[الْبَابُ الْأَوَّلُ الْقَوْلُ فِي الْوِتْرِ]
كِتَابُ الصَّلَاةِ الثَّانِي وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ مِنْهَا مَا هِيَ سُنَّةٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نَفْلٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، رَأَيْنَا أَنْ نُفْرِدَ الْقَوْلَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ عَشْرٌ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَالْوِتْرُ، وَالنَّفْلُ، وَرَكْعَتَا دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَالْقِيَامُ فِي رَمَضَانَ، وَالْكُسُوفُ، وَالِاسْتِسْقَاءُ، وَالْعِيدَانِ، وَسُجُودُ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ صَلَاةٌ؛ فيَشْتَمِلُ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى عَشَرَةِ أَبْوَابٍ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ نَذْكُرُهَا عَلَى حِدَةٍ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمَيِّتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُونَهُ بِكِتَابِ الْجَنَائِزِ. الْبَابُ الْأَوَّلُ
الْقَوْلُ فِي الْوِتْرِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْوِتْرِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: مِنْهَا فِي حُكْمِهِ، وَمِنْهَا فِي صِفَتِهِ، وَمِنْهَا فِي وَقْتِهِ، وَمِنْهَا فِي الْقُنُوتِ فِيهِ، وَمِنْهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. أَمَّا حُكْمُهُ: فقدم تَقَدّم الْقَوْلِ فِيهِ عِنْدَ بَيَانِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ.
وَأَمَّا صِفَتُهُ: فَإِنَّ مَالِكًا - ﵀ - اسْتَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوِتْرُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - ﵊ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» .
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» .
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ - ﵊ - كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا» .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَخَمْسٍ» .
وَخَرَّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُوتِرُ؟ قَالَتْ: " كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشَرٍ وَثَلَاثٍ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ» .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ» .
فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ.
فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَصِيرًا إِلَى قَوْلِهِ - ﵊ -: «فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ»، وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» .
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا، وَقَصَرَ حُكْمَ الْوِتْرِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَطْ، فَلَيْسَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ مَا عَدَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ - ﵊ -: «الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ» . فَإِنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ إِذَا شُبِّهَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ وَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَلِمَا شُبِّهَتِ الْمَغْرِبُ بِوِتْرِ صَلَاةِ النَّهَارِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وِتْرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثَلَاثًا. وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ فِي هَذَا الْبَابِ «بِأَنَّهُ - ﵊ - لَمْ يُوتِرْ قَطُّ إِلَّا فِي أَثَرِ شَفْعٍ»، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْوِتْرِ، وَأَنَّ أَقَلَّ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ، فَالْوِتْرُ عِنْدَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ، وَإِمَّا
[ ١ / ٢١٠ ]
أَنْ يَرَى أَنَّ الْوِتْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَفْعٍ وَوَتْرٍ، فَإِنَّهُ إِذَا زِيدَ عَلَى الشَّفْعِ وَتْرٌ صَارَ الْكُلُّ وَتْرًا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْمُتَقَدِّمُ، فَإِنَّهُ سُمِّيَ الْوِتْرُ فِيهِ الْعَدَدَ الْمُرَكَّبَ مَنْ شَفْعٍ وَوَتْرٍ، وَيَشْهَدُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَيْفَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ، وَأَيُّ شَيْءٍ يُوتَرُ لَهُ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» . فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْوِتْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ عَدَدُ الْوِتْر بِنَفْسِهِ - أَعْنِي: الغَيْر مَرْكَب مِنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ - ذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ وِتْرٌ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ أَوْلَى.
وَالْحَقُّ فِي هَذَا: أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي صِفَةِ الْوِتْرِ مِنَ الْوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ عَلَى مَا رُوِيَ ذَلِكَ في فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالنَّظَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي: هَلْ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ مُنْفَصِلٌ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ؟ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ، لِأَنَّهُ هَكَذَا كَانَ وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ خَرَّجَ: " أَنَّهُ - ﵊ - «كَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْوِتْرِ أَيْقَظَ عَائِشَةَ فَأَوْتَرَتْ» . وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمَ عَلَى وِتْرِهَا شَفْعًا.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ يَجْلِسُ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي التَّاسِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي السَّابِعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكَعَاتٍ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ: الْوِتْرُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الشَّفْعِ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ، وَأَنَّ الْوِتْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» . وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ، وَقَالَتْ «فِي الثَّالِثَةِ: بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ» .
وَأَمَّا وَقْتُهُ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْهُ - ﵊ -، وَمِنْ أَثْبَتِ مَا فِي ذَلِكَ: مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي
[ ١ / ٢١١ ]
نَضْرَةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ «أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ الْوِتْرِ فَقَالَ: " الْوِتْرُ قَبْلَ الصُّبْحِ» .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَبِالثَّانِي: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالْآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ كَحَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَحَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ فِي هَذَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ: «وَجَعَلَهَا لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ» . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ مَا بَعْدَ (إِلَى) بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَتْ غَايَةً، وَأنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ بِخِلَافِ الْغَايَةِ.
وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ لِلْأَثَرِ: فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا; وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ - أَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى الْإِجْمَاعِ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ -. وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَأَيُّ خِلَافِ أَعْظَمُ مِنْ خِلَافِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ - أَعْنِي: خِلَافَهُمْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجَازُوا صَلَاةَ الْوِتْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِمْ لَيْسَ مُخَالِفًا الْآثَار الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، (أَعْنِي: فِي إِجَازَتِهِمُ الْوِتْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ)، بَلْ إِجَازَتُهُمْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ لَا مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ خِلَافَ الْآثَارِ لَوْ جَعَلُوا صَلَاتَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا.
وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الْخِلَافُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلِ الْقَضَاءُ فِي الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ لَا؟ - أَعْنِي: غَيْرَ أَمْرِ الْأَدَاءِ -، وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِهِمْ أَلْيَقُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ هَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ أَنَّهُمْ أُبْصِرُوا يَقْضُونَ الْوِتْرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا - أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ وَقْتَ الْوِتْرِ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ -، فَلَيْسَ
[ ١ / ٢١٢ ]
يَجِبُ لِمَكَانِ هَذَا أَنْ يُظَنَّ بِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أُبْصِرَ يُصَلِّي الْوِتْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَ صِفَةَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي وَقْتِ الْوِتْرِ عَنِ النَّاسِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ:
مِنْهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْتُهُمَا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُصَلِّي الْوِتْرَ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ.
وَالْخَامِسُ: أَن يُوتِر مِنَ اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا سَبَبُهُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْكِيدِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِ، فَمَنْ رَآهُ أَقْرَبَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَبْعَدَ مِنَ الزَّمَانِ الْمُخْتَصِّ بِهِ، وَمَنْ رَآهُ أَبْعَدَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَقْرَبَ، وَمَنْ رَآهُ سُنَّةً كَسَائِرِ السُّنَنِ ضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَضَاءُ، إِذِ الْقَضَاءُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ لِمَنْ فَاتَتْهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرِّقَ فِي هَذَا بَيْنَ النَّدَبِ وَالْوَاجِبِ - أَعْنِي: أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْوَاجِبِ يَكُونُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقُنُوتِ فِيهِ: فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَقْنُتُ فِيهِ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَوْمٌ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - ﷺ - الْقُنُوتُ مُطْلَقًا، وَرُوِيَ عَنْهُ الْقُنُوتُ شَهْرًا، وَرُوِيَ عَنْهُ «أَنَّهُ آخِرُ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ»، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.
وَأَمَّا صَلَاةُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - ﵊ - أَعْنِي: «أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ» - وَهُوَ مِمَّا يَعْتَمِدُونَهُ فِي الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ إِذَا كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - ﵊ -: «أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ» . وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى قَطُّ مَفْرُوضَةً عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلما كَان اتِّفَاقِهِمْ مَعَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ؛ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ، وَجَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ألَّا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَرَدُّواَ الْخَبَرَ بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ ضَعِيفٌ.
[ ١ / ٢١٣ ]
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَوْتَرَ ثُمَّ نَامَ فَقَامَ يَتَنَفَّلُ أَنَّهُ لَا يُوتِرُ ثَانِيَةً، لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «لَا وَتَرَانِ فِي لَيْلَةٍ» . خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَشْفَعُ الْوِتْرَ الْأَوَّلَ بِأَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَيُوتِرَ أُخْرَى بَعْدَ التَّنَفُّلِ شَفْعًا، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ التِي يَعْرِفُونَهَا بِنَقْضِ الْوَتْرِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ يَنْقَلِبُ إِلَى النَّفْلِ بِتَشْفِيعِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ التَّنَفُّلَ بِوَاحِدَةٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنَ الشَّرْعِ.
وَتَجْوِيزُ هَذَا وَلَا تَجْوِيزُهُ هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: فَمَنْ رَاعَى مِنَ الْوِتْرِ الْمَعْنَى الْمَعْقُولَ وَهُوَ ضِدُّ الشَّفْعِ قَالَ: يَنْقَلِبُ شَفْعًا إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ رَكْعَةٌ ثَانِيَةٌ. وَمَنْ رَاعَى مِنْهُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ قَالَ: لَيْسَ يَنْقَلِبُ شَفْعًا لِأَنَّ الشَّفْعَ نَفْلٌ وَالْوِتْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ]
الْبَابُ الثَّانِي
فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ سُنَّةٌ لِمُعَاهَدَتِهِ - ﵊ - عَلَى فِعْلِهَا أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى سَائِرِ النَّوَافِلِ، وَلِتَرْغِيبِهِ فِيهَا، وَلِأَنَّهُ قَضَاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: فِي الْمُسْتَحَبِّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِيهِمَا فَعِنْدَ مَالِكٍ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ مَعَ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَوْقِيفَ فِيهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ يُسْتَحَبُّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا الْمَرْءُ حِزْبَهُ مِنَ اللَّيْلِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ قِرَاءَتِهِ - ﵊ - فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْيِينِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - «أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ قَالَتْ: " حَتَّى أَنِّي أَقُولُ أَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟» .
[ ١ / ٢١٤ ]
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ. وَرُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]» .
فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ حَدِيثِ عَائِشَةَ اخْتَارَ قِرَاءَةَ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْحَدِيثِ الثَّانِي اخْتَارَ أُمَّ الْقُرْآنِ وَسُورَةً قَصِيرَةً، وَمَنْ كَانَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ يَقْرَأُ فِيهِمَا مَا أَحَبَّ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِيهِمَا فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِيهِمَا هُوَ الْجَهْرُ، وَخَيَّرَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْإِسْرَارِ وَالْجَهْرِ.
وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ: تَعَارُضُ مَفْهُومِ الْآثَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِهِ: أَنَّهُ - ﵊ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا سِرًّا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَشُكَّ عَائِشَةُ هَلْ قَرَأَ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ أَمْ لَا؟ وَظَاهِرُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]: أَنَّ قِرَاءَتَهُ - ﵊ - فِيهِمَا كَانَتْ جَهْرًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا عَلِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا.
فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ قَالَ: إِمَّا بِاخْتِيَارِ الْجَهْرِ إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِمَّا بِاخْتِيَارِ الْإِسْرَارِ إِنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ. وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ.
وَالثَّالِثَةُ: فِي الَّذِي لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِيَصِلِّيَهُمَا فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَرْكَعْهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي الْفَرْضَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلِ في الْمَسْجِدَ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يَفُوتَهُ الْإِمَامُ بِرَكْعَةٍ فَلْيَرْكَعْهمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الرَّكْعَةِ فَلْيَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يُصَلِّيهِمَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ أَوْ لَا يَدْخُلَهُ، وَخَالَفَهُ فِي الْحَدِّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَرْكَعُهُمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ مَعَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ فَلَا يَرْكَعُهُمَا أَصْلًا، لَا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلَا خَارِجَهُ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ قَوْمًا جَوَّزُوا رُكُوعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي وَهُوَ شَاذٌّ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ - ﵊ -: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»:
فَمَنْ حَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يُجِزْ صَلَاةَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذَا
[ ١ / ٢١٥ ]
أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ، لَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَلَا دَاخِلَهُ.
وَمَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ مَا لَمْ تَفُتْهُ الْفَرِيضَةُ، أَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْهَا جُزْءٌ.
وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْعُمُومِ فَالْعِلَّةُ عِنْدَهُ فِي النَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ الِاشْتِغَالُ بِالنَّفْلِ عَنِ الْفَرِيضَةِ، وَمَنْ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَالْعِلَّةُ عِنْدَهُ إِنَّمَا هُوَ أَنْ تَكُونَ صَلَاتَانِ مَعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الْإِمَامِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعَ قَوْمٌ الْإِقَامَةَ فَقَامُوا يُصَلُّونَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: " أَصَلَاتَانِ مَعًا؟ " قَالَ: وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ» .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُرَاعَى مِنْ فَوَاتِ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْقَدْرِ الَّذِي بِهِ يَفُوتُ فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِلْمُشْتَغِلِ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ إِذ كَانَ فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ بِفَوَاتِ رَكْعَةٍ مِنْهَا يَفُوتُهُ فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ: يَتَشَاغَلُ بِهَا مَا لَمْ تَفُتْهُ رَكْعَةٌ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُدْرِكُ الْفَضْلَ إِذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» أَيْ قَدْ أَدْرَكَ فَضْلَهَا، وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ فِي تَارِكِ ذَلِكَ قَصْدًا أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، قَالَ: يَتَشَاغَلُ بِهَا مَا ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ رَكْعَةً مِنْهَا.
وَمَالِكٌ إِنَّمَا يَحْمِلُ هَذَا الْحَدِيثَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ دُونَ قَصْدٍ لِفَوَاتِهَا، وَلِذَلِكَ رَأَى أَنَّهُ إِذَا فَاتَتْهُ مِنْهَا رَكْعَةٌ فَقَدْ فَاتَهُ فَضْلُهَا.
وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ تُقَامُ: فَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ هَذَا الْأَثَرُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ أَثَرٌ ثَابِتٌ - أَعْنِي قَوْلَهُ - ﵊ -: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» -. وَكَذَلِكَ صَحَّحَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَإِجَازَةُ ذَلِكَ تُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَالرَّابِعَةُ: فِي وَقْتِ قَضَائِهَا إِذَا فَاتَتْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ فَإِنَّ طَائِفَةً قَالَتْ: يَقْضِيهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَقْضِيهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَعَلَ لَهَا هَذَا الْوَقْتَ غَيْرَ الْمُتَّسِعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ لَهَا مُتَّسِعًا فَقَالَ: يَقْضِيهَا مِنْ لَدُنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ وَلَا يَقْضِيهَا بَعْدَ الزَّوَالِ. وهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا بِالْقَضَاءِ: وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ فِيهِ.
وَالْأَصْلُ فِي قَضَائِهَا صَلَاتُهُ لَهَا - ﵊ - بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حِينَ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ.
[ ١ / ٢١٦ ]
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي النَّوَافِلِ]
ِ وَاخْتَلَفُوا فِي النَّوَافِلِ هَلْ تُثَنَّى أَوْ تُرَبَّعَ أَوْ تُثَلَّثُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: صَلَاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى يُسَلِّمُ فِي رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَاءَ ثَنَّى أَوْ ثَلَّثَ أَوْ رَبَّعَ أَوْ سَدَّسَ أَوْ ثَمَّنَ دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ. وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ فَقَالُوا: صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَصَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﵊ - عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ: " صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» . وَثَبَتَ عَنْهُ - ﵊ -: «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ» . فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» .
وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ، وَقَدْ وَصَفَتْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: " كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» . وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ - ﵊ -: «مَنْ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا» . وَرَوَى الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ، فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ» . فَمَنْ أَخَذَ أَيْضًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ جَوَّزَ التَّنَفُّلَ بِالْأَرْبَعِ وَالثَّلَاثِ دُونَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ بِوَاحِدَةٍ، وَأَحْسَبُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَاذًّا.
[ ١ / ٢١٧ ]
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ]
الْبَابُ الرَّابِعُ
فِي رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ رَكْعَتَيْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى وُجُوبِهَا.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ: هَلِ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ - ﵊ -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
فَمَنْ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الْأَوَامِرِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى النَّدْبِ، وَلَمْ يَنْقَدِحْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ يَنْقُلُ الْحُكْمَ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ قَالَ: الرَّكْعَتَانِ وَاجَبَتَانِ.
وَمَنِ انْقَدَحَ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى حَمْلِ الْأَوَامِرِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ، أَوْ كَانَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ فِي الْأَوَامِرِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْوُجُوبِ (فَإِنَّ هَذَا قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ) قَالَ: الرَّكْعَتَانِ غَيْرُ وَاجِبَتَيْنِ. لَكِنَّ الْجُمْهُورَ إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى حَمْلِ الْأَمْرِ هَاهُنَا عَلَى النَّدْبِ لِمَكَانِ التَّعَارُضِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا أَوْ بِنَصِّهَا أَنْ لَا صَلَاةَ مَفْرُوضَةً إِلَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، مِثْلُ حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ حُمِلَ الْأَمْرُ هَاهُنَا عَلَى الْوُجُوبِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمَفُرُوضَاتُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، وَلِمَنْ أَوْجَبَهَا أَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا مُطْلَقًا، كَالْأَمْرِ بِالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ. وَلِلْفُقَهَاءِ أَنَّ تَقْيِيدَ وَجُوبِهَا بِالْمَكَانِ شَبِيهُ بتقييد وَجُوبِهَا بِالزَّمَانِ. وَلِأَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَكَانَ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالزَّمَانُ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ جَاءَ الْمَسْجِد وَقَدْ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ، هَلْ يَرْكَعُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْكَعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْكَعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: عُمُوم مُعَارَضَة قَوْلِهِ - ﵊ -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» . وَقَوْلُهُ - ﵊ -: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ» فَهَا هُنَا عُمُومَانِ وَخُصُوصَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الزَّمَانِ، وَالْآخَرُ: فِي الصَّلَاةِ. وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ
[ ١ / ٢١٨ ]
الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ عَامٌّ فِي الزَّمَانِ، خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَي الصُّبْحِ خَاصٌّ فِي الزَّمَانِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، فَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الصَّلَاةِ مِنْ عَامِّهَا رَأَى الرُّكُوعَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى خَاصَّ الزَّمَانِ مِنْ عَامِّهِ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ.
وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ مِثْلَ هَذَا التَّعَارُضِ إِذَا وَقَعَ فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَى أَحَدِ التَّخْصِيصَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ لَا يُعَارَضُ بِهِ حَدِيثُ الْأَمْرِ الثَّابِتُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -، فَإِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ وَجَبَ طَلَبُ الدَّلِيلِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ]
َ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ مُرَغَّبٌ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ سَائِرِ الْأَشْهُرِ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . وَأَنَّ التَّرَاوِيحَ الَّتِي جَمَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا أَيٌّ أَفْضَلُ: أَهِيَ أَوِ الصَّلَاةُ آخِرَ اللَّيْلِ؟ - أَعْنِي: الَّتِي كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاتُكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . وَلِقَوْلِ عُمَرَ فِيهَا: (وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ) .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخْتَارِ مِنْ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا النَّاسُ فِي رَمَضَانَ: فَاخْتَارَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَداود: الْقِيَامَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً سِوَى الْوِتْرِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحْسِنُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ ثَلَاثٌ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً. وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ - يَعْنِي الْقِيَامَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً -.
[ ١ / ٢١٩ ]
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ]
الْبَابُ السَّادِسُ
فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَلَاةَ كُسُوفِ الشَّمْسِ سُنَّةٌ، وَأَنَّهَا فِي جَمَاعَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا، وَفِي صِفَةِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَفِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا، وَهَلْ مِنْ شُرُوطِهَا الْخُطْبَةُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ كُسُوفُ الْقَمَرِ فِي ذَلِكَ كَكُسُوفِ الشَّمْسِ؟ فَفِي ذَلِكَ خَمْسُ مَسَائِلَ أَصُولٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى ; ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَحْمَدُ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَمُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ لِبَعْضِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونُ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ من الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ» . وَلِمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَعْنِي: مِنْ رُكُوعَيْنِ فِي رَكْعَةٍ -. قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَانِ الْحَدِيثَانِ مِنْ أَصَحِّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَرَجَّحَهُمَا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنْ قِبَلِ النَّقْلِ قَالَ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ فِي كل رَكْعَةٍ.
وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «أَنَّهُ صَلَّى فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهِيَ كُلُّهَا آثَارٌ مَشْهُورَةٌ صِحَاحٌ، وَمِنْ أَحْسَنِهَا حَدِيثُ أَبِي قِلَابَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْكُسُوفِ نَحْوَ صَلَاتِكُمْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْأَلُ اللَّهَ حَتَّى تَجَلَّتِ الشَّمْسُ» .
[ ١ / ٢٢٠ ]
فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الْآثَارَ لِكَثْرَتِهَا وَمُوَافَقَتِهَا لِلْقِيَاسِ (أَعْنِي: مُوَافَقَتَهَا لِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ) قَالَ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ. قَالَ الْقَاضِي: خَرَّجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ سَمُرَةَ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّمَا صَارَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى مَا وَرَدَ عَنْ سَلَفِهِ، وَلِذَلِكَ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ الْأَوْلَى، فَإِنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ «فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَسِتُّ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ» لَكِنْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: كُلُّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَمُؤْتَلِفٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ لِتَجَلِّي الْكُسُوفِ، فَالزِّيَادَةُ فِي الرُّكُوعِ إِنَّمَا تَقَعُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ التَّجَلِّي فِي الْكُسُوفَاتِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا.
وَرُوِيَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَجَلَّتْ سَجَدَ وَأَضَافَ إِلَيْهَا رَكْعَةً ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ رَكْعَةً ثَانِيَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الشَّمْسِ; فَإِنْ كَانَتْ تَجَلَّتْ سَجَدَ وَأَضَافَ إِلَيْهَا ثَانِيَةً، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَنْجَلِ رَكَعَ ثَالِثَةً فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَهَكَذَا حَتَّى تتجلى.
وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ: لَا يَتَعَدَّى بِذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: الِاخْتِيَارُ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ ثَابِتٌ، وَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي إِنْ شَاءَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثَةً، وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعَةً، وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ. قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - صَلَّى كُسُوفَاتٍ كَثِيرَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهَا: إِنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ. وَأَمَّا عَشْرُ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فَقَطْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ; وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ فِيهَا، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا سِرٌّ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وأحمد وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا.
[ ١ / ٢٢١ ]
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ بِمَفْهُومِهَا وَبِصِيَغِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّابِتِ أَنَّهُ قَرَأَ سِرًّا لِقَوْلِهِ فِيهِ عَنْهُ - ﵊ -: «فَقَامَ قِيَامًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى نَصًّا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «قُمْتُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَمَا سَمِعْتُ حَرْفًا» . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَائِشَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَنَّهَا قَالَتْ: «تَحَرَّيْتُ قِرَاءَتَهُ فَحَزَرْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ» . فَمَنْ رَجَّحَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَالَ: الْقِرَاءَةُ فِيهَا سِرًّا، وَلِمَكَانِ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى: الْبَقَرَةَ، وَفِي الثَّانِيَةِ: آلَ عِمْرَانَ، وَفِي الثَّالِثَةِ: بِقَدْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الرَّابِعَةِ: بِقَدْرِ خَمْسِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ أُمَّ الْقُرْآنِ. وَرَجَّحُوا أَيْضًا مَذْهَبَهُمْ هَذَا بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» . وَوَرَدَتْ هَاهُنَا أَيْضًا أَحَادِيثُ مُخَالِفَةٌ لِهَذِهِ، فَمِنْهَا أَنَّهُ روي: «أَنَّهُ - ﵊ - قَرَأَ فِي إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ من صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِالنَّجْمِ» . وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّهُ جَهَرَ، وَكَانَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَحْتَجَّانِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ: سُفْيَانُ بْنُ الْحَسَنِ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ: وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ
[ ١ / ٢٢٢ ]
عَبْد الرَّحْمَن بْنِ سُلَيْمَانَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَكُلُّهُمْ لَيْسَ فِي الحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْ عَائِشَةَ يُعَارِضُهُ.
وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا لِمَذْهَبِهِمْ بِالْقِيَاسِ الشَّبَهِيِّ، فَقَالُوا: صَلَاةُ سُنَّةٍ تُفْعَلُ فِي جَمَاعَةٍ نَهَارًا، فَوَجَبَ أَنْ يُجْهَرَ فِيهَا أَصْلُهُ الْعِيدَانِ وَالِاسْتِسْقَاءُ، وَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْجَمْعِ، وَقَدْ قُلْنَا إِنَّهَا الأَوْلَى مِنْ طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ إِذَا أَمْكَنَتْ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُصَلَّى فِيهِ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُصَلَّى فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَغَيْرِ الْمَنْهِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ إِلَّا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ النَّافِلَةُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ سُنَّتَهَا أَنْ تُصَلَّى ضُحًى إِلَى الزَّوَالِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جِنْسِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا تُصَلَّى فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الْأَوْقَاتِ تَخْتَصُّ بِجَمِيعِ أَجْنَاسِ الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ فِيهَا صَلَاةُ كُسُوفٍ وَلَا غَيْرُهَا. وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ تَخْتَصُّ بِالنَّوَافِلِ، وَكَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ فِي الْكُسُوفِ سُنَّةً أَجَازَ ذَلِكَ. وَمَنْ رَأَى أَيْضًا أَنَّهَا مِنَ النَّفْلِ لَمْ يُجِزْهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فَلَيْسَ لَهَا وَجْهٌ إِلَّا تَشْبِيهُهَا بِصَلَاةِ الْعِيدِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ; وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ مِنْ شروطِهَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا خُطْبَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّاسَ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَذَلِكَ أَنَّهَا رَوَتْ: «أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ» الْحَدِيثَ. فَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا خَطَبَ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْخُطْبَةَ كَالْحَالِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ أُولَئِكَ أَنَّ خُطْبَةَ النَّبِيِّ - ﵊ - إِنَّمَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّ النَّاسَ زَعَمُوا أَنَّ الشَّمْسَ إِنَّمَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِهِ - ﵇ -.
الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَعَلَى نَحْوِ مَا يُصَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ. وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو
[ ١ / ٢٢٣ ]
حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى لَهُ فِي جَمَاعَةٍ، وَاسْتَحَبّوا أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ لَهُ أَفْذَاذًا رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ النَّافِلَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ - ﵊ -: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ، وَتَصَدَّقُوا» . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَمَنْ فَهِمَ هَاهُنَا مِنَ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِيهِمَا مَعْنًى وَاحِدًا، وَهِيَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَأَى الصَّلَاةَ فِيهَا فِي جَمَاعَةٍ.
وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى مُخْتَلِفًا لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ مَعَ كَثْرَةِ دَوَرَانِهِ قَالَ: الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ صَلَاةٍ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ النَّافِلَةُ فَذًّا، وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا القول يرَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ يُحْمَلَ اسْمُ الصَّلَاةِ فِي الشَّرْعِ إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَا عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي الشَّرْعِ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَلَّ فِعْلُهُ - ﵊ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ بَقِيَ الْمَفْهُومُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ عَلَى أَصْلِهِ، وَالشَّافِعِيُّ يَحْمِلُ فِعْلَهُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ بَيَانًا لِمُجْمَلِ مَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِمَا، فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَزَعَمَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا صَلَّيَا فِي الْقَمَرِ فِي جَمَاعَةٍ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدِ اسْتَحَبَّ قَوْمٌ الصَّلَاةَ لِلزَّلْزَلَةِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ قِيَاسًا عَلَى كُسُوفِ الْقَمَرِ وَالشَّمْسِ لِنَصِّهِ - ﵊ - عَلَى الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ كَوْنُهَا آيَةً، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَجْنَاسِ الْقِيَاسِ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَمْ يَرَ هَذَا مَالِكٌ وَلَا الشَّافِعِيُّ وَلَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ صَلَّى لِلزَّلْزَلَةِ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى لَهَا مِثْلَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
ِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، وَالْبُرُوزَ عَنِ الْمِصْرِ، وَالدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَالتَّضَرُّعَ إِلَيْهِ فِي نُزُولِ الْمَطَرِ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ فِي
[ ١ / ٢٢٤ ]
الِاسْتِسْقَاءِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ سُنَّتِهِ الصَّلَاةُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ «أَنَّهُ اسْتَسْقَى وَصَلَّى»، وَفِي بَعْضِهَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا صَلَاةٌ.
وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي أَنَّهُ صَلَّى، وَبِهِ أَخَذَ الْجُمْهُورَ حَدِيثُ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَسْقَى» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الِاسْتِسْقَاءُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلصَّلَاةِ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَانقطعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ» . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَلَاةً، وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِظَاهِرِ هَذَا الْأَثَرِ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - أَعْنِي: «أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى وَلَمْ يُصَلِّ» -.
وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - ﵊ - قَدِ اسْتَسْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، لَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْ سُننهِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ. وَأَجْمَعَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ سُننهِ عَلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ أَيْضًا مِنْ سُننهِ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْأَثَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «صَلَّى صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ وَخَطَبَ» .
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا؟ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّهَا بَعْدَ
[ ١ / ٢٢٥ ]
الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْعِيدَيْنِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: الْخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَنَّهُ اسْتَسْقَى فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلُ ذَلِكَ وَبِهِ نَأْخُذُ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ خَرَّجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طُرُقٍ، وَمَنْ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ فَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي عِلْمِي قَبْلَ الصَّلَاةِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا جَهْرا، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهَا كَمَا يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدَيْنِ» .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ سُننهَا أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْإِمَامُ الْقِبْلَةَ وَاقِفًا وَيَدْعُوَ، وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ رَافِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْآثَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَمَتَى يَفْعَلُ ذَلِكَ؟
فَأَمَّا كيف يفعل ذَلِكَ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجْعَلُ مَا عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، وَمَا عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَمَا عَلَى يَمِينِهِ مِنْهُ عَلَى يَسَارِهِ، وَمَا عَلَى يَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ.
وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّهُ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ قُلْتُ: «أَجْعَلُ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَالْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ؟ أَمْ أَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؟ قَالَ: بَلِ اجْعَلِ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَالْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ» . وَجَاءَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلُهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» .
[ ١ / ٢٢٦ ]
وَأَمَّا مَتَى يَفْعَلُ الْإِمَامُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ إِذَا مَضَى صَدْرٌ مِنَ الْخُطْبَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ إِذَا حَوَّلَ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ قَائِمًا حَوَّلَ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ جُلُوسًا، لِقَوْلِهِ - ﵊ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَاللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ وَبَعْضَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، فَإِنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ لَا يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ بِتَحْوِيلِ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ - ﵊ - بِهِمْ.
وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ لَهَا وَقْتَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ إِلَّا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْخُرُوجَ إِلَيْهَا عِنْدَ الزَّوَالِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ» .
[الْبَابُ الثَّامِنُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
الْبَابُ الثَّامِنُ
فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، وَأَنَّهُمَا بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إِلَّا مَا أَحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ فِي أَصَحِّ الْأَقَاوِيلِ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ.
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ أَخَّرَ الصَّلَاةَ وَقَدَّمَ الْخُطْبَةَ لِئَلَّا يَفْتَرِقَ النَّاسُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِسَبِّحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، لِتَوَاتُرِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ
[ ١ / ٢٢٧ ]
الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ - ﵊ -.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسَائِلَ أَشْهَرُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي التَّكْبِيرِ: وَذَلِكَ أَنَّهُ حَكَى فِي ذَلِكَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوًا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ قَوْلًا، إِلَّا أَنَّا نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ الْمَشْهُورَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى صَحَابِيٍّ أَوْ سَمَاعٍ فَنَقُولُ:
ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيِ الْعِيدَيْنِ: سَبْعٌ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْأُولَى: ثَمَان، وَفِي الثَّانِيَةِ: سِتٌّ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى ثَلَاثًا بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ وَسُورَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ رَاكِعًا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ كَبَّرَ وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ وَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، ثُمَّ كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ فِيهَا يَدَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا تِسْعٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُ الْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ.
فَذَهَبَ مَالِكٌ - ﵀ - إِلَى مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَبَّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ كَانَ عَلَى هَذَا، وَبِهَذَا الْأَثَرِ بِعَيْنِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ تَأَوَّلَ فِي السَّبْعِ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، كَمَا لَيْسَ فِي الْخَمْسِ تَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ إِنَّمَا أَصَارَهُ أَنْ يَعُدَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي السَّبْعِ، وَيَعُدَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ الْمَرْوِيَّةِ أَنَّ الْعَمَلَ أَلْفَاهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ وَجْهٌ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَثَرِ وَالْعَمَلِ، وَقَدْ خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَروي أَنَّهُ «سُئِلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُكَبِّرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: " كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تكبيره عَلَى الْجَنَائِزِ "
[ ١ / ٢٢٨ ]
فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَذَلِكَ كُنْتُ أُكَبِّرُ فِي الْبَصْرَةِ حِينَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ»، وَقَالَ قَوْمٌ بِهَذَا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّهُمُ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنَّمَا صَارَ الْجَمِيعُ إِلَى الْأَخْذِ بِأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ - ﵊ - شَيْءٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ هُوَ تَوْقِيفٌ، إِذْ لَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ الرَّفْعَ إِلَّا فِي الِاسْتِفْتَاحِ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْعِيدِ - أَعْنِي: وُجُوبَ السُّنَّةِ - فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلِّيهَا الْحَاضِرُ وَالْمُسَافِرُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ يُصَلِّيهَا أَهْلُ الْبَوَادِي، وَمَنْ لَا يُجَمِّعُ حَتَّى الْمَرْأَةَ فِي بَيْتِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إِنَّمَا تَجِبُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْمَدَائِنِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ. وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى عَلَى مُسَافِرٍ.
وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهَا عَلَى الْجُمُعَةِ، فَمَنْ قَاسَهَا عَلَى الْجُمُعَةِ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيهَا على مَذْهَبَهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَمَنْ لَمْ يَقِسْهَا رَأَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ مُخَاطِبٌ بِهَا حَتَّى يَثْبُتَ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الْخِطَابِ.
قَالَ الْقَاضِي: قَدْ فَرَّقَتِ السُّنَّةُ بَيْنَ الْحُكْمِ لِلنِّسَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّهُ - ﵊ - أَمَرَ النِّسَاءَ بِالْخُرُوجِ لِلْعِيدَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ» .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ مِنْهُ الْمَجِيءُ إِلَيْهَا كَاخْتِلَافِهِمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مِنَ الثلاثة الْأَمْيَالِ إِلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمِ التَّامِّ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ شُرُوقِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَأْتِهِمْ عِلْمٌ بِأَنَّهُ الْعِيدُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا يَوْمَهُمْ وَلَا مِنَ الْغَدِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَقَالَ آخَرُونَ: يَخْرُجُونَ إِلَى الصَّلَاةِ فِي غَدَاةِ ثَانِي الْعِيدِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهِ نَقُولُ لِحَدِيثٍ رُوِّينَاهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﵊ -: «أَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، فَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَعُودُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ» . قَالَ الْقَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، إِلَّا أَنَّهُ عَنْ صَحَابِيٍّ مَجْهُولٍ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهِمْ - ﵃ - حَمْلُهُمْ عَلَى الْعَدَالَةِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا اجْتَمَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ، هَلْ يُجْزِئُ الْعِيدُ عَنِ الْجُمُعَةِ؟ .
فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ الْعِيدُ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الْعَصْرُ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٍّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هَذِهِ رُخْصَةٌ لِأَهْلِ الْبَوَادِي الَّذِينَ يَرِدُونَ الْأَمْصَارَ لِلْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ خَاصَّةً، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ خَطَبَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ فَقَالَ: (مَنْ أَحَبَّ مِنْ أَهْلِ الْعَالِيَةِ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ)
وَروي نَحْوَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ فَالْمُكَلَّفُ مُخَاطِبٌ بِهِمَا جَمِيعًا: الْعِيدُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْجُمُعَةُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ بِالرَّأْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْقِيفٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأُصُولِ كُلَّ الْخُرُوجِ. وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لِمَكَانِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَخَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ: فَقَالَ قَوْمٌ: يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَقْضِيهَا عَلَى صِفَةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِيهِمَا نَحْوَ تَكْبِيرِهِ وَيَجْهَرُ كَجَهْرِهِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ لَا يَجْهَرُ فِيهِمَا وَلَا يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْعِيدِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي الْمُصَلَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِ الْمُصَلَّى صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
[ ١ / ٢٣٠ ]
فَمَنْ قَالَ أَرْبَعًا شَبَّهَهَا بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ، وَمَنْ قَالَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّاهُمَا الْإِمَامُ فَمَصِيرًا إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ، وَمَنْ مَنَعَ الْقَضَاءَ فَلِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ وَالْإِمَامُ كَالْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا رَكْعَتَيْنِ وَلَا أَرْبَعًا إِذْ لَيْسَتْ هِيَ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ هُمَا اللَّذَانِ يَتَرَدَّدُ فِيهِمَا النَّظَرُ - أَعْنِي: قَوْلَ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلَ مَالِكٍ -، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَاوِيلِ فِي ذَلِكَ فَضَعِيفٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَدَلٌ مِنَ الظُّهْرِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنْ شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَجِبُ أَنْ تُقَاسَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الْقَضَاءِ، وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَيْسَ مِنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَصَلَاتُهُ الظُّهْر قَضَاءٌ بَلْ أَدَاءٌ، لِأَنَّهُ إِذَا فَاتَهُ الْبَدَلُ وَجَبَتْ هِيَ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. وَاخْتَلَفُوا فِي التَّنَفُّلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. وَقِيلَ يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَنَسٍ وَعُرْوَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا وَلَا يَتَنَفَّلَ قَبْلَهَا، وَقَالَ بِهِ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْمُصَلَّى أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ ثَبَتَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ يَوْمَ أَضْحَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» وَقَالَ - ﵊ -: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» . وَتَرَدُّدُهَا أَيْضًا مِنْ حَيْثُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا فِي اسْتِحْبَابِ التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا حُكْمَ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمَهَا؟
فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَرْكَهُ الصَّلَاةَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا هُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الصَّلَاةِ قَبْلَ السُّنَنِ وَبَعْدَهَا، وَلَمْ يَنْطَلِقِ اسْمُ الْمَسْجِدِ عِنْدَهُ عَلَى الْمُصَلَّى لَمْ يُسْتَحَبَّ تَنَفُّلًا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، وَلِذَلِكَ تَرَدَّدَ الْمَذْهَبُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَهَا إِذَا صُلِّيَتْ فِي الْمَسْجِدِ، لِكَوْنِ دَلِيلِ الْفِعْلِ مُعَارِضًا فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ - أَعْنِي: أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَاخِلٌ فِي مَسْجِدٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرُّكُوعُ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ مُصَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَرْكَعَ تَشَبُّهًا بِفِعْلِهِ - ﵊ -.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ، وَرَأَى أَنَّ اسْمَ الْمَسْجِدِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمُصَلَّى نُدِبَ إِلَى التَّنَفُّلِ قَبْلَهَا.
وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ اسْتَحَبَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا كَمَا قُلْنَا.
[ ١ / ٢٣١ ]
وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ التَّنَفُّلَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ الْجَائِزِ لَا مِنْ بَابِ الْمَنْدُوبِ وَلَا مِنْ بَابِ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ أَقَلُّ اشْتِبَاهًا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَلِ اسْمُ الْمَسْجِدِ الْمُصَلَّى.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ بَعْدَ أَنْ أَجْمَعَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الْجُمْهُورُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: يُكَبِّرُ عِنْدَ الْغُدُوِّ إِلَى الصَّلَاةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى، وَحَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، وَكَذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْأَضْحَى عِنْدَهُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْكَارُ التَّكْبِيرِ جُمْلَةً إِلَّا إِذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ.
وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى التَّكْبِيرِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْقِيتِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا: فَقَالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخَرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقِيلَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ فِي الْأَمْصَارِ دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ، حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهَا عَشَرَةَ أَقْوَالٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هُوَ أَنَّهُ نُقِلَتْ بِالْعَمَلِ وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ مَحْدُودٌ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ اخْتَلَفَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . فَهَذَا الْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ أَوَّلًا أَهْلَ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّهُ يَعُمُّ أَهْلَ الْحَجِّ وَغَيْرَهُمْ، وَتُلُقِّيَ ذَلِكَ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي التَّوْقِيتِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ التَّوْقِيتَ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْقِيتِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّكْبِيرِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ ثَلَاثًا: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ) . وَقِيلَ: يَزِيدُ بَعْدَ هَذَا: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْملكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَقُولُ: (اللَّهُ أَكْبَرُ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّابِعَةَ: (وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) . وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ.
وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ: عَدَمُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، مَعَ فَهْمِهِمْ مِنَ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ التَّوْقِيتِ - أَعْنِي: فَهْمَ الْأَكْثَرِ. وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي تَوْقِيتِ زَمَانِ التَّكْبِيرِ - أَعْنِي: فَهْمَ التَّوْقِيتِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى، وَأَنْ لَا يُفْطِرَ يَوْمَ الْأَضْحَى إِلَّا بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ على غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - ﵊ -.
[الْبَابُ التَّاسِعُ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ]
ِ وَالْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ فُصُولٍ: فِي حُكْمِ السُّجُودِ، وَفِي عَدَدِ السَّجَدَاتِ الَّتِي هي عَزَائِمُ - أَعْنِي: الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا -، وَفِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسْجَدُ لَهَا، وَعَلَى مَنْ يَجِبُ السُّجُودُ، وَفِي صِفَةِ السُّجُودِ.
فَأَمَّا حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ قَالُوا: هُوَ وَاجِبٌ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ مَسْنُونٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْأَوَامِرِ بِالسُّجُودِ، وَالْأَخْبَارِ الَّتِي مَعْنَاهَا مَعْنَى الْأَوَامِرِ بِالسُّجُودِ، مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ: فَأَبُو حَنِيفَةَ حَمَلَهَا عَلَى ظَاهِرِهَا مِنَ الْوُجُوبِ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ اتَّبَعَا فِي مَفْهُومِهمَا الصَّحَابَةَ إِذْ كَانُوا هُمْ أَقْعَدَ بِفَهْمِهم الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ السَّجْدَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَنَزَلَ وَسَجَدَ، وَسَجَدَ النَّاسُ معه فَلَمَّا كَانَ يوم الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ وَقَرَأَهَا تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ، قَالُوا: وَهَذه بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ، وَهُمْ أَفْهَمُ بِمَغْزَى الشَّرْعِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى قَوْلَ الصَّحَابِيِّ - إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالِفٌ - حُجَّةً.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْتُ أَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَرَأْتُ سُورَةَ الحج فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ نَسْجُدْ» .
وَكَذَلِكَ أَيْضًا يُحْتَجُّ هَؤُلَاءِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵊ -: «أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ» . وَبِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ سَجَدَ فِيهَا» . لِأَنَّ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ السُّجُودُ وَاجِبًا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدَّثَ بِمَا رَأَى، مَنْ قَالَ: إِنَّهُ سَجَدَ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ حَمْلُ الْأَوَامِرِ عَلَى الْوُجُوبِ أو الْأَخْبَارِ الَّتِي تنزل مَنْزِلَةَ الْأَوَامِرِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنَّ احْتِجَاجَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ بِالسُّجُودِ فِي ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ إِيجَابَ السُّجُودِ مُطْلَقًا لَيْسَ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ مُقَيَّدًا وَهُوَ عِنْدُ الْقِرَاءَةِ - أَعْنِي: قِرَاءَةَ آيَةِ السُّجُودِ - قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ أَبُو حَنِيفَةَ لَكَانَتِ الصَّلَاةُ تَجِبُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَجِبُ السُّجُودُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ مِنَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي السُّجُودِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ هِيَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَذَلِكَ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالسُّجُودِ مُقَيَّدًا بِالتِّلَاوَةِ - أَعْنِي: عِنْدَ التِّلَاوَةِ -، وَوَرَدَ بِهِ الْأَمْرُ مُطْلَقًا فَوَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِالسُّجُودِ كَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ قُيِّدَ وَجُوبُهَا بِقُيُودٍ أُخَرَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - قَدْ سَجَدَ فِيهَا. فَبَيَّنَ لَنَا بِذَلِكَ مَعْنَى الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ الْوَارِدِ فِيهَا - أَعْنِي: أَنَّهُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ -، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا عَدَدُ عَزَائِمِ سُجُودِ الْقُرْآنِ: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُوَطَّأ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ الْقُرْآنِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً، لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ. وَقَالَ أَصْحَابُهُ:
أَوَّلُهَا: خَاتِمَةُ الْأَعْرَافِ.
وَثَانِيهَا: فِي الرَّعْدِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] .
وَثَالِثُهَا: فِي النَّحْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
وَرَابِعُهَا: فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى:
[ ١ / ٢٣٤ ]
﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] .
وَخَامِسُهَا: فِي مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] .
وَسَادِسُهَا: الْأُولَى مِنَ الْحَجِّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] .
وَسَابِعُهَا: فِي الْفُرْقَانِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] .
وَثَامِنُهَا: فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦] .
وَتَاسِعُهَا: فِي ﴿الم﴾ [السجدة: ١] ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ٢] عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] .
وَعَاشِرُهَا: فِي (ص) عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] .
وَالْحَادِيَةَ عَشْرَ: فِي ﴿حم﴾ [فصلت: ١] ﴿تَنْزِيلٌ﴾ [فصلت: ٢] عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] وَقِيلَ: عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً: ثَلَاثٌ مِنْهَا فِي الْمُفَصَّلِ: فِي الِانْشِقَاقِ، وَفِي النَّجْمِ، وَفِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] . وَلَمْ يَرَ فِي (ص) سَجْدَةً لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الشُّكْرِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: هِيَ خَمْس عَشْرَةَ سَجْدَةً، أَثْبَتَ فِيهَا الثَّانِيَةَ مِنَ الْحَجِّ، وَسَجْدَةَ (ص) .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَجْدَةً، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهِيَ كُلُّ سَجْدَةٍ جَاءَتْ بِلَفْظِ الْخَبَرِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَذَاهِبِ الَّتِي اعْتَمَدُوهَا فِي تَصْحِيحِ عَدَدِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ الْقِيَاسَ، وَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ.
أَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا الْعَمَلَ فَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ.
وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا الْقِيَاسَ فَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا السَّجَدَاتِ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَهِيَ: سَجْدَةُ الْأَعْرَافِ وَالنَّحْلِ وَالرَّعْدِ وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ وَأَوَّلِ الْحَجِّ وَالْفَرْقَانِ وَالنَّمْلِ وَالم تَنْزِيلُ، فَوَجَبَ أَنْ يلْحَقَ بِهَا سَائِرُ السَّجَدَاتِ الَّتِي جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، وَهِيَ الَّتِي فِي (ص) والِانْشِقَاقِ، وَيَسْقُطُ ثَلَاث جَاءَتْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَهِيَ: الَّتِي فِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١] وَفِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْحَجِّ وَفِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] .
وَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَمَدُوا السَّمَاعَ فَإِنَّهُمْ صَارُوا إِلَى مَا ثَبَتَ «عَنْهُ - ﵊ - مِنْ سُجُود فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وَفِي (وَالنَّجْمِ» وخَرَّجَ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَحْمَدُ كَمْ فِي الْحَجِّ مِنْ سَجْدَةٍ؟ قَالَ سَجْدَتَانِ.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وَصَحيح حَدِيث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «أَنَّهُ قَالَ: " فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ» . وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ. قَالَ الْقَاضِي: خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ سَجْدَةِ (ص) لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - قَرَأَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ آيَةَ السُّجُودِ مِنْ سُورَةِ (ص) فَنَزَلَ وَسَجَدَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تُشِيرُونَ لِلسُّجُودِ فَنَزَلْتُ فَسَجَدْتُ» . وَفِي هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْحُجَّةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ السُّجُودِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ تَرْكَ السُّجُودِ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ بِعِلَّةٍ انْتَفَتْ فِي غَيْرِهَا مِنَ السَّجَدَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الَّتِي انْتَفَتْ عَنْهَا الْعِلَّةُ بِخِلَافِ الَّتِي ثَبَتَتْ لَهَا الْعِلَّةُ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَجْوِيزِ دَلِيلِ الْخِطَابِ.
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ السُّجُودَ فِي الْمُفَصَّلِ بِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهُوَ مُنْكَرٌ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ الَّذِي رَوَى سُجُودَهُ فِي الْمُفَصَّلِ لَمْ يَصْحَبْهُ - ﵊ - إِلَّا بِالْمَدِينَةِ. رَوَى الثِّقَاتُ عَنْهُ: «أَنَّهُ سَجَدَ - ﵊ - فِي ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [النجم: ١]» .
وَأَمَّا وَقْتُ السُّجُودِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمَنَعَ قَوْمٌ السُّجُودَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَمَنَعَ مَالِكٌ أَيْضًا ذَلِكَ فِي الْمُوَطَّأ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنَ النَّفْلِ، وَالنَّفْلُ مَمْنُوعٌ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَهُ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ فِيهَا بَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ أَوْ تَتَغَيَّرْ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَأَنَّ السُّنَنَ تُصَلَّى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ تَدْنُ الشَّمْسُ مِنَ الْغُرُوبِ أَوِ الطُّلُوعِ.
;
وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَتَوَجَّهُ حُكْمُهَا؟ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَارِئِ فِي صَلَاةٍ كَانَ أَوْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّامِعِ هَلْ عَلَيْهِ سُجُودٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَسْجُدُ السَّامِعُ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا إِذَا كَانَ قَعَدَ لِيَسْمَعَ
[ ١ / ٢٣٦ ]
الْقُرْآنَ، وَالْآخِرُ أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ يَسْجُدُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا لِلسَّامِعِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْجُدُ السَّامِعُ، وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ مِمَّنْ لَا يصح لِلْإِمَامَةِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا صِفَةُ السُّجُودِ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: إِذَا سَجَدَ الْقَارِئُ كَبَّرَ إِذَا خَفَضَ وَإِذَا رَفَعَ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ قَوْلًا وَاحِدًا.
[ ١ / ٢٣٧ ]