(المتن)
بَابٌ الْيَمِينُ: تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَوْ صِفَتِهِ، كَبِاللهِ، وَهَاللهِ، وَايْمِ اللهِ، وَحَقِّ اللهِ، وَالْعَزِيزِ، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلالِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَإرَادَتِهِ، وَكَلامِهِ، وَالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأت لأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ، لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ. وَكَعِزَّةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ، وَعَهْدِهِ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللهِ، إِلا أَنْ يُرِيدَ الْمَخْلُوقَ، وَكَأَحْلِفُ، وَأُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ؛ إِنْ نَوَى، وَأَعْزِمُ إِنْ قَالَ بِاللهِ.
(الشرح)
(الْيَمِينُ تَحْقِيقُ مَا لَمْ يَجِبْ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ أَوْ صِفَتِهِ) يريد أن اليمين تحقيق غير الواجب وتقريره باسم (٤) الله تعالى أو صفته (٥)، فاحترز بقوله: (تحقيق) مما (٦) يحتمل المخالفة، وقوله: (ما لم يجب) يدخل فيه الممكن (٧) والممتنع فإذا قال: لا دخلت هذه (٨) الدار تقرر (٩) به نفي الدخول، ودخلتها (١٠) تقرر به الدخول، ولأدخلن ولا أدخل تقرر به الإقدام والإحجام (١١)، ولما كانت اليمين لا تنعقد إلا بأحد الأمرين قال: (بذكر اسم الله تعالى أو صفته)، وذلك لأن الشرع خصص هذا المعنى بأن يكون المعظم ذاتًا أو
_________________
(١) قوله: (من) زيادة من (س).
(٢) قوله: (الناس) ساقط من (ن).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٣٦، و٣٣٨.
(٤) في (ن ٢): (بذكر اسم).
(٥) قوله: (أو صفته) زيادة من (س).
(٦) في (ز): (ما).
(٧) في (ن): (الجائز).
(٨) قوله: (هذه) ساقط من (س) و(ن ٢).
(٩) في (ن ٢): (تقريره).
(١٠) في (ن): (ولأدخلنها).
(١١) في (ن): (الالتحام).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
صفة لله تعالى، فاحترز بذلك عن اليمين بغيرهما، فإنها لا تسمى يمينًا شرعًا (١)؛ لأنها (٢) إما مكروهة أو حرام وهي لا تنعقد بها اليمين كما سيأتي، والباء في (بذكر اسم الله) تحتمل السببية والمعية.
قوله: (كَبِاللهِ) لا إشكال في انعقاد اليمين بذلك وإيجاب الكفارة عند الحنث؛ لأنها من صريح اليمين التي (٣) لا يحتمل اللفظ معها غيره.
قوله: (وَهَاللهِ) هكذا قال ابن عبد الحكم أنها يمين كبالله (٤).
قوله: (وَايْمِ اللهِ) هكذا نص ابن حبيب على أن وايم الله يمين (٥)، وقاله في الجواهر (٦)، وفي الموازية: أخاف أن تكون يمينًا (٧)، فتردد (٨) في كونها يمينًا أم لا. القرافي: يقال: أيمن الله، وايم الله، ومُنُ الله، ومُ الله (٩).
قوله: (وَحَقِّ اللهِ) هو كقوله: والله، قاله في العتبية (١٠)، وذكر في المدونة (١١) أن قوله: والعزيز يمين يوجب الكفارة (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وَالْعَزِيزِ)، وأما قوله: (وَعَظَمَتِهِ، وَجَلالِهِ، وَكَفَالَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَكَلامِهِ) فيريد به أن هذه الكلمات أيمان (١٣) تكفر؛ لأنها من صفات الله تعالى، فالإرادة والكلام من صفات المعاني، والجلال
_________________
(١) قوله: (لأن الشرع خصص تسمى يمينًا شرعًا) ساقط من (ن ٢)، وقوله: (شرعًا) يقابله في (س): (شرعيًّا).
(٢) قوله: (وذلك لأن الشرع يمينًا شرعًا؛ لأنها) ساقط من (ن ١).
(٣) في (ن): (الذي).
(٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ٨.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٣/ ٣٤٣.
(٧) انظر: النوادر والزيادت: ٤/ ١٦.
(٨) في (س) و(ن) و(ن ٢): (فترجح).
(٩) انظر: الذخيرة: ٤/ ٩.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٧.
(١١) في (ن ٢): (الموازية).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٩.
(١٣) في (ن ٢): (إنما).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
والعظمة راجعان إلى القدرة، وهي أيضًا من صفات (١) المعاني كالسمع والبصر، وأما كفالته فهي التزامه فترجع (٢) إلى خبره وخبر كلامه، وهي أيضًا من صفات المعاني.
قوله: (وَالْقُرآنِ، وَالمُصْحَفِ) هذا هو المشهور، وعن مالك أنهما لا كفارة فيهما (٣)، نقله اللخمي (٤) وقيل: إن أراد الحادث لم تجب الكفارة وإلا وجبت.
قوله: (وَإنْ قَالَ أَرَدْتُ وَثِقْتُ بِاللهِ، ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لأَفْعَلَنَّ دُيِّنَ) يريد أن الحالف إذا قال: أردت بقولي بالله وثقت بالله، ثم ابتدأت فقلت: لأفعلن، دُيِّن. وقاله ابن شاس (٥)، ومعنى (دُيِّن)، أي: وُكل إلى دينه فيقبل قوله (٦).
قوله: (لا بِسَبْقِ لِسَانِهِ) أي: فإنه لا يدين إن ادعاه.
قوله: (وَكَعِزَّةِ اللهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَعَهْدِهِ) أي: ومما يكون يمينًا توجب الكفارة الحلف (٧) بهذه الأمور إذا حنث بها، يريد إذا قصد بها صفة البارئ تعالى، فأما إن أراد ما جعله الله تعالى في عباده من العزة والأمانة والعهد (٨) فلا، وقاله أشهب. وحينئذٍ تكون يمينًا غير مشروعة، وقاله سحنون في العزة (٩)، وقاله محمد في العهد (١٠)، وإليه أشار بقوله: (إلا أَنْ يُرِيدَ المَخْلُوقَ) أي: فلا تنعقد به اليمين.
قوله: (وَعَلَيَّ عَهْدُ اللهِ) ابن حارث: اتفقوا على وجوب الكفارة في ذلك، واختلفوا إذا قال: وعهد الله (١١)، ففي المدونة: أنه (١٢) تجب (١٣)،
_________________
(١) قوله: (الله تعالى، فالإرادة أيضًا من صفات) ساقط من (ن ١) و(ن ٢).
(٢) في (ز): (فيرجع).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٥.
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٧٤.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٤٤.
(٦) قوله: (قوله) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (الحلف) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٨) قوله: (والعهد) زيادة من (ن ١).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٥.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣.
(١١) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٨٥.
(١٢) قوله: (أنه) زيادة من (ن).
(١٣) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٠٣.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وقال الدمياطي: لا تجب (١).
قوله: (وَكَأَحْلِفُ، وَأُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ، إِنْ نَوَى بِاللهِ، وَأَعْزِمُ، إِنْ قَالَ باللهِ) يشير إلى ما قال في المدونة على حمل الشيخ أبي الحسن الصغير، ففيها: وإن قال أَشهد وأقسم أو أحلف أو أعزم أن لا أفعل كذا، فإن أراد بالله فهي أيمان وإلا فلا شيء عليه (٢). أبو الحسن: وانظر قوله: فإن أراد بالله فهي يمين ظاهرهُ يعود على الجميع وليس كذلك، وإنما يعود على الثلاثة الأول، وأما أعزم فلا يكون يمينًا حتى يقول بالله كما في الأمهات، وقال سحنون: اختلف فيمن قال (٣): أشهد بالله أو أقسم بالله هل هي يمين أم لا (٤)، وفي الزاهي (٥): إذا لم يقل بالله فلا شيء عليه (٦). اللخمي: والصواب إذا قال بالله أنها يمين (٧).
(المتن)
وَفِي أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلانِ؛ لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا، وَعَزَمْتُ عَلَيك بِاللهِ، وَحَاشَى اللهِ، وَمَعَاذَ اللهِ، وَاللهُ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ، وَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ، وَكَالْخَلْقِ وَالإِمَاتَةِ، أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ. وَغَمُوسٍ، بِأَنْ شَكَّ، أَوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ. وَإنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ فَكَفَرَ.
(الشرح)
قوله: (وَفي أُعَاهِدُ اللهَ قَوْلانِ) قال ابن حبيب: هي يمين توجب الكفارة (٨)، وقال ابن شعبان: لا كفارة فيها لأنه لم يحلف بالعهد؛ لأن قوله: أعاهد الله عهد منه وليس صفة لله تعالى (٩).
قوله: (لا بِلَكَ عَلَيَّ عَهْدٌ، أَوْ أُعْطِيكَ عَهْدًا) اللخمي: وإن قال لك عليَّ عهد أو
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٨٥.
(٢) انظر: انظر المدونة: ١/ ٥٨٠.
(٣) قوله: (قال) ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٣.
(٥) في (ن ٢): (الزاهد).
(٦) انظر: إكمال المعلم: ٧/ ٢٨٨.
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٧٩.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤.
(٩) انظر: أنوار البروق: ٤/ ٤٧٩، والتوضيح: ٣/ ٢٨٥.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أعطيك (١) عهدًا فلا كفارة عليه (٢)، ولم يحك (٣) فيهما خلافًا (٤).
قوله: (وَعَزَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ) يريد: أو أعزم عليك بالله فلا شيء عليه فيه، وإن أبى أن يجيبه إلى ما قصد (٥)، قال في المدونة: وإن قال لرجل أعزم عليك بالله ألا تفعل (٦) كذا فيأبى فهو كقوله: أسألك بالله (٧) لتفعلن كذا فامتنع، فلا شيء على واحد منهما (٨).
قوله: (وَحَاشَى اللهِ وَمَعَاذَ الله) الأشبه كما قال التونسي أنهما ليسا بيمين (٩)، وحكاه أبو محمد، وقيل (١٠): إنهما يمين، وفي النوادر عن بعض الأصحاب أن معاذ الله ليس يمينًا إلا أن يريد به اليمين (١١)، وإن قال الله راعٍ أو كفيل فليس في ذلك كفارة، وإليه أشار بقوله: (وَاللهُ رَاعٍ أَوْ كَفِيلٌ).
قوله: (وَالنَّبِيُّ وَالكَعْبَةِ) لقوله ﵇: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١٢)، فنهى عن اليمين بغير اسم الله، وقيست الصفات على الأسماء فلا تنعقد اليمين بالحلف (١٣) بالنبي ونحوه كالرسول والمصطفى والمختار، ولا بالكعبة ونحوها كالبيت والمقام والحجر وما أشبه ذلك.
قوله: (وَكَالخَلْقِ، وَالأَمَاتةِ) أي: وكذلك لا تنعقد اليمين بذلك. ابن شاس: ولا
_________________
(١) في (ز): (أعطيتك).
(٢) قوله: (عليه) ساقط من (ن).
(٣) في (ن): (يجد).
(٤) انظر: أنوار البروق: ٤/ ٤٧٦، التبصرة، للخمي، ص: ١٦٧٦.
(٥) في (ن): (قصده).
(٦) في (ز) و(ن): (فعلت). وفي (ن ٢): (لا فعلت).
(٧) قوله: (بالله) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٥٨٠.
(٩) في (ز): (بيمينين). وانظر: التوضيح: ٣/ ٢٨٦.
(١٠) قوله: (وقيل) ساقط من (ن ٢).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٧.
(١٢) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٥/ ٢٢٦٥، في باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا، من كتاب الأدب، برقم: ٥٧٥٧، ومسلم: ٣/ ١٢٦٦، في باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، من كتاب الأيمان، برقم: ١٦٤٦.
(١٣) قوله: (بالحلف) زيادة من (س).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
يجوز الحلف بصفاته الفعلية (١) كالخلق والرزق (٢)، يريد: والأماتة غير مضافة لله تعالى، لأن ذلك مما يحقق الفعل (٣)، قال: ولا تنعقد به اليمين.
قوله: (أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ (٤» يريد: أو نصراني أو ما أشبه ذلك أو سامري (٥)، أو سارق أو زانٍ (٦) أو عابد وثن أو شارب خمر أو يأكل الميتة أو عليه غضب الله أو دعا على نفسه إن فعل كذا، فلا كفارة في شيء من ذلك، وليستغفر الله تعالى.
قوله: (وَغَمُوسٍ بِأَنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ وَحَلَفَ بِلا تَبَيُّنِ صِدْقٍ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ) أي: وكذلك لا تجب الكفارة باليمين الغموس ويأثم (٧). ابن يونس: وهو الحلف على تعمد الكذب أو على غير يقين (٨)، وهو أعظم من أن تكفره (٩) الكفارة، وقاله في المدونة (١٠)، فقوله: (أو على غير يقين) ظاهره سواء (١١) كان شاكًّا أو ظانًّا، وهو معنى قوله هنا (بأن شك أو ظن)، ونحوه لابن المواز، قال: وكذلك الحالف (١٢) على شك أو ظن، فإن صادف ذلك كما حلف عليه فلا شيء عليه وقد خاطر (١٣)، وانظر قوله (١٤): (بأن شك) إلى آخره، ولم يذكر المتعمد للكذب وكأنه تركه لوضوحه أو للاستغناء عنه بما ذكر؛ لأنه إذا كان مع الشك أو الظن يتصف بذلك فلأن يتصف به إذا كان متعمدًا للكذب (١٥) أحرى.
_________________
(١) في (ن ١): (الخلقية)، وفي (ن ٢): (الخليقة).
(٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٤٣.
(٣) قوله: (يحقق الفعل) يقابله في (ن) و(ن ٢): (يخلق الله).
(٤) قوله: (يريد: والأماتة قوله: (أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ) ساقط من (ن ١).
(٥) قوله: (أو سامري) زيادة من (ن ١).
(٦) قوله: (زانٍ) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٧) قوله: (ويأثم) زيادة من (ن).
(٨) انظر: أنوار البروق: ٤/ ٤٧٩.
(٩) في (ز): (تكفر).
(١٠) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٠٠.
(١١) قوله: (سواء) زيادة من (ن).
(١٢) في (ن) و(ن ٢): (الحلف).
(١٣) انظر: انظر النوادر والزيادات: ٤/ ٨.
(١٤) قوله: (وانظر قوله) يقابله في (ن ٢): (وانظر قول مالك).
(١٥) زاد في (ن): (أولى).
[ ٢ / ٣٦١ ]
قوله: (وَإنْ قَصَدَ بِكَالْعُزَّى التَّعْظِيمَ، فكَفَرَ) كالعزى واللات ونحوهما، ولا إشكال فيما ذكر؛ لأن قصد تعظيمها (١) مجردًا من (٢) غير قسم (٣) بها مقتضٍ لذلك، فما بالك إذا انضم (٤) إلى هذا (٥) القصد أمر آخر ظاهر في التعظيم، فإن لم يقصد التعظيم بذلك فحرام.
(المتن)
وَلا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ، وَلَم يُفِدْ فِي غَيرِ اللهِ، كالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ؛ إِنْ قَصَدَ، كَإِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ، أَوْ يُرِيدَ، أوْ يَقْضِيَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَأَفَادَ بِكَإِلَّا فِي الْجَمِيعِ إِنِ اتَّصَلَ؛ إِلَّا لِعَارِضٍ وَنَوَى الاسْتِثْنَاءَ، وَقَصَدَ. وَنَطَقَ بِهِ وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ،
(الشرح)
قوله: (وَلا لَغْوٍ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ) أي: ولا كفارة في لغو اليمين، وهو أن يحلف على شيء يعتقده ثم يظهر خلافه، وهو مذهب المدونة (٦) والمشهور (٧)، ونحوه في الموطأ، وروي عن مالك في الموطأ (٨) أيضًا عن عائشة - ﵂ -: أن اللغو ما يسبق إليه اللسان من بلى والله ولا والله (٩)، وهو قول إسماعيل القاضي وأبي بكر الأبهري (١٠) وغيرهما.
قوله: (وَلَمْ يُفِدْ في غَيْرِ اللهِ) أي: أن اللغو لا يكون في غير اليمين بالله تعالى من الطلاق والعتاق ونحوهما، قال في المدونة: ولا لغوفي طلاق ولا مشي ولا صدقة ولا غيره إلا في اليمين بالله تعالى أو نذر لا مخرج له (١١).
_________________
(١) في (س): (تعظيمهما).
(٢) في (ز): (عن).
(٣) في (ن ٢): (نطق).
(٤) في (س): (انظم).
(٥) قوله: (هذا) زيادة من (ن ٢).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٨.
(٧) في (ن): (وهو المشهور).
(٨) قوله: (وروي عن مالك في الموطأ) زيادة من (ن).
(٩) انظر: الموطأ: ٢/ ٤٧٧، برقم: ١٠١٥.
(١٠) انظر: المعونة: ١/ ٤١٥.
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٨.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
قوله: (كَالاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللهُ) أي: وكذا لا يفيد الاستثناء في غير اليمين بالله تعالى.
قوله: (إِنْ قَصَدَ) أي: الاستثناء احترازًا مما إذا ذكر ذلك للتبرك فقط فإنه لا يفيده، قاله في المدونة (١)، وفي حكم اليمين النذر المبهم، قيل: وأجمعوا على سقوط الكفارة به إذا كان متصلًا.
قوله: (كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ (٢)، أَوْ يُرِيدَ، أَوْ يَقْضِىَ عَلى الأَظْهَرِ) ابن عبد البر: لا إشكال في إفادة الاستثناء بإن شاء الله وإلا أن يشاء الله (٣)، واختلف هل يلحق بهما إلا أن يريد الله وإلا أن يقضي الله وإلا أن يغير (٤) الله أو لا، فقال ابن القاسم في إلا أن يريد الله أو إلا أن يقضي الله: ليس ثنيا (٥)، وقال عيسى: ثنيا (٦). ابن رشد: وهو القياس والنظر الصحيح (٧)، وقال أصبغ: إلا أن يقضي الله ثنيا (٨) بخلاف، إلا أن يريد الله أو يريني (٩) غير ذلك، قال: ولا وجه له (١٠).
قوله: (وَأَفَادَ بِكَإلا في الجَمِيعِ) المراد (١١) (بكإلا) أدوات الاستثناء كغير وسوى وحاشى (١٢) وخلا وليس ولا يكون ونحو ذلك، ومراده بالجميع (١٣)؛ أي: في جميع الأيمان، وفاعل (أفاد) ضمير يرجع إلى (١٤) الاستثناء؛ أي: وأفاد الاستثناء في جميع
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٨.
(٢) قوله: (كَإِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) يقابله في (س): (كإن لا يشاء).
(٣) انظر: الكافي: ١/ ٤٤٨.
(٤) في (ن ٢): (يقدر)، وفي (ن): (يعين).
(٥) في (ز): (تثنيا)، وفي (ن ٢): (باستثناء)، وفي (ن): (استثناء).
(٦) في (ز): (تثنيا)، وفي (ن ٢): (باستثناء)، وفي (ن): (استثناء). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٥١.
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٠.
(٨) في (ن ٢): (استثناء).
(٩) قوله: (يريني) ساقط من (ن ٢)، وفي (ن): (يريد).
(١٠) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٠.
(١١) في (ز): (المرات).
(١٢) قوله: (وحاشى) ساقط من (ن).
(١٣) قوله: (المراد "بكإلا" أدوات ومراده بالجميع) ساقط من (ن ١).
(١٤) في (ن): (على).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الأيمان إن وقع بأدوات الاستثناء، ثم أشار إلى أن ذلك مشروط بثلاثة شروط:
الأول منها: أن يكون متصلًا من غير قطع إلا لضرورة، فإن انقطع لسعال أو عطاس أو تثاؤب فإن ذلك لا يضره، ونص عليه في الجلاب (١)، وإليه أشار بقوله: (إِنِ اتَّصَلَ، إِلا لِعَارِضٍ).
الثاني: أن ينوي الاستثناء فلو لم ينوه لم يفده، وإليه أشار بقوله: (وَنَوَى الاسْتِثْنَاءَ).
قوله: (وَقَصَدَ) يعني أنه (٢) لا بد (٣) مع (٤) نية الاستثناء أن يكون قد (٥) قصد به الإخراج أو الرفع، فلذلك لو نوى به التبرك لم يفده، ولا يشترط أن يكون قبل اليمين ولا قبل تمامها.
والثالث: أن ينطق بالاستثناء فلا تكفي النية بمجردها، وإليه أشار بقوله: (وَنَطَقَ بِهِ) أي: بالاستثناء، وأما قوله: (وَإِنْ سِرًّا بِحَرَكَةِ لِسَانِهِ) فيعني به أنه (٦) لا يشترط الجهر به، بل يكفي من ذلك حركة اللسان وهذا هو المشهور، وروى أشهب أن النية كافية إذا كان الاستثناء بـ "إلا" أو بإحدى أخواتها، قاله في البيان (٧).
(المتن)
إِلَّا أَنْ يَعْزِلَ فِي يَمِينِهِ أَوَّلًا، كَالزَّوْجَةِ فِي: "الْحَلَال عَلَيَّ حَرَامٌ" وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ، وَفِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ، وَالْيَمِينِ وَالْكَفَّارَةِ، وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى بِرٍّ بِإِنْ فَعَلْتُ وَلا فَعَلْتُ، أَوْ حِنْثٍ بِلأَفْعَلَنَّ، أَوْ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ؛ إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ: لِكُلٍّ مُدٌّ. وَنُدِبَ -بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ- زِيادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ، أَوْ رِطْلانِ خُبْزًا بِأُدْمٍ، كَشِبَعِهِمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، الرَّجُلُ ثَوْبٌ، وَالْمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ، وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ، وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِيرِ فِيهِمَا، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ كَالظِّهَارِ، ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ.
(الشرح)
قوله: (إِلا أَنْ يَعْزِلَ، في يَمِينِهِ أَوَّلًا كَالزَّوْجَةِ فِي الْحَلالُ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ) وقد
_________________
(١) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٩.
(٢) قوله: (يعني أنه) زيادة من (ن ٢).
(٣) في (ن): (الأبد).
(٤) في (ن ٢): (من).
(٥) قوله: (قد) زيادة من (س).
(٦) قوله: (أنه) زيادة من (س).
(٧) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٨٢.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
تقدم أن مجرد النية لا يكفي في الاستثناء على المشهور خلافًا لأشهب، وذكر هنا أن النية في المحاشاة كافية، ولهذا كان قوله: (إلا أن يعزل في يمينه (١) إلى آخره) مخرجًا من قوله: (ونطق) أي: إلا أن (٢) يعزل في يمينه من أوله فتكفيه النية، ومعنى العزل الإخراج قبل اليمين وهو المعبر عنه بالمحاشاة، قال القرافي: لا خلاف أن النية كافية في المحاشاة (٣). ونحوه للخمي، وحكى الباجي (٤) الخلاف في ذلك فقال: يجزئ الحالف (٥) في الحلال عليَّ حرام محاشاة امرأته دون نطق (٦)، وهذا هو المشهور. وعن أشهب: لا ينفعه ما ادعاه (٧) من المحاشاة (٨)، وقال ابن العربي (٩): لا يكون ذلك إلا بالنية والنطق، والأول هو الصحيح (١٠). ابن زرقون: وقول (١١) أشهب هو الأظهر لعموم قوله: الحلال عليَّ حرام. انتهى.
والمسألة على ضربين (١٢): تارة يقصد بلفظه (١٣) العموم أولًا ثم يخرج الزوجة، وتارة يقصد أولًا الخصوص وفي إفادة (١٤) ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: إن قصد الخصوص أفاد وإلا فَلا، فانظر قوله أولًا فإن ظاهره شمول الصورتين، والمشهور كما علمت الإفادة في الأولى دون الثانية، وحكى ابن عبد السلام أن المشهور فيهما الإفادة (١٥).
_________________
(١) قوله: (في يمينه) زيادة من (ن ٢).
(٢) قوله: (يعزل إلى آخره أي: إلا أن) ساقط من (س).
(٣) انظر: أنوار البروق: ٥/ ١٠٠.
(٤) زاد في (ز): (والجلاب).
(٥) في (ز): (على الخلاف).
(٦) في (ن ٢): (نطقها). وانظر: المنتقى: ٤/ ٤٩٣.
(٧) في (ز): (ما عداه).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٤٩.
(٩) أي: عن أشهب.
(١٠) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي: ٤/ ٢٧٣.
(١١) في (ز): (هو قول).
(١٢) في (ن): (قسمين).
(١٣) في (س): (بلفظها).
(١٤) قوله: (إفادة) زيادة من (ن).
(١٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٠٢.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
قوله: (وَفي النَّذْرِ المُبهَمِ) أي: وكذلك تجب الكفارة في النذر المبهم، وهو قوله: لله عليَّ نذر، أو إن فعلت كذا فعليَّ نذر؛ لأنه لم يجعل لنذره مخرجًا ولا سبيل إلى تركه مهملًا لعدم تعيين ما يخاطب به مما ينذر (١)، ولا إلى الحكم بأحد الأنواع؛ لأنه ترجيح بلا مرجح فكان العدل كفارة يمين، والدليل عليه ما في مسلم أنه ﵊ قال: "كفارة النذر كفارة يمين" (٢)؛ أي: النذر الذي لا مخرج (٣) له ولا يمكن (٤) حمله على ما له مخرج للزوم ذلك المعين (٥).
قوله: (وَالْيَمِينِ) يريد كقوله: إن فعلت كذا فعليَّ يمين (٦)؛ فعليه كفارة يمين، نص عليه في الجواهر، قال: وكذلك إذا قال إن فعلت كذا (٧) فعليَّ كفارة (٨)، وإليه أشار بقوله: (وَالْكَفَّارةِ) وفيه حذف؛ أي: ونذر اليمين ونذر الكفارة.
قوله: (وَالمُنْعَقِدَةِ عَلى بِرٍّ بِإنْ فَعَلْتُ، وَلا فَعَلْتُ، وَحِنْثِ (٩) بِلأَفْعَلَنَّ، أَوْ إِنْ (١٠) لَمْ أَفْعَلْ) أي: وكذا تجب الكفارة في اليمين المنعقدة سواء كانت منعقدة على بر أو على حنث كما قال، إذا خالف ما عقد (١١) عليه.
_________________
(١) في (ن ٢): (يندب).
(٢) أخرجه مسلم: ٣/ ١٢٦٥، في باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة، من كتاب النذر، برقم: ١٦٤٥، وأبو داود: ٢/ ٢٦٠، في باب من نذر نذرًا ولم يسمه، من كتاب الأيمان والنذور، برقم: ٣٣٢٣، والترمذي: ٤/ ١٠٦، في باب كفارة النذر إذا لم يسم، من كتاب النذور والأيمان، برقم: ١٥٢٨، والنسائي: ٧/ ٢٦، في كفارات النذر، من كتاب الأيمان والنذور، برقم: ٣٨٣٢، وابن ماجه: ١/ ٦٨٧، في باب من نذر نذرًا ولم يسمه، من كتاب الكفارات، برقم: ٢١٢٧.
(٣) في (س): (يخرج).
(٤) في (ز) (يحمل).
(٥) قوله: (ذلك المعين) يقابله في (ز ٢): (ولذلك المعنى)، وفي (ن ٢): (ذلك المعنى).
(٦) في (ز): (كفارة يمين).
(٧) قوله: (كذا) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦١.
(٩) في (ز) والمطبوع من مختصر خليل: (أو حنث).
(١٠) قوله: (أَوْ إِنْ) يقابله في (ن) والمطبوع من مختصر خليل: (وإن).
(١١) قوله: (عقد) يقابله في (ز): (حلف عقد)، وفي (ن) و(ن ٢): (حلف).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
قوله: (إِنْ لَمْ يُؤَجِّلْ) احترازًا مما إذا قال: إن لم أفعل كذا قبل (١) شهر مثلًا فإنه عليَّ بر إلى الأجل.
قوله: (إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) هو مبتدأ وخبره ما تقدم؛ أي أن الإطعام أو ما يذكره من أنواع الكفارة تجب في كل واحد من الأمور المتقدمة، ثم أشار إلى أن الكفارة متنوعة إلى إطعام وكسوة وعتق، وأن المكلف مخير في إخراج أيها شاء، وذلك مستفاد من لفظة (أو) المؤدية بقاء (٢) التخيير (٣) كما هي في آية (٤) كفارة اليمين، فإن لم يجد أحدها انتقل إلى الصوم كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (عَشْرَةِ مَسَاكِينَ) هو نص الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
قوله: (لِكُلٍّ مُدٌّ) أي: لكل مسكين من العشرة مد، وقاله مالك في المدونة (٥)، ولا خلاف أن المد كافٍ في مدينة النبي - ﷺ -، قاله مالك (٦) في المدونة (٧). وأما غيرهم فيزيدون على المد (٨) بحسب الاجتهاد، وقال أشهب: يزاد عليه ثلثه، وقال ابن وهب: نصفه (٩). ابن عبد السلام: وليس بخلاف لقول مالك في اعتبار الزيادة في غير (١٠) المدينة (١١)، وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ بِغَيْرِ المَدِينَةِ زِيادَةُ ثُلُثِهِ أَوْ نِصْفِهِ).
قوله: (أوْ رِطْلانِ خُبْزًا بِأُدْمٍ (١٢) كَشِبَعِهِمْ) هو معطوف على قوله (مد)؛ أي: لكل
_________________
(١) في (ن ٢): (إلى).
(٢) قوله: (بقاء) ساقط من (ن ٢).
(٣) قوله: ("أو" المؤدية بقاء التخيير) يقابله في (ن): (المدونة بالتخيير).
(٤) قوله: (آية) زيادة من (ن ٢).
(٥) قوله: (قاله مالك في المدونة) ساقط من (ن ٢). وانظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١١٨.
(٦) قوله: (قاله مالك) يقابله في (ن): (قال).
(٧) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١١٨.
(٨) قوله: (على المد) ساقط من (ن ٢).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٠.
(١٠) قوله: (غير) ساقط من (ن ٢).
(١١) انظر: التوضيح لخليل: ٣/ ٣٠٩.
(١٢) قوله: (بِأُدْمٍ) يقابله في (ن ٢): (خيز الإدام)، وفي (ن): (بإدامه)، وفي المطبوع من مختصر خليل: (بإدام).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
مسكين مد أو رطلان خبزًا. الباجي: وإنما يشترط المد إذا دفع إليهم الطعام، وأما إذا أطعمهم بإدام فالمعتبر شبعهم ولو نقص عن المد، وإليه أشار بقوله: (كَشِبَعِهِمْ) أي أن شبعهم يجزئ كما يجزئ من الخبز رطلان. بعض الأشياخ: والرطلان من الخبز بالرطل البغدادي، وظاهر المدونة: اشتراط الإدام كما ذكر هنا (١)، وإليه ذهب ابن حبيب (٢)، ومنهم من حمل المدونة (٣) على الاستحباب، ولهذا قال ابن مزين: يجزئ الخبز قَفارًا (٤).
قوله: (أَوْ كِسْوَتِهِمْ الرَّجُلُ ثَوْبٌ، وَالمَرْأَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) هذا هو النوع الثاني من أنواع الكفارة وهو الكسوة (٥)، قال في المدونة: ولا يجزئه إلا ما تحل به الصلاة، ثوب للرجل ولا يجزئه (٦) عمامة وحدها، وللمرأة درع وخمار (٧)، قال في الموطأ: وذلك أدنى ما يجزئ كلًّا في صلاته (٨).
قوله: (وَلَوْ غَيْرَ وَسَطِ أَهْلِهِ) أي: فلا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة الأهل؛ لأنه تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة، وعن اللخمي: مراعاة ذلك فيها كالإطعام، نقله ابن بشير (٩).
قوله: (وَالرَّضِيعُ كَالْكَبِير فيهما) أي: فيعطى ما يعطى الكبير من الكسوة والطعام، ولهذا قال: (فيهما) قال (١٠) في المدونة: ويطعم (١١) الرضيع من الكفارة إذا كان قد أكل (١٢) الطعام ما
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١١٩.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢١.
(٣) في (ز): (المدينة).
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٣١١، والقفار: الخبز بلا أدم. انظر: الصحاح، للجوهري: ٢/ ٨٩.
(٥) قوله: (الكسوة) زيادة من (ن ٢).
(٦) في (ن): (تجزئ).
(٧) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٢٣.
(٨) انظر: الموطأ: ٢/ ٤٧٩، برقم: ١٠١٩.
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٣١٣، التبصرة، للخمي، ص: ١٧٠٦.
(١٠) قوله: (فيهما قال) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١١) في (ن) و(ن ٢): (ويعطى).
(١٢) قوله: (قد أكل) يقابله في (ن): (من أكلي).
[ ٢ / ٣٦٨ ]
يطعم (١) الكبير (٢)، ومفهومه أنه لو لم يأكل الطعام؛ لم يعطَ، ولا تجزئ إن فعل، وهو مخالف (٣) لإطلاقه (٤) هنا (٥)، وفي المذهب قول أن الصغير يعطى قدر كفايته فقط، والمذهب أنه يعطى من الكسوة مقدار ما يعطى الكبير، وعن أشهب وابن حبيب: إنما يعطى ثوبًا قدره فقط (٦).
قوله: (أَوْ عِتْقُ رَقبَةٍ) أي: النوع الثالث من أنواع الكفارة العتق.
قوله: (كالظِّهَارِ) أي: فيشترط فيها ما يشترط في رقبة (٧) الظهار، وهو ألا تكون جنينًا ولا منقطعة الخبر (٨)، وأن تكون مؤمنة سليمة من العمى والبكم والجنون وقطع أصبع ونحوه، ومن مرض مشرف على الموت، وقطع أذن وصمم، وهرم وعرج شديدين، وجذام وبرص وفلج (٩) بلا شوب (١٠) عوض، ولا مشترًى للعتق محررة (١١) له، لا مكاتبة ولا مدبرة، بخلاف أعور ومرهون ومغصوب وذي مرض وعرج خفيفين، وقطع (١٢) أنملة وجدع أنف، وعتق غيرٍ عنه، ويكره الخصي، ويستحب أن تكون (١٣) ممن تصلي وتصوم، وسيأتي ذلك في بابه (١٤) إن شاء الله تعالى.
قوله: (ثُمَّ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فإن لم يقدر على شيء من ذلك صام ثلاثة أيام، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فلا يجزئه الصوم وهو يقدر على
_________________
(١) في. (ن ٢): (يعطى).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ٣٢٦.
(٣) في (ز ٢): (مخالفة).
(٤) في (ن): (لما أطلقه).
(٥) قوله: (هنا) زيادة من (س).
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٣١٢.
(٧) قوله: (رقبة) زيادة من (ن).
(٨) قوله: (منقطعة الخبر) يقابله في (ن ٢): (مقطوعة الجزء).
(٩) في (ز): (وفلح).
(١٠) في (س) و(ن ٢): (ثبوت).
(١١) في (ز) و(ز ٢): (مجردة).
(١٢) قوله: (قطع) زيادة من (ن ٢).
(١٣) قوله: (أن تكون) زيادة من (س).
(١٤) قوله: (في بابه) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
أحد الأنواع الثلاثة (١) المتقدمة.
(المتن)
وَلا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ؛ إِلَّا أَنْ يُكَمِّلَ. وَهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ. وَلَهُ نَزْعُهُ، إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ، وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا كُرِهَ، وَإِنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ، وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ وَوَجَبَتْ بِهِ إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ. وَفِي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ: بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ وَكَفارَةٌ.
(الشرح)
قوله: (وَلا تُجْزِئُ مُلَفَّقَةٌ) أي: من نوعين فأكثر وهو متفق عليه بالنسبة إلى العتق، وأما بالنسبة إلى الإطعام والكسوة فكذلك على المشهور، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٢) وقول أشهب (٣)، ولابن القاسم في الموازية (٤) الإجزاء (٥)، فإذا أعتق رقبة وأطعم عشرة مساكين وكسا عشرة عن ثلاث كفارات، فإن نوى كل خصلة (٦) منها عن كفارة أجزأه، وإن شرَّك (٧) لم يُجزِه عن العتق (٨) اتفاقًا، ولا عن غيره على المشهور، ومعنى التشريك بين الأيمان هو التشريك (٩) في كل كفارة من حيث هي كفارة لا فيما يأخذ كل (١٠) مسكين؛ إذ لو نوى ذلك لم يجزِه عن شيء إلا أن يعلم أعيان المساكين الذين دفع إليهم الطعام، فيزيد كل واحد منهم تمام المد، نص عليه غير واحد.
قوله: (وَمُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ) يريد أن العدد و(١١) هو العشرة معتبر كما في الآية، فلو
_________________
(١) قوله: (الثلاثة) ساقط من (ز ٢) و(ن ٢).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٩٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٢.
(٤) في (ن ٢): (المدونة).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٢.
(٦) في (ن ٢): (حصلت).
(٧) في (ز): (أشرك).
(٨) قوله: (عن العتق) يقابله في (ن): (من العتق شيء).
(٩) قوله: (هو التشريك) ساقط من (ن ٢)، وقوله: (بين الأيمان هو التشريك) يقابله في (ن): (أن يشرك كل واحدة من الأيمان).
(١٠) قوله: (كل) ساقط من (ن).
(١١) في (ن): (الذي).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
أعطى خمسة مدين مدين (١) لم يجز، وهو المراد بالتكرير، وكذلك لو أعطى كسوة العشرة لخمسة ونحوهم مما هو دون العشرة.
قوله: (وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ) أي: ولا يجزئ (٢) ناقص عن المد لكل مسكين (٣) كأن يدفع العشرة أمداد لعشرين مسكينًا لكل واحد نصف مد لعدم حصول العدد (٤) الخاص مع سد خلتهم (٥)، ثم قال: (إِلا أَنْ يُكَمِّلَ) أي: يكمل لعشرة منهم على ما أخذوا عشرة أمداد لكي يحصل (٦) لِكلِّ مد، واختلف شراح المدونة هل من شرط (٧) التكميل أن يكون ما دفعه إليهم أولًا باقيًا بأيديهم أم (٨) لا؟ كما نبه عليه بقوله: (وَهَلْ إِنْ بَقِيَ؟ تَأْوِيلانِ) قال القاضي عياض: وتأمل (٩) ههنا تفرقته في الكتاب (١٠) في الكفارات في الغداء والعشاء، فإنه بين (١١) في (١٢) مراعاة حصول (١٣) قدر المد إلى المسكين الواحد وإن تفرقت عليهم (١٤) في أوقات، وأن من أعطى لكل مسكين نصف مد أو ربعه في الكفارات أن عليه أن يكمل على (١٥) ذلك تمام المد سواء كانت بيد المسكين أو أكلها (١٦)،
_________________
(١) قوله: (مدين) ساقط من (س).
(٢) في (ن ٢): (لا يجوز).
(٣) في (س) و(ن ٢): (لمسكين).
(٤) قوله: (العدد) ساقط من (س).
(٥) قوله: (سد خلتهم) يقابله في (ن): (دخلتهم).
(٦) قوله: (لكي يحصل) زيادة من (ن).
(٧) قوله: (من شرط) يقابله في (س): (مشروط).
(٨) في (س): (أو).
(٩) في (ن ٢): (وتأول).
(١٠) قوله: (في الكتاب) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١١) قوله: (بين) في هامش (ن) أحالها في غير موضعها.
(١٢) في (ن ٢): (أن).
(١٣) في (ن) و(ن ٢): (وصول).
(١٤) في (ن) و(ن ٢): (عليه).
(١٥) قوله: (على) زيادة من (ن ٢).
(١٦) في (س): (أكلتها).
[ ٢ / ٣٧١ ]
وهو (١) ظاهر المدونة (٢) خلاف ما ذهب إليه أحمد بن خالد (٣) أنه إنما يتم (٤) عليها إذا كانت قائمة بأيدي المساكين حتى يكمل عليه بيد كل مسكين مد في وقت واحد، وأنه لا يجزئ تفرقة المد في أوقات على مسكين، وزعم أنه ظاهر المدونة، وليس كذلك.
قوله: (وَلَهُ نَزْعُهُ إِنْ بَيَّنَ بِالْقُرْعَةِ) يريد أنه إذا دفع الكفارة الواحدة لعشرين مسكينًا مثلًا لكلٍّ نصف مد فإن له نزع ذلك النصف من عشرة منهم بالقرعة؛ ومعنى قوله: (إن بين) (٥) أي: إن أعلمهم أنها كفارة وكانت قائمة بأيديهم، فإن أفاتوه أكمل لعشرة (٦). اللخمي: ولا يغرم من أفات، وإن غابوا استأنف الكفارة (٧).
قوله: (وَجَازَ لِثَانِيَةٍ إِنْ أَخْرَجَ، وَإلا كُرِهَ) لما ذكر أن ما تكرر لمسكين لا يجزئ خشي أن يتوهم ذلك ولو مع كفارة ثانية، فأشار إلى جواز الإعطاء ثانيًا من كفارة ثانية، وهو متفق عليه إن وجبت الثانية بعد إعطاء الأولى، وهو معنى قوله: (إن أخرج)، فأما إن وجبت قبل الإخراج، فإنه يكره. ابن أبي زيد: لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما إن حصلت النية في كل كفارة فجائز، وصوبه أبو عمران (٨).
قوله: (وَإنْ كَيَمِينٍ وَظِهَارٍ) إنما ذكر هذا مبالغة لينبه به على حصول الكراهة (٩)، وإن اختلفت الكفارتان.
قوله: (وَأَجْزَأَتْ قَبْلَ حِنْثِهِ) يريد أن من كفر قبل حنثه -أي: وبعد يمينه- فإنه يجزئه؛ لأن سبب الحكم إذا تقدم على شرطه جاز ترتبه (١٠) عليه، كالعفو عن القصاص
_________________
(١) في (س) و(ن) و(ن ٢): (وهذا).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ٣٢٣.
(٣) في (ن): (مالك).
(٤) في (ز): (يتمم).
(٥) قوله: (ومعنى قوله: "إن بين") زيادة من (ن).
(٦) في (س) و(ن ٢): (العشرة).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٣٥٢.
(٨) انظر: الذخيرة: ٤/ ٦٣، والتوضيح، لخليل: ٣/ ٣١٥.
(٩) في (ز): (الكفارة).
(١٠) في (س): (ترتيبه)، وفي (ن ٢): (تقديمه).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
قبل الموت؛ لتقدم السبب الذي هو الجرح، وتقديم الزكاة قبل الحول؛ لتقدم ملك (١) النصاب، واليمين ههنا سبب والحنث شرطه، فجاز تقديم الكفارة قبل الشرط وبعد السبب، ولا يجزئ قبل السبب اتفاقًا، وما ذكره هنا هو المشهور، وروى أشهب عن مالك عدم الإجزاء (٢)، وحمله بعضهم على الاستحباب، ومنهم من يحكي الجواز وعدمه، ويفرق في الثالث بين أن يكون على حنث فيجوز تقديمها، أو على بر فلا يجوز، وفي الكافي: رابع بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره (٣).
قوله: (وَوَجَبَتْ بِهِ) أي: بالحنث وهو مما لا أعلم فيه خلافًا، وأشار بقوله: (إِنْ لَمْ يُكْرَهْ بِبِرٍّ) إلى أن (٤) الحكم المذكور فيمن حنث طوعًا أو أكره وكان على حنث كمن (٥) حلف ليأكلن طعامًا بعينه فمنع منه حتى انعدم وما أشبه ذلك، وأما إن أكره وكان على بر فإنه لا يحنث ولا تجب عليه الكفارة، كمن حلف: لا أدخلن (٦) دار زيد فأكره على دخولها، أو لا يأكل طعامًا معينًا فأكره على أكله. ابن عبد السلام: وهو المشهور (٧)، وظاهر ما في العتبية لزوم الكفارة؛ أي: كانت يمينه على حنث أو على بر، وقيل: لا تلزمه كفارة.
قوله: (وَفي عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ، وَصَدَقَةٌ بِثُلُثِهِ، وَمَشْيٌ بِحَجٍّ، وَكَفَّارَةٌ) أي: اختلف فيمن قال: عليَّ (٨) أشد ما أخذ أحد على أحد، فقال ابن وهب: عليه كفارة يمين (٩)، وقال ابن القاسم: إن لم تكن له نية لزمه طلاق نسائه وعتق جميع رقيقه والصدقة بثلث ماله والمشي إلى بيت الله تعالى (١٠)، فلما كان من جملة
_________________
(١) في (ن): (ملكه).
(٢) انظر: عيون المجالس: ٣/ ٩٩٦.
(٣) انظر: الكافي: ١/ ٤٥٤.
(٤) قوله: (أن) ساقط من (ن).
(٥) في (ن): (فمن).
(٦) في (س) و(ن ٢): (لأدخل).
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٠٨.
(٨) في (ز): (أعليَّ).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١١.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ما يترتب على قائل ذلك عنده الطلاق الثلاث الذي هو قطع العصمة وعتق (١) جميع رقيقه (٢) أشار إليه (٣) بقوله: (بَتُّ مَنْ يَمْلِكُ وَعِتْقُهُ) أي: بت طلاق من يملك عصمتها من الزوجات، وعتق من يملك رقبته من الأرقاء، وقوله: (بحج) أي: في حج، يريد: أو عمرة، وأراد بقوله: (وكفارة) أي: كفارة يمين.
(المتن)
وَزِيدَ في الأَيْمَانِ تَلْزَمُنِي: صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ وَفِي لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ تَرَدُّدٌ. وَتَحْرِيمُ الْحَلالِ في غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَمَةِ لَغْوٌ، وَتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفَ، كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ، أَوْ قَالَ: لا وَلا، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا، أَوْ مَهْمَا، لا مَتَى مَا، وَوَاللهِ، ثُمَّ وَاللهِ وَإنْ قَصَدَهُ. أَوِ الْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالإِنْجِيلِ، وَلا كَلَّمَهُ غَدًا وَبَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا.
(الشرح)
قوله: (وَزِيدَ فِي الأَيمَانِ تَلْزَمُنِي صَوْمُ سَنَةٍ إِنِ اعْتِيدَ حَلِفٌ بِهِ) يريد أن ما ذكر أنه يلزم من قال: عليَّ أشد ما أخذ أحد على أحد يلزم من قال: الأيمان تلزمني وزيادة (٤) صوم سنة إن اعتاد الحالف اليمين بذلك، وقاله ابن بشير (٥). الشيخ: وينبغي في غير الصوم أيضًا أنه لا يلزمه (٦) إلا بالعادة، ولهذا قال ابن عبد السلام: ينبغي للمفتي أن ينظر إلى عرف (٧) زمانه وبلده (٨)، واعلم أن أصحابنا اختلفوا في هذه (٩) اليمين (١٠) اختلافًا كثيرًا، فقيل: لا يلزمه إلا الاستغفار، وقيل: يلزمه ثلاث كفارات ولا يدخل فيه طلاق
_________________
(١) في (ز ٢): (عن).
(٢) في (ن): (رقبته).
(٣) في (ن): (إلى ذلك).
(٤) قوله: (وزيادة) يقابله في (ن ٢): (ويلزمه مع ذلك).
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٦.
(٦) قوله: (أنه لا يلزمه) يقابله في (س): (أنه يلزم).
(٧) قوله: (عرف) ساقط من (ن).
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٧.
(٩) في (ز): (هذا).
(١٠) قوله: (اليمين) ساقط من (ن) و(ن ٢).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
ولا عتق حتى ينويه أو يجري به (١) العرف، وقيل: إنما تلزمه كفارة يمين، وقيل: يلزمه ما أشار إليه هنا الباجي وهي يمين لازمة يجب بها (٢) الطلاق والعتق والمشي إلى مكة وصدقة ثلث المال وصوم شهرين (٣)، واعترض ابن زرقون إيجاب صوم (٤) الشهرين، وقال: إنه غير (٥) معروف من قول من تكلم على هذه المسألة (٦)، وقد ذكر ابن عتاب (٧) أن بعض الأشياخ كان يفتي بأنه يلزمه مع (٨) ما تقدم الظهار، قال: وذلك بعيد لأن اليمين بالظهار غير معهودة ولا متعارفة، وكان أبو محمد وجماعة لا يوجبون فيها كفارة ظهار (٩).
ابن راشد: في إيجابها نظر لأنها إنما لزمت المظاهر (١٠)؛ لأنه أتى بمنكر من القول وزور، وهذا اللفظ بعينه لم ينطق به، قال: وإن كان مرادهم أن هذا اللفظ يستعمل مكان لفظ من ألفاظ الأيمان فيلزمه أن يعتزل زوجته حتى يكفر، ولا تلزمه الكفارة حتى يعزم على العود (١١)، وإلى هذا وما قبله أشار بقوله: (وَفِى لُزُومِ شَهْرَيْ ظِهَارٍ ترَدُّدٌ) وما ذكره من أن هذه اليمين يلزم فيها الطلاق الثلاث، قال الباجي: هو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، ومعظم أهل بلدنا، وهو الأظهر على أصل مالك (١٢).
قلت: وهو الصحيح عند التونسي واللخمي وعبد الحميد (١٣)، والمازري وجماعة
_________________
(١) في (ز) و(س): (يجريه).
(٢) في (س): (فيها).
(٣) انظر: المنتقى: ٤/ ٥٠٠.
(٤) قوله: (صوم) ساقط من (س) و(ن ٢).
(٥) في (ن): (قيد).
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٦.
(٧) في (ن ٢): (ابن عات).
(٨) قوله: (مع) ساقط من (س).
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٦.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٦.
(١١) في (ن): (الوطء).
(١٢) انظر: المنتقى: ٤/ ٥٠٠.
(١٣) في (ن ٢): (عبد الوهاب).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
من الأشياخ (١)، ولهذا أفتى السيوري بنقض حكم من حكم بالواحدة (٢).
الباجي: وقال أبو عمران: وأكثر من بلغنا قوله (٣) من أهل إفريقية يلزمه طلقة واحدة (٤)، وقيل: يلزمه الطلاق (٥) الثلاث إن قصد العموم، وإن لم يقصد شيئًا فواحدة (٦).
أبو عمران: وأرى الواحدة تلزمه وجوبًا، ويستحب له أن يُلزم نفسه بما زاد (٧).
انتهى. وإذا قلنا بلزوم الواحدة فهل هي بائنة أو رجعية؟ قولان.
قوله: (وَتَحْرِيمُ الحَلالِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَمَةِ لَغْوٌ) يريد أن من حرم على نفسه شيئًا مما أحله الله تعالى له (٨) من طعام أو شراب أو غيره إلا في (٩) الزوجة والأمة فلا شيء عليه؛ لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وإنما حرمت الزوجة لأن تحريمها طلاقها، وقال الأشياخ: إن نوى بتحريم الأمة عتقها صارت حرة وحرامًا عليه فلا يطؤها إلا بنكاح جديد، وكان ينبغي أن يقيد ذلك في الأمة بما إذا نوى به العتق كما قيده (١٠) الأشياخ.
قوله: (وَتَكَرَّرَتْ إِنْ قَصَدَ تَكَرُّرَ الْحِنْثِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفَ كَعَدَمِ تَرْكِ الْوِتْرِ، أَوْ نَوَى كَفَّارَاتٍ أَوْ قَالَ لا وَلا، أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ، أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ، أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا ومَهْمَا) يريد أن الكفارة (١١) تتكرر في أماكن منها إذا حلف ألا يفعل
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٥.
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٢٩٦.
(٣) قوله: (قوله) ساقط من (ن).
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٥٠٠.
(٥) قوله: (الطلاق) زيادة من (ز ٢).
(٦) انظر: المنتقى: ٤/ ٥٠٠.
(٧) في (ز): (أراد). وانظر: المنتقى: ٤/ ٥٠١.
(٨) قوله: (له) زيادة من (س).
(٩) قوله: (في) زيادة من (ن).
(١٠) في (س) و(ن) و(ن ٢): (ذكره).
(١١) في (ن): (الكفارات).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
كذا، ونوى تكرار (١) الحنث بفعله، ونحوه عن ابن القاسم (٢)، ومنها إذا كان العرف في المحلوف التكرار كقوله: والله لا تركت الوتر ومثله لا شربت الخمر بمدينته ﵊، نص عليه القرافي (٣)؛ لأنه قصد اجتناب شربها في كل وقت لشرف البقعة، ومنها إذا كرر اليمين على شيء ونوى تعدد الكفارات، وأشار بقوله: (أَوْ قَالَ لا وَلا) إلى ما حكاه صاحب الذخيرة، أن من حلف لا باع من فلان كذا، فقال آخر: وأنا، فقال: والله ولا أنت، فقال: عليه كفارتان إن باعها منهما أو من أحدهما فردها عليه فباعها من الآخر، عند ابن القاسم قال: ولو حلف لا باعها من فلان ولا من فلان فباعها منهما أو من أحدهما فكفارة واحدة (٤)، والفرق بينهما أن السؤال في الأولى لما وقع بين اليمين الأولى والثانية وتعدد المحلوف به ولو لفظًا حكم بكفارتين، وفي الثانية المقسم (٥) به واحد لفظًا ومعنًى فاتحدت الكفارة، لكن في فهم الأولى من كلام الشيخ هنا دون الثانية نظر، بل المتبادر إلى الذهن الثانية.
قوله: (أَوْ حَلَفَ أَلَّا يَحْنَثَ) يريد أن من حلف بالله لأفعلن كذا وكذا فقيل له: إنك ستحنث (٦)، فقال: لا (٧) والله لا أحنث، أن عليه (٨) كفارتين، وهكذا قال في العتبية. ابن رشد: وعليه إن حنث كفارة واحدة (٩) لحنثه في يمينه ليفعلن (١٠)، وأخرى لحنثه في يمينه والله (١١) لا أحنث، وقد قيل: ليس عليه إلا كفارة واحدة، وهو قول ابن القاسم في
_________________
(١) في (ص): (تكرر).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ٣١٢.
(٣) انظر: الذخيرة: ٤/ ١٧.
(٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ١٩.
(٥) في (ن ٢): (القسم).
(٦) في (ز): (تحنث).
(٧) قوله: (لا) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (أن عليه) يقابله في (ز): (فعليه).
(٩) قوله: (واحدة) زيادة من (ن ٢).
(١٠) في (ز): (ليفعل).
(١١) قوله: (والله) ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
المبسوط (١)، وأشار بقوله: (أَوْ بِالْقُرْآنِ وَالمُصْحَفِ وَالْكِتَابِ) إلى أن من حلف بالقرآن والمصحف والكتاب (٢) أن لا يفعل كذا فحنث، أن عليه ثلاث كفارات عدد (٣) المقسم به، ونسبه في البيان لابن القاسم قال: لاختلاف المسميات وإن كان المعنى واحدًا، وهو الكلام القديم (٤).
قوله: (أَوْ دَلَّ لَفْظُهُ بِجَمْعٍ، أَوْ بِكُلَّمَا ومَهْما) أي: وكذا تتكرر الكفارة إذا دل (٥) لفظ الحالف على ذلك إما بصيغة الجمع أو بكلما أو مهما أو ما أشبه (٦) ذلك، حكاه ابن بشير (٧) وابن شاس (٨) وغيرهما.
قوله: (لا مَتَى مَا) يشير به إلى أن من (٩) قال: متى ما كلمت زيدًا فعلي كفارة يمين أو نحو ذلك فكلمه مرة بعد مرة، فإن الكفارة لا تتكرر عليه، وقاله في المدونة (١٠).
قوله: (وَوَاللهِ ثُمَّ وَاللهِ) هكذا حكاه اللخمي فقال: إن من حلف بالله (١١) فقال: والله، ثم والله، ثم والله (١٢) لا فعلت كذا، ثم فعله فإنما عليه كفارة واحدة، قال: وأرى عليه ثلاث كفارات، وقال ابن عبد الحكم بالتعدد مع واو القسم (١٣).
قوله: (وَإنْ قَصَدَهُ) أي قصد الإنشاء (١٤) دون تعدد الكفارة وهو المشهور، ورواه
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٠٩.
(٢) قوله: (إلى أن من حلف بالقرآن والمصحف والكتاب) ساقط من (ن ٢).
(٣) في (ز): (عند).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٨.
(٥) في (ن): (كمل).
(٦) قوله: (أو ما أشبه) يقابله في (ن): (وما).
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٢٨.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦٠.
(٩) قوله: (أن من) يقابله في (س): (اليمين).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٩.
(١١) قوله: (بالله) زيادة من (ن ٢).
(١٢) قوله: (ثم والله) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٣) انظر: الذخيرة: ٤/ ١٨، التبصرة، للخمي، ص: ١٦٩٢.
(١٤) في (ن): (الأسماء).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
ابن القاسم عن مالك وقال به محمد (١)، اتحادها كان (٢) في مجلس أو أكثر، كان المحلوف به (٣) اسمًا أو صفة، وظاهر كلام ابن بشير أنها تتكرر (٤) في الصفات فإنه قال: وإذا قصد بتكرار (٥) يمينه تعدد الكفارة تعددت، أو اتحادها (٦) اتحدت، وإن لم يقصد (٧) والمعنى واحد واللفظ واحد أو متعدد (٨) اتحدت، كالحلف بأسماء الله تعالى، وإن تعدد المعنى تعددت كالحلف بالصفات (٩)، وحكي في الاستذكار (١٠) عن مالك أن من قال: والله والرحمن، فعليه كفارتان، وإن قال: والسميع والعليم والحكيم فثلاث (١١).
قوله: (وَالْقُرْآنِ، وَالتَّوْرَاةِ، وَالإِنْجِيلِ) أي: وكذا لا تتعدد الكفارة (١٢) إذا حلف (١٣) فقال: والقرآن والتوراة والإنجيل لا فعلت كذا ثم فعله، فإنما عليه كفارة واحدة، قاله سحنون (١٤)، وفي سماع عيسى عن ابن القاسم ما ظاهره خلاف ذلك (١٥).
قوله: (وَلا كَلَّمَهُ غَدًا أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ غَدًا) أي: وكذا لا تتكرر الكفارة إذا قال: والله (١٦) لا كلمته غدًا أو بعد غد (١٧)، ثم قال: والله لا كلمته غدًا ثم كلمه غدًا. وفي العتبية عن
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١١.
(٢) قوله: (به محمد، اتحادها كان) يقابله في (ن): (محمد باتحادها).
(٣) في (ز ٢): (عليه).
(٤) في (س): (تكرر).
(٥) في (س): (بتكرر).
(٦) في (س): (اتخادها).
(٧) في (ز ٢) (يقصده).
(٨) في (ن): (معدد).
(٩) انظر: الذخيرة: ٤/ ١٧.
(١٠) في (ن ٢): (الاستدراك).
(١١) انظر: الاستذكار: ٥/ ١٩٨.
(١٢) في (ن): (اليمين).
(١٣) قوله: (إذا حلف) ساقط من (ن ٢).
(١٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢.
(١٥) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٧٨.
(١٦) قوله: (والله) ساقط من (ن ٢).
(١٧) قوله: (بعد غد) يقابله في (ن): (بعده ثم غدا أي: أو بعد غد).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ابن القاسم إذا قال: والله لا كلمته غدًا ووالله لا كلمته غدًا ولا (١) بعد غد فكلمه غدًا لزمه كفارتان (٢)، ثم قال (٣): إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه، ولو لم يكلمه غدًا أو كلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة، وإن قال: والله لا كلمته غدًا، والله (٤) لا كلمته بعد غد فكلمه في اليومين فعليه كفارتان، فإن كلمه في أحدهما فكفارة (٥) واحدة (٦)، انظر الكبير.
(المتن)
وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ، وَقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ فِي اللهِ وَغَيْرِهَا، كَطَلاقٍ، كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لا يتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا، كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي: لا آكُلُ سَمْنًا، أَوْ لا أُكَلِّمُهُ، وَكَتَوْكِيلِهِ فِي لا يَبِيعُهُ، أَوْ لا يَضْرِبُهُ، إِلَّا لِمُرَافَعَةٍ وَبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ فِي طَلاقٍ وَعِتْقٍ فَقَطْ، أَوِ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ، لا إِرَادَةِ مَيِّتَةٍ، أَوْ كَذِبٍ فِي: طَالِقٌ وَحُرَّةٌ، أَوْ حَرَامٌ، وَإنْ بِفَتْوَى.
(الشرح)
قوله: (وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الحَالِفِ، وَقَيَّدَتْ إِنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ فِي اللهِ وَغَيْرِهَا) يريد أن النية تخصص (٧) العمومات وتقيد (٨) المطلقات (٩)؛ أي: إذا صلح لها اللفظ سواء كانت مطابقة له، وهو مراده بقوله: (إن ساوت (١٠» كقوله (١١): أحد عبيدي حر، وقال:
_________________
(١) في (ن) و(ن ٢): (أو).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٠.
(٣) قوله: (قال) زيادة من (ن ٢).
(٤) في (ن ٢): (ووالله).
(٥) في (ز): (فعليه كفارة).
(٦) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٠١.
(٧) في (ز): (تخصيص).
(٨) في (ز): (وتقييد).
(٩) في (ز): (المطلوقات).
(١٠) قوله: (إن ساوت) يقابله في (ن ٢): (وساوت).
(١١) قوله: (سواء كانت مطابقة له، وهو مراده بقوله: (إن ساوت) كقوله) يقابله في (ن): (وذلك بشرط أن تكون منافية للمخصص ومساوية له فالنية المنافية هي التي يقصد بها إخراج بعض الأنواع من العموم فتنفي عموم اللفظ وتخصصه قاله القرافي والنية المساوية هي الموافقة لظاهر اللفظ فتقبل في القضاء والفتيا كما إذا قال).
[ ٢ / ٣٨٠ ]
أردت فلانًا، أو عائشة طالق وكان له جارية وزوجة (١) كلتاهما مسماة بذلك، وقال أردت الأمة (٢) أو (٣) كانت زائدة، وهو مراده بقوله: (إن نافت)، أو كانت ناقصة، وهذا إذا لم يحلف (٤) في وثيقة حق أو كانت على (٥) يمينه بينة كما سيأتي، وقوله: (في الله وغيرها كطلاق)، يريد أن هذا الحكم جارٍ في اليمين بالله تعالى وغيرها من الطلاق والعتاق والمشي والصدقة ونحوها (٦)، وأشار بقوله: (كَكَوْنِهَا مَعَهُ في لا (٧) يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا) إلى قول محمد (٨): أن من حلف لزوجته بطلاق من (٩) يتزوج عليها حياتها، أو يشترطه (١٠) لها في أصل نكاحها فتَبِينُ منه ثم يتزوج عليها ويقول: نويت ما دامت في عصمتي أنه يصدق مطلقًا في القضاء والفتيا (١١).
قوله: (كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ في لا آكُلُ سَمْنًا، أوْ لا أُكَلِّمُهُ (١٢» هكذا قال محمد ومراده أن من حلف لا آكل سمنًا، ثم قال: نويت بذلك (١٣) سمن ضأن، أو لا أكلمه، وقال: نويت شهرًا فإنه يصدق في الفتيا لا في القضاء، وإن خالف ظاهر لفظه (١٤).
قوله: (وَكَتَوْكِيلِهِ فِي لا يَبِيعُهُ، وَلا يَضْرِبُهُ) يريد أن من حلف لا باع عبده أو لا
_________________
(١) قوله: (وكان له جارية وزوجة) يقابله في (ن): (وله زوجتان).
(٢) في (ن): (هذه).
(٣) في (ن ٢): (إن).
(٤) قوله: (كانت ناقصة، وهذا إذا لم يحلف) ساقط من (ن).
(٥) قوله: (على) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٦) في (ن): (وغيرها).
(٧) في (ن) والمطبوع من مختصر خليل: (ألا).
(٨) في (ن) و(ن ٢): (أبي محمد).
(٩) في (ز): (ما).
(١٠) في (ن): (اشترطه).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٦١.
(١٢) في (س) والمطبوع من مختصر خليل: (آكله).
(١٣) قوله: (بذلك) زيادة من (ن).
(١٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٦٠.
[ ٢ / ٣٨١ ]
أضربه فأمر غيره فباعه أو أمره (١) بضربه، وقال: نويت ألا أبيعه بنفسي، أو لا أضربه بنفسي (٢)، فإنه (٣) يصدق ولا يحنث، انظرها في الكبير فإن ظاهر المدونة يخالف ما هنا في مسألة البيع (٤).
قوله: (إِلا لِمُرافَعَةٍ وَبَيِّنةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ فِي طَلاقٍ وَعِتْقٍ فَقَطْ) هذا مخرج من قوله: (وخصصت نية الحالف وقيدت إن نافت (٥»، والمعنى أن النية تخصص العمومات وتقيد المطلقات إلا أن تكون ثَمّ مرافعة وبينة أو إقرار فيما يقضى عليه فيه بالحنث، وهو الطلاق والعتق فقط دون سائر القرب كالعطايا (٦) والهبة والصدقة والصلاة والصوم ونحوه.
قوله: (أَوِ اسْتُحْلِفَ مُطْلَقًا فِي وَثيقَةِ حَقٍّ) أي: وكذا لا تنفعه نيته إذا كان مستحلَفًا في وثيقة حق؛ لأن اليمين في ذلك على نية المحلوف له، وسواء كان الحلف بالله أو بغيره، وهو (٧) مراده بالإطلاق. ابن عبد السلام (٨): وبعضهم يحكي الإجماع على ذلك، وحكى التونسي وابن عبد البر وابن زرقون وغيرهم في ذلك قولين (٩)، قال في الكافي: والقول بأنه على نية المستحلِف تحصيل مذهب مالك (١٠).
قوله: (لا إِرَادَةِ مَيِّتَةٍ وَكَذِبٍ فِي طَالقٍ (١١) وَحُرَّةٍ، أَوْ حَرَامٍ، وَإنْ بِفَتْوَى) أي: فلا تنفعه نيته مطلقًا لا في القضاء ولا في الفتيا، ومعناه إذا قال: امرأتي طالق أو جاريتي حرة، وقال: أردت زوجتي التي ماتت أو أمتي التي ماتت (١٢)، أو قال لزوجته: أنت حرام،
_________________
(١) في (ز): (أمر).
(٢) قوله: (بنفسي) زيادة من (س).
(٣) قوله: (فإنه) ساقط من (س).
(٤) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٤١.
(٥) قوله: (إن نافت) ساقط من (س) و(ن) و(ن ٢).
(٦) في (ز): (كالعطاء).
(٧) قوله: (وهو) ساقط من (ن ٢).
(٨) قوله: (ابن عبد السلام) يقابله في (ز): (ابن شاس وابن عبد السلام).
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٣١٦.
(١٠) انظر: الكافي: ١/ ٤٤٩.
(١١) في (س) و(ن) والمطبوع من مختصر خليل: (طلاق).
(١٢) قوله: (التي ماتت) يقابله في (س) و(ن) و(ن ٢): (الميتة).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وقال: أردت الكذب فإنه لا (١) يصدق في شيء من ذلك، فقوله: (في طالق (٢) وحرة) راجع إلى مسألة الميِّتة (٣)، وفي (حرام) راجع (٤) إلى مسألة الكذب من باب اللف والنشر.
(المتن)
ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ، ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَوِيٌّ، ثُمَّ شَرْعِيٌّ، وَحَنِثَ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَلا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيّ أَوْ سَرِقَةٍ، لا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ. وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ، وَبِالنِّسْيَانِ إِنْ أَطلَقَ، وَبِالْبَعْضِ. عَكْسُ الْبِرِّ، وَبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ فِي لا آكُلُ لا مَاءٍ وَلا بِتَسَحُّرٍ فِي لا أَتَعَشَّى، وَذَوَاقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ، وَبِوُجُودِ أكثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتَسَلِّفٍ، لا أَقَلَّ، وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ وَلُبْسِهِ فِي لا أَرْكَبُ وَأَلْبَسُ، لا فِي كَدُخُولٍ الدَّارِ، وَبِدَابَّةِ عَبْدِهِ فِي دَابَّتِهِ،
(الشرح)
قوله: (ثُمَّ بِسَاطُ يَمِينِهِ) أي: فإن لم تكن له نية نظر في ذلك إلى بساط اليمين، فيعمل على مقتضاه من حنث أو بر؛ لأنه هو السبب الحامل على اليمين، يريد: إذا كانت اليمين مما ينوى فيها، وهذا هو المعروف، وقيل: يقدم مقتضى (٥) اللفظ على بساط اليمين، حكاه اللخمي (٦) وابن رشد (٧).
قوله: (ثُمَّ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ، ثُمَّ مَقْصَدٌ لُغَوِيٌّ، ثُمَّ شَرْعِيٌّ) أي: فإن لم تكن له نية وليس ثَمَّ بساط حملت يمينه على العرف القولي، فإن لم يكن فعلى المقصد اللغوي، فإن فُقد أيضًا فعلى المقصد الشرعي، وهذا هو المشهور، وقيل: يقدم اللغوي، وقيل: الشرعي، حكاهما ابن بشير (٨).
قوله: (وَحَنِثَ إِنْ لَمْ تَكُنْ له نِيَّةٌ، وَلا بِسَاطٌ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ أَوْ
_________________
(١) قوله: (فإنه لا) يقابله في (ن): (فلا).
(٢) قوله: (طالق) في النسخ: طلاق. والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) كذا في (ن) وضبب عليها وكتب بجوارها: (الحرة والأمة)
(٤) قوله: (راجع) زيادة من (ن).
(٥) قوله: (مقتضى) ساقط من (ن).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧١٢، ١٧١٣.
(٧) انظر: المقدمات الممهدات: ١/ ٢٠٩.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٢٣.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
سَرِقَةٍ (١» أي: إذا تعذر فعل (٢) المحلوف عليه لتفريطه، والفعل غير مؤقت حنث باتفاق، فإن بادر فلم يمكنه فكالمؤقت، والمؤقت تارة يكون تعذُّره عقليًّا كموت الحمام المحلوف بذبحها، وسيأتي من كلامه بعد هذا، وتارة يكون تعذُّره شرعيًّا كمن حلف ليطأنَّ الليلة (٣) زوجته فيجدها حائضًا، أو ليبيعنَّ اليوم جاريته فيجدها حاملًا، فمذهب المدونة أنه يحنث (٤) كما قال ههنا، وقال سحنون في مسألة البيع: لا يحنث (٥)، ولابن القاسم وابن دينار في مسألة الوطء الفرق (٦)، فإن أمكنه الوطء ففرط حتى حاضت حنث، وإن لم يمكنه فلا يحنث، واختاره ابن حبيب (٧)، وتارة يكون تعذُّره عاديًّا كأن يحلف ليذبحنَّ الحمامة غدًا فتسرق أو تغصب أو تستحق (٨)، ومذهب المدونة أيضًا الحنث كما هنا (٩)، وقيل: لا يحنث، ونسبه ابن شاس لأشهب نظرًا إلى أن ذلك كالموت (١٠).
قوله: (لا بِكَمَوْتِ حَمَامٍ في لَيَذْبَحَنَّهُ) أي: فلا يحنث، وهذا هو التعذُّر العقلي، وهو أن يحلف ليذبحنَّ حمام يتيمه أو ولده فتموت قبل ذلك؛ لأن الذبح حينئذٍ متعذر عقلًا، والمنصوص عدم الحنث، وخرج اللخمي الحنث على المتعذر شرعًا (١١).
قوله: (وَبِعَزْمِهِ عَلَى ضِدِّهِ) هو معطوف على المجرور الأول وهو قوله: (بفوت ما حلف عليه)؛ أي: وكذا يحنث بالعزم على ضد ما حلف عليه، يريد: سواء كانت يمينه
_________________
(١) قوله: (له) زيادة من (ن ٢).
(٢) في (ز): (فعلى).
(٣) قوله: (الليلة) ساقط من (ن ٢).
(٤) انظر: المدونة: ٢/ ٧٧.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٥٠.
(٦) قوله: (الفرق): في (ن): (يعتبر الفور). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٤٩ و٢٥٠، والتوضيح: ٣/ ٣٢٣.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٥٠.
(٨) في (س): (تسحق).
(٩) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٤٧.
(١٠) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦٠.
(١١) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٣٨، التبصرة، للخمي، ص: ١٧٧١.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
على حنث أو بر، قال في المدونة: ومن قال لزوجته: أنت طالق إن لم أتزوج عليك، فعزم على عدم (١) التزويج، طلقها وارتجعها وبرَّ (٢).
قوله: (وَبِالنِّسْيَانِ إِنْ أَطْلَقَ) يريد أن الحالف إذا حلف (٣) على شيء، كقوله: لا دخلت دار زيد مثلًا، ولم يقيد كلامه لا بنسيان (٤) ولا عمد، وهو مراده بالإطلاق فإنه يحنث بالنسيان، وهو المعروف من المذهب، وذهب السيوري (٥) وابن العربي (٦) وجماعة من المتأخرين إلى عدم الحنث به، أما إن قال: لا دخلتها عمدًا فإنه لا يحنث بالنسيان بلا خلاف، كما اتفق على أنه يحنث بالنسيان إن قال: لا دخلتها (٧) عمدًا ولا نسيانًا، وهو ظاهر تقييده (٨).
قوله: (وَبِالْبَعْضِ عَكْسُ الْبِرِّ) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا يفعل كذا ففعل بعضه، مثل أن يحلف لا آكل رغيفًا فأكل بعضه ولو لقمة، وهو المشهور وقاله في المدونة (٩)، ولابن كنانة أنه لا يحنث إلا بفعل الكل (١٠)، وهذا بالنسبة إلى الحنث (١١) وأما بالنسبة إلى البر فلا بد من الجميع، وخرَّج ابن الجلاب فيها قولًا بأنه يبر (١٢) بالبعض قياسًا على الحنث بالبعض (١٣).
قوله: (وَبِسَوِيقٍ أَوْ لَبَنٍ في لا آكُلُ) أي: وكذلك يحنث بشرب السويق واللبن إذا
_________________
(١) في (س): (عام).
(٢) انظر: المدونة: ٢/ ٣٩٧.
(٣) قوله: (إذا حلف) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٤) في (ز): (نسيان).
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٨.
(٦) انظر: أحكام القرآن، لابن العربي: ٣/ ٢١٥.
(٧) قوله: (لا دخلتها) يقابله في (س): (أدخلتها).
(٨) في (س) و(ن) و(ن ٢): (لتقييده).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٥٥٩.
(١٠) انظر: الكافي: ١/ ٤٥٠ و٤٥١.
(١١) قوله: (وهذا بالنسبة إلى الحنث) زيادة من (ن ٢).
(١٢) في (ن ٢): (يبرأ).
(١٣) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٢٥.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
حلف لا آكل؛ لأن قصده التضييق على نفسه حتى لا يدخل في بطنه طعام ولا شراب، والسويق واللبن طعام. ابن شاس: ولو كان قصده الأكل دون الشرب لم يحنث (١).
قوله: (لا مَاءٍ) يعني: فأما في حلفه (٢) لا آكل فشرب ماء فإنه لا يحنث؛ لأنه ليس بطعام.
قوله: (وَلا بِتَسَحُّرٍ (٣)، في: لا أَتَعَشَّى) هذه المسألة لابن القاسم في العتبية، فقال في الحالف لا أتعشى: لا يحنث إذا تسحر (٤)؛ لأن العشاء لا يتصف به من تسحر، وهذا إذا لم تكن له نية، فأما إن قصد ألا (٥) يأكل طعامًا تلك الليلة فإنه يحنث بالسحور، كما إذا وُجد بساط يُصرف اللفظ (٦) إليه.
قوله: (وَذَواقٍ لَمْ يَصِلْ جَوْفَهُ (٧» أي: وأما إن وصل إليه فإنه يحنث، وهذه مسألة المدونة قال فيها: وإن حلف في طعام أو شراب لا يأكله فذاقه فإن لم يصل إلى جوفه لم يحنث (٨).
قوله: (وَبِوُجُودِ أَكثَرَ فِي لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ لِمُتسَلِّفٍ، لا أَقَلَّ) هو معطوف على قوله: (وحنث بكذا (٩» أي: وكذلك يحنث إذا حلف لمن سأله قرض خمسة عشر درهما فقال (١٠): ليس معي إلا عشرة، فوجدها أكثر أعني (١١) أحد عشر، ولا يحنث إذا وجدها تسعة؛ لأن المقصود في العادة ليس معي ما يزاد (١٢) على العشرة، نقل هذين
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٢.
(٢) قوله: (فأما في حلفه) يقابله في (ن ٢): (أنه إذا حلف).
(٣) في (س): (يتسحر)، وفي المطبوع من مختصر خليل: (تسحر).
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٦١.
(٥) في (ز): (لا).
(٦) قوله: (اللفظ) ساقط من (ن ٢).
(٧) في (ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وذوق).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٦٠١.
(٩) قوله: (بكذا) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١٠) قوله: (درهما فقال) زيادة من (ن ٢).
(١١) قوله: (أكثر أعني) زيادة من (ن ٢).
(١٢) قوله: (ما يزاد) زيادة من (س)، وفي (ن): (يزيد).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
الفرعين هكذا ابن يونس (١).
قوله: (وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ وَلُبْسِهِ فِي: لا أَرْكَبُ وَأَلْبَسُ) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا أركب الدابة وهو راكب عليها، و: لا ألبس (٢) الثوب وهو لابس له، إذا تمادى على ذلك بناء على أن (٣) الدوام كالابتداء، قال في الجواهر: وإن نزل عن الدابة أو نزع الثوب مكانه فلا شيء عليه (٤)، وقاله في المدونة (٥).
قوله: (لا فِي كَدُخُولِ الدَّارِ (٦» أي: فإنه لا يحنث، وأشار به إلى ما قاله ابن القاسم، أن من حلف لا أدخل (٧) الدار وهوفيها، أنه لا يحنث بدوام جلوسه فيها، وقال أشهب: يحنث (٨)، ووجه الأول (٩) أن جلوسه لا يعد دخولًا بخلاف دوام ركوبه ولبسه فإنه يعد ركوبًا ولبسًا.
قوله: (وَبِدَابَّةِ عَبْدِهِ في دَابَّتِهِ) يريد أن من حلف لا أركب (١٠) دابة فلان فركب دابة عبده فإنه يحنث، قال في المدونة: إلا أن تكون له نية؛ إذ لو اشترى العبد من يعتق على سيده أعتقناه عليه (١١)، وقال أشهب: لا يحنث (١٢).
(المتن)
وَبِجَميعِ الأَسْوَاطِ فِي لأَضْرِبَنَّهُ كَذَا، وَبِلَحْمِ الْحُوتِ، وَبَيْضِهِ، وَعَسَلِ الرُّطَبِ فِي مُطْلَقِهَا. وَبِكَعْكٍ، وَخَشْكِنَانٍ، وَهَرِيسَةٍ، وَإِطْرِيَةٍ فِي خُبْزٍ، لا عَكْسِهِ، وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ، وَدَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ، وَدَجَاجٍ لا بِأَحَدِهِمَا، فِي آخَرَ، وَبِسَمْنٍ اسْتُهْلِكَ
_________________
(١) انظر: الذخيرة: ٤/ ٢٨.
(٢) في (س): (أو لا لبس)، وفي (ن): (أو لا يلبس).
(٣) قوله: (أن) كلمة غير مقرؤة في (س).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٥.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٤.
(٦) قوله: (الدار) ساقط من (ز) و(ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل.
(٧) في (س): (لا دخل).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٥١.
(٩) قوله: (الأول) يقابله في (ن ٢): (قول ابن القاسم).
(١٠) في (س): (لا ركب)، وفي (ن ٢): (لأركب).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٧.
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٧.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فِي سَوِيقٍ، وَبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ لا بِكَخَلٍّ طُبِخَ، وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي: لا قَبَّلْتُكِ أَوْ قَبَّلْتِنِي، وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي: لا فَارَقْتُكَ أَوْ فَارَقْتَنِي إِلَّا بِحَقِّي، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ وَإنْ أَحَالَهُ، وَبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لا الْعَكْسِ،
(الشرح)
قوله: (وَبِجَميعِ (١) الأَسْوَاطِ فِي لأَضْرِبَنَّهُ كَذَا) أي: وكذا يحنث إذا حلف ليضربن عبده مائة سوط فجمعها (٢) وضربه بها ضربة واحدة (٣)، والأحسن أن لو قال هنا (٤): ولم يبرَّ (٥) بجميع (٦) الأسواط إلى آخره، قال في المدونة: ومن حلف ليضربن عبده مائة سوط فجمعها فضربه بها ضربة واحدة (٧)، أو أخذ سوطًا له رأسان، أو جمع سوطين فجلده بهما خمسين جلدة لم يبرَّ، ثم قال: ولو ضربه بسوط مائة جلدة ضربًا خفيفًا لم يبر إلا بضرب مؤلم (٨). انتهى. قالوا: ولا يبني على شيء من ذلك الضرب؛ إذ لا يقع به إيلام إذا جمعها.
قوله: (وَبِلَحْمِ الحُوتِ، وَبَيْضِهِ، وَعَسَلِ الرُّطَبِ فِي مُطْلَقِهَا) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا آكل لحمًا، فأكل لحم الحيتان، أو: لا آكل بيضًا، فأكل بيض السمك، أو: لا آكل عسلًا، فأكل عسل الرطب، فمراده بقوله: (مطلقها) أي: مطلق كل جنس مما ذكر، فاللحم مطلق وإضافته إلى الحيتان أو غيرها تقييد له (٩)، وكذلك البيض مطلق والعسل كذلك، ويتقيدان بالإضافة إلى الحيتان والرطب أو غيرهما، ومذهب ابن القاسم ما ذكر، قال: إلا أن تكون له نية أو ليمينه بساط فيحمل عليه (١٠)، وقال أشهب: لا يحنث
_________________
(١) في (ز) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وبجمع).
(٢) في (ز): (فجمها).
(٣) قوله: (أي: وكذا يحنث بها ضربة واحدة) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٤) قوله: (هنا) زيادة من (ن ٢).
(٥) قوله: (ولم يبرَّ) يقابله في (ن ٢): (ولا يبر).
(٦) في (ز): (بجمع).
(٧) قوله: (واحدة) ساقط من (ز ٢).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٦١٠.
(٩) قوله: (له) ساقط من (ز).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٦٠١.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
إلا بلحم الأنعام إلا أن يكون نوى اللحوم كلها، قال: والاستحسان أن يحنث بكل بيض (١)، والقياس الاختصاص ببيض الدجاج (٢)، وأجرى (٣) أبو محمد على مذهبه نفي الحنث في عسل الرطب ونحوه (٤).
قوله: (وَبِكَعْكٍ، وَخَشْكِنَانٍ، وَهَرِيسَةٍ، وَإِطْرِيَةٍ فِي خُبْزٍ) أي: وكذا يحنث بأكل الكعك والخشكنان (٥) أو الهريسة أو الإطرية إذا حلف لا آكل خبزًا، ومعنى قوله: (لا عكسه) أي: أنه لا يحنث بأكل الخبز إذا حلف لا يأكل كعكًا، أو خشكنانًا، أو هريسة، أو إطرية وهو ظاهر.
قوله: (وَبِضَأْنٍ وَمَعْزٍ وَدِيَكَةٍ، وَدَجَاجَةٍ فِي غَنَمٍ، وَدَجَاجٍ) يريد أن من حلف لا آكل غنمًا (٦)، فإنه يحنث بأكل لحم الضأن والمعز، وإن حلف لا آكل دجاجًا، فإنه يحنث بأكل لحم الدجاجة والديك، وقاله ابن المواز، قال: ولا يحنث بأحدهما إذا حلف على الآخر (٧)؛ أي: فإذا حلف لا آكل الضأن فإنه لا يحنث بأكل المعز ولا العكس، أو حلف لا آكل لحم ديك فإنه لا يحنث بأكل لحم الدجاجة ولا العكس، وإلى هذا أشار بقوله: (لا بِأَحَدِهِمَا فَي آخَرَ).
قوله: (وَبِسَمْنٍ اسْتُهْلِكَ فِي سَوِيقٍ) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا آكل سمنًا فأكله مستهلكًا في سويق، قال في المدونة وغيرها: إلا أن ينويه خالصًا (٨). ابن ميسر (٩): وهذا إذا وجد طعم السمن في فيه، وإلا فلا حنث (١٠). واختلف هل هو خلاف أو وفاق، سحنون: وإن حلف ألا يأكل زعفرانًا، فأكل طعامًا فيه زعفران حنث ولم ينو؛ لأن
_________________
(١) قوله: (بكل بيض) يقابله في (ن ٢): (بأكل كل بيض).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٠١.
(٣) قوله: (وأجرى) ساقط من (ز ٢).
(٤) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٤.
(٥) في (ن): (الخشكان).
(٦) قوله: (غنمًا) يقابله في (ن ٢): (لحم غنم).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٠٢.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٠.
(٩) في (ز) و(ن): (ابن بشير).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٨٥.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الزعفران هكذا يؤكل (١)، وإليه أشار بقوله: (وَبِزَعْفَرَانٍ فِي طَعَامٍ)، وأما قوله: (لا بِكَخَلٍّ طُبِخَ) فيشير به إلى أن من حلف لا آكل خلًّا فأكله في طعام طبخ به فإنه لا يحنث، وهو المشهور، قال في المدونة: إلا أن ينوي ولا ما طبخ بخل (٢)، ومقابل المشهور لأصبغ وسحنون (٣) أنه يحنث (٤)، والفرق على المشهور بين الخل والسمن أن السمن يمكن إخراجه من السويق، والخل بعد طبخه لا يمكن إخراجه.
قوله: (وَبِاسْتِرْخَاءٍ لَهَا فِي: لا قَبَّلْتُكِ أَوْ قَبَّلْتِنِي، وَبِفِرَارِ غَرِيمِهِ فِي: لا فَارَقْتُكَ، أَوْ: فَارَقْتَنِي إِلا بِحَقِّي) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا قبَّل امرأته، أو لا قبلتني (٥) إذا فعلت ذلك وتراخى لها، قال (٦) في المدونة: وكذا إذا حلف لا فارق غريمه أو لا فارقه غريمه إلا بحقه ففر منه فإنه يحنث (٧)، وإليه (٨) أشار بقوله: (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) إلى أنه إذا فرط حنث باتفاق، وكذا إن لم يفرط على المشهور، ومقابل المشهور (٩) لمحمد: لا يحنث (١٠) ويحلف بالله ما أراد ذلك.
قوله: (وَإِنْ أَحَالَهُ) يعني: وكذا يحنث إذا أحاله غريمه على غريم آخر، وهكذا قال (١١) في المدونة، يريد: لأنه قد فارقه ولم يأخذ حقه (١٢).
قوله: (وَبِالشَّحْمِ فِي اللَّحْمِ لا الْعَكْسِ) يشير به (١٣) إلى قوله في المدونة: وإن حلف
_________________
(١) انظر: الذخيرة: ٤/ ٤٦.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٠.
(٣) قوله: (لأصبغ وسحنون) يقابله في (س): (ولأصبغ ولسحنون).
(٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ٤٥، والتوضيح: ٣/ ٣٥٠.
(٥) في (ز): (قبلتيني).
(٦) في (ن) و(ن ٢): (قاله).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٦١٢.
(٨) قوله: (إليه) زيادة من (ن).
(٩) قوله: (ومقابل المشهور) يقابله في (ن) و(ن ٢): (ومقابله).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٥٢.
(١١) قوله: (وهكذا قال) يقابله في (ز): (قال).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٦١٢.
(١٣) قوله: (به) زيادة من (س).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
لا يأكل لحمًا فأكل شحمًا حنث، وإن حلف لا يأكل شحمًا فأكل لحمًا لم يحنث (١)؛ يريد: لأن الشحم متولد عن اللحم بخلاف العكس.
(المتن)
وَبِفَرْعٍ فِي: لا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ، أَوْ هَذَا الطَّلْعَ، لا الطَّلْعَ أَوْ طَلْعًا إِلَّا نَبيذَ زَبِيبٍ، أَوْ مَرَقَةَ لَحْمٍ أَوْ شَحْمَهِ، وَخُبْزَ قَمْحٍ وَعَصِيرَ عِنَبٍ وَبِمَا أَنْبَتَتِ الحِنْطَةُ إِن نَوَى الْمَنَّ، لا لِرَدَاءَةٍ كَسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ وَبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ، أَوْ دَارِ جَارِهِ، أَوْ بَيْتِ شَعَرٍ، كَحَبْسٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، لا بِمَسْجِدٍ، وَبِدُخُولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا فِي بَيْتٍ يَمْلِكُهُ، لا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُجَامَعَةَ،
(الشرح)
قوله: (وَبِفَرْعٍ في لا آكُلُ مِنْ كَهَذَا الطَّلْعِ، أَوْ هَذَا الطَّلْعَ) عبر بعض الأشياخ عنْ هذا الفصل بالحلف على ترك الأصول هل يقتضي الحنث بفعل الفصول (٢)؟ وعبارته هنا قريبة منه، ومعنى كلامه أنه يحنث بالفرع إذا حلف على ترك الأصل، ويظهر منه ذلك بالمثال المذكور، وليس الحكم في ذلك خاصًّا بالطلع، ولهذا أدخل الكاف عليه بقوله: (من كهذا الطلع)، وفي المدونة: إذا حلف لا آكل من هذه الحنطة فأكل خبزها أو سويقها، فإنه يحنث (٣)، وإن حلف لا آكل من هذا الطلع فأكل بسره أو رطبه أو ثمره (٤) حنث إلا أن ينوي الطلع بعينه، وأشار بقوله: (أو هذا الطلع)، إلى أن الحكم إذا أسقط (من) وأتى باسم الإشارة سواء إن أكل ما تولد منه (٥)، وشهره ابن الحاجب (٦) تبعًا لابن بشير فإنه نص على أنه المذهب (٧)، وفيه نظر؛ لأنه يعزى لابن حبيب فقط (٨).
قوله: (لا الطَّلْعِ وَطَلْعًا) أي: فإنه لا يحنث بما تولد منه فيهما؛ لعدم إتيانه بمن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٦٠١.
(٢) قوله: (الفصول) يقابله في (ن ٢): (الأصول أم لا)، وفي (ن): (الفصول أم لا).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٩٩.
(٤) في (ز): (تمره).
(٥) قوله: (أكل ما تولد منه) يقابله في (س): (تولد ما أكل ما تولد عنه).
(٦) انظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٣٤٢.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٤٩.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٩٩.
[ ٢ / ٣٩١ ]
التبعيضية أو الإشارة المخصصة.
قوله: (إِلا نَبِيذَ زَبِيبٍ، أَوْ مَرَقَةَ لَحْمٍ أَوْ شَحْمَهِ، وَخُبْزَ قَمْحٍ، وَعَصِيرَ عِنَبٍ) أي: فإن قال: لا آكل الطلع أو طلعًا فإنه لا يحنث بما تولد منه إلا في هذه المسائل (١) الخمس: النبيذ من الزبيب والتمر، والمرقة من اللحم، والشحم من اللحم، والخبز من الحنطة، والعصير من العنب والزبيب. ومذهب ابن القاسم أنه ينوّى في ذلك كله، وقال ابن وهب: إذا قال: هذا أو عرَّف (٢) أو نكَّر حنث مطلقًا، وقال محمد: لا يحنث مطلقًا، وقال ابن حبيب: يحنث إن عرَّف لا إن نكَّر (٣).
قوله: (وَبِما أَنْبَتَتِ الحِنْطَةُ إِنْ نَوَى الْمَنَّ، لا لِرَدَاءَةٍ كَسُوءِ صَنْعَةِ طَعَامٍ) أي: وكذا يحنث إذا حلف لا آكل من هذه الحنطة فأكل ما أنبتته، قال في المدونة: وكذلك إذا حلف لا آكل من هذا الطعام (٤) فإنه يحنث بأكل ما اشتري بثمنه من الطعام، قال: وهذا إذا نوى وجه المن، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء صنعة في الطعام لم يحنث بأكل ما ذكرنا (٥). ابن المواز: وقيل: لا يحنث بثمن ما اشتري (٦) من الطعام ولا (٧) بما أنبتت الحنطة، يريد مطلقًا نوى المن أم لا (٨).
قوله: (وَبِالْحَمَّامِ فِي الْبَيْتِ) أي: وكذا يحنث بدخول الحمام إذا حلف لا أدخل بيتًا، واستظهر الشيخ عدم الحنث وفهمه عن اللخمي (٩).
قوله: (أَوْ دَارِ جَارِهِ) أي: وكذلك إذا حلف ألا يدخل على فلان بيتًا، فدخل عليه في دار جاره فإنه يحنث، وفي المدونة: وإن حلف لا أسكن بيتًا ولا نية له فسكن بيت شعر
_________________
(١) قوله: (المسائل) ساقط من (ن).
(٢) قوله: (عرَّف) ساقط من (ن).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٩٩.
(٤) في (ن ٢): (الطلع).
(٥) في (ن) و(ن ٢): (ذكر). وانظر: المدونة: ١/ ٦٠٠.
(٦) قوله: (بثمن ما اشتري) يقابله في (ن): (بأكل ما اشترى بثمنه).
(٧) في (ن ٢): (إلا).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٠٠.
(٩) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٤٠.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وهو بدوي أو حضري، فهوفي هذا كله حانث (١)، وهذا قريب من قوله: (أَوْ بَيْتِ شعر) والمعنى: أنه إذا حلف لا أدخل بيتًا فدخل بيتًا من بيوت الشعر فإنه يحنث.
قوله: (كَحَبْسٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ) أي: وكذلك يحنث إذا حلف لا أدخل بيتًا بدخول (٢) السجن ولو كرهًا، ولهذا كان قوله: (أكره عليه) تنبيهًا على أنه إذا دخل طوعًا يحنث من باب الأولى، وقاله ابن الماجشون وأصبغ، نقله في النوادر (٣)، وعن أصبغ: لا يحنث بالإكراه (٤)، وقيد جماعة من الأشياخ الخلاف بما إذا كان مكرهًا بحق، وأما إن سجن ظلمًا (٥) فلا يحنث اتفاقًا، وإليه أشار بقوله: (بحق).
قوله: (لا بِمَسْجِدٍ) أي: فإنه لا يحنث بدخوله إذا حلف لا دخل بيتًا (٦)، وقاله في المدونة ثم قال: وليس على هذا حلف (٧)، وفرق ابن المواز بين المسجد والحمام (٨)، بأن الحمام لا يلزم دخوله ولو أراد ألا يدخله لفعل بخلاف المسجد، فإنه لما كان يطلب بدخوله شرعًا صار كأنه غير مراد. اللخمي: وليس بشيء (٩)؛ لأنه أيضًا لو أراد ألا يدخل ذلك المسجد لفعل، وله (١٠) مندوحة في غيره (١١). قلت: وليس كلام اللخمي بظاهر؛ لأن الحكم لم يختص بمسجد بعينه بل عام في كل مسجد، وليس له مندوحة في عدم دخول سائر المساجد.
قوله: (وَبِدُخولِهِ عَلَيْهِ مَيِّتًا في بَيْتٍ يَمْلِكُهُ) أي: وكذلك يحنث إذا حلف لا دخل على فلان بيتًا يملكه فدخل عليه ميتًا قبل أن يدفن، وقاله مالك وعبد الملك، وقال
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٤.
(٢) في (ز) و(ن): (فدخل).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٦.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٧.
(٥) قوله: (ظلمًا) ساقط من (س).
(٦) قوله: (بيتًا) ساقط من (ن).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٤.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٥.
(٩) في (س) و(ن) و(ن ٢): (ببين).
(١٠) في (ن ٢): (إذ له).
(١١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٦، التبصرة، للخمي، ص: ١٧٤٠.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
سحنون: لا يحنث (١).
قوله: (لا بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَنْوِ المُجَامَعَةَ) أي: فإن كان الداخل هو المحلوف عليه؛ أي: دخل بيتًا فيه الحالف فإن الحالف لا يحنث إلا أن ينوي ألا يجامعه في بيت، وقاله في المدونة عن ابن القاسم، وقال مالك: أخاف عليه الحنث (٢). محمد: وقيل لا شيء عليه إلا أن يقيم بعد دخوله (٣).
(المتن)
وَتَكْفِينِهِ فِي لا نَفَعَهُ حَيَاتَهُ، وَبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكَتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا فِي: لا أَكَلْتُ طَعَامَهُ، إِنْ أَوْصَى، أَوْ كَانَ مَدِينًا، وَبِكِتَابٍ إِنْ وَصَلَ أَوْ رَسُولٍ، فِي لا أُكَلِّمُهُ، وَلَمْ يُنَوَّ فِي الْكِتَابِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلاقِ، وَبِالإِشَارَةِ لَهُ، وَبِكَلامِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ، لا قِرَاءَتَهُ بِقَلْبِهِ، أَوْ قَرَأَهُ أَحَدٍ عَلَيْهِ بِلا إِذْنٍ، وَلا سَلَامِهِ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ، وَلا كِتَابَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ عَلَى الأَصْوَبِ وَالْمُخْتَارِ،
(الشرح)
قوله: (وَتَكْفِينِهِ (٤) في: لا نَفَعَهُ حَيَاتَهُ) يريد أن من حلف لا نفع فلانًا ما عاش (٥) فمات فكفنه فإنه يحنث، وقاله عبد الملك ورواه عن مالك، قال في النوادر: وكذلك لو حلف لا يؤدي إليه حقًّا ما عاش فكفنه، قال مالك: يحنث (٦). ابن الماجشون: وكأن الكفن من أمور الحياة وهو من رأس المال، والتي تموت وليس لها شيء يكفنها زوجها فكأنه من واجب أمرها (٧).
قوله: (وَبِأَكْلٍ مِنْ تَرِكتِهِ قَبْلَ قَسْمِهَا، فِي: لا أَكَلْتُ طعَامَهُ إِنْ أَوْصَى، أَوْ كَانَ مَدِينًا) هكذا في العتبية وغيرها، ونصها: ومن حلف لا آخذ (٨) لفلان (٩) مالًا فمات فأخذ من
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٤.
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٤.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٥.
(٤) في (ز) و(ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وبتكفينه).
(٥) قوله: (عاش) يقابله في (ن ٢): (دام حيا).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٠.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٠.
(٨) في (س): (لآخذ).
(٩) في (ن): (من فلان).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
تركته فلا يحنث إلا أن يكون عليه دين أو أوصى بوصايا (١)، قال سحنون: وكذلك إذا قال: لا أكلت من طعامه، فإن أكل (٢) قبل أن يقسم ماله، فإن كان عليه دين أو أوصى بوصايا حنث.
ابن القاسم: كان دينًا محيطًا أم غير محيط، وقال أشهب: لا يحنث كان عليه دين أم لا (٣)، واختاره ابن رشد (٤) لأنه بمجرد موته (٥) خرج ماله عن ملكه، وعن سحنون: إن كان عليه دين مطلقًا حنث، وإن لم يكن أوصى بوصايا فلا حنث عليه (٦)، ولا خلاف في عدم الحنث عند انتفاء (٧) الأمرين، وكل هذا مع عدم (٨) النية، فإن كانت له نية قبلت منه.
قوله: (وَبِكِتَابٍ إِنْ وَصَلَ أَوْ رَسُولٍ في: لا أُكَلِّمُهُ)، يريد أن من حلف لا أكلم فلانًا فكتب إليه كتابًا ووصل له أو أرسل إليه رسولًا فإنه يحنث فيهما، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة (٩) وهو المشهور، وقال أشهب وابن عبد الحكم: لا يحنث بواحد منهما (١٠)، وقال عبد الملك -ورواه (١١) ابن القاسم وأشهب عن مالك (١٢) -: أنه يحنث بالكتاب لا بالرسول (١٣)، وعلى المشهور فقال في المدونة: ينوّى أنه أراد المشافهة (١٤)؛ أي: إذا قال: نويت ألا أشافهه بالكلام فإنه يقبل منه ولا يحنث، ابن
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٤٦.
(٢) في (س): (كان).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٤.
(٤) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٤٦.
(٥) في (س): (الموت).
(٦) قوله: (عليه) زيادة من (ن ٢). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٥.
(٧) في (ز) (انتقال).
(٨) قوله: (مع عدم) يقابله في (ن ٢): (معدم).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٢.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٥ و١٢٦.
(١١) قوله: (وقال عبد الملك ورواه ابن القاسم) يقابله في (ن ٢): (وقاله عبد الملك وروى ابن القاسم).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٠.
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٧.
(١٤) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٢.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
يونس: ويحلف على ذلك (١)، ورجع مالك فقال: لا ينوّى في الكتاب ويحنث إلا أن يرجع الكتاب قبل وصوله فلا يحنث وعنه أيضًا لا ينوّى فيهما (٢)، وقيد الشيخ القول (٣) بعدم تنويته في الكتاب بالعتق والطلاق، ولهذا قال: (ولم ينوَّ في الكتاب في العتق والطلاق).
قوله: (وَبِالإِشَارَةِ لَهُ) أي: وكذلك يحنث بالإشارة إذا حلف لا أكلمه، وهو قول مالك وابن القاسم، ولابن القاسم أيضًا: لا يحنث (٤). قال في العتبية: إذا كلمه فلم يسمع كلامه حنث (٥)، وقاله ابن المواز (٦)، وإليه أشار بقوله: (وَبكَلامِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ).
قوله: (لا قِرَاءَتَهُ (٧) بِقَلْبِهِ) أي: فإنه لا يحنث، ومعناه: أن المحلوف عليه إذا قرأ كتاب الحالف (٨) بقلبه لم يحنث، وقاله (٩) أشهب وزاد: لأن الحالف لا يقرأ جهرًا لا يحنث بقراءة قلبه (١٠)، وكذا فهمه عن أشهب في التوضيح (١١)، والذي في النوادر عنه: وإن ارتجع الكتاب بعد أن وصل للمحلوف عليه فقرأ منه بقلبه ولم يقرأ بلسانه؛ فلا شيء عليه (١٢)، فظاهره أن الذي قرأ الكتاب هو الحالف، وهو الظاهر؛ لأنه قدم أن الحالف يحنث بمجرد وصول الكتاب إليه (١٣)، فكيف بقراءته؟
قوله: (أَوْ قَرَأَهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ بِلا إِذْنٍ) أي: إذا كتب المحلوف عليه كتابًا للحالف فوصل إليه فلم يقرأه ولا أذن في قراءته لأحد، فقرأه عليه (١٤) غيره بغير إذنه، فلا حنث
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٤.
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٢.
(٣) في (ن): (القبول).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٨.
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ١٨٣.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٨.
(٧) في (ز): (قراءة).
(٨) قوله: (كتاب الحالف) يقابله في (ز): (كتابًا فخالف).
(٩) في (ن): (وقال).
(١٠) انظر: الذخيرة: ٤/ ٤٩.
(١١) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٤.
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٥.
(١٣) قوله: (إليه) يقابله في (ن): (المحلوف عليه).
(١٤) قوله: (عليه) ساقط من (س) و(ن ٢).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
عليه، وهو جارٍ على القول بأن الحالف يحنث بقراءة كتاب المحلوف عليه، وأما إذا أجريناه (١) على القول بعدم الحنث فلا إشكال، وسواء قرأه بإذنه أم لا؛ إذ عدم الحنث هنا أولى.
قوله: (وَلا سَلامِهِ عَلَيْهِ، بِصَلاةٍ) هذه مسألة المدونة، قال فيها: ومن حلف ألا يكلم زيدًا فأمَّ قومًا فيهم زيد فسلم من الصلاة عليهم أو صلى خلف زيد وهو عالم به، فرد ﵇ حين سلم من صلاته؛ لم يحنث وليس مثل هذا كلامًا (٢)، وقيل: إن أسمعه حين (٣) ردَّه حنث (٤).
قوله: (وَلا كِتَابَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ قَرَأَ) هكذا قال أشهب، وهو أحد قولي ابن القاسم (٥)، وقال أيضًا: يحنث وما هو بالبيّن (٦). محمد (٧): والصواب ألا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف عليه، وقد أنكر هذا غير واحد من أصحاب ابن القاسم (٨)، وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَصْوَبِ)، وأشار بقوله: (وَالْمُخْتَارِ) إلى ما قاله (٩) اللخمي، فإنه بعد حكايته القولين قال: والأحسن عدم الحنث؛ لأن الكلام من المحلوف عليه لا يحنث به الحالف، وكذلك لو اجتمع معه فكلمه ولم يجاوبه لم يحنث؛ لأنه إنما حلف لا كلمته ولم يحلف لا كلمني (١٠).
(المتن)
وَبِسَلامِهِ عَلَيهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيرُهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ، وَبِفَتْحٍ عَلَيْهِ، وَبِلا عِلْمِ إِذْنِهِ فِي: لا تَخْرُجِي إِلَّا بِإذْنِي، وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي: لأُعْلِمَنَّهُ. وَإِنْ بِرَسُولٍ،
_________________
(١) قوله: (إذا أجريناه) زيادة من (ن ٢).
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٠.
(٣) قوله: (حين) زيادة من (ن ٢).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٠.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٥.
(٦) في (ز): (باليمين). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٥.
(٧) قوله: (محمد) ساقط من (ن ٢).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٦.
(٩) في (ن): (اختاره).
(١٠) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٣١.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ؟ تَأْوِيلانِ. أَوْ عِلْمِ وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفِهِ لِأَوَّلَ فِي نَظَرٍ، وَبِمَرْهُونٍ فِي لا ثَوْبَ لِي، وَبِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي لا أَعَارَهُ، وَبالْعَكْسِ، وَنُوِّيَ إِلَّا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ، وَبِبَقَاءٍ وَلَوْ لَيْلًا فِي: لا سَكَنْتُ، لا فِي: لَأَنْتَقِلَنَّ، وَلا بِخَزْنٍ، وَانْتَقَلَ فِي لا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا، أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا وَلَوْ جَرِيدًا بِهَذِهِ الدَّارِ،
(الشرح)
قوله: (وَبِسَلامِهِ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ إِلا أَنْ يُحَاشِيَهُ) يشير به إلى قوله في المدونة: ولو (١) سلم على جماعة وهو فيهم حنث علم به أم لا، إلا أن يحاشيه، ولو مر به في جوف الليل فسلم عليه وهو لا يعرفه حنث (٢). محمد: وكذلك يحنث (٣) إذا كلمه ظانًّا أنه غيره (٤).
قوله: (وَبِفَتْحٍ عَلَيْهِ) أي: وكذلك يحنث إذا سمع المحلوف عليه يقرأ ووقف (٥) في قراءته ففتح عليه.
قوله: (وَبِلا عِلْمِ إِذْنِهِ فِي: لا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي) هو كقوله في المدونة: ومن قال لزوجته (٦): أنت طالق إن خرجت إلا بإذني، فأذن لها في سفر أو حيث لا تسمعه وأشهد فخرجت بعد إذنه، وقبل علمها بالإذن فهو حانث (٧)، يريد: لأن معنى كلامه لا خرجت إلا بسبب إذني وهي قد خرجت بغير سببه، وروي عن مالك عدم الحنث، نقله أبو الحسن الصغير (٨).
قوله: (وَبِعَدَمِ عِلْمِهِ (٩) فِي لأُعْلِمَنَّهُ) يريد أن من حلف لرجل إن علم كذا ليعلمنه به فلم يُعلِمه به حتى علمه من غيره لم يبرَّ، وقاله في المدونة وزاد: وإن كتب إليه أو
_________________
(١) في (س): (ومن).
(٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٠.
(٣) قوله: (يحنث) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٢٩.
(٥) قوله: (وقف) ساقط من (ن).
(٦) قوله: (ومن قال لزوجته) ساقط من (ن).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٦.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٦.
(٩) في (ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (إعلامه).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
أرسل إليه (١) رسولًا بر (٢). وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ بِرَسُولٍ) إلا أنه يوهم أنه راجع إلى قوله: (وبعدم علمه)، أي: وحنث بعدم علمه وإن برسول، وليس كذلك.
قوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ عَلِمَ، تَأْوِيلانِ) يريد أن الأشياخ اختلفوا في قوله في المدونة: لم يبر حتى يعلمه (٣)، هل هو على إطلاقه أو مقيد بما إذا لم يعلم بعلم المحلوف عليه، وأما إذا علم بعلمه (٤) فلا يحنث، وإلى الأول ذهب أبو عمران وغيره، وإلى الثاني ذهب اللخمي (٥).
قوله: (أَوْ عِلْمِ (٦) وَالٍ ثَانٍ فِي حَلِفِهِ لأَوَّلَ فِي نَظَرٍ) يعني: أن من حلف لأمير أنه متى رأى أمرًا ليعلمنه به فعزل ذلك الأمير المتولي أو مات وولي بعده ثانٍ، فإن كان ذلك نظرًا للمسلمين وعدلًا أعلمه به، وقاله في المدونة (٧)؛ أي: فإن لم يعلمه به حنث، وكذلك قال مالك: في الأمير يحلف قومًا ألا يخرجوا إلا بإذنه فعزل فلا يخرجوا حتى يستأذنوا من ولي بعده (٨). ابن يونس: يريد إذا كان ذلك نظرًا للمسلمين (٩).
قوله: (وَبِمَرْهُونٍ فِي: لا ثَوْبَ لِي) أي: وهكذا يحنث إذا سئل ثوبًا فحلف لا ثوب له (١٠)، وكان له ثوب مرهون عند غيره، قال (١١) في المدونة، إن كان الرهن كفاف الدين لم يحنث إن كانت تلك نيته، وإن لم تكن له نية حنث، كان فيه فضل عن دَيْنِه أم لا (١٢).
قوله: (وَبِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي: لا أَعَارَهُ، وَبِالْعَكْسِ، ونُوِّيَ، إِلا فِي صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ) يريد
_________________
(١) قوله: (إليه) زيادة من (ن).
(٢) انظر: المدونة: ٣/ ١٤٠.
(٣) انظر: المدونة: ٣/ ١٣٩.
(٤) قوله: (بعلمه) ساقط من (س).
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٥، التبصرة، للخمي، ص: ١٧٣٢.
(٦) في (ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (إعلام).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٦١٥.
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٦١٥.
(٩) قوله: (للمسلمين) زيادة من (ن ٢).
(١٠) في (ن ٢): (لي).
(١١) في (ز) و(ز ٢) و(ن ١): (قاله).
(١٢) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٨.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
أن من حلف لا أعار فلانًا شيئًا (١)، فتصدق عليه أو وهبه له (٢) فإنه يحنث، وكذلك العكس؛ أي: يحلف أنه لا يتصدق عليه أو لا يهبه فأعاره؛ لأن قصده عدم نفعه رأسًا.
قوله (٣): (وَنُوِّي (٤» أي: إن ادعى أنه نوى قصر اليمين على العارية دون الصدقة والهبة أو العكس، فإنه يصدق إلا في حلفه: لا وهبه فتصدق عليه، فإنه يحنث ولا ينوَّى، يريد: وكذلك العكس لأن الصدقة والهبة متقاربان بخلاف العارية والهبة والصدقة. ابن القاسم: وأصل اليمين في هذا على النفع (٥).
قوله: (وَبِبَقَاءٍ وَلَوْ لَيْلًا فِي: لا سَكَنْتُ) يريد أن من حلف لا يسكن في هذه الدار أو نحوها فإنه يحنث بالبقاء؛ لأن دوامه على ذلك سكنى عرفًا، قال في المدونة: ويخرج ولو في جوف الليل إلا أن ينوي إلى الصباح، وإن تغالوا عليه في الكراء أو وجد منزلًا (٦) لا يوافق فلينتقل إليه حتى يجد سواه، فإن لم يفعل حنث (٧)، وقال أشهب: إن أقام أقل من يوم وليلة لم يحنث (٨)، وكذا في الموازية (٩) إلا أن ينوي تعجيل الخروج قبل ذلك، وقال أصبغ: حد المساكنة عندنا يوم وليلة، (١٠) فإن زاد أكثر من ذلك حنث.
قوله (١١): (لا فِي: لَأَنتَقِلَنَّ (١٢» أي: فلا يحنث بالبقاء لكنه يؤمر بالانتقال، وهذا إذا كانت يمينه غير مقيدة بزمان، فإن كانت مقيدة به ومضى الأجل ولم يفعل حنث.
_________________
(١) قوله: (شيئًا) زيادة من (ن ٢).
(٢) قوله: (له) زيادة من (ن ٢).
(٣) قوله: (رأسًا. قوله) يقابله في (ن) و(ن ٢): (وأشار بقوله).
(٤) زاد في (ن) و(ن ٢): (إِلا في صَدَقَةٍ عَنْ هِبَةٍ).
(٥) في (ن ٢): (المنع).
(٦) قوله: (منزلًا) يقابله في (ن ٢): (من لا). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١١٩.
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٣.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٥.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٧.
(١٠) قوله: (وكذا في الموازية إلا عندنا يوم وليلة) ساقط من (ن ٢).
(١١) قوله: (إليه حتى يجد سواه، فإن فإن زاد أكثر من ذلك حنث قوله) ساقط من (ن). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٧.
(١٢) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (تُنْقَلَنَّ).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
قوله: (وَلا بِخَزْنٍ) أي: وكذلك لا يحنث بالخزن إذا حلف لا يسكن؛ لأنه ليس بسكنى، ونسب اللخمي لابن القاسم في ذلك الحنث، وجعل عدم الحنث قولًا لأشهب (١)، وحمله ابن بشير على أنه إجراء (٢) منه وليس بمنصوص، قال: ولعل هذا لا يختلف (٣) فيه أنه لا يحنث؛ لأن الخزن (٤) إذا انفرد لا يعد سكنى (٥).
قوله: (وَانْتَقَلَ فِي: لا سَاكَنَهُ عَمَّا كَانَا، أَوْ ضَرَبَا جِدَارًا وَلَوْ جَرِيدًا بِهَذِهِ الدَّارِ) قوله: (بهذه الدار) متعلق بقوله (ساكنه)، والباء فيه للظرفية؛ أي: وانتقل الحالف في قوله: لا ساكنه (٦) في هذه الدار عما كانا عليه إلى آخره، قال في المدونة: ولو قسمت الدار وضرب بين النصيبين (٧) بحائط وجعل لكل نصيب مدخل على حدة فسكن هذا في نصيب وهذا في نصيب (٨)، فكرهه مالك وقال: لا يعجبني ذلك كما قال هنا وقال ابن الماجشون لا يعجبني ذلك (٩)، وقال ابن القاسم: لا أرى (١٠) به بأسًا ولا حنث عليه (١١). ابن رشد: إذا سماها فإنه يحنث ولا ينفعه أن يضرب (١٢) بينهما بحائط (١٣)، ومذهب الأكثرين الاكتفاء بما ضرباه بينهما ولو جريدًا كما قال هنا، وقال ابن الماجشون: لا يعجبني ذلك إلا بجدار وثيق بالبناء (١٤).
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٨، التبصرة، للخمي، ص: ١٧٣٧.
(٢) في (س): (لو أجزئ).
(٣) في (س): (يخالف).
(٤) في (ز) و(ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١): (الخزين).
(٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٤٧.
(٦) في (ن ٢): (لا أساكنه).
(٧) في (ز) و(ز ٢): (النصفين).
(٨) قوله: (وهذا في نصيب) ساقط من (ز ٢).
(٩) قوله: (كما قال هنا وقال ابن الماجشون لا يعجبني ذلك) زيادة من (ن ٢).
(١٠) في (ن): (لم أر).
(١١) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٢.
(١٢) في (س): (إن ضرب).
(١٣) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٢٣٥.
(١٤) في (ن) و(ن ٢): (بينهما). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٤.
[ ٢ / ٤٠١ ]
(المتن)
وَبِالزِّيَارَةِ إِنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ، لا لِدُخُولِ عِيَالٍ، إِنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا أَوْ يَبِتْ بِلا مَرَضٍ. وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي: لأُسَافِرَنَّ، وَمَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ. وَنُدِبَ كَمَالُهُ، كَأَنْتَقِلَنَّ، وَلَوْ بِإبْقاء رَحْلِهِ لا بِكَمِسْمَارٍ، وَهَلْ إِنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ. وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، أوْ عَيبِهِ بَعْدَ الأَجَلِ، وَبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ، إِنْ لَمْ تَفِ، كَأَنْ لَمْ يَفُتْ عَلَى الْمُخْتَارِ، وِبهِبَتِهِ لَهُ، أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ، وَإنْ مِنْ مَالِهِ، أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إِلَّا بِدَفْعِهِ، ثُمَّ أَخْذِهِ، لا إِنْ جُنَّ وَدَفَعَ الْحَاكِمُ، وَإنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلانِ.
(الشرح)
قوله: (وَبِالزِّيَارَةِ إِنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ، لا لِدُخُولِ عِيَالٍ) يشير إلى قوله في المدونة: وإن حلف لا أساكنه (١) فزاره، فليست الزيارة بسكنى، وينظر إلى ما كانت عليه يمينه، فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهو أخف (٢)، قال أبو إسحاق (٣): يريد فلا يحنث (٤)؛ لأن ذلك السبب ليس بموجود في الزيارة، ولو أقام عنده على هذا أيامًا، ثم قال فيها: وإن أراد التنحي فهو أشد (٥)، أبو إسحاق: يريد فيحنث؛ لأنه أراد قطع مواصلته والبعد عنه، والزيارة مواصلة وقرب (٦).
قوله: (إِنْ لَمْ يُكْثِرْهَا نَهَارًا، ويَبِتْ بِلا مَرَضٍ) يريد أن ما ذكره من عدم الحنث بالزيارة إذا كان الحالف (٧) لما يحصل (٨) بين العيال مشروطًا بأن لا يكثر (٩) الزيارة نهارًا (١٠)، ولم يبت ليلًا بلا مرض، فأما إن طال التزاور فمذهب مالك وابن القاسم الحنث (١١)،
_________________
(١) في (ز): (ساكنه).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٣.
(٣) في (ن ١): (ابن إسحاق).
(٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ٥٢.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٣.
(٦) في (ن ٢): (وقربة). وانظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٧.
(٧) في (ز) و(ن): (الحلف).
(٨) في (ن): (يجعل).
(٩) في (ن): (تكون).
(١٠) قوله: (نهارًا) ساقط من (ن).
(١١) في (ن): (يحنث).
[ ٢ / ٤٠٢ ]
خلافًا لأشهب وأصبغ (١)، قال في البيان: واختلف في حد الطول فقيل: ما زاد على ثلاثة أيام، وقيل: هو أن يكثر (٢) الزيارة نهارًا ويبيت (٣) بلا مرض (٤).
قوله: (وَسَافَرَ الْقَصْرَ فِي: لأُسَافِرَنَّ) المنصوص (٥) كما قال، أن من حلف ليسافرن، فإنه يسافر مسافة القصر. ابن بشير: وهو مقتضى اللفظ شرعًا، ولو بني على اللغة لأجزأ أقل ما يسمى سفرًا أو (٦) ما يسميه أهل العرف سفرًا، إن اعتبر (٧) العرف (٨).
قوله: (وَمَكَثَ نِصْفَ شَهْرٍ) أي: في منتهى سفره، وهو قول ابن القاسم قال: والشهر أحب إليَّ (٩)، وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ كَمالُهُ) وقال محمد: القياس أقل زمان (١٠).
قوله: (كَأَنْتَقِلَنَّ) أي: وكذا إذا حلف لينتقلن -يريد: من بلد كذا- فإنه يسافر مسافة القصر، وهو قول مالك، وقيل: يكتفي بثلاثة أميال، واستحسنه ابن المواز، ثم يقيم على قول مالك نحو (١١) الشهر، قاله في كتاب محمد، وقال ابن المواز: يقيم من ذلك ما قل أو كثر (١٢).
قوله: (وَلَوْ بإِبْقَاءِ رَحْلِهِ (١٣» هذا راجع إلى قوله: (وَبِبَقَاءٍ وَلَوْ لَيْلًا في لا سكنت (١٤»، والمعنى: أن من حلف لا سكنت (١٥) فإنه يحنث بالبقاء ولو بإبقاء رحله،
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٣، والنوادر والزيادات: ٤/ ١٤٦، والبيان والتحصيل ٣/ ٢١٨.
(٢) قوله: (هو أن يكثر) يقابله في (ن): (إن كثرت).
(٣) في (ن): (أو بيت).
(٤) انظر: البيان والتحصيل ٣/ ٢١٨.
(٥) قوله: ("لأُسَافِرَنَّ" المنصوص) يقابله في (س): (لا سافر أن المنصوص).
(٦) في (ن): (أي).
(٧) في (ن): (اعتيد).
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٨.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٨.
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٥٠.
(١١) قوله: (نحو) ساقط من (ن ٢)، وفي (ن): (قدر).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٥٠.
(١٣) قوله: (بِإِبْقَاءِ رَحْلِهِ) يقابله في (ن ٢): (ببقاء).
(١٤) قوله: (في لا سكنت) زيادة من (ن ٢).
(١٥) قوله: (حلف لا سكنت) يقابله في (ن ٢): (قال لا سكنت هذه الدار في يمين).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وهو المشهور وقاله في المدونة (١)، وقال أشهب: لا يحنث، ورواه عن مالك (٢).
قوله: (لا بِكَمِسْمَارٍ) أي: فلا يحنث بإبقاء (٣) ما لا بال له كالمسمار والوتد، وهو المشهور وقاله ابن القاسم في الموازية (٤)، وزاد ابن وهب في العتبية: إذا كان لا يريد العود إليه (٥)، وتنازع الأشياخ هل وافقه ابن القاسم على ذلك أم لا؟ (٦) وظاهر كلام ابن رشد أنه يوافقه فإنه (٧) بعد أن ذكر مسألة العتبية قال: أما إذا تركه على ألا يعود إليه فلا اختلاف أنه لا يحنث بتركه، ثم حكى فيما إذا تركه ناسيًا قولين، ثم قال: وأما إن تركه على أن يعود (٨) ليأخذه فإنه حانث إلا على مذهب أشهب الذي يقول: لا يحنث بتركه متاعه كله، وظاهر كلام غيره أنه لا يحنث مطلقًا على مذهب ابن القاسم (٩)، وإلى هذا وما قبله أشار بقوله: (وهَلْ إِنْ نَوَى عَدَمَ عَوْدِهِ لَهُ؟ تَرَدُّدٌ).
قوله: (وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ، أَوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الأَجَلِ) يعني: أن من حلف ليقضين فلانًا حقه إلى أجل فقضاه إياه فاستحق بعضه -يريد: أو كله- أو وجد فيه دراهم نحاسًا أو رصاصًا فقام عليه بعد الأجل فإنه يحنث، وقاله في المدونة (١٠). اللخمي: واختلف إذا استحقت بعد الأجل فلم يأخذها المستحق، وقال ابن كنانة: لا يحنث، وقال ابن القاسم: يحنث (١١)،
_________________
(١) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٢.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٨.
(٣) في (ن): (بالبقاء).
(٤) قوله: (وقال أشهب: لا يحنث وقاله ابن القاسم في الموازية) ساقط من (ن ١). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٨.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤٩.
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٤٦.
(٧) قوله: (فإنه) ساقط من (س).
(٨) قوله: (على أن يعود) يقابله في (س): (ليعود).
(٩) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٦٨.
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٦١١.
(١١) قوله: (اللخمي: واختلف إذا استحقت وقال ابن القاسم: يحنث) زيادة من (ن)، انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٥٩.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وقيل: لا يحنث وإن لم يجد ذلك المستحق؛ لأن الأجل ما مضى إلا وقد قضى الغريم حقه ودخل في ضمانه.
قوله: (وَبِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ إِنْ لَمْ يَفِ، كَأَنْ لَمْ يَفُتْ عَلَى المُخْتَارِ) أي: إذا حلف ليقضينه حقه إلى أجل فباعه سلعة (١) بدينه بيعًا فاسدًا، ثم فاتت السلعة قبل الأجل بما يفوت به البيع الفاسد وليس فيها وفاء بالدين، فإنه يحنث، وهو معنى قوله: (إِنْ لَمْ يَفِ) أي: قيمتها بالدين فإن ساوته لم يحنث، فإن لم تفت السلعة حتى مضى الأجل، فقال سحنون: يحنث؛ نظرًا إلى أن العوضية الشرعية لم تحصل، وقال أشهب وأصبغ: لا يحنث (٢). وقال (٣) اللخمي: وأرى إن كان في قيمتها (٤) وفاء بالحق ألا يحنث؛ لأنه الوفاء عنده وهو (٥) الوجه الذي قصده بيمينه (٦)، وهو معنى قوله: (كَأَنْ لَمْ يَفُتْ عَلَى المُخْتَارِ) أي: وفيها وفاء (٧).
قوله: (وَبِهبَتِهِ (٨) لَهُ) يريد: فإن حلف ليقضينه حقه (٩) فوهبه له رب الدين فإنه لا يبر (١٠)، فإن كانت يمينه مؤجلة حنث إذا مضى الأجل قبل القضاء، وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة، قال أشهب: ثم إن مضى الأجل ولم يقضه حنث (١١)، فإن كان الدين سلعة فوهبه إياها عند الأجل، ففي سماع عيسى: يحنث، وقاله مالك (١٢)، وفي
_________________
(١) قوله: (سلعة) زيادة من (ن).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٨٤.
(٣) قوله: (وقال) زيادة من (ن ١).
(٤) التبصرة: (قيمته).
(٥) قوله: (هو) زيادة من (ن).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٦٧.
(٧) قوله: (أي: وفيها وفاء) زيادة من (س).
(٨) في (ز) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وبهبة).
(٩) قوله: (حقه) ساقط من (س).
(١٠) في (ز): (يبرأ).
(١١) قوله: (قال أشهب ولم يقضه حنث) ساقط من (ن) و(ن ٢)، وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٨٠.
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٨٠.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
كتاب ابن حبيب: إن قبل الهبة مكانه (١) حنث ولا ينفعه أن يقضيه إياه قبل الأجل ليتحلل من يمينه؛ لأن الحق سقط بالقبول، فإن لم يقبله ثم قضاه برَّ (٢)، ثم لا قيام له في رد من الهبة والصدقة، وإن لم يظهر منه رد ولا قبول وقضاه عند الأجل أو قبل ذلك برَّ، ثم له القيام في أخذ ما وهب له أو تصدق به عليه ويقضَى له بذلك (٣). اللخمي: واختلف إذا غاب الحالف فقضى عنه بعض أهله من ماله أو من مال الغائب، فقال ابن الماجشون: يبر (٤)، وقال ابن القاسم: لا يبر (٥)، وهو أبين إذا تأخر عن القدوم للقضاء عمدًا (٦)، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ، وَإنْ مِنْ مَالِهِ) أي (٧): مال الحالف. قوله: (أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إِلا بِدَفْعِهِ، ثُمَّ أَخْذِهِ) هذه مسألة العتبية، قال فيها عن ابن القاسم: ومن حلف لغريمه ليقضينه حقه ثم شهد له عدلان بالقضاء، لا ينتفع بذلك في اليمين حتى يقضيه ثم يرده إليه (٨).
قوله: (لا إِنْ جُنَّ، وَدَفَعَ الحَاكِمُ) يريد: فإن جن الحالف في الأجل فقضى عنه الحاكم الحق (٩) لغرمائه فإنه يبر (١٠) في يمينه، حكاه في العتبية عن ابن القاسم (١١)، فإن لم يقضِ عنه حتى مضى الأجل حنث عند أصبغ لا عند ابن حبيب (١٢)، وإليه أشار بقوله: (وَإنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلانِ) وقد علمت أن الشيخ عبر عن عدم البر بالحنث في غالب هذه المسائل، وفيه نظر.
_________________
(١) قوله: (مكانه) ساقط من (ن) و(ن ١).
(٢) في (ز): (برئ).
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٨١.
(٤) في (ز) و(ز ٢): (يبرأ).
(٥) في (ز) و(ز ٢): (يبرأ). وانظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٢٧٧.
(٦) قوله: (عمدًا) يقابله في (ن): (عند الأجل)، انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٧٠.
(٧) في (ز): (أو من).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٢٣٣.
(٩) قوله: (الحق) زيادة من (س).
(١٠) في (ز): (يبرأ).
(١١) انظر: البيان والتحصيل: ٦/ ٢٧٧، ونصه: هو حانث إلا أن يكون وكل السلطان أن يقضي عنه.
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٦٧.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
(المتن)
وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ، فِي: لأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ. لا إِنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ، بِخِلافِ لآكُلَنَّهُ، وَلا إِنْ بَاعَهُ بهِ عَرْضًا، وَبَرَّ إِنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ، أَوْ مُفَوَّضٍ، وَهَلْ ثُمَّ وَكِيلُ ضَيعَةٍ، أَوْ إِنْ عُدِمَ الْحَاكِمُ؟ -وَعَلَيهِ الأَكْثَرُ- تَأْوِيلانِ. وَبَرِئَ فِي الْحَاكِمِ إِنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ وَإلَّا بَرَّ، كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُم. وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ عِنْدَ رَأسِهِ، أَوْ إِذَا اسْتَهَلَّ. وَإلَى رَمَضَانَ، أَوْ لاِسْتِهْلالِهِ شَعْبَانُ.
(الشرح)
قوله: (وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ، فِي: لأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَلَيْسَ هُوَ) يريد: أن من حلف لغريمه (١) لأقضينَّك غدًا يوم الجمعة أو قال: يوم الجمعة غدًا (٢)، وهو يعتقده كذلك (٣) فإذا هو يوم الخميس، وهو معنى قوله: (وليس هو) أي: ليس هو (٤) يوم الجمعة، فإنه يحنث بعدم قضائه غدًا وإن لم يكن يوم الجمعة، وقاله ابن القاسم في النوادر (٥).
قوله: (لا إِنْ قَضَاهُ (٦) قَبْلَهُ) يعني: فإذا حلف لأقضينَّك في يوم كذا فقضاه قبله فلا حنث، وقاله في المدونة (٧)، وذلك لأن قصده ألا يلدَّ ولا يمطل وقد فعل.
قوله: (بِخِلافِ لآكُلَنَّهُ) أي: فأكله قبل الأجل، قال في المدونة: ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا فأكله اليوم حنث (٨)؛ لأن الطعام قد يخص به اليوم والغريم إنما قصد فيه القضاء (٩). اللخمي: ولو كان مريضًا فسئل عن أكل الطعام اليوم فحلف ليأكلنه
_________________
(١) قوله: (لغريمه) ساقط من (ن).
(٢) قوله: (أو قال: يوم الجمعة غدًا) ساقط من (ن)، ويقابله في (ن ١): (وليس هو يريد أن من حلف لأقضينك غدًا يوم الجمعة).
(٣) في (ن): (ذلك).
(٤) قوله: (أي: ليس هو) زيادة من (س).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٧٣.
(٦) في (ز) و(ن) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (قضى).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٧.
(٨) قوله: (حنث) زيادة من (س).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٧.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
غدًا فأكله اليوم، لم يحنث (١).
قوله: (وَلا إِنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا) أي: وكذلك لا يحنث إذا (٢) أعطاه قضاء عن دينه عرضًا، يريد يساوي ما عليه لو (٣) بيع، كما في المدونة، وزاد فيها: ثم استثقله (٤) مالك (٥)، وتأول قوله: أقول (٦)، وحمل اللخمي ذلك على الكراهة (٧).
قوله: (وَبَرَّ إِنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ، أَوْ مُفَوَّضٍ) فاعل بر ضمير يعود على الحالف، وكذا فاعل قضاء، وأما فاعل غاب، فإنه ضمير يعود على رب الدين، و(وكيل تقاضٍ أو مفوض) أي: لرب الدين، والمعنى: أن من حلف ليقضين فلانًا حقه إلى أجل كذا، فغاب رب الدين وخشي الحالف فوات الأجل فدفع الحق لوكيل الغائب، فإنه يبرُّ (٨) سواء كان وكيل تقاضٍ -أي: وكله (٩) ليقتضي (١٠) ديونه- أو وكيل تفويض، وأما وكيل الضيعة ففي المدونة: وإن قضى وكيلًا له في ضيعته ولم يوكله رب الحق (١١) بتقاضي ديونه أجزأه (١٢). عياض: ظاهره سواء (١٣) كان بالبلد سلطان أو لم يكن، وعلى هذا الظاهر اختصرها بعضهم، واختصرها آخرون (١٤) أنه لا يبرُّ (١٥) بدفعه إليه إلا (١٦)
_________________
(١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٦٤.
(٢) قوله: (إذا) ساقط من (س).
(٣) في (س): (له أو).
(٤) في (س): (استقله).
(٥) انظر: المدونة: ٣/ ١٤٢.
(٦) قوله: (قوله: أقول) يقابله في (ن ١): (قوليه).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٦٦.
(٨) في (ز): (يبرأ).
(٩) في (س) و(ن): (وكيله).
(١٠) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (ليقضي).
(١١) في (ن) و(ن ١): (الدين).
(١٢) انظر: المدونة: ١/ ٦١٥.
(١٣) قوله: (سواء) زيادة من (ن).
(١٤) قوله: (آخرون) زيادة من (س).
(١٥) في (ز): (يبرأ).
(١٦) في (ز): (ولا).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
عند عدم السلطان أو الوصول إليه، وحكى محمد القولين (١)، وإلى هذا (٢) أشار بقوله: (وَهَلْ ثُمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ أَوْ إِنْ عُدِمَ الحَاكِمُ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (وَبَرِئَ فِي الحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ وَإلا بر كجماعة (٣» أي: فإن لم يجد الحالف واحدًا من الوكيلين دفع الحق إلى الحاكم، ثم إن كان جائرًا فإنه يبرُّ (٤) في يمينه ولا يبرأ (٥) من الدين إن علم بجوره قبل الدفع، وهو معنى قوله (وإلا بر) (٦). محمد: فإن لم يعلم بذلك فلا ضمان (٧).
قوله: (وإلا بَرَّ) أي (٨): وإن لم يكن الحاكم جائرًا بل كان عادلًا (٩) أو (١٠) مجهول الحال بر (١١) في يمينه بدفعه إليه وبرئ من الدين، وقاله ابن المواز (١٢).
قوله: (كَجَماعَةِ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ) أي: فإن لم يكن ثَم حاكم، أو كان وغاب، أو لم يمكن الوصول إليه، أو كان غير عدل فإنه يأتي إلى جماعة من المسلمين فيشهدهم على إتيانه بالحق ويعلمهم باجتهاده في الطلب ليكونوا شهودًا ليتخلص من يمينه ولا يبرأ من الدين، فهم (١٣) كالحاكم في البر لا في (١٤) الإبراء، وقيل: لا يبرأ من الدين (١٥) حتى يصل الدين (١٦) إلى ربه. محمد: وقيل: إذا دفعه لبعض الناس بغير عذر من السلطان أو
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٣٤.
(٢) في (س) و(ن) و(ن ٢): (ذلك).
(٣) قوله: (وإلا بر كجماعة) زيادة من (ن ٢).
(٤) في (س): (يبرأ).
(٥) قوله: (يبرُّ في يمينه ولا يبرأ) يقابله في (ن ٢): (لا يبرأ).
(٦) قوله: (وهو معنى قوله: "وإلا بر") زيادة من (ن) و(ن ٢).
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٦٦.
(٨) قوله: (قوله: (وَإِلا بَرَّ) أي) ساقط من (ن).
(٩) في (س): (عدلًا).
(١٠) قوله: (عادلًا أو) ساقط من (ن ٢).
(١١) في (ز): (برئ).
(١٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٦٦.
(١٣) في (س): (فيهم).
(١٤) قوله: (لا في) يقابله في (ز): (لأمر).
(١٥) قوله: (لا يبرأ من الدين) يقابله في (س) و(ن ٢): (لا يبرأ من الحق).
(١٦) قوله: (الدين) زيادة من (س).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
أشهد بر (١).
قوله: (وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ، أَوْ إِذَا اسْتَهَلَّ) أي: فإن حلف ليقضين فلانًا حقه رأس الشهر أو عند رأسه أو إذا استهل، كان له يوم وليلة من أوله، فإذا غربت الشمس ولم يقضِهِ حنث، فإن قال: إلى رمضان أو استهلاله، فإذا انسلخ شعبان واستهل رمضان ولم يقضه حنث، وإليه أشار بقوله: (وإِلَى رَمَضَانَ، أَوْ لاسْتِهْلالِهِ شَعْبَانُ) فاعل بمضمر، أي: إذا انسلخ شعبان (٢) وهكذا نص عليه في المدونة (٣).
(المتن)
وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً، أَوْ عِمَامَةً فِي: لا أَلْبَسُهُ، لا إِنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ، وَلا وَضْعُهُ عَلَى فَرْجِهِ، وَبِدُخُولِهِ مِنْ بَابِ غُيِّرَ، فِي لا أَدْخُلُهُ إِنْ لَمْ يَكْرَهْ ضِيقَهُ، وَبِقِيَامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَبِمُكْتَرًى فِي: لا أدْخُلُ لِفُلانٍ بَيْتًا. وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ إِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَبِالْكَلامِ أَبَدًا، فِي لا أُكَلِّمُهُ الأَيَّامَ، أَوِ الشُّهُورَ، وَثَلاثَةً فِي كَأَيَّامٍ، وَهَلْ كَذَلِكَ فِي لأَهْجُرَنَّهُ، أَوْ شَهْرٌ؟ قَوْلانِ.
(الشرح)
قوله: (وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً، أَوْ عِمَامَةً فِي: لا أَلْبَسُهُ، لا إِنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ) يشير إلى قوله في المدونة: ومن حلف ألا يلبس هذا الثوب فقطعه قباء أو قميصًا أو سراويل أو جبة حنث، إلا أن يكون كره الأول لضيقه (٤) أو لسوء عمله فحوله، فلا يحنث (٥).
قوله: (وَلا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ) أي: فإنه لا يحنث إن وضع الثوب المحلوف على لُبسه على فرجه؛ لأن هذا لا يعد لبسًا، ونحوه في المدونة (٦).
قوله: (وَبِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ، فِي: لا أَدْخُلُهُ إِنْ لَمْ يَكْرَهْ ضِيقَهُ، وَبِقِيَامٍ عَلَى ظَهْرِهِ) هكذا نص عليه في المدونة؛ قال فيها: وإن حلف ألا يدخل دار فلان فدخل بيتًا
_________________
(١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٦٥.
(٢) قوله: (فاعل بمضمر، أي: إذا انسلخ شعبان) زيادة من (ن ٢).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٦١١.
(٤) قوله: (يشير إلى قوله كره الأول لضيقه) ساقط من (ز).
(٥) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٧.
(٦) انظر: المدونة، دار صادر: ٣/ ١٣٨.
[ ٢ / ٤١٠ ]
سكنها فلان بكراء، أو قام (١) على ظهر بيت منها حنث، وإن حلف ألا يدخل من باب هذه الدار أو من هذا الباب فحول الباب عن حاله أو أغلق وفتح غيره، فإن دخل منه حنث، إلا أن يكره الباب دون الدار إما لضيقه أو لجواز على أحد، فلا يحنث (٢).
قوله: (وَبِمُكْتَرًى فِي: لا أَدْخُلُ بيتًا (٣) لِفُلانٍ) يعني: فإن حلف ألا يدخل لفلان بيتًا، فاكترى فلان بيتًا فدخله فإنه يحنث؛ لأنه بمنزلة ملكه، إذ البيوت تنسب لسكانها.
قوله: (وَبِأَكلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ، وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ، إِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) هكذا قال في المدونة ونصها: قال مالك: وإن حلف لا يأكل لرجل طعامًا، فدخل ابن الحالف على المحلوف عليه فأطعمه خبزًا فخرج به الصبي لأبيه فأكل منه الأب ولم يعلم حنث (٤). وقال سحنون: لا يحنث لأن الابن قد ملك الطعام دون الأب (٥). وقال بعض الأشياخ: إن كان الأب معدمًا لم يحنث، وإلا حنث؛ لأن الأب إذا كان معدمًا لا تلزمه نفقة ولده، فقد ملك الابن ذلك بخلاف الموسر فإن نفقة ولده تلزمه؛ إذ له أن يقول: نفقة ابني تلزمني فليس لأحد أن يحمل (٦) عني شيئًا منها، قال: وهذا معنى قول مالك، حكى ذلك عنه ابن يونس، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) أي: إن كانت نفقة الولد على الأب، وقيل: إن كان الذي وُهب للولد كثيرًا بحيث يكون الأب مضرورًا في رده، لم يحنث، وإن كان يسيرًا بحيث يكون له الرد ولا ضرورة عليه في ذلك حنث، ولا فرق في الحنث بين عبده وولده.
قوله: (وَبِالْكَلامِ أَبَدًا، فِي لا أُكَلِّمُهُ الأيَّامَ، أَوِ الشُّهُورَ) يريد أن من حلف لا أكلم فلانًا الأيام فإنه لا يكلمه أبد الدهر، فإن كلمه حنث وهو المنصوص، وكذا إذا قال: لا أكلمه الشهور، يريد أو السنين أو الأعوام وهو ظاهر، وقيل: إن كلمه بعد سنة في الشهور لا يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦].
_________________
(١) في (س) و(ن ٢): (أقام).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٥.
(٣) قوله: (بيتًا) زيادة من (ن) و(ن ٢).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٦.
(٥) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥١.
(٦) في (ن ٢): (يحول).
[ ٢ / ٤١١ ]
قوله: (وَثَلاثَةٌ في كَأَيَّامٍ) يعني إذا حلف لا أكلمه أيامًا أو شهورًا أو سنين فإنه يلزمه (١) من ذلك أقل الجمع وهو ثلاثة، فيكلمه بعد (٢) ثلاثة أيام وثلاثة شهور وثلاث سنين ولا حنث عليه، فإن كلمه قبل ذلك حنث وهو المشهور، وخرَّج بعضهم أنه لا يكلمه الأبد.
قوله: (وَهَلْ كَذَلِكَ في (٣) لأَهْجُرَنَّهُ، أَوْ شَهْرٌ؟ قَوْلانِ) يعني أنه اختلف إذا حلف ليهجرنه الأيام أو الشهور، هل يلزمه الأبد أو إنما يلزمه شهر فقط؟ قولان؛ والأول (٤) نص عليه ابن الحاجب (٥) وغيره. ابن عبد السلام: ولم أقف عليه بعد البحث عنه (٦)، والثاني في الموازية، وفي العتبية والواضحة ثلاثة أيام (٧).
(المتن)
وَسَنَةٌ فِي حِينٍ، وَزَمَانٍ، وَعَصْرٍ، وَدَهْرٍ وَبِمَا يُفْسَخُ أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ، فِي لأَتَزَوَّجَنَّ، وَبِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي لا أَتَكَفَّلُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ، وَبِهِ لِوَكِيلٍ فِي لا أَضْمَنُ لَهُ إِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ، وَهَلْ إنْ عَلِمَ؟ تَأْوِيلانِ. وَبِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْتُهُ قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ فِي لَيُسِرَّنَّهُ، وَبِاذْهَبِي الآنَ إِثْرَ لا كَلَّمْتُكِ حَتَّى تَفْعَلِي، وَلَيْسَ قَوْلُهُ لا أُبَالِي بَدْءًا لِقَوْلِ آخَرَ لا أُكَلِّمَنَّه حَتَّى يَبْدَأَنِي،
(الشرح)
قوله: (وَسَنَةٌ فِي حِينٍ): أي: فإن حلف لا أكلمه أو ليهجرنه حينًا، فإنه يلزمه ألا يكلمه سنة وليهجرنه (٨)، وهو المنصوص. وللخمي: أنه (٩) يكتفي من ذلك بمدة فيها طول (١٠)، ولا يحنث بما دون السنة لقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ
_________________
(١) في (ن ١): (لا يلزمه).
(٢) قوله: (بعد) ساقط من (س).
(٣) قوله: (في) زيادة من (ن)، وموافقة للمطبوع من مختصر خليل.
(٤) في (ز): (لأن الأول).
(٥) انظر: الجامع بين الأمهات: ١/ ٣٤٣.
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥١.
(٧) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٤١.
(٨) قوله: (سنة وليهجرنه) يقابله في (ن): (ويهجره سنة)، وقوله: (وليهجرنه) يقابله في (ن ٢): (وهجره).
(٩) قوله: (وللخمي: أنه) يقابله في (ن): (وخرج اللخمي).
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٥٢.
[ ٢ / ٤١٢ ]
تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] والمراد بذلك وقت الصلاة، فهو يقع على القليل والكثير، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨] قيل: هو يوم القيامة، وقال في الجواهر: ومما سلك به مسلك الحين الدهر (١) والزمان والعصر إذا كان منكرًا فإنه ينصرف إلى السنة، ولو عرفه بالألف واللام فقيل: هو كالأول ينصرف إلى السنة، وقال الداودي: الأكثر في الدهر والزمان أنه مدة الدنيا، قال (٢) اللخمي: يريد الأكثر من القول (٣).
قوله: (وَزَمَانٍ، وَعَصْرٍ، وَدَهْرٍ): وكذلك تكفيه سنة في زمن وعصر ودهر بالتنكير، ولم أر في هذه الألفاظ الثلاثة تخريجا (٤).
قوله: (وَبِما يُفْسَخُ، أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ، فِي لأَتزوَّجَنَّ) عبر هنا (٥) بالحنث عن عدم البر كما تقدم، والمعنى أن من حلف ليتزوجن فإنه يحنث (٦) إذا تزوج تزوجًا يفسخ، أو تزوج امرأة دنية لا تشبه أن تكون من نسائه، يريد إذا كانت يمينه مؤجلة ومضى الأجل وإلا تزوج أخرى وبر (٧)، وإنما قال بما يفسخ ولم يقل فاسدًا؛ لأنه إذا كان فاسدًا (٨) يمضي بالدخول ودخل فيه فإنه يبر به، فإن لم يبنِ (٩) أو كان مما يفسخ أبدًا لم يبر مراعاةً للشرعي من ذلك، وخَرَّج اللخمى على مراعاة اللفظ أنه يبر بذلك، ومن أحد القولين
_________________
(١) قوله: (﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ مسلك الحين الدهر) ساقط من (س).
(٢) في (س): (قاله).
(٣) قوله: (وقال في الجواهر يريد الأكثر من القول) ساقط من (ن) و(ن ١) و(ن ٢). وانظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٥٤، والتبصرة، للخمي، ص: ١٧٢٧ و١٧٢٨.
(٤) قوله: (وكذلك تكفيه سنة الثلاثة تخريجا) زيادة من (ن ١)، وفي (ن ٢): (يعني أن من حلف لا أكلمه أو ليهجرنه زمانًا أو عصرًا أو دهرًا أو أنه يلزمه ألا يكلمه لسنة أيضًا)، وفي (ن): (وكذلك قوله: (وزمان، وعصر، ودهر) يعني: من حلف لا أكلمه أو لا يهجرنه زمانا أو عصرا أو دهرا فإنه يلزمه ألا يكلمه سنة أيضا، وزمانا وعصرا ودهرا هو ما مذهب المدونة وقال عنه ابن وهب أنه شك في الدهر أو يكون سنة الشيخ وإن تخريجا في الثلاث.
(٥) في (س): (عنها).
(٦) قوله: (يحنث) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٧) في (ز): (وبرئ).
(٨) قوله: (لأنه إذا كان فاسدًا) زيادة من (س).
(٩) في (ن): (يبر).
[ ٢ / ٤١٣ ]
فيما إذا حلف ليطأنها الليلة فوجدها حائضًا ووطئ، فإنه يبر (١).
قوله: (وَبِضَمانِ الْوَجْهِ، فِي لا أَتَكَفَّلُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ) قال في المدونة: ومن حلف أن (٢) لا يتكفل بمال أبدًا فتكفل بنفس رجل حنث؛ لأن الكفالة بالنفس كفالة بالمال، إلا أن يشترط وجهه بلا مال فلا يحنث (٣)، وهذا مفهوم قوله هنا (٤): (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ) أي: فإن اشترط ذلك لم يحنث.
قوله: (وَبِهِ لِوَكِيلٍ، فِي لا أَضْمَنُ لَهُ إِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ) أي: وكذا يحنث (٥) بالضمان إلى آخره، وهذه مسألة المدونة قال فيها: ومن حلف ألا يتكفل لفلان فتكفل لوكيله ولم يعلم، فإن لم يكن الوكيل من سبب فلان وناحيته لم يحنث الحالف (٦) وإلا حنث (٧). عياض: ظاهره أنه متى كان من سببه لم يراع علم الحالف به (٨)، وهو مفسر في الواضحة، ولابن القاسم في المجموعة مثله، وفي الموازية خلافه لمالك وأشهب، وإنما يحنث إذا علم الحالف أن المشتري من سبب المحلوف عليه (٩)، وذهب بعضهم إلى أن ما في الموازية وفاق للمدونة. القاضي: والظاهر من الكتاب خلافه، وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ عَلِمَ؟ تَأْوِيلانِ) أي: وهل الحنث مقيد بعلم الحالف أن الوكيل من ناحية المحلوف عليه أو مطلقًا؟ تأويلان على المدونة (١٠).
قوله: (وَبِقَوْلِهِ: مَا ظَنَنْتُهُ قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ (١١) فِي لَيُسِرَّنَّهُ) هذه أيضًا مسألة المدونة قال فيها: ولو أسر إليه رجل سرًّا فأحلفه (١٢) ليكتمنه، ثم أسره المسر
_________________
(١) في (ز): (يبرأ). وانظر: التبصرة، للخمي، ص: ٢٦٥٢.
(٢) قوله: (أن) ساقط من (س).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٦١٠.
(٤) قوله: (هنا) زيادة من (س).
(٥) في (ز) و(ز ٢): (يجب).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٦١٠.
(٧) قوله: (وإلا حنث) زيادة من (ن).
(٨) قوله: (به) زيادة من (س).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٢٤ و٢٢٦.
(١٠) قوله: (أي: وهل الحنث على المدونة) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(١١) في (ز ٢) و(س) و(ن) و(ن ١) و(ن ٢): (لِمُخَيَّرٍ).
(١٢) في (س): (فحلف).
[ ٢ / ٤١٤ ]
لآخر (١) غيره فذكره الآخر للحالف، فقال له الحالف: ما ظننته أنه أسره لغيري حنث (٢)، فالضمير في (بقوله) عائد على الحالف، وفي (ما ظننته) عائد (٣) على المحلوف له، وفي (قاله) و(ليسرنه) على الأمر الذي حلف على كتمانه، واللام في (لمخبر) متعلق بـ (قوله) أي: وحنث الحالف بقوله (٤) لمن (٥) أخبره بذلك الأمر: ما ظننته قاله لغيري إذا أحلفه على كتمانه.
قوله: (وَبِاذْهَبِي الآنَ إِثْرَ لا كَلَّمْتُكِ حَتَّى تَفْعَلِي) يريد أن من قال لزوجته: أنت طالق إن كلمتك حتى تفعلي كذا، فإنه يحنث بقوله لها إثر ذلك اذهبي الآن؛ لأنه قد كلمها قبل أن تفعل ذلك، وهو قول ابن القاسم هنا (٦)، وقال ابن كنانة وأصبغ: لا يحنث. ابن القاسم: وقضى لي فيها مالك على (٧) ابن كنانة، ونوقض (٨) قول ابن القاسم هنا بما له في أخوين حلف كل واحد (٩) منهما لا يكلم الآخر حتى يبدأه بالكلام (١٠)، أن يمين الثاني ليست تبدئة بالكلام، وقاله ابن كنانة، وذهب سحنون وابن نافع إلى أنها تبدئة (١١)، وتنحل بها اليمين الأول.
قوله: (وَلَيْسَ قَوْلُهُ لا أُبَالِي بَدْءًا لِقَوْلِ آخَرَ: لا أُكَلِّمَنَّه (١٢) حَتَّى يَبْدَأَنِي) هذه مسألة العتبية (١٣) قال فيها عن ابن القاسم: ومن حلف لآخر بالطلاق لا كلمتك حتى
_________________
(١) في (س): (لا لآخر).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٩.
(٣) قوله: (عائد) ساقط من (س).
(٤) قوله: (أي: وحنث الحالف بقوله) ساقط من (س).
(٥) في (ن ٢): (لمخبر).
(٦) قوله: (هنا) زيادة من (ن).
(٧) قوله: (لي فيها مالك على) يقابله في (ز): (لها فيها مالك عن).
(٨) في (س): (نقص). وانظر: البيان والتحصيل: ٦/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٩) قوله: (واحد) زيادة من (س).
(١٠) قوله: (بالكلام) زيادة من (ن ٢).
(١١) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣١ و١٣٢، والبيان والتحصيل: ٦/ ١٣٧ و١٣٨.
(١٢) في (ز): (أكلمك).
(١٣) قوله: (العتبية) زيادة من (س).
[ ٢ / ٤١٥ ]
تبدأني (١)، فقال له الآخر: إذن والله لا أبالي، فليس ذلك تبدئة (٢)، يريد: وإن كلمه قبل أن يصدر منه كلام غير ذلك حنث، وهو مثل مسألة الأخوين، فقوله: (بَدْءًا) أي: بدءًا يعتد به في حل (٣) اليمين.
(المتن)
وَبِالإِقَالَةِ فِي لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إِنْ لَمْ تَفِ، لَا إِنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَلَا إِنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أخَذْتِيهِ، وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لَا خَرَجْتِ إِلَّا بِإِذْنِي، لَا إِنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلا عِلْمٍ، وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكِ آخَرَ فِي لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إِنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ، لَا دَارَ فُلَانٍ، وَلَا إِنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا إِنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ، وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ، أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ،
(الشرح)
قوله: (وَبِالإِقَالَةِ فِي: لا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَفِ لا إن أخر الثمن) مراده أن من حلف لا ترك من حقه شيئًا، ثم أقال المبتاع من السلعة التي ترتب له الحق بسببها، فإنه يحنث إذا كانت لا تفي بحقه، وإلا فلا حنث، ونحوه عن ابن القاسم (٤).
قوله: (لا إِنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ) يريد: فإن حلف لا ترك من حقه شيئًا فإنه لا يحنث بتأخيره. اللخمي: وقيل: يحنث، والأول أبين؛ لأن التأخير يخف عليه الصبر (٥) ويراه حسن معاملة، ولا يعده وضيعة، ولا يخف عليه ترك اليسير (٦).
قوله: (وَلا إِنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أَخَذْتِيهِ) يريد: أن من دفن مالًا في مكان ثم بحث عليه فلم يجده، فحلف على زوجته إنك أخذتيه ثم وجده في المكان الذي وضعه (٧) فيه فإنه لا يحنث، وهذا هو الأصح، وعبر عنه بعضهم بالمشهور، وعن
_________________
(١) قوله: (هذه مسألة العتبية حتى تبدأني) ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٣٢.
(٣) في (ن ٢): (حال).
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ١٨١.
(٥) قوله: (الصبر) زيادة من (ن ٢).
(٦) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٦٨.
(٧) في (س): (دفنه).
[ ٢ / ٤١٦ ]
مالك في الواضحة عدم (١) الحنث (٢).
قوله: (وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لا خَرَجْتِ إِلا بِإِذْنِي) أي: أن من حلف على زوجته ألا تخرج إلا بإذنه فخرجت بغير إذنه ثم علم وتركها فإنه يحنث، فإن ردها فلا حنث، هذا معنى كلامه (٣)، وفيه نظر، فإنها متى خرجت بغير إذنه حنث سواء علم أم لم يعلم (٤)، نص عليه في المدونة (٥).
قوله: (لا إِنْ أَذِنَ لأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلا عِلْمٍ) هذا كقوله في المدونة: وإن حلف ألا يأذن لها إلا في عيادة مريض، فأذن لها في ذلك فخرجت ثم مضت بعد ذلك إلى حاجة أخرى لم يحنث؛ لأن ذلك بغير إذنه، ولو خرجت إلى الحمام بغير إذنه لم يحنث إلا أن يتركها بعد علمه، وإن هو حين علم بذلك لم يتركها فلا يحنث، فإن لم يعلم حتى رجعت فلا حنث (٦). انتهى. يريد: لأنها إذا خرجت ثم رجعت ولم يعلم فقد خرجت بغير إذنه، وهو قد حلف ألا يأذن لها في ذلك، فلا يحنث.
قوله: (وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكِ آخَرَ فِي: لا أَسْكُنُ هَذه الدَّارَ، أَوْ دَارَ فُلانٍ هَذِهِ، إِنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ، لا دَارَ فُلانٍ) هذه مسألة المدونة قال فيها عند ابن يونس عن ابن القاسم: ومن حلف لا يسكن هذه الدار أو قال دار فلان (٧) هذه فباعها فلان فسكنها (٨) في غير ملكه، حنث إلا أن ينوي ما دامت في ملك المحلوف عليه، ولو قال دار فلان ولم يقل هذه، فباعها فلان (٩) فسكنها الحالف في غير ملكه لم يحنث، إلا أن يكون نوى ألا يسكنها أبدًا (١٠). ابن يونس: لأنه إذا قال هذه فكأنه إنما كره سكناها فلا يُسقط عنه
_________________
(١) قوله: (عدم) ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: النوادر والزيدات: ٤/ ٦٧.
(٣) قوله: (معنى كلامه) يقابله في (ز ٢): (معناه).
(٤) قوله (علم أم لم يعلم) يقابله في (س) و(ن ٢): (علم بها أم لا).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٧.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٧.
(٧) قوله: (هذه مسألة المدونة قال هذه الدار أو قال دار فلان) ساقط من (ن).
(٨) في (ز) و(ز ٢): (فسكن).
(٩) قوله: (فلان) زيادة من (س).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٤.
[ ٢ / ٤١٧ ]
اليمينَ انتقالهُا إلا أن ينوي ما دامت في ملك فلان، فإذا قال دار فلان فبالبيع صارت لغيره فلا يحنث، إلا أن يريد عين الدار، وقد أهمل الشيخ ﵀ هذا القيد وهو قوله: "إلا أن ينوي لا أسكنها أبدًا" في حلفه "لا سكنت دار فلان" إذا لم يقل: "هذه".
قوله: (وَلا إِنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا إِنْ لَمْ يَأمُرْ بِهِ) أي: فلا يحنث وقاله في المدونة (١)، وقيد ذلك بما إذا لم يأمر به. اللخمي (٢): وانظر ما معناه ظاهر ما في المدونة الأم قال فيها: قلت أرأيت من حلف ألا يدخل دار فلان فاحتمله المسار فأدخله أيحنث أم لا؟ قال مالك: وغيره من أهل العلم أنه لا يحنث قلت أريت إن قال احملوني وادخلوا ثم فعلوا قال هذا يحنث لا شك ونص التهذيب وإن دخلها مكرها لم يحنث إلا أن يأمرهم بذلك فيحنث نص الأم أجلى من التهذيب ونص من أصل خليل والله أعلم بعد قوله: (ولا إن خربت وصارت طريقا) ولا إذا كره إن لم يأمر به (٣).
قوله: (وَفِي لا بَاعَ مِنْهُ أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إِنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ) أي: فإن حلف لا باع من فلان شيئًا فباع من رجل (٤) اشترى له فإن كان من ناحيته حنث وإلا فلا، وقيده بعض الأشياخ بما إذا لم يعلم، وأما إن علم أنه إنما يشتري للمحلوف عليه فإنه يحنث على كل حال، وهو كذلك في المدونة (٥)، وقد أشار بقوله: (أو له) إلى أنه إذا حلف لا باع له شيئًا فدفع المحلوف عليه ثوبًا لرجل فأعطاه الرجل للحالف فباعه له قال في المدونة (٦): فإن لم يكن الرجل من سبب (٧) فلان وناحيته مثل الصديق الملاطف أو من عياله ونحوه لم يحنث وإلا حنث (٨)، وقوله: (بالوكيل) متعلق بـ (حنث) المدلول عليه بما تقدم، والتقدير: وحنث بالوكيل في حلفه لا باع منه ولا له إن كان الوكيل من ناحيته (٩).
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٥.
(٢) قوله: (اللخمي) زيادة من (ن).
(٣) قوله: (ظاهر ما في المدونة الأم قال فيها ولا إذا كره إن لم يأمر به) زيادة من (ن).
(٤) وقوله: (فباع من رجل) يقابله في (ز) و(س): (فباع رجلًا).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٦١١.
(٦) قوله: (في المدونة) زيادة من (س).
(٧) في (ز): (بيت).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٦١١.
(٩) قوله: (والقدير: وحنث الوكيل من ناحيته) ساقط من (ز).
[ ٢ / ٤١٨ ]
(المتن)
وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ: أَنَا حَلَفْتُ، فَقَالَ: هُوَ لِي، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ، وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إِلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي، لَا فِي دُخُولِ دَارٍ، وَتَأْخِيرُ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ وَلَا دَيْنَ، وَتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إِنْ أَحَاطَ وَأَبْرَأَ. وَفِي بِرِّهِ فِي لأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا، وَفِي لَتَأْكُلِنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأُكِلَتْ، أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلَانِ، إِلَّا أَنْ تَتَوَانَى، وَفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا فِي لَا كَسَوْتُهَا وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ، وَاسْتُشْكِلَ.
(الشرح)
قوله: (وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ: أَنَا حَلَفْتُ، فَقَالَ: هُوَ لِي، ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ) هذه أيضًا مسألة المدونة ذكرها عقيب المسألتين السابقتين كما هنا تفريعًا عليهما، قال فيها: ولو قال عند البيع: إني حلفت لا أبيع فلانًا، فقال له: إنما أبتاع لنفسي، ثم صح أنه إنما ابتاع لفلان لزم الحالف البيع ولم ينفعه ذلك وحنث (١)، فقوله هنا: (وَلَزِمَ الْبَيْعُ) معناه وحنث، ويدل عليه ما تقدم؛ إذ قوله: (وبالوكيل) يشمل المسائل الثلاث؛ أي: وحنث بالوكيل ولو قال حين البيع كذا إلى آخره.
قوله: (وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إِلا أنْ تُؤَخِّرَنِي) يريد أن من حلف لرجل لأقضينك حقك إلى أجل كذا إلا أن تؤخرني، ثم مات الطالب فإنه يجزئه تأخير الوارث، يريد: إن كان كبيرًا كما قال في المدونة، فإن (٢) كان صغيرًا فوصيه (٣)، وقيد ذلك بما إذا لم يكن ثَم دين وإلا لم يكن لوارث ولا وصي تأخير مع الغرماء، ويجزئه تأخيرهم إذا أحاط الدين بماله على أن تبرأ (٤) ذمة الميت.
قوله: (لا في دُخُولِ دَارٍ) أي: إن حلف لا أدخل دار فلان إلا بإذنه لم يجزئه إذن ورثته، وقاله في المدونة (٥)، ابن المواز (٦): إذ ليس بحق يورث.
قوله: (وَتَأْخِيرُ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ وَلا دَيْنَ) أي: إذا كان الوارث صغيرًا ولم يكن
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٦١١.
(٢) قوله: (كما قال في المدونة، فإن) يقابله في (ن): (أما إذا).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٦١٥.
(٤) في (س): (يبرئ).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٦١٤.
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٦٩.
[ ٢ / ٤١٩ ]
ثَمَّ دين (١).
قوله: (وَتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إِنْ أَحَاطَ وَأَبْرَأَ) أي: إن أحاط الدين بماله وأبرأ ذمة الميت.
قوله: (وَفِي بِرِّهِ فِي لأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا) أشار بهذا إلى أنه اختلف فيمن حلف ليطأنها الليلة فوجدها حائضًا هل يبر بوطئها كذلك أم لا؟ على قولين، بناء على أن الممنوع (٢) شرعًا كالمعدوم حسًّا أو لا.
قوله: (وَفِي لَتَأْكُلِنَّهَا فَخَطِفَتْهَا هِرَّةٌ فَشُقَّ جَوْفُهَا وَأُكِلَتْ أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلانِ إلا أن تتوانى) يريد بهذه المسألة أن من أكل مع امرأته فحلف عليها لتأكلِنَّ هذه البضعة من اللحم فخطفتها الهرة فأكلتها، فأخذتها المرأة فذبحتها وشقت جوفها فأخرجت البضعة منه فأكلتها قبل فسادها أو بعد ذلك، فإنه اختلف في بره بذلك على قولين، كما أشار إليه بقوله: (قولان)، وهما راجعان إلى المسألتين معًا، والمسألة الأخيرة رواها أبو زيد (٣) عن ابن القاسم، وقال في آخرها: ولا يجزئه ذلك عن يمينه، ولكن إن لم يكن بين أخذ الهرة إياها وبين يمينه قدر ما تأخذها المرأة فلا حنث، وإن توانت قدر ما لو (٤) أرادت أخذها فعلت فقد حنث (٥)، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ تَتَوَانَى) أي: المرأة (٦) في أخذ البضعة من الهرة (٧) فيحنث الحالف قولًا واحدًا.
قوله: (وَفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا فِي لا كَسَوْتُهُمَا وَنِيَّتُهُ الْجَمِيعُ وَاسْتُشْكِلَ) إنما نسبها للمدونة لاستشكالها (٨) كما ذكر، قال فيها: ومن قال لامرأته أنت طالق إن كسوتك هذين الثوبين ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعًا فكساها أحدهما فهو في ذلك حانث (٩)،
_________________
(١) وقوله: (ولم يكن ثم دين) يقابله في (ن ٢): (أو لا دين على الميت فإنه يجزئه تأخير الوصي وقد تقدم)، وفي (ن): (وقد تقدم).
(٢) في (ن ١) و(ن ٢): (المعدوم).
(٣) في (ز): (ابن أبي زيد).
(٤) قوله: (لو) ساقط من (س).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٤٥.
(٦) قوله: (فلا حنث، وإن "إِلا أَنْ تَتَوَانَى" أي: المرأة) ساقط من (ن ١).
(٧) قوله: (قدر ما لو أرادت البضعة من الهرة) ساقط من (ن ٢).
(٨) في (س): (لإشكالها).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٦٠٤.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
واختلف الأشياخ في الاعتذار عنه، فقيل: معناه ونيته ألا يكسوها (١) إياهما مجتمعين ولا مفترقين، ولو نوى لا يجمعهما (٢) لم يحنث بأحدهما، وقاله أبو محمد (٣) والتونسي واللخمي (٤) ونحوه لأبي عمران، وقال ابن عبد السلام: يمكن أن يوجه بما تقرر (٥) أنه يحنث بالبعض؛ لأن غاية نية (٦) الجمع أن تجري مجرى التنصيص (٧) على ذلك وهو يجري مجرى التأكيد فيما إذا قال: والله لا أكلت هذا الرغيف كله (٨) وهو يحنث فيه بالبعض (٩).
فصلٌ [في النذر]
(المتن)
فَصْلٌ النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ كُلِّفَ وَلَوْ غَضْبَانَ، وَإِنْ قَالَ إِلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ، بِخِلَافِ إِلا إِنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ. وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ. وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ، وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ. وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بنَذْرِهَا، فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ، ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ، وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ، وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إِلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللهِ.
(الشرح)
(النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ كُلِّفَ) هو عبارة عن الالتزام والإيجاب، وأركانه ثلاثة: الملتزم والصيغة وما يلتزم (١٠)، فالملتزم كل مسلم مكلف، فلا يلزم الكافر ولا الصبي ولا (١١) المجنون.
_________________
(١) قوله: (ونيته ألا يكسوها) يقابله في (ز): (أنه حلف لا كساها)، وفي (س): (أنه حلف لا يكسوها).
(٢) في (ن): (ألا جمعهما).
(٣) قوله: (أبو) ساقط من (ن). وانظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٨٣.
(٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٧٢٣.
(٥) في (ن ٢): (تقدم).
(٦) قوله: (غاية نية) يقابله في (ز ٢): (غاية ما فيه)، وفي (ز): (غايته نية).
(٧) في (ز ٢) و(ن ٢): (التبعيض).
(٨) قوله: (كله) زيادة من (س).
(٩) قوله: (لأن غاية نية الجمع أن تجري مجرى التنصيص وهو يحنث فيه بالبعض) ساقط من (ن). وانظر: التوضيح: ٣/ ٣٤٤.
(١٠) في (ن) و(ن ٢): (يلزم).
(١١) قوله: (لا) ساقط من (ز ٢) و(س).
[ ٢ / ٤٢١ ]
قوله: (وَلَوْ غَضْبَانَ) أي: أنه يلزم المسلم المكلف ولو صدر منه في حال غضبه، وهو المعروف نص عليه ابن بشير، وعن ابن القاسم قوله: إن فيه كفارة يمين (١).
قوله: (وَإِنْ قَالَ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أرَى خَيْرًا مِنْهُ، بِخِلافِ إِلا أَنْ يَشَاءَ فُلانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) يريد أن النذر لازم له، وإن قال: إلا أن يبدو لي أو أرى خيرًا منه، بخلاف ما إذا قال: إلا أن يشاء فلان فلا يلزم إلا (٢) بمشيئته (٣)، وقاله في المدونة فيمن قال: على المشي إلى مكة (٤).
قوله: (وَإِنّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ كَلِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) هذا الكلام فيه إشارة إلى صيغة الالتزام وما يلزم بذلك، فأما صيغته فنحو: لله عليَّ كذا من حج أو صدقة أو صلاة أو صيام أو اعتكاف أو أضحية أو غيرها من القُرَب، وأما ما يلزم به، فأشار إليه بقوله: (ما ندب)، فأخرج به الواجب الأصلي كصوم رمضان ونحوه من الواجبات؛ إذ هو لازم بغير النذر، والمحرم كالزنى والقتل وشرب الخمر ونحوها، فلا يلزمه ما نذر من ذلك.
قوله: (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) أي: الذي يوجبه الإنسان على نفسه ابتداء شكرًا لله تعالى. ابن رشد: وهو مذهب مالك (٥)، وحكاه في الجواهر (٦).
قوله: (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) أي: كما إذا نذر صوم كل خميس أو كل اثنين أو نحو ذلك، قاله (٧) في المدونة (٨)؛ مخافة التفريط في الوفاء به، واختلف في النذر المعلق على شرط كقوله: إن شفى الله تعالى مريضي أو نجاني من كذا أو رزقني كذا فعليَّ المشي إلى مكة أو صدقة كذا أو نحو ذلك، هل هو مكروه، وإليه ذهب الباجي (٩) وابن
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦١.
(٢) قوله: (إلا) ساقط من (ز ٢).
(٣) في (ز ٢): (فبمشيئته).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٩.
(٥) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٣٧، والمقدمات الممهدات: ١/ ٢٠٧.
(٦) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦٣.
(٧) في (ز) و(س) و(ن ٢): (قال).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٢٨٣.
(٩) انظر: المنتقى: ٤/ ٤٥٦.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
شاس (١) وغيرهما، أو لا؟ وإليه ذهب صاحب البيان (٢)، وإلى هذا أشار بقوله: (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلِّقِ ترَدُّدٌ).
قوله: (وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا) يريد أن من نذر هدي بدنة؛ أي: سواء كان نذرًا معلقًا أم لا، فإنه يلزمه إخراجها لله تعالى.
قوله: (فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ) أي: فإن لم تكن عنده بدنة ولا مقدار (٣) ثمنها فإنه يخرج بقرة، وهو المشهور، وقال ابن نافع: لا يجزئه إلا ما نذر (٤).
قوله: (ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ) أي: فإن عجز عن البقرة أخرج سبع شياه من الغنم، وهو المشهور، وفي كتاب محمد: عشرًا (٥).
قوله: (لا غَيْرُ) أي: فإن عجز عن الغنم لم يجزئه الصيام بوجهٍ، وهو مذهب المدونة (٦)، وفي الواضحة: إذا أعسر صام سبعين يومًا، وقال أشهب: إن أحب صام سبعين يومًا (٧) أو أطعم سبعين مسكينًا (٨).
قوله: (وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ) أي: ولزمه (٩) صيام بثغر من الثغور كعسقلان والإسكندرية إذا نذره، قال في المدونة: وإن كان -أي: الناذر- من مكة أو المدينة (١٠).
قوله: (وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ) أي: ولزمه (١١) إخراج ثلث ماله في قوله: مالي في سبيل الله ونحوه مما سيأتي، وهذا هو المشهور، ولسحنون: إنما يلزمه ما لا يضرُّ به (١٢)، ولابن
_________________
(١) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦٣.
(٢) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ١٣٧.
(٣) في (ن) و(ن ٢): (ولا قدر على).
(٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ٨٦.
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٦.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٥.
(٧) قوله: (يومًا) زيادة من (س) و(ن ٢).
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٧.
(٩) في (س): (ولزم).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٥.
(١١) في (ز) و(ز ٢): (ولزم).
(١٢) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦٢.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وهب قولان، أحدهما: أنه إن كان ذا يسار فثلث ماله (١)، وإن كان قليل المال فالربع (٢)، وإن كان عديمًا فكفارة يمين، والثاني: أنه يلزمه إخراج جميع المال (٣)، وعلى المشهور: لو حلف وماله ألف دينار (٤) ثم حنث وهو ألفان فلا يلزمه إلا ثلث الألف، وإليه أشار بقوله: (حين يمينه).
قوله: (إِلا أَنْ يَنْقُصَ فَما بَقِيَ) أي: إلا أن ينقص ماله بين اليمين والحنث فلا يلزمه إلا ثلث ما بقي من ذلك وهو متفق عليه إذا كانت يمينه على بر، وإن كانت على حنث فكذلك على المشهور.
قوله: (بِمَالِي) أي: في قوله: (٥) مالي (٦)، أو بسبب قوله: مالي في كذا.
قوله: (فِي كَسَبِيلِ اللهِ) إنما أدخل الكاف على ذلك تنبيهًا على عدم اختصاص هذا النوع (٧) بالحكم المذكور بل يشاركه في ذلك قوله "مالي صدقة للفقراء أو هبة لهم أو هدي لله"، أو "هو في جنب الله"، أو حلف بذلك فحنث.
(المتن)
وَهُوَ الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ وَأُنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا لِتَصَدَّقٍ بِه عَلَى معَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَمَا سَمَّى وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلى الْجَمِيعِ وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلاحِ لِمَحَلِّهِ إِنْ وَصَلَ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ كَهَدْيٍ وَلَوْ مَعِيبًا عَلَى الأَصَحِّ، وَلَهُ فِيهِ إِذَا بِيعَ الإِبْدَالُ بالأَفْضَلِ، وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ، وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ، وَهَلِ اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ؟ أوْ لَا، أَوْ لَا نَدْبًا، أَوِ التَّقْوِيمُ إِذَا كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ،
(الشرح)
قوله: (وَهُوَ الْجِهَادُ، وَالرِّبَاطُ) أي: أن المراد بسبيل الله الجهاد، فإذا قال: مالي في
_________________
(١) في (ز ٢) و(س) و(ن ٢): (المال).
(٢) قوله: (فالربع) كذا في كل النسخ، وما نقل عن ابن وهب هو: (ربع العشر) أو (زكاة ماله) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥، وانظر: المنتقى: ٤/ ٥١٩، والتوضيح: ٣/ ٣٩٨.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥ و٣٦، والمنتقى: ٤/ ٥١٩.
(٤) قوله: (دينار) زيادة من (ن ٢).
(٥) قوله: (قوله) ساقط من (س).
(٦) قوله: (مالي) ساقط من (ن ٢).
(٧) في (ن) و(ن ٢): (الفرع).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
سبيل الله، فمخرج ثلثه الجهاد والرباط بمكان يخاف فيه من العدو، كما أشار إليه بقوله: (بِمَحَلٍّ خِيفَ)؛ لأنه إذا لم يكن محل خوف فليس برباط.
قوله: (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ) أي: إذا قال: مالي في سبيل الله، وقلنا يلزمه الثلث، فاحتاج إلى أن يبعث به فإنه ينفق عليه من غيره (١)، وقاله مالك (٢) وابن القاسم (٣)، وقيل: إن النفقة من الثلث.
قوله: (إِلا لِتَصَدُّقٍ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ) أي: فإن قال: مالي صدقة لزيد، أو نحوه من المعينين، فإنه يلزمه إخراج الجميع (٤) للمعين، نص عليه في النوادر (٥).
قوله: (وَكَرَّرَ إِنْ أَخْرَجَ) أي: إذا حلف بصدقة جميع ماله فحنث أو قال في سبيل الله (٦) ونحوه، وأخرج من (٧) الثلث، ثم حصل له سبب آخر أوجب إخراج ثلث الباقي فإنه يخرج ثانيًا وثالثًا وهو متفق عليه، قاله ابن زرقون (٨)، واحترز بقوله: (إن أخرج) مما إذا حصل سبب الوجوب ثانيًا قبل إخراج الأول، فإنه اختلف هل يجزئه ثلث واحد، وهو قول مالك في الواضحة، وقاله في العتبية، وكتاب محمد، وهو أحد قولي ابن القاسم وقاله ابن كنانة، أو يخرج أولًا ثم ثانيًا ثلث الباقي، وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن المواز (٩)؟ وإليه أشار بقوله: (وَإِلا فقَوْلانِ) (١٠).
قوله: (وَمَا سَمَّى وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) أي: فإن سمى شيئًا من ثلث أو نصف أو نحوه، فقال: ثلث مالي للمساكين أو الفقراء، أو عينه بأن قال: عبدي فلان أو داري أو حائطي أو نحو ذلك فإنه يلزمه، وإن أتى على جميع المال وهو المشهور، وروي عن
_________________
(١) في (ز) و(ن) و(ن ٢): (ماله).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٤.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦.
(٤) قوله: (الجميع) ساقط من (س).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٦.
(٦) قوله: (سبيل الله) يقابله في (ز): (السبيل).
(٧) قوله: (من) زيادة من (ن ٢).
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٤٠١.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٧ و٣٩، والبيان والتحصيل: ٣/ ٢١٨ و٢١٩.
(١٠) قوله: (وإليه أشار بقوله: "وَإِلا فقَوْلانِ") ساقط من (ن ٢).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
مالك، وقاله ابن نافع وأصبغ: أنه لا يلزمه غير الثلث، وعن سحنون: إنما يلزمه ما لا يجحف بماله (١).
قوله: (وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلاحٍ لِمَحَلِّهِ) أي: ولزم بعث فرس أو سلاح (٢) إن (٣) قال: هو في السبيل، أو نذر لله أو حلف يمينًا فحنث، قال في المدونة: وليبعث ذلك بعينه (٤)؛ يريد: إلى أماكن الجهاد، وهو المراد هنا بمحله.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ) أي: وإن لم يمكن وصوله بيع وعوض به من جنسه وبعث به.
قوله: (كَهَدْيٍ) أي: وكذلك الهدي يلزم بعثه إلى محله إن أمكن وصوله إلى محله (٥)، وإلا بيع وعوض من جنسه إن بلغ، ولا فرق على المذهب بين كونه معيبًا أو سليمًا؛ لأنه لما لم يمكن وصوله صار كأنه غير مقصود العين، وأشار بقوله: (ولو معيبًا على الأصح) إلى أن الشخص إذا قال: لله عليَّ أن أهدي هذه (٦) البدنة العوراء أو العرجاء أو نحوهما مما لا يهدى أنه يخرجها بعينها؛ لأن السلامة إنما تطلب في الوا جب المطلق، وإليه ذهب أشهب، فإن لم يصل عُوِّض بثمنه، وقال محمد: يبيعه ويشتري بثمنه هديًا سالمًا، واتفق أشهب ومحمد على (٧) أنه إذا قال: لله عليَّ هدي ولم (٨) يعين، أن عليه هديًا سالمًا (٩).
قوله: (وَلَهُ فِيهِ إِذَا بِيعَ الإِبْدَالُ بِالأَفْضَلِ) هذا إشارة إلى الفرق بين الهدي وغيره مما هو كالفرس وآلات السلاح، ومراده أن الهدي يجوز أن يعوض من جنسه، ويجوز أن يبدل بالأفضل، وأما الفرس ونحوه فلا يجوز تعويضه.
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩٩.
(٢) قوله: (أي: ولزم بعث فرس أو سلاح) ساقط من (ن) و(ن ٢).
(٣) قوله: (إن) ساقط من (ز ٢)، وفي (ن): (من).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٤.
(٥) قوله: (إلى محله) زيادة من (ن).
(٦) قوله: (أن أهدي هذه) يقابله في (ن): (هدي).
(٧) قوله: (على) ساقط من (ز ٢).
(٨) قوله: (لم) ساقط من (ز ٢).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٥٧، والتوضيح: ٣/ ٣٩١.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قوله: (وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ) أي: فإن كان الذي التزمه مما لا (١) يهدى كالثوب والعبد ونحوهما باعه وعوض بثمنه هديًا، وقاله في المدونة وفيها: فإن لم يبعه وبعثه (٢) فلا يعجبني ويباع هناك ويشترى به هدي (٣)، وإليه أشار بقوله: (وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ).
قوله: (وَهَلْ اخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوَّلًا أَوْ لَا نَدْبًا، أَوِ التَّقْوِيمُ إِنْ كَانَ بِيَمِينٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ) يعني: وهل اختلف إذا كان الشيء مما لا يهدى أيجوز أن يقومه على نفسه ابتداء، أو الأولى له عدم التقويم ويبيعه ويعوض بثمنه، أو يفرق بين أن يكون بيمين أو لا؟ تأويلات ثلاثة، ومذهب المدونة أنه يبيعه ويعوض بثمنه كما تقدم (٤)، وظاهر ما (٥) في كتاب الحج والنذر جواز تقويمه (٦) على نفسه وإخراج قيمته، وهو مذهب العتبية، واختلف (٧) هل هو اختلاف قول، وإليه ذهب جمهورهم أو هو وفاق، وإليه ذهب جماعة منهم صاحب البيان، قال: وليس هو من باب شراء المرء صدقته؛ لأن القصد في الهدي الثمن؛ لأنه مما لا يهدى عينه بخلاف الصدقة؛ لأنه قد يتصدق بذلك الشيء بعينه (٨). وحكى ابن يونس عن بعض القرويين: أنه إذا تصدق بعرض تطوعًا لم يكن له حبسه ويتصدق بقيمته، ولو حلف بذلك وحنث أجزأه إخراج قيمته؛ لأن الحالف غير قاصد للقربة فلم يدخل في قوله ﵊: "العائد في صدقته (٩) كالكلب يعود في قيئه" (١٠)، بخلاف المتطوع فإنه داخل في ذلك، وأشار ابن
_________________
(١) قوله: (لا) ساقط من (ز ٢).
(٢) قوله: (لم يبعه وبعثه) يقابله في (ن ٢): (بعثه).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٥١.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٥١.
(٥) في (س) و(ن ٢): (وظاهرها).
(٦) في (ز ٢): (تقديمه).
(٧) قوله: (اختلف) زيادة من (ز ٢).
(٨) انظر: البيان والتحصيل: ٣/ ٩٩.
(٩) في (ز ٢): (هبته).
(١٠) متفق عليه، أخرجه البخاري: ٢/ ٩٢٥، في باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، من كتاب الهبة وفضلها، برقم: ٢٤٨٠، ومسلم: ٣/ ١٢٣٩، في باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه، من كتاب الهبات، برقم: ١٦٢٠، ومالك: ١/ ٢٨٢، في باب اشتراء الصدقة والعود فيها، من كتاب الزكاة، برقم: ٦٢٣.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
يونس وعياض إلى أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون بيمين أو لا (١).
(المتن)
فَإِنْ عَجَزَ عُوِّضَ الأَدْنَى، ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إِنِ احْتَاجَتْ وَإِلّا تُصُدِّقَ بِهِ، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهُ وِلَايَةٌ مِنْهُ ﵊، وَالْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ كَمَكَّةَ، أَوِ الْبَيْتِ، أَوْ جُزْئِهِ لَا غَيْرُ، إِنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا مِنْ حَيْثُ نَوَى، وَإِلَّا فمن حيث حَلَفَ أَوْ مِثْلِهِ إِنْ حَنِثَ بِهِ.
(الشرح)
قوله: (فَإنْ عَجِزَ عُوِّضَ الأَدْنَى) أي: فإن عجز ثمن ما لا يهدى عن قيمة بدنة أو بقرة عوض أَدنى الهدي وهو شاة يشتريها من مكة أو غيرها فإن لم يبلغ ثمن شاة، فقال مالك في المدونة (٢): يبعثه إلى خزنة الكعبة يُنفَق عليها (٣)، وإلى هذا أشار بقوله: (ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إِنْ احْتَاجَت) أي: في مصالحها إن احتاجت (٤)، وقال ابن القاسم: أحب إليَّ أن يتصدق به حيث شاء (٥)، وقال (٦) أصبغ: يتصدق به على فقراء الحرم. اللخمي: ولو قيل يشارك به في هدي لكان له وجه (٧)، والخزنة: جمع خازن؛ وهم أمناء الكعبة (٨).
قوله: (وَإِلا تُصُدِّقَ بِهِ) أي: وإن لم تحتج له الكعبة تصدق به، وقاله في كتاب محمد (٩).
قوله: (وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لأَنَّهُ وِلايَةٌ مِنْهُ ﵊) هكذا قال في المدونة (١٠) وليس هو من النذرفي شيء، وإنما ذكره استطرادًا، ولعله
_________________
(١) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩١.
(٢) في (ز): (الموازية).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٠.
(٤) قوله: (في مصالحها إن احتاجت) ساقط من (س) و(ن ٢)، قوله: (إن احتاجت) ساقط من (ن).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٠.
(٦) قوله: (وقال) ساقط من (ز ٢).
(٧) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٦٦.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩٣.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٣.
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٠.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
جواب عن سؤال (١) مقدر كأن قائلًا قال: هل يجوز دفع ذلك إلى غيرهم ينفقه على الكعبة؟ فقال: أعظم مالك ذلك أو يكون معناه أنه استعظم أن يشرك في خدمة الكعبة والقيام بمصالحها غيرهم، ثم استدل بأن ذلك ولاية منه ﵇ إذ دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة، وقال: "هي لكم يا بني عبد الدار خالدة (٢) لا ينزعها (٣) من أيديكم إلا ظالم" (٤).
قوله: (وَالْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلاةٍ) أي: وكذلك يلزم المشي إلى مسجد مكة لمن نذره ولو لصلاة، قال في الإكمال: من قال لله عليَّ صلاة في أحدها -أي: المساجد الثلاثة- وهو في بلد غير بلادها فعليه إتيانها، وإن قال ماشيًا فلا يلزمه المشي إلا في حرم مكة خاصة، وأما المسجدان الآخران (٥) فالمشهور عندنا أنه لا يلزمه المشي إليهما ويأتيهما راكبًا. وقال ابن وهب: بل يأتيهما ماشيًا. وقال القاضي إسماعيل: إن (٦) من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة لا للحج لم يكن عليه المشي وليركب إن شاء (٧).
قوله: (وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) يريد أن من كان بمكة ونذر المشي إليها أنه يخرج إلى الحل ويأتي بعمرة، ولا خلاف فيه بين مالك وابن القاسم (٨) إذا كان في المسجد، وأما إذا كان خارجًا عنه فقال ابن القاسم: الحكم كذلك، وقال مالك: يمشي من موضعه إلى البيت في غير حج ولا عمرة (٩). وكلامه هنا جارٍ على مذهب ابن القاسم؛
_________________
(١) في (ز) و(ز ٢): (مثال).
(٢) قوله: (خالدة) زيادة من (س).
(٣) في (س): (ينتزعها).
(٤) ضعيف، أخرجه الطبراني في الكبير: ١١/ ١٢٠، برقم: ١١٢٣٤، وفي الأوسط: ١/ ١٥٥، برقم: ٤٨٨، وابن عدي في الكامل: ٤/ ١٣٧. وفيه عبد الله بن المؤمل: وثقه ابن معين في رواية، وابن حبان، وقال: يخطئ، وضعفه آخرون. انظر: المقاصد الحسنة، للسخاوي، ص: ٣٢٠، ومجمع الزوائد، للهيثمي: ٣/ ٦٢٠، برقم: ٥٧٠٧.
(٥) قوله: (الآخران) زيادة من (ن ٢).
(٦) قوله: (إن) زيادة من (س).
(٧) انظر: إكمال المعلم: ٤/ ٥١٧.
(٨) قوله: (وابن القاسم) يقابله في (ن ٢): (وأصحابه، هذا).
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٣٣٧.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
أجزاه (١) إذ لم يفرق بين المسجد وغيره.
قوله: (كَمَكَّةَ، أَوِ الْبَيْتِ، أَوْ جُزْئِهِ لا غير) هو تشبيه في حكم اللزوم (٢)؛ أي: وكذلك من نذر المشي (٣) إلى مكة أو البيت أو إلى شيء من أجزاء البيت كـ "بابه" أو "ركنه" أو "شاذروانه" فإنه يلزمه، وقاله في المدونة (٤)، ثم قال فيها: وأما غير ذلك كعرفة ونحوها فلا (٥)؛ أي: فلا يلزمه ذلك، وإليه أشار بقوله: (لَا غَيْرُ). قال في التنبيهات: مذهبه في هذه المسألة إلزامه (٦) اليمين إن قال بيت الله أو الكعبة أو المسجد الحرام أو مكة، أو ذكر شيئًا من أجزاء البيت فقط دون ما عدا ذلك إلا أن ينوي حجًّا أو عمرة، وهو تأويل جمهور الشيوخ، ومقتضى ما في الواضحة: أنه لا يلزمه في الحطيم والحجر وزمزم (٧)، وعن أصبغ قول آخر: أنه يلزمة بكل ما سمى مما هو داخل مكة كالصفا والمروة وأبي قبيس وقعيقعان (٨). وقال ابن حبيب: يلزمه إذا سمى الحرم أو ما هو (٩) فيه، ولا يلزمه ما خرج عنه ما عدا عرفات (١٠).
قوله: (إِنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا) هو استثناء من قوله: (لا غير)؛ يريد أن من قال: عليَّ المشي إلى موضع كذا، وليس من المواضع التي تقدم أنه (١١) يلزمه المشي إليها، فلا يلزم بذلك إلا أن ينوي أحد النسكين من (١٢) الحج أو العمرة فإنه يتعين عليه الإتيان إليه ماشيًا ويدخل محرمًا بما نوى، وقد تقدم أنه تأويل الجمهور على المدونة.
_________________
(١) قوله: (أجزاه) زيادة من (ن).
(٢) قوله: (هو تشبيه في حكم اللزوم) ساقط من (ز ٢).
(٣) قوله: (المشي) ساقط من (ز).
(٤) قوله: (وقاله في المدونة) ساقط من (ز ٢).
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٩.
(٦) قوله: (إلزامه) زيادة من (س).
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٦٥.
(٨) انظر: النوادر والزيادات ٤/ ٢٩.
(٩) قوله: (داخل مكة كالصفا الحرم أو ما هو) ساقط من (س).
(١٠) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٢٩.
(١١) قوله: (تقدم أنه) ساقط من (ن ٢).
(١٢) قوله: (من) ساقط من (س) و(ن ٢).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
قوله: (مِنْ حَيْثُ نَوَى) هذا مما لا خلاف فيه إن كانت له نية، وإن لم تكن له نية ففي النذر (١) من حيث نذر باتفاق، وفي اليمين من حيث حلف، فقوله: (من حيث نوى) أي: في الصورتين؛ أي: وكذا من حيث نذر في النذر.
قوله: (وَإِلا فمن حيث (٢) حَلَفَ) أي: وإن لم تكن له نية فمن حيث حلف، وهو المشهور ومذهب المدونة (٣) وقيل: يمشي من حيث حنث (٤).
قوله: (أَوْ مِثْلِهِ إِنْ حَنَثَ بِهِ) أي: فإن كان مكان الحنث غير مكان الحلف إلا أنه مثله في المسافة فإنه يمشي من حيث حنث، قاله اللخمي (٥).
وإن كان أقرب بالشيء اليسير فقيل: لا يجزئه، وقال أبو الفرج: يهدي هديًا ويجزئه، وإن بَعُد ما بين الموضعين لم يجزئه (٦)، إلا أن يكون ممن لا يستطيع مشي جميع الطريق فيمشي من موضعه ويهدي (٧).
(المتن)
وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اعْتِيدَ وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلِحَاجَةٍ كَطَرِيق قُرْبَى اعْتِيدَتْ، وَبَحْرًا اضْطُرَّ لَهُ، لَا اعْتِيدَ عَلَى الأَرْجَحِ، لِتَمَامِ الإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا، وَرَجَعَ وَأَهْدَى إِنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافتِهِ، أَوِ الْمَنَاسِكَ وَالإِفَاضَةَ نَحْوُ الْمِصْرِيِ قَابِلًا فَيَمْشِي مَا رَكِبَ. فِي مِثْل الْمُعَيَّنِ، وِإلَّا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ إِنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ، وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ كَأَنْ قَلَّ وَلَوْ قَادِرًا كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ، وَكَعَامٍ عُيِّنَ وَلْيَقْضِهِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ وَكَإِفْرِيقِيّ، وَكَإِنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ، وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عُقْبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ.
(الشرح)
قوله: (وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اعْتِيدَ) أي: إذا نذر المشي من بلد أو حلف به فلا يتعين عليه أن يمشي من موضع خاص منه إلا أن تكون عادة الناس جارية بالمشي منه فيتعين المشي
_________________
(١) في (ن ٢): (النوادر).
(٢) قوله: (فمن حيث) زيادة من (ن ٢).
(٣) قوله: (ومذهب المدونة) يقابله في (ن ٢): (وهو مذهب مالك في المدونة).
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٧.
(٥) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٤٢.
(٦) انظر: الذخيرة: ٤/ ٨١.
(٧) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٦٩.
[ ٢ / ٤٣١ ]
منه (١)، وهذا إن لم تكن له نية كما تقدم وإلا فمن الموضع الذي نوى المشي منه.
قوله: (وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلِحَاجَةٍ) هكذا قال في المدونة، وعن مالك: أنه لا يركب في ذلك، وأنه إن ركب استحب له أن يهدي (٢).
قوله: (كَطَرِيقٍ قُرْبَى اعْتِيدَتْ) أي: وكذلك له أن يمشي في الطريق الأقرب، وهكذا في الموازية (٣)، وقيده الباجي بأن تكون كلها معتادة كما هنا، ولهذا لو لم تكن معتادة لم يكن له المشي منها (٤).
قوله: (وَبَحْرٍ اضْطُرَّ لَهُ لَا اعْتِيدَ عَلى الْأَرْجَحِ (٥» أي: وكذلك يجوز له أن يركب بحرًا اضطر إلى ركوبه، كمن هو (٦) ساكن في جزيرة لا يمكنه (٧) المرور من مكانه إلا في السفن ثم يمشي بعد ذلك ما بقي، وهذا مما لا إشكال فيه. ابن يونس: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عمن حلف بالمشي إلى مكة وهو بصقلية فحنث، هل يمشي من أقرب بر إليها أو من الإسكندرية؛ لأن عادتهم في السير إلى الحجاز إنما هو منها، فقال: إنما عليه المشي من الإسكندرية، لأن غالب فعلهم إذا أرادوا الحج إنما ينزلون بالإسكندرية، وأما بر إفريقية فإنما (٨) يأتون إليه على طريق التجارة (٩).
وقال أبو عمران: بل (١٠) يلزمه المشي من بر إفريقية، لأنه أقرب بر إليها. ابن يونس: وهو أبين (١١).
وإليه أشار بقوله: (لا اعْتِيدَ عَلى الأَرْجَحِ).
_________________
(١) قوله: (منه) ساقط من (ز ٢).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٥٥٦ و٥٥٧.
(٣) في (س) و(ن ٢): (المدونة).
(٤) انظر: المنتقى: ٤/ ٤٧٠.
(٥) قوله: (لا اعتيد على الأرجح) زيادة من (ن ٢).
(٦) قوله: (هو) ساقط من (ز ٢).
(٧) قوله: (لا يمكنه) ساقط من (ز ٢).
(٨) في (ن ٢): (فإنهم).
(٩) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٧٠.
(١٠) في (ن ٢): (إنما).
(١١) انظر: الذخيرة: ٤/ ٨١.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
قوله: (لِتَمَامِ الإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا) يريد أن غاية المشي تمام الإفاضة إن دخل مكة محرمًا بحج، وإن دخل محرمًا بعمرة فلتمام سعيها، وإليه يعود الضمير، وإنما لم يجعل الحلق منتهى مشيه فيها؛ لأنه ليس بركن، ولا خلاف في ذلك بالنسبة إلى العمرة، وأما ما ذكره بالنسبة إلى الحج فهو مذهب المدونة، قال فيها: وله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى، وفي رمي الجمار بمنى (١)، وإن أخر طواف الإفاضة فلا يركب في رمي الجمار (٢)، وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار وإن كان قد أفاض (٣).
قوله: (وَرَجَعَ وَأَهْدَى إِنْ رَكِبَ كَثِيرًا) يريد أن من لزمه المشي فركب فيه (٤) كثيرًا فإنه يرجع ويمشي أماكن ركوبه وعليه هدي.
قوله: (بِحَسَبِ مَسَافتِهِ) أي: بحسب قرب المسافة وبعدها فقد يكون مشي (٥) يسيرًا (٦) في النظر، كَما لو ركب دون يوم لكن لقرب المسافة يكون كثيرًا، وقد يكون بالعكس، كمن مشى من إفريقية ونحوها، فركب فوق اليومين، وقيل: إنه يرجع في ركوبه أقل من يوم، وقيل: اليوم والليلة قليل على ما في المدونة (٧)، والعتبية قَرُب المكان أو بَعُد ويهدي، وقيل: لا هدي عليه (٨).
قوله: (أَوِ الْمَنَاسِكَ وَالإِفَاضَةَ) أي: وكذا يرجع ويهدي إذا ركب المناسك والإفاضة فألحقه بالكثير وإن كان يسيرًا؛ لأن هذه الأفعال لما كانت مقصودة أشبهت الكثير، ونحوه في المدونة (٩)، لكن الهدي مستحبّ بخلاف الأول.
قوله: (نَحْوُ الْمِصْرِيِّ) أي: ومن هو دونه بخلاف من بعدت داره كإفريقية.
قوله: (قَابِلًا فيمْشِي مَا رَكِبَ) يريد: أن من أمر بالرجوع فإنما ذلك في العام القابل،
_________________
(١) قوله: (بمنى) ساقط من (ن ٢).
(٢) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٥ و٤٦٦.
(٣) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٩٤، والمنتقى: ٤/ ٤٧١.
(٤) قوله: (فيه) ساقط من (ز ٢).
(٥) قوله: (مشي) زيادة من (ن ١).
(٦) في (ز) و(ز ٢): (قصيرًا).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٦.
(٨) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٩٣، والبيان والتحصيل: ٣/ ٤٠٤.
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٦.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
فيرجع فيمشي في حج أو عمرة الأماكن التي ركبها أولًا.
قوله: (فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ) أي: فيرجع محرمًا بما كان محرمًا (١) به أولًا، فإن أحرم ثانيًا بعمرة وقد كان أولًا محرمًا بحج لم يجزئه بلا خلاف، ولا يجزئه (٢) ذلك في العكس على مذهب المدونة (٣)؛ لما بينهما من التغاير، وقال ابن حبيب: يجزئه (٤).
قوله: (وَإِلا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) أي: فإن لم يعين أولًا وإنما نذر مشيًا (٥) مطلقًا ولم يسمِّ حجًّا ولا عمرة ثم مشى محرمًا بأحدهما فعجز، فإن له جعل (٦) مشيه الثاني في غير ما كان الأول من حج أو عمرة، وهو مراده بالمخالفة، وهو مذهب المدونة (٧)، وقال عبد الملك: له ذلك ما لم يكن ركوبه في الحج في المناسك، فإن عجز في خروجه لمعرفة وطواف الإفاضة لم يكن له جعل مشيه الثاني في عمرة (٨).
قوله: (إنْ ظَنّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ، وَإِلا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ) هو كقوله في المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى كانت حجة أو عمرة قال: ولو علم أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين لضعفه أو بُعد بلده، فلا بد أن يخرج أول مرة ولو (٩) راكبًا (١٠) ويمشي ولو نصف ميل ثم يركب ويهدي ولا شيء عليه بعد ذلك (١١)؛ أي: ولا يُلزَم برجوع وهو مراده بقوله هنا: (وأهدى فقط).
قوله: (كَأنْ قَلَّ وَلَوْ قَادِرًا) أي: وكذا لا يؤمر بالعود ثانيًا إذا كان ركوبه قليلًا
_________________
(١) قوله: (بما كان محرمًا) زيادة من (س).
(٢) قوله: (ولا يجزئه) يقابله في (ن ٢): (وليس).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٦.
(٤) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٩٣.
(٥) في (ن): (شيئا).
(٦) في (ن): (فعل).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٧.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٧٧.
(٩) في (ز) و(ن): (وهو).
(١٠) قوله: (ولو راكبًا) يقابله في (ن ٢): (وهو غير راكب).
(١١) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٠.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
للحرج مع يسارة الركوب ولزمه الهدي فقط لما ترك (١) من المشي، ولا فرق بين أن يكون ركب (٢) مختارًا أو عاجزًا، ولهذا قال: (وَلَوْ قَادِرًا) وقاله ابن المواز، وقال ابن حبيب: إذا ركب مع القدرة على المشي يرجع ثانيًا، وحكاه عن بعض أصحاب مالك (٣).
قوله: (كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ) أي: وكذا لا يرجع ثانيًا إذا ركب في الإفاضة ويهدي، وهو مذهب المدونة (٤).
قوله: (وَكَعَامٍ عُيِّنَ، وَلْيَقْضِهِ) كما إذا قال: لله عليَّ المشي (٥) إلى مكة في هذا العام أو عام (٦) كذا وكذا، فإنه إذا ركب في ذلك العام لا يرجع ثانيًا ويهدي، بخلاف ما إذا كان العام غير معين، ولكنه يقضي ما فاته من حج أو عمرة.
قوله: (أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) أي: وكذا لا يرجع إذا علم أنه لا يقدر على الرجوع ثانيًا ويهدي، وهو مذهب المدونة (٧)، وكذا لا يرجع إذا بعدت داره جدًّا كالإفريقي، ولهذا قال: (وَكَإِفْرِيقِيٍّ) وأشار بقوله: (وَكَإِنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلا عُذْرٍ) إلى أن من فرق مشيه بأن مشى على غير العادة، كمن يقيم في الطريق إقامة طويلة ثم يمشي ثم يقيم هكذا، ولا إشكال أن ذلك يجزئ مع الضرورة، واختلف إن فعله اختيارًا، ففي المدونة: يجزئه، وفي الواضحة: لا يجزئه (٨)، وهما روايتان.
قوله: (وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلانِ) يريد أنه اختلف إذا مشى عقبة -أي: مرحلة- وركب أخرى، هل يلزمه ثانيًا أن يمشي الطريق كلها أو يمشي مواضع ركوبه فقط؟ والأول قول مالك في الموازية، والثاني في الواضحة (٩)،
_________________
(١) في (ز): (نزل).
(٢) قوله: (ركب) زيادة من (س).
(٣) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٧٧.
(٤) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٦.
(٥) قوله: (يرجع ثانيًا، وحكاه قال: لله عليَّ المشي) ساقط من (ن ٢).
(٦) قوله: (أو عام) زيادة من (س).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٦.
(٨) انظر: عقد الجواهر: ٢/ ٣٦٨.
(٩) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٩٣.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وهو ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: وعرف أماكن ركوبه من الأرض ثم يعود ثانية فيمشي أماكن ركوبه (١). الشيخ: وقد يقال ما في الموازية (٢) ليس بخلاف، وإنما أمره مالك بمشي الطريق كله؛ لأنه لا يتحقق بطريق العادة ضبط مواضع مشيه من ركوبه لا سيما إذا كان الموضع بعيدًا.
(المتن)
وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إِلَّا فِي مَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ، وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ، وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنِ النَّذْرِ، وَهَلْ إِنْ لَمْ يَنْذرْ حَجًّا؟ تَأْوِيلَانِ.
(الشرح)
قوله: (وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إِلَّا فِي مَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ) لا إشكال في ذلك إلا فيمن (٣) شهد المناسك راكبًا، كما إذا ركب من حين خروجه لمعرفة حتى طاف الإفاضة، فإن الهدي مستحب فقط، قاله مالك (٤).
قوله: (وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ) أي أن الهدي واجب ولو (٥) مشى الراجع الجميع، وهو الأصح عند المتأخرين؛ لأنه قد ترتب في الذمة فلا يسقط بمشي غير واجب (٦).
قوله: (وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ) أي: فلو مشى في الحج فأفسده فإنه يتمادى على إتمامه كما في سائر صور الفساد، ثم إذا قضى الحج فلا يلزمه أن يمشي فيما قبل الميقات؛ لأنه مشاه قبل ذلك، ولم يتسلط الفساد إلا على ما بعد الإحرام، وعليه هديان (٧) للفساد ولتبعيض (٨) المشي.
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٧.
(٢) في (ن ٢): (المدونة).
(٣) في (ز): (من).
(٤) قوله: (راكبًا، كما إذا فقط، قاله مالك) يقابله في (ن ٢): (فمندوب، أي: ما ذكر من هدي في مسائل الركوب لقادر المشي وإنه واجب إلا في مسألة من شهد المناسك راكبًا ومشى الطريق كله، فإنه في حق ذلك الشخص مستحب)، وفي (ن): (فندب). وانظر: المدونة: ١/ ٥٥٧.
(٥) في (ز): (لو).
(٦) قوله: (فلا يسقط بمشي غير واجب) يقابله في (ن ٢): (كما في سائر الفساد، ولتبعيض المشي).
(٧) في (ن ٢): (فديتان).
(٨) في (ز): (وليقض).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
قوله: (وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ) هكذا قال في المدونة (١)، قال مالك في الموازية وغيرها: فإذا حج قابلًا فليس عليه أن يمشي من مكة إلى منى؛ لأن مشيه قد صار في عمرة فقد قضاه. محمد: وقال ابن القاسم وسحنون: يمشي المناسك (٢).
قوله: (وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنِ النَّذْرِ) أي: إذا نذر الحج ثم مشى فيه ناويًا ذلك مع الفريضة، فإنه يجزئه عن نذره فقط، وهو المشهور ومذهب المدونة (٣)، وعن مالك: لا (٤) يجزئه عن واحد منهما، وعن المغيرة: يجزئه للفرض (٥) فقط (٦).
قوله: (وَهَلْ إِنْ لَمْ يَنْذُرْ حَجًّا؟ تَأْوِيلانِ) أي: وهل الإجزاء عن النذر في الصورتين مطلقًا، أو بشرط ألا يكون قد نذر حجًّا تعيينًا (٧)؟ تأويلان على المدونة (٨)، الأول لابن المواز، والثاني لبعضهم (٩).
(المتن)
وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَجَّلَ الإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إِنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا كَالْعُمْرَةِ مُطْلِقًا، إِنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً لَا
_________________
(١) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٧.
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٩٥.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٤٦٨.
(٤) في (ز): (ما).
(٥) في (ز): (عن نذره).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٢/ ٤٩٥ و٤٩٦.
(٧) قوله: (وهل الإجزاء عن النذر قد نذر حجًّا تعيينًا؟) ساقط من (ن).
(٨) قوله: (على المدونة) زيادة من (ز ٢) و(ن). وانظر: المدونة: ١/ ٤٦٨.
(٩) قوله: (أي: وهل الإجزاء والثاني لبعضهم) يقابله في (ن): (قوله: أي تأويلان على المدونة أحدهما أنه لا يجزئه عن واحد منهما، وهو قول ابن المواز، والثاني قول ابن يونس: حكى بعض أصحابنا عن بعض الناس أن قول ابن المواز خلاف قول ابن القاسم في كتاب الحج الأول من المدونة؛ أي أنه يجزئه عن نذره لا عن فرضه)، وفي (ن ٢): (وفسر محمد قول ابن القاسم في المدونة أنه يجزئه عن النذر وإن كان نذره مبهمًا بأن قال على المشي ولم يقل في حج ولا عمرة وإلا فلا يجزئه عن واحد منهما وأطلق اللخمي وغيره). وانظر: النوادر والزيادات ٢/ ٤٩٥ و٤٩٦، والمنتقى: ٤/ ٤٧١ و٤٧٢.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الْحَجِّ وَالْمَشْيِ فَلِأَشْهُرِهِ، إِنْ وَصَلَ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيثُ يَصِلُ عَلَى الأَظْهَرِ. وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا أَوْ كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ، أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ، أَوْ مَالُ غَيْرٍ، إِنْ لَمْ يُرِدْ إِنْ مَلَكَهُ، أَوْ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ وَلَوْ قَرِيبًا؛ إِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِهِ، أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ. وَالأَحَبُّ حِينَئِذٍ -كَنَذْرِ الْهَدْيِ- بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ، كَنَذْرِ الْحَفَاءِ
(الشرح)
قوله: (وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلى الْفَوْرِ) يريد: أن من نذر مشيًا إلى مكة أو حلف فحنث به وكان صرورة -أي: لم يحج حجة الإسلام- فإن عليه أن يجعل مشيه إلى مكة في عمرة، ثم يحج من عامه من مكة حجة الإسلام، ولا يؤخره إلى العام القابل.
قوله: (وَعَجَّلَ الإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إِنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) يعني: أنه يتعين عليه الإحرام على الفور في قوله: أنا محرم أو أحرم يوم أفعل كذا إذا فعله؛ لأن النذور المطلقة محملها (١) على الفور أو عقيب السبب الذي عُلِّقت عليه، وحمله الباجي على الاستحباب (٢)، وقيل: لا يلزمه ذلك على الفور.
قوله: (كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا، إِنْ لم يَعْدَمْ صَحَابَةً) أي: إذا قال: أنا محرم بعمرة، فإنه يتعين عليه أن يحرم بها على الفور إن لم يعدم الرفقة، قال في المدونة: ويخاف على نفسه؛ أي: إن خرج وحده، ثم قال: وليؤخر حتى يجد فيخرج حينئذٍ (٣)، وقال سحنون: يحرم فإن لم يجد صحابة أقام على إحرامه (٤).
قوله: (لا الْحَجِّ وَالْمَشْيِ فَلأَشْهُرِهِ) أبو محمد: ولما كانت العمرة لا وقت لها لزم الإحرام لها حين الحنث، وأما الحج فإن له زمانًا وهي الأشهر (٥)، فمتى حنث قبلها لم ينبغِ له أن يحرم له حتى تدخل أشهره (٦).
_________________
(١) في (ز): (محلها).
(٢) انظر: المنتقى: ٤/ ٤٧٠.
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٥٨.
(٤) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٨٢.
(٥) في (ن ٢): (أشهر الحج).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣١.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
قلت: ولهذا قال (١) هنا: (لا الحج فلأشهره)، وأما قوله: (والمشي) فيريد به أن ناذر المشي لا يلزمه أن يخرج على الفور، وشهره ابن الحاجب، وخرج المشي على الفور من القول في المسألة السابقة بأن الإحرام على الفور (٢).
قوله: (إِنْ وَصَلَ، وَإِلا فَمِنْ حَيْثُ يَصِلُ) هكذا قيده الشيخ أبو محمد، فقال عقيب كلامه: وهذا إذا كان يصل من بلده إلى مكة في أشهر الحج، فأما إن كان لا يصل إلى مكة حتى تخرج أشهر الحج فإنه يلزمه الإحرام من وقت حنث. ابن يونس: يريد من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج، قال: وحكي لنا عن أبي الحسن (٣) القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم. وقول أبي محمد أولى (٤)؛ لأن معنى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي: إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرمًا، على ذلك يحمل قوله وعليه يدل لفظه، وفي الموازية (٥): يُحرِم في أشهر الحج، وفي موضع آخر في أوان الحج (٦)، وهو يدل على صحة تأويل أبي محمد، وإليه أشار بقوله: (عَلَى الأَظْهَرِ).
قوله: (وَلا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ، أَوْ بَابِهَا) أي: لا يلزم القائل بذلك شيء من كفارة يمين أو غيرها، وقاله في المدونة فيمن قال: مالي في رتاج الكعبة؛ أي: بابها.
ابن القاسم: وكذا إن قال: مالي في الكعبة أو الحطيم (٧)، فلا شيء عليه؛ لأن الكعبة لا تنتقض (٨) فتبنى (٩)، والحطيم ما بين الباب إلى المقام، وقال ابن حبيب (١٠): ما بين
_________________
(١) قوله: (قال) ساقط من (ز).
(٢) انظر: الجامع بين الأمهات، ص: ٣٤٨.
(٣) قوله: (أبي الحسن) زيادة من (ن ٢).
(٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ٨١.
(٥) في (ن ٢): (المدونة).
(٦) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣١.
(٧) في (ن ١): (في).
(٨) في (س): (تنقص).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٥ و٤٧٦.
(١٠) في (ن ١): (ابن القاسم).
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الركن الأسود إلى الباب إلى المقام؛ إذ (١) عليه ينحطم الناس (٢).
قوله: (أَوْ كُلُّ مَا أَكتَسِبُهُ) أي: وكذا لا يلزم القائل: "كل ما اكتسبه في الكعبة أو بابها أو نحو ذلك" شيء (٣)؛ لأنه من باب الحرج والمشقة، أما لو عين مدة يكتسب إليها أو مكانًا لزمه التصدق بثلث (٤) ما يكتسب إلى المدة أوفي المكان عند ابن القاسم وابن عبد الحكم، ولم يلزمه عند ابن الماجشون، وعن أصبغ القولان (٥).
قوله: (أَوْ هَدْيٌ لِغَيْرِ مَكَّةَ) يريد: لأن سَوْقه إلى غيرها من البلدان بدعة (٦) ضلال، وقاله في المدونة (٧)، وقد جاء: "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٨).
قوله: (أَوْ مَالُ غيرٍ، إِنْ لَمْ يُرِدْ إِنْ مَلَكَهُ) أي: وكذا لا شيء عليه فيما التزمه من مال غيره، وسواء كان مما يهدى (٩) أم لا، قاله في المدونة، وحجته الحديث السابق (١٠)، أما إن التزمه ونوى إن ملكه (١١) فإنه يلزمه إذا ملكه على المشهور، وقيل: لا يلزمه.
قوله: (أَوْ عَلَيَّ نَحْرُ فُلانٍ وَلَوْ قَرِيبًا، إنْ لَمْ يَلْفِظْ بالْهَدْيِ، أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ) أي: وكذا لا يلزمه شيء (١٢) إذا قال: لله عليَّ (١٣) نحر فلان، إلا أنه إن كان
_________________
(١) قوله: (إذ) ساقط من (ز ٢) و(ن ١) و(ن ٢).
(٢) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٥.
(٣) في (ن ١) و(ن ٢): (يعني)، وفي (ن): (لا شيء عليه).
(٤) في (ن): (بكل).
(٥) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٤٠.
(٦) قوله: (بدعة) ساقط من (ن).
(٧) قوله: (ضلال، وقاله في المدونة) يقابله في (ن ٢): (غير حلال). وانظر: المدونة: ١/ ٤٧٦.
(٨) أخرجه مسلم: ٣/ ١٢٦٢، في باب لا وفاء لنذر في معصية الله ، من كتاب النذر، برقم: ١٦٤١، وأبو داود: ٢/ ٢٥٨، في باب في النذر فيما لا يملك، من كتاب الأيمان والنذور، برقم: ٣٣١٦، والترمذي: ٤/ ١٠٣، في باب أن لا نذر في معصية، من كتاب النذور والأيمان، برقم: ١٥٢٤، والنسائي: ٧/ ١٩، في باب النذر فيما لا يملك، من كتاب الأيمان والنذور، برقم: ٣٨١٢، وابن ماجه: ١/ ٦٨٦، في باب النذر في المعصية، من كتاب الكفارات، برقم: ٢١٢٤.
(٩) في (ن ١) و(ن ٢): (لا يهدى).
(١٠) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٧ و٥٦٨.
(١١) في (ز): (ملكته).
(١٢) قوله: (شيء) ساقط من (ن ٢).
(١٣) قوله: (لله عليّ) يقابله في (ن): (عليَّ).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
أجنبيًّا فلا يلزمه شيء مطلقًا على المشهور؛ لأنه ظاهر في المعصية (١)، وإن كان قريبًا ولم يذكر الهدي ولا نواه ولا ذكر المقام فلا شيء عليه أيضًا. ابن بشير: أولم يذكر موضعًا من مواضع مكة أو منى فلا شيء عليه (٢)، أما إن قال: لله عليَّ هدي فلان فإنه يلزمه هدي على المشهور، وقيل: لا شيء عليه لأنه نذر في معصية، واحترز بقوله: (أو ينوه) مما إذا نوى الهدي فإنه يلزمه بلا خلاف، وبقوله: (أو يذكر مقام إبراهيم) مما إذا ذكره؛ يريد: أو ذكر شيئًا من مواضع مكة أو منى فإنه يلزمه الهدي مثل أن يقول: لله عليَّ أن أنحر ولدي في مقام إبراهيم أوفي مكة أو منى، أو إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي في بعض هذه الأماكن (٣) وهو المشهور، وقيل: عليه كفارة يمين فقط، وسواء ذكر هذه المواضع (٤) أم لا. اللخمي: وسواء نوى الهدي أم لا (٥).
قال عبد الحق: عليه كفارة يمين إلا أن ينوي وجه الهدي، وجعله مذهب المدونة (٦)، ثم رجع مالك (٧) فقال: لا شيء عليه إلا أن ينوي وجه الهدي فيلزمه. ابن القاسم: وهو أحب إليَّ من الذي سمعت منه، والذي سمعت منه: إذا لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه الكفارة (٨)، وإن قال عند المقام فليهدِ (٩). وذهب بعض القرويين إلى أنه لا يلزمه شيء في غير المعلق، كقوله: لله عليَّ كذا؛ لأنه لا نذر (١٠) في معصية (١١)، ويلزمه في
المعلق، كقوله: إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي في مكة أو مقام إبراهيم ونحوهما (١٢)،
_________________
(١) قوله: (ظاهر في المعصية) يقابله في (ن): (نذر في معصية).
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩٥.
(٣) قوله: (فعلي نحر ولدي في بعض هذه الأماكن) يقابله في (ن ١): (فعلي نحر ولدي في مقام إبراهيم أو في مكة أو في منى أي إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي في موضع من هذه الأماكن).
(٤) في (ن ١): (الأماكن).
(٥) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٦٩.
(٦) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩٥.
(٧) قوله: (مالك) زيادة من (س).
(٨) قوله: (فعليه الكفارة) يقابله في (ن ١): (فعليه الكفارة وإن قال مقام إبراهيم فعليه الكفارة).
(٩) انظر: المدونة: ١/ ٥٧٦.
(١٠) قوله: (لا) ساقط من (ن ١).
(١١) قوله: (لا نذر في معصية) يقابله في (ن ٢): (نذر معصية).
(١٢) في (ز): (وغيرهما).
[ ٢ / ٤٤١ ]
وهو كقوله (١) في كتاب الأبهري (٢)، وهو ظاهر المدونة. ابن عبد السلام: وحيث أمرناه بالهدي فقيل: إنه من الإبل، فإن لم يجد فمن البقر، فإن لم يجد فمن الغنم، وقيل: يكتفى بكبش، واختاره ابن شعبان (٣)، وإلى الأول أشار بقوله: (وَالأَحَبُّ حِينَئِذٍ كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ) أي: فإن لم يجد بدنة فبقرة، وقد مر بيانه، لكن ظاهره أنه لا يكون من الغنم عند عدم وجدان غيرها، وليس كذلك.
قوله: (كَنَذْرِ الْحَفَاءِ) أي: وكذا لا يلزم من نذر المشي حافيًا شيء؛ لأنه لا قربة فيه والأحب له الهدي، وقاله ابن الجلاب (٤) ونحوه في المدونة (٥)، وعلى هذا فالتشبيه في عدم اللزوم واستحباب الهدي، ويحتمل في عدم اللزوم فقط، ويصير المعنى: ولا يلزم في قوله: ما لي في الكعبة شيء، كنذر الحفاء وهو ظاهر.
(المتن)
أَوْ حَمْلَ فُلَانٍ إِنْ نَوَى التَّعَبَ، وَإِلَّا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ بِلَا هَدْي. وَلَغَا عَلَيَّ الْمَسِيرُ، وَالذَّهَابُ، وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ، وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ، وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لاِعْتِكَافٍ، إِلَّا الْقَرِيبِ جِدًّا فَقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا. وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إِيلِيَاءَ إِنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا، أَوْ يُسَمِّهِمَا، فَيَرْكَبُ، وَهَلْ إِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إِلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلَافٌ، وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكَّةُ.
(الشرح)
قوله: (أَوْ حَمْلِ فُلانٍ إِنْ نَوَى التَّعَبَ) هكذا نص في المدونة على أن القائل: أنا أحمل فلانًا إلى بيت الله، إن أراد تعب نفسه وحمله على (٦) عنقه، يحج ماشيًا ويهدي (٧). ابن يونس: والهدي على الاستحباب (٨)، وقيل: واجب.
_________________
(١) في (س): (كذلك).
(٢) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩٦.
(٣) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٩٧.
(٤) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٠.
(٥) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٢.
(٦) قوله: (على) ساقط من (ز).
(٧) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٣.
(٨) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٦٧.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
قوله: (وَإِلا رَكِبَ وَحَجَّ بِهِ بِلا هَدْيِ) أي: وإن لم يرد (١) إتعاب نفسه ولا حمله على عنقه ركب وحج بالرجل معه، ولا هدي (٢) عليه، وقاله في المدونة، ثم قال: وإن أبى الرجل أن يحج حج الحالف وحده راكبًا، ولا شيء عليه في الرجل (٣).
قوله: (وَلغَا (٤) عَلَيَّ الْمَسِيرُ، وَالذَّهَابُ، وَالرُّكُوبُ لِمَكَّةَ) يريد أن من قال: إن كلمت فلانًا فعليَّ المسير أو الذهاب أو الركوب إلى مكة، فلا شيء عليه، وقاله ابن القاسم في المدونة، ثم قال (٥) فيها: إلا أن ينوي أن يأتيها حاجًّا أو معتمرًا فليأتها راكبًا إلا أن ينوي ماشيًا (٦)، وقوله: (لَغَا (٧» أي: بطل، وقال أشهب: يلزمه الإتيان إلى مكة بهذه الألفاظ.
ولابن القاسم أيضًا: يلزم في قوله عليَّ الركوب فقط (٨). القاضي: يريد سواء نوى أو لم ينوِ (٩). ولابن القاسم أيضًا (١٠): مثل قول أشهب (١١).
قوله: (وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ) يريد: أن من قال: عليَّ المشي ولم يسمِّ مكانًا فلا شيء عليه؛ لأن المشي على انفراده لَا طاعة فيه، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: يلزمه المشي إلى مكة. ابن يونس: ويأتي إلى مسجد غير الثلاثة إن كان قريبًا كالأميال اليسيرة ماشيًا (١٢) ويصلي فيه، وقال ابن حبيب: إن كان بموضعه (١٣) مسجد جمعة لزمه الإتيان إليه، وقاله مالك (١٤).
_________________
(١) في (ن): (ينوي).
(٢) في (س): (يهدي).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٣.
(٤) في (ن) و(ن ١) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (وألغي).
(٥) قوله: (ثم قال) ساقط من (ن ١).
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٧.
(٧) في (ن) و(ن ١) و(ن ٢) والمطبوع من مختصر خليل: (ألغي).
(٨) انظر: المنتقى: ٤/ ٤٦٨.
(٩) انظر: المعونة: ١/ ٤٣١.
(١٠) قوله: (يلزم في قوله ولابن القاسم أيضًا) ساقط من (ن ١).
(١١) انظر: المنتقى: ٤/ ٤٦٨.
(١٢) قوله: (ماشيًا) ساقط من (ن ٢).
(١٣) قوله: (إن كان بموضعه) يقابله في (ن ١): (موضعه).
(١٤) انظر: الذخيرة: ٤/ ٨٥.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
قوله: (وَمَشْيٌ لِمَسْجِدٍ، وَإِنْ لاعْتِكَافٍ) يريد: أن من نذر المشي لمسجد (١) -أي: من غير المساجد الثلاثة- لم يلزمه، وإن نوى اعتكافًا به؛ يريد لقوله ﵇: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" (٢)، وفي الرسالة: وأما غير هذه الثلاثة (٣) فلا يأتيه ماشيًا ولا راكبًا (٤)، ولا يلحق بالثلاثة مسجد قباء خلافًا لابن مسلمة (٥).
قوله: (إِلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فقَوْلانِ تَحْتَمِلُهُمَا) أي: المدونة، ومراده أن المسجد الذي نوى الإتيان إليه إن كان قريبًا جدًّا فإن فيه قولين، والمدونة محتملة لهما (٦)، وظاهرها (٧) عند اللخمي (٨) وابن يونس: أنه لا شيء عليه؛ لقوله: ولو نذر الصلاة في غيرها من مساجد الأمصار صلى بموضعه، وفي الرسالة (٩) نحوه، وقال محمد (١٠): إن كان قريبًا جدًّا كالأميال اليسيرة أتاه ماشيًا وصلى فيه كما التزم (١١)، وقاله ابن الجلاب (١٢)، ولابن حبيب ما تقدم، وقاله مالك (١٣)، واستحسنه اللخمي (١٤) وغيره (١٥)، وانظر ما هنا مع
_________________
(١) قوله: (لمسجد) ساقط من (س).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري: ١/ ٣٩٨، في باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، من أبواب التطوع، برقم: ١١٣٢، ومسلم: ٢/ ١٠١٤، في باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، من كتاب الحج، برقم: ١٣٩٧، واللفظ له.
(٣) في (ن ١) و(ن ٢): (الثلاثة المساجد).
(٤) انظر: الرسالة، ص: ٨٨ و٨٩.
(٥) انظر: المنتقى: ٢/ ١٣٧.
(٦) انظر: المدونة: ١/ ٥٦٥.
(٧) في (ز): (وظاهر ما).
(٨) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٦٢.
(٩) انظر: الرسالة، ص: ٨٩.
(١٠) في (ن ١) و(ن ٢): (أبو محمد).
(١١) انظر: النوادر والزيادات ٤/ ٣٠.
(١٢) انظر: التفريع: ١/ ٢٨٠ و٢٨١.
(١٣) انظر: النوادر والزيادات: ٤/ ٣٠، والمنتقى: ٤/ ٤٦١.
(١٤) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٦١.
(١٥) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٨٥.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ما له (١) في المدونة في باب الاعتكاف فيمن نذر جوار مسجد مثل جوار (٢) مكة لزمه ذلك فيه (٣)، ولعلَّ (٤) هذا هو السبب في كون المدونة محتملة للقولين.
قوله: (وَمَشْيٌ لِلْمَدِينَةِ، أَوْ إِيلْيَاءَ إِنْ لَمْ يَنْوِ صَلاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا (٥)، أَوْ يُسَمِّهِمَا، فَيَرْكَبُ) يشير إلى قوله في المدونة: ومن قال: لله عليَّ أن آتي المدينة أو بيت المقدس أو أمشي إلى المدينة أو بيت المقدس، فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما (٦) أو يسميهما، فيقول: إلى مسجد الرسول أو مسجد إيلياء، وإن لم ينو الصلاة فيهما فيأتيهما (٧) راكبًا، ولا هدي عليه، وكأنه لما سماهما قال: لله عليَّ أن أصلي فيهما (٨). انتهى.
ولابن وهب -واستحسنه الأشياخ- لزومُ الإتيان إليهما ماشيًا (٩).
قوله. (وَهَلْ إِنْ كَانَ بِبَعْضِهَا، أَوْ إِلَّا لِكَوْنِهِ بِأَفْضَلَ؟ خِلافٌ) يريد أن الأشياخ اختلفوا إذا كان الناذر في أحد المساجد الثلاثة والتزم الإتيان إلى الآخر، هل يلزمه ذلك مطلقًا، أو إذا كان الذي هو فيه مفضولًا، وأما إن كان فاضلًا فلا؟ وإلى الأول ذهب ابن بشير، قال: والظاهر من المذهب لزوم الإتيان وإن كان موضعه أفضل من الذي التزم المشي إليه (١٠)، وإلى الثاني ذهب اللخمي، فقال: إن كان بمكة أو المدينة صلى بموضعه، وأجزأه إذا نذر الصلاة في بيت المقدس والمقدسي يأتيهما، وإن نذر مكي الصلاة بالمدينة أو بالعكس أتاه، وذلك أحوط؛ ليخرج من الخلاف، وقياس قول مالك: يأتي المكي المدينة بخلاف العكس (١١).
_________________
(١) في (ن ٢): (ما قاله).
(٢) قوله: (مثل جوار) زيادة من (س).
(٣) انظر: المدونة: ١/ ٢٩٥.
(٤) في (ن ١): (ولعلى).
(٥) في (ن ١) والمطبوع من مختصر خليل: (بمسجدهما).
(٦) في (ن ١): (مسجدهما).
(٧) في (ن ١): (فليأتيهما)، وفي (ن ٢): (فلا يأتيهما).
(٨) انظر: المدونة: ١/ ٤٧٠.
(٩) انظر: النوادر والزيادات ٤/ ٣٠.
(١٠) انظر: التوضيح: ٣/ ٣٨٦.
(١١) انظر: التبصرة، للخمي، ص: ١٦٦١ و١٦٦٢.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قوله: (وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ ثُمَّ مَكْةُ) لا خلاف أن بيت المقدس مفضولٌ بالنسبة إليهما، واختلف في مكة والمدينة ما عدا موضع (١) قبر نبينا محمد -ﷺ-؛ إذ الإجماع على أنه أفضل بقاع الأرض (٢) كلها، نقله القاضي عياض في الإكمال، والمشهور أن المدينة أفضل، وقال ابن وهب وابن حبيب: مكة أفضل، وهو مذهب الشافعي (٣)، ولا يخفى ما في ذلك من الأدلة والحجج لكل من الفريقين، ولولا الإطالة لجلبنا ذلك.
* * *
_________________
(١) قوله: (موضع) ساقط من (ز) و(ن ١).
(٢) قوله: (بقاع الأرض) يقابله في (ن ١): (البقاع).
(٣) انظر: إكمال المعلم: ٤/ ٥١١.
[ ٢ / ٤٤٦ ]