣.
(٥) في (م): يجتمع.
(٦) العلس -بفتح العين واللام-: جنس من الحنطة (المطلع ص ١٣٠).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤، التفريع: ١/ ٢٩٠، الرسالة ص ١٦٥.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٦، مختصر القدوري: ١/ ١٥٠، وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء في ذلك حتى يبلغ خمسة أوسق.
[ ١ / ٤١٤ ]
في قوله: إن الزكاة واجبة في قليله وكثيره من غير نصاب يعتبر، لقوله ﷺ (^١): "ليس فيما دونه خمسة أوسق صدقة" (^٢)، ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، واعتبر فيه النصاب كالعين والماشية، ولأنه حق يجب في المال ينسب إليه يصرف مصروف الزكوات فوجب أن يكون معتبرًا بحد لا يجب فيما قصر عنه أصله ربع العشر المأخوذ من الذهب والورق، ولأن الزكاة طريقها المواساة، فوضع النصاب ليبلع المال حدًّا محتملا له، وفي القول بأنه يلزم في العشر سنبلات سنبلة خروج عن الأصول، فوجب حمل هذا النوع من الأموال على باقي جنسه من الذهب والفضة والماشية.
فصل [١٠ - قدر النصاب]:
والخمسة الأوسق (^٣) هي ثلاث مائة صاع (^٤) وهي ألف ومائتا مد، والصاع أربعة أمداد وهو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، والوسق ستون صاعًا والجملة ألف وستمائة رطل بالبغدادي (^٥)، وعند أبي حنيفة أن الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي (٦)، ودليلنا نقل أهل المدينة خلفًا عن سلف (^٧)، وقرنًا بعد قرن أن صاع النبي - ﷺ - على ما ذكرناه نقلوا ذلك نقلًا يتساوى أطرافه وهم من امتناع الكذب والغلط على مثل عددهم، ومن امتناع التواطي والتشاعر (^٨) والتراسل
_________________
(١) ﷺ سقطت من (ق).
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) الوسق في اللغة: كلمة تدل على ضم الشيء بعضه إلى بعض (غرر المقالة ص ١٦٥).
(٤) الصاع: مكيال معروف وقدره أهل الحجاز بأربعة أمداد، وقدره أهل العراق بثمانية أرطال (المعجم الوسيط: ١/ ٥٢٨).
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، الرسالة ص ١٦٥.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ١٩.
(٧) ذُكر نقل أهل المدينة في: ترتيب المدارك: ١/ ٤٨، أعلام الموقعين: ٢/ ٣٧٤، المحلي: ٥/ ٢٤٦.
(٨) التشاعر: سقطت من (م).
[ ١ / ٤١٥ ]
بينهم بصفة من يلزم العلم بنقل خبرهم، فكان نقلهم لذلك بمثابة نقل قبره ومنبره ﷺ في لزوم العلم به، وكان أولى من أخبار الآحاد وغيرها، ولذلك رجع أبو يوسف عن قول أبي حنيفة في الصاع إلى قول صاحبنا لما ناظره بحضرة الرشيد (^١)، فقال مالك ﵀ (^٢): هذا صاع (^٣) رسول الله - ﷺ - عندنا ينقله الخلف عن السَلَف، واستدعى أهل الأسواق فكلهم أخبر بذلك فرجع يعقوب عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب إمام دار الهجرة (^٤)، فكان هذا من أقوى حجه عليهم.
فصل [١١ - فيما زاد على الخمسة أوسق]:
فإن زاد على الخمسة أوسق ففيه بحسابه لقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (^٥)، فمفهومه وجوبها في الخمسة وفيما زاد عليها، وقوله: "فيما سقت السماء العشر" (^٦)، ولأنها زيادة على نصاب في مال ينسب ما يخرج منه إلى العشر، فكانت في القليل والكثير وكزكاة الإبل.
فصل [١٢ - لا حول في زكاة الحرث]:
ولا حول في زكاة الحرث (^٧)، والفرق بينها وبين زكاة العين والماشية أن
_________________
(١) الرشيد: الخليفة أبو جعفر هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله ابن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس الهاشمي العباسي، كان من أنبل الخلفاء وأحشم الملوك ذا حج وجهاد، وروي عن أبيه وجده ومبارك بن فضالة، روي عنه: ابنه المأمون وغيره (توفي سنة ١٩٣ هـ) (انظر سير أعلام النبلاء: ٩/ ٢٨٦، شذرات الذهب: ١/ ٣٣٤).
(٢) ﵀: سقطت من (ق).
(٣) صاع: سقطت من (ق)، و(م).
(٤) القصة مشهورة، ذكرها البيهقي: ٤/ ١٧١، وفتح الباري: ١١/ ٥٩٨، وقد ذكر رجوع أبي يوسف أبو عبيد في الأموال ص ٤٦٣.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤١٣).
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤١٥).
(٧) انظر الرسالة ص ١٦٥.
[ ١ / ٤١٦ ]
الحرث وضع ترفيهًا لأرباب الأموال ورفقًا بهم ليمهلوا في أموالهم مدة تنمي بالتصرف وتزيد بالتقلب، وذلك غير محتاج إليه في الزرع لأنه متكامل ببلوغه متناهي النماء بإطعامه، فلم يحتج إلى ضرب مدة مع الاستغناء عنه، يبين ذلك أن قصور المال عن حد يحتمل المواساة لما كان يمنع الزكاة انتظر به بلوغه إلى ما يحتمل ذلك، ثم كانت زكاة الحرث مشاركة كزكاة (^١) العين والماشية في الحاجة إلى ذلك فاعتبر منها.
فصل [١٣ - الواجب فيما سقى سيحًا ونضحًا]:
والواجب فيها معتبر بالسقي فما سقي سيحًا أو بعلًا (^٢)، فيه العشر وما سقي نضحًا ففيه نصف العشر (^٣)، وإنما قلنا ذلك لما روي في حديث عمرو بن حزم أنه ﷺ قال: "فيما سقت السماء العشر أو كان بعلًا ففيه العشر وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر" (^٤)، وروي: "فيما سقت الأنهار والعيون والسماء العشر وما سقي بالسانية (^٥) والنضح والغرب (^٦) نصف العشر" (^٧)، هذه الألفاظ لم ترو في خبر واحد، وإنما جمعتها من عدة أخبار ولأن المؤونة إذا كثرت قلت الزكاة، وإذا قلت كثرت الزكاة اعتبارًا بالأصول.
فصل [١٤ - نصاب ما اختلف سقيه بالسيح والنضح]:
وإن اختلف سقيه بالسيح والنضح فخرجه أصحابه على روايتين (^٨): إحداهما
_________________
(١) في (م): الزكاة.
(٢) البعل: هو ما سقته السماء، وقال الأصمعي: البعل ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا سماء (المصباح المنير ص ٥٥).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٣، التفريع: ١/ ٢٩١.
(٤) سبق تخريج الحديث في أول كتاب الزكاة.
(٥) السانية: البعير يستقى عليه من البئر (المصباح المنير ص ٢٩٢).
(٦) الغرب: الدلو العظيمة يستقى بها على السانية (المصباح المنير ص ٤٤٤).
(٧) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٨) انظر: التفريع: ١/ ٢٩١.
[ ١ / ٤١٧ ]
أن الأقل تابع للأكثر، والأخرى أنه يؤخذ من كل واحد (^١) بحسابه، والروايتان بناء على بيع أصل الحائط وتأبير بعض الثمرة، وقيل: ينظر إلى الذي جييء من الزرع فيكون الحكم له ويكون الآخر تبعًا لا حكم له: فإذا قلنا: إن الحكم للأكثر فلأن غالب الأصول أن الأقل تابع للأكثر كالضأن والمعز إذا اجتمعا في الزكاة والغنم المأخوذ في صدقة الإبل وغير ذلك فكذلك في مسألتنا، وإذا قلنا: إنه يؤخذ من كل واحد بحساب سقيه فلقوله ﷺ (^٢): "فيما سقت السماء أو كان بعلًا العشر وما سقى بالسانية ففيه نصف العشر" (^٣) وهذا عام، ولأنه زرع سقي سقيًا له تأثير في الزكاة فكان المأخوذ منه معتبرًا بسقيه، أصله إذا كان كثيرًا وكان سقيًا واحدًا، وإذا قلنا: إن المعتبر بما جيء به الزرع فلأن الغرض بالسقي كمال الزرع وانتهاؤه إلى حيث ينتفع به، وهذا لا يوجد إلا في الآخر الذي بفواته يفوت هذا المعنى، ولأن الأصول شاهدة لما قلناه كالرجل يداين قومًا في سقي زرع والنفقة عليه، ثم يفلس إنه يبدأ بآخرهم نفقة، فالذي جيئ الزرع بنفقته وسقيه كذلك في هذا الموضع.
فصل [١٥ - نصاب ما استوى سقياه]:
وإذا استوى سقياه أخذ منه ثلاثة أرباع العشر لعموم الخبر، ولأنه لا يكون الاعتبار بأحدهما أولى من الآخر، ولأنه ليس هناك ما يوجب الترجيح والتبع (^٤).
فصل [١٦ - الزكاة تؤخذ من النوع الواحد جيدًا أو رديئًا]:
لا يخلو التمر الصنف والحبوب المضموم بعضها إلى بعض (^٥) أن يكون نوعًا
_________________
(١) واحد سقطت من (ق).
(٢) ﷺ سقطت من (ق).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤١٥).
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٢٩١.
(٥) في (ر): لا يخلو التمر أن يكون نوعًا واحدًا.
[ ١ / ٤١٨ ]
واحدًا أو مختلفًا، فإن كان نوعًا واحدًا إما جيدًا أو رديئًا أخذت منه الزكاة لأن الوجوب متعلق به والأخذ تابع للوجوب، وقال عبد الملك (^١): إذا كان رديئًا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره واعتبره بالماشية أن صاحب السخال إذا كان له أربعون سخلة يكلف أن يأتي بالسن الوسط كذلك هذه، والفرق على قول مالك بالثمار والماشية في جواز الأخذ من صنف الثمر كان رفيعًا أو دنيًا من غير أن يكلف صاحبه سواه ومنع ذلك في الماشية وأخذ صاحبها بهذا (^٢) السنن الوسط (^٣) إلا أن يتطوع بالأعلى؛ لأن عمال النبي - ﷺ - كانوا يأخذون الجذعة والثنية ويأخذون عشر الثمار ما وجدوا منها، وكذلك ربع العشر من كل صنف العين جيدها ورديئها، ولأن الماشية تساق وتسير بنفسها من غير تكلف لحملها، فلو أجزنا المعيبة والمريضة والعرجاء والسخلة لاحتيج إلى تكلف أجرة لمن يحملها ولأدى ذلك إلى استهلاك العمل لقيمتها أو بعضها، وليس كذلك الثمار والحبوب لأنه لا بد من حمله فاستوى جيده ورديئه، ولأن الماشية تؤخذ في البوادي غالبًا، وبحيث يكون ثمنها قدرًا لو أريد بيعها وليس كذلك الثمار لأنها توجد بالمصر أو بقرية من السواد والقرى، وحيث (^٤) تكون أسواقها والمبالغة في أثمانها والتقارب فيه والأول أصح (^٥)، وإن كان ذلك الصنف من الثمار مختلفًا فلا يخلوا من ثلاثة أحوال: إما أن يكون نوعين متساويين مثل أن يكون نصفه جيدًا ونصفه رديئًا، وهذا يؤخذ من كل صنف بقدره لأنه ليس الآخذ من إحداهما بأولى من الأخرى، أو يكون نوعين أحدهما الأكثر، والآخر الأقل، وتتخرج فيها روايتان: إحداهما: أن يؤخذ من أكثر ويكون الأقل تابعًا له والآخر أنه من كل واحد بقدره؛ أو أن يكون ثلاثة أنواع جيدًا ورديئًا
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٩٢.
(٢) في (م): بشراء.
(٣) في (م): الحضر.
(٤) في (ق): من السواد والقرى يوجد من يبتاعها.
(٥) في (ق)، و(م): أوضح.
[ ١ / ٤١٩ ]
ووسطًا، ففيه روايتان: إحداهما: أنه يؤخذ من الوسط، والآخر: أنه يؤخذ من كل واحد بقدره، وإذا قلنا: إنه يؤخذ من الوسط فلأنه يشق على الساعي أن يعشر كل نخلة، ولأنه معتبر بالمواشي أنه لا يؤخذ من أعلاها ولا من أدناها، وإنما يؤخذ الوسط من السنن، فكذلك الثمرة، وإذا (^١) قلنا: يؤخذ من كل واحد (^٢) بقدره، فلأن الوجوب لما كان جاريًا على الجميع أخذ من كل صنف بقدره اعتبارًا به إذا انفرد (^٣).
فصل [١٧ - وقت وجوب زكاة الحبوب والثمار]:
الزكاة (^٤) تجب في الثمار بطيبها وبدو صلاحها (^٥)، وفي الحبوب بيبسها وإفراكها (^٦)، لأن ما قبل ذلك يكون علفًا لا طعامًا، ألا ترى أن بيعها بالطعام قبل الإطعام جائز إلى أجل إذا قطعت، وأن التفاضل غير ممنوع في الجنس منها، فإذا أطعمت تعلقت بها أحكام الطعام (^٧).
فصل [١٨ - من باع ثمرة قد بدى صلاحها]:
إذا باع ثمرة قد بدى صلاحها، فالزكاة على البائع لأنه باعها بعد تقرر وجوب الزكاة فيها، فإن قبض المشتري الثمرة وأفلس البائع اتبعه المصرف بزكاتها ولم يطالب المشتري لأن البائع لما باع الثمرة تعلق الوجوب بذمته، كما لو أكلها، والمشتري لم يتعلق بذمته شيء فلم يطالب، وقال أشهب: تؤخذ الزكاة
_________________
(١) في (م): إنما.
(٢) في (م): ثمرة.
(٣) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٨٣، التفريع: ١/ ٢٩١ - ٢٩٢.
(٤) لفظ الزكاة سقط من (م).
(٥) بدو الصلاح: أي ظهوره (الفواكه الدواني: ١/ ٣٣٤).
(٦) إفراكها: المراد بالإفراك أن يبلغ حدًّا يستغنى معه عن السقي، وذهاب الرطوبة وعدم النقص (مواهب الجليل: ٢/ ٢٨٧).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٨، التفريع: ١/ ٢٩٢، الكافي ص ١٠١.
[ ١ / ٤٢٠ ]
من المشتري ويرجع به على البائع ووجه هذا (^١): أن البائع باع حقه وحق المساكين فنفذ بيعه في حق نفسه ولم ينفذ في حق غيره كالبائع ملكه وملك غيره، والفرق على قول أشهب (^٢) بين يسار البائع وإعساره أن في يساره يتعلق الوجوب بذمته فله أن يؤديه (^٣) من حيث شاء، ولا ضرر على المساكين في مطالبته وليس كذلك مع الإعسار لأن ذمته معيبة (^٤)، فلو رجع عليه في الزكاة لم يحصل للمساكين منه شيء، فلذلك عدل إلى الثمرة؛ وإن باعها مع الأصل (^٥) قبل بدو الصلاح (^٦)، فلا زكاة على المشتري كما لو باع عبدًا بعد طلوع الفجر من يوم الفطر، لكانت الزكاة على البائع لأن الوجوب صادفه وهو في ملكه ولو باعه قبل طلوع الفجر أو غروب الشمس، لكانت الزكاة على المشتري لأن الوجوب صادفه وهو في ملكه كذلك في مسألتنا (^٧)؛ وإن باعها بشرط القطع فلا زكاة على واحد منها، فإن أخرها المشتري حتى طالبت بطل البيع وكانت الزكاة على البائع لأنها على ملكه، وكذلك لو باعها بشرط التبقية وكذلك حكم الهبة إن كانت بعد بدو الصلاح فالزكاة على الواهب وإن كانت قبله، فعلى الموهوب له وكذلك في (^٨) موت المالك بعد بدو الصلاح أن الزكاة واجبة فيه وإن كان (^٩) في حصة كل وارث أقل من النصاب لأن الوجوب تقرر في ملك الميت
_________________
(١) في (م): ووجهه.
(٢) في (م) و(ر): ابن القاسم وهو خطأ.
(٣) في (م): يؤدي.
(٤) في (م): و(ر): معينة.
(٥) في (ق): الأصول.
(٦) في (م): صلاحها.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٧، التفريع: ١/ ٢٩٢، الكافي ص ١٠١.
(٨) في: سقطت من (م).
(٩) في (م): كانت.
[ ١ / ٤٢١ ]
قبل انتقاله إلى الورثة؛ وإن مات قبل بدو الصلاح فلا زكاة (^١) على الورثة إلا على من ملك منهم نصابًا لأن الوجوب تقرر بعد ملكهم (^٢).
فصل [١٩ - في خرص النخل والعنب]:
ويخرص (^٣) النخل والكرم إذا بدى صلاحهما فلا يخرص من الثمار سواهما (^٤)، فإن بلغ ما يخرص نصابًا ضمن أصله حصة الفقراء منه وخلي بينهم وبينه إن شاؤوا أكلوا أو باعوا، وإن شاؤوا تركوا ولم يضمنوا وإن قصر عن قدر النصاب فلا شيء عليهم، وإن أصاب الثمر جائحة بعد خرصها لم يضمن أربابها إلا أن يبقى بعد الجائحة نصاب كامل فتكون فيه الزكاة، وإذا زاد الخرص أخرجت الزكاة من الزيادة استحبابًا لا إيجابًا، وإن نقص عن الخرص لم تنقص الزكاة، وفي تخفيف الخرص للأكل والعرية روايتان: إحداهما الإثبات، والأخرى المنع.
فصل [٢٠ - دليل خرص النخل والعنب]:
وإنما قلنا: يخرص النخل والكرم خلافًا لأبي حنيفة (^٥) لما روي عتاب بن أسيد (^٦): أن رسول الله - ﷺ - (^٧) أمر أن يخرص العنب كما تخرص النخل
_________________
(١) في (م): زيادة.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٧، الموطأ: ١/ ٢٧١، التفريع: ١/ ٢٩٢، ٢٩٣، الكافي ص ١٠١.
(٣) الخرص: هو الحزر والتقدير لثمرتها ولا يمكن إلا عند طيبها، والخرص -بالكسر- الشيء المقدر.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٤، التفريع: ١/ ٢٩٣، الكافي ص ١٠٢.
(٥) لأبي حنيفة: سقطت من (ق).
(٦) عتاب بن أسيد: بن أبي العيص بن أمية الأموي المكي له صحبة، وكان أمير مكة في عهد النبي - ﷺ - مات يوم موت أبو بكر الصِّدِّيق، وقيل: أنه كان عاملًا على مكة لعمر سنة إحدى وعشرين (تقريب التهذيب: ٣٨٠).
(٧) في (م): النبي.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وتؤخذ صدقة النخل ثمرًا (^١)؛ ولأنه ﷺ كان يبعث عبد الله ابن رواحة (^٢) إلى خيبر فيخرص بينه وبين يهود خيبر ثم يقول: "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" (^٣)، ولأن في ذلك نظر لأرباب الأموال والفقراء، ولأن العادة جارية بأن هاتين الثمرتين تؤكلان رطبتين، فلو منعنا الخرص لكنا بين أمرين: إما أن يمنع أربابها أكلها، وفي ذلك إضرار بهم أو منعهم من [التصرف فيها] (^٤) على الوجه المأذون فيه من التفكه واتخاذ العصير والخل وغير ذلك من ضروب المنافع التي إن أخروها إلى الجفاف بطلت عليهم أو أن يؤذن لهم في التصرف فيها أو أن (^٥) يطلقوا في تناولها قبل معرفة حق الفقراء، وفي ذلك إضرار في الفقراء لأنا لا نعرف حقوقهم ولا نرجع في ذلك إلى أرباب الأموال للعلم بتسرع أكثرهم إلى تناولها وقلة مراعاتهم حقوق الفقراء، فلم يبق إلا الخرص.
فصل [٢١ - الخرص في النخل والعنب دون غيرها]:
وإنما قصرنا الخرص على النخل والكرم دون غيرهما (^٦) للإجماع (^٧)، ولأن العادة مختصة بهما في أكلهما حال رطوبتهما دون غيرهما، وكذلك ما فيهما من المنافع حال الرطوبة لا يوجد فيما عداهما، لأن غيرهما من الثمار إنما يحصل
_________________
(١) حديث عتاب سبق تخريجه.
(٢) عبد الله بن رواحة: بن ثعلبة بن امريء القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر، أحد السابقين، شهد بدرًا، واستشهد بمؤتة، وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان (تقريب التهذيب: ٢٠٣).
(٣) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: متى يخرص التمر: ٢/ ٢٦٠، والحديث فيه جهالة، وأخرجه عبد الرزاق والدارقطني: ٢/ ١٢٣٤، وأرسله معمر ومالك وعقيل (تلخيص الحبير: ٢/ ١٧٢).
(٤) مطموس في جميع النسخ، وأتممت النقص على حسب ما يقتضيه السياق.
(٥) في (م): و.
(٦) في (ق): غيرها.
(٧) انظر: المغني: ٢/ ٧١٠، المحلي: ٥/ ٣٨٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الانتفاع به بعد (^١) اليبس والجفاف، فلم تدعنا ضرورة إلى خرصه كما دعت إلى ذلك في مسألتنا، ولأن خرص سائر الثمار غير ممكن كإمكان ذلك في النخل والكرم، ولأن الرطب والعنب يظهران فيتمكن الخارص من خرصهما، إذ ليس شيء يمنع من رؤيتهما ولا يحول بينه وبينهما، وليس كذلك ما عداهما من الزرع والثمار لأنه إما مغيب في بيته (^٢) وسنبله أو كامن في ورقة ومستتر في أكمامه (^٣) وذلك كله (^٤) مانع من خرصه وحائل دون حرزه، فبان الفرق بين الموضعين.
فصل [٢٢ - الخرص يكون بعد بدو الصلاح]:
وإنما قلنا: إنهما يخرصان بعد بدو الصلاح لحديث عائشة ﵂: "أنه ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة الأنصاري (^٥) إلى يهود خيبر (^٦) ليخرص النخل حين تطيب قبل أن يؤكل منه" (^٧)، ولأن ذلك وقت وجوب الزكاة، فأما قبله فلا حق للفقراء فيها فلم يجب خرصها، ولأن الخرص إنما يراد لمعرفة حق (^٨) الفقراء وحفظه عليهم، وذلك يقتضي أن يكون هناك حق قد وجب فيجب خرصه.
فصل [٢٣ - التخلية بين الثمرة وأهلها بعد الخرص]:
وإنما قلنا: إنه إذا خرصها خلي بينها وبين أهلها، فلأن الخرص إنما وضع ليعرف مقدار حق الفقراء منها، فإذا عرف ذلك لم يبق ما يمنع أهلها منها ومن
_________________
(١) بعد: سقطت من (ق).
(٢) في (م): نبته.
(٣) الأكمام جمع - كم -بالكسر -: وعاء الطلع وغطاء النور (المصباح المنير ص ٥٤١).
(٤) كله: سقطت من (م).
(٥) الأنصاري: سقطت من (م) و(ر).
(٦) خيبر: سقطت من (ق) و(ر).
(٧) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٨) في (ق): حقوق.
[ ١ / ٤٢٤ ]
تصرفهم فيها، وإنما قلنا: إن الثمرة إذا أجيحت فلا شيء على أربابها فلأنها في أيديهم أمانة لأنهم بنفس الخرص لا يضمنوها لأن الخرص لم يوضع للضمان، وإنما أريد لإباحة التصرف إذا عرف قدر حقوق الفقراء، فإن (^١) تصرفوا فيها تعلقت الزكاة في ذمتهم بالتصرف، فإن تركوها كانت أمانة فلم يضمنوا" (^٢) جوائح السماء وكانوا شركاء للفقراء، فإن بقى بعد الجائحة نصاب كامل أخذت منه (^٣) لأن ما تلف كأنه لم يكن وصار كأنه لم يوجد سوى هذا القدر.
فصل [٢٤ - إذا زاد الخرص]:
وإنما قلنا: إن الخير إذا زاد لم يلزم الزكاة فيه لأنه حكم قد نفذ، فلم ينقض من بعد، وكذلك إذا نقص لم ينقص الزكاة (^٤) لمثل ذلك، ووجه تخفيف الخرص للعرية والوصية ما روي: "خففوا الخرص فإن في المال العرية والوصية" (^٥)، ولأن الزكاة مواساة فكانت مواساة بالتخفيف (^٦) أولى منها بالتثقيل، ووجه المنع قوله: "فيما سقت السماء العشر" (^٧)، ولأنه بعض ثمرة فأشبه ما زاد على هذا القدر أن النصاب في الماشية لا يترك فيه عفو كذلك الحرث.
فصل [٢٥ - حكم الزكاة في الفواكه والبقول والخضروات]:
ولا زكاة في الفواكه والبقول (^٨) والخضروات كالتفاح والبطيخ والكمثرى والقثاء
_________________
(١) في (م): فإذا.
(٢) ما بين قوسين سقط من (م).
(٣) في (م): كامل أخذ منها.
(٤) ما بين قوسين سقط من (م).
(٥) هذا من قول عمر بن الخطاب، وقد رواه مكحول عن النبي - ﷺ - مرسلًا (انظر البيهقي: ٤/ ١٢٤).
(٦) بالتخفيف سقطت من (م).
(٧) سبق تخريج الحديث.
(٨) البقول: كل نبات اخضرت له الأرض (المصباح المنير ص ٥٨).
[ ١ / ٤٢٥ ]
والخيار والباذنجان، وما أشبه ذلك، وكذلك ما يدخر نادرًا للتفكه لا على وجه الاقتيات من يابس الفواكه (^١) خلافًا لأبي حنيفة (^٢) في إيجابه الزكاة في ذلك كله (^٣)، لأن أهل المدينة نقلوا نقلًا متواترًا خلف عن سلف أن النبي - ﷺ - لم يأخذ من الخضر والبقول شيئًا، ولا أحد من الخلفاء بعده (^٤)، وقد كانت تزرع في أيامهم، فلو كان فيها زكاة لأخذوها منها، ولأنه نبت لا يقتات فأشبه الحشيش والجزر (^٥) والجوز واللوز والجلوز (^٦)، وإن يبس أو أدخر فليس بأصل قوت ولا مما يؤخذ للمعاش، وكذلك ادخار الخوخ والمشمس، وإنما هو على وجه التفكه والتداوي لا للقوت.
فصل [٢٦ - الزكاة فيما ليس بمأكول]:
ولا زكاة في قرطم (^٧) ولا قطن ولا قصب ولا كولان (^٨) ولا حشيش ولا غير ذلك، لأن ذلك ليس بمأكول والزكاة لا تجب في المأكول الذي ليس بقوت فضلًا عما ليس بمأكول ولا زكاة في عسل (^٩)، خلافًا (^١٠) لأبي حنيفة (^١١) في
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٢، التفريع: ١/ ٢٩٤، الرسالة ص ١٦٦.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٦، مختصر القدوري من شرح الميداني: ١/ ١٥١.
(٣) كله سقطت من (ق).
(٤) نقل عمل أهل المدينة: الاستذكار: ١/ ١٥٤، المنتقى: ٢/ ١٧١، ترتيب المدارك: ١/ ٤٨.
(٥) الجزر: سقطت من (ق).
(٦) الجلوز: البندق (لسان العرب: ٥/ ٣٢٢).
(٧) القِرطم: بكسر القاف - وهو حب العصفر (المصباح المنير ص ٤٩٨).
(٨) كولان: الأسل وهو نبات ذو أغصان كثيرة شائكة الأطراف تصنع منه الحصر والحبال تتخذ منه الغرابيل في العراق (انظر لسان العرب: ١١/ ١٤، والمعجم الوسيط: ٢/ ٨٥).
(٩) في (م): العسل.
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٣، التفريع: ١/ ٢٩٤، الرسالة ص ١٦٥ - ١٦٦.
(١١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٧، مختصر القدوري مع شرح الميداني: ١/ ١٥٢.
[ ١ / ٤٢٦ ]
قوله: إن الزكاة تلزم فيه إذا كان في أرض العشر؛ لأنه ﷺ لم يأخذ منه زكاة وقد كان في أيامه، ولأنه طعام يخرج من حيوان فأشبه اللبن ولأنه مأكول لم تنبته الأرض فأشبه اللحم.
فصل [٢٧ - فيما يجب في أرض الخراج]:
ويجب العشر في أرض الخراج وغيرها (^١)، خلافًا لأبي حنيفة (^٢) في قوله: أن العشر والخراج لا يجتمعان، لقوله: "فيما سقت السماء العشر" (^٣)، واعتبارًا بأرض الصلح، ولأن طريقهما مختلف لأن العشر زكاة والخراج كراء الأرض، فلم يمنع العشر كمن اكترى (^٤) أرضًا وزرعها.
فصل [٢٨ - زرع العبد أو المكاتب]:
وإذا زرع العبد أو المكاتب فلا عشر عليهما (^٥) خلافًا لمن أوجبه (^٦)؛ لأن ملكهما غير تام والزكاة لا تجب إلا على من يملك ملكًا تامًّا، وكذلك النصراني لا عشر عليه لأنه لا يخاطب بفروع الشريعة مع الإقامة على كفره، وقد ذكرنا ذلك في زكاة الماشية والعين وبالله التوفيق (^٧).
فصل [٢٩ - في زكاة من استأجر أرضًا وزرعها]:
إذا استأجر أرضًا فزرعها، فالزكاة على صاحب الزرع دون صاحب الأرض (^٨) خلافًا لأبي حنيفة (^٩) في قوله: إنها تجب على صاحب الأرض،
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧، الكافي ص ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) انظر: مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ١/ ١٥٢.
(٣) سبق تخريج الحديث.
(٤) في (م): كمن يكتري.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٧، الكافي ص ٢٢٠.
(٦) أوجبه أبو حنيفة (مختصر الطحاوي ص ٤٦، تحفة الفقهاء: ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٧) بالله التوفيق سقطت من (ق).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٦، الكافي ص ١٠٣.
(٩) انظر: مختصر الطحاوي ص ٤٦، تحفة الفقهاء: ٢/ ٣٢٣.
[ ١ / ٤٢٧ ]
لأنه حق يصرف في الأصناف المسمين في آية الصدقات، فكان المخاطب به المالك دون غيره كزكاة المال ولأنه حر مسلم خرج له نصاب زرع يجب في جنسه الزكاة وجب أن يلزمه العشر فيه أصله إذا كانت (^١) الأرض في ملكه، ولأن كل حق تعلق بغير المال، فإن الوجوب يتعلق على مالكه (^٢) اعتبارًا بسائر الأصول والله أعلم (^٣).
…
_________________
(١) في (م): كان.
(٢) في (م): مالكها.
(٣) والله أعلم سقطت من (ق).
[ ١ / ٤٢٨ ]
باب زكاة الفطر (^١)
وزكاة الفطر (^٢) واجبة (^٣)، خلافًا لأبي حنيفة (^٤)، لما رواه ابن عمر: "أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير عن كل حر أو عبد ذكر أو أُنثى من المسلمين" (^٥)، وقوله في صدقة الفطر: "أدوا صاعًا من قمح أو تمر" (^٦)، والأمر على الوجوب، ولأنها زكاة في المال كسائر الزكوات.
فصل [١ - في قدر زكاة الفطر]:
وقدرها صاع بالمدني (^٧) من كل ما يخرج فيها (^٨)، خلافًا لأبي حنيفة في
_________________
(١) العنوان سقط من (ق).
(٢) زكاة الفطر: هي إعطاء مسلم فقير لقوت يوم الفطر صاعًا من غالب القوت أو جزأه المسمى للجزء المقصور وجوبه عليه (حدود ابن عرفة - مع شرح الرصاع عليها ص ٧٨).
(٣) انظر: الموطأ: ١/ ٢٨٣، التفريع: ١/ ٢٩٤، الرسالة ص ١٧٢، الكافي: ١/ ١١١.
(٤) إذ يقول أبو حنيفة: إنها واجبة وليست مفروضة (مختصر الطحاوي ص ٥١، مختصر القدوري: ١/ ١٥٨).
(٥) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: فرض صدقة الفطر: ٢/ ١٣٨، ومسلم في الزكاة، باب: زكاة الفطر: ٢/ ٦٧٧.
(٦) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: من روى نصف صاع من قمح: ٢/ ٢٧٠، وأحمد: ٥/ ٤٣٢، والبيهقي: ٤/ ١٦٧ من طرق عن الزهري إلا أنهم اختلفوا عليه فيه (انظر نصب الراية: ٢/ ٤٠٨ - ٤١٠).
(٧) قوله: صاع بالمدني، أي المكيال المنسوب إلى أهل المدينة وهو أربعة أمداد بالمد المنسوب إلى النبي - ﷺ - (التفريع: ١/ ٢٩٥).
(٨) انظر: التفريع: ١/ ٢٩٥، الرسالة ص ١٧٢، الكافي ص ١١٢.
[ ١ / ٤٢٩ ]
قوله: إنه يخرج نصف صاع من بر ويخرج مما عداه صاعًا كاملًا (^١) لقوله ﷺ في صدقة الفطر:، أدوا صاعًا من تمر أو قمح" (^٢)، وفي حديث المبارك بن فضالة (^٣) عن أيوب (^٤) عن نافع عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله - ﷺ - صاعًا من تمر أو صاعًا من بر" (^٥)، وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من تمرًا أو صاعًا من شعير أو صاعًا من أقط (^٦) أو صاعًا من زبيب، فقيل له: أو مدَّين من قمح (^٧)، فقال: تلك قيمة معاوية لا أقبلها" (^٨)، ولأنه قوت يخرج في صدقة الفطر كالشعير والتمر.
فصل [٢ - وقت وجوب زكاة الفطر]:
وعنه في وقت وجوبها روايتان (^٩): إحداهما غروب الشمس من آخر ليلة من رمضان، والأخرى بطلوع الفجر يوم الفطر، وجماعة من أصحابنا يقولون
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥١، مختصر القدوري: ١/ ١٦٠.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٣) المبارك بن فضالة -بفتح الفاء وتخفيف المعجمة-: أبو فضالة البصري، صدوق يدلس سوي من السادسة، توفي سنة مائة وست وستين على الصحيح (تقريب التهذيب ص ٥١٩).
(٤) أيوب بن أبي تميمة: السختياتي أبو بكر البصري، رأى أنس بن مالك، وروى عن عمرو سلمة وحميد بن هلال وآخرين، كان ثقة كثير العلم حُجَّة عدلًا (ت ١٣١ هـ) (الجرح والتعديل: ٢/ ٢٥٥).
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٦) أقط: يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل (المصباح المنير ص ١٧).
(٧) قمح: سقطت من (ق).
(٨) أخرجه البخارى في الزكاة، باب: الصدقة قبل العيد: ٢/ ١٤، ومسلم في الزكاة، باب: الزكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير: ٢/ ٦٧٨.
(٩) انظر: الموطأ: ١/ ٢٨٥، المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٥، الرسالة ص ١٧٢، الكافي ص ١١١.
[ ١ / ٤٣٠ ]
بطلوع الشمس، فوجه قوله بغروب الشمس ما روي: "أنه ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان" (^١)، فأضاف الفطر إلى رمضان وحققته بغروب الشمس، ولأن من ولد بعد مغيب الشمس فلم يدرك شيئًا من رمضان لم يلزم إخراج الفطر عنه كمن ولد بعد الفجر، ووجه قوله (^٢): إنها تجب بطلوع الفجر ما روي: "أنه ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان" (^٣) فأطلق، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا يوم الفطر، ولأنه حق في مال يخرج يوم عيد على طريق المواساة، فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر أصله الأضحية، ووجه قول من قال (^٤): إنها تجب بطلوع الشمس أنه نسك مضاف (^٥) إلى العيد، فكان وقته طلوع الشمس كالصلاة، وفائدة هذا الخلاف فيمن اشترى عبدًا أو ولد له ولد أو تزوج امرأة قبل غروب الشمس ثم باع العبد أو طلق الزوجة بعد وجوب نفقتها عليه أو مات الولد قبل طلوع الفجر: فإن قلنا: إن الزكاة تجب بغروب الشمس، فالزكاة عن الزوجة والعبد والولد عليه، لأن وقت الوجوب صادفهم في ملكه، وإن قلنا بطلوع الفجر لم يلزمه شيء لأن وقت الوجوب لم يصادفهم عنده، وكذلك لو ملك العبد بعد غروب الشمس أو ولد له مولود، فعلى رواية الغروب زكاة الفطر على البائع ولا زكاة على المولود لأنه طرأ بعد تقدم الوجوب، وعلى رواية الطلوع تجب على المشتري وعلي أبي المولود لأن وقت الوجوب صادفهم في ملكه.
فصل (^٦) [٣ - متى يستحب إخراجها]:
ويستحب إخراجها قبل الغدو إلى المصلى (^٧) لما روى (^٨) ابن عمر: "أنه
_________________
(١) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٢) في (م): القول.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) في (م): قوله.
(٥) في (م): يضاف.
(٦) فصل سقطت من (م).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٥، الكافي ص ١١١.
(٨) في (م): رواه.
[ ١ / ٤٣١ ]
ﷺ أمر بإعطاء صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى" (^١)، وقوله: "اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" (^٢)، وليأكل منها الفقراء قبل غدوهم، كما يستحب للإنسان أن يأكل قبل غدوه، وقيل: إن ذلك تأويل قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ (^٣) أنه أخرج (^٤) زكاة الفطر وغدى إلى العيد (^٥).
فصل [٤ - فيمن أخرجها قبل يوم الفطر وليلته]:
ولا يجوز إخراجها قبل يوم الفطر أو ليلته على حسب اختلاف الروايات (^٦) لأن ذلك تقديم إخراجها على وقت الوجوب، وذلك غير جائز، وتأويل قول بعض (^٧) أصحابنا: إنه إن أخرجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين أجزاه أن يخرجها إلى الذي يحفظها ويحرسها وتجمع عنده إلى يوم العيد لأن تلك كانت عادتهم بالمدينة، ومن حمل هذا القول على ظاهره في جواز الإخراج على الإطلاق، فذلك مناقضة منه (^٨) يلزمه عليه جواز إخراجها من أول الشهر، وقبل دخوله أيضًا من حيث لا انفصال (^٩) له عنه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: الصدقة قبل العيد: ٢/ ١٣٩، ومسلم في الزكاة، باب: الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة: ٢/ ٦٧٩.
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٥٣) بلفظ: "اغنوهم في هذا اليوم" عن أبي معشر، وأعله ابن عدي في الكامل بأبي معشر (نصب الراية: ٢/ ٤٣٢).
(٣) سورة الأعلى، الآيتين: ١٤، ١٥.
(٤) في (م): إخراج.
(٥) رُوِي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر ﵄ (انظر تفسير الطبري: ٣٠/ ١٥٦، الجامع لأحكام القرآن: ٢٠/ ٢١).
(٦) في (م): الرواية.
(٧) بعض سقطت من (ق).
(٨) منه سقطت من (ق).
(٩) في (م): انتقال.
[ ١ / ٤٣٢ ]
مسألة [٥ - عمن تجب زكاة الفطر؟]:
وتجب على كل واجد سبيلًا إليها من الرجال والنساء والأحرار والعبيد والكبار والصغار والحاضرة والبادية (^١) لقوله ﷺ: "أدوا صدقة الفطر" (^٢)، وهذا خطاب عام، وقول ابن عمر: "فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على الناس" (^٣) فعم، وقوله في حديث آخر: "عن كل ذكر أو أنثى صغير أو كبير غني أو فقير أو مملوك" (^٤).
فصل [٦ - وجوب زكاة الفطر على من ملك صاعًا]:
ومن كان عنده صاع لا يلحقه ضرر بإخراجه من إفساد (^٥) معاشه أو جوعه أو جوع عياله أو دين يصرف فيه فعليه أن يخرجه ولا اعتبار بكونه مالكًا لنصاب من المال (^٦) خلافًا لأبي حنيفة (^٧)، فأما الوجوب فلقوله: "أدوا صدقة الفطر" (^٨) وروي: "أنه فرض الفطر ولم يعتبر نصابًا" (^٩)، ولأنه واجد لمقدارها قادر على أدائها من غير ضرر يلحقه كالواجب للنصاب، وأما سقوط الوجوب إذا لحقه ضرر فلأنه يحوجه إخراجها إلى الطلب، وذلك مناقض لوجوبها لأن الغرض به الاستغناء عن الطلب.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩، الموطأ: ١/ ٢٨٣، التفريع: ١/ ٢٩٥، الرسالة ص ١٧٢، الكافي ص ١١١ - ١١٢.
(٢) أخرجه الدارقطني: ٢/ ١٤١، والبيهقي: ٤/ ١٦١، وفي إسناده ضعف وإرسال، وأخرجه الشافعي مرسلًا (تلخيص الحبير: ٢/ ١٨٤).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٢٩).
(٤) هو حديث ابن عمر الذي سبق تخريجه في أول باب زكاة الفطر.
(٥) في (م): فساد.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٥.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥١، مختصر القدوري: ١/ ١٥٨.
(٨) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٩) لم أعثر عليه.
[ ١ / ٤٣٣ ]
فصل [٧ - الفقير الذي دفعت إليه زكاة الفطر يخرجها إذا فضل له له منها شيئًا]:
يستحب للفقير إذا دفعت إليه (^١) زكاة الفطر وفضل عن قوته وقوت عياله صاع أن يخرجه (^٢) من غير إيجاب لأن غناه طرأ بعد تقدم (^٣) الوجوب.
فصل [٨ - إخراج الزكاة عمن تلزم نفقتهم]:
ويلزم (^٤) الإنسان عن نفسه وعن غيره ممن تلزمه نفقته (^٥) خلافًا لداود (^٦) في قوله: لا يلزمه إلا عن نفسه وحده، لقوله ﷺ (^٧): "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون" (^٨)، ولأنها طهرة تجري مجرى المؤونة فأشبهت سائر النفقات، ويلزمه عن ولده الصغير إذا لم يكن له مال، فإن كان له مال أخرج عنه من ماله، ويلزمه عن ولده الكبير إذا بلغ فقيرًا زمنًا (^٩)، وعن أبويه الفقيرين المسلمين وعن عبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للقنية وعن أمهات أولاده ومدبريه ومعتقيه إلى أجل، وفي مكاتبيه روايتان (^١٠)، فإذا قلنا: تلزمه فبالرق
_________________
(١) في (م): إذا كان فيما دفع إليه من.
(٢) انظر المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٥.
(٣) تقدم: سقطت من (م).
(٤) في (م): يلزمه.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩ - ٢٩٢، التفريع: ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦، الرسالة ص ١٧٢، الكافي ص ١١١.
(٦) انظر: المحلي: ٦/ ١٩٤.
(٧) ﷺ سقطت من (ق).
(٨) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٩) زمنًا: من باب تعب وهو مرض يدوم زمانًا طويلًا (المصباح المنير ص ٢٥٦).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٦، الكافي ص ١١٢.
[ ١ / ٤٣٤ ]
مع كونه من أهل الطهارة (^١)، وإذا قلنا: لا تلزمه فلأنها تابعة للنفقة، فلما لم تلزمه النفقة على مكاتبيه لم تلزمه الفطرة عنهم.
فصل [٩ - إخراج زكاة الفطر عن زوجته]:
إذا لزمته النفقة على زوجته (^٢) المسلمة لزمه إخراج الفطرة عنها موسرة كانت أو معسرة (^٣) خلافًا لأبي حنيفة (^٤) لقوله: "عمن تموتون" (^٥) فعم، ولأنها من أهل الطهرة، فوجب أن تلزمه فطرتها من تلزمه تفقتها إذا كان قادرًا عليها (^٦) أصله الولد الصغير، ولأن الفطرة متابعة للمؤونة فيمن هو من أهل الطهرة فيجب أن تلزمه بدلالة أن العبيد لما لزمت سادتهم نفقاتهم لزمتهم الفطرة عنهم، وإذا ثبت أنه تلزمه عن زوجته فتلزمه عن خادم من خدمها لأن نفقتها مستحقة عليه.
فصل [١٠ - إخراج زكاة الفطر عن عبيده الكفار]:
ولا يلزمه إخراجها عن عبيده الكفار (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨)، لحديث ابن عمر: "فرض رسول الله - ﷺ - صدقة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين" (^٩)، فقيَّده بالإسلام فدل على اعتباره في الوجوب، وروى ابن عباس قال: "فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطرة طهرة للصائم من
_________________
(١) لعله يقصد أنه يدخل فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾.
(٢) في (م): زوجه، وفي (ر): عن الزوجة.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٢، التفريع: ١/ ٢٩٥، الكافي ص ١١١ - ١١٢.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥١، مختصر القدوري: ١/ ١٥٩.
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٦) عليها: سقطت من (م).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٠، التفريع: ١/ ١٩٥.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥١، مختصر القدوري: ١/ ١٥٩.
(٩) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٣٣).
[ ١ / ٤٣٥ ]
اللغو والرفث وطعمًا للمساكين" (^١)، فأخبر عن عِلَّة فرضها والغرض المراد به وأنه يختص المسلمين فانتفى وجوبه عن الكفار، ولأنها طهرة فلا تخرج إلا عمن هو من أهلها وإلا تناقض المقصود بالإخراج، ولأنه حق في مال طريقه القربة فلم تجب على العبد الكافر كالأضحية (^٢)، وحكم الأبوين والزوجة حكم العبد.
فصل [١١ - إخراج زكاة الفطر عن عبيد عبيده]:
ولا شيء عليه في عبيد عبيده لأنهم ليسوا عبيدًا له (^٣)، وإنما يملكهم بالانتزاع ولا على ساداتهم أن يخرجوا عنهم لأن ملك العبيد غير مستقر ولا يلزمهم أن يخرجوا عن أنفسهم لأن نفقاتهم على غيرهم.
فصل [١٢ - زكاة فطر العبد بين شريكين]:
والعبد بين شريكين أو شركاء يلزمهم إخراج الفطرة عنه (^٤) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه لا شيء على ساداته (^٥) لما روي: "أنه ﷺ فرض صدقة الفطر من رمضان على كل حر وعبد" (^٦) فعم، وقال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" (^٧)، ولأنه حق يتبع النفقة، فلما كانت لازمة لجميعهم فكذلك الفطرة، ولأنه من أهل الطهرة يلزم من يملكه مؤونته فلزمته فطرته أصله المالك الواحد.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: زكاة الفطر: ٢/ ٢٦٢، وابن ماجه في الزكاة، باب: صدقة الفطر: ١/ ٥٨٥، والحاكم ()، وقال: على شرط البخاري (نصب الراية ٢/ ٤١١).
(٢) في (م): أصله الأضحية.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٣، الكافي ص ١١٢ - ١١٣.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٦، الكافي ص ١١٢.
(٥) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٥٩.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٢٩).
(٧) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٣٣).
[ ١ / ٤٣٦ ]
فصل [١٣ - إخراج كل شريك بقدر ما يملك]:
إذا ثبت أن على ملاكه (^١) إخراج الفطرة عنه فيلزم (^٢) كل واحد أن يخرج بقدر ما يملك منه لأنها مؤونة فأشبهت النفقة، ولأن الخدمة ومنافعه لما كانت بينهم متوزعة على قدر الملك فكذلك الزكاة.
فصل [١٤ - في العبد نصفه حر على من تكون فطرته]:
وفي العبد الذي نصفه (^٣) حر خلاف، روي عن مالك أن (^٤) على السيد بقدر ماله فيه من الملك ولا شيء على العبد في نصيبه الحر، وروي عنه أن على السيد بقدر نصيبه، وعلى العبد بقدر حريته وهو قول محمد بن مسلمة، وروي عنه أن على السيد إخراج جميع الصاع ولا شيء على العبد وهو قول عبد الملك، وعند أبي حنيفة لا شيء على العبد ولا على السيد (^٥)، ودليلنا عليه ما قدمناه في العبد بين الشريكين، ولأنه ملك لجزء من العبد فأشبه ملك الجميع، ولأنه حق يجب لله تعالى (^٦) على مالك جميع العبد عن العبد فوجب أن تلزم لمالك بعضه بقدر ملكه كزكاة التجارة؛ فإذا ثبت هذا فوجه القول بأن على السيد بقدر ملكه ولا شيء على العبد لأن أحكام الرق أغلب عليه من أحكام الحرية بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحدِّه (^٧)، وسقوط الحج عنه فكذلك في الزكاة، ولأنه ناقض الملك لأن كمال الملك لا يكون مع بقاء شيء من الرق فأشبه العبد، ولأن كل من لم يخاطبه بجميع الزكاة عن نفسه لمعنى يمنع وجوب البعض، فكذلك في البعض أصله العبد الغني، ووجه القول بأن على العبد
_________________
(١) في (م): مالكه.
(٢) في (م): فيلزمه.
(٣) انظر المدونة: ١/ ٢٨٩، التفريع: ١/ ٢٩٦، الكافي ص ١١٢.
(٤) أن: سقطت من (م).
(٥) انظر: مختصر القدوري - مع شرح الميداني: ١/ ١٥٩.
(٦) تعالى: سقطت من (ق)، و(ر).
(٧) في (م): حدوده.
[ ١ / ٤٣٧ ]
بقدر ما فيه من الحرية اعتباره بالعبد بين شريكين بعلة أنهما يتقاسمان الخدمة والمنافع المستحقة بالملك، فكذلك حكمه (^١) في زكاة الفطر ولأن الفطرة متابعة للنفقة، فلما كانت النفقة عليهما كذلك الفطرة بينهما؛ ووجه القول بأن جميع الفطرة على السيد أنه محبوس عليه بالرق كالذي يستغرقه الرق.
فصل [١٥ - لزوم الفطرة عن العبد المرهون والمبيع بالخيار وغيرهما …]:
وتلزم الفطرة عن العبد المرهون والمبيع بالخيار للبائع والمبتاع والمبيع بيعًا فاسدًا قبل رده والأمة تباع على المواضعة قبل خروجها والعبد إذا قتل وحبس للقود على ساداتهم لأنهم على ملكهم لم يزل بجميع ما ذكرناه، وفي البيع الفاسد يرد إلى البيع الصحيح، إلى أن يحكم برده كالنفقة (^٢).
فصل [١٦ - المعتبر فيما يخرج في زكاة الفطر]:
الاعتبار فيما يخرج في زكاة الفطر بغالب قوت البلد الذي هو به، فمن أي أصناف الأقوات كان أخرجه حنطة أو شعيرًا أو سلتًا أو تمرًا أو أرزًا أو ذرة أو دخنًا (^٣) أو زبيبًا أو أقطًا أو أي شيء كان، وإنما قلنا: إنه يخرج هذه الأجناس لما روي: "أنه ﷺ فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير" (^٤)، وروي: "أدوا صاعًا من قمح أو تمر" (^٥)، وفي حديث أبي سعيد: "كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله - ﷺ - صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقط" (^٦)، وإنما قلنا: إن الاعتبار بغالب قوت أهل البلد لقوله ﷺ: "أغنوهم عن
_________________
(١) في (م): حكمهما.
(٢) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٨٩ - ٢٩٣، الكافي ص ١١٢ - ١١٣.
(٣) الدخن -بضم الدال-: حب معروف.
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٢٩).
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٢٩).
(٦) سبق تخريِج الحديث في الصفحة (٤٣٠).
[ ١ / ٤٣٨ ]
الطلب في هذا اليوم" (^١)، وهم لا يستغنون عن الطلب إلا بوجود قوتهم المألوف لهم، فإذا ثبت ذلك فإن كان يقتات قوت أهل البلد أخرج منه وإن كان يقتات أعلى منه استحببنا له أن يخرج مما يأكله ليواسي الفقراء فيما يختاره (^٢) لنفسه، فإن لم يفعل جاز وكان عليه إخراج غالب قوت أهل البلد، وإن كان يقتات أدنى منه نظر فإن كان لعُدم أجزاه أن يخرج منه لأنه لا يقدر على غيره، وإن كان لشح أخرج من غالب قوت بلده، والله أعلم.
…
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٣٢).
(٢) في (م)، و(ر): مما اختاره.
[ ١ / ٤٣٩ ]
باب: أصناف الذين تجب لهم الصدقات (^١)
والأصناف الذين يجب صرف الصدقة لهم هم الأصناف الذين تضمنتهم آية الصدقات (^٢) لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ (^٣)، ولا يجوز صرفها إلى غيرهم ولأنها جهة صرف (^٤) الصدقة، كما لا تجوز الصلاة إلى جهة سوى جهة الكعبة لأنها جهة الصلاة ولا خلاف في هذا (^٥).
فصل [١ - قسمة الزكاة على اجتهاد الإمام]:
وقسمتها على الاجتهاد من الإمام وعلى ما يراه من الحاجة زاد على الثمن أم (^٦) نقص عنه استغرق جميع الأصناف أو بعضهم أو صنفًا واحدًا منهم (^٧) خلافًا للشافعي (^٨) في قوله: لا يجوز الاقتصار على بعض الأصناف السبعة ويلزم تفريقها في جميعهم، لأنه حق يتكرر في المال كل حول فلم يجب اعتبار الأصناف فيه كالجزية، ولأنه لما لم يتعين عليه فرض في آحاد الصنف، بل جاز أن يقتصر على الواحد والاثنين والثلاثة، كذلك لا يتعين في جميع الأصناف لأن آحاد الصنف محل للصدقة كالجملة، ولأنه صنف منصوص عليه في الصدقة،
_________________
(١) عنوان فصل من (م).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٣، التفريع: ١/ ٢٩٧، الكافي ص ١١٤ - ١١٥.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٤) في (ق): صروف.
(٥) انظر: الإجماع ص ٥١، المغني: ٢/ ٦٦٥.
(٦) في (م): أو.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٣، التفريع: ١/ ٢٩٨، الكافي ص ١١٥.
(٨) انظر: الأم: ١/ ٧١، الإقناع ص ٧١.
[ ١ / ٤٤٠ ]
فجاز صرف جميعها إليه، وأن يأخذ بحسب الاجتهاد كالعامل والمؤلفة والمقصود من الظاهر (^١) الأخبار عن محلها الذي توضع فيه دون التمليك (^٢) وتحديد المأخوذ.
فصل [٢ - معنى الفقير والمسكين]:
الفقير هو الذي يجد الشيء اليسير الذي لا يكفيه، والمسكين أحوج منه لأنه الذي لا يملك شيئًا (^٣) أصلًا خلافًا للشافعي (^٤) في قوله: إن المسكين هو الذي معه ما لا يكفيه وأن الفقير هو الذي لا شيء له أصلًا، وإنما قلنا: إن المسكين أحوج من الفقير لأن الاسمين مأخوذان من العُدم وانتفاء الأملاك إلا أن المسكنة عبارة عما زاد على ذلك وهو شدة الحاجة التي يكسب صاحبها الخضوع والاستكانة، فلذلك قلنا: إنه أحوج من الفقير ويوضح ذلك قوله ﷿: ﴿أو مسكينًا ذا متربة﴾ (^٥) يريد أن الحاجة بلغت به إلى أن لصق بالتراب من غير حائل بينه وبينه، وما يذكرونه من قوله تعالى (^٦): ﴿وأما السفينة فكانت لمساكين﴾ (^٧) مقابل بما ورد من تسمية الواجد لليسير بأنه فقير وهو قول الشاعر (^٨):
أما الفقير الذي كانت حلوبته … وفق العيال فلم يترك له سبد (^٩)
_________________
(١) أي من ظاهر آية التصديق.
(٢) في (م): المليك.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٢٩٧، الكافي ص ١١٤.
(٤) انظر: الأم: ١/ ٧١، الإقناع ص ٧٠.
(٥) سورة البلد، الآية: ١٦.
(٦) تعالى: سقطت من (ق).
(٧) سورة الكهف، الآية: ٧٩.
(٨) في (ر): وهو قول الشافعي، وهو خطأ إذ البيت للراعي النميري، وهو في ديوانه ص ٥٥.
(٩) السبد: يقولون: ما له سبد ولا لبد أي لا قليل ولا كثير (الصحاح: ٢/ ٤٨٣).
[ ١ / ٤٤١ ]
والظاهر وارد على سبيل الرحمة والتعطف، ومن متأخري أصحابنا من يقول: إن الفقير والمسكين اسمان لمعنى واحد (^١)، ووجه ذلك أنهم (^٢) في ظاهر الاستعمال هكذا؛ لأن الناس لا يفرقون بين القول فقير ومسكين وما قلناه أولى وأصح، لأن الأصل في اختلاف الأسماء أنه لاختلاف المعاني.
فصل [٣ - العاملون عليها]:
العاملون عليها جباتها وسعاتها يدفع إليهم الإمام من الصدقة أجرة معلومة بقدر عملهم.
فصل [٤ - المؤلفة قلوبهم]:
المؤلفة قلوبهم كان في صدر الإسلام قوم ممن يظهر الإسلام يُدفع إليهم شيء من الصدقة لينكف غيرهم بانكفافهم، وقال قوم من أصحابنا: قوم مسلمون يرى أن يستألفهم ليقوى الإسلام في قلوبهم ويبالغوا في النصيحة للمسلمين (٢) والأول أقوى وأوضح، وقد سقطت الحاجة إليهم بحمد الله في هذا الوقت، فإن دعت الحاجة إليهم في بعض الأوقات جاز أن يرد سهمهم (^٣).
فصل [٥ - الرقاب]:
وقوله ﷿: ﴿وفي الرقاب﴾ (^٤) في فك الرقاب (^٥)، وهو أن يشتري الإمام رقابًا من أموال الصدقات فيعتقهم عن المسلمين ويكون الولاء للمسلمين (^٦) خلافًا لقول من زعم أنهم المكاتبون (^٧)؛ لأن قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ (^٨)
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٩٧، الكافي ص ١١٤.
(٢) انظر: التاج والإكليل - للمواق: ٢/ ٣٥٠.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٤، التفريع: ١/ ٢٩٨، الكافي ص ١٥.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٥) الرقاب: العبيد.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٧، التفريع: ١/ ٢٩٨، الكافي ص ١١٤.
(٧) وهو قول أصحاب أبي حنيفة (انظر الطحاوي ص ٥٢)، وأصحاب الشافعي (انظر الإقناع ص ٧١).
(٨) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
[ ١ / ٤٤٢ ]
يقتضى رقبة كاملة، ولأن ما صرف فيه من أموال الزكاة يقتضي أن لا يكون للغني فيه نفع وإذا دفع (^١) إلى مكاتب جاز أن يعجز ويرق وتبطل كتابته فيصير المال للسيد، ولأنه لا يخلوا أن يعطى المكاتب لنفسه، وذلك غير جائز لأنه عبد لسيده والغني لا يجوز دفع الصدقة إليه، ولأن الولاء يثبت (^٢) لسيد المكاتب ولا يحصل النفع للمسلمين.
فصل [٦ - الغارمون]:
الغارمون هم الذين أدانوا (^٣) في غير سفه ولا فساد لا يجدون وفاء ولا قضاء أو يكون معهم أموال هي بإزاء ديونهم، فيعطون ما يقضون به ديونهم، فإن لم يكن لهم أموال، وكان عليهم ديون فهم فقراء وغارمون فيعطون بالوصفين.
فصل [٧ - في سبيل الله]:
وفي سبيل الله الغزو والجهاد يدفع من الصدقة إلى المجاهدين ما ينفقونه في غزوهم أغنياء كانوا أو فقراء ويشتري الإمام من بعض الصدقة خيلًا وسلاحًا وينفره لمن يغزو، وحكي عن أحمد بن حنبل: أن في سبيل الله يعني الحاج (^٤)، ودليلنا: أن كل موضع ذكر فيه سبيل الله، فالمراد به الغزو والجهاد فكذلك ها هنا ولأن دفع الصدقات إلى الأصناف يكون على أحد وجهين: إما لحاجتنا إليهم كالعاملين والمؤلفة أو لحاجتهم إلينا كالفقراء والغارمين والوصفان معدومان في الحاج لأنا لا نحتاج إليه ولا هو محتاج إلينا والغازي نحن محتاجون إليه.
فصل [٨ - ابن السبيل]:
ابن السبيل الغريب المنقطع به يدفع إليه من الصدقة بقدر كفايته، وإن كان غنيًّا ببلده ولا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا إخراجه في وجوه الصدقة.
_________________
(١) في (م): وقع.
(٢) في (م): ثبت.
(٣) أدانوا: هو الرجل إذا استقرض.
(٤) انظر: مسائل الإمام أحمد ص ١٥١.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فصل [٩ - في نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر]:
إذا وجد المستحقون للزكاة في البلد الذي فيه المال والمالك لم يجز نقلها إلى غيره إلا أنه إذا نقلها ودفعها إلى فقراء غير بلده مضى ذلك وأجزاه، وكذلك لو بلغ الإمام أن ببعض البلدان حاجة شديدة وقحطًا عظيمًا جاز له نقل شيء من الصدقة والمستحقة لغيره إليه (^١) خلافًا للشافعي (^٢)، لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين﴾ (^٣) فعم، ولأن المقصود من الصدقة سد الخلة (^٤) ودفع الحاجة عن هؤلاء الأصناف، وذلك لا يختص بموضع دون موضع، ولأنه لو حصل في البلد فقراء من غير أهله لجاز صرف الصدقة إليهم، فدل أن الاعتبار بوجود الفقراء وأهل الصفات دون مواضعهم، ولأنها صدقة صرفها الله إلى الجنس المستحق للزكاة كما لو فرقها في بلده.
فصل [١٠ - صرف الزكاة إلى ذمي]:
لا يجوز صرف زكاة الفطر ولا غيرها من الزكوات إلى ذمي (^٥) خلافًا لأبي حنيفة (^٦)، لقوله ﷺ (^٧): "خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم" (^٨)، وهذه الإضافة لا بد لها من اختصاص، وقد ثبت أنه لم يرد
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٥، التفريع: ١/ ٢٧٥، الكافي ص ١١٥.
(٢) انظر: الإقناع ص ٧١.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٤) الخلة -بفتح الخاء واللام-: الفقر والحاجة، والخلة -بفتح الخاء-: ما خلاء من النبت (المصباح المنير ص ١٨١).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٥٦، التفريع: ١/ ٢٩٨.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥٢، وفي مختصر القدوري: "لا يجوز أن يدفع الزكاة إلى ذمي" (١/ ١٥٥).
(٧) ﷺ: سقطت من (ق).
(٨) سبق تخريج الحديث.
[ ١ / ٤٤٤ ]
القبيلة ولا البلد فعلم أن المراد به الدين، واعتبارًا بسائر الزكوات وبالوثنيين، ولأنه ليس من أهل الطهرة كالمرتد.
فصل [١١ - من اجتهد ودفع الزكاة إلى غني]:
إذا اجتهد فدفع الصدقة إلى غني وعنده أنه فقير فلا يجزيه (^١) خلافًا لأبي حنيفة (^٢)، وبعض أصحابنا لقوله تعالى (٣): ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ (^٣) الآية فأخبر عن محلها، فهذا صرفت لغيره كان الأمر باقيًا عليه، وقوله: "فأردها في فقرائهم" (^٤)، ولأنها لم تصل إلى الفقراء فأشبه أن يعلم، ولأن تكفين الميت وعمارة القناطر والجسور أولى وأحق من دفعها إلى غني، فإذا كان متى دفعها في هذه الأشياء لا تجزيه كان بأن لا يجزي ذلك في الغني أولى، واعتبارًا به إذا اجتهد ثم بان له أنه دفعها إلى زنديق أو مرتد، وهذا إذا أولِيَ تفريقه ابن بنفسه، فأما إن وَلِيَ ذلك الإمام فإنه يجزيه ولا شيء عليه ولا على الإمام.
فصل [١٢ - من دفع الزكاة إلى من تلزمه نفقتهم]:
لا يجوز دفعها إلى من يلزم رب المال نفقته لأنهم أغنياء بما يأخذونه، ويجوز دفعها إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم، ويكره له دفع جميعها إليهم، فإن فعل جاز، ويستحب أن يولي تفريقها غيره ليسلم من الهوى والميل ومحبة المحمدة والشكر (^٥).
…
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، الكافي ص ١١٥ - ١١٦.
(٢) تعالى: سقطت من (ق).
(٣) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٤) سبق تخريج الحديث.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ١٥٦، التفريع: ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩، الكافي ص ١١٥.
[ ١ / ٤٤٥ ]
باب: أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة (^١)
والجزية (^٢) واجبة على من نقره في بلادنا من الكفار وتعقد له الذِّمَّة علينا (^٣)، والأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (^٤) ولأنه ﷺ كان إذا بعث جيشًا يقول لأمرائه: "أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن أجابوك فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا فادعهم إلى الجزية" (^٥).
فصل [١ - ممن تؤخذ الجزية؟]:
وتؤخذ من الرجال الأحرار البالغين ولا تؤخذ من النساء ولا الصبيان ولا العبد (^٦) لقوله ﷿ (^٧): ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله .. إلى قوله: حتى يعطوا الجزية﴾ (^٨)، وذلك في الرجال الأحرار، وقال ﷺ: "لا تجري الجزية إلا على من جرت عليه المواسي" (^٩)، وقوله (^١٠).
_________________
(١) العنوان من (م).
(٢) الجزية: ما يؤخذ من أهل الذِّمَّة (المصباح المنير ص ١٠٠).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٤١ - ٢٤٢، التفريع: ١/ ٣٦٤، الرسالة ص ١٦٨.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
(٥) أخرجه البخاري في أوائل الزكاة: ٢/ ١٠٨، ومسلم في الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين: ١/ ٥٠.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٢، التفريع: ١/ ٣٦٤، الرسالة ص ١٦٨.
(٧) ﷿ سقطت من (م).
(٨) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
(٩) موقوف على عمر، أخرجه البيهقي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه (تلخيص الحبير: ٢/ ١٢٣).
(١٠) في (م): قال.
[ ١ / ٤٤٦ ]
لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارًا" (^١)، ولا خلاف أنها لا تجب على الصبيان فكذلك النساء (^٢)، لأن النساء والصبيان ممن (^٣) لا يجري عليهم السيف بدليل أنه لو ظهر عليهم بالمحاربة في الجهاد لم يقتلوا، وهذا هو المعنى الذي أوجب أخذ الجزية من الرجال وهو رفع السيف عنهم وإقرارهم في بلادنا، وكذلك العبيد هم آلة ونوع من الأموال كالخيل وغيرها.
فصل (^٤) [٢ - ما يؤخذ من تجار أهل الحرب والذِّمَّة (^٥)]:
ولا يمنع أهل الذِّمَّة من التقلب في التجارات والتشاغل بالصنائع والتعرض للمكاسب لأنه لم نعقد لهم الذِّمَّة على أن نمنعهم من التكسب والتصرف في معاشهم التي يحيون ويؤدون الجزية من فضلها (^٦).
فصل [٣ - لا عشر على تجارات أهل الذِّمَّة]:
وإذا اتجروا في البلد أقروا على المقام فيه لم تعرض لهم ولم نطالبهم بعشر ولا غيره، لأن عقد الذِّمَّة لهم يقتضي إباحة التصرف في موضع إقامتهم وما يكون في حكمه من البلدان (^٧).
فصل [٤ - إذا اتجر أهل الذِّمَّة إلى غير البلد الذي هم به]:
وإن اتجروا إلى غير البلد الذي به من أقاليم الإسلام وآفاقه أخذ منهم العشر
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب: في زكاة السائمة (٢/ ٢٣٤)، والنسائي في الزكاة، باب: زكاة البقر (٥/ ١٧)، وابن ماجه في الزكاة، باب: صدقة (١/ ٥٧٦)، والترمذي في الزكاة، باب: ما جاء في زكاة البقر: ٣/ ٢٠، وقال: حديث حسن، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (نصب الراية: ٣/ ٤٤٦).
(٢) انظر: الإجماع ص ٧١، المغني: ٨/ ٥٠٧.
(٣) في (ق): قال.
(٤) في (م): و(ر): باب.
(٥) العنوان من (م).
(٦) و(^٧) انظر: التفريع: ١/ ٣٦٤، الرسالة ص ١٦٨، الكافي ص ٢١٧.
[ ١ / ٤٤٧ ]
بعد أن يحصل لهم غرضهم الذي أرادوه من بيع وشراء (^١)، والأصل فيه قوله ﷺ: "ليس على المسلمين عشور إنما العشور على اليهود والنصارى" (^٢)، ولأنه إجماع من الصحابة ﵃ لأن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ من القبط العشر (^٣)، ومضى عليه الأئمة بعده ولم يخالف عليه، ولأنه عقد الذِّمَّة لم يوجب لهم التقلب في بلادنا وأقاليمنا، فإذا تصرفوا فيها كان لهم حكم يزيد على تصرفهم في بلادهم.
فصل [٥ - الجزية على المجوس]:
لا خلاف أن الجزية تؤخذ من اليهود والنصارى، فأما المجوس فإنها تؤخذ منهم (^٤) لأنهم (^٥) أجروا مجرى أهل الكتاب، والأصل فيه ما روي عبد الرحمن بن عوف (^٦): أنه ﷺ قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (^٧)، وروي: "أنه ﷺ أخذها من مجوس هجر" (^٨) وليسوا بأهل كتاب، خلافًا للشافعي (^٩) لقوله: "سنوا بهم سُنَّة أهل الكتاب"
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٣٦٥، الرسالة ص ١٦٨، الكافي ص ٢١٨.
(٢) أخرجه البيهقي: ٩/ ٢١١.
(٣) أخرجه البيهقي: ٩/ ٢١٠.
(٤) وهو أمر مجمع عليه أيضًا (انظر: الإجماع ص ٧١، بداية المجتهد: ١/ ٣٧٦، فتح الباري: ٦/ ٩٧، نيل الأوطار: ٨/ ٥٧).
(٥) في (م): بأنهم.
(٦) عبد الرحمن بن عوف: بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة، أسلم قديمًا ومناقبه شهيرة، مات سنة اثنين وثلاثين، وقيل غير ذلك (تقريب التهذيب ص ٣٤٨).
(٧) أخرجه البزار في مسنده والدارقطني، وقال البزار: هذا حديث قد رواه جماعة عن جعفر عن أبيه لم يقولوا عن جده، وجده هو عليّ بن الحسين، وهو مرسل، وروي في الموطأ، قال ابن عبد البر: حديث منقطع (نصب الراية: ٣/ ٤٢٩).
(٨) أخرجه البخاري في الجزية، باب: الجزية والموادعة: ٤/ ٦٢.
(٩) فقد قال الشافعي: إنهم أهل الكتاب (انظر مختصر المزني ص ٢٧٧).
[ ١ / ٤٤٨ ]
فدل أنه لا كتاب لهم ولأن الروم كانت إذا غلبت الفرس فرح هو ﷺ وأصحابه (^١) لأنهم أهل كتاب، وإذا غلبت الفرس فرح المشركون من قريش لأنهم لا كتاب لهم، وقال حذيفة (^٢): لولا أن أصحابي أخذوا الجزية من المجوس لم أخذها منهم لأنهم ليسوا أهل كتاب.
فصل [٦ - الجزية على جميع الكفار]:
وتؤخذ الجزية من جميع الكفار من أهل الكتاب والمجوس والصابئة (^٣) وعبدة الأوثان والثيران وغيرهم إلا المرتد والزنديق (^٤) خلافًا للشافعي (^٥) في قوله: أنها لا تؤخذ إلا (^٦) من أهل الكتاب والمجوس، لأنه كافر معلن بكفره لم يتحرم بحرمة الإسلام فأشبه الكتابي؛ والعرب والعجم وبنوا تغلب (^٧) وغيرهم في ذلك سواء (^٨)، خلافًا للشافعي (^٩) لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ (^١٠) الآية، ولأن الشرك قد شملهم فلا اعتبار بأنسابهم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: من سورة الروم: ٥/ ٢٣٠، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد: ١/ ٣٠٤.
(٢) حذيفة: ابن اليمان العبسي، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، أبوه صحابي أيضًا، استشهد بأُحُد، ومات حذيفة في أول خلافة عليّ سنة ست وثلاثين (تقريب التهذيب ص ١٥٤، الشذرات: ١/ ٣٢).
(٣) الصابئة: لقب يطلق على طائفة من الكفار يقال: إنها تعبد الكواكب في الباطن، وتنسب إلى النصرانية في الظاهر.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٢٤١، التفريع: ١/ ٣٦٣، الرسالة ص ١٦٨.
(٥) انظر: مختصر المزني ص ٢٧٧.
(٦) إلا: سقطت من (م).
(٧) بنو تغلب: نسبة إلى تغلب وهي قبيلة معروفة، وهي تغلب بن وائل بن قاسط بن هنب بن قصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان (الأنساب: ٣/ ٥٧).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٢٤١، الكافي ص ٢١٧ - ٢١٨.
(٩) انظر: مختصر المزني ص ٢٧٨.
(١٠) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
[ ١ / ٤٤٩ ]
فصل [٧ - فيمن أسلم من أهل الذِّمَّة]:
ومن أسلم من أهل الذِّمَّة قبل تمام الحول أو بعده أو بعد أحوال لم يؤخذ بما بقي عليه من جزية (^١) خلافًا للشافعي (^٢)، لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ (^٣)، وقوله ﵊: "الإسلام يجب ما قبله" (^٤)، ولأنه مأخوذ منه على وجه الصغار والإذلال بشرط الإقامة على الكفر، فإذا زال الكفر بالإسلام وجب زواله لأن إذلال المسلم وإصغاره غير جائز.
فصل [٨ - في قدر الجزية على أهل الذهب وأهل الورق]:
وقدرها على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهمًا (^٥)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٦)؛ لأن عمر بن الخطاب ﵁ فرضها على (^٧) هذا المقدار على أهل الذِّمَّة بحضرة الصحابة (^٨)، ولم ينكر عليه أحد، بل استجابوا له وصوبوا رأيه، وإن كان فيهم من يضعف عنه خفف عنهم منه (^٩) لأنه على الاجتهاد.
فصل [٩ - تؤخذ الجزية ممن حصل لهم غرض من تقلبهم في بلادنا]:
وإنما قلنا: إنه لا يؤخذ منهم إلا بعد أن يحصل لهم الغرض الذي يريدونه لأن الآخذ إنما هو لانتفاعهم بالتقلب في بلادنا (^١٠) والتجارة فيها، فإذا لم ينتفعوا
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٢، التفريع: ١/ ٣٦٣.
(٢) انظر: الإقناع ص ١٨٠.
(٣) سورة الأنفال، الآية: ٣٨.
(٤) أخرجه أحمد: ٤/ ١٩٩، والطبراني ورجالهما ثقات (مجمع الزوائد: ٩/ ٣٥٤).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٤٠ - ٢٤١، التفريع: ١/ ٣٦٣، الرسالة ص ١٦٨.
(٦) انظر: مختصر القدوري: ٤/ ١٤٣، مختصر المزني ص ٢٧٧.
(٧) على سقطت من (ق).
(٨) البيهقي: ٩/ ١٩٥.
(٩) منه سقطت من (م).
(١٠) في (م)، و(ر): بلاد المسلمين.
[ ١ / ٤٥٠ ]
كان ما يؤخذ منهم للمشي والسعي فقط، ولأن المأخوذ هو منسوب إلى بيعهم لا إلى رؤوس أموالهم، وذلك يوجب ألا يؤخذ إلا بعد بيعهم.
فصل [١٠ - إذا دخلوا مرارًا لبلادنا في السنة الواحدة]:
وإذا اختلفوا مرار في السنة أخذ منهم العشر في كل مرة (^١)، خلافًا للشافعي وغيره (^٢) في قولهم: إنه يؤخذ منهم مرة في السنة لأن الانتفاع حاصل لهم في المرة الثانية والثالثة كحصوله في الأولى، فوجب أن يؤخذ منهم مرة كل مرة انتفعوا بالسعي فيها، ولأن المعنى في أخذ العشر لتبسطهم في بلاد الإِسلام وانتفاعهم بالتجارات وحفظ الطرق لهم وحراسة أموالهم، وذلك محتاج إليه في كل مرة، فوجب أن يتكرر المأخوذ بتكرار اختلافهم ويفارق الجزية لأنها مقدرة بخفر الذِّمَّة (^٣) والإقامة في دارنا فلذلك يقدر وقت أخذها.
فصل [١١ - الجزية نصف العشر لما يحمل إلى الحرمين]:
ويؤخذ منهم مما حملوا إلى الحرمين مما بالناس حاجة إليه من القوت وما يجرى مجراه نصف العشر (^٤) ليحصل لأهل الحرمين ارتفاق منهم وليكثر (^٥) الحمل إليهم إذا علموا أن المؤنة تخفف عنهم ويرغبوا في الحمل.
فصل [١٢ - فيما يؤخذ من تجار دار الحرب]:
ويؤخذ من تجار الحرب ما يوخذ من تجار أهل الذِّمَّة لا يزاد عليهم (^٦) لأنهم كفار أخذ لهم الأمان في تقلبهم بالتجارة في بلاد الإِسلام كأهل الذِّمَّة، وقيل:
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٣٦٤، الرسالة ص ١٦٨، الكافي ص ٢١٨.
(٢) وقاله أيضًا الحنابلة (انظر مختصر المزني ص ٢٧٧، المغني: ٨/ ٥١٩).
(٣) في (م): لحقن الدم.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣٦٥، الرسالة ص ١٦٨، الكافي ص ٢١٨.
(٥) في (م): وليكثروا.
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٦٤، الرسالة ص ١٦٨، الكافي ص ٢١٨.
[ ١ / ٤٥١ ]
أن العشر غير مقدر وأن (^١) التقدير للإمام، ووجهه أنه لا حاجة بنا إلى تصرفهم في بلادنا وليس لهم ذمة توجب إباحتهم ذلك، فوجب أن يكون الأمر فيه إلى الإِمام على ما يراه من المصلحة، والله أعلم.
تم كتاب الزكاة (يتلوه كتاب الصيام) (^٢)
…
_________________
(١) في (م): لأن.
(٢) ما بين قوسين سقط من (م).
[ ١ / ٤٥٢ ]