الأصل في الجهاد (^١) قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (^٢)، وقوله جل ذكره (^٣) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (^٥)، وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (^٧)، وهذا تأكيد يدل على قوة وجوبه، ومن السنة قوله - ﷺ - "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (^٨)، وفيه أخبار كثيرة ترد في مسائل الباب الأول، ولا خلاف بين الأمة في وجوبه (^٩).
_________________
(١) الجهاد: أصله من الجهد وهو المشقة، واصطلاحًا هو: قتال مسلم كافرا غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله أو حصوره له أو دخول أرضه له (غرر المقالة ١٨٩، حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ١٣٩).
(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
(٣) جل ذكره: سقطت من ق.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.
(٥) سورة التوبة، الآية: ١٢٣.
(٦) سورة التوبة، الآية: ٤١.
(٧) سورة التوبة، الآية: ٣٨.
(٨) أخرجه البخاري في الجهاد باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإِسلام: ٤/ ٦، ومسلم في الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ١/ ٥١.
(٩) انظر مراتب الإجماع لابن حزم ص ١١٩، بداية المجتهد: ٦/ ٥.
[ ١ / ٦٠١ ]
فصل [١ - حكم الجهاد]:
وهو من فروض الكفايات (^١) دون الأعيان فمن قام به سقط به الفرض عن الباقين (^٢)، ووجه القيام به أن تحرس الثغور (^٣) وتعمر وتحفظ بالمنعة والعدد، ولا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعو إليها، والقتال واجب لا يعدل عنه إلا باجابة أهل الكفر إلى أحد أمرين: إما الدخول في الإِسلام أو بذل الجزية لنا في دارنا.
وإنما قلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^٤)، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ …﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٥)، وقوله - ﷺ - لأمرائه: "اغزوا على اسم الله قاتلوا من كفر بالله ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوا فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين، فإن أبو فادعوهم إلى الجزية فإن أعطوها فاقبلوها منهم فان أبوا فاستعينوا الله على قتالهم" (^٦).
وإنما شرطنا أن يكون في دارنا ليكون أخذها على وجه الذل والصغار ولئلا يكون (^٧) ذريعة إلى الإمهال ليتقووا على قتالنا.
فصل [٢ - اشتراط إذن الأبوين للاشتراك في الجهاد]:
ومن منعه أبواه من الجهاد فليمتنع إلا أن يكون قد تعين الفرض عليه مثل أن يفجأ العدو فيحتاج إليه في الدفع عنها وكذلك إن كان أوجبه على نفسه في وقت
_________________
(١) في م: الكفاية.
(٢) انظر التفريع ص ١/ ٣٥٧، الرسالة ص ١٨٩.
(٣) الثغور: الموضع الذي يقترب من العدو فيخاف أهله (غرر المقالة ١٩١).
(٤) سورة التوبة، الآية: ٥.
(٥) سورة التوبة، الآية: ٢٩.
(٦) أخرجه مسلم في الجهاد باب تأمير الأمير الأمراء: ٣/ ١٣٥٦.
(٧) في م: يكونوا.
[ ١ / ٦٠٢ ]
بعينه (^١)، والأصل فيه قوله - ﷺ -: "إن كان الغزو عند باب البيت فلا تذهب إلا أن يأذن أبواك" (^٢) ولأن طاعتهما من فروض الأعيان فهو أولى من فروض الكفايات، فأما إذا تعين عليه فلا يمتنع بمنعهما لأن منعهما له غير جائز لهما كمنعهما إياه من الصلاة والصوم الواجبين.
فصل [٣ - إحراق أرض العدو وعقر دوابهم وقطع أشجارهم]:
ولا بأس بإحراق أرض العدو وزروعهم وعقر دوابهم وقطع أشجارهم وفعل كل ما ينكيهم ويضر بهم (^٣)، والأصل فيه قوله تعالى ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (^٤)، وقوله ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^٥) ونزلت في قطعه - ﷺ - نخل بني النضير (^٦)، وقوله في خيبر (^٧)، ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٨)، وهدم النبي - ﷺ - بعض خيبر (^٩)، وقطع بعض (^١٠)، ولأن ذلك من التضييق عليهم وإضعاف أمرهم وتوهينه فليس بأكثر من إباحة قتلهم.
_________________
(١) انظر الرسالة ص ١٩١، الكافي ص ٢٠٦، المقدمات ص ١/ ٣٥١.
(٢) أخرجه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أسامة بن علي بن سعيد بن بشير وهو ثقه ثبت كما هو في تاريخ مصر (مجمع الزوائد ٥/ ٣٢٥).
(٣) انظر المدونة ص ١/ ٣٧١ - ٣٧٢ التفريع ص ١/ ٣٥٧.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٩.
(٥) سورة الحشر، الآية: ٥.
(٦) أخرجه البخاري في الجهاد والسير باب حرق الدور والنخيل ٤/ ٢٢، ومسلم في الجهاد باب جواز قطع أشجار الكفار ٣/ ١٣٦٥، وبنو النضير هم جماعة من اليهود سكنوا حصنا قريبا من المدينة فتحه رسول الله - ﷺ - (الأنساب للسمعاني ١٣/ ١٢٩).
(٧) خيبر: هي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام. (معجم البلدان ٢/ ٤٠٩).
(٨) سورة الحشر، الآية: ٢.
(٩) أخرجه البخاري في الجهاد باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإِسلام والنبوة ٤/ ٢.
(١٠) أخرجه البخاري في التفسير باب تفسير قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ ٦/ ٨ =
[ ١ / ٦٠٣ ]
فصل [٤ - في تحريق النحل]:
ويكره تحريق النحل وتفريقها لنهيه - ﷺ - عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة (^١)، وروى عن علي ﵁ أنه نهى عن ذلك (^٢)، ولأنها تنتقل إلى ديارنا كحمام الأبرحة ففي تركها استبقاء لها لمنفعة المسلمين، فإن اتفق أن يكون مجتمعة في موضع يكثر نفعهم بها ويؤثر فيهم إتلافها جاز ذلك لأنها ليست بأعظم حرمة من الخيل والأنعام التي تعرقب (^٣) أو توجًا (^٤) إذا عجز المسلمون عن سوقها.
فصل [٥ - الدعوة قبل القتال]:
ولا يقاتل العدو إلا بعد أن يدعو إلا أن يعجلونا (^٥) لأنه - ﷺ - كان يوصي بذلك أمراءه فيقول: "إذا لقيت عدوا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال (^٦): ادعهم إلى الدخول في الإِسلام فإن أجابوك إليه فاكفف عنهم" (^٧)، ولأنهم قد يجيبون إلى الإِسلام فيستغنى عن قتالهم وهذا مستحسن فيمن بلغتهم الدعوة فأما من يخاف أن تكون لم تبلغه أو أن يكون قد سمع بها ولا يدري ما هي فيجب أن يدعى وكل هذا إذا أمكنونا فإذا أعجلونا تركت وتشوغل بقتالهم لأن التوقف حينئذ تمكين للعدو من المسلمين وذلك عين المحظور (^٨).
_________________
(١) = ومسلم في الجهاد باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها ٣/ ١٣٦٥.
(٢) قال الزيلعي غريب، وقد رواه ابن أبي شيبة أثرا لأبي بكر (نصب الراية ٣/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
(٣) روى البيهقي عن أبي بكر وعبد الله بن مسعود ﵄ (أخرجهما سعيد ابن منصور، المغني ٨/ ٤٥١).
(٤) تعرقب: هو قطع عصب موثق خلف الكعبين (المصباح المنير ٤٠٥)، وتوجًا: إذا ضربت بسكين في أي موضع كان (المصباح المنير ٦٥٠).
(٥) في م: أو تضرب أوسطها.
(٦) في م: يعجلوا.
(٧) في ق: حال.
(٨) أخرجه مسلم في الجهاد باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ٣/ ١٣٥٧.
(٩) انظر: المدونة ص ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨، التفريع ص ١/ ٣٥٧، الرسالة ص ١٨٩.
[ ١ / ٦٠٤ ]
فصل [٦ - الغلول من الغنيمة]:
ومن غلَّ (^١) شيئًا من الغنيمة ولم يورده المقاسم ثم ظهر عليه عوقب ولم يقطع ولم يحرم سهمه (^٢)، وإنما قلنا إنه يعاقب أدبا له لأنّه أتى محرمًا وغصب المسلمين أموالهم وخانهم، وقد قال - ﷺ -: "الغلول عار ونار وشنار على صاحبه" (^٣)، وروي أن رجلًا مات فدعى النبي - ﷺ - ليصلي عليه فامتنع وقال: "صلوا على صاحبكم فإنه قد غل" ففتشوا رحله فوجدوا فيه (^٤) خرزات (^٥) لا تساوي درهمين (^٦).
فصل [٧ - عدم قطع الغال]:
إنما قلنا لا يقطع لأنه خائن وليس بسارق وقد قال - ﷺ -: "ليس على خائن قطع" (^٧)، وقال: "من وجدتموه قد غل فأحرموه سهمه
_________________
(١) الغلول: لغة هو الخيانة (الصحاح ٥/ ١٧٨٤) وعرفا: هو أخذ ما لم يبح الانتفاع به من الغنيمة قبل حوزها (الرصاع على ابن عرفه ١٥٢).
(٢) انظر الموطأ: ١/ ٤٥٧ - ٤٦٠، التفريع: ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨، الرسالة ص ١٩٠.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ مرسلًا ٢/ ٤٥٨، ووصله النسائي في قسم الفيئ ٧/ ١١٩، وأخرجه ابن ماجة في الجهاد باب الغلول ٢/ ٩٥٠ - ٩٥ وفي إسناده عيسى بن سنان اختلف فيه كلام ابن معين، قال لين الحديث وليس بالقوى قيل ضعيف وقيل لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات (مجمع الزوائد ٥/ ٣٤٠).
(٤) فيه: سقطت من ق.
(٥) خرزات: هو ما ينظم في السلك من الجزع والودع، الحب المثقوب من الزجاج ونحوه فصوص من الحجارة (الصحاح ٣/ ٨٧٦).
(٦) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في تعظيم الغلول ٣/ ١٥٥، والنسائي في الجنائز باب الصلاة على من غل ٤/ ٥٢، وابن ماجة في الجهاد باب الغلول ٢/ ٩٥٠، ومالك في الموطأ ٢/ ٤٥٨.
(٧) أخرجه أبو داود في الحدود باب القطع في الخلسة والخيانة ٤/ ٥٥٢، وابن ماجة في الحدود باب الخائن والمنتهب والمختلس ٢/ ٨٦٤، والنسائي في قطع السارق باب ما لا قطع فيه ٨/ ٨١، والترمذي في الحدود باب ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب ٤/ ٤٢ وقال حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٦٠٥ ]
واحرقوا رحله" (^١)، ومعلوم أن هذا على وجه التغليظ ولم يأمر بقطعه فلو كان القطع واجبًا لأمر به، فإن سرقها بعد حيازتها يذكر في باب السرقة.
فصل [٨ - الغال لا يحرم]:
وإنما قلنا إنه لا يحرم سهمه خلافًا لقوم (^٢) لأنه قد استحق السهم بحضور سببه من القتال والحضور وغلوله لا يخرجه عن ذلك فلم يجب سهمه (^٣)، ولأنه ليس في الغلول إلا ركوب أمر محرم وذلك طارئ بعد استحقاق السهم فلا يؤثر فيه.
فصل [٩ - في الخمس]:
وتخمس الغنيمة وسائر أنواعها من عين وعرض (^٤) ونهب وسلب (^٥) ولا يختص القاتلون بالأسلاب إلا أن يرى الإِمام أن يخصهم بها بوجه من الاجتهاد فيكون لهم حينئذ (^٦) وقال الشافعي الأسلاب غير مخمسة وهي للقاتلين دون غيرهم من أهل العسكر (^٧)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٨) فأضاف الغنيمة إلى جماعة الغانمين واستثنى منها الخمس فدل على أن ما عداه لهم سلبا كان أو غيره، وقوله - ﷺ -: "أدوا الخياط والمخيط" (^٩) فعم السلب وغيره، وروي أنه - ﷺ - سئل عن الغنيمة
_________________
(١) أخرجه البيهقي ٩/ ١٠٣ وضعفه، وأخرج أبو داود حديثا قريبا منه في اللفظ في الجهاد باب في عقوبة الغال ٣/ ١٥٧.
(٢) جاء في المغنى: قال أبو بكر: في ذلك روايتان، وقال الأوزاعي: في الصبي يغل يحرم سهمه ولا يحرق متاعه (المغنى ٨/ ٤٧٢).
(٣) سهمه: سقطت من م ور.
(٤) في م: عوض.
(٥) السلب: هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره.
(٦) انظر المدونة ص ١/ ٣٨٦ - ٣٩٠ التفريع ص ١/ ٣٥٨، الرسالة ص ١٩٠.
(٧) انظر الأم ص ٤/ ١٥٣ - ١٥٤، الإقناع ص ١٧٧.
(٨) سورة الأنفال، الآية: ٤١.
(٩) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٦٠٥).
[ ١ / ٦٠٦ ]
فقال: "لله خمسها وأربعة أخماسها للجيش" قيل هل أحد أحق بها من أحد قال: "لا ولا السهم تستخرجه من جنب أخيك المسلم" (^١)، ولأنه مال مغنوم عن المشركين في الحرب فلم يختص به بعض الجيش دون الباقين إلا بإذن الإِمام أصله ما عدى السلب واعتبارا به إذا قتله مُدْبِرًا.
فصل [١٠ - الإِمام ينادي بالسلب]:
وإنما قلنا إن للإمام أن ينادي بذلك إذا رأى ضعفاء من الجيش يرغبهم ويغريهم عن القتال وقد فعل النبي - ﷺ - ذلك يوم حنين ونادي: "من قتل قتيلًا فله النفل" (^٢).
فصل [١١ - في النفل]:
النفل (^٣) كله من الخمس سلبا كان أو غيره والنفل زيادة على السهم لمن ليس من أهل السهم يفعله الإِمام لرأي يراه ويخص به إنسانا بعينه لحراسة أو محاصرة أو تجسيس أو تخبرا وزيادة عناء أو حسن بلاء أو غير ذلك مما يؤديه اجتهاده إليه فيكون ذلك من الخمس لأن الأربعة الأخماس ملك للغانمين فلا يجوز له أن يهب ملك غيره (^٤)، والأصل فيه قوله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٥) فدل مفهومه أن الأربعة الأخماس للغانمين، وقوله - ﷺ -: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البيهقي: ٩/ ٦٢ بإسناد صحيح (مسالك الدلالة ١٦٩).
(٢) أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب: ٤/ ٥٧ ومسلم في الجهاد والسير باب استحقاق القاتل لسلب القتيل: ٣/ ١٣٧٠.
(٣) النفل: ما يعطى الإمام من خمس الغنيمة لمستحقها لمصلحة (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ١٥١).
(٤) انظر الموطأ: ١/ ٤٥٤ - ٤٤٥، المدونة: ١/ ٣٩٠ - ١٩١، التفريع: ١/ ٣٥٨.
(٥) سورة الأنفال: الآية: ٤١.
(٦) أخرجة أبو دواد في الجهاد باب الإِمام يستأثر بشيء من الفيء: ٢/ ٧٤.
[ ١ / ٦٠٧ ]
مسألة [١٢ - حكم ما غنم المسلمون من أموال المسلمين]:
ما حصل في أيدي العدو من أموال المسلمين على وجه الإغارة فإن أسلم من حصل في يديه وهو معه فلا سبيل لمالكه من المسلمين عليه وهو ملك لمن أسلم عليه (^١) خلافًا للشافعي في قوله: أنه على ملك المسلم يكون له بغير ثمن (^٢) لقوله - ﷺ -: "الإِسلام يجب ما قبله" (^٣) ولأن للكفار شبه ملك على ما حازه من أموال المسلمين يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (^٤) فسماهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم ديارهم وأموالهم، ولأنه لا خلاف أنهم لو استهلكوه حال شركهم ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه للزمه غرمه فدل ذلك على ثبوت شبهة ملك للمشرك.
فصل [١٣ - المال يعود إلى المسلمين بالغنيمة]:
فإذا ثبت هذا فإن عاد إلى المسلمين بالغنيمة في دار الحرب قبل إسلام من كان في يده فإن علم أنه ملك لمسلم لم يجز للجيش تملكه ولزم تركه إلى أن يأتي ربه، وإن لم يعلم أنه مال لمسلم (^٥) فللغانمين تملكه واقتسامه فإن أتى وأقام البينة على تملكه قبل قسمته فهو له بغير ثمن خلافًا لعمرو بن دينار (^٦) في قوله: أنه ملك لمن غنمه دون ربه (^٧)، وإن لم يعلم حتى قسم فصاحبه أولى به بالثمن فإن
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩، التفريع: ١/ ٣٥٨، الرسالة ١٩٠.
(٢) انظر مختصر المزني ص ٢٧٣.
(٣) أخرجه أحمد: ٤/ ١٩٩، وأبو عوانة والحاكم: ٣/ ٤٥٤ وصححه الألباني في إروائه ٥/ ١٢١ وقد سبق.
(٤) سورة الحشر: الآية: ٨.
(٥) في ق: مسلم.
(٦) عمرو بن دينار: الإِمام أبو محمَّد الجمحي شيخ الحرم في زمانه سمع من ابن عباس وجابر وابن عمر وحدث عن ابن أبي مليكة وقتادة والزهري ثقة ثبت، ت ١٣٨ (انظر تقريب ص ٤٢١ وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٠).
(٧) وقاله الزهري أيضًا (انظر المغني: ٨/ ٤٣٠).
[ ١ / ٦٠٨ ]
لم يبذل قيمته فليس له أخذه خلافًا للشافعي في قوله أنه له بغير ثمن قبل القسم وبعده (^١).
فصل [١٤ - إذا علم بملكه قبل قسمه]:
وإنما قلنا إنه إذا علم به قبل القسم فهو لمالكه بغير ثمن لحديث ابن عباس قال: وجد رجل من المسلمين بعيرا له في المغنم قد كان أصابه المشركون فقال لي النبي - ﷺ -: "إن وجدته في المغنم فخذه وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن" (^٢)، وحديث ابن عمر أنه ذهب فرس له فأخذها فظهر عليهم المسلمون فردت عليه في زمان النبي - ﷺ - (^٣)، ولأنه على أصل ملكه (^٤) لم يزل عنه بقسم ولا بإسلام من هو في يديه وقد زالت شبهة الملك عمن كان يزيده بعوده إلى المغانم فكان ملكًا لصاحبه.
وإنما شرطنا أن يعلم ذلك ببينة لأن الظاهر أنه من أموال الكفار وأنه بين المسلمين في جملة الغنائم ومدعيه يزعم أنه هو مستحق (^٥) له دونهم بأصل الملك وأنه لا يستحق قسمة فلا يقبل منه إلا ببينة.
فصل [١٥ - إذا قسم ملكه لم يكن له إلا بالثمن]:
وإنما قلنا إنه إذا قسم لم يكن له إلا بالثمن للحديث الذي رويناه وفيه: "فإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن" (^٦) وهذا نص، ولأنه لما جاز أن يملك
_________________
(١) انظر مختصر المزني ص ٢٧٣.
(٢) أخرجه الدارقطني: ٤/ ١١٤، والبيهقي: ٥/ ١١١ عن الحسن بن عمارة وهو متروك وأخرجه الطبراني في معجمه، وأبو داود في مراسيله في حديث آخر (انظر نصب الراية: ٣/ ٤٣٤).
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم: ٤/ ٣٥.
(٤) في ق: ولأنه أصل ملك.
(٥) في م: أنه المستحق.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ١ / ٦٠٩ ]
المسلم على الكافر بالقهر والغلبة جاز أن يملك الكافر عليه بمثل ذلك، ولأن قسم الإِمام قد قطع حق صاحبها منها مع تقدم شبهة يد الكافر عليها، ولأن من حصلت يزيده بالقسم أخذها بحق سهمه (^١) بحكم الإِمام فلو قلنا أنها تؤخذ منه بغير بذل لأدى ذلك إلى بطلان (^٢) حقه من الغنيمة لأن الإِمام لا يغرمه له ولا يقدر أن يرجع به على الغانمين.
فصل [١٦ - إذا بذل الثمن كان أولى به]:
وإنما قلنا إنه إذا بذل الثمن كان أولى به ممن حصل في يده لأنه مقدم عليه (^٣) بحرمة تقدم الملك ولأنه إذا أعطاه الثمن (^٤) صار الثمن كأنه هو المستحق وفي الحديث "فأنت أحق به بالثمن" (^٥).
مسألة [١٧ - الأكل من الغنيمة]:
ويجوز للعسكر أكل الطعام وذبح الماشية وأخذ العلوفات قبل القسم ولا يحاسبون به في الغنيمة (^٦) لأن الصحابة كانوا يفعلون ذلك (^٧)، ولم ينقل أنه - ﷺ - أنكر ذلك (^٨) عليهم ولا أحد من الأئمة بعده ولا أنهم تشاحوا في طعام ولا علوفة، ووصى أبو بكر الصديق (^٩) ﵁ بذلك يزيد بن أبي
_________________
(١) في م: بغير سهمه.
(٢) في م: إبطال.
(٣) في م: عليهم.
(٤) الثمن: سقطت من م.
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٦) انظر المدونة: ١/ ٣٩٤، التفريع: ١/ ٣٦٢، الرسالة ص ١٩٠.
(٧) عن ابن عمر ﵄ قال: كنا نصيب في المغازي العسل أو الفاكهة فنأكله ولا نرفعه، أخرجه البخاري في فرض الخمس باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب: ٤/ ٦١، وأثر أبو بكر الذي سيأتي ذكره من المصنف.
(٨) ذلك سقطت من م.
(٩) الصديق: سقطت من ق.
[ ١ / ٦١٠ ]
سفيان (^١) قال: لا تذبحن شاة إلا لمأكلة (^٢) ولأن بالعسكر حاجة إلى ذلك لهم ولخيلهم ولو منعوا منه لضاق بهم ولاحتاجوا إلى (^٣) الشراء أو استعداد ما يكفيهم إلى آخر الحرب من دار الإِسلام وذلك باطل.
فصل [١٨ - فيمن يسهم له في قسم الغنائم]:
ومن مات واصلا (^٤) في أرض العدو وقبل القتال فلا سهم له ومن جاء بعد انقضاء الحرب فلا سهم له وإن حضر القتال فقاتل أو كثر أسهم له يعني إلى انقضاء الحرب أو قاتل ومات ويأخذ ورثته سهمه، وإن حضر مريضا لا يمكنه القتال متى انقضت فله سهمه (^٥).
فصل [١٩ - فيمن مات قبل القتال]:
وإنما قلنا من مات قبل القتال فلا سهم له لأنه لم يحصل منه قتال ولا حضور لسببه فيكثر ولا أثر فيه (^٦) يفعل أصلًا فكان بمنزله أن يموت في دار الإِسلام، ولأن القتال سبب الغنيمة دون الخروج لأنه قد يلقى العدو إذا خرج وقد لا يلقاه.
فصل [٢٠ - فيمن جاء بعد انقضاء الحرب]:
وإنما قلنا إن من جاء بعد انقضاء الحرب فلا سهم له خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن المدد إذا جاء بعد تقضى الحرب والغنيمة لم تحمل إلى دار الإِسلام فإنه يسهم له وإن حملت إلى دار الإِسلام لم يسهم له (^٧)، لقوله تعالى:
_________________
(١) يزيد بن أبي سفيان: بن حرب الأموي أخو معاوية صحابيّ مشهور أمره عمر على دمشق متى مات بها سنة ١٨ هـ بالطاعون (انظر تقريب التهذيب ص ٦٠١، سير أعلام النبلاء: ١/ ٣٢٨).
(٢) سبق تخريج الأثر في الصفحة ٦٠٤.
(٣) في ق: تكليف.
(٤) في م: فاصلا.
(٥) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٣٩١ - ٣٩٤، التفريع: ١/ ٣٦٠، الرسالة ص ١٩٠.
(٦) في م: منهم.
(٧) انظر مختصر الطحاوي ص ٢٨٥، مختص القدوري: ٤/ ١٢٥.
[ ١ / ٦١١ ]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (^١) فجعل بما في الغنيمة لمن غنمها ومن جاء بعد تقضى الحرب فلم يغنم شيئًا فلم يكن له، وروي (الغنيمة لمن شهد الوقيعة) (^٢) وأظن بعضهم رفعه، ولأنه لم يحضر الحرب ولم يحصل منه قتال (فأشبه إذا جاء بعد الغنيمة ولأن من جاء بعد انقضاء الحرب ولم يحصل منه قتال) (^٣) ولا معاونة عليها فأشبه من جاء بعد عودة الناس إلى دار الإسلام.
فصل [٢١ - يسهم لمن شهد القتال قاتل أو لم يقاتل]:
وإنما قلنا إن من شهد القتال فله سهمه قاتل أو لم يقاتل فلأنه حضر سبب الغنيمة وهو القتال، ولأنه ليس كل الجيش يقاتل لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب لأنه يحتاج أن يكون بعضهم في الردء (^٤) وبعضهم يحفظون السواد وبعضهم في العلوفة على حسب ما يحتاج إليه في الحرب، فلو قلنا أنهم يقاتلون كلهم لم يستمر على ما بيناه، (ولو قلنا إنه لا يستحق إلا من قاتل لكان كل الجيش يقاتلون فيبطل التدبير) (^٥)، ولذلك قلنا أن المريض يسهم له لأنه قد شهد الوقعة (^٦) وحصل منه التكثير، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ (^٧)، أي كثروا (^٨).
_________________
(١) سورة الأنفال: الآية: ٤١.
(٢) أخرجه البيهقي: ٩/ ٥٠ - ٥١ مرفوعًا وموقوفًا وقال الصحيح إنه موقوف وأخرجه ابن أبي شيبة والطبراني وابن عدي من طريق بخترى بن مختار عن عبد الرحمن بن مسعود عن علي موقوفًا (تلخيص الحبير: ٣/ ١٠٢).
(٣) ما بين قوسين سقط من م.
(٤) في م: رداء.
(٥) ما بين قوسين سقط من م.
(٦) في م: قد حضر الوقيعة.
(٧) سورة آل عمران: الآية، ١٦٧.
(٨) انظر تفسير الطبري ٧/ ٣٨٠ قاله السدي.
[ ١ / ٦١٢ ]
فصل [٢٢ - سهم المقتول في أول الحرب]:
وإنما قلنا إن له سهمه وإن قتل في أول الحرب لأنه قد استحقه بالقتال والحضور، فإن بقي كان له وإلا فلورثته لأنّه حق تركه فوجب أن يورث عنه.
فصل [٢٣ - السهام للأجراء والصناع في الحرب إذا لم يقاتلوا؟]:
ولا يسهم للأجراء والصناع المتشاغلين باكتسابهم (^١) خلافًا لمن قال: إنه يسهم لهم (^٢) لقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٣) ففرق بين حكميهما (^٤)، ولأنه لم يحصل منه المعنى الذي يستحق به السهم وهو القتال والتكثير والمعاونة لأنه إنما حضر لخدمة من استأجره أو لغرض من الأغراض (^٥) غير القتل فلم يستحق السهم.
فصل [٢٤ - الأجير يقاتل]:
فأما من قاتل فله سهمه خلافًا لمن قال لا سهم (^٦) له أصلًا (^٧) لأنه ممن خوطب بالجهاد فإذا قاتل أسهم له كغير الأجير، ولأنه ليس في كونه أجيرا أكثر من أنه عوض على منافعه وذلك لا يمنع السهم له إذا قاتل كالذي يحج عن غيره (^٨) ومعه تجارة أو يؤاجر نفسه للخدمة لأن ذلك لا يمنع صحة الحج.
فصل [٢٥ - هل يسهم للعبد والمرأة والصبي؟]:
ولا يسهم لعبد ولا امرأة ولا صبي لأن هؤلاء فرض الجهاد ساقط عنهم فلم
_________________
(١) انظر التفريع: ١/ ٣٦٠، الرسالة ص ١٩٠.
(٢) في إحدى الروايتين عن أحمد: يسهم لهم (انظر المغني: ٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩).
(٣) سورة المزمل: الآية، ٢٠.
(٤) في ق: حكمها.
(٥) من الأغراض: سقطت من ق.
(٦) في م: لا يسهم.
(٧) قاله أحمد (انظر المغني: ٨/ ٤٦٧).
(٨) عن غيره سقطت من ق.
[ ١ / ٦١٣ ]
يسهم لهم (^١) ولا بأس أن يرضخ (^٢) للمعاونة الحاصلة منهم فأما الصبيّ المراهق إذا أطاق القتال فيسهم له عندنا (^٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤) لحديث سمرة ابن جندب (^٥) قال: كان رسول الله - ﷺ - يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه عامًا فألحق غلامًا وردني فقلت يا رسول الله: ألحقته ورددتني ولو صارعني لصرعته قال: فصارعني فصرعته فألحقني (^٦)، ولأنه قد وجد فيه ما يوجد في البالغ من القتال والمكابدة للعدو وهو من الجنس الذي يسهم له فكان كالبالغ.
فصل [٢٦ - سهم الفارس والفرس]:
للفارس ثلاثة أسهم سهم له وسهمان لفرسه (^٧) خلافًا لأبي حنيفة في قوله أن له سهمين (^٨) لما رواه ابن عمر (أنه - ﷺ - كان يسهم للخيل للفرس سهمين وللفارس سهما) (^٩)، ورواه ابن عباس (^١٠) وغيره، ولأن الفارس لما زيد على الراجل لكثرة مؤونته وكانت مؤونة الفرس أكثر من مؤونة فارسه فوجب أن يزاد له أيضًا بمثل ما له زيد فارسه على الراجل.
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٣٩٣، التفريع: ١/ ٣٦٠، الرسالة ص ١٩٠.
(٢) يرضخ لهم: أن يعطيهم شيئًا ليس بالكثير (المصباح المنير ٢٢٨).
(٣) انظر التفريع: ١/ ٣٢، الرسالة ص ١٩٠.
(٤) انظر مختصر القدوري: ٤/ ١٣٢، الإقناع ص ١٧٥.
(٥) سمرة بن جندب: بن هلال الفزاري حليف الأنصار صحابيّ مشهور له أحاديث مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (انظر تقريب التهذيب ص ٢٥٦، سير أعلام النبلاء: ٣/ ١٨٣).
(٦) أخرجه البيهقي: ١٠/ ١٨ وأبو داود في المراسيل.
(٧) انظر المدونة: ١/ ٣٩١، التفريع: ١/ ٣٦٠ - ٣٦١، الرسالة ص ١٩٠.
(٨) انظر مختصر الطحاوي ص ٢٨٥، مختصر القدوري ٤/ ١٣١.
(٩) أخرجه البخاري في الجهاد باب سهام الفرس: ٣/ ٢١٨، ومسلم في الجهاد باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين: ٣/ ١٣٨٣.
(١٠) حديث ابن عباس أخرجه الطبراني وأبو يعلى (انطر مجمع الزوائد: ٣/ ٤٤٣) =
[ ١ / ٦١٤ ]
فصل [٢٧ - سهم الراجل]:
وللراجل (^١) سهم لأن النبي - ﷺ - كذلك أسهم له وأضعف للفارس والفرس، ولأن ذلك يوجب المساواة إلا أن يكون هناك معنى يقتضي الزيادة وليس ذلك بالفرس وقد ذكرناه.
فصل [٢٨ - فيمن كان له عدة أفراس]:
وإذا كان له عدة أفراس لم يسهم إلا لواحد (^٢) خلافًا لأبي يوسف وغيره (^٣) في قوله: إنه يسهم لفرسين ولا يسهم لما زاد عليهما ولابن الجهم (^٤) من أصحابنا؛ لأن النبي - ﷺ - لم يسهم إلا لواحد في حروبه كلها، وكذلك الأئمة بعده، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك رفاهة وزيادة لا يؤثر في زيادة السهمين كالذي معه زيادة سيوف أو رماح واعتبارا بالثالث والرابع.
فصل [٢٩ - الإسهام للهجن والبراذين]:
والهجن (^٥) والبراذين (^٦) إن أجازها الإِمام أسهم لها (^٧) لأنها في جنس الخيل
_________________
(١) = وقال الترمذي: روى الحديث عن ابن عباس وجمع من جارية، وابن عمرة عن أبيه ذكر ذلك الترمذي في سننه: ٤/ ١٠٥.
(٢) انظر المدونة: ١/ ٣٩٢، التفريع: ١١/ ٣٦٠.
(٣) انظر الموطأ: ١/ ٤٥٧، التفريع: ١/ ٣٦٠.
(٤) انظر مختصر الطحاوي ص ٢٨٥، مختصر القدوري: ٤/ ١٣٢.
(٥) ابن الجهم: أبو بكر محمَّد بن أحمد بن أحمد بن الجهم، سمع القاضي إسماعيل وروى عن إبراهيم بن حماد وعنه أبو بكر الأبهري وجماعة، ت ٣٢٩ هـ، (شجرة النور الزكية ٧٨ - ٧٩).
(٦) الهجن: هي الإبل، والهجين ما كان أبوه عربي وأمه نبطية (الصحاح: ٦/ ٢٢١٦).
(٧) البراذين: جمع برذون: وهو فرس عظيم الخلقة غليظ الأعضاء (لسان العرب: ١٣/ ٥١).
(٨) انظر المدونة: ١/ ٣٩١، والتفريع: ١/ ٣٦١.
[ ١ / ٦١٥ ]
العتاق وتولدها، وإنما شرطنا إذن الإِمام لأن الإنتفاع بها يختلف بحسب المواضع فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال والعتاق (^١) تصلح للمواضع التي يأتي فيها الكر والفر فكان ذلك متعلقا برأي الإِمام، والعتاق خيل العرب والهجن والبراذين خيل الفرس والروم.
فصل [٣٠ - الإسهام للبغل والحمار والبعير]:
ولا يسهم لبغل ولا حمار ولا بعير (^٢) لقوله - ﷺ -: "للفرس سهمان (^٣) " فخصه بالإسهام، ولأنه لم ينقل عنه أنه - ﷺ - أسهم لما سوي الخيل ولا الأئمة بعده، ولأنه لا يتأتى القتال عليها ولا تصلح للكر ولا للفر وإنما تصلح للحمولة.
فصل [٣١ - في قسمة غنيمة السرية]:
إذا خرجت سرية (^٤) من عسكر فغنمت بينهما وبين بقية العسكر، وإن خرجت من بلد لم يقسم لأهل البلد معهم (^٥)، والفرق بين الموضعين أنها إذا خرجت من جملة عسكر فبقية العسكر ردء لها وعون فبقوتهم وصلت إلى الإنفراد لأنه لو دهمها أمر لأمدها بقية العسكر ولولا أنهم خلفها لما أقدمت على التقدم والإنفراد، وليس كذلك إذا خرجت من بلد لأن أهل البلد ليسوا عونا لها حينئذ ولا ردءًا بدليل أنه لو دهمها أمر لم يصل أهل البلد إلى معونتها ولا انتفعت بهم بانقطاعهم عنها فإذا كان كذلك وجب انفرادها بما غنمت.
_________________
(١) العتاق: مفرده عتيق وهو الخيار من كل شيء، فرس عتيق: رائع كريم بين العتق (الصحاح: ٤/ ١٥٢١).
(٢) الموطأ: ١/ ٤٥٧، التفريع: ١/ ٣٦١.
(٣) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٤) السرية: قطعت من الجيش، فهي تسري في خفية (المصباح المنير ص ٢٧٥).
(٥) المدونة: ١/ ٣٩٠، التفريع: ١/ ٣٥١.
[ ١ / ٦١٦ ]
مسألة [٣٢ - غنيمة أموال أهل الحرب]:
ما غنم من أموال أهل الحرب على وجهين: منه مغنوم بقتال أو إيجاف (^١) عليه بخيل أو ركاب فهذا يخمس فيكون خمسه للإمام وأربعة أخماسه للغانمين (^٢) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (^٣) فدل على أن أربعة أخماسه للغانمين، وقوله - ﷺ -: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس" (^٤) فدل أن الباقي لهم.
ومنه مغنوم بغير إيجاف ولا حاجة إلى قتال وذلك هو ما ينجلي عنه أهله ويتركونه رهبة (^٥) وفزعا فهذا لا يقسم بل يصرف جميعه في مصالح المسلمين وحكمه حكم الخمس من الغنيمة خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه يخمس (^٦) والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٧) فأخبر تعالى بأن استحقاقهم القسم لا يكون إلا بإيجافهم، وروي أنه - ﷺ - لما نزل علي بني النضير فزعوا وجعلوا ينقبون الحصون ويهربون وحاز هو - ﷺ - الديار بما فيها فانتظر المسلمون القسم بينهم فنزلت هذه الآية (^٨).
_________________
(١) الإيجاف: التحريك والإيقاف والسير القتال، وقولهم ما حصل بإيجاف أي بأعمال الخيل والركاب في تحصيله (غرر المقالة ص ١٩٠).
(٢) انظر المدونة: ١/ ٣٧٤ و٣٨٦ - ٣٨٧، التفريع: ١/ ٣٥٨، الرسالة ص ١٩٠.
(٣) سورة الأنفال: الآية، ٤١.
(٤) سبق تخريج الحديث ص ٦٠٧.
(٥) في م: هيبة.
(٦) انظر مختصر القدوري: ٤/ ١٣٦.
(٧) سورة الحشر: الآية، ٦.
(٨) سبق تخريج الحديث ص ٦٠٣.
[ ١ / ٦١٧ ]
فصل [٣٣ - حكم الفيئ والخراج والجزية]:
الفيئ (^١) وخمس الغنيمة والخراج (^٢) والجزية (^٣) حكم كله واحد لا يخمس شيء منه بل يأخذ الإِمام من كفايته وعياله (^٤) بغير تقدير بل لو احتاج إلى جميعه لأخذه (^٥) ويصرف الباقي في مصالح المسلمين من بناء القناطر والمساجد وعمارة الثغور وأرزاق القضاة على حسب ما يؤديه إليه اجتهاده، (ويعطى من قرابة النبي - ﷺ - على ما يؤديه اجتهاده) (^٦)، وقال أبو حنيفة: يقسم خمس الغنيمة على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل، قال وسهم النبي - ﷺ - وقد سقط بموته (^٧)، وقال الشافعي يقسم خمسة أخماس (^٨): سهم للنبى - ﷺ - ويصرف اليوم في مصالح المسلمين وسهم لذوي القربى غنيهم وفقيرهم، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل (^٩).
وحكى عن طاوس وغيره زيادة سهم سادس وهو ما ينصرف إلى عمارة الكعبة (^١٠)، فدليلنا قوله - ﷺ -: "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس
_________________
(١) الفيئ: هو المأخوذ من مال كافر مما سوى الغنيمة وسوى المختص بأخذه المحدودين (حدود ابن عرفة وشرح الرصاع ص ١٤٨).
(٢) الخراج: وهو ما يحصل من غلة الأرض ولذلك أطلق على الجزية (المصباح المنير ص ١٦٦).
(٣) والجزية: ما ألزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإِسلام بصونه (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ١٤٥).
(٤) في م: عماله.
(٥) في م: الكافي له أخذه.
(٦) ما بين قوسين سقط من ق.
(٧) انظر مختصر الطحاوي ص ٢٨٤ - ٢٨٥، ومختصر القدوري: ٤/ ١٣٣.
(٨) أخماس: سقطت من م.
(٩) انظر مختصر المزني ص ٢٧٠، الإقناع ص ١٧٩.
(١٠) وقاله أبو العالية (انظر المغني: ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
[ ١ / ٦١٨ ]
مردود فيكم" (^١)، ولم يقل أن خمس الخمس مردود فدل على أن ما زاد على قدر كفايته منه ينصرف في مصالح المسلمين، ولأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله عليهم قسموا الخمس (^٢) على الاجتهاد (^٣).
وروي أن أبا بكر وعمر ﵄ (^٤) كانا لا يعطيان من سهم النبي - ﷺ - إلا الفقراء (^٥) وأن عمر بن الخطاب تلى قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ..﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^٦) فقال: إنَّ (^٧) هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم حتى الراعي بعدن (^٨).
وروي أن عليا دخل على عمر ﵄ في المرض الذي مات فيه فأعطاه سهم ذوى القربى فقال على ﵁: أن بناء العام غنى عنه وبالناس (^٩) حاجة فاقسمه فيهم (^١٠)، ولأنه نصيب من الخمس فجارٍ صرفه إلى الفقراء ومصالح المسلمين اعتبارا بما عدى خمسه ﵇، وأما عمارة الكعبة فلم ينقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحد من الأئمة أن لها سهما مقدرا فكانت كسائر المصالح إن احتيج إلى عمارتها أنفق عليها بقدر الحاجة.
_________________
(١) سبق تخريج الحديث ص ٦٠٧.
(٢) في م: خمس الخمس.
(٣) انظر في تخريج هذه الآثار: البيهقي: ٦/ ٣٤٣، الأموال ص ٣٣٥.
(٤) ﵄: سقطت من ق.
(٥) أخرجه البيهقي: ٦/ ٢٩٦ - ٣٠٢.
(٦) سورة الحشر: الآية، ٦.
(٧) في م: أرى.
(٨) أخرجه البيهقي: ٦/ ٣٥١، عبد الرزاق: ٤/ ١٥١.
(٩) في م: فأقسمه في الناس.
(١٠) انظر عبد الرازق: ٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨، الطحاوي: ٢/ ٣٦.
[ ١ / ٦١٩ ]
مسألة [٣٤ - في الأسارى]:
الإِمام في الأسارى مخير بين أشياء (^١):
إما قتلهم أو استرقاقهم أو فدائهم أسارى إن كانوا في أيدي العدو من المسلمين، أو منَّ عليهم وأطلقهم بغير شيء، أو عقد ذمة على أداء الجزية في بلادنا فإذا لم يقتلهم فبأي وجه (^٢) رآه من هذه الوجوه فقد حصل لهم معه الأمان فلا يجوز بعده قتلهم.
فصل [٣٥ - جواز قتل الأسارى]:
فأما جواز قتلهم فلا خلاف فيه (^٣) إلا ما يحكى عن بعض التابعين (^٤)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (^٥) قيل بالقتل الكثير (^٦)، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٧)، ولأنه - ﷺ - قتل جماعة من الأسارى منهم عقبة والنضر بن الحارث وغيرهما (^٨)، وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال في الفجاءة: وددت أني لم أحرقه وكنت قتلته سريحا أو أطلقته نجيجا (^٩)، وقتل
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٣٧٤، التفريع: ١/ ٣٦١ - ٣٦٢، الرسالة: ٢/ ٣٦.
(٢) وجه: سقطت من ق.
(٣) انظر بداية المجتهد: ٦/ ١٠.
(٤) كان الحسن يكره قتل الأسير حكاه أشعت (انظر أحكام القرآن للقرطبي- ١٦/ ٢٢٧).
(٥) سورة الأنفال: الآية، ٦٧.
(٦) انظر تفسير الطبري: ١٠/ ٤٢.
(٧) سورة التوبة: الآية ٥.
(٨) أخرج هذا الحديث الطبراني والشافعي والبيهقي: ٩/ ٦٤ - ٦٥، ابن أبي شيبة: ١٤/ ٣٧٢ والدارقطني وأخرجه أبو داود في مراسيله وأبو عبيد في الأموال (انظر نصب الراية: ٣/ ٤٠٢، ومجمع الزوائد: ٦/ ٩٢).
(٩) الفجاءة: هو إياس عبد الله بن عبد ياليل -حرقه أبو بكر وهو مقموط لأنه زعم =
[ ١ / ٦٢٠ ]
أبو موسى الأشعرى دهقان السوس (^١) وكان أعطاه الأمان على جماعة لم يدخل نفسه فيهم وليس في ذلك خلاف يعتمد عليه.
فصل [٣٦ - في استرقاق الأسارى]:
فأما جواز استرقاقهم فلأنهم جنس مشركون فجاز استرقاقهم إذا رآه الإِمام كالنساء والعبيد والصبيان، ولأنه ليس في كونهم رجالا بالغين إلا خيفة المقاتلة وذلك لا يمنع استرقاقهم كالصبيان إنه يخاف منهم المقاتلة بعد الكبر ثم لا يمنع ذلك استرقاقهم.
فصل [٣٧ - استبقاء الأسرى على أداء الجزية]:
فأما جواز استبقائهم على أداء الجزية وكونهم أحرارا فاعتبارا، بمن جاءنا ابتداء وسأل عقد الذمة له، ولأن ذلك موجب الظاهر من قوله ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٢) وقوله - ﷺ - لأمرائه: "فإن أبوا فادعهما إلى أداء الجزية (^٣) " (^٤)، ولأنهم لو بذلوا ذلك قبل القدرة عليهم لقبلناهم فكذلك بعدها.
فصل [٣٨ - المفاداة]:
وأما جواز المن عليهم (^٥) أو المفاداة (^٦) بهم خلافًا لأبي حنيفة في منعه الأمرين (^٧)، فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٨)، وهذا نص ولأنه
_________________
(١) = أنه أسلم فجهزه أبو بكر بجيش فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله (انظر قصة الفجاءة في البداية والنهاية: ٦/ ٣٤٤).
(٢) لم أعثر على تخريج لهذا الأثر.
(٣) سورة التوبة: الآية، ٢٩.
(٤) أداء الجزية: سقطت من م.
(٥) سبق تخريج الحديث ص ٦٠٢.
(٦) المن: هو إطلاقهم من غير جزية (أحكام القرآن للقرطبي: ١٦/ ٢٢٦).
(٧) المفاداة: وهو إطلاقهم بفدية يدفعونها.
(٨) انظر مختصر القدوري: ٤/ ١٢٤.
(٩) سورة محمَّد: الآية، ٤.
[ ١ / ٦٢١ ]
- ﷺ - إذ أراد قتل أبي عزة الشاعر لما أسر ببدر فقال له أطلقني فإني ذو عيال فأطلقه على أن لا يرجع إلى القتال فمضى إلى المشركين وقال سخرت من محمَّد ثم عاد فقاتل فأخذ فطلب أن يطلق فقال - ﷺ -: "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين" وقتله بيده (^١) وسئل في ثمامه بن أثال (^٢) فمن عليه (^٣)، وقال - ﷺ -: "لو كان مطعم حيا فسألني في هؤلاء لأطلقتهم له" (^٤)، وأما المفاداة فلقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (^٥)، وبفعله - ﷺ - بأسارى بدر أطلقهم على مال أخذه منهم (^٦)، وأطلق أسيرا من عقيل وفادى به رجلين من أصحابه كانا أسيرين من ثقيف (^٧).
فصل [٣٩ - الأمان]:
وإنما قلنا إن كل ذلك يتضمن الأمان لأنه لا يفعل إلا مع الاستبقاء فلم يجز قتلهم من بعد لأنّه قد يكون غدرا، والغدر ممنوع غير جائز لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (^٨)، وقوله - ﷺ -: "ينصب للغادر لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان" (^٩).
_________________
(١) الحديث بهذه القصة أخرجه البيهقي: ٩/ ٦٥ أما قوله - ﷺ - "لا يلسع المؤمن من جحر مرتين" فقد أخرجه مسلم في الزهد والرقائق باب لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين: ٤/ ٢٢٩٥.
(٢) وهو سيد أهل اليمامة.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب وفد بن حنيفة وحديث ثمامة بن أثال: ٥/ ١١٧، ومسلم في الجهاد والسير باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه: ٣/ ١٤٤٢.
(٤) أخرجه البخاري في الجهاد باب من النبي - ﷺ - على الأسارى: ٤/ ٥٣.
(٥) سورة محمَّد: الآية، ٤.
(٦) أخرجه مسلم في الجهاد باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم: ٣/ ١٣٨٣ - ١٣٨٥.
(٧) انظر المستدرك للحاكم ٣/ ٣٢٤.
(٨) سورة الأنفال: الآية، ٥٨.
(٩) أخرجه البخاري في الجزية باب إثم الغادر للبر والفاجر: ٤/ ٧١، ومسلم في الجهاد والسير باب تحريم الغدر: ٣/ ١٣٨٠.
[ ١ / ٦٢٢ ]
فصل [٤٠ - أمان المسلم]:
أمان الحر المسلم العاقل البالغ لازم لا يجوز نقضه ذكرا كان أو أنثى (^١)، وقال عبد الملك أمان من سوى أمير الجيش موقوف على إجازته: فإن رأى أن يمضيه وإلا رده (^٢)، وجه الأول قوله - ﷺ -: "ويسعى بذمتهم أدناهم" (^٣) وهذا عام، لأن أم هانئ (^٤) أجارت رجلًا من المشركين يوم الفتح فقال رسول - ﷺ -: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (^٥) وكذلك العباس (^٦) مع أبي سفيان أجاره بغير أمر النبي - ﷺ - فلم ينكر عليه (^٧)، ووجه الثاني هو أنه لا يؤمن أن يكون في ذلك ضرر على المسلمين فكان موقوفًا على رأي الإِمام، ولأنهم لو رأوا استرقاق الأسارى أو المن عليهم وأباه الإِمام لكان ذلك إليه فكذلك الأمان، ولأن في ذلك افتياتا على الأئمة وتقدما عليهم وذلك غير جائز.
فصل [٤١ - آمان العبد]:
آمان العبد جائز أذن له سيده في القتال أو لم يأذن (^٨) خلافًا لأبي حنيفة في
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٤٠٠ - ٤٠١، الرسالة ص ١٩٠.
(٢) انظر الكافي ص ٢١٠، المقدمات: ١/ ٣٦٨.
(٣) أخرجه النسائي في القسامة باب سقوط القود من المسلم للكافر: ٨/ ٢١ وأبو داود في الديات باب أيقتل المسلم بالكافر: ٤/ ٦٦٦، وأحمد: ٢/ ٢١١ والحاكم مختصر: ٢/ ١٤١ وقال: في التنقيح سنده صحيح (نصب الراية: ٤/ ٣٣٥).
(٤) أم هانئ: بنت أبي طالب الهاشمية اسمها فاختة وقيل هند لها صحبة وأحاديث، ماتت في خلافة معاوية (انظر تقريب التهذيب ص ٥٩).
(٥) أخرجه البخاري في الصلاة باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به: ١/ ٩٤، ومسلم في صلاة المسافرين باب استحباب صلاة الضحى: ١/ ٤٩٨.
(٦) العباس: بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي - ﷺ - مشهور، مات سنة اثنين وثلاثين أو بعدها وهو ابن ثمان وثمانين (انظر تقريب التهذيب ص ٢٩٣، سير أعلام النبلاء: ٢/ ٧٨).
(٧) لم أعثر على تخريج لهذا الخبر.
(٨) انظر المدونة: ١/ ٤٠٠ - ٤٠١، الرسالة ص ١٩٠، الكافي ص ٢٠٩ - ٢١٠.
[ ١ / ٦٢٣ ]
قوله أنه إن لم يأذن له لم يجز أمانه (^١) لقوله: "ويسعى بذمتهم أدناهم" وروي "ويجير عليهم أدناهم" (^٢)، ولأن صحة الأمان لا يتعلق بالإذن في القتال كالحر إذا لم يأذن له الإِمام في القتال.
فصل [٤٢ - أمان الصبي]:
والصبي إذا عقد الأمان جاز أمانه عند ابن القاسم (^٣) لأنه ممن يعقل الأمان كالبالغ.
فصل [٤٣ - قتل النساء والصبيان]:
ولا يقتل النساء ولا الصبيان (^٤) لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (^٥)، ولأنه - ﷺ - نهى عن قتل النساء ولا الصبيان وقال: "لا تقتلوا طفلا أو امرأة" (^٦)، ولأنهم أموال ورقيق للمسلمين.
فصل [٤٤ - قتل الرهبان والشيوخ]:
فأما الرهبان والشيوخ الهرماء (^٧) فلا يقتلوا إلا أن يكون في تبقيتهم ضرر على الإِسلام مثل أن يكونوا من ذوي الرأي والتدبير والمشورة فإن قتلهم جائز (^٨) وقال الشافعي يقتلون وإن لم يكن فيهم ضرر (^٩) ودليلنا قوله - ﷺ -: "ولا تقتلوا شيخا
_________________
(١) انظر مختصر الطحاوي ص ٢٩٢، مختصر القدوري: ٤/ ١٢٦ - ١٢٧.
(٢) سبق تخريج الحديث قريبا.
(٣) انظر المدونة: ١/ ٤٤٠.
(٤) انظر المدونة: ١/ ٣٧٠، التفريع: ١/ ٣٥٧، الرسالة ص ١٨٩.
(٥) سورة البقرة: الآية، ١٩٠.
(٦) أخرجه البخاري في الجهاد باب قتل النساء في الحرب: ٤/ ٢١، ومسلم في الجهاد باب تأمير الأمراء: ٣/ ١٣٥٧.
(٧) في م: الهرم.
(٨) انظر المدونة: ١/ ٣٧٠، الرسالة ص ١٨٩.
(٩) انظر مختصر المزني ص ٢٧٢، الإقناع ص ١٧٦.
[ ١ / ٦٢٤ ]
فانيا" (^١)، وقوله: "ولا تقتلوا أهل الصوامع" (^٢) وروي مثله عن أبي بكر الصديق (^٣) رضوان الله عليه (^٤) ولا مخالف له، ولأنه لا فضل فيهم للقتال ولا ضرر في تبقيتهم على المسلمين كالنساء والصبيان.
فصل [٤٥ - في الرهائن]:
وإذا ارتهن المسلمون من المشركين رهائن فأسلموا وهم في أيدينا رددناهم ولم يجز لنا حبسهم (^٥) خلافًا لمن أبي ذلك لأن في منع ردهم غرر بهم وذلك غير جائز، ولأنه - ﷺ - صالح المشركين يوم الحديبية على أن من أتاه منهم رده إليهم ومن أتاهم منا لم يردوهم فكلمه عمر ﵁ في ذلك فقال - ﷺ -: "من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فرددناه جعل الله له مخرجا" (^٦)، ولأنا إذا لم نرد رهائنهم لم نؤمن غدرهم بالمسلمين لأنهم أيضًا يهتمون (^٧) بالرهائن ما داموا على دينهم، ومراعاة العامة أولى من رعاة الواحد والاثنين، وقد فعل - ﷺ - ذلك مع أبي رافع (^٨) لما جاءه رسولا لهم فأسلم فقال له: ارجع
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في دعاء المشركين: ٣/ ٨٦، والبيهقي: ٩/ ٩٠ من رواية خالد بن الفرز وهو مختلف فيه.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٨٦ وأحمد: ١/ ٣٠٠، والبيهقي: ٩/ ٩٠ من حديث إبراهيم عن إسماعيل وإبراهيم هذا ضعيف.
(٣) الصديق: سقطت من ق.
(٤) البيهقي: ٩/ ٩٠.
(٥) انظر التفريع: ١/ ٣٦٢.
(٦) أخرجه البخاري في الجهاد باب ناقة النبي - ﷺ -: ٣/ ٢٢٠، ومسلم في الجهاد باب صلح الحديبية: ٢/ ١٤٠٩.
(٧) في م ور: أنما يتهمون.
(٨) أبو رافع مولى رسول الله - ﷺ - كان للعباس وهبه للنبي - ﷺ - اختلف في اسمه قيل إبراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز كان قبطيا توفي في خلافة عثمان وقيل في خلافة علي وهو الصواب (الاستيعاب: ٤/ ١٦٥٧).
[ ١ / ٦٢٥ ]
إليهم (^١)، ورد أبا جندل (^٢) وأبا بصير (^٣) يمشيان في قيودهما وجاءاه مسلمين وقال: "سيجعل الله لكما فرجا ومخرجا" (^٤).
فصل [٤٦ - فيمن أسلم على وجه الصلح وله أرض]:
ومن أسلم على وجه الصلح فأرضه ملك له لا يعترض عليه فيها كسائر أملاكه، ومن فتحت أرضه عنوة فهي مغنومة لا يكون أحق بها كسائر الأموال المغنومة عنهم (^٥)، فإن كانت عامرة ووجد الإِمام من يسكنها من المسلمين ويؤدى خراجها تركها وقفا للمسلمين ولم يقسمها كأرض السواد خلافا لمن يقول أنها تقسم (^٦) لإخبار الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى …﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (^٧) وبذلك احتج عمر بن الخطاب ﵁ فقال أن هذه الآية مستوعبة لجميع المسلمين حتى الراعي بعدن (^٨)، وطولب بقسمتها فامتنع فلج به بلال فقال: اللهم اكفني بلالا وذوي بلال (^٩)، ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي ﵄ على مثله (^١٠)، ومع ذلك فإن رأي الإِمام في وقت من الأوقات قسمتها رأيا لم يمتنع أن
_________________
(١) أخرجه الحاكم: ٣/ ٥٩٨.
(٢) أبو جندل: العاص بن سهيل بن عبد شمس بن عبد ود الصحابي الجليل توفي شهيدا في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة (شذرات الذهب: ١/ ٣٠، سير أعلام النبلاء: ١/ ١٩٣).
(٣) أبو بصير: اختلف في اسمه ونسبه، فقيل عبيد بن أسيد بن جارية، وقيل اسمه عتبه بن جارية بن أسيد، وقال ابن إسحاق أبو بصير: عتبه بن أسيد جارية، قصته عام الحديبية مشهورة (الأنساب: ٤/ ١٦١٢).
(٤) أخرجه البخاري في الصلح مع المشركين: ٣/ ١٦٨.
(٥) انظر: الفواكه الدواني: ١/ ٤١٨.
(٦) يقول ابن حزم بتقسيمها (انظر: المحلى: ٧/ ٣٤٤).
(٧) سورة الحشر: الآية، ٧ - ١٠.
(٨) سبق تخريج الأثر.
(٩) انظر البيهقي: ٦/ ٣٥١.
(١٠) انظر عبد الرزاق: ٥/ ٢٣٧.
[ ١ / ٦٢٦ ]
يقال له ذلك فيما يفتحه من بعد، ولأن النبي - ﷺ - قد غنم غنائم وأراضي لم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر (^١)، وهذا إجماع السلف والله أعلم.
(تم كتاب الجهاد ولله الحمد) (^٢).
…
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة خيبر: ٥/ ٧٢.
(٢) ما بين قوسين سقط من ق.
[ ١ / ٦٢٧ ]