بسم الله الرحمن الرحيم (^٢): الحج (^٣) فرض على مستطيعه من أحرار المكلفين (^٤) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٦)، قيل: معناه من لم ير الحج واجبًا (^٧)، وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٨)، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (^٩)، وقوله ﷺ: "بني الإِسلام على خمس: فذكر الحج" (^١٠)، وقوله للذي يسأله عن الإِسلام: "وحج البيت" (^١١)، وقوله: "حجوا قبل أن لا تحجوا" (^١٢)،
_________________
(١) في (م): كتاب المناسك في الحج.
(٢) بسم الله الرحمن الرحيم: سقطت من (م).
(٣) الحج: لغة القصد، واصطلاحًا: عبادة يلزمها الوقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحِجَّة (غرر المقالة ص ١٧٣، حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ٩٩).
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣١٥، الرسالة.
(٥) و(^٦) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٩، رواه عن الحسن.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٨) سورة الحج، الآية: ٢٧.
(٩) سبق تخريج الحديث ص ٣٥٩.
(١٠) سبق تخريج الحديث.
(١١) أخرجه البيهقي: ٤/ ٣٤١، والحاكم ١/ ٤٤٨، وروي بلفظ: "من أراد الحج فليتعجل" أخرجه الإمام أحمد: ١/ ٢١٤، وابن ماجه: ٢/ ٩٦٢، وأبو داود: ١/ ٤٠٢.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وقوله: "إن الله فرض عليكم الحج" (^١)، ولإجماع الأُمة عليه من غير خلاف (^٢).
فصل [١ - وجوب الحج مرة في العُمر]:
ووجوبه مرة في العمر غير متكرر (^٣) لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٤)، وذلك يفيد أقل ما يتناوله الاسم، وروي أنه صلى الله عليه سُئل عند نزول هذه الآية فقيل: الحج كل عام فقال: "الحج مرة، ولو قلت: نعم لوجبت" (^٥).
فصل [٢ - شروط وجوب وأداء الحج]:
شروط وجوبه وأدائه ستة (^٦): وهي البلوغ والعقل والحرية والإِسلام والاستطاعة وإمكان المسير (^٧)، فأما العقل والبلوغ، فلقوله ﷺ: "رفع القلم عن ثلاثة فذكر: الصبيّ حتى يبلغ، والمغلوب حتى يفيق" (^٨)، ولأنه من عبادات الأبدان كالصلاة والصوم (^٩).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر: ٢/ ٩٧٥.
(٢) انظر: المجموع: ٧/ ٧، المغني: ٣/ ٢١٧.
(٣) انظر: الرسالة ص ١٧٣، الرسالة ص ١٣٣.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٥) أخرجه مسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر: ٢/ ٩٧٥.
(٦) في شروط وجوب الحج، انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥، التفريع: ١/ ٣١٥، الكافي ص ١٧٣.
(٧) في (م): السير.
(٨) سبق تخريج الحديث.
(٩) في (م): كالصيام والصلاة.
[ ١ / ٤٩٨ ]
فصل [٣ - دليل شرط الحرية في الحج]:
وأما الحرية فلقوله ﷺ: "أيما عبد حج ثم أعتق (^١) فعليه أن يحج" (^٢)، ولأن العبد منافعه مملوكة عليه فلا يستحق على السيد منها إلا قدر ما ورد به الشرع.
فصل [٤ - دليل شرط الإِسلام في الحج]:
وأما الإِسلام فإن قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة مع الإقامة على كفرهم بشرط أن يسلموا فيفعلوا كان الإِسلام شرطًا في الأداء، وإن قلنا: إن الوجوب لا يتوجه عليه إلا بعد إسلامهم (^٣) كان شرطًا في الوجوب.
فصل [٥ - في إمكان المسير]:
وأما إمكان المسير، فمن أحكام الاستطاعة (^٤)، وهو مختلف باختلاف عادات (^٥) الناس في الأوقات، فإن كان في الطريق عدو قد تحقق طلبه للنفوس والغارات والقطع لا يكاد ينفع معه بذل مال إلا ما يشق ويعظم أو (^٦) لا يؤمن غدره (^٧) لتكرر ذلك منه، فإن الحج يسقط معه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٨)، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٩)، ولأن
_________________
(١) في (م): عتق.
(٢) أخرجه البيهقي: ٤/ ٣٢٥، والحاكم، وابن خزيمة وقال: الصحيح أنه موقوف ورواه الثوري عن شعبة موقوفًا (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٠).
(٣) في (م): الإِسلام.
(٤) الاستطاعة: سقطت من (ق).
(٥) في (ر): عادة.
(٦) في (م): و.
(٧) في (م): عذره.
(٨) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.
(٩) سورة النساء، الآية: ٢٩.
[ ١ / ٤٩٩ ]
المحصور بعدو له أن يتحلل من الإحرام بالحج، فكان بأن لا يلزمه قبل الدخول فيه أولى، وهل ذلك مانع من الوجوب أو الأداء محتمل، والأقوى أن يكون مانعًا من الأداء.
وأما إن علم من حال العدو أنه يطلب شيئًا من المال لا يجحف بالناس ولا يشق ولا يؤثر قدره، وأنه إذا بذل له مكن الناس من الحج ولم يغدر بهم، فإن الحج يلزم معه خلافًا لمن منع ذلك من أصحابنا (^١)، لأن ما يبذل له حينئذ يجري مجرى بعض النفقات والمؤن والضرائب التي لا يسقط معها فرض الحج ولا يؤثر في ذلك كونه جورًا وظلمًا.
فصل [٦ - دليل شرط الاستطاعة في الحج]:
فأما الاستطاعة فإنها شرط في الوجوب لقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٢)، وهي عندنا القدرة على الوصول إلى البيت، وفعل المناسك بكل ما أمكن ذلك معه من قوة ومشي ومال، ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس وقدرهم، فمن كانت عادته المشي وسلوك الطريق بنفسه من غير حاجة إلى راحلة لزمه الحج إذا وجد الزاد ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة، فإن كانت عادته المسألة واستماحة الناس لزمه الحج، وإن عدم الزاد في الحال جرى على عادته في التماسه، وإن كان ممن لا يسأل ولا يقدر على الوصول إلى البيت إلا براحلة لم يلزمه الحج إلا بوجودها، وكل هذا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٣) في قولهم: إن الاستطاعة الزاد والراحلة بمجموعهما؛ لأن الله تعالى قال:
_________________
(١) قال الخطاب في مواهبه: "والذي قاله القاضي في المعونة حسن فلا يسقط عن الموسر دينار من ماله وضرر ذلك يحتمل، وممن قال بسقوط الحج بغير المجحف أبو عمران الفاسي، ذكره في شرح الرسالة، ونقله ابن فرحون والتادلي وغيرهما والله أعلم" (١/ ٤٩٥ - ٤٩٦).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٣) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٧٨، الأم: ٢/ ١١٣.
[ ١ / ٥٠٠ ]
﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^١) فعم، والمال والقدر بالبدن (^٢) تحصل بهما الاستطاعة، يقال: فلان مستطيع بماله وبنفسه، ولأنه قادر على الحج من غير خروج من عادة، ولا بد له كالواجد للراحلة، واعتبارًا بأهل الحرم بعلة تمكنه من الوصول إلى البيت، وفعل المناسك من غير مشقة فادحة، والحديث بيان لمن كانت استطاعته الزاد والراحلة وهو غالب الناس، وأن السائل سائل عن حال نفسه.
فصل [٧ - المعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة]:
والمعضوب الذي لا يستمسك على الراحلة غير مستطيع للحج ولا يلزمه أن يحج عنه غيره من ماله (^٣)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤)، لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٥)، معناه أن يحجوا البيت، فأخبر عن صفة التكليف وهو أن يفعله بنفسه فانتفى بذلك وجوبه على خلاف هذه الصفة، ولأن كل عبادة على البدن لم تدخلها النية مع القدرة لم تدخلها مع العجز كالصلاة، ولأن كل عبادة تعلق فرضها بالبدن مع القدرة لم تنتقل إلى غيره مع العجز كالصلاة والصوم.
فصل [٨ - المرأة تجد الصحبة المأمونة وليس لها محرم]:
وإذا وجدت المرأة صحبة مأمونة لزمها الحج وليس المحرم من الاستطاعة (^٦) خلافًا لأبي حنيفة (^٧)، لأنه سفر مفروض كالهجرة، ولأن وجود من تأمنه وتسكن إليه من النساء يقوم مقام (^٨) المحرم.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٢) والقدر بالبدن: سقطت من (م).
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٣١٥، الكافي ص ١٣٣، المقدمات: ١/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥٩، الأم: ٢/ ١١٣.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٦) انظر: الموطأ: ١/ ٤٢٥، ٤٢٦.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥٩.
(٨) في (ق): مع.
[ ١ / ٥٠١ ]
فصل [- في حكم العُمرة]:
والعمرة (^١) سنة مؤكدة وليست بفريضة (^٢) خلافًا للشافعي (^٣)، لقوله ﷺ وسئل عن الحج أفريضة هو؟ فقال: "نعم"، قيل: والعمرة؟ قال: "لا ولأن تعتمر خير لك (^٤) " (^٥)، وقوله: "الحج جهاد والعمرة تطوع" (^٦)، وقوله: "من مشى إلى مكتوبه فهي كحجة، ومن مشى إلى تطوع فهي كعمرة تامة" (^٧)، ولأنه نسك ليس له وقت معين فلم يكن فرضًا أصله طواف القدوم، ولأن فرائض الأبدان المتعلقة بمكان مخصوص يتعلق بزمان معين، فلما لم يكن للعمرة زمن معين انتفى بذلك كونها فرضا.
فصل [١٠ - دليل سنية العمرة وأنها مرة في العمر]:
وإنما قلنا: إنها سنة لقوله ﷺ: "والعمرة تطوع ولأن تعتمر خير لك" (^٨)، وقوله للأقرع (^٩)، وقد سأله: أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟
_________________
(١) العمرة لغة: الزيادة، واصطلاحًا: عبادة يلزمها طواف وسعي في إحرام جمع فيه بين حل وحرم (غرر المقالة ص ١٧٣، الرصاع ص ١٠٦).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠، والموطأ: ١/ ٣٤٧، التفريع: ١/ ٣٥٢، الرسالة ص ١٨٢.
(٣) انظر: الأم: ١/ ١٣٢، مختصر المزني ص ٦٣، الإقناع ص ٨٤.
(٤) لك: سقطت من (ق).
(٥) أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في العمرة أواجبة أم لا؟ (٣/ ٢٧٠)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ ابن حجر: رواه الترمذي من رواية الحجاج بن أرطأة عن محمَّد بن المنكدر والحجاج ضعيف (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٦) والحديث فيه السؤال عن العمرة فقط.
(٦) أخرجه ابن ماجه في المناسك، باب: العمرة: ٢/ ٩٩٥، وفيه عمر بن قيس متكلم فيه، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده ضعيف (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٧، نصب الراية: ٣/ ١٥٠).
(٧) أخرجه الطبراني مرفوعًا (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٧).
(٨) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٩) الأقرع بن حابس: بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك =
[ ١ / ٥٠٢ ]
فقال: (للأبد) (^١)، ولأنه ﷺ اعتمر وأصحابه وأزواجه (^٢) وسنتها مرة في العمر للحديث الذي رويناه، ولأن مشقتها كمشقة الحج فكانت في حكمه.
فصل [١١ - من مات ولم يحج]:
ومن مات قبل أن يحج لم يلزم الحج عنه من رأس ماله ولا من ثلثه إلا أن يوصي بذلك، فيكون في ثلثه (^٣)، وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله وصى بذلك أم لم يوصي (^٤)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٥)، معناه أن يحجوا، وذلك ممتنع بعد الموت، وقوله ﷺ: "من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا" (^٦)، فلو لزم الحج عنه من ماله لم يغلظ هذا التغليظ، ولأنها عبادة على البدن، فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة، ولأنها عبادة تدخلها الكفارات (^٧) فلم تلزم بعد الموت أصله الصيام (^٨).
_________________
(١) = ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، كان في وفد بني تميم الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - (الطبقات الكبرى: ٧/ ٣٧).
(٢) حديث الأقرع ورد في الحج، وقد أخرجه أبو داود في المناسك، باب: فرض الحج: ٢/ ٣٤٥، والنسائي في مناسك الحج، باب: وجوب الحج: ٥/ ٨٣، وابن ماجه في المناسك، باب: فرض الحج: ٢/ ٩٦٣، وأصله في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٠).
(٣) وهذا معلوم بتواتر الأخبار عنه ﷺ وعن أصحابه وأزواجه.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٦٠، التفريع: ١/ ٣١٧، الكافي ص ١٦٦.
(٥) انظر: الأم: ٢/ ١١٥، الإقناع ص ٨٣.
(٦) سورة آل عمران، الآية: ٩٧.
(٧) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال العقيلي والدارقطني: لا يصح فيه شيء (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٢).
(٨) في (م): الكفارة.
(٩) في (م): كالصيام.
[ ١ / ٥٠٣ ]
فصل [١٢ - كراهية الحج عن الغير قبل أن يحج عن نفسه]:
يكره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه (^١)؛ لأن الفرض أولى من النيابة عن الغير، كما يكره أن يتطوع بأداء الزكاة عن غيره قبل أن يخرج الزكاة عن نفسه، ولقوله ﷺ للذي سمعه يحرم عن غيره: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (^٢).
فصل [١٣ - فإذا أحرم عن غيره قبل أن يحج عن نفسه]:
فإن أحرم عن غيره كان عن من أحرم عنه، ثم يحج بعد ذلك عن نفسه (^٣) خلافًا للشافعي في قوله: إنها تنقلب عنه فتكون له دون من أحرم عنه (^٤)، لقوله ﷺ: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك (^٥)؟، قالت: نعم (^٦)، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها.
ولأن كل فعل صحت النيابة فيه بعد سقوطه عن النائب صحت مع بقائه عليه أصله قضاء (^٧) الدين، ولأنه قصد الحج عن غيره فصح ذلك أصله إذا صح عن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٦٠، التفريع: ١/ ٣١٥ - ٣١٦، الكافي ص ١٣٣.
(٢) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره: ٢/ ٤٠٣، وابن ماجه في المناسك، باب: الحج عن الميت: ٢/ ٩٦٩، وابن الجارود والطحاوي، وصحَّحه ابن حبان والبيهقي، وروي مرفوعًا وموقوفًا، وقد علله بعضهم، لكن في الجملة الحديث صحيح، كما قال ابن حبان والبيهقي وعبد الحق وابن القطان وغيرهم (انظر نصب الراية: ٣/ ٥٤، والهداية في تخريج أحاديث بداية المجتهد: ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٩).
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٣١٦، الكافي ص ١٣٣.
(٤) انظر: الأم: ٢/ ١٢٣، ١٢٧، ١٢٨.
(٥) ذلك سقطت من (م).
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: حج المرأة عن الرجل: ٢/ ٢١٨، ومسلم في الحج عن العاجز: ٢/ ٩٧٣.
(٧) في (م): إذا قضى.
[ ١ / ٥٠٤ ]
نفسه، ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يفعله ما ليس بفرض أصله إذا صام تطوعًا وعليه قضاء رمضان، ولأنه من أهل الإحرام في الجملة، فإذا قصد بالإحرام أن يكون عن غيره فلم (^١) ينقلب عن نفسه أصله إذا كان قد حج، ولأنه أحرم ينوي به عن شخص فوجب أن يكون عمن نواه أصله إذا نواه عن نفسه، ولأن كل إحرام انعقد على صفة لم ينقلب إلى غيرها أصله إذا عقده عن نفسه على صفة لم ينقلب إلى غيرها.
فصل [١٤ - فيمن يتطوع بالحج قبل أداء الفرض]:
يكره أن يتطوع بالحج قبل أداء الفرض، فإن فعل كان على ما نواه ولم ينقلب عن فرضه (^٢) خلافًا للشافعي (^٣)، وإنما كرهناه لأن أداء الفرض أولى من التطوع كما لو تطوع بالصلاة قبل الفرض مع ضيق الوقت، وإنما قلنا: إنها لا تنقلب فرضًا لأنها عبادة نوى بها التطوع فلم تنقلب فرضًا كالصلاة والصوم.
فصل [١٥ - الإجارة على الحج]:
تصح الإجارة على الحج (^٤) خلافًا لأبي حنيفة (^٥) لأنها عبادة تتعلق بالمال يصح النيابة به فيها فصح أخذ الأجرة كأداء الزكاة (^٦) وتفريقها، ولأنه لما صحت النيابة فيها بغير أجر جازت بأجر كالكفارات والنذور قياسًا على أخذ الأجرة (^٧) على القضاء وبناء المساجد والقناطر.
_________________
(١) في (م): لم.
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٣١٦، الكافي ص ١١٦.
(٣) انظر: الأم: ١/ ١٢٧ - ١٢٨، مختصر المزني ص ٦٥.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٦٠، التفريع: ١/ ٣١٦.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٥٩.
(٦) الزكاة: سقطت من (ق) و(م)، وأكمل النقص من (ر).
(٧) في (ق): الإجارة.
[ ١ / ٥٠٥ ]
فصل [١٦ - في أن الحج على الفور]:
والحج على الفور (^١) لا يجوز تأخيره للقادر عليه إلا من عذر (^٢)، وقال الشافعي: هو على التراخي (^٣)، فإن شاء فعله، وإن شاء تركه طول عمره بشرط العزم على أدائه من غير وقت معين ولا إثم عليه إن مات ولم يفعله، فينتقل الكلام إلى الأصل في الأوامر المطلقة هل هي على الفور أم (^٤) التراخي (^٥)؟
ودليلنا أنها على الفور أن الأمر اقتضى إيقاع الفعل، وكان الفعل لا بد له من زمان يقع فيه ولا ذكر له في اللفظ بتقديم ولا تأخير، وكانت الأفعال تختلف أحكامها باختلاف أوقاتها، فيكون الفعل في وقت طاعة وفي غيره معصية لم يثبت له وقت إلا بدليل.
وأجمعوا على أنه إذا وقع في الوقت الأول، فقد أوقع في وقته فلم يثبت ما عداه وقتًا له إلا بدليل، ولأن الأمر لما اقتضى الإيقاع ولم يكن للترك ذكر وجب فعله عقيب الأمر، ولأن تأخيره لو جاز لم يخل أن يكون إلى غاية أو لا إلى غاية: فإن كان فذلك توقيت له، وخلاف التراخي، وإن كان لا إلى غاية لم يخل المكلف إذا مات قبل الفعل أن يكون آثمًا أو غير آثم.
وفي القول بأنه آثم وجوب الجمع بين جواز الترك والمعصية به، وأن يحظر الله تعالى ترك الفعل في وقت لا بينه للمكلف وذلك غير صحيح.
وفي القول بأنه غير آثم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب؛ لأن الندب
_________________
(١) الفور: هو نبع وجرى، وعند الفقهاء على الفور: على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه (المصباح المنير ص ٤٨٢).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٣١٥، الكافي ص ١٣٣، المقدمات: ١/ ٣٨١.
(٣) انظر: مختصر المزني ص ٦٢، الإقناع ص ٨٢.
(٤) في (م): أو.
(٥) هذه قاعدة أصولية مختلف فيه انظر: مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٨٤.
[ ١ / ٥٠٦ ]
هو الذي يكون للمكلف تركه إلى غير غاية ثم لا يأثم إذا مات قبل أن يفعله (^١) ولا يعصمهم (^٢) من هذا إثبات العزم على الإيقاع في المستقبل لأن في ذلك إيجابًا لما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من الفعل، ولأن أهل اللغة يستحسنون ذم العبد إذا أمره سيده، فتركه وتراخى فيه ولا يلومون السيد على ذمه وضربه ويعللونه بتراخيه وينسبونه إلى الونى (^٣)، والتقصير وذلك يدل على أنه عندهم على الفور، ودليلنا على نفس المسألة قوله ﷺ: "حجوا قبل أن لا تحجوا" (^٤)، وقوله: "من أمكنه أن يحج ثم مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا" (^٥)، ولأن الاستطاعة موجودة فوجب أن يلزمه (^٦) الأداء كما لو غلب على ظنه تعذر الإمكان بعد عامه.
…
_________________
(١) في (م): فعاله.
(٢) في (م): لا يفهم.
(٣) وفي: ضعف وفتر (المصباح المنير ص ٦٧٣).
(٤) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٤٩٧).
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٠٣).
(٦) في (م): يلزم.
[ ١ / ٥٠٧ ]
باب: [مواقيت الحج]
وللحج ميقاتان (^١): ميقات زمان، وميقات مكان، فميقات الزمن أشهر (^٢) الحج، وهي: شوال وذو القعدة وذو الحجة قيل: جميعه، وقيل: بعضه (^٣)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (^٤)، ولأن المتمتع يلزمه الهدي لإتيانه بالعُمرة في أشهر الحج.
فصل [١ - الإحرام بالحج في أشهر الحج]:
إذا ثبت ذلك فالأفضل أن يحرم بالحج في أشهره لأن النبي - ﷺ - كذلك فعل، ولأن فائدة التوقيت منع تجاوزها والتقدم عليها، فإن أحرم به قبلها لزمه ولم ينقلب إحرامه إلى العُمرة (^٥) خلافًا للشافعي في قوله: أنه يصير محرمًا بعمرة ولا يلزمه الحج (^٦)، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (^٧)، وليس يخلو أن يكون أراد القسمة وأن نصف الأشهر للحج ونصفها لسائر المعاملات، وذلك ليس يقول لأحد أو أن يكون أراد الاشتراك فذلك ما نقوله، ولأن كل زمان صح فيه الإحرام بالعُمرة صح فيه الإحرام بالحج كأشهر الحج، ولأنه نسك يشتمل على إحرام وطواف وسعي،
_________________
(١) في مواقيت الحج انظر: المدونة: ١/ ٣٩٨ - ٣١٩، التفريع: ١/ ٣١٨ - ٣١٩، الرسالة ص ١٧٤، الكافي ص ١٤٧.
(٢) في (م): شهور.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٣٤٥.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٩.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٣٥٤، الكافي ص ١٣٤.
(٦) انظر: مختصر المزني ص ٦٣، الإقناع ص ٨٥.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٨٩.
[ ١ / ٥٠٨ ]
فجاز (^١) الإحرام به في رجب أو شعبان كالعُمرة، ولأن الإحرام ركن يشترط فيه الحج والعُمرة، فجاز أن يفعل في غير أشهر الحج أصله طواف الإفاضة ولا يلزم عليه الوقوف لأنه مختص بالحج.
فصل [٢ - الإحرام بالحج في غير أشهره ولا ينقلب عمرة]:
والدليل على أنه لا ينقلب عمرة قوله ﷺ: "وإنما لأمريء ما نوى" (^٢)، وهذا لم ينو العُمرة فلم تكن له، ولأنه أحرم بالحج، فلم ينقلب عمرة أصله إذا أحرم في أشهر الحج، ولأنها عبادة تشتمل على طواف وسعي، فإذا أحرم بها لم يصح انعقادها عن عبادة أخرى كالعُمرة.
فصل [٣ - مواقيت المكان للحج]:
وأما مواقيت المكان فهي أربعة مواقيت منقسمة على جهات الحرم (^٣): فميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة (^٤)، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة (^٥)، وأهل نجد من قرن (^٦)، وأهل اليمن يلملم (^٧)، وأهل العراق
_________________
(١) وفي الأصل: فلزم.
(٢) سبق تخريج الحديث في الصفحة (١١٩).
(٣) انظر: الموطأ: ١/ ٣٣٠، التفريع: ١/ ٣١٨ - ٣١٩، الرسالة ص ١٧٤، والصحيح أن المواقيت المكانية خمس كما جاء في التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٩٠).
(٤) الجحفة -بضم الحاء المهملة وسكون الحاء المهملة-: وهي قرية بينها وبين مكة خمس مراحل (معجم البلدان: ٢/ ١١١).
(٥) ذو الحليفة -بضم الحاء وفتح اللام والفاء: بينها وبين المدينة المنورة ستة أميال، وهي تعرف الآن بآبار علي (معجم البلدان: ٢/ ٢٩٥).
(٦) قرن المنازل -بفتح القاف وسكون الراء-: جبل صغير بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان (معجم البلدان: ٤/ ٣٣٢).
(٧) يلملم: بفتح المثناة وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة (معجم البلدان: ٥/ ٤٤١).
[ ١ / ٥٠٩ ]
وخراسان والمشرق ذات عرق (^١)، والأصل فيه قوله ﷺ: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة وأهل نجد من قرن وأهل اليمن من يلملم" (^٢)، وفي حديث جابر: أنه ﷺ قال: "وأهل العراق من ذات عرق" (^٣)، وقيل: إنه من توقيت عمر بن الخطاب ﵁ (^٤).
فصل [٤ - فيمن يمر على هذه المواقيت لمن يريد الإحرام أو دخول مكة]:
ومن مر على هذه المواقيت يريد الإحرام أو دخول مكة لزمه الإحرام منها كان من أهلها أو من غير أهلها (^٥)، لقوله ﷺ في حديث ابن عباس: "هن لهم ولكل آت آتي عليهن من غيرهم ممن أراد الحج أو العمرة" (^٦) ولأنه ميقات للحج، فإذا مر به مريد الإحرام جاز أن يلزمه ويمنع من تأخيره عنه أصله إذا كان من أهله.
فصل [٥ - تأخير الإحرام عن هذه المواقيت]:
وإذا ثبت هذا فلا يجوز لأحد مر على ميقات من هذه المواقيت يريد الإحرام تأخيره عنه إلا أهل الشام ومصر إذا مروا بذي الحليفة، فإن لهم أن يؤخروا الإحرام لأنهم يمرون على ميقاتهم وهو الجحفة، وليس ذلك لغيره ممن يمر بذي
_________________
(١) ذات عرق -بكسر العين المهملة-: قرية خربت على مرحلتين من مكة (معجم البلدان: ٤/ ١٠٧).
(٢) أخرجه البخاري في الحج، باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة: ٢/ ١٣٢، ومسلم في الحج، باب: مواقيت الحج والعُمرة: ٢/ ٨٣٨.
(٣) أخرجه ابن ماجه في المناسك، باب: مواقيت أهل الآفاق: ٢/ ٩٧٣، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي ولا يحتج بحديثه (نصب الراية: ٣/ ١٢).
(٤) أخرجه البخاري في الحج، باب: ذات عرق لأهل العراق: ٣/ ٣٨٩.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع ص ٣١٨ - ٣١٩، الرسالة ص ١٧٤، الكافي ص ١٤٨.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ١ / ٥١٠ ]
الحليفة (^١) لأنها لا يتعداها إلى ميقات أهل بلده فلزمه الإحرام من موضعه، فأما إذا (^٢) مر به لحاجة لا يريد الإحرام ثم تجددت له نية الإحرام، فإنه يحرم من موضعه ولا يرجع إلى الميقات لأن وجوب الإحرام من المواقيت هو على المارين (^٣) بها لا المتأخرين دونها (^٤).
فصل [٦ - أحوال المرور بالميقات]:
فإذا ثبت هذا فلا يخلوا المار بالميقات من ثلاثة أحوال: إما أن يكون مريد الحج أو العمرة، أو أن يكون يريد دخول مكة لحاجة لا لحج ولا لعمرة، أو أن يكون له حاجة فيها دون مكة، فإن كان يريد الحج والعُمرة، فلا يجوز له أن يجاوزه إلا محرمًا لأنه ﷺ وقَّت المواقيت لمريد الإحرام فيجب الإحرام منها (^٥)، وقوله: "هن لهم ولكل آت آتي عليهن من غير أهلهن" (^٦)، ولأنه لو جاز له تعديلها إلى ما بعدها لم ينفع التوقيت بها شيئًا وكانت كغيرها (^٧) من البقاع.
فصل [٧ - من جاوز الميقات حلالًا]:
فإن ثبت، فإن تعدّاها غير محرم نظر: فإن كان لم يحرم عاد فأحرم ولا شيء عليه، لأنَّه لم يخل بنسك من مناسك الحج ولا أدخل نقصًا على إحرامه فإن أحرم مضى على وجهه ولم يرجع إلى الميقات وعليه دم رجع أو لم يرجع (^٨).
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٣١٩، الرسالة ص ١٧٤، الكافي ص ١٤٨.
(٢) في (م): فإذا.
(٣) في (م): المار.
(٤) في (م): أو المتأخر دونها.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع: ١/ ٣١٩، الكافي ص ١٤٨.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا ص (٥١٠).
(٧) في (ق): غيرها.
(٨) انظر المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع: ١/ ٣١٩، الكافي ص ١٤٨.
[ ١ / ٥١١ ]
فصل [٨ - فيمن جاوز الميقات حلالًا ثم أحرم]:
وإنما قلنا: إنه لا يرجع لأن رجوعه لا يفيد شيئًا لأن النقص قد دخل على إحرامه لإيقاعه (^١) إياه بعد الميقات ورجوعه لا يزيل ذلك النقص.
فصل [٩ - في الدليل على من جاوز الميقات حلال وأحرم بعده أن عليه الدم]:
وإنما قلنا: إن عليه الدم لنقصه نسكًا من المناسك، لأن عليه أن يحرم من الميقات، فإذا ترك الإحرام منه إلى ما بعده، فقد أدخل النقص فوجب جبره بدم.
فصل [١٠ - في أن رجوعه بعد إحرامه لا يسقط الدم]:
وإنما قلنا: إن رجوعه بعد إحرامه لا يسقط الدم عنه خلافًا للشافعي (^٢)، لأن الدم إنما وجب للنقص وليس النقص تجاوزه الميقات على انفراده، وإنما هو إحرامه بعده، وهذا لا يقدر على إزالته لأنه لا يتمكن من حله بعد عقده فلم يسقط الدم عنه، ولأنه معنى لا يزيل النقص الواقع في إحرامه، فلم يسقط الدم عنه أصله إذا أتى ببعض أفعال الحج من الطواف والسعي، ثم عاد إلى الميقات، فإن الدم لا يسقط عنه بالاتفاق، ولأنه ترك الإحرام من الميقات إلى ما بعد الميقات مريدًا له فأشبه أن يتمادى ولا يرجع، ولأن كل (^٣) فعل من أفعال الحج لزم في موضع يؤثر الدم في تركه، فإن العود إليه بعد فوته لا يسقط الدم عنه كالمبيت بالمزدلفة.
فصل [١١ - فيمن مر بالميقات يريد دخول مكة]:
وأما إن مر بالميقات يريد دخول مكة فلا يخلو من أمرين (^٤): إما أن يكون
_________________
(١) في (م) و(ر): بإيقاعه.
(٢) انظر: الأم: ٢/ ١٣٨.
(٣) كل سقطت من (ق).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع: ١/ ٣١٩، الكافي ص ١٤٨.
[ ١ / ٥١٢ ]
ممن يكثر ترداده إلى مكة في ذهابه ومجيئه كأهلها والمقيمين بها الذين يخرجون للاحتطاب والمعايش، فهذا له أن يتجاوزه غير محرم لأن في إلزامه الإحرام بالميقات مشقة وكلفة وقطعًا له عن معاشه، فلم يلزمه ذلك، أو أن يكون ممن يقل دخوله إليها كأهل الآفاق الذين إنما يقصدونها لحاجة أو تجارة أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز له تجاوز الميقات إلا محرمًا (لأنه لا يجوز لأحد دخول إلا محرمًا) (^١) إلا من (^٢) ذكرناه.
فصل [١٢ - فيمن جاوز الميقات حلالًا أمر بالعودة إليه]:
فإذا ثبت هذا (^٣)، فمتى تجاوزه غير محرم أمر بالعودة (^٤) إليه فيحرم منه ولا دم عليه، فإن تفادى وأحرم، ففيها (^٥) روايتان (^٦): إحداهما وجوب الدم عليه، والأخرى سقوطه عنه، فوجه الوجوب فلأنه جاوزه مخاطبًا بالإحرام فيه فإذا أحرم بعده لزمه الدم أصله إذا كان يريد الحج والعمرة، ووجه إسقاطه فلأنه جاوزه غير مريد لحج ولا لعمرة، فأشبه إذا جاوزه لحاجة، فأما إن جاوزة لحاجة دون مكة فقد ذكرنا حكمه.
فصل [١٣ - فيمن كان منزله بين الميقات وبين مكة]:
ومن كان منزله بين الميقات وبين مكة أحرم من منزله، ولم يكن عليه الرجوع إلى الميقات، فإن جاوز منزله فأحرم فعليه دم (^٧).
وإنما قلنا: أنه يحرم من منزله، فلقوله ﷺ: "هن لهم
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٢) في (ق): ما.
(٣) هذا: سقطت من (ق).
(٤) في (م): بالعود.
(٥) في (م): فيها.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع: ١/ ٣١٩، الكافي ص ١٤٨.
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٣١٩، الكافي ص ١٤٨.
[ ١ / ٥١٣ ]
ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعُمرة" (^١)، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة، ولأن الميقات وضع لمن بعد منزله عن الحرم، فأما من كان بقرب (^٢) منه، فمنزله ميقاته.
وإما قلنا: أنه ليس عليه أن يرجع لأن منزله ميقاته فلا معنى لرجوعه (^٣) إلى غير ميقاته.
وإنما قلنا: أنه إن جاوزه فعليه دم لأنَّه مجاوز لميقاته محرم بعده، فقد أدخل النقص على إحرامه كأهل الآفاق إذا أحرموا بعد مجاوزة مواقيتهم.
فصل [١٤ - فيمن دخل إلى مكة لا يكون إلا محرمًا]:
لا يجوز أن يدخل مكة إلا محرمًا (^٤) لقوله ﷺ: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فهي حرام إلى يوم القيامة" (^٥)، وهي حرام من كل وجه إلا ما قام دليله، وقوله: "أحلت لي ساعة من نهار ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي" (^٦)، ولأنها محل لفعل الحج مع كونها حرمًا، فكان لها مزية على غيرها.
فصل [١٥ - فيمن دخل مكة غير محرم]:
وإن دخلها غير محرم أساء ولا شيء عليه؛ لأن دخول محل الفرض لا يوجب الدخول في الفرض أصله (^٧) الدخول إلى مِنَى وعرفة والمسجد الجامع يوم الجمعة.
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٠).
(٢) في (م): بالقرب.
(٣) في (م): الرجوع.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع: ١/ ٣٢٠.
(٥) أخرجه مسلم في الحج، باب: فضل المدينة: ٢/ ٩٩١.
(٦) أخرجه البخاري في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة: ٣/ ٩٤، ومسلم في الحج، باب: تحريم مكة: ٢/ ٩٨٦.
(٧) في (م): أهلها.
[ ١ / ٥١٤ ]
فصل [١٦ - تقديم الإحرام عن الميقات]:
الاختيار أن يحرم من الميقات، فإن قدمه عليه كره له وجاز (^١) خلافًا للشافعي (^٢) لأنه ﷺ حج واعتمر عمرًا، فلم ينقل أنه أحرم قبل الميقات، فلو كان فيه فضيلة لبيَّنه أو فعله، ولأنه أحد نوعي المواقيت فكره التقديم (^٣) بالإحرام عليه كميقات الزمان.
فصل [١٧ - الإحرام بالعُمرة من الحرم]:
ولا يجوز الإحرام بالعُمرة من الحرم ويخرج من كان بالحرم، وأراد الإحرام بها إلى أدنى الحل (^٤)؛ لأن الإحرام من حقه أن يجمع فيه بأن الحل والحرم كالحج، والعُمرة لا تعلق لها بالحل، فإذا أحرم بها من الحرم لم يمكنه الجمع بينهما، فإن أحرم بها من الحرم خرج إلى الحل ثم عاد فطاف فسعى.
فصل [١٨ - القارن يحرم من مكة]:
واختلف أصحابنا في القارن (^٥): فقال ابن القاسم لا يجوز له الإحرام من مكة، وقال سحنون وغيره: يجوز، فلابن القاسم أنه محرم بعمرة، فوجب أن يكون من الحل أصله إذا انفرد ولا يجوز أن يقال بأن يقال بأنه محرم بحج (^٦) فجاز أن يكون من مكة كالمفرد (^٧)؛ لأن ذلك يؤدي إلى نقض الأصل (^٨) الذي هو الحاجة في الإحرام بالعُمرة إلى الجمع بين الحل والحرم، ولأن تقدير القرآن
_________________
(١) انظر: الفواكه الدواني: ١/ ٣٦٣، مواهب الجليل: ٣/ ١٨.
(٢) انظر: الأم: ٣/ ١٣٩.
(٣) في (م): التقدم.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٢، التفريع: ١/ ٣١٩.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٣، التفريع: ١/ ٣١٩، الكافي ص ١٥١.
(٦) في (م): بالحج.
(٧) في (ق) و(ر): كالمنفرد.
(٨) الأصل: سقطت من (ق).
[ ١ / ٥١٥ ]
دخول الحج على العمرة وتغليب حكمها عند فعل الإحرام، ولغيره أن الذي لأجله أريد الإحرام بالعمرة من الحل: أن يجمع في الإحرام بين الحل والحرم، وهذا يوجد مع القران لأنه لا بد للقارن من الخروج إلى الحل للوقوف والرمي.
***
[ ١ / ٥١٦ ]
باب: أركان الحج (^١)
وأركان الحج أربعة (^٢) وهي: الإحرام والوقوف والطواف والسعي.
فأما الإحرام فالأصل فيه فعل رسول الله - ﷺ - وأمره به (^٣)، لأن كل عبادة لها إحلال لم يصح الدخول فيها إلا بإحرام كالصلاة، وذلك إجماع (^٤).
فأما الوقوف فلقوله ﷺ: "الحج عرفة" (^٥)، وقوله: "من وقف بعرفة فقد تم حجه، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج" (^٦)، ولا خلاف في ذلك (^٧).
وأما الطواف فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٨)،
_________________
(١) عنوان الباب من (م).
(٢) في أركان الحج انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥ وما بعدها، التفريع: ١/ ٣٢٠، وما بعدها، الرسالة ص ١٧٥ - ١٧٩، المقدمات: ١/ ٤٠٢.
(٣) كما جاء في أحاديث المواقيت السابقة، وفي صفة حجه ﷺ.
(٤) انظر: المجموع: ٧/ ٢٠٦، المغني: ٣/ ٢٦٦.
(٥) أخرجه أبو داود في الحج من لم يدرك عرفة: ٢/ ٤٨٦، والنسائي في المناسك، باب: فرض الوقوف بعرفة: ٢/ ٢٠٦، وابن ماجه في المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليله جمع: ٢/ ١٠٠٣، والترمذي في الحج، باب: ما جاء من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج: ٣/ ٢٣٧، وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد (نصب الراية: ٣/ ٩٢).
(٦) أخرجه الدارقطني وفيه يحيى بن عيسى النهشلي، قال النسائي فيه: ليس بالقوي (نصب الراية: ٣/ ١٤٥).
(٧) انظر: الإجماع ص ٦٤، المغني: ٣/ ٤١٠.
(٨) سورة الحج، الآية: ٢٩.
[ ١ / ٥١٧ ]
ولأنه ﷺ طاف وقال: "خذوا عني مناسككم" (^١)، ولا خلاف أيضًا فيه (^٢).
وأما السعي فمن فروض الحج (^٣) عندنا خلافًا لأبي حنيفة (^٤)، لأنه ﷺ سعى وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (^٥)، ففيه أدلة: أحدها أنه فعله، وقال: "خذوا عني مناسككم"، والأخرى أمره به بقوله: "اسعوا"، والثالث: إخباره بأنه مكتوب علينا، ولأنه ركن في العُمرة فكذلك في الحج أصله الطواف، ولأن كل نسك يؤتي به في الحج والعُمرة على هيئة واحدة، فإن الدم لا ينوب منابه كالإحرام ولا يدخل عليه الخلاف لأنه يؤتي به بعد الفراغ من العُمرة.
فصل [١ - رمي جمرة العقبة]:
وليس من أركانه رمي جمرة العقبة خلافًا لعبد الملك (^٦)؛ لأنه نسك بمِنَى، فلم يكن وجوبه وجوب الأركان كالمبيت والحلاق، ولأنه رمي كسائر الجمار، ولأنه نسك يفعل بغير مكة بعد الإحرام لا يتعلق فوات (^٧) الحج بفواته كالمبيت بمزدلفة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر: ٢/ ٩٣٢.
(٢) انظر: المجموع: ٨/ ١٦٦، المغني: ٣/ ٤٤٠.
(٣) انظر: الموطأ: ١/ ٣٧٤، التفريع: ١/ ٣٣٨، الرسالة ص ١٧٦، المقدمات: ١/ ٤٠٢.
(٤) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٨٦ - ١٨٧، تحفة الفقهاء: ٢/ ٣٨١.
(٥) أخرجه أحمد: ٦/ ٤٢٢، والحاكم: ٤/ ٧٠، والبيهقي: ٥/ ٩٧، والدارقطني: ٢/ ٢٥٦، والطبراني والشافعي وابن عدي، وفيه ضعف (نصب الراية: ٣/ ٥٥ - ٥٦).
(٦) انظر: المقدمات: ١/ ٤٠٢.
(٧) في (ق): فوت.
[ ١ / ٥١٨ ]
فصل [٢ - الاغتسال لأركان الحج كلها]:
ويستحب أن يغتسل لأركان الحج كلها (^١)، أما الإحرام "فلأن رسول الله - ﷺ - اغتسل له" (^٢)، وكذلك الصحابة ويستحب للطاهر والحائض؛ لأنه أريد به التنظف للعادة، ولأمره ﷺ أبا بكر ﵁ (^٣) أن يأمر أسماء بالاغتسال وكانت نفساء (^٤).
وأما الوقوف، فإنه (^٥) ﷺ اغتسل له (^٦)، واعتبارًا بالإحرام بعلة كونه ركنًا، وكذلك الطواف والسعي إلا أنه يكفيه لهما غسل واحد لأن أحدهما مرتبط بالآخر وتابع له.
ويستحب الغسل لدخول مكة لأن الصحابة ﵃ فعلت ذلك (^٧).
فصل [٣ - في مريد الإحرام]:
ومن أراد الإحرام بدأ بالاغتسال ثم ركع ركعتين وأحرم على أثرهما ويستحب
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥، التفريع: ١/ ٣٢٠، الرسالة ص ١٧٥، المقدمات: ١/ ٤٠٢.
(٢) أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في الاغتسال عند الإحرام: ٣/ ١٩٢، وقال: حسن غريب.
(٣) ﵁: سقطت من (م).
(٤) أخرجه مسلم في الحج، باب: إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام: ٢/ ٨٦٩.
(٥) في (م): فلأنه.
(٦) روي غسل عرفة عن ابن عمر (الموطأ: ١/ ٣٢٢)، وعن ابن مسعود وعبد الرحمن بن يزيد (مجمع الزوائد: ٣/ ٢٥٦).
(٧) فقد روي أن ابن عمر ﵁ كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكة نهارًا، ويذكر عن النبي - ﷺ - أنه فعله أخرجه البخاري في الحج، باب: الاغتسال عند دخول الكعبة: ٢/ ١٥٤، ومسلم: الحج استحباب دخول مكة من الثنايا العليا: ٢٠/ ٩١٩. وروي: الغسل عن عليّ بن أبي طالب وعائشة (البيهقي: ٥/ ٧١).
[ ١ / ٥١٩ ]
له أن يحرم على أثر نافلة دون مكتوبة، فإن لم يقدر على ذلك لضيق الوقت أو لكونه وقتًا يكره فيه التنفل انتظر إمكانه إن قدر، فإن لم يقدر أحرم على أثر مكتوبة، وذلك أفضل من الإحرام بغيرها (^١)، فإن لم يقدر لإعجال أو خوف فوات وأحرم بغير صلاة فلا شيء عليه ولو أحرم ابتداء بغير صلاة قادرًا على أن يصلي، ثم يحرم كره له ذلك ولا شيء عليه (^٢).
وإنما اخترنا له ذلك؛ لأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل (^٣)، واخترنا له التنفل لأنه زيادة مقصودة لأجل الإحرام، وقلنا: أنه ينتظر الإمكان لئلا يعرى الإحرام من فضيلة الصلاة مع القدرة عليها.
وإنما قلنا: أنه إن أحرم عقيب مكتوبة جاز؛ لأن رسول الله - ﷺ - أحرم عقيب صلاة، فقيل: نافلة، وقيل: مكتوبة، ولأن الإحرام عقيب المكتوبة لا يعرى من صلاة، فكان أفضل من الإخلال بها جملة.
وإنما قلنا: أنه إذا أحرم بغير صلاة أصلًا، فلا شيء عليه؛ لأن ذلك مستحب غير واجب لأنه ليس في الأصول عبادة يقف صحة فعلها على صلاة قبلها.
فصل [٤ - تجرد المحرم عن المخيط]:
ويتجرد بعد غسله من مخيط الثياب لأنه ممنوع من لبسها في الإحرام، فلا بد من تقديم ذلك ليصادف إحرامه هيئته المبينة له، وهذا للرجل دون المرأة (^٤).
_________________
(١) في (م): بغير صلاة.
(٢) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥، التفريع: ١/ ٣٢١، الرسالة ص ١٧٤ - ١٧٥.
(٣) لما رواه ابن عباس: "أن رسول الله - ﷺ - أهل في دبر الصلاة" أخرجه أبو داود في المناسك، باب: وقت الإحرام (٢/ ٣٧٣)، مطولًا، والترمذي في الحج، باب: ما جاء متى أحرم النبي - ﷺ - (٣/ ١٨٢)، وقال: حسن غريب، والنسائي في المناسك، باب: العمل في الإهلال: ٥/ ١٢٦، والحاكم: ١/ ٤٥١ مطولًا.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥، الموطأ: ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، التفريع: ١/ ٣٢١.
[ ١ / ٥٢٠ ]
فصل [٥ - الإهلال بالتلبية بعد ركوب الراحلة]:
وإذا فرغ من صلاته ركب راحلته وأهل بالتلبية (^١) لأنه ﷺ كذلك فعل (^٢)، ويستحب له تأخير الإحرام حتى يستوي على الراحلة خلافًا لأبي حنيفة في قوله أنه يحرم عقيب الركوع (^٣)؛ لأن في الحديث أنه ﷺ أهل حين استوت به راحلته، ولأن الدخول في العبادة يجب أن يكون عند الشروع في فعلها لا قبله.
فصل [٦ - يبدأ بالإهلال إذا استوى على الراحلة]:
ويهل إذا استوى على الراحلة ولا ينتظر أن تنبعث به خلافًا للشافعي في قوله: أنه يحرم إذا انبعثت به راحلته (^٤)، لأن في الحديث أنه ﷺ أهل حين استوت به راحلته، ولأنه استوت به (^٥) راحلته، فأشبه إذا انبعثت به؛ وإن كان ماشيًا، فإذا أخذ في مشيه لأن ذلك كاستوائه على الراحلة.
فصل [٧ - لفظ التلبية]:
ولفظ التلبية (^٦): "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" لأن ذلك منقول عنه ﷺ (^٧)
_________________
(١) انظر المدونة: ١/ ٢٩٥، الموطأ: ١/ ٢٣١ - ٢٣٢، التفريع: ١/ ٣٢١.
(٢) أخرجه البخاري في الحج، باب: قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (٢/ ١٤٠)، ومسلم في الحج، باب: الإهلال من حيث تنبعث: ٢/ ٨٤٥.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٢، مختصر القدوري: ١/ ١٨١.
(٤) انظر مختصر المزني ص ٦٥، الإقناع ص ٨٥.
(٥) ولأنه استوت به: سقطت من (م).
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٢١، الرسالة ص ١٧٤.
(٧) أخرجه البخاري في الحج، باب: التلبية: ٢/ ١٤٧، ومسلم في الحج، باب: التلبية وصفتها: ٢/ ٨٤٢، وذكره مالك في الموطأ: ١/ ٣٣٢.
[ ١ / ٥٢١ ]
بهذا اللفظ، فإن زاد عليها زيادة ابن عمر جاز ولفظها: "لبيك لبيك وسعديك والخير بيدك والرغباء إليك والعمل" (^١).
فصل [٨ - أقل ما يكفي من التلبية]:
ويكفي منها مرة واحدة لأنَّه أقل ما يتناوله الاسم وما زاد على ذلك مستحب، فإن أخل بها جملة فعليه الدم لأنها من شعائر الحج وواجبات نسكه، والأصل فيه قوله ﷺ: "الحج العج والثج" (^٢)، ولأمره بها وحضه عليها وفعله لها، وقال: "خذوا عني مناسككم" (^٣)، وقال: "من ترك من نسكه شيئًا (^٤) فعليه دم" (^٥).
فصل [٩ - رفع الصوت بالتلبية]:
ويستحب رفع الصوت بها للرجال (^٦)، لقوله ﷺ: "أتاني جبريل -﵇- فأمرني أن أمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" (^٧) ويكره ذلك للنساء خيفة الفتنة، ولأن الإخفات أستر لهن.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الحج، باب: التلبية: ٢/ ١٤٧، ومسلم في الحج، باب: التلبية وصفتها: ٢/ ٨٤٢، وذكره مالك في الموطأ: ١/ ٣٣٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه في المناسك، باب: التلبية (٢/ ٩٢٥)، والترمذي في الحج، باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر (٣/ ١٨٩)، وقال: حديث غريب، وفيه إبراهيم ابن يزيد الخوزي وهو ليس بالقوي، وصحَّحه الحاكم: ١/ ٤٥١ (نصب الراية: ٣/ ٣٣).
(٣) سبق تخريج الحديث.
(٤) في (ق): شيء.
(٥) أخرجه مالك موقوفًا على ابن عباس: ١/ ٤١٩، والشافعي وابن حزم مرفوعًا، والحديث معلول براويان مجهولان فيه (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٢٩).
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٢، الكافي ص ١٣٨.
(٧) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: كيف التلبية: ٣/ ٤٠٥، والنسائي في المناسك، باب: رفع الصوت بالإهلال: ٥/ ١٢٥، وابن ماجه في المناسك، باب: =
[ ١ / ٥٢٢ ]
فصل [١٠ - في انعقاد الإحرام]:
والإحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول في الحج والعمرة ولا يفتقر إلى تلبية في انعقاده (^١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه لا ينعقد إلا بنطق أو بسوق هدي مع النية (^٢)؛ لأنها عبادة لا يجب الذكر في آخرها أو أثنائها (^٣)، فلم يجب في ابتدائها كالصيام عكسه الصلاة، وللاتفاق على أنه إذا قلد الهدى وأشعره ولم يلب أن إحرامه يصح، فلو كان للنطق من شرط صحة الدخول فيها لم يقم غيره مقامه.
فصل [١١ - النية لما يريده بإحرامه]:
والنية مغنية عن التسمية، فإن سمي ما يريده بإحرامه من حج أو عمرة جاز (^٤) لأن رسول الله - ﷺ - قد فعل ذلك (^٥) على حسب اختلاف الروايات عنه من إفراد أو قران (^٦).
فصل [١٢ - التلبية أدبار الصلوات]:
ويستحب التلبية عند أدبار الصلوات لأنها أوقات يستحب الذكر فيها، وعند كل شرف، لأن ذلك مروي عن الصحابة (^٧)، ويكره له الإكثار منها حتى
_________________
(١) = رفع الصوت بالإهلال: ٥/ ١٢٥، وابن ماجه في المناسك، باب: رفع الصوت بالتلبية: ٢/ ٩٢٥، والترمذي في الحج، باب: ما جاء في رفع الصوت بالتلبية: ٣/ ١٩١، وقال: حديث صحيح، وذكره مالك في الموطأ: ١/ ٣٣٤.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥، ١/ ٣٢١، الرسالة ص ١٧٥.
(٣) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٨١.
(٤) في (م): إثباتها.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥، الرسالة ص ١٧٥، التفريع: ١/ ٣٢٠.
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: التمتع والقران والإفراد بالحج: ٢/ ١٥١، ومسلم في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام: ٢/ ٨٧٠.
(٧) في (م): وإقران.
(٨) أخرجه الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن سابط (انظر مسالك الدلالة ص ١٣٨).
[ ١ / ٥٢٣ ]
يخرج إلى الإلحاح (^١)، لأن ذلك سرف وخروج عما يتعلق بالندب، ويكره أن يلبي في طواف أو سعي لأنه (^٢) حال يستحب فيها الدعاء، وروي عن الصحابة مثل ذلك (^٣).
فصل [١٣ - متى تقطع التلبية]:
ويستحب قطع التلبية بعد الزوال من يوم عرفة (^٤)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أنها تقطع عند رمي جمرة العقبة (^٥)؛ لأن ما قلناه إجماع الصحابة، وروي عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وعائشة (^٦) ﵃ أجمعين (^٧)، وذكر مالك أنه إجماع أهل المدينة (^٨)، ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج الذي دعي إليه، فهذا انتهى إليه فقد أتى بما لزمه فلا معنى لاستدامتها فيما زاد.
…
_________________
(١) انظر: الموطأ: ١/ ٣٣٤، التفريع: ١/ ٣٢٢، الرسالة ص ١٧٥.
(٢) في (ق): لأنهما.
(٣) فقد كان عبد الله بن عمر يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة …، أخرجه البخاري في باب: الاغتسال عند دخول مكة: ٢/ ١٥٤، ومسلم في الحج، باب: استحباب المبيت بطوى: ٢/ ٩١٩، والموطأ: ١/ ٣٣٨.
(٤) انظر: الموطأ: ١/ ٣٣٩، التفريع: ١/ ٣٢٢، الرسالة ص ١٧٥.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٥، الأم: ٢/ ٢٢١.
(٦) انظر: في ذلك الموطأ: ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، المجموع: ٨/ ١٤٩.
(٧) أجمعين: سقطت من (م).
(٨) انظر: الموطأ: ١/ ٣٣٨.
[ ١ / ٥٢٤ ]
باب الإحرام (^١)
إحرام الرجل في وجهه ورأسه ولا يجوز له تغطيتهما بشيء من اللباس أصلًا (^٢)، فإن غطى رأسه فأكفه وانتفع بتغطيته افتدي من غير خلاف، والأصل فيه نهيه ﷺ المحرم عن لبس العمائم والبرانس (^٣)، واتصال العمل بذلك، فأما الوجه فقال: لا يجوز تغطيته، وقال ابن القاسم: لا فدية في تغطيته، ومن أصحابنا من يقول: أنه يُخرّج على روايتين (^٤)، وقال الشافعي: ليس عليه كشف وجهه في الإحرام (^٥)، والأصل في ذلك قوله ﷺ: "المحرم أشعث أغبر" (^٦)، فجعل من وصفه ذلك فاقتضى نفي كل ما أخرجه عن هذا المعنى والوجه أخص بذلك من سائر الأعضاء واعتبارًا بالمرأة.
فأما الفدية فوجه وجوبها هو: أن العبادات إذا تعلقت بالوجه لم يفترق فيها حكم الرجل والمرأة كغير الإحرام، ولأنه عضو لزم كشفه في الإحرام فتعلقت (^٧) الفدية به كالرأس، ووجه سقوطها أنه عضو يلزم المرأة كشفه، فلم يلزم الرجل فدية بتغطيته كاليدين، ولأنه عضو فرضه في الطهارة الغسل كالرجلين.
_________________
(١) عنوان الباب من (م).
(٢) في إحرام الرجل انظر: المدونة: ١/ ٢٩٦، التفريع: ١/ ٣٢٢، الرسالة ص ١٨٠.
(٣) أخرجه البخاري في الحج، باب: ما يلبس المحرم من الثياب: ٢/ ١٤٥، ومسلم في الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عُمرة ..: ٢/ ٨٣٢.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٢.
(٥) انظر: مختصر المزني ص ٦٦.
(٦) أخرجه أحمد: ٢/ ٢٢٤.
(٧) في (م): فعلت.
[ ١ / ٥٢٥ ]
فصل [١ - إحرام المرأة]:
وإحرام المرأة في وجهها وكفيها (^١)، والأصل فيه قوله ﷺ: "إحرام المرأة في وجهها" (^٢)، ونهيه النساء عن لبس النقاب في الإحرام (^٣)، فإذا ثبت ذلك فلا يجوز لها تغطيته ببرقع ولا نقاب ولا سترة بوجه إلا أن يكون هناك جمال يخاف به الفتنة، فيجوز لها أن تسدل الثوب عليه ليستر بقدر ما يزول عنها ما يخاف من نظر من ينظر إليها، ومتى غطت زيادة على ذلك بنقاب أو برقع فانتفعت بتغطيته افتدت.
وأما اليدان فيلزمها كشفهما (^٤) إلى الكوعين ولا يجوز لها لبس القفازين (خلافًا لأبي حنيفة (^٥) لنهيه ﷺ عن لبس القفازين (^٦» (^٧)، ولأنه عضو ليس بعورة منها، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في باب التغطية أصله الوجه.
فصل [٢ - ما يمنع المحرم من لبسه]:
والرجل ممنوع من لبس المخيط كله، فلا يجوز له لبس قميص ولا سراويل ولا جبة ولا قباء (^٨)، والأصل فيه قوله ﷺ في المحرم: "لا
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٦، التفريع: ١/ ٣٢٣، الرسالة ص ١٨٠.
(٢) أخرجه البيهقي: ٥/ ٤٧، وهو عند الدارقطني موقوف (نصب الراية: ٣/ ٣٧).
(٣) أخرجه البخاري بلفظ: "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" في الحج، باب: ما ينتهي عن الطيب للمحرم: ٢/.
(٤) في (ق) كشفها.
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٨٦، تحفة الفقهاء: ٢/ ٤١٤.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا ص ٥٢٥.
(٧) ما بين قوسين سقط من (م).
(٨) قباء: القباء ممدود، وقيل: فارسي معرب، وهو من قبوت إذا ضممت وهو ثوب ضيق من ثياب المعجم (المطلع ص ١٧١ - ١٧٢).
[ ١ / ٥٢٦ ]
يلبس القميص ولا السراويلات ولا البرانس ولا العمائم" (^١)، وأما المحرمة فيجوز لها لبس ذلك كله لنهيه ﷺ عن لبس القفازين والنقاب وقال: "لتلبسن بعد ذلك ما أحبت (^٢) من قميص أو سراويل أو خفين" (^٣) لأن ما عدى الوجه والكفين من جسدها (^٤) عورة، وليس عليها كشف عورتها بل لا يجوز ذلك لها.
فصل [٣ - فيمن احتاج إلى لبس المخيط من المحرمين]:
وإن احتاج الرجل إلى لبس المخيط من سراويل أو قميص لبسه وافتدى (^٥)، خلافًا للشافعي في إسقاطه الفدية بلبس السراويل (^٦)؛ لأنه محرم ممنوع من لبس المخيط، فإذا لبسه لزمته الفدية، أصله إذا لبسها (^٧) مع وجود المئزر لأن كل ما لو لبسه مع عدم العذر لزمته الفدية، فكذلك مع العذر أصله القميص.
فصل [٤ - لبس الخفين للمحرم]:
ولا يجوز للمحرم أن يلبس الخفين لا التامين ولا المقطوعين إلا أن لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين (^٨)، لقوله ﷺ: "لا يلبسن القميص ولا العمائم ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما
_________________
(١) سبق تخريج الحديث قريبًا (ص ٥٢٥).
(٢) في (م): أحبته.
(٣) هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه أبو داود في المناسك، باب: ما يلبس المحرم: ٢/ ٤١٢، وأحمد: ٢/ ٢٢، والبيهقي: ٥/ ٤٧، والحاكم: ١/ ٤٨٦، وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٤) في (م): بدنها.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٣، الرسالة ص ١٨٠، الكافي ص ١٥٣.
(٦) انظر: الأم: ١/ ١٤٥.
(٧) في (ق): لبسه.
(٨) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٣، الرسالة ص ١٨١، الكافي ص ١٥٣.
[ ١ / ٥٢٧ ]
أسفل من الكعبين" (^١)، وإذا وجد النعلين لم يكن له لبس الخفين خلافًا لبعضهم لأن الخبر مشروط بعدم النعلين.
فصل [٥ - فيمن لبس خفين تامين]:
وإن عدم النعلين فلبس الخفين تامين، فعليه الفدية (^٢) خلافًا لأحمد (^٣)، لقوله ﷺ (^٤): "إلا أن لا يجد نعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" (^٥)، ففيه دليلان: أحدهما أن الأمر بالقطع على الوجوب، والآخر استثنى من حظر لبسا على صفة وهي القطع، فما عداه على أصل المنع، ولأنها حال إحرام للرجل فلم يجز فيها لبس الخف التام مع القدرة على قطعه كحال وجود النعلين.
فصل [٦ - فيما إذا أدخل المحرم كتفيه في القباء]:
إذا أدخل كتفيه في القباء فعليه الفدية (^٦) خلافًا لأبي حنيفة (^٧)؛ لأنه لبس مخيطًا على الوجه الذي يلبس مثله في العادة كالقميص.
فصل [٧ - الألوان التي يجوز الإحرام بها]:
كل الألوان جائز الإحرام فيها (^٨) ما لم يكن طيبًا (^٩) إلا أن البياض
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٢٥).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤، الرسالة ص ١٨٠، الكافي ص ١٥٣.
(٣) انظر: مختصر الخرقي ص ٥٦.
(٤) ﷺ سقطت من (ق).
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (ص ٥٢٥).
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٣، الكافي ص ١٥٣.
(٧) مختصر القدوري - وشرح اللباب: ١/ ١٨٢.
(٨) في (م): به.
(٩) في (ق): طيب.
[ ١ / ٥٢٨ ]
أفضل (^١) لقوله ﷺ: "خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم" (^٢).
فصل [٨ - حلق الشعر للمحرم]:
ويمنع المحرمون من إلقاء التفث (^٣) وهو حلق الشعر وقص الأظافر وقتل القمل (^٤)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٥)، وقوله تعالى (^٦): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٧)، فأباح ذلك بعد التحلل، وقوله ﷺ لكعب بن عجرة (^٨): "أتؤذيك هوام رأسك"؟ قال: نعم، فأمره بالحلاق والفدية (^٩).
فصل [٩ - الزينة في الإحرام]:
الزينة ممنوعة في الإحرام كالكحل للنساء ولبس الحلي وغيره، واختلف
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٦، والتفريع: ١/ ٣٢٢، وورد فيهما كراهية المعصفر والمزعفر، والتي لم يشر إليها المصنف.
(٢) سبق تخريج الحديث ص ٣٤٥.
(٣) التفث: إذا ترك الأدهان والاستحداد فعلاه الوسخ (المصباح المنير ص ٧٥).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٣٢٩، التفريع: ١/ ٣٢٤، الرسالة ص ١٨٠، الكافي ص ١٥٣.
(٥) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٦) تعالى: سقطت من (ق).
(٧) سورة الحج، الآية: ٢٢.
(٨) كعب بن عجرة: الأنصاري المدني أبو محمَّد صحابي مشهور، مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون (تقريب التهذيب ص ٤٦١).
(٩) أخرجه البخاري في المحصر، باب: قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ (٢/ ٢٠٨)، ومسلم في الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها: ٢/ ٨٦٠ - ٨٦١.
[ ١ / ٥٢٩ ]
أصحابنا (^١) هل هو منع حظر أو كراهة (^٢)؟، فإن قلنا: أنه منع حظر كان فيه الفدية، وإن قلنا: أنه منع كراهة (^٣) فلا فدية فيه (^٤)، ووجه الحظر أنها عبادة تمنع الطيب والنكاح، فمنعت الزينة كالعدة ووجه الكراهة أنها عبادة إحرام وإحلال كالصلاة.
فصل [١٠ - حك المحرم رأسه وجلده]:
يجوز للمحرم حك رأسه وجلده (^٥)، ويرفق في حك رأسه لئلا يقتل القمل لأن شعر الرأس يستكن (^٦) فيه القمل، وله أن يحك جلده حكًّا شديدًا لأنه يأمن ذلك فيه غالبًا.
فصل [١١ - الطيب في الإحرام]:
الطيب ممنوع في الإحرام قليله أو كثيره منع حظر تجب الفدية بتناوله ولا خلاف في ذلك (^٧)، والأصل فيه: أنها عبادة تمنع النكاح فمنعت (الطيب كالعدة ولا فدية في شمه ما لم يكن إتلاف والعصفر ليس من) (^٨) الطيب لأنه من الريحان وليس في العادة (^٩) التطيب به، فإن كثر جدًّا وكان ممن ينتقض، فمن أصحابنا من يوجب به الفدية ويجعله زينة ومقارنًا للطيب (^١٠).
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٤٢، التفريع: ١/ ٣٢٤، الرسالة ص ١٨٠.
(٢) و(^٣) في (م): كراهية.
(٣) فيه: سقطت من (ق).
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٥، الكافي ص ١٥٣ - ١٥٤.
(٥) في (ق): تسكن.
(٦) الإجماع ص ٥٥، المجموع: ٧/ ٢٢٥، ٢٧١، المغني: ٣/ ٣٢٢.
(٧) ما بين قوسين: سقط من (م).
(٨) في (ق): العبادة.
(٩) انظر: الكافي ص ١٥٣، الشرح الصغير: ٢/ ٧٣.
[ ١ / ٥٣٠ ]
فصل [١٢ - أكل المحرم ما فيه طيب]:
ويجوز للمحرم أكل ما فيه طيب قد طبخته النار زعفرانًا كان أو غيره كالخبيص (^١)، والخشكنان (^٢)؛ لأنه بالطبخ قد خرج عن أن يكون طيبًا وصار في حكم المأكولات، ولأنه في حال تناوله متلف بغلبة الطعام عليه واستهلاكه فيه.
فصل [١٣ - إذا خلط الطيب بطعام]:
إذا (^٣) خلط الطيب بطعام أو شراب على جهته من غير أن تمسه النار أو طيب به طعام، فتناوله المحرم ففيها روايتان (^٤): إحداهما وجوب الفدية لأنه تناول طيبًا على جهته كما لو تطيب به، والآخر أنه لا فدية عليه لأنه مستهلك فيه والحكم للغلبة.
فصل [١٤ - اغتسال المحرم]:
يجوز أن يغتسل المحرم تبردًا (^٥)؛ لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك (^٦)، وكذلك الصحابة (^٧)، ويحرك شعر رأسه بيديه (^٨)، ولأن الغسل ليس بطيب ولا زينة ولا إلقاء تفث وكل ما عدى ذلك، فجائز للمحرم.
_________________
(١) الخبيص: في اللغة الخليط، وهو طعام معروف.
(٢) الخشكنان: خبز تصنع من خالص دقيق الحنطة، وتملأ بالسكر واللوز أو الفستق (المعجم الوسيط: ١/ ٢٣٦).
(٣) إذا: سقطت من (م).
(٤) التفريع: ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٤٣، الموطأ: ١/ ٣٢٣، الكافي ص ١٥٢.
(٦) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب: الاغتسال للمحرم: ٢/ ٢١٥، ومسلم في الحج، باب: جواز غسل المحرم بدنه ورأسه: ٢/ ٨٦٤.
(٧) روي عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم (انظر الموطأ: ١/ ٣٢٣، البيهقي: ٥/ ٦٣).
(٨) في (م): بيده.
[ ١ / ٥٣١ ]
فصل [١٥ - الفدية]:
والفدية في الطيب وإلقاء التفث، ولبس المخيط ثلاثة أنواع: إطعام ستة مساكين مدين مدين لكل مسكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذبح شاة وهي على التخيير دون الترتيب (^١)، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٢)، وفي حديث كعب بن عجرة أنه ﷺ قال: "أتؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم، قال: "أحلق وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مُدَّيْن مُدَّيْن لكل مسكين أو أنسك بشاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك (^٣) " (^٤).
فصل [١٦ - مكان إخراج الفدية]:
وليس لشيء منها مكان مخصوص (^٥) أي موضع فعله جاز (^٦) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن النسك لا يكون إلا بمكة (^٧)، وللشافعي في قوله: أن النسك والإطعام لا يكونان إلا بمكة (^٨)، لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٩) فأطلق، وفي حديث كعب بن عجرة أنه (ﷺ) (^١٠) قال له: "صم ثلاثة أيام أو أطعم أو أنسك بشاة" (^١١) ولم يقيد ولأنه نوع من فدية الأذى، فجاز بمكة وغيرها كالصوم.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٤٥، التفريع: ١/ ٣٣٥، الرسالة ص ١٨٠.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٣) في (م): أجزأك.
(٤) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٦، الرسالة ص ١٨٠، الكافي ص ١٥٤.
(٦) في (م): أجزأه.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٠.
(٨) انظر: مختصر المزني ص ٧١.
(٩) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(١٠) ﷺ: سقطت من (م).
(١١) سبق الحديث في الصفحة (٥٢٩).
[ ١ / ٥٣٢ ]
باب: من قتل صيدًا وهو محرم أو ذبحه أو صاده
يحرم قتل الصيد وذبحه واصطياده على المحرم في الحل والحرم ويحرم في الحرم على المحرم والحلال (^١)، والأصل في منعه للمحرم قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (^٤)، وقوله ﷺ: "لحم الصيد لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (^٥) ولا خلاف في ذلك (^٦).
وجميع ما ذكرناه دال على منعه في الحرم لأن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٧) يتضمن حرمة الإحرام وحرمة الحرم، وقوله ﷺ في مكة: "لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها" (^٨)، فإذا ثبت هذا فالحرم حرمان: حرم
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٢٧ - ٣٦، التفريع: ١/ ٣٢٧، الرسالة ص ١٨٢.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٩٦.
(٥) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم: ٢/ ٤٢٨، والنسائي في المناسك، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد: ٥/ ١٤٦، والترمذي في الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم: ٣/ ٢٠٤، وقال: والمطلب بن حنطب لا نعرف له سماعًا من جابر، أخرجه أحمد: ٣/ ٣٦٢، والحاكم: ١/ ٤٥٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٦) انظر: الإجماع ص ٥٨، المجموع: ٧/ ٢٩٨، المغني: ٣/ ٥٠٦.
(٧) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٨) أخرجه البخاري في الحج، باب: فضل الحرم: ٢/ ١٥٧، ومسلم في الحج، باب: تحريم مكة وصيدها ..: ٢/ ٩٨٦.
[ ١ / ٥٣٣ ]
مكة، وحرم المدينة، فإن قتل صيدًا في مكة فعليه الجزاء، وإن قتله في حرم المدينة فلا جزاء عليه، وقال داود: لا يتعلق الجزاء بحرمة الحرم أصلًا (^١)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٢)، والاسم ينطلق على المحرم (^٣)، والحرام بالإحرام وبالمكان، ولأن كل ما كسبه اسم محرم أثر في وجوب الجزاء أصله الإحرام.
فصل [١ - قتل الصيد في حرم المدينة]:
وأما حرم المدينة فلا جزاء عليه عند مالك (^٤)، وقال ابن أبي ذئب (^٥): عليه الجزاء، فوجه قول مالك ﵀ (^٦) قوله ﷺ: "من وجدتموه قد صاد في حرم المدينة فأوجعوه ضربًا واسلبوه ثيابه" (^٧)، فلو كان فيه الجزاء لأمر به، ولأنه غير محل للمناسك فلم يتعلق بقتل الصيد فيه الجزاء (^٨)، أصله الحل، ووجه إيجابه الجزاء قوله ﷺ: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة وأنا أحرم المدينة بمثل ما حرم به مكة ومثله معه لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها" (^٩)، ولأنه حرم يمنع الاصطياد فيه
_________________
(١) انظر: المجموع: ٧/ ٤٥٧.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٣) في (م): الحرم.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٢٣١.
(٥) ابن أبي ذئب: محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني: ثقة، فقيه فاضل من السابعة، مات سنة ١٥٨ هـ (تقريب التهذيب: ٤٩٣).
(٦) رحمة الله: سقطت من (م).
(٧) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: في تحريم المدينة: ٢/ ٥٣٢، والبيهقي: ٥/ ١٩٩، والحاكم وصحَّحه: ٢/ ٤٨٦، وأخرجه مسلم بلفظ قريب منه من حديث عامر ابن سعد بن أبي وقاص في الحج، باب: فضل المدينة ..: ٢/ ٩٩٣.
(٨) في (م): جزاء.
(٩) سبق تخريج الحديث.
[ ١ / ٥٣٤ ]
فتعلق الجزاء به كحرم مكة، وهذا القول أقيس عندي على أصولنا، لا سيما مع قول أصحابنا إن المدينة أفضل من مكة، وأن الصلاة في مسجدها (^١) أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام، وسنذكر ذلك في موضعه من كتاب الجامع إن شاء الله.
فصل [٢ - في كون العمد والسهو في الإتلاف سواء]:
وعمد الإتلاف وسهوه سواء في وجوب الجزاء (^٢) خلافًا لداود (^٣) في قوله: أن قتل الصيد خطأ لا شيء فيه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (^٤)، فأوجب الجزاء على متعمد قتله ولم يفرق بين أن يكون ذاكرًا للإحرام أم ناسيًا، وقوله ﷺ (^٥) في الضبع: "هو صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم" (^٦)، ولأنه متلف للصيد في حال الإحرام أو الحرم، فأشبه العامد.
فصل [٣ - في قطع شجر الحرم]:
ولا جزاء في قطع الشجر (^٧) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٨)؛ لأن إتلاف الشجر الذي لا ملك عليه لآمدي لا غرم على متلفه في الأصول، ولأن كونه من شجر الحرم لا يقتضي ضمان الجزاء اعتبارًا بما فيه منفعة للناس، ولأنه نوع من
_________________
(١) في (م): بها.
(٢) انظر: الموطأ: ١/ ٤٢٠، التفريع: ١/ ٣٣١.
(٣) انظر: المحلي: ٧/ ٣٢٣، المغني: ٣/ ٥٠٥.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٥) ﷺ: سقطت من (ق).
(٦) أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب: أكل الضبع: ٤/ ١٥٩، والنسائي في الحج، باب: ما لا يقتله المحرم: ٥/ ١٥٠، وابن ماجه في المناسك، باب: جزاء الصيد يصيبه المحرم: ٢/ ١٠٣٢، والترمذي في الحج، باب: ما جاء في الضبع يصيبها المحرم: ٣/ ٢٠٧، وقال: حسن صحيح.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٣٣٩، التفريع: ١/ ٣٣١.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٩، الأم: ٢/ ٢٠٨.
[ ١ / ٥٣٥ ]
النبت كالخشب والثمار، ولأنه يتلف حيوانًا ولا شيئًا من الحيوان فلم يلزمه جزاء كسائر الجمادات (^١)، وقياسًا على المحرم يقطع الشجر في الحل لأن ما لزم الحلال جزاؤه في الحرم لزم المحرم مثله في الحل، فلو كان في قطع شجره (^٢) جزاء للزم المحرم ذلك في الحل.
فصل [٤ - أكل لحم الصيد الذي يصيده الحلال]:
أكل لحم الصيد الذي يصيده الحل الذي الحل جائز للمحرم إذا لم يصد من أجله ولا من أجل محرم سواه (^٣)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يؤكل وإيجابه الجزاء عليه بأكله (^٤)، لقوله ﷺ: "لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (^٥)، ولأنه إذا صيد لهم كانوا كالراضين بقتله فلزمهم الجزاء، وإذا لم يصد لهم فلا جزاء عليهم لأنهم لم يتلفوه ولا أتلف من أجلهم.
فصل [٥ - فيمن كل من صَيْدٍ صِيْدَ من أجله]:
وإن أكل (^٦) من صيد صيد من أجله فعليه فيه الجزاء (^٧) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٨)، لقوله ﷺ: "ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (^٩)، ولأنه إتلاف ممنوع منه لأجل رضاه به، فكان عليه الجزاء أصله إذا أتلفه بنفسه،
_________________
(١) في (ق): الجامدات.
(٢) في (م): الشجر.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٤) انظر: مختصر القدوري: ١/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٣٣).
(٦) في (م): كان.
(٧) في (م): الحق.
(٨) انظر: مختصر القدوري: ١/ ٢١٦، الأم: ١/ ٢٠٨.
(٩) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٣٣).
[ ١ / ٥٣٦ ]
ولأن الوكيل كفعل الموكل في الحكم، ولأن في ذلك ذريعة إلى استباحة الاصطياد فوجب حسم الباب.
فصل [٦ - من قتل صيدًا وأكله؟]:
ومن قتل صيدًا فأكله فعليه جزاء واحد (^١)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل (^٢) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (^٣)، فلم يوجب سواه، ولأن الإتلاف بعد القتل لا يوجب جزاء آخر كما لو قتله وأحرقه.
فصل [٧ - لا يذبح المحرم الصيد]:
ولا يصح من المحرم تذكية الصيد (^٤) خلافًا للشافعي (^٥) لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٦)، والقتل في الشرع عبارة عن الإتلاف الذي لا يبيح الأكل والذكاة عبارة عن ما يبيحه، ولأنه ذبح محرم لحق الله لمعنى في نفس الذابح فأشبه ذبح المجوسي، ولأن كل معنى أوجب تحريم أكل المذبوح على ذابحه أوجبه على غيره أصله ذبح المجوسي، ولأن كل صيد حظر على صائده لحق الله فلا تصح تذكيته له أصله الخنزير.
فصل [٨ - ذبح الصيد المملوك في الحرم]:
وللحلال أن يذبح صيدًا مملوكًا في الحرم ولا جزاء عليه (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨)؛ لأنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه وهو حلال في الحرم، جاز له
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٨.
(٢) مختصر القدوري: ١/ ٢١٦.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٨.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٨.
(٥) انظر: الإقناع ص ٩١.
(٦) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٧) انظر: الكافي ص ١٥٥.
(٨) انظر: مختصر القدوري: ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٥٣٧ ]
ذبحه كالنعم (^١)، ولأن كل من جاز له تملك صيد بالشراء والهبة جاز له ذبحه كالحلال إذا كان في الحل، ولأنه لو منع ذلك لفسد لحم الصيد، فأدى إلى أنهم لا يأكلونه إلا متغيرًا، والفرق بين حرمة الموضع وحرمة الإحرام لأن الإحرام لا يدوم وحرمة الموضع دائمة فافترقا فيما يحرم في الإحرام كالنكاح والوطء؛ لأن حرمة الإحرام تمنع منها وحرمة الموضع لا تمنعه.
فصل [٩ - المحرم يدل على صيد لمن يقتله أو يصيده]:
ولا يجوز لمحرم أن يدل على صيد لمن يقتله أو يصيده (^٢)؛ لأن ذلك يجري مجرى المعاونة على قتله، ومن منع فعل شيء منع المعونة عليه، ولأنه لما حرم عليه قتل الآدمي حرم عليه أن يدل عليه كذلك الصيد.
فصل [١٠ - فيمن دل على صيد فصاده]:
وإن فعل أثم ولا جزاء عليه (^٣) خلافًا لأبي حنيفة (^٤) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (^٥)، فعلق وجوب الجزاء بالقتل المباشر، فدل على انتفائه بغيره، ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم كما لو دل على عبد غيره، ولأنه لم يكن منه قتل لا بمباشرة ولا بسبب أثَّر في نفسي المقتول كالدال على قتل الآدمي، ولأنه ممنوع من إتلاف الصيد (^٦) لحرمة توجب منع اصطياده، فإذا دل عليه لم يلزمه جزاء (^٧) أصله الحل الذي الحرم إذا دل على صيد في الحرم.
_________________
(١) في (ق): كالغنم.
(٢) انظر: الكافي ص ١٥٥.
(٣) انظر: الكافي ص ١٥٥.
(٤) انظر: مختصر القدوري ص ٢١.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٩٨.
(٦) في (م): صيد.
(٧) في (م): الجزاء.
[ ١ / ٥٣٨ ]
فصل [١١ - اشتراك محرمين في قتل صيد]:
إذا اشترك جماعة محرمون في قتل صيد، فعلى كل واحد جزاء كامل (^١) خلافًا للشافعي في قوله: أنه على جميعهم جزاء واحد (^٢)، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٣)، وهذا خطاب لكل قاتل في نفسه، ولأنه محرم أتلف صيدًا ممنوعًا من إتلافه كالمنفرد، ولأنه اشتراك في قتل نفس تجب الكفارة بقتلها، فكانت الكفارة بعدد القاتلين كالآدمي ولأنه معنى تتصف (^٤) به الجماعة، والآحاد لو انفرد كل واحد به لزمته كفارة كاملة فكذلك إذا أشرك فيه كالجماعة إذا اشتركت في الحلف على شيء واحد، فإن على كل واحد كفارة كاملة، ولأن الجزاء طريقة الكفارة لا الدية لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^٥)، ولأنه حق لله يجب (بإتلاف نفس للصوم مدخل فيه، فكان على كل واحد كفارة كقتل الآدمي، ولأنه من المحظورات فكان الواجب) (^٦)، بإتلافه كفارة كحلق الرأس والطيب.
فصل [١٢ - قتل المحرم صيدًا لغيره]:
إذا قتل المحرم صيدًا لغيره فعليه القيمة مع الجزاء (^٧)، خلافًا لمن أسقط عنه الجزاء، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (^٨) فعم، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام فعليه الجزاء كالذي ليس بمملوك.
_________________
(١) المدونة: ١/ ٣٣٠، الموطأ: ١/ ٢٤٠، الكافي ص ١٥٦.
(٢) الأم: ٢/ ٢٠٧، مختصر المزني ص ٧٢.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٤) في (ق): تختص.
(٥) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٦) ما بين قوسين سقط من (م).
(٧) المدونة: ١/ ٣٣٢، الكافي ص ١٥٥.
(٨) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
[ ١ / ٥٣٩ ]
فصل [١٣ - جزاء الصيد]:
لا يخلوا الصيد الذي يقتله المحرم أن يكون مما له مثل من النعم أو أن يكون مما لا مثل له: فإن كان له مثل وشبه (^١) من النعم فجزاؤه ذلك المثل كالنعامة المشبهة للبدنة وحمار الوحش المشبه للبقرة وغير ذلك مما نذكر مفصلًا، فهذا النوع من الصيد يجب فيه ما يقرب شبهه به من النعم (^٢)، وإن كان مما لا مثل له كالأرنب واليربوع (^٣)، وغير ذلك ففيه حكومة، ووجوب إخراج المثل غير متحتم، فإن شاء القاتل أخرجه، وإن شاء أخرج قيمته طعامًا ويخرج قيمة الصيد المقتول لا قيمة المثل، ويقوم نفس الصيد المقتول بالطعام دون تقويمه بالدراهم وتقويم الدراهم بالطعام، فإن شاء صام بدلًا من الطعام مكان كل مد أو كسره يومًا بالغًا ما بلغ.
ولا يجوز أن يلي ذلك بنفسه دون التحكيم عليه لذوي عدل سواه يحكمان عليه بعد تخييره ما يريده (^٤) من ذلك من غير أن يجبراه على غير إرادته، فإذا اختار ما يحكمان به عليه ثم حكما به، فقد انحتم وجوبه وسقط ما بعد (^٥) خياره، وأصل الجزاء على التخيير دون الترتيب ويلزم التحكيم في كل وقت، وفيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم تحكم فيه، والواجب فيه هدي كامل يسوقه من الحل إلى الحرم ولا يأكل منه ويطعم لمساكين الحرم دون غيرهم، ومحله مني إن وقف به بعرفة وإن فاته ذلك نحوه بمكة (^٦).
_________________
(١) في (م) شبيه.
(٢) في (ق): الغنم وهو خطأ.
(٣) اليربوع: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها، ورجلاه أطول من يديه (المصباح المنير ص ٢١٦).
(٤) في (م): يريد.
(٥) ما بعد: سقطت من (ق).
(٦) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٣٢٧ - ٣٤٥، التفريع: ١/ ٣٢٨، ٣٢٩، الرسالة ص ١٨٢، الكافي ص ١٥٥.
[ ١ / ٥٤٠ ]
فصل [١٤ - في أن ماله مثل النعم مضمون بمثله]:
وإنما قلنا: أن ماله مثل من النعم مضمون (بمثله خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أنه مضمون) (^١) بالقيمة (^٢) لقوله ﷿ (^٣): ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٤)، ففيه أدلة:
أحدهما: أن إطلاق المماثلة يقتضي الخلقة والصورة والجنس، فلما قيده بأن يكون من النعم علم بأنه أراد الخلقة من هذا النوع دون غيره.
والثاني: قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٥)، وهذه الكناية عائدة إلى الجزاء وهو المثل من النعم ولا ذكر للقيمة للظاهر.
والثالث: قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٦)، فأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة دون أن تبدل (^٧)، وإنما يصح في المثل، وقوله ﷺ: "الضيع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم" (^٨)، ففيه أدلة:
أحدهما: أنه عين الواجب فيها وهو الكبش، وعند المخالف أن الواجب القيمة من غير تعيين.
والثاني: أنه ﷺ جعل فيها جزاء مقدرًا وعندهم لا يتقدر، لأنه يزيد وينقص باختلاف القيم.
والثالث: أنه أوجب كبشًا وعندهم يجب تارة كبشًا، وتارة دونه، وتارة أكثر منه بحسب اختلاف القيمة، ولأنه إجماع الصحابة روي عن عمر وعثمان
_________________
(١) ما بين قوسين: سقط من (م).
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٠، مختصر القدوري ١/ ٢١١ - ٢١٢.
(٣) في (م): تعالى.
(٤) : (^٦) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٥) دون أن تبدل: سقطت من (م).
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٣٥).
[ ١ / ٥٤١ ]
وعليّ وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن مسعود وعائشة (^١) ﵃ أجمعين ولا مخالف لهم (^٢)، ولأنه حيوان يخرج في كفارة، فوجب أن لا يكون على وجه القيمة كإعتاق الرقبة.
فصل [١٥ - ما لا مثال له من الصيد]:
وإنما قلنا: أن ما لا مثال له فيه حكومة: وهي وجوب قيمة لحمه لأن هذه سبيل سائر المتلفات أن المراعي فيما له مثل وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره، ولأن الناس قائلان (^٣): فمعتبر للقيمة في جميع الصيد ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم، فقد تضمن ذلك الإجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له.
فصل [١٦ - كفارة قتل الصيد على التخيير]:
وإنما قلنا: إن كفارة قتل الصيد على التخيير دون الترتيب خلافًا لما يحكيه بعض أهل الخلاف عن ابن عباس وغيره (^٤) من كونها على الترتيب لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ … إلى قوله: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^٥)، أو عدل ذلك صيامًا أو موضوعة للتخيير إذا وردت لغير الشك مثل الأمر أو إباحة جنس، ولأن الصيغة ها هنا كهي في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٦)، معلوم أن مفهومها في ذلك الموضع التخيير فكذلك ها هنا (^٧) في مسألتنا، ولأنه حق لزم بإتلاف صيد كان ممنوعًا لحرمة الإحرام، فوجب أن يكون على التخيير أصله كفارة الأذى.
_________________
(١) أخرج منه الآثار: البيهقي: ٥/ ١٨١ - ١٨٢، والشافعي في الأم: ٢/ ١٩٠.
(٢) انظر: المغني: ٣/ ٥٠٩ - ٥١٠، المحلي: ٧/ ٣٣٩، فتح الباري: ٣/ ٤٢١، المجموع: ٧/ ٤١١، ٤١٩.
(٣) في (م): رجلان.
(٤) وعن الثوري والشعبي (انظر: المحلي: ٧/ ٢٢١، المغني: ٣/ ٥١٩، ٥٢١).
(٥) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٦) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٧) ها هنا: سقطت من (ق).
[ ١ / ٥٤٢ ]
فصل [١٧ - قصر كفارة قتل الصيد على الثلاثة أنواع فقط]:
وإنما قلنا: إنها مقصورة على هذه الأنواع الثلاثة، وهي المثل من النعم فيما له مثل منه أو الإطعام أو الصيام أو القيمة فيما لا مثل له لأن النص ورد بحصرها على ذلك دون زيادة عليه، واعتبارًا بفدية الأذى بعلة ما قدمناه.
فصل [١٨ - التحكيم فيما يخرجه عما قتل من النعم]:
وإنما قلنا: إنه ليس (^١) له إخراج شيء من ذلك بنفسه دون التحكيم فيه لورود النص باشتراط التحكيم لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢)، ولا خلاف في ذلك (^٣).
فصل [١٩ - التحكيم يكون من اثنين]:
وإنما قلنا: إنه لا يكتفي بأقل من اثنين لقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٤)، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ دعي عبد الرحمن بن عوف ﵄ (^٥) ليحكم معه على رجل قتل ظبيًا وهو محرم (^٦)، وكذلك دعى كعبًا (^٧) في قصة أخرى (^٨)، ولأنه عدد مشترط بالنص في ما يتعلق بالتحكيم كالحكمين في
_________________
(١) في (م): يجوز وهو خطأ.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٣) انظر: المغني: ١/ ٥١١ - ٥١٢، المجموع: ٧/ ٤١١، المحلي: ٣٢٩٧، فتح الباري: ٣/ ٤٢١.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٥) ﵄: سقطت من (ق).
(٦) انظر: البيهقي: ٥/ ١٨١ - ١٨٢.
(٧) كعب: بن مانع، يكنى أبا إسحاق، ويعرف بكعب الأحبار، وهو من حمير من آل ذي رعين، وذكر أبو الدرداء كعبًا فقال: إن عند ابن الحميرية لعلمًا كثيرًا (طبقات ابن سعد ٧/ ٤٤٥).
(٨) عبد الرزاق: ٤/ ٤٣٢، والموطأ: ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ٥٤٣ ]
النشوز، ولأنه عدد منصوص عليه فيما يتعلق بتكفير لزم لنقص في الإحرام كالصيام وعدد المساكين في فدية الأذى.
فصل [٢٠ - القاتل ليس أحد الحكمين]:
وإنما قلنا: إنه لا يكون القاتل أحد الحكمين (^١) خلافًا للشافعي (^٢)، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣)، فخاطب (^٤)، بذلك من يلزمه التحكيم فاقتضى أن يكون الحكمان غير المحكوم عليه كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٥)، فاقتضى أن يكون الشاهد غير المشهود عليه، ولأن حكم الإنسان على نفسه غير متصور، ولأن الحكم كما يقتضي حاكمًا فيقتضي (^٦) محكومًا عليه غيره كاقتضائه محكومًا له غيره، ولأن الجزاء بدل للمتلف فلم يرجع فيه إلى أمانة المتلف كتقويم المتلفات.
فصل [٢١ - تخيير الحاكمين للقاتل في نوع الجزاء]:
وإنما قلنا: إنهما يخبرانه لورود النص بذلك، وإنما ينحتم عليه النوع الذي يكفر به بعد اختياره وحكمهما عليه بما يختاره.
فصل [٢٢ - تقويم الصيد بالطعام]:
وإنما قلنا: إن اختار التكفير بالإطعام قوَّم الصيد نفسه بالطعام لا المثل خلافًا للشافعي في قوله: أن يقوم المثل (^٧) لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٣٢٨، الرسالة ص ١٨٢.
(٢) في أصح قوليه (انظر المهذب: ١/ ٢١٦).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٤) في (م): يخاطب.
(٥) سورة الطلاق، الآية: ٦٥.
(٦) في (م): فاقتضى.
(٧) انظر: الأم: ٢/ ١٨٥، مختصر المزني ص ٧١.
[ ١ / ٥٤٤ ]
النَّعَمِ .. إلى قوله: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^١)، وظاهره يقتضي أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول معتبرًا به دون المثل، ولأن المتلف هو الصيد دون المثل فوجب أن يكون هو المقوم كسائر المتلفات، ولأن الإطعام بدل (^٢) عن نفس المتلف، فوجب أن يكون معتبرًا به لا بغيره أصله المثل من النعم، ولأنه طعام مخرج في جزاء الصيد فوجب أن يكون معتبرًا بقيمة الصيد كالذي لا مثل له.
فصل [٢٣ - تقويم الصيد بالطعام دون الدراهم]:
وإنما اخترنا أن يقوَّم الصيد دون أن يقوم بالدراهم لأن الطعام بدل عن (^٣) الصيد فوجب أن يقع التقويم به، وإنما يقوم بالدراهم إذا كانت هي المأخوذة في القيمة هذا هو المختار، فإن لم يفعل وقوم الصيد دراهم ثم قومت طعامًا جاز لأن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة من الطعام.
فصل [٢٤ - التقويم يكون في موضع القتل]:
ويقوم بالطعام في الموضع الذي قتل (^٤) فيه إن كان هناك طعام يقوم بغالب طعام ذلك المكان إلا أن يكون موضعًا لا طعام فيه ولا قيمة، فيعدل إلى أقرب المواضع إليه لأنه لا يوصل إلى معرفة قيمته بأكثر من ذلك.
فصل [٢٥ - في كون الإطعام مدًّا لكل مسكين]:
وإنما قلنا: إنه يطعم لكل مسكين مدًّا مدًّا اعتبارًا بسائر الكفارات أنه لا يزاد فيها على مد، وفدية الأذى ليست بكفارة، وإنما هي فدية وعلى أنها مخصوصة بتقدير الصيام فيها بالأيام مع التخيير في جميعها.
فصل [٢٦ - الصيام عن كل مد يومًا]:
وإنما قلنا: إنه إن اختار الصوم صام عن كل مد يومًا خلافًا لأبي حنيفة في
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٢) في (م): الطعام بذل.
(٣) في (م): من.
(٤) قتل: سقطت من (ق).
[ ١ / ٥٤٥ ]
قوله: إنه يصوم عن كل مدين (^١) يومًا (^٢) اعتبارًا بكفارة الفطر في رمضان، لأنه صيام بدل عن طعام (^٣)، فوجب لحرمة عبادة ولا يدخل عليه كفارة الظهار لأنه ليس لحرمة (^٤) عبادة ولا فدية الأذى لأنه جعل فيه مكان أربعة أمداد يومًا، وذلك غير معتبر ها هنا.
فصل [٢٧ - جبر كسر المد بصوم يوم كامل]:
وإنما قلنا: إنه يجبر كسر المد بصوم يوم كامل لأن إسقاط الصوم غير جائز وتبعيضه غير ممكن فلم يبق إلا جبره بالإكمال كالأيْمَان في القسامة.
فصل [٢٨ - لزوم التحكيم فيما حكم فيه الصحابة وفيما لم تحكم]:
وإنما قلنا: إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم تحكم خلافًا للشافعي في قوله: أنه يكتفي فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به (^٥) لقوله ﷿: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ .. إلى قوله: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٦) فعم من الجهتين، ولأنه صيد لزم بقتله الجزاء فلا بد من التحكيم فيه أصله ما لم تمض فيه حكومة.
فصل [٢٩ - الهدي الواجب في الجزاء]:
وإنما قلنا: إن الواجب فيه هدي لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٧)، ولا بد أن يساق من الحل إلى الحرم -أعني الهدي- خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: إن اشتراه من الحرم ونحوه أجزاه (^٨)؛ لأن النبي - ﷺ - ساق هديه
_________________
(١) في (م): مد وهو خطأ.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧١، مختصر القدوري: ١/ ٢١٢.
(٣) في (م): الطعام.
(٤) في (م): بحرمة.
(٥) انظر: مختصر المزني ص ٧١.
(٦) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٧) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٠ - ٧١، الأم: ٢/ ١٨٤.
[ ١ / ٥٤٦ ]
من الحل إلى الحرم (^١)، وكان فعله بيانًا للمناسك، ولأنه لو اشتراه في الحل ونحره هناك لم يجزه لأنه لم يجمع له الحل والحرم، وكذلك إذا أفرده بالحرم لا يجزيه، فإن وقف به بعرفة نحوه بمِنَى، وإن لم يقف به نحوه بمكة؛ لأن النحر في الحج لا يكون إلا بأحد هذين الموضعين: إما مِنَى، أو مكة، فإذا (^٢) لم يكن يوجد فيه شرط النحر كان النحر بمكة.
فصل [٣٠ - أمثال الصيد]:
فأما تفصيل أمثال الصيد من النعم: ففي النعامة بدنة، وبذلك حكمت الصحابة لأنها (^٣) أشبه شيء بها من بهيمة الأنعام، وفي حمار الوحش والإبل بقرة لأنها أقرب شبهًا به من الإبل والغنم.
وفي الغزال شاة لأنها أشبه به من الإبل والبقر وعلى هذا تجري مسائله (^٤).
وفي حمام مكة شاة وفي حمام الحرم شاة، واختلف فيه، فقيل: هذا، وقيل: حكومة (^٥)، وفي حمام الحل حكومة، وفي بيض النعامه عُشر ثمن البدنة، وفي بيض الطير عُشر ثمن ما يجب في أمه، وفي سائر الطير والوحش مما لا مثل له الاجتهاد كالأرنب واليربوع والصقر والبازي (^٦)، والسمان (^٧)،
_________________
(١) أما كونه ﷺ ساق هديه من الحل إلى الحرم، فمعلوم بالضرورة أنه حج من المدينة واعتمر منها وأصحب معه الهدي منها (الهداية في تخريج أحاديث بداية المجتهد: ٥/ ٤٨١)، وقد جاء في صحيح البخاري: "أنّه ﷺ خرج عام الحديبية، فلما كان بذي حليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم" (كتاب الحج، باب: إشعار البدن: ٢/ ١٨٢).
(٢) في (م): فإن لم.
(٣) في (م): لأنه.
(٤) في جملة هذه الأحكام انظر: المدونة: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥، التفريع: ١/ ٣٣٨، الكافي ص ١٥٧.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٣٥، التفريع: ١/ ٣٤٨، الكافي ص ١٥٧.
(٦) البازي: ضرب من الصقور يستخدم في الصيد (المعجم الوسيط: ١/ ٧٦).
(٧) السمان: طائر معروف.
[ ١ / ٥٤٧ ]
والدراج (^١)، وغير ذلك، ويجب في صغار الصيد الذي ليس له مثل من النعم (^٢)، مثل ما يجب في كباره.
فصل [٣١ - حمام مكة]:
وإنما قلنا: في حمام مكة شاة لحكم الصحابة بذلك (^٣)، وإنما قلنا: فصلنا في حمام الحرم والحل لحرمة الحرم وكثرة الحمام بمكة وتأكيد (^٤) حرمتها.
وإما قلنا: إن في بيض النعامة عُشر من البدنة خلافًا للشافعي (^٥) في قوله: أن الواجب فيه قيمة البيضة، لحكم الصحابة بذلك، واعتبارًا بالجنين أن فيه عُشر ما يجب في أمه.
وإنما قلنا: إن فيما سوى ذلك الاجتهاد لأنه لا مثل له من النعم فلم يبق إلا الاجتهاد.
فصل [٣٢ - في صغار الصيد]:
وإنما قلنا: إن في صغار الصيد من المثل من النعم مثل ما في كباره خلافًا للشافعي في قوله (^٦) أن في النعامة الكبيرة بدنة وفي الصغيرة فصيلًا، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخله عجلًا، لقوله تعالى (^٧): ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٨)، فلو تركنا هذا لقلنا في الصغر والكبر والصورة، فلما قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (^٩)، اقتضي ما يتناوله اسم الهدي نحو الإطلاق، وذلك
_________________
(١) الدراج: ضرب من الطير (الصحاح: ١/ ٣١٤).
(٢) مثل من النعم: سقطت من (م).
(٣) انظر: البيهقي: ٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وابن عباس وابن المسيب ﵃ جميعًا.
(٤) في (م): تأبيد.
(٥) انظر: الأم: ٢/ ١٩١.
(٦) انظر: الأم: ٢/ ١٩٠، مختصر المزني ص ٩٥.
(٧) في (م): ﷿.
(٨) و(^٩) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
[ ١ / ٥٤٨ ]
يقتضي الهدي التام لأمرين: أحدهما: أن الصحابة قالت: الهدي بدنة أو بقرة وأدناه شاة (^١)، فعمت جنس الهدي فلم يبق هدي إلا ما هذا وصفه.
والآخر أن من قال لله عليَّ هدي لزمه هدي تام لا صغير ولأنه حيوان مخرج باسم الكفارة، فلم يختلف باختلاف أصله الرقبة في كفارة القتل والظِهار، ولأنه دم وجب لمعنى محظور في الإحرام، فوجب أن يكون دمًا تامًّا كاملًا أصله نسك الأذى، ولأنه دم لا يجوز نحره في غير الحرم فلم يجز فيه الصغير أصله دم المتعة والقِران.
فصل [٣٣ - ما يجوز للمحرم قتله]:
وللمحرم قتل الحية والعقرب والفأرة والزنبور (^٢) من غير خلاف (^٣)، والأصل فيه قوله ﷺ: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: فذكر الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور" (^٤)، وفي حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي - ﷺ - ليلة عرفة (^٥)، فخرجت حية فقال: "اقتلوا، اقتلوا" فسبقتنا (^٦).
فصل [٣٤ - قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر]:
وله عندنا قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر من الوحش والطير مثل: الأسد
_________________
(١) قاله ابن عباس: ما استيسر من الهدي جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم أخرجه البخاري في الحج، باب: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج: ٢/ ١٨٠.
(٢) الزنبور: حشرة أليمة اللسع (المعجم الوسيط: ١/ ٤٠٢).
(٣) انظر: المجموع: ٧/ ٣٤١، المغني: ٣/ ٣٤١.
(٤) أخرجه البخاري في الحج، باب: ما يقتل المحرم من الدواب: ٢/ ١٢٣، ومسلم في الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب: ٢/ ٨٥٨.
(٥) عرفة: سقطت من (ق).
(٦) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب: ٢/ ٢١٢.
[ ١ / ٥٤٩ ]
والذئب والنمر والفهد والكلب العقور وما أشبهها ولا جزاء عليه (^١)، ومن الطير: الغراب والحدأة (^٢).
ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور، ويخالفنا في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع، فقال: لا يقتل شيئًا من ذلك، وإن قتله فداه (^٣).
وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الصيد فلا فدية فيه إلا في السبع وهو المتولد بين الذئب والضبع (^٤)، فدليلنا على أبي حنيفة ما رواه (^٥) أبو سعيد أن النبي - ﷺ - سُئل: ما يقتل المحرم؟ فذكر: الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والحدأة والسبع العادي، وقوله: "خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح فذكر الكلب العقور" (^٦)، واسمه يعم الأسد وغيره، ولأنه لما أبيح قتل الكلب العقور والذئب وسقط الجزاء فيه للضرر الواقع منه (^٧)، وابتداؤه بالعدو والفرس، وكان الأسد أدخل في هذه المعاني من كل ما عداه وضرره أشد كان بإباحة القتل أولى، ولأن بما فيه من الصيد لا يضمن إلا بأحد وجهين: إما بمثله في الخلقة أو بكمال قيمته، وكل ذلك معدوم في السبع لأن المخالف لا يراعى المثل في الخلقة ولا يوجب فيه كمال القيمة لأنه يقول: إن زادت قيمته على قيمة شاة لم يجب كمالها، فدل على أنه لا يضمن بالقتل.
ودليلنا على وجوب الجزاء في الصقر والبازي والثعلب وكل متوحش لا يؤكل لحمه خلافًا للشافعي (^٨)، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٣٣٤ - ٣٣٥، التفريع: ١/ ٣٢٤، الرسالة ص ١٨٠.
(٢) الحدأة -مهموز مثل عِنَبَة-: طائر خبيث (المصباح المنير ص ١٢٥).
(٣) انظر: مختصر القدوري: ١/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٤) انظر: الأم: ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٥) في (م): روى.
(٦) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(٧) في (م): عنه.
(٨) انظر: الأم: ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ١ / ٥٥٠ ]
حرمًا﴾ (^١)، وقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (^٢) فعم، ولأنه حيوان بري ممتنع لا يبتديء بالضرر غالبًا، فكان مضمونًا بالجزاء أصله الضبع (^٣).
…
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٩٦.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٣) في (م): السبع.
[ ١ / ٥٥١ ]
باب: أضرب الحج
الإحرام على ثلاثة أخرجه: إفراد (^١) وتمتع (^٢) وقِران (^٣):
فالإفراد: هو أن يحرم بالحج على انفراده من غير إضافة العُمرة إليه، أو بالعُمرة على انفرادها من غير أن يجمع بينها وبين الحج في عقد الإحرام ويعرى من صفة التمتع، (ولا يبين وصفه على الحقيقة إلا بعد أن يتبين صفة القِران والتمتع) (^٤)، فيعلم أن الإفراد هو ما يعرى عن صفاتهما.
فأما القِران: فعلى وجهين: أحدهما أن يبتديء الإحرام بالعُمرة والحج معا في حال واحد ينوي بقلبه ويعتقد أنه داخل فيهما: مقدمًا للعُمرة في نيته من غير اعتبار بلفظه، فهذا يكون قارنًا إذا فعل ذلك بالنية والعقد دون الفعل لأن فعله (^٥) لا يزيد على فعل المُفرِد في الطواف والسعي والفدية وجزاء الصيد، ولا يؤثر قرانه في زيادة على فعل المفرد، وإنما يؤثر في المفرد يكون فعله للحج وحده، والقِران يكون فعله للعبادتين، ويلزمه الهدي لقرانه إذا لم يكن مقيمًا بمكة متوطنًا (^٦) على ما سنذكره.
_________________
(١) إفراد الحج: هو أن يحرم بنية الحج فقط (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ١٠٦).
(٢) التمتع: هو إحرام من أتم ركن عمرته، ولو بآخر شرط في أشهر الحج لحج عامه (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ١٠٦ - ١٠٧).
(٣) القِران: هو الإحرام بنية العُمرة والحج (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ص ١٠٦).
(٤) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٥) في (م): الفعل.
(٦) في (م): مستوطنًا.
[ ١ / ٥٥٢ ]
والضرب الآخر: أن يبتديء الإحرام بالعُمرة (^١) مفردًا ثم يضف الحج إليها، ومعنى ذلك أن يجدد اعتقادًا أنه قد شرك (^٢) بينها وبين الحج في ذلك الإحرام، فهنا يكون قارنًا كالمبتديء بعقد الإحرام لهما.
واختلف أصحابنا في الوقت الذي يكون له ذلك فيه (^٣): فقيل ذلك له ما لم يشرع في الطواف، فإن شرع فيه ولو شوطًا واحدًا، فقد فاته القِران، وقيل: ما لم يطف ويركع ويكره له (^٤) بعد الطواف وقبل الركوع، فإن فعل لزمه، فأما بعد الركوع فقد فاته -دخل في السعي أو لم يدخل- وقيل له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العُمرة من طواف أو سعي، واتفق على أنه إذا فرغ من السعي وبقى عليه الحلاق فقد فاته القِران، وإذا (^٥) قرن بعد الفوات على الاختلاف فيه، وقد بقى عليه من عمل العُمرة، فقد اختلف في لزوم الحج له بعد فراغه من العُمرة وتحلله: فقيل يلزمه الحج مبتدئًا بالإحرام، وقيل: لا يلزمه، وتحرير القول في صفته: أن يشرك غير المكي بين العُمرة والحج في إحرام واحد مقدمًا للعمرة عقدًا أو إردافًا على الاختلاف الذي ذكرناه في وقته، هذا على (^٦) قول مالك وأكثر أصحابنا، وأما عبد الملك فعنده أن القارن من أهل مكة عليه دم القِران، فلا معنى لاشتراط كونه من غير أهل مكة على قوله (^٧)، ولسنا نريد باشتراطنا أن يكون غير مكي أن المكي إذا قرن على الصفة التي ذكرناها لم يكن قارنًا، لأن ذلك رفع الوجوب (^٨)، وإنما نريد أنه ليس له حكم القارن في وجوب الدم بالقِران -هذا الكلام في صفة القِران-.
_________________
(١) العُمرة: سقطت من (ق).
(٢) في (م): أشرك.
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٥، الرسالة ص ١٨١، الكافي ص ١٤٩ - ١٥١.
(٤) في (ق): ذلك.
(٥) في (م): فإن.
(٦) على: سقطت من (ق).
(٧) في (ق): على قولنا.
(٨) في (م): دفع الوجوب.
[ ١ / ٥٥٣ ]
فأما التمتع: فأصله الذي أخذ (^١) منه الجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد فسمي ذلك متمتعًا لإسقاط أحد السفرين وتمتعه بذلك، وله شروط ستة:
أحدها: ما ذكرناه أن يجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد لأنه إن عاد إلى بلده بعد تحلله من عمرته أو مثل بلده في المسافة ثم سافر بالحج من عامه لم يكن بمتمتع لأنه لم يتمتع بإسقاط أحد السفرين.
والثاني: أن يكون ذلك في عام واحد، فإن حلَّ من العُمرة فأقام إلى قابل ثم حج فليس بمتمتع، وإن كان السفر واحدًا.
والثالث: أن يفعل العُمرة أو شيئًا منها في أشهر الحج، فلو حل منها قبل دخول شوال ثم أنشأ الإحرام بالحج من عامه في سفره ذلك لم يكن متمتعًا وليس من شرطه أن يبتديء الإحرام بالعُمرة في أشهر الحج بأن يكون متمتعًا -وإن أحرم بها قبل أشهر الحج (^٢) إذ أتمها في أشهره-.
والرابع: أن يقدم العُمرة على الحج، فإن قدم الحج ثم أحرم بالعُمرة بعد فراغه منه في عامه (^٣) ذلك فليس بتمتع.
والخامس: أن ينشيء الإحرام بالحج بعد فراغه من العُمرة وإحلاله منها، فإن كان بخلاف ذلك كان قارنًا على ما قدمناه (^٤) من بيان الأرداف (^٥)، ولم يكن متمتعًا.
والسادس: أن يكون وطنه غير مكة من سائر الآفاق من الحرم أو الحل، فإن كان من مكة نفسها فليس بمتمتع، هذا جملة القول في حصر شروطه، فإذا ثبت
_________________
(١) في (ق): أوخذ.
(٢) في (ق): أشهره.
(٣) في (م): في سفره.
(٤) في (م): ما بيناه.
(٥) الإرداف: هو أن يحرم بالعُمرة ويدخل عليها الحج قبل الطواف (مواهب الجليل: ٢/ ٣١٠)، ويعني به أن العُمرة لا ترتدف على الحج.
[ ١ / ٥٥٤ ]
بما ذكرناه بيان صفة القِران والتمتع (^١)، فالإفراد هو الإحرام العاري عن صفاتهما (^٢)، ونحن ندل على جميع ذلك (^٣).
فصل [١ - حصر الإحرام في هذه الأقسام الثلاثة]:
وإنما حصرنا قسمة (^٤) الإحرام على هذه الأقسام الثلاثة، لأنه لا يتوهم خلوه من أحدها ولا يتصور وقوعه على وجه زائد عليها ولا ورود (^٥) شرع بذلك كاف في الاستدلال عليه.
فصل [٢ - دليل القِران]:
وإنما قلنا: إن القِران جائز لفعل الصحابة (^٦) والسلف له، وإجماعهم على جوازه من غير خلاف بينهم فيه (^٧).
فصل [٣ - الجمع بين العُمرة والحج في القِران]:
وإنما قلنا: إنه يجمع بين العُمرة والحج في إحرام واحد، لأن ذلك فائدة وصفه بأنه قِران، ولأنه لو أفرد كل واحد منهما بإحرام لم يكن قارنًا، وكان لكل عبادة حكم نفسها في استغنائها عن الأخرى.
فصل [٤ - القارن لا يزيد على فعل المفرد]:
وإنما قلنا: إنه لا يزيد على فعل المفرد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن عليه
_________________
(١) في (م): المتمتع.
(٢) أي ما عرى من صفة التمتع والقِران.
(٣) في جملة أحكام الإحرام بأنواعه الثلاث انظر: المدونة: ١/ ٣١٢ - ٣١٨، التفريع: ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦، الرسالة ص ١٨١، الكافي ص ١٤٩ - ١٥١.
(٤) في (ر): صفة.
(٥) في (م): ورد.
(٦) وهذا معلوم بالتواتر عنهم.
(٧) انظر: شرح المسلم - للنووي: ٥/ ٢٥٠، المغني: ٣/ ٢٨٤.
[ ١ / ٥٥٥ ]
طوافين وسعيين (^١) لقوله ﷺ لعائشة ﵂: "طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" (^٢)، وروي إسماعيل بن إسحاق (^٣) (يجزيك) (^٤)، وهذا نص لأن عند أبي حنيفة لا يقع به إجزاء ولا كفاية، ولأنه نسك يؤتي به في الحج والعُمرة معًا، فوجب أن يكتفي القارن منه بواحد أصله الحلاق، ولأن العُمرة لو كانت لا تدخل في أفعال الحج لم يجز الجمع بينهما لأن كل عبادتين لا تتداخلان، فالجمع بينهما غير جائز كالصلاتين والحجتين، فلما أجاز الجمع بينهما علمنا أنهما تتداخلان كالطهارة.
فصل [٥ - جزاء ما يقتله القارن من الصيد]:
وإنما قلنا: إنه إذا قتل صيدًا كفاه جزاء واحد، وكذلك فدية واحدة في التطيب واللباس والحلق وغيره من ممنوعات الإحرام، وهدي واحد للفساد خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن عليه في كل ذلك جزائين وفديتين (^٥).
والأدلة ها هنا مفروضة في جزاء الصيد وما عداه يلحق به بالإجماع على أنه لا فرق بينهما لقوله تعالى (^٦): ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ (^٧)، فأوجب على قاتل الصيد جزاء واحد، ولم يفرق بين أن يكون قارنًا أو مفردًا، ولأنهما
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ٦٠ - ٦١، مختصر القدوري: ١/ ١٩٦ - ١٩٧.
(٢) أخرجه مسلم في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام: ٢/ ٨٧٩.
(٣) إسماعيل بن إسحاق: هو أبو اسحق إسماعيل بن حماد، تفقه بابن المعذل، وسمع من ابن أبي أويس ألف المبسوط، وأحكام القرآن وغيرها (ت ٢٨٢ هـ، بغداد (ترتيب المدارك: ٤/ ٢٧٨، الديباج: ١/ ٣٤٩).
(٤) والحديث أخرجه مسلم في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام: ٢/ ٨٨٠، بلفظ: "يجزي عنك".
(٥) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧١.
(٦) تعالى: سقطت من (ق).
(٧) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
[ ١ / ٥٥٦ ]
حرمتان لو انفردت كل واحدة منهما بقتل الصيد فيها للزمه الجزاء لها (^١)، فإذا اجتمعتا كفاه لها جزاء واحدًا أصله المحرم إذا قتل صيدًا في الحرم، ولأنه إحرام واحد (^٢)، قتل فيه صيدًا واحدًا فلزم فيه جزاء واحد كإحرام المفرد.
فصل [٦ - متى يتحقق القِران؟]:
وإنما قلنا: إنه يكون على الوجهين اللذين (^٣) ذكرناهما؛ لأن ذلك مروي عن السلف على هذا الوجه دون غيره فقصرناه لذلك عليه، ووجه القول بأن ذلك له ما لم يشرع في بعض الطواف، فإن شرع في شيء منه فقد فاته القِران إن كان شروعه فيه على وجه يستحق إتمامه على ذلك الوجه، فليس له نقله إلى غيره لأن في ذلك نقصًا لما أوجبه على نفسه ونقصًا مما ألزم (^٤) نفسه إكماله، وذلك غير جائز، ويفارق الطواف الإحرام لأن الإحرام ابتداء يراد لما بعده، فإذا لم يشرع في مقصوده وسمع له أن يقصر إرادته به على أحدهما أو عليهما.
فصل [٧ - هل يصح القِران إذا تم الإرداف بعد الطواف؟]:
ووجه القول بأن ذلك له ما لم يكمل طوافه وركوعه، فلأن الطواف ما لم يكمل فلم يتقرر حكمه ولم يأت بركن من أركان العمرة فلم يمنعه ذلك من إضافة الحج إليها، فإذا فرغ من الطواف (لم يكن له ذلك لأن السعي قد لزمه عقيبه على الوجه الذي فعل عليه الطواف) (^٥)، فليس له نقله إلى غيره، فأما إذا طاف ولم يركع فيكره له ذلك لأن الركوع لاتصاله بالطواف ومنع تراخيه عنه وتبعه له كأنه جزء منه.
_________________
(١) في (م): لهما.
(٢) واحد: سقطت من (ق).
(٣) في (ق): الذين.
(٤) لما لزم: في (م).
(٥) ما بين قوسين سقطت من (م).
[ ١ / ٥٥٧ ]
وليس كذلك السعي لأنه وإن جمع هذه الأمور، فله حكم في نفسه (^١) في الوجوب وكونه ركنًا فهو في هذا المعنى مساوٍ للطواف غير تابع، فإن فعل لزمه لأن الطواف قائم بنفسه في الحقيقة عدا الركوع بخلاف بعض أشواطه، ووجه القول بأن له ذلك ما بقي عليه شيء من عمل العمرة من بعض الطواف أو السعي هو أنه أردف الحج على عُمرة قد أحرم بها ولم يتحلل منها، فكان قارنًا أصله إذا أردفه قبل الطواف.
فصل [٨ - هل يلزمه الحج إذا وقع الإرداف على وجه غير جائز؟]:
فإذا قيل (^٢): تلزمه حجة بعد الفوات، فلأنه أردف حجًّا على عُمرة ولم يتحلل منها فتضمنه هذا الإرداف نسكين (^٣): أحدهما: الحج على نفسه، والآخر: تداخل العملين، فلما لم يصح تداخل العملين بطل الأرداف (^٤)، ولم يبطل الإيجاب لأن بطلان غرضه لا يوجب بُطلان أصله ألا ترى أن من أحرم لحج ثم فاته لم يجز أن يسقط عنه عمل العُمرة لفوات غرضه، وإذا قلنا: أنه لا يلزم فلأنه أردف إحدى العبادتين على الأخرى على وجه لا يصح له، فلم يلزمه حكم يفعله أصله إذا أردف حجًّا على حج أو عمرة على عمرة أو عمرة على حج.
فصل [٩ - إرداف العُمرة على الحج]:
وإنما قلنا: إنه إذا أردف عُمرة على حج، فإنه لا يلزمه ولا يكون قارنًا لأنه لا يستفيد بهذا الإرداف زيادة فعل إذ لا يفيد هذا الإرداف شيئًا لم يكن عليه بالإحرام (^٥) الأول، فلم يكن له معنى.
_________________
(١) في: سقطت في (م).
(٢) في (م): قلنا.
(٣) في (ق) و(ر). شيئين.
(٤) في (ف): الترادف.
(٥) في (م): الإحرام.
[ ١ / ٥٥٨ ]
فصل [١٠ - إرداف حج على حج]:
وإنما قلنا: إنه إذا أردف حجًّا على حج أو أحرم بحجتين معًا، فلا يلزمه خلافًا لأبي حنيفة (^١) للمعنى الذي ذكرناه، وهو أنه لا يستفيد به شيئًا ولا يتسع الوقت لأدائهما فعلًا فلم يلزم، ومتى فعل ذلك كان محرمًا بواحدة منهما (^٢).
فصل [١١ - القارن من أهل مكة لا دم عليه]:
ووجه قول مالك: إن القارن من أهل مكة لا دم عليه لأنه لم يلزمه في الأصل سفران، فيسقط أحدهما فيلزمه الدم لذلك، وهذا المعنى هو الأصل في لزوم الدم على القارن، ووجه قول عبد الملك: أنه قد أسقط أحد العملين أتى بأحدهما وهذا يستوي فيه المكي وغيره، وبذلك فارق المتمتع (^٣) لأن ما له وجب الدم على غير المكي معدوم في المكي وهو تمتعه بإسقاط أحد السفرين.
فصل [١٢ - المتمتع يجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد]:
وإنما شرطنا في المتمتع أن يجمع بين العُمرة والحج في سفر واحد؛ لأن ذلك هو المعنى الذي له سمي متمتعًا، وهو تمتعه بإسقاط أحد السفرين لأنه كان عليه في الأصل أن ينشيء سفرًا للحج وسفرًا للعُمرة، فلما جمع بينهما في سفر واحد ترفه بذلك، وتمتع بإسقاط أحدهما فلزمه الدم بذلك.
فصل [١٣ - المعتمر يرجع إلى أفقه ثم يحج من عامه]:
وإنما قلنا: إنه إذا رجع إلى أفقه أو مثله في البعد ثم حج من عامه، فليس بمتمتع خلافًا لما يحكي عن الحسن (^٤) لأن ما قلناه مروي عن ابن عمر (^٥)، ولا
_________________
(١) شرح فتح القدير: ٢/ ٢٩٠.
(٢) منهما: سقطت من (م).
(٣) في (ق): التمتع.
(٤) واختاره ابن المنذر كذلك: المغني: ٣/ ٤٧١.
(٥) وروي كذلك عن عمر ﵁ أنه قال: "إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم قام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع"، مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٥٤، المحلى: ٧/ ١٥٩.
[ ١ / ٥٥٩ ]
مخالف له، ولأنه لم يحصل منه تمتع لأنه قد أتى بالسفرين على ما كان عليه في الأصل، ومجرد فعل العُمرة في أشهر الحج لا يكون تمتعًا إلا إذا كان تابعًا للترفه بالسفر.
فصل [١٤ - وجه اشتراط رجوعه إلى أفقه أو إلى مثله في البعد]:
وإنما راعينا في الرجوع أن يكون إلى أفقه أو إلى مثله في البعد خلافًا للشافعي في قوله: إنه إذا رجع إلى الميقات وأحرم بالحج لم يكن متمتعًا (^١)؛ لأن التمتع هو الترفه بإسقاط أحد السفرين، فيجب أن يعتبر موضع السفر، فإن وجد مترفًا فيه بإسقاط أحدهما، فقد وجد فيه معنى التمتع (وقد علمنا أن البغدادي إذا أحرم بالعُمرة في أشهر الحج وحل منها ثم خرج إلى ذات عرق أو إلى الطائف أو غيرها ثم أحرم فلم يزل عنه الترفه والتمتع) (^٢)؛ لأنه قد جمع بين العُمرة والحج في سفر واحد، وإن هذا القدر لا تأثير له في المشقة عندما كان عليه في الأصل فصح ما قلناه.
فصل [١٥ - التمتع بحج من عامه الذي اعتمر فيه]:
وإنما شرطنا أن يحج من عامه لأن ذلك (مبني على أن يجمع بين العُمرة والحج في أشهر الحج، فهذا لا يكون إلا إذا كان في عام واحد لأنه إذا كان في عامين لم يكن معتمرًا في أشهر الحج الذي أتى به.
فصل [١٦ - المتمتع يأتي بالعُمرة في أشهر الحج]:
وإنما شرطنا أن يأتي بالعُمرة في أشهر الحج لأن ذلك) (^٣) معنى التمتع، ولأن أصل الرخصة به تعلقت وهي إيقاع العُمرة في أشهر الحج الذي هو أولى بها لأن العرب كانت ترى ذلك تجوزًا، ولذلك راجعوه ﷺ لما أمرهم أن يحلوا بعمرة (^٤) وإن ثبت ذلك تعلق وجوب الدم بهذه الرخصة.
_________________
(١) انظر: المهذب: ١/ ٢٠١.
(٢) و(^٣) ما بين قوسين: سقطت من (ق).
(٣) فقد قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟، فقال: "افعلوا ما أمرتكم به =
[ ١ / ٥٦٠ ]
فصل [١٧ - ابتداء الإحرام للعُمرة]:
وإنما لم يشترط (^١) أن يبتديء الإحرام بها في أشهر الحج خلافًا للشافعي في أحد قوليه، لأن فعل العُمرة في أشهر الحج حاصل منه، كما لو ابتدأ الإحرام بهما في أشهر الحج، ولأن الغرض ليس هو استيفاء جميع عملها، وإنما هو عمل غير الحج في أشهره سواء كان جميع العبادة أو بعضها.
فصل [١٨ - تقديم العُمرة على الحج للمتمتع]:
وإنما شرطنا أن يقدم العُمرة على الحج لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (١)﴾ (^٢)، فيبدأ بالعُمرة في الفعل، ولأن من شرط التمتع أن يجمع بينهما في أشهر الحج، وذلك يتضمن تقدم العُمرة لأن فراغه من الحج هو بتقضي (^٣) شهره (^٤) إن قلنا: إن أشهر الحج تنقضي بعد العشر، وإن قلنا: إنها إلى آخر ذي الحجة فلأن الرُخصة تعلقت بأن يأتي بالعُمرة في أشهر الحج في الوقت الذي هو أولى أن يحرم فيه بالحج، وهذا لا يتصور بعد الفراغ فلذلك قلنا: أنه لا بد من تقديمها على الحج.
فصل [١٩ - الإحلال من العُمرة ثم إنشاء إحرام الحج]:
وإنما شرطنا أن يحل منها ثم ينشيء إحرامًا بالحج لوجوب الفصل بين صفة التمتع والقِران وليس ذلك إلا بالفصل بين الإحرام بهما؛ لأنه إن أحرم بهما معًا أو أردف الحج على العُمرة صار قارنًا وزال الفصل بينهما.
_________________
(١) = فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به، أخرجه البخاري في الحج، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: ٢/ ١٧١، ومسلم في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام … إلخ (٢/ ٨٨٣).
(٢) إلى الحج: سقطت من (ق).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٤) في (م): يقتضي.
(٥) في (م): أشهر الحج.
[ ١ / ٥٦١ ]
فصل [٢٠ - المتمتع من غير أهل مكة]:
وإنما (^١) شرطنا أن يكون من غير أهل مكة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٢)، وهذا نص، ولأن التمتع مأخوذ من الترفه بإسقاط أحد السفرين، وذلك لا يتصور إلا في غير المكي.
فصل [٢١ - في حاضري المسجد الحرام]:
وإنما قلنا: إن حاضري المسجد الحرام هم: أهل مكة نفسها دون من عداهم خلافًا لأبي حنيفة (في قوله: من كان دون المواقيت إلى مكة (^٣)، وللشافعي في قوله: إنهم من كان من الحرم على مسافة لا يقتصر فيها الصلاة (^٤) ولغيرهما) (^٥) في قوله: أنهم أهل الحرم (^٦)، لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٧)، وحاضر الشيء لا يحتاج إلى تكلف مسير إليه من قطع مسافة للحصول فيه، وذلك مقصور على أهل مكة فقط، ولأن كل موضع ليس بمكة فأهله لا يوصفون بأنهم حاضروا المسجد الحرام كالمدينة والعراق.
فصل [٢٢ - حكم التمتع]:
وإنما قلنا: إن التمتع جائز لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٨)، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم تمتعوا وقرنوا
_________________
(١) في (م): إذا.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٠.
(٤) انظر: المجموع: ٧/ ١٦٢.
(٥) ما بين قوسين سقط من (ق).
(٦) حكاه ابن أبي شيبة عن طاوس قال: ليس حاضري المسجد الحرام إلا أهل الحرام (مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٨٤).
(٧) و(^٨) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
[ ١ / ٥٦٢ ]
وأفردوا (^١)، واختلف في حج النبي ﷺ، وإن كان الظاهر أنه أفرد (^٢).
فصل [٢٣ - في تمتع المكي]:
ويجوز للمكي (^٣) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: ليس له ذلك (^٤) لعموم الظاهر، ولأن كل من جاز له الإفراد جاز له التمتع والقِران أصله غير المكي وقد دَلَّلنا (^٥) أنه لا دم عليه خلافًا لأبي حنيفة.
فصل [٢٤ - أفضل أنواع الإحرام]:
فإذا ثبت ما ذكرناه فالإفراد أفضل من التمتع والقران والتمتع أفضل من القِران (^٦)، وإنما قلنا: إن الإفراد أفضل من الأمرين خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنهما أفضل منه (^٧)، وللشافعي في قوله: إن التمتع أفضل من الإفراد (^٨)، لأن النبي - ﷺ - أفرد بالحج (^٩)، ورواية عائشة ﵂ (^١٠) أرجح من
_________________
(١) كما جاء في حديث عائشة: "فأهل رسول الله - ﷺ -: بحج وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعُمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل عُمرة" أخرجه مسلم في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام: ٢/ ٨٧١، والبخاري في الحج، باب: التمتع والقِران والإفراد بالحج، ومالك في الموطأ: ١/ ٣٣٥.
(٢) انظر: حديث عائشة الذي سبق ذكره.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٠، التفريع: ١/ ٣٤٨، الرسالة ص ١٨١، الكافي ص ١٤٩.
(٤) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٠ - ٦١، مختصر القدوري: ١/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٥) في (ق): دليلنا.
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٥، الرسالة ص ١٨١.
(٧) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦١، مختصر القدوري: ١/ ١٩٦ - ١٩٨.
(٨) انظر: مختصر المزني ص ٦٣ - ٦٤، الإقناع ص ٨٣.
(٩) سبق تخريج الحديث قريبًا.
(١٠) ﵂: سقطت من (ق).
[ ١ / ٥٦٣ ]
رواية غيرها، ولأن الأفضل أن يؤتي بالعبادة منفردة بنفسها من غير خلط لها بغيرها، ولأن القِران والتمتع يتضمنان من الرخص ما يوجب النقص والجبران من إيقاع العُمرة في أشهر الحج والترفه بإسقاط أحد السفرين وجعل الفعلين (^١) واحدًا، وكل ذلك نقص يوجب جبرانًا، والعبادة التي لا نقص فيها ولا تحتاج إلى جبران (أفضل مما خالفها.
فصل [٢٥ - دم التمتع والقِران جبران]:
وإنما قلنا: إن الدم الواجب بالتمتع والقِران جبران) (^٢)، لأنّه دم يختص وجوبه بالإحرام فوجب أن يكون لنقص وجبران أصله دم الجزاء ونسك الأذى، ولأنه دم يجب بترك الميقات، وكان كالدم على من جاوز الميقات.
فصل [٢٦ - وجه أن التمتع أفضل من القِران]:
وإنما قلنا: إن التمتع أفضل من القِران لأنه يأتي بالعملين على تمامهما، ولأن المعاني الموجبة للدم في القِران أكثر منها في التمتع، وكل ما قل ما يقتضي النقص كان العمل أفضل.
فصل [٢٧ - في أن الدم واجب بالتمتع والقِران]:
إذا ثبت ما ذكرناه أن التمتع والقِران نقص في الإحرام، فالدم واجب بها (^٣) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٤)، (وقالت عائشة ﵂: أهدي رسول الله - ﷺ - عن نسائه البقر وكن متمتعات (^٥).
_________________
(١) في (ر): العملين.
(٢) ما بين قوسين سقط من (م).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، التفريع: ١/ ٣٤٨، الرسالة ص ١٨١.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٥) أخرجه البخاري في الحج، باب: ذبح الرجل البقر عن نسائه: ٢/ ١٨٥، ومسلم في الحج، باب: الاشتراك في الهدي: ٢/ ٩٥٦.
[ ١ / ٥٦٤ ]
فصل [٢٨ - الجمع في الهدي بين الحل والحرم]:
وهذا الدم هدي لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^١» (^٢)، ولا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم (^٣) خلافًا للشافعي (^٤)؛ لأنه ﷺ ساق هديه من الحل إلى الحرم فوقف به بعرفة ثم أدخله الحرم ونحره (^٥) وقال: "خذوا عني مناسككم" (^٦)، ولأن اسم الهدي مأخوذ من الهدية والإهداء، فيجب أن يهدي من غير الحرم إلى الحرم، ولأن المحرم لما كان يجمع في إحرامه بين الحل والحرم، فكذلك في هديه لأن الهدي محل كما أن الإحرام له محل.
فصل [٢٩ - في نحر الهدي قبل يوم النحر]:
ولا يجوز نحر هدي التمتع والقِران قبل يوم النحر (^٧) خلافًا للشافعي (^٨) لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ (^٩)، وقد ثبت أن الحلاق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لا يبلغ محله إلا يوم النحر والظاهر لاستغراق الجنس، وقوله ﷺ: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عُمرة" (^١٠)، ولو كان النحر
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٢) ما بين قوسين سقط من (م).
(٣) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٦، الرسالة ص ١٨١.
(٤) انظر: الأم: ٢/ ١٨٤، المهذب: ١/ ٢٣٦.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة ص ٥٤٧.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٧).
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٤، بداية المجتهد: ٥/ ٤٨١.
(٨) انظر: مختصر المزني ص ٧٤.
(٩) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(١٠) أخرجه البخاري في الحج، باب: التمتع والإقران: ٢/ ١٥٣.
[ ١ / ٥٦٥ ]
جائزًا قبل يوم النحر لم يتأسف على ذلك لأنه وقت لا يتحلل فيه كما قبل الإحرام.
فصل [٣٠ - فيمن لم يجد الهدي]:
وإن لم يجد الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لورود النص (^١) بذلك، ووقت الصوم من بعد الإحرام بالحج إلى يوم عرفة (^٢) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن يصوم عقيب إحرامه العُمرة (^٣)، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (^٤)، ومن لم يحرم بالحج فليس بمتمتع، ولأن قوله في الحج يقتضي أن يكون بعد التلبس بالحج، ولأنه صوم علق وجوبه بشرط فلم يجز تقديمه قبل وجود (^٥) شرطه أصله الكفارة، ولأنه جبران للتمتع كالهدي.
فصل [٣١ - صوم أيام مِنَى]:
فإن فاته ذلك كله صام أيام منَى، وقد ذكرناه في كتاب الصوم، وإن فاته صوم أيام مِنَى صام بعدها قضاء (^٦)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يصومها ويستقر الهدي في ذمته (^٧) لأنه صوم واجب فجاز أن يفعل أداء وقضاء أصله صوم رمضان وكفارة الظِهار، ولأن الصوم معنى يسقط به ما لزم بتمتعه فلم يمتنع فعله بعد خروج وقته أصله الهدي، لأنه لو أخره عن وقته للزمه نحره بعد الوقت.
_________________
(١) في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٦].
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٤، الرسالة ص ١٨١.
(٣) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٩٧.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٥) في (م): وجوب.
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٤، الرسالة ص ١٨١.
(٧) مختصر القدوري: ١: / ١٩٧.
[ ١ / ٥٦٦ ]
فصل [٣٢ - من عدم الهدي ثم وجده بعد صيام يوم أو يومين]:
وإذا عدم الهدي فصام يومًا أو يومين ثم وجده استحببنا له أن يهدي، فإن مضى على صومه جاز (^١) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن يهدي إذا وجده قبل الفراغ من الثلاثة وأنه يمضي على صومه إذا وجده في صوم السبعة (^٢)؛ لأنه بدل تلبس به عند عدم المبدل مقصود في نفسه، فلم يلزمه الخروج منه بوجود المبدل اعتبارًا بوجوده بعد الدخول (في صوم السبعة وتقييده احترازًا من وجود المتيمم الماء قبل الدخول في) (^٣) الصلاة.
فصل [٣٣ - ابتداء صوم السبعة في الطريق]:
ويصوم السبعة إذا رجع إلى أهله لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^٤) وذلك عندنا رخصة، فإن صامها في الطريق أجزاه (^٥)، خلافًا للشافعي في أحد قوليه (^٦)، لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (^٧)، فوجب تعليقه بأول الرجوعين، ولأن إضمار الرجوع إلى الحج أولى لأنه منطوق به، ولأنه فرع من أفعال الحج كما لو رجع إلى أهله.
فصل [٣٤ - فيمن ساق هديًا في عُمرته فأراد أن يجعله عن قِرانه]:
إذا ساق في العُمرة هديًا تطوعًا، ثم أحرم بالحج، فأراد أن يجعله عن قِرانه، فقد اختلف قوله فيه (^٨)، والصحيح أنه لا يجزيه لأنه قد وجب بالتقليد والإشعار ولم يبق فيه إلا النحر فلم ينقل عن أصله.
_________________
(١) ذكره ابن وهب عن مالك قال: إذا دخل في الصوم ثم وجد هديًا فأحب إليَّ أن يهدي (الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٠١).
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٠.
(٣) ما بين قوسين: سقط من (م).
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٠١.
(٦) انظر: المهذب: ١/ ٢٠٩.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٣١٦.
[ ١ / ٥٦٧ ]
باب: [في الدخول إلى مكة]
يستحب للداخل إلى مكة محرمًا أن يدخل من كداء (^١) الثنية التي بأعلى مكة، وأن يخرج منها (^٢) لأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل في دخوله وخروجه (^٣).
مسألة [١ - البداية بالمسجد واستلام الحجر لداخل مكة]:
إذا دخل مكة بدأ بالمسجد فيستلم الحجر بفيه إن قدر، فإن لم يقدر وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل (^٤)، وإنما قلنا ذلك لما روي: "أنه ﷺ كان إذا دخل مكة لم يلو ولم يعرج دون المسجد" (^٥).
وإنما استحببنا البداية بالشروع في الطواف على كل شيء لأنه تحية للبيت كما أن الركوع قبل الجلوس تحية لسائر المساجد (^٦)، ولأنه ﷺ كان يفعل (^٧)، وإنما قلنا: يبدأ باستلام الحجر لما روى جابر وابن عمر: "أنه صلى
_________________
(١) كداء -بالفتح والمد-: بأعلى مكة عند المحصب دار النبي - ﷺ -، وكدي -بضم الكاف وتنوين الدال-: بأسفل مكة عند ذي طوى، وكدي -مصغرًا فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن (معجم البلدان: ٤/ ٤٣٩).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٧، الرسالة ص ١٧٥، المقدمات: ١/ ٣٩١ - ٣٩٣، أما خروجه فلقد كان من الثنيا السفلى كما في الصحيحين.
(٣) أخرجه البخاري في الحج، باب: من أين يخرج من مكة: ٢/ ١٥٤، ومسلم في الحج، باب: استحباب دخول مكة من الثنيا العليا: ٢/ ٩١٨.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٧، الرسالة ص ١٧٥.
(٥) أخرجه البخاري في الصلاة، باب: الأبواب والفلق: ١/ ١٢٠.
(٦) في (م): تحية المسجد.
(٧) فقد قالت عائشة ﵂: "أن النبي - ﷺ - أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت"، أخرجه البخاري في الحج، باب: من طاف بالبيت إذا قدم =
[ ١ / ٥٦٨ ]
الله عليه وسلم بدأ بالحجر فاستلمه" (^١)، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ قبل الحجر وقال: "إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولكني رأيت رسول الله - ﷺ - يقبلك" (^٢).
وإنما قلنا: إنه إذا لم يقدر وضع يده عليه (ثم وضعها على فيه ليكون ذلك عوضًا من التقبيل، ولأنه روي ذلك عن جماعة من الصحابة (^٣).
فصل [٢ - بداية الطواف من الركن الأسود]:
يبدأ بالطواف من الركن الأسود والبيت على يساره فيطوف سبعة أشواط، الثلاثة الأولى منها خبب (^٤) والأربعة مشي، وكل ما مر بالركن الأسود قبله إن قدر وإلا وضع يده عليه) (^٥)، على ما ذكرناه، ولا يستلم اليماني ولكن يضع يده عليه ثم يضعها على فيه، فإن طاف منكسًا (^٦) فلا يجزيه.
فصل [٣ - دليل بداية الطواف من الركن الأسود]:
وإنما قلنا: يبدأ الطواف من الركن الأسود لأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل به فاستلم الركن ثم رمل (^٧).
_________________
(١) = مكة: ٢/ ١٦٢، ومسلم في الحج، باب: ما يلزمه من طاف بالبيت وسعى: ٢/ ٩٠٦ - ٩٠٧.
(٢) أخرجه الحاكم: ١/ ٤٥٥، من حديث أبي جعفر عن جابر وله شاهد من حديث ابن عمر الذي في الصحيحين (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٤٦).
(٣) أخرجه البخاري في الحج، باب: ما ذكر في الحجر الأسود: ٢/ ١٦٠، ومسلم في الحج في باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود: ٢/ ٩٢٥.
(٤) روي عن ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده، أخرجه مسلم في الحج، باب: استحباب استلام الركنين ..: ٢/ ٩٢٤.
(٥) خبب: هو ضرب من العَدْو وهو خطو فسيح دون العنق (المصباح المنير ص ١٦٢).
(٦) ما بين قوسين: سقطت من (م).
(٧) طاف منكسًا: وهو أن يطوف والبيت على يمينه.
(٨) انظر حديث حجة النبي - ﷺ - الذي رواه جابر، والذي أخرجه مسلم في الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -: ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢.
[ ١ / ٥٦٩ ]
فصل [٤ - في كون البيت على يسار الطائف]:
وإنما قلنا: إنه يطوف والبيت على يساره لأن رسول الله (^١) - ﷺ - كذلك فعل (^٢)، فإن طاف (^٣) منكسًا فلا يجزيه خلافًا (^٤) لأبي حنيفة (^٥)؛ لأنه ﷺ طاف والبيت على يساره غير منكوس، وقال: "خذوا عني مناسككم" (^٦)، ولأنه نسك مبني على الحركة والتكرار، فلم يجز منكسًا كالسعي.
فصل [٥ - عدد أشواط الطواف]:
وإنما قلنا: إنه يطوف سبعة أشواط؛ لأن النبي - ﷺ - كذلك فعل (^٧)، وهذا مما نقلته الأمة بالعمل، ولأنه نسك مبني على الحركة والتكرار، فكان سبعًا كالسعي.
فصل [٦ - فيمن ترك شيئًا من أشواط الطواف]:
وإذا ترك شيئًا من أشواطه فلا يجزيه ولا ينوب عنه الدم (^٨) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه إذا ترك أكثرها لم يجزه، وإن ترك أقلها ثلاثة فدونها أجزاه وجبره بالدم (^٩)؛ لأنه ﷺ طاف سبعًا رمل ثلاثًا ومشى
_________________
(١) في (م): النبي.
(٢) كما جاء في حديث جابر: "أنه ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا … " (أخرجه مسلم وقد سبق).
(٣) في (م): فإن كان.
(٤) في (ق): خلافًا للشافعي ولأبي حنيفة وهو خطأ، إذ الخلاف لأبي حنيفة فقط.
(٥) انظر: تبيين الحقائق مع حاشية الشلبي: ٢/ ١٧، والمغني: ٣/ ٣٨٣.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٧).
(٧) انظر: حديث جابر في صفة حجة ﷺ والذي سبق تخريجه قريبًا.
(٨) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٧.
(٩) انظر: مختصر القدوري: ١/ ٢٠٨.
[ ١ / ٥٧٠ ]
أربعًا (^١)، وقال (خذوا عني مناسككم) (^٢)، ولأنه نقص من الأشواط السبعة كما لو اقتصر على ثلاثة.
فصل [٧ - الرمل في الثلاثة الأولى]:
وإنما قلنا: إن الثلاثة الأولى خبب والباقية مشي لأنه ﷺ كذلك فعل (^٣)، وروي مثله عن أبي بكر وابن مسعود وغيرهم (^٤).
وذكر ابن عباس السبب في ذلك فقال: "قدم رسول الله - ﷺ - مكة فقال المشركون: أنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرًّا، فاطلع الله تعالى نبيه على ذلك فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة ولم يأمرهم بالأشواط كلها إبقاء عليهم، فلما رأوهم قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم إن الحمَّى نهكتهم هؤلاء أجلد منا" (^٥).
وإنما قلنا: إنه يستلم الحجر كما مر به، لما روي: "أنه ﷺ كان يفعل ذلك في طوافه كما مر على الركن" (^٦).
فصل [٨ - الطهارة في الطواف]:
ولا يجزيء الطواف إلا بطهارة (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨)، لقوله صلى الله
_________________
(١) انظر: حديث جابر في صفة حجه ﷺ، والذي سبق تخريجه قريبًا.
(٢) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٧).
(٣) انظر: حديث جابر الذي سبق تخريجه في الصفحة (٥٧٠).
(٤) انظر: البيهقي: ٥/ ٨٢ - ٨٣.
(٥) أخرجه البخاري في الحج كيف كان بدء الرمل: ٢/ ١٦١، ومسلم في الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعُمرة: ٢/ ٩٢١.
(٦) أخرجه الحاكم في مستدركه: ١/ ٤٥٦، وقال: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٣٤٠، الكافي ص ١٣٩.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٤.
[ ١ / ٥٧١ ]
عليه وسلم: "الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله ﵎ (^١) أباح فيه النطق" (^٢)، وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد أن يطوف توضأ ثم طاف (^٣)، وفي حديثها قالت: قدمت مكة فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ - قال: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري" (^٤)، وفي حديث صفية (^٥) أنها حاضت، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: "أحابستنا هي"؟، قيل: أنها قد أفاضت، قال: "فلا إذن" (^٦) ولأنها عبادة مختصة بالبيت فلم تجز إلا بطهارة كالصلاة.
فصل [٩ - الطواف داخل الحجر]:
ولا يجزيء الطواف داخل الحجر (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨) لقوله ﷺ: "الحجر من البيت" (^٩)، فإذا ثبت أنه من البيت لم يجزه أن
_________________
(١) ﵎: سقطت من (م).
(٢) أخرجه الحاكم: ١/ ٤٥٩، وصححه، وأخرجه الترمذي بلفظ قريب منه في الحج، باب: ما جاء في الكلام في الطواف: ٣/ ٢٩٣، وقد اختلف في رفعه أو وقفه (انظر نصب الراية: ٣/ ٥٧).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٦٨).
(٤) أخرجه البخاري في الحيض، باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف: ١/ ٧٨، ومسلم في الحج، باب: وجوه الإحرام ..: ٢/ ٨٧٠.
(٥) صفية: بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية، أم المؤمنين تزوجها النبي - ﷺ - بعد خيبر، وماتت سنة ست وثلاثين، وقيل: في خلافة معاوية وهو الصحيح (تقريب التهذيب: ٧٤٩).
(٦) أخرجه البخاري في الحج الزيارة يوم النحر: ٢/ ١٨٩، ومسلم في الحج وجوب طواف الوداع: ٢/ ٩٦٣.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٣١٣، الكافي ص ١٣٩.
(٨) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٨٥، تبيين الحقائق: ٢/ ١٧.
(٩) هو من قول ابن عباس (انظر البيهقي: ٥/ ٩٠، والحاكم: ١/ ٤٦٠).
[ ١ / ٥٧٢ ]
يطوف فيه لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^١)، وذلك يقتضي استيفاء جميعه، ولأنه ﷺ طاف خارج الحجر (^٢)، وقد قال: "خذوا عني مناسككم" (^٣)، واعتبارًا بالطواف داخل البيت.
فصل [١٠ - في صفة ركعتي الطواف والسعي]:
إذا أتم الطواف ركع عند المقام ركعتين، وهما سُنَّة مؤكدة إن تركهما أتى بهما، فإن عاد إلى بلده فعليه دم، ثم يستلم الحجر بعد الركعتين إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا والمروة (^٤) ترى البيت، فيكبر ويهلل ويدعوا ثم ينحدر ماشيًا حتى ينتهي إلى المروة، فإذا ظهر عليها فعل مثل ذلك حتى يستوي سبعة أشواط يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، وذلك ثماني وقفات أربع على الصفا وأربع على المروة، فهذا صفة الطواف والسعي (^٥).
فصل [١١ - في حكم ركعتي الطواف]:
وإنما قلنا: إنه إذا فرغ من الطواف ركع لأنه ﷺ كذلك فعل (^٦)، وعندنا أن الركعتين سنة مؤكدة لا تترك (^٧) خلافًا للشافعي في قوله: إنهما مستحبتان وليستا بسنتين (^٨)، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ
_________________
(١) سورة الحج، الآية: ٢٩.
(٢) أخرجه الحاكم: ١/ ٤٦٠، وقال: صحيح الإسناد، وهذا تكملة حديث ابن عباس السابق، حيث قال: الحجر من البيت لأن رسول الله - ﷺ - طاف من ورائه، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٧).
(٤) حتى: سقطت من (ق).
(٥) في صفة الطواف والسعي، انظر: المدونة: ١/ ٣١٢ - ٣١٤، التفريع: ١/ ٣٣٧ - ٣٣٨، الرسالة ص ١٧٥ - ١٧٧.
(٦) انظر: حديث جابر الذي سبق تخريجه في الصفحة (٥٦٩).
(٧) المدونة: ١/ ٣١٣، التفريع: ١/ ٣٣٧، الرسالة ص ١٧٦، الكافي ص ١٣٩.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ١٧٨، المهذب: ١/ ٢٣٠، وذلك في أحد قولي الشافعي ﵀.
[ ١ / ٥٧٣ ]
مُصَلًّى﴾ (^١)، فروي جابر بن عبد الله: "أنه ﷺ لما فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٢) وصلى ركعتين" (^٣)، وروى: "أنه ﷺ طاف راكبًا فلما فرغ نزل وصلى خلف المقام" (^٤)، وهذا يدل على تأكدهما لما لم يصلهما على الراحلة، ولأن الطواف بالبيت من أركان الحج، فوجب أن يكون من توابعه ما هو واجب وجوب سنة كالوقوف بعرفة، لأن من توابعه المبيت بالمزدلفة.
فصل [١٢ - في عودته إلى الركن بعد صلاة ركعتي الطواف]:
وإنما قلنا: إنه يعود إلى الركن فيستلمه لما روي جابر: "أنه ﷺ طاف فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فركع، ثم عاد إلى البيت" (^٥).
فصل [١٣ - الإتيان بالسعي عقيب الطواف]:
وإنما قلنا: إنه يأتي بالسعي عقيب الطواف والركوع؛ لأن رسول الله - ﷺ - فعل ذلك وأتى به على الصفة التي ذكرناها في سياق وحديث جابر (^٦).
فصل [١٤ - في كون السعي ركنًا]:
والسعي ركن لا ينوب عنه دم (^٧) خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه واجب
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٢٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٢٥.
(٣) انظر: حديث جابر في صفة حجه ﷺ الذي سبق إخراجه في الصفحة (٣٩٤).
(٤) أخرجه البخاري في الحج، باب: استلام الركن بالمحجن: ٢/ ١٦٢، ومسلم في الحج، باب: جواز الطواف على بعيره: ٢/ ٩٢٦.
(٥) سبق تخريج حديث جابر في الصفحة (٥٦٩).
(٦) انظر: حديث جابر الذي سبق في الصفحة (٥٦٩).
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩، الرسالة ص ١٧٧.
[ ١ / ٥٧٤ ]
وليس بركن فينوب عنه الدم (^١)؛ لأنه ﷺ سعى، وقال: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (^٢)، ففيه أدلة:
أحدها: أن فعله على الوجوب وقد أتى به بيانًا فقوله: "خذوا عني مناسككم" (^٣).
والثاني: قوله: "اسعوا"، وهذا أمر فهو على وجوبه.
والثالث: قوله: "فإن الله كتب عليكم السعي"، وهذا من أبلغ ما يدل (^٤) على فرضه، ولأنه مشي ذو عدو سبع كالطواف، ولأن كل ركن في العمرة، فإنه ركن في الحج كالطواف.
…
_________________
(١) مختصر القدوري: ١/ ٢٠٩.
(٢) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٧).
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥١٧).
(٤) في (م): دليل.
[ ١ / ٥٧٥ ]
باب: [ذكر أعمال الحج]
الطواف في الحج ثلاثة أطواف (^١): طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الصدر (^٢)، وهو طواف الوداع، والسعي واحد يؤتي به عقيب طواف القدوم إلا أن يفوت فيؤتي به عقيب طواف الإفاضة، وطواف القدوم واجب وجوب السُّنَّة، وطواف الإفاضة فرض وطواف الوداع سُنَّة (^٣).
وسُنَّة طواف القدوم لمن جاء قادمًا إلى مكة (^٤) من غيرها دون من كان بها، فإذا فرغ منه ومن السعي، فإن كان عليه في الوقت فضل خرج إلى مِنَى يوم التروية (^٥)، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مضى منها إلى عرفة وقطع التلبية بها بعد الزوال، فيجمع بها مع الإِمام الظهر والعصر ثم الوقوف، بحيث يقف الناس، والاستحباب أن يكون راكبًا، وبأي موضع شاء وقف سوى بطن عرنة (^٦)، ويقف إلى أن تغرب الشمس ثم يمضي إلى مزدلفة، (ولا بد من جزء من الليل، فإن فاته ذلك فقد فاته الحج، وإن وقف جزءًا من الليل من أوله أو آخره، فقد أدرك الحج وقف نهارًا أو لا، فإذا أتى مزدلفة) (^٧) جمع بها بين صلاتي المغرب والعشاء، ثم يبيت بها أي موضع شاء عدى بطن
_________________
(١) في (م) و(ر): أطوفة.
(٢) عن أعمال الحج انظر: المدونة: ١/ ٣١٢ - ٣١٧، التفريع ١/ ٣٣٧ - ٣٤٧، الرسالة ص ٧٥ - ١٩٥.
(٣) في (م): مستحب.
(٤) إلى مكة: سقطت من (م).
(٥) يوم التروية: هو يوم قبل يوم عرفة، لأن الناس يتروون من مكة يوم التروية يتزودون قربًا من الماء (غرر المقالة ص ١٧٧).
(٦) بطن عرنة -بضم العين وفتح الراء والنون-: واد يقع في الجهة الغربية من عرفة.
(٧) ما بين قوسين سقط من (ق).
[ ١ / ٥٧٦ ]
محسر (^١)، فإنه لا يبيت به، ويحرك دابته في المسير إذا انتهى إليه، ثم يمكث بها حتى يصلي الصبح، فإن لم يبت فعليه دم ثم يأتي المشعر الحرام فيقف به ويدعو، ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى مِنَى، وللإمام أن يقدم ضعفة أهله من مزدلفة إلى مِنَى ليلة (^٢) النحر.
وإذا جاء مِنَى بدأ برمي جمرة العقبة راكبًا إن قدر فيرميها وحدها ثم ينحر هديًا إن كان معه، ثم يحلق أو يقصر والحلاق أفضل، وإن قَدَّم العلائي على النحر أو النحر على الرمي فلا شيء عليه، وإن قدَّمِ العلائي على الرمي فعليه دم، ثم يرجع إلى مكة فيطوف ويركع ثم يعود إلى مِنى.
وأما المراهق (^٣) فيمضي على وجهه إلى عرفة فيفعل ما وصفناه، وإذا طاف للإفاضة سعى عقيبه ولا دم عليه لترك طواف القدوم وإن تركه غير المراهق فعليه دم.
فصل [١ - في أن الطواف ثلاثة]:
وإنما قلنا: إن الطواف ثلاثة لأن النبي - ﷺ - والسلف بعده لم يأتوا بزيادة على ذلك إلا ما بينوا أنه تطوع مبتدأ لا تعلق له بفروض الحج ولا بسنته.
فصل [٢ - السعي عقيب الطواف]:
وإنما قلنا: إنه يسعى عقيب طواف القدوم لما رويناه من فعله ﷺ لذلك (^٤)، فإن فاته سعى عقيب طواف الإفاضة لأن السعي لا يكون إلا عقيب طواف، ولتقرر الإجماع على ذلك (^٥).
_________________
(١) بطن محسر -بكسر السين المهملة-: وهو واد بين مزدلفة وعرفة.
(٢) في (م): قبل.
(٣) المراهق: هو من قدم مكة في وقت ضيق يخشى إن اشتغل بالطواف أن يفوته الوقوف بعرفة قبل الفجر (انظر الكافي ص ١٤١).
(٤) كما جاء في حديث جابر في صفة حجه ﷺ الذي سبق تخريجه في الصفحة (٥٦٩).
(٥) انظر: المجموع: ٨/ ٦٧، المغني: ٣/ ٣٩٠.
[ ١ / ٥٧٧ ]
فصل [٣ - حكم طواف القدوم]:
وإنما قلنا: إن طواف القدوم مسنون، وربما عبر عنه أصحابنا بالواجب (^١) لشدة تأكده (^٢) لفعله ﷺ له (^٣)، ولأنه شرط في ركن من أركان الحج وهو السعي، فكان من متأكد السنن.
فصل [٤ - الخروج إلى مِنَى]:
وإنما قلنا: إنه إذا فرغ من السعي خرج إلى مِنَى ليصلي بها يوم التروية لما روي أنه ﷺ فعل ذلك، رواه ابن عباس (^٤)، وجابر (^٥)، وأنس (^٦).
فصل [٥ - متى يقطع الحاج التلبية]:
وإنما قلنا: إنه يقطع التلبية بعرفة بعد الزوال خلافًا للرواية الأخرى (^٧)، ولمن ذهب إليها (^٨)، وهي أنه يقطع عند جمرة العقبة، لإجماع الصحابة عليه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ وابن عمر وعائشة وسعد وجابر
_________________
(١) قال صاحب مواهب الجليل: واعلم أن طواف القدوم من أفعال الحج التي اختلفت عبارة أهل المذهب فيما بينهم: فمنهم من يعبر عنها بالوجوب، وبعضهم بالسنة والتحقيق أنها واجبة وليس بركن، ومما أطلق الوجوب عليه ابن عرفة وابن عبد السلام وأصحاب المؤلف: الأبهري، وابن الجلاب (٣/ ٨٢).
(٢) في (م): تأكيده.
(٣) كما جاء في حديث جابر الذي سبق.
(٤) أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في الخروج إلى مِنَى المقام بها: ٣/ ٢٢٧ والحديث فيه إسماعيل بن مسلم تكلموا فيه من قبل حفظه.
(٥) سبق تخريجه في الصفحة (٥٦٩).
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: أين يصلي الظهر يوم التروية: ٢/ ١٧٣.
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٣٢٢، الكافي ص ١٤٢.
(٨) ذهب إلى ذلك أصحاب الرأي والشافعية والحنابلة (المحلي: ٧/ ١٧٨، المهذب: ١/ ٢٣٥، المغني: ٣/ ٤٣٠).
[ ١ / ٥٧٨ ]
وابن الزبير وأُم سلمة (^١) ﵃ (^٢)، وذكر مالك أنه إجماع أهل دار الهجرة (^٣)، ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج دعى إليه، فإذا انتهى إلى الموضع الذي دعى إليه، فقد انتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها.
فصل [٦ - في الجمع بين الظهر والعصر بعرفة]:
وإنما قلنا: إنّه يجمع بعرفة بين الظهر والعصر لما روي جابر أن النبي - ﷺ - فعل ذلك (^٤).
فصل [٧ - الوقوف يتلوا الصلاة]:
وإنّما قلنا: إنه يتلوا ذلك بالوقوف لورود الرواية بذلك من حديث جابر (^٥)، وغيره، ولنقل الأُمة إياه بالعمل (^٦).
فصل [٨ - الوقوف بعرفة راكبًا]:
وإنما استحببنا أن يقف راكبًا لأنه ﷺ وقف راكبًا على راحلته القصواء (^٧)، ولأن الركوب أعون على الوقوف وأمكن له في الدعاء أروح من التعب.
فصل [٩ - الوقوف في أي موضع سوى بطن عرنة]:
وإنما قلنا: أن يقف أي موضع شاء سوى بطن عرنة لقوله ﷺ: "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرفة" (^٨).
_________________
(١) انظر: في تخريج هذه الآثار: الموطأ: ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) ﵃: سقطت من (م).
(٣) انظر: الموطأ: ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٤) و(^٥) سبق تخريجه في الصفحة (٥٦٩).
(٥) انظر: المعني: ٣/ ٤٠٨.
(٦) كما جاء في حديث جابر الذي سبق تخريجه في الصفحة (٥٦٩).
(٧) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: الصلاة بجمع: ٢/ ٤٧٨، وابن ماجه في المناسك، باب: المنزل بعرفات: ٢/ ١٠٠٢، والترمذي في الحج، باب: ما جاء أن =
[ ١ / ٥٧٩ ]
فصل [١٠ - زمن الوقوف بعرفة]:
وإنما قلنا: إنه يقف إلى الغروب لأنه ﷺ كذلك فعل (^١)، وإنما قلنا: إنه إن دفع قبل الغروب ولم يرجع فيقف جزءًا من الليل، فقد فاته الحج خلافًا، لأبي حنيفة والشافعي (^٢)، لما روي عليّ (^٣) وجابر (^٤)، وأسامة (^٥) أنه ﷺ دفع حين غابت الشمس، ففيه دليلان: أحدهما فعله، والآخر قوله: "خذوا عني مناسككم"، وروي عطاء عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: "من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج ومن فاته عرفة بليل، فقد فاته الحج" (^٦)، ولأنه لم يقف بعرفة جزءًا من الليل، وكان كالواقف قبل الزوال، ولأن النهار لو كان وقتًا للوقوف لاستوى أوله وآخره كالليل.
_________________
(١) = عرفة كلها موقف: ٣/ ٢٣٢، وقال: حسن صحيح، وأحمد: ٥/ ٨٢، والبيهقي: ٥/ ٢٣٩، والحاكم: ١/ ٤٦٢، وغيرهم مع اختلاف في ألفاظ الحديث.
(٢) كما جاء في حديث جابر.
(٣) انظر: مختصر القدري: ١/ ٢٠٩، المهذب: ١/ ٢٣٣.
(٤) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: الدفعة من عرفة: ٢/ ٤٧٢، وابن ماجه في المناسك، باب: الموقف بعرفة: ٢/ ١٠٠١، والترمذي في الحج، باب: ما جاء أن عرفة كلها موقف: ٣/ ٢٣٢، وقال: حدث حسن صحيح.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٩٦).
(٦) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: الدفعة من عرفة: ٢/ ٤٧٣. وأسامة بن يزيد: بن حارثة بن شراحيل الكلبي، الأمير، أبو محمَّد، وأبو زيد، صحابي مشهور، مات سنة أربع وخمسين وهو ابن خمس وسبعين بالمدينة (تقريب التهذيب ص ٩٨).
(٧) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: من لم يدرك عرفة: ٢/ ٤٨٥، والنسائي في الحج، باب: فيمن لم يدرك الصبح ..: ٥/ ٢١٤، وابن ماجه في الحج، باب: من أتى عرفة قبل الجمع: ٢/ ١٠٠٣، والترمذي في الحج، باب: ما جاء من أدرك الإِمام بجمع: ٣/ ٢٣٧، وأحمد: ٤/ ٣٣٥، والحاكم: ١/ ٦٤، وقال: صحيح الإسناد، من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي.
[ ١ / ٥٨٠ ]
فصل [١١ - الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء بمزدلفة]:
وإنما قلنا: إنه يمضي إلى مزدلفة فيجمع بها بين العشائين (^١)، لأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل، رواه جابر (^٢)، وأسامة (^٣) وغيرهما، وهذا الجمع عندنا سنة مؤكدة، فإن صلى المغرب في وقتها بعرفة والعشاء في وقتها، فقد ترك السنة والاختيار ويجزيه خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه لا يجزيه (^٤)؛ لأنهما صلاتان سن الجمع بينهما في وقت إحداهما، فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما أصله الظهر والعصر بعرفة.
فصل [١٢ - في المبيت بمزدلفة]:
وإنما قلنا: إنه يبيت بها لأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل (^٥)، وإنما قلنا: إنه يبيت أي موضع شاء منها إلا بطن محسر لقوله ﷺ: "مزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن محسر" (^٦).
فصل [١٣ - حكم المبيت بمزدلفة]:
والمبيت بالمزدلفة سنة يجب بتركها بغير عذر الدم (^٧)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لا شيء فيه (^٨)، ولأنه ﷺ بات بها ولم يرخص في ترك ذلك إلا للضعفاء ورعاة الإبل (^٩)، فوجب كونه مسنونًا.
_________________
(١) أي بين صلاتي المغرب والعشاء.
(٢) و(^٣) سبق تخريج الحديثين.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٥، مختصر القدوري: ١/ ١٩٠.
(٤) كما جاء في حديث جابر في صفة حجه ﷺ.
(٥) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٨٠).
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٤٢، الرسالة ص ١٧٨، الكافي ص ١٤٣ - ١٤٤.
(٧) انظر: مختصر القدوري: ١/ ٢١٠، وفيه: ومن ترك الوقوف بالمزدلفة فعليه دم.
(٨) أخرجه البخاري في الحج، باب: من قدم ضعفة أهل بليل: ٢/ ١٧٧، ومسلم في الحج، باب: استحباب تقديم دفع الضعفة: ٢/ ٩٤١.
[ ١ / ٥٨١ ]
فصل [١٤ - الوقوف بالمشعر الحرام عند الإسفار]:
وإنما قلنا: إنه يقف بالمشعر الحرام (^١) فيدعوا ثم يدفع عند الإسفار لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (^٢)، وفي حديث جابر: "أنه ﷺ صلى الصبح ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام، فرقى واستقبل القِبْلة فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا ثم دفع قبل طلوع الشمس" (^٣)، وفي حديث آخر أنه قال: "كان أهل الشرك يدفعون بعد طلوعها حيث تعتم بها رؤوس الجبال، وإنا ندفع قبل طلوعها هدينا مخالف هدي أهل الشرك والأوثان (^٤).
فصل [١٥ - في تقديم دفع الضعفة من مزدلفة]:
وإنما أجزنا للإمام تقديم ضعفة أهله، وكذلك رعاة الإبل لإرخاصه ﷺ في ذلك (^٥)، ولأن فيه رفقًا بهم وتخفيفًا عنهم، وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون هذا الإرخاص بشرط الدم، والظاهر خلافه.
فصل [١٦ - رمي جمرة العقبة]:
وإنما قلنا: إنه يأتي مِنَى فيرمى جمرة العقبة، لما روى جابر: "أنه ﷺ دفع من مزدلفة فذكر … إلى أن قال: حتى أتى الجمرة عند
_________________
(١) المشعر الحرام: هو جبل بالمزدلفة سمي بذلك لأن الجاهلية كانت تشعر هداياه فيه.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨.
(٣) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٦٩).
(٤) أخرجه البيهقي: ٥/ ١٢٥، والحاكم في المستدرك: ١/ ٤٦١، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين (انظر نصب الراية: ٣/ ٦٦). وبلفظ قريب منه أخرجه البخاري في الحج، باب: متى يدفع من الجمع: ٢/ ١٧٩، بلفظ أن: "المشركين كانوا لا يغيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبي - ﷺ - خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس".
(٥) سبق تخريج الحديث قريبًا.
[ ١ / ٥٨٢ ]
الشجرة فرماها (^١) بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، وكل حصاة منها كحصاة الخذف (^٢) " (^٣).
فصل [١٧ - من أين ترمي الجمرة]:
والمستحب أن يرميها من بطن الوادي ولا يرميها من فوقها، لما روي عن عمر ابن الخطاب ﵁: أنه رمى الجمرة من بطن الوادي ثم قال: "والذي أنزلت عليه سورة البقرة لقد رأيته يرمي ببطن الوادي ﷺ" (^٤) روي عن عبد الله بن مسعود (^٥) نحوه (^٦).
فصل [١٨ - في نحر الهدي]:
وإنما قلنا: ينحر هديًا إن كان معه بعد الرمي؛ لأن رسول الله - ﷺ - كذلك فعل رمى الجمرة ثم نحر البدن (^٧).
فصل [١٩ - الحلاق بعد الإتمام]:
وإنما قلنا: إنه إذا أتم حلق رأسه لأنه ﷺ حلق بعد أن نحر، رواه ابن عباس قال لما رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة أتى بنسكه فنحره ثم دعى الحلاق فقال: "ابدأ بالشق الأيمن" (^٨).
_________________
(١) في (م): فرمى.
(٢) حصى الخذف: الحصى الصغر والخذف: الرمي بطرفي الإبهام والسبابة (المصباح المنير ص ١٦٥).
(٣) انظر: حديث جابر في صفة حجة ﷺ.
(٤) أخرجه البخاري في الحج، باب: رمي الجمار من بطن الواد: ٢/ ١٩٣، ومسلم في الحج، باب: رمي جمرة العقبة من بطن الوادي: ٢/ ٩٤٣.
(٥) ابن مسعود: سقطت من (م).
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي: ٢/ ١٩٣.
(٧) كما جاء في حديث جابر.
(٨) أخرجه مسلم في الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق: ٢/ ٩٤٧، والبخاري في الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان: ١/ ٥٠.
[ ١ / ٥٨٣ ]
فصل [٢٠ - في الحلاق]:
الحلاق نسك يثاب فاعله خلافًا لأحد قولي الشافعي أنه مباح بعد حظر وليس بنسك (^١) لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ (^٢)، فوعدهم بدخولهم على هذه الصفة ممتنًا عليهم بها، فدل على تعلق الفضيلة بها، وقوله ﷺ: "رحم الله المحلقين ثلاثًا"، قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين" (^٣) وهذه المبالغة بتكرار الدعاء، فدل على الفضيلة، وقوله: "ليس على النساء حلاق وإنما عليهن التقصير" (^٤)، ولأنه قول عمر وابنه (^٥) ولا مخالف لهما.
فصل [٢١ - في تقديم النحر على الرمي أو الحلاق على النحر]:
وإنما قلنا: إنه إن قدم النحر على الرمي أو الحلاق على النحر جاز لما روى عبد الله بن عمر: أنه ﷺ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح فقال: "اذبح ولا حرج"، وجاءه آخر فقال: يا رسول الله، لم أشعر نحرت قبل أن أرمي، فقال: "إرم ولا حرج" (^٦).
فصل [٢٢ - فيمن حلق قبل الرمي]:
وإنما قلنا: إنه إن حلق قبل الرمي فعليه دم (^٧) خلافًا للشافعي (^٨)، لقوله
_________________
(١) انظر: المجموع: ١٥٣٨.
(٢) سورة الفتح، الآية: ٢٧.
(٣) أخرجه البخاري في الحج، باب: الحلق والتقصير عند الإحلال: ٢/ ١٨٨، ومسلم في الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير: ٢/ ٩٤٥.
(٤) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: الحلق والتقصير: ٢/ ٥٠٢، والدارقطني: ٢/ ٢٨٠، والطبراني وإسناده حسن، وقواه أبو حاتم في العلل، والبخاري في التاريخ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق، فأصاب (تلخيص الحبير: ٢/ ٢٦١).
(٥) انظر: الموطأ: ١/ ٣٩٦ - ٣٩٧٦.
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: الفتيا على الدابة عند الجمرة: ٢/ ١٩٠، ومسلم في الحج، باب: من حلق قبل النحر: ٢/ ٩٤٨.
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٣٤٣.
(٨) انظر: الأم: ٢/ ٢١٥.
[ ١ / ٥٨٤ ]
﷿: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^١)، ولأنه ﷺ رمى ثم نحر ثم حلق (^٢)، ولأنه حلق في إحرام منعقد لم يتحلل منه فأشبه قبل النحر (^٣).
فصل [٢٣ - في أفضلية الحلق]:
وإنه شاء حلق وإن شاء قصر والحلاق أفضل للظاهر (^٤)، والخبر (^٥)، وسنة النساء التقصير لقوله ﷺ: "ليس على النساء حلاق وإنما على النساء التقصير" (^٦)، ولأنه شهرة فيهن، والسنة إيعاب الرأس وأكثره، لما روي: "من عقص أو لبد فعليه الحلاق" (^٧)، والمعنى فيه تعذر الاستيفاء مع العقص (^٨)، والتلبيد (^٩)، ولأنه حكم تعلق بالرأس في الشرع عبادة كالمسح.
فصل [٢٤ - في الإفاضة]:
وإنما قلنا: إنه إذا فعل ذلك عاد إلى مكة فأفاض ثم عاد (^١٠) إلى مِنَى لقوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^١١)، ولأن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٢) كما جاء في حديث ابن عباس الذي سبق قريبًا.
(٣) في (ق): فأشبه أن يحلق بعد الفجر.
(٤) ظاهر قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾.
(٥) الحديث الذي سبق والذي دعي فيه ﷺ للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
(٦) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٨٣).
(٧) موقوف على عمر بن الخطاب أخرجه البيهقي: ٥/ ١٣٥.
(٨) العقص: هو أن يلوي الشعر ويدخل أطرافه في أصوله (المصباح المنير ص ١٢٢).
(٩) التلبيد: هو أن يجعل في الرأس لزوقًا من صمغ ونحوه ليتلبد أي يتلصق فلا يقمل (المغرب ص ٤١٩).
(١٠) في (ق): دعى.
(١١) سورة البقرة، الآية: ١٩٩.
[ ١ / ٥٨٥ ]
كذلك فعل، روى جابر أنه ﷺ نحر ثم ركب فأفاض إلى البيت (^١)، وصلى بمكة الظهر" (^٢)، وفي حديث عائشة ﵂: "ثم رجع إلى مِنَى فمكث بها ليالي أيام التشريق" (^٣).
فصل [٢٥ - في أن المراهق يترك طواف القدوم]:
وإنما قلنا: إن المراهق يمضي إلى عرفة ويترك طواف القدوم؛ لأن ذلك عذر يسوغ له تركه متى تشاغل به خاف فوات الحج ولا دم عليه؛ لأن ترك السنة مع العذر جائز، وفي تركه لغير عذر الدم اعتبارًا بسائر السنن المؤكدة.
فصل [٢٦ - في رمي الجمار]:
جملة ما يرمي من حصي الجمار يوم النحر وأيام مِنَى (^٤) سبعون حصاة منها جمرة العقبة يوم النحر بسبع، وفي أيام مِنَى كل يوم يرمي الثلاث بإحدى وعشرين حصاة كل جمرة بسبع، هذا لمن لم يتعجل فإذا تعجل رمى تسعًا وأربعين وسقط عنه رمي اليوم الآخر وهو إحدى وعشرين حصاة.
فصل [٢٧ - متى ترمى الجمار أيام التشريق]:
ولا يرمى الجمار أيام مِنَى إلا بعد الزوال (^٥)، خلافًا لأبي حنيفة في إجازته ذلك في ثالث أيام التشريق (^٦) لما روى جابر قال: "رأيت رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) في (م): للبيت.
(٢) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٦٩).
(٣) أخرجه أبو داود في المناسك، باب: يبيت بمكة ليالي مِنَى: ٢/ ٤٩٠، والبيهقي: ٥/ ١٤٨، والحاكم: ١/ ٤٧٧، وقال: صحيح على شرط مسلم، وحسنه المنذري (نصب الراية: ٣/ ٨٤).
(٤) في (م): أيام التشريق.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥، التفريع: ١/ ٣٤٤، الرسالة ص ١٧٩.
(٦) انظر: مختصر القدوري: ١/ ١٩٣.
[ ١ / ٥٨٦ ]
يرمي يوم النحر ضُحِّي، فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس" (^١)، ورواه ابن عباس (^٢)، وعائشة (^٣)، واعتبارًا باليوم الأول والثاني.
فصل [٢٨ - استحباب الرمي يوم النحر راكبًا وأيام مِنَى ماشيًا]:
المستحب أن يرمي يوم النحر راكبًا وأيام مِنَى ماشيًا، لأنه ﷺ كذلك فعل (^٤)، ولا يقف عند جمرة العقبة ويقف عند الأولى والثانية، وكذلك في حديث عائشة (^٥)، وعبد الله بن عمر (^٦)، وروي عن عمر (^٧)، وابنه (^٨).
فصل [٢٩ - رمي السبع رمية واحدة]:
ولا يجزيه أن يرمي السبع رمية واحدة (^٩) خلافًا لأبي حنيفة (^١٠)،
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٦٩).
(٢) أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في الرمي بعد زوال الشمس: ٣/ ٢٤٣، وقال: حديث حسن.
(٣) سبق تخريج حديث عائشة ﵂ قريبًا (ص ٥٨٦).
(٤) كما في حديث ابن عباس: "أن النبي - ﷺ - رمى الجمرة يوم النحر راكبًا" أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في رمي الجمار راكبًا وماشيًا: ٣/ ٢٣٣، وقال: حديث حسن، وروي عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا، أخرجه الترمذي في نفس الكتاب والباب ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥، وقال: حديث حسن صحيح.
(٥) حديث عائشة: سبق تخريجه قريبًا (٥٨٦).
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: رفع اليدين عند جمرة الدنيا والوسطى: ٢/ ١٩٤.
(٧) أثر عمر أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٤٠٦.
(٨) أثر ابن عمر أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٤٠٧.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٣٢٥، التفريع: ١/ ٣٤٤.
(١٠) انظر: المبسوط: ٤/ ٦٧، بدائع الصنائع: ٣/ ١١٦٨.
[ ١ / ٥٨٧ ]
لأنه ﷺ رماها سبع رميات، ولأن المستحق عليه أعداد الرمي به.
فصل [٣٠ - صفة التعجيل]:
صفة التعجيل أن ينفر ثالث النحر بعد رميه ما لم تغلب الشمس، فهذا فعل ذلك سقط عنه رمي الغد والأصل فيه قوله تعالى (^١): ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٢)، ولأنه ﷺ رخص فيه لرعاة الإبل في البيتوتة (^٣) يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ليومين ثم ينفرون (^٤)، فإن غابت الشمس عليه قبل أن ينفر لزمه المبيت لدخول الوقت الذي ينفر عنه.
فصل [٣١ - حكم طواف الوداع]:
طواف الوداع مستحب (^٥) لقوله ﷺ: "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (^٦)، وروي عن عمر (^٧) وغيره.
فصل [٣٢ - عدم وجوب طواف الوداع]:
وليس بواجب خلافًا لأبي حنيفة (^٨)، لقوله ﷺ في حديث
_________________
(١) في (م): ﷿.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.
(٣) أخرجه البخاري في الحج، باب: سقاية الحاج: ٢/ ١٦٧، ومسلم في الحج، باب: وجوب المبيت بمِنَى: ٢/ ٩٥٣.
(٤) في (م) و(ر) ثم يرمون يوم النفر.
(٥) انظر: الموطأ: ١/ ٣٧٠، التفريع: ١/ ٣٥٦، الرسالة ص ١٧٩.
(٦) أخرجه في الحج، باب: طواف الوداع: ٢/ ١٩٥، ومسلم في الحج، باب: وجوب طواف الوداع: ٢/ ٩٦٣.
(٧) سوف يأتي ذكر أثر عمر بن الخطاب ﵁ والذي أخرجه مالك في الموطأ: ١/ ٣٦٩.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٦، مختصر القدوري: ١/ ١٩٣ - ١٩٤.
[ ١ / ٥٨٨ ]
صفية: "أحابستنا هي" (^١)، قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذن، فلو كان واجبًا لكان يقف عليها كطواف الإفاضة، ولأنه طواف يفعل خارج الإحرام كالتطوع.
فصل [٣٣ - لا يجب الدم بترك طواف الوداع]:
ولا يجب الدم بتركه خلافًا للشافعي (^٢)؛ لأن الحائض تتركه ولا دم عليها، ولأنه طواف خارج الإحرام كالتطوع.
فصل [٣٤ - هل يشرع طواف الوداع للمقيمين بمكة؟]:
وليس بمسنون للمقيمين بمكة لأن الوداع يقتضي مفارقة الموضع، وذلك لا يوجد في أهل مكة، ولأن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لا يصدرن أحدكم حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت" (^٣)، فخاطب بذلك من يريد الانصراف.
…
_________________
(١) سبق تخريج الحديث في الصفحة (٥٧٢).
(٢) انظر: الأم: ٢/ ١٨٠ - ١٨١، الإقناع ص ٨٨.
(٣) سبق تخريج هذا الأثر قريبًا ص ٥٨٨.
[ ١ / ٥٨٩ ]
باب: [في الإحصار]
ومن أحصر (^١) بعذر فله التحلل (^٢)، وينحر هديًا إن كان معه وينصرف ولا هدي عليه سواء كان حاجًّا أو معتمرًا في الحرم وغيره (^٣)، "لأن النبي - ﷺ - فعل ذلك يوم الحديبية تحلل ونحر وانصرف" (^٤).
فصل [١ - لا هدي على المحصر بعدو]:
ولا هدي عليه لأجل تحلله (^٥) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٦)؛ لأنه تحلل مأذون له فيه غير منسوب إلى تفريط ولا إدخال نقص، فلم يلزمه فيه هدي اعتبارًا به إذا أكمل حجه، ولأنه لما خفف بإجازة التحلل من إحرام قد عقده كان بأن يخفف عنه من إيجاب هدي أولى.
فصل [٢ - المحصر بعدو لا يقضي]:
ولا قضاء عليه لما تحلل منه (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨)، لأنه ممنوع عن
_________________
(١) في (م): حصر، والإحصار في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: هو الممنوع من الحج بأي نوع امتنع إما بمرض أو بعدو أو بخطأ في العدد أو بغير ذلك (انظر بداية المجتهد: ٥/ ٤٣٣).
(٢) في (م): التحليل.
(٣) في الإحصار انظر: الموطأ: ١/ ٣٦٠ - ٣٦١، التفريع: ١/ ٣٥١ - ٣٥٢، الكافي ص ١٦٠.
(٤) أخرجه البخاري في الحج، باب: النحر قبل الحلق في الحصر: ٢/ ٢٠٧، ومسلم في الحج، باب: جواز التحلل بالإحصار: ٢/ ٩٠٣.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٣٥١، الكافي في فقه أهل المدينة - لابن عبد البر ص ١٦١.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧١، الأم: ٢/ ٢١٨.
(٧) انظر: الموطأ: ١/ ٣٦٠، التفريع: ١/ ٣٥١.
(٨) مختصر الطحاوي ص ٧١، مختصر القدوري: ١/ ١٢٨ - ٢١٩.
[ ١ / ٥٩٠ ]
الوصول إلى فعل المناسك بيد غالبة فلم يلزمه قضاء أصله إحرام العبد بغير إذن سيده والمرأة بغير إذن زوجها على الصحيح من المذهب، ولا يلزم عليه للضرورة لأن ما يلزمه ليس بقضاء، بل هو الواجب عليه في الأصل، ولأنه ﷺ تحلل هو وأصحابه ولم يأمر أحدًا منهم بالقضاء، ولا روي عنهم أنهم قضوا.
فصل [٣ - التحليل بعُمرة لمن أحصر بمرض ونحوه]:
ومن أحصر بمرض أو بأي شيء سوى حصر العدو فلا يتحلل إلا بعمل (^١) العُمْرة خلافًا لأبي حنيفة (^٢)؛ لأنه متلبس بالحج لم يصده عنه يد غالبة، فكان كمخطيء الوقت، ولأن كل من لا يستفد بتحلله تخلصًا من الأذى فلا يجوز له التحلل كالضال عن الطريق عكسه المحصور بعدو.
فصل [٤ - وجوب الدم على من أحصر بمرض]:
وعليه دم لتحلله (^٣) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (^٤) معناه: فحللتم، ولا يجوز ذبحه إلا بمكة أو بمِنَى، خلافًا للشافعي في قوله: إنه ينحره حيث أحصر (^٥)، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^٦) فعم، ولأنه موضع تحلله يجب أن يكون محل هديه ألا ترى أن المحصور بعدو لما كان يحل حيث أحصر كان ذلك الموضع محل هدي إن كان ساقه.
_________________
(١) انظر: الموطأ: ١/ ٣٦١، التفريع: ١/ ٣٥٢.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧١، مختصر القدوري: ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٣) انظر: الموطأ: ١/ ٣٦١، التفريع: ١/ ٣٥٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
(٥) انظر: الأم: ٢/ ٢١٩.
(٦) سورة الحج، الآية: ٣٣.
[ ١ / ٥٩١ ]
فصل [٥ - ليس على من أحصر فعل بقية المناسك سوى العُمرة]:
وليس عليه ولا على من فاته الحج رمي ولا فعل بقية المناسك سوى عمل العمرة فقط (^١)، خلافًا للمزني (^٢)؛ لأن أعمالك الحج توابع للوقوف، فإذا فات المتبوع سقطت توابعه (^٣).
…
_________________
(١) انظر: التفريع: ص ٣٥١٢، الكافي ص ١٦١.
(٢) مختصر المزني ص ٧٢ - ٧٣، والمزني: هو أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني، تلميذ الشافعي، حدث عنه ابن خزيمة وأبو جعفر الطحاوي، كان زاهدًا عالمًا مجتهدًا مناظرًا محجاجًا، قال عنه الشافعي: المزني ناصر مذهبي (ت ٢٦٤) (سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٤٩٢).
(٣) سقطت توابعه: سقطت من (م).
[ ١ / ٥٩٢ ]
باب: [الوطء في الإحرام]
الوطء في الإحرام ممنوع لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ (^١)، فإذا وطيء عامدًا في الفرج أفسد حجه وعمرته بلا خلاف (^٢)، وكذلك الناسي خلافًا للشافعي (^٣) لأنه وطء صادف إحرامًا منعقدًا كالعمد.
فصل [١ - فساد الحج والعُمرة بالإنزال]:
كل إنزال (^٤) عن نوع من الاستمتاع يفسد الحج والعُمْرة كالإنزال في الوطء دون الفرج أو مع القبلة أو اللمس أو غير ذلك (^٥)، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٦) لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ (^٧)، ولأن الإنزال هو المقصود وهو أبلغ من الإيلاج، فإذا كان الإيلاج يفسده فالإنزال أولى، ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة يفسدها أصله الصوم.
فصل [٢ - إذا حصل ذلك قبل الوقوف أو بعده]:
لا خلاف أن ذلك إن حصل قبل الوقوف، فإنه يفسد الحج، فأما بعده وقبل الرمي، فالظاهر أنه يفسده أيضًا، وبه قال الشافعي (^٨)، وقد قيل: لا يفسده وهو قول أبي حنيفة (^٩)، فإذا قلنا: يفسده، فالعِلَّة بقاء الإحرام وعدم التحلل
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٢) انظر: المجموع: ٧/ ٤٩٣، المغني: ٣/ ٤٨٥.
(٣) انظر: المجموع: ٧/ ٢٩٤، وفيه: أن الناسي لا فدية عليه ولا يفسد نسكه.
(٤) المقصود بالإنزال هو إنزال المني.
(٥) انظر: التفريع: ١/ ٣٤٩، الرسالة ص ١٨٠.
(٦) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٧، الأم: ١/ ٢١٨.
(٧) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٨) انظر: التفريع: ١/ ٣٤٩، الأم: ٢/ ٢١٨، الإقناع ص ٩٠.
(٩) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٧، مختصر القدوري: ١/ ٢٠٦.
[ ١ / ٥٩٣ ]
كالوطء قبل الوقوف، وإذا قلنا: لا يفسده فالعِلَّة أمن الفوات كالوطيء بعد الرمي والطواف.
فصل [٣ - فيمن وطيء بعد الرمي وقبل الطواف]:
وأما الوطء بعد الرمي وقبل طواف الإفاضة، فالظاهر من قول مالك ﵀ (^١): أنه لا يفسد، وعنه رواية: أنه يفسده (^٢)، فعلة الرواية الظاهرة أنه وطء في إحرام منحل كالوطء بعد التحلل الكامل، وعلة الرواية الأخرى أن كمال التحلل لم يحصل فحرمة الإحرام مبقاة كقبل الرمي.
فصل [٤ - إذا قلنا: لا يفسد حجه عليه الهدي والعُمرة]:
إذا قلنا: إن حجه لا يفسد فعليه العمرة والهدي بعد أن يطوف (^٣) خلافًا لأبي حنيفة والشافعي (^٤) في قولهما: لا عُمرة عليه، لأن ذلك مروي عن ابن عباس (^٥)، ولأن عليه أن يأتي بالطواف والسعي في إحرام لا وطء فيه.
فصل [٥ - المضي في الحج على من أفسده]:
إذا أفسد حجه مضى عليه حتى يتمه ولم يخرج منه بالفساد، وكذلك العمرة (^٦) خلافًا لمن قال: أنه يرى قضاء ويستأنف إحرامًا جديدًا (^٧)، لأنه إجماع الصحابة (^٨)، ولأنه سبب يجب معه قضاء الحج فلم يخرج به من الإحرام أصله الفوات.
_________________
(١) ﵀: سقطت من (م).
(٢) و(^٣) انظر: التفريع: ١/ ٢٤٩، الكافي ص ١٥٨ - ١٥٩.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٧، الإقناع ص ٩٠.
(٤) أخرجه البيهقي: ٥/ ١٧١.
(٥) انظر: الموطأ: ١/ ٣٨١ - ٣٨٣، التفريع: ١/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
(٦) قاله داود (المغني: ٣/ ٣٦٥).
(٧) روي ذلك عن عمر وعليّ وأبي هريرة وابن عباس ﵃ ولا يعلم لهم مخالف (انظر: المجموع: ٧/ ٣٩٩، المغني: ٣/ ٣٦٥).
[ ١ / ٥٩٤ ]
فصل [٦ - القضاء والهدي على من أفسد حجه]:
وعليه القضاء والهدي في الفساد لأن ذلك إجماع السلف، ولأنه إن كان فرضًا فهو باق في الذمة لأن الفاسد في الذمة لا يبريء من الصحيح، وإن كان متطوعًا فقد لزمه بالدخول فيه.
وأما الهدي فلأنه لما كان يلزم بترك شعيرة من شعائره كان بأن يلزم في النص بإفساده أولى، ولأن الفوات يجب به الهدي للتأخير، فكذلك الفساد، وكذلك روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم (^١).
فصل [٧ - التفريق بين الزوجين إذا أفسدا حجهما]:
يفترق الزوجان إذا أفسدا حجهما وأرادا قضاء (^٢) خلافًا لأبي حنيفة (^٣)، ومن حيث يحرمان لا من حيث أفسداه خلافًا للشافعي (^٤) في قوله: من حيث أفسداه لأن ما قلناه مروي عن عثمان وعليّ وابن عباس (^٥)، ولأنهما يتذاكران ما كان منهما فيدعوهما ذلك إلى إفساده ثانية، وإنما لم يؤخراه عن وقت الإحرام إلى وقت الإصابة؛ لأن الذي أُمرا لأجله بالافتراق هو خوف الفساد ثانية، وليس آخر الإحرام بأولى بالاحتياط من أوله.
فصل [٨ - في تكرار الوطء]:
ولا يجب بتكرار الوطء هدي (^٦) خلافًا لأبي حنيفة (^٧) لأنه وطء لم يفسد به الحج فلم يجب به هدي أصله إذا وطيء قبل التكفير.
_________________
(١) انظر: الموطأ: ١/ ٣٨٢.
(٢) انظر: الموطأ: ١/ ٣٨٢، التفريع: ١/ ٣٥٠.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٧.
(٤) انظر: المجموع: ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٥) الموطأ: ١/ ٣٨١ - ٣٨٢.
(٦) انظر: الموطأ: ١/ ٣٨٢، التفريع: ١/ ٣٥٠.
(٧) يقول أبو حنيفة: إن كان ذلك في موطن واحد كان عليه دم واحد، وإن كان في مواطن كان عليه، لكل موطن دم (مختصر الطحاوي ص ٦٧).
[ ١ / ٥٩٥ ]
فصل [٩ - في حج الصغير]:
الصغير له حج (^١) خلافًا لأبي حنيفة (^٢) لقوله ﷺ وسألته المرأة ألهذا حج؟، قال: "نعم ولك أجر" (^٣)، ولأنه ممن له صلاة فكان له حج كالكبير.
فصل [١٠ - ما زاد على نفقة الصغير]:
وما زاد على نفقته في الحضر من مال الولي (^٤) خلافًا للشافعي (^٥)، وكذلك ما قتل من صيد أو ما يحتاج إليه من فدية، لأن الصبي لا حاجة به إلى الحج وليس من الإصلاح والحظ إلزامه نفقة فيما لا يحتاج إليه، وكذلك جزاء ما قتل من صيد لأن الولي سبب ذلك.
فصل [١١ - حكم الحج للعبد إذا أعتق والصبي يبلغ والكافر يسلم يدركون الوقوف]:
العبد إذا أعتق والصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم، فأدرك كل واحد منهم الوقوف بعرفة جزءًا من الليل، فأحرم ووقف، فقد أدرك الحج، فإن دخل العبد في الإحرام حال رقه أو إحرام الولي بالصبي حال صغره ثم عتق (^٦) العبد وبلغ الصبي، وهما في الإحرام فإنهما يمضيان على ذلك الحج، ويكون تطوعًا على ما كانا عليه ولا ينقلب فرضًا (^٧)؛ لأنه ليس في الأصول عبادة تفتتح تطوعًا ثم تنقلب فرضًا كالصلاة والصوم، فإذا ثبت هذا فعليهما حجة الإِسلام لأنها باقية في الذمة لا تسقط بالتطوع.
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٣٥٣.
(٢) انظر: تحفة الفقهاء: ٢/ ٣٨٣.
(٣) أخرجه مسلم في الحج، باب: صحة حج الصبي: ٢/ ٩٧٤.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٣٥٣، الكافي ص ١٦٨.
(٥) انظر: مختصر المزني ص ٧٠.
(٦) في (م): أعتق.
(٧) في جملة هذه الأحكام انظر: التفريع: ١/ ٣٥٣، الكافي ص ١٦٨ - ١٦٩.
[ ١ / ٥٩٦ ]
فصل [١٢ - التقليد والإشعار]:
ومن ساق بدنه قلدها (^١) "لأن رسول الله - ﷺ - قلد بدنه وأشعرها" (^٢)، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: أن الإشعار بدعة (^٣)، لما روي ابن عباس: "أنه صلى الله عليه وشلم أشعر بدنته من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها" (^٤)، والفائدة في التقليد والإشعار أن يعلم من رآه إذا ضل أنه هدي قد أوجب فلا يقدم عليه، وصفة الإشعار أن يشق في عرض سنامها في جانبه الأيسر، ويستحب له أن يسمي الله تعالى عند الإشعار كما فعل النبي - ﷺ - (^٥)، والاختيار نحر البدن قيامًا لأنه صلى الله عليه سلم نحرها قائمة (^٦)، فإن صعبت عقلها (^٧) ليتمكن من نحرها.
فصل [١٣ - الأكل من الهدي]:
ويؤكل من الهدي كله إلا من ثلاثة أنواع: جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين (^٨) وما عدى ذلك من هدي التمتع والقِران ومجاوزة الميقات والفوات والإفساد وغير ذلك سوى ما ذكرناه فإنه يؤكل، ووافقنا أبو حنيفة في هدي
_________________
(١) التقليد: هو أن يعلق بعنق البعير قطعة من جلد ليعلم أنه هدي، فيكلف الناس عنه (المصباح المنير ص ٥١٢)، والإشعار: هو من حززت سنامها حتى يسيل الدم فيعلم أنها هدي المصباح المنير ص ٣١٥).
(٢) انظر: الموطأ: ١/ ٣٧٩، التفريع: ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٣) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٣.
(٤) أخرجه مسلم في الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام: ٢/ ٩١٢.
(٥) رويت التسمية عن عبد الله بن عمر ﵁، أخرجه البيهقي: ٥/ ٢٣٢، الموطأ: ١/ ٣٧٩.
(٦) أخرجه البخاري في الحج، باب: نحر الإبل مقيدة: ٢/ ١٨٥، ومسلم في الحج، باب: نحر الإبل قيامًا مقيدة: ٢/ ٩٥٦.
(٧) في (م) و(ر): عقلت.
(٨) انظر: الموطأ: ١/ ٣٨١، التفريع ص ٣٣٢.
[ ١ / ٥٩٧ ]
التمتع والقِران، وخالفنا في الواجب بحكم الإحرام (^١)، ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (^٢)، وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (^٣)، ولأنه هدي لم يسم للمساكين ولا يدخل فيه إلا طعام كالتطوع واعتبارًا بالضحايا والعقيقة.
فصل [١٤ - عدم الأكل من جزاء الصيد]:
وإنما قلنا لا تؤكل من جزاء الصيد لأن الله تعالى جعله للمساكين بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ (^٤)، وكذلك نسك الأذى لقوله ﷺ: "أو إطعام ستة مساكين" (^٥)، وما سماه هو للمساكين فقد نذره لهم فلا يجوز له الرجوع فيه.
فصل [١٥ - ما عطب من هدي التطوع]:
وما عطب من هدي التطوع قبل محله لم يجز له أكله لأنه قد يتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه، فإن أكل منه أبدله (^٦)، لقوة التهمة فيما ذكرناه، وما عطب من واجب جاز أكله لأن عليه بدله فلا فائدة في منعه أكله.
فصل [١٦ - نكاح المحرم]:
لا ينكح المحرم ولا ينكح (^٧) خلافًا لأبي حنيفة (^٨) لقوله صلى الله عليه
_________________
(١) انظر: مختصر الطحاوي ص ٧٢، مختصر القدوري: ١/ ٢٢٣.
(٢) سورة الحج، الآية: ٢٨.
(٣) سورة الحج، الآية: ٣٦.
(٤) سورة المائدة، الآية: ٩٥.
(٥) سبق تخريج الحديث.
(٦) انظر: الموطأ: ١/ ٣٨٠ - ٣٨١، التفريع: ١/ ٣٣٢.
(٧) انظر: الموطأ: ١/ ٣٤٨.
(٨) انظر: مختصر الطحاوي ص ٦٨.
[ ١ / ٥٩٨ ]
وسلم (^١): "لا ينكح المحرم ولا ينكح" (^٢)، ولأنها عبادة تمنع الطيب فمنعت عقد النكاح كالعدة، وله أن يراجع لأنه ليس بابتداء عقد وإنما هو استصلاح لما انثلم منه.
فصل [١٧ - المعتمرة تحيض قبل أن تطوف]:
المعتمرة إذا حاضت قبل أن تطوف، فإن كان في وقتها سعة: انتظرت أن تطهر وتتم العمرة ثم تنشيء إحرامًا بالحج، وإن ضاق وقتها وهي تريد الحج وتخاف الفوات أردفت الحج على العمرة وصارت قارنة وعليها الهدي ثم يستحب لها أن تستأنف عمرة (^٣) بعد الإحلال (^٤) كما فعل ﷺ بعائشة ﵂ (^٥).
فصل [١٨ - يوم الحج الأكبر]:
يوم الحج الأكبر يوم النحر (^٦) لأن فيه يقع التحلل ويفتتح الرمي، ولأن الوقوف الذي يتعلق إدراك الحج به هو بليلته المضافة إلى يومه، ولأن ما بعده تابع له.
فصل [١٩ - أشهر الحج]:
وأشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة (^٧) لقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ
_________________
(١) ﷺ: سقطت في (م).
(٢) أخرجه مسلم في النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبيته: ٢/ ١٠٣٠.
(٣) في (م): غيره.
(٤) انظر: الموطأ: ١/ ٤١١ - ٤١٢، التفريع: ١/ ٣٣٦.
(٥) أخرجه البخاري في الحج، باب: كيف تهل الحائض والنفساء: ٢/ ١٤٨، ومسلم في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام: ٢/ ٨٧٠.
(٦) انظر: التفريع: ١/ ٣٥٤.
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٢٥٤.
[ ١ / ٥٩٩ ]
مَعْلُومَاتٌ﴾ (^١)، وأقلها ثلاثة كاملة، ولأن كل شهر كان أوله من أشهر (^٢) الحج، فكذلك آخره أصله شوال، وفائدة ذلك تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة وبخروجه والله أعلم.
…
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.
(٢) في (م): شهور.
[ ١ / ٦٠٠ ]