بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
قال الفقيه محمد بن أحمد بن رشد، أما بعد، حمد الله تعالى الذي هدانا للإيمان والإسلام، والصلاة على نبيه الذي استنقذنا به من عبادة الأوثان والأصنام، وعلى جميع أهل بيته وصحابته النجباء البررة الكرام، فإن بعض أصحابنا المجتمعين إلى المذاكرة والمناظرة في مسائل كتب المدونة سألني أن أجمع له ما أمكن مما كنت أورده عليهم عند استفتاح كتبها وفي أثناء بعضها مما يحسن المدخل به إلى الكتاب وإلى ما استفتحت عليه من فصول الكلام وتعظم الفائدة ببسطه وتقديمه وتمهيده من معنى اسمه واشتقاق لفظه وتبيين أصله من الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل العلم من ذلك واختلفوا فيه بوجه بناء مسائله عليه وردها إليه وربطها بالتقسيم لها والتحصيل لمعانيها، جريا على سنن شيخنا الفقيه
[ ١ / ٩ ]
أبي جعفر ابن رزق - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وطريقته في ذلك واقتفاء لأثره فيه، وإن كنت أكثر احتفالا منه في ذلك لا سيما في أول كتاب الوضوء، فإني كنت أشبع القول فيه ببنائي إياه على مقدمات من الاعتقادات في أصول الديانات، وأصول الفقه في الأحكام الشرعيات، لا يسع جهلها، ولا يستقيم التفقه في فن من فنون الشرع قبلها، فله الفضل بالتقدم والسبق؛ لأنه نهج الطريق وأوضح السبيل ودل عليه بما كان يعتمده من ذلك مما لم يسبقه من تقدم من شيوخه إليه. فلقد سألته- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عما كان يستفتح به شيخه الفقيه أبو عمر بن القطان مناظرته في ابتداء كتب المدونة، فقال لي: كان لا يزيد على ما ذكره ابن أبي زيد في أوائل الكتب من مختصره، وكان لا ينتهي إلى ما وفق إليه فلقد كان- أكمل الله كرامته لديه- أفقه من شيوخه وأنفع للطالب منهم، وليس ذلك بغريب، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ومبلغ حديث إلى من هو أوعى له منه، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء. فأجبت السائل لما سألني من ذلك رجاء ثواب الله تعالى ورغبة في حسن المثوبة عليه، ووصلت ذلك ببعض ما أستطرد القول فيه من أعيان مسائل وقعت في المدونة ناقصة مفرقة، فذكرتها مجموعة ملخصة مشروحة بعللها مبينة، فاجتمع من ذلك تأليف مفيد لم يسبقني أحد ممن تقدم إلى مثله، سميته بكتاب المقدمات الممهدات، لبناء ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات. والله أسأله التوفيق في القول والعمل. من الزيغ والزلل بعزته ورحمته.
[ ١ / ١٠ ]
فصل
في معرفة الطريق إلى وجوب
التفقه في الوضوء وغيره من الشرائع
قال الله ﷿: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] والدين الذي أمرنا بإقامته هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله سواه. قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وإقامته تفتقر إلى التفقه في شرائعه التي شرعها الله لعباده، وأوجبها عليهم في محكم كتابه، من الوضوء والصلاة والزكاة وسائر شرائع الدين، والتفقه فيها لا يستقيم إلا بعد المعرفة بوجوبها، ولا طريق إلى المعرفة بوجوبها إلا بعد المعرفة بالله تعالى على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، أو ما يقوم مقام المعرفة من الإيمان والتصديق، على القول بأن أول الواجبات الإيمان بالله تعالى؛ لأن المعرفة بوجوب الواجبات وحظر المحظورات مع الجهل بموجبها والجحد له من المستحيل في العقل، فلا يعلم الله تعالى إلا بالنظر في الأدلة التي نصبها لمعرفته والاستدلال بها عليه. ولا يصح النظر والاستدلال إلا ممن له عقل ينظر به ويستدل. وقد جعل الله ﵎ لمن أراد تكليفه من عباده عقولا يعرفونه بها بما نصب لهم من الأدلة على معرفته، ويعقلون بها ما خاطبهم به وشرعه لهم في كتابه وعلى ألسنة
[ ١ / ١١ ]
رسله، إذ لا يصح تكليف من لا يعقل التكليف. وأنعم على المؤمنين بأن وفقهم لذلك وهداهم له وشرح صدورهم لمعرفته. قال الله ﷿: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وقال الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨].
فصل
في معرفة شرائط التكليف
وشرائط التكليف ثلاثة: أحدها العقل، ومحله عند مالك - ﵀ - القلب. وحده معرفة بعض العلوم الضرورية كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الجسمين لا يجتمعان في مكان واحد، وأن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا، وأن الجمل لا يلج في سم الخياط، وما أشبه ذلك مما تعلم معرفته العقلاء. وألخص من هذا الحد أن يقال فيه إنه مادة يتأتى بها درك العلوم؛ والأول أصح وأبين، وهذا أخصر.
والدليل على أن العمل شرط في صحة التكليف من الكتاب قول الله ﷿: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. وقوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. ومن السنة قول النبي - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاث»،
[ ١ / ١٢ ]
فذكر فيهم المجنون حتى يفيق. والثاني البلوغ، وهو الاحتلام في الرجال أو بلوغ حده من الأعوام. واختلف في ذلك فقيل خمسة عشر، وقيل سبعة عشر، وقيل ثمانية عشر، والاحتلام أو الحيض أو الحمل في النساء، أو بلوغ ذلك أيضا من الأعوام. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، وقول النبي - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاث»، فذكر الصبي حتى يحتلم. فصل وللصبي فيما دون الاحتلام حالان: حال لا يعقل فيها معنى القربة، وحال يعقل فيها معناها. فأما الحال التي لا يعقل فيها معناها فهو فيها كالبهيمة والمجنون ليس بمخاطب بعبادة ولا مندوب إلى فعل طاعة. وأما الحال التي يعقل فيها معنى القربة فاختلف هل هو فيها مندوب إلى فعل الطاعة كالصلاة والصيام والوصية عند الممات وما أشبه ذلك، فقيل إنه مندوب إليه، وقيل ليس بمندوب إلى شيء من ذلك وإن وليه هو المخاطب بتعليمه وتدريبه والمأجور على ذلك. والصواب عندي أنهما جميعا مندوبان إلى ذلك مأجوران عليه. «قال رسول الله - ﷺ - للمرأة التي أخذت بضبعي الصبي ورفعته من المحفة إليه وقالت ألهذا حج يا رسول الله قال نعم ولك أجر» وهذا واضح. والثالث بلوغ دعوة الرسول - ﷺ -. والدليل على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وما أشبه ذلك من الآيات.
فصل
في وجوب الاستدلال
وقد نبه الله ﵎ عباده المكلفين على الاستدلال بمخلوقاته على
[ ١ / ١٣ ]
ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله في غير ما آية من كتابه، وضرب لهم في ذلك الأمثال، وتلا عليهم فيه القصص والأخبار، ليتدبروها ويهتدوا بها، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ - أَأَنْتُمْ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] الآية إلى أخرها. وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]، وقال تعالى:
[ ١ / ١٤ ]
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ - وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ - فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣]، وقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ [الروم: ٢٨]، وقال ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].فصل وليس رجوع إبراهيم - ﷺ - عما استدل به أولا من أن الله يحيي ويميت إلى أنه يأتي بالشمس من المشرق انتقالا من دليل إلى دليل لأن الانتقال من دليل إلى دليل عجز عن قطع الخصم بالدليل الذي استفتح الكلام به، ولا يصح ذلك، بل إنما قطع الكافر بالدليل الذي استدل به أولا ولم يخرج عنه إلى غيره لأنه إنما حكم بالربوبية لمن يقدر على خلق الأفعال واختراعها فقال إن الله يحيي ويميت أي
[ ١ / ١٥ ]
يفعل الموت والحياة، فلما ادعى الكافر القدرة على ما يصح أن يراد بالإحياء والإماتة من فعل ما أجرى الله العادة بخلق الموت والحياة عنده في الجسد المفعول به ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وكان القتل أيضا قد يعبر عنه بالإماتة عند العرب، بين له إبراهيم - ﷺ - أن علته ليست الأفعال التي حمل عليها كلامه جهلا منه بمراده أو تمويها؛ لأن الإحياء والإماتة إذا أطلقت أظهر في اختراع الموت والحياة منها فيما حمله عليه الكافر، فكيف إذا اقترنت بها قرينة تدل على أنه لم يرد بها إلا ذلك، وهي ما استفتحا الكلام فيه. من الربوبية التي تقتضي ذلك، وأتاه - ﷺ - بألفاظ لا يمكنه فيها تمويه ولا يسعه فيها عمل، ولم يخرج عما ابتدأ به الكلام معه من الحكم بالربوبية لمن يقدر على اختراع الأفعال وخلقها؛ لأن الصفة في ذلك واحدة لا تتزايد ولا تختلف، فقال له: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أي إن كان ما ادعيت حقا من أن الإحياء والإماتة أنت فاعلها وتقع بحسب إرادتك؛ لأن من يقدر على فعل شيء يقدر على فعل مثله. فلما رأى الكافر ما ألزمه - ﵊ - به ولم يقدر على دفعه ولا أمكنه فيه تمويه ولا عمل بهت كما قال تعالى. فلم يخرج إبراهيم - ﷺ - من دليل إلى دليل، بل إنما قطعه وأبهته بالدليل الذي استفتح به كلامه والحمد لله. وقال ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى قوله ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، فاستدل إبراهيم - ﵊ - بما عاين من حركة الكواكب والشمس والقمر على أنها محدثة؛ لأن الحركة والسكون من علامات المحدثات. ثم علم أن كل محدث فلا بد له من محدث وهو الله رب العالمين. وهذا وجه الاستدلال وحقيقته قصه الله ﵎ علينا تنبيها لنا وإرشادا إلى ما يجب علينا. وهذا- في القرآن كثير
[ ١ / ١٦ ]
لا يحصى كثرة. ولم يستدل إبراهيم - ﷺ - بما عاينه في الكواكب والشمس والقمر لنفسه، إذ لم يكن جاهلا بربه ولا شاكا في قدمه، وإنما أراد أن يري قومه وجه الاستدلال بذلك ويعيرهم بالذهول على هذا الدليل الواضح ويوقفهم على باطل ما هم عليه، وكان من أحج الأنبياء - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وذلك بين من كتاب الله تعالى. ألا ترى إلى ما حكى الله ﷿ من قوله بعد أن أراهم أنهم على غير شيء ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي﴾ [الأنعام: ٨٠] فِي اللَّهِ إلى قوله ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وقوله في أول الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] وقد قيل إن ذلك كان في صباه وفي أول ما عقل، والأول أصح وأبين والله ﷾ أعلم.
فصل
في وحدانية الله ﷿ وأسمائه
وما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله
فالله ﵎ إله واحد قديم بصفاته العلى وأسمائه الحسنى لا أول لوجوده، وباق أبدا إلى غير غاية ولا انتهاء، تعالى عن مشابهة المخلوقات، وارتفع عن مماثلة المحدثات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وردت بذلك كله النصوص عن الرسول - ﵊ -، ودلت عليه دلائل العقول.
فمن أدلة العقول على أنه واحد أنهما لو كانا اثنين فأكثر لجاز أن يختلفا، وإذا اختلفا لم يخل ذلك من ثلاثة أقسام لا رابع لها. أحدها أن يتم مرادهما جميعا، والثاني أن لا يتم مرادهما جميعا، والثالث أن يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر. فيستحيل منها وجهان وهو أن يتم مرادهما جميعا، وأن لا يتم مراد
[ ١ / ١٧ ]
واحد منهما؛ لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته فتمت إرادتهما جميعا لكان الجسم حيا ميتا في حال واحد، ولو لم تتم إرادة واحد منهما لكان الجسم لا حيا ولا ميتا في حال واحد، وهذا من المستحيل في العقل، فلم يبق إلا أن يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر. فالذي تتم إرادته هو الله القادر، والذي لم تتم إرادته ليس بإله لأنه عاجز مغلوب. وهذا الدليل يسمونه دليل التمانع، وقد نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وبقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
ومن أدلة العقول على أنه قديم أنه لو كان محدثا لوجب أن يكون له محدث، إذ لو جاز وجود محدث دون محدث لجاز وجود كتابة دون كاتب وبناء دون بان، وهذا من المستحيل في العقل. وكذلك القول في محدثه ومحدث محدثه حتى يستند ذلك إلى محدث أول لا محدث له وهو الله رب العالمين. فصل ومن أسمائه التي دلت دلائل العقول على استحقاقه لها كونه حيا عالما قادرا مريدا.
فمن أدلة العقول: على أنه عالم قادر مريد كونه خالقا لجميع المخلوقات مخرجا لها من العدم إلى الوجود. فلو لم يكن قادرا لما تأتى له الفعل؛ لأن الفعل لا يتأتى إلا لقادر. وقد نبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، ولو لم يكن عالما لما ميز ما يوجده ويخلقه مما لا يوجده ولا يخلقه، ولاشتبهت عليه صفات المخلوقات على اختلاف أجناسها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد نبه الله تعالى
[ ١ / ١٨ ]
على هذا الدليل بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ولو لم يكن مريدا لما صح تقدم المتقدم من الحوادث والمخلوقات على المتأخر منها ولا تأخر المتأخر منها على المتقدم، إذ ليس المتقدم بأولى بالتقدم من المتأخر ولا المتأخر بأولى بالتأخر من المتقدم، ولما صح اختصاص كل جنس منها بصفته دون صفة صاحبه لاحتماله صفة صاحبه. فعلمنا بهذا أن المتقدم إنما تقدم على المتأخر وأن المتأخر إنما تأخر عن المتقدم وأن كل جنس من الأجناس إنما اختص بصفته دون صفة صاحبه بقصد الفاعل إلى ذلك وإرادته له. وقد نبه الله ﵎ أيضا على هذا الدليل بقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].
فصل
وإذا علمنا أنه عالم قادر مريد علمنا أنه حي لاستحالة وجود العلم والقدرة والإرادة من الموات. وقد نبه الله ﵎ على هذا وأعلم به بقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٢ - ٣] يريد ﷿ من الكتب المنزلة على من قبله من الأنبياء، ومثل هذا في القرآن كثير. وإذا علمنا أنه حي عالم قادر مريد علمنا أنه سميع بصير متكلم مدرك لجميع المدركات من المشمومات والمذوقات والملموسات، لاستحالة خلوه منها، إذ لو خلا منها لكان موصوفا بضدها، وأضدادها نقائص يستحيل وجودها به
[ ١ / ١٩ ]
تعالى. إذ لو جازت عليه صفات النقص وصفات الكمال لما اختص بإحداهما دون صاحبتها إلا بمخصص يخصصه بها وذلك باطل. وإذا علمنا أنه حي مريد عالم قادر سميع بصير متكلم مدرك لجميع المدركات علمنا أن له علما وحياة وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا وكلاما وإدراكا يدرك به جميع الملموسات، وإدراكا يدرك به جميع المذوقات، وإدراكا يدرك به جميع المشمومات، لاستحالة وجود حي بلا حياة، وعالم بلا علم، وقادر بلا قدرة، ومريد بلا إرادة، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، ومتكلم بلا كلام، ومدرك بلا إدراك.
فصل
فهذه عشر من صفات ذاته تعالى لا تفارقه ولا تغايره، تدرك من جهة العقل ومن جهة السمع، ولا اختلاف فيها بين أحد من أهل السنة. وأما ما وصف به نفسه تعالى في كتابه من أن له وجها ويدين وعينين فلا مجال للعقل في ذلك، وإنما يعلم من جهة السمع، فيجب اعتقاد ذلك والإيمان به من غير تكييف ولا تحديد، إذ ليس بذي جسم ولا جارحة ولا صورة. هذا قول المحققين من المتكلمين. وقد توقف كثير من الشيوخ عن إثبات هذه الصفات الخمس وقالوا لا يجوز أن يثبت في صفات الله تعالى ما لا يعلم بضرورة العقل ولا بدليله، وتأولوها على غير ظاهرها فقالوا المراد بالوجه الذات كما يقال وجه الطريق ووجه الأمر أي ذاته ونفسه. والمراد بالعينين [إدراك المرئيات، والمراد باليدين] النعمتان. وقَوْله تَعَالَى: ﴿بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، أي ليدي لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض والصواب قول المحققين الذين أثبتوها صفات لذاته تعالى، فعلى هذا تأتي صفات ذاته تعالى خمس عشرة صفة.
[ ١ / ٢٠ ]
واختلفوا فيما وصف به نفسه من الاستواء على العرش، فمنهم من قال إنها صفة فعل بمعنى أنه فعل في العرش فعلا سمى به نفسه مستويا على العرش. ومنهم من قال إنها صفة ذات من العلو، وإن قوله استوى بمعنى علا، كما يقال استوى على الفرس بمعنى علا عليه. وأما من قال إن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أخطأ؛ لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة والمقاهرة، والله يتعالى عن أن يغالبه أحد. وحمل الاستواء على العلو والارتفاع أولى ما قيل، كما يقال استوت الشمس في كبد السماء أي علت، ولا يمتنع أن يكون صفة ذات وإن لم يصح وصفه تعالى بها إلا بعد وجود العرش كما لا يوصف بأنه غير لما غايره إلا بعد وجود سواه. واختلفوا أيضا في القدم والبقاء، فمنهم من أثبتهما صفتين، ومنهم من نفى أن يكونا صفتين وقال إنه قديم لنفسه وباق لنفسه لا لمعنى موجود به. والذي عليه الأكثر والمحققون إثبات البقاء ونفي القدم. فصل وأما صفات أفعاله تعالى فكثيرة. منها التفضل والإنعام والإحسان والخلق والإماتة والإحياء وما أشبه ذلك. فصل وكذلك أسماؤه تعالى كثيرة. قال رسول الله - ﷺ -: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» وهي تنقسم على أربعة أقسام: (قسم)
[ ١ / ٢١ ]
منها راجع إلى نفسه وذاته كشيء وموجود وغير لما غايره وخلاف لما خالفه وقديم وباق على مذهب من قال من أهل السنة إنه قديم لنفسه وباق لنفسه وما أشبه ذلك. (وقسم) منها راجع إلى صفة ذاته كحي وعالم وقدير وسميع وبصير وما أشبه ذلك. (وقسم) منها راجع إلى نفي النقائص عنه تعالى كغني وقدوس وسلام وكبير وعظيم ووكيل وجليل؛ لأن معنى غني لا يحتاج إلى أحد، والقدوس الطاهر من العيوب، والسلام السالم من العيوب، والكبير والعظيم الذي لا يقع عليه مقدار لعظمته وكبره، والجليل الذي جل عن أن تجري عليه النقائص، والوكيل إنما تسمى الرب به لما كانت المنافع في أفعاله لغيره، إذ لا تلحقه المنافع والمضار، فهو على هذا التأويل راجع إلى نفي نقيصة. ويحتمل أن يكون الوكيل بمعنى الرقيب والشهيد، فيرجع ذلك إلى معنى العالم. (وقسم) منها راجع إلى صفة فعله كخالق ورازق ومحيي ومميت وما أشبه ذلك. فصل ولا يجوز أن يسمى الله تعالى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله - ﷺ - وأجمعت الأمة عليه، هذا قول أبي الحسن الأشعري. وذهب القاضي أبو بكر بن الباقلاني إلى أنه يجوز أن يسمى الله تعالى بكل ما يرجع إلى ما يجوز في صفته مثل سيد وجليل وجميل وحنان وما أشبه ذلك، ما لم يكن ذلك الجائز في صفته مما أجمعت الأمة على أن تسميته به لا تجوز مثل عاقل وفقيه وسخي وما أشبه ذلك. وإلى القول الأول ذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فقد سئل في رواية أشهب عنه من العتبية عن الرجل يدعو بيا سيدي فكرهه وقال أحب إلي أن يدعو بما في القرآن وبما دعت به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وكره الدعاء بيا حنان. فصل فأما ما لا يجوز في صفته تعالى فلا يجوز باتفاق أن يسمى الله تعالى به وإن كان الله ﷿ قد وصف نفسه بالفعل المشتق منه ذلك الاسم، نحو قوله:
[ ١ / ٢٢ ]
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]؛ فلا يقال يا مستهزئ ولا يا ساخر؛ لأن ما يستحيل في صفته تعالى فلا يجوز أن يجري عليه منه إلا قدر ما أطلقه السمع عليه مع الاعتقاد بأنه على ما يجب كونه تعالى عليه من صفاته الجائزة عليه. واختلف في وقور وصبور، فذهب القاضي أبو بكر إلى أنه لا يجوز أن يسمى الله تعالى بهما لأن الوقور الذي يترك العجلة بدفع ما يضره، والصبور الذي يصبر على ما يصيبه من الأذى، وذلك ما لا يجوز في صفته تعالى. ومن أجاز ذلك على أحد المذهبين فإنما يرجع معناهما إلى الحلم. فصل ولا يجوز عليه تعالى ما يجوز على الجواهر والأجسام من الحركة والسكون والزوال والانتقال والتغير والمنافع والمضار، ولا تحويه الأمكنة ولا تحيط به الأزمنة. فصل فإذا علمنا الله ﵎ على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله وما يجوز عليه مما لا يجوز، عرفنا صحة نبوة الأنبياء - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بما أظهره الله تعالى على أيديهم من المعجزات؛ لأن المعجزة لا تكون إلا من الله تعالى. فإذا أظهرها على يدي من يدعي الرسالة عليه فهي بمنزلة قَوْله تَعَالَى صدق رسولي. ولا يصح عليه تعالى أن يصدق إلا صادقا؛ لأنه لو صدق كاذبا لكان كاذبا، والكذب مستحيل عليه تعالى؛ لأنها صفة نقص، وصفات النقص لا تجوز عليه تعالى، ولا تليق به ﷾ على ما قلناه وبيناه. فصل وإذا علمنا صحة نبوة الأنبياء - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - علمنا صدقهم فيما
[ ١ / ٢٣ ]
جاءوا به عن الله ﵎ من الشرائع وغيرها، وأنه أوجب على عباده أن يؤمنوا به ويوحدوه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئا؛ لأنه قال في كتابه الذي أنزل على رسوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣]، وقال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢] ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٣] ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤] ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. والأمر على الوجوب. ومن قال من أصحابنا إن الأمر ليس على الوجوب فقد وافقنا على أن الأمر بالإيمان على الوجوب لما اقترن به من الإجماع. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وهذا في القرآن كثير. وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فإنها آية عامة وليست على عمومها. والمراد بها السعداء من الجن والإنس لأنهم هم الذين خلقهم الله تعالى لعبادته، وأما الأشقياء منهم فإنما خلقهم لما يسرهم له واستعملهم به من الكفر والضلال. قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]،
[ ١ / ٢٤ ]
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]، وقال النبي - ﵊ -: «كل ميسر لما خلق له». وجاء في الحديث «أن رجلا من مزينة أتى النبي - ﵊ - فقال يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون، فقال: بل شيء قضي عليهم ومضى، قال فلم نعمل إذا قال من خلقه الله لواحدة من المنزلتين فهو يستعمل لها». وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]. وقد قيل إن معنى الآية وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي. وقيل معناها ليذعنوا لي بالعبودية ويعترفوا لي بالربوبية؛ لأن معنى العبادة التذلل للمعبود. فكل الخلق على هذا التأويل متذلل لأمر الله مذعن لقضائه لأنه جار عليه لا قدرة له على الامتناع منه إذا نزل به. وإن خالف الكافر أمر الله تعالى فيما أمره به من الإيمان والطاعة فالتذلل لقضاء الله الجاري عليه موجود منه.
فصل
وحكم الله تعالى أن لا يعذب الخلق على ترك ما أمرهم به وإتيان ما نهاهم عنه إلا بعد إقامة الحجة عليهم ببعثة الرسل إليهم. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ - قَالُوا بَلَى﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وقال ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ فبعث الله ﷿ في كل أمة رسولا بما أوجب عليهم من الإيمان به والانقياد لعبادته والتزام طاعته واجتناب معصيته، فكان من آخر المرسلين
[ ١ / ٢٥ ]
بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، نبينا محمد - ﷺ - سيد المرسلين وأمين رب العالمين وأكرم البشر وأفضل الأنبياء والرسل، بعثه الله إلى الخلق كافة كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] بالمعجزات التي دلت على نبوته، وأوجبت العلم بصحة رسالته، فدعا إلى الإسلام والإيمان، ونهى عن عبادة غير الرحمن، وبين مجمل التنزيل، ودل على طرق العلم ووجوه التأويل؛ لأن الله تعالى فصل كتابه فجعل منه نصا جليا ومتشابها خفيا ابتلاء واختبارا ليرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات بتدبرهم آياته واعتبارهم بها واستنباطهم منها الأحكام التي فرض الله عليهم امتثالها وتعبدهم بها؛ لأنه تعالى رد إليهم الأمر في ذلك بعد الرسول - ﵊ - فقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فجعل المستنبط من الكتاب علما والمصير إليه عند عدم النص والإجماع فرضا.
فصل في الطريق إلى معرفة أحكام الشرائع
فأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة أوجه، أحدها كتاب الله ﷿ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والثاني سنة نبيه - ﵊ - الذي قرن الله تعالى طاعته بطاعته وأمرنا باتباع سنته فقال ﷿: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]
[ ١ / ٢٦ ]
والحكمة السنة. وقال. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. والثالث الإجماع الذي دل تعالى على صحته بقوله. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]؛ لأنه ﷿ توعد باتباع غير سبيل المؤمنين فكان ذلك أمرا واجبا باتباع سبيلهم. وقال رسول الله - ﷺ -. «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، والرابع الاستنباط وهو القياس على هذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع؛ لأن الله تعالى جعل المستنبط من ذلك علما وأوجب الحكم به فرضا فقال ﷿: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقال ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] أي بما أراك فيه من الاستنباط والقياس؛ لأن الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
فصل
فإذا ثبت هذا فالكتاب ينقسم إلى قسمين مجاز وحقيقة.
فالمجاز: ما تجوز به في اللفظ عن موضوعه، وهو في القرآن كثير، ينقسم على أربعة أضرب: زيادة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. ونقصان كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]،
[ ١ / ٢٧ ]
وقوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. وتقديم وتأخير كقوله: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥]، وإنما تقدير الكلام وحقيقته أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء. واستعارة كقوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] والإيمان لا يأمر في الحقيقة، وكقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، والصلاة لا تنهى في الحقيقة، وكقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] والموات لا تصح منه الإرادة، وكقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] والذل لا جناح له في الحقيقة، وهو في القرآن كثير أكثر من أن يحصى عددا. وقد ذكر ابن خويز منداد من أصحابنا أن القرآن لا مجاز فيه. وحجته أن القرآن حق، ومحال أن يكون حقا ما ليس بحقيقة. وهو خطأ واضح؛ لأن الحق ليس من الحقيقة بسبيل؛ لأن الحق ضد الباطل، والحقيقة ضد المجاز. وقد يؤتى بحقيقة اللفظ ويكون الكلام باطلا ويؤتى بالمجاز فيه ويكون الكلام حقا نحو لو رأيت رجلا قد قاتل فأبلى بلاء عظيما فقلت رأيت اليوم أسدا قاتل فأبلى بلاء عظيما كنت قد قلت الحق ولم تأت بالحقيقة في اللفظ إذ عبرت عن الرجل بالأسد وليس بأسد على الحقيقة. ولو قلت قاتل فلان اليوم قتالا شديدا وهو لم يفعل لكنت قد قلت الباطل وأتيت بحقيقة اللفظ دون تجوز فيه.
فصل
والحقيقة تنقسم على قسمين: مفصل ومجمل.
[ ١ / ٢٨ ]
فأما المجمل فهو ما لا يفهم المراد به من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فلا يفهم من لفظ الحق جنسه ولا مقداره إلا بعد البيان ومثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قد قيل في هذه الآيات إنها عامة وليست بمجملة، والصحيح أنها مجملة، وهو مذهب مالك - ﵀ - فقد قال الحج كله في كتاب الله، والصلاة والزكاة ليس لهما في كتاب الله بيان، ورسول الله - ﷺ - بين ذلك.
وأما المفصل فإنه ينقسم على وجهين محكم ومنسوخ.
فالمنسوخ: ما نسخ حكمه وبقي خطه، وهو في القرآن كثير، مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣]، ومثل قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]. ثم نسخ ذلك بالآية التي بعدها.
وأما المحكم: فإنه ما لم ينسخ، وهو ينقسم على قسمين محتمل وغير محتمل. فأما غير المحتمل فهو النص، وحده ما رقي في بيانه إلى أبعد غاية، مأخوذ من النص في السير وهو أبعده، وقيل إنه مأخوذ من منصة العروس التي ترفع عليها لتجلى للناس، وذلك مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]،
[ ١ / ٢٩ ]
فهو نص في الثلاثة لا يحتمل غير ذلك، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، و﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢].
فصل
ويجري مجرى النص عندنا ما عرف المراد به من جهة عرف التخاطب وإن لم يكن نصا، نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، إذ ليس بنص في تحريم وطء الأمهات ولا بنص في تحريم أكل الميتة وإنما هو مجاز لأنه علق التحريم في الأمهات وسائر المحرمات على الأعيان، والمراد به تحريم الأفعال في الأعيان؛ لأن اللفظ إذا كثر استعماله فيما هو مجاز خرج عن حد المجاز ولحق بالمفصل لفهم المراد به من جهة عرف التخاطب، نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، ونحو ذلك. فقد علم وفهم من لغة العرب أن التحريم والتحليل إذا علق على عين من الأعيان فالمراد به تحريم الفعل المقصود [منه] فالمقصود من الميتة أكلها، والمقصود من النساء الاستمتاع بهن بالوطء فما دونه، وهو الذي وقع عليه التحريم دون ما سواه؛ لأنه الفعل المقصود منه. وإن قال له حرمت عليك الفرس فهم منه تحريم ركوبه لأنه المقصود منه، وإن قال حرمت عليك الجارية فهم منه تحريم الوطء.
فصل
وقد ادعى بعض أصحاب أبي حنيفة الإجمال في ذلك وليس بصحيح
[ ١ / ٣٠ ]
لما قدمناه ومثله قول النبي - ﵊ -: «إنما الأعمال بالنيات»، وقوله - ﷺ -: «لا صلاة إلا بطهور»، وقوله - ﷺ -: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»، فإنه قد ادعى بعض أصحاب أبي حنيفة في ذلك الإجمال وذهب إلى ذلك القاضي أبو بكر، والصحيح ما قدمناه لأنه يعرف بعرف التخاطب أن المراد بذلك نفي الانتفاع بالعمل دون نية لا نفي العمل بعد وقوعه وحصوله.
فصل
وأما لحن الخطاب فهو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به نحو قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، معناه فأفطر فعدة من أيام أخر. وقَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، معناه فحنثتم، فيجري مجرى النص سواء عند الجميع. وكذلك فحوى الخطاب مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] يفهم منه المنع من الضرب والشتم ويجري مجرى النص سواء في وجوب العمل به عند الجميع ولا خلاف في ذلك.
فصل
وأما المحتمل فإنه ينقسم على قسمين، أحدهما أن لا يكون أحد محتملاته
[ ١ / ٣١ ]
أظهر من الآخر. والثاني أن يكون أحد محتملاته أظهر من الآخر. فأما القسم الأول وهو أن لا يكون أحد محتملاته أظهر من الآخر فإنه يجري مجرى المجمل في أنه لا يصح امتثال الأمر به إلا بعد البيان. وأما القسم. الآخر وهو أن يكون بعض محتملاته أظهر من الآخر، نحو الأوامر التي ترد والمراد بها الوجوب والندب والإباحة والتعجب إلا أنها أظهر في الوجوب عند أكثر أصحابنا فتحمل عليه، ونحو ألفاظ العموم فإنها قد ترد والمراد بها الخصوص، وترد والمراد بها العموم، إلا أنها في العموم أظهر فتحمل عليه عند أكثر أصحابنا حتى يدل الدليل على تخصيصها. ويندرج تحت هذا النحو من الخطاب الحكم بالقياس لأنا قد استدللنا عليه بعموم قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وما أشبه ذلك أيضا من الألفاظ. ومن ذلك أيضا ألفاظ الحصر مثل إنما وما أشبه ذلك، الظاهر منها أنها ترد لتحقيق الحكم في المنصوص عليه ونفيه عما سواه فيحمل على ذلك، وإن كانت قد ترد لإيجاب الحكم في المنصوص عليه لا لنفيه عما سواه.
فصل
والسنة تنقسم على أربعة أقسام:
سنة لا يردها إلا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهي ما نقل بالتواتر فحصل العلم به ضرورة، كتحريم الخمر، وأن الصلوات خمس، وأن رسول الله - ﷺ - أمر بالأذان، وأن القبلة هي الكعبة وما أشبه ذلك.
وسنة لا يردها إلا أهل الزيغ والتعطيل، إذ قد أجمع أهل السنة على تصحيحها وتأويلها، كأحاديث الشفاعة والرؤية وعذاب القبر وما أشبه ذلك.
وسنة توجب العلم والعمل وإن خالف فيها مخالفون من أهل السنة، وذلك نحو الأحاديث في المسح على الخفين وأن ما دون المسكر من الأنبذة حرام.
[ ١ / ٣٢ ]
وسنة توجب العمل ولا توجب العلم، وهو ما ينقله الثقة عن الثقة، وهو كثير في كل نوع من أنواع الشرائع، وهو نحو ما أمر الله به من الحكم بشهادة الشاهدين العدلين وإن كان الكذب والوهم جائزا عليهما فيما شهدا به.
فصل
والإجماع لا يصدر إلا عن دليل، إما توقيف عن النبي - ﵊ -، وإما استدلال من الكتاب والسنة، وإما اجتهاد، كنحو إجماعهم على جلد شارب الخمر وما أشبه ذلك. وهو ينقسم على قسمين: فمنه ما يجتمع فيه العلماء والعامة كالوضوء والصلاة والزكاة والصيام. ومنه ما يجتمع عليه العلماء دون العامة غير أن العامة مجمعة على أن ما اجتمعت عليه العلماء من ذلك فهو الحق وهو فروع العبادات وأحكام الطلاق والحدود وما أشبه ذلك.
فصل في وجوب الحكم بالقياس
وأما الاستنباط وهو القياس فالتعبد به جائز في العقل واجب في الشرع. والذي يدل على أنه أصل من أصول الشرع الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار تمثيل الشيء بالشيء وإجراء حكمه عليه. روي عن ثعلب أنه فسر قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] بأن المراد به القياس وقال الاعتبار هو القياس وهو ممن يعول على قوله في اللغة والنقل عن العرب. ودليل آخر من الكتاب وهو أن الله تعالى كلفنا تنفيذ الأحكام وأعلمنا أن جميع ذلك في القرآن بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فلما لم توجد
[ ١ / ٣٣ ]
جميع الأحكام في القرآن نصا علمنا أنه أراد أنه نص على بعضها وأحال على الاستنباط و[هو] القياس في سائرها. فمن منع من الاستنباط وهو القياس فقد كذب بقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] إذ لا يجوز له أن يدعي أنه نص على جميع الأحكام في القرآن نصا. ودليل آخر من الكتاب وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فوبخهم على إنكارهم النشأة الثانية مع أن لهم طريقا إلى معرفتها وهو القياس على النشأة الأولى التي يقرون بها وهي في معناها. ومثل ذلك: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] ومثله في القرآن كثير.
وأما السنن الواردة في ذلك عن النبي - ﵊ - فكثيرة أيضا ترفع العذر وتوجب القطع عن النبي - ﵊ - بالحكم بالرأي والاجتهاد وإقرار أصحابه على ذلك في زمنه ومع وجوده ونزول الوحي، فكيف به اليوم بعد موت النبي - ﷺ - وانقطاع الوحي. ومن ذلك «الخبر المشهور لمعاذ بن جبل حين أنفذه إلى اليمن حاكما فقال له بم تحكم قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد قال فبسنة رسوله، قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي. قال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي رسوله.» ومن ذلك «قوله للخثعمية: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى» فقاس رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ٣٤ ]
وجوب قضاء دين الخالق على وجوب قضاء دين المخلوق. وقال - ﷺ - في لحوم الأضاحي: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم» فأعلمهم بالعلة ليعتبروها. وهذا نص منه على وجوب الحكم بالقياس. «وسئل رسول الله - ﷺ - عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس فقالوا نعم، فقال فلا إذا». ففي سؤاله إياهم هل ينقص الرطب إذا يبس دليل واضح على أنه إنما أراد بذلك تنبيههم على العلة في بيع الرطب بالتمر وتوقيفهم عليها ليعتبروها حيثما وجدوها، إذ لا جائز أن يكون النبي - ﷺ - يجهل أن الرطب إذا يبس ينقص، وإنما أراد أن يعلمهم أن معنى نهيه عن بيع التمر بالتمر متفاضلا موجود في بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل، وهذا بين. وروت أم سلمة أن النبي - ﵊ - قال: «إني أقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل به وحي». ومصداق هذا الخبر في كتاب الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فصل
وأما الإجماع في ذلك فمعلوم حصوله وتقرره قبل خلق أهل الظاهر القائلين بنفيه. والدليل على ذلك أن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اختلفوا في أشياء كثيرة كتوريث الجد والعول في الفرائض وديات الأسنان وما أشبه ذلك، واحتج كل
[ ١ / ٣٥ ]
واحد منهم على صاحبه لمذهبه بالقياس وشاع ذلك بينهم وذاع من غير نكير، ولو كان باطلا ومنكرا لتسارعوا إلى إنكاره على ما وصفهم الله تعالى به في كتابه حيث يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ولو لم يوجد في ذلك إلا حديث عمر في أمر الوباء لصح به الإجماع، ووجب له الانقياد والاتباع، حين خرج إلى الشام بأصحاب النبي - ﷺ - فلما كان بسرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا عليه، فمنهم من قال له: أرى أن لا تفر من قدر الله، ومنهم من قال له: لا تقدم ببقية أصحاب رسول الله - ﷺ - على هذا الوباء. ثم دعا الأنصار فاختلفوا كاختلاف المهاجرين قبلهم. ثم دعا من حضر من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فلم يختلفوا عليه وأمروه بالرجوع، ولم يكن منهم أحد ذكر في ذلك آية من كتاب الله ولا حديثا عن رسول الله - ﷺ -، بل أشار كل واحد منهم عليه برأيه وما أداه اجتهاده إليه، ولم ينكر عليه أحد فعله، فقال عمر: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر، أرأيت لو كان لك إبل في واد له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله؟ فاعترض عليه أبو عبيدة بالرأي وجاوبه عمر بالرأي والقياس، ولم يحتج أحدهما في ذلك بكتاب ولا سنة ولا إجماع. ثم شاعت هذه القضية وذاعت ولم يكن في المسلمين من أنكر على واحد منهم القول فيها بالرأي، وما أعلم مسألة يدعى الإجماع فيها أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة، والتوفيق من عند الله.
فصل
فطريق التعبد به السمع من الكتاب والسنة وإجماع الأمة دون دلالة العقول
[ ١ / ٣٦ ]
على ما قدمناه. وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه واجب بالعقل، وأن الشرع ورد بتأكيد ما في العقل منه، ولو لم يرد فيه شرع لاكتفي بإيجاب العقل له. والصحيح أن العقل لا حظر فيه ولا إباحة.
فصل
وإنما منع من الحكم بالقياس أهل التعطيل والزيغ، فقال منهم قائلون إنه محال لا يصح ورود الشرع به، وقال داود وابنه ليس من المستحيل، ولو ورد في الشرع لكان جائزا ولكنه لم يرد به شرع. فمنهم من يدعي أنه لا نازلة إلا وفي الكتاب عليها نص، ومن بلغ هذا الحد فقد سقط تكليمه لأنه عاند الحق وجحد الضرورة، وإن كلمناه مسامحة أوردنا عليه نوازل مثل العول في الفرائض وتقدير أروش الجنايات، وتقويم المتلفات، ومقاسمة الجد الإخوة والأخوات، ومثل ثوب أطارته الريح في قدر صباغ، ودينار وقع في مجمرة رجل وما أشبه ذلك، وطالبناه بالنص على ذلك من الكتاب فلا شك في عجزه عن ذلك. والحذاق منهم يقرون أن النص لم يحط بجميع أحكام النوازل، وأن منها عفوا مسكوتا عنه لا حكم لله فيه، وأنه قد بين في الكتاب والسنة أنه لا حكم لله فيما سكت عنه. وقائل هذه المقالة لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يحكم في هذه النوازل عند نزولها بهواه فيقع في أشد مما أنكر علينا؛ لأنا لا نحكم فيها بالهوى وإنما نحكم فيها بأدلة الشرع؛ لأن الله تعالى قد نهى عن الحكم به فقال: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. وإما أن يترك الحكم فيها فيؤول ذلك إلى إبطال الأحكام ووقوع الحرب والقتال، وهو باطل بإجماع. ومنهم من يقول إن ما لا نص فيه فهو باق على حكم العقل من حظر وإباحة كل على مذهبه، وهذا باطل، إذ لا يمكن من جهته
[ ١ / ٣٧ ]
تنفيذ الأحكام، ولو أمكن ذلك لما صح اعتقاده لأنه يبطل فائدة قول الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
فصل
فالقياس هو حمل الفرع على الأصل في إثبات الحكم أو إسقاطه لعلة يدل الدليل على أن الحكم إنما ثبت في الأصل أو سقط منه لتلك العلة، وتكون تلك العلة موجودة في الفرع فيقتضي ذلك إلحاقه بالأصل في إثبات ذلك الحكم فيه أو إسقاطه منه.
فصل
فإذا علم الحكم في الفرع صار أصلا وجاز القياس عليه بعلة أخرى مستنبطة منه، وإنما سمي فرعا ما دام مترددا بين الأصلين لم يثبت له الحكم بعد. وكذلك إذا قيس على ذلك الفرع بعد أن ثبت أصلا بثبوت الحكم فيه فرع آخر بعلة مستنبطة منه أيضا فثبت الحكم فيه صار أصلا وجاز القياس عليه إلى ما لا نهاية له. وليس كما يقول بعض من يجهل أن المسائل فروع فلا يصح قياس بعضها على بعض، وإنما يصح القياس على الكتاب والسنة والإجماع. وهذا خطأ بين، إذ الكتاب والسنة والإجماع هي أصول أدلة الشرع، فالقياس عليها أولى، ولا يصبح القياس على ما استنبط منها إلا بعد تعذر القياس عليها. فإذا نزلت النازلة ولم توجد لا في الكتاب ولا في السنة ولا فيما أجمعت عليه الأمة نصا ولا وجد في شيء من ذلك كله علة تجمع بينه وبين النازلة ووجد ذلك فيما استنبط منها أو فيما استنبط مما استنبط منها وجب القياس على ذلك.
فصل
واعلم أن هذا المعنى مما اتفق عليه مالك وأصحابه ولم يختلفوا فيه على
[ ١ / ٣٨ ]
ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على بعض، وهو صحيح في المعنى وإن خالف فيه مخالفون؛ لأن الكتاب والسنة والإجماع أصل في الأحكام الشرعيات كما أن علم الضرورة أصل في العلوم العقليات. فكما بني العلم العقلي على علم الضرورة أو على ما بني على علم الضرورة هكذا أبدا من غير حصر بعدد على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب. ولا يصح أن يبنى الأقرب على الأبعد، فكذلك العلوم السمعيات تبنى على الكتاب والسنة وإجماع الأمة أو على ما بني عليها أو ما بني على ما بني عليها بصحته هكذا أبدا إلى غير نهاية على ترتيب ونظام الأقرب على الأقرب ولا يصح بناء الأقرب على الأبعد. مثال هذا الذي ذكرناه أني أعلم نفسي ضرورة، فإذا علمتها ضرورة نظرت هل أنا محدث أو قديم، فعلمت بالنظر أني محدث. ولا يصح أن أنظر هذا النظر قبل علمي بوجود نفسي، فعلمي بأني محدث علم نظري مبني على علم الضرورة، فإذا علمت أني محدث نظرت هل لي محدث أم لا، فعلمت بالنظر أن لي محدثا، فالعلم بأن لي محدثا علم نظري مبني على علم نظري مبني على علم الضرورة. فإذا علمت بأن لي محدثا نظرت هل محدثي قديم أو محدث فعلمت بالنظر أنه قديم وهو الله رب العالمين. فعلمي بأنه قديم علم نظري مبني على علم نظري وهو أن لي محدثا، والعلم بأن لي محدثا مبني على علم نظري وهو العلم بحدوثي، والعلم بحدوثي مبني على علم الضرورة وهو العلم بوجود نفسي.
فصل
والعلة الشرعية لا توجب الحكم في الأصل بنفسها وإنما توجبه بجعل صاحب الشرع لها علة. مثال ذلك أن السكر قد كان موجودا في الخمر ولم يدل
[ ١ / ٣٩ ]
ذلك على تحريمها حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها، فليست علة على الحقيقة، وإنما هي أمارة على الحكم وعلامة عليه.
فصل
والذي يدل على صحة العلة في الأصل الكتاب والسنة وإجماع الأمة والتأثير وشهادة الأصول. والتأثير هو أن يعدم الحكم بعدم العلة في موضع ما. وشهادة الأصول هو مثل أن يستدل المالكي على الحنفي بأن القهقهة لا تنقض الوضوء في الصلاة كما لا تنقضه قبل الصلاة كالكلام فيطالب عن صحة العلة فيقول الأصول متفقة على التسوية بين الأمرين.
فصل
وهذا كله يرجع إلى وجهين:
أحدهما: أن تكون العلة معلومة قد ثبتت بدليل قاطع لا يحتمل التأويل من نص، كقول النبي - ﵊ -: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم». أو تنبيه كقوله: «أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا» أو دليل أولى كنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه يدل على أن العمياء بذلك أولى. أو مفهوم من اللفظ من غير جهة الأولى كنهيه عن البول في الماء الدائم والأمر بإراقة السمن الذائب إذا ماتت فيه فأرة؛ لأن هذا يعرف من لفظه أن الدم مثل البول وأن الزيت مثل السمن الذائب. أو إجماع كإجماعهم على أن حد العبد إنما نقص لرقه وما أشبه ذلك. وهذا كله هو القياس الجلي، وإن كان بعضه أجلى من بعض.
والثاني: أن تكون العلة مظنونة غير معلومة إذا لم تثبت بدليل قاطع لا
[ ١ / ٤٠ ]
يحتمل التأويل كنحو ما عرف بالاستنباط وحمل عليه التأثير كالشدة المطربة في الخمر، فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال بزوالها دل على أنها هي العلة، ولا يقطع على ذلك؛ لأن أبا حنيفة يقول إنما حرمت لاسمها. وهو محتمل؛ لأن الاسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها. وكنحو علة الربا التي اختلف فيها الفقهاء وفي أوصافها وشروطها، فذهب كثير من المالكيين إلى أنها كون الجنس الواحد مطعوما مدخرا مقتاتا أو مصلحا للقوت. وزاد بعضهم في صفات العلة أصلا للمعاش غالبا. وذهب كثير من الشافعيين إلى أن الطعم بانفراده هو العلة حتى حرم التفاضل في السقمونيا والطين الأرميني. وذهب الحنفيون إلى أن العلة فيه الكيل والوزن. فكل واحد من هؤلاء الفقهاء يغلب على ظنه ترجيح علته على علة صاحبه، وما منهم أحد يعلم أنها العلة ولا يدعي أن له عليها نصا من الكتاب أو السنة أو ما يقوم مقام النص من التنبيه. وإنما الدليل عليها عنده غلبة ظنه على صحتها فهي مظنونة والحكم بها إذا غلب على الظن صحتها معلوم مقطوع على وجوبه. وهذا النوع من القياس هو القياس الخفي. وكذلك العلة المنصوص عليها مظنونة أيضا إذا جاء النص عليها في السنة من طريق الآحاد والحكم بها معلوم. مثال هذا الذي ذكرناه وبيناه شهادة الشاهدين لا يقطع على عدالتهما وإنما يقال إنهما عدلان لغالب الظن. فإذا غلب على ظن الحاكم عدالة الشاهدين كان الحكم عند غلبة ظنه بذلك معلوما مقطوعا عليه.
فصل
فكل قايس حامل لأحد المعلومين على الآخر بالمعنى الجامع بينهما. وقالوا إنه على ثلاثة أضرب: قياس العلة، وقياس الدلالة، وقياس الشبهة. فقياس العلة نحو قياس الأرز على البر، وقياس النبيذ على الخمر، وقياس الأكل في رمضان
[ ١ / ٤١ ]
على الجماع، بالعلة الجامعة بين كل واحد من ذلك وبين صاحبه وما أشبه ذلك. وقالوا في قياس الدلالة إن ذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة بجواز فعلها على الراحلة، فإن جوازه على الراحلة من أحكام النوافل. ومثل أن يستدل بنظير الحكم على الحكم، فيقول الصبي لا تجب الزكاة في ماله فلا يجب العشر في زرعه، ولا يلزمه الظهار فلا يلزمه الطلاق. فيستدل بربع العشر على العشر، وبالظهار على الطلاق. وقالوا في قياس الشبه إنه يحمل الفرع على الأصل بضرب من الشبه، وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين ويشبه أحدهما في ثلاثة أوصاف ويشبه الآخر في وصفين فيرد إلى أشبه الأصلين به. وذلك كالعبد يشبه الحر في أنه آدمي مخاطب مثاب معاقب ويشبه البهيمة في أنه مملوك مقوم فيلحق بما هو أشبه به. وهذان القياسان يستندان إلى العلة وإن لم يكونا قياس علة على التحقيق، وبالله تعالى التوفيق.
فصل
والقياس لا يكون إلا ما رد إلى أصل، وهو أحد أقسام الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد يقع على ما رد إلى أصل وعلى ما لم يرد إلى أصل، نحو أروش الجنايات ونفقات الزوجات وما يحمل الرجل من العاقلة من الديات وما أشبه ذلك. فكل قايس مجتهد وليس كل مجتهد قايسا، فالاجتهاد أعم من القياس. فأما الرأي فهو اعتقاد إدراك صواب الحكم الذي لم يرد فيه نص فلا يكون إلا بعد كمال الاجتهاد.
فصل
وكل ما ذكرنا من أصول الدين وأصول الفقه وأقسام الكتاب ومعاني الخطاب ووجوب العمل بالقياس وتبيين وجوهه وشرح معانيه مما يحتاج إليه ولا يستغني عنه من انتدب إلى ما ندب الله إليه في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - من التفقه في دينه والعلم بشرائعه وأحكامه.
[ ١ / ٤٢ ]
فصل
في وجوب طلب العلم
وطلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفاية كالجهاد، أوجبه الله تعالى على الجملة فقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ومن للتبعيض. فإذا قام به بعض الناس سقط الفرض عن سائرهم، إلا ما لا يسع الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته وصومه وزكاته إن كان ممن تجب عليه الزكاة، فإن ذلك واجب عليه لا يسقط عنه الفرض فيه معرفة غيره به. وكذلك من كان فيه موضع للإمامة والاجتهاد فطلب العلم عليه واجب قاله مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وقد سئل عن طلب العلم أواجب هو أم لا فقال أما على كل الناس فلا. وروي عنه أن ابن وهب كان جالسا معه فحضرت الصلاة فقام إليها فقال له: ما الذي قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه. وهذا كلام فيه نظر، كيف يكون طلب العلم على أحد أوجب عليه من صلاة الفريضة، فالمعنى في ذلك عندي إن صحت الرواية أنه أراد ما الذي قمت إليه بأوجب عليك في هذا الوقت من الذي قمت عنه؛ لأن الصلاة لا تجب بأول الوقت إلا وجوبا موسعا، فأراد - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أن اشتغاله بتقييد ما يخشى فواته من العلم آكد عليه من البدار إلى الصلاة في أول الوقت.
فصل
وكما يجب على المتعلم التعلم فكذلك يجب على العالم التعليم. قال الله ﷿: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، ويقرأ تعلمون وتعلمون بمعنى تتعلمون فتجمع القراءات الثلاث العلم والتعلم والتعليم. وقال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]،
[ ١ / ٤٣ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقال رسول الله - ﷺ -: «بلغوا عني ولو آية»، وقال - ﷺ -: «ألا ليبلغ الشاهد الغائب». وروي عن أبي ذر أنه قال لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله - ﷺ - قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها.
فصل
ولا يحصل العلم إلا بالعناية والملازمة والبحث والنصب والصبر على الطلب، كما حكى الله تعالى عن موسى - ﵊ - أنه قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] وأنه قال لفتاه: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] وقال سعيد بن المسيب إني كنت لأرحل في طلب العلم والحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين. وقال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أقمت خمس عشرة سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر مع ملازمته لغيره وكثرة عنايته، وبذلك فاق أهل عصره وسمي إمام دار الهجرة. وأقام ابن القاسم متغربا عن بلده في رحلته إلى مالك عشرين سنة حتى مات مالك - ﵀ -. ورحل سحنون أيضا إلى ابن القاسم فكان مما قرأ عليه مسائل المدونة والمختلطة ودونها فحصلت أصل علم المالكيين، وهي مقدمة على غيرها من الدواوين بعد موطأ مالك - ﵀ -. ويروى أنه ما بعد كتاب الله كتاب أصح من موطأ مالك - ﵀ -، ولا بعد الموطأ ديوان في الفقه أفيد من المدونة. والمدونة هي عند أهل الفقه ككتاب سيبويه عند أهل
[ ١ / ٤٤ ]
النحو، وككتاب إقليدس عند أهل الحساب، وموضعها من الفقه موضع أم القرآن من الصلاة، تجزئ من غيرها ولا يجزئ غيرها منها. وكانت مؤلفة على مذهب أهل العراق، فسلخ أسد بن الفرات منها الأسئلة وقدم بها المدينة ليسأل عنها مالكا - ﵀ - ويردها على مذهبه، فألفاه قد توفي، فأتى أشهب ليسأله عنها فسمعه يقول أخطأ مالك في مسألة كذا وأخطأ في مسألة كذا، فتنقصه بذلك وعابه ولم يرض قوله فيه وقال ما أشبه هذا إلا كرجل بال إلى جانب البحر فقال هذا بحر آخر، فدل على ابن القاسم فأتاه فرغب إليه في ذلك فأبى عليه، فلم يزل به حتى شرح الله صدره لما سأله فجعل يسأله مسألة مسألة، فما كان عنده فيها سماع عن مالك قال سمعت مالكا يقول فيها كذا وكذا، وما لم يكن عنده من مالك فيه إلا بلاغ قال لم أسمع من مالك في ذلك شيئا وبلغني عنه أنه قال فيها كذا وكذا، وما لم يكن عنده سماع ولا بلاغ قال لم أسمع من مالك في ذلك شيئا ولا بلغني والذي أراه فيه كذا وكذا حتى أكملها. فرجع إلى بلده بها فطلبها منه سحنون فأبى عليه فتحيل سحنون حتى صارت الكتب عنده فانتسخها ثم رحل بها إلى ابن القاسم فقرأها عليه فرجع منها من مسائل وكتب إلى أسد بن فرات أن يصلح كتابه على ما في كتاب سحنون. فأنف أسد من ذلك وأباه، فبلغ ذلك ابن القاسم فدعا عليه أن لا يبارك له فيها، وكان مجاب الدعوة، فأجيبت دعوته ولم يشتغل بكتابه ومال الناس إلى قراءة المدونة ونفع الله بها. وكان سحنون إذا حث على طلب العلم والصبر عليه تمثل بهذا البيت:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
فصل
ومن أفضل ما يستعان به على الطلب تقوى الله العظيم فإنه ﷿ يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
[ ١ / ٤٥ ]
فصل
ويجب على طالب العلم أن يخلص النية لله تعالى في طلبه، فإنه لا ينفع عمل لا نية لفاعله. قال رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». وقال - ﵊ -: «نية المؤمن خير من عمله». وقال - ﷺ -: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، ويجب عليه أيضا أن لا يريد بتعلمه الرياء والسمعة ولا عرضا من أعراض الدنيا فإن الله ﵎ يقول: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]، وقال تعالى: مَنْ ﴿كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وروي أن رهطا من أهل العراق مروا على أبي ذر فسألوه فحدثهم ثم قال لهم هل تعلمون أن هذه الأحاديث التي يبتغى بها وجه الله لن يتعلمها أحد يريد بها عرض الدنيا يجد عرف الجنة. وعرفها ريحها. وروي عن شفي الأصبحي أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد
[ ١ / ٤٦ ]
اجتمع الناس عليه فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة. قال فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فكلما سكت وخلا قلت له أنشدك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ - عقلته وعلمته، فقال أبو هريرة: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - ﷺ - وهو في هذا البيت عقلته وعلمته، ثم نشع أبو هريرة نشعة فسكت قليلا ثم أفاق فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - ﷺ - في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشع أبو هريرة نشعة أخرى ثم نكس حتى أفاق فمسح وجهه ثم قال أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - ﷺ - في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشع أبو هريرة نشعة شديدة ثم مال خارا على وجهه فاشتد به طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله - ﷺ - «أن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم فكل أمة جاثية فأول ما يدعي به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال والصدقة. فيقول الله تعالى للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول بلى يا رب، فيقول ماذا عملت فيما علمت، فيقول كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة له كذبت، ثم يقول الله له أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول بلى يا رب. فيقول فماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة له كذبت، ويقول الله له بل أردت بذلك أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك. ويؤتى بالرجل الذي قتل في سبيل الله. فيقال له في ماذا قتلت؟ فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له كذبت وتقول له الملائكة كذبت وبقول الله له بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك. ثم ضرب رسول الله - ﷺ - على ركبتيه فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم
[ ١ / ٤٧ ]
النار يوم القيامة.» وحدث شفي بهذا الحديث معاوية فقال: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس فبكى حتى ظننا أنه هالك، ثم أفاق فمسح على وجهه وقال صدق الله ورسوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦] الآية وروي عن مجاهد أنه قال في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠] إنه الرياء.
فصل
وهذا الوعيد والله أعلم إنما هو لمن كان أصل عمله الرياء والسمعة فأما من كان أصل عمله لله تعالى وعلى ذلك عقد نيته فلا تضره إن شاء الله الخطرات التي تقع بالقلب ولا تملكه. وقد سئل مالك وربيعة عن الرجل يحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن يلقى في طريق السوء فأما ربيعة فكره ذلك وأما مالك فقال إذا كان أول ذلك وأصله لله تعالى فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى قال الله ﷿: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]؛ وقال عمر بن الخطاب لابنه: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا إذ أخبره بما كان وقع في نفسه من أن الشجرة التي مثلها رسول الله - ﷺ - بالرجل المسلم وسأل أصحابه عنها فوقعوا في شجر البوادي هي النخلة. قال: فأي شيء هذا إلا هذا فإنما هذا أمر يكون في القلب لا يملك، فهذا إنما يكون من الشيطان ليمنعه من العمل، فمن وجد ذلك فلا يكسل عن التمادي في فعل الخير ولا يؤيسه من الأجر، وليدفع الشيطان عن نفسه ما استطاع ويجدد النية لذلك ولقد روي عن بعض المتقدمين أنه قال طلبنا العلم لغير الله فردنا لله. وقد روي عن النبي - ﵊ - ما يؤيد ما ذهب إليه مالك. وقع في جامع المستخرجة
[ ١ / ٤٨ ]
في سماع ابن القاسم من «رواية معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله إنه ليس من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من القتال طبيعته ومنهم من يقاتل رياء ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة فقال يا معاذ بن جبل من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة». وروي «أن رجلا قال لرسول الله - ﷺ -، يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيخفيه فيطلع عليه الناس فيسره فقال رسول الله - ﷺ - له أجر السر وأجر العلانية.
»
فصل
ويجب على من تعلم العلم أن يعمل به، فإن لم يعمل به كان حجة عليه يوم القيامة وحسرة وندامة. وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ما منكم من أحد إلا وسيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلته، ثم يقول يا ابن آدم ما غرك بي، ابن آدم ما غرك بي، ابن آدم ما عملت فيما علمت، ابن آدم ماذا أجبت المرسلين» وروي عن أبي الدرداء أنه قال: من شر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه. وقال النبي - ﵊ -: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كالثمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها»
فصل
وكان العلم في الصدر الأول والثاني في صدور الرجال، ثم انتقل إلى جلود
[ ١ / ٤٩ ]
الضأن وصارت مفاتحه في صدور الرجال، فلا بد لطالب العلم من معلم يفتح عليه ويطرق له. وقد قال بعض الحكماء: العلم يفتقر إلى خمسة أشياء متى نقص منها شيء نقص من علمه بقدر ذلك، وهي ذهن ثاقب، وشهوة باعثة، وعمر طويل، وجدة، وأستاذ. وله خمس مراتب، أولها أن تنصب وتسمع، ثم أن تسأل فتفهم ما تسمع، ثم أن تحفظ ما تفهم، ثم أن تعمل بما تعلم؟ ثم أن تعلم ما تعلم.
فصل
وطلب العلم إذا أريد به وجه الله تعالى وأخلصت النية فيه لله من أفضل أعمال البر وأجل نوافل الخير. قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]؛ جاء في التفسير أنه الفقه في دين الله. وقال رسول الله - ﷺ -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». وقال: «من سلك طريقا يطلب فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة». وروي «أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع». وقال أبو هريرة: من غدا أو
[ ١ / ٥٠ ]
راح إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما. وروي عن النبي - ﵊ - أنه قال: «ما أعمال البر كلها في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما أعمال البر كلها والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر». فنص في هذا الحديث على أن طلب العلم أفضل من الجهاد، ومعناه في الموضع الذي يكون الجهاد فيه فرضا على الكفاية إذا كان قد قيم به؛ لأنه يكون له نافلة. وأما القيام بفرض الجهاد أو الجهاد في الموضع الذي يتعين فيه الجهاد على الأعيان فلا شك أنه أفضل من طلب العلم والله أعلم. وظاهر الحديث يدل على أن طلب العلم أفضل من الصلاة. وما روي عن «النبي - ﵊ - أنه سئل عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة لأول ميقاتها» معناه في الفرائض، وأما في النوافل فطلب العلم أفضل منها على ظاهر الحديث المذكور والله أعلم.
وقد سئل مالك عن القوم يتذاكرون الفقه القعود معهم أحب إليك في ذلك أم الصلاة؟ فقال بل الصلاة. وروي عنه أن العناية بالعلم أفضل، وليس ذلك عندي اختلافا من قوله. ومعناه أن طلب العلم أفضل من الصلاة لمن ترجى إمامته، والصلاة أفضل من طلب العلم لمن لا ترجى إمامته إذا كان عنده منه ما يلزمه في خاصة نفسه من صفة وضوئه وصلاته وصيامه. وقال سحنون يلزم أثقلهما عليه.
فصل
والأجر في العناية بالعلم على قدر النية فيه. قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله تعالى قد أوقع أجره على قدر نيته». والله ﵎ قد قسم بين عباده الأعمال وتفضل عليهم بالثواب. روي أن بعض العباد كتب إلى مالك يحضه
[ ١ / ٥١ ]
على الانفراد وترك مجالسة الناس، فكتب إليه مالك يقول: إن الله قد قسم بين عباده الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصيام، ورب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الصلاة، ورب رجل فتح له في كذا ولم يفتح له في كذا فعدد أشياء ثم قال وما أظن ما أنت فيه بأفضل مما أنا فيه، وكلانا على خير إن شاء الله والسلام.
فصل
في تحرير القول في الإيمان والإسلام
ولا يصح شيء من العبادات إلا بعد الإقرار بالمعبود والتصديق به. فأول الواجبات الإيمان بالله تعالى وبوحدانيته وبما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وكل ما جاءوا به من عنده. والإيمان هو التصديق الحاصل في القلب قال الله ﷿: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمصدق لنا ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]. وأما الإسلام فهو إظهار الإيمان والإعلان به، مأخوذ من الاستسلام وهو الانقياد؛ لأن من أظهر الإيمان فقد انقاد واستسلم لجريان حكمه عليه. فكل مؤمن مسلم؛ لأن من اعتقد الإيمان في الباطن فهو معلن به في الظاهر. وليس كل مسلم مؤمنا؛ لأن المنافق والزنديق يظهران الإسلام ويعتقدان الكفر، فهما مسلمان في الظاهر كافران في الباطن. فالإسلام أعم من الإيمان. وهذا في بلد الإسلام وحيث يجب على المؤمن إظهار إيمانه ولا يحل له كتمه. وأما في بلد الحرب إذا أكره على الكفر فواجب عليه إذا خاف على نفسه فأظهر الكفر أن يعتقد الإيمان بقلبه، فيكون إذا فعل ذلك مؤمنا غير مسلم؛ لأن الله ﵎ قد سماه مؤمنا في كتابه فقال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨]، وقال: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وليس بمسلم
[ ١ / ٥٢ ]
إذ لم يستسلم بإظهار الإيمان. وقد قيل إن الإسلام والإيمان اسمان واقعان على معنى واحد، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله ﷿ وقوله الحق: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]، وهذا لا حجة فيه؛ لأن المؤمنين إذا أظهروا الإيمان مسلمون بإظهار الإيمان كما بيناه والدليل على أن الإيمان غير الإسلام قول الله ﵎: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] أي انقدنا ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] فنفى عنهم الإيمان الحاصل في القلب وأوجب لهم الإسلام الذي هو الانقياد بإظهار الإيمان دون اعتقاده. وما روي أيضا «أن جبريل - ﵇ - أتى النبي - ﷺ - في صورة أعرابي وقال: يا محمد ما الإيمان فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره حلوه ومره. قال فما الإسلام قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. قال صدقت.» ففرق - ﷺ - بين الإيمان والإسلام بأن جعل الإيمان من أفعال القلوب الباطنة والإسلام من أفعال الجوارح الظاهرة. فالإيمان خصلة من خصال الإسلام التي ينقاد بها المكلف لأمر الله تعالى كما ينقاد للصوم والصلاة والحج وسائر العبادات.
فصل
فهذا هو الإيمان في الشرع. وأما في اللغة فكل من ظهر منه التصديق يسمى مؤمنا. فالمسلم في اللغة مؤمن، ويصح أن يسمى في الشرع مؤمنا مجازا؛ لأن إظهار الشهادة يدل على الإيمان، فيحكم لمن أظهرها بحكمه في الدنيا لا أنه إيمان ينتفع به في الآخرة. والعرب قد تسمي الشيء باسم ما قرب منه، ويصح على هذا أن يسمى ما يظهر من أعمال الطاعات كلها إيمانا لأنها دالة على الإيمان ومن أفعال المؤمنين وسجاياهم. ووجه آخر أيضا صحيح جيد، وهو أن أعمال
[ ١ / ٥٣ ]
الطاعات كلها لا تكون طاعة وقربة إلا مع مقارنة الإيمان لها، ومتى لم يقارنها لم تكن طاعة ولا قربة، فسميت الطاعات باسم الأصل الذي لا يثبت لها الحكم بأنها طاعة وقربة إلا به. وهذا بين في المعنى وعليه يحمل قول من قال من أهل السنة إن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح. وما روي أن معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت مقارنة للإيمان ولذلك حصل الانتفاع بها والجزاء عليها، فبان بما قلناه وأوردناه أن أنفس الطاعات من الأقوال والأفعال إذا لم يصح أن تسمى طاعات إلا بمقارنة الإيمان لها فلا يصح أن يقال إنها غير الإيمان، إذ لا يصح مفارقتها له، ولا أنها الإيمان كالصفة القديمة لا يصح أن يقال إنها هي الموصوف ولا أنها غيره.
فصل
وأما قول من قال من أهل السنة إن الإيمان يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال ففيه تأويلان: أحدهما أن المعنى في ذلك أن ثواب الإيمان يزيد مع الطاعة وينقص مع تركها، بمعنى أنه يتجرد ثواب الإيمان عن ثواب الطاعة إذا تركها إلى مباح أو معصية، فلا يكون ثواب الإيمان في حال الصلاة كثوابه في حال الجلوس ولا كثوابه في حال المعصية. يؤيد هذا التأويل ما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»، أي ليس هو في تلك الحال مؤمنا يثاب على إيمانه فيها مثل ما كان يثاب عليه لو كان في عمل مباح أو مندوب إليه أو واجب على هذا يحمل الحديث إذ لا يصح أن يقال إن المؤمن في حال المعصية منسلخ عن الإيمان. وقد قيل في معنى هذا الحديث إن الإيمان إيمانان، فإيمان يؤمن به من الخلود في
[ ١ / ٥٤ ]
النار، وإيمان يؤمن به من دخول النار. فالإيمان الذي يؤمن به من دخول النار هو الإيمان الذي لا معصية معه، والإيمان الذي يؤمن به من الخلود في النار هو الإيمان الذي معه المعاصي. فالزاني والسارق في حال السرقة والزنا ليس بمؤمن الإيمان الذي يؤمن به من دخول النار؛ لأنه في تلك الحال مصر على المعصية غير تائب منها، فإنما نفي عنه على هذا التأويل الإيمان الممدوح. وقد كان بعض الشيوخ يرويه لا يشرب بكسر الباء على معنى الأمر يقول إذا كان مؤمنا فلا يشرب الخمر ولا يسرق ولا يزن. وقد قيل في معنى الحديث إن الإيمان لما كان مضمناته التصديق بالوعيد بالعقاب على هذه الكبائر صار كالمناقض للشهوة الباعثة عليها فأيهما غلب صاحبه نفاه. فلما كان مرتكب الكبائر في حال ارتكابه إياها قد غلبت شهوته تصديقه وخوفه جاز أن يوصف بانتفاء الإيمان عنه على ضرب من التوسع والمجاز. وقد قيل إن معنى الحديث إنما هو فيمن زنى أو سرق وهو مستحل لذلك.
والتأويل الثاني في معنى زيادة الإيمان بزيادة الأعمال ونقصانه بنقصان الأعمال أنه يزيد بتكراره بفعل الطاعة لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا مع مقارنة الإيمان لها، فإذا كثر عمله زادت أجزاء إيمانه بتكررها، وإذا نقص عمله نقصت أجزاء إيمانه على قدر ما كانت تكون لو كثر عمله. وهذا كما يقال نقص ماء العين وزاد. على هذا التأويل لا يخرج الكلام عن الحقيقة إلى المجاز بخلاف التأويل الأول؛ لأن حقيقة المراد بالزيادة في الشيء هو أن يضاف إليه غيره، وحقيقة المراد بالنقصان منه هو أن ينقص منه بعض أجزائه. وأما الشيء الواحد فلا ينقص في نفسه ولا يزيد في نفسه لأن ذلك من المحال.
[ ١ / ٥٥ ]
فصل
وقد نص الله ﵎ على زيادة الإيمان فقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. ومعنى ذلك زيادة اليقين في الإيمان والبعد من دخول الشك فيه عليه؛ لأن آيات الرسول - ﷺ - وأقواله وما ينزل عليه يصدق بعضه بعضا، وذلك يوجب زيادة اليقين في الإيمان والاستبصار في التمسك به والبعد من دخول الشك عليه فيه.
فصل
فالإيمان يتفاضل في زيادة اليقين والقوة فيه والعلم به والبعد من دخول الشك عليه فيه، فكلما قوي اليقين بالله والعلم به لمن عرفه كان أبعد من طرو الشكوك عليه، فليس من آمن بالله ولم يعرفه بالاستدلال عليه كمن عرفه به، ولا من عرفه بوجه واحد من وجوه الأدلة كمن عرفه من وجوه كثيرة، ولا من عرفه بالأدلة دون معاينة الآيات كمن شاهدها وعاينها بحضرة النبي - ﵊ - في قوة اليقين في القلب وبعده عن أن يفتن فيه أو يزيغه الشيطان عنه. روي أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن من أصحابي من الإيمان في قلبه أثبت من الجبال الرواسي». وقال في بعض أصحابه أراه أبا بكر: «لو رفع له الغطاء ما زاد يقينا». ويروى أن عمر بن الخطاب أتاه منكر ونكير فقالا له: من ربك وما دينك، فقال لهما أما أنا فالله ربي والإسلام ديني ومحمد - ﷺ - نبيي، وأنتما فمن ربكما وما دينكما ومن نبيكما؟ فنظر بعضهما إلى بعض فقالا إنه عمر وانصرفا عنه. فهل
[ ١ / ٥٦ ]
يساويه أحد من أهل هذا الزمان في قوة اليقين هذا ما لا يكون والله ﷾ أعلم.
فصل
في زيادة الإيمان ونقصانه
يكون على هذه الوجوه الثلاثة زيادة في اليقين وزيادة في العدد وزيادة في الثواب، وهو أبعد التأويلات؛ لأن الكلام يحمل في هذا التأويل على المجاز، وحمله على الحقيقة أولى. وقد روي عن مالك - ﵀ - أنه كان يطلق القول بزيادة الإيمان ويكف عن إطلاق نقصانه، إذ لم ينص الله تعالى إلا على زيادته. فروي عنه أنه قال عند موته لابن نافع وقد سأله عن ذلك: قد أبرمتموني، إني تدبرت هذا الأمر فما من شيء يزيد إلا وهو ينقص الإيمان يزيد وينقص. وهو الصحيح. والله ﷾ أعلم.
فصل
فهذا هو حقيقة القول في الإيمان والإسلام على مذاهب أهل السنة. وذهبت المعتزلة إلى أن الإيمان هو فعل الواجبات من العبادات وترك المحظورات، وأنه قد نقل هذا الاسم في الشرع على مقتضى اللغة وجعل اسما لجميع الواجبات وترك المحظورات، فكفروا المسلمين بالذنوب، وقال منهم قائلون إنه اسم في الدين لجميع الطاعات فرائضها ونوافلها، وقالت طائفة من المرجئة إن الإيمان هو الإقرار باللسان وإن وجد مع عدم المعرفة، وهذا كله باطل يرده القرآن.
فصل
وهذا الذي قلناه من أن أول الواجبات الإيمان بالله تعالى هو على مذهب من
[ ١ / ٥٧ ]
يرى أن الإيمان بالله هو التصديق الحاصل في القلب وليس من شروط صحته المعرفة هو الذي اختاره القاضي أبو الوليد الباجي واحتج له. وأما على مذهب من رأى أن الإيمان بالله تعالى لا يصح إلا بعد المعرفة فيقول إن أول الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله ﵎ لا يعلم ضرورة وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب البخاري في كتابه فبوب باب العلم قبل القول والعمل لقول الله ﷿: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فبدأ بالعلم، وهو الذي ركن إليه القاضي أبو بكر الباقلاني؛ لأنه قال: إن الإيمان هو العلم، وكل مؤمن بالله فهو عالم به. والذي ذهب إليه أن من لم يكن عالما بالله تعالى فهو جاهل به، والجاهل بالله تعالى كافر به. وليس ذلك ببين؛ لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله تعالى إلى الاعتبار به في غير ما آية من كتابه. ومن قال إن الإيمان بالله هو العلم به، والعلم به لا يصح إلا بالنظر والاستدلال فأول الواجبات عنده النظر والاستدلال. وقد قال القاضي أبو بكر المذكور في بعض كتبه إن الإيمان ليس هو العلم، وإنما سبيله أن يتضمن العلم، لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، والتصديق هو من قبيل الأقوال التي تكون في النفس ويعبر عنها تارة بالقول، وذلك القول الموجود بالقلب لا يصح وجوده مع الجهل ولا بد أن يكون متضمنا للعلم. قال بعض من تكلم على قوله من الفقهاء: وهذا هو التحقيق الذي يمر مع النظر.
وقد حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن شيخه القاضي أبي جعفر السمناني أنه كان يقول: القول بأن النظر أول الواجبات مسألة من مسائل الاعتزال بقيت في المذهب عند من التزمها؛ لأن من جعله أول الواجبات أوجبه
[ ١ / ٥٨ ]
بالعقل، إذ لا يصح أن يعلم أحد أن الله أوجب عليه النظر وهو لا يعلم الله إلا بعد النظر. ومن أصول أهل السنة أن العمل لا حظر فيه ولا إباحة. وليس قوله عندي بصحيح؛ لأن الشيء الواجب في ذاته لا يخرجه عن الوجوب في حق أحد جهله بمعرفة وجوبه عليه. ألا ترى أن الإيمان واجب بالشرع على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات، [فكما يكون الإيمان واجبا بالشرع على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات]، فكذلك يكون النظر واجبا بالشرع على من لا يعلم الشرع عند من جعله أول الواجبات. وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلدين مؤمنين. قال فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال وأيضا لو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم لا يحل لكم قتلنا لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل، وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم وأن لا يقاتلوا حتى ينظروا ويستدلوا. قال ولا خلاف في بطلان هذا. وهذا لا يلزم لأن من جعل النظر والاستدلال أول الواجبات لا يقفهما على الحد الذي رتبه أهل الكلام من الاستدلال بالأعراض المتوالية على الأجسام على حدوث العالم وإثبات محدثه على ما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله، بل يقول إنه يعرف ذلك بأول بديهة العقل؛ لأن العاقل إذا نظر إلى السماء والأرض واختلاف الليل والنهار وإلى نفسه واختلاف أحواله وخروجه من العدم إلى الوجود علم أن لذلك كله خالقا ومدبرا ليس كمثله شيء.
والذي أقول به إن النظر والاستدلال على هذا الوجه هو أول الواجبات عند من جعل النظر أول الواجبات، ويصح به الإيمان لأن اليقين يحصل به وإن لم يقع به العلم، إذ لا يقع العلم إلا بعد إمعان النظر، وقد يصح تيقن المعتقد من غير علم. فمن آمن بالله بتقليد أو نظر يحصل به اليقين أو يقع به العلم فهو مؤمن
[ ١ / ٥٩ ]
حقيقة، وإن كانت مرتبة من آمن بالله وعلمه بالنظر والاستدلال أرفع من مرتبة من آمن به بيقين حصل عنده من غير علم.
فصل
فإذا قلنا إن أول الواجبات الإيمان بالله وهو التصديق به وبما أخبر به عن نفسه من صفات ذاته وأفعاله، فإن النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله تعالى واجب أيضا أوجبه الله على عباده وافترضه عليهم وتعبدهم به كسائر العبادات الواجبات. والدليل على وجوبه قول الله ﷿: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق: ٦] الآية، ومثل هذا في القرآن كثير.
ومن الدليل أيضا على وجوب النظر والاستدلال أن الله تعالى قد أوجب المعرفة به وبما هو عليه من صفات ذاته وأفعاله في غير ما آية من كتابه فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]، والعلم بشيء من ذلك لا يصح إلا من جهة
[ ١ / ٦٠ ]
النظر والاستدلال، وما لا يصح الواجب إلا به فهو واجب مثله. فمن عرف الله تعالى بالأدلة التي نصبها لمعرفته فهو مؤمن، ومرتبته في الإيمان أرفع من مرتبة من آمن به من غير علم. قال الله ﷿: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
فصل
فكل عالم بالله مؤمن وليس كل مؤمن بالله عالما به.
فصل
وقولنا إن الإيمان شرط في جميع العبادات ليس على الإطلاق؛ لأن ما يصح فعله بغير نية من العبادات يصح مع عدم الإيمان إذا قلنا إن الكافر متعبد بشرائع الإسلام، وفي ذلك بين أهل العلم اختلاف. وكذلك النظر الموجب إلى معرفة الله تعالى عند من جعله أول الواجبات ليس من شرطه الإيمان ولا النية، وقد دللنا على فساد هذا القول.
فصل
والعبادات لا تفتقر إلى النية إلا بخمسة شروط: أحدها أن تكون فعلا أو تركا تختص بزمن معلوم مؤقت كالصيام، فإن كانت العبادة تركا لا تختص بزمن معلوم كترك الزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وما أشبه ذلك لم تفتقر إلى نية. والثاني أن تكون العبادة مما يصح أن تفعل لله ويصح أن تفعل لغيره. فإن كانت العبادة مما لا يصح أن تفعل إلا لله كإرادة التقرب إليه بالعبادة، أو كانت مما لا يصح أن يفعل إلا لغير الله كالنظر المؤدي إلى معرفة الله عند من جعله أول الواجبات لم يفتقر ذلك
[ ١ / ٦١ ]
إلى نية. والثالث أن تكون العبادة واجبة لحق الله كالصلاة والزكاة والصيام، فإن كانت واجبة لحق مخلوق لم تفتقر إلى نية، كقضاء الديون وأداء الودائع والأمانات، وبر الآباء والأمهات، وما أشبه ذلك من العبادات. والرابع أن لا تكون العبادة واجبة لعلة ترتفع بامتثال العبادة دون نية، فإن كانت واجبة لعلة ترتفع بامتثالها دون نية لم تفتقر إلى نية، كالاستنجاء وغسل النجاسات من الثياب والأبدان وما أشبه ذلك.
والخامس أن تكون العبادة يفعلها المتعبد بها في نفسه، فإن كانت مما يفعلها في غيره لم تفتقر إلى نية، كغسل الميت، وغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه، ومن وضأ غيره؛ لأن النية إنما تجب على الموضأ لا على الموضئ، وهذا بين وبالله التوفيق.
[ ١ / ٦٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فصل
في أحكام الشريعة المتعلقة بالوضوء وغيره من العبادات
وأحكام الشريعة تنقسم على خمسة أقسام: واجب، ومستحب، ومباح، وحرام، ومكروه.
فالواجب حده ما حرم تركه، وقيل ما توعد الله على تركه وترك بدله إن كان له بدل بالعقاب، والأول أخصر وهذا أبين. وفائدة هذا التقييد أن من العبادات ما لا بدل له كغسل الوجه فيستحق العقاب بتركه، ومنها ما له بدل كغسل الرجلين فلا يستحق العقاب إلا بترك الغسل والمسح على الخفين الذي هو بدل الغسل. وله خمسة أسماء: واجب، وفرض، وحتم، ولازم، ومكتوب؛ وكلها قائمة من القرآن. وهو ينقسم على ثلاثة أقسام واجب بالقرآن، وواجب بالسنة، وواجب بالإجماع، وهي كلها سواء في لحوق الإثم بترك الامتثال. وإنما يفترق في قدر ما يتوعد به على الترك، فرب ذنب أعظم من ذنب وإن كان الأصغر إذا انفرد عظيما. والواجب والفرض عندنا سواء خلاف ما ذهب إليه أهل العراق من أن الفرض آكد من الواجب، وأن الفرض ما وجب بالقرآن والواجب ما وجب بالسنة والإجماع.
[ ١ / ٦٣ ]
والمستحب ما كان في فعله ثواب ولم يكن في تركه عقاب فبالوصف الأول بان من المكروه والمباح والمحظور، إذ ليس في شيء من ذلك كله ثواب، ووافق الواجب. وبالوصف الثاني بان من الواجب ووافق المكروه والمباح والمحظور. وهو ينقسم على ثلاثة أقسام: سنن، ورغائب، ونوافل. فالسنن ما أمر النبي - ﷺ - بفعله واقترن بأمره ما يدل على أن مراده به الندب أو لم تقترن به قرينة على مذهب من يحمل الأوامر على الندب ما لم يقترن بها ما يدل أن المراد بها الوجوب. أو ما داوم النبي - ﷺ - على فعله، بخلاف صفة النوافل. والرغائب ما داوم النبي - ﷺ - على فعله بصفة النوافل أو رغب فيه بقوله من فعل كذا فله كذا. والنوافل ما قرر الشرع أن في فعله ثوابا من غير أن يأمر النبي - ﷺ - به أو يرغب فيه أو يداوم على فعله.
والمباح ما لم يكن في فعله ثواب ولا في تركه عقاب، نحو القيام والجلوس والحركة والسكون والاستمتاع بالمباحات من المطعم والملبس والمركب وما أشبه ذلك.
والحرام ضد الواجب، وهو ما توعد الله على فعله بالعقاب.
والمكروه ضد المستحب وهو ما كان في تركه ثواب ولم يكن في فعله عقاب، وهو المتشابه. قال رسول الله - ﷺ -: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات» الحديث.
فصل
والعبادات التي لها هذه الأحكام تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم منها يتوجه إلى القلوب. وقسم منها يتوجه إلى الأبدان. وقسم منها تشترك فيه القلوب والأبدان. فالذي يتوجه منها إلى القلوب خمسة أجناس: نظر، واعتقاد، وعلم، وظن، وإرادة. والذي يتوجه منها إلى الأبدان: ما لم يفتقر في امتثاله إلى نية. والذي تشترك فيه القلوب والأبدان ما افتقر في أدائه إلى نية، وقد تقدم بيان ذلك.
[ ١ / ٦٤ ]
فصل
فمن العبادات المتوجهة إلى الأبدان أو إلى القلوب والأبدان على ما بيناه طهارة الثياب والأجسام. وأصل الطهارة في اللغة النظافة والنزاهة؛ ولذلك كانت العرب تستعملها في الطاهر دون النجس فيفترق بين الأمرين. ومنه قول الله ﷿: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي قلبك فنق من الآثام والأدناس. ومنه قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] أي ينزهكم عن الدناءة ويبعدكم عنها ويعلي درجاتكم. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] معناه نزهك وأبعدك مما قذفت به ورفع درجتك.
فصل
والطهارة في الشرع من هذا المعنى مأخوذة، وهي تنقسم على وجهين: طهارة لإزالة نجاسة، وطهارة لرفع حدث.
فأما الطهارة لإزالة النجاسة فحدها إزالة النجاسة، وهي من العبادات المتوجهة إلى الأبدان دون القلب، إذ لا تفتقر في أدائها إلى نية. واختلف فيها فقيل إنها فرض، وقيل إنها سنة، وقيل إنها استحباب، وليس ذلك بصحيح على ما أصلناه. وقيل إنها فرض مع القدرة والذكر تسقط مع النسيان، كالكلام في الصلاة، وستر العورة فيها. وهذا غير صحيح على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما الطهارة لرفع الحدث فإنها من العبادات المتوجهة إلى الأبدان والقلوب لافتقارها إلى النية على مذهب مالك والشافعي. وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: غسل، ووضوء، وبدل منهما عند عدم القدرة عليهما وهو التيمم. ومن الناس من يذهب إلى أنه لا يصح أن يقال في التيمم على مذهب مالك إنه بدل من الوضوء
[ ١ / ٦٥ ]
لأنه لا يرفع الحدث عنده على الإطلاق كما يرفعه الغسل والوضوء، وإن كان يستباح به عنده جميع ما يستباح بالوضوء من الفرائض والنوافل. والأظهر أنه بدل منه على مذهبه لأنه يستباح به عنده جميع ما يستباح بالغسل والوضوء، وإنما لم يرفع الحدث عنده لأن الأصل كان إيجاب الوضوء. والتيمم عند عدم الماء لكل صلاة بظاهر قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] فخرج من هذا الظاهر الوضوء بما ثبت أن رسول الله - ﷺ - صلى صلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على الأصل فلم يقس على الوضوء لأن البدل لا يقوى قوة المبدل منه. والله أعلم. ولا اختلاف في أنه بدل من الوضوء عند من رأى أنه يرفع الحدث على الإطلاق أو إلى أن يجد الماء، ولا في أنه استباحة للصلاة عند من رأى أنه لا يصلى به سوى الفريضة خوف فوات وقتها.
فصل
فأما الغسل فإنه يتنوع: فمنه واجب، ومنه مسنون، ومنه مستحب. فالواجب منه الغسل من الجنابة والحيضة والنفاس، والمسنون منه غسل الجمعة، والمستحب منه غسل العيدين، وغسل المستحاضة إذا ارتفع عنها دم الاستحاضة، والغسل للإحرام ولدخول مكة وللوقوف بعرفة.
فصل
وكذلك الوضوء أيضا منه واجب ومنه مسنون ومنه مستحب. فالواجب منه ما يفعل لما لا يصح فعله إلا بطهارة من الفرائض والسنن والنوافل، لا يتنوع تنوعها لأنه لا يراد لنفسه وإنما يجب لغيره، فلا يقال فيه إنه واجب على الإطلاق، وإنما يقال إنه واجب لكذا بمعنى أنه شرط في صحة ذلك الفعل، وغير واجب لكذا بمعنى أنه غير شرط في صحته. والمسنون منه وضوء الجنب إذا أراد أن ينام.
[ ١ / ٦٦ ]
والمستحب منه الوضوء للنوم، ووضوء المستحاضة والذي يسلس منه البول لكل صلاة. وتجديد الوضوء أيضا لكل صلاة مستحب مرغب فيه.
فصل
في معرفة اشتقاق الوضوء
الوضوء مشتق من الوضاءة وهي النظافة أيضا والحسن. ومنه قيل فلان وضيء الوجه أي نظيفه. فكأن الغاسل لوجهه أو لشيء من أعضائه وضأه أي نظفه بالماء وحسنه. والوضوء في اللغة يقع على غسل العضو الواحد فما فوقه، والدليل على ذلك ما روي عن النبي - ﷺ - مفصلا من أن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم ويصح البصر. وسمى غسل اليد وضوءا. وأما في الشرع إذا أطلق فلا ينطلق إلا على غسل جملة أعضاء على وجه مخصوص، وهو يشتمل على فروض وسنن ومستحبات على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
فصل فيما يجب منه الوضوء
ويجب الوضوء من تسعة أشياء على اتفاق في المذهب، وهي المذي، والودي، والبول، والغائط، والريح إذا خرج ذلك كله على العادة، سواء خرج الريح بصوت أو بغير صوت. والقبلة مع وجود اللذة أو القصد إليها، والمباشرة، واللمس مع وجود اللذة، وزوال العقل بنوم مستثقل أو إغماء أو سكر أو تخبط جنون. وإنما شرطنا الاستثقال في النوم لأنه ليس بحدث في نفسه وإنما هو سبب للحدث. والقدر الذي يحكم على النائم بانتقاض وضوئه من أجله يختلف باختلاف هيئته في نومه، وهي على أربع مراتب: أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها
[ ١ / ٦٧ ]
بالنوم الاضطجاع ثم السجود، ثم الجلوس والركوع، ثم القيام والاحتباء. واختلف في الركوع فقيل إنه كالقيام وقيل إنه كالسجود. واختلف في الاستناد فقيل إنه كالجلوس وقيل إنه كالاضطجاع. فإذا نام الرجل مضطجعا وجب عليه الوضوء بالاستثقال وإن لم يطل. وإذا نام ساجدا لم يجب عليه الوضوء إلا أن يطول، وقيل إنه يجب عليه بالاستثقال وإن لم يطل. وإذا نام جالسا أو راكبا فلا وضوء عليه إلا أن يطول. وإذا نام قائما أو محتبيا فلا وضوء عليه وإن طال لأنه يثبت. ومن أهل العلم من زاد على هذه التسعة الأشياء الحقنة وليس بصحيح؛ لأن الحقنة ليست بحدث ينقض الطهارة، إذ لو ارتفعت بعد وجودها لما لزم الوضوء منها.
ويجب من تسعة أشياء أيضا على اختلاف في المذهب، وهي مس الرجل ذكره أو مس المرأة فرجها، والتذكر مع الاشتهاء، وخروج شيء من المعتادات من أحد المخرجين على غير العادة، والقبلة مع عدم اللذة وعدم القصد إليها ممن يشتهى؛ لأن من لا يشتهي لصغره أو لكونه من ذوات المحارم فلا وضوء في قبلته على الصفة المذكورة، والمباشرة والملامسة مع عدم اللذة ووجود القصد إليها، والارتداد، ورفض الوضوء، والشك في الحدث. والأخصر من هذا أن تقول إن الوضوء يجب من وجهين: أحدهما ما يخرج من المخرجين من المعتادات على العادة باتفاق أو على غير العادة باختلاف. والثاني ما هو سبب لما يخرج منهما قوي باتفاق أو ضعيف على اختلاف. فيندرج تحت هذا الوجه زوال العقل بالنوم المستثقل وبالإغماء والسكر والجنون، ويندرج تحته أيضا القبلة والمباشرة واللمس
[ ١ / ٦٨ ]
مع وجود اللذة أو القصد إليها على الاختلاف في ذلك، ويندرج تحته أيضا مس الرجل ذكره ومس المرأة فرجها والتذكر مع الاشتهاء على مذهب من يوجب الوضوء لذلك؛ لأن الأصل في وجوب الوضوء من ذلك كله هو ما يخشى أن تكون اللذة قد حركت المذي عن موضعه وأخرجته إلى قناة الذكر من غير أن يشعر بذلك. فهذه الأقوال في الأحداث الموجبة للوضوء مجملة، وستأتي مفسرة في مواضعها إن شاء الله تعالى.
فصل
ولوجوب الوضوء من هذه التسعة الأشياء خمس شرائط: وهي الإسلام، والبلوغ، والعقل، وارتفاع "الحيض والنفاس، ودخول وقت الصلاة.
فصل
والأصل في وجوبه من هذه التسعة الأشياء بهذه الخمس الشرائط قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. والأمر على الوجوب. ومن قال من أصحابنا إنه ليس على الوجوب فقد وافقنا في أمر الله تعالى بالوضوء أنه على الوجوب للآثار الواردة عن النبي - ﷺ - بما أبان ذلك ورفع الاحتمال منه. من ذلك قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول»، وقوله - ﵊ -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا هو أحدث حتى يتوضأ»، وقوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء
[ ١ / ٦٩ ]
مواضعه»، وقوله - ﵊ -: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يتوضأ كما أمره الله ﵎ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين»، «وقوله - ﵊ - للأعرابي لما علمه الوضوء: "توضأ كما أمرك الله». ووجوب ذلك معلوم من دين الأمة ضرورة فلا معنى للإطالة في جلب النصوص في ذلك.
فصل
وآية الوضوء قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية نزلت بالمدينة، وكان سبب نزولها التيمم، وقد كان الوضوء قبل ذلك واجبا بالسنة. وفي قوله في حديث التيمم فأصبحوا على غير ماء فأنزل الله آية التيمم ولم يقل آية الوضوء دليل واضح على أنه إنما طرأ عليهم في ذلك الوقت العلم بالتيمم وأن الوضوء قد كان معلوما عندهم مشروعا لهم. لا خلاف بين أحد من الأمة أن النبي - ﷺ - لم يصل قط وهو جنب ولا هو على غير وضوء. روى زيد بن حارثة «أن النبي - ﷺ - في أول ما أوحي إليه، يريد في الصلاة، أتاه جبريل فعلمه الوضوء.» «وجاء في الخبر أن جبريل أتاه حين افترضت الصلاة فهمز بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء عذب فتوضأ جبريل ومحمد - ﷺ - ينظر، فوضأ وجهه ومضمض واستنشق ومسح برأسه وغسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه ثم قام فركع ركعتين وأربع سجدات.
»
[ ١ / ٧٠ ]
فصل
والوضوء مما خص الله به أمة محمد - ﷺ -، وبه يعرف النبي - ﵊ - أمته يوم القيامة من بين سائر الأمم على ما جاء في الحديث: «قيل يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك، قال: أرأيت لو كانت لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله، قالوا بلى قال فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» وقد روي «أن رسول الله - ﷺ - توضأ مرة مرة فقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين؛ ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» رواه المسيب بن واضح عن عمرو بن دينار عن ابن عمر، فقال أبو محمد أراه الأصيلي ليس هذا بثابت. والمسيب بن واضح ضعيف وليس يصح عن ابن عمر حديث في الضوء. وهذه الأمة مخصوصة بالوضوء والله ﷾ أعلم.
قلت وإن صح الحديث فالمعنى فيما روى أن أمة محمد - ﷺ - إنما خصت بالغرة والتحجيل.
فصل
واختلف في تأويل الآية جملة وتفصيلا. فأما الاختلاف في تأويلها جملة فهو ما قيل إن فيها تقديما وتأخيرا وإن تقديرها يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
[ ١ / ٧١ ]
وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. وإنما قدر هذا التقدير من ذهب إلى هذا التأويل، وهو محمد بن مسلمة من أصحابنا؛ لأن ظاهرها أن السفر والمرض حدث يوجب الوضوء كالمجيء من الغائط سواء، وذلك لا يصح بإجماع. وقيل إنها على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير. واستدل من ذهب إلى ذلك بأن رسول الله - ﷺ - لم يتوضأ إلا على نسق الآية، فمسح رأسه قبل غسل رجليه على ما عليه العمل. ولو كانت الآية مقدرة على غير تلاوتها من التقديم والتأخير لوجب أن تغسل الرجلان قبل مسح الرأس لأن التقدير بمنزلة التفسير، ولا يصح أن يكون العمل بخلاف التفسير، فيكون معنى قَوْله تَعَالَى وإن كنتم مرضى إذا حملت الآية على تلاوتها دون أن يقدر فيها تقديم وتأخير أي مرضى لا تقدرون على مس الماء أو على من يناولكم إياه لأن المرض يتعذر معه مس الماء أو الوصول إليه في أغلب الأحوال. واكتفى الله ﵎ بذكر المرضى وفهم منه المراد كما فهم من قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] أن معناه فأفطر. وكذلك قوله ﷿: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] يريد غير واجدين للماء، فاكتفى بذكر السفر وفهم منه المراد به؛ لأن السفر يعدم فيه الماء في أغلب الأحوال. ولما كان الغالب في الحضر وجود الماء صرح بشرط عدمه فقال أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا. وهذا أولى وأظهر عندي من حمل الآية على التقديم والتأخير لأن التقديم والتأخير مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز لا سيما ومن أهل العلم من نفى أن يكون في القرآن مجاز.
فصل
وعلى أن الآية على تلاوتها لا تقديم فيها ولا تأخير فيها ذهب مالك في
[ ١ / ٧٢ ]
المدونة؛ لأنه قال فيها إن المريض الذي لا يقدر على مس الماء يتيمم وإن كان واجدا له، وإن الصحيح الحاضر غير المسافر يتيمم إذا عدم الماء على التأويل الذي ذكرناه. وهو قول مجاهد في المدونة: للمجدور وأشباهه رخصة أن لا يتوضأ، ويتلو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، قال ذلك مما يخفى من تأويل القرآن. ومن حمل الآية على التقديم والتأخير لا يجيز التيمم للمريض مع وجود الماء وإن لم يقدر على مسه، ولا للصحيح الحاضر وإن عدم الماء لأنه يعيد قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] على السفر والمرض.
فصل
والذي أقول به في تأويل الآية أن أو في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] بمعنى الواو؛ لأن الآية على هذا تبقى على ظاهرها لا يحتاج فيها إلى تقديم وتأخير، ولا يفتقر فيها إلى إضمار، فتأتي بينة لا إشكال فيها لتبين معناها مع كونها على تلاوتها دون تقديم ولا تأخير ولا إضمار؛ لأنه إذا قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦] فقد بين أن من جاء من المرضى والمسافرين من الغائط أو لامس النساء يتيمم إن لم يجد الماء. وعلى هذا التأويل لا يكون أيضا المريض الواجد للماء إذا لم يقدر على مسه ولا الحاضر العادم للماء من أهل التيمم.
فصل
وأما الاختلاف في تأويل بعض وجوهها تفصيلا. فمن ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] فقيل معناه إذا قمتم محدثين، وقيل معناه إذا قمتم من المضاجع، وهو قول زيد بن أسلم، وهو أولى من التأويل الأول؛ لأن الأحداث
[ ١ / ٧٣ ]
مذكورة في الآية، والنوم ليس بحدث وإنما هو مسبب للحدث، فحمل الكلام على زيادة فائدة أولى من حمله على التكرار لغير فائدة. وقيل إن الكلام على غير عمومه في الأمر بالوضوء لكل قائم إلى الصلاة وإن الوضوء كان واجبا لكل صلاة فنسخ الله ذلك بفعل النبي - ﷺ - يوم فتح مكة تخفيفا عن عباده. وهذا على مذهب من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة، وقد اختلف في ذلك. وحمل الحديث على البيان للقرآن على ما ذهب إليه زيد بن أسلم أولى من حمله على النسخ؛ لأن النسخ إنما يكون في النصوص التي تتعارض والله ﷾ أعلم. وقد روي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنه كان يتوضأ لكل صلاة ثم يتلو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] وكل قائم الصلاة يتوضأ على مذهبه على ظاهر الآية ولم يبلغه الحديث والله أعلم. ويحتمل أن يكون إنما كان يتوضأ لكل صلاة لما اختص به النبي - ﷺ - أهل بيته من إسباغ الوضوء. روي عن «ابن عباس أنه قال ما اختصنا رسول الله - ﷺ - إلا بثلاث: إسباغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمر على الخيل». وقد روي عن النبي - ﵊ - أنه كان إذا أحدث لم يكلم أحدا حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فنسخ الله هذا وأمر بالطهارة عند القيام للصلاة، ثم نسخ هذا بفعله يوم فتح مكة. ومن العلماء من قال ينبغي لكل من قام إلى الصلاة أن يتوضأ طلبا للفضل فحمل الآية على الندب.
فصل
ومعنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وفي الكلام دليل على هذا ومثله قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] أي إذا أردت أن تقرأ القرآن. وليس المراد بذلك القيام الذي هو ضد الجلوس، وإنما المعنى بذلك إذا نهضتم إليها
[ ١ / ٧٤ ]
وعمدتم لها وأردتم إصلاح أمرها من قولهم هو يقوم بأمر القوم، وفلان قائم بأمر فلان وبدولة السلطان، وقائم بشأنه وقائم على ماله، أي بالإصلاح والتعاهد. وفي تعليق الله الأمر بالوضوء بإرادة الصلاة بيان ظاهر أن الوضوء يراد للصلاة ويفعل من أجلها وأنه فرض من فرائضها وشرط في قبولها وصحتها، قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور»، وقال - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة امرئ أحدث حتى يتوضأ». ودليل واضح على افتقاره إلى النية لأن الله تعالى قد شرط في صفة فعله إرادة الصلاة. وفعله من أجلها وإذا فعله تبردا أو تنظفا فلم يفعله على الشرط الذي شرطه الله في فعله وذلك يوجب أن لا يجزئه. وهذا أمر متفق عليه في المذهب، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه في قولهم إن الغسل والوضوء يجزئ بغير نية بخلاف التيمم، وخلافا للأوزاعي في قوله إن الغسل والوضوء والتيمم تجزئ بغير نية. والدليل على صحة قول مالك قول الله ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] والوضوء من الدين فوجب أن لا يجزئ بغير نية وقوله - ﵊ -: «إنما الأعمال بالنيات»، والوضوء عمل من الأعمال فوجب أن لا يجزئ بغير نية. ومن طريق القياس على من فرق في ذلك بين الوضوء والتيمم أن الوضوء طهارة تتعدى محل موجبها فافتقرت إلى النية كالتيمم. وإنما الكلام في المذهب هل من شرط صحة النية في الوضوء والغسل من الجنابة أن تكون مقارنة لأول الفعل أم لا ويجزئ إذا تقدمتها بيسير. وقد أشبعنا الكلام في هذا في كتاب ردنا على المرادي فمن أراد الوقوف على ذلك فليتأمله هناك.
[ ١ / ٧٥ ]
فصل
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والوجه مأخوذ من المواجهة. وحد الوجه الذي يجب غسله في الوضوء من منابت شعر الرأس إلى اللحى الأسفل إلى الصدغ. واختلف في البياض الذي بين الصدغ إلى الأذن على ثلاثة أقوال: أحدها أنه من الوجه يجب غسله. والثاني أنه ليس من الوجه فلا يجب غسله. والثالث أن الأمرد يغسله ولا يغسله الملتحي. وقيل إن غسله سنة، ذكر ذلك عبد الوهاب. واختلف فيما طال من شعر اللحية فقيل ليس عليه أن يغسله، وهو ظاهر ما في سماع موسى عن ابن القاسم. وحكى سحنون في سماعه عن مالك أن اللحية من الوجه وعليه أن يمر الماء عليها ويغسلها، فإن لم يفعل أعاد، وقال به سحنون. واختلف في تخليل اللحية في الوضوء فروى ابن وهب وابن نافع عن مالك إيجاب تخليلها في الوضوء، وروى أشهب عن مالك وابن القاسم عن مالك في العتبية أنها لا تخلل. وقد قيل إن ذلك مستحب وليس بواجب. والصواب أن تخليلها ليس بواجب في الوضوء لأن الفرض إنما هو في غسل ظواهر الأعضاء دون البواطن. فإذا كان شعر اللحية الذي على الوجه كثيفا انتقل الفرض إلى الشعر ولم يجب عليه تخليل الشعر وإيصال الماء إلى البشرة لأن ذلك من البواطن. وقد نص على ذلك عبد الوهاب في بعض تواليفه.
فصل
وأما غسل الأيدي والأرجل في الوضوء فقد حدهما الله ﵎ في كتابه فقال في اليدين ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وفي الأرجل ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] إلا أن أهل العلم اختلفوا في إيجاب غسل المرافق من اليدين والكعبين من الرجلين. فظاهر ما في المدونة إيجاب غسل ذلك. وروى ابن نافع عن مالك أنه ليس عليه أن يجاوز
[ ١ / ٧٦ ]
بالغسل المرفقين والكعبين، وإنما عليه أن يبلغ إليهما لأن إلى غاية، وهو الأظهر، إلا أن إدخالهما في الغسل أحوط لزوال تكلف التحديد. ومن قال بإيجاب غسلهما قال إلى بمعنى مع، وذلك موجود في اللسان، قال الله ﷿: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي مع الله. وقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، أي مع أموالكم. وقد قال المبرد: إن الحد إذا كان من جنس المحدود دخل فيه، فتقول بعت الثوب من الطرف إلى الطرف، فالطرفان داخلان في البيع. ويلزم من قال في آية الوضوء إن إلى بمعنى مع أن يوجب غسل اليدين إلى المنكبين؛ لأن العرب تسمي ذلك يدا.
وأما قول الله ﷿: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فاختلف في هذه الباء فقيل إنها للتبعيض، وقيل إنها للإلزاق وليست للتبعيض. فأما مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فذهب إلى أن الواجب مسح الرأس كله، وأن من قصر عن ذلك وجبت عليه الإعادة، كمن قصر عن غسل بعض وجهه خلافا لأبي حنيفة والشافعي، وقال محمد بن مسلمة إن مسح ثلثيه أجزأه، وقال أبو الفرج إن مسح ثلثه أجزأه. وقال أشهب في بعض روايات العتبية إنه لا إعادة على من مسح مقدم رأسه. والدليل على صحة قول مالك قول الله ﵎: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] كما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فلما لم يجز الاقتصار في التيمم على بعض الوجه دون بعض [كان الرأس كذلك. وكذلك الطواف بالبيت لا يجوز أن يقتصر في الطواف على بعضه دون بعض]، وإن كان الله يقول في كتابه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] لأن الباء إنما دخلت للإلزاق لا للتبعيض. ومن الدليل على صحته أيضا أن الاستثناء يصلح فيها لو قلت امسح برأسك إلا ثلثه جاز، كأنك قلت
[ ١ / ٧٧ ]
امسح رأسك إلا ثلثه. ولو صح أن الباء تصلح للمعنيين وأشكل الأمر لكان فعل رسول الله - ﷺ - دافعا للإشكال لأنه مسح جميع رأسه وقال هذا وضوء لا يقبل الله صلاة إلا به. وما روي أن رسول الله - ﷺ - مسح بعض رأسه شاذ لا يعمل به. ويحتمل أن يكون فعل ذلك لعذر أو مجددا من غير حدث. ولا يجوز عند مالك أن يمسح رأسه على حائل إلا لعلة. وقد رويت إجازة ذلك عن جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الثوري وأحمد بن حنبل والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد القاسم بن سلام، وبه قال داود بن علي للآثار الواردة في ذلك وقياسا على الخفين. والصحيح ما ذهب إليه مالك؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فمن مسح على حائل لم يمسح على رأسه. والآثار الواردة في ذلك عن النبي - ﷺ - مضطربة، فقد روي أنه مسح على عمامته فأدخل يده من تحتها، وإن صح أنه مسح عليها فلعله فعل ذلك لعذر أو لتجديد من غير حدث والله ﷾ أعلم.
فصل
وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فإن الناس اختلفوا في قراءتها فقرأها قوم وأرجلكم بالنصب عطفا على اليدين، وقرأها قوم وأرجلكم بالخفض. فأما من قرأها وأرجلكم بالنصب عطفا على اليدين فهو الغسل لا كلام فيه؛ لأن الشيء يصح عطفه على ما يليه وعلى ما قبله، وهذا كثير موجود في القرآن ولسان العرب، من ذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وأما من قرأ وأرجلكم بالخفض ففي قراءتها لأهل العلم أربعة أوجه. الأول أنها معطوفة على اليدين وإنما خفضت للجوار والإتباع كما قالوا جحر ضب خرب. وقد قرئ ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] بالخفض. والثاني أنها
[ ١ / ٧٨ ]
معطوفة على مسح الرأس وأن الغسل إنما وجب بالسنة لقول النبي - ﵊ - «ويل للأعقاب من النار» فتكون السنة على هذا ناسخة للقرآن. والثالث أن المراد بذلك المسح على الخفين. والرابع أن الغسل يسمى مسحا عند العرب لأنها تقول تمسحنا للصلاة أي اغتسلنا، فبين النبي - ﷺ - أن مراد الله تعالى بقوله فامسحوا برؤوسكم إمرار اليد على الرأس دون نقل الماء إليه وأن مراده بأمره بمسح الرجلين إمرار اليد عليهما مع نقل الماء إليهما. وذهبت طائفة من الشيعة إلى إجازة مسح الرجلين في الوضوء، وروي ذلك عن بعض الصحابة وبعض التابعين، وتعلق به بعض المتأخرين، وهو شذوذ لا يعد به الخلاف، لما جاء من أن رسول الله - ﷺ - كان يغسل رجليه في وضوئه مرتين أو ثلاثا، وأنه قال «ويل للأعقاب من النار ويل للعراقيب من النار» والوعيد لا يكون إلا في ترك الواجب.
فصل
وقوله في الآية: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] اختلف في الملامسة التي عناها الله تعالى ما هي، فمذهب مالك ما قدمناه أنها ما دون الجماع وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنها كناية عن الجماع. ومن ذهب إلى ذلك لم يوجب الوضوء في القبلة ولا في المباشرة ولا في اللمس إذا سلم في ذلك من المذي.
فصل
وفي قوله ﷿: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] دليل على أن الوضوء لا يجوز إلا بالماء وقد اختلف أهل العلم في حد الماء الذي يجوز به الوضوء فحده عند مالك الماء المطلق الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء طاهر أو نجس حل فيه. وحده عند أبي حنيفة ومن أجاز الوضوء بالنبيذ الماء الذي لم تحله نجاسة؛ لأن ما حلته
[ ١ / ٧٩ ]
نجاسة فهو عنده نجس وإن لم يتغير بها شيء من أوصافه إلا أن يكون الماء الكثير المستبحر الذي لا يقدر آدمي أن يحرك طرفيه. وحده عند الشافعي فيما دون القلتين ما لم تحله نجاسة، وفيما فوقهما ما لم يتغير أحد أوصافه من شيء طاهر أو نجس حل فيه.
فصل
في تبيين فرائض الوضوء من سننه ومستحباته
وقد ذكرنا فيما تقدم أن الوضوء الشرعي يشتمل على فرائض وسنن واستحبابات. ففرائض الوضوء ثمانية، منها أربعة متفق عليها عند أهل العلم وهي التي نص الله ﵎ عليها: غسل الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. واثنان متفق عليهما في المذهب وهما: النية، والماء المطلق الذي لم يتغير أحد أوصافه بشيء طاهر حل فيه أو نجس. واثنان مختلف فيهما في المذهب، وهما الفور، والترتيب. فأما الفور ففيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه فرض على الإطلاق، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. والثاني أنه سنة على الإطلاق وهو المشهور في المذهب. والثالث أنه فرض فيما يغسل وسنة فيما يمسح وهو قول مطرف وابن الماجشون عن مالك وهو أضعف الأقوال. فعلى القول بأنه فرض تجب إعادة الوضوء والصلاة على من فرقه ناسيا أو متعمدا، وعلى القول بأنه سنة إن فرقه ناسيا فلا شيء عليه، وإن فرقه عامدا ففي ذلك قولان: أحدهما أنه لا شيء عليه وهو قول محمد بن عبد الحكم. والثاني أنه يعيد الوضوء والصلاة لترك سنة من سننها عامدا لأنه كالمتلاعب المتهاون، وهذا مذهب ابن القاسم. ومن أصحابنا من يعبر على مذهبه هذا في الفور أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان كالكلام في الصلاة. فعلى التأويل الأول من أهريق ماؤه في أثناء الوضوء وابتدأ وضوءه بماء
[ ١ / ٨٠ ]
يغلب على ظنه أنه يكفيه فعجزه أنه لا يضره القيام لأخذ الماء وإن بعد، وعلى التأويل الثاني إن بعد عنه الماء في الوجهين ابتدأ الوضوء لأنه ذاكر.
فصل
وأما الترتيب فالمشهور في المذهب أنه سنة، وهو المعلوم من مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. وروى علي بن زياد عن مالك أن من نكس وضوءه أعاد الوضوء والصلاة فجعله فرضا. وإلى هذا ذهب أبو المصعب وحكاه عن أهل المدينة، ومعلوم أن مالكا منهم وإمام فيهم.
فصل
فإذا قلنا إنه سنة فإن كان بحضرة الوضوء أخر ما قدم ثم غسل ما بعده ناسيا كان أو عامدا، وإن كان قد تباعد وجف وضوؤه وكان متعمدا ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه يعيد الوضوء والصلاة. والثاني أنه يعيد الوضوء ولا يعيد الصلاة قاله ابن حبيب. والثالث أنه لا إعادة عليه لا للصلاة ولا للوضوء وهو قوله في المدونة لا أدري ما وجوبه. وإن كان ناسيا فقال ابن حبيب يؤخر ما قدم ويغسل ما بعده. وفي قوله نظر لأنه إذا فعل ذلك ولم يعد الوضوء من أوله فقد حصل وضوؤه مفرقا، ومن قوله إن من فرق وضوءه ناسيا أو متعمدا أعاد الوضوء والصلاة في الوقت وبعده. وقال ابن القاسم: يؤخر ما قدم ولا يغسل ما بعده، وهو بعيد؛ لأنه لا يخلص بذلك من التنكيس. والذي يأتي على أصله في تفرقة الوضوء ناسيا أن لا شيء عليه في تنكيسه إذا فرق وضوءه. ووجه قوله إن ما قدم فوضعه في غير موضعه بمنزلة ما نسيه فذكره وقد تباعد أنه يفعله وحده ولا يعيد ما بعده. وإذا جعل ما قدم كان تركه فيلزمه على هذا إذا نكس وضوءه إعادة الوضوء والصلاة خلاف ما في المدونة. وهذا في ترتيب المفروض مع المفروض. وأما في ترتيب المفروض مع المسنون فظاهر ما في الموطأ أن الترتيب بين المفروض والمسنون مستحب لأنه قال فيمن
[ ١ / ٨١ ]
غسل وجهه قبل أن يمضمض إنه يمضمض ولا يعيد غسل وجهه، وعلى ما ذهب إليه ابن حبيب هو سنة إلا أنه جعله أخف من ترتيب المفروض مع المفروض، فقال مرة يعيد الوضوء إذا نكس متعمدا كالمفروض مع المفروض، وله في موضع آخر ما يدل على أنه لا شيء عليه [إذا فارق وضوءه، وقال إن نكسه ساهيا إنه لا شيء عليه]، قال فضل: معناه إذا فارق وضوءه، وأما إذا لم يفارق وضوءه فإنه يؤخر ما قدم ويغسل ما بعده على أصله. فمن نسي شيئا من مسنون الوضوء فذكره بحضرة وضوئه فإنه يفعل ما نسي وما بعده. ويحتمل أن يكون ذلك اختلافا من قوله فيكون أحد قوليه مثل ما في الموطأ.
فصل
وأما سنن الوضوء فاثنتا عشرة، منها أربع متفق عليها في المذهب، وهي المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، ومسح الأذنين مع تجديد الماء لهما. والمنصوص لمالك أنهما من الرأس وإنما السنة في تجديد الماء لهما. وقد قيل في غير المذهب إنهما من الرأس يمسحان معه ولا يجدد لهما ماء. وقيل إنهما من الوجه يغسلان معه. وقيل إن باطنهما من الوجه وظاهرهما من الرأس. والصواب ما ذهب إليه مالك يشهد بصحته الحديث: «إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه إلى قوله فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه».
وثمان قيل فيها إنها سنة، وقيل إنها استحباب وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء إذا أيقن بطهارتهما، وما زاد على الواحدة بعد العموم، والابتداء
[ ١ / ٨٢ ]
باليمين قبل الشمال، والابتداء بمقدم الرأس، ورد اليدين في مسحه، وغسل البياض الذي بين العارض والأذن على ما قال عبد الوهاب، واستيعاب مسح الأذنين، وترتيب المفروض مع المسنون.
وأما استحباباته فثمان، وهي التسمية، وجعل الإناء على اليمين، وأن لا يتوضأ في الخلاء، وتخليل أصابع اليدين، وتخليل أصابع الرجلين، وتخليل اللحية، وقد قيل إن ذلك واجب في الوضوء عن مالك وليس بصحيح، والسواك عند الوضوء، ويجزئ الأصبع منه إذا لم يجد سواكا قاله مالك، وذكر الله على الوضوء مستحب، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٨٣ ]
القول في توقيت الوضوء
هذا الباب يشتمل على سبع مسائل: إحداها أن الأعداد في الوضوء غير واجبة وأن الواجب الإسباغ، أسبغ في مرة واحدة أو مرات. والثانية أن تكرار الغسل ثلاثا مستحب فيه إن أسبغ فيما دونها. والثالثة أن ما فوق الثلاث مكروه إن أسبغ بها أو بما دونها. والرابعة أن الثلاث أفضل من الاثنتين وأنه مخير بين الاثنتين والثلاث. والخامسة أن الاقتصار على الواحدة مكروه، واختلف في وجه الكراهية في ذلك فقيل إنما كره لتركه الفضيلة جملة، وقيل إنما كره ذلك مخافة أن لا يعم فيها، وهو دليل ما روي عن مالك أنه قال لا أحب الواحدة إلا للعالم بالوضوء. والسادسة أن استحباب التكرار مقصور على المغسول دون الممسوح. والسابعة أن التكرار إنما يكون باستئناف أخذ الماء؛ ولذلك لا يقال في رد اليدين على الرأس في مسحه إنه تكرار لمسحه. وقوله اختلفت الآثار في التوقيت يريد في الأعداد. وروي أن رسول الله - ﷺ - توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا، ومرتين في بعض الأعضاء وثلاثا في بعضها. وليس الاختلاف في هذا اختلاف تعارض، وإنما هو اختلاف تخيير وإعلام بالتوسعة، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٨٤ ]
القول في المياه
الأصل في هذا الباب قول الله ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [الأنفال: ١١]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، «وقول النبي - ﵊ - لما سئل عن بئر بضاعة وما يلقى فيها من الأقذار والنجاسات: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شي إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته» يريد إلا ما غير أحد أوصافه على ما بين في الحديث المتقدم.
فصل
فالأصل في المياه كلها الطهارة والتطهير، ماء السماء وماء البحر وماء الأنهار
[ ١ / ٨٥ ]
وماء العيون وماء الآبار، عذبة كانت أو مالحة، كانت على أصل مياعتها أو ذابت بعد جمودها، إلا أن تكون مالحة فتذوب في غير موضعها بعد أن صارت ملحا فانتقلت عنه فإن لأصحابنا المتأخرين في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنها على الأصل لا يؤثر فيها جمودها. والثاني أن حكمها حكم الطعام فلا يتطهر بها وينضاف بها ما غيرت من سائر المياه. والثالث أن جمودها إن كان بعناية وعمل وصنعة كان له تأثير فلا يتطهر بها وإن لم يكن بعناية وعمل لم يكن له تأثير.
فصل
وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: ماء طاهر مطهر، وماء لا طاهر ولا مطهر، وماء طاهر لا مطهر. فأما الماء الطاهر المطهر فهو الماء المطلق، وصفته أنه لم يتغير أحد أوصافه بما ينفك عنه. وإنما سمي مطلقا لأنه إذا أطلق عليه مجرد الاسم وهو ماء كان كافيا في الإخبار عنه على ما هو عليه. والماء الطاهر غير المطهر هو الماء الذي تغيرت أحد أوصافه بما ينفك عنه من الطاهرات. ومعنى قولنا فيه إنه طاهر أنه غير نجس فلا يجب غسله من ثوب ولا بدن. ومعنى قولنا فيه غير مطهر أنه لا يرفع الحدث ولا حكم النجاسة وإن أزال عينها. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يرفع الحدث على أصله في إجازة الوضوء بالنبيذ، ويرفع حكم النجاسة إذا أزال عينها على أصل مذهبه أن كل ما أزال العين رفع الحكم. وأما الماء الذي ليس بطاهر ولا مطهر فهو الماء الذي تغيرت أحد أوصافه بنجاسة حلت فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه بما حل فيه من النجاسة فلا يؤثر ذلك في حكمه كان الماء قليلا أو كثيرا على أصل مذهب مالك، وهي رواية المدنيين عنه. وروى المصريون عنه أن ذلك يؤثر فيه إذا كان قليلا، وقاله كثير من أصحابه. فأما ابن القاسم فأطلق القول فيه، بأنه نجس على طريق التوسع في العبارة والتحرز من المتشابه لا على طريق الحقيقة. يدل على ذلك من مذهبه أنه لم يأمر من توضأ به بإعادة الصلاة أبدا كما يأمر من توضأ بالمتغير. ومن أصحابنا من عبر عنه بأنه مشكوك فيه، وهي عبارة
[ ١ / ٨٦ ]
غير مرضية؛ لأن الشك في الحكم ليس بمذهب فيه، وإنما يكون الماء مشكوكا فيه إذا شك في تغيير أحد أوصافه بنجاسة حلت فيه أو في حلول النجاسة فيه على مذهب من يرى أن حلول النجاسة في الماء تنجسه وإن لم تغير له وصفا. وأما إذا أوقن أن أوصافه لم يتغير منها شيء بما حل فيه من النجاسة فهو طاهر في قول ونجس في قول.
فصل
وقد اختلف أصحاب مالك الذين التقوه ولم يحققوا القول فيه بأنه نجس في الحكم فيه؛ فقال ابن القاسم يتيمم ويتركه، فإن لم يفعل وتوضأ به أعاد في الوقت ولم يفرق بين أن يكون جاهلا أو متعمدا أو ناسيا. وقال ابن حبيب في الواضحة: إن كان جاهلا أو متعمدا أعاد في الوقت وبعده. وقال ابن الماجشون: يتوضأ ويتيمم ويصلي. وقال سحنون: يتيمم ويصلي ويتوضأ ويصلي.
فصل
وحد هذا الماء الذي يتقى لحلول النجاسة فيه هو أن يكون قدر ما يتوضأ به فتقع فيه القطرة من البول أو الخمر، أو يكون قدر القصرية فيتطهر فيها الجنب ولا يغسل ما به من الأذى، فقس على هذا. وكذلك إذا كان الماء قدر ما يتوضأ به فرأى الهر أو الكلب أو شيئا من السباع يلغ فيه وفي فيه نجاسة، أو شيئا من الطير التي تأكل الجيف والنجاسات وفي مناقرها نجاسة. فإن لم تر في أفواهها ولا في مناقرها نجاسة في وقت شربها ففي ذلك تفصيل: أما الهر فهو عند مالك وأصحابه محمول على الطهارة للحديث الوارد فيه من الطوافين والطوافات عليكم. وأما السباع والدجاج المخلاة فهي في مذهب ابن القاسم في روايته عن مالك محمولة
[ ١ / ٨٧ ]
على النجاسة وتفسد ما ولغت فيه فلا يتوضأ بالماء ولا يؤكل الطعام إلا أن يكون الماء كثيرا لقول عمر بن الخطاب لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع وترد علينا. غير أن ابن القاسم قال في الطعام إنه لا يطرح إلا بيقين لحرمتها وهو استحسان على غير قياس؛ لأن النبي - ﵊ - لما أعلم بطهارة سؤر الهرة وبين أن العلة في ذلك طوافها علينا ومخالطتها لنا وجب باعتبار هذه العلة أن يكون ما عداها من السباع التي لا تخالطنا في بيوتنا محمولة على النجاسة، فلا يتوضأ بسؤرها ولا يؤكل بقيتها من الطعام وإن لم يوقن بنجاسة أفواهها في حين ولوغها. وقال علي بن زياد: الطعام والماء سواء إن رئي في مناقرها أذى طرح وإلا لم يطرح. وهو قول ابن وهب وأشهب إنها محمولة على الطهارة في الماء والطعام، فلا يطرح شيء من ذلك إذا ولغت فيه إلا أن يوقن بنجاسة أفواهها تعلقا بظاهر ما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: «لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شرابا وطهورا». وتعلقا أيضا بظاهر قول عمر بن الخطاب - ﵁ - لصاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا لما سأله عمرو بن العاص هل ترد حوضك السباع؟ وهذا لا حجة فيه؛ لأن الحياض ماؤها كثير فهي تحمل هذا القدر من النجاسة.
وأما الكلب فاختلف فيه اختلافا كثيرا من أجل الحديث الوارد بغسل الإناء من ولوغه فيه سبع مرات، فروى ابن وهب عن مالك أنه يغسل الإناء من ولوغه فيه سبع مرات كان طعاما أو ماء. فظاهر الرواية أن الطعام يطرح فحمله على النجاسة وجعله أشد من السباع. وجعله ابن القاسم أخف من السباع لأنه حمله فيها على الطهارة في الماء واللبن جميعا فقال إنه يؤكل الطعام ولا يتوضأ بالماء إلا من ضرورة، ويغسل الإناء سبع مرات في الماء خاصة تعبدا. وقال ابن الماجشون عن
[ ١ / ٨٨ ]
مالك إنه يغسل سبعا من الماء واللبن جميعا، ويؤكل اللبن ويطرح الماء إلا أن يحتاج إليه، فإذا احتاج إليه توضأ به ولم يتيمم على مذهبه ومذهب ابن القاسم في المدونة، ثم لا إعادة عليه وإن وجد ماء غيره في الوقت. وقد روى أبو زيد عن ابن الماجشون أنه مشكوك فيه يتوضأ به ويتيمم ويصلي، على مذهبه في الماء المشكوك فيه. فإن توضأ به ولم يتيمم أعاد في الوقت كما لو رأى في فيه نجاسة حين ولوغه فحمله على النجاسة كسائر السباع. قال وإن عجن بذلك الماء خبزا أو طبخ طعاما لم يأكله كان بدويا أو حضريا. وأما إن شرب من إناء فيه لبن فإنه يأكل اللبن ويشربه إن كان بدويا كان له زرع أو ماشية أو لم يكن، ثم يغسل الإناء سبع مرات للحديث، ويطرحه إن لم يكن بدويا. وقال أصبغ: أهل البادية وأهل الحاضرة في ذلك سواء، والماء واللبن سواء، يؤكل اللبن وينتفع بالماء إن احتيج إليه، ولا بأس بما صرف فيه من خبز وطبخ. وقال مطرف إن كان اللبن كثيرا أكله وإن كان يسيرا طرحه والبدوي والحضري في ذلك سواء. واختلف قول مالك في الحديث الوارد في الكلب، فمرة حمله على عمومه في جميع الكلاب، ومرة رآه في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه. وتفرقة ابن الماجشون بين البدوي والحضري قول ثالث.
فيتحصل في سؤر الكلب أربعة أقوال: أحدها أنه طاهر، وهو الذي يأتي على قول ابن وهب وأشهب وعلي بن زياد أن السباع محمولة على الطهارة؛ لأن الكلب سبع من السباع، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وروايته عن مالك فيها على ما حكى عنه من أن الكلب ليس كغيره من السباع. والثاني أنه نجس كغيره من السباع، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه لما جاء عن النبي - ﵊ - من الأمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه. والثالث الفرق بين الكلب المأذون في اتخاذه وغير المأذون في اتخاذه وهو أظهر الأقوال؛ لأن علة الطهارة التي نص النبي - ﵊ - عليها في الهرة موجودة في الكلب المأذون في اتخاذه بخلاف الذي لم يؤذن في اتخاذه. والرابع الفرق بين البدوي والحضري،
[ ١ / ٨٩ ]
وهو قول ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه. فمن رأى سؤر الكلب طاهرا قال أمر النبي - ﵊ - بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه تعبد لا لعلة، ومن رآه نجسا قال ما يقع به الإنقاء من الغسلات واجب للنجاسة وبقية السبع غسلات عبادة لا لعلة، [ومن رآه نجسا قال ما يقع به الإنقاء من الغسلات واجب للنجاسة، وبقية السبع غسلات تعبد لا لعلة]، كالأمر في الاستنجاء بثلاثة أحجار الواجب منها ما يقع به الإنقاء وبقية الثلاث تعبد. واختلف متى يغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلاب، فقيل بفور ولوغه، وقيل عند إرادة استعماله. وإذا كان غسله تعبدا فلا معنى لتأخير العبادة، وإنما يجب غسله عند إرادة استعماله على القول بأنه يغسل لنجاسة لا لعبادة. قلت: والذي أقول به في معنى أمر النبي - ﷺ - بغسل الإناء سبعا من ولوغ الكلب فيه، والله أعلم وأحكم، إنه أمر ندب وإرشاد مخافة أن يكون الكلب كلبا يدخل على آكل سؤره أو مستعمل الإناء قبل غسله منه ضرر في جسمه، والنبي - ﷺ - ينهى عما يضر بالناس في دينهم ودنياهم، فقد قال - ﵊ -: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة» حتى ذكرت أن الروم وفارسا يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم شيئا. لا لنجاسة إذ هو محمول على الطهارة بالأدلة المذكورة. وإذ لا توقيت في عدد الغسل من النجاسة فإذا ولغ الكلب المأذون في اتخاذه في إناء فيه ماء أو طعام لم ينجس الماء ولا الطعام على هذا التأويل، ووجب أن يتوقى من شربه أو أكله أو استعمال الإناء قبل غسله مخافة أن يكون الكلب كلبا فيكون قد داخل ذلك من لعابه ما يشبه السم المضر بالأبدان على ما أرشد النبي - ﷺ - إليه بما أمر به من غسل الإناء الذي ولغ فيه سبعا إشفاقا منه - ﷺ -
[ ١ / ٩٠ ]
على أمته، فإنه - ﷺ - كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما. ويدل على هذا التأويل تحديده - ﷺ - لغسل الإناء سبعا لأن السبع من العدد مستحب فيما كان طريقه التداوي لا سيما فيما يتقي منه السم. فقد قال - ﷺ - في مرضه: «هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس». وقال - ﷺ -: «من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر».
فصل
فعلى هذا التأويل لا ينبغي شرب الماء الذي ولغ فيه الكلب لما أرشد النبي - ﵊ - إليه مما يتقي منه ولا ينفع غسل الإناء به ويجوز الوضوء به وجد غيره أو لم يجد. وعلى القول بأنه يغسل سبعا للنجاسة لا يجوز شربه ولا غسل الإناء به لأنه نجس. ويختلف في الوضوء به إذا لم يجد سواه على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يتوضأ به ولا يتيمم وهو مذهب ابن القاسم. والثاني أنه يتوضأ به ويتيمم ويصلي وهو مذهب ابن الماجشون. والثالث أنه يتيمم ويصلي ثم يتوضأ به ويصلي وهو قول سحنون. وعلى القول بأنه يغسل سبعا تعبدا لا لنجاسة يجوز شربه ولا ينبغي الوضوء به إذا وجد غيره مراعاة للخلاف في النجاسة. وكذلك لا ينبغي أن يغسل الإناء به إذا وجد غيره مراعاة للخلاف. وأما إن لم يجده غيره فقيل إنه يغسل الإناء به كما يتوضأ به. والأظهر أنه لا يغسل الإناء به وإن كان يتوضأ به؛ لأن المفهوم من أمر النبي - ﵊ - بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه أن يغسل بغير ذلك الماء ويجوز على قياس هذا أن يغسل بماء غيره قد ولغ فيه كلب.
فصل
وقد اختلف في معنى ما وقع في المدونة من قول ابن القاسم: وكان
[ ١ / ٩١ ]
يضعفه، فقيل إنه أراد بذلك أنه كان يضعف الحديث لأنه حديث آحاد وظاهر القرآن يعارضه وما ثبت أيضا في السنة من تعليل النبي - ﷺ - طهارة الهرة بالطواف علينا والمخالطة لنا. وقيل بل أراد بذلك أنه كان يضعف [وجوب الغسل، وقيل بل أراد بذلك أنه كان يضعف] العدد. فالتأويل الأول ظاهر في اللفظ بعيد في المعنى، إذ ليس في الأمر بغسل الإناء سبعا ما يقتضي نجاسته فيعارضه ظاهر القرآن وما علل به النبي - ﵊ - طهارة الهر. والتأويل الثاني بعيد في اللفظ ظاهر في المعنى؛ لأن الأمر محتمل للوجوب والندب، فإذا صح الحديث وحمل على الندب والتعبد لغير علة لم يكن معارضا لظاهر القرآن ولا لما علل به النبي - ﵊ - طهارة الهرة. وأما التأويل الثالث فهو بعيد في اللفظ والمعنى، إذ لا يصح تضعيف العدد مع ثبوت الحديث لأنه نص فيه على السبع، ولا يجوز أن يصح الحديث ويضعف ما نص فيه عليه، وبالله التوفيق.
فصل
واختلف قول مالك في غسل الإناء من ولوغ الخنزير فيه، فعنه فيه روايتان: إحداهما أنه لا يغسل، والثانية أنه يغسل سبعا قياسا على الكلب، وهي رواية مطرف عنه، حكى الروايتين عنه ابن القصار.
فصل
وإذا قاس الخنزير على الكلب فيلزمه ذلك في سائر السباع لوجود العلة فيها وهي أنها أكثر أكلا للأنجاس من الكلب. وأيضا فإن الكلب اسم للجنس يدخل تحته جميع السباع لأنها كلاب. روي «أن رسول الله - ﷺ - قال في عتبة بن أبي لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فعدا عليه الأسد فقتله».
[ ١ / ٩٢ ]
فصل
وموت الدابة في الماء الدائم على مذهب ابن القاسم ورواية المصريين عن مالك بخلاف حلول النجاسة فيه؛ لأن النجاسة تنماع في الماء ويخشى أن يخرج من الدابة عند موتها شيء لا ينماع في الماء ويبقى على وجهه، فإن كان الماء غير معين مثل القصرية أو الجب طرح ولم يتوضأ منه مخافة أن يكون ذلك الشيء النجس قد حصل فيما يتوضأ به، وإن كان بئرا نزف منها قدر ما تطيب النفس به إلا أن يتغير الماء فلا بد أن ينزف منها حتى يزول التغير.
فصل
وهذا في الدواب التي لها دم سائل. وأما الخشاش مثل التي ليس لها دم سائل ودواب الماء مثل السرطان والضفدع فلا يفسد الماء موته فيه. فإن تقطعت أجزاء الخشاش في الماء جرى ذلك على الاختلاف في جواز أكلها بغير ذكاة.
[ ١ / ٩٣ ]
القول في استقبال القبلة لبول أو غائط
ثبت عن النبي - ﷺ - من رواية أبي هريرة أنه «نهى أن تستقبل القبلة ببول أو غائط». وروي «عن ابن عمر أنه قال لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله - ﷺ - على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.» وفي غير رواية مالك «مستقبل بيت المقدس مستدبر القبلة»، وهو مفسر لما وقع في رواية مالك. وروي «عن عائشة أنها قالت: ذكر عند النبي - ﷺ - أن قوما يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال أوقد فعلوا استقبلوا بمقعدي القبلة». وروي عن النبي - ﵊ - من رواية جابر بن عبد الله «أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها لبول أو غائط، ثم قال رأيته بعد ذلك مستقبل القبلة ببوله قبل موته بعام». واختلف أهل العلم في تخريج هذه الأحاديث واستعمالها، فمنهم من أخذ بالحديث الأول وحمله على عمومه في القرى والمدائن والفيافي والقفار. ومنهم من جعل حديث جابر ناسخا له فأجاز استقبال القبلة للبول والغائط وهم أهل الظاهر. وأما مالك فاستعمل الحديثين الحديث الأول وحديث ابن عمر، وجعل حديث ابن عمر مخصصا للحديث الأول وقال إنما عنى بذلك الصحارى والفيافي ولم يعن بذلك القرى والمدائن. هذا قوله في المدونة. فعلى قوله فيها يجوز
[ ١ / ٩٤ ]
استقبال القبلة واستدبارها في القرى والمدائن من غير ضرورة إلى ذلك. والدليل على ذلك أنه أجاز مجامعة الرجل امرأته إلى القبلة ولا مشقة عليه في التحول عنها في ذلك. ويؤيد هذا المذهب حديث عائشة «استقبلوا بمقعدي القبلة». فالمعنى على هذا في النهي من أجل أن لله عبادا يصلون له، فإذا استتر في القرى والمدائن بالأبنية ارتفعت العلة. وكذلك على هذا لو استتر في الصحراء بشيء لجاز أن يستقبل القبلة لحاجته، وقد فعل هذا عبد الله بن عمر. روى مروان الأصفر عنه أنه أناخ راحلته مستقبل بيت المقدس ثم جلس يبول إليها، فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ فقال إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس به.
ولمالك في المجموعة أنه لا يستقبل القبلة لبول أو غائط في القرى والمدائن إلا في الكنف المتخذة لذلك للمشقة الداخلة عليه في التحول عنها. فالمعنى عنده على هذه الرواية في النهي إعظام القبلة، فلا يجوز له أن يجامع امرأته مستقبل القبلة على هذه الرواية إذ لا ضرورة إلى ذلك. ويحمل حديث ابن عمر أن اللبنتين كانتا مبنيتين ولم يصح عنده حديث عائشة أو لم يبلغه والله أعلم. وذكر أبو إسحاق التونسي أنه قد تؤول على ما في المدونة أنه أجاز مجامعة الرجل امرأته في الصحراء إلى القبلة، وهو بعيد والله أعلم.
فصل في القول في الملامسة
المعنى في الملامسة الطلب. قال الله ﷿: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] أي طلبنا السماء وأردناها فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا أي حفظة يحفظونها. «وقال رسول الله - ﷺ - لرجل سأله أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للنبي - ﵊ -: "هل معك شيء تصدقها قال ما عندي إلا إزاري هذا. قال فإن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك
[ ١ / ٩٥ ]
فالتمس شيئا أي اطلب قال ما أجد شيئا قال رسول الله - ﷺ - التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا» ".
فصل
فلا يقال لمن مس شيئا قد لمسه إلا أن يكون مسه ابتغاء معنى يطلبه من حرارة أو برودة أو صلابة أو رخاوة أو علم حقيقة. قال الله ﷿: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] ألا ترى أنه يقال تماس الحجران ولا يقال تلامس الحجران لما كانت الإرادة والطلب مستحيلة عليهما.
فصل
فلما كان المعنى المقصود من مس النساء الالتذاذ بهن علم أن معنى قول الله ﷿: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] هو اللمس الذي يبتغى به اللذة دون ما سواه من المعاني.
فصل
وقد اختلف في قول الله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فقيل المراد بذلك الجماع، روي ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وهو قول عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. روي أن عبيد بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح اختلفوا في الملامسة، فقال سعيد وعطاء هو اللمس والغمز، وقال عبيد بن عمير هو النكاح، فخرج عليهم ابن عباس وهم كذلك فسألوه وأخبروه بما قالوا فقال أخطأ الموليان وأصاب العربي، هو الجماع ولكن الله يعف ويكفي وهو
[ ١ / ٩٦ ]
محفوظ عن ابن عباس من وجوه كثيرة. روي عنه أنه قال ما أبالي قبلت امرأتي أو شممت ريحانة. وإلى هذا ذهب أهل العراق وحجتهم ما روي «عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يقبلها ثم يخرج إلى الصلاة فلا يتوضأ». وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] قالوا فالملامسة مفاعلة من اثنين فلا يكون إلا الجماع. وقيل إن المراد به ما دون الجماع من القبلة والمباشرة واللمس، وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود. وتأول إسماعيل القاضي مثله على عمر بن الخطاب في قوله إن الجنب لا يتيمم، وقال به جماعة من التابعين، وإليه ذهب مالك وأصحابه. والدليل على ذلك أن الله ﷿ قد ذكر في أول الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فلو كان معنى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] الجماع لكان مكررا لغير فائدة ولا معنى. ودليل آخر وهو أن لفظ الملامسة حقيقة في اللمس باليد ومجاز في الوطء، وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز. ودليل ثالث وهو أن الملامسة واقعة على التقاء البشرتين، فإذا كانت كذلك لم يخل اللمس باليد من أن يكون أولى بإطلاق هذا الاسم عليه من الجماع فيقتصر عليه، أو أن يكون هو وغيره من أنواعها سواء فيجب حمل الظاهر على عمومه في كل ما يقع عليه الاسم، ولأن الآية قد قرئت أو لمستم النساء، ولا خلاف أن ذلك لغير اللمس باليد فصح ما ذهب إليه مالك - ﵀ -.
فصل
فإذا ثبت أن الملامسة ما دون الجماع من القبلة والمباشرة واللمس باليد فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه: أحدها أن يقصد بهذه الأشياء إلى الالتذاذ فيلتذ، والثاني أن لا يقصد بها إلى الالتذاذ ولا يلتذ، والثالث أن يقصد بها إلى الالتذاذ فلا يلتذ، والرابع أن لا يقصد بها إلى الالتذاذ فيلتذ.
فصل
فأما الوجه الأول وهو أن يقصد بها إلى الالتذاذ فيلتذ فلا خلاف عندنا في إيجاب الوضوء لوجود الملامسة التي سماها الله ووجود معناها وهو الالتذاذ.
[ ١ / ٩٧ ]
وأما الوجه الثاني: وهو أن لا يقصد بها إلى الالتذاذ ولا يلتذ فتفترق فيه القبلة من المباشرة واللمس. فأما المباشرة واللمس فلا يجب عليه فيهما وضوء إذا لم يلامس اللمس الذي عناه الله تعالى بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] ولا وجد معناه. وأما القبلة فاختلف فيها على قولين: أحدهما إيجاب الوضوء منها وهي رواية أشهب عن مالك وقول أصبغ ودليل المدونة. وعلة ذلك أن القبلة لا تنفك من اللذة إلا أن تكون صبية صغيرة فيقبلها على سبيل الرحمة أو ذات محرم فيقبلها على سبيل الوداع أو ما أشبه ذلك. والثاني أن لا وضوء منها كالملامسة والمباشرة وهو قول مطرف وابن الماجشون وغيرهما.
وأما الوجه الثالث وهو أن يقصد بها إلى اللذة فلا يلتذ ففي ذلك اختلاف. روى عيسى عن ابن القاسم أن عليه الوضوء، وهو ظاهر ما في المدونة. والعلة في ذلك وقوع الملامسة التي عناها الله تعالى بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وهي الملامسة ابتغاء اللذة على ما بيناه. فإذا ابتغاها بلمسه وجب عليه الوضوء وجدها أو لم يجدها على ظاهر القرآن إذ لم يشترط في الملامسة وجود لذة. واعتل في الرواية بأنه قد وجدها بقلبه حيت وضع يده على امرأته وليس ذلك بعلة صحيحة؛ لأن اللذة إذا لم تكن كائنة عن اللمس وموجودة به فلا معنى للاعتبار بها. وروى أشهب عن مالك أنه لا وضوء عليه. ووجه ذلك أن المعنى في إيجاب الملامسة الوضوء اقتران اللذة بها فإن عدمت لم يجب الوضوء، وهذا الاختلاف فيما عدا القبلة. وأما القبلة فإنها توجب الوضوء إذا قصد بها اللذة وإن لم يلتذ لا أعرف في المذهب نصا خلاف ذلك، ولا يبعد دخول الاختلاف فيه بالمعني.
وأما الوجه الرابع وهو أن لا يقصد بها إلى اللذة فيلتذ فهذا لا اختلاف فيه في المذهب إنه يوجب الوضوء لأنه وجد معنى الملامسة، والأحكام إنما هي للمعاني.
فصل
وسواء على مذهب مالك كانت الملامسة على ثوب أو على غير ثوب إلا أن
[ ١ / ٩٨ ]
يكون الثوب كثيفا، روى ذلك علي بن زياد عن مالك، وهو مفسر لجميع الروايات عندي ..
فصل
وهذا التفصيل كله في اللامس. وأما الملموس فإن التذ وجب عليه الوضوء، وإن لم يلتذ فلا وضوء عليه. هذا تحصيل مذهب مالك. والشافعي يوجب الوضوء على اللامس إذا لمس على غير حائل قصد بلمسه اللذة أو لم يقصدها وجدها أو لم يجدها، وله في الملموس قولان أحدهما كقول مالك، والثاني أنه لا وضوء عليه. وحجته في ذلك «حديث عائشة فقدت رسول الله - ﷺ - فالتمسته فوقعت يدي على باطن قدميه وهو يصلي».
[ ١ / ٩٩ ]
القول في الوضوء من مس الذكر
ومما يتعلق بالملامسة وهو من معناها مس الذكر. اختلفت الآثار عن النبي - ﷺ - في إيجاب الوضوء من مس الذكر، فروى عنه الأمر بالوضوء من مس الذكر جماعة منهم أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص وزيد بن خالد الجهني وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وجابر وبسرة وأم حبيبة، وروي بألفاظ مختلفة ومعان متفقة في بعضها: «من مس ذكره فليتوضأ» «ومن مس فرجه فليتوضأ» «ومن مس فرجه فلا يصلين حتى يتوضأ وضوءه للصلاة» «ومن أفضى بيده إلى فرجه ليس بينها وبينه حجاب فقد وجب عليه الوضوء» «والوضوء من مس الذكر» «وويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون». «وروى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي أنه قال: قدمنا على رسول الله - ﷺ - فجاءه رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: "وهل هو إلا بضعة منك»
فصل
واختلف أهل العلم في تأويل هذه الأحاديث وتخريجها وفي المعمول به منها فذهبت طائفة منهم إلى الأخذ بوجوب الوضوء من مس الذكر جملة من
[ ١ / ١٠٠ ]
غير تفصيل وصححوا الآثار الواردة بالأمر بالوضوء من مسه وضعفوا حديث طلق بن علي. ومنهم من جعله منسوخا بحديث بسرة، واستدل على نسخه بأن إيجاب الوضوء وارد من جهة الشرع، وقوله هل هو إلا بضعة منك حجة عقلية، فجاز أن ينسخ ما في العقل بالشرع، ولا يصح أن ينسخ الشرع بما في العقل. ومنهم من تأوله فقال ليس فيه نص بإسقاط الوضوء، فيحتمل أن يكون المراد به إجازة مسه وإسقاط غسل اليدين من مسه كسائر الأعضاء. ومنهم من ذهب إلى أن لا وضوء من مس الذكر جملة من غير تفصيل، وهم أهل العراق، وصححوا حديث طلق وضعفوا الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء منه بأن قالوا إن هذا أمر تعم به البلوى، فلو كان الوضوء منه واجبا لألقاه رسول الله - ﷺ - إلى أمته إلقاء ذائعا ولو فعل ذلك لم يخف على أكابر الصحابة مثل عثمان وعلي وابن عباس وعمران بن الحصين وغيرهم [ممن أنكر الوضوء من مس الذكر. وهذا يعكس عليهم فيقال لهم لو كان الوضوء غير واجب منه لم يخف ذلك على أكابر الصحابة الذين أوجبوا الوضوء منه مثل عمر بن الخطاب وسعيد وابن عمر وغيرهم] .. ومنهم من فرق بين العمد والنسيان، فاستعمل حديث طلق في مسه ناسيا، والآثار الواردة بالأمر بالوضوء من مسه في مسه عامدا.
فصل
وأما مالك - ﵀ - فاختلفت الروايات عنه في ذلك، فروى عنه أشهب أنه سئل عن مس الذكر فقال: لا أوجبه وأبى فروجع في ذلك فقال يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا. وروي عنه في موضع آخر من مس ذكره انتقض وضوؤه وقال في المدونة إن مسه بباطن كفه أو أصابعه انتقض وضوؤه، وإن مسه بظاهر الكف أو الذراع لم ينتقض وضوؤه. واختلف قوله في مسه ناسيا على قولين رواهما عنه ابن وهب في العتبية. فتحصيل هذا أن له في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها ألا وضوء من
[ ١ / ١٠١ ]
مس الذكر ناسيا كان أو متعمدا كمذهب أهل العراق، وهي رواية أشهب الأولى عن مالك؛ لأن الإعادة في الوقت استحباب، وهو قول سحنون وروايته عن ابن القاسم في العتبية. والثاني إيجاب الوضوء من مسه ناسيا كان أو متعمدا. قيل إذا مسه بباطن الكف أو الأصابع التذ أو لم يلتذ لأنه الموضع المقصود بمسه له فخرج الحديث عليه، وإن مسه بظاهر الكف أو الذراع لم يجب عليه الوضوء وإن التذ. وقيل بل إذا التذ وجب عليه الوضوء مسه بباطن الكف أو بظاهره أو بأي عضو كان. أما التأويل الأول فهو لبعض أهل النظر على قول مالك في المدونة، وأما التأويل الثاني فمنهم من يتأوله على ما في المدونة ويقول إن تخصيصه فيها لباطن الكف من ظاهره تنبيه منه على مراعاة اللذة، ومنهم من يتأوله على مذهب مالك قياسا على ملامسة النساء. والقول الثالث إنه إن كان ناسيا فلا وضوء عليه بحال، وإن كان متعمدا فعليه الوضوء على التأويلين المذكورين. وقد قيل إن معنى رواية أشهب عن مالك الأولى إذا مسه على غير الصفة المراعاة في نقض الوضوء إما ناسيا وإما متعمدا بظاهر الكف أو الذراع التذ أو لم يلتذ على الاختلاف المتقدم. هذا تحصيل مذهب مالك في هذه المسألة، وهذا إذا مسه على غير حائل. وأما إن كان مسه على حائل رقيق فاختلف قول مالك: روى عنه ابن وهب أنه لا وضوء عليه وهو الأشهر، وروى علي بن زياد عن مالك أن عليه الوضوء. وأما إن مسه على حائل كثيف فلا وضوء عليه، فعلى ما حكيناه من الاختلاف لا اختلاف في المذهب أنه إن مس ذكره ناسيا أو متعمدا بظاهر الكف أو الذراع ولم يلتذ فلا وضوء عليه.
فصل
وأما مس المرأة فرجها فعن مالك في ذلك أربع روايات: إحداها سقوط الوضوء، والثانية استحبابه، والثالثة إيجابه، والرابعة التفرقة بين أن تلطف أو لا تلطف، وهي رواية ابن أبي أويس عنه. فأما الرواية الأولى والثانية فهما واحدة في سقوط الوجوب. وذهب أبو بكر الأبهري إلى أن ذلك كله ليس باختلاف رواية، وإنما هو اختلاف أحوال، فرواية ابن القاسم وأشهب في سقوط الوضوء معناها إذا لم تلطف ولا قبضت عليه فالتذت، ورواية علي بن زياد عن مالك في وجوب
[ ١ / ١٠٢ ]
الوضوء معناها إذا ألطفت على ما بين في رواية ابن أبي أويس عن مالك. ومن أصحابنا من يحمل الروايات كلها على روايتين: إحداهما وجوب الوضوء، والثانية سقوطه، والوجوب متعلق بالإلطاف والالتذاذ.
فصل
فإذا مست المرأة فرجها فلم تلطف ولم تلتذ فلا وضوء عليها عند مالك، ولم يختلف عنه في ذلك، فإذا ألطفت والتذت وجب عليها الوضوء عند مالك بلا خلاف، وقيل إن عنه في ذلك روايتين على ما بيناه.
فصل
ولم يختلف قول مالك في أنه لا وضوء على الرجل في مس دبره التذ أو لم يلتذ، وأوجب عليه الشافعي الوضوء لظاهر قول النبي - ﵊ - «من مس فرجه فقد وجب عليه الوضوء».
فصل في القول في الرعاف
الرعاف ليس بحدث ينقض الطهارة عند مالك وجميع أصحابه قل أو كثر، خلافا لأبي حنيفة وأصحابه في قولهم إنه ينقض الوضوء إذا كان كثيرا، ولمجاهد في قوله إنه ينقضه وإن كان يسيرا. وهو -أعني الرعاف- ينقسم في حكم الصلاة على قسمين: أحدهما أن يكون دائما لا ينقطع. والثاني أن يكون غير دائم ينقطع. فأما القسم الأول وهو أن يكون دائما لا ينقطع فالحكم فيه أن يصلي صاحبه الصلاة به في وقتها على الحالة التي هو عليها. والأصل في ذلك أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صلى حين طعن وجرحه يثعب دما. فإن لم يقدر على السجود والركوع إما لأنه يضر به ويزيد في رعافه وإما لأنه يخشى أن يتلطخ بالدم إن ركع أو سجد أومأ في صلاته كلها إيماء كما قال سعيد بن المسيب فكلا التأويلين
[ ١ / ١٠٣ ]
قد تؤولا عليه. فإن انقطع عنه الرعاف في بقية من الوقت وقدر على الصلاة راكعا أو ساجدا لم تجب عليه إعادة لأن إيماءه إن كان لإضرار الركوع أو السجود فهو كالمريض الذي لا يقدر على السجود فيصلي إيماء ثم يصح في بقية من الوقت أنه لا إعادة عليه، وإن كان مخافة أن تمتلئ ثيابه بالدم فهو عذر يصح له به الإيماء إجماعا فوجب أن لا تكون عليه إعادة كالمسافر الذي لا علم عنده بالماء يتيمم ثم يجد الماء في الوقت أنه لا إعادة عليه من أجل أنه من أهل التيمم إجماعا، بخلاف المريض والخائف إذ قيل إنهما ليسا من أهل التيمم، وبخلاف المصلي في الطين إيماء إذ قيل إنه ليس من أهل الإيماء ويلزمه أن يركع ويسجد في الطين وإن فسدت ثيابه فما ذلك على الله بعزيز، وقد «سجد رسول الله - ﷺ - في الماء والطين فانصرف من الصلاة وعلى جبينه وأنفه أثر الماء والطين».
وأما القسم الثاني وهو أن يكون غير دائم ينقطع، فإن أصابه قبل أن يدخل أخر الصلاة حتى ينقطع عنه ما لم يفت وقت الصلاة المفروضة: القامة للظهر، والقامتان للعصر. وقيل بل يؤخرهما ما لم يخف فوات الوقت جملة بأن يتمكن اصفرار الشمس للظهر والعصر فيخشى أن لا يدرك تمامهما قبل غروب الشمس، فإن خشي ذلك صلاهما قبل خروج الوقت كيفما أمكنه ولو إيماء. وإن أصابه ذلك بعد أن دخل في الصلاة فلا يخلو من وجهين: أحدهما أن يكون يسيرا يذهبه الفتل. والثاني أن يكون كثيرا قاطرا أو سائلا لا يذهبه الفتل. فأما إن كان يسيرا يذهبه الفتل فإنه يفتله ويتمادى على صلاته فذا كان أو إماما أو مأموما، ولا اختلاف في ذلك على ما روي عن جماعة من السلف، منهم سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، أنهم كانوا يرعفون في الصلاة حتى تختضب أصابعهم أي الأنامل الأولى منها من الدم الذي يخرج من أنوفهم فيفتلونه ويمضون على صلاتهم. وأما إن تجاوز الدم الأنامل الأولى وحصل منه في الأنامل الوسطى قدر الدرهم على مذهب ابن حبيب أو أكثر من الدرهم على رواية علي بن زياد عن مالك، فيقطع ويبتدئ،
[ ١ / ١٠٤ ]
لأنه قد حصل بذلك حامل نجاسة، فلا يصح له التمادي على صلاته ولا البناء عليها بعد غسل الدم. وأما إن كان كثيرا قاطرا أو سائلا لا يذهبه الفتل فالذي يوجبه القياس والنظر أن يقطع وينصرف فيغسل الدم ثم يبتدئ بصلاته؛ لأن الشأن في الصلاة أن يتصل عملها ولا يتخللها شغل كثير ولا انصراف عن القبلة، إلا أنه قد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين إجازة البناء في الصلاة بعد غسل الدم، ومعناه ما لم يتفاحش بعد الموضع الذي يغسله فيه، وقال بذلك مالك وجميع أصحابه في الإمام والمأموم، واختلفوا في الفذ، فذهب ابن حبيب إلى أنه لا يبني الفذ، قال لأن البناء إنما هو ليحوط فضل الجماعة. وقال محمد بن مسلمة يبني. ومثله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في بعض روايات العتبية، وهو قول أصبغ أيضا وظاهر ما في المدونة على ما قاله ابن لبابة. واختلفوا أيضا فيمن رعف قبل أن يركع بعد أن أحرم هل يصح له البناء على إحرامه أم لا على أربعة أقوال: أحدها أنه يبني على إحرامه جملة من غير تفصيل وهو قول سحنون. والثاني أنه لا يبني ويستأنف الإقامة والإحرام جملة أيضا من غير تفصيل وهو قول ابن عبد الحكم، ومثله في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم. والثالث أنها إن كانت جمعة ابتدأ الإحرام، وإن كانت غير جمعة بنى على إحرامه، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه وظاهر ما في المدونة عندي، واستحب أشهب في الجمعة أن يقطع. والرابع أنه إن كان وحده أو إماما ابتدأ الإحرام، وإن كان مأموما بنى على إحرامه.
واختلفوا أيضا فيمن رعف في أثناء الركعة قبل أن تتم بركوعها وسجودها على أربعة أقوال:
أحدها أنه يصح له ما مضى منها ويبني عليها كانت الأولى أو الثانية بعد أن عقد الأولى، فإن رعف وهو راكع فرفع رأسه للرعاف رفع من الركعة، وإذا رجع رجع إلى القيام فيخر منه إلى السجود. وإن رعف وهو ساجد فرفع رأسه للرعاف
[ ١ / ١٠٥ ]
رفع من السجدة، فإذا رجع سجد السجدة الثانية أو جلس فتشهد إن كان رعافه في السجدة الثانية. وإن كان رعف وهو جالس في التشهد الأول فقيامه للرعاف قيام من الجلسة، فإذا رجع ابتدأ قراءة الركعة الثالثة، إلا أن يكون ذلك في مبتدأ الجلوس فليرجع إلى الجلوس حتى يتم تشهده، وهو قول ابن حبيب، وحكاه عن ابن الماجشون.
والثاني أنه يلغي ما مضى عن تلك الركعة ولا يبني على شيء منه، ويبتدئها بالقراءة من أولها إذا رجع، كانت الركعة الأولى أو الثانية بعد أن عقد الأولى. وهو ظاهر ما في المدونة عندي، وقد روي ذلك عن ابن القاسم.
والثالث أنه إن كان في الركعة الأولى لم يبن واستأنف الإحرام، وإن كان في الثانية بعد أن عقد الأولى ألغى ما مضى منها واستأنف الركعة من أولها بالقراءة إذا رجع. وقد تؤول ما في المدونة على هذا، وهو قول ابن القاسم وروايته أيضا عن مالك في رسم سلعة سماها، فمرة ساوى ابن القاسم بين الركعة الأولى والثانية، ومرة فرق بينهما على ما قد ذكرته عنه.
والرابع أنه إن كان في الركعة الأولى لم يبن واستأنف الإحرام، وإن كان في الثانية بعد أن عقد الأولى صح له ما مضى منها وبنى عليه إذا رجع. روي هذا القول عن ابن الماجشون. فيتحصل إذا رعف في أثناء الركعة الأولى خمسة أقوال، وإذا رعف في أثناء الركعة الثانية بعد أن عقد الأولى قولان.
فصل
ولصحة البناء في الرعاف أربعة شروط متفق عليها: أحدها أن لا يجد الماء في موضع فيجاوزه إلى غيره؛ لأنه إن وجد الماء في موضع. فتجاوزه إلى غيره بطلت صلاته باتفاق. والثاني أن لا يطأ على نجاسة رطبة؛ لأنه إن وطئ على نجاسة رطبة انتقضت صلاته باتفاق أيضا. والثالث أن لا يسقط من الدم على ثوبه أو جسد ما لا يغتفر لكثرته، وقد تقدم الخلاف في حده؛ لأنه إن سقط من الدم
[ ١ / ١٠٦ ]
على ثوبه أو جسده كثير بطلت صلاته باتفاق. والرابع أن لا يتكلم جاهلا أو متعمدا؛ لأنه إن تكلم جاهلا أو متعمدا بطلت صلاته باتفاق. وشرطان مختلف فيهما: أحدهما أن لا يتكلم ناسيا لأنه قد اختلف إن تكلم ناسيا فقال ابن حبيب لا يبني لأن السنة إنما جاءت في بناء الراعف ما لم يتكلم ولم يخص في ذلك ناسيا من متعمد وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه يبني على صلاته ويسجد لسهوه إلا أن يكون الإمام لم يفرغ بعد من صلاته فإنه يحمله عنه. والثاني أن لا يطأ على قشب يابس لأنه قد اختلف إن وطئ على قشب يابس، فقال ابن سحنون تنتقض صلاته، وقال ابن عبدوس لا تنتقض صلاته. وأما مشيه في الطريق لغسل الدم وبها أرواث الدواب وأبوالها فلا تنتقض بذلك صلاته لأنه مضطر إلى المشي في الطريق لغسل الدم كما يضطر إلى الصلاة فيها، وليس بمضطر إلى المشي على القشب اليابس قاله ابن حارث.
فصل
وليس البناء في الرعاف بواجب وإنما هو من قبيل الجائز. وقد اختلف في المختار المستحب من ذلك، فاختار ابن القاسم القطع بسلام أو كلام على القياس. قال فإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة، واختار مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - البناء على الأتباع للسلف وإن خالف ذلك القياس والنظر، وهذا على أصله [أن العمل أقوى من القياس؛ لأن العمل المتصل لا يكون أصله] إلا عن توقيف. وقد ذكر ابن حبيب ما دل على وجوب البناء وهو قوله إن الإمام إذا رعف فاستخلف بالكلام جاهلا أو متعمدا بطلت صلاته وصلاتهم، فجعل قطعه صلاته بالكلام بعد الرعاف يبطل صلاتهم كما لو تكلم جاهلا أو متعمدا بغير رعاف. والصواب ما في المدونة أن صلاتهم لا تبطل؛ لأنه إذا رعف فالقطع له جائز في قول ومستحب في قول، فكيف تبطل صلاة القوم بفعله ما يجوز له أو ما يستحب له؟.
[ ١ / ١٠٧ ]
فصل
ولا يخرج الراعف من حكم الصلاة وحرمتها على مذهب من يجيز له البناء إلا بأن يقطع بسلام أو كلام أو فعل ما لا يصح فعله في الصلاة. وهذا وجه قول ابن حبيب إن من رعف وهو جالس في وسط صلاته أو راكع أو ساجد فإن قيامه من الجلوس أو رفعه من الركوع أو السجود لرعافه يعتد به من صلاته.
فصل
واختلف إذا كان مأموما فانصرف لغسل الدم وهو يريد البناء هل يخرج من حكم الإمام أم لا على أربعة أقوال: أحدها أنه يخرج من حكمه حتى يرجع إليه جملة من غير تفصيل. والثاني أنه لا يخرج من حكمه جملة من غير تفصيل. والثالث أنه إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة خرج عن حكمه حتى يرجع إليه، وإن رعف بعد أن قيد معه ركعة لم يخرج عن حكمه. والرابع أنه إن أدرك ركعة من صلاة الإمام بعد رجوعه كان في حكمه حال خروجه عنه، وإن لم يدرك من صلاته ركعة بعد رجوعه لم يكن في حكمه حال خروجه، فتكون على هذا القول أحكامه حال خروجه في ارتباط صلاته بصلاة إمامه معتبرة بما يكشفه الغيب من إدراك ركعة فأكثر من صلاته. فمن رأى أنه يخرج من حكمه حتى يرجع يقول إن أفسد الإمام صلاته متعمدا قبل أن يرجع لم تفسد عليه هو، وإن تكلم سهوا سجد بعد السلام ولم يحمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب الذي يرى أن ذلك يبطل عليه البناء. وإن ظن أن الإمام قد أتم صلاته فأتم صلاته في موضعه ثم تبين له أنه لو مضى لأدركه في الصلاة أجزأته صلاته، وإن سها الإمام لم يلزمه من سهوه شيء. ومن رأى أنه لا يخرج عن حكمه يقول إن أفسد الإمام صلاته متعمدا فسدت عليه هو صلاته، وإن أتم صلاته في موضعه ثم تبين له أنه لو مضى لأدرك الإمام في الصلاة لم تجزه صلاته، وإن سها الإمام لزمه سهوه، وإن تكلم هو ساهيا حمل ذلك عنه الإمام، خلاف أصل ابن حبيب المذكور. وإن قرأ الإمام بعده سجدة
[ ١ / ١٠٨ ]
فسجدها فرجع هو بعد سلام الإمام كان عليه أن يقرأها ويسجدها، قاله ابن المواز على قياس هذا القول.
فصل
وحكم الإمام في الرعاف حكم المأموم في جميع الأشياء لأنه يستخلف عند رجوعه من يتم بالقوم صلاتهم، فيصير المستخلف له إماما يصلي معه ما أدرك من صلاته بعد غسل الدم ويقضي ما فاته ويكون في حكمه حتى يرجع إليه على الاختلاف المذكور فوق هذا. فإن ظن الإمام أنه قد رعف فانصرف ثم تبين أنه لم يرعف بطلت صلاته، واختلف في صلاة القوم فقال ابن عبدوس لا تبطل وحكى ذلك عن سحنون في المجموعة، وقال ابن سحنون تبطل.
فصل
فإذا رعف الرجل خلف الإمام فخرج فغسل الدم عنه فإن علم أنه يدرك الإمام في صلاته رجع إليه فأتم معه، وإن علم أنه لا يدركه أتم صلاته في موضعه. فإن كان قد فاته بعض صلاة الإمام وصلى معه بعضها ثم رعف في بقيتها بدأ بالبناء قبل القضاء عند ابن المواز وابن حبيب وهو مذهب ابن القاسم. وقال محمد بن سحنون يبدأ بالقضاء قبل البناء. مثال ذلك أن يفوت الرجل ركعة من صلاة الإمام فيدخل معه في الثانية فيصليها معه ثم يرعف في الثالثة فلا ينصرف حتى يتم الإمام صلاته، فإنه على القول بتقديم البناء على القضاء يأتي بالركعة الثالثة يقرأ فيها بالحمد لله وحدها كما قرأ فيها الإمام لأنها ثالثة صلاته ويجلس فيها لأنها ثانية بنائه، إذ ليس بيده إلا الركعة الثانية التي صلى مع الإمام. ثم يأتي بالركعة الرابعة فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ويقوم عند ابن حبيب لأنها ثالثة بنائه، ويجلس عند ابن المواز لأنها رابعة صلاته وآخر صلاة الإمام، فلا يقوم للقضاء إلا من جلوس، ثم يأتي بالركعة الأولى التي فاتته بالحمد وسورة كما فاتته، فتصير صلاته جلوسا كلها على مذهبه. وعلى الفول بتقديم القضاء على البناء يأتي أولا بالركعة الأولى فيقرأ فيها بالحمد وسورة كما قرأ الإمام ويجلس فيها لأنها ثانية للركعة التي صلى مع
[ ١ / ١٠٩ ]
الإمام، ثم يأتي بالركعة الثالثة فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ويقوم ولا يجلس فيها لأنها ثالثة لما قد صلى، ثم يأتي بالركعة الرابعة بالحمد لله وحدها أيضا ويجلس ويتشهد ويسلم.
ولو فاتته مع الإمام الأولى وصلى معه الثانية ورعف في الثالثة وأدرك معه الرابعة لكان عليه قضاء الأولى والثالثة يبدأ بقضاء الأولى فيأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويقوم لأنها ثالثة له ثم يأتي بالثالثة فيقرأ فيها بالحمد لله وحدها ويجلس ويتشهد ويسلم، قاله ابن حبيب. ولم يقل إنه يبدأ ببناء الثالثة التي رعف فيها على الثانية التي صلاها مع الإمام على أصله في تبدئة البناء على القضاء، إذ قد حالت بينه وبين بنائه عليها الركعة الرابعة التي أدرك مع الإمام. وأما على مذهب من يرى أن القضاء يبدأ على البناء فلا إشكال في صحة هذا الجواب في هذه المسألة لأن البناء لما بعد فيها ووجب قضاء الركعتين وجب أن يبدأ بقضاء الأولى قبل الثالثة. وقد وقع لسحنون في المجموعة أنه يقضي الثالثة بالحمد لله وحدها قبل الأولى، وذلك مخالف لأصله بعيد من قوله.
فصل
وحكم الراعف خلف الإمام في الجمعة وغيرها سواء إلا في موضعين: أحدهما أنه إذا رعف في الجمعة بعد أن صلى مع الإمام ركعة فلم يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته أنه لا يصلي الركعة الثانية إلا في المسجد الذي ابتدأ الصلاة فيه لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد، فإن حال بينه وبين الرجوع إلى المسجد واد أو أمر غالب أضاف إليها ركعة وصلى ظهرا أربعا، قاله المغيرة. والثاني أنه إذا رعف قبل أن يتم مع الإمام ركعة بسجدتيها ثم لم يفرغ من غسل الدم حتى أتم الإمام صلاته لا يبني على صلاة الإمام تمام ركعتين ويصلي أربع ركعات في موضعه على قول من رأى أنه يبنى على الإحرام في الجمعة. وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك وبالله التوفيق.
[ ١ / ١١٠ ]
فصل
وإذا رعف الإمام في صلاة الجنازة أو صلاة العيد استخلف من يتم بالقوم بقية الصلاة كصلاة الفريضة سواء. وأما إذا رعف المأموم فيهما فإنه ينصرف ويغسل الدم ثم يرجع فيتم مع الإمام ما بقي من تكبير الجنازة وصلاة العيد، فإن علم أنه لا يدرك شيئا من ذلك مع الإمام أتم في موضعه حيث يغسل الدم عنه إلا أن يعلم أنه يدرك الجنازة قبل أن ترفع، فإنه يرجع حتى يتم ما بقي من التكبير عليها. قال أشهب: فإن كان رعف قبل أن يعقد من صلاة العيد ركعة أو قبل أن يكبر من تكبير الجنازة شيئا وخشي إن انصرف لغسل الدم أن تفوته الصلاة لم ينصرف وصلى على الجنازة وتمادى على صلاته في العيد. وكذلك لو رأى في ثوبه نجاسة وخاف إن انصرف لغسلها أن تفوته صلاة الجنازة أو صلاة العيد لتمادى على صلاته ولم ينصرف؛ لأن صلاة الجنازة والعيد مع الرعاف وبالثوب النجس أولى من فواتهما وتركهما بخلاف صلاتهما بالتيمم لمن لم يجد الماء، إذ ليس الصحيح الحاضر من أهل التيمم. هذا كله -أعني ما ذكرته في هذا الفصل- هو معنى ما في كتاب ابن المواز الذي ينبغي أن يحمل عليه وإن كان ظاهر لفظه مخالفا لبعضه. وبالله تعالى التوفيق.
فصل
في القول في التيمم
أمر الله ﷾ المسافر والمريض بالتيمم للصلاة عند عدم الماء، وأجمع أهل العلم على وجوب التيمم عليهما لأن الأمر لهما بالتيمم مع عدم الماء نص في الآية لا يحتمل التأويل. واختلفوا في الصحيح الحاضر العادم للماء والمريض الواجد للماء العادم للقدرة على مسه هل هما من أهل التيمم أم لا، لما
[ ١ / ١١١ ]
احتملته الآية من التأويل. فمن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها تقديما ولا تأخيرا رآهما من أهل التيمم؛ لأن شرط عدم الماء في الآية يعود على الحاضر، ويتأول إضماره في المريض والمسافر، وإضمار عدم القدرة على مسه في المريض أيضا. ومن قدر في الآية تقديما وتأخيرا لم يرهما من أهل التيمم؛ لأن شرط عدم الماء على التقديم والتأخير لا يعود إلا على المريض والمسافر. وكذلك إذا حملت الآية على التأويل الذي ذكرناه فيما تقدم فيها من أن "أو" في قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] بمعنى الواو لا يكونان من أهل التيمم، وهو أظهر من التأويلين المتقدمين؛ لأن التلاوة تبقى على ظاهرها دون تقديم وتأخير، ولا يحتاج فيها إلى إضمار، فتأتي بينة لا إشكال فيها ولا احتمال. لأن تقديرها على هذا التأويل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية إلى ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
والتيمم القصد، قال الله ﷿: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي قاصديه. والصعيد: ما صعد من الأرض، وقيل التراب. والطيب الطاهر. يقول الله تعالى: وإن كنتم على هذه الأحوال فاقصدوا ترابا طاهرا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه. ومذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه أن الصعيد وجه الأرض ترابا كان أو غيره؛ لأنهم يجيزون التيمم بالرمل والحصا والجبل.
والدليل على صحة قول مالك قول رسول الله - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» فوجب بظاهر هذا الحديث أن يجوز التيمم بكل ما هو مشاكل للأرض لم تدخله صنعة كما تجوز الصلاة عليه، ويجوز على هذا التيمم بالحشيش النابت على وجه الأرض إذا عم الأرض وحال بينك وبينها. وقال يحيى بن سعيد ما حال
[ ١ / ١١٢ ]
بينك وبين الأرض فهو منها. واختلف قول مالك في التيمم على الثلج إذا عم الأرض فأجازه في رواية علي بن زياد ومنع منه في رواية أشهب وغيره. وذهب الشافعي إلى أن التيمم لا يجوز إلا على التراب، واحتج بما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت تربتها لي طهورا»، فحصل الإجماع على إجازة التيمم على التراب، والاختلاف فيما سواه مما هو مشاكل للأرض. فالاختيار أن لا يتيمم على الحصباء وما أشبهها إلا عند عدم التراب. فإن تيمم عليه وهو واجد للتراب فظاهر المدونة أنه لا إعادة عليه، وقال ابن حبيب يعيد في الوقت. وأما الثلج فإن تيمم عليه وهو يصل إلى الأرض فيعيد أبدا، قاله ابن حبيب وهو معنى ما في المدونة، وإن تيمم عليه وهو لا يصل إلى الأرض فظاهر المدونة أنه لا إعادة عليه، وقال ابن حبيب يعيد في الوقت. وهذا كله على رواية علي بن زياد عن مالك، وأما على رواية أشهب عنه فيعيد أبدا إن تيمم عليه كان يصل إلى الأرض أو لا يصل إليها.
فصل
وعند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن التيمم بالتراب على غير وجه الأرض جائز مثل أن يرفع إلى المريض في طبق أو إلى الراكب في محمل أو يكون مريضا فيتيمم جدارا إلى جانبه إن كان من طوب نيء. وذهب ابن بكير إلى أن العبادة إنما هي القصد إلى وجه الأرض فلم يجز شيئا من ذلك.
فصل
وأطلق الله ﵎ الأيدي في التيمم ولم يقيدها بالحد إلى المرفقين كما فعل في الوضوء. واختلفت الآثار في ذلك عن النبي - ﷺ -، فروي عنه الأمر بالتيمم إلى المرفقين، وإلى الكوعين، بضربة واحدة، وبضربتين. «وروي عن عمار
[ ١ / ١١٣ ]
بن ياسر أنه قال: لما نزلت آية التيمم عمد المسلمون مع رسول الله - ﷺ - فتيمموا إلى المناكب والآباط.» فيحتمل أن يكونوا فعلوا ذلك اتباعا لظاهر القرآن بكل ما يقع عليه اسم يد عند العرب قبل أن يأمرهم رسول الله - ﷺ - في ذلك بشيء، إذ لا يوجد ذلك للنبي - ﵊ - في غير هذا الحديث. وعلى هذا اختلف أهل العلم في حد التيمم، فمنهم من ذهب إلى إيجاب التيمم إلى المنكبين، وهو قول ابن شهاب ومحمد بن مسلمة من أصحابنا. ومنهم من ذهب إلى أن التيمم لا يجب إلا إلى المرفقين على ما روي عن النبي - ﵊ - وقياسا على الوضوء، وهو مذهب الشافعي وأكثر أهل العلم، وإليه ذهب من أصحابنا ابن نافع ومحمد بن عبد الحكم. ومنهم من ذهب إلى أن التيمم لا يجب إلا إلى الكوعين قياسا على القطع في السرقة. قيل في ذلك كله بضربة واحدة، أو بضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين، فهذه ستة أقوال. وقال الحسن وابن أبي ليلى يضرب ضربتين فيمسح بكل واحدة منهما وجهه ويديه. وحكى ابن لبابة في المنتخب قولا ثامنا في المسألة، وهو أن الجنب يتيمم إلى الكوعين بالسنة لا بالقرآن، وغير الجنب إلى المنكبين على ظاهر ما في القرآن، واحتج لذلك بما يقف عليه من تأمله في موضعه من كتابه.
فصل
ومذهب مالك - ﵀ - أن الجنب يتيمم بظاهر القرآن؛ لأن الله ﵎ أمر بالوضوء من الحدث والغسل من الجنابة للصلاة، ثم أمر بالتيمم عند عدم الماء بالنص على ذلك، وعند عدم القدرة على استعماله بالتأويل الظاهر، فوجب أن يحمل ذلك على الوضوء والغسل من الجنابة جميعا، وأن لا يخصص في أحدهما دون الآخر إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. بل قد دلت السنن الواردة عن النبي - ﷺ - في تيمم الجنب على خلافه؛ وأن التيمم عنده، أعني عند مالك، من الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء سواء، وأن فرض التيمم فيهما ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، إلا أنه يستحب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين
[ ١ / ١١٤ ]
إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة لوجهه ويديه إلى المرفقين لم يعد.
فصل
ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الجنب لا رخصة له في التيمم، وهو مذهب عمر بن الخطاب، وكان عبد الله بن مسعود يقوله ثم رجع عنه. وقد روي «أن رجلا سأل عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أجد الماء، فأمره أن لا يصلي، فقال له عمار أما تذكر أنا كنا في سرية على عهد رسول الله - ﷺ - فأجنبت أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت بالتراب فصليت، فأتيت النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له فقال إنما كان يكفيك هكذا، فضرب بكفيه الأرض فنفخ فيهما فمسح وجهه وكفيه» فلم يقنع عمر بقول عمار وخشي أن يكون قد دخل عليه فيما حدثه به وهم أو نسيان إذ لم يذكر هو شيئا من ذلك.
فصل
وقد ذهب بعض الناس ممن ينتحل الحديث إلى أن الجنب يتيمم إذا عدم الماء ويتوضأ إذا وجده ولم يقدر على مسه على ما روي «عن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - أمره على جيش ذات السلاسل، وفي الجيش نفر من المهاجرين والأنصار، منهم عمر بن الخطاب، فاحتلم عمرو بن العاص في ليلة شديدة البرد، فأشفق أن يموت إن اغتسل فتوضأ ثم أم أصحابه، فلما قدم - ﷺ - تقدم عمر بن الخطاب فشكا عمرو بن العاص حتى قال وأمنا جميعا، فأعرض رسول الله - ﷺ - عن عمر بن الخطاب. فلما قدم عمرو دخل على رسول الله - ﷺ - فجعل يخبره بما صنع في غزاته، فقال له رسول الله - ﷺ -: أصليت جنبا يا عمرو؟ فقال نعم يا رسول الله أصابني احتلام في ليلة باردة لم يمر على وجهي مثلها قط، فخيرت نفسي بين أن أغتسل فأموت أو أقبل رخصة الله ﷿ فقبلت رخصة الله تعالى وعلمت أن الله
[ ١ / ١١٥ ]
أرحم بي فتوضأت ثم صليت. فقال رسول الله - ﷺ -: أحسنت ما أحب أنك تركت شيئا صنعته ولو كنت في القوم لصنعت كما صنعت.» وممن كان يذهب إلى هذا أحمد بن صالح وقال إن الوضوء فوق التيمم، وليس ذلك بصحيح؛ لأن الله ﵎ جعل التيمم بدل الغسل من الجنابة ولم يجعل الوضوء بدلا منه، فليس بأرفع منه في ذلك، وإنما هو أرفع منه في الحدث الأصغر حيث جعل بدلا منه. وأما الحديث فيحتمل أن يكون ما كان من عمرو بن العاص قبل نزول آية التيمم، والحكم حينئذ في الجنب إذا عدم الماء أن يصلي بلا غسل، فلما سقط عنه فرض الاغتسال بالخوف على نفسه صار في حكم من لا جنابة عليه، فتوضأ وصلى كما يفعل من استيقظ من نومه ولا جنابة عليه، وكما يصلي عريانا من لم يجد سترة. وقد صلى أصحاب رسول الله - ﷺ - قبل فرض التيمم وهم محدثون على غير وضوء، فلم ينكر ذلك رسول الله - ﷺ - عليهم على ما روي. فصح ما تأولناه. والله ﷾ أعلم.
فصل
والتيمم لا يرفع الحدث الأكبر ولا الأصغر عند مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم، خلافا لسعيد بن المسيب وابن شهاب في قولهما إنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وخلافا لقول أبي سلمة بن عبد الرحمن في أنه يرفع الحدثين جميعا حدث الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء. ومعنى هذا أنه إذا تيمم للوضوء أو من الجنابة كان على طهارة أبدا ولم يجب عليه الغسل ولا الوضوء وإن وجد ماء ما لم يحدث أو يجنب. وقد وقع في المدونة عن ابن مسعود ما ظاهره أنه كان يقول مثله. ولا يصح أن يحمل الكلام على ظاهره، فإن المحفوظ عن ابن مسعود ما حكيناه عنه قبل من أن الجنب لا يتيمم بحال ثم رجع إلى [أنه يتيمم، فإذا وجد الماء اغتسل. فما وقع في المدونة
[ ١ / ١١٦ ]
من قول سحنون: وقد كان يقول غير ذلك ثم رجع إلى] هذا أي أنه يغتسل. معناه: وقد كان يقول إنه لا يتيمم بحال ثم رجع إلى هذا الذي ذكره عنه وعن مالك وسعيد بن المسيب من أنه إذا تيمم وصلى ثم وجد الماء أنه يغتسل.
فصل
وإن كان التيمم عند مالك وأصحابه لا يرفع الحدث جملة فإنه يستباح به عندهم ما يستباح بالوضوء والغسل من صلاة الفرائض والنوافل وقراءة القرآن نظرا وظاهرا وسجود التلاوة وما أشبه ذلك مما تمنعه الجنابة أو الحدث الذي ينقض الوضوء. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يستباح به نافلة، منهم عبد العزيز بن أبي سلمة. فمن ذهب إلى أن التيمم يرفع الحدثين جميعا فهو عنده بدل من الوضوء والغسل حقيقة. ومن رأى أنه يرفع الحدث الأصغر ولا يرفع الحدث الأكبر فهو عنده بدل من الوضوء حقيقة. ومن رأى أنه لا يرفع الحدثين ولا أحدهما ولا يستباح به إلا الفرائض فليس هو عنده بدلا منهما ولا من أحدهما وإنما هو استباحة للصلاة خاصة خوف فوات الوقت. وأما على مذهب من يرى أنه يستباح به جميع ما يمنع منه الحدث دون أن يرفعه، فقيل إنه استباحة لفعل ما يمنع منه الحدث وليس ببدل من الطهارة بالماء إذ لا يرفع الحدث كما ترفعه الطهارة، وقيل إنه بدل منهما وإن كان لا يرفع الحدث، وهو الأظهر. ودليله أن تقول إن الأصل كان في الطهارة بالماء والتيمم عند عدمه وجوبهما لكل صلاة بظاهر قول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية فخصصت السنة من ذلك الطهارة بالماء، وهي صلاة النبي - ﵊ - يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على أصله إذ لا يقوى البدل قوة المبدل منه.
فصل
فإذا قلنا إنه يستباح به ما لا يجوز فعله إلا بطهارة الماء فإن الذي يستباح به
[ ١ / ١١٧ ]
على ضربين: أحدهما عبادة مؤقتة بوقت، والثاني عبادة غير مؤقتة بوقت. فأما العبادة المؤقتة بوقت فإن التيمم لها لا يصح إلا بعد دخول وقتها، ولصحته بعد دخول وقتها شرائط متفق عليها ومختلف فيها. فأما المتفق عليها فهي عدم الماء أو عدم القدرة على الوصول إليه في السفر والمرض مع طلبه عند عدمه أو طلب القدرة على الوصول إليه عند عدمها. وأما المختلف فيها فهي عدم الماء في الحضر أو عدم القدرة على استعماله لمرض مع طلبه أيضا عند عدمه أو طلب القدرة على استعماله. وطلب الماء عند عدمه إنما يجب مع اتساع الوقت لطلبه، والذي يلزم منه ما جرت العادة به من طلبه في رحله أو سؤال من يليه ممن يرجو وجوده عنده ولا يخشى أن يمنعه إياه، أو العدول إليه عن طريقه إن كان مسافرا على قدر ما يمكنه من غير مشقة تلحقه مع الأمن على نفسه. ولا حد في ذلك يقتصر عليه لاختلاف أحوال الناس، وقالوا في الميلين إنه كثير، وفي الميل ونصف الميل مع الأمن إنه يسير، وذلك للراكب والراجل القوي القادر. وعدم القدرة على استعماله هو مثل أن يخشى من استعماله الموت أو المرض أو زيادة فيه إن كان مريضا. قال أبو الحسن القابسى مثل أن يخشى أن تصيبه نزلة أو حمى، وقال الشافعي لا يجوز له التيمم مع وجود الماء إلا أن يخاف تلف نفسه باستعماله.
فصل
فإذا قلنا إن ذلك شرط في صحة التيمم فهل ذلك شرط في صحة التيمم لكل صلاة عند القيام إليها؟ أو في صحته لما اتصل به من الصلوات عند القيام لها؟ أو في صحة التيمم على الإطلاق؟ في ذلك بين أهل العلم اختلاف. أما من ذهب إلى ما حكيناه من أن الأصل كان إيجاب الوضوء لكل صلاة أو التيمم عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله بظاهر قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الآية وأن السنة خصصت من ذلك الوضوء وبقي التيمم على الأصل، فلا يصح عنده صلاتان بتيمم واحد وإن اتصلتا ونواه لهما، ولا صلاة بتيمم نواه لغيرها، ولا صلاة بتيمم نواه لها إذا صلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به اشتغالا بما سواها. ويجيء على مذهبه أن طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله شرط في صحة
[ ١ / ١١٨ ]
التيمم لكل صلاة عند القيام إليها، فإن صلى صلاتين بتيمم واحد أو صلاة بتيمم نواه لغيرها أو لها فصلى به غيرها أو تراخى عن الصلاة به وجبت عليه الإعادة في الوقت وغيره، وهو ظاهر ما في المدونة ونص رواية مطرف وابن الماجشون عن مالك. ومن لم يوجب عليه الإعادة إلا في الوقت أو فرق بين المشتركتين من غير المشتركتين أو بين أن يتيمم لنافلة فيصلي [به فريضة وبين أن يتيمم لفريضة فيصلي قبلها نافلة] فلم يجر في ذلك على أصل، وإنما ذهب في ذلك إلى مراعاة الخلاف. وكان يلزم على قياس هذا القول أن لا يصلي نافلة بتيمم مكتوبة لا قبلها ولا بعدها وإن اتصلت بها، ولا نافلتين بتيمم واحد، إلا أنه أباح ذلك مراعاة لقول من يرى أن التيمم إذا صح على شروطه يرفع الحدث كالوضوء بالماء، ولقول من يرى أن الطلب لا يتعين على عادم الماء إلا مرة ثم لا يتكرر عليه وجوبه، وأن التيمم إذا صح على شروطه كان على طهارة ما لم يحدث أو يجد الماء من غير أن يطلبه، إذ لا يتكرر عليه وجوب طلبه إلى مذهبه، أو يعلم أنه يقدر على مس الماء إن كان تيممه لعدم القدرة على استعماله. فعلى قول هؤلاء جميعا يكون طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله شرطا في صحة التيمم على الإطلاق، وإن كان ينتقض في قول بعضهم بوجود الماء، ولا ينتقض في قول بعضهم إلا بالحدث على ما بيناه.
ويجري على رواية أبي الفرج في ذاكر الصلوات أنه يصليها بتيمم واحد أن طلب الماء أو طلب القدرة على استعماله شرط في صحة التيمم لما اتصل من الصلوات التي نواها عند القيام لها. وإذا قلنا إن رواية أبي الفرج هذه مبنية على هذا الأصل فيلزم عليها إجازة الصلوات المكتوبات والنوافل بتيمم واحد إذا اتصلت وكان تيممه لها كلها، تقدمت النوافل أو تأخرت. ولا يجوز له أن يصلي بتيمم واحد من النوافل إلا ما نواه أيضا بتيممه أو اتصل عمله. ولا يجوز له أن يصلي بتيممه لمكتوبة نافلة لم ينوها وإن اتصلت بالمكتوبة.
[ ١ / ١١٩ ]
فإن قائل قائل: لا اختلاف في المذهب في جواز صلاة النافلة بتيمم المكتوبة إذا اتصلت بها.
قيل له: إن أجاز ذلك على هذه الرواية فليس على أصله فيها، وإنما هو مراعاة للاختلاف في الأصل وقد ذكرناه.
فصل
فيتحصل من هذا أن في وجوب تكرار الطلب قولين: أحدهما أنه لا يتكرر، والثاني أنه يتكرر. وإذا قلنا إنه لا يتكرر فهل يجب الوضوء بوجود الماء أم لا؟ في ذلك قولان: أحدهما أنه يجب، والثاني أنه لا يجب. وإذا قلنا إنه يتكرر، فهل يتكرر لكل صلاة عند القيام إليها؟ أو لا يتكرر إلا عند التراخي عنها بالاشتغال بما سواها؟ في ذلك قولان أيضا.
فصل
وأما دخول الوقت فإنه مراعى في المشهور من المذهب. وقال ابن شعبان من أصحابنا ليس بشرط في صحة التيمم. والدليل على صحة مذهب مالك أن الله تعالى أوجبه عند القيام للصلاة، ولا يكون القيام لها إلا عند دخول وقتها.
فصل
والدليل على صحة اشتراط الطلب قول الله ﷿: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ولا يصح أن يكون غير واجد للماء إلا بعد أن يطلبه.
فصل
وأما العبادات التي هي غير مؤقتة فيستباح في كل وقت ما اتصل منها بالتيمم على الشرائط التي ذكرناها فيما له وقت بعد دخول الوقت.
[ ١ / ١٢٠ ]
فصل
والعادمون للماء على ثلاثة أضرب: أحدها أن يعلم أنه لا يقدر على الماء في الوقت أو يغلب ذلك على ظنه. والثاني أن يشك في الأمر. والثالث أن يعلم أنه يقدر على الماء في آخر الوقت أو يغلب ذلك على ظنه.
فأما الضرب الأول فإنه يستحب له التيمم والصلاة في أول الوقت ليحوز فضيلة أول الوقت إذ قد فاتته فضيلة الماء، وهذا حكم الذي لا يقدر على مس الماء.
وأما الوجه الثاني فيتيمم في وسط الوقت. ومعنى ذلك أن يتيمم من الوقت في آخر ما يقع عليه اسم أول الوقت؛ لأنه يؤخر الصلاة رجاء إدراك فضيلة الماء ما لم يخف فوات فضيلة أول الوقت، فإذا خاف فواتها تيمم وصلى لئلا تفوته فضيلة أول الوقت ثم لا يدرك الماء فتفوته الفضيلتان.
وأما الوجه الثالث، فإنه يؤخر الصلاة إلى أن يدرك الماء في آخره لأن فضيلة الماء أعظم من فضيلة أول الوقت؛ لأن فضيلة أول الوقت مختلف فيها، وفضيلة الماء متفق عليها. ففضيلة أول الوقت يجوز تركها دون ضرورة، ولا يجوز ترك فضيلة الماء إلا لضرورة، والله ﷾ أعلم. ويريد في المدونة بقوله آخر الوقت ووسطه آخر الوقت المختار [ووسط الوقت المختار] خلاف ما ذهب إليه ابن حبيب والله الموفق.
[ ١ / ١٢١ ]
القول في الحيض والاستحاضة وأحكامهما
قال الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وفي سبب سؤالهم الني - ﵊ - عن محيض النساء وكيفية اعتزالهن فيه بين أهل العلم اختلاف.
فصل
في ذكر الاختلاف في السبب الباعث لهم على ذلك
فأما سبب سؤالهم النبي - ﵊ - عن المحيض فقيل إنما كان ذلك لأنهم كانوا قبل بيان الله لهم لا يساكنون حائضا ولا يؤاكلونها ولا يشاربونها، كما كانت اليهود تفعل، فعرفهم الله تعالى بهذه الآية أن الذي بهن في الدم لا يبلغ أن تحرم به مجامعتهن في البيوت ولامؤاكلتهن ومشاربتهن بقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] لأن الأذى لا يعبر به إلا عن المكروه الذي ليس بشديد. قال الله ﷿: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، وقال: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] وأعلمهم أن الذي عليهم في أيام حيض نسائهم تجنب جماعهن لا غير. والدليل على ذلك من الآية قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي فجامعوهن
[ ١ / ١٢٢ ]
في موضع جماعهن. فدل ذلك على أنه إنما نهى في حال الحيض عما نص على إباحته بعد الطهر وهو الجماع في موضع الجماع لا غير. وقيل إنما سألوه عن ذلك لأنهم كانوا يجتنبون النساء في المحيض ويأتونهن في أدبارهن، فلما سألوه - ﷺ - عن ذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى قوله ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي في الفرج لا تعدوه، وهو أظهر من القول الأول وأبين في المعنى.
فصل
في ذكر الاختلاف في كيفية الاعتزال المأمور به في الآية
وأما كيفية اعتزال النساء في الحيض المأمور به في الآية ففيه لأهل العلم ثلاثة أقوال:
أحدها اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قول الله ﷿؛ لأنه أمر باعتزالهن عموما ولم يخص منهن شيئا دون شيء. وهذا إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن وجهل ما ورد في ذلك عن النبي - ﵊ - من الآثار.
والثاني إباحة مباشرة ما فوق الإزار على ما وردت به الآثار، وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار. وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين.
والثالث إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج على ظاهر ما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنها قالت لمن سألها عن ذلك: كل شيء لك منها حلال، ما عدا الفرج. وإلى هذا ذهب أصبغ فقال: إنما أمرت أن تشد عليها إزارها لئلا يصيبه شيء من دمها في مضاجعته إياها، وجعل النهي الوارد عن مباشرتها فيما دون الإزار من باب حماية الذرائع لئلا يجامعها في الفرج.
[ ١ / ١٢٣ ]
فصل
في تقسيم ما تراه المرأة من الدم
والدم الذي تراه المرأة ينقسم على ثلاثة أقسام: دم حيض، ودم استحاضة، ويسمونه دم علة وفساد، ودم نفاس.
فأما دم الحيض فهو الدم الخارج من الفرج على عادة الحيض من غير علة ولا نفاس، وهو شيء كتبه الله على بنات آدم وجعله حفظا للأنساب وعلما لبراءة الأرحام. وقد قيل إن أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. والأول من جهة المعنى أظهر، والثاني من جهة النقل أصح.
وأما دم النفاس فهو الدم الخارج من الفرج على العادة عند النفاس، ويوجب ما يوجبه الحيض ويمنع ما يمنع منه الحيض.
وأما دم الاستحاضة فهو ما زاد على دم الحيض والنفاس، وهو دم علة وفساد، فلا حكم له على طريق الوجوب. والذي يستحب للمستحاضة على مذهب مالك وأصحابه أن تتوضأ لكل صلاة. وقد استحب بعض العلماء لزوجها أن لا يطأها، واستحب لها بعضهم أن تغتسل من ظهر إلى ظهر وفي البخاري عن أم حبيبة أنها كانت تغتسل لكل صلاة، وليس في الحديث أن النبي - ﷺ - أمرها بذلك، فلعلها تبرعت بذلك احتياطا. وقال الخطابي ليس كل مستحاضة يجب عليها الغسل لكل صلاة، وإنما يجب ذلك على التي تسمى المتحيرة وهي التي لا تميز الدم ولا كانت لها أيام معلومة أو كان فنسيتها ولا تعرف عددها، فهذه يجب عليها الغسل لكل صلاة لإمكان أن يكون ذلك الوقت قد صادف وقت انقطاع دم الحيض. ومن هذه حالها من النساء فلا يطؤها زوجها وتصوم رمضان مع الناس وتقضيه بعد ذلك لتحيط علما أن قد استوفت عدد الثلاثين يوما في وقت كان لها أن تصوم فيه، وإن كانت حاجة طافت طوافين بينهما خمسة عشر يوما لتكون على يقين
[ ١ / ١٢٤ ]
من حصول أحد الطوافين في وقت يصح لها فيه، وهذا ليس على المذهب، وفيه نظر.
فصل
فلا يتبين دم الاستحاضة من دم الحيض والنفاس إلا بمعرفة أكثر دم الحيض والنفاس، وهو يزيد وينقص، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد: ٨] فأخبر بنقصان ذلك وزيادته.
فصل
ودم الحيض إنما هو دم يتحادر من أعماق الجسم إلى الرحم فيجمعه الرحم طول مدة الطهر، ومن ذلك سمي الطهر قرءا من قولهم قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه. قال الله ﷿: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقال الشاعر:
ذراعي حرة أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا
أي لم تجمع في بطنها جنينا، ثم تدفعه في أيام الحيض، فقد تدفعه دفعا متواليا متصلا، وقد تدفعه متقطعا شيئا بعد شيء. فإذا كان بين الدمين من الأيام أيام يسيرة لا تكون طهرا فاصلا بين حيضتين علم أن الدم الثاني [من الدم الأول وأنها حيضة واحدة تقطعت، وإن كان بينهما أيام كثيرة تكون طهرا فاصلا علم أن الدم الثاني] ليس من الدم الأول وأنه حيضة ثانية مما تحادر إلى الرحم وجمعته في هذا الطهر الذي قبله.
فصل
في مقادير أقل الطهر وأكثر الحيض والنفاس وأقلهما
والذي يحتاج إلى تفصيله في هذا الباب معرفة أقل الطهر ليعلم بذلك الفصل بين الحيضتين وأقل الحيض الذي [يكون حيضة] تعتد به المرأة في
[ ١ / ١٢٥ ]
الطلاق، وأكثر الحيض والنفاس ليعلم بذلك الفصل بينه وبين دم الاستحاضة. وأما أكثر الطهر فلا حد له لأن المرأة ما دامت طاهرة تصلي وتصوم ويأتيها زوجها طال زمان ذلك أو قصر. فأما أقل الطهر فاختلف فيه على أربعة أقوال:
أحدها قول ابن الماجشون وروايته عن مالك أن أقله خمسة أيام، فكلما قل الطهر كثر الحيض، وكلما قل الحيض كثر الطهر. وهو قول ضعيف لأنه يقتضي أن المرأة قد تحيض أكثر من نصف دهرها وذلك يرده الأثر.
والثاني قول سحنون وهو دليل المدونة على ما تأوله ابن أبي زيد إن أقله ثمانية أيام.
والثالث رواية التونسي عن مالك ورواية أصبغ عن ابن القاسم أن أقله عشرة أيام.
والرابع قول محمد بن مسلمة أن أقله خمسة عشر يوما. وهذا القول الرابع له حظ من القياس، وهو أن الله ﵎ جعل عدة الحرائر ذوات الأقراء في الطلاق ثلاثة قروء فقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وجعل عدة اليائسة من المحيض ثلاثة أشهر فقال: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فجعل بإزاء كل شهر طهرا وحيضا، فلا يخلو ذلك من أربعة أقسام: أحدها أن يكون أكثر الحيض وأكثر الطهر. والثاني أن يكون أقل الطهر وأقل الحيض. والثالث أن يكون أكثر الطهر وأقل الحيض. والرابع أن يكون أقل الطهر وأكثر الحيض. فأكثر الطهر وأكثر الحيض أو أقل الطهر وأقل الحيض لا يصح؛ لأن الطهر لا حد لأكثره، وأقل الطهر وأقل الحيض لا يصح؛ لأن أقل الطهر أكثر ما قيل فيه خمسة عشر يوما، وأقل الحيض أكثر ما قيل فيه خمسة أيام، فيبقى من الشهر عشرة أيام. فإذا بطلت هذه الثلاثة الأقسام لم يبق إلا القسم الرابع وهو أن يكون بإزاء الشهر أقل الطهر وأكثر
[ ١ / ١٢٦ ]
الحيض باتفاق خمسة عشر يوما، فإذا نقصتها من الشهر بقي منه أقل الطهر وذلك خمسة عشر يوما. وأما سائر الأقاويل فلا حظ لها في القياس وإنما أخذت من عادة النساء؛ لأن كل ما وجب تحديده في الشرع ولم يرد به نص لزم الرجوع فيه إلى العادة، كنفقة الزوجات وشبه ذلك. وقد حكى أحمد بن المعدل عن ابن الماجشون أنه وجد من النساء مت يكون طهرها خمسة أيام وعرف ذلك بالتجربة من جماعة النساء.
وأما أكثر الحيض فخمسة عشر يوما. والأصل في ذلك ما روي «عن النبي - ﷺ - أنه خطب النساء فقال: إنكن ناقصات عقل ودين فقالت امرأة منهن ما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله فقال إن إحداكن تمكث نصف عمرها أو شطر عمرها لا تصلي فذلك نقصان دينكن». فساوى - ﷺ - بين ما تصلي فيه وبين ما لا تصلي فيه فجعلا شطرين، وذلك يقتضي أن لا يكون الحيض أكثر من خمسة عشر يوما كل شهر؛ لأن الحديث خرج مخرج الذم لهن، فدل على أنه إنما قصد إلى ذكر أقصى ما يتركن الصلاة فيه بسبب الحيض.
هذا قول مالك وأصل مذهبه. وقد قال إن المرأة إذا تمادى بها الدم استظهرت بثلاثة أيام على أكثر أيامها ثم اغتسلت وصلت وصامت، ولم يبين إن كان يطؤها زوجها فيما بينها وبين الخمسة عشر يوما ويكون حكمها حكم المستحاضة أم لا. واختلفت تأويلات أصحابنا عليه في ذلك. فمنهم من قال إن اغتسالها بعد الاستظهار استحسان واحتياط للصلاة، ولا يطؤها زوجها حتى تتم خمسة عشر يوما فتطهر طهرا آخر واجبا، وهو دليل رواية ابن وهب عن مالك قوله فرأيت أن أحتاط لها فتصلي وليس ذلك عليها أحب إلي من أن تترك الصلاة وهي عليها. فإذا بنى قوله على الاحتياط فمن الاحتياط ترك وطئها قبل الخمسة عشر يوما وإيجاب الغسل عليها إذا أكملت الخمسة عشر يوما وقضاء الصيام. ومنهم من ذهب إلى أنها إذا اغتسلت وصلت وصامت أجزأها صومها ووطئها زوجها وكان حكمها حكم المستحاضة، فلا يجب عليها غسل عند تمام الخمسة عشر يوما إلا
[ ١ / ١٢٧ ]
استحسانا، وهو دليل ما في كتاب الحج الثالث من قوله في الحائض في الحج إن الكري يحبس عليها أقصى ما يمسكها الدم والاستظهار، فدل أنها تطوف بعد الاستظهار كالمستحاضة، وإن كان ابن أبي زيد قد تأول أن الكراء يفشى بينها وبين الكري إن تمادى بها الدم بعد الاستظهار وهو بعيد. فعلى هذا التأويل في أكثر الحيض لمالك قولان: أحدهما أكثره خمسة عشر يوما. والثاني أن أكثر حيض كل امرأة أيامها المعتادة مع الاستظهار ما بينها وبين خمسة عشر يوما. وأبو حنيفة يرى أن أكثر الحيض عشرة أيام، وهو قول لا يعضده أثر ولا يوجبه نظر.
وأما أقل الحيض فاختلف فيه على ستة أقوال:
أحدها ألا حد له من الأيام، وأن الدفعة واللمعة حيض. فإن كان قبله طهر فاصل وبعده طهر فاصل كان حيضة تعتد به المطلقة في أقرائها، وإن لم يكن قبله طهر فاصل لم يكن حيضة وكان حيضا مضافا إلى الدم الذي قبله. وإن كان قبله طهر فاصل ولم يكن بعده طهر فاصل لم يكن حيضة أيضا وكان مضافا إلى ما بعده من الدم. هذا مذهب مالك.
والثاني أن أقل الحيض ثلاثة أيام في العدة والاستبراء، وما دونه يكون حيضا يمنع الوطء ويمنع الصيام من غير أن يسقط وجوبه، ويمنع الصلاة ويسقط وجوبها، وهو قول ابن مسلمة.
والثالث أن أقل الحيض خمسة أيام، يريد في العدة والاستبراء، فلا اختلاف في المذهب أن ما تراه المرأة من الدم في وقت يصح فيه الحيض منها يكون حيضا يمنع الوطء والصيام والصلاة ويسقط وجوب الصلاة. وإنما الاختلاف فيه إذا كان أقل من ثلاثة أيام وخمسة أيام هل يكون حيضة يعتد بها في الطلاق على ما بيناه. والرابع مذهب أهل العراق أن أقل الحيض ثلاثة أيام وما دون الثلاثة الأيام لا يحكم لها بحكم الحيض فتقضي المرأة صلاة تلك الأيام.
والخامس مذهب الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة. وروي عن علي بن
[ ١ / ١٢٨ ]
أبي طالب أن أقل الحيض يومان، وهذا كله بعيد؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فلو كان لا يعلم كون الدم حيضا قبل تقضي وقته ثلاثة أيام أو يوم وليلة لكان الأمر باعتزالهن مشروطا بما لا طريق إلى العلم بحصوله إلا بعد تقضيه، وذلك باطل.
فصل
وأما النفاس فلا حد لأقله عندنا وعند أكثر الفقهاء، وذهب أبو يوسف إلى أن أقل النفاس خمسة عشر يوما فرقا بينه وبين أكثر الحيض، وأما أكثره فاختلف قول مالك فيه، فقال مرة ستون يوما، وقال مرة يسأل النساء عن ذلك [ولم يحد له حدا، وقال ابن الماجشون: لا يسأل النساء عن ذلك اليوم]؛ لتقاصر أعمالهن وقلة معرفتهن، وقد سئل النساء عن ذلك قديما فقلن أقصاه من الستين إلى السبعين، والاقتصار على الستين أحسن، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: أكثره أربعون يوما، وقد قيل إنه إجماع من الصحابة، وذكر عن الحسن أن أكثره خمسون يوما.
فصل
وأما الاستحاضة فلا حد لأكثرها ولا لأقلها عند الجميع، وبالله التوفيق.
فصل
فيما تراه المرأة من الدم على اختلاف أحوالها وما تراه المرأة من الدم محمول على أنه دم حيض ومحكوم له بحكمه حتى يعلم أنه ليس دم حيض؛ بأن تراه المرأة في مدة الاستحاضة أو في حال لا يشبه أن يكون حيضا من صغر أو كبر. وبيان هذه الجملة أن النساء الواجدات للدم خمس: طفلة صغيرة لا يشبه أن تحيض، ويفعة مراهقة يشبه أن تحيض، [وبالغة في سن من تحيض، ومسنة يشبه ألا تحيض، وعجوز لا يشبه أن تحيض].
[ ١ / ١٢٩ ]
فأما الطفلة الصغيرة فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الصغر، وليس لها حد من السن إلا ما يقطع النساء أن مثلها لا تحيض.
وأما اليفعة التي تشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض وكان ذلك دلالة على البلوغ.
وأما البالغة فما رأت من الدم حكم له بأنه حيض إلا أن تراه في مدة الاستحاضة، وذلك أن ترى الدم خمسة عشر يوما ثم ينقطع ثم يعود بعد يومين أو ثلاثة قبل مضي أقل مدة الطهر فهذا دم استحاضة، إذ لا يمكن أن يضاف إلى الحيضة المتقدمة ولا أن يجعل حيضة مستأنفة، إذ لا فاصل بينهما من الأيام.
وأما المسنة التي يشبه أن لا تحيض فما رأت من الدم حكم له بحكم الحيض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢] فأخبر أن المحيض هو الأذى الخارج من الفرج، فإذا احتمل سن من وجد بها ذلك الأذى أن تحيض حكم له بأنه دم حيض.
وأما العجوز التي لا يشبه أن تحيض فما رأت من الدم حكم له بأنه دم علة وفساد؛ لانتفاء الحيض مع الكبر كما ينتفي مع الصغر، وليس لذلك أيضا حد من السنين إلا ما يقطع النساء على أن مثلها لا تحيض. ألا ترى أن بنت سبعين وبنت ثمانين لا تحيض.
فصل
فإن تمادى بالمرأة الدم المحكوم له بأنه دم حيض ففي ذلك ستة أقوال: أحدها أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر بثلاثة أيام ثم تكون مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة مباحة ويأتيها زوجها، ما لم تر دما تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من يوم حكم باستحاضتها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة؛ لأنه قال في الحج: إن الكري لا يحبس عليها إلا أيامها المعتادة
[ ١ / ١٣٠ ]
والاستظهار. فظاهر قوله أنها تطوف بعد الاستظهار وقبل تمام الخمسة عشر يوما كالمستحاضة، وعلى هذه الرواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يوما استحبابا لا إيجابا.
والقول الثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابا، وتصلي احتياطا، وتصوم وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة إن كانت حاجة، إلى تمام الخمسة عشر يوما. فإذا بلغت الخمسة عشر يوما اغتسلت إيجابا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة.
والقول الثالث: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة.
والقول الرابع: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة من غير استظهار، وهو قول محمد بن مسلمة.
والقول الخامس: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما علم أنها حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت ولا ما صلت، يريد وتغتسل عند انقطاعه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصيام والصلاة في موضعه، ولم يضره امتناعه من الوطء هذا في المعتادة.
وأما المبتدأة أيضا ففيها خمسة أقوال كالمعتادة؛ لأن عادة لداتها في الحيض تجعل كعادة لها، إلا أن ابن القاسم يقول في المبتدأة كقول محمد بن مسلمة في المعتادة، فلا يرى أن تستظهر بثلاثة أيام، وروي عن نافع أنها تستظهر بثلاثة أيام وإن زاد على خمسة عشر يوما، وهو شذوذ من القول، وهو القول السادس.
[ ١ / ١٣١ ]
واختلف إن اختلفت أيامها المعتادة فالمشهور أنها تستظهر على أثر أيامها، وقال ابن حبيب: إنها تستظهر على أقل أيامها، وذهب ابن لبابة إلى أنها تغتسل عند أقل أيامها من غير استظهار وتكون مستحاضة، وهو خطأ صراح يرده القرآن ويبطله الاعتبار.
فصل
والحيض قد تتصل أيامه وقد تتقطع على ما بيناه من أن الرحم يثج الدم المجتمع فيه في مدة القرء ثجا متصلا، وقد يثجه شيئا بعد شيء، وقد مضى القول في اتصاله، وأما انقطاعه فحكمه أن تلفق فيه أيام الدم وتلغي أيام الطهر، فإذا اجتمع في أيام الدم أيامها المعتادة والاستظهار أو خمسة عشر يوما على الاختلاف الذي قدمنا ذكره كانت مستحاضة، ولم تلتفت إلى الدم الذي تراه بعد ذلك ما بينها وبين مضي أقل مدة الطهر من اليوم الذي حكم فيه باستحاضتها، وتغتسل متى ما انقطع عنها وتصلي وتصوم، وتعد اليوم الذي ترى الدم في بعضه من أيام الدم لا من أيام الطهر، وإن لم تر الدم فيه إلا ساعة أو لمعة، ولا تلفق أيام الطهر في مذهب مالك وأصحابه، حاشى محمد بن مسلمة فإنه ذهب إلى أنها تلفق أيام الدم وأيام الطهر، فتكون في أيام الدم حائضا وفي أيام الطهر طاهرا أبدا إن ساوت أيام الدم أيام الطهر أو كانت أقل منها، مثل أن تحيض يوما وتطهر يوما، أو تحيض يومين وتطهر يومين، وأما إن كانت تحيض يومين وتطهر يوما، فتلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر وتكون مستحاضة إذا اجتمع من أيام الدم أيامها المعتادة؛ لأنه لا يقول بالاستظهار على ما قدمناه عنه، وكذلك الحكم في النفاس إذا تقطع دمه ولم يتصل، أعني أنها تلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر حتى تبلغ أقصى مدة النفاس على الاختلاف في حد ذلك، ثم تكون مستحاضة إن زاد الدم على ذلك الأكثر، إذ لا استظهار فيه كالحيض الذي هو جار على عادة وله أيام معتادة ولا يساويه في المدة. وانظر هل يصح أن تلفق فيه أيام الطهر على مذهب ابن مسلمة، ولا يبعد ذلك عندي.
[ ١ / ١٣٢ ]
فصل
ودم الحيض دم أسود غليظ، ودم الاستحاضة دم أحمر رقيق، يدل على ذلك قول رسول الله - ﷺ -: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي».
فصل
والصفرة والكدرة محكوم لهما بحكم الدم، فإن وجدتا في أيام الحيض كانتا حيضا، وإن وجدتا في أيام النفاس كانتا نفاسا، وإن وجدتا في أيام الاستحاضة كانتا استحاضة. هذا قولنا وقول الشافعي وأبي حنيفة، وحكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه لا يكون حيضا إلا أن يتقدمه الدم يوما وليلة، وهو دليل قول ابن شهاب في المدونة، ولا تصلي المرأة ما دامت ترى من الترية شيئا إذا كانت الترية عند الحيضة أو الحمل، وحكي عن بعض الفقهاء أنه لا يكون حيضا إلا أن يوجد في الأيام المعتادة، فإن وجدته المبتدأة أو المعتادة بعد انقضاء أيام عدتها أو في غير أيام العادة بعد مضي أقل أيام الطهر لم يكن حيضا، بخلاف الدم لو وجد في هذه المواضع، والدليل على صحة قولنا وفساد هذا القول: ما روي أن النساء كن يبعثن إلى عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة من دم الحيض فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
فصل
وللطهر علامتان: الجفوف والقصة البيضاء. وقد اختلف أيهما أبرأ. فعند
[ ١ / ١٣٣ ]
ابن القاسم أن القصة البيضاء أبرأ، فإن كانت ممن تراها فلا تغتسل بالجفوف حتى تراها إلا أن يطول ذلك بها، وقال ابن عبد الحكم: إن الجفوف أبرأ فلا تغتسل إذا رأت القصة البيضاء حتى ترى الجفوف إلا أن يطول ذلك بها، وحكي ابن حبيب عن ابن القاسم ومطرف في المبتدأة أن لا تغتسل حتى ترى الجفوف، ثم تعمل بعد على ما يظهر من أمرها، ونقل عبد الوهاب في الشرح عنهما أنها إن رأت الجفوف تطهرت به، ثم تراعى بعد ما يظهر من أمرها من جفوف أو قصة، وقال: إن هذا هو القياس؛ لأنهما جميعا علامتان، فأيهما وجدت قامت مقام الأخرى، ولا فرق بين المبتدأة وغيرها في ذلك، ونقله أصح في المعنى وأبين في النظر مما حكى ابن حبيب عنهما؛ لأنه كلام متناقض في ظاهره.
فصل
والحامل تحيض عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ولنا على ذلك أدلة كثيرة ليس هذا موضع ذكرها. فإن تمادى بها الدم ففي ذلك ثمانية أقوال:
أحدها: أنها تبقى أيامها المعتادة من غير استظهار ثم تغتسل وتصلي.
والثاني: أنها تستظهر على أيامها المعتادة.
والثالث: أنها تبقى إلى خمسة عشر يوما.
والرابع: التفرقة بين أول الحمل وآخره، فتمسك عن الصلاة في أول الحمل الخمسة عشر يوما ونحو ذلك، وفي آخره العشرين يوما ونحو ذلك. وقيل: [إنها تمسك عن الصلاة في أول الحمل ما بين الخمسة عشر يوما إلى العشرين]، وفي آخره ما بين العشرين إلى الثلاثين، هو القول الخامس.
[ ١ / ١٣٤ ]
والسادس: أن تمسك عن الصلاة ضعف أيامها المعتادة.
والسابع: أنها إن أصابها ذلك في أول شهر من شهور الحمل أمسكت عن الصلاة قدر أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الثاني تركت الصلاة ضعف أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الثالث تركت الصلاة ثلاثة أمثال أيامها المعتادة، وإن أصابها ذلك في الشهر الرابع تركت الصلاة أربعة أمثال أيامها المعتادة، هكذا أبدا ما لم تجاوز أكثر مدة دم النفاس.
والثامن: تفرقة أشهب في الاستظهار بين أن تستريب من أول ما حملت أو لا تستريب. وفي المسألة قول تاسع حكاه ابن لبابة، وهو أن تترك الصلاة عدد الأيام التي كانت تحيضهن من أول الحمل ما بلغت، من رواية أصبغ عن مالك من الثمانية.
فصل
ودم الحيض والنفاس يمنع من خمسة عشر شيئا، العشرة الأشياء منها متفق عليها، والخمسة مختلف فيها.
فأما العشرة المتفق عليها، فأحدها: رفع حكم الحدث من جهتهما، لا خلاف أن التطهر منهما لا يرفع حكم الحدث ماداما متصلين وإنما يرفعه بعد انقطاعهما. والثاني: وجوب الصلاة، لا خلاف أن الصلاة ساقطة عن الحائض والنفساء. والثالث: صحة فعلهما، لا خلاف أن الحيض والنفاس لا يصح معهما فعل الصلاة. والرابع: صحة فعل الصيام من غير إسقاط وجوبه، لا خلاف أن الحيض والنفاس لا يصح معهما الصيام. والخامس: مس المصحف، وفي ذلك اختلاف شاذ في غير المذهب. والسادس: الوطء في الفرج، لا خلاف بين الأمة أن ذلك محظور في حال الحيض والنفاس. والسابع: دخول المسجد، قال رسول الله - ﷺ -: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». والثامن: الطواف
[ ١ / ١٣٥ ]
بالبيت. والتاسع: الاعتكاف. والعاشر: منع صلاة ما عدا الصلوات الخمس من السنن والفضائل والنوافل.
والخمسة المختلف فيها: أحدها: الوطء فيما دون الفرج أباحه أصبغ من أصحابنا وجعل ما روي عن النبي - ﷺ - من قوله: «لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها» من باب حماية الذرائع. والثاني: قراءة القرآن ظاهرا اختلف فيه قول مالك. والثالث: رفع الحدث من غيرهما، قيل إنهما يمنعانه فلا يكون للمرأة إذا أجنبت ثم حاضت أن ترفع حكم الجنابة عنها بالاغتسال لتقرأ القرآن ظاهرا. وقيل إن حكم الجنابة مرتفع مع الحيض، فيكون لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل للجنابة وهو الصواب. وقيل إنهما لا يمنعانه فيكون لها إذا أجنبت ثم حاضت أن ترفع حدث الجنابة بالغسل فتقرأ القرآن ظاهرا لبقاء حدث الحيضة عليها خاصة. فيأتي في المرأة تجنب ثم تحيض ثلاثة أقوال: أحدها: أن لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن لم تغتسل للجنابة. والثاني: أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا وإن اغتسلت للجنابة. والثالث: أنه ليس لها أن تقرأ القرآن ظاهرا إلا أن تغتسل للجنابة. والرابع: منع وطئها إذا رأت النقاء قبل أن تغتسل بالماء. والخامس: منع استعمال فضل مائها، اختلف في ذلك قول عبد الله بن عمر، فقال في أحد قوليه: لا بأس بفضل المرأة ما لم تكن حائضا أو جنبا وبالله تعالى التوفيق.
[ ١ / ١٣٦ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم
وعلى آله وصحبه