(المتن)
بَابٌ الْجِهَادُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ كُلَّ سَنَةٍ -وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا، كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ- فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ، كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ وَالْفَتْوَى، وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ، وَالإِمَامَةِ وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ، وَرَدِّ السَّلَامِ وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَفَكِّ الأَسِيرِ. وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ، وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إِنْ عَجَزُوا، وَبتَعْيِينِ الإِمَامِ.
(الشرح)
(الْجِهَادُ) وهو في اللغة: التعب والمشقة، مأخوذ من الجهد، وفي االشرع: تعب خاص، وهو من العبادات العظيمة (١) لما ورد فيه من الآيات والأحاديث، وهو من فروض الكفايات، كما قال آخر (٢) المسألة.
قوله: (في أَهَمِّ جِهَةٍ (٣»: أي في جهة يحصل فيها من الكفار خوف على المسلمين دون غيرها من الجهات فيندب الإمام إليها طائفة (٤)، أو يغزوها بنفسه.
قوله: (كُلَّ سَنَةٍ) أي: ليس هو مما يجب مرة في العمر، بل حكمه باقٍ في كل عام.
ابن عبد البر: يجب على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو في كل (٥) سنة مرة يخرج معهم بنفسه، أو يرسل معهم (٦) من يثق به، ليدعوهم إلى الإسلام ويرغبهم، ويكف أذاهم (٧)، ويظهر دين الله عليهم، ويقاتلهم حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية (٨).
قوله: (وَإِنْ خَافَ مُحَارِبًا) أي: يكون في أهم جهة، ولو مع خوف محارب.
_________________
(١) في (ن): (المالية).
(٢) زاد في (ن) و(ن ٢): (في).
(٣) قوله: (في أَهَمِّ جِهَةٍ) زيادة من (ن ١).
(٤) قوله: (الإمام إليها طائفة) يقابله في (ن ٢): (للإمام أن يصرف إليها طائفة)، وفي (ن): (للإمام أن يصرف طائفة).
(٥) قوله: (كل) ساقط من (ز).
(٦) قوله: (معهم) ساقط من (ن ١).
(٧) في (ن): (إيذايتهم).
(٨) انظر: الكافي: ١/ ٤٦٣.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
قوله: (كَزِيَارَةِ الْكَعْبَةِ) يريد أن زيارتها في كل سنة فرض كفاية، فلا يجوز أن يترك الناس كلهم زيارتها في عام من الأعوام، إلا من عذر لا يستطيعون معه الوصول إليها، نعوذ بالله من ذلك.
قوله: (فَرْضُ كِفَايَةٍ) هو خبر عن قوله: (الجهاد)، وحكى ابن رشد (١) وابن الحاجب الإجماع على ذلك (٢).
قوله: (وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ) يشير إلى قوله في المدونة: ولا بأس بالجهاد مع هؤلاء الولاة (٣)، ثم قال: وقد كان مالك يكره الجهاد معهم ثم رجع عن ذلك (٤). وفي الرسالة: ويقاتل العدو مع كل بر وفاجر من الولاة (٥)، لأنه لو ترك لأضرَّ بالمسلمين، وقد قال مالك: ترك ذلك ضرر (٦) وجرأة لأهل الكفر (٧).
قوله: (عَلَى كُلِّ حُرٍّ ذَكَرٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ) هو متعلق بقوله: (فرض كفاية)، واحترز بالحُرِّ من العبد، وبالذكر من الأنثى، وبالكلَّف من الصبيِّ والمجنون، وبالقادر من العاجز، فإنهم لا يخاطبون بالجهاد.
قوله: (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ) قال في المقدمات: وطلب العلم والتفقه في الدين من فروض الكفايات كالجهاد، أوجبه الله تعالى على الجملة بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢] (٨)، و﴿مِنْ﴾ للتبعيض، فإذا قام به (٩) البعض سقط الفرض (١٠) عن الباقين، إلا ما لا (١١) يسع الإنسان جهله من صفة وضوئه وصلاته
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ١٨/ ٩٥.
(٢) انظر: الجامع بين الأمهات، ص: ٣٥٢.
(٣) في (ن) و(ن ٢): (الأئمة).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٨.
(٥) انظر: الرسالة: ١/ ٨٤.
(٦) في (ن ١): (ضرورة).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٥.
(٨) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ١٧٤.
(٩) قوله: (به) ساقط من (ز)، وفي (ن): (إليه).
(١٠) قوله: (الفرض) ساقط من (ن ١).
(١١) قوله: (لا) ساقط من (س).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وصيامه وزكاته، إن كان ممن تجب عليه الزكاة فذلك فرض عين (١).
قوله: (وَالْفَتْوَى) أي: فكما يجب التعلم (٢) على المتعلم (٣) كذلك يجب على العالم الإفتاء (٤) والإرشاد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] الآية، وقوله ﵇: "بلغوا عني ولو آية" (٥).
قوله: (وَدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ) هو أيضًا من فروض الكفاية؛ لما فيه من مصالح العباد في فصل الخصومات (٦)؛ لأن كف الأذى عنهم ورفع الضرر من المصالح المطلوبة.
مالك: وقد كان عمر يخرج إلى الحوائط يخفف عمن أثقل في عمله من الرقيق والأحرار، ويزيد في رزق (٧) من أقل في رزقه (٨)، وفي كلامه هنا حذف، تقديره: ورفع الضرر عن المسلمين (٩).
قوله: (وَالْقَضَاءِ) أي: هو أيضًا من فروض الكفايات لما فيه من مصالح العباد في فصل (١٠) الخصومات، ورفع التهارج (١١)، وإقامة الحدود، وكف الظالم (١٢)، ونصر المظلوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قاله في الجواهر (١٣).
قوله: (وَالشَّهَادَةِ) هي أيضًا من فروض الكفاية يحملها بعض الناس عن بعض
_________________
(١) قوله: (فذلك فرض عين) زيادة من (ن).
(٢) في (ن): (التعليم).
(٣) قوله: (على المتعلم) زيادة من (س).
(٤) في (ن): (الاقتداء).
(٥) أخرجه البخاري: ٣/ ١٢٧٥، في باب ما ذكر عن بني إسرائيل، من كتاب الأنبياء، برقم: ٣٢٧٤، والترمذي: ٥/ ٤٠، في باب الحديث عن بني إسرائيل، من كتاب العلم، برقم: ٢٦٦٩.
(٦) قوله: (لما فيه من مصالح العباد في فصل الخصومات) ساقط من (ص) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢).
(٧) قوله: (في رزق) ساقط من (ز).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ١٧/ ٥١٠.
(٩) سقطت كلمة (رفع) في النسخة التي اعتمد عليها بهرام، ولم يقع هذا في نسخ غيره من الشراح.
(١٠) قوله: (في فصل) يقابله في (ن ١): (لما فيه من رفع الخصومات).
(١١) في (ن) و(ن ١) و(ن ٢): (التهاجر).
(١٢) في (ن ١) و(ن ٢): (المظالم).
(١٣) انظر: عقد الجواهر: ٣/ ١٠٠١.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
كالجهاد، وقاله ابن يونس، ثم قال: إلا في موضع ليس فيه من يحمل (١) ذلك، فيجب على الإنسان حينئذٍ أن يشهد (٢).
قوله: (وَالإمَامَةِ) ابن شاس: وهو (٣) القيام بالإمامة من فروض الكفاية (٤).
قوله: (وَالَأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) لا إشكال أنه فرض كفاية يسقط بفعل البعض كالنهي عن المنكر، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
قوله: (وَالْحِرَفِ الْمُهِمَّةِ) أي: التي (٥) لا يستقيم صلاح الناس إلا بها؛ كالخياطة والحياكة والحجامة ونحوها، فإذا قام بها البعض (٦) سقط عن الباقين، ولا يجوز تركها جملة، واحترز بـ (المهمة) من غيرها فإنها لا تجب، بل ربما تحرم كما سيأتي.
قوله: (وَرَدِّ السَّلامِ) إنما كان من فروض الكفاية؛ لأن بردِّ البعض يحصل الغرض (٧) المقصود. قال في الرسالة: وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم (٨)، وكذلك إن ردَّ واحد منهم (٩)، وعن بعضهم أن النبي -ﷺ- قال: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس إذا رد أحدهم" (١٠).
_________________
(١) في (ن ١): (يتحمل).
(٢) انظر: الذخيرة: ١٠/ ١٥٢.
(٣) قوله: (هو) زيادة من (ن) و(ن ٢).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٣/ ١٠٠١.
(٥) قوله: (التي) ساقط من (ز).
(٦) في (ن ١): (بعض الناس).
(٧) في (ن): (الفرض).
(٨) قوله: (عنهم) زيادة من (ز ٢).
(٩) انظر: الرسالة، ص: ١٦١.
(١٠) قوله: (وعن بعضهم أن الجلوس إذا رد أحدهم") ساقط من (ن) و(ن ٢). ضعيف، أخرجه أبو داود: ٢/ ٧٧٥، في باب ما جاء في رد الواحد عن الجماعة، من كتاب الأدب، برقم: ٥٢١٠، والبزار: ٢/ ١٦٧، برقم: ٥٣٤، وأبو يعلى: ١/ ٣٤٥، برقم: ٤٤١، والبيهقي في الكبرى: ٩/ ٤٨، في باب النفير وما يستدل به على أن الجهاد فرض على الكفاية ، من كتاب السير، برقم: ١٧٧٢٥، وابن الجوزي في العلل المتناهية: ٢/ ٧٢١، برقم: ١١٩٩، وقال: قال الدارقطني تفرد به سعيد بن خالد بن الفضل وليس بالقوي. وقال ابن الملقن: وفي سنده سعيد بن خالد الخزاعي ضعفوه. انظر: تحفة =
[ ٢ / ٤٥٠ ]
قوله: (وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) أي: وكذلك تجهيز الميت فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولا يجوز تركه جملة.
قوله: (وَفَكِّ الأَسِيرِ) أي: المسلم من أيدي العدو. الباجي: والوجوب قول الجمهور، وسماه أشهب نافلة (١).
قوله: (وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ، وَعَلَى قُرْبِهِمْ إِنْ عَجَزُوا) لما ذكر أنه فرض كفاية نبَّه على أنه قد يعرض له ما يصيره فرض عين، وذكر من ذلك أمرين:
الأول: إذا فجأ العدو قومًا؛ أي: وفاهم (٢) بغتة، فإن كان لهم قوة على دفعهم تعين على الجميع دفعهم، فإن لم يقدروا على ذلك تعين على من قرب منهم، فإن لم يستقل الجميع تعين على كل من علم بضعفهم وطمع في إدراكهم وإعانتهم المضيُّ إليهم حتى يندفع العدو عنهم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون العدو أغار على قوم أو على امرأة كما قال.
وأما قوله: (وعلى قربهم إن عجزوا) فهو معطوف على محذوف تقديره: وتعين بفجء العدو على من فجأهم إن كان لهم قوة عليه (٣) وعلى النازلين قربهم إن عجزوا عن دفعه، ثم أشار إلى الأمر الثاني بقوله: (وَبِتَعْيِينِ الإِمَامِ) يريد أن الجهاد يتعين بتعيين الإمام؛ فمن عيَّنه بأمره تعين عليه الخروج، ولا تسعه مخالفته.
(المتن)
وَسَقَطَ بِمَرَضٍ، وَصِبًى، وَجُنُونٍ، وَعَمًى، وَعَرَجٍ، وَأُنُوثَةٍ، وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ، وَرِقٍّ، وَدَيْنٍ حَلَّ، كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ بِبَحْرٍ، أَوْ خَطَرٍ، لَا جَدٍّ، وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ. وَدُعُوا لِلإِسْلَامِ، ثُمَّ جِزْيَةٍ بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ، وَإِلَّا قُوتِلُوا، وَقُتِلُوا إِلَّا الْمَرْأَةَ؛ إِلَّا فِيِ مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ، كَشَيْخٍ فَانٍ، وَزَمِنٍ، وَأَعْمَى، وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أوْ صَوْمَعَةٍ بِلَا رَأْيٍ. وَتُرِكَ لَهُمُ الْكِفَايَةُ فَقَطْ،
(الشرح)
قوله: (وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَصِبًى وَجُنُونٍ، وَعَمَى وَعَرَجٍ وَأُنُوثَةٍ وَعَجْزٍ عَنْ مُحْتَاجٍ لَهُ،
_________________
(١) = المحتاج في أدلة المنهاج، لابن الملقن: ٢/ ٥٠٠، برقم: ١٦٢٣.
(٢) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٧٥.
(٣) في (ن ٢): (واتاهم)، وفي (ن): (أتاهم).
(٤) في (ن ٢): (على دفعهم).
[ ٢ / ٤٥١ ]
وَرِقٍّ وَدَيْنٍ حَلَّ كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ بِبَحْرٍ أَوْ خَطَرٍ) يريد أن الجهاد يسقط بالعجز الحسي وبالموانع الشرعية، فالأول كالصبا والجنون والأنوثة والعمى والعرج والمرض (١) والفقر، وهو العجز عن السلاح والركوب عند الحاجة إليه ونفقة الذهاب والإياب، ولهذا قال (٢): (وعجز عن محتاج له)، وأما الموانع الشرعية فكالرق ومنع صاحب الدين ومنع الوالدين (٣)، لأن العبد ليس له جهاد (٤) بغير إذن سيده، واحترز بـ (حلول الدين) من المؤجل؛ فإن رب الدين ليس له المنع به عن ذلك ولا عن سائر الأسفار، فإن كان يحل في غيبته وكَّل من يقضيه في غيبته (٥)، وإن حل ولم يقدر على قضائه فله السفر بغير إذن رب المال، وهذا القيد زاده في الجواهر، وليس هنا إشعار به. ابن شاس: وللوالدين المنع، ولا يبلغ (٦) الجد والجدة أن يلحقا بهما (٧)، وسفر العلم الذي هو فرض عين ليس لهما منعه منه، فإن كان فرض كفاية فليتركه في طاعتهما، ولهما المنع من ركوب البحار والبراري الخطرة، وحيث لا خطر لا يجوز لهما المنع (٨)، وإليه أشار بقوله: (كوالدين في فرض كفاية وفي سفر بحر أو بَرٍّ خطر)، ولا بدَّ من حذف في كلامه، والتقدير: ويسقط فرض الجهاد بمرض ونحوه كما يسقط بحق (٩) الوالدين (١٠) في فرض الكفاية (١١) بسبب سفر بحر أو بر خطر.
قوله: (لا جَدٍّ) أي: فليس له منع ولا حق له كما تقدم، وقاله ابن شاس (١٢).
_________________
(١) قوله: (والمرض) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (قال) ساقط من (ن).
(٣) قوله: (ومنع الوالدين) ساقط من (ن).
(٤) قوله: (له جهاد) يقابله في (ن ١): (عليه الجهاد).
(٥) قوله: (في غيبته) زيادة من (ن ١).
(٦) في (ن) و(ن ٢): (يمنع).
(٧) قوله: (أن يلحقا بهما) يقابله في (ن): (لا حض لهما).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٦.
(٩) قوله: (ولا بدَّ من حذف ونحوه كما يسقط بحق) ساقط من (ن ١).
(١٠) في (س): (كالوالدين).
(١١) قوله: (إلى آخره)، ولا بدَّ في فرض الكفاية) ساقط من (ن ٢).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٦.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
قوله: (وَالْكَافِرُ كَغَيْرِهِ فِي غَيْرِهِ) يريد أن الأب الكافر كالمسلم فيما عدا الجهاد.
ابن شاس: وقال سحنون: ولهما المنع من الجهاد، إلا أن يعلم أن منعهما ليوهنا (١) الإسلام (٢).
قوله: (وَدُعُوا لِلإِسْلامِ ثُمَّ جِزْيَةٍ) اختلف في الدعوة فرأى بعضهم أن المذهب كله على وجوبها فيمن بعدت داره، ورأى غيره (٣) أن المذهب على ثلاثة أقوال: الوجوب، وعدمه، والوجوب فيمن بعدت داره فقط، ومنهم من زاد رابعًا بالوجوب إن كان جيش المسلمين كبيرًا (٤) آمنًا وإلا فلا، وإذا وجبت الدعوة فإنما يدعون إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، وكذلك الجزية مجملة بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا عنها فتبين لهم، والدعوة كما قال على الترتيب: يدعون إلى الإسلام أولًا، فإن أجابوا وإلا دعوا إلى الجزية.
قوله: (بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ وَإلَّا قُوتِلُوا) يريد: أن (٥) الدعوة مع الجيش الكثير الآمن أو الأماكن التي لا يخشى على المسلمين من العدوفيها، فإن لم يكن كذلك قوتلوا من غير دعوة.
قوله: (وَقُتِلُوا، إِلا الْمَرْأَةَ، إِلا فِي مُقَاتَلَتِهَا، وَالصَّبِيَّ وَالْمَعْتُوهَ كَشَيْخِ فَانٍ، وَزَمِنٍ وَأَعْمَى، وَرَاهِبٍ مُنْعَزِلٍ بِدَيْرٍ أَوْ صَوْمَعَةٍ بِلا رَأْيٍ) أشار بهذا إلى من يجوز قتله من الكفار من غيره، وحاصله أن جميع الكفار يقتلون إلا سبعة: المرأة والصبي ومن بعدهما (٦).
وقوله: (وقتلوا) مبني للمفعول، والضمير فيه يعود إلى (٧) الكفار لقوله: (ودعوا للإسلام)، فأما المرأة فلا تقتل إذا لم تقاتل، وأما إن قاتلت فإنها تقتل كما قال هنا، وهو قول ابن القاسم في الموازية والعتبية، و(في) من قوله: (في مقاتلتها) سببية، وفي كتاب
_________________
(١) في (ن ١): (ليوهن).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٦.
(٣) في (ن ٢): (بعضهم).
(٤) في (ن) و(ن ١): (كثيرًا).
(٥) في (ن) و(ن ٢): (أنما).
(٦) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (بعدها).
(٧) في (ن) و(ن ٢): (على).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
ابن سحنون: لا تقتل مطلقًا؛ لعموم النهي، فقد روي أنه ﵇ نهى عن قتل النساء والصبيان (١)، وهو ظاهر قوله في المدونة: لا تقتل النساء ولا (٢) الصبيان (٣)، وذهب ابن حبيب إلأ أنها تقتل إلا أن يرى الإمام أن يستحييها، قال: ولا تقتل إن رمت بالحجارة فقط إلا أن تكون قد قتلت بذلك، ونحوه لمالك (٤).
وابن (٥) شاس: وإذا شك في بلوغ الصبي كشف عن مئزره واعتبر منابت (٦) شعر العانة وقتل (٧)، وقيل (٨): لا يقتل حتى يحتلم (٩).
ابن حبيب: والمراهق كالمرأة إن قاتل بالسيف وشبهه قتل، وإن رمى بالحجارة لا يقتل، إلا أن يقتل بذلك (١٠)، وقيل: إنما يقتل حال القتال، وأمَّا إن أسر فلا، وأما المعتوه وهو الضعيف العقل فلا يقتل؛ إذ هو أخف حالًا من المرأة.
اللخمي: ولا يقتل المجنون إلا أن يفيق أحيانًا ويجن أحيانًا (١١)، ومذهب المدونة أن الشيخ الكبير الفاني (١٢) لا يقتل.
اللخمي (١٣): إلا أن يعلم أنه ممن له الرأي والتدبير على المسلمين (١٤)، ونحوه في
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٧ و٥٨.
(٢) قوله: (لا) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٩.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٧.
(٥) قوله: (و) زيادة من (ن).
(٦) قوله: (منابت) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٧) قوله: (وقتل) ساقط من (س) و(ن ٢).
(٨) قوله: (وقيل) ساقط من (ز) و(ز ٢).
(٩) قوله: (وقيل لا يقتل حتى أن يقتل بذلك) ساقط من (ن) و(ن ٢). وانظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٧.
(١٠) قوله: (وقتل، وقيل أن يقتل بذلك) ساقط من (ن ٢). وانظر: النوادر والزيادات ٣/ ٥٧.
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٥٧.
(١٢) قوله: (الفاني) زيادة من (ن ٢).
(١٣) قوله: (اللخمي) ساقط من (ن ٢).
(١٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٥٣.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
كتاب ابن (١) حبيب، وليس بخلاف، وإنما قال: (كشيخ فانٍ) ولم يقطعه (٢) ولم يعطفه (٣) بالواو كغيره؛ لأن عدم قتله وقتل من بعده مشروط بعدم الرأي، ولهذا كان قوله: (بلا رأي) قيدًا في الأربعة، وفي كتاب ابن سحنون: في الشيخ (٤) الكبير يقتل إن قاتل وإلا فلا (٥)، ولا يقتل الزمن؛ كالمقعد والأعمى والأشل والأعرج الذين لا رأي لهم ولا تدبير ولا نكاية فيهم، وقال سحنون: يقتل المقعد والأعمى (٦). وفي المدونة: لا يقتل الراهب المنعزل في دير أو صومعة (٧).
أبو الحسن الصغير: بخلاف رهبان الكنائس فإنهم يقتلون، وقاله ابن حبيب، واختلف هل تلحق الراهبات (٨) بالذكران أم لا؟ على قولين لمالك وسحنون (٩).
قوله: (وَتُرِكَ لهُمُ الْكِفَايَةُ فَقَطْ) هو كقوله في المدونة: ويترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، ولا تؤخذ كلها فيموتون (١٠)، ونحوه في العتبية (١١) والجلاب (١٢). وفي التلقين: تترك لهم أموالهم إلا أن تكون كثيرة فيترك (١٣) لهم اليسير (١٤).
وقال سحنون في الراهب يترك له ما يعيش به الأشهر والشيخ الكبير مثله، وعنه أنهما لا يترك لهما إلا ما يستر عورتهما (١٥) ويعيشان به
_________________
(١) قوله: (ابن) ساقط من (ز).
(٢) قوله: (ولم يقطعه) زيادة من (ن).
(٣) في (ن ٢): (يقطعه).
(٤) قوله: (الشيخ) زيادة من (ن ٢).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٨.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٨.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٩.
(٨) في (ن ٢): (يلحق المترهبات).
(٩) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٦٠ و٦١.
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٩.
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٦١.
(١٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٥٤.
(١٣) في (ن): (فتؤخذ ويترك).
(١٤) انظر: التلقين: ١/ ٩٣.
(١٥) قوله: (يستر عورتهما) يقابله في (ن): (يستتران به).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
الأيام (١). والضمير في (لهم) عائد على السبعة الذين سقط عنهم القتل.
(المتن)
وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ. وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ. بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ وَبِنَارٍ؛ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ، وَإِنْ بِسُفُنٍ، وَبِالْحِصْنِ بِغَيْرِ تَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرِّيَّةٍ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا، إِلَّا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ التُّرْسُ؛ إِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكثَرِ الْمُسْلِمِينَ،
(الشرح)
قوله: (وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ، وَإِنْ حِيزُوا فَقِيمَتُهُمْ) هو لسحنون، قال: ومن قتل من نُهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ هرم فإن قتله في دار الحرب قبل أن (٢) يصير مغنمًا؛ فليستغفر الله ولا شيء عليه، وإن قتله بعد أن صار مغنمًا (٣) فعليه قيمته، يجعل ذلك الإمام في المغنم (٤)، وهو مراده بقوله: (وإن حيزوا) أي: صاروا بيد المسلمين، وأما قوله: (كمن لم تبلغه دعوة) فيريد به (٥) أن من قَتَل من لم تبلغه الدعوة قبل أن يدعوه للإسلام والجزية أنه لا شيء عليه إلا الاستغفار، وعن بعض البغداديين: أن المقتول إن ثبت أنه متمسك بكتابه أو أمر نبيه على حسب ما اقتضاه كتابه ولم يعلم ببعثة نبينا محمد -ﷺ- أن على قاتله الدية.
قوله: (وَالرَّاهِبُ وَالرَّاهِبَةُ حُرَّانِ) هو مفرع على القول بعدم قتلهما؛ أي: وإذا قلنا بعدم القتل فهما حران ولا يسترقان، ولم يحكِ اللخمي في الراهب خلافًا، وحكي عن سحنون في الراهبة أنها تسترق، وعن مالك خلافه كما هنا، وفي كلامه هذا (٦) تنبيه على أن الراهبة حرة (٧) لا تقتل أيضًا كالراهب؛ لأنها إذا لم تسترق فلا تقتل (٨).
قوله: (بِقَطْعِ مَاءٍ وَآلَةٍ) هو متعلق بقوله: (قتلوا). يريد أن الكفار يقتلون بكل نوع
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٥٢٥.
(٢) قوله: (أن) ساقط من (ز ٢).
(٣) قوله: (فليستغفر الله أن صار مغنمًا) ساقط من (ز).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٩.
(٥) قوله: (به) ساقط من (ز).
(٦) في (ن ٢): (هذا).
(٧) قوله: (حرة) زيادة من (ن ١) و(ن ٢).
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٥٥ و١٣٥٦.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
من أنواع الحرب كقطع الماء عنهم وإرساله عليهم، ورمي بالمجانيق، وضرب بالسيف، وطعن بالرمح وشبهه من آلة القتال، فقوله: (وآلة) معطوف على قوله: (بقطع ماء) أي: يقتلون بقطع ماء وآلة، وحكى ابن حبيب (١) عن مالك أنه لا يجوز قتلهم بقطع الماء عنهم ولا رميهم بالمجانيق (٢).
قوله: (وَبِنَارٍ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ غَيْرُهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَإِنْ بِسُفُنٍ وَبِالْحِصْنِ) لا خلاف في جواز قتلهم بالنار إذا لم يمكن غيرها وخيف منهم (٣) وليس معهم مسلم، فأمَّا إذا لم يخف منهم وقدر (٤) عليهم بالنار وغيرها، فقال ابن القاسم وسحنون: لا يقتلون بها، وعن مالك جوازه (٥)، والأول أظهر، لقوله ﵇ "لا يعذِّب بالنار إلا الله تعالى" (٦).
ابن زرقون: والخلاف إنما هو إذا كانوا في حصن، فأما إذا كان العدو في سفينة ونحن كذلك (٧) "فلا خلاف في جواز رميهم بالنار وإن كان معهم النساء والصبيان؛ لأنا إن لم نرمهم بها رمونا بها، وعلى هذا فقوله: (وإن بسفن) ليس من أماكن المبالغة، نعم لو قال: وإن بحصن حسن ذلك، واحترز بقوله: (ولم يكن فيهم مسلم) مما إذا كان في الحصن مسلم، فإنه لا يحرق (٨) قولًا واحدًا. حكاه ابن يونس (٩).
قوله: (بِغَيْرِ حَرْقٍ وَتَغْرِيقٍ مَعَ ذُرّيَّةٍ) يريد ان ما تقدم من جواز قتلهم بالنار وبالماء إنما هو إذا لم يخف على ذريتهم من ذلك، فإن خيف عليهم من ذلك (١٠) تركوا. يريد: ما
_________________
(١) في (ن) و(ن ١) و(ن ٢): (ابن وهب).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٦٦، والبيان والتحصيل: ٣/ ٣٠.
(٣) قوله: (وخيف منهم) ساقط من (ن ١).
(٤) في (ن ١) و(ن ٢): (وقدرنا).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٦٦.
(٦) أخرجه البخاري: ٣/ ١٠٧٩، في باب التوديع، من كتاب الجهاد والسير، برقم: ٢٧٩٥، وأبو داود: ٢/ ٦١، في باب في كراهية حرق العدو بالنار، من كتاب الجهاد، برقم: ٢٦٧٣، والترمذي: ٤/ ١٣٧، في كتاب السير، برقم: ١٥٧١، بلفظ: "وإن النار لا يعذب بها إلا الله".
(٧) قوله: (ونحن كذلك) يقابله في (ن): (ونحو ذلك).
(٨) في (ن): (يجوز).
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٢٣ و٤٢٤.
(١٠) قوله: (من ذلك) ساقط من (س) و(ن ٢).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
لم يخف على المسلمين كما قال بعد ذلك، وحكى صاحب البيان (١) وابن زرقون إذا كان معهم النساء والصبيان في الحصن أربعة أقوال:
الأول (٢): لابن القاسم: أنهم لا يحرقون ولا يغرقون ولا يرموا بالمجانيق (٣)، ولأصبغ جواز ذلك، ولابن حبيب جواز ما عدا التحريق، ومذهب المدونة أنهم لا (٤) يرمون ولا يحرقون ولا يغرقون. ابن رشد وابن زرقون: وهذا ما لم يكن في الحصن أسرى مسلمون وإلا فلا يرمون بالنار ولا يغرقون (٥)، واختلف في قطع الماء عنهم ورميهم (٦) بالمجانيق، فلابن القاسم وأشهب الجوا ز (٧) خلافًا لابن حبيب، وحكاه عن مالك وأصحابه المدنيين والمصريين، ولا ترمى سفنهم بالنار إن كان معهم مسلمون أو ذرية عند ابن القاسم خلافًا لأشهب (٨)، وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإلا رموا، وعند (٩) اللخمي: إن كان العدو طالبين ولم يقدر عليهم إلا بالنار جاز ذلك قولًا واحدًا (١٠)، ويختلف إن كانوا مطلوبين فدفعوا عن أنفسهم بالنار هل يجوز رميهم بها أم لا (١١)؟
قوله: (وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِذُرِّيَّةٍ تُرِكُوا، إِلا لِخَوْفٍ، وَبِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ التُّرْسُ، إِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَى أَكْثَرِ المُسْلِمِينَ) المراد بالترس هنا أن يجعل الكفار المسلمين بين أيديهم يتقوا بهم من ضرب المسلمين (١٢) كالتُّرس، وهذا الذي ذكره قريب منه قوله في الجواهر: وإذا تترسوا
_________________
(١) في (ز): (الطراز).
(٢) قوله: (الأول) ساقط من (ز ٢) و(ن ٢).
(٣) قوله: (ولا يرموا بالمجانيق) يقابله في (ن) و(ن ١): (ولا يرمون بالمنجنيق).
(٤) قوله: (لا) زيادة من (ن) و(ن ٢).
(٥) قوله: (ابن رشد وابن زرقون ولا يغرقون) ساقط من (ن) و(ن ١) و(ن ٢).
(٦) في (ن ٢): (دون رميهم).
(٧) في (ن ٢): (جواز ذلك).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٣٠.
(٩) في (ن ٢): (وعن).
(١٠) قوله: (قولًا واحدًا) ساقط من (ز ٢).
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٠٠.
(١٢) قوله: (من ضرب المسلمين) يقابله في (ن): (ضرر المسلمين).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
بالنساء والذرية تركناهم إلا أن يخاف من تركهم على المسلمين فنقاتلهم وإن اتقوا بهم، ولو تترس كافر بمسلم لم يقصد التُّرس وإن خفنا على أنفسنا، فإن دم المسلمين (١) لا يباح بالخوف على النفس، فإن تترسوا في الصف ولو تركناهم لانهزم المسلمون وعظم الشر وخيف استئصال قاعدة الإسلام وجمهور المسلمين وأهل القوة منهم- وجب الدفع وسقط مراعاة أمر الترس (٢).
[في ما يحرم في الجهاد]
(المتن)
وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إِلَّا لِخِدْمَةٍ، وَإرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ، وَسَفَرٌ بِهِ لِأَرْضهِمْ، كَمَرْأَةٍ إِلَّا فِي جَيْشٍ آمِنٍ، وَفِرَارٌ؛ إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ النِّصْفَ وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، إِلَّا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ إِنْ خِيفَ. وَالْمُثْلَةُ. وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ، وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْغُلُولُ. وَأُدِّبَ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ. وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا، وَحِزَامًا، وَإِبْرَةً، وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا: كَثَوْبٍ وَسِلَاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ، وَرَدَّ الْفَضْلَ إِنْ كَثُرَ؛ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ،
(الشرح)
قوله: (وَحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) الذي نقله غيره عن مالك الكراهة، فقال: وكره مالك ان يقاتل العدو بالنبل المسموم (٣)؛ لأنه لم يكن فيما مضى، ولأنه قد يعاد إلينا، وهكذا حكي في التوضيح (٤).
قوله: (وَاسْتِعَانَةٌ بِمُشْرِكٍ إِلا لِخِدْمَةٍ) يريد: أن الاستعانة بالمشرك تحرم أيضًا إلا إذا كان خادمًا للمسلمين، قال في المدونة (٥): ولا يستعان بهم في القتال إلا أن يكونوا نواتية أو خدامًا؛ فلا بأس به (٦).
قوله: (وَإِرْسَالُ مُصْحَفٍ لَهُمْ) أي: ومما يحرم أيضًا إرسال المصحف للمشركين؛
_________________
(١) في (س) و(ن) و(ن ٢): (المسلم).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٨. قوله: (أمر الترس) يقابله في (ن): (الدم).
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٤٤.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٢٤.
(٥) في (ز): (الموازية).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٤.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
خشية الإهانة، ولأنهم لا يتوقون النجاسة فينال الصحف ما يُنزه عنه.
قوله: (وَسَفَرٌ بِهِ لأَرْضِهِمْ) أي: وكذا يحرم السفر بالمصحف لأرض المشركين لنهيه ﵇ عن ذلك.
مالك: وذلك مخافة أن يناله العدو (١)، ولا فرق بين أن يسافر به مع جيش كثير آمن أم لا؛ بخلاف المرأة فإنه لا يحرم السفر بها إلى أرضهم في الجيش الكبير (٢) الآمن، ولهذا قال: (كَمَرْأَةٍ إِلا فِي جَيْشٍ آمِنٍ) والفرق أن المصحف قد يسقط ولا يشعر به، والمرأة تنبّه على نفسها، ولأن النهي في المصحف عام، وقد صحَّ "أنه ﵇ كان إذا أراد غزوًا (٣) أقرع بين نسائه"، ولا إشكال أن الأمن معه ﵇ موجود.
قوله: (وَفِرَارٌ إِنْ بَلَغَ المُسْلِمُونَ النِّصْفَ) أي: ومما يحرم أيضًا الفرار من العدو بالشروط التي يذكرها، ولا يجوز ذلك ولو فرَّ الإمام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وهذا وإن كان ظاهره حرمة الفرار مطلقًا سواء (٤) قلوا أو كثروا فقد نسخه قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦]، فأباح الله تعالى الفرار إذا زاد عدد الكفار على الضعف (٥)، ولهذا قيد تحريم الفرار بكون المسلمين نصف عددهم فصاعدًا، فلو قصر عدد المسلمين عن النصف جاز الفرار، وهو قول الجمهور، وقال عبد الملك: إنما يرجع ذلك إلى القوة والجلد فيلزم أن يثبتوا لأكثر من النصف (٦) إذا كانوا أشد من الكفار سلاحًا وأكثر قوة وجلدًا، ولا يلزمهم أن يثبتوا لهم وإن كانوا أكثر من النصف إذا كان الكفار أشد منهم سلاحًا وأكثر قوة
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٣.
(٢) في (س): (الكثير).
(٣) في (س): (سفرًا).
(٤) قوله: (سواء) ساقط من (ن).
(٥) في (س) و(ز ٢) و(ن): (على النصف).
(٦) في (ن ٢): (الضعف).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وجلدًا وخافوا أن يغلبوهم، ورواه عن مالك (١).
قوله: (وَلَمْ يَبْلُغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) يريد أن ما تقدم من أن الكفار (٢) إذا زاد عددهم على نصف (٣) عدد (٤) المسلمين لا يحرم الفرار مشروط بما إذا لم يكن المسلمون قد بلغ عددهم اثني عشر ألفًا، فأما إذا بلغوا ذلك فلا يجوز الفرار وإن زاد العدد (٥) على الضعف (٦)، لقوله ﵇: "لن يُغْلَبَ اثنا عشر ألفًا من قِلَّة" (٧)، ونحوه عن مالك، وفي النوادر: قال أهل العراق: لا يفر اثنا عشر ألفًا من العدو وإن كثروا، ثم ذكر الحديث، قال: وقال (٨) سحنون: لا أعرف هذا، ولم يقل ﵇: لا تفروا، وقد كان المسلمون يوم اليرموك ثلاثين ألفًا والعدومائة ألف، فرأى أبو عبيدة وخالد القتال، وقال غيرهما من الصحابة ننحاز إلى فئة ونشاور (٩) أمير المؤمنين، ثم عزم أبو عبيدة على القتال (١٠).
قوله: (إِلا تَحَرُّفًا وَتَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ إِنْ خِيفَ) يريد أن الفرار لا يجوز إذا كان عدد المسلمين نصف عدد العدو أو بلغوا اثني عشر ألفًا إلا متحرفًا لقتال (١١) أو متحيزًا؛ والمتحرف: هو الذي يظهر من نفسه الانهزام للعدو وليس قصده ذلك حتى يتبعه العدو فيرجع عليه فيقتله، وهو من مكائد الحرب، والمتحيز: هو الذي يرجع إلى
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٠.
(٢) في (ن) و(ن ٢): (الكثير).
(٣) قوله: (نصف) هكذا في الأصول ولعل الصواب: (ضعف).
(٤) قوله: (عدد) ساقط من (ز ٢).
(٥) في (س) و(ن) و(ن ٢): (العدو).
(٦) في (ن) و(ز ٢): (النصف).
(٧) حسن، أخرجه أبو داود: ٢/ ٤٢، في باب فيما يستحب من الجيوش ، من كتاب الجهاد، برقم: ٢٦١١، وقال: والصحيح أنه مرسل، والترمذي: ٤/ ١٢٥، في باب السرايا، من كتاب السير، برقم: ١٥٥٥، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأحمد: ١/ ٢٩٤، برقم: ٢٦٨٢، والدارمي: ٢/ ٢٨٤، في باب في خير الأصحاب والسرايا والجيوش، من كتاب السير، برقم: ٢٤٣٨.
(٨) قوله: (وقال) زيادة من (س).
(٩) في (ن ٢): (ونشاهد).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥٣.
(١١) قوله: (لقتال) ساقط من (ز ٢) و(س) و(ن).
[ ٢ / ٤٦١ ]
أمير (١) الجيش أو جماعة بشرط القرب، وأما إن بعد من (٢) الأمير أو الجيش فلا يجوز، وقاله مالك، وقوله: (إن خيف) هو كذلك في النوادر؛ أي: فلا يجوز الانحياز إلا عن خوف بيِّن. أبو محمد: ولا يكون لأمير الجيش ما يكون للسرايا من الانحراف والتولي عنهم (٣).
قوله: (وَالمُثْلَةُ) أي: وكذا تحرم المثلة؛ لنهيه ﵇ عن ذلك، فقد روي: أنه ﵇ كان إذا بعث جيشًا يوصيهم أن يقاتلوا في سبيل الله ولا يعتدوا (٤) ولا يجبنوا عند اللقاء، ولا يمثلوا عند القدرة، ولا يسترقوا (٥) عند الظهور، ولا يقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا، ولا يَغُلُّوا عند المغانم (٦) وأن ينزهوا الجهاد عن عرض الدنيا (٧).
قوله: (وَحَمْلُ رَأْسٍ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ) أي: وكذا يحرم (٨) حمل رأس القتيل من بلدٍ إلى بلدٍ وحملها إلى الوالي، وذكره في النوادر عن سحنون (٩)، وقد روي "أن الصديق -﵁- أنكر حمل رأس الكافر وقال: إنه من فعل فارس والروم، ومن فعله فقد تأسى بهم". وأشار إلى أن ذلك لم يرد في كتاب ولا خبر.
قوله: (وَخِيَانَةُ أَسِيرٍ ائْتُمِنَ طَائِعًا وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ) أي: وكذلك تحرم خيانة الأسير
_________________
(١) في (س): (أمر).
(٢) في (ن): (منه).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٥١.
(٤) في (ن): (يعبثوا).
(٥) في (ن) و(ن ٢): (يسرفوا).
(٦) في (ز ٢): (الغنائم).
(٧) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه مسلم: ٣/ ١٣٥٦، في باب تأمير الأمير الأمراء على البعوث ووصيته إياهم ، من كتاب الجهاد والسير، برقم: ١٧٣١، والترمذي: ٤/ ١٦٢، في باب وصيته -ﷺ- في القتال، من كتاب السير، برقم: ١٦١٧، وابن ماجه: ٢/ ٩٥٣، في باب وصية الإمام، من كتاب الجهاد، برقم: ٢٨٥٨، ومالك بلاغًا: ٢/ ٤٤٨، في باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، من كتاب الجهاد، برقم: ٩٦٦، ولفظ مسلم: كان رسول الله -ﷺ- إذا أمر أميرا على جيش أوسرية أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: "اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا".
(٨) قوله: (يحرم) ساقط من (ن).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٧٣.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الذي ائتمن طوعًا على مال أو على نفسه (١)؛ لقوله ﵇: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك" (٢) وعن عبد الملك: له الهروب والأخذ من أموالهم وإن ائتمنوه ولا حنث عليه إن أحلفوه، فلو لم يؤتمن (٣) أو ائتمن مكرهًا فلا يحرم ذلك (٤)، وإنما قال: (ولو على نفسه) تنبيهًا على أنه لا فرق في ذلك بين المال والنفس، وعليه جمهور الأصحاب، وفي الكافي وغيره: عن مالك أن له الهروب بنفسه (٥)، لا بماله (٦).
قوله: (وَالْغُلُولُ) هو في الاصطلاح مقصورٌ على الخيانةِ من الغنيمةِ، وإليه ذهب من أهل اللغة أبو عبيدة (٧)، وقال الأكثر منهم: هو عام في كل خيانة، ولا خلاف في تحريمه في غير الطعام وآلات الحرب وما ذكره معهما (٨) في المسألة الآتية؛ لقوله ﵇: "لا تغلوا؛ فإن الغلول عار ونار وشنار يوم القيامة" (٩).
ابن حبيب: وأطلق الوعيد في شراك أو شراكين، وفي عقال من الغلول (١٠). قال
_________________
(١) قوله: (أي: وكذلك تحرم مال أو على نفسه) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٢) حسن: أخرجه أبو داود: ٢/ ٣١٢، في باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، من كتاب الإجارة، برقم: ٣٥٣٥، والترمذي: ٣/ ٥٦٤، في كتاب البيوع، برقم: ١٢٦٤، وقال: هذا حديث حسن غريب، والدارمي: ٢/ ٣٤٣، في باب في أداء الأمانة واجتناب الخيانة، من كتاب البيوع، برقم: ٢٥٩٧، والحاكم: ٢/ ٥٣، برقم: ٢٢٩٦، وقال: حديث شريك عن أبي حصين صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٣) في (ز ٢): (يؤمن).
(٤) انظر: البيان والتحصيل ٢/ ٦٠٤.
(٥) قوله: (بنفسه) ساقط من (ز ٢).
(٦) انظر: الكافي: ١/ ٤٧٠.
(٧) انظر: لسان العرب: ٥/ ٣٢٨٦.
(٨) في (ن): (معها).
(٩) أخرجه مالك مرسلًا: ٢/ ٤٥٧، في باب ما جاء في الغلول، من كتاب الجهاد، برقم: ٩٧٧، وابن ماجه: ٢/ ٩٥٠، في باب الغلول، من كتاب الجهاد، برقم: ٢٨٥٠، وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده عيسى بن سنان، قيل فيه ضعيف، وقيل لا بأس به، وباقي الإسناد ثقات، والنسائي: ٦/ ٢٦٢، في باب هبة المشاع، من كتاب الهبة، برقم: ٣٦٨٨، والدارمي: ٢/ ٣٠١، في باب في كراهية الأنفال ، من كتاب السير، برقم: ٢٤٨٦.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٠٣.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
بعضهم: وهو من الكبائر.
قوله: (وَأُدِّبَ إِنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ) هو قول ابن القاسم وسحنون وابن حبيب (١)، قالوا: ولا يحرق رحله ولا يمنع سهمه، وإن جاء تائبًا أخذ منه ولم يُنكَّل؛ لأن التعزير (٢) يسقط بالتوبة.
قوله: (وَجَازَ أَخْذُ مُحْتَاجٍ نَعْلًا وَحِزَامًا وإِبْرَةً وَطَعَامًا وَإِنْ نَعَمًا، وَعَلَفًا كَثَوْبٍ وَسِلاحٍ وَدَابَّةٍ لِيَرُدَّ) يريد أن ما يأخذه المجاهد المحتاج من نعل أو حزام أو نحوهما أو طعام ونحوه مما ذكر معه لا يسمى غلولًا، ولهذا يجوز له الأخذ ظاهرًا وخفية، قال في المدونة: ولا بأس بأخذ الطعام والعلف من الغنيمة والغنم والبقر ليأكله (٣). يعني (٤): بغير إذن الإمام، أو جلودًا يعملونها نعالًا أو خفافًا لأكفهم (٥) أو غيرها (٦) من حوائجهم، وإن حاز (٧) ذلك الإمام فلهم أخذه بغير إذنه، وللرجل أن يأخذ من المغنم سلاحًا يقاتل به ويرده، أو دابة للقتال أو ليركبها لبلده إن احتاجها ثم يردها إلى الغنيمة، فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بالثمن والسلاح كذلك وما يحتاج إلى لبسه من الثياب، وروي عن ابن وهب (٨) أن مالكًا قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا بثوب، ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين فيشتري به هذا (٩)، واختار اللخمي جواز أخذ السلاح والخيل دون الثياب (١٠).
وإنما قيد الشيخ جواز أخذ الثوب والسلاح والدابة بنية الرد كما في المدونة (١١)؛
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٠٣.
(٢) في (ن ٢): (التغرير).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٠ و٥٢١.
(٤) قوله: (يعني) ساقط من (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ٢).
(٥) قوله: (لأكفهم) ساقط من (ن ٢).
(٦) في (س) و(ن) و(ن ٢): (لغير ذلك).
(٧) في (ن ٢): (أجاز).
(٨) قوله: (وروي عن ابن وهب) يقابله في (س) و(ز ٢) و(ن) و(ن ٢): (وروى على وابن وهب).
(٩) في (ن ٢): (هكذا). وانظر: المدونة: ١/ ٥٢٢.
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٣٤.
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٢.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
لأنه لا يجوز أخذ ذلك بنية التملك، ولأنها ينتفع بها مع بقاء عينها، بخلاف غيرها من الطعام والحيوان للذبح، وكذلك ما يطعم الدواب من العلف.
قوله: (وَرَدَّ الْفَضْلَ إِنْ كَثُرَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ) يريد أن ما أبيح له أخذه من طعام أو غيره فإنه يرد ما فضل منه إن كان كثيرًا وأمكن، واحترز به (١) من اليسير فإنه لا يُلزَم برده بل يجوز له أكله، فإن تعذر رد الكثير تصدق به على المشهور كما ذكر؛ لأنه كمال جُهلت أربابه، ولابن المواز: يتصدق به حتى يبقى منه اليسير فيجوز له أكله (٢).
(المتن)
وَمَضَتِ الْمُبَادَلَةُ بَيْنَهُمْ، وَبِبَلَدِهِمْ إِقَامَةُ الْحَدِّ، وَتَخْرِيبٌ وَقَطعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ؛ إِنْ أَنْكَى، أَوْ لَمْ تُزجَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ، وَوَطْءُ أسِيرٍ زَوْجَةً، أَوْ أَمَةً سَلِمَتَا، وَذَبْحُ حَيَوَانٍ، وَعَرْقَبَتُهُ وَأُجْهِزَ عَلَيهِ، وَفِي النَّحْلِ إِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايتَانِ. وَحُرِقَ إِنْ أَكَلُوا الْمَيتَةَ، كَمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ، وَجَعْلُ الدِّيوَانِ، وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ، أَنْ كَانَا بِدِيوَانٍ وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ.
(الشرح)
قوله: (وَمَضَتِ المُبادَلَةُ بَيْنَهُمْ) هو كقوله في المدونة: وإن أخذ هذا لحمًا وهذا عسلًا وهذا طعامأ فتبادلوه (٣) ويمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله (٤) - فلا بأس به، وكذلك العلف (٥).
قوله: (وَبِبَلَدِهِمْ إِقَامَةُ الحدِّ) أي: ومما يجوز للإمام إقامة الحدود في أرض (٦) العدو، ونص عليه في الجلاب (٧).
قوله: (وَتَخْرِيبٌ وَقَطْعُ نَخْلٍ وَحَرْقٌ إِنْ أَنْكى أَوْ لَمْ تُرْجَ) أي: وكذا يجوز للمسلمين إذا دخلوا بلاد العدو أن يخربوا منازلهم وبقطعوا أشجارهم ونخلهم ويحرقوها؛ لأنه من التضييق عليهم وفيه إضعاف لشأنهم، وهذا إذا كان فيه نكاية لهم أولم ترج أن
_________________
(١) قوله: (به) ساقط من (ز ٢) و(س) و(ن)، وفي (ن ٢): (بالكثير).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٠٦.
(٣) في (ن ٢): (فيبادلونه).
(٤) قوله: (ويمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله) زيادة من (ن).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٤.
(٦) في (ن): (بلاد).
(٧) انظر: التفريع: ١/ ٢٤٨.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
تصير للمسلمين؛ أي: كان فيه نكاية أم لا.
قوله: (وَالظَّاهِرُ أَنهُ مَنْدُوبٌ كَعَكْسِهِ) أي: والظاهر أن القطع ونحوه مندوب؛ أي: هو أفضل من الترك. ابن رشد: لما فيه من إذلال العدو وإصغارهم ونكايتهم ولقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] (١). وقوله: (كعكسه) أي: إذا رجيت أن تصير للمسلمين؛ أي: وحينئذٍ يكون الإبقاء أولى.
قوله: (وَوَطْءُ أَسِيرٍ زَوْجَةً أو أَمَةً سَلِمَتَا) أي: وكذا يجوز للأسير المسلم وطء زوجته أو أمته إذا سبيتا (٢)؛ لأن السبي لا يهدم النكاح ولا يبطل (٣) الملك (٤)، وقيده (٥) مالك بشرط الأمن من وطء السابي لهما، وهو معنى قوله هنا: (سلمتا) (٦)، قال مالك (٧): وإن أيقن البراءة من ذلك فلا جناح عليه، غير أني أكرهه لما أخاف من بقاء ذريته في أرض الحرب (٨)، وظاهر كلام صاحب البيان أن الزوجة لا خلاف في جواز (٩) وطئها، وكره مالك وطء الأمة؛ لقوله (١٠): كأني أرى الذي سبى الأمة من العدو وقد ملكها ملكًا لو أسلم عليها لم تنتزع منه، فلو ترك وطأها كان أحب إليَّ (١١).
قوله: (وَذَبْحُ حَيَوَانٍ، وَعَرْقَبتُهُ وَأجهز عَلَيْهِ (١٢) (أي: وجاز ذبح ما قدر عليه (١٣) من الحيوان ببلاد العدو وعرقبته والإجهاز عليه، وهو المشهور، ومذهب المصريين خلافًا
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٥٤٨.
(٢) في (ن ٢): (سبيت معه)، وفي (ن): (سبيتا معه).
(٣) في (ز): (يعطل).
(٤) في (ن ٢): (لكن).
(٥) في (ن): (ولكن قيده).
(٦) قوله: (وهو معنى قوله هنا: "سلمتا") ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٧) قوله: (مالك) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣١٦ و٣١٧.
(٩) قوله: (جواز) ساقط من (ن).
(١٠) قوله: (لقوله) ساقط من (ز).
(١١) انظر: البيان والتحصيل ٣/ ٣٥ و٣٦.
(١٢) قوله: (وَأجهز عَلَيْهِ) يقابله في (ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وإجهاز).
(١٣) قوله: (عليه) ساقط من (ز).
[ ٢ / ٤٦٦ ]
للمدنيين في كرا هة ذبحه وعرقبته. ابن حبيب: لأن الذبح مُثْلة والعرقبة تعذيب (١)، ورأى (٢) ابن وهب (٣) أنه لا يُتْلَف الحيوان لغير مأكلة (٤)؛ لعموم النهي (٥).
قوله: (وَفِي النَّحْلِ إِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ يُقْصَدْ عَسَلُهَا رِوَايَتَانِ) النحل بالحاء المهملة، إما أن يكون كثيرًا أو يسيرًا، والكثير إما أن يقصد أخذ (٦) ما في أجباحه (٧) من العسل أم لا، فجعل محل (٨) الخلاف من ذلك (٩) ما إذا كانت كثيرة ولم يقصد أخذ عسلها، فروى ابن حبيب جواز إتلافها وروى غيره الكراهة، نص عليه الباجي (١٠)، وظاهر ما هنا أن الخلاف في الجواز وعدمه. الباجي: وهذا إذا لم تدعُ حاجة إلى أخذ (١١) ما في أجباحها، وأما إن احتيج إليه ولم يمكن إلا بتحريقها وتغريقها (١٢) فعل من ذلك ما يتوصل به إلى ما في أجباحها (١٣)، وقاله التونسي أيضًا (١٤)، فإن كانت يسيرة لا نكاية للعدو في إتلافها، تركت.
قوله: (وَحُرِقَ إِنْ أَكَلُوا المَيْتَةَ) يريد أن الحيوان إذا أتلف في أرض العدو وكانوا ممن
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٦٤.
(٢) في (ن ٢): (وروى).
(٣) قوله: (ورأى ابن وهب) يقابله في (ن): (وروى ابن حبيب).
(٤) في (ن ٢): (مأكولة).
(٥) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤٠.
(٦) قوله: (أخذ) زيادة من (س).
(٧) والجَبَحُ والجُبْحُ والجِبْحُ: حيث تُعَسِّلُ النحلُ إِذا كان غير مصنوع، والجمع أَجْبُحٌ وجُبُوحٌ وجِباحٌ وفي التهذيب وأَجْباحٌ كثيرة، وقيل: هي مواضع النحل في الجبل وفيها تُعَسِّلُ. انظر: لسان العرب ٢/ ٤١٩، مادة (جبح).
(٨) في (ن ٢): (محمل).
(٩) قوله: (من ذلك) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٠) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤١.
(١١) قوله: (أخذ) زائدة من (ز ٢).
(١٢) قوله: (وتغريقها) زيادة من (س).
(١٣) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤١.
(١٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٣٦.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
يأكل (١) الميتة فلا يبقى على حاله، بك يحرق؛ لأن القصد بإتلافه عدم انتفاع العدو به وحصول النكاية لهم، وبقاؤه على حاله إذا كانوا ممن يأكل (٢) الميتة يحصل به النفع لهم (٣).
قوله: (كَمَتَاعٍ عُجِزَ عَنْ حَمْلِهِ) أي: فإن قدر المسلمون على أخذ أموالهم ولكن عجزوا عن حملها أو حمل (٤) بعضها أو عن (٥) حمل شيء من متاعهم، فإنهم يتلفونه حتى لا ينتفع العدو به؛ لتحصل لهم النكاية.
قوله: (وَجَعْلُ الدِّيوَانِ) أي: وكذا يجوز جعل الديوان، قال في المدونة: وما كان مثل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب (٦)؛ فلا بأس به (٧). معناه: لا بأس أن يكتب (٨) نفسه في الديوان إذا كان حلالًا، وقاله أبو الحسن الصغير.
قوله: (وَجُعْلٌ مِنْ قَاعِدٍ لِمَنْ يَخْرُجُ عَنْهُ أنْ كَانَا بِدِيوَانٍ) يريد: إذا معين الإمام بعثًا (٩) فأراد من أمر بالخروج أن يقعد ويجعل لن يخرج عنه للغزو جُعْلًا، فإن ذلك جائز بشرط أن يكونا في ديوان واحد، وقاله في المدونة، وزاد: مضى الناس على ذلك؛ لأن عليهم سد الثغور (١٠). مالك: ولا يعجبني أن يجعل (١١) لمن ليس معه في ديوان ليغزو عنه (١٢). التونسي وابن يونس: ولا يخرج أحد عن أحد إلا بإذن الإمام (١٣)،
_________________
(١) في (ن ١) و(ن ٢): (يأكلون).
(٢) في (ن ١): (يأكلون).
(٣) قوله: (يحصل به النفع لهم) يقابله في (ن ١) و(ن ٢): (يحصل لهم به النفع لا تحصل لهم به النكاية).
(٤) قوله: (حمل) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (عن) زيادة من (س).
(٦) في (ن ٢): (المغرب).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٦.
(٨) في (ن ٢): (يثبت).
(٩) في (ن) و(ن ٢): (جيشًا).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٧.
(١١) قوله: (أن يجعل) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٢) انظر: الكافي: ١/ ٤٦٥.
(١٣) انظر: الذخيرة: ٣/ ٤٠٧.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ولو كان الثاني أشجع؛ لأن الإمام قد يرى من سماه أولى.
قوله: (وَرَفْعُ صَوْتِ مُرَابِطٍ بِالتَّكْبِيرِ) أي: ومما يجوز رفع صوت المرابط بالتكبير، وقاله في المدونة (١). يريد: لأنه من شعار (٢) المرابطين.
(المتن)
وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ، وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ، وَالْمُسْلِمُ كَالزِّنْدِيقِ، وَقَبُولُ الإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ، وَهِيَ لَهُ إِنْ كَانَتْ مِنْ بَغضٍ لِكَقَرَابَةٍ، وَفَيْءٌ إِنْ كَانَتْ مِنَ الطَّاغِيَةِ، إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ، وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ، وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ، وَبَعْثُ كِتَابِ فِيهِ كَالآيَةِ، وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرٍ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِيُظْهِرَ شَجَاعَةً عَلَى الأَظْهَرِ، وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لآِخَرَ، وَوَجَبَ إِنْ رَجَا حَيَاةً أَوْ طُولَهَا- كَالنَّظَرِ فِي الأَسْرَى- بِقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ، أَوْ فِدَاءٍ، أَوْ جِزْيَةٍ، أَوِ اسْتِرْقَاقٍ.
(الشرح)
قوله: (وَكُرِهَ التَّطْرِيبُ) هكذا قال في المدونة (٣). أبو الحسن الصغير (٤): وهو صوت يشبه صوت المغاني، وأصله الطرب (٥).
قوله: (وَقَتْلُ عَيْنٍ وَإِنْ أُمِّنَ) العينُ هو الجاسوس، وقوله (وإن أُمِّنَ) أي: دخل إلى بلادنا بأمان. والمعنى أن الإمام يجوز له قتل الجاسوس وإن كان مستأمنًا. سحنون: يقتل (٦) إلا أن يسلم فلا يقتل، ويكون كأسير أسلم (٧).
قوله: (وَالمُسْلِمُ كَالزّنْدِيقِ) أي: فإن تبين أن المسلم عين فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب، وهو مذهب ابن القاسم وسحنون. وقال مالك: يتخير (٨) فيه الإمام. وقال ابن وهب: يقتل إلا أن يتوب. وقال عبد الملك: إن كان معتادًا لذلك قتل وإلا نُكِّل (٩). وقال
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٦.
(٢) في (ن) و(ن ٢): (شعائر).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٦.
(٤) قوله: (الصغير) زائدة من (ز ٢).
(٥) في (ن) و(ن ٢): (الضرب).
(٦) قوله: (يقتل) زيادة من (ن ٢).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٥٢.
(٨) في (ن ٢): (يخير).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٥٢ و٣٥٣.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
بعضهم: يجلد جلدًا منكلًا ويطال سجنه وينفى إلَّا موضع قريب من أهل الشرك.
قوله: (وَقَبُولُ الإِمَامِ هَدِيَّتَهُمْ) أي: ومما يجوز للإمام قبول هدية الكفار؛ لقبوله ﵇ هدية أبي سفيان ودحية والمقوقس، ابن القاسم في الموازية والعتبية: في العلج (١) من أهل (٢) الحصن يهدي هدية لرجل من أهل (٣) الجيش، قال: هي له دون الجيش، وإن أهداها لأمير الجيش فهي مغنم؛ لأنه (٤) على سبيل الخوف أهداها (٥)، قال: إلا أن يتبين أنه لغير سبب خوف (٦) الجيش من ذي قرا بة أو لسبب مكافأة يرجوها (٧)؛ ونحوه فذلك له (٨)، وهو معنى قوله: (وَهِيَ لَهُ إِنْ كَانَتْ مِنْ بَعْضٍ لِكَقَرَابَةٍ) أي: من بعض العدو لقرابة (٩)، وأما قوله: (وَفَيْءٌ إِنْ كَانَتْ مِنَ الطَّاغِيَّةِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بَلَدَهُ) فإشارة إلى ما قال في الواضحة: إن الطاغية إذا أهدى (١٠) للأمير هدية وهو في مقامه فهي فيء (١١) لجميع المسلمين، قال: ولا حجة لأحد في هدية (١٢) المقوقس إلى النبي - ﷺ - مارية وسيرين وبغلة شهباء (١٣).
قوله: (وَقِتَالُ رُومٍ وَتُرْكٍ) أي: ومما يجوز أيضًا قتال هاتين الطائفتين، والمشهور أيضًا جواز قتال الحبشة إذا امتنعوا من الإسلام، وعن مالك جواز قتال الفرازنة (١٤)؛ وهم
_________________
(١) في (ن): (الشيخ).
(٢) قوله: (أهل) زيادة من (ن ٢).
(٣) قوله: (أهل) زيادة من (ن).
(٤) قوله: (مغنم لأنه) يقابله في (ن): (بينهم).
(٥) قوله: (أهداها) زيادة من (ن ٢).
(٦) قوله: (خوف) زيادة من (ن).
(٧) في (ن ٢): (يرجونها).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢١٧.
(٩) قوله: (القرابة) زيادة من (ن).
(١٠) في (ن) و(ن ٢): (أهدت).
(١١) قوله: (فيء) ساقط من (ز ٢) و(ن ٢).
(١٢) قوله: (في هدية) ساقط من (ن ٢).
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢١٨.
(١٤) في (ن ١): (الفزارية)، وفي (ن ٢): (الفرارية)، وفي (ن): (الفرازينة).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
صنف من الحبشة (١)، وفي المدونة عن مالك: لا يقاتل (٢) القبط (٣)، وحكى عنه ابن شعبان: لا تغزى (٤) الحبشة، ونحوه في الترك (٥).
قوله: (وَاحْتِجَاجٌ عَلَيْهِمْ بِقُرْآنٍ وَبَعْثُ كِتَابِ فِيهِ كَالآيَةِ) أي: وكذلك يجوز أن يحتج على الكفار بالقرآن، وأن يبعث لهم بالكتاب فيه آية (٦) من القرآن، والأحاديث بذلك كثيرة.
قوله: (وَإِقْدَامُ الرَّجُلِ عَلَى كَثِيرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ليُظْهِرَ شَجَاعَةً، عَلَى الأَظْهَرِ) أي: ومما يجوز إقدام الرجل الواحد على الجمع الكثير من العدو، وهو مروي عن مالك، وعنه كراهته، قاله في البيان (٧).
ابن عبد السلام: والظاهر من أقواله (٨) الجواز بشرط أن يعلم من نفسه من الشجاعة ما يكون عنها (٩) نكاية العدو وإن قتل، وبشرط أن تتمحض النية لله تعالى؛ لا لإظهار شجاعة (١٠).
ابن رشد: والصحيح الجواز (١١). وإليه أشار بقوله: (على الأظهر)، أما إذا كان قتاله ليشتهر ويظهر شجاعته فإنه لا يجوز.
قوله: (وَانْتِقَالٌ مِنْ مَوْتٍ لآخَرَ، وَوَجَبَ إِنْ رَجَا حَيَاةً أَوْ طُولَهَا) يريد أن المغلوب تارة تستوي عنده أحوال العطب، وتارة تترجح الحياة أو طولها في إحدى الجهتين (١٢)؛
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٩.
(٢) في (ن ١): (يقتل).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٩٧.
(٤) كتب في حاشية (ز): (تخزى).
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٤٢.
(٦) في (س): (آيات)، وفي (ن ٢): (آيتين).
(٧) انظر: البيان والتحصيل ٢/ ٥٦٤.
(٨) في (ن ٢): (أقوالهم).
(٩) في (ن ١): (به)، وفي (ن) و(ن ٢): (منها).
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٠٧.
(١١) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٥٦٥.
(١٢) قوله: (إحدى الجهتين) يقابله في (ن ١): (أحد الوجهين).
[ ٢ / ٤٧١ ]
فالأولى مثل أن يحرق العدو (١) سفينة للمسلمين فإن مكثوا فيها هلكوا أو طرحوا أنفسهم هلكوا، والمشهور جواز الانتقال، وقاله في المدونة، وزاد فيها: وإن صبر (٢) فهو أكرم (٣)، وفي الموازية عن ابن القاسم واختاره محمد: أنه لا ينتقل، لأن في انتقاله تسببًا في قتل نفسه، وتَجَوَّز الشيخ (٤) ﵀ في قوله (٥): (من موت لآخر)؛ لأن الموت لا يتنوع وإنما تتنوع أسبابه، فكأنه قال: وجاز الانتقال من سبب موت إلى سبب آخر من أسباب الموت، فأما الحالة الثانية وهي التي ترجى معها الحياة أو طولها فيجب الانتقال فيها (٦)، وقاله ابن بشير، وعبارة غيره من المتأخرين: فله ذلك (٧)، وإنما كان طلب الجهة التي ترجى معها الحياة أو طولها (٨) واجبًا؛ لأن حفظ النفوس ما أمكن واجب.
قوله: (كَالنَّظَرِ فِي الأَسْرَى بقَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوْ جِزْيَةٍ أَوِ اسْتِرْقَاقٍ) أي: ومما يجب أيضًا نظر الإمام في الأسرى (٩) بين الأمور المذكورة. يريد: مع (١٠) مراعاة المصلحة للمسلمين، ولهذا قال: (كالنظر في كذا)، فمتى كانت المصلحة في خصلة تعينت.
الباجي: ويجب عليه النظر في ذلك بالاجتهاد (١١).
(المتن)
وَلَا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرُقَّ إِنْ حَمَلَتْ بِهِ بِكُفْرٍ، وَالْوَفَاءُ بِمَا فَتَحَ لَنَا بِهِ بَعْضُهُمْ، وَبِأَمَانِ الإِمَامِ مُطْلَقًا، كَالْمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ. وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ، وَلَمِنْ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الإِعَانَةُ، وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، إِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ الْمَصْلَحَةَ، وَإِلَّا نَظَرَ الإِمَامُ، كَتَأمِينِ
_________________
(١) قوله: (العدو) ساقط من (ن ٢).
(٢) في (ن): (صبروا).
(٣) زاد هنا في (س): (له). وانظر: المدونة: ١/ ٥١٣.
(٤) قوله: (الشيخ) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (في قوله) ساقط من (ن ١).
(٦) في (ن ١) و(ن ٢): (إليها).
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٤١٣.
(٨) قوله: (أو طولها) ساقط من (ن) و(ن ١) و(ن ٢).
(٩) في (ز ٢): (الأسارى).
(١٠) قوله: (مع) ساقط من (ز).
(١١) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٣٩.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
غَيْرِهِ إِقْلِيمًا، وَإِلَّا فَهَلْ يَجُوزُ؟ وَعَلَيْهِ الأَكثَرُ، أَوْ يَمْضِي مِنْ مُؤَمِّنٍ مَيَّزَ وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ رِقًّا أوِ امْرَأَةً، أَوْ خَارِجًا عَلَى الإِمَامِ، تَأوِيلَانِ لَا ذِمِّيًّا أَوْ خَائِفًا مِنْهُمْ؟
(الشرح)
قوله: (وَلا يَمْنَعُهُ حَمْلٌ بِمُسْلِمٍ، وَرَقَّ إِنْ حَمَلَتْ بهِ بكُفْرٍ) يشير إلى قول ابن شاس: ولا يمنع من الاسترقاق كون المرأة حاملًا من المسلم، لكن لا يرق الولد إلا أن تكون حملت به في حال كفره ثم سبيت بعد إسلامه فالحمل سبي (١)، فالضمير في (يمنعه) راجع إلى الاسترقاق، وفي (به) إلى الحمل.
قوله: (وَالْوَفَاءُ بِما فَتَحَ لَنَا به بَعْضُهُمْ) أي: وكذا يجب الوفاء لبعض العدو بالشيء الذي فتح لنا به الحصن (٢) أو القلعة مثل أن يقول: أَمِّنوني على نفسي أو أولادي وعيالي أو على مالي ونفسي أو نحو ذلك على أن أفتح لكم، فإذا فعل ذلك وجب الوفاء له (٣) بما دخل عليه.
قوله: (وَبِأَمَانِ الإِمَامِ مُطْلَقًا) أي: وكذا يجب الوفاء لمن أمَّنه الإمام. يريد: أو أمير الجيش؛ لأنه قد يرى المصلحة للمسلمين في تأمين العدو أو بعضهم إما مطلقًا أو مقيدًا بزمان أو مكان أو صفة. ابن بشير: ولا خلاف في ذلك بين الأمة (٤)، ومراده بالإطلاق أن من أمنه الإمام يجب له الوفاء في بلد ذلك السلطان وغيره، وليس لغيره من السلاطين إذا خرج إليه أن يستبيح دمه ولا استرقاقه (٥) ولا غيرهما.
ابن يونس: وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: إذا خرج (٦) من بلادنا فهو آمن حتى يبعد من بلاد الإسلام (٧).
قوله: (كَالمُبَارِزِ مَعَ قِرْنِهِ، وَإِنْ أُعِينَ بِإِذْنِهِ قُتِلَ مَعَهُ وَلِمَنْ خَرَجَ في جَمَاعَةٍ لِمِثْلِهَا إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرْنِهِ الإِعَانَةُ) وهو معنى قول ابن شاس (٨): ويجب على المبارز مع قرنه الوفاء
_________________
(١) في (ن): (فيء). وانظر: عقد الجواهر: ١/ ٣١٩.
(٢) قوله: (لنا به الحصن) يقابله في (س): (لبابه الحصين).
(٣) قوله: (له) ساقط من (ن ٢).
(٤) في (ن ٢): (الأئمة).
(٥) قوله: (ولا استرقاقه) يقابله في (ن ٢): (والاسترقاق).
(٦) في (ز): (قبل).
(٧) انظر: الجامع، لابن يونس: ص ١٢٣٨، موجود من غير كلام ابن الماجشون.
(٨) في (ن): (ابن شعبان).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
بشرطه، فلو أثخن المسلم وقصد تدفيفه (١) منعناه على أحد القولين، ولو خرج جماعة لإغاثته (٢) لاستنجاده قتلناه معهم، وإن كان بغير إذنه لم نتعرض له (٣)، ولو خرج جماعة لمثلهم ففرغ (٤) بعضهم من قرنه جازت إعانة من (٥) ظفر لمن لم يظفر في القتل والدفع كما فعل حمزة وعلي - ﵄ - مع عبيدة بن الحارث بن المطلب (٦).
قوله: (وَأُجْبِرُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ إِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَرَفَ المَصْلَحَةَ) يريد أن العدو أو أحدهم (٧) إذا نزلوا بأمان على حكم من أمنهم، فإنهم يجبرون على المصير إلى حكمه الذي نزلوا عليه بشرط أن يكون عدلًا وقد عرف في ذلك المصلحة، فإن اختل شيء من ذلك نظر فيه الإمام، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا نَظَرَ الإِمَامُ) ثم (٨) أشار بقوله: (كَتَأْمِينِ غَيْرِهِ إِقْلِيمًا) إلى أن غيره من آحاد الناس ليس له أن يؤمن العدو الكثير كأهل الإقليم، فإن فعل نظر في ذلك الإمام أيضًا فإما أمضاه أو رده بالمصلحة، نص عليه غير واحد، ونحوه في الجواهر (٩).
قوله: (وَإِلا فَهَلْ يجوزُ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، أَوْ يُمْضَى مِنْ مُؤَمِّنٍ مَيَّزَ (١٠) وَلَوْ صَغِيرًا، أَوْ رِقًّا أَوِ امْرَأَةً، أَوْ خَارِجًا عَلَى الإِمَامِ؟) هذا الاستثناء منقطع بخلاف ما قبله؛ أي: وإن لم يكن المؤمن عدلًا عارفًا بالمصلحة بل كان ممن ذكر من صبي وعدل وامرأة فهل يجوز إلى آخر كلامه (١١)، والمعنى أنه اختلف في تأمين المميز ومن ذكر معه هل هو جائز ابتداء أو لا؟ والأول قول مالك وابن القاسم في المدونة (١٢)، وقال عبد الملك: الإمام مخير بين أن
_________________
(١) في (ن ٢): (تدفتة).
(٢) في (س) و(ن ٢): (لإعانته)، وفي (ن): (لإعانة الكافر).
(٣) قوله: (له) ساقط من (ز).
(٤) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (ففزع).
(٥) قوله: (إعانة من) يقابله في (ن ٢): (الإعانة ممن).
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٢٥.
(٧) في (ن): (أحد منهم).
(٨) قوله: (ثم) ساقط من (ز ٢).
(٩) قوله: (بالمصلحة، نص. . . في الجواهر) ساقط من (ز). وانظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٢٣.
(١٠) قوله: (مُؤَمِّنٍ مَيَّزَ) يقابله في (ن ٢): (مسلم مميز)، وفي (ن): (مسلم).
(١١) قوله: (أي: وإن لم يكن المؤمن عدلًا عارفًا. . . فهل يجوز إلى آخر كلامه) زيادة من (ن).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٥.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
يمضيه أو يرده (١). ابن يونس: وأصحابنا يحملون قوله على الوفاق خلافًا لعبد الوهاب (٢)، قال هذا أشار بقوله: (تَأْوِيلانِ)، وحمل الباجي أيضًا قول عبد الملك على الخلاف (٣).
قوله: (لا ذِميًّا وَخَائِفًا مِنْهُمْ) أي: فإنهما لا يجوز تأمينهما؛ أما الذمي فحكى ابن الحاجب في تأمينه قولين أشهرهما أنه لا يجوز (٤)، وعبر عنه بعضهم بالمشهور، وغيره بالظاهر، ومنهم من قال: هو الصحيح، والقول بالجواز نقله في النوادر عن ابن القاسم (٥)، وأما الخائف (٦) منهم أي (٧) الخائف (٨) من العدو فإنه لا يجوز تأمينه أيضًا إذا لم يراعِ في ذلك مصلحة المسلمين التي هي المقصود الأعظم في (٩) التأمين؛ وإنما يراعي مصلحة نفسه لخوفه ممن أمنهم.
(المتن)
وَأُسْقِطَ الْقَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِلَفْظٍ، أَوْ إِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ، أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا، أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا، أَوْ جَهِلَ إِسْلَامَهُ -لَا إِمْضَاءَهُ- أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ. وَانْ أُخِذَ مُقْبِلًا بِأَرْضِهِمْ، وَقَالَ: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ، أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ لَا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ بَيْنَهُمَا، رُدَّ لِمَأمَنِهِ. وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ، فَعَلَيهَا، وَإِنْ رُدَّ بِرِيحٍ، فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ، وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمَالُهُ فَيءٌ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ، وَإِلَّا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتهِ لِوَارِثِهِ، كَوَدِيعَتِهِ، وَلقَاتِلِهِ إِنْ أُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ وَهَلْ إِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيءٌ؟ قَوْلَانِ.
(الشرح)
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤٧.
(٢) انظر: التوضيح: ص ٤٣٩.
(٣) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤٧.
(٤) انظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٣٦٠.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٨٠.
(٦) قوله: (الخائف) زيادة من (ن).
(٧) قوله: (منهم أي) زيادة من (ن ٢).
(٨) قوله: (الخائف) ساقط من (ن ٢).
(٩) في (س) و(ن ٢): (من).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
قوله: (وَأُسْقِطَ (١) الْقَتْلُ وَلَوْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِلَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ إِنْ لَمْ يَضرَّ) يريد أن القتل يسقط عمن دخل تحت الأمان، ولا خلاف فيه بالنسبة إلى من أعطاهم الإمام (٢) الأمان، وأما غيره فيسقط عنه أيضًا عند ابن القاسم ومحمد، وعند سحنون: يخير الإمام في ذلك بين القتل وإمضاء الأمان وهو في ما عدا الإمام، ودل كلامه بطريق الأحروية على أن تأمينه قبل الفتح يسقط القتل (٣) عمن أمنه (٤).
وقوله: (بلفظ أو إشارة مفهمة (٥» متعلق بمحذوف، وتقديره: حصل الأمان بلفظ أو إشارة، ونحوه للباجي، قال (٦): وحكم الإشارة حكم العبارة (٧)، ورواه ابن وهب عن مالك (٨)، واحترز بالمُفهِمة من غيرها فإنها لا تكون أمانًا. سحنون: وإذا أشرف المسلمون على حصن وتيقن أخذه فأمنهم شخص من المسلمين فإن للإمام رد تأمينه (٩). وهو معنى قوله: (إن لم يضر).
قوله: (وَإِنْ ظَنَّهُ حَرْبِيٌّ فَجَاءَ أَوْ نَهَى النَّاسَ عَنْهُ فَعَصَوْا أَوْ نَسُوا أَوْ جَهِلُوا) الضمير المنصوب بـ (ظن) والمجرور بـ (عن) عائدان (١٠) على الأمان، ومراده أن الحربي إذا ظن الأمان أو نهى الإمام الناس (١١) عن التأمين فأمنوا نسيانًا أو عصيانًا أو جهلًا فأتى الحربي إلينا اعتمادًا على ذلك، فلا يجوز قتله ولا استرقاقه، بل يخير الإمام في االإمضاء أو رد الحربي إلى المحل الذي قدم منه إلينا حين التأمين.
قوله: (أَوْ جَهِلَ إِسْلامَهُ لا إِمْضَاءَهُ أُمْضِيَ أَوْ رُدَّ لِمَحَلِّهِ) إشارة منه إلى أن الحربي إذا
_________________
(١) في (ز) و(ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وسقط).
(٢) قوله: (الإمام) زيادة من (ن).
(٣) قوله: (القتل) ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٨٨.
(٥) قوله: (أو إشارة مفهمة) زيادة من (ن ٢).
(٦) قولهـ: (قال) ساقط من (ز ٢).
(٧) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤٥.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٧٥.
(٩) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٤٥.
(١٠) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (عائد).
(١١) قوله: (الإمام الناس) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
أمنه ذمي فجاء إلينا ثم علم أنه غير مسلم بعد قدومه فقال: ظننته مسلمًا، فإنه يقبل منه ذلك ويرد إلى محله، وهذا قول ابن القاسم، وله أيضًا: أنه لا يقبل منه ذلك (١)، فإن قال: علمت أنه ذمي فظننت أنه يجوز تأمينه لذمته منكم، فلا أمان له وهو فيء (٢)، وإليه أشار بقوله: (لا إمضاءه)، واختار اللخمي فيه أنه يرد إلى مأمنه (٣).
قوله: (وَإِنْ أُخِذَ مُقْبِلًا بَأَرْضِهِمْ، وَقَالَ: جِئْتُ أَطْلُبُ الأَمَانَ، أَوْ بِأَرْضِنَا وَقَالَ: ظننْتُ أَنَّكُمْ لا تَعْرِضُونَ لِتَاجِرٍ، أَوْ بَيْنَهُما رُدَّ لِمَأْمَنِهِ) يريد أن الحربي إذا أخذ ببلد العدو وهو مقبل إلينا فقال: إنما جئت أطلب الأمان فإنه يرد إلى مأمنه، وقاله في المدونة (٤)، وقيل: لا يقبل منه لأنه ظُهِر عليه قبل أن يدعي ذلك. ابن القاسم: والرومي إذا نزل بساحلنا (٥) تاجرًا قبل أن يعطى الأمان فقال: ظننت أنكم لا تعرضون لمن أتى تاجرًا حتى يبيع (٦)، فإما قبلت منه أو رددته إلى مأمنه (٧). وقيل: إن أخذ بفور قدومه رد إلى مأمنه وإن طالت إقامته لم يصدق ويرى فيه الإمام رأيه، وقال سحنون: يرى فيه الإمام رأيه (٨) مطلقًا، وقوله: (أو بينهما) أي: بين أرض المسلمين وأرض العدو؛ بمعنى: أنه منفصل (٩) من أرضه ولم يدخل أرضنا.
قوله: (وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فَعَلَيْهَا) أي: فإن قامت قرينة على صدق ما ادعاه أو كذبه عمل عليها كما إذا ظهر أنهم تجار أو متلصصون، ابن يونس (١٠): ولا خلاف أنهم إذا لم يكن معهم تجارة وتبين كذبهم (١١) وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح، أو ينزلون
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٨٠ و٨١.
(٢) في (ن): (هدر).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٤٣.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٥٠١.
(٥) في (ز) و(ن): (بساحتنا).
(٦) قوله: (حتى يبيع) يقابله في (ن ٢): (ببيع).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٠١ و٥٠٢.
(٨) قوله: (رأيه) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٩) في (س) و(ن) و(ن ٢): (انفصل).
(١٠) قوله: (ابن يونس) زيادة من (س).
(١١) قوله: (وتبين كذبهم) يقابله في (ن): (فقد تبين كذبه).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
للعطش بغير (١) أمان فهم فيء ويرى فيهم الإمام رأيه من بيع أو قتل أو فداء، وليسوا لمن وجدهم ولا يُخمَّسون (٢).
قوله: (وَإِنْ رُدَّ بِرِيحِ فَعَلَى أَمَانِهِ حَتَّى يَصِلَ) يريد أن من نزل بتجارة أو نحوها مستأمنًا فباع أو اشترى ثم أخذ في الرجوع إلى بلده فردته الريح قبل وصوله فهو على أمانه حتى يصل، قال في المدونة: وأينما رمتهم الريح من بلد المسلمين فالأمان لهم حتى يردوا بلادهم (٣)، وقال عبد الملك: أمانهم مقصور على بلد الإمام الذي أمنهم (٤)، وقال أصبغ: لهم ذلك حتى يفارقوا بلاد الإسلام، وقال محمد: حتى ينالوا أمانهم (٥) من بلادهم (٦).
قوله: (وَإِنْ مَاتَ عِنْدَنَا فَمالُهُ فَيْءٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ معه وَارِثٌ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى التَّجْهِيزِ) أي: فإن مات الحربي الذي قدم إلينا للأمان ولا وارث معه ولم يدخل على التجهيز بل كان قصده الإقامة فماله فيء؛ أي: لبيت مال المسلمين، فإن كان معه وارثه (٧) فماله وديته إن قتل له (٨)، وإن قدم على التجهيز فلا حق للمسلمين في ماله ولا ديته، بل (٩) يرسل ذلك إلى بلاده لوارثه، وقاله في المدونة (١٠). وقال سحنون: يبعث (١١) ذلك إلى حكامهم (١٢)، وقيل: يدفع ماله إلى وارثه وديته إلى حكامهم، وإلى الأول أشار بقوله: (وإِلا أُرْسِلَ مَعَ دِيَتهِ لِوَارِثهِ).
_________________
(١) في (ن ٢): (بد).
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٣٣.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٢.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٣٥.
(٥) في (س) و(ن ٢): (مأمنهم).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٧٢.
(٧) في (س): (وارث).
(٨) في (ن ٢): (معه).
(٩) قوله: (بل) ساقط من (س).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٥١٢.
(١١) قوله: (يبعث) ساقط من (ز).
(١٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٥٦.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قوله: (كَوَدِيعَتِهِ) يريد أنه إن قدم على التجهيز ثم مات وليس معه وارث وله وديعة فإنها تبعث إلى بلاده، وقيل: هي فيء للمسلمين، وقيل: له إن أسر وفيء إن قتل، وقيل: لورثته إن قتل وفيء إن أسر، حكى ذلك ابن الحاجب (١). وأشار بقوله: (وَلقَاتِلِهِ إِنْ أُسِرَ ثُم قُتِلَ) إلى ما قاله محمد وغيره، وحكاه (٢) عن ابن القاسم أنه إذا أسر ثم قتل صار ماله فيئًا على من قتله بعد أن أسره، لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله فإن قتل في محاربته قبل (٣) الأسر بحث بماله لورثته، وقيل: إن قتل في المعركة فماله فيء ولا خُمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه (٤)، وإلى هذين القولين أشار بقوله: (وَهَلْ وَإِنْ قُتِلَ فِي مَعْرَكَةٍ أَوْ فَيْءٍ قَوْلانِ).
(المتن)
وَكُرِهَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلَعِةٍ، وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا، وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ، ثُمَّ عِيدَ بِهِ لِبَلَدِنَا عَلَى الأَظْهَرِ، لَا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ. وَمَلَكَ بِإِسْلَامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، وَفُدِيَتْ أُمُّ الْوَلَدٍ، وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ سَيِّدِهِ، وَمُعْتَقٌ لِأَجَلٍ بَعْدَهُ، وَلَا يُتَّبَعُونَ بِشَيءٍ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ. وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ، وَإِنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ.
(الشرح)
قوله: (وَكُرِهَ لِغَيْرِ المَالِكِ اشْتِرَاءُ سِلْعَةٍ) يريد أن الحربي إذا غنم شيئًا (٥) من مال المسلمين ثم قدم بأمان فإنه يكره شراء تلك السلع لغير مالكها، لأنه يفوتها على ربها، وفي الموازية: يستحب شراؤها (٦)؛ أي: ولا يكون بيعها فوتًا، والأول (٧) مذهب المدونة، قال فيها: ولا أحب أن تشترى منه (٨). انتهى (٩). وأما من عرف سلعة (١٠) منها
_________________
(١) انظر: الجامع بين الأمهات، ص: ٣٦٣.
(٢) في (ز) و(ن ٢): (وحكى).
(٣) في (ن): (على).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٤٥.
(٥) في (ن ٢): (سلعة).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٤٨.
(٧) في (ن) و(ن ٢): (وهو).
(٨) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٥، وتهذيب المدونة: ٢/ ٥٥ و٥٦.
(٩) قوله: (ولا أحب أن تشترى منه. انتهى) زيادة من (ن ٢).
(١٠) قوله: (سلعة) ساقط من (س)، وفي (ن) و(ن ٢): (سلعته).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
فاشتراها منه فلا كراهة؛ يريد: لأن (١) نهايته أنه فدى سلعته، إذ لا يمكنه الوصول إليها إلا بذلك لمكان الأمان.
قوله: (وَفَاتَتْ بِهِ وَبِهِبَتِهِمْ لَهَا) أي: فإن باع تلك السلع فإنها تفوت بالبيع وليس لربها أخذها، وكذلك إذا وهبوها فإنها تفوت بالهبة على ربها، وقيل: لا تفوت، ويأخذها ربها بالثمن في البيع وبغير شيء في الهبة.
قوله: (وَانْتُزِعَ مَا سُرِقَ ثُمَّ عِيدَ بِهِ، عَلَى الأَظْهَرِ) أي: فإن سرق في عهده شيئًا (٢)، ثم خرج لأرضه ثم عاد به بأمان فإنه ينتزع منه، قال (٣) في البيان: وهو الأصح (٤)، وقيل: لا ينتزع منه، وقيل: إن عاد به غيره لم ينتزع منه (٥)، وإن عاد به هو نزع.
قوله: (لا أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ قَدِمُوا بِهِمْ) أي: فلا ينزعون منهم ليباعوا عليهم، ولهم الرجوع بهم إذا أرادوا، وإن كن إماء لم يمنعوا من وطئهن، وقاله ابن القاسم (٦)، وقال غيره من أصحاب مالك: يجبرون على بيعهم. عبد الملك: ويدفع لهم (٧) في كل مسلم أوفر (٨) قيمته (٩)، وقال سحنون: يجبرون على بيع الإناث دون الذكور، وحكاه عن ابن القاسم (١٠).
قوله: (وَمَلَكَ بإسْلامِهِ غَيْرَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ) أي: لا حق له في الأحرار المسلمين، وهو قول ابن القاسم، وَأَما الذمي فلا ينتزع منه، وقال ابن المواز: يؤخذ منه المسلم والذمي، وهكذا قال أشهب: إن الذمي كالمسلم. محمد: وأما كل (١١) مال لمسلم- يريد أو غيره-
_________________
(١) في (ز): (لا).
(٢) قوله: (شيئًا) ساقط من (ز).
(٣) في (ن): (قاله).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٦.
(٥) قوله: (منه) ساقط من (ز) و(ن).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٤٤.
(٧) في (ن): (له).
(٨) في (ن): (أو في).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٤٤.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٩٧.
(١١) في (ن ٢): (أكل).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
فلا يؤخذ منه؛ لأن من أسلم على شيء في يده فهو أحق به من أربابه، ما لم يكن حرًّا (١) أو أم ولد.
قوله: (وَفُدِيَتْ أُمُّ الْوَلَدِ) يريد: لأنها تشبه الحرة فيفديها سيدها بقيمتها، فإن لم يكن له مال اتبع بقيمتها.
قوله: (وَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثلُثِ سَيِّدِهِ، وَمُعْتَقٌ لأَجَلٍ بَعْدَهُ) أي: فإن كان مع من أسلم مدبر أو معتق لأجل اختدم المدبر ويؤاجره ما دام سيده حيًّا، وفهم ذلك من قوله: (وعتق المدبر من ثلث سيده) أي: وفي حياته لا يعتق، وقاله محمد (٢)، فإذا مات سيده عتق من ثلثه إن حمله وإلا عتق منه ما حمل الثلث ورق باقيه والولاء فيه (٣) لمن أسلم، وأما المعتق إلى أجل فيعتق بعد الأجل الذي علق سيده عتقه عليه.
قوله: (وَلا يُتْبَعُونَ بِشَيْءٍ) أي: بعد العتق مما بقي عليهم مما رفعوا به في المقاسم (٤)؛ لأن من أسلم لم يملك منهم غير الخدمة.
قوله: (وَلا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) أي: لأن من قدم بهم كأنه محقق (٥) الملكية.
قوله: (وَحُدَّ زَانٍ وَسَارِقٌ، إِنْ حِيزَ الْمَغْنَمُ) هكذا حكى (٦) محمد عن ابن القاسم، قال في النوادر عنه: ومن زنى بما غنمه أصحابه أو سرق منه فإن كان ذلك بعد أن أحرز (٧) عند (٨) أصحابه، فقال ابن القاسم: يحد في الزنى ويقطع في السرقة، وقال عبد الملك: لا يحد ويقطع إن سرق فوق حقه بثلاثة دراهم (٩).
_________________
(١) في (ز): (حرامًا).
(٢) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٢٦٩.
(٣) قوله: (والولاء فيه) زيادة من (ن).
(٤) قوله: (مما بقي عليهم. . . في المقاسم) زيادة من (ن ٢).
(٥) قوله: (كأنه محقق) يقابله في (ن ٢): (كان لا يحقق).
(٦) قوله: (حكى) ساقط من (ز).
(٧) في (ن ٢): (أحيز).
(٨) في (ز): (عنه).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٦.
[ ٢ / ٤٨١ ]
(المتن)
وَوُقِفَتِ الأَرْضُ: كَمِصْرَ، وَالشَّامِ، وَالْعِرَاقِ. وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إِنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ فَخَرَاجُهَا، وَالْخُمُسُ، وَالْجِزْيَةُ، لِآلِهِ ﵊، ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ، وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمُ الْمَالُ، وَنُقِلَ لِلأَحْوَجِ الأَكْثَرُ، وَنَقلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: "مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ" وَمَضَى إِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ، وَللْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ اعْتِيدَ؛ لَا سِوَارٌ وَصَلِيبٌ، وَعَيْنٌ، وَدَابَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَوْ تَعَدَّدَ؛ إِنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا وَإِلَّا فَالأَوَّلُ وَلَمْ يَكُنْ لِكَمَرْأَةٍ؛ إِنْ لَمْ تُقَاتِلْ، كَالإِمَامِ؛ إِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْكُمْ، أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ، وَلَهُ الْبَغْلَةُ إِنْ قَاتلَ عَلَى بَغْلٍ؛ لَا إِنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلَامِهِ.
(الشرح)
قوله: (وَوُقِفَتِ الأَرْضُ كَمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) هذا هو المشهور، وقيل: يقسمها الإمام إن شاء كخيبر.
قوله: (وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إِنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ) أي: وأما غير الأرض من الكراع والقماش والمال والعبيد وغير ذلك فإنه يخمس بشرط الإيجاف عليه، أي: يكون القتال (١) سببًا في أخذه، احترازًا من الفيء، وهو ما أخذ بغير قتال.
قوله: (فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالجْزْيَةُ لآلِهِ ﵇ ثُمَّ لِلْمَصَالِحِ) أي: فخراج الأرض مع الخمس المذكور والجزية تصرف لآل النبي - ﷺ -، قال (٢) فإن لم يوجد منهم أحد دفع للمصالح (٣)، وكلامه هنا (٤) فيه نظر مع قوله في المدونة: والخمس والفيء يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام أقرباء رسول الله - ﷺ -، ثم قال: وجزية الجماجم وخراج الأرضين العَنْوة والصلح والهدنة (٥) وعُشُور أهل الذمة كذلك (٦)، فجعل ذلك (٧) موكولًا إلى اجتهاد الإمام إن شاء دفعه (٨) كله لهم أو لغيرهم أو دفع بعضه لهم وبعضه
_________________
(١) قوله: (القتال): في (ز ٢): (القتل)، في (ن ٢): (القاتل).
(٢) قوله: (قال) ساقط من (ز ٢) و(ن) و(ن ٢).
(٣) في (ز ٢): (للمصالحين).
(٤) في (س): (هذا).
(٥) في (ز): (الهدية)، وفي (ن ٢): (ولهدية)، وفي (ن): (الصدقة).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥١٤ و٥١٥.
(٧) قوله: (فجعل ذلك) ساقط من (ن ٢).
(٨) في (ز): (دفع).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
لغيرهم، وظاهر كلامه هنا أنه يدفعه أولًا لآله ﵇، فإن لم يوجد منهم أحد أو فضل عنهم أرصده للمصالح، وليس له أن يجعل ذلك للمصالح إلا بعد فقدهم، كما تقدم.
قوله: (وَبُدِئَ بِمَنْ فِيهِمُ الْمَالُ، وَنُقِلَ لِلأَحْوَجِ الأَكْثَرُ) يريد أن الإمام ينظر إلى البلدان في قسم الفيء ونحوه، فإن تساوت حاجة أهلها بدئ بمن فيهم المال وما فضل عنهم دفعه لغيرهم أو وقفه (١) لنوائب المسلمين إن رأى ذلك، ابن القاسم في المدونة: وبذلك كتب (٢) عمر ألا يخرج فيء قوم عنهم إلى غيرهم، قال: وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطوا (٣) البلد الذي فيه المال من ذلك ونقل أكثره إلى البلد المحتاج كما فعل عمر في أعوام الرمادة الستة (٤).
قوله: (وَنَفَّلَ مِنْهُ السَّلَبَ لِمَصْلَحَةٍ) أي: ونفل الإمام من الخمس لمن شاء من الجيش من السلب بما (٥) يراه من النظر كشجاعة الآخذ (٦)، ولهذا قال: (لمصلحة).
قوله: (وَلَمْ يَجُزْ إِنْ لَمْ يَنْقَضِ الْقِتَالُ: مَنْ قتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ) يريد: أن الإمام لا يجوز له أن يقول قبل أن يفرغ الققال: من قتل قتيلًا فله سلبه؛ لأن ذلك يبطل نية المجاهدين ويؤدي إلى أن بعضهم يلقي نفسه في المهالك لغرض (٧) دنيوي، وهو منهي عنه، فأما بعد فراغ القتال فذلك جائز كما مر، ومال بعض الشيوخ إلى الجواز مطلقًا.
قوله: (وَمَضَى إِنْ لَمْ يُبْطِلْهُ قَبْلَ الْمَغْنَمِ) يريد: أنا إذا فرعنا على عدم الجواز في الوجه الأول فقال ذلك الإمام فإنه يمضي؛ لأنه حكم بما اختلف فيه العلماء إلا أن ينص على إبطاله قبل المغنم فلا شيء لمن قتل بعد ذلك من سلب المقتول، وقيل: لا ينفذ بعد (٨) ذلك.
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢): (رفعه).
(٢) قوله: (كتب) ساقط من (ن).
(٣) في (ن): (أعطي).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٥١٥.
(٥) في (ن ٢): (ما).
(٦) قوله: (شجاعة الآخذ) يقابله في (ن ٢): (كالحاجة الأخر)، وفي (ن): (كالحاجة في البلد الآخر).
(٧) قوله: (المهالك لغرض) يقابله في (ن ٢): (الهلاك لعرض).
(٨) قوله: (بعد) زيادة من (ن ٢).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
قوله: (وَللْمُسْلِمِ فَقَطْ سَلَبٌ اعْتِيدَ) احترز بالمسلم من الذمي ونحوه فإنه لا سلب له، يريد: إلا أن ينفذه الإمام ولا يرده كما قال غيره، وقوله: (اعتيد) هو المشهور فيكون له الفرس (١) والسرج واللجام والدرع والسيف ونحو ذلك، ولا شيء له في الذهب والفضة ولا في السوار والطوق والتاج والصليب ونحوه (٢). سحنون: وقاله أصحابنا (٣)، وحكى الباجي عن ابن حبيب دخول السوار ونحوه في ذلك (٤)، وإلى الأول (٥) أشار بقوله: إلا سِوَارٌ، وَصَلِيبٌ، وَعَيْن، وَدَابةٌ).
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ) مراده أن الإمام إذا قار: من قتل قتيلًا فله سلبه، فسمع ذلك بعض الجيش دون بعض أن السلب يكون للقاتل، وإن لم يسمع.
قوله: (أو تَعَدَّدَ) أي: المقتول، فإن سلب الجميع للقاتل، وأشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَقُلْ قَتِيلًا) إلى أن الحكم المذكور مشروط بما إذا لم يقل الإمام لرجل: إن قتلت قتيلًا فلك سلبه، فأما إذا قال ذلك فقتل اثنين أو أكثر فإنما له سلب الأول فقط، وهو معنى قوله: (وَإِلا فَالأَوَّلُ) أي: فسلب الأول له (٦) فقط.
قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لِكَمرأَةٍ إِنْ لَمْ تُقَاتِلْ) يريد أن قول الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه لا يتناول المرأة وليس لها من السلب شيء (٧)، إلا إذا قاتلت. ابن يونس: إلا أن يحكم لها بذلك فيمضي (٨).
قوله: (كَالإِمَامِ إِنْ لَمْ يَقُلْ: مِنكمْ، أَوْ يَخُصَّ نَفْسَهُ) يحتمل أن يكون التشبيه بين هذا وبين قوله: (وللمسلم فقط السلب المعتاد (٩» أي: كالإمام إذا قتل قتيلًا، أو بينه وبين
_________________
(١) في (ن ٢): (القوس).
(٢) قوله: (ونحوه) ساقط من (ز ٢).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٢٦ و٢٢٧.
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٨٢.
(٥) قوله: (الأول) ساقط من (ن ٢).
(٦) قوله: (أي: فسلب الأول له) ساقط من (ن ٢).
(٧) قوله: (شيء) ساقط من (ن ٢).
(٨) في (ز): (فيضمن). وانظر: التوضيح: ٢/ ٤٦١.
(٩) قوله: (السلب المعتاد) يقابله في (ن) و(ن ١) و(ن ٢): (سلب اعتيد).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
المقدر في مسألة المرأة، أي: فإن قاتلت فلها السلب كالإمام، وقوله (١): (إن لم يقل منكم) أي: فإن قال: من قتل منكم (٢) قتيلًا فله سلبه فلا شيء له؛ لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم، وكذا لا شيء له (٣) إن خص نفسه فقال: إن قتلت قتيلًا فلي سلبه.
قوله: (ولَهُ الْبَغْلَةُ إِنْ قَاتلَ عَلَى بَغْلٍ) أي: فإن قال الإمام: من قتل قتيلًا على بغل فهو له فكانت بغلة فهي له (٤)، ولو شرط على بغلة لم يكن له إن كان بغلًا، وكذلك يفترق في الحمار والأتان والحمارة والبعير والناقة. (٥)
قوله: (لا إِنْ كَانَتْ بِيَدِ غُلامِهِ) أي: فإن كان مع المقتول بغلة يقاتل عليها فهي لقاتله، لا إن كانت بيد غلامه (٦) فإنها حينئذٍ تكون للجيش لا للقاتل.
(المتن)
وَقَسَمَ الأَرْبَعَةَ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ: كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ؛ إِنْ قَاتَلًا، أَوْ خَرَجَا بِنِيَّهِ غَزْوٍ، لَا ضِدِّهِمْ، إِلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إِنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ، وَلَا يُرْضَخُ لَهُمْ، كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ وبعده ولا قتال، وَأَعْمَى، وَأَعْرَجَ، وَأَشَلَّ، وَمُتَخَلِّفٍ لِحَاجَةٍ إِنْ لَمْ يتَعَلَّقْ بِالْجَيْشِ، وَضَالٍّ بِبَلَدِنَا، وَإِنْ بِرِيحٍ، بِخِلَافِ بَلَدِهِمْ، وَمَرِيضٍ شَهِدَ، كَفَرَسٍ رَهِيصٍ، أَوْ مَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ.
(الشرح)
قوله: (وَقَسْمُ الأَرْبَعَةِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ حَاضِرٍ) قد تقدم أن خمس الغنيمة كالفيء يصرفه الإمام في مصالح المسلمين (٧)، وأما الأربعة الأخماس الباقية فأشار إلى أنها تصرف للمقاتلين بشرط كون المقاتل محتويًا (٨) على الأوصاف الخمس مع الذكورية، وسواء قاتل أم لا، وإنما لم ينص على الذكورية؛ لأن قوله: (حر مسلم عاقل
_________________
(١) قوله: (وقوله) يقابله في (ن ١) و(ن ٢): (وهو معنى قوله).
(٢) قوله: (قتل منكم) ساقط من (س).
(٣) قوله: (لا شيء له) يقابله في (ن ١): (يتناوله)، وفي (ن ٢): (يناله).
(٤) قوله: (فكانت بغلة فهي له) ساقط من (ز).
(٥) قوله: (أي: فإن قال الإمام. . . والبعير والناقة) ساقط من (ن) و(ن ١).
(٦) قوله: (أي: فإن كان. . . إن كانت بيد غلامه) ساقط من (ز).
(٧) قوله: (يصرفه الإمام في مصالح المسلمين) يقابله في (س) و(ن ١): (يصرف كمصرفه)، وفي (ز ١) و(ز ٢): (يصرف مصرفه).
(٨) في (ن): (تحقق).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
بالغ (١) حاضر) يغني عن ذكرها لكون (٢) هذه الأمور بهذه الصيغة من صفات الذكور، والمشهور أن المرأة لا يُسْهَم لها وإن قاتلت، وقال ابن حبيب: يُسهَم لها إن قاتلت (٣)، ولا خلاف أن العبد والذمي لا يسهم لهما إن لم يقاتلا، والمشهور عدم الإسهام للذمي وإن قاتل، وقال ابن حبيب: إذا نفر أهل الذمة مع المسلمين فما صار لهم ترك بغير تخميس (٤)، وقال سحنون: إذا قاتلوا ولولاهم لم يقدر المسلمون على تلك (٥) الغنيمة أُسهم لهم (٦). والمنصوص أن العبد لا يسهم له إن قاتل، وخرج بعض الأشياخ فيه قولي (٧) سحنون وابن حبيب المتقدمين في الذمي، ذكره المازري وغيره، ونص الباجي والمازري وغيرهما أن المجنون المطبق لا يُسهم له (٨). ابن بشير: وإن كان معه من العقل ما يمكنه به القتال أُسهم له (٩)، واتفق (١٠) على أن الصبي الذي لا يطيق القتال لا يُسهم له، واختلف إذا كان يطيقه على ما سيذكره (١١). قوله: (حَاضِرٍ) يريد: أو من هو (١٢) في حكمه، كمن ضل في بلد العدو أو تخلف لمصلحة الجيش ونحوه (١٣).
قوله: (كَتَاجِرٍ وَأَجِيرٍ إِنْ قَاتَلا (١٤) أَوْ خَرَجَا بِنيَّةِ غَزْوٍ) أي: وكذلك يدخل في قسم المستحقين التاجر والأجير بشرط أن يقاتلا أو يكونا قد خرجا بنية الغزو وأتبعاه بنية
_________________
(١) قوله: (بالغ) ساقط من (ن).
(٢) في (ن ١): (لأن).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٨٨.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٠٠.
(٥) في (ن ٢): (ملك).
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٦٤.
(٧) في (ن ٢): (قول).
(٨) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٥٨، والتوضيح: ٣/ ٤٦٤.
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٦٤.
(١٠) في (س) و(ن ١) و(ن ٢): (واتفقوا).
(١١) في (ن ١) و(ن ٢): (نذكره).
(١٢) قوله: (هو) ساقط من (س).
(١٣) قوله: (ونحوه) ساقط من (ن).
(١٤) زاد هنا في (ن): (أو حرسا).
[ ٢ / ٤٨٦ ]
التجارة والإجارة (١) أو قصدا الأمرين معًا على حد سواء. ابن القصار (٢): وإن لم يقاتل (٣)، قال: وأما إن نوى الإجارة فقط فلا يُسهم له إلا إذا قاتل (٤).
قوله: (لا ضِدِّهِمْ) أي: ضد من تقدم فلا يسهم لكافر ولا لعبد ولا لمن فيه بقية رق (٥) ولا لمجنون ولا لتاجر وأجير (٦) لم يقاتلا أو لم يخرجا بنية غزو كما تقدم، ثم استثنى من ذلك الصبي بقوله: (إِلَّا الصَّبِيَّ فَفِيهِ إِنْ أُجِيزَ وَقَاتَلَ خِلَافٌ)، والمشهور أنه لا يسهم له قاتل أو لم يقاتل، وعلى ذلك حمل المدونة اللخمي وغيره (٧)، وقال الباجي: لم يعتبر مالك البلوغ في الإسهام (٨)، وفي الرسالة: إلا أن يطيق الصبي الذي لم يحتلم (٩) القتال، ويجيزه الإمام ويقاتل (١٠) فيسهم له (١١)، ونحوه لمالك في الموازية (١٢) وكتاب ابن سحنون (١٣).
قوله: (وَلا يُرْضَخُ لَهُمْ) هكذا قال في المدونة (١٤)، وقال ابن حبيب: يرضخ لهم (١٥).
ابن شاس: والرضخ: مال تقديره إلى رأي الإمام، محله الخمس كالنفل (١٦).
قوله: (كَمَيِّتٍ قَبْلَ اللِّقَاءِ وبعده ولا قتال) لا إشكال في عدم الإسهام له إن مات
_________________
(١) قوله: (والإجارة) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٢) في (ن): (ابن العطار).
(٣) في (ن): (يقاتلا).
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٧٠.
(٥) قوله: (رق) ساقط من (ن).
(٦) زاد هنا في (ن): (إن).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٢٢.
(٨) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٥٨.
(٩) في (ن ٢): (يحتمل).
(١٠) قوله: (ويقاتل) ساقط من (س).
(١١) انظر: الرسالة، ص: ٨٥.
(١٢) في (س): (المدونة). والمثبت موافق لما في النوادر والزيادات.
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٨٧.
(١٤) انظر: المدونة: ١/ ٥١٩.
(١٥) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٨٨، والبيان والتحصيل: ٢/ ٥٥٥.
(١٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
قبل الدخول لبلد الحرب، وكذا إن دخلها على المشهور، وقال عبد الملك: بالإدراب (١) في بلادهم يستحق الإسهام (٢)، فلو مات بعد الفتح وقبل قسم الغنيمة أخذ ورثته سهمه، ولو مات بعد اللقاء وقبل القتال فقال مالك في كتاب محمد: لا يسهم له. وبه قال سحنون (٣) خلافًا لابن حبيب (٤).
قوله: (وَأَعْمَى وَأَعْرَجَ وَأَشَلَّ) نص ابن بزيزة على أن المشهور عدم الإسهام لهم (٥)، ونص ابن الحاجب على أنهم إن كانت جهم منفعة (٦) تعود على الجيش أُسهم لهم، وإلا جرى فيهم الخلاف الذي في الإسهام للمريض (٧)، وقال سحنون: يسهم للأعمى والمقعد والمقطوع والمجذوم (٨)؛ لأن الأعمى يبري النبل ويكثر الجيش ويدبر (٩)، وقد يقاتل (١٠) المقعد والمجذوم فارسًا (١١).
قوله: (ومُتَخَلِّفٍ لِحاجَةٍ إِنْ لَمْ يتَعَلَّقْ بِالجْيْشِ) أي: ولا يسهم لمن تخلف لحاجة (١٢) غير متعلقة بالجيش، أما لو تخلف لمصلحة للجيش أُسهم له، وقاله محمد محتجًّا بقسمه ﵇ لعثمان (١٣)، وروى ذلك ابن وهب وابن نافع عن مالك، وروي
_________________
(١) في (ن ٢): (الإدبار).
(٢) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ١٩٣.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ١/ ٣/ ١٦٧ و١٧٠.
(٤) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ١٩٣.
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٦٧.
(٦) زاد في (ن): (الحرب).
(٧) قوله: (الإسهام للمريض) يقابله في (ن): (المريض). وانظر: الجامع بين الأمهات، ص: ٣٦٥.
(٨) في (س): (والمجذم).
(٩) في (ن ٢): (ويزيد).
(١٠) قوله: (وقد يقاتل) يقابله في (ز): (ويقابل).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٩٠.
(١٢) قوله: (ولا يسهم لمن تخلف لحاجة) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٣) أورده البخاري معلقًا: ١٢/ ٤١٩، في باب تسمية من سمي من أهل بدر، من كتاب المغازي، وأخرجه أبو داود: ٢/ ٨١، في باب فيمن جاء بعد الغنيمة لا سهم له، من كتاب الجهاد، برقم: ٢٧٢٦، والطبراني في الكبير: ١/ ٨٥، برقم: ١٢٥، والحاكم: ٣/ ١٠٤، برقم: ٤٥٣٨، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ولفظ الحديث: إن رسول الله - ﷺ - قام- يعني يوم بدر =
[ ٢ / ٤٨٨ ]
أيضًا عن مالك ألا شيء له (١).
قوله: (وَضَالٍّ بِبَلَدِنَا وَإِنْ بِرِيحٍ) أي: ولا يسهم لمن ضل عن الجيش في بلاد المسلمين (٢) وإن بريح؛ إذ لم يحصل بسببه للجيش منفعة (٣) من تكثير سواد المسلمين في بلاد العدو، بخلاف من ضل عن الجيش في بلد العدو، ولهذا قال: (بِخِلافِ بَلَدِهِمْ)، والمشهور في المسألتين (٤) ما ذكر، وروى أصبغ عن ابن القاسم أنه يسهم له وإن ضل في بلاد المسلمين (٥)، وروى ابن نافع (٦) عن مالك: لا يسهم له مطلقًا (٧).
قوله: (وَمَرِيضٍ شَهِدَ كَفَرَسٍ رَهِيصٍ) هو معطوف على المقدر في قوله: (بخلاف بلدهم)، والمعنى: بخلاف الضال ببلد العدو فإنه يسهم له، وكذلك المريض إذا شهد القتال، وكذلك الفرس الرهيص وهو الذي حصل له مرض في باطن حافره من وطئه على حجر أو شبهه كالوقرة (٨)، وروى ابن نافع (٩) عن مالك: لا يسهم للمريض (١٠).
اللخمي: وعلى هذا لا يسهم للرهيص، وهو أحسن (١١).
قوله: (ومَرِضَ بَعْدَ أَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْغَنِيمَةِ) يريد: بلا خلاف، وقاله ابن بشير، ولهذا
_________________
(١) = فقال: "إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسول الله، وإني أبايع له" فضرب له رسول الله - ﷺ - بسهم، ولم يضرب لأحد غاب غيره. قلت: وهذه الحاجة كانت متعلقة بأمير الجيش، فهي كقضاء حاجة الجيش؛ وكانت هذه الحاجة هي تمريض عثمان - ﵁ - لزوجه رقية بنت رسول الله - ﷺ -. انظر ذلك في. بلغة السالك: ٢/ ١٩٢.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٧١.
(٣) في (ن): (الإسلام).
(٤) قوله: (إذ لم يحصل بسببه للجيش منفعة) ساقط من (ن)، وقوله: (أي: ولا يسهم. . . بسببه للجيش منفعة) يقابله في (ن ٢): (وإنما لم يسهم له لأنه ليس للجيش فيه منفعة).
(٥) في (ن ٢): (بلاد المسلمين).
(٦) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ١٧٠.
(٧) في (ز): (وروى نافع)، وفي (ن): (وروى ابن وهب).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٠.
(٩) في (ن ٢): (كالوفرة).
(١٠) في (ن) و(ن ٢): (ابن وهب).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٥٨.
(١٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤١٨.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
قال: (وَإلا فَقَوْلانِ) أي: فإن كان مرضه قبل ذلك فقيل: يسهم له، وقيل: لا. ابن بشير: وقيل: يسهم له ولو خرج من بلده مريضًا، وقيل: لا يسهم له (١) إلا بعد شهود القتال والإشراف على الغنيمة (٢)، وقيل: إن مرض وقد ابتدأ القتال وإن لم يشرفوا على الغنيمة أسهم له، وإلا فلا، وقيل: إن كان المرض بعد الحصول في حد أهل الحرب أسهم له وإلا فلا (٣).
(المتن)
وَلِلْفَرَسِ مِثْلَا فَارِسِهِ، وَإِنْ بِسَفِينَةٍ، أَوْ بِرْذَوْنًا، وَهَجِينًا وَصَغِيرًا يُقْدَرُ بِه عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ، وَمَرِيضٍ رُجِيَ، وَمُحَبَّسٍ وَمَغْصُوبٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الْجَيْشِ، وَمِنْهُ لِرَبِّهِ لَا أَعْجَفَ أَوْ كَبِيرٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَبَغْلٍ، وَبَعِيرٍ، وثان. وَالْمُشْتَرَكُ لِلْمُقَاتِلِ، وَدَفَعَ أَجْرَ شَرِيكِهِ، وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ، وَإِلَّا فَلَهُ، كَمُتَلَصِّصٍ، وَخَمَّسَ مُسْلمٌ وَلَوْ عَبْدًا -لَا ذِمِّيٌّ - وَمَنْ عَمِلَ سَرْجًا، أَوْ سَهْمًا.
(الشرح)
قوله: (وَللْفَرَسِ مِثْلا فَارِسِهِ) يشير إلى قوله في المدونة: وللفرس سهمان وسهم لراكبه (٤)، وروي ذلك عنه ﵇ (٥)، وفعله عمر - ﵁ - ومضت به السنة، وحكى الشيخ عن ابن وهب أن للفرس سهمًا كفارسه (٦)، وهو قول أبي (٧) حنيفة، ومن لا فرس معه يسهم له سهم واحد كالفارس، وإنما كان للفرس سهمان دون الفارس والراجل؛ لعظم مؤنته ولقوة المنفعة به.
_________________
(١) قوله: (له) ساقط من (ن ٢).
(٢) قوله: (على الغنيمة) زيادة من (ن ٢).
(٣) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٦٦.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٥١٨.
(٥) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٣/ ١٠٥١، في باب سهام الفرس، من كتاب الجهاد والسير، برقم: ٢٧٠٨، ومسلم: ٣/ ١٣٨٣، في باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين، من كتأب الجهاد والسير، برقم: ١٧٦٢، ومالك بلاغًا من قول عمر بن عبد العزيز: ٢/ ٤٥٦، في باب القسم للخيل في الغزو، من كتاب الجهاد، برقم: ٩٧٦، ولفظ الحديث: "أن رسول الله - ﷺ - جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا".
(٦) في (ن ٢): (كراكبه). وانظر: التوضيح: ٣/ ٤٧٣.
(٧) في (ز): (ابن).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
قوله: (وَإِنْ بِسَفِينَةٍ) أي: ولا فرق في الإسهام للخيل بين كونها في البر أو في السفن؛ لأن المقصود بحملها معهم (١) القتال عليها عند الحاجة، وقاله ابن القاسم (٢) وغيره.
قوله: (أَوْ بِرْذَوْنًا وَهَجِينًا وَصَغِيرًا يُقْدَرُ به عَلَى الْكَرِّ وَالْفَرِّ) هكذا قال ابن حبيب أنها إن أشبهت الخيل في القتال عليها والطلب بها أسهم لها (٣)، وحمل الباجي (٤) والمازري (٥) قوله على الخلاف لقوله في المدونة: إن البراذين إن أجازها الوالي كانت كالخيل (٦)، فشرط في الإسهام لها إجازة الوالي، وفي قول ابن حبيب شرط القوة بها على القتال، وجعل في الرسالة (٧) الأمرين شرطًا في الإسهام لها (٨).
قوله: (وَمَرِيضٍ رُجِيَ) يريد أن الفرس المريض إذا كان مرجو البرء فهو كالصحيح يسهم له، وحكاه في النوادر عن سحنون (٩)، وكذا نص عليه ابن شاس (١٠)، وقال أشهب وابن نافع: لا يسهم له (١١).
قوله: (وَمُحَبَّسٍ) أي: وكذلك يسهم للفرس المحبس. سحنون: وسهمه (١٢) للغازي عليه (١٣).
قوله: (وَمَغْصُوبٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَمِنْ (١٤) غَيْرِ الجْيْشِ) يريد: وسهماهما (١٥) لمن قاتل
_________________
(١) في (ز): (مع).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٥١٨ و٥١٩، والنوادر والزيادات: ٣/ ١٥٩.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٥٨.
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٩٢ - ٣٩٤.
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٧٤.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥١٨.
(٧) في (ن) و(ن ٢): (الجلاب).
(٨) لم أقف على هذا القول في الرسالة، وأشار في التوضيح إلى هذا القول ونسبه للجلاب. وانظر: التفريع، ص: ٢١٢، والتوضيح: ٣/ ٤٧٤.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٥٨.
(١٠) في (ن): (ابن شبلون). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٤.
(١١) قوله: (له) ساقط من (ن ٢). وانظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٥٨.
(١٢) في (ن): (ويسهم).
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٦٢.
(١٤) في (ز) و(ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (أو من).
(١٥) في (ن ٢): (وسهمهما)، وفي (ن): (ويسهم).
[ ٢ / ٤٩١ ]
عليهما، وأما المغصوب من أحد الغزاة فسهمه للمغصوب منه، وهو قول ابن القاسم، وبه أخذ (١) محمد (٢)، ولهذا قال: (وَمِنْهُ لِرَبِّهِ) أي: ومن الجيش فسهماه لربه، وقال أشهب وسحنون: سهماه للغاصب (٣)، وعليه أجرة مثله (٤).
قوله: (لا أَعْجَفَ) أي: فلا يسهم للفرس الأعجف، يريد: الهزيل. ابن شاس: إذا كان لا ينتفع به، كما لا يسهم للكسير (٥).
قوله: (أوْ كَبِيرٍ لا يُنتفَعُ بهِ) هكذا قال سحنون في النوادر (٦).
قوله: (وبَغْلٍ، وَبَعِيرٍ، وَثان (٧» أما عدم الإسهام للبغل والبعير فلا خلاف فيه، وكذلك الحمار، واختلف في الإسهام للفرس الثاني، والمشهور كما قال خلافًا لابن الجهم في الإسهام له، ورواه سحنون عن ابن وهب، وقال به ابن حبيب (٨)، ولا خلاف في عدم الإسهام فيما (٩) زاد على اثنين.
قوله: (وَالْمُشْتَرَكُ لِلْمُقَاتِلِ وَدَفَعَ أَجْرَ شَرِيكِهِ) يريد أن الفرس المشترك بين اثنين فأكثر إذا قاتل عليه أحدهما فإن المقاتل يستحق سهميه (١٠) ويكون عليه لشريكه أجر نصيبه، أي وإن كان شريكه قد ركبه جل الطريق فإن قاتلا عليه متناوبين (١١) فلكل واحد مقدار ما حضر من ذلك، وعليه نصف الإجارة (١٢)، حكاه ابن سحنون عن مالك (١٣).
_________________
(١) في (ز): (قال).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٦٣.
(٣) في (ن): (الغازي).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٦٣ و١٦٤.
(٥) في (ز) و(ن) و(ن ٢): (للكبير). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٣٨.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٥٨.
(٧) في (ن): (وحمار)، وفي المطبوع من مختصر خليل: (وأتان).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٥٧ و١٥٨، والمعونة: ١/ ٤٠٢.
(٩) في (ز) و(ن) و(ن ٢): (لما).
(١٠) في (ن ٢): (سهمه).
(١١) في (ز) و(ن ٢): (متساويين).
(١٢) في (س) و(ن ٢): (الأجرة).
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٦٠.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
قوله: (وَالْمُسْتَنِدُ لِلْجَيْشِ كَهُوَ) يريد أن الجيش إذا خرج منه واحد أو جماعة فقاتلوا حتى غنموا فكل ما غنموه يقسم على جميع الجيش، ولا يختص به الغانمون؛ لأنهم إنما توصلوا إلى ما غنموه بسبب الجيش، ولا فرق بين أن يكون (١) الإمام قد أذن لمن خرج أم لا.
قوله: (وَإِلا فَلَهُ كَمُتَلَصِّصٍ) أي: وإن لم يكن ثَم جيش يستند إليه من خرج بل خرج من بلد الإسلام متلصصًا حتى غنم فإنه يختص بالغنيمة وحده، ثم إن هذا الخارج إن كان مسلمًا خمس ما غنم وقسم عليهم ما بقي على سنة الغنائم إن كانوا جماعة، ولا فرق عند ابن القاسم بين الحر والعبد، ولهذا قال: (وَخمسَ مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا) وقال سحنون: لا يخمس العبد وأما الذمي فيترك له ما غنم من غير تخميس (٢)، وإليه أشار بقوله: إلا ذمِّيٌّ) ثم عطف عليه.
قوله: (وَمَنْ عَمِلَ سَرْجًا أَوْ سَهْمًا) أي: وكذلك لا تخميس (٣) على من عمل ببلد الحرب سرجًا أو برى (٤) سهمًا، معناه: ويكون له، وقاله في المدونة، وقيد سحنون ذلك بما إذا كان يسيرًا (٥)، ولعبد الملك وابن المواز إن كان له قدر أخذ أجرة عمله ويصير الباقي فيئًا، ولابن القاسم أن جميع ذلك فيء (٦). ابن رشد: وهذا في الكثير وأما اليسير فلا خلاف أنه له، ولا شيء عليه فيه (٧).
(المتن)
وَالشَّأنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ. وَهَلْ يَبِيعُ لِيَقْسِمَ؟ قَوْلَانِ. وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إِنْ أَمْكَنَ عَلَى الأَرْجَحِ، وَأَخَذَ مُعَيَّنٌ -وَإِنْ ذِمِّيًّا- مَا عُرِفَ لَهُ قَبْلُ مَجَّانًا، وَحَلَفَ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَحُمِلَ لَهُ إِنْ كَانَ خَيْرًا، وَإِلَّا بِيعَ لَهُ، وَلَمْ يُمْضَ قَسْمُهُ إِلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الأَحْسَنِ، لَا إِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، بِخِلَافِ اللُّقْطَةِ. وَبِيعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقٍ لِأَجَلٍ وَمُدَبَّرٍ.
_________________
(١) قوله: (أن يكون) ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٩٩، والتوضيح: ٣/ ٤٨١.
(٣) في (ز ٢): (خمس).
(٤) قوله: (برى) ساقط من (ن ٢).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٥٢٤.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢١١.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٥٤٤.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وَكِتَابَةٌ لَا أُمِّ وَلَدٍ، وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ وَبِالأَوَّلِ إِنْ تَعَدَّدَ، وَأُجْبِرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ،
(الشرح)
قوله: (وَالشَّأْنُ الْقَسْمُ بِبَلَدِهِمْ) أي: والسنة التي مضى عليها السلف أن تقسم الغنائم ببلد العدو؛ لأن ذلك أحفظ للغنيمة إذ يبالغ كل شخص في حفظ نصيبه أكثر مما لو كان مشتركًا، وفيه تطييب نفوس أهل الجيش وتعجيل السرور لهم وتغييظ الكفار وإدخال النكاية عليهم، وغير ذلك من الفوائد في تعجيل القسم.
قوله: (وَهَلْ يَبيعُ لِيَقْسِمَ؟ قَوْلانِ) يريد أنه اختلف في بيع (١) الغنيمة هل تباع ليقسم الإمام أو أمير الجيَش أثمانها؛ لأن ذلك أقرب إلى المساواة من قسمها نفسها لما يدخل في التقويم من الخطأ، ابن عبد السلام: وهو ظاهر قوله: (وَهُمْ أَحَقُّ بِرُخْصِهَا) (٢). أو تقسم السلع نفسها (٣) فيعطى للفيء الخمس والباقي للغانمين، ونحوه لابن المواز، وقال سحنون: تقسم الأثمان إن وجد من يشتري وإلا قسمت هي (٤).
قوله: (وَأُفْرِدَ كُلُّ صِنْفٍ إِنْ أَمْكَنَ عَلَى الأَرْجَحِ) هو تفريع على القول بقسم السلع. ابن المواز: يقسم كل صنف خمسة (٥) أسهم، ويقسم الرقيق كذلك وصيف وصيف (٦) يعدون خمسة، فإذا فرغ الوصفاء (٧) فعلوا بالنساء المسبيات (٨) بعضها ببعض كذلك، ثم الرجال كذلك ثم يكتب على أحدها (٩): لله ولرسوله أو للخمس (١٠)، فحيث ما وقع سهم (١١) الخمس كان له.
_________________
(١) في (س) و(ن ١) و(ن ٢): (سلع).
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٨٢.
(٣) في (ن ٢): (بعينها).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٩٤ و١٩٥.
(٥) قوله: (خمسة) ساقط من (ز).
(٦) قوله: (وصيف) ساقط من (ن) و(ن ١).
(٧) قوله: (فرغ الوصفاء) يقابله في (ن) و(ن ٢): (فرغوا الوصفان).
(٨) قوله: (بالنساء المسبيات) يقابله في (ن ١): (بالمسبيات).
(٩) في (ن ٢): (أحدهما).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ١٩٤.
(١١) في (ز): (بهم).
[ ٢ / ٤٩٤ ]
اللخمي: وهو أحسن (١) مع كثرة الغنيمة واتساعها، فإن ضاق الأمر (٢) جمع العبيد الذكران والإناث والصغار والكبار وقسموا قسمًا واحدًا، واختلف في المتاع فقيل: يجمع في (٣) القسم ابتداء، وقيل: إن حمل كلُّ صنف القسمَ بانفراده لم يُجمع وإلا جُمع، وهو أحسن وأقل غررًا (٤) إن كان متسعًا وقدر على أن يجمع كل صنف بانفراده (٥)، واستحسنه ابن يونس أيضًا (٦)، ولهذا قال على الأرجح.
قوله: (وَأَخَذَ مُعَيَّنٌ وَإِنْ ذِمِّيًّا مَا عُرِفَ لَهُ قبلُ (٧) مَجَّانًا، وَحَلَفَ أَنَّهُ على مِلْكِهُ (٨» أي: إذا وجد في الغنيمة مال لمسلم أو ذمي بعينه وعرف بطريقه الشرعي (٩) أنه له وكان ذلك قبل القسم أخذ بغير عوض (١٠)، وهو معنى قوله: (مجانًا). المازري: ويحلف أنه ما باع ولا وهب (١١)، كما قال هنا، وهذا إذا كان ربه حاضرًا فإن كان غائبًا فقال محمد: إن كان حمله إلى ربه خيرًا له فعل ذلك وأخذ منه الكراء، وإن لم يكن حمله أرفق لربه بيع (١٢) ونفذ فيه الإمام البيع، وليس لربه حينئذٍ غير الثمن (١٣)، وإك ذلك أشار بقوله: (وَحُمِلَ لَهُ إِنْ كَانَ خَيْرًا وإِلا بِيعَ لَهُ) فالضمير المجرور باللام في الموضعين راجع إلى رب المتاع.
قوله: (وَلَمْ يُمْضَ قَسْمُهُ إِلا لِتَأَوَّلٍ عَلَى الأَحْسَنِ) يريد: أنا إذا فرعنا على المشهور أنه
_________________
(١) في (س) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (حسن).
(٢) قوله: (فإن ضاق الأمر) ساقط من (ن ٢).
(٣) في (ن ١): (مع).
(٤) في (ز): (عذرًا).
(٥) قوله: (على أن يجمع كل صنف بانفراده) يقابله في (ن ٢): (عليه)، انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٦٧.
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٨٢.
(٧) في (ز) و(ن ١) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (قبله).
(٨) قوله: (على) زيادة من (ن ٢).
(٩) قوله: (بطريقه الشرعي) يقابله في (ن): (بطريقة الشرع).
(١٠) في (ز): (شيء).
(١١) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٨٣.
(١٢) قوله: (بيع) ساقط من (ز) و(ن ٢).
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٥٦.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
لا يقسم مال المعين من مسلم أو ذمي فقسمه الإمام، فإن قسمه لا يمضي إلا إذا كان متأولًا في الأخذ بقول بعض (١) أهل العلم، فإن كان جاهلًا لم يمضَ. ابن عبد السلام: وهذا هو اختيار الأشياخ (٢)، وهو الأصل، ولهذا قال: (على الأحسن)، وقيل: يمضي قسمه مطلقًا ولا يأخذه ربه إلا بالثمن، وهو قول سحنون، وقيل: لا يمضي مطلقًا، وهو قول ابن القاسم وابن حبيب، ويأخذه ربه بلا ثمن (٣).
قوله: (لا إِنْ لَمْ يَتَعَيَّن) أي: فإن عرف أن المتاع لمسلم أو ذمي، لكن لم يعرف عينه فإنه يقسم وهو المشهور، وقال محمد وعبد الوهاب: يوقف (٤). (بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ)؛ أي: فإنها توقف. ابن رشد (٥): بلا خلاف (٦).
قوله: (وَبِيعَتْ خِدْمَةُ مُعْتَقِ لأَجَلِ وَمُدَبَّرِ وَكِتَابَةٌ) أي: فلو وجد في المغانم معتق لأجل أو مدبر أو مكاتب لمسلم غير معين فإن الإمام أو غيره ممن يتولى قسم المغانم يبيع خدمة المعتق إلى أجل (٧)، وكذلك خدمة المدبر؛ لأن خدمتهما مال من الأموال، وفي كلامه إشارة إلى أن (٨) المكاتب لا تباع خدمته وإنما يباع منه ما بقي فيه (٩) لسيده، وهو الكتابة، أو ما بقي منها؛ لأنه أحرز نفسه وماله، ثم إن (١٠) أدى ما عليه من الكتابة (١١) للمشتري عتق وولاؤه للمسلمين، وإن عجز رَقَّ لمشتريه.
قوله: (لا أُمِّ وَلَدِ) أي: فلا تباع خدمتها؛ إذ ليس فيها لسيدها إلا الاستمتاع.
قوله: (وَلَهُ بَعْدَهُ أَخْذُهُ بِثمَنِهِ) أي: وللمعين أخذ متاعه بثمنه؛ يريد: وإن شاء أخذه
_________________
(١) قوله: (بعض) ساقط من (ن).
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٨٦.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٥٦ و٢٥٧.
(٤) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٢٥٦، والتلقين: ١/ ٩٢.
(٥) في (س) و(ز ٢) و(ن ٢): (راشد).
(٦) انظر: البيان والتحصيل ١٨/ ٦٠٦.
(٧) في (س): (أجله).
(٨) قوله: (أن) ساقط من (س).
(٩) قوله: (فيه) زيادة من (ن).
(١٠) قوله: (إن) ساقط من (س).
(١١) قوله: (من الكتابة) زيادة من (ن).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
بالقدر الذي قُوِّم به في الغنيمة إذا وجده بعد القسم، قال في المدونة: وليس لمن هو في يده (١) أن يأبى ذلك (٢)، والقيمة في ذلك يوم القسم، واختلف (٣) إن بيع مرارًا وتفاوت الثمن فقال سحنون مرة: يأخذه ربه بأي ثمن شاء، ثم رجع فقال: يأخذه بما وقع في المقاسم (٤). ابن عبد السلام: والمشهور إنما يأخذه بالثمن الأول (٥)، ولهذا قال هنا: (وَبِالأَوَّلِ إِنْ تَعَدَّدَ) أي: ولربه أخذه بالثمن الأول إن تعدد البيع.
قوله: (وَأُجْبِرَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى الثَّمَنِ) يريد أن أم الولد إذا وقعت في المغانم وقسمت جهلًا فإن ربها يجبر على أن يفديها بالثمن؛ أي: الذي وقعت به في المقاسم وإن كان أضعاف قيمتها، وقال أشهب و(٦) المغيرة: يفديها (٧) بالأقل من القيمة والثمن (٨).
(المتن)
وَاتُّبعَ بِهِ إِنْ أَعْدَمَ، إلَّا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا، وَلَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ لأِجَلٍ، وَمُدَبَّرٍ لِحَالِهِمَا، وَتَرْكُهُمَا مُسَلِّمًا لِخِدْمَتِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ سَيدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الاسْتِيفَاءِ، فَحُرٌّ إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَاتُّبعَ بِمَا بَقِيَ، كَمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّي قُسِمَا وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِمَا بِأمْرٍ، وَإنْ حَمَلَ بَعْضَهُ رُقَّ بَاقِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْوَارِثِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ، وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى حَالِهِ، وَإِلَّا فَقِنٌّ أُسْلِمَ أَوْ فُدِيَ، وَعَلَى الآخِذِ إِنْ عَلِمَ بِمِلْكِ مُعَيَّنٍ، تَرْكُ تَصَرُّفٍ لِيُخَيّرَهُ، وَإنْ تَصَرَّفَ مَضَى كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِق بِاسْتِيلَادٍ، إِنْ لَمْ يَأخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ، وَإلَّا فَقَوْلَانِ. وَفِي الْمُؤَجَّلِ تَرَدُّدٌ.
(الشرح)
قوله: (وَأُتْبعَ بِهِ إِنْ أَعْدَمَ) يريد أن ربها إذا خوطب بفدائها فإن كان موسرًا أُخذ منه الثمن كما سبق، وإن كان معدمًا أتبع به دينًا في ذمته.
قوله: (إِلا أَنْ تَمُوتَ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا) أي: فإن ماتت أم الولد قبل العلم بها فلا شيء
_________________
(١) في (ز): (بلده).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٩.
(٣) قوله: (واختلف) ساقط من (ن ٢)،
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٥٥.
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٨٦.
(٦) قوله: (أشهب و) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (بالثمن؛ أي: الذي. . . أشهب والغيرة: يفديها) ساقط من (ز).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٦٥.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
على سيدها، وكذا لو مات سيدها لا شيء على ورثته من تركته.
قوله: (وَلَهُ فِدَاءُ مُعْتَقٍ لأَجَلٍ وَمُدَبَّرٍ لِحَالِهِمَا وَتَرْكُهُمَا مُسَلِّمًا لِخِدْمَتِهِمَا) يريد: أن المعتق لأجل والمدبر إذا وقعا في المغانم ولم يعلم سيدهما بعينه حتى قسمهما الإمام فإن له أن يفديهما بما وقعا به في القاسم (١)، ويصيرا (٢) على حالهما من العتق والتدبير، وهو معنى قوله: (لحالهما)، وله أن يتركهما مسلمًا لخدمتهما، واختلف هل يسلمهما تمليكًا، وهو قول ابن القاسم، أو على التقاضي، وهو قول سحنون (٣).
قوله: (وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الاسْتِيفَاءِ فَحُرٌّ إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَأُتْبعَ بِمَا بَقِيَ) يريد: أن سيد المدبر إذا مات قبل استيفاء ما وقع به في المقاسم فإنه يخرج حرًّا إن حمله ثلث سيده (٤)، ويتبع بما بقي عليه، وقاله في النوادر (٥)، وقال عبد الملك: لا يتبع بشيء (٦)، وعنه: إن كان مشترى من بلد الحرب أتبع بما بقي بعد أن يحاسبه مشتريه بما استخدمه وبما استغل منه.
قوله: (كَمُسْلِمٍ أو ذِمِّيٌّ قُسِمَا وَلَمْ يُعْذَرَا فِي سُكُوتِهِما بِأَمْرٍ) أي: إنما يشارك هذا ما قبله في الإتباع وعدمه، وإلا فلا خلاف أنهما حران، والمعنى: أن المسلم أو الذمي إذا وقعا في المقاسم ولم يخبرا بحالهما بل سكتا حتى قسما جهلًا فإنهما يتبعان ولا يعذران لسكوتهما بوجه، وهو قول أشهب، وقال عبد الملك: لا يتبع (٧).
وفرق ابن القاسم وسحنون فقالا: إن كان صغيرًا أو كبيرًا قليل الفطنة أو كثير الغفلة أو أعجميًا يظن أن ذلك إرقاق لم يتبع، وإن نودي عليه وهو ساكت بلا عذر أتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع (٨)،
_________________
(١) في (س): (المغانم).
(٢) في (ن ٢): (ويصيران).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٦٨ و٢٦٩.
(٤) قوله: (فإنه يخرج حرًّا إن حمله ثلث سيده) يقابله في (ن ٢): (فإنه يخرج من ثلثه إن حمله الثلث أي ثلث مال سيده).
(٥) في (س) و(ن ٢): (المدونة).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٦٨.
(٧) قوله: (لا يتبع) يقابله في (ن ٢): (لا يتبعان بشيء).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٧٩، والبيان والتحصيل: ٢/ ٦١٢ و٦١٣.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وهذه طريق (١) ابن بشير وغيره، وقال اللخمي: لا خلاف أن الصغير لا يتبع (٢)، وقال ابن رشد: إنه لا خلاف أنه إذا عذر بجهل لا يتبع (٣).
قوله: (وَإِنْ حَمَلَ بَعْضَهُ رَقَّ بَاقِيهِ، وَلا خِيَارَ لِلْوَارِثِ) أي: فإن لم يسع ثلثُ السيِّدِ المدبرَ وإنما وسع بعضَهُ فإنه يعتق منه مقدار ما وسع منه ويرق ما بقي، ولا قول للورثة في ذلك، وقاله في المدونة (٤).
قوله: (بِخِلافِ الْجنَايَةِ) أي: فإن سيده إذا أسلمه في الجناية ثم مات والثلث يحمل بعضه فإن ورثته يخيرون فيما رق منه بين أن يفدوه بما وقع (٥) عليه من بقية الجناية أو يسلموه رقًّا للمجني عليه.
قوله: (وَإِنْ أَدَّى المُكَاتَبُ ثَمَنَهُ فَعَلَى حَالِهِ، وَإِلا فَقِنٌّ أُسْلِمَ أَوْ فُدِيَ) يريد: أن المكاتب إذا بيع في المقاسم جهلًا بأنه مكاتب ثم قام سيده فإن أدى ما اشتري به عاد مكاتبًا لسيده على حاله، وإلا فقد عجز وخير حينئذٍ سيده بين أن يسلمه رقًّا أو يفديه بما اشتري به ويصير له قِنًّا، وهذا معنى قوله: (وإلا فقن أسلم أو فدي)، وهو قول ابن القاسم، وإليه رجع سحنون، وكان يقول (٦): يبدأ سيده فإن فداه بقي له مكاتبًا، وإن أسلمه قيل للمكاتب: إما وَديتَ ما صرت به هذا أو تمضي على كتابتك، فإن لم يقدر فهو مكاتب عليه دين فأفلس به فإنه يعجز، وعنه أيضًا: أن سيده يخير بين فدائه بالثمن ويبقى له مكاتبًا أو إسلامه ويصير عند مبتاعه مكاتبًا إن عجز رق له، وإن أدى (٧) عتق (٨).
قوله: (وَعَلَى الآخِذِ إِنْ عَلِمَ بِمِلْكِ مُعَيَّنٍ تَرْكُ تَصَرُّفِ ليُخَيِّرَهُ) يريد إن من صار له
_________________
(١) في (ن): (طريقة).
(٢) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٧٣.
(٣) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٦١٢.
(٤) انظر: المدونة: ٢/ ٥٢٥.
(٥) في (ن): (بقي).
(٦) في (ن): (وقيل يكون).
(٧) في (ز): (ودى).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٧٥.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
شيء من سلع الغنيمة أو رقيقها وعلم أنه لمالك معين مسلم أو ذمي فإنه يجب عليه ترك التصرف فيه حتى يخير ربه (١) فيه، ونحوه في المدونة (٢).
قوله: (وإِنْ تَصَرَّفَ مَضَى) أي: فإن تصرف فيه مضى ذلك وليس لسيده أخذه، وقاله في المدونة (٣) وهو المشهور، وعن أشهب: أن لسيده (٤) نقض عتق العبد وأخذه بالثمن، وله في الاستيلاد أخذ الأمة وقيمة الولد، وقاله ابن القاسم (٥).
قوله: (كَالْمُشْتَرِي مِنْ حَرْبِيٌّ باسْتِيلادٍ) أي أنه لا فرق في الإمضاء المذكور بين أن يكون ذلك وقع في سهمه من الغنيمة أو اشتراه من حربي أغار عليه (٦) أو أبق (٧) إليه العبد أو الأمة، فإن أعتق العبد عتقًا ناجزًا أو استولد الأمة فإن ذلك فوت، كما تقدم.
قوله: (إِنْ لَمْ يَأخُذْهُ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ) يريد أن الحكم السابق مقيد بما إذا لم يكن الآخذ لذلك قد أخذه على أن يرده لربه، فأما من اشترى عبدًا من المقاسم على أن يرده لربه (٨) ثم بدا له فأعتقه (٩) فقد اختلف فيه على قولين: الأول: إن عتقه يمضي كالأول، وقاله التونسي وأبو بكر بن عبد الرحمن، والثاني: أنه لا يمضي؛ لأنه رضي أن يرده على صاحبه، وقاله ابن الكاتب (١٠)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِلا فَقَوْلانِ) أي: وإن أخذه ليرده على ربه فقولان، وإنما عينهما دون ما تقدم جريًا على عادته من أنه إذا وجد المشهور اقتصر عليه، وإلا فقد حكى الأقوال على ما هي عليه من غير زيادة.
قوله: (وَفي الْمُؤَجَّلِ تَرَدُّدٌ) أي: فإن كان من صار إليه العبد أو الأمة قد أعتقه إلى أجل فقد تردد في ذلك اللخمي، فعلى قول ابن القاسم يمضي، وعلى قول أشهب
_________________
(١) في (ن): (صاحبه).
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣ و١٤.
(٣) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٥.
(٤) قوله: (لسيده) ساقط من (ز).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٥٥.
(٦) قوله: (أغار عليه) يقابله في (ن ٢): (عاد إليه).
(٧) قوله: (أو أبق) يقابله في (ن): (ونفر).
(٨) قوله: (فأما من اشترى. . . أن يرده لربه) ساقط من (ن ٢).
(٩) قوله: (فأعتقه) ساقط من (ز).
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٩١. وفيه: (القابسي). بدل: (التونسي).
[ ٢ / ٥٠٠ ]
يرده (١)، ومراده بالتردد هنا عدم نص المتقدمين في المسألة.
(المتن)
وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ مَجَّانًا، وَبِعِوَضٍ بِهِ، إِنْ لَمْ يُبَعْ فَيَمْضِي، وَلِمَالِكِهِ الثَّمَنُ أَوِ الزَّائِدُ. وَالأَحْسَنُ فِي الْمَفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَخْذُهُ بِالْفِدَاءِ. وَإِنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْوُهُ اسْتُوفِيَتْ خِدْمَتُهُ، ثُمَّ هَلْ يُتَّبَعُ إِنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِمَا بَقِيَ؟ قَوْلَانِ. وَعَبْدُ الْحَرْبِيّ -يُسْلِمُ- حُرٌّ إِنْ فرَّ، أَوْ بَقِيَ حَتَّى غُنِمَ، لَا إِنْ خَرَجَ بَعْدَ إِسْلَامِ سَيِدِهِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ إِسْلَامِهِ.
(الشرح)
قوله: (وَلِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَخْذُ مَا وَهَبُوهُ بِدَارِهِمْ مَجَّانًا) يريد أن من دخل دار الحرب بأمان (٢) فوهبه حربي عبدًا أو غيرَهُ هرب من مسلم أو ذمي أو أغار عليه الحربي، فإن ربه يأخذه من الموهوب له مجانًا؛ أي: بغير شيء، ولا خلاف فيه، وهذا إذا لم يُثبه الموهوب له وإلا فلا يأخذه إلا بما أثابه، قال في المدونة: فإن كان أثاب عليه فلسيده أخذه بعد أن يدفع إليك ما وديت من ثمن أو عرض، وإن لم تثبه واهبك أخذه من غير شيء، وإن بعته مضى البيع، وإنفي له أن يأخذ الثمن منك ويدفع لك ما وديت من ثمن أو عرض، وإن لم تؤدِّ عوضًا (٣) فلا شيء لك (٤)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَبِعِوَضٍ بِهِ إِنْ لَمْ يُبَعْ فَيَمْضِي، وَلمَالِكِهِ الثَّمَنُ أَوِ الزَّائِدُ) أي: وإن أخذه بعوض أخذه ربه به -أي: بذلك العوض- إن لم يبعه الموهوب له، فإن باعه مضى البيع، ولمالكه إذا دفع الموهوب له (٥) فيه عوضًا أن يأخذ الثمن الذي باعه به إن كان مساويًا لما أعطى (٦) أو الزائد، كما لو دفع مائة فباعه بمائة وخمسين فيقاصه (٧) بالمائة ويأخذ الخمسين الزائدة، وفي المدونة قول آخر أن البيع لا يمضي ويأخذه ربه بعد أن يدفع الثمن للمبتاع، ويرجع به على
_________________
(١) في (ن): (لا يمضي)، وانظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٣٧١ و١٣٧٢.
(٢) قوله: (بأمان) ساقط من (ز).
(٣) في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن ١): (عرضًا).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٦.
(٥) قوله: (له) زيادة من (ن ٢).
(٦) قوله: (لما أعطى) زيادة من (ن).
(٧) في (ز) و(ز ٢) و(ن) و(ن ١): (يقاسمه).
[ ٢ / ٥٠١ ]
الموهوب له (١).
قوله: (وَالأَحْسَنُ فِي الْمُفْدِيِّ مِنْ لِصٍّ أَخْذُهُ بِالْفِدَاءِ) أشار بهذا إلى قول ابن عبد السلام: أن الذي كان يميل إليه بعض من يرضى من أشياخنا أنه لا يأخذه ربه إلا بعد دفع ما فدي به؛ لكثرة النهب في بلادنا، فيعمد بعض أهل (٢) الوجاهة عند (٣) الأعراب أو من (٤) يعتقدون (٥) فيه إجابة الدعوة إليهم فيفتكُّ منهم ما ينتهبونه (٦) بأقل من ثمنه، فلو أخذه مالكه بغير شيء استد هذا الباب مع الحاجة إليه، وكثير ما يسأل بعض من هو منتصف لتخليص ما في أيدي المنتهبين هل تجوز له الإجارة (٧) أم لا؟ ولا شك أنه إن دفع الفداء من عنده فلا تجوز له الإجارة (٨)؛ لأنه سلف وإجارة وإن كان الدافع غيره (٩) ففي الإجارة (١٠) مجال للنظر، وقال ابن راشد: والأقيس أخذه بغير شيء (١١).
قوله: (وَإِنْ أُسْلِمَ لِمُعَاوِضٍ مُدَبَّرٌ وَنَحْو اسْتُوفِيَتْ خِدْمَتُهُ، ثُمَّ هَلْ يُتْبَعُ إِنْ عَتَقَ بِالثَّمَنِ أَوْ بِما بَقِيَ؟ قَوْلانِ) يريد أن المدبر ونحوه وهو المعتق إلى أجل إذا أسلمه سيده لمن عاوض عليه في دار الحرب أو غيرها فإن خدمته تستوفى، فإن وفى المدبر ما عليه قبل موت سيده الذي دبره والمعتق قبل انقضاء الأجل فلا كلام، وإن لم يوفِّ ما عليه فاختلف هل يتبع بجميع الثمن أو بما بقي؟ قولان.
قوله: (وَعَبْدُ الْحرْبِيِّ يُسْلِمُ حُرٌّ إِنْ فَرَّ أَوْ بَقِيَ حَتَّى غُنِمَ) لا خلاف في (١٢) عبد الحربي
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٦.
(٢) في (ن ٢): (من له).
(٣) في (ن): (من).
(٤) قوله: (من) ساقط من (س).
(٥) في (ن): (يتعادون).
(٦) في (ز): (ينهبوه).
(٧) زاد في (ن ٢): (على ذلك).
(٨) في (ن ٢): (الأجرة).
(٩) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن ٢): (عنده).
(١٠) في (ن ٢): (إجازة ذلك).
(١١) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٩٣.
(١٢) في (ن ١): (أن).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
إذا أسلم وفر إلينا أنه حر، لأنه غنم نفسه، قال في المدونة: وإن قدم بمال فهو له ولا يخمس (١). فإن بقي في بلاد الحرب حتى غنمه المسلمون فالمشهور كما قال هنا أنه حر، وقال ابن حبيب: يرق للجيش (٢). ابن يونس: وهذا (٣) أقيس (٤).
قوله: (لا إِنْ خَرَجَ بَعْدَ إِسْلامِ سَيِّدِهِ أو بمجرد إسلامه) أي: فإنه يكون رقيقًا لسيده (٥)، وقاله في المدونة (٦).
قوله: (أَوْ بِمُجَرَّدِ إِسْلامِهِ) أي: وكذلك إن خرج بمجرد إسلام سيده فإنه يكون رقيقًا له (٧)، ولا إشكال في ذلك إن كان إسلام السيد سابقًا له أو أسلما معًا دفعة (٨)، وأما (٩) إن سبق العبد سيده بالإسلام فقال أشهب وسحنون: يكون حرًّا بمجرد إسلامه (١٠)، وهو المشهور وهو مذهب المدونة أنه يرق لسيده كما تقدم.
(المتن)
وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إِلَّا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَهُ، وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا، لَا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ، أَوْ مُسْلِمَةٍ، وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ، أَوْ إِنْ قَاتَلُوا؟ تَأوِيلَانِ، وَوَلَدُ الأَمَةِ لِمَالِكِهَا.
(الشرح)
قوله: (وَهَدَمَ السَّبْيُ النِّكَاحَ إِلا أَنْ تُسْبَى وَتُسْلِمَ بَعْدَهُ) يريد أن الكفار إذا سبي منهم زوجان معًا أو واحد بعد واحد فإن نكاحهما يفسخ إلا في مسألة واحدة (١١) وهي: ما إذا أسلم الزوج وقد كان حربيًّا أو مستأمنًا قبل ذلك ثم سبيت وأسلمت بعده فإنهما
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥١٠.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٣ و٢٨٤.
(٣) في (س) و(ن ٢): (وهو).
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٥٠٠.
(٥) في (ن ١) و(ن ٢): (له).
(٦) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ٢٣.
(٧) قوله: (وقاله في المدونة. . . سيده فإنه يكون رقيقًا له) ساقط من (ن ١) و(ن ٢).
(٨) قوله: (دفعة) زيادة من (ن ٢).
(٩) قوله: (أما) زيادة من (ز ٢).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٤، والتوضيح: ٣/ ٥٠١.
(١١) قوله: (واحدة) زيادة من (ن ١).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
يبقيان على نكاحهما؛ لأنها أمة (١) مسلمة تحت مسلم فإن لم تسلم (٢) فرق بينهما؛ لأنها أمة كتابية تحت مسلم (٣) والمسلم لا يتزوج إماء أهل الكتاب.
قوله: (وَوَلَدُهُ وَمَالُهُ فَيْءٌ مُطْلَقًا) لا خلاف أن الزوجة فيء، قاله ابن بشير (٤)، وأما ولده منها وماله فالمشهور أنهما فيء كما قال هنا، ومراده بالإطلاق سواء كان الولد (٥) صغيرًا أو كبيرًا. سحنون: وقال بعض الرواة: إن كان صغيرًا فهو تبع لأبيه، وكذلك ماله، وإن كان (٦) أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن (٧)، وقيل: إن ضموه إلى أموالهم لأجل إسلامه فهوفيء وإن تركوه فهو له، وإن قسم أخذه بالثمن، وقيل: الأولاد مطلقًا تبع.
قوله: (لا وَلَدٌ صَغِيرٌ لِكِتَابِيَّةٍ سُبِيَتْ أَوْ مُسْلِمَةٍ) يريد أن العدو إذا أسر كتابية أو مسلمة فولدت عنده أولادًا، ثم غنمها المسلمون فولدها الصغير بمنزلتها لا يكون فيئًا، وهو المشهور، وفي الواضحة: أن أولاد المسلمة تبع لها وإن كانوا كبارًا، ويكرهون على الإسلام بالجبر فإن أبوا فهم كالمرتدين، وقال أشهب: الجميع فيء (٨). وفي تمانية أبي زيد: أن أولاد (٩) الذمية الصغار فيء، وهو مذهب أشهب وابن الماجشون (١٠)، وصرح (١١) ابن بشير أن الكبار (١٢) فيء باتفاق (١٣)، وحكى غيره فيهم قولًا بالتبعية.
_________________
(١) قوله: (أمة) ساقط من (ن ١) و(ن ٢).
(٢) قوله: (تسلم) ساقط من (ز).
(٣) قوله: (تحت مسلم) زيادة من (ن ١).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٢٢.
(٥) في (س): (الوالد).
(٦) قوله: (كان) ساقط من (س) و(ن ١).
(٧) انظر: المدونة: ٢/ ٢١٧ و٢١٨.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٢.
(٩) في (س): (ولاد).
(١٠) انظر: الذخيرة: ٣/ ٣٩١.
(١١) في (ن ٢): (خرج).
(١٢) في (ن ٢): (الكفار).
(١٣) انظر: التوضيح: ٣/ ٥٠٠.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
قوله: (وَهَلْ كِبَارُ الْمُسْلِمَةِ فَيْءٌ، وإِنْ قَاتَلُوا؟ تَأوِيلانِ) ليس في المدونة تخصيص ولد المسلمة بذلك، وإنما ذكر فيها صغار ولد المسلمة والذمية، ثم قال. وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء (١)، واختلف الأشياخ هل هو على ظاهره وأنهم إذا لم يقاتلوا كالصغار، وإليه ذهب ابن أبي زيد وعبد الوهاب أو لا مفهوم له وأنهم إذا كانوا كبارًا يكونون فيئًا؛ إذ الغرض أن يكونوا على حال يمكن منهم القتال، وإليه ذهب ابن شبلون (٢).
قوله: (وَوَلَدُ الأَمَةِ لِمَالِكِهَا) يريد: كان صغيرًا أو كبيرًا، وهو المشهور، وقاله في المدونة (٣)، لأن الولد تابع لأمه في الرق والحرية، وقال عبد الملك: هم فيء تغليبًا للدار (٤)، وقال سحنون: ما ولدته من زوج فلمالكها ومن غيره ففيء (٥)، وحكي في النوادر هذا القول عن أشهب، وحكي عن سحنون كالمشهور (٦).
فصلٌ [في الجزية]
(المتن)
فَصْل عَقْدُ الْجِزْيَةِ: إِذْنُ الإِمَامِ لِكَافِرٍ صَحَّ سِبَاؤُهُ، مُكَلَّفٍ حُرٍّ قَادِرٍ عَلَى أَدَائهَا مُخَالِطٍ، لَمْ يَعْتِقْهُ مُسْلِمٌ: بسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَاليَمَنِ. وَلَهُمُ الاجْتيازُ بِمَالٍ، لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ، وَالظَّاهِرُ آخِرُهَا، ونُقِصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ، وَلَا يُزَادُ. وَلِلصُّلْحِي مَا شُرِطَ، وِإنْ أُطْلِقَ فَكَالأَوَّلِ؛ وَالظَّاهِرُ إِنْ بَذَلَ الأَوَّلَ حَرُمَ قِتَالُهُ مَعَ الإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا.
(الشرح)
(عَقْدُ الجْزْيَةِ إِذْنُ الإِمَامِ لِكَافِرِ) يريد أن عقد الجزية (٧) هو إذن الإمام لكافر في سكنى غير مَكة والمدينة واليمن بمال إذا توفرت في الكافر الشروط (٨) التي سيذكرها،
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٧.
(٢) انظر: الذخيرة: ٣/ ٤٣٩، والتوضيح: ٣/ ٥٠٠.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٧.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٢، والتوضيح: ٣/ ٥٠٠.
(٥) انظر: الذخيرة: ٣/ ٤٣٩، والتوضيح: ٣/ ٥٠٠.
(٦) قوله: (كالمشهور) يقابله في (ن): (أنه هو المشهور). وانظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٢٨٢.
(٧) في (ز) و(س): (الذمة)، والمثبت من (ز ٢).
(٨) قوله: (الشروط) ساقط من (ن).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
فقوله: (لكافر) إشارة إلى أنه لا بد أن يكون ذكرًا، واحترز بذلك من المرأة، فإن الجزية لا تؤخذ منها.
قوله: (صَحَّ سِبَاؤُهُ (١» هكذا قال في الجلاب (٢)، قال الشارح (٣): له؛ احترازًا من المعاهد الداخل إلينا بأمان فإنه لا يسبى بعد دخوله، وكذلك المرتد؛ لأنه لا يقر على ما هو عليه حال ردته.
قوله: (مُكَلَّفٍ) احترازًا من الصبي والمجنون المغلوب على عقله.
قوله: (حُرٍّ) احترازًا من العبد؛ إذ لا تؤخذ الجزية منه.
قوله: (قَادِرٍ عَلَى أَدَائِهَا (٤» احترازًا من الفقير.
قوله: (مُخَالِطٍ) احترازًا من رهبان الأديرة؛ إذ ليسوا مخالطين بخلاف رهبان الكنائس ولهذا أخذت منهم، واحترز بقوله: (لَمْ يُعْتِقْهُ مُسْلِمٌ) مما إذا أعتقه فإنها لا تؤخذ منه، بخلاف من أعتقه ذمي تنزيلًا للعتيق (٥) منزلة معتقه، وهو المشهور، وقاله ابن القاسم في المدونة (٦)، وذهب أشهب إلى أنها تسقط أيضًا عمن أعتقه الذمي (٧)، واستحب ابن حبيب أخذها ممن أعتقه المسلم أيضًا (٨).
قوله: (بِسُكْنَى غَيْرِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ) إشارة إلى المكان الذي يجوز للإمام أن يأذن لهم في سكناه، وهو ما عدا جزيرة العرب من الأماكن التي تأخذهم أحكام الإسلام فيها، لقوله ﵇: "لا يبقينَّ دِينَان في جزيرة العرب" (٩)، وجزيرة العرب مكة
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (سبيه).
(٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٥٨.
(٣) في (ز) و(ز ٢) و(ن ٢): (الشراح).
(٤) قوله: (عَلَى أَدَائِهَا) يقابله في (س): (أي على إذائها).
(٥) في (ن ٢): (للمعتق).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٣٣٣.
(٧) انظر: النوادر والزيادات ٢/ ٢١٤.
(٨) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٥٩.
(٩) صحيح، أخرجه مالك مرسلًا: ٢/ ٨٩٦، في باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة، من كتاب الجامع، برقم: ١٥٨٤، ووصله البيهقي في الكبرى: ٦/ ١١٥، في باب المعاملة على النخل بشطر ما يخرج منها. . .، من كتاب المساقاة، برقم: ١١٤٠٩، من حديث أبىِ هريرة، وأخرجه أحمد: ٦/ ٢٧٤، =
[ ٢ / ٥٠٦ ]
والمدينة واليمن، وهي رواية عيسى بن دينار (١)، وروى ابن حبيب: من أقصى عدن وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جُدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب، وفي المشرق ما بين لمرب (٢) إلى منقطع السماوة (٣)، وقاله ابن شاس، ثم قال: ولا يمنعون من الاجتياز بها مسافرين ولا يقيمون (٤)، وإليه أشار بقوله: (وَلَهُمْ الاجْتِيَازُ) ثم أخذ في بيان مقدار المال الذي يقرهم الإمام عليه بقوله: (بِمالِ لِلْعَنَوِيِّ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، أَوْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فِي سَنَةٍ) يريد: أن العنوي وهو واحد العنويين الذين أخذت بلدهم بالقهر والغلبة، يضرب عليه في كل سنة أربعة دنانير إن كان من أهل الذهب أو أربعون درهما إن كان من أهل الورق، واختلف هل تؤخذ منهم أول الحول، وهو مذهب أبي حنيفة، أو آخره وهو مذهب الإمام الشافعي. الباجي: ولم أرَ فيه نصًّا لأصحابنا، والذي يظهر من مقاصدهم أنها تؤخذ آخره، وهو الصحيح، لأنه حق (٥) يتعلق وجوبه بالحول فوجب (٦) أن يؤخذ في آخره كالزكاة (٧)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَالظَّاهِرُ آخِرَهَا) أي: آخر السنة.
قوله: (وَنُقِصَ الْفَقِيرُ بِوُسْعِهِ) يريد أن الفقير ينقص عنه منها بقدر وسعه. ابن عبد السلام: والمشهور سقوطها عن الفقير، لكن بتدريج فتؤخذ منه إذا قدر على أدائها، ولا كبير (٨) إجحاف عليه، وتسقط عمن لا يقدر عليها
_________________
(١) = برقم: ٢٦٣٩٥، والطبراني في الأوسط: ٢/ ١٢، برقم: ١٠٦٦، من حديث عائشة. قال الدارقطني: هذا حديث صحيح. انظر: العلل: ١٣/ ٢٥٥. وانظر تفصيل الكلام على الحديث في نصب الراية، للزيلعي: ٣/ ٤٥٤.
(٢) انظر: المنتقى: ٩/ ٢٥٥.
(٣) كذا في كل النسخ، وفي عقد الجواهر، ولكن ما وقفت عليه في صحيح مسلم عن أبي عبيد عن الأصمعي: (بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة) ٣/ ١٢٥٧ برقم: ١٦٣٧، وانظر: إكمال المعلم: ٨/ ٤٤٠، وكذلك في التمهيد: ١/ ١٧٢ (يبرين).
(٤) انظر: المنتقى: ٩/ ٢٥٥.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٢٧.
(٦) في (ن ٢): (حين).
(٧) قوله: (فوجب) ساقط من (ز).
(٨) انظر: المنتقى: ٣/ ٢٨٢.
(٩) قوله: (لا كبير) يقابله في (ن ٢): (لكنه).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ولا على (١) شيء منها، ولا يطلب بها بعد (٢) غنائه، وتخفف عمن حاله بين هذين على حسب نظر الإمام في ذلك (٣). انتهى.
وقال ابن حبيب: لا تؤخذ من الفقير، واستحسنه اللخمي (٤).
ابن القصار: ولا حد لأقلها، وقيل: أقلها دينار أو عشرة دراهم (٥). فعلى الأول لو لم يقدر إلا على حمل (٦) درهم أخذ منه.
قال في الكافي: وإليه رجع مالك (٧)، وفي المقدمات: إن ضعف عن حمل جملتها سقطت، قال: وهو الظاهر من مذهبنا، وقيل: يحمل منها بقدرته (٨).
قوله: (وَلا يُزَادُ) أي: على أربعة دنانير أو أربعين درهمًا، ولو كان قادرًا على أكثر من ذلك لكثرة غنائه وهو المشهور، وفي الكافي قول (٩): أنه يزاد على من قوي على ذلك (١٠).
قوله: (وَللصُّلْحِيِّ مَا شُرِطَ) يريد أن الصلحي -وهو من كان من أهل الصلح الذين صولحوا على شيء يعطونه من أموالهم- لا حدَّ لما (١١) يؤخذ منه إلا بحسب ما يقدر عليه من كثير أو قليل، وهو مراده بـ (ما شرط)، وقاله ابن حبيب وغيره (١٢).
قال في المقدمات: وفيه نظر، والصحيح أنه لا حد لأكثرها، وأقلها ما فرض عمر - ﵁ - (١٣)؛ يريد: أربعة دنانير أو أربعون درهمًا، هذا إذا صالحوا على شيء معين وأما
_________________
(١) قوله: (على) ساقط من (س).
(٢) في (ن ٢): (عند).
(٣) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٤٦.
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٥٣.
(٥) انظر: المنتقى: ٣/ ٢٧٨.
(٦) قوله: (حمل) ساقط من (ن ٢).
(٧) انظر: الكافي: ١/ ٤٧٩.
(٨) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ١٨٧.
(٩) قوله: (قول) زيادة من (ن ٢).
(١٠) انظر: الكافي: ١/ ٤٧٩.
(١١) قوله: (لا حدَّ لما) يقابله في (ز): (لأخذه لا).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٥٨.
(١٣) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ١٨٦.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
إن لم يشترط فعلى أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهما.
قوله (١): (وَإِنْ أُطْلِقَ، فكَالأَوَّلِ) أي: فإن لم يشترط عليه شيء مقدر فهو كالعنوي، وهو المراد بالأول فيؤخذ منه أربعة دنانير أو أربعون درهمًا.
قوله: (وَالظَّاهِرُ إِنْ بَذَلَ الأَوَّلُ حَرُمَ قِتَالُهُ) يريد أن الظاهر حرمة قتال العنوي إذا بذل الجزية. ابن شاس: وتؤخذ منه الجزية على وجه الإهانة والصغار امتثالًا لأمر الله سبحانه (٢)، وإليه أشار بقوله: (مَعَ الإِهَانَةِ عِنْدَ أَخْذِهَا).
(المتن)
وَسَقَطَتَا بِالإِسْلَامِ كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ، وَالْعَنوِيُّ حُرٌّ، وَإنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ فَالأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الصُّلحِ إِنْ أُجْمِلَت فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا. وِإنْ فُرِّقَتْ عَلَى الرِّقَابِ فهِيَ لَهُمْ؛ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ. وَوَصِيَّتُهُمْ فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِمَا فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِعِ،
(الشرح)
قوله: (وَسَقَطتَا بالإسْلَام) أي: الجزية العنوية والصلحية، وهو وأضح.
قوله: (كَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِضَافَةِ الْمُجْتَازِ ثَلَاثًا لِلظُّلْمِ) يريد: أرزاق المسلمين التي جعلها عمر - ﵁ - عليهم وضيافة المجتازين عليهم تسقط عنهم أيضًا، قال مالك: أرى أن يوضع عنهم ذلك لما أحدث عليهم من الجور (٣). ابن رشد: ومعنى ذلك أنه لا يسوغ لأحد ممن مر بهم أن يأخذ ضيافتهم، إذا علم أنه لم يوف لهم بالعهد (٤).
الباجي: وقول مالك يدل على أن ذلك لازم مع الوفاء بما عوهدوا عليه (٥)، وهذا مفهوم من قوله هنا (للظلم)؛ أي: إنما سقط ذلك عنهم لأجل الظلم، فإن لم يكن ظلم فلا يسقط عنهم شيء.
ابن شاس -ونحوه للخمي عن مالك-: والذي قدره عليهم عمر (٦) مع الدنانير
_________________
(١) في (ن): (وإليه أشار بقوله).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٢٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٥٨.
(٤) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ١٨٧.
(٥) انظر: المنتقى: ٣/ ٢٧٩.
(٦) قوله: (عمر) ساقط من (ز).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
أرزاق المسلمين مدين من حنطة على كل نفس في الشهر، وثلاثة أقساط زيتًا ممن بالشام والجزيرة (١)، وممن بمصر أردبًا من حنطة في الشهر، قال: ولا أدري كم من الودك والعسل، وعليهم أن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام، وعلى كل رجل من أهل العراق خمسة عشر صاعًا في الشهر وكسوة معروفة كان عمر يكسوها الناس، قال: ولا أدري ما قدرها، ثم ذكر (٢) عن مالك ما تقدم (٣).
قوله: (وَالْعَنَوِيُّ حُرٌّ) اختلف في أهل العنوة إذا أُقرت (٤) أرضهم بأيديهم، فقيل: هم عبيد للمسلمين، وقيل: أحرار، والأول لابن القاسم (٥)، والثاني حكاه الباجي وغيره عن ابن حبيب (٦)، وهو الذي يأتي على المشهور في ماله؛ ولهذا اقتصر عليه هنا.
قوله: (فَإِنْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ، فَالأَرْضُ فَقَطْ لِلْمُسْلِمِينَ) أي: فإن مات العنوي أو أسلم فالأرض للمسلمين؛ يريد: لأنها لم تقر بيده إلا ليعمل فيها وتكون إعانة له على أداء الجزية، وإذا مات أو أسلم ذهب ذلك، وأشار بقوله: (فقط) إلى أن غير الأرض من الرقيق والحيوان والعروض لا يكون للمسلمين بإسلامه أو موته بل له أو لورثته، وشهره ابن الحاجب (٧)، وقيل: هو للمسلمين، وقيل: إنه يملك ما اكتسبه بعد الفتح لا قبله، قاله محمد (٨)، ابن رشد: وهو استحسان على غير قياس (٩).
قوله: (وَفِي الصُّلْح إِنْ أُجْمِلَتْ، فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا) أشار بهذا الكلام وما بعده إلى أَن الجزية الصلحية على ثلاثة أوجه: الأول: هو المراد بقوله: (إن أجملت فَلَهُمْ أَرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا (١٠) إلى آخره)، ومعناه أنها إذا وقعت
_________________
(١) في (ن ٢): (الجزية).
(٢) في (س): (ذكرا).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٤٥٣ و١٤٥٤.
(٤) في (ز): (قرت).
(٥) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٦٣.
(٦) انظر: المنتقى: ٤/ ٤٤٧.
(٧) في (ن): (ابن الجلاب). وانظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٣٦١.
(٨) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٦٣.
(٩) البيان والتحصيل: ٤/ ١٨٨.
(١٠) قوله: (فَلَهُمْ أرْضُهُمْ، وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ، وَوَرِثُوهَا) زيادة من (ن ٢).
[ ٢ / ٥١٠ ]
مجملة" أي: وقع الصلح مجملًا عَلى البلد بما حوت من أرض ورقاب من غير تفصيل بما ينوب كل شخص، ونص ابن القاسم فيه على أن أرضهم كمالِهم يبيعونها ويورثونها ويقسمونها وتكون لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم من غير وارث فنصيبه من الأرض والمال لأهل مؤدَّاه (١)، ولا يمنعون من الوصية ولو أحاطت بجميع مالِهم، وهو مراده بقوله: (وَالْوَصِيَّةُ بِمَالِهِمْ) أي: جميعه، وذهب ابن حبيب إلى أن الأرض توقف ولا تقسم ولا تباع ولا تكون لمن أسلم (٢)، ومن مات فماله لورثته (٣) من أهل دينه، إلا أن لا يكون له وارث، الوجه الثاني: أن تكون الجزية مفرقة على الجماجم، ولا خلاف فيه أن لهم أرضهم وما لهم ويبيعون (٤) ويورثون وتكون (٥) لهم إن أسلموا عليها، ومن مات منهم من غير وارث فماله وأرضه للمسلمين. ولا تجوز وصيته إلا في الثلث، وإلى هذا الوجه (٦) أشار بقوله: (وَإِنْ فرِّقَتْ عَلَى الرِّقَاب فَهِيَ لَهُمْ، إِلا أَنْ يَمُوتَ بلا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ).
قوله: (وَوَصِيَّتُهمْ فِي الثُّلُثِ) أي: لا غير، وأما قوله: (وَإِنْ فُرِّقَتْ عَلَيْهَا أوْ عَلَيْهِما فَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَخَرَاجُهَا عَلَى الْبَائِع) إشارة إلى الوجه الثالث وهي أن تكون الجزية مفرقة على الأرض فقط أو عليها وعلى (٧) الرقاب معًا، وإليهما يعود ضمير التثنية، ومذهب ابن القاسم في المدونة ما ذكره هنا أن لهم بيع الأرض ويكون الخراج على البائع (٨)، وروى ابن نافع عن مالك أن بيعها لا يجوز (٩)، ولأشهب في المدونة: أن لهم البيع
_________________
(١) في (س): (مواده)، وفي (ن): (ملته)، وفي (ن ٢) و(ز ٢): (سواده)، ولعله الموافق لما في المدونة، ونَصُّ ابن القاسم فيها: (لجميع أهل الإسلام). انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٢٧٢.
(٢) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٦٣.
(٣) قوله: (لورثته) يقابله في (ن): (لأهل مودته).
(٤) في (ز): (ويبيعونه).
(٥) في (ن ٢): (يردون).
(٦) قوله: (الوجه) ساقط من (س).
(٧) في (س): (أو على).
(٨) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٢٧٢ و٢٧٣.
(٩) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٢٧٣، والبيان والتحصيل: ٤/ ١٨٨.
[ ٢ / ٥١١ ]
ويكون الخراج على المشتري (١).
(المتن)
وَلِلْعَنَوِيِّ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ، إِنْ شُرِطَ وَإلَّا فَلَا، كَرَمِّ الْمُنْهَدِمِ. وَلِلصُّلْحِيّ الإِحْدَاثُ، وَبَيْعُ عَرْصَتِهَا أَوْ حَائِطٍ؛ لَا بِبَلَدِ الإِسْلَامِ إِلَّا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ،
(الشرح)
يريد أن العنوي إذا شرط عند ضرب الجزية عليه أنه (٢) إن شاء إحداث (٣) كنيسة فعل لا يمنع منه، وإن لم يشترط (٤) فليس له ذلك، ويمنع كما يمنع من رم المنهدم من كنائسهم، وأما الصلحي فله أيضًا الإحداث وبيع العرصة التي لها وكذلك بيع الحائط، وكل هذا في غير بلد الإسلام، وأما فيها فلا يمكنون (٥) من ذلك، فإن كان يحصل من ذلك مفسدة أعظم ارتكب أخف المفسدتين، وفي الجواهر: أن العنوي لا يترك له عند ضرب الجزية كنيسة إلا هدمت ولا يمكن من إحداثها بعد وإن كان منعزلًا (٦) عن بلاد الإسلام، قال: ولو باع الأسقف (٧) عرصة من الكنيسة أو حائطًا جاز إن كان البلد صلحًا، ولم يجز إن كان عنوة (٨).
(المتن)
وَمُنِعَ رُكُوبُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالسُّرُوجِ، وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ، وَأُلْزِمَ بلُبْسٍ يُمَيزُ بِهِ، وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ، وَظُهُورِ السُّكْرِ، وَمُعْتَقَدِهِ، وَبَسْطِ لِسَانِهِ، وَأريقَتِ الْخَمْرُ، وَكُسِرَ النَّاقُوسُ. وَيَنْتَقِضُ بِقِتَالٍ، وَمَنْعِ جِزْيَةٍ، وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ، وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ، وَغُرُورِهَا، وَتَطَلُّعِهِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَبّ نَبِيِّ بمَا لَمْ يَكْفُرْ بِهِ، قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيّ، أَوْ لَمْ يُرْسَلْ، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أَوْ تَقَوَّلَهُ، أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا، أَو مِسكِينٌ محَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالْجَنَّةِ مَالَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْه الْكِلَابُ، وَقُتِلَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ.
(الشرح)
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ١٠/ ٢٧٣.
(٢) قوله: (عليه أنه) ساقط من (ن ١).
(٣) في (س) و(ن ١) و(ن ٢): (أحدث).
(٤) في (س): (يشترطه).
(٥) في (ن ١): (يمكنهم الإمام).
(٦) في (س): (منعولًا).
(٧) في (ن ١): (الأساقفة).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣٠ و٣٣١.
[ ٢ / ٥١٢ ]
قوله: (وَمُنِعَ رُكُوبَ الْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالسُّرُوجِ، وَجَادَّةِ الطَّرِيقِ) أي: وكذلك يمنع الكافر من ركوب الخيل والبغال. ابن شاس: أي من النفيسة ولا يمنعون من الحمار (١)، ولا يركبون السروج بل يركبون (٢) الأكف عرضًا ويمنعون من جادة الطريق، ابن شاس: ويضطرون إلى المضيق إذا لم يكن الطريق خاليًا، وروى ابن حبيب أنه ﵇ قال: "إذا لقيتموهم في طريق فألجئوهم إلى أضيقها (٣) " (٤).
قوله: (وَأُلْزِمَ بِلُبْسٍ يُمَيَّزُ بِهِ) ابن شاس: يلزم بلبس الغيار ولا يتشبه بالمسلمين في الزي (٥).
قوله: (وَعُزِّرَ لِتَرْكِ الزُّنَّارِ) هكذا قال في الجواهر (٦).
قوله: (وَظُهُورِ السُّكْرِ، وَمُعْتَقَدِهِ وَبَسْطِ لِسَانِهِ) أي: وكذلك يعزر إذا أظهر السكر على نفسه، أو أظهر معتقده في المسيح أو بسط لسانه بحضرة المسلمين، قال في الجواهر: ولا يمنع أهل الصلح من إظهار الخمر والناقوس ونحو ذلك داخل كنائسهم وليس لهم إظهار ذلك خارجها، ولا حمل خمر من قرية إلى قرية من قرى المسلمين (٧)، ونكسرها إن ظهرنا عليهم، وإن أظهروا ناقوسًا كسرناه (٨)، وإليه أشار بقوله: (وَأُرِيقَتِ الخَمْرُ، وَكُسِرَ النَّاقُوسُ) ثم أشار إلى ما يكون من فعلهم نقضًا للعهد فقال: (وَيُنْتَقَضُ بِقِتَالٍ وَمَنْعِ جِزْيَةٍ وَتَمرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ (٩» ولا إشكال فيه لأنه منافٍ للأمان والتأمين
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (الجمال).
(٢) في (ن ٢): (يكف).
(٣) أخرجه مسلم: ٤/ ١٧٠٧، في باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم، من كتاب السلام، برقم: ٢١٦٧، وأبو داود: ٢/ ٧٧٣، في باب في السلام على أهل الذمة، من كتاب الأدب، برقم: ٥٢٠٥، والترمذي: ٤/ ١٥٤، في باب التسليم على أهل الكتاب، من كتاب السير، برقم: ١٦٠٢.
(٤) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣٢.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣٢.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣٢.
(٧) في (ز) و(ن): (الإسلام).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣١.
(٩) قوله: (وَمَنْعِ جِزْيَةٍ وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ) زيادة من (ن ٢).
[ ٢ / ٥١٣ ]
وهما مقصود عقد الذمة، فإذا برز الذمي للمسلمين بذلك سقط ما كان له عليهم من الحماية والذب ونحو ذلك.
قوله: (وَمَنْع جِزْيَةٍ) لأنها عوض عن تأمينهم وحقن دمائهم.
قوله: (وَتَمَرُّدٍ عَلَى الأَحْكَامِ) لأن ذلك منافٍ للإهانة والصَّغار الذي جعله الله عليهم.
قوله: (وَغَصْبِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ) أي: على الزنى، فلو طاوعته لم يكن نقضًا عند مالك خلافًا لابن وهب، واحترز بـ (الحرة) من الأمة فإنه لا يكون بإكراهها على الزنى ناقضًا، قاله محمد، وفيه خلاف (١).
قوله: (وَغُرُورِهَا) أي: غر (٢) الحرة بأنه مسلم فتزوجها. اللخمي: وهو نقض عند ابن نافع (٣).
قوله: (وَتَطَلُّعِ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ) أي: ومما يكون نقضًا للعهد (٤) التطلع على عورات المسلمين، وهو ظاهر.
قوله: (وَسَبِّ نَبِيٍّ بِما لَمْ يَكْفُرْ بِهِ) واحترز به مما إذا سبه بما كفر به كقوله له (٥): لم يرسل إلينا وإنما بعث للعرب، فإنه لا ينتقض عهده بذلك، فإن سبه بما لم يكفر به؛ قتل، إلا أن يسلم.
قال في الشفاء: روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال: إن محمدًا ليس بنبي، أولم يرسل، أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شيء تقوَّله؛ أنه يقتل، وإليه أشار بقوله: (قَالُوا كَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، أَوْ لَمْ يُرْسَلْ، أَوْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أو تَقَوَّلَهُ) (٦)، وإنما ذكر هذا بقوله: (قالوا) كالمتبرئ؛ لأنه أيضًا مما كفر به، وفيه نظر، ومعنى (تقوَّله): اختلقه من تلقاء نفسه كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ [الطور: ٣٣].
_________________
(١) انظر: المنتقى: ٧/ ٢٩٩.
(٢) في (ن ٢): (غرور).
(٣) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢١٠٨.
(٤) قوله: (للعهد) زيادة من (ن ٢).
(٥) قوله: (له): زيادة من (ز).
(٦) قوله: (أنه يقتل، وإليه أشار. . . عَلَيْهِ قُرْآنٌ، أو تَقَوَّلَهُ) ساقط من (ز).
[ ٢ / ٥١٤ ]
قوله: (أَوْ عِيسَى خَلَقَ مُحَمَّدًا) القاضي: وسئل أبو مصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدًا، قال: يقتل، وقال ابن القاسم: سألنا مالكًا عن نصراني بمصر شهد عليه أنَّه قال: مسكين محمَّد يخبركم أنَّه في الجنة، ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه (١)، لو قتلوه استراح منه الناس، قال مالك: أرى أن تضرب عنقه (٢)، وإليه أشار بقوله: (أَوْ مِسْكِينٌ مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ بِالجَنَّةِ مَا لَهُ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسَهُ حِينَ أَكَلَتْهُ الْكِلابُ) والباء في (بالجنة) للظرفية (٣) كما تقدم.
قوله: (وَقُتِلَ إِنْ لَمْ يُسْلِمْ) أي: فإن حصل منه شيء من الأمور التي يكون بها ناقضًا للعهد قتل إلا أن يسلم، ونحوه في الجواهر (٤) وغيرها، وقد ذكرنا شيئًا من ذلك في الكبير.
(المتن)
وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الْحَرْبِ وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ إِنْ لَمْ يُظْلَمْ، وَإِلَّا فَلا، كَمُحَارَبَتِه. وَإن ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالْمُرْتَدِّينَ
(الشرح)
.
قوله: (وَإِنْ خَرَجَ لِدَارِ الحَرْبِ وَأُخِذَ اسْتُرِقَّ) يريد أن الذميَّ إذا خرج ناقضًا (٥) للعهد طالبًا السكنى بدار الحرب ثمَّ أُخِذ فإنَّه يسترق، وهو المشهور، وقاله مالك وابن القاسم، وقال أشهب: لا يسترق (٦).
قوله: (إِنْ لَمْ يُظْلَمْ) يريد أن الحكم المذكور مقيد بما إذا لم يكن الذمي قد خرج لظلم لحقه؛ أي: وأمَّا إن خرج لذلك فإنَّه لا يسترق، وهو المشهور، وقوله في المدونة (٧) خلافًا للداودي، وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فَلا (أ) أي: فلا استرقاق، وأشار بقوله: (كَمُحَارَبَتِهِ) إلى أنَّه إذا حارب لا يسترق، قال في المدونة: ويحكم فيه بحكم المسلم إذا
_________________
(١) قوله: (ساقيه) يقابله في (ن): (تأكل شيئًا فيه).
(٢) انظر: النوادر والزيادات ١٤/ ٥٢٦.
(٣) قوله: (للظرفية) ساقط من (س).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣٣.
(٥) قوله: (ناقضًا) ساقط من (س).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٤٧.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٩.
[ ٢ / ٥١٥ ]
حارب (١). وهو المشهور، وقال ابن مسلمة: يسترق، ورجحه التونسي (٢).
قوله: (وَإِنِ ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وَحَارَبُوا فَكَالمُرْتَدِّينَ) أي: إذا أسلم جماعة - يريد: أو أهل حصن - ثمَّ ارتدوا وحاربوا ثمَّ ظفرنا بهم؛ فإن حكمهم حكم المرتدين؛ أي: الذين لم يحاربوا فإنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، وهو قول ابن القاسم وعبد الملك، وقال أصبغ: هم كالمحاربين (٣)، وضعفه ابن يونس، انظر الكبير (٤).
[فصل في المهادنة]
(المتن)
وَلِلإِمَامِ الْمُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ؛ إِنْ خَلَا عَنْ كَشَرْطِ بَقاءِ مُسْلِمٍ وَإِنْ بِمَالٍ، إِلَّا لِخَوْفٍ، وَلَا حَدَّ وَنُدِبَ أَلَا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنِ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ، وَلَوْ أَسْلَمُوا كَمَنْ أَسْلَمَ، وَإِنْ رَسُولًا، إِنْ كَانَ ذَكَرًا، وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بِمَالِهِ، وَرَجَعَ بِمِثْلِ الْمِثْليَ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ عَلَى الْمَلِيِّ وَالْمُعْدِمِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً،
(الشرح)
قوله: (وَلِلإِمَامِ المُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) أشار بهذا إلى أن عقد الهدنة لا يتولاه إلا الإمام بشرط احتياج المسلمين إليه، وهو مراده بالمصلحة، فإن كان المسلمون مستظهرين على العدولم تجز المهادنة وإن بذل العدو المال. والمهادنة: المصالحة (٥).
قوله: (إِنْ خَلا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) يريد أن عقد الهدنة مقيد بخلوه عن شرط فاسد وإلا فلا تجوز كما إذا شرطوا بقاء مسلم في أيديهم أو قرية من قرى المسلمين أو نحو ذلك من الشروط الفاسدة، قال ابن الماجشون: إذا كان الإمام على رجاء من فتح حصن لم ينبغِ له أن يصالحهم على مال، وإن كان على إياس منه لضعفه أو لامتناعهم أو لما يخاف أن يدهمهم من العدو فعل (٦). وليس يحرم عليه أن يجبر عليهم إذا كان ذا قوة
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٠٩.
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٥٠٢.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٤٨.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٥٠٣.
(٥) قوله: (والمهادنة: المصالحة) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٦) في (ن ٢): (فعل ذلك). وانظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٤١.
[ ٢ / ٥١٦ ]
فقد فعل ذلك (١) قال في كتاب محمَّد: ولقد طلب الطاغية المهادنة من عبد الله بن هارون وبذلوا مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك (٢) فقالوا له: الثغور اليوم عامرة؛ فيها أهل البصائر وأكثرهم نازعون من البلدان، فمتى انقطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلتِ الثغور للعدو، والذي يصيب أهلُ الثغور منهم أكثرَ من مائة ألف دينار (٣)، فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم (٤).
قلت: فعلى هذا تجوز المهادنة بالمال إذا لم يخف على المسلمين من ذلك، فأمَّا مع توقع الخوف فلا، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ بِمَالٍ، إِلا لِخَوْفٍ).
قوله: (وَلا حَدَّ) يريد أن مدة المهادنة بالمال (٥) لا تتحدد بزمن مؤقت، وإنما ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام وما يراه الأصلح (٦) من طول المدة وقصرها.
أبو عمر (٧): ويستحب ألا تكون مدتها أكثر من أربعة أشهر، إلا مع العجز (٨). وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ أَلا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، ثمَّ (٩) قال أبو عمر (١٠): ويجب الوفاء بالشروط إلى آخر المدة، إلا أن يستشعر خيانة منهم فله أن ينبذ العهد إليهم وينذرهم (١١). وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِنِ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ)، وأما قوله: (وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ، وَلَوْ أَسْلَمُوا) فيشير به إلى أن الكفار لو رهنوا عندنا رهائن حتى يفرغ ما بيننا وبينهم ثمَّ نردهم لهم، فإنَّه يجب علينا الوفاء بذلك ونردهم إليهم؛ ولو أسلموا وأبوا الرجوع.
_________________
(١) قوله: (وليس يحرم عليه أن يجبر عليهم إذا كان ذا قوة فقد فعل ذلك) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (في ذلك) ساقط من (ن ٢).
(٣) قوله: (دينار) زيادة من (ن ٢).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٤٠.
(٥) قوله: (بالمال) زيادة من (ن ٢).
(٦) في (ن ٢): (من الإصلاح).
(٧) في (ز ٢) و(ن) و(ن ٢): (أبو عمران).
(٨) انظر: الكافي: ١/ ٤٦٩.
(٩) قوله: (ثم) ساقط من (ز ٢) و(ن ٢).
(١٠) في (ز ٢) و(ن) و(ن ٢): (أبو عمران).
(١١) انظر: عقد الجواهر: ١/ ٣٣٤، وانظر نسبة القول لأبي عمران في الذخيرة: ٣/ ٤٤٩.
[ ٢ / ٥١٧ ]
قوله: (كَمَنْ أَسْلَمَ، وإن رَسُولًا) أي: ولو شرطوا أن يرد إليهم من أسلم فإنَّه يرد، ولو كان رسولًا وفاءً بالعهد.
قوله: (إِنْ كَانَ ذَكَرًا) احترازًا من المرأة فإنها لا ترد إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقيل: يردون مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا (١). ابن الماجشون: ولا يوفى لهم بذلك، وهو جهل ممن فعله (٢).
قوله: (وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) نصَّ مالك وغيره على أن ذلك واجب على المسلمين بما قدروا عليه، وسماه أشهب (٣) نافلة (٤). ابن رشد: ويبدأ (٥) بالفداء من بيت المال، فإن عجز عنه بيت المال فهو على جميع المسلمين على قدر أموالهم، والأسير كأحدهم، فإن منع هذا وجب عليه أن يفدي نفسه (٦). وهذا هو مراده بالترتيب الذي ذكره. وفي الاستذكار: تقديم مال الأسير على جماعة المسلمين في فداء نفسه (٧).
قوله: (وَرَجَعَ بِمِثْلِ المِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) أي: ورجع الفادي على الأسير (٨) بمثل ما فداه به (٩) إن كان مثليًّا وبقيمته إن كان مقوَّمًا، وهو مراده بـ (غيره)؛ لأنَّ غير المثلي هو المقوم.
قوله: (عَلَى المَلِيِّ وَالمُعْدِمِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) هو متعلق بقوله: (ورجع)، لكن الرجوع على المعدم باعتبار أَنه يُتْبَع في (١٠) ذمته فإذا أيسر أُخذ منه ذلك، ولا يسقط لفقره، وسواء كان أجنبيًّا أو قريبًا غير محرم إلا أن يقصد الصدقة فلا رجوع.
_________________
(١) قوله: (وقيل: لا مطلقًا) ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٣٢.
(٣) قوله: (أشهب) ساقط من (ز).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٠١.
(٥) في (ز): (ويريد).
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٢/ ٥٦٠.
(٧) انظر: الاستذكار: ٥/ ٥٨.
(٨) قوله: (أي: ورجع الفادي على الأسير) ساقط من (ن).
(٩) قوله: (به) ساقط من (ز).
(١٠) قوله: (في) ساقط من (س) و(ن).
[ ٢ / ٥١٨ ]
(المتن)
وَلَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ، إلَّا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إِنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ وَيَلْتَزِمَهُ، وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدهِ عَلَى الْعَدَد؛ إنْ جَهلْوا قَدْرَهُمْ. وَالْقَوْلُ لِلأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ. وجاز بِالأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الأَحْسَنِ، وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ.
(الشرح)
قوله: (وَلَمْ يُمْكِنِ الخَلاصُ بِدُونِهِ) يريد أن ما ذكره من رجوع الفادي بالمثل أو القيمة مقيد بما إذا لم يمكن (١) خلاص الأسير بدون ما وقع (٢) في فدائه، أما إذا أمكن فداؤه بأقل من ذلك فلا يلزمه إلا الأقل، وكذا لو أمكن خلاصه بغير شيء، فلا شيء عليه.
قوله: (إِلا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إِنْ عَرَفَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، إِلا أَنْ يَأْمُرَهُ بِه وَيَلْتَزِمَهُ) أي: فإن كان الأسير محرمًا للفادي أو زوجًا فلا رجوع له عليه (٣) إن عرفه حين الفداء، أو كان ممن يعتق عليه، إلا أن يقول الأسير له: افدني بكذا وأنا أدفع لك ذلك، فإنَّه يرجع عليه.
ابن حبيب: ولا رجوع لأحد الزوجين على الآخر إلا أن يفديه بأمره أو وهو غير عالم به؛ فإنَّه يرجع بذلك عليه في ملائه وعدمه، قاله ابن القاسم، وعن مالك: أن سبيل القريب سبيل الزوجين كان ممن يعتق عليه أم لا، فإن فداه وهو يعرفه فلا رجوع له عليه مطلقًا (٤)، وإن كان (٥) لا يعرفه رجع عليه إن كان ممن لا (٦) يعتق عليه وإلا فلا رجوع له عليه (٧)، وإن فداه بأمره رجع مطلقًا (٨).
_________________
(١) قوله: (يريد أن ما. . . مقيد بما إذا لم يمكن) يقابله في (ن ٢): (أي).
(٢) في (ن ٢): (فع).
(٣) في (ن ٢): (عليهما).
(٤) قوله: (مطلقًا) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (وإن كان) يقابله في (ن): (وإن فداه وهو).
(٦) قوله: (لا) ساقط من (ز).
(٧) قوله: (له عليه) زيادة من (ن).
(٨) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٠٧.
[ ٢ / ٥١٩ ]
ابن يونس: فصار (١) ذلك على ثلاثة أوجه: إن فداه وهو يعرفه فلا رجوع مطلقًا، وإن أمره بذلك رجع مطلقًا، وإن فداه وهو لا يعرفه فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه ممن لا يعتق عليه وهو على الزوجين (٢). وكلامه في الوجه الأول يخالف ما هنا فتأمله.
قوله: (وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ عَلَى الْعَدَدِ، إِنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) يريد أن الأسير إن كان بيده مال وعليه دين لغير الفادي، فإن الفادي يُقَدَّم على غيره من أرباب الديون، وأما بالنسبة إلى ما قدم به من بلاد العدو فلا إشكال فيه؛ لأنه دفع ذلك في مقابلة رقبته وفيما في يده (٣)، وأما بالنسبة إلى ماله ببلد الإِسلام فهو أيضًا أولى به عند عبد الملك وسحنون، وقال محمَّد: هو أسوة الغرماء (٤).
قوله: (عَلَى الْعَدَدِ، إِنْ جَهِلُوا قَدْرَهُمْ) هو متعلق بقوله: (رجع)، وبه أشار إلى قول سحنون: ومن فدى خمسين أسيرًا بألف دينار وفيهم (٥) ذو القدرة وغيره والملي والمعدِم، فإن كان العدو قد عرفوا ذا القدرة منهم وشحوا عليهم فليقسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن كان العدو قد جهلوا ذلك فذلك الفداء (٦) على عددهم بالسوية (٧)، ففاعل (جهلوا) ضمير يعود على المشركين، وضمير الجمع من قوله (قدرهم) (٨) يعود على الأسارى.
قوله: (وَالْقَوْلُ لِلأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ) أي: في الفداء إن قال: فديتني بغير شيء أو بعضه؛ أي: إن قال: فديتني بكذا، وقال الفادي: بل بكذا، لشيء غيره أو أكثر منه،
_________________
(١) في (ن): (حاصل).
(٢) في (ن): (غير الزوجين). وانظر: التوضيح: ٣/ ٤٢٠.
(٣) قوله: (وما في يده) ساقط من (ن ٢)، وقوله: (وأما بالنسبة إلى ما. . . مقابلة رقبته وما في يده) ساقط من (ز).
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٧٦.
(٥) في (ز ٢) و(ن): (ومنهم).
(٦) قوله: (الفداء) زيادة من (ن ٢).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٠٥.
(٨) قوله: (من قوله: "قدرهم") زيادة من (ن ٢)، وفي (ن): (فدرهم).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
قال في العتبية عن ابن القاسم: وسواء أشبه قول الأسير أم لا (١).
ابن يونس: يريد مع يمينه (٢).
ابن رشد: وليس هذا على أصولهم في مراعاة دعوى الأشبه في التداعي لاتفاقهما أنه فداه بذلك بخلاف ما إذا ادعى أحدهما على صاحبه أنَّه فداه فأنكر (٣)، والذي يأتي على أصولهم إذا اختلفا (٤) في مبلغ (٥) الفدية أن القول قول الأسير (٦) إذا أتى بما يشبه، وإلا فالقول قول الفادي إن أتى بما يشبه، وإلا حلفا جميعًا ولزمه ما فُدِيَ به مثله من ذلك المكان، وكذا لو نكلا جميعًا، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قوله وإن لم يشبه؛ لأنَّ صاحبه قد مكنه من ذلك بنكوله. انتهى بالمعنى (٧). وروي عن ابن القاسم أن القول للأسير إن أشبه سواء أخرجه من بلد الحرب أم لا.
ابن حبيب: وقيل: إن أقر الأسير بأنّه فداه واختلفا في قدر الفداء صدق ويكون (٨) كالرهن في يده، وهو خلاف قول مالك. وعن سحنون: أن القول للفادي إن كان الأسير بيده (٩).
ابن عبد السلام: والذي يظهر من هذا النقل أنَّه إن لم يكن في يده (١٠) فالقول للأسير (١١) وإلا فقولان، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ) لكن لا تحسن (١٢) المبالغة حينئذٍ، فتأمله.
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات ٣/ ٣٠٩.
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٢٢.
(٣) في (ن ١) و(ن ٢): (بأكثر).
(٤) قوله: (إذا اختلفا) ساقط من (ز).
(٥) في (ز ٢): (منع).
(٦) قوله: (قول الأسير) يقابله في (ن): (للأسير).
(٧) انظر: البيان والتحصيل ٢/ ٦١٤.
(٨) في (س) و(ن) و(ن ١): (ويصير).
(٩) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٧٧.
(١٠) في (س): (يديه).
(١١) في (ن): (قول الأسير).
(١٢) في (ز): (تحصل).
[ ٢ / ٥٢١ ]
قوله: (وَجَازَ بِالأَسْرَى المُقَاتِلَةِ) أي: ويجوز الفداء بأسرى العدو المقاتلة (١) لما ورد أنَّه - ﵇ - فدى أسيرين من المسلمين بمشرك (٢)، وهو قول أصبغ في العتبية (٣)، وقيل: لا يجوز.
قوله: (وَبِالخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) أي: وكذلك يجوز الفداء بالخمر والخنزير، وهو قول سحنون في كتاب ابنه وأحد قولي ابن القاسم، وله قول بالمنع، وهو مذهب أشهب (٤)، واستحسن اللخمي قول سحنون واستظهره ابن عبد السلام، ولهذا قال: (عَلَى الأَحْسَنِ).
قوله: (وَلا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ) أي: ولا يرجع بالخمر والخنزير على المسلم المفدي، وظاهره ولو كان الفادي ذميًّا، وليس كذلك بل نقل ابن يونس عن سحنون أنَّه يرجع بقيمة الخمر والخنزير (٥).
قوله: (وَفِي الخَيْلِ وَآلَةِ الحَرْبِ قَوْلانِ) مذهب ابن القاسم منع المفاداة بها؛ خلافًا لأشهب وعبد الملك وسحنون (٦).
* * *
_________________
(١) في (ن ١): (والمقاتلة).
(٢) أخرجه مسلم مطولًا: ٣/ ١٢٦٢، في باب لا وفاء لنذر في معصية الله. . .، من كتاب النذر، برقم: ١٦٤١، والترمذي: ٤/ ١٣٥، في باب قتل الأسارى والفداء، من كتاب السير، برقم: ١٥٦٨، وأحمد: ٤/ ٤٢٦، برقم: ١٩٨٤٠، بلفظ: أن النبي - ﷺ - فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين. واللفظ لهما.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٠١.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٠١ و٣٠٢.
(٥) قوله: (والخنزير) ساقط من (س). وانظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٨١.
(٦) انظر: المنتقى: ٤/ ٣٧٥ و٣٧٦، وانظر نسبته لأشهب وسحنون في: النوادر والزيادات: ٣/ ٣٠١ و٣٠٢.
[ ٢ / ٥٢٢ ]