[كِتَابُ الشَّرِكَةِ] [الرُّكْنُ الْأَوَّلُ مَحِل شركة العنان مِنَ الْأَمْوَالِ]
ِ وَالنَّظَرُ فِي الشَّرِكَةِ: فِي أَنْوَاعِهَا، وَفِي أَرْكَانِهَا الْمُوجِبَةِ لِلصِّحَّةِ فِي الْأَحْكَامِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمَا اشْتَهَرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا قَصَدْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
وَالشَّرِكَةُ بِالْجُمْلَةِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: شَرِكَةُ الْعِنَانِ، وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ، وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ، وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ. وَاحِدَةٌ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ شَرِكَةُ الْعِنَانِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَعْرِفْ هَذَا اللَّفْظَ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ. وَالثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا عِنْدَ مَنِ اتَّفَقَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا.
الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ
وَأَرْكَانُ هَذِهِ الشَّرِكَةِ ثَلَاثَةٌ:
الْأَوَّلُ: مَحِلُّهَا مِنَ الْأَمْوَالِ.
وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الرِّبْحِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِيهِ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ قَدْرِ الْمَالِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فَأَمَّا مَحِلُّ الشَّرِكَةِ: فَمِنْهُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الْعَيْنِ (أَعْنِي: الدَّنَانِيرَ، وَالدَّرَاهِمَ)، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْعًا لَا تَقَعُ فِيهِ مُنَاجَزَةٌ، وَمِنْ شَرْطِ الْبَيْعِ فِي الذَّهَبِ وَفِي الدَّرَاهِمِ الْمُنَاجَزَةُ، لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ خَصَّصَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الشَّرِكَةِ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى الشَّرِكَةِ بِالْعَرْضَيْنِ يَكُونَانِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الشَّرِكَةِ بِالْعَرْضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَبِالْعُيُونِ الْمُخْتَلِفَةِ، مِثْلَ الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ أَحَدِهمَا وَالدَّرَاهِمِ مِنَ الْآخَرِ، وَبِالطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ إِذَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، فَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ; فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَا فِي صِنْفَيْنِ مِنَ الْعُرُوضِ، أَوْ فِي عُرُوضٍ وَدَرَاهِمَ أوْ دَنَانِيرَ، فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.
وَسَبَبُ الْكَرَاهِيَةِ: اجْتِمَاعُ الشَّرِكَةِ فِيهَا وَالْبَيْعُ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضَانِ مُخْتَلِفَيْنِ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاعَ جُزْءًا مِنْ عَرَضِهِ بِجُزْءٍ مِنَ الْعَرَضِ الْآخَرِ.
وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي الْعُرُوضِ إِذَا وَقَعَتْ فِيهَا الشَّرِكَةُ الْقِيَمَ. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: لَا تَنْعَقِدُ الشَّرِكَةُ إِلَّا عَلَى أَثْمَانِ الْعُرُوضِ. وَحَكَى أَبُو حَامِدٍ أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ
[ ٤ / ٣٥ ]
الشَّافِعِيِّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ مِثْلَ الْقِرَاضِ لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرِ، قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْإِشَاعَةَ فِيهَا تَقُومُ مَقَامَ الْخَلْطِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ; وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصِّنْفَانِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسَاءُ مِثْلَ الشَّرِكَةِ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ، أَوْ بِالطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَأَجَازَهُ مَرَّةً، وَمَنَعَهُ مَرَّةً. وَذَلِكَ لِمَا يَدْخُلُ الشَّرِكَةَ بِالدَّرَاهِمِ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا، وَالدَّنَانِيرِ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ مِنَ الشَّرِكَةِ وَالصَّرْفِ مَعًا، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ، وَلِمَا يَدْخُلُ الطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَعَدَمِ التَّنَاجُزِ; وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذِهِ الْعِلَلَ أَجَازَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ; وَأَمَّا الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ: فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِهَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ، أَوِ الْفِضَّةِ، وَمَنَعَهَا مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَهُوَ الْمَشْهُورُ - بِعَدَمِ الْمُنَاجَزَةِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ; إِذْ رَأَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَى مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَجْهَ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ لِذَلِكَ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْقِيمَةِ، وَالْبَيْعُ يَفْتَقِرُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ فِي الْكَيْلِ، فَافْتَقَرَتِ الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ إِلَى اسْتِوَاءِ الْقِيمَةِ، وَالْكَيْلِ، وَذَلِكَ لَا يَكَادُ يُوجَدُ، فَكَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي جِنْسِ مَحِلِّ الشَّرِكَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ مَالِ الشَّرِكَةِ أن يختلط أو لا يختلط؟ فقال مَالِكٌ: إن من شرط الشركة أَنْ يَخْتَلِطَا إِمَّا حِسًّا، وَإِمَّا حُكْمًا، مِثْلَ أَنْ يَكُونَا فِي صُنْدُوقٍ وَاحِدٍ وَأَيْدِيهُمَا مُطْلَقَةً عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ حَتَّى يَخْلِطَا مَالَيْهِمَا خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَالُ أَحَدِهِمَا مِنْ مَالِ الْآخَرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِحُّ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَدِهِ.
فَأَبُو حَنِيفَةَ اكْتَفَى فِي انْعِقَادِ الشَّرِكَةِ بِالْقَوْلِ. وَمَالِكٌ اشْتَرَطَ إِلَى ذَلِكَ اشْتِرَاكَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ; وَالشَّافِعِيُّ اشْتَرَطَ إِلَى هَذَيْنِ الِاخْتِلَاطَ.
وَالْفِقْهُ أَنَّ بِالِاخْتِلَاطِ يَكُونُ عَمَلُ الشَّرِيكَيْنِ أَفْضَلَ وَأَتَمَّ; لِأَنَّ النُّصْحَ يُوجَدُ مِنْهُ لِشَرِيكِهِ كَمَا يُوجَدُ لِنَفْسِهِ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الرُّكْنِ وَفِي شُرُوطِهِ.
[الرُّكْنُ الثَّانِي كَيْفِيَّةُ اقْتِسَامِ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا في شركة العنان]
فَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي (وَهُوَ وَجْهُ اقْتِسَامِهِمَا الرِّبْحَ): فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الرِّبْحُ تَابِعًا لِرُءُوسِ الْأَمْوَالِ (أَعْنِي: إِنْ كَانَ أَصْلُ مَالِ الشَّرِكَةِ مُتَسَاوِيَيْنِ كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ رُءُوسُ أَمْوَالِهِمَا وَيَسْتَوِيَانِ فِي الرِّبْحِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ أَنَّ تَشْبِيهَ الرِّبْحِ بِالْخُسْرَانِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا مِنَ الْخُسْرَانِ لَمْ يَجُزْ كَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَطَ جُزْءًا مِنَ الرِّبْحِ خَارِجًا عَنْ مَالِهِ. وَرُبَّمَا شَبَّهُوا الرِّبْحَ بِمَنْفَعَةِ الْعَقَارِ الَّذِي بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ (أَعْنِي: أَنَّ الْمَنْفَعَةَ بَيْنَهُمَا تَكُونُ عَلَى نِسْبَةِ أَصْلِ الشَّرِكَةِ) .
[ ٤ / ٣٦ ]
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَشْبِيهُ الشَّرِكَةِ بِالْقِرَاضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَيْسَ يَجْعَلُ مُقَابِلَهُ إِلَّا عَمَلًا فَقَطْ; كَانَ فِي الشَّرِكَةِ أَحْرَى أَنْ يجْعَلَ لِلْعَمَلِ جُزْءا مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ مَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَمَلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الرِّبْحِ مُقَابِلًا لِفَضْلِ عَمَلِهِ عَلَى عَمَلِ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ في شركة العنان]
; وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الْعَمَلُ: فَإِنَّهُ تَابِعٌ كَمَا قُلْنَا عِنْدَ مَالِكٍ لِلْمَالِ، فَلَا يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ. وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ مَعَ الْمَالِ. وَأَظُنُّ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُجِيزُ الشَّرِكَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَالَاهُمَا مُتَسَاوِيَيْنِ الْتِفَاتًا إِلَى الْعَمَلِ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْغَالِبِ مُسْتَوٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّسَاوِي كَانَ هُنَالِكَ غَبْنٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فِي الْعَمَلِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكَةِ الَّتِي يُخْرِجُ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مَالًا مِثْلَ مَالِ صَاحِبِهِ مِنْ نَوْعِهِ (أَعْنِي: دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ)، ثُمَّ يَخْلِطَانِهِمَا حَتَّى يَصِيرَا مَالًا وَاحِدًا لَا يَتَمَيَّزُ، عَلَى أَنْ يَبِيعَا وَيَشْتَرِيَا مَا رَأَيَا مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْنِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَسَارَةٍ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَذَلِكَ إِذَا بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، وَاشْتِرَاطُهُ هَذَا الشَّرْطَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ.
الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ
وَاخْتَلَفُوا فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: فَاتَّفَقَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بِالْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِهَا، وَإِنْ كَانَ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ.
وَمَعْنَى شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ: أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ، وَذَلِكَ وَاقِعٌ عِنْدَهُمْ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُمْتَلَكَاتِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ اسْمَ الشَّرِكَةِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى اخْتِلَاطِ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّ الْأَرْبَاحَ فُرُوعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفُرُوعُ مُشْتَرَكَةً إِلَّا بِاشْتِرَاكِ أُصُولِهَا. وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِبْحًا لِصَاحِبِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ، وَهَذِهِ صِفَةُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَيَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ بَاعَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ وَكَّلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْجُزْءِ الَّذِي بَقِيَ فِي يَدِهِ. وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الشَّرِكَةَ لَيْسَتْ هِيَ بَيْعًا، وَوَكَالَةً.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَهُوَ هَاهُنَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُرَاعِي فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ إِلَّا النَّقْدَ فَقَطْ.
وَأَمَّا مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُفَاوَضَةِ التَّسَاوِيَ فِي رُءُوسِ الْأَمْوَالِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِشَرِكَةِ
[ ٤ / ٣٧ ]
الْعِنَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الشَّرِكَةِ. وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ اسْمَ الْمُفَاوَضَةِ يَقْتَضِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ (أَعْنِي: تَسَاوِيَ الْمَالَيْنِ وَتَعْمِيمَ مِلْكِهِمَا) .
الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ بِالْجُمْلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَالِكِيَّةِ جَائِزَةٌ، وَمَنَعَ مِنْهَا الشَّافِعِيُّ. وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الشَّرِكَةَ إِنَّمَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ لَا بِالْأَعْمَالِ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْضَبِطُ فَهُوَ غَرَرٌ عِنْدَهُمْ; إِذْ كَانَ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولًا عِنْدَ صَاحِبِهِ.
وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ: اشْتِرَاكُ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ، وَهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِالْعَمَلِ. «وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ شَارَكَ سَعْدًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَصَابَ سَعْدٌ فَرَسَيْنِ وَلَمْ يُصِبِ ابْنَ مَسْعُودٍ شَيْئا، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِمَا» . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْعَمَلِ، فَجَازَ أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الشَّرِكَةُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ خَارِجَةٌ عَنِ الْأُصُولِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ خَارِجًا عَنِ الشَّرِكَةِ; وَمِنْ شَرْطِهَا عِنْدَ مَالِكٍ اتِّفَاقُ الصَّنْعَتَيْنِ وَالْمَكَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنْعَتَيْنِ، فَيَشْتَرِكُ عِنْدَهُ الدِّبَاغُ وَالْقِصَارُ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: زِيَادَةُ الْغَرَرِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الصَّنْعَتَيْنِ، أَوِ اخْتِلَافِ الْمَكَانِ. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: جَوَازُ الشَّرِكَةِ عَلَى الْعَمَلِ.
الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ بَاطِلَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: جَائِزَةٌ.
وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ هِيَ الشَّرِكَةُ عَلَى الذِّمَمِ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ، وَلَا مَالٍ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ الشَّرِكَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ عَلَى الْمَالِ، أَوْ عَلَى الْعَمَلِ، وَكِلَاهُمَا مَعْدُومَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَاوَضَ صَاحِبَهُ بِكَسْبٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ بِصِنَاعَةٍ وَلَا عَمَلٍ مَخْصُوصٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَمِدُ أَنَّهُ عَمَلٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَجَازَ أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الشَّرِكَةُ.
[ ٤ / ٣٨ ]
الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ وَهِيَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لَا مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ (أَيْ: لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنَ الشَّرِكَةِ مَتَى شَاءَ)، وَهِيَ عَقْدٌ غَيْرُ مَوْرُوثٍ، وَنَفَقَتُهُمَا وَكُسْوَتُهُمَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إِذَا تَقَارَبَا فِي الْعِيَالِ، وَلَمْ يَخْرُجَا عَنْ نَفَقَةِ مِثْلِهِمَا، وَيَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ، وَأَنْ يُقَارِضَ، وَأَنْ يُودِعَ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ، وَلَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إِلَّا تَصَرُّفًا يَرَى أَنَّهُ نَظَرٌ لَهُمَا.
فَأَمَّا مَنْ قَصَّرَ فِي شَيْءٍ أَوْ تَعَدَّى فَهُوَ ضَامِنٌ، مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا مِنَ التِّجَارَةِ فَلَا يَشْهَدُ، وَيُنْكِرُهُ الْقَابِضُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ; لِأَنَّهُ قَصَّرَ إِذْ لَمْ يَشْهَدْ.
وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّيْءَ الْمَعِيبَ فِي الشِّرَاءِ. وَإِقْرَارُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي مَالٍ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَتَجُوزُ إِقَالَتُهُ، وَتَوْلِيَتُهُ، وَلَا يَضْمَنُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ أَنْ يُقَارِضَ غَيْرَهُ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ. وَيَتَنَزَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْزِلَةَ صَاحِبِهِ فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ. وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ.
[ ٤ / ٣٩ ]
ِ وَالنَّظَرُ فِي الشُّفْعَةِ أَوَّلًا في قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحُكْمِ، وَفِي أَرْكَانِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ. فَأَمَّا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ: فَالْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، إِلَّا مَا يُتَأَمَّلُ عَلَى مَنْ لَا يَرَى بَيْعَ الشِّقْصِ الْمُشَاعِ. وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الشَّافِعُ، وَالْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ، وَالْمَشْفُوعُ فِيهِ، وَصِفَةُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ.
وَهُوَ الشَّافِعُ.
ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ مَا لَمْ يُقَاسِمْ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الشُّفْعَةُ مُرَتَّبَةٌ، فَأَوْلَى النَّاسِ بِالشُّفْعَةِ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ، ثُمَّ الشَّرِيكُ الْمُقَاسِمُ إِذَا بَقِيَتْ فِي الطُّرُقِ أَوْ فِي الصَّحْنِ شَرِكَةٌ، ثُمَّ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: لَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ وَلَا لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ.
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُرْسَلُ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ»، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَيْضًا: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: حَدِيثُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الشُّفْعَةِ. وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يَقُولُ: مُرْسَلُ مَالِكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ; إِذْ كَانَ مَالِكٌ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَوْقُوفًا، وَقَدْ جَعَلَ قَوْمٌ هَذَا الِاخْتِلَافَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي إِسْنَادِهِ تَوْهِينًا لَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْموطأ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ «أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ»، وَذَلِكَ أَنَّهُ لما كَانَتِ الشُّفْعَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ، فَهِيَ أَحْرَى أَنْ لَا تَكُونَ وَاجِبَةً لِلْجَارِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّرِيكَ الْمُقَاسِمَ هُوَ جَارٌ إِذَا قَاسَمَ.
[ ٤ / ٤٠ ]
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: حَدِيثُ أبي رَافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنْهُ - ﵊ - أَنَّهُ قَالَ: «جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ»، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لَهُمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الشُّفْعَةُ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا دَفْعُ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي الْجَارِ وَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ. وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَقُولُوا: وُجُودُ الضَّرَرِ فِي الشَّرِكَةِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي الْجِوَارِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْأُصُولَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مِلْكُ أَحَدٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ، وَأَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَجَّحَ مَا شَهِدَتْ لَهُ الْأُصُولُ، وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ سَلَفٌ مُتَقَدِّمٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ التَّابِعِينَ ولِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي. وَهُوَ الْمَشْفُوعُ فِيهِ.
اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الدُّورِ، وَالْعَقَارِ، وَالْأَرَضِينَ كُلِّهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ:
فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَقْصُودٌ، وَهُوَ الْعَقَارُ مِنَ الدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ، وَالْبَسَاتِينِ.
وَالثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ، ذَلِكَ كَالْبِئْرِ، وَمَحَالِّ النَّخْلِ، مَا دَامَ الْأَصْلُ فِيهَا عَلَى صِفَةٍ تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ عَنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ هُوَ الْأَرْضُ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ غَيْرَ مَقْسُومٍ.
وَالثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَ بِهَذِهِ كَالثِّمَارِ، وَفِيهَا عَنْهُ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ، وَكِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ.
وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْحَمَّامِ وَالرَّحَا، وَأَمَّا مَا عَدَا هَذَا مِنَ الْعُرُوضِ، وَالْحَيَوَانِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا فِي عَرْصَةِ الدَّارِ.
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي أَكَرِيَةِ الدُّورِ، وَفِي الْمُسَاقَاةِ، وَفِي الدَّيْنِ، هَلْ يَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَقَّ بِهِ؟ وَكَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَرَوَى: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ»، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شُفْعَةَ فِي الدَّيْنِ. وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي إِيجَابِهَا فِي الْكِتَابَةِ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ،
[ ٤ / ٤١ ]
وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْعَقَارِ فَقَطْ. وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي البئر وفي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الْمَكِيلَ، وَالْمَوْزُونَ، وَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةُ الشُّفْعَةَ فِي الْبِئْرِ وَالْفَحْلِ، وَأَجَازَهَا فِي الْعَرْصَةِ وَالطَّرِيقِ. وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي الْعَرْصَةِ وَفِي الطَّرِيقِ وَفِي الْبِئْرِ، وَخَالَفَاهُ جَمِيعًا فِي الثِّمَارِ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَصْرِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْعَقَارِ: مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشُّفْعَةُ فِيمَا تُمْكِنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ مَا دَامَ لَمْ يُقَسَّمْ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ.
وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ: فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الشَّرِيكُ شَفِيعٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ» ; وَلِأَنَّ مَعْنَى ضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَالْجِوَارِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَقَارِ أَظْهَرَ. وَلَمَّا لَحِظَ هَذَا مَالِكٌ أَجْرَى مَا يَتْبَعُ الْعَقَارَ مَجْرَى الْعَقَارِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَنْعِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ بِمَا رُوِيَ: «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ»، وَمَالِكٌ حَمَلَ هَذَا الْأَثَرَ عَلَى آبَارِ الصَّحَارِي الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ الْمَوَاتِ، لَا الَّتِي تَكُونُ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ.
وَأَمَّا الْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ الْمِلْكُ بِشِرَاءٍ مِنْ شَرِيكٍ غَيْرِ مُقَاسِمٍ، أَوْ مِنْ جَارٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ الْمِلْكُ بِغَيْرِ شِرَاءٍ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ إِذَا كَانَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَالصُّلْحِ، وَالْمَهْرِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّهَا تَجِبُ بِكُلِّ مِلْكٍ انْتَقَلَ بِعِوَضٍ، أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، وَالصَّدَقَةِ، مَا عَدَا الْمِيرَاثَ فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَالشُّفْعَةُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَبِيعِ فَقَطْ. وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي الْمَبِيعَاتِ، بَلْ ذَلِكَ نَصٌّ فِيهَا لَا فِي بَعْضِهَا، فَلَا يَبِعْ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَرَأَتْ أَنَّ كُلَّ مَا انْتَقَلَ بِعِوَضٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهَا اعْتَبَرَتِ الضَّرَرَ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ: فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا الشَّافِعِيِّ ; أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ
[ ٤ / ٤٢ ]
عِنْدَهُ فِي الْمَبِيعِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلَةٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ فِي أَنَّ الشُّفْعَةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي بِالْخِيَارِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ فِيهِ لِلْبَائِعِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَجِبَ الْبَيْعُ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْكُوفِيُّونَ: الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ; لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ صَرَمَ الشِّقْصَ عَنْ مِلْكِهِ، وَأَبَانَهُ مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الشُّفْعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ; لِأَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ (وَهِيَ تَبْدِيلُ أَرْضٍ بِأَرْضٍ): فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: الْجَوَازُ، وَالْمَنْعُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمُنَاقَلَةُ بَيْنَ الْأَشْرَاكِ، أو الْأَجَانِبِ، فَلَمْ يَرَهَا فِي الْأَشْرَاكِ، وَرَآهَا فِي الْأَجَانِبِ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ.
فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ.
وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ بِمَاذَا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ، وَكَمْ يَأْخُذُ، وَمَتَى يَأْخُذُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ إِن كَانَ حَالًّا.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ هَلْ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، أَوْ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ حَالًّا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهُ بِذَلِكَ الْأَجَلِ إِذَا كَانَ مَلِيًّا، أَوْ يَأْتِي بِضَامِنٍ مَلِيءٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ عَجَّلَ تَعَجَّلَتِ الشُّفْعَةُ، وَإِلَّا تَتَأَخَّرُ إِلَى وَقْتِ الْأَجَلِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَأْخُذُهَا إِلَّا بِالنَّقْدِ; لِأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِ الْأَوَّلِ، قَالَ: وَمِنَّا مَنْ يَقُولُ تَبْقَى فِي يَدِ الَّذِي بَاعَهَا، فَإِنْ بَلَغَ الْأَجَلَ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ.
وَالَّذِينَ رَأَوُا الشُّفْعَةَ فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ مِمَّا لَيْسَ بِبَيْعٍ، فَالْمَعْلُومُ عَنْهُمْ أَنَّهُ يَأْخُذُ الشُّفْعَةَ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ إِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِمَّا لَيْسَ يَتَقَدَّرُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مُعْطًى فِي خُلْعٍ. وَأمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْطًى فِي شَيْءٍ يَتَقَدَّرُ وَلَمْ يَكُنْ دَنَانِيرَ، وَلَا دَرَاهِمَ، وَلَا بِالْجُمْلَةِ مَكِيلًا، وَلَا مَوْزُونًا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي دَفَعَ الشِّقْصَ فِيهِ; وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَحْدُودَ الْقَدْرِ بِالشَّرْعِ أَخَذَ ذَلِكَ الْقَدْرِ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ الشِّقْصَ فِي مُوضِحَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، أَوْ مُنَقَّلَةٍ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِدِيَةِ الْمُوضِحَةِ أَوِ الْمُنَقَّلَةِ.
وَأَمَّا كَمْ يَأْخُذُ؟ فَإِنَّ الشَّفِيعَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَالْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ. فَأَمَّا أَنَّ الشَّفِيعَ وَاحِدٌ وَالْمَشْفُوعَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ وَاحِدًا وَالشُّفَعَاءُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ بَيْنَهُمْ.
وَالثَّانِي: إِذَا اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُ شَرِكَتِهِمْ; هَلْ يَحْجُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنِ الشُّفْعَةِ أَمْ لَا؟ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ الَّذِي وَرِثُوهُ; لِأَنَّهُمْ أَهْلُ سَهْمٍ وَاحِدٍ، وَبَعْضُهُمْ لِأَنَّهُمْ عُصْبَةٌ.
[ ٤ / ٤٣ ]
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى (وَهِيَ كَيْفِيَّةُ تَوْزِيعِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ): فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ، وَجُمْهُورَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَشْفُوعَ فِيهِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، فَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ الثُّلُثَ مَثَلًا أُخِذَ مِنَ الشِّقْصِ بِثُلُثِ
الثَّمَنِ، وَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ الرُّبْعَ أُخِذَ الرُّبْعُ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هِيَ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ عَلَى السَّوَاءِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الشَّرِيكُ ذُو الْحَظِّ الْأَكْبَرِ، وَذُو الْحَظِّ الْأَصْغَرِ.
وَعُمْدَةُ الْمَدَنِيِّينَ: أَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ يُسْتَفَادُ وُجُوبُهُ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَوَزَّعَ عَلَى مِقْدَارِ الْأَصْلِ، أَصْلُهُ الْأَكْرِيَةُ فِي الْمُسْتَأْجَرَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالرِّبْحُ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا هِيَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَالضَّرَرُ دَاخِلٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ حِصَّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُمْ لِدَفْعِهِ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ فَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ أَهْلُ الْحُظُوظِ الْمُخْتَلِفَةِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي نَفْسِ الْمِلْكِ، وَرُبَّمَا شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالشُّرَكَاءِ فِي الْعَبْدِ يُعْتِقُ بَعْضُهُمْ نَصِيبَهُ أَن يَقُوم عَلَى الْمُعْتَقِينَ عَلَى السَّوِيَّةِ (أَعْنِي: حَظَّ مَنْ لَمْ يُعْتِقْ.
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْأَشْرَاكِ الَّذِينَ هُمْ عُصْبَةٌ فِي الشُّفْعَةِ مَعَ الْأَشْرَاكِ الَّذِينَ شَرِكَتُهُمْ مِنْ قِبَلِ السَّهْمِ الْوَاحِدِ:
فَقَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ السَّهْمِ الْوَاحِدِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ إِذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ مِنَ الْأَشْرَاكِ مَعَهُمْ فِي الْمَالِ مِنْ قِبَلِ التَّعْصِيبِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذُو الْعُصْبَةِ فِي الشُّفْعَةِ عَلَى أَهْلِ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ، وَيَدْخُلُ ذَوُو السِّهَامِ عَلَى ذَوِي التَّعْصِيبِ، مِثْلُ أَنْ يَمُوتَ مَيِّتٌ فَيَتْرُكَ عَقَارًا تَرِثُهُ عَنْهُ بِنْتَانِ، وَابْنَا عَمٍّ، ثُمَّ تَبِيعُ الْبِنْتُ الْوَاحِدَةُ حَظَّهَا، فَإِنَّ الْبِنْتَ الثَّانِيَةَ عِنْدَ مَالِكٍ هِيَ الَّتِي تَشْفَعُ فِي ذَلِكَ الْحَظِّ الَّذِي بَاعَتْهُ أُخْتُهَا فَقَطْ دُونَ ابْنَيِ الْعَمِّ، وَإِنْ بَاعَ أَحَدُ ابْنَيِ الْعَمِّ نَصِيبَهُ يَشْفَعُ فِيهِ الْبَنَاتُ وَابْنُ الْعَمِّ الثَّانِي، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: لَا يَدْخُلُ ذَوُو السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَاتِ، وَلَا الْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ، وَيَتَشَافَعُ أَهْلُ السَّهْمِ الْوَاحِدِ فِيمَا بَيْنَهُمْ خَاصَّةً، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَدْخُلُ ذَوُو السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَاتِ وَالْعَصَبَاتُ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَعُمْدَةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: عُمُومُ قَضَائِهِ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، وَلَمْ يَفْصِلْ ذَوِي السَّهْمٍ مِنْ عُصْبَةٍ. وَمَنْ خَصَّصَ ذَوِي السِّهَامِ مِنَ الْعَصَبَاتِ فَلِأَنَّهُ رَأَى الشَّرِكَةَ مُخْتَلِفَةُ الْأَسْبَابِ (أَعْنِي: بَيْنَ ذَوِي السِّهَامِ وَبَيْنَ الْعَصَبَاتِ)، فَشَبَّهَ الشَّرِكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَسْبَابِ بِالشَّرِكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ قِبَلِ مَحَالِّهَا الَّذِي هُوَ الْمَالُ بِالْقِسْمَةِ بِالْأَمْوَالِ. وَمَنْ أَدْخَلَ ذَوِي السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَةِ، وَلَمْ يُدْخِلِ الْعَصَبَةَ عَلَى ذَوِي السِّهَامِ، فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَوِي السِّهَامِ أَقْعَدُ مِنَ الْعَصَبَةِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ
[ ٤ / ٤٤ ]
الْمَشْفُوعُ عَلَيْهِمَا اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَشْفَعَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَشْفَعَ عَلَى أَيِّهِمَا أَحَبَّ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ.
فَأَمَّا إِذَا بَاعَ رَجُلَانِ شِقْصًا مِنْ رَجُلٍ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَشْفَعَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ ذَلِكَ، وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الشَّافِعُونَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (أَعْنِي: الْأَشْرَاكَ)، فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَشْفَعَ وَيسَلّمَ لَهُ الْبَاقِيَ فِي الْبُيُوعِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُولَ لِلشَّرِيكِ: إِمَّا أَنْ تَشْفَعَ فِي الْجَمِيعِ، أَوْ تَتْرُكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ بِحَسَبِ حَظِّهِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَهُ الْمُشْتَرِي عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبَعِّضَ الشُّفْعَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَرْضَ بِتَبْعِيضِهَا. وَقَالَ أَصْبَغُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إِنْ كَانَ تَرَكَ بَعْضَهُمُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ رِفْقًا بِالْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ فَقَطْ.
وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضُ الشُّفَعَاءِ غَائِبًا وَبَعْضُهُمْ حَاضِرًا، فَأَرَادَ الْحَاضِرُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ فَقَطْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْبَيْعِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي حَالِ الْبَيْعِ، وَأَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً قَبْلَ الْبَيْعِ؟
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى (وَهِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فِي حَالِ الْبَيْعِ)، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ يَتَرَاخَى عَنِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يُقْطَعُ لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَبِيعَ الْحَظَّ الَّذِي كَانَ بِهِ شَرِيكًا. فَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ، فَمَرَّةً قَالَ: لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَمَرَّةً قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَاخْتَارَ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَالْكُوفِيِّينَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشُّفْعَةِ إِنَّمَا إِزَالَةُ الضَّرَرِ مِنْ جِهَةِ الشَّرِكَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَرِيكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ قِيَامُهُ فِي أَثَرِهِ; لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي وَجَبَ لَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ بِبَيْعِهِ حَظَّهُ.
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَصُورَتُهَا أَنْ يَسْتَحِقَّ إِنْسَانٌ شِقْصًا فِي أَرْضٍ قَدْ بِيعَ مِنْهَا قَبْلَ وَقْتِ الِاسْتِحْقَاقِ شِقْصٌ مَا; هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَمْ لَا؟
فَقَالَ قَوْمٌ: لَهُ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ بِتَقَدُّمِ شَرِكَتِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ مَالُ الشَّرِكَةِ يَوْمَ الِاسْتِحْقَاقِ، قَالُوا: ألَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنَ الْمُشْتَرِي.
فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ: إِنْ طَالَ الزَّمَانُ فَلَا شُفْعَةَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ.
وَأَمَّا مَتَى يَأْخُذُ وَهل لَهُ الشُّفْعَةُ؟ فَإِنَّ الَّذِي لَهُ الشُّفْعَةُ رَجُلَانِ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ:
فَأَمَّا الْغَائِبُ: فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْغَائِبَ عَلَى شُفْعَتِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَلِمَ وَهُوَ غَائِبٌ: فَقَالَ قَوْمٌ: تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَسْقُطُ، وَهُوَ
[ ٤ / ٤٥ ]
مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَالْحُجَّةُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ» . أَوْ قَالَ: «بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا» . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَائِبَ فِي الْأَكْثَرِ مُعَوَّقٌ عَنِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَوَجَبَ عُذْرُهُ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ الْعِلْمِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِإِسْقَاطِهَا.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ: فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ لَهُ:
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ بِشَرْطِ الْعِلْمِ وَإِمْكَانِ الطَّلَبِ، فَإِنْ عَلِمَ وَأَمْكَنَ الطَّلَبُ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إِنْ أَشْهَدَ الْأَخْذ لَمْ تَبْطُلْ وَإِنْ تَرَاخَى.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَيْسَتْ عِنْدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ وَقْتُ وُجُوبِهَا مُتَّسِعٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ: هَلْ هُوَ مَحْدُودٌ أَمْ لَا؟ فَمَرَّةً قَالَ: هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يُحْدِثَ الْمُبْتَاعُ بِنَاءً، أَوْ تَغْيِيرًا كَثِيرًا بِمَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ عَالِمٌ سَاكِتٌ. وَمَرَّةً حَدَّدَ هَذَا الْوَقْتَ، فَرُوِيَ عَنْهُ السَّنَةَ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّ الْخَمْسَةَ أَعْوَامٍ لَا تَنْقَطِعُ فِيهَا الشُّفْعَةُ.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - ﵊ - قَالَ: «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ»، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَمَدَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسْقِطِ الشُّفْعَةَ بِالسُّكُوتِ وَاعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِهِ، وَكَانَ هَذَا أَشْبَهَ بِأُصُولِ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ، وَإِنِ اقْتَرَنَتْ بِهِ أَحْوَالٌ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ، وَلَكِنَّهُ فِيمَا أَحْسَبُ اعْتَمَدَ الْأَثَرَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي أَرْكَانِ الشُّفْعَةِ، وَشُرُوطِهَا الْمُصَحِّحَةِ لَهَا، وَبَقِيَ الْقَوْلُ فِي الْأَحْكَامِ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الشُّفْعَةِ]
الْقِسْمُ الثَّانِي.
الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الشُّفْعَةِ.
وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كَثِيرَةٌ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ:
فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مِيرَاثِ حَقِّ الشُّفْعَةِ: فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُورَثُ كَمَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ. وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْأَمْوَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
[ ٤ / ٤٦ ]
وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي عُهْدَةِ الشَّفِيعِ; هَلْ هِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ عَلَى الْبَائِعِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: هِيَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ بَعْدَ حُصُولِه مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَصِحَّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةُ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْآخَرِ: أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ، فَطُرُوُّهَا عَلَى الْبَيْعِ فَسْخٌ لَهُ وَعَقْدٌ لَهَا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ مَنْ رَأَى أَنَّهَا بَيْعٌ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَسْخٌ (أَعْنِي: الْإِقَالَةَ) .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى مَنْ عُهْدَةُ الشَّفِيعِ فِي الْإِقَالَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى الْمُشْتَرِي. وَقَالَ أَشْهَبُ: هُوَ مُخَيَّرٌ.
وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ إِذَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي بِنَاءً، أَوْ غَرْسًا، أَوْ مَا يُشْبِهُ فِي الشِّقْصِ قَبْلَ قِيَامِ الشَّفِيع بطلب شُفْعَته: فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا بَنَى وَمَا غَرَسَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُتَعَدٍّ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ بِنَائِهِ مَقْلُوعًا، أَوْ يَأْخُذَهُ بِنَقْضِهِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ تَصَرُّفِ الْمَشْفُوعِ عَلَيْهِ - الْعَالِمِ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ - بَيْنَ شُبْهَةِ تَصَرُّفِ الْغَاصِبِ وَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ، وَقَدْ بَنَى فِي الْأَرْضِ وَغَرَسَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا.
فَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ. وَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ التَّعَدِّي قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِنَقْضِهِ، أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا.
وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فِي مَبْلَغِ الثَّمَنِ: فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ الشِّقْصَ بِكَذَا، وَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلِ اشْتَرَيْتَهُ بِأَقَلَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ: فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي; لِأَنَّ الشَّفِيعَ مُدَّعٍ، وَالْمَشْفُوعَ عَلَيْهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ التَّابِعِينَ فَقَالُوا: الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مِقْدَارًا مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِهِ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ فَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتَى بِمَا يُشَبَّهُ بِالْيَمِينِ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِلَا يَمِينٍ، وَفِيمَا لَا يُشَبَّهُ بِالْيَمِينِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذَا سُلْطَانٍ يُعْلَمُ الْعَادَة أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ قُبِلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَقِيلَ إِذَا أَتَى الْمُشْتَرِي بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ الشَّفِيعُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ إِذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَا يُشْبِهُ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ بِبَيِّنَةٍ، وَتَسَاوَتِ الْعَدَالَةُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْقُطَانِ مَعًا، وَيُرْجَعُ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي; لِأَنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا.
[ ٤ / ٤٧ ]