أي هذا باب في بيان أقسام البيوع قال الحطاب وجميعوه وإن كان عقد معاوضة باعتبار أنواعه وأتوا بجمع الكثرة لأن له أنواعا كثيرة من حيثيات متعددة انتهى فالذوات المبيعة إما أن تكون عينا بعين أو عرضا بعض أو طعاما بطعام أو عقارات بعقار أوحيوانا بحيوان أو تمرا بتمر أو بالتخالف فالعين بالعين إن كانت من نوع واحد كالذهب بمثله والفضة بمثلها فإن بيعت بالميزان سمي مراطلة وإن بيعت بالعدد سمي
[ ٣ / ٢ ]
مبادلة وإن كانت من نوعين كذهب بفضة سمي صرفا وإن كان عرضا بعرض أو عقارا بعقار ونحوهما سمي معاوضة فإذا تأخر فيه الثمن سمي بيوع الأجال وإن تأخر فيه المثمن سمي سلما وباعتبار كيفية العقد ينقسم إلى بيع مساومة أو مزايدة أو مرابحة وكل واحد من الثلاثة إما أن يكون على سبيل البت أو على سبيل الخيار وكل عقد من هذه العقود إما أن يكون صحيحا أو فاسدا فهذه كلها أفراد للأقسام الستة الآتية في قوله ما يستجاز بيع أقسام البيتين المندرجة تحت البيوع (وما شاكلها) أي سابه البيوع في كونه عقد معاوضة وذلك كالمقاصة والحوالة والشفعة والقسمة والإقالة والتولية والتصبير ونحوها مما ذكره الناظم في هذا الباب وفصل بين أنواعه بالفصول بدون الأبواب ليعلم أنه من توابع الباب وفي حكمه (مقدمة) مشتملة على أربعة فصول معينة إن شاء الله تعالى لقارئها على الوصول (الفصل الأول) في معنى البيع لغة واصطلاحا (الفصل الثاني) في دليل مشروعيته (الفصل الثالث) في حكمه (الفصل الرابع) في أركانه (فأما) معناه في اللغة فهو مصدر باع الشيء إذا أخرجه عن ملكه بعوض أي أو أدخله فيه يطلق على البيع والشراء فيكون باع بمعنى اشترى كما يكون اشترى بمعنى باع فمن الأول قول الشاعر.
إذا الثريا طلعت عشاء فبع لراع غنم كساء
ومن الثاني قول الله تعالى في قصة يوسف ﵇ مع أخوته وشروه بثمن بخس أي باعوه لكن لغة قريش استعمال باع إذا أخرج واشترى إذا دخل وهي أفصح وعليها اصطلح الفقهاء تقريبا للفهم (وآما) معناه في الاصطلاح فقد عرفه الإمام ابن عفه بقوله البيع الأعم عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة فتخرج الإجارة والكراء والكاح وتدخل هبة الثواب والصرف والمراطلة والسلم والغالب عرفا أخص منه بزبادة ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه فتخرج الأربعة أه (وحاصله) أن البيع في الشعر يطلق بمعنى أعم وبمعنى أخص والأخص أكث استعمالا كما قال (فقوله) عقد معاوضة خرج به الحبس والصدقة ونحوهما من
[ ٣ / ٣ ]
التبرعات. وقوله على غير منافع خرج به ما ذكره في نفس تعريفه وتدخل فيه الأربعة المذكورة وهي هبة الثواب وما عطف عليها كما بينه بنفسه وتدخل فيه المبادلة ونحوها والإقالة والتولية والشركة في الأموال والأخذ بالشفعة والتصيير والصلح في بعض صوره وهو قول خليل الصلح على غير المدعى بيع الخ والحوالة والمقاصة.
وقوله ذو مكاية خرج به هبة الثواب لأنها على المكارمة، وقوله أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة خرج به الصرف والمبادلة والمراكلة لأن العوضين معا هب أو فضة أو مجتمع منهما. وقوله معين غير العين فيه خرج به السلم لأن غير المعين فيه وهو المسلم فيه في الذمة غير معين فإضافة غير لما بعدها للعموم أي معين فيه أي في البيع كل ما غاير العين وأراد بالعين المسكوك من ذهب أو فضة والله أعلم (وأما) دليل مشروعيته فقول الله تعالى وأحل الله البيع وحرم الربي، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ باع واشترى وقال رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى (وأما) حكمه فقد انعقد الإجماع على جوازه بدليل الكتاب والسنة وقد يعرض له الوجوب كمن اضطر لشراء شيء أو بيعه لنفقه ونحوها والندب كمن أقسم على إنسان أن يبيع له سلعة لا ضرر عليه في بيعها لأن إبرار القسم مندوب والكراهة كبيع البيع لا لجلده والتحريم كبيع ما نهي الشارع عنه نحو الكلب (ولما) أركانه فسنة (الأول) الصيغة أو ما يقوم مقامها من كل ما يدل على الرضى وأن؟؟؟ ولا يشترط تقديم الإيجاب على القبول فإذا قال راغب في شراء شيء؟؟؟ بكذا فقال البائع بعتك فإن قال الراغب لا أرضى فقال ابن القاسم يحلف ما ازاد؟؟؟؟ لا يلزمه شيء فإن نكل عن اليمين لزمه البيع (الثاني والثالث) البائع والمشتري ويعتبر عنهما بالعاقد ويشترط في صحة عقده التمييز بأن يفهم السؤال ويرد جوابه ولو صبيا أو عبدا وشرط لزومه التكليف بمعنى الرشد إذا تولى العقد لنفسه وعدم الإكراه لغير موجب شرعي فلا يصح بيع الصبي الذي لم يميز ولا يلزم بيعه إذا كان مميزا ولا يلزم بيع المكره إكراها حراما وإن لوم المشتري حيث كان رشيدا (الرابع
[ ٣ / ٤ ]
والخامس) الثمن والمثمن المعبر عنهما بالمعقود عليه ويشترط فيه عشرة شروط (الأول) أن يكون طاهرا فلا يجوز بيع النجاسة إلى لضرورة وأما المتنجس كالزيت تخالطه نجاسة ففيه ثلاثة أقوال الجواز لابن وهب والمتسع لمالك وهو المشهور والجواز إذا كان لغير مسلم (الثاني) أن يكون منتفعا به انتفاعا مباحا فإن كانت منفعته محرمة كحالات اللهو فسخ العقد وكسرت الآلة وأدب أهلها (الثالث) أن يكون مقدورا على تسليمه فلا يجوز بيع المعجوز عنه حسا كئابق وشارد وغصوب إلا من غاصبه وطير في الهواء وسمك في الماء أو شرعا كبيع المضامين والملا قيح وحبل الحبانة فالمضامين هي ما في بطن الحيوان من الحنين والملاقيح هو شراء نزو الفحل على التأييد وحبل الحبالة بفتح الباء الموحدة هو شراء ما يلده الحيوان من الأولاد بما ورد فيه النهي (الرابع) أن يكون معلوما للمتعاقدين كمية وكيفية إذا كان العقد على اللزوم وإلا جاز ولو لم ذكر جنسه ولا نوعه وسيأتي هذا عند قول الناظم وجاز بيع غائب على الصفة الخ (الخامس) أن يكون مقبوضا أن أخذ عن دين أو كان طعاما من بيع وقد ورد النهي عن الكالئي بالكالئي وحقيقته بيع ما في الذمة بشيء مؤخر كما ورد النهي عن بيع الطعام حتى يستوفي وذلك فيما بيع كيلا أو وزنا أو عددا دون ما بيع جزافا إذا أخلى البائع بينه وبين المشتري ويستثنى من ذلك الإقالة والتولية والشركة فيه كما يأتي (السادس) أن لا يقترن العقد بمناف وله صور (الأولى) أن لا يجتمع مع عقد من عقود ستة نظمها بعضهم فقال
عقود منعنا اثنين منها بعقدة لكون معانيها معا تتفرق
فجعل وصرف والمساقاة شركة نكاح قراض قرض بيع محقق
وباء بعقدة ظرفية وقرض بغير تنوين وحذف العاطف للوزن ومعا بمعنى جميعا وسيأتي الكلام على هذا أيضا عند قوله وجمع بيع مع شركة الخ (الثانية) أن لا يقترن به محرم كسلعة وخمر المشهور بطلان الصفقة كلها وقيل يصح في السلعة بقسطها من الثمن (الثالثة) أن لا يقترن بعقد المغارسة كما في التسولي نقلا عن البرزلي وفي جواز جمع
[ ٣ / ٥ ]
البيع مع الإجارة أو الهبة وهو المشهور وعدمه قولان وهو ما بقي من العقود المنافية عند ابن القاسم وأجازها اشهب (السابع) أن لا يقترن بهه شرط مفسد كشرط أن لا يبيع ونجوه مما يأتي في كلام الناظم مشروحا (الثامن) أن لا يتعلق به حق الغير فإن تعلق به حق لأحد وكان معينا وقف اللزوم عليه وقيل يفسخ ويأتي بسطه في بيع الفضولي كما أنه لا يجوز بيع ما فيه خصومة على القول المشهور وإن كان غير معين كالصدقة المعقبة بطل البيع لأنهما كالحبس وهو لا يجوز بيعه إلا في مسألة المعاوضة الجاري بها العمل فإن معاوضته لا تبطل وتجوز ابتداء (التاسع) أن يكون خليا من الربا ثم إن الربا أما في النقد أو في الطعام ومالحق به قال خليل وحرم في نقد وطعام ربي فضل ونساء فالفضل معناه الزيادةة كبيع درهم بدرهمين وصاع تمر بصاعين والنساء معناه التأخر بأن يكون بيعهما إلى أجل فيهما عينا بعين أو طعاما بطعام سواء كان قدره أو أقل أو أكثر (العاشر) أن يكون خللها عن القصد إلى ظاهر جائز ليتوصل به إلى ممنوع وذلك كمن باع لرجل سلعة بثمن مرجل فلا يحل له أن يشتريها منه بأقل من ثمنها حالا أو إلى أجل دون الأجل الأول لأن ما خرج من اليد ورجع إليها يعد لغوا فكان البائع الأول دفع للثاني قليلا ليأخذ عنه كثيرا وهو ربي وسيأتي بيانه إلى شاء الله تعالى بأبسط من هذا في محله (الركن السادس) العقد ويشترط فيه أن لا يقع في وقت نداء الجمعة الموجب للسعي إليها وهو الذي يكون وقت جلوس الخطيب على المنبر لورود النهي عن ذلك وعند المتأخرين الصلوات كلها إذا تعين وقتها كذلك وحكى ابن رشد أن البيع إذا وقع في الموضع المغصوب حرام ثم إنه إذا وقع وقت النداء فسخ على المشهور وقال ابن القاسم إذا فات ففيه القيمة وقيل يقضي بالثمن ويقوم وقت العقد بتقدير الحال والله أعلم فلو ذكر الناظم أركان البيع كما ذكر أركان النكاح لكان أنسب وقد نظمتها فقلت
أركانه عقد وعاقد ثمن ومثمن وصيغة بها اقترنن
تقدم الإيجاب أو تأخرا كذا المعاطاة بها تقررا
[ ٣ / ٦ ]
ويقول رحمة الله تعالى بعدها
(ما يستجاز بيعه أقسام أصول أو عروض أو طعام)
(أو ذهب أو فضة أو ثمر أو حيوان والجميع يذكر)
بمعنى أن ما يجوز بيعه في نظر الشرع ستة أقسام (الأول) أصول وهي على قسمين رباع وهي الدور والحوانيت والأفران ونحوها من كل ما له عتبة وعقارب بفتح العين وتخفيف القاف وهي الفدادين والأجنات والكروم (الثاني) عروض كالثياب والسلاح والأواني ونحوها (الثالث) طعام كالقمح والشعير والأدام كالسمن والعسل ومصلحه كملح وبصل وما لحق به من الخضر والفاكهة كاللفت والجزر والجوز واللوز وما أشبه ذلك (الرابع) ذهب أو فضة (الخامس) ثمر كالتمر والزبيب والتين والزيتون (السادس) حيوان كالرقيق والخيل والبغال والحمير والأنعام كالإبل والبقر والوحوش كالضبي والأرنب والطير وفائدة تقسيم هذه المبيعات لما ذكر اختصاص مل نوع منها بأحكام معتبرة فيه وإن لم توجد في غيره على الإطلاق كالعيوب الموجبة للقيمة في الأصول أو للرد في الحيوان والعروض وربي الفضل والنساء في النقدين والطعامين وبدور الصلاح في الثمار والعهدة في الرقيق وغير ذلك من الأحكام والجميع يذكر في فضل يخصه قال ابن رحال الأولى أن يبقى الجواز أي في كلام الناظم على بابه وأما الوجوب والندب فلعارض وكذلك الكراهية والتحريم اه قال
(البيع والشرط الحلال إن وقع مؤثرا في ثمن ما امتنع)
(وكل ما ليس له ثانية في ثمن جوزاه ماأثور)
(والشرط إن كان حراما بطلا به المبيع مطلقا إن جعلا)
يعني أن البيع الجائز إن قارنه شرط فإما أن يكون ذلك الشرط حلالا أو حراما فإن كان حلالا ففيه تفصيل وهو إن كان يؤثر في الثمن جهلا أو يناقض المقصود
[ ٣ / ٧ ]
منع كان يشترط أحد المتابعين على الأخران يسلفه دراهم مثلا فنفس الشرط الذي هو السلف جائز غير أن انعقاد البيع عليه ممنوع لأنه إن كان السلف مع البائع فإنما يبيع غالبا بأكثر من القيمة لأجل السلف وإن كان من المشتري فإنما يشتري غالبا بأقل لأجل السلف أيضا ومقدار الزيادة في الثمن أو النقص منه مجهول والجهل بالثمن يفسد البيع ولو تحققنا أن لا زيادة في الثمن ولا نقص فإن النار يعطي حكم الغالب سدا للذرائع أو يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع ما اشتراه أو لا يهبه من أحد بالإطلاق إنا أن اشترط عليه أن لا يبيعه من معين فلا يكون ممنوعا ويوفي له بشرطه فنفس الشرط وهو كون المشتري يتمسك بمشتراه ولا يبيعه مثلا حلال واشتراطه ممنوع لأن البيع على هذا إنما يكون غالبا بنقص من ثمن المبيع لو لم يشترك ذلك في بيعه ولما في من التحجير على المشتري ومقدار ما نقص من الثمن لأجل الشرط مجهول والجهل بالثمن مفيد للبيع والمنع في هذا المثال أشد من الأول لأن فيه زيادة على التأثير في الثمن علة أخرى للمنع وهو كون ذلك المؤثر من باب اشتراط ما يوجب الحكم خلافه فإن الحكم الشرعي يوجب للمشتري جواز تصرفه فيما اشتراه على أي وجه شاء مما أباحه الشرع يوجب للمشتري جواز تصرفه فيما اشتراه على أي وجه شاء مما أباحه الشرع له من بيع وهبة ونحوهما فالتحجير عليه بأن لا يبيع مثلا شرط مناقض لمقتضى العقد واشتراط مثله ممنوع يفسد به البيع فإن وقع شيء من هذه الشروط وما أشبهها فإن البيع يفسخ إلا أن يسقط ذو الشرط شرطه فإنه يصح، وإن كان اشتراط الحلال غير مؤثر في الثمن جهلا ونحوه كشرط رهن أو حميل أو كون المثمن أو الثمن إلى أجل معلوم غير بعيد جدا فإنه جائز وجوازه مأثور أي مروي بنص القرآن قال الله تعالى﴾ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ﴿وقال الله تعالى﴾ فإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ﴿وكلام الناظم شامل لما يقتضيه العقد ولو لم يشترط كشرط تسليم المبيع للمشتري والرجوع بدرك العيب والاستحقاق فإن اشتراط ذلك ونحوه من باب التوكيد لا غير. وإن كان الشرط حراما كم باع دارا واشترط على أن تكون مجمعا للفساد أو باع عنبا واشترط عصره خمرا فإن اشتراط مثل
[ ٣ / ٨ ]
هذا يبطل به البيع مطلقا أثر في الثمن أو لم يؤثر حذف الشرط أو لم يحذف فتحصل من ذلك أن الشرط الحرام يبطل معه البيع مطلقا والشرط الحلال المنافي للمقصود وشرط السلف يبطل معه البيع ما لم يحذف الشرك فيصح والشرط الحلال الذي لا ينافي العقد بل يعود عليه بمصلحة كالرهن والحميل يصح فيه البيع والشرط معا فهذه ثلاثة أقسام وهي في الحقيقة راجعة إلى قسمين حلال وحرام وبقي قسم ثالث واسطة بينهما يصح فيه البيع ويبطل الشرط وهو المعبر عنه بحكم بين حكمين وهذا التقسيم قد تقدم في الشروط التي تقع في النكاح مستوفى (قال) ابن رشد للسائل التي يصح فيها البيع ويبطل الشرط تسعة وهي من باع دارا واشترط على المشتري أن لا يكن معه فيها أحدا وإذا أقاله على أن يرد عليه دراهمه بأعيانها. وبيع الثمرة على أن لا جائحة. وعلى أن لا زكاة. وبيع الأمة على أن لا مواضعة. وعلى أن لا عهدة. وعلى أن يسلمها عريانة. وعلى أو ولاءها للبائع. وعلى أنه إذا لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام ونحوها فلا بيع بينهما. وقول الناظم والبيع مبتدأ ومما امتنع متعلق بمحذوف خبره والشرط بالرفع عطف على البيع والحلال نعت للشرط ومؤثرا بالنصب حال من فاعل وقع المسترر العائد على الشرط وفي ثمن متعلق بمؤثرا وجواب الشرط محذوف لدلالة متعلق الخبر عليه وهو مما امتنع وكل مبتدأ مضاف إلى ما وهي نكرة واقعة على شرط وجملة ليس له تأثير في محل جر صفة ما وجملة جوازه مأثور من المبتدأ والخبر خبر مل والشرط مبتدأ والجملة الشرطية خبره وألف بطلا للإطلاق والمبيع فاعل بطلا وهو بمعنى البيع أو على حذف مضاف أي بطل بيع المبيع (فائدة) قال الونشربسي في المنهج الفائق المباع هو الذي عرض به للبيع والمبيع هو الذي قد بيع أه (فرع) قال البرزلي في مسائل الضرر من ابن رشد فيمن له دارات باع أحدهما وشرط على المشتري أن لا يرفع على الحائط الفاصل بين الدارين شيئا مخافة أن يظلم عليه داره ويمنع من دخول الشمس فيها والتزمه المشتري أن البيع جائز والشرط لازم اه ميارة (ولما) كان البيع لا يجوز
[ ٣ / ٩ ]
اجتماعه مع الشرط الحرام أو الحلال المؤثر كلما علمت وأنه لا يجوز اجتماعه أيضا مع العقود التي تقدمت الإشارة إليها شرع الناظم في بيانها فقال
(وجمع بيع مع شركة ومع صرف وجعل ونكاح امتنع)
(ومع مساقاة ومع قراض واشهب الجواز عنه ماض)
يعني أنه لا يجوز عند ابن القاسم أن يجتمع البيع مع واحد من هذه العقود الستة التي أولها الشركة في النظم وءاخرها القراض على المشهور خلافا لاشهب القائل بجواز ذلك وبقي على الناظم القرض أي السلف فلا يجتمع مع البيع كما مر وكما لا يجتمع البيع مع واحد من هذه المذكورات لا يجتمع اثنان منها في عقد واحد لافتراق أحكامها لأن حكم الصرف المناجزة ويجوز في البيع عدمها ولا يجوز الخيار في الصرف ويجوز في البيع ولا يجوز التصديق في الصرف ويجوز في البيع. وأما الجعل فحكمه عدم اللزوم بخلاف البيع ولا يكون في الجعل أجل بخلاف البيع. ويجوز فيه الغرر المنفرج به بخلاف البيع. وأما النكاح فإنه مبني على المكارمة والبيع على المشاحة ويجوز أن لا يدخل بالمرأة لسنة لموجب من صغر ونحوه ولا يجوز تأخير القبض في المبيع المعين الحاضر. وأما المساقة فإنه لا يجوز فيها الغرر دون البيع وفيها جواز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها بل قبل وجودها بخلاف البيع وهي مستثناة من الإجازة المجهولة بخلاف البيع فإنه أصل في نفسه (وأما) الشركة فلإنها على الأمانة وهو مستثنى من الإجارة المجهولة بخلاف البيع ولا تكون لأجل بخلاف البيع. وأما القراض فلأنه على الأمانة أيضا وهو مستثنى من الإجارة المجهولة بخلاف البيع هذا معنى تنافي أحكامها. ووجه الجواز عند اشهب لما كان كل عقد منها يجوز بانفراده لا مانع من اجتماعه مع غيره قال البرزلي وكذا لا يجتمع بيع الخيار وبيع البت ولا بيع السلم وبيع النقد أي الحاضر (قلت) والذي يظهر من هذا عدم جواز بيع النقد والبيع إلى أجل (ولما) كان من شرط المعقود عليه أن يكون طاهرا ولذلك امتنع بيع ما هو نجس كروث الخيل والحمير لكن
[ ٣ / ١٠ ]
العلماء رضي الله تعالى عنهم رخصوا في بيعه للحاجة إلى الانتفاع به وإليه أشار الناظم بقوله:
(ونجس صفقته محظورة ورخصوا في الزبل للضرورة)
قال ابن رحال هذا الذي به العمل (فرع) قال في المقرب قال ابن القاسم ولا بأس ببيع بعر الإبل والغم وخناء البقر وعلى هذا يجوز بيع خرء الحمام والدجاج غير المخلاة وفي المخلاة نظر اه مياره والمحظور بالظاء المشالة الممنوع ونجس بفتح الجيم عين النجاسة ومثل عين النجاسة في الحكم المتنجس إذا دعت الضرورة إليه كالماء المتجمع من المراحيض قال الشيخ ميارة بل هو أولى بالجواز لوجود الخلاف فيه كما تقدم ثم قال
فصل في بيع الأصول
وهي الأرض وما اتصل بها من الدور والحوانيت والفنادق والفدادين والأجنات ونحوها وقد أشار إلى حكمها فقال
(البيع في الأصول جاز مطلقا إلا بشرط في البيوع متقى)
(باضرب الاثمان والأجال من له تصرف في المال)
يعني أنه يجوز ويلزم العقد على بيع الأصول المذكورة ونحوها من الذي يتصرف في ماله تصرفا مطلقا وهو البالغ الرشيد إلا أن يصحب عقده عليها شرط حرام أو حلال يؤثر في الثمن فإن البيع يفسد كما مر فإذا خلا البيع من الشرط المفسد جاز بجميع أنواع الائتمان واضربها من أصول مثلها أو عين أو عرض أو طعام أو حيوان وسواء كان بالحلول أو إلى أجل معلوم قريب أو بعيد ما لم يبعد جدا فإنه لايجوز، وقوله إلا بشرط استثناء من عموم الإطلاق وإعاده هنا وإن كان مستغنى عنه بما تقدم خوفا من توهم شمول الإطلاق له فهو كالتنبيه، وقوله باشري الأثمان والآجال متعلق بجاز وهو تفسير لقوله مطلقا واضرب بمعنى أنواع جمع ضرب بفتح أوله
[ ٣ / ١١ ]
وقوله من له تصرف في المال متعلق بمقدر مضاف للبيع كما علمت ليشمل البائع والمشتري بخلاف ما لو علق بالبيع فإنه لا يشملهما، وحيث كان الرشد شرطا في لزوم البيع فإن غير الرشيد لا يلزم عقده بنفسه كما لا يلزم من الرشيد المحجر عليه كالمفلس بل بتوقف لزوم عقدهما على إجازة الولي أو الغرماء أما الصبي الذي لم يميز فإن عقده لا يجوز ويفسخ أن وقع ولو إجازة الولي تنبيهات (الأول) شرط للتصرف في المال غير مختص ببيع الأصول بل هو عام في جميع العقود (الثاني) مثل الأصول في العموم العروض فإنه يجوز بيعها مطلقا بجميع أنواع الأثمان والآجال بخلاف الطعام فإنه ليس كالأصول في ذلك العموم إذ لا يجوز بيه بطعام أو مصلحه أو ما كان كالطعام الآتي بيانه إلى أجل ومثل الطعام في ككونه ربوبا الحيوان الذي لا تطول حياته كطير الماء أو لا منفعة فيه إلا اللحم كخصي الغنم إذ منفعته الصوف أو الشعر لا تعتبر لفائتها فلا يجوز بيع شيء من ذلك بطعام أو أدام أو نحوهما إلى أجل لأنه طعام بطعام نسيئة ومثل الطعام الذهب والفضة فلا يجوز بيع بعضهما ببعض تماثلا أو تخالفا إلى أجل كما سيأتي قال الشيخ خليل وحرم في نقد وطعام ربي فضل ونساء (الثالث) ظاهر كلام الناظم باضرب الأثمان والأجال إنه لا فرق بين أن يكون الأصل هو المؤجل أو الثمن هو المؤجل وهو كذلك إلا أنه غإذا كان الأصل هو المؤجل فيؤدي إلى بيع معين يتأخر قبضه ولا يجوز على إطلاقه بل فيه تفصيل وهو إن كان يتغير في الأجل امتنع وإلا جاز فالدار مثلا يجوز بيعها لتقبض بعد مدة معينة لا تتغير فيها غالبا وذلك يختلف باختلاف صحتها وعدم اختلاف صحتها وحينئذ فلا مفهوم لقول الشيخ خليل ودار لتقبض بعد عام فالمدار في أجل منفعة الدفع على ما لا يتغير فيه غالبا فيجوز فيه العقد ونقد الثمن وما غاب على الظن عدم بقائه لتلك المدة أو لضعف بنائه لم يجز العقد عليه وسيأتي هذا عند قول الناظم وجائز في الدار أن يتثني يكني بها كسنة أو أدني الرابع) قال الزرقاني في فصل تناول البناء ما نصه (فرعان) الأول قال المتيطي حد المبيع دارا أو أرضا منه كحدها الشرقي.
[ ٣ / ١٢ ]
شجرة كذا فتدخل الشجرة إن لم يصرخ بضده كجدها القبلي دار فلان (الثاني) إذا وقع من البائع أي في الوثيقة عموم وخصوص فالمنظور إليه العموم وأن تقدم كبعته جميع أملاكي بقرية كذا وهي الدار والحانوت مثلا وله غيرهما فهو للمبتاع أيضا وكذا بعته جميع ما أملك من هذه الدار وهو الربع فإذا له أكثر فإن له الجميع ولا يكون ذكر الخاص بعد العام مخصصا له لأن الخاص الذي يقيد العام شرطه أن يكون منافيا له والأمر هنا بخلافه اه وفي معين المفتي للشيخ حسن الشريف أن ذكر الخاص بعد العام لا يخصصه وعليه الأكثر وبه القضاء (التنبيه الخامس) قال ابن راشد الأحسن للموثق إذا كان المبيع دارا مثلا أن يكتب جميع الدار التي يموضع كذا من حومة كذا منتهى خدها في القبلة كذا ولا يكتب جميع داره لما فيه من الخلاف عند طرق الاستحقاق فقد قيل أن إضافة الملك إلى البائع إقرار من المشتري بملكها له فإذا استحقت من يده لم يكن له رجوع لعلمه أنها لم تستحق بوجه شرعي وأنها مصيبة نزلت به وقليل له الرجوع ولو أقر بالفعل إنها له وبه الفضاء (السادس) إذا وقع عقد البيع مثلا إلى أجل وتغيرت الشكة الجارية وقت العقد بزيادة أو نقص أو بطلت أو عدمت بالكلية قبل حلول الأجل أو بعده فإنه يجب على المشتري ونحوه أن يقضيه من تلك السكة ولا يعتد بزيادتها كما لا يغرم نقصانها كما إذا بطلت وإن عدمت فعليه قيمتها قال
(وجائز أن يشتري الهواء لأن يقام معه البناء)
يعني أن يجوز شراء عشرة أذرع مثلا من هواء فوق سقف بيت موجود على أن يبني المشتري فوق هذا السقف علوا مثلا يكون غلظ حيطانه كذا وارتفاعه كذا لأن إقامة البناء على الأسفل لا بد من معرفة صفته في الثقل والخفة ويكون بابه من جهة كذا ومرحاضه في جهة كذا تنصب قنانه جهة كذا مع الحائط الغربي مثلا المتصل بكذا يصف ذلك كله صفة تقوم مقام العيان لينتفي الغرر المنهي عنه- وكذلك يجوز شراء هواء كعشرة أذرع فوق عشرة أذرع هواء يبنيها البائع إذا وصف البناء الأسفل
[ ٣ / ١٣ ]
والأعلى لرغبة صاحب الأعلى في قوة بناء الأسفل ورغبة صاحب الأسفل في خفة بناء الأعلى ويجبر صاحب الأسفل على البناء إن امتنع ليتوصل صاحب الأعلى إلى ملكه ويمالك صاحب الأعلى ما فوقه من الهواء في الصورتين لا كن لا يبنني فيه إلا برضى صاحب الأسفل وينبغي بيان فرش ما على السقف من رخام ونحوه على من يكون فإن وقعت الغفلة عليه ولم يكن عرف في ذلك ففي جعله على المشترى وهو المشهور لأنه أرضه أو على البائع لأنه سقفه قولا ثم إذا انهدم الأسفل فيقضي على من هو بيده ملكا بإعادته لأنه مضمون إلا أن يذكر مدى فإجارة تنفسخ بانهدامه وإصلاح السفل إذا انهدم أو هدم وتعليق الغرف بالخشب ونحوها إذا وهي السفل وكنس مجمع ماء المراحيض كل ذلك على صاحب السفل ويقضي عليه بالإصلاح فإن امتنع بيع عيه لمن يصلح حيث لم يتسبب صاحب الأعلى في ذلك وإلا كان الإصلاح عليه بالقضاء كما يقضي على الشريك في إصلاح ملك لا يقبل القسمة كالحمام بأن يعمر أو يبيع ممن يعمر ولا فرق في المشترك الذي لا يقبل القسمة بين الملك والوقف وقول الناظم معه أي فيه قال
(وما على الجزاف والتكسير يباع مفسوخ لدى الجمهور)
يعني أنه لا يجوز بيع أصل بعضه بالكيل وبعضه جزافا في عقد واحد كان يشتري إنسان أرضا مائة ذراع منها كيلا وباقيها بدون كيل بكذا أو اشترى أيضا على كيل معلوم وشجرا مثلا في عقد واحد فإن وقع ذلك فسخ عند أكثر العلماء وفهم من كلامه أن من العلماء من لا يحكن بفسخه وهو كذلك ومفهوم الأصول أن غيرها يجوز بيعه على الجزاف والكيل وهو كذلك على تفصيل فيه فيجوز بيع أرض جزافا مع طعام كيلا لمجئ كل واحد منهما على أصله ويجوز جزافات ومكيلان مطلقا ويمتنع بيع حب جزافا مع حب أو أرض كيلا، وحاصل المسألة على ما لابن رشد أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلا ويجوز بيعه جزافا اتفاقا كالحبوب وإن منها ما الأصل فيه أن يباع جزافا ويجوز بيعه كيلا اتفاقا كالأرضين وإن منها عروضا.
[ ٣ / ١٤ ]
لا يجوز بيعها كيلا ولا وزنا كالعبيد والحيوان فالجزاف مما أصله أن يباع كيلا كالحبوب لا يجوز بيعه مع المكيل منه ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافا كالأرضين والجزاف مما أصله أن يباع جزافا لا يجوز أن يباع مع المكيل منه واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلا على قولين الجواز والمنع ولا اختلاف في جواز بيع المكيلين والجزافين في صفقة واحدة ولا في جواز بيع الجزاف مع العروض إلا عند ابن حبيب فإنه يحوزه اه وقوله وما على الجزاف الخ ما اسم موصول مبتدأ وجملة يباع على الجزاف صلته ومفسوخ خبره وأن ما واقعه على الأصول لأن الفصل معقود لها ويفهم ذلك أيضا من قوله والتكسير ولدى الجمهور متعلق بالخبر ثم شرع في بيان بعض ما يتناوله العقد وما لا يتناوله فقال
(وءابر من زرع أو من شجر لبائع إلا بشرط المشتري)
(ولا يجوز باشتراط بعضه وإن جرى فلا غنى عن نقضه)
يعني أن من باع شجرا فيها ثمارا أو أرضا فيها زرع ولم يقع التنصيص على الثمار ولا على الزرع لمن يكون فما كان من ذلك ما بورا فهو للبائع إلا أن يشترطه المشتري والأصل في هذا قوله ﵊ من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع الحديث ولا يجوز للمشتري اشتراط بعض ما ابر وترك مما سواه فإن وقع ذلك نقض البيع ثم صرح بمفهوم قوله وءابر فقال
(وغير ما ابر للمبتاع بنفس عقده بلا نزاع)
(ولا يجوز شرطه للبائع والبيع مفسوخ به في الواقع)
يعني أن ما لم يؤبر من الزرع والثمار يكون للمشتري بنفس العقد لدلالة مفهوم الحديث المتقدم عليه ولا يجوز للبائع أن يشترط لنفسه فإن وقع فسخ البيع لأنه من باب بيع الثمرة قبل بدور صلاحها وهو لا يجوز (فروع الأول) من باع نخلا مثلا قد ابر بعضها
[ ٣ / ١٥ ]
ولم يؤبر الآخر فإنه ينر إلى الذي هو أكثر ويجعل القليل تابعا له فإن كان المؤبر أكنزها فالثمر جميعه للبائع إلا أن يشترطه المشتري وإن كان الذي لم يؤبر أكثر فالثمر كله للمشتري ولا يشترطه البائع لنفسه كما مر وإن تساويا فالحكم فيه أن كان المأبور على جهة كان للبائع إلا بشرط وما لم يؤبر كان للمشتري وإن كان مختلطا فالبيع غير جائز إلا أن يرضى البائع بتسليمه للمشتري فإنه يجوز عند بعض العلماء وبه القضاء (الثاني) قال ابن راشد من اشترى زيتونة على أن يقطعها فتوانى في قطعها حتى أثمرت فالثمرة للبائع قاله ابن القاسم عن مالك في المستخرجة (الثالث) من كانت له شجرة في أرض غيره وسقطت أو ضعفت وأراد قطعها ويجعل في موضعها مثلها فله ذلك لأن موضعها له فالشجر والبناء يتناولان الأرض وتتناولهما بدون احتياج إلى التنصيص عليه وقت العقد ثم بين الأبار فقال
(وفي الثمار عقدها الأبار والزرع إن تدركه الأبصار)
فأبار النخل التذكير وهو تعليق شيء من عرجون الذكر على عرجون الأنثى لئلا يتساقط وأبار العنب والزيتون ونحوهما العقد بعد ثبوت ما يثبت منه وسقوط ما يسقط وأبار الزرع خروجه من الأرض فإذا خرج منه أدركته الأبصار والآبار بكسر الهمزة ثم ذكر مسألة من مسائل ما تتناوله الأرض فقال
(كذا قليب الأرض للمبتاع دون اشتراطه في الابتياع)
يعني أن الأرض إذا كانت مقلوبة أي محروثة فإن قلبها يكون للمشتري وإن لم يشترطه وقيل المراد بالقليب البئر وقليب على وزن فعيل بفتح أوله بمعنى مفعول قال
(والماء إن كان يزيد ويقل فبيعه لجهله ليس يحل)
يعني أن من كان يملك ماء عين مثلا أو قدرا معلوما منه وكان ماؤها يزيد أحيانا وينقص أحيانا فلا يحل له بيعه للجهالة قال بعض الشيوخ يشكل على الناظم فيما درج عليه تبعا لغيره بيع شروب مواضع من بلاد الأندلس لأنها تقل في السنين المجدبة
[ ٣ / ١٦ ]
وتكثر في السنين الممطرة وقد رأينا الناس مضطرين إلى شرائه فالمتعين جواز المعاوضة فيها للضرورة فهو كالغرر المغتفر في بيع الأصول غذ قد لا تكون فيها غلة في بعض السنين (وأما) الأنهار العامة فلا يجوز بيع مائها لأن المسلمين في الانتفاع بها سواء إلا ما صرف عليه مال أو خدمه الإنسان بنفسه فإن بيعه جائز وحيث جاز بيعه فلا بد من بيان قدره كأن يقال اشترى فلان جميع شرب العين بكسر الشين وضمها أو نصف شربها أو مشرب كل يوم كذا أو من وقت كذا إلى وقت كذا في جميع أيام السنة صيفا وخريفا وشتاء وربيعا أو اشترى عشرة قواديس في كل يوم كذا وقت كذا مبدا كيلها من موضع كذا ما تعاقب الليل والنهار إلى غير ذلك من الأمور المتعارفة عند أهل ذلك الموضع والقادوس عبارة عن إناء مثقوب من أسفله يملأ ماء ويعلق فينزل منه الماء كالخيط حتى يفرغ فيعاد وهكذا إلى تمام العدد عشرة منه بساعة في بعض البلدان وبوضع عند أمين ثقة بمرتب يأخذه من أهل البلد ولأصحاب الجنات قواديس مقيسة عنه حتى إذا وقع بينهم نزاع في الزيادة والنقص بسبب ضيق الثقب أو اتساعه رجعوا إليه على ماهو معروف عندنا بتوزر قال الناظم رحمه الله تعالى
(وشرط إبقاء المبيع في الثمن رهنا سوى الأصول بالمنع اقترن)
(وقيل بالجواز مهما اتفقا في وضعه عند أمين مطلقا)
يعني أن البائع إذا اشترط على المشتري إبقاء المبيع تحت يده أو تحت يد أمين رهنا في الثمن فإنه ممنوع إلا في الأصول فيجوز وقيل إنما يمتنع ذلك إذا كان إبقاؤه تحت يد البائع أما إن اتفقا على وضعه تحت يد أمين فهو جائز في الأصول وغيرها وهذا التفصيل هو المشهور وإشارة الناظم له بقيل لم يرد تضعيفه كما هو كثير في كلامه قال ابن رحال وما نظمه الناظم من المنع في إبقاء غير الأصول بيد البائع فإن ذلك مقيد بأن تتغير السلعة لمثل ذلك الأجل وإلا فلا منع إذ لا ضرر في ذلك (فرع) قال في المفيد في الرجل يبيع السلعة من الرجل ثم يحبسها للثمن ويدعي تلفها ولا يعلم
[ ٣ / ١٧ ]
ذلك إلا من قوله فضمانها من البائع عند الأكثر وقال ابن القاسم ضمانها من المشتري وبه القضاء قال الفلاني في شرح العمليات العامة محل الضمان من المشتري إذا كان المبيع مما لا يغاب عليه كالحيوان وأما ما يغاب عليه كالثوب فضمانه من البائع (قلت) وذلك بعد اليمين إذا كان ممن يتهم على تفويته إو إخفائه والله أعلى قال
(وجائز في الدار أن يستثني سكن سبها كسنة أو أدنى)
يعني أنه يجوز لمن باع دارا أن يتثني سكناها سنة فما دونها وقد تقدم هذا عند قول الناظم باضرب الأثمان والآجال وأنه لا مفهوم للتحديد بالسنة وإنما المعتبر في أجل الدفع ما لا يتغير فيه غالبا (تنبيهان) الأول إن انهدمت الدار في مدة الاستثناء الجائز فضمانها من المشتري ولا رجوع للبائع عليه بما اشترطه عليه من السكنى في قول ابن القاسم إلا أن يبيعها المبتاع في أثناء المدة الجائزة فلا يخرج منها البائع حتى يستوفي منفعته وأما إن انهدمت في استثناء المدة الغير الجائزة فضمانها من البائع إلا أن تنهدم بعد أن قبضها المشتري ولو قبل انقضاء مدة الاستثناء فضمانها منه لأنه بيع فاسد يضمن بالقبض كذا في التولي (الثاني) قال ابن جزي في القوانين ويجوز بيع الارض والرباع المكترات خلافا للشافعي ولا يفسخ الكراء ويكون واجب الكراء في بقية امد الكراء للبائع ولا يجوز أن يشترطه المشتري لأنه يؤل إلى الربى إلا أن يكون البيع بعروض وإن لم يعلم المشتري أن الأرض مكترات فذلك عيب وله القيام به اه (ولما) ذكر الناظم حكم من اشترى أرضا فيها زرع في عقد واحدا أو شجرا فيه ثمر كذلك ذكر هنا حكم ما إذا اشترى الأرض وحدها أو الشجر وحده ثم اشترى الزرع أو الثمر بعد فقال
(ومشتري الأصل شراؤه الثمر قبل الصلاح جائز فيما اشتهر).
(والزرع في ذلك مثل الشجر ولا رجوع أن تصب للمشتري)
يعني أنه يجوز لمن اشترى شجرا أو أرضا بانفراده أن يشتري الثمر أو الزرع وإن لم
[ ٣ / ١٨ ]
يظهر صلاحهما على القول المشهور وسواء اشترى ذلك في صفقة واحدة أو صفقتين الأشجار ثم الثمرة أو الأرض ثم الزرع كما هنا وأن اجبحت الثمرة المشترطة في أصل البيع أو الملحقة به قبل بدو الصلاح أو بعده فلا قيام للمشتري بها ولو اتت الجائحة على جميعها وقوله تصب معناه تجاح ونائب فاعل تصب يعود على الثمرة وفي معناها الزرع وجواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه وهو لا رجوع للمشتري (قد) تقدم أن من شرط المعقوج عليه أن يكون معلوما عند المتبايعين ثم العلم له طرق أربعة كما في ابن راشد (الطريق الأول) الرؤية في المرئيات والشم في المشمومات والذوق في المطعومات واللمس في الملموسات والسمع في المسموعات فحصول العلم بهاته الحواس ولو على بعض المبيع يكفي (الطريق الثاني) الحرز والتخمين وهو كاف في معرفة المقدار كما في مسألة الجزاف المتقدمة ثم إن المبيع على التقدير لا يخلو إما أن يكون المطلوب جملته ولا غرض في إفراده كالقمح والشعير فهذا يجوز بيع جزافا كالسمن والعسل إن لم يكثر جدا وجهلا كيله أو وزنه وحزراه واستوت أرضه إن كان على الأرض وإن تعلقت الأغراض بإفراده كالمعدودات فإن قلت أثمانها جاز بيعها جزافا أيضا كالبيض والرمان والفقوس والتين والجوز والموز وصغار الحيتان وهو كثير وفي عده مشقة وأما ما عظم من الحيتان وما إذا نظره الناظر أحاط بعدده فلا يباع جزافا (الطريق الثالث) الكيل والوزن والعد والذرع فكل واحد من هذه موصل إلى معرفة حقيقية المعقود عليه جملة وتفصيلا لكن قاعدة المذهب أن ما جرت عليه العادة ببيعه كيلا لم يجز بيعه وزنا إلا لمن عرف ما في القنطار مثلا من الويبات وأن ما جرت العادة ببيعه وزنا لم يجز بيعه كيلا إلا لمن عرف ما في الويبة مثلا من الأرطال وكذلك جرت العادة ببيعه بالعد الدنانير والدراهم بافريقية لم يجز أن يباع وزنا وما جرت العادة ببيعه مذارعة فلا يباع على غير ذلك خوفا من الجهل المؤدي إلى فساد البيع ثم قال (الطريق الرابع) الوصف وهو عندنا يقوم مقام الرؤية في جواز البيع خلافا للشافعي بدليل قوله ﷺ ولا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها وذلك دليل على أن
[ ٣ / ١٩ ]
الوصف يقوم مقام النظر وأنه غائب تتعذر رؤيته وقت البيع فوجب أن يجتزى فيه بالوصف قياسًا على السلم اهـ وإليه أشار الناظم بقوله
(وبيع ملك غاب جاز بالصفة أو رؤية تقدمت أو معرفة)
يعني أنه يجوز بيع الملك الغائب غيبة غير بعيدة جدًا على الصفة الكاشفة لا حواله كان يقال في وصف الأرض بعد ذكر حدودها هي ذات عين أو بئر أو قريبة من الماء أو بعيدة مستوية أو غير مستوية فيها حجارة أو لا ترتبها كذا الذي لا يصلح للحراثة منها نباته كذا قريبة من العمارة أو لا مساحتها كذا جيرانها قبيلة كذا وفي وصف الدار بعد ذكر حدودها كذلك مساحتها كذا وبناؤها بكذا وعرض حيطانها كذا في حومة كذا وبها بئر أو ماجن أو هما معا عدد بيوتها كذا كل بيت من بيوتها يوصف بانفراد، يفتح بابها إلى جهة كذا في شارع أو في زندقة نافذة أو غير نافذة وارتفاعها كذا وقناة مرحاضها يمر على كذا مصبه في جهة كذا وأبوابها من خشب كذا وسقوف بيوتها من كذا وإن كان لها علو ونحوه من المرافق يوصف وأن كان المبيع حيوانًا فإنه يذكر نوعه ولونه وسنه وقامته إلى غير ذلك حتى يؤتى على جميع الأوصاف التي تختلف بها أغراض العباد في تلك البلاد كالسلم لأنه مقيس عليه كما مر وكذلك يجوز بيع الغائب إذا تقدمت للمشتري رؤيته قبل عقد البيع بحيث لا يتغير بعدها أو معرفته بغير الرؤية كما إذا كان يدرك بالشم أو الذوق كالمسك والعنبر والسمن والعسل ونحوها فقوله أو معرفه من عطف الأعم على الأخص ويجوز في بيع الغائب اشتراط النقد على المشهور إذا وصفه غير بائعه أما إذا وصفه البائع فإنه لا يجوز معه اشتراط النقد ربعا كان المبيع أو غيره أما إذا نقده المشتري تطوعا فإنه جائز وضمانه إذا هلك من المشتري بنفس العقد إذا أدركه البيع سالمًا على مذهب الجمهور قال
(والأجنبي جائز منه الشرا ملتزم العهدة فيما يشتري)
يجوز في لفظ الشراء احتمالان الأول يكون على بابه فيصير المعنى يجوز الشراء لأجنبي
[ ٣ / ٢٠ ]
إذا كان المشتري ملتزمًا عهدة العيب والاستحقاق على نفسه لا على البائع لعدم رضى من اشترى له بإتباع ذمته خوفًا من لدده أو من عدمه أو كان ذا شوكة إلى غير ذلك وعيله فمن بمعنى اللام (والاحتمال) الثاني أن يكون الشراء بمعنى البيع كما تقدم في أول الباب والمعنى أنه يجوز من الأجنبي بيع دار مثلا ليست له ملتزمًا ضمان ما يطرأ على المبيع من عيب أو استحقاق على نفسه لا على المالك لعدم رضى المشتري الذي باع له الدار بإتباع ذمة من باع عليه لما تقدم والله أعلم (فرع) سئل ابن مرزوق عمن اشترى أرضا بيضاء من بعض الورثة والتزموا له عقبى كل درك يلحق المشتري بفتح الراء ونص الرسم أن قام عليهم أحمد فاستحق الأرض المذكورة في الرسم فيعطيه عوضًا عنها أرضًا معينة له ووقع البيع على ذلك فصار المشتري يستغل الأرض المذكورة على عين البائع وبعض الورثة مدة من ثلاثين سنة ثم قام الآن بعض الورثة ممن لم يبع يطلب الشفعة في البيع فهل له ذلك أم لا (فأجاب) البيع على الوجه المذكور فاسد وإن لم يفت المبيع المذكور فسخ البيع وبقيت الأرض لأصحابها ورد الثمن للمشتري فإن فاتت بغرس أو بناء أو نحوه لزم المشتري قيمتها يوم قبضها وأخذ الثمن فإن استحقت من يد المشتري فللمستحق أخذها بعد دفع قيمة العمارة قائمة إن لم يكن المشتري عالمًا به وإلا فهو كالغاصب وطالب الشفعة إن كان غائبًا في المدة المذكورة فله ذلك وإن كان حاضرًا بعد الفوات مدة يسقط السكوت فيها الشفعة فلا شفعة والله أعلم اهـ معيار (تنبيه) إذا وجد في المبيع عيب يرد به أو استحق ووقع الرجوع على الأجنبي الملتزم فإنه يرجع على المالك في الصورتين اللتين يحتملهما كلام الناظم (وقوله) والأجنبي مبتدأ أول والشراء مبتدأ ثان وجائز خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر المبتدأ الأول والرابط بينهما الضمير المجرور بمن وملتزم بالنصب على الحال من الأجنبي ويشترى مبني للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على ما الواقعة على المبيع. ولما فرغ من الكلام على القسم الأول من أقسام البيوع شرع يتكلم على القسم الثاني فقال
[ ٣ / ٢١ ]
فصل في بيع العروض
بضم العين جمع عرضها بفتحها والعرض في اللغة يطلق على خلاف الطول قال الله تعلى وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ويطلق على المتاع ففي المصباح قالوا والدراهم والدنانير عين وما سواها عرض والجمع عروض مثل فلس وفلوس وقال أبو عبيدة العروض الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن ولا تكون حيوانًا ولا عقارًا اهـ وفي نظم مثلثات العرب.
وسعة خلاف طول عرض وما سوى النقدين أما العرض
فحسب وجسد والعرض ناحية وقيل وسط النهر
فالأول مفتوح العين والثاني مكسورها والثالث مضمومها على عادته في هذا النظم وقوله وجسد على حذف مضاف أي رائحة جسد (وفي اصطلاح) الفقهاء هو ما عدا العين والطعام من الأشياء كلها وقد يلطقونها حتى على الطعام كما في ابن رحال ولا مانع من موافقة اللغة للاصطلاح ومراد الناظم بالعروض هنا ما عدا الأقسام الخمسة التي ذكرها في قوله ما يستجاز بيعه أقسام الخ بدليل بيانها بقوله (من الثياب وسائر السلع) التي لا تحصى أجناسها كثرة ثم شرع في بيان أحكامها فقال
(بيع العروض بالعروض أن قصد تعاوض وحكمه بعد يرد)
يعني أن بيع العرض بالعرض إذا أريد فإنه يسمى عند الفقهاء معاوضة وهذا الاسم غير مختص ببيع العرض بالعرض بل هو فرد من أفراد المعاوضة لأنها تطلق على بيع الأصل بالأصل والحيوان والحيوان وغيرهما بدليل قوله في فصل المعاوضة
يجوز عقد البيع بالتعويض في جملة الأصول والعروض
وجائز في الحيوان كله تعاوض وإن يكن بمثله
فما درج عليه الناظم هنا نوع من أنواعها كما علمت وقوله وحكمه بعد يرد أي حكم
[ ٣ / ٢٢ ]
بيع المعاوضة فيه تفصيل يأتي بعد هذا البيت متصلًا به وحاصل صوره الآتية بين منطوق ومفهوم اثنتا عشرة صورة لأن العرض بالعرض أما يدا بيد وإما أن يتأخر أحدهما وإما أن يتأخرا معا فهذه ثلاث صور وفي كل واحدة منها إما أن يكون عرضا بعرض أو أكثر فهاته ست صور وفي كل من الصور الست إما أن يباع بجنسه أو بغير جنسه فهاتان صورتان يضربان في الستة ويحصل المطلوب وهو الاثنتا عشرة صورة أشار الناظم إلى أربعة بقوله
(فإن يكن مبيعها يدا بيد فإن ذاك جائز كيف انعقد)
يعني أن بيع العرض بالعرض إذا وقع على تعجيل العرضين فهو جائز مطلقا سواء بيع الجنس بجنسه واحد بواحد أو واحدا بأكثر فهاتان صورتان أو بيع الجنس بغير جنسه واحد بواحد أو واحد بأكثر أيضا فهاتان صورتان أخريان وإلى هذا الإطلاق أشار الناظم بقوله كيف انعقد ثم أشار إلى مفهوم قوله يدا بيد فقال
(وإن يكن مؤجلًا وتختلف أجناسه فما تفاضل أنف)
يعني أن عقد المعاوضة إذا وقع على تأخير أحد العرضين المختلفين بالجنس كبيع سرج بثوبين إلى أجل لا يمنع هذا معنى قوله فما تفاضل أنف وأجرى في الجواز صورة عدم التفاضل كواحد بواحد فهاتان صورتان وقوله فما الخ ما نافيه وتفاضل أي زيادة وانف بضم أوله أي منع وأشار إلى مفهوم يدا بيد أيضا مع مفهوم قوله وتختلف أجناسه فقال
(والجنس من ذاك بجنس لا مد ممتنع فيه تفاضل فقد
يعني أن العرض إذا أريد بيعه بجنسه على تأخير أحدهما وقبض الآخر فإنه يمتنع فيه التفاضل فقط هذا معنى قوله فقد وذلك كثوب حرير مثلا معجل بثوبين منه إلى أجل لأنه سلف بمنفعة وهو ممنوع وعكسه كبيع ثوبين من كتاب بثوب منه إلى
[ ٣ / ٢٣ ]
أجل لأنه ضمان بجعل فإن من دفع كثيرا ثم يأخذ أقل منه فقد ترك بعض ما دفع في مقابلة ذلك القليل في ضمان مشتريه إلى أجل والضمان إذا وقع يجعل ممنوع دون التماثل ووجه جوازه أنه سلف خالص لأنه أخذ مثل ما أعطى فهاتان صورتان يضمان إلى ما قبلهما يحصل بهما ثمان صور ويشمل مفهوم قوله يدا بيد أيضا أربع صور وهي بيع العرض بالعرض على تأخيرهما معا وهو ممنوع لابتداء الدين بالدين وسواء كانا من جنس واحد أو من جنسين وسواء وقع بينهما تفاضل أم لا فهذه أربع صور من ضرف اثنتين في اثنتين فإذا جمعت مع الثمانية المتقدمة كان الحاصل اثنتي عشرة صورة وهو المطلوب ثم استثنى من منع التفاضل في الجنس الواحد إذا كان لأجل الجنس الذي اختلفت منافع إفراده فقال
(إلا إذا تختلف المنافع)
فإنه غير ممتنع بل هو جائز كبيع سيف قاطع بسيفين دونه إلى أجل لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين والجنسان يجوز التفاضل بينهما كما مر وكما سيأتي في السلم وقوله
(وما لبيع قبل قبض مانع)
يعني أن من اشترى عرضا فإنه يجوز له أن يبيعه قبل قبضه وقبل أجله بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر أو بما شئت من الأثمان والآجال من غير بائعك وليس هو كالطعام في منع بيعه قبل قبضه إلا طعام العرض فإنه يجوز بيعه قبل قبضه كما يأتي وأما بيعه للبائع ففيه تفصيل أشار إليه الشيخ في الرسالة بقوله وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى جل دون الأجل الأول ولا بأكثر منه إلى أبعد من أجله وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة اه وستأتي هاته المسألة في الإقالة بأبسط من هذا عند قول الناظم ولا يقال حيث لم يأت أجل الأبيات الثلاثة ثم قال الناظم
[ ٣ / ٢٤ ]
(وبيع كل جائز بالمال على الحلول أو إلى الأجال)
يعني أنه يجوز بيع العروض كلها بالذهب والفضة على الحلول أو إلى أجل معين غير بعيدا جدا كما تقدم قال
(ومن يقلب ما يفيت شكله لم يضمن إلا حيث لم يؤذن له)
يعني إن من أخذ إناء من فخار أو زجاج ونحوهما أو دابة للتقليب فقط الإناء من يده فانكسر أو ماتت الدابة وقت الركوب من غير تفريط ولا عمد فلا ضمان عليه في ذلك حيث كان الأخذ بإذن المالك وإن أخذ ذلك بغير إذنه فقط الإناء وانكسر أو ماتت الدابة أو انكسرت أو تعيبت ضمن كما لو وقع الإناء من يده على إناء ءاخر فانكسر الأسفل فإنه يضمن أذن له في تقليب ما أخذه أو لم يؤذن له لأنه ولو كان خطأ فهو كالعمد في الضمان دون الإثم وقوله يفيت بضم أوله من أفات الرباعي وفاعله ضمير يعود على التقليب المفهوم من يقلب وشكله مفعول به ومعنى الإفاتة الإعدام قال
(والبيع جائز على أن ينتقد في موضع ءاخر إن حد الأمد)
يعني أنه يجوز البيع على شرط أن يدفع المشتري للبائع الثمن في موضع كذا غير الموضع الذي وقع فيه البيع إذا جعلا لذلك أجلا معلوما سيما البلد أولا فإن لم يضربا لذلك أجلا لم يجز سميا البلد أولا وقوله ينتقد بالبناء للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على الثمن المفهوم من البيع قال
(وبيع ما يجهل ذاتا بالرضى بالثمن البخس أو العالي مضى)
يعني أن المبيع إذا جهل اسمه المختص به الدال على حقيقته وسمي باسمه العام الذي يطلق عليه على وجه العموم مع العلم بشخصه كان يبيع إنسان أو يشتري حجرا معينا برخص ثم يتبين أنه ياقوتة مثلا فإنه يكون للمشتري لأنه يسمى حجرا ولا كلام للبائع عليه لتفريطه بعدم التثبت على المشهور وأولى إن لم يسمعه أصلا ولا فرق بين
[ ٣ / ٢٥ ]
حصول الجهل بالمعنى المذكور من المتبائعين أو من أحدهما مع علم الآخر كما يفيده نقل الحطاب فإن لم يكن المعقود عليه معلوما بشخصه كان البيع فاسدا من أصله أن كان على البت لأن من شرط المعقود عليه أن يكون معلوما كما مر وقوله يجهل بضم أوله وفتح ما قبل آخره مبني للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على ما الواقعة على المبيع وذاتا منصوب على التمييز المحول عن نائب الفاعل والتقدير تجهل ذاته ثم أشار إلى حكم بيع ما يسمى بغير اسمه لا من جهة العموم ولا من جهة الخصوص فقال
(وما يباع إنه ياقوته أو أنه زجاجة منحوته)
(ويظهر العكس بكل منهما جاز به قيام من تظلما)
يعني أن المبيع إذا سمي بغير اسمه كقول الرجل لآخر أبيعك هذه الياقوتة مثلا فتظهر زجاجة أو أبيعك هذه الزجاجة فتظهر ياقوته ولم يعلم بها البائع إلا بعد البيع فإن المشتري لا يلزمه الشراء في الأولى لأن البائع أما مدلس أن كتمه أو ظهر بالمبيع عيب ولا يلزم البائع البيع في الثانية (قال) الزرقاني نقلا عن السنهوري والفرق أن التسمية بغير اسمه مظنة الجهل فكان له الرج بل كان القياس أن لا يصح البيع، وأما التسمية باسمه العام فمظنة معرفته فلم تقبل دعواه خلافها إذ هو خلاف الغالب اه. (وقوله) جاز به قيام الخ أي جاز بسبب ظهور العكس قيام من تشكي منهما أنه مظلوم فإن ادعى عليه العلم فعليه اليمين ثم شرع يتكلم على القسم الثالث فقال
فصل في حكم بيع الطعام
يعني بالطعام إما بيعه بغيره فهو جائز حالا أو إلى أجل ما لم يبع قبل قبضه كما يأتي قريبا. واعلم أن مسائل هذا الفصل وإن انتشرت وتشعبت في غير هذا فمبناها على قاعدتين وجوب المماثلة والمنجزة مع اتحاد الجنس ووجوب المناجزة فقط مع اختلاف الجنس فالقمح والشعير والسلت الثلاثة جنس واحد على المشهور والتمر
[ ٣ / ٢٦ ]
والزبيب والسكر والبيض والسمن والألبان والخلول ولحوم الطير ودواب الماء ولحوم ذوات الأربع وإن وحشيا والفول والحمص واللوبيا والعدس والجلبانة والترمس والبسلة وتعرف بالمستورة عند قوم وبالقطانية الصفراء عند ءاخرين والعلس والأرز والدخن والذرة وهو الدرع أجناس وذو الزيت والزيوت والعسول أجناس ومصلح الطعام كملح وبصل وثوم وكزبرة وهي المعرةفة بالتأبل وكروياء وكمونين وحبة حلاوة وبسباس أجناس حكمها حكم الطعام فيما يحل ويحرم فهذه كلها لا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منها حالا أو إلى أجل وأما التفاضل بين الجنين فجائز إذا كان يدا بيد فالاتفاق في الجنس الواحد يدخله ربي الفضل والنساء والاختلاف بين الجنسين يدخله ربي النساء ولا يدخله ربي الفضل وأما الزعفران والخضر والفواكه كخوخ ومشمش وتفاح وعناب ورمان وبطيخ وقثاء وفستق وبندق ولوز وموز ونحوها فيجوز التفاضل ولو في الجنس الواحد منه يدا بيد والحاصل إنه إذا بيع طعام بطعم وكانا ربويين فإن اتحد جنسهم حرم فيهما التفاضل هو الزيادة والنساء وهو التأخير ولا يجوز بيع الجنس الواحد منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد وإن اختلف جنسهما حرم النساء فقط وأما التفاضل بينهما فهو جائز وإن كان الجنسان غير ربويين كالخضر والفوامه فاز الفضل ولو في الجنس الواحد منه كرطل من تفاح برطلين منه يدا بيد جائز ولا يجوز فيه النساء إذا علمت هذا سهل عليك فهم قول الناظم
(البيع للطعام بالطعام دون تناجز من الحرام)
يعني أن بيع الطعام بالطعام إذا كان فيه تأخير فإنه لا يجوز سواء بيع بجنسه أو بغير جنسه وسواء كان ربويا أو غير ربوي أو أحدهما ربوي والآخر غير ربوي (فرع) قال بعض الفاسيين يستثنى من ذلك هبة الثواب فإنه يجوز فيها التأخير وفي ابن العربي جواز الربا مطلقا في هبة الثواب ذكره عند قول الله تعالى الذين يأكلون الربا ثم قال
[ ٣ / ٢٧ ]
(والبيع للصنف بصنفه ورد مثلا بمثل مقتضى يدا بيد)
يعني أنه يجوز بيع طعام بطعام من جنسه مثلا بمثل يدا بيد لوروده عن النبي ﷺ كما في الصحيح البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هاته الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ومفهوم قوله بصنفه أنه مع اختلاف صنفه يجوز وهو معنى قوله الآتي وفي اختلاف الجنس بالإطلاق البيت ومفهوم قوله مثلا بمثل أنه يمنه فيه التفاضل وهو معنى قوله الآتي أيضا والجنس بالجنس تفاضلا منع الخ قال
(والبيع للطعام قل القبض ممتنع ما لم يكن من قرض)
يعني أن من اشترى طعاما ربويا أو غير ربوي على كيل أو وزن أن عدد لا يجوز له أن يبيعه قبل قبضه ولا المواعدة فيه فإذا وقع كان فاسدا تجري عليه أحكام البيع الفاسد أما إذا لم يشتره بأن اقترضه أو وهب له أو تصدق به عليه فإنه يجوز له بيعه قبل قبضه ممن اقترضه منه أو من الذي أعطاه إياه وحيث جاز البيع قبل القبض فيما ذكر فلا بد من تعجيل الثمن سواء باعه للمتبرع أو لأجنبي لئلا يؤدي إلى فسخ دين في دين أو بيع دين بدين (قال) الشيخ في الرسالة ومن ابتاع طعاما فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد بخلاف الجزاف وكذلك كل طعام أو أدام أو شراب إلا الماء وحده وما يكون من الأدوية والزراريع التي لا يعتصر منها زيت فلا يدخل ذلك فيما يحل ويحرم من بيع الطعام قبل قبضه أو التفاضل في الجنس الواحد منه ولا بأس ببيع طعام القرض قبل أن يستوفيه ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه اه (قال) الشيخ مياره ذكر الناظم هذا البيت خلال بيع الطعام بالطعام وما كان ينبغي له ذلك فلو قدمه أو أخره لكان أولى اه ثم رجع الناظم لإتمام بقية أقسام بيع الطعام مشيرا إلى مفهوم قوله مثلا بمثل كما مر في شرح البيت الثاني من أبيات الفصل فقال
[ ٣ / ٢٨ ]
(والجنس بالجنس تفاضلا منع حيث اقتياة وادخار يجتمع)
يعني أن الجنس إذا بيع بجنسه كقمح بقمح أو تمر بتمر على التفاضل وإن كان أحدهما أحسن من الآخر فإنه لا يجوز لاجتماع الاقتاة والادخار فيه اللذين هما علة الربى في الطعام والمراد بالاقتياة كونه للمعيشة التي تلزم الإنسان لا مطلق الأكل والإدخار هو أن يحبس مدة ستة أشهر فأكثر ولا يفسد ثم أشار إلى الجنس الذي اختل فيه القيدان وهما الاقتياة والادخار أو أحدهما فقال
(وغير مقتاة ولا مدخر يجوز مع تفاضل كالخضر)
يعني أن الطعام إذا كان غير ربوي وهو ما اختل فيه القيدان المذكوران أو أحدهما فإنه يجوز بيعه متفاضلا اتحد جنسه أو لا لكن مع التناجز كما مر وذلك كالخضر والبطيخ والمشمش ونحوها مما ليس بمقتاة ولا مدخر أو كان مقتاة غير مدخر كاللفت أو مدخرا غير مقتاة كاللوز والجوز ثم أشار إلى مفهوم قوله والبيع للصنف بصنفه الخ كما وقع التنبيه عليه سابقا فقال
(وفي اختلاف الجنس بالإطلاق جاز مع الإنجاز باتفاق)
يعني أن الجنس إذا بيع بغير جنسه فإن التفاضل بينهما جائز مطلقا سواء كان الجنسان ربويين أو غير ربويين أو أحدهما ربوي والآخر غير ربوي بشرط التناجز كما هو الموضوع وإنما ذكره زيادة بيان لأنه تقدم منع التأخير مطلقا قال
(وبيع معلوم بما قد جهلا من جنسه تزابن لن يقبلا)
يعني أن ما كان معلوم القدر بوزن أو كيل أو عدد لا يجوز بيعه بشيء من جنسه مجهول القدر كما لا يجوز بيع جزاف من حب بجزاف حب من جنسه لأنه من بيع المزابنة وهو غير مقبول عند العلماء لما في صحيح مسلم نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وهي بيع العنب بالزبيب كيلا اه والمزابنة من الزبن وهو الدفع
[ ٣ / ٢٩ ]
لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه ويغالبه واحترز بقوله من جنسه عن بيع جنس بجنس آخر فلا شك في جوازه بشرط المناجزة إذ لا مزابنة بين الجنسين لقوله ﷺ فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ثم قام يتكلم على القسم الرابع المشتمل على بقية الربويات لقول صاحب المختصر وحرم في نقد وطعام ربي فضل ونساء فقال
فصل في بيع النقدين والحلي وشبهه
أي هذا فصل في بيع الذهب والفضة وما صيغ منهما والمحلى بهما وتعريف الصرف والمراطلة والمبادلة وشروطها وبدا بالصرف فقال
(والصرف أخذ فضة في ذهب أو عكسه فما تفاضل ابي)
(والجنس بالجنس هو المراطله بالوزن أو بالعد فالمبادلة)
(والشرط في الصرف تناجز فقط ومعه المثل بثان يشترط)
يعني أن بيع أحد النقدين بالآخر كبيع ذهب بفضة وبالعكس يسمى صرفا ويجوز فيه التفاضل وإليه الإشارة بقوله وما تفاضل أبي أي لا يمنع التفاضل في بيع أحدهما بالآخر بشرط المناجزة كما قال والشرط في الصرف تناجز فقط أما إذا بيع أحد النقدين بجنسه كذهب بذهب وفضة بفضة فإن كان بالوزن سمي مراطلة فيشمل الحلي والمسكوم وغيرهما وإن كان بالعدد سمي مبادلة ويشترط في جوازهما شرطان أحدهما التماثل فلا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة متفاضلا إلا مثل بمثل كما تقدم وثانيهما التناجز فلا يجوز في ذلك التأخير وأشار الناظم إلى هذين الشرطين بقوله ومعه المثل بثان يشترط أي ويشترط مع التناجز التماثل في القسم الثاني الذي هو بيع الجنس بجنسه فضمير معه يعود على التناجز وباء بثان بمعنى في (تنبيه) الحل المذكور
[ ٣ / ٣٠ ]
في الترجمة داخل في ضمن المراطلة وعليه فلا يقال ترجم لشيء ولم يذكره (فائدة) ماسك من النحاس ونحوه كالفلوس هل يجري مجرى العين فيما يحل ويحرم لأنه صار ثمنا يتعامل به كما يتعامل بالنقدين أو يجري مجرى العرض الذي هو أصله فيباع متفاضلا وإلى أجل في ذلك قولان مبنيان على الخلاف في علة الربي في النقود فقيل غلبة الثمينة وقيل مطلق الثمينة فعلى الأول تخرج الفلوس فلا تكون ربوية وعلى الثاني فلا تخرج وتكون ربوية قال الشيخ الأمير المعتمد فيبيعها إلى أجل الكراهة والله أعلم قال الناظم.
(وبيع ما حلى مما اتخذا بغير جنسه بنقد نفذا)
(وكل ما الفضة فيه والذهب فالبعروض البيع إذ ذاك وججب)
يعني أن المجلي بأحد النقدين إذا ككان اتخاذه جائرا كالسيف للرجل والثوب للمرأة والمصحف لهما فإنه يجوز بيعه بغير جنس حليته فإذا حلي بذهب جاز بيعه بفضة وإذا حلي بفضة جاز بيعه بذهب بشرط تعجيل الثمن أما إذا بيع بالعرض فإنه يجوز بيعه نقدا أو إلى أجل كما مر وفهم من قوله مما اتخذا أن ما لا يجوز اتخاذه كالمنطقة للرجل وتحلية مكحلة كحل المرأة وتحلية كرسي أو سرير لرجل أو امرأة لا يجوز بيعه وهو كذلك إلا لمن ينزع منه ذلك ليسكبه وفهم من قوله بغير جنسه أن بيعه بجتس الحلية لا يجوز وهو كذلك إلا إذا كانت الحلية غير مقصودة بان كانت تابعة للمحلي فإنه يجوز بيعه مع تعجيل الثمن أما الحلي المركب من الذهب والفضة فلا يباع إلا بالعروض كالشيء المحلي بهما معا فإنه لا يباع إلا بالعروض ونحوها ما لم يكن مجموعهما تبعا للجوهر وإلا جاز بيعه بأحد النقدين حالا هذا كله إذا كانت الحلية مسمرة أو منسوجة يكون في نزعها فساد أما إذا كانت غير مسمرة ولا منسوجة فإن كانت في عقد جوهر أو عنبر مثلا فإن تلك القطع تنزع ويباع كل واحد بما يجوز بيعه به وألف اتخذا ونفذا بتشديد الفاء المبنيين للنائب للإطلاق ونائب فاعل اتخذا ضمير
[ ٣ / ٣١ ]
يعود على ما حلي ونائب فاعل ننفذ ضمير يعود على قوله وبيع ومعنى نفذ مضى وبعبارة أخرى إن ما حلي بأحد النقدين يجوز بيع بشروط ثلاثة أن يكون اتخاذه جائزا وأن يباع بغير جنس الحلية وأن يكون بالنقد والحلول ثم شرع في بيان القسم الخامس فقال
فصل في بيع الثمار وما يلحق بها
أي بالثمار والذي يلحق بها هو المقائي والخضر ونحوهما مما سيذكر وقوله
(بيع الثمار والمقاثي والخضر .. بدو الصلاح فيه شرط معتبر)
يعني أنه يشترط بدو الصلاح في جواز بيع الثمار كالتمر والزبيب والتفاح والحبوب كالقمح والفول والزيتون والمقاثي كالبطيخ والفقوس والخضر والبقول والنوار كالورد والياسمين إذا أريد بيعها جزافا بالخرص على رؤوس الشجر أو في فدادينها وأحواضها على أن تؤخذ دفعة واحدة أو شيئا فشيئا فإذا بدا صلاحهما جاز بيعها وإلا فلا، وبدو الصلاح في البلح اصفراره أو احمراره ويقوم مقام اللون ظهور الحلاوة في البلح الخضراوي وفي العنب ونحوه ظهور الحلاوة ولو في نخلة واحدة أو شجرة واحدة ما لم تكن باكورة جدا بحيث تنقطع ثمرتها قبل بدو صلاح جنسها فإن كانت كذلك يبعث بانفرادها وبدو الصلاح في القمح ونحوه التهيؤ لليبس وفي الزيتون تلون لونه للسواد أو صلاحيته للتلميح كالزيتون الذي لا زيت فيه وفي البطيخ الاصفرار وفي نحو الفقوس صلاحيته للأكل وفي الخضر والبقول استقلال ورقها وكمالها بحيث يحصل الانتفاع بها إذا أخذت من أحواضها وسيأتي هذا عند قول الناظم وغائب في الأرض لا يباع البيت وفي النور ظهور انفتاحه فإذا كان المبيع يطرح بطونا فإن كانت لا تتميز كالياسمين والمقاثي كافقوس فللمشتري جميع البطون ولو لم يشترط ذلك لأنه لا يجوز شراء ما تطرحه المقثاة مدة كنصف شهر لعدم ضبط ذلك وسيأتي هذا
[ ٣ / ٣٢ ]
عند قوله ولا يجوز في الثمار الأجل البيت وأما ما تتميز بطونه بأن تتقطع البطن ثم تخلفها أخرى كالتفاخ فحكمه أن تباع كل بطن بانفرادها ولا يكفي في جواز بيع البطن الثانية بدو صلاح البطن الأولى لوجود الانفصال وقوله بضم أوله وسكون الثاني ثم صرح بمفهوم الشرط فقال
(وحيث لم يبد صلاحها امتنع ما لم يكن بالشرط للقطع وقع)
يعني أن الثمار والحبوب والمقاثي والخضر وما ذكر معها إذا لم يظهر سلاحها امتنع بيعها إلا مع أصلها أو ألحقت به كما تقدم أو على شرط أن تقطع في الحال أو قريبا منه بحيث لا تدخر إلى الزمان الذي تزيد فيه فيجوز البيع ويقع لاكن بشروط ثلاثة (الأول) أن ينتفع بها في الحين كالحصرم والفول الأخضر والبلح الحلو والقصيل (الثاني) أن تدعو إليه حاجة المتبائعين أو أحدهما (الثالث) أن لا يتفق أهل البلد على القطع لأنه من أعظم المفاسد فإذا اشترط بقاؤها أو وقع الإطلاق من غير بيان جذها ولا تبقيتها فلا يصح بيعها وضمان الثمرة من البائع ما دامت لم تجذ فإن جذها المشتري رطبا رد قيمتها وإذا جذها تمرا رده بعينه إن كان باقيا وإلا رد مثله أن علم وإلا رد قيمته هذا إذا اشتراها على التبقية وإذا اشتراها على الإطلاق فإنه إذا جذها يمضي بالثممن على قاعدة المختلف فيه قاله البناني وقول الناظم امتنع ووقع مبنيان للفاعل وضميرهما يعود على البيع ثم قال
(وخلقة القصيل ملكها حري لبائع إلا بشرط المشتري)
يعني أن من باع قصيلا وأن بطعام أو إلى أجل لا يتحبب فيه وقت الجذ أو لرعي غنم وخلف خلفة بعد ذلك فإنها تكون للبائع ولا حق للمشتري فيها وإنما له الجذة الأولى إلا أن يشترطها المشتري فتكون له بشروط أربعة أن تكون مأمونة الربي بسقو بغير مطر وأن يشترط جميعها وأن لا يشترط ترك الأصل حتى يحبب وأن يبلغ الأصل حين الشراء حد الانتفاع به. تنبيهان (الأول) إذا ترك الفصيل حتى
[ ٣ / ٣٣ ]
حبب فإن العقد لا يفسخ على ما ارتضاه ابن يونس إذا آخره صاحبه للاستغلال اه مواق (الثاني) من باع قصب فول ثم نزل عليه المطر واخضر واخرج الحب فإن غلته تكون للبائع والبيع في هذه ينفسخ ويرد الثمن للمشتري إن قبضه كذا في نوازل البيوع من المعيار قال
(ولا يجوز في الثمار الأجل إلا بما إثماره متصل)
يعني أن الثمار والمقاثي ونحوها لا يجوز بيعها إلى أجل كان يبيع ما تطعمه المقثاة شهر أو يبيع ما يؤكل رطبا من التمر أو التين عشرة أيام لاختلاف أحوالها كثرة وقلة إلا الثمر الذي لا ينقطع عن أشجاره كالموز فلا بد فيه من ضرب الأجل لاستمرار إطعامه السنين العديدة قال
(وغائب في الأرض لا يباع إلا إذا يحصل الانتفاع)
يعني أنه لا يجوز بيع الخضر والبقول الغائبة في الأرض كالجزر أس السفنارية والبصل والثوم والفجل واللفت ونحوها إلا إذا يحصل الانتفاع بها فإنه يجوز وهذا هو بدو صلاحهما كما مر قال
(وجائز في ذاك أن يستثنى أكثر من نصف له أو أدنى)
(ودون ثلث أن يكن ما استثنى بعدد أو كيل أو بوزن)
يعني يجوز لمن باع ثمارا وما ذكر معه أن يستثني جزءا شائعا منه قليلا كان أو كثيرا أما إذا كان ما اسثناه كيلا أو وزنا أو عددا فإن كان دون الثلث جاز وإلا فلا وظاهر النظم أن قدر الثلث من الكثير فلا يجوز استثناؤه وليس كذلك بل هو من القليل الذي يجوز استثناؤه ولا فرق في جواز الثلث فأقل بين أن تكون الثمرة بسرا أو رطبا أو تمرا وقوله يستثنى بفتح أوله فيه ضمير يعود على البائع وضمير استثنى بضم التاء يعود على ما الموصولة الواقعة على الثمار قال
[ ٣ / ٣٤ ]
(وإن يكن لثمرات عينا فمطلقا يسوغ ما تعينا)
يعني أن البائع يجوز له أن يستثنس ثمر شجرات بأعيانها من جنانه مطلقا قلت ثمرتها أو كثرت فإن لم يعين شجرا جاز أيضا بشرط أن يكون ما يختاره من الشجر فيه قدر الثلث كيلا وألف علينا وتعينا المبنيين للفاعل للأطلاق قال
(وفي عصير الكرم يشتري بالذهب أو فضة أخذ الطعم يجتنب)
يعني أن من باع عصير عنه بذهب أو فضة مثلا إلى أجل فلا يجوز له أن يأخذ عن ثمنه طعاما والحق به لما في ذلك من أخذ الطعام عن ثمن الطعام وهو ممنوع اتفاقا وإنما كان كذلك نظرا إلى لغو الثمن وعدم اعتباره سدا للذرائع كمسئلة بيوع الآجال المتقدمة المبنية على لغو الوسط ومحل المنع إذا لم يكن الذي أخذه مثل الذي باعه به في القدر والصفة وإلا جاز ويكون من قبيل الإقالة ولا مفهوم لقوله عصير الكرم بل كل طعام والحق به أو شراب كذلك لا يجوز أن يؤخذ عن ثمنه طعام أو أدام أو خضر ونحوها لا قبل الأجل ولا بعده ولهذا جاز أخذ الماء عنه لأنه ليس بربوي ثم قال
فصل في الجائحة في ذلك
أي في الثمار وما الحق به وقد تعرض الناظم إلى تعريفها والأمور التي تحصل بها والقدر الذي يكون جائحة حتى يوضع عن المشتري فقال
(وكل ما لا يستطاع الدفع له جائحة مثل الرياح المرسلة)
(والجيش معدود من الجوائح كفتنة وكالعدو الكاشح)
يعني أن الجائحة عبارة عن كل ما لا يستطاع رده كالرياح الشديدة والجيش يمر بالنخل ونحوه والفتنة بين أهل القرى ونحوهم والعدو الكاشح أي المضمر للعداوة يمنع المشتري من الوصول إليها والمطر الغالب والثلج والبرد بفتح الراء المعروف
[ ٣ / ٣٥ ]
بالحجر والسموم بشدة الحر أو الجليد والنار والغرق والدود وتعفن الثمرة في الشجرة بالمن والجراد والعطش ونحوها من كل ما لا قدرة للإنسان على رده وفهم منه أن ما يستطاع دفعه كالسارق ليس بجائحة وهو كذلك على المشهور ثم أشار إلى بيان القدر الذي يكون جائحة على تفصيل فيه فقال
(فإن يكن من عطش ما اتفقا فالوضع للثمن فيه مطلقا)
(وإن يكن من غيره ففي الثمر ما بلغ الثلث فاعلي المعتبر)
(وفي البقول الوضع في الكثير وفي الذي قل على المشهور)
(والحقوا نوع المقاثي بالثمر هنا وما كالياسمين والجزر)
(والقصب الحلو به قولان كورق التوت هما سيان)
الأبيات الخمس يعني أن الجائحة إذا كانت من عطش بسبب انقطاع الماء رجع المشتري بها على البائع مطلقا قليلا كان المجاح أو كثيرا في الثمار وغيرها وإن كانت من غير العطش ففي الثمار وما الحق بها مما ذكره الناظم في البيت الرابع وكذلك المقاثي من بطيخ وفقوس وباذنجان ونحوها جائحته قدر الثلث فأكثر فيوضع عن المشتري قدره وفي البقول كاللفت والسلق والبصل ونحوها يوضع عن المشتري ما أصابته الجائحة قليلا كان أو كثيرا وفي قصب السكر وورق التوت خلاف قيل يلحقان بالثمار فلا جائحة فيهما إلا إذا بلغ المجاح الثلث فأكثر وقيل يلحقان بالبقول فيوضع عن المشتري ما أحبيح قل أو كثر فهما قولان متساويات يرجح أحدهما على الآخر العرف عند أصحاب الأجنات والمزارع وفي قصب السكر قول ثالث وهو أن لا جائحة فيه وهو المشهور لأنه إنما يباع بعد طيبه بظهور الحلاوة. وقوله في البيت الأول ما اتفقا أي الذي وقع ونزل من الجائحة والباء من به في البيت الآخير بمعنى في وقوله الثلث بكون اللام قال
(وكلها البائع ضامن لها إن كان ما أجيح قبل اه انتها)
[ ٣ / ٣٦ ]
يعني أن الثمار وما ذكر معها كلها في ضمان بائعها فيرجع المشتري عليه بجائحتها إذا احبيحت قبل انتهاء طيبها ومفهومه أنا إذا احبيحت بعد انتهاء طيبها فلا يرجع المشتري على البائع بما احبيح لخروجه من ضمانه وإن لم يمض من الزمن ما يمكن قطعها فيه وفي هذا المفهوم أقوال وأبحاث يطول سردها والذي استظهره الزرقاني ومثله في الخرشي ورجح الرهوني أنها لا تدخل في ضمان المشتري إلا إذا مضى ما يمكن جذها فيه عادة والله أعلن ثم شرع في بيان القسم السادس من أقسام البيوع فقال
فصل في بيع الرقيق وسائر الحيوان
خصص الرقيق بالذكر وعطف بقية الحيوان عليه لأنه له أحكامه تخصه ولشرفه من حيث الإنسانية فلهذا قدمه الناظم عليها فقال
(بيع الرقيق أصله السلامة وحيث لم تذكر فلا ملامه)
(وهو مبيح للقيام عندما يوجد عيب بالنبيع قدما)
يعني أن الأصل في بيع الرقيق السلامة من العيوب كلها ظاهرها وخفيها الآتي بيانها فإن وقع التنصيص في العقد على السلامة منها فالأمر واضح وللمشتري حينئذ أن يقوم بكل عيب قديم يجده فيه على التفصيل الآتي وإن لم يقع التنصيص على السلامة بأن لم تذكر في الرسم إما لعدم الشرط أو لغفلة الكاتب فإن ذلك لا يضر المشتري ولا ملامة عليه في عدم اشتراطها وله أن يقوم أيضا بكل عيب كذلك لأن البيع محمول عليها استصحابا للأصل وحمل قيام المشتري على البائع في صورة السكوت ما لم يشترط عليه البائع البراءة من العيوب وإلا فلا قيام له إلا أن يثبت علم البائع بالعيب حين العقد ولم يبينه له فله القيام عليه لأنه مدلس كما يأتي ذكره وقوله وهو الضمير يعود على بيع الرقيق الذي أصله السلامة وقوله قدما بضم الدال وألفه للإطلاق قال
(والعيب أما ذو تعلق حصل ثبوته فيما يباع كالشلل)
[ ٣ / ٣٧ ]
(أو ما له تعلق لاكنه منتقل عنه كمثل الجنة)
(أو بائن كالزوج والأباق فالرد في الجميع بالإطلاق)
(إلا بأول بما منه ظهر لمن يكون بالعيوب ذا بصر)
(والخلف في الخفي منه والحلف يلزم إلا مع تدين عرف)
يعني أن عيوب الرقيق ترجع إلى ثلاثة أقسام (الأول) أن يكون العيب متعلقا به تعلقا ثبوتيا لا ينتقل عنه بحال كالشلل والقطع ونحوهما (والثاني) أن يكون متعلقا به لاكنه ينتقل عنه في بعض الأحيان كالجنون والبول في الفراش (والثالث) أن يكون بائنا عنه كالسرقة والاباق والتزوج ونحو ذلك فمن اشترى رقيقا فوجد به عيبا قديما من القسم الثاني أو الثالث فله الرد به إذا ثبت قدمه قبل العقد مطلقا كان المشتري عارفا بالعيوب أو غير عارف بها كما أن غير العارف له الرد بعيون القسم الأول كان العيب ظاهرا أو خفيا وأما العارف لا رد له بما كان منه ظاهرا لأنه محمول على العلم به والإطلاع عليه وأما الخفي ففي رجوع العارف به وعدم رجوعه قولان أحدهما أنه لا رد له والثاني أن له رده بعد أن يحلف ما وراءه ما لم يكن مع معرفته من أهل الصلاح وغلا فله الرد بالعيب الظاهر والخفي بدون يمين، وقوله أو ما لم تعلق ما واقعة على عيب لا نافيه وقوله الجنة بكسر الجيم وضمير عنه في البيت الثاني يعود على المبيع وضمير منه في الموضعين يعود على القسم الأول من العيوب وقوله
(وحيث لا يثبت في العيب القدم كان على البائع في ذاك القسم)
(وهو على العلم بما يخفى وفي غير الخفي الحلف بالبت اقتفى)
(وفي نكول بائع من اشترى يحلف والحلف على ما قررا)
يعني أن المتبايعين إذا اختلفا في قدم العيب وحدوثه ولم تقم لواحد منهما بينة ولم
[ ٣ / ٣٨ ]
يوجد هناك عارف بالعيوب كما يأتي عند قوله ويثبت العيوب أهل المعرفة الخ فالقول للبائع في حدوثه عند المشتري مع اليمين على البت بأن يقول بالله الذي لا إله إلا هو لقد بعته وما هو به إذا كان العيب ظاهرا كالعمى وإذا كان خفيا كالسرقة والبول في الفراش فتكون يمينه على نفي العلم فيحلف ما علمته حدث عندي فإن نكل عن اليمين حلف المشتري على البت في العيب الظاهر بأنه قديم وعلى نفي العلم في الخفي بأنه لا يعلمه حدث عنده وبه جرى العمل وكان له بعد الحلف الرد فإن نكل عن اليمين لزمه البيع وقوله والحلف بسكون اللام في الموضعين مع جواز فتح الحاء المهملة وكسرها (تنبيهات الأول) لا خصوصية للرقيق في هذا الحكم بل غيره من الحيوان والعرض كذلك (الثاني) إذا حلف البائع ثم وجد المبتاع بينة لم يكن علم بها فله القيام وإن علم بالبينة واستحلفه ورضي باليمين فلا حق له ولو اشكل ذلك من علمه وجهله لأنه أمر باطني لا يظهر إلا بما بدل عليه حلف ما علم بها ثم قضى له ببينته كذا في ابن راشد (الثالث) من ابتاع حيوانا وبقي عليه شيء من ثمنه فاطلع على عيب به وقام ليرده فقال له البائع ادفع ما بقي لي وأحاكمك فيه فينظر فإن كان العيب ظاهرا لا طول للقيام به فلا يدفع له الباقي حتى يحاكمه وإن كان خفيا فيه طول فقولان اه تولي (قلت) الأنسب وضع الباقي تحت يد أمين أو يدفعه له بضامن ويحاكمه (الرابع) من اشترى شيئا فوجد به عيبا فطلب من البائع الإقالة فأبى أن يقيله ثم أراد أن يقوم عليه بالعيب فله ذلك ويحلف ما كان منه ذلك رضي بالعيب ويرده فإن نكل عن اليمين لزمه ولا ترد هذه اليمين لأنها يمين تهمة وقوله
(وليس في صغيرة مواضعه ولا لوخش حيث لا مجامعه)
(ولا يجوز شرط تعجيل الثمن وإن يكن ذاك بطوع فحسن).
يعني أن من اشترى أمة صغيرة لا تطيق الوطء كبنت ثمان سنين أوتطيقه لاكنها
[ ٣ / ٣٩ ]
وخش ولم يعترف سيدها بوطئها فلا مواضعة فيهما بالقضاء ومفهومه إنها إذا كانت عليه وهي التي تراد للفراش في الغالب وحبت مواضعتها أقر البائع بوطئها أولا كان البائع ممن يتأتى منه الوطء أول لا أو كانت وخشا وأقر البائع بوطئها فتوضع عند امرأة أمينة أو رجل ثقة له أهل حتى تعرف براءة رحمها من الحمل بحيضة واحدة إن كانت ممن تحيض أو بثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض وإنما وجبت المواضعة لدفع الغرر وحفظ الأنساب فإن ظهر بها حمل زمن المواضعة كان عيبا ولو في الوخش ويخير المشتري في ردها والتماسك بها إن كان الحمل من غير السيد وإن كان منه فهي أم لود يفسخ بيعها لأنها حرة في المستقبل. ولا يجوز اشتراط تعجيل الثمن في التي تجب مواضعتها بالقضاء لتردده بين السلف إن ظهر بها حمل والثمن إن لم يظهر بها حمل فإن وقع اشتراط الثمن فسد البيع أما إذا وقع تعجيله بعد العقد تطوعا فهو جائز حسن لا مكروه، وإن كانت المواضعة واجبة بدون قضاء في الأمة الوخش التي لم يقر البائع بوطئها فإن المشتري لا يجوز له أن يطأها إلا بعد استبرائها احتياطا منه ويقال فيه الاستبراء المجرد ويجوز فيه اشتراط النقد كالتي لا مواضعة فيها أصلا والله أعلم ثم قال
(والبيع مع براءة إن نصت على الأصح بالرقيق اختصت)
(والفسخ إن عيب بدا من حكمه مع اعتراف أو ثبوت علمه).
(ويحلف البائع مع جهل الخفي بالعلم والظاهر بالبت حفي)
(وحيثما نكوله تبد به المبيع لا اليمين ردا)
(وبعضهم فيها الجواز أطلقا وشرطها مكث بملك مطلقا)
يعني أن البيع على البراءة جائز في الرقيق فقط على القول الأصح بشرطين عدم علم البائع بعيبه وطول إقامته عنده قدر ستة أشهر فأكثر فإذا وجد الشركان المذكورات
[ ٣ / ٤٠ ]
جاز لمالكه أن يبيعه ويتبرأ من عيوبه بأن يشترط على مشتريه عدم رده عليه بعيب يظهر به كاباق وسرقة نحوهما فإن وقع البيع على البراءة بشرطها فلا قيام للمشتري على البائع بعيب قديم يجده فيه إلا إذا علمه وثبت عليه ذلك أما باعترافه وأما ببينة شهدت عليه بذلك فيكون الفسخ حكمه فإن لم يكن إقرار ولا بينه وادعى المشتري على البائع بأنه عالم بقدم العيب وكتمه وادعى البائع بأنه يجهل ذلك حلف على نفي العلم في العيب الخفي وعلى البت في العيب الظاهر وهذا التفصيل الذي درج عليه الناظم ضعيف والمعتمد أنه يحلف على نفي العلم مطلقا كان العيب ظاهرا أو خفيا فإن نكل عن اليمين رد البيع وأما اليمين فإنها لا ترد على المشتري إذا قبلها البائع عليه لأنها يمين تهمة. وإن لم تطل إقامته عنده فإن باعه على البراءة بفور ملكه فإنها لا تنفعه على المشهور، وقوله أن نصت فإن لم يقع التنصيص على البراءة فلا يعمل بها كما تقدم. وأشار إلى مقابل الأصح بقوله وبعضهم فيها الجواز إطلاقا ومعنى الإطلاق أنها تصح في كل مبيع وقال بعضهم أنها لا تجوز في شيء وفي الموطأ أنها جائزة في الحيوان مطلقا ففي بيع البراءة أربعة أقوال أصحها الاختصاص ببيع الرقيق إلا فيما يبيعه الحاكم أو الورثة على خلاف فيه كما يأتي في مسائل فصل من أحكام البيع. وقوله والفسخ أن عيب بدا من حكمه فالفسخ مبتدأ ومن حكمه متعلق بمحذوف خبره وضمير حكمه يعود على بيع البراءة وجملة أن عيب بدا شرط وجوابه محذوف والتقدير إن ظهر عيب بالرقيق المبيع على البراءة فالفسخ كائن من حكم البيع على شرط البراءة وباء بالعلم بمعنى وقوله والظاهر مبتدأ وجملة حفي بالحاء المهملة بالبناء للنائب خبره ومعنى حفي استخرج ونائب فاعله ضمير يعوج على حلف البائع وقوله رد بالبناء للنائب وقوله الجوزا بالنصب مفعول مقدم باطلقا وألف تبدا وردا وأطلقا للإطلاق وقوله مكث بملك مطلقا أي سواء اختصت البراءة بالرقيق أم لا قال
(واليوم واليومان في المركوب وشبهه استثنى للركوب)
يعني أنه يجوز لمن باع حيوانا للركوب أو للحرث أن يتثني ركوبه أو العمل به في
[ ٣ / ٤١ ]
حرث ونحوه اليوم واليومين ويكره ما زاد على ذلك ويمنع ما كثر كالجمعة وضمانه من المبتاع إذا تلف فيما يجوز استثناؤه ومن البائع فيما لا يجوز ما لم يقبضه المبتاع وإلا فالضمان منه ولو قبل مدة الشرط لأنه بيع فاسد ينتقل ضمانه بالقبض وضمير شبهه يعود على المركوب وعوده على اليومين فيه بعد قال
(ولم يجز في الحيوان كله شراؤه على اشتراط حمله)
يعني أنه لا يجوز شراء الحيوان كله على شرط حمله لأن البائع كأنه أخذ جنينه ثمنا حين باعه بشرط الحمل ولو كان ظاهرا لأنه غرر لجواز انقشاشه هذا في غير الأمة العلية وأما الأمة العلية فإنه يجوز للبائع أن يذكر للمشتري حملها ويشترطه عليه ليتبرأ منه ولم يستثنها الناظم لأن الكلام على الحمل الذي يزاد الثمن لأجله فيكون ممنوعا لما ذكر لا ما كان على وجه التبري لئلا يقع الرجوع عليه. ولما كان كلامه في هذا البيت يتضمن عدم جواز بيع ما فيه غرر على ما هو معلوم وكان بعض الأشياء التي تباع بها شيء يقال أنه من الغرر مع أنه ليس منه كالحامل التي قرب وضع حملها والمرض الذي لم يبلغ السياق والعبد الآبق الذي علم موضعه رفع ذلك القيل لضعفه بقوله
(وذات حمل قد تدانى وضعها لم يمتنع على الأصح بيعها)
(كذا المريض في سوق السياق .. يصح بيعه على الإطلاق)
(والعبد في الآباق مع علم محل قراره مما ابتياع فيه حل)
(والبائع الضامن حتى يقبضا وإن تقع إقالة لا ترتضي)
يعني أنه يجوز بيع الحامل التي قرب وضع حملها لأن الغالب فيها السلامة من العطب والموت في القول الأصح وكذا يجوز بيع المريض حيث لم يشرف على الموت وإلا فلا يجوز بيعه مطلقا كان مأكول اللحم أولا لأنه لا ينتفع به وأنه يجوز بيع العبد الآبق الذي عرف محله وهو في ضمان البائع وعهدته حتى يقبضه المشتري وقوله
[ ٣ / ٤٢ ]
(وإن تقع إقالة لا ترتضي) يعني أن الإقالة في بيع الغائب غير جائزة مطلقا سواء كان رقيقا مثل العبد الآبق المذكور أو غيره لأنه من باب الدين بالدين وبيانه أن الثمن قد ثبت على المشتري فلا يجوز أن يصير فيه شيئا غائبا لا ينجز قبضه ولهذا يجوز بيعه لغيره إذا لم ينتقد وقوله قراره بالجر مضاف إليه ويقبضا وترتضي مبنيان للنائب قال
(وامتنع التفريق للصغار من أمهم إلا مع الأثغار)
(ثم بالإجبار على الجمع القضا والخلف إن يكن من الأم الرضى)
يعني أنه لا يجوز للسيد أن يفرق بين أمته وولدها يبيع ونحوه بأن يبيع أحدهما ويحبس الآخر أو يبيع الأمة لرجل والولد لرجل آخر ما دام الولد صغيرا لم يثغر والإثغار نبات وواضعه بعد سقوطها وإذا وقع التفريق بينهما فإن المتابعين يجبران على جمعهما في ملك واحد وإن امتنعا من ذلك فسخ العقد ولو رضيت الأم بالتفريق على المشهور من الخلاف والأصل فيما ذكره الناظم وغيره قوله ﷺ من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة الحديث وأما الحيوان البهيمي فتجوز فيه التفرقة على ظاهر المذهب وقيل لا تجوز فيه التفرقة حتى يستغني عن الرضاع بالرعي ثم قال
(والحمل عيب قيل بالإطلاق وقيل في علية ذي استرقاق)
(والافتضاض في سوى الوخش الدني عيب لها مؤثر في الثمن)
(والحمل لا يثبت في أقل من ثلاثة من الشهور فاستبن)
(ولا تحرك له يثبت في ما دون عدة الوفاة فاعرف)
فقوله والحمل عيب البيتين الأولين يعني أن من اشترى أمة فوجدها حاملا فله ردها لأنه عيب من جملة عيوب الرقيق وسواء كانت عليه أو وخشا وقيل إنما الحمل عيب في العلية دون الوخش والراجح الأول ولهذا قدمه وحكى الناني بقيل وإن من
[ ٣ / ٤٣ ]
اشترى بكرا عذراء فوجدها ثيبا فهو عيب في العلية ترد به وإن كانت صغيرة لأنه ينقص من ثمنها دون الوخش لأنها لا تراد إلا للخدمة فليست الثيوبة عيبا فيها (وقوله) والحمل لا بثبت في أقل البيتين الآخيرين يعني أن حمل الآدمي الذي هو عيب في الرقيق لا يثبت في أقل من ثلاثة أشهر ولا يتحرك تحركا بينا يصح القطع على تحركه في اقل من أربعة أشهر وعشر فإذا شهدت امراتان عدلتان عارفتان أن بها حملا بينا لا تشكان فيه من غير تحريك ردت الأمة فيما دون ثلاثة أشهر ولا ترد فيما زاد على ذلك لاحتمال كونه حادثا عند المشتري وإذا شهدتا أن بها حملا يتحرك ردت فيما دون أربعة أشهر وعشر ولم ترد فيما زاد على ذلك لاحتمال كونه حادثا فإن ردت ثم وجد ذلك الحمل باطلا لم ترد إلى المشتري إذ لعلها أسقطته كذا في الحطاب وقول الناظم عليه بكسر العين وسكون اللام جمع عليه بفتح العين وكسر اللام وقوله
(ويثبت العيوب أهل المعرفة بها ولا ينظر فيهم لصفه)
يعني أن العيوب كلها سواء كانت في الرقيق أو في غيره إذا وقع النزاع فيها بين المتداعبين فلا يثبتها إلا أهل المعرفة بها ولا ينظر فيهم إلى صفة العدالة عند التعذر قال الشيخ خليل وقبل للتعذر غير عدول وإن مشركين اه والواحد كاف لأنه من باب الخبر لا من باب الشهادة والاثنان أحوط خصوصا في هذا الزمن بل هو المتعين والحاصل إن كل من وجهه القاضي من عنده فأخبره بوجود عيب أو بقدمه أو حدوثه ميتا كان المبيع أو حيا فخبره كاف في ذلك ويحكم القاضي فيه بلا يمين ولو كانت امرأة أو فاسقا أو كافرا حيث لم يوجد عدل أو مسلم أو متعدد وقوله ويثبت بضم أوله من أثبت والعيوب بالنصب مفعول به مقدم وأهل المعرفة فاعل مؤخر ثم قال
فصل
أفرده الناظم وإن كان من متعلقات بيع الحيوان لما في مسائله من التفصيل والخلاف وإليه أشار بقوله
[ ٣ / ٤٤ ]
(واتفقوا أن كلاب الماشيه يجوز بيعها ككلب الباديه)
(وعندهم قولان في ابتياع كلاب الاصطياد والسباع)
يعني أن العلماء اتفقوا على جواز بيع الكلاب التي تتخذ لحراسة الماشية وحفظها من السارق والسبع ونحوهما كما يجوز بيع كلب أهل البادية والقرى المتخذ لحراسة أمتعتهم ودورهم وبساتينهم ليلا ونهارا وفي منع بيع كلاب الصيد وسباعه كالفهم وجوازه قولان مشهوران والراجح منهما الأول وانتقد على الناظم في عزو الاتفاق لأهل المذهب مع وجود الخلاف في الجميع ولعله أراد بذلك اتفاق المتأخرين كابن أبي زيد والله أعلم بمراده وأما كلب اللهو فلا يجوز بيعه ولا تملكه اتفاقا وليس على قاتله ضمان قيمته، ولما ذكر في بيع لاثمار أنه يجوز لمن باع ثمرة أن يستثني منها جزءا شائعا أو عددا معلوما أو كيلا أو وزنا أو ثمر شجرات معينة ذكر مثل ذلك في بيع الحيوان فقال
(وبيع ما كالشاة باستثناء ثلثه فيه الجواز جائي)
(أو قدر رطلين مع من شاة ويجبر الأبي على الذكاة)
(وليس يعطي فيه للتصحيح من غيره لحما على الصحيح)
(والخلف في الجلد وفي الرأس صدر مشهورها الجواز في حال السفر)
(وفي الضمان إن تفانا أو سلب ثالثها في الجلد والرأس يجب)
حاصل ما اشتملت عليه هاته الأبيات الخمسة مسألة واحدة وهي بيع الشاة ونحوها من مأكول اللحم مع استثناء بعضها وأنها لا تخلو من ستة أوجه جمعتها من كلام الناس (الأول) أن يتثني البائع الصوف أو الشعر فهذا جائز بشرط أن يشرع في الجز أو يتأخر يوما أو يومين كاستثناء ركوب الدابة (الثاني) الجنين فإنه لا يجوز استثناؤه (الثالث) أن يستثني جزءا شائعا قليلا كان أو كثيرا وهو جائز اتفاقا ولا يجبر الممتنع منهما على
[ ٣ / ٤٥ ]
الذبح في هذا الوجه فإن تشاحا فيه بيعت عليهما ويأخذ كل واحد منهما ما وجب له (فرع) قال المواق وفي النوادر في ثلاثة اشتروا شاة بينهم إن كانت يتوزعون لحمها جبر على الذبح ءابيه وإن كانت للتجارة بيعت عليهم إلا أن يتراضوا بالمقاواة اه (الرابع) أن يستثني جزءا معينا كالدوارة المعزوفة أو الفخذ فروي عن مالك النع والجواز ويجبر المبتاع على الذبح (الخامس) أن يستثني رطلين معا أو أرطالا من لحمها وهو جائز إن كانت الأرطال المستثناة قدر ثلثها فأقل وإلا فلا يجوز وفي هذاا الوجه إذا طلب أحد المتبايعين الذبح وامتنع الآخر منه فإن الممتنع منهما يجبر عليه إذ لا يتوصل كل واحد منهما لمقصوده من اللحم إلا به وأجرة الذبح والسلخ والحفظ عليهما معا في هذا الوجه كالذي قبله وإذا أراد المشتري أن يعطي للبائع أرطالا من غيرها لتبقى له الشاة حية لم يجز على القول الصحيح (السادس) أن يستثني منها الجلد والرأس أو أحدهما وفي هذا الوجه صدر الخلاف ووقع بين أهل المذهب فقيل بالجواز مطلقا وقيل بالمنع مطلقا وقيل بالجواز في السفر دون الحضر وهو القول المشهور ولا يجبر المشتري على الذبح إن امتنع منه ولهذا كانت أجرة الذبح والسلخ والحفظ عليه وحده لأنه يقدر على دفع المثل أو العوض للبائع ودفع العوض أحسن، وقوله وفي الضمان أن تفانا أو سلب البيت يعني أن في ضمان الحيوان الذي استثنى منه ما يجوز استثناؤه إذا مات أو غصب ثلاثة أقوال الضمان من المشتري في الجميع وعمه في الجميع ثالثها وهو المشهور يجب الضمان على المشتري في الجلد والرأس لا غير لأنه لا يجبر على الذبح وله أن يدفع المثل والقيمة كما مر. وقوله في النظم باستثناء الباء بمعنى مع وقوله جائي اسم فاعل بمعنى جاء وقوله قدر بالجر عطف على ثلثه وقوله معا منصوب على الحال من رطلين أي حالة كون الرطلين معا من شاة لا من غيرها لتصح كما مر وضمير صدر يعود على الخلف بضم الخاء المعجمة وسكون اللام بمعنى الخلاف ثم قال
[ ٣ / ٤٦ ]
فصل في بيع الدين والمقاصة فيه
أي هذا فصل في بيع الدين واقتضائه والمقاصة فيه ففي الترجمة حذف الواو مع معطوفها وهو جائز كما جاء مفسرا في قول الله تعالى﴾ سرابيل تقيكم الحر ﴿أي والبرد وسرابيل تقيكم بأسكم والقرينة هنا ذكره في النظم وقد عرف بعض العلماء بيع الدين فقال هو عقد معاوضة على ما في ذمة حاضر مقر ليس طعاما من بيع بغير جنسه معجلا اه وقد أشار الناظم إلى حكمه فقال
(بما يجوز البيع بيع الدين مسوغ من عرض أو من عين)
يعني أن بيع الدين لمن هو عليه أو لغيره محكوم بجوازه بالشيء الذي يجوز البيع به فيباع الدين بعرض إن كان عينا أو طعاما وبعين إن كان عرضا أو طعاما لأنه لا يباع إلا بغير جنسه كما يأتي في قوله وبيعه بغير جنس مرعي، وأما تبديله بجنسه لمن هو عليه فهو اقتضاء لا بيع وسيأتي في قوله والاقتضاء للديون الخ. وقوله بيع الدين مبتدأ ومضاف إليه ومسوغ بفتح الواو خبره وبما يجوز البيع متعلق به وجملة يجوز البيع صلة ما والعائد محذوف أي به ومن عرض أومن عين بيان لما (ولما) كان بيع الدين لا يتم إلا بشروط خمسة كما في تعريفه المتقدم أشار إليها الناظم بقوله
(وإنما يجوز مع حضور من أقر بالدين وتعجيل الثمن)
(وكونه ليس طعام بيع وبيعه بغير جنس مرعي)
فالشرط الأول حضور المدين لأنه لو كان غائبا لا يدري حاله من فقر أو غني فيكون فيه خطر وكل عقد فيه خطر أو غرر لا يجوز إلا إذا كان الدين على الغائب برهن فيه وفاء على أن يحل المشتري فيه محل البائع فيجوز بيعه لانتفاء الخطر على ما به العمل (والثاني) إقرار المدين فلانه لو كان غير مقر وإن كان الدين ثابتا عليه ببينة ففيه شراء ما فيه خصومة وهو ممنوع على المشهور وإلى هذين الشرطين أشار
[ ٣ / ٤٧ ]
الناظم بقوله مع حضور من اقر بالدين (تنبيه) ظاهر النظم أن المدين يكون حاضرا في مجلس العقد ويقر بالدين بالفعل حتى إنه إذا لم يكن الأمر كذلك لا يجوز وليس كذلك بل المراد بالحضور حضوره في البلد وكونه معروفا بالإقرار وأما إذا حضر المجلي فسكوته إقرار كذا في حاشية الطرابلسي على المدونة ثقلا عن أبي عمران اه برنامج عظوم (والثالث) قوله وتعجيل الثمن فإنه إذا لم يحصل تعجيل الثمن في الحين كان من باب بيع الدين بالدين وهو لا يجوز (والرابع) قوله وكونه ليس طعام بيع لأن الدين إذا كان طعام من بيع فلا يجوز بيعه قبل قبضه كما تقدم (والخامس) قوله بغير جنس مرعي أي منظور غليه لأنه إذا بيع بجنسه والعادة أن الدين يباع بأقل منه فيكون سلفا بزيادة وهو لا يجوز وقوله وتعجيل بالجر عطف على حضور وأما قوله
(وفي طعام إن يكن من قرض يجوز الابتياع قبل القبض)
فهو مفهوم قوله السابق والبيع للطعام قبل القبض ممتنع ما لم يكن من قرض. فلو استغنى عنه بمفهوم ما تقدم لكفاه ومثل القرض في الحكم الصدقة ونحوها من كل ما ليس عن عوض ثم شرع في الاقتضاء فقال
(والاقتضاء للديون مختلف والحكم قبل أجل لا يختلف)
(والمثل مطلوب وذو اعتبار في الجنس والصفة والمقدار)
(والعين فيه مع بلوغ أجلا صرف وما تشاؤه إن عجلا)
(وغير عين بعده من سلف خذ فيه من معجل ما تصطفي)
(وإن يكن من سلم بعد الأمد فالوصف فيه السمح جائز فقد)
فالاقتضاء في اللغة أخذ الحق وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله هو في العرف قبض ما في ذمة غير القابض اه فقوله غير القابض اخرج به المقاصة لأنها قبض ما في ذمة القابض كما يأتي وقوله ما في ذمة الخ معناه أن الاقتضاء في الاصطلاح
[ ٣ / ٤٨ ]
أن يقبض رب الدين من المدين من جنس الدين الذي له عليه كما إذا كان له على المدين ذهب فيعطيه ذهبا أو فضة فيعطيه فضة أو عرض فيعطيه عرضا مثله إما إذا أعطاه عن الذهب فضة أو بالعكس فهو صرف جائز بشرط الحلول كما يأتي وإن أعطاه عن الذهب حريرا مثلا أو بالعكس أو أعطاه عن الصوف كتانا فهو من بيع الدين المتقدم لا من الاقتضاء ثم إن الاقتضاء في الديون حكمه مختلف كما قال الناظم فتارة يكون جائزا بالجنس وبغيره وتارة يكون ممنوعا بالجنس وبغيره (وحاصل) الصور العقلية المتصورة في الاقتضاء من جنس الدين الذي وقع الكلام فيه الآن أربع وعشرون صورة لأن الدين أما عين أو غير عين فيشمل الطعام وفي كل منهما أما من بيع أو قرض وكل من الأربعة إما حال أو مؤجل فهذه ثمانية تضرب في أحوال الاقتضاء الثلاثة لأنه إما بمثل الدين قدرا أو صفة وإما بأقل قدرا أو صفة وأما بأكثر قدرا أو صفة بأربعة وعشرين صورة فصور المثل الثمانية جائزة كلها وإليها أشار الناظم بقوله
- والحكم قبل أجل لا يختلف
(والمثل مطلوب وذو اعتبار في الجنس والصفة والمقدار)
يعني أن الاقتضاء قبل الأجل لا يختلف حكمه في الجواز لوجود المثل في الجنس والصفة والقدر المطلوب اعتباره. ومفهوم قوله قبل أجل أن الاقتضاء بالمثل بعد الأجل أولى بالجواز فشمل كلامه الصور الثمانية الجائزة أربعة بالمنطوق وأربعة بالمفهوم التي هي من باب أولى، ومفهوم قوله والمثل مطلوب الخ أن الاقتضاء إذا لم يكن بالمثل بأن كان أقل قدرا أو صفة أو أكثر قدرا أو صفة جازت صور حلول الأجل الأربعة وهي عين أو عرض من بيع أو قرض ومنعت في الصور الأربع التي قبل الأجل لما فيه من ضع وتعجل لأن المعجل يعد مسلفا وقد انتفع على سلفه بأدائه أقل من الدين أو أدنى فهذه ثمانية في الاقتضاء بأقل قدرا أو صفة أربعة منها جائزة وهي صور الحلول وأربعة ممنوعة وهي صور عدم الحلول كما رأيت، وإن وقع
[ ٣ / ٤٩ ]
الاقتضاء بأكثر صفة أو قدرا امتنع الأكثر قدرا في القرض مطلقا سواء كان عينا أو عرضا قبل الأجل أو بعده وكذا يمتنع في العرض من بيع قبل الأجل لما فيه من حط الضمان وأزيدك وجاز فيه ذلك بعد الأجل كما يجوز ذلك في العين من بيع مطلقا قبل الأجل أو بعده لأن الحق في الأجل في العين لمن هو عليه فلا يدخله حط الضمان وأزيدك، وإن كان بأفضل صفة جاز في القرض مطلقا وفي البيع بعد الأجل وكذا قبله إذا كان عينا وإلا منع لما فيه من حط الضمان أزيدك إذا تقرر هذا علمت بأن الناظم تكلم بمنطوقه ومفهومه على الصور الثمانية الجائزة وسكت عما عداها في القضاء بالجنس لتشعبها، وقوله وذو اعتبار عطف تفسير على قوله مطلوب لو حذفه واقتصر على لفظ مطلوب لكفاه كذا قال بعضهم ولقائل أن يقول أتى به الناظم تتميما لصدر البيت مع زيادة البيان والتوكيد فهو محتاج إليه (وأما) القضاء بغير الجنس وهو بيع الدين ممن هو عليه بعد الأجل ففيه تفصيل وهو أن الدين إما أن يكون عينا أو غير عين وإذا كان عينا فأما أن يقبضه رب الدين عينا فيكون صرفا لأنه من غير جنسه أو يقبضه عرضا ونحوه فيكون بيعا وقد أشار الناظم إلى القسم الأول بقسميه فقال
(والعين فيه مع بلوغ أجلا صرف وما تشاؤه إن عجلا)
يعني أن قضاء العين عن الدين العين الذي حل أجله كقضاء ذهب عن فضة أو العكس صرف جائز بشرط الحلول والتعجيل ولك أن تأخذها تشاؤه عن دينك العين من عروض أو طعام ونحوهما بشرط تعجيل المأخوذ أيضا وإلا منع لأنه في الأول يؤدي إلى عدم المناجزة في الصرف وفي الثاني يؤدي إلى فسخ الدين في الدين وقوله فيه الضمير يعود على العين وفي بمعنى عن أي والعين تقضي عن العين من غير جنسه صرف فالعين المظهر هو المدفوع والعين المضمر المجرور بفي هو الدين المترتب في الذمة وقوله بلوغ بالتنوين وأجلا معموله، وأشار إلى القسم الثاني وهو كون الدين غير عين وهو قسمان أيضا لأنه إما أن يكون من سلف أو من سلم وأشار إلى الأول فقال
[ ٣ / ٥٠ ]
(وغير عين بعده من سلف خذ فيه من معجل ما تصطفى)
يعني أن دين غير العين إذا كان من سلف وحل أجله فلك أخذ ما تختاره من عين أو طعام أو عرض أو حيوان ونحو ذلك كان تأخذ دراهم مثلا عن حيوان في الذمة سلفا وهكذا بشرط تعجيل المأخوذ وإلا فلا يجوز لأنه فسخ دين في دين ولا مفهوم لقوله بعده لأنه إذا اختلف الجنس كما هو موضوع المسألة فلا يشترط في القضاء بلوغ الأجل والاتفاق في القدر وأشار إلى الثاني بقوله
(وإن يكن من سلم بعد الأمد فالوصف فيه السمح جائز فقد)
يعني أن الدين المترتب في الذمة إذا كان من سلم وكان غير عين فالتساهل في وصفه جائز كجوازه في قدره بعد الأجل فقط كان بأخذ رب الدين عن دينه أقل صفة أو قدرا أو يدفع لمدين في مقابلة ما عليه أجود منه صفة أو أكثر عددا أو وزنا أو كيلا كل ذلك بعد الأجل وأما قبل الأجل فلا يجوز التساهل لا في الوصف ولا في القدر لما في ذلك من ضع وتعجل أو حط الضمان وأزيدك (وقوله) يكن فيه ضمير يعود على الدين غير العين وقوله فالوصف مبتدأ أول والسمح مبتدأ ثان وجائز خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر المبتدأ الأول والرابط بينهما الضمير المجرور بفي المتعلق بجائز كتعلق بعد الأمد به والجملة المقرونة بالفاء جواب إن الشرطية والسمح كالسهل وزني ومعنى وقوله فقد الفاء لتزيين اللفظ وقد اسم فعل مبني على السكون بمعنى يكفي راجع لقوله بعد الأمد لا أنه قيد للوصف حتى تكون الزيادة في القدر غير جائزة (ولما) فرغ من الكلام على اقتضاء الدين شرع يتكلم على المقاصة فيه فقال
(ويقتضي الدين من الدين وفي عين وعرض وطعام قد يفي)
يعني أن اقتضاء الدين عن الدين يأتي على وجه المقاصة في العين وفي العرض وفي الطعام كان يكون لك دين على إنسان وله عليك مثله فتسقط ما لك عليه في مقابلة ما له عليك ويسقط ما له عليك في مقابلة ما لك عليه فهذا الإسقاط الذي حصل من
[ ٣ / ٥١ ]
المتداينين يسمى مقاصة ويجبر الممتنع منها عليها وقوله ويقتضي مبني للنائب والدين نائب عن الفاعل وقوله يفي معناه يأتي غير ممنوع بالشروط الآتية ثم شرع في بيان مسائلها وبدا بالعين فقال
(فما يكونان به عينا إلى مماثل وذي اختلاف فصلا)
(فما اخلاف وحلول عمه يجوز فيه صرف ما في الذمة)
يعني أن الدينين إذا كان عينا فتارة يكونان متماثلين كذهب وذهب وتارة يكونان متخالفين كذهب وفضة هذا معنى قوله فصلا بالبناء للنائب وتفصيله إن كانا متماثلين فيأتي الكلام عليهما وإن كانا متخالفين كان يكون دين أحدهما دنانير ودين الآخر دراهم جازت المقاصة إن كانا حالين لأنه صرف والصرف من شرطه المناجزة ولو في الذمة والمناجزة لا تكون إلا بحلول الأجل من الجانبين، وقوله اختلاف في البيت الثاني فاعل بفعل محذوف تقديره عمه يفسره الفعل المذكور وباء به بمعنى في ومفهوم قوله وحلول عمه أن الدينين إذا لم يعمهما الحلول بأن بقيا على أجلهما أو حل أجل دين أحدهما ولم يحل أجل دين الآخر فإن المقاصة لا تجوز وهو كذلك لعدم المناجزة المشترطة في الصرف كما مر ثم أشار إلى حكم الدينين المتماثلين من العين فقال
(وفي تأخر الذي يماثل ما كان أشهب بمنع قائل)
يعني أن الدينيين إذا كانا من جنس واحد كذهب وذهب أو فضة وفضة ولم يحلا أو حل أجل أحدهما ولم يحل أجل الآخر فإن المقاصة لا تجوز عند اشهب وكيف يقول بالمنع وتجوز عند ابن القاسم وهو المشهور. وما في قوله ما كان اشهب استفهامية لا نافية ثم صرح بمفهوم قوله وفي تأخر الذي يماثل فقال
(وفي اللذين في الحلول اتفقا على جواز الانتصاف اتفقا)
يعني أن الدينين الذين هم من عين وكنا من جنس واحد كذهب وذهب أو فضة
[ ٣ / ٥٢ ]
وفضة واتفق أجلهما بالحلول فإن الانتصاف بين المتداينين بالمقاصة جائز باتفاق اشهب وابن القاسم وألف اتفقا الأول يعود على اللذين وألف اتفقا الثاني ضمير يعود على اشهب المصرح به وابن القاسم المفهوم من النص الخارجي ثم شرع في بيان ديني العرض فقال
(وذاك في العرضين لا المثلين حل بحيث حلا أو توافق الأجل)
يعني أن المقاصة في العرضين غير المثلين كثوب وسيف أو جبة وعمامة جائزة بشرط حلول الدينين معا أو توافق أجلهما حين المقاصة وإن اختلفا في الأجل لم تجز ومفهوم قوله لا المثلين أن العرضين المتفقين في الجنس والصفة والقدر تجوز المقاصة فيهما مطلقا سواء كانا من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض حل أجلهما أم لا أو حل أجل أحدهما دون الآخر، وقوله وذاك الإشارة راجعة إلى الانتصاف في البيت قبله وهو مبتدأ وجملة حل بمعنى جاز خبره والجار والمجرور متعلق به وضمير حلا يعود على العرضين وتوافق الأجل فعل وفاعل ثم أخذ يتكلم على المقاصة في ديني الطعام وهما أم من سلف وأما من بيع وبدا بالأول فقال
(وفي توافق الطعامين اقتفى حيث يكونان معا من سلف)
(وفي اختلاف لا يجوز إلا إن كان كل منهما قد حلا)
يعني أن الطعامين إذا كانا من سلف واتفقا في الجنس كقمح وقمح أو تمر وتمر فالانتصاف بين المتداينين بالمقاصة جائز مطلقا سواء حلا معا أو لم يحلا أو حل أحدهما دون الآخر وإن كانا مختلفين بالجنس كقمح وتمر فلا يجوز الانتصاف بالمقاصة إلا إذا حلا معا لأن المبادلة في الطعام يشترط فيها أن تكون يدا بيد ولو في الذمة كما تقدم في ديني العين المختلفة الجنس، وقوله اقتفى بالبناء للنائب معناه اتبع وضميره يعود على الانتصاف وضمير يجوز يعود على الانتصاف أيضا وألف حلا للإطلاق ثم أشار إلى المقاصة في ديني الطعامين من بيع فقال
[ ٣ / ٥٣ ]
(وأن يكونا من مبيع ووقع فيه بالإطلاق اختلاف امتنع)
يعني أن الطعامين إذا كانا من بيع واختلفا جنسا كقمح وتمر أو صفة كشعير وسلت فإن المقاصة فيهما ممنوعة بالإطلاق سواء حلا أو أحدهما أم لا وقوله فيه متعلق بوقع وضميره يعود على مبيع المتضمن البيع وبالإطلاق متعلق بامتنع ثم أشار إلى مفهوم اختلاف الطعامين وهو المقاصة في ديني الطعامين المتماثلين فقال
(وفي اتفاق أجلي ما اتفقا هو لدى اشهب غير متقا)
يعني أن الانتصاف بين المتداينين غير ممنوع عند اشهب في الطعامين من بيع إذا كانا مؤجلين واتفقا في الأجل والجنس والصفة والقدر بناء على أن هاته المسألة من باب الإقالة وهي مبنية على المعروف وأولى في الجواز عنده أن حلا معا وعند ابن القاسم لا يجوز لعلل ثلاث بيع الطعام قبل قبضه وطعام بطعام نسيئة ودين بدين وهو المشهور فكان على الناظم الاقتصار عليه أو ذكره مع قول اشهب وقوله هو مبتدأ عائد على الانتصاف المتقدم وغير متقى مضاف ومضاف إليه خبره والمجرور بفي والضرف متعلقان بمنفي وما واقعة على الطعامين وجملة اتفقا من الفعل والفاعل صلة ما تم شرع في بيان المقاصة في الطعامين من بيع وقرض فقال
(وشرط م من سلف وبيع حلول كل واتفاق النوع)
(والخلف في تأخر ما كانا ثالثها مع سلم قد حانا)
أي حل تضمن كلام الناظم في هذين البيتين قول ابن سلمون وإن كان الدينان طعاما وكانا من بيع وقرض فإن لم يختلفا وكانا حالين جازت المقاصة وإن اختلفا لم تجز بوجه وإن كانا مؤخرين أو أحدهما فثلاثة أقوال المنع لابن القاسم والجواز لاشهب والثالث إنه إن كان السلم حالا جازت وإلا فلا اه وقول الناظم وشرط ما مضاف ومضاف إليه مبتدا ومن سلف وبيع بيان لما الواقعة على الطعامين وقوله حلول كل مضاف ومضاف إليه خبر واتفاق النوع معطوف عليه وقوله والخلف في تأخر ما كانا الخ أي كيفما
[ ٣ / ٥٤ ]
كان التأخير في طعام البيع أو في طعام القرض أو فيهما معا (واعلم) أن الأبيات الاثنى عشر التي تضمنت أحكام المقاصة قسم الناظم فيها الدينين إلى ثلاثة أقسام لأنهما إما أن يكونا عينا أو طعاما أو عرضا وكل منهما إما من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض فهذه تسع صور وفي كل منها إما أن يتفق الدينان في النوع والصفة والقدر وإما أن يختلفا في النوع أو في الصفة أو في القدر فهذه أربع صور في تسع بست وثلاثين صورة تضرب في ثلاثة أحوال الأجل إما أن يحلا معا ويحل أحدهما فقط أو لا يحل واحد منها فتحصل مائة صورة وثمان صور تؤخذ كلها من كلام الناظم منطوقا ومفهوما منها ما هو جائز ومنها ما هو ممنوع كما رأيت والله أعلم ثم قام يتكلم عن الحوالة فقال
فصل في الحوالة
قال القاضي عياض وغيره الحوالة مأخوذة من التحول من شيء إلى شيء لأن الطالب تحول من طلبه لغريمه إلى غريم غريمه اه وهي في الاصطلاح قسمان حوالة إذن وحوالة قطع كما يأتي هذا آخر النظم والذي تكلم عليه الناظم في هذا الفصل حوالة القطع وهي التي يشترط في صحتها الشروط الآتية وعرفها ابن عرفة بقوله هي طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى ولا ترد المقاصة إذ ليست طرحا بمثله في أخرى لامتناع تعلق الدين بذمة من هو له اه فقوله طرح الدين الخ هو من إضافة المصدر إلى مفعوله والتقدير الحوالة طرح المحال الدين عن ذمة المحيل بسبب وجود مثله في ذمة أخرى وهي ذمة المحال عليه واحترز بقوله في أخرى من المقاصة فإنها وإن كان فيها طرح بمثله لكن ليس الطرح في ذمة أخرى وبعبارة أخرى إن كلا من الحوالة والمقاصة فيه طرح بمثله لكن في الحوالة طرح عن ذمة وتعلق بذمة أخرى وفي المقاصة طرح عن ذمة ولم يتعلق بذمة أخرى لأن الدين لا يتعلق بمن هو له كما قال وإنما يتعلق بمن هو عليه (والأصل) في مشروعيتها قول رسول الله صلى
[ ٣ / ٥٥ ]
الله عليه وسلم مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع الحديث فالمطل بفتح الميم من مطله بدينه إذا سوفه بوعد الوفاء مرة أخرى ومعناه أن تأخير الغني أداء الدين لربه مع حلوله ظلم حرام باتفاق ولفظ اتبع بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ما قبل ءاخره مبني للنائب وأحدكم هو نائب للفاعل وقوله فليتبع بسكون لام الأمر وفتح أول الفعل وسكون ثانيه وفتح ما قبل ءاخره مبني للفاعل أي من طلب منه أن يكون تابعا لغيره بدينه فليتبع، وحكمها الندب عند أكثر الشيوخ وقال بعضهم هي مباحة وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها كما في ابن راشد، وحكمة مشروعيتها الرفق والتوسعة فلهذا استثنيت من بيع الدين بالدين وبيع العين بالعين غير يد بيد كما استثنيت الشركة والتولية والإقالة من بيع الطعام قبل قبضه لما فيها من المعروف وأركانها أربعة المحيل والمحال والمحال عليه والمحال به، وشروطها ستة وجود الدين وحلول المحال له ورضى المحيل والمحال فقط وتساوي الدينين وأن لا يكونا طعامين من بيع والصيغة وتكلم الناظم على جميعها منطوقا ومفهوما سوى الشرط الأخير وبدا بالشرطين الأول فقال
(وامنع حوالة بشيء لم يحل وبالذي حل بالإطلاق أحل)
يعني أن الحوالة التي تبرأ بها ذمة المحيل تمنع إذا كانت بدين لم يحل أجله لأنه يكون من بيع الدين بالدين ومن بيع العين بالعين غير يد بيد وهو منهي عنه وإنما رخص في ذلك مع الحلول كما قال وبالذي حل بإطلاق أحل أي أجز الحوالة بالدين الذي حل أجله مطلقا كان الدين الذي في ذمة المحال عليه حالا أم لا لأنه إذا كان حالا فظاهر وإن لم يحل فهو زيادة معروف لأنه قبل أمرين الحوالة والتأخير (وبعبارة) أخرى أنه يشترط في الحوالة وجود دين للمحيل في ذمة المحال عليه وكذا للمحال على المحيل وإلا كانت وكالة لا حوالة وإن لم يوجد دين في الصورة الأولى كانت حمالة لا حوالة ولو وقعت بلفظ الحوالة كما يشترط حلول الدين المحال له وهو الدين الذي للمحال على المحيل لأنه إذا لم يكن حالا أدى إلى تعمير ذمة بذمة فيدخله ما
[ ٣ / ٥٦ ]
وقع النهي عنه من بيع الدين بالدين ومن بيع الذهب بالفضة أو الكفر لا يا بيد إن كان الدينان من عين إلا أن يكون الدين المنتقل إليه حالا ويقبضه قبل الافتراق كالصرف فيجوز وإما حلول الدين الذي على المحال عليه في غير مسألة العين المذكورة فلا يشترط كما علمت ثم أشار إلى ما يفهم منه الشرط الثالث فقال
(وبالرضى والعلم من محال عليه في المشهور لا تبال)
يعني أن المحال عليه لا يشترط علمه بالحوالة ولا رضاه بها على القول المشهور لأنه محل التصرف كما في ابن راشد كما لا يشترط حضوره في البلد ولا إقراره لو سئل في القول المشهور المعمول به ورجح بعضهم مقابله ومال إليه التسولي لاكنه لا يعول عليه كما في حاشية المهدي مستوفى فشد يدك عليه ولا تغتر بأبحااث التسولي مع الرهوني والله الموفق للصواب وإنما يشترط رضى المحال عليه إذا كانت عدواته بينه وبين المحال سابقة على وقت الحوالة بل لا تصح على المشهور وأما لو حدثت بعد الحوالة فهل يمنع من اقتضاء دينه لئلا يبالغ في إيذائه بشدة مطالبته فيوكل من يقتضيه عنه أو لا يمنع لأن الحوالة سابقة تردد وظاهر كلام ابن القصار أنه لا يمكن من الاقتضاء بنفسه كما في الزرقاني. وقول الناظم لا تبال أي لا تعتبر رضى المحال عليه شرطا من شروط الحوالة فرضاه وعدم رضاه على السواء لأنه محل التصرف كما مر. ومفهوم النظم أن المحيل والمحال لا بد من رضاهما وهو كذلك قال صاحب المختصر شرط الحوالة رضى المحيل والمحال فقط اه قال في التوضيح لا خلاف في اشتراط رضى المحيل لأن الحق متعلق بذمته فلا يجبر على أن يعطيه من ذمة أخرى وأما رضى المحال فهو مبني على مذهب الجمهور من عدم وجوب قبول الحوالة وأما على مذهب أهل الظاهر فلا لوجوب ذلك عليه وأما رضى المحال عليه فلا يشترط على المشهور وحكى ابن شعبان قولا باشتراط رضاه والأول أظهر وعلى المشهور فيشترط في ذلك السلامة من العداوة كما تقدم قاله مالك ثم أشار إلى الشرط الرابع فقال
(ولا يجوز أن يحال إلا فيما يجانس لدين حلا)
[ ٣ / ٥٧ ]
يعني أن الحوالة لا تجوز إلا إذا كان دين المحيل مماثلا لدين المحال قدرا وجنسا وصفة فلا يحال بدينار مثلا على دينارين وتجوز على إحدهما ويبقى الآخر لصاحبه ولا بعين على عرض وبالعكس ولا بقمح جيد مثلا على أدون منه وبالعكس قال البناني نقلا عن المقدمات من الشروط أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة لا أقل ولا اكثر ولا أدنى ولا أفضل لأنه إن كان أقل أو أكثر أو مخالفا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة وكان بيعا على وجه المكايسة فدخلها ما نهي عنه من بيع الدين بالدين أيضا اه ولا تجوز بذهب عن فضة وعكسه إلا أن يقبض المحال به عاجلا لأنه صرف لا بد فيه من التناجز وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(ولا تحل بأحد النقدين في ثانيهما إلا أن القبض اقتفى)
ومعنى اقتفى اتبع والقبض فاعل بفعل محذوف والتقدير أن اتبع القبض بحضرة الثلاثة في مجلس لم يطل فيه التقابض فاحل وإلا فلا وأشار إلى الشرط الخامس بقوله
(وفي طعام ما إحالة تفي إلا إذا كانا معا من سلف)
يعني أن الحوالة في الطعام لا تجوز سواء اتفق الطعامان أم لا استوت رؤوس أموالهما أم لا حلا أو أحدهما أم لا إلا إذا كانا معا من سلف فتجوز وإن لم يحل الدين المحال عليه لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه بخلاف طعام البيع وقوله ما إحالة تفي فما نافية وتفي مضارع وفي أي لا تتم الحوالة في الطعامين إلا إذا كانا معا من سلف فإن كان أحدهما من بيع والآخر من سلف فأشار إلى حكمها فقال
(وفي اجتمعا سلم وقرض يشترط الحلول في ذي القبض)
يعني أن الطعامين إذا كان أحدهما من بيع والآخر من سلف جازت الحوالة بشرط حلول الدين المحال به كما هو الموضوع وحلول الدين المحال عليه كان هو السلم أو القرض وأنه لا بد من حلولهما معا عند ابن القاسم وإلا فلا تجوز وعند مالك وجميع أصحابه إلا ابن القاسم تجوز وإن لم يحل أجل المحال عليه بمنزلة ما إذا
[ ٣ / ٥٨ ]
كانا معا من سلف قال ابن يونس وقولهم أصوب فعلم من هذا أن ما درج عليه الناظم في هذا الفرع ضعيف قال الشيخ مياره مراده بذي القبض الدين المقبوض حسا وهو ما على المحال عليه وكذلك يشترط حلول الدين المحال به ولا أشكال إلا أنه لما قدم اشتراط الحلول في المحال به لم يحتج إلى إعادته (ولما) قدم أنه لا يشترط حلول المحال عليه وهو مشترط في الطعامين أحدهما من بيع والآخر من سلف احتاج إلى التنصيص عليه ولم يسعه السكوت عنه وعلى ذلك نبه بقوله وفي اجتماع سلم وقرض البيت اه يعني على مذهب ابن القاسم كما مر (الشرط السادس) صيغتها قال ابن عرفة ما دل على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه ابن رشد لا تكون إلا بالتصريح بلفظ الحوالة أو ما ينوب منابه كقوله خذ منه حقك وأنا برئ من دينك وشبهه اه بناني (فروع الأول) قال ابن جزي الحوالة على نوعين إحالة قطع وإحالة إذن فأمما إحالة القطع فلا تجوز في المذهب إلا بشروط حلول الدين المحال به ومساواة الدينيين في القدر والصفة وأن لا يكونا طعامين أو أحدهما من سلم. وأما حالة الآذن فهي كالتوكيل على القبض فتجوز بما حل وبما لم يحل ولا تبرأ بها ذمة المحيل حتى يقبض المحال من المحال عليه ماله ويجوز للمحيل أن يعزل المحال في الإذن عن القبض ولا يعزله في إحالة القطع اه (الثاني) فائدة إحالة القطع البراءة من الدين قال مالك إذا أحالك غريمك على من له عليه دين فرضيت باتباعه برئت ذمة غريمك ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه ولو غرك غريمك من عدم يعلمه أو بفلسه فلك طلب المحيل ولو لم يغرك أو كنتما عالمين بفلسه كانت حوالة لازمة لك اه مواق (الثالث) لو دفع المحال عليه الدين بعد الإحالة للمحيل قال الحطاب لم أر فيه نصا والظاهر أنه أن علم بالحوالة لزمه غرمه للمحتال وإلا لم يلزمه (الرابع) إذا صدرت الحوالة بين المحيل والمحال بصيغتها فلما قبض المحال القدر الذي احتال به قال له المحيل إنما احتلك لتقبضه لي على سبيل الوكالة وعلى سبيل أنه سلف مني لك وقال المحال إنما قبضته من الدين الذي لي عليك فإن القول
[ ٣ / ٥٩ ]
في ذلك قول المحال بيمينه تغليبا لجانب الحوالة بشرط أن يكون القابض ممن يشبه أن يكون له قبل المحيل سبب وإن لم يشبه فالقول قول المحيل ويحلف ما أدخله إلا وكيلا أو متسلفا اه خرشي (الخامس) لو أحال بائع على مشتر بالثمن ثم رد البيع بعيب أو استحق فإن الحوالة تنفسخ عند الجمهور وهو المختار كما في الحطاب وغيره (السادس) قال بهرام في الشامل لو أحاله بعشرة فظهر له أن على الغريم خمسة فقط تمت الحوالة فيها وصار الباقي حمالة اه قال المازري فلو جحد المحال عليه الدين فاختار بعض أشياخنا أنه لا يوجب الرجوع على المحيل لأن المحال فرط إذا لم يشهد على المحال عليه فكأنه لما قبل الحوالة برئت ذمة المحيل وفرط في الإشهاد فصار كالمتسلف لماله بعد القبض فمصيبة الجحود منه ولا أعرف لما لك في هذا نصا اه مواق (ولما) فرغ من الكلام على الحوالة شرع يتكلم على بيع الخيار والثنيا فقال
فصل في بيع الخيار والثنيا
اعلم أن لكل واحد منهما أبحاثا تخصه فأما أبحاث الخيار فأربعة (البحث الأول) في معناه لغة واصطلاحا (البحث الثاني) في أصل مشروعيته (البحث الثالث) في حكمته (البحث الرابع) في حكمه (فأما) معناه في اللغة فهو الاختبار ومنه يقال له خيار الرؤية كذا في المصباح، وفي اصطلاح الفقهاء ثلاثة أقسام خيار الشرط ويسمى خيار التروي وخيار النقيصة أي العيب ويسمى الخيار الحكمي وخيار المجلس الذي لم يصحبه عمل عندنا بحسب ظاهره وإذا أطلق الخيار عندنا لا يتصرف إلا للخيار الشرطي وهو الذي ذكره الناظم في هذا الفصل. وعرفه الإمام ابن عرفه بقوله بيع وقف بته أولا على إمضاء يتوقع فقوله وقف بته يخرج به بيع البت وقوله أولا يخرج به ما كان فيه خيار غير مدخول عليه أولا وهو الخيار الحكمي فإن بته لم يوقف أولا بل آخر فيقال فيه بيع آل إلى خيار فهو متأخر عن العقد وسببه الذي هو وجود
[ ٣ / ٦٠ ]
العيب متقدم عليه بخلاف الخيار الشرطي فسببه الذي هو الشرط مقارن للعقد وقوله وقف بالتخفيف وقوله أولا متعلق بوقف (وأما) الأصل في مشروعيته فقوله ﵊ المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار فحمله بعض العلماء منهم الإمام الشافعي على ظاهره وقال لولا الخبر عن رسول الله ﷺ لما جاز الخيار أصلا لا في ثلاث ولا في غيرها أي لأنه غرر فهو مستثنى من بيع الغرر كذا في الزرقاني وهو غير معمول به عند أبي حنيفة ﵁ أيضا وهو قول الفقهاء السبعة وحمل الإمام مالك التفرق في الحديث على التفرق بالقول (قال) ابن راشد بعد كلام طويل في المسألة ولقائل أن يقول نفس الحديث يقتضي الخيار بتمام الإيجاب والقبول وإن لم يتفرقا ويتضح ذلك بتمهيد ثلاث قواعد أصولية (القاعدة الأولى) أن اسم الفاعل حقيقة في الحال مجز في المضي على الأصح (القاعدة الثانية) أن ترتيب الحكم على الوصف يدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم (القاعدة الثالثة) أن العلة إذا ذهبت ذهب معلولها إذا تقرر هذا وجب أن يحمل لفظ المتبايعين على حالة التبايع إذ هو الحقيقة وأما إذا تم الإيجاب والقبول بينهما فلا يطلق عليهما مبتايعان إلا مجازا عملا بالقاعدة الأولى والخيار حكم رتب على وصف التبايع الحقيقي فوجب أن يكون له علة عملا بالقاعدة الثانية ثم إذا ذهب ذلك الوصف الحقيقي وجب أن ينتفي حكم الخيار عملا بالقاعدة الثالثة اه. فما قاله تأييد لقول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه (وأما) حكمة مشروعيته فإن الخيار في البيع لا يخلو من غرر إذ لا يدري كل واحد من المبايعين ما يصير له وفي أي وقت يكون له وإنما جوزته السنة لحاجة الناس إلى ذلك لأن المبتاع قد يحتاج إلى اختبار المبيع وإلى اختبار الثمن وربما لا يستقل بنفسه وكذا البائع فشرع الخيار لهما رفقا بهما وكان القياس جوازه في النكاح والصرف لأن احتياج الرجل إلى تعرف حال المرأة أكثر مما يحتاج إليه في السلعة لاكن البيع لما كان طريقة المكايسة شرع ذلك فيه والنكاح لما كان مبينا على المكارمة والمواصلة لم يشرع فيه وأما الصرف فلم يشرع
[ ٣ / ٦١ ]
فيه لأنه ينافي المناجزة المشروعة فيه ويكون الخيار لأحد أمور ثلاثة (الأول) ليتأمل في الثمن هل هو كثير أو غير كثير (والثاني) ليوافق نفسه في العزم على الشراء مع علمه بالثمن من الغلاء والرخص (والثالث) ليختبر المبيع فالدار يختبر بناؤها وجيرانها والدابة يختبر سيرها وقوتها ونشاطها وأكلها وحالها في وقوفها ووضع ءالتها عليها وما أشبه ذلك (وأما) حكم الشرع فيه فقد أشار إليه الناظم بقوله
(بيع الخيار جائز الوقوع لأجل يليق بالمبيع)
(كالشهر في الأصل وبالأيام فير غيره كالعبد والطعام)
(وهو بالاشتراط عند العقد ولا يجوز فيه شرط النقد)
يعني أن بيع الخيار جائز وقوعه بين الناس بالإجماع لأن قوله ﵊ إلا بيع الخيار يدل على الخيار مطلقا كان أو مقيدا ولا خلاف فيه على الجملة قال ابن راشد كأن يقول رجل لآخر اشترى منك هذا الشيء وأنا عليك فيه بالخيار إذا ضربا لذلك لأجلا معلوما بالشرط حين العقد أو بالعادة إلى ما تختبر فيه تلك السلعة كشهر في دار ولا يسكنها وكثلاثة في سفينة أو كتاب أو ثوب ولا يلبسه فإن شرط لبسه فسد البيع وعليه كراء اللبس وفي الرطب والفواكه والخضر ما لا يقع فيه تغيير ولا فساد وإن ضربا للخيار أجلا مجهولا كقولهم إلى أن تباع السلعة كما يقع بكثرة فسد البيع وإن وقع بالخيار ولم يقع تعيين مدة لا معلومة ولا مجهولة فالعقد صحيح ويجعل لها أجل يناسبها مما تقدم ولو زيد في مدة الخيار مما هو مقدر لها عند العلماء فسد البيع ولا يجوز في بيع الخيار اشتراط تعجيل الثمن قبل انقضاء الأجل فإن وقع فسد البيع وإن أسقطاه وأما تعجيله تطوعا بلا شرط فهو جائز (تنبيهات) الأول لم يذكر الناظم ما يقطع الخيار وقاطعه أما قول أو فعل أو ترك فالقول نحو رضيت والفعل
[ ٣ / ٦٢ ]
كإجارته أو كرائه أو التسوق به أو لبسه والترك كانقضاء مدة الخيار والمبيع تحت يد من له الخيار ولا بد من انقضاء اليومين بعدها لأنه لو أراد الرد بعد مدة الخيار لكان له الرد في الغد والغدائين كما في النفراوي (الثاني) الذي يكون عنده المبيع زمن الخيار من المتبايعين إن كان الخيار لاختبار الثمن أو للتروي في إمضاء العقد وعدم إمضائه فالسلعة تكون عند البائع عند التشاح وإن كان لاختبار أكل الدابة أو لبنها ونحو ذلك مما تقدم فمحلها عند المشتري ويلزم البائع تسليمها له أن بين ذلك عند العقد أو كانت العادة جارية بتسليمها للمشتري للاختبار فإن وقع العقد على السكوت ولم تكن عادة لم يلزمه تسليمها وإن ادعى كل واحد منهما تقيض قصد صاحبه فسخ البيع إلا أن يتفقا على شيء (الثالث) إذا تعيب المبيع في أيام الخيار بأمر سماوي فحكمه حكم ما كان به قبل البيع لأن في ضمان البائع فهي مصيبة نزلت به وتكون الغلة له. وإذا تلف فإن قامت بينة على تلفه بأمر سماوي في أيام الخيار لم يكن لواحد منهما مقال وإن ادعى من هو بيده إنه تلف فإن كان البائع والخيار له فلا مقال للمبتاع وإن كان الخيار للمبتاع والمبيع مما يغاب عليه واختار الإمضاء فله تحليف البائع ثم إذا حلف برئ وإن نكلغرم ولا ترد هذه اليمين لأنها للتهمة وإن كانت بيد المشتري والسلعة مما لا يغاب عليه صدق بعد يمينه ولا ضمان عليه إلا أن يأتي البائع بما يدل على كذبه وإن كان مما يغاب عليه ضمنه ما لم تقم له بينة على تلفه، وإذا تنازعا في وقت تلف المبيع فقال المبتاع في أيام الخيار وقال البائع بعدها فالقول قول البائع لأن المبتاع يدعي نقض البيع فعليه البينة كما في لب اللباب والله الموفق للصواب (ولما) فرغ من الكلام على الخيار شرع يتكلم على أبحاث الثنيا وتعرف بالإقالة عند بعض الناس فقال
(والبيع بالثنيا لفسخ داع والخرج بالضمان للمبتاع)
(ولا كراء فيه هبه لأجل أولا وذا الذي به جرى العمل)
[ ٣ / ٦٣ ]
(والشرح للثنيا رجوع ملك من باع إليه عند إحضار الثمن)
فالثنيا بضم الثاء مع الياء والثنوي بالفتح مع الواو كما في المصباح ومعناها في اللغة الرجوع إلى ما سلف ومنه ثني عنانه وثنيت الحديث فكأن البائع رجع عن بيعه وقد نهي ﵊ عن بيع الثنيا كما في الفايق ومعناها في العرف أن يقول البائع للمشتري حين العقد متى أتيتك بالثمن أو إلى أجل كذا عاد المبيع لي هذا معنى قول الناظم والشرح للثنيا البيت فلو صدر به لكان أولى فإن تبايعا على ذلك فسخ البيع لورود النهي عنه كما مر ولا يرد المبتاع الغلة التي حدثت عنده ولا كراء عليه في مقابلة الانتفاع بالمبيع وسواء كانت الثننيا مطلقة أو مقيدة هذا هو المشهور وبه جرى العمل لأن المبيع دخل في ضمانه أما إذا اشترى الأصول وفيها ثمار مأفورة واشتراطها ثم فسخ البيع فإنه يردها لأنه دفع لها حصة من الثمن فإذا عاد إليه ثمنه بجملته فمن حق البائع أن يعود إليه أصله بثمره ومحل فسخ بيع الثنيا ما لم يفت المبيع وفوته أما بخروجه عن ملكه وأما بحوالة الأسواق في غير الأصول وأما الأصول فلا يفتيها إلا الهدم والبناء والغرس وفيه تفصيل محصله إن عظمت مؤنته وكان الغرس محيطا بالأرض فاتت كلها وأن كان البياض أكثرها وإن كان في ناحية منها فإن كان فوق نصفها فات جميعها كذلك وإن كان أقل من ربعها فلا يفوت منها شيء وترد كلها ويرجع المشتري بقيمة غرسه قائما وإن كانت تلك الجهة الربع فأكثر إلى النصف فاتت تلك الجهة فقط والبناء كالغرس في هذا التفصيل ولا يفيتها حوالة الأسواق ولا طول الزمان بلا حد على القول المشهور المعمول به وقول الناظم بالثنيا الباء سببية أو بمعنى على والمعنى واحد وهو الدلالة على الشرطية بحيث لولا الثنيا لما وقع البيع أما إذا كانت الثنيا خارجة عن العقد ومنفصلة عنه فالحكم فيها هو ما أشار إليه الناظم بقوله
(وجاز أن وقع بعد العقد طوعا بحد أو بغير حد)
(وحيثما شرط على الطوع جعل فالأحسن الكتب بعقد مستقل)
[ ٣ / ٦٤ ]
يعني أن البيع إذا وقع صحيحا بتل ابتلا وطاع المشتري بالثنا بعد انعقاد البيع وانبرامه جاز الاستثناء بمعنى الثنيا وأمضى وسواء كان لأحل أو لغير أجل إلا أن كتبه في رسم مستقل أحسن من كتبه في رسم البيع لأنه يبعد تهمة الشرطية المفسدة للبيع وقول الناظم وحيثما الثنيا على الطوع جعل، لكان أولى قاله مياره ثم قال الناطم
(والقول قول مدع للطوع لا مدعي الشرط بنفس البيع)
يعني أن المتبايعين إذا اختلفا في الثنا فقال أحدهما وقعت طوعا بعد تمام العقد وقال الآخر بل وقعت شرطا في أصل العقد فلولاها ما وقع البيع وإنما كتبت طوعا خوفا من الفساد فإن القول لمدعي الطوع لأنه ادعى الصحة التي هي الأصل في العقود وهل بيمين أو بدون يمين قولان وما درج عليه الناظم من أن القول لمن ادعى الطوع تبعا لغيره ليس عليه عمل بل الذي جرى به العمل أن القول لمن ادعى الشرط لغلبة الفساد في العقود وقلة الديانة ولو كتبت الثنيا بعقد مستقل فإنه لا يفيد شيئا ويعد تحيلا لتصحيح الفاسد كما هو مشاهد ما لم يطل الزمن بين العقدين كما تقدم في شروط النكاح مستوفى فراجعه هناك إن شئت تمام الفائدة والله الموفق للصواب (تنبيهان الأول) إذا وقعت الثنيا جائزة فتارة تكون مقيدة بمدة وتارة تكون مطلقة فإذا كانت مقيدة بمدة فإن المشتري لا يجوز له البيع لغير البائع ويرد بيعه فيها أو بعدها بيوم ويأخذه البائع إن أراد لا بعد زيادة على يوم وإذا كانت مطلقة غير مقيدة بأجل فإنه يجوز للمشتري أن يبيعه لغير بائعه إلا إذا قام عليه البائع حين أراد التفويت فله منعه بالحاكم إذا كان ماله حاضرا فإن باعه بعد منع الحاكم رد البيع وغن باعه قبل أن يمنعه الحاكم نفذ البيع وإذا مات البائع المتطوع له بالثنيا فإن ورثته يقومون مقامه في التفصيل المتقدم وإن مات المشتري الذي تطوع بها بطل حكمها على القول المشهور لأنها كهبة لم تقبض إلا إذا أحضر البائع الثمن قبل انقضاء الأجل أو عنده أو أحضره في حياة المتطوع في المطلقة فلم يقبله حتى مات أو انقضى الأجل في المقيدة بأيام زايدة
[ ٣ / ٦٥ ]
على ما تقدم فإن البائع أو ورثته ينفعهم ذلك بعد ثبوته شرعا ويرد إليهم الاصل بذلك ولا يفوت عليهم بموته ولا بانقضاء الأجل (الثاني) اختلف فيمن باع عقارا أو غيره وطلب من المشتري الإقالة فقال له أخاف أن تبيعه لغيري فقال له أن بعته لغيرك فهو لك بالثمن الأول أو بالذي أبيعه به فإقالة المشتري على هذا الشرط فالمشهور من المذهب فساد هذه الإقالة لما في ذلك من التحجير وهي بيع من البيوع فإذا نزلت فسخت ما لم تفت بالبيع ونحوه فتصح كذا في البرزلي ثم قال الناظم
فصل في بيع الفضولي وما يماثله
فالفضولي بضم الفاء أصله في اللغة جمع فضل كفلوس جمع فلس وقد استعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه ولهذا نسب إليه على لفظه فقيل فضولي لمن يشتغل بما لا يعنيه لأنه جعل علما على نوع من الكلام فنزل منزلة المفرد كذا في المصباح والمشهور رحمته إلا على من يصلح به ذلك ويرتضيه قال ﵊ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وقول الناظم وما يماثله أي يماثل بيع الفضولي كالهبة واستفادة الزوج مال زوجته وقسم تركة المديان ورب الدين حاضر ساكت بلا مانع كما يأتي (ثم) أن الذي يباع عليه ماله لا يخلو إما أن يكون حاضر ساكت با مانع كما يأتي (ثم) إن الذي يباع عليه ماله لا يخلو إما أن يكون حاضرا مجلس العقد أو غائبا عنه ثم يبلغه وفي كل من الوجهين إما أن يقر البائع بالملكية لصاحب ذلك الشيء أو يدعيه لنفسه وإلى الأول بقسميه أشار الناظم بقوله
(وحاضر بيع عليه ماله بمجلس فيه السكوت حاله)
(يلزم ذا البيع وإن أقر من باع له بالملك أعطي الثمن)
(وإن يكن وقت المبيع بائعه لنفسه ادعاه وهو سامعه)
(فماله إن قام أي حين في ثمن حق ولا مثمون)
يعني أن من بيع عليه ماله وهو حاضر في المجلس ساكت بلا عذر من خوف على
[ ٣ / ٦٦ ]
نفسه أو على ماله لا يغير ولا ينكر ثم قام بعد انعقاد البيع وأراد الرجوع فيه بدعوى عدم الرضى فإنه لا سبيل له إلى نقضه وإنما له أخذ الثمن فقط حيث أقر له البائع بالملك وأما إذا باعه وهو ينسبه لنفسه ويقول إنما أبيع مالي ورب الملك حاضر كذلك ثم قام يطلبه بعد فإن كان قيامه قبل السنة وأثبت أنه ملكه والبائع لا زال ينسبه لنفسه وعجز عن الطعن فيما أثبته المالك فإن البائع يقضي عليه بدفع الثمن للمالك ولا ينقض البيع لأنه بسكوته لزمه وأما إذا كان قيامه بعد السنة من يوم البيع فم يكن له حق لا في ثمن ولا في مثمن وقول الناظم أي حين بالنصب على الضر فيه أي بعد حين وهو السنة وسيأتي الكلام على حكم من كان سكوته لعذر ثم أشار إلى الثاني بقسميه فقال
(وغائب يبلغه ما عمله وقام بعد مدة لا شيء له)
(وغير من في عقدة البيع حضر وبالمبيع بائع له أقر)
(وقام بالفور فذا التخيير في إمضائه البيع أو الفسخ اقتفى)
(وإن يقم من بعد أن مضى زمن فالبيع ماض وله أخذ الثمن)
(إن كان عالما بفعل البائع وساكت لغير عذر مانع)
يعني أن من بيع عليه ماله بدعوى البائع أن الملك له ثم يبلغه ذلك ولم يقم إلا بعد انقضاء مدة الحيازة الآتي بيانها فإنه لا شيء له لا في ثمن ولا في مثمن ولو أثبت أصله ملكه ومفهوم قوله بعد مدة أنه إن قام قبلها كان على حقه وهو كذلك إلا أنه إن قام بالفور كان له النظر في إمضاء البيع وأخذ الثمن من البائع أو فسخه وإن قام بعد العام ونحوه لم يكن له إلا الثمن فقط وإن لم يقم إلا بعد انقضاء مدة الحيازة فكما تقدم (فقوله) وغير من في عقدة البيع حضر يغني عنه قوله وغائب يبلغه الخ لأن موضوع المسألة في الذي لم يحضر مجلس العقد وقوله إن كان عالما بفعل البائع شرط في إمضاء البيع بعد العام فمفهومه إن لم يعلم فإن البيع لا يمضي عليه وهو
[ ٣ / ٦٧ ]
كذلك ثم إنه إذا قام بالفور أو علم وسكت أياما قليلة كان له الفسخ أو الإمضاء وإن كثرت الأيام فليس له إلا الثمن ولو تجاوزت مدة الحيازة فإن ذلك لا يضره لأن البائع في هاته المسألة مقر له بالملك فلا يبطل عليه حقه بطول الزمان وقوله وساكتا لغير عذر مانع مفهومه أنه إذا كان سكوته لعذر مانع له من رد فعل البائع كخوفه على نفسه أو على أخذ بقية ماله من سطوة البائع أو المشتري فله القيام وهو كذلك إذا أشهد أنه غير راض بالبيع وقام بفور زوال العذر فإن سكت حتى مضت مدة الحيازة بطل حقه إذا كان البائع ينسبه لنفسه كما تقدم في التفصيل والبيان وقوله أو الفسخ بالجر معطوف على إمضائه وقوله من بعد أن بفتح الهمزة ثم شرع في بيان ما يماثل بيع الفضولي فقال
(وحاضر لواهب من ماله ولم يغير ما رأي من حاله)
(الحكم منعه القيام بانقضا مجلسه إذ صمته عين الرضى)
(والعتق مطلقا على السواء مع هبة والوطء للإماء)
يعني أن الفضولي إذا وهب ملك غيره والمالك حاضر في المجلس ساكت بلا مانع ولم يغير ولم ينكر ما رءاه من فعل الواهب حتى انقضى المجلس فالحكم منع المالك من رد الفعل إذا أراده رده ولزمته الهبة لأن سكوته بلا عذر يعد منه رضى بهبة الفضولي وقيامه بعد ذلك يعد منه ندامة فلا يقبل منه وسواء نسبة الفضولي لنفسه أو نسبه لمالكه ولا شيء له في مقابلة الموهوب وكذا إذا أعتق الفضولي رقيق الغير فإنه يلزمه كلزوم الهبة المذكورة في المثال على السواء وسواء كان العتق ناجزا أو لأجل هذا معنى قوله مطلقا أو ادعى رجل ملكية أمة الغير بهبة مثلا وذكر أنه كان وطئها ومالكها حاضر ساكت كذلك ثم قام بعد انقضاء المجلس ينازع فإنه لا حق له لأن سكوته لغير عذر يعد منه رضي وفي هذا الفرع احتمالات وتأويلات كما في حاشية المهدي فاقتصرت على بعضها وكلها من جهة الفقه صحيحة ومفهوم قوله حاضر أنه إذا كان غير حاضر
[ ٣ / ٦٨ ]
فله القيام وهو كذلك لكن بشرط أن يكون قيامه بفور علمه كاليومين والثلاثة وحينئذ يكون له الفسخ والإمضاء وإلا لزمه ذلك ولا شيء له لأن الفضولي فوته عليه بغير عوض ومسألة الأمة تجري مجرى الاستحقاق كما يأتي في بابه. وقول الناظم ماله ضميره يعود على حاضر وكذلك ضمير بغير وضمير حاله يعود على واهب وضمير منعه يعود على حاضر أيضا والقيام بالنصب مفعول ثان للمصدر الذي هو منعه المضاف إلى مفعوله الأول وفاعل المصدر ضمير تقديره هو يعود على الحكم وبانقضاء متعلق بالقيام وضمير مجلسه يعود على العقد وضمير صمته يعود على حاضر وقوله
(والزوجة استفاد زوج مالها وسكتت عن طلب لما لها)
(لها القيام بعد في المنصوص والخلف في السكنى على الخصوص)
(كذاك ما استغله من غير أن متع إن ماتت كمثل من سكن)
(فيه الخلاف والذي به لعمل في الموت أخذها كراءها ما استغل)
يعني أن الزوج إذا استفاد مال زوجته باستغلال أو حرث أو كراء وقبض الكراء أو استخلص ديونها ونحو ذلك وسكتت عن طلبه لما ثبت لها عليه من الحقوق المذكورة وغيرها ثم إنها إذا قامت تطلبه لحقها بعد سكوتها فلها ذلك ولو كانت رشيدة طال الزمن أو قصر هذا هو المنصوص من قول مالك رضي الله تعالى عنه بلا خلاف إلا في مسألتين (إحداهما) استغلاله بالسكنى معها في دارها فقيل لها الكراء إذا قامت تطلبه به وهو موسر حين السكنى معها وإلا فلا شيء عليه وقيل لا كراء لها عليه ولو سفيهة ولو كانت تسكن بالكراء إلا أن تبين له ذلك وعلى هذا اقتصر الشيخ خليل فقال وإن تزوج ذات بيت وإن بكراء فلا كراء إلا أن تبين اه وهذا هو المشهورة وبه الفتوى (والثانية) ما استغله الزوج من غير أن تبيح له ذلك الاستغلال بوجه المتعة بعد عقد النكاح كما مر في بابه وقامت تطلبه بعد موته فقيل لا كراء لها فيما استغله
[ ٣ / ٦٩ ]
الزوج وقيل لها ذلك وهو القول الراجح وبه العمل وإلى هاتين المسألتين أشار الناظم بقوله والخلف في السكنى إلى ءاخر الأبيات الأربعة مع بيان ما جرى به العمل في أخذ كراء ما استغل قال الشيخ مياره ومفهومه أنها لا تأخذ كراء ما سكن ومفهوم الموت أنها ترجع في حياته في السكنى يعني على أحد قولين كما تقدم وترجع في غيرها كما مر ومفهوم قوله من غير أم متع أن ما أمتعته به من سكنى واستغلال بعد عقد نكاحها فلا رجوع لها به عليه (وقوله) عن طلب لمالها فالأم من لها حرف جر مفتوح متعلق بمحذوف صلة ما وقوله من غير أن متع بفتح الهمزة وقوله إن مات بكسر الهمزة وضمير فيه يعود على ما استغله وقوله كذاك أي كالخلاف الواقع في السكنى (تنبيه) قد تقدم الكلام على اختلاف الزوجين في القبض وعدمه فيما تولاه الزوج لزوجته في باب الوكالة فليراجع هناك عند الحاجة إليه وقوله
(وحاضر لقسم متروك له عليه دين لم يكن أهمله)
(لا يمنع القيام بعد أن بقي للقسم قدر دينه المحقق)
(ويقتضي من ذاك حقا ملكه بعد اليمين أنه ما تركه)
يعني أن من حضر قسم متروك عن ميت له عليه دين وهو عالم بدينه ساكت بلا عذر ثم قام يطلب بعد أن اقتسم الورثة أو الغرماء ما اقتسموه من التركة فله القيام بدينه إن بقي من التركة قدر الدين أو أكثر للقسم في المستقبل وسكوته لا يكون مانعا له من القيام لأنه يقول إنما كان سكوتي لكون الباقي بلا قسم فيه وفاء لديني ويقضي له به بعد يمينه إن سكوته وقت قسم ما قسم من التركة لم يكن إسقاطا لحقه ولا تركا له ويحلف يمينا أخرى وهي يمين القضاء أنه لم يقبض دينه ولا شيئا منه ولا تركه ولا أحال عليه، ومفهوم إن بقي قدر دينه أنه إن بقي أقل لا يأخذ إلا ذلك الأقل بعد اليمينين أيضا فإن لم يبق من التركة شيء فلا قيام له إلا إذا ادعى عدم العلم بدينه وقال ما علمت الدين إلا حين وجدت الوثيقة فيكون له القيام ويقضي له بحقه بعد
[ ٣ / ٧٠ ]
الحلف على عدم العلم بالوثيقة ويمين القضاء وكذا إذا كان سكوته لعذر كخوفه من ظالم يتمنع الورثة به أو كان هو أحد الورثة فإذا زال المانع كان له القيام بعد حلفه إنه ما ترك القيام إلا لكذا ويقضي له بحقه بعد يمين القضاء وقول الناظم له الضمير يعود على حاضر وضمير عليه يعود على الميت الذي يترك المال المفهوم من السياق ثم قال
فصل في بيع المضغوط وما أشبهه
أي هذا فصل في بيان حكم من بيع ماله بسبب الظلم وما أشبهه من بيع الإنسان ما غصب منه وأشار إلى الأول بقوله
(ومن يبع في غير حق شرعي بالقهر ما لا تحت ضغط مرعي)
(فالبيع إن وقع مردود ومن باع يحوز المشتري دون ثمن)
يعني أن من أكره على دفع مال ظلما حتى باع ملكه لا داء المال خائفا على نفسه من القتل أو العذاب فإنه بيعه غير لازم لعدم تكليفه لأنه مكره بالضغط عليه والمكره غير مكلف وله رد الشيء المشتري منه عند زوال القهر بدون ثمن وسواء قبضه البائع ودفعه للظالم أو قبضه الظالم بنفسه إذا كان المشتري عالما بالضغط وإلا فلا يأخذه ربه إلا بالثمن هكذا قيد به الشارح كلام والده وكذا لو أكره على بيع ملكه بدون وجه شرعي فله رد البيع عند زوال الظلم ويرد ما قبضه من الثمن لمن قبضه منه. ومفهوم قوله في غير حق شرعي أن المكره على بيع ماله لحق شرعي فإنه لا يعد إكراها كمن أكره على بيع ملكه لقضاء دين أو نفقة زوجته أو توسعة طريق أو مسجد ونحو ذلك ويجوز شراؤه وبيعه ماض اتفاقا ومفهوم وصف الضغط بالمرعي أن الضغط الذي ليس بمرعي شرعا لا يسمى إكراها ولا يعتبر وذلك كمن باع ملكه حياء أو خوفا على أجنبي ثم إن الضغط تارة يكون على البيع وتارة يكون على سببه كما علمت فإن كان على البيع فهو غير نافذ اتفاقا وإن كان على سببه ففيه خلاف وما درج عليه الناظم هو القول
[ ٣ / ٧١ ]
المشهور وقيل لازم نافذ والذي اشترى منه مأجور لأنه أنقذه من عذاب أهل الشرور والفجور وبه العمل وقوله يحوز من الحوز وقوله المشتري بفتح الراء أي يرد البائع الملك المشتري منه ويحوزه ثم أشار إلى ما يشبه بيع المضغوط فقال
(والخلف في البيع لشيء مغتصب ثلثها جوازه ممن غصب)
يعني أن الشيء المغصوب اختلف في جواز الإقدام على بيعه على ثلاثة أقوال قيل يجوز مطلقا وقيل يمنع مطلقا وقيل يجوز بيعه للغاصب دون غيره وهذا التفصيل هو المشهور ومفهوم قوله ممن غصب أنه لا يجوز بيعه لغير الغاصب قبل قبضه وهو كذلك لأنه شراء ما فيه خصومة والمشهور منعه كما تقدم ثم قال
فصل في مسائل من أحكام البيع
أي هذا فصل في بيان أحكام مسائل متفرقة من باب البيع كالبيع على المولى عليه وبيع المريض وابتياعه وبيع الحاكم والورثة على البراءة وبدأ بحكم الأول فقال
(اب على بنيه في وثاق حجر له يبيع بالإطلاق)
(وفعله على السداد يحمل وحيث لا رد ابنه ما يفعل)
(وبيع من وصي للمحجور إلا لمقتض من المحظور)
(وجاز بيع حاضن بشرط أن .. أهمل محضون ولا يعلو الثمن)
(عشرين دينارا من الشرعي فضية وذا على المرضي)
قد تقدم الكلام على بيع الفضولي وهو من يتولى العقد بدون وكالة ولا ولاية والكلام في هذه الأبيات على من يتولى عقد البيع على غيره بسبب ولايته عليه وهو الأب والوصي والكافل وكذلك القاضي ومقدمه (فأما) الأب فإنه يجوز له البيع على صغار بنيه
[ ٣ / ٧٢ ]
وأبكار بناته وعلى البالغ المولى عليه والشراء لهم وفعله أبدا محمول على السداد حتى يثبت خلافه فإن ثبت خلاف السداد رد ابنه بعد رشده ما فعله ونقضه هذا معنى قول الناظم وحيث لا رد ابنه ما يفعل أي حيث لا سداد في البيع رد ابنه ما فعله ونقضه ويرجع المشتري على الأب بالثمن. وأما الوصي فهو كالأب في الحمل على السداد فيفعل في مال محجوزه ما يفعله الأب أن لو كان حيا لاكن لما كان أقل رتبة من الأب لا يجوز له أن يبيع مال اليتيم إلا لسبب من الأسباب وهي الاحتياج إلى النفقة والكسوة والمسكن وغزارة الثمن بأن يكون زائدا على الثلث وخوف السقوط إذا لم يكن له مال يصلحه منه أو يكون مشتركا وتعذرت قسمته فيريد أن يشتري له ملكا مستقلا والخوف من سلطان وأن يكون الملك مثقلا بالخراج أو الإنزال فيريد أن يشتري له ملكا حرا وإن لا يكون مما تعود عليه فائدة فيستبدل بثمنه ما فيه فائدة وإن تكون الدار المعدة لسكناه لا؟؟ بين قوم فاسقين أو أجنبيين كاليهود فيشتري له دارا بين قوم صالحين أو مستورين وأن يكون هو أولى بالبيع من غيره للضرورة إذا كانت له أملاك وإن ثمنه الذي أريد بيعه به بلغ قيمة المبيع. وأما الحاضن ففي بيعه مال محضونه أربعة أقوال الجواز إذا أحسن النظر ولم يتهم والمنع والجواز في بلد لا حاكم فيه والجواز في يسير الثمن وهو القول المرتضي كما قال الناظم وبه العمل وقد بين اليسير بقوله عشرين دينارا الخ وذلك بعد ثبوت الكفالة وإهمال اليتيم (وأما) القاضي والمقدم فحكمهما واحد وهو جواز البيع على اليتيم المهمل اتفاقا بعد ثبوت السبب بالشهادة العادلة وسمي الشهود لا بمجرد الذكر ويضمن الشهود شهادة السبب والإذن ممن له النظر في رسم البيع تصحيحا للعقد وقطعا للنزاع من المولى عليه بعد رشده هذا ما يتعلق بكلام الناظم بالنظر إلى الأمر القديم والذي عليه عمل تونس وتوابعها اليوم أن الأب والوصي والكافل حكمهم حكم المقدم من قبل القاضي وإن كل واحد منهم لا يجوز له أن يفوت مال محجوره إلا بعد مشورة القاضي ليثبت الموجب للبيع لديه وإن ماله إذا كان عينا يكون مؤمنا تحت نظر القاضي يضعه تحت يد من كان معينا لذلك لقلة
[ ٣ / ٧٣ ]
أمانتهم وكثرة ضررهم بمحاجيرهم فهو من باب سد الذرائع الذي هو قاعدة من قواعد المذهب فقد تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور قاله عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ومع هذا التشديد والاحتياط لم ينقطع تحيلهم على أكل أموالهم بالباطل فإنا لله وإنا إليه راجعون واعلم أن هذا العمل جدير بالإتباع لما فيه من دفع الضرر وجلب المصلحة وترك النزاع إلى غير ذلك من مهمات الأمور فهو فعل مبرور وصاحبه مأجور وقول الناظم وثاق بفتح الواو وكسرها وقوله
(وما اشترى المريض وما باعا إن هو مات بأبى الامتناعا)
(فإن يكن حابي به فالأجنبي من ثلثه يأخذ ما به حبي)
(وما به الوارث حابي منعا وإن يجزه الوارثون اتبعا)
يعني أن ما اشتراه المريض أو باعه في حال مرضه ولو كان مخوفا ومات منه فإن شراءه أو بيعه جائز نافذ لا يمنع ولا يفسخ لأنه لا حجر على المريض في المعاوضات بخلاف التبرعات كما يأتي هذا أن اشترى أو باع بالقيمة أما أن أشتري شيئا بأكثر من ثمنه بكثير بقصد نفع البائع أو باع بأقل من قيمته بكثير بقصد نفع المشتري وظهرت المحاباة منه بذلك فإن كان الذي حاباه أجنبيا فالشراء أو البيع نافذ ويكون ما حابى به من الثلث فإن حمله الثلث أو كان أقل منه مضى وإن كان أكثر من الثلث فللورثة رد الزائد ولهم إمضاؤه أما إذا لم يقصد بذلك نفع البائع أو المشتري بأن وقع منه ذلك جهلا بقيمته فهو غبن لا رد به على المشهور المعمول بهه كما يأتي وإن كان الذي حاباه وارثا ردت المحاباة فقط وصح ما عداه وإذا أجازت الورثة فعله فيهما فإنه ينفذ ويصح بشرط الحوز لأنه ابتداء عطية (تنبيه) ما تقدم للناظم إنما هو في المحاباة في ثمن المبيع وأما إن كانت المحاباة في عين المبيع مثل أن يقصد إلى خيار ما يملكه فيبيعه من ولده بمثل الثمن أو أكثر فللورثة نقض البيع في ذلك قاله اللخمي والتونسي وغيرهما كما في التسولي نقلا عن الفائق وقوله ثلثه بسكون اللام وحبي مبني للنائب وقوله
[ ٣ / ٧٤ ]
(وكل ما القاضي يبيع مطلقا بيع البراءة به تحققا)
(والخلف فيما باعه الوصي أو وارث ومنعه مرضي)
(إلا بما البيع به يكون برسم أن تقضي به الديون)
يعني أن كل ما يبيعه القاضي من عقار أو حيوان أو رقيق أو عروض أو غير ذلك سواء باعه على يتيم أو على مفلس أو على غائب هذا معنى قوله مطلقا فهو بيع براءة وإن لم يبين وليس للمشتري رد بعيب قديم يجده فيما اشتراه وهو منه بعقد الشراء إلا بالاستحقاق فإنه يرجع بثمنه وما ذكره الناظم من أن بيع القاضي على البراءة في كل شيء هو أحد روايتين عن مالك وعلها اعتمد الناظم وبها العمل واختلف في بيع الوصي أو الوارث هل هو بيع براءة فلا رد للمبتاع بالعيب القديم أو ليس على البراءة فله الرد وكون بيعهما ليس على البراءة هو القول المرضي أي المعمول به إلا إذا بينا أن المبيع ارث وكان لقضاء حق على الميت أو الإنفاق على اليتيم أو تنفيذ وصية لا لمجرد الانفصال بين الورثة فالمرضي من القولين حينئذ أن يكون بيعهما على البراءة فقول الناظم إلا بما البيع الخ مستثنى من قوله ومنه المرضي إلا في هذه الصورة التي يكون فيها البيع برسم لقضاء دين فلا يكون المنع مرضيا بل كونه على البراءة هو المرضي لا أنه مستثنى من الخلاف حتى يرد عليه ما أورده التاودي كما في حاشية المهدي ولما كان في كلام الناظم نوع تعقيد مع عدم شموله لما قررنا به كلامه لو قال بدل البيت الأخير
وإن يكن مع البيان يقتبل لدفع حق وبه جرى العمل
لكان أوضح ثم قال
[ ٣ / ٧٥ ]
فصل
أي هذا فصل في بيان بعض شروط العاقد المتقدمة أول الباب
(ومن أصم أبكم العقود جائزة ويشهد الشهود)
(بمقتضى إشارة قد أفهمت مقصوده وبرضاه أعلمت)
(وإن يكن مع ذاك أعمى امتنعا لفقده الأفهام والفهم معا)
(كذلك للمجنون والصغير يمنع والسكران للجمهور)
يعني أن ما يعقده الأصم الأبكم من بيع وابتياع ونكاح كما تقدم في بابه وتبرع من هبة وصدقة إلى غير ذلك جائز لازم ويعتمد الشهود على فعل ذلك بإشارته التي تفهم الشاهد مقصوده وتدل على رضاه قطعا وإن يكن مع الصمم والبكم العمى امتنع كل عقد في حقه لعدم وجود الإفهام منه للشاهد عليه والفهم له وحينئذ يكون النظر له مع ذلك في ماله وغيره للقاضي وكذا يمتنع العقد من الصغير والمجنون الذين لا يميزان اتفاقا وكذا السكران الذي لا تمييز عنده إذ كان سكره بحرام يعلمه عند جمهور العلماء بعد أن يحلف بالله إنه ما عقل وقت فعله فإذا كان عنده نوع من التمييز صح عقده اتفاقا وإنما الخلاف في اللزوم وعدمه والمعتمد عدم اللزوم أما إذا كان سكره بحلال أو بخمر يظنه غيره فإن بيعه لا يصح اتفاقا هذا كله بالنسبة إلى عقده وإقراره وأما جنايته وعتقه وطلاقه وحده على الزنى وغيره فإنها لازمة له وإليها أشار الشيخ ابن عاشر بقوله
لا يلزم السكران إقرار عقود بل ما جنى عتق طلاق وحدود
فهذا مذهبنا وقيل لا يلزمه شيء وقيل يلزمه كل شيء وقيل تلزمه الأفعال ولا تلزمه الأقوال فالمذاهب أربعة انظر بسطها في الخطاب أول البيوع إن شئت وقول الناظم
[ ٣ / ٧٦ ]
أفهمت وأعلمت وامتنعا الأفعال الثلاثة مبنية للفاعل وألف امتنعا للإطلاق وقوله كذاك الإشارة راجعة للحكم السابق وهو امتناع العقد وقوله للمحجور متعلق بيمنع والأم بمعنى من والصغير والسكران مجروران بالعطف على المجنون وللجمهور متعلق بيمنع أيضا والأم بمعنى عندكما في التصريح ثم قال
(وذو العمي يسوغ الابتياع له وبيعه وكل عقد اعمله)
(وبعضهم فرق بين من ولد أعنى ومن عماه من بعد وجد)
يعني أن الأعمى يجوز شراؤه وبيعه وكل عقد اعمله من نكاح وهبة وغير ذلك من المعاوضات والتبرعات وقال بعض العلماء إن ولد أعمى وفي معناه من عمي صغيرا فلا يصح بيعه ولا ابتياعه وإن طرأ عليه ذلك بعد الإبصار صح بيعه وشراؤه وفي المقصد المحمود فيمن ولد أعمى لا تجوز معاملته في بيع ولا ابتياع لجهله بالمبيع وإجازه الشيخ أبو الحسن فيما يرجع إلى الذوق واللمس دون ما يرجع إلى اللون والشكل وهو أحسن اه ثم قال
فصل في اختلاف المتبايعين
تشبيه متبايع بالياء بدون همز واختلافهما أما في قدر الثمن أو في جنسه أو في الأجل أو في انقضائه أو في قبض الثمن أو المبيع أو في الصحة والفساد أو في تابع المبيع وتكلم الناظم على هذه الأنواع كلها على هذا الترتيب وبقي عليه اختلافهما في أصل العقد فالقول لمنكره إجماعا أو في البيع والرهن فالقول لمدعي الرهن ماا لم يفت العقار بيد مدعي الشراء بالغرس والهدم والبناء والمدعي عالم ساكت بلا مانع أو في البت والخيار فالقول لمدعي البت ما لم يغلب البيع بالخيار فيكون القول لمدعي الخيار هذا كله مع عدم البينة كما هو ظاهر فلو قال الناظم
وإن هم في أصل البيع اختلفا فمن نفاه منهما فيقتفي
[ ٣ / ٧٧ ]
وذاك مع يمينه كما يجب وإن أراد قلبها فتنقلب
والقول قول مدعي الرهان ما لم يفت بالغرس والبنيان
إلا إذا كان لعذر يسمع فإن قوله به لا يقطع
كالمدعي للبت لا الخيار ما لم يكن هناك عرف جار
ويقول
(وحيثما اختلف بائع ومن منه اشترى إن كان في قدر الثمن)
(ولم يفت ما بيع فالفسخ إذا ما حلفا أو نكلا قد أنفذا)
(والبدء بالبائع ثم المشتري في الأخذ واليمين ذو تخير)
(ثم لكل واحد بعد الرضى وقيل إن تحالفا الفسخ مضى)
(وقيل لا يحتاج في الفسخ إلى حكم وسحنون له قد نقلا) د
(وإن يفت فالقول للذي اشترى وذا الذي به القضاء قد جرى)
الأبيات الستة يعني أن المتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن مع عدم فوات المبيع بأن قال البائع بعته بعشرة مثلا وقال المشتري بل بثمانية وكذا اختلافهما في الجودة والرداءة على المعتمد لأنه يؤل إلى الاختلاف في القدر فإنهما يتحالفان ويفسخ العقد بينهما كما إذا نكلا معا عن اليمين ويقضي للحالف على الناكل والبدء بالبائع على المشهور وقيل بالمشتري وقيل يقرع بينهما وقيل يخبر الحاكم وعلى المشهور من تبدئة البائع فهل هي من باب الأولى أو من باب الواجب قولان كما في القلشاني فيحلف البائع أنه ما باع إلا بعشرة ثم يقال للمشتري إن شئت فخذه بالعشرة فإن أخذه بها فظاهر وإلا حلف أنه ما اشتراه إلا بثمانية ويفسخ البيع بينهما إذا اتفقا على فسخه وإن لم يتفق على فسخه فلكل واحد منهما الرضى بعد التحالف كما قال الناظم فلمن شاء إن يلزم الآخر مقالته فله ذلك وقيل إن تحالفا فالفسخ مضي يعني بحكم حاكم
[ ٣ / ٧٨ ]
وهو القول الراجح وقيل لا يحتاج في الفسخ إلى حكم بل بمجرد حلفهما ينفسخ العقد وليس لواحد منهما الرضى بعد ذلك فحمل كلام الناظم على هذه الأقوال الثلاثة مع عدم التكلف أولى فالأول منه لابن عبد الحكم والثاني لابن القاسم والثالث لسحنون هذا كله إذا كان المبيع قائما فإن فات بشيء من المفوتات كالاستهلاك وحوالة السوق فإن القول قول المشتري إذا أتى بما يشبه مع يمينه على القول الذي به القضاء وإلا حلف البائع إن أشبه ويأخذ ما قال وإن نكل أخذه المبتاع بما قال بدون يمين وإن أتى كل واحد منهما بما لا يشبه فعلى المبتاع القيمة بعد أن يصفه إلا أن تقوم بينة بخلاف وصفه فيكون الحكم عليها (وقوله) انفذا بالبناء للنائب ونائب فاعله ضمير يعود على الفسخ وألفه للإطلاق وقوله وسحنون بالرفع مبتدأ وجملة قد نقلا من الفعل ونائب الفاعل خبره وله بمعنى عنه متعلق بنقلا وألفه للإطلاق (ولما) فراغ من الكلام على اختلافهما في قدر الثمن مع وجود المبيع أو فواته شرع يتكلم على اختلافهما في جنس الثمن مع وجود المبيع أو فواته أيضا فقال
(وإن يكن في جنسه الخلف بدا تفاسخا بعد اليمين ابدأ)
(وما يفوت واقتضى الرجوعا بقيمة فذاك يوم بيعا)
يعني أن المتبايعين إذا اختلف في جنس الثمن وكذا في صنفه كان يدعي أحدهما أن البيع وقع بعين ذهب أو فضة وادعى الآخر أنه وقع بعرض أو طعام أو ادعى أحدهما أن البيع وقع بذهب وادعى الآخر أنه وقع بفضة فالحكم في ذلك أنهما يتحالفان ويتفاسخان أبدا وسواء كان المبيع قائما أو فائتا أشبه أحدهما أم لا غذ ليس قول أحدهما بأولى من قول الآخر حتى ينظر للشبه مع الاختلاف في الجنس أو الصنف ونكولهما كحلفهما فإن كان المبيع موجودا رجع لبائعه وإن فات فالبائع يرجع فيه على المبتاه بمثله إن كان مثليا وبقيمته يوم بيعه إن كان مقوما ويصفه المبتاع كما تقدم فإن نكل أحدهما عما حلف على ضده الآخر قضى للحالف على الناكل وقوله
[ ٣ / ٧٩ ]
الرجوع مفعول اقتضى وفاعله ضمير تقديره هو يعود على الفوات المفهوم من فات وقوله فذاك الإشارة راجعة إلى اعتبار القيمة وقوله بيع بكسر أوله مبني للنائب ثم قام يتكلم على الاختلاف في الأجل وهو إما في أصله أو في قدره أو في انقضائه فقال
(وحيثما المبيع باق واختلف في أجل تفاسخا بعد الحلف)
(وقيل ذا إن ادعى المبتاع ما .. يبعد والعرف به قد عدها)
(وإن يفت فالقول عند مالك لمالك نهج اليمين سالك)
(وقيل للمبتاع والقولان .. لحافظ المذهب منقولان)
(وفي انقضاء أجل بذا قضي متى يقول إنه لم ينقض)
يعني أن المتبائعين إذا اختلفا في أصل الأجل كأن يقول البائع بالمعجل ويقول المشتري بل بالمؤجل أو اتفقا على التأجيل واختلفا في قدر الأجل كان يقول البائع إلى شهر ويقول المشتري بل إلى شهرين والمبيع قائم لم يفت فإنهما يتحالفان ويتفاسخان فيهما عند مالك وابن القاسم وقيل يكون هذا الحكم إذا ادعى المبتاع ما يبعد من الأجل ولم يكن بينهما عرف في ذلك المبيع يرجع إليه أما إذا كان بينهما عرف جار في ذلك فادعاه أحدهما فينبغي أن يكون القول قوله لأنه ادعى ما يشبه فإن فات المبيع بوده من وجوه القوت كالاستهلاك في الطعام وحوالة الأسواق في العروض والبيع والوقف في العقار ونحو ذلك فالقول قول البائع بيمينه عند مالك أيضا وقيل للمبتاع عند ابن القاسم فقط ونقل ابن رشد حافز مذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه هذين القولين في كتبه والمعتمد منهما أن القول للمبتاع إذا ادعى أمدا قريبا وإلا فالقول للبائع كل ذلك مع اليمين، وإن اختلفا في انقضاء الأجل بسبب اختلافهما في مبدئه هل هو أول الشهر أو نصفه مثلا ولا بينة لواحد منهما وفات المبيع فالقول للمبتاع بيمينه لأن الأصل عدم انقضاء المعاملة وقيل القول للبائع وبالأول القضاء كما قال
[ ٣ / ٨٠ ]
الناظم بذا قضي فإن الإشارة بذا راجعة إلى القول للمبتاع فإن أقام كل واحد منهما بينة عمل ببينة البائع لتقدم تاريخها كما في الزرقاني وقيل بالعكس كما تقدم في تعارض البينات عند قول الناظم. وقدم التاريخ ترجيح قبل. لامع يد والعكس عن بعض نقل وقوله متى يقول أهملت متى هنا حملا على إذا كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس على ما جاء في بعض الروايات وقوله نهج اليمين أي طريق اليمين معمول لسالك الذي هو حال من مالك الإمام لا مالك الذي هو البائع ووقف عليه بالسكون للوزن أو على لغة ربيعة ثم انشأ يتكلم على الاختلاف في قبض الثمن أو السلعة فقال
(والقول قول مشتر بعد الحلف في القبض فيما بيعه نقدا عرف)
(وهو كذا لبائع فيما عدا مستصحب النقد ولو بعد مدى)
(كالدور والرقيق والرباع ما لم يجاوز حد الابتياع)
(والقبض للسلعة فيه اختلفا جار كقبض حكمه قد سلفا)
يعني إن المتبايعين إذا اختلفا في قبض الثمن فقال المشتري دفعت الثمن وقال البائع لم يدفع لي شيئا فالحكم في ذلك الرجوع للعرف الجاري بين الناس في ذلك المبيع فما جرت العادة بقبض صمنه حين العقد كاللحم والفواكه والخضر وما أشبه ذلك فالقول قول المشتري انه دفع الثمن للبائع مع يمينه وله قلبها وسواء كان الاختلاف بعد الافتراق أو قبله كثر المبيع أو قل ادعى الدفع قبل قبض المبيع أو بعده على القول المعتمد وما جرت العادة بأنه يباع وقد يتأخر قبض ثمنه لأسباب كالدور والحيوان وما أشبه ذلك فالقول قول البائع انه لم يقبض الثمن وسواء قام في الحين أو بعد زمن وقوع البيع ما لم يجاوز في ذلك حد الابتياع الذي لا يمكن الصبر إليه عادة بدون حد (فرع) إذا اشهد البائع بقبض الثمن ثم قام يطلبه وقال إنما أشهدت على نفسي
[ ٣ / ٨١ ]
به ثقة مني بالمشتري فانه لا يصدق وإنما له اليمين على المشتري إن قام بالقرب كالعشرة الأيام على القول الذي به العمل كما تقدم في فصل الاختلاف في القبض من مسائل النكاح (وإذا) اختلفا في قبض المبيع فقال المشتري لم اقبضه وقال البائع بل أقبضته إياه فالحكم في ذلك كحكم اختلافهما في قبض الثمن فان كان المبيع مما جرت العادة بتسليمه للمشتري عند قبض ثمنه فالقول للبائع بيمينه وان كان مما جرت العادة بتراخي قبضه فالقول للمشتري بيمينه ما لم يجاوز في >لك حد الابتياع الذي لا يمكن الصبر إليه عادة بدون حد كما مر وقد حد بعضهم ذلك بالعام والعامين وحدها بعضهم بعشرين سنة وضعف هذا القول (فرع) قال ابن سلمون في رسم بيع الأرض والعقار ما نصه ومضى العمل بإلزام البائع الإنزال إذا طلب ذلك المبتاع فله ذلك إذا كان ما بينه وبين تمام العام فإذا انقضى العام لم يكن للمبتاع قيام وسقط عن البائع الطلب بذلك وكذلك إن اقر المبتاع بالملك للبائع فيلزمه التحديد ولا يلزمه الإنزال قرب أو بعد وكذلك إن انعقد في هذه الوثيقة انه عرف جميع ما ابتاعه وحدوده ونزل فيه وابرأ البائع من ذلك الإنزال والتحديد اهـ ونمه صاحب العمل الطلق قال شارحه قال ابن مغيث قال احمد بن محمد وان سقط من وثيقة الابتياع ذكر الإنزال فطلبه المبتاع بذلك لزمه أن ينزله في ذلك فان اختلفا أي في الحد فقال المبتاع من هنا إلى هنا ابتعت منك وقال البائع بل من هنا إلى خلاف ما قال المبتاع فان كان ذلك على قرب من تاريخ التبايع بينهما تحالفا وتفاسخا البيع إذا عدمت البينة في ذلك وان مضى لتاريخ البيع سنة سقط الإنزال وان كان في وثيقة الابتياع براءة الإنزال كان القول قول البائع مع يمينه قال غير واحد من الفقهاء وبه مضى العمل اهـ فإذا أراد المشتري أن يحل في العقار الذي اشتراه بعد السنة وجده بيد الغير فان كان سكوته لعذر شرعي فان حكم الإنزال لا يسقط عن المشتري كالشفعة وإلا كانت الخصومة مع من بيده الحوز ولا يفيده عقد الشراء إلا مع البائع لان الإنسان قد يبيع ما لا يملك وتكون النازلة من باب الاستحقاق الأتي بيانه فموضعها هناك والله اعلم
[ ٣ / ٨٢ ]
فقول الناظم في القبض أي قبض الثمن وقوله وهو كذا لبائع الضمير راجع للقول والتقدير كما أن القول للمشتري في المنيع الذي عرف بيعه بالقبض كذلك القول للبائع في عدم قبض ثمن المنيع الذي لم يعرف بيعه بالقبض ولا باستصحاب تعجيل ثمنه عند قبض المنيع بل تارة يقبض ثمنه وتارة لا يقبض كما مر وقوله مدى أي أزمان جمع مدة وقوله والقبض مبتدأ وجار خبره والقبض الذي سلف أي تقدم حكمه هو قبض الثمن ثم جعل يتكلم على اختلافهما في الصحة والفساد فقال
(والقول قول مدع للأصل أو صحة في كل فعل فعل)
(ما لم يكن هناك عرف جار على خلاف ذاك ذو استقرار)
يعني أن المتخاصمين إذا ادعى احدهما البيع وانكره الأخر"فالقول قول منكره بيمينه لأنه الأصل أو ادعى الغريم خلاصه من الدين الذي عليه وادعى رب الدين عدم الخلاص معه فيه فالقول قول رب الدين بيمينه لان الأصل بقاء ما كان على ما كان أو ادعى احدهما إن البيع وقع على شرط كذا وانكره الأخر فالقول لمن انكر وقوع الشرط وقد تقدم شيء من هذا عند قول الناظم
والمدعي عليه من قد عضدا مقاله عرف أو اصل شهدا
والمدعى عليه باليمين في عجز مدع عن التبيين
أو ادعى احدهما صحة العقد وادعى الأخر فساده لعدم توفر شروط صحته أو لاشتماله على شرط من شروط الفساد المتقدمة كان لا يبيع مثلا فان القول لمدعي الصحة لأنها الأصل في عقود المسلمين إلا إن يكون في ذلك الشيء المدعى فيه عرف جار بين الناس قد ثبت واستقر على خلاف الأصل بن كان الغالب عليها الفساد كما هو موجود بكثرة في العقود اليوم بل منذ أزمان فان القول حينئذ لمدعي ما يقتضيه العرف في كل عقد عقد بيعا كان أو غيره هذا كله إذا فات المبيع وإلا فيتحالفان ويتفاسخان وقوله ذاك الإشارة راجعة إلى المبيع وذاك الثاني إشارته راجعة إلى الأصل أو الصحة وقوله
[ ٣ / ٨٣ ]
ذو استقرار نعت ثان لعرف بعد نعته أولا بجار ثم اخذ يتكلم على اختلافهما في تابع المبيع فقال
(وتابع المبيع كالسرج اختلف فيه يرد بيعه بعد الحلف)
(وذاك إن لم يفت المبيع ويبدأ اليمين من يبيع)
(وذا الذي قال به ابن القاسم وأن يفت فلاجتهاد الحاكم)
يعني إن المتبايعين إذا اختلفا في تابع المبيع كالسرج والاكاف أي البردعة واللجام للدابة والثمرة المابورة وخلفة القصيل ونحو ذلك مما لا يتناوله المبيع إلا بشرط كما مر فادعى المشتري إن البيع وقع على الدابة بسرجها ولجامها أو باكافها أو على الشجر بثمره الموجود فيه أو على القصيل بخلفته وانقره البائع في ذلك فانهما يتحالفان ويتفاسخان ويبدأ البائع باليمين عند ابن القاسم كما سبق في الاختلاف في الثمن ويرد البيع من أصله وله قلب اليمين على المشتري هذا إذا لم يفت المبيع فان فات بأحد المفوتات المتقدمة فان الحكم في ذلك يكون لاجتهاد الحاكم فيمن يشبه منهما فان ظهر له إن الشبه للمشتري عمل على قوله مع اليمين وسواء أشبه البائع أيضا أم لا وان ظهر له أن الشبه للبائع قضى له بيمينه فان لم يشبها معا تحالفا ويبدأ المشتري كما مر ومضى بالقيمة ثم ذكر مسئلتين من المسائل التي يكون القول فيها لمدعي الأصل فأشار إلى الأولى منهما بقوله
(وبيع من رشد كالدار ادعى بأنه في سفه قد وقعا)
(للمشتري القول به مع قسم وعكس هذا لابن سحنون نمى)
يعني إن من باع دارا لرجل مثلا قام عليه بدعوى إن البيع الذي صدر منه كان في حال سفهه قبل الترشيد الذي هو متصف به ألان وانه يريد إبطال البيع ورد المبيع إلى يده وأجابه المشتري بأنه ما اشتراه منه إلا بعد الترشيد وخروجه من
[ ٣ / ٨٤ ]
الولاية عليه وليس للشراء حجة مؤرخة تدل على تقدمه على تاريخ الترشيد أو تأخره فعلى البائع البينة انه باع ذلك قبل رشده لأنه مدع فان لم تكن له بينة فعلى المشتري اليمين انه باع وهو رشيد فان نكل حلف البائع وأخذ المبيع بعد رد الثمن إن صرفه في الشيء الذي لا بد له منه شرعا فان نكل عن اليمين بقي المبيع بيد المشتري.
وقال محمد ابن سحنون القول للبائع انه وقع منه البيع في حال السفه وعليه فالبينة على المشتري انه باع وهو رشيد والذي صدر به الناظم هو المعتمد لان الأصل في العقود للزوم والبائع يدعي عدمه فلهذا كان مطلوبا بالبينة لان دعواه على خلاف الأصل والمشتري مطلوب باليمين لأنه جاء على الأصل وليست هذه المسئلة كالتي بعدها من مسائل الصحة والفساد كما شرحه به بعض شراحه بل هما من مسائل اللزوم وعدم اللزوم لان بيع المميز والسفيه صحيح لاكنه غير لازم كما تقدم وقوله به الضمير للبيع والياء بمعنى في وقوله نمي أي نسب وأشار إلى الثانية بقوله
(ومن يكن بمال غيره اشترى والمشترى له للأمر أنكرا)
(وحلف الأمر فالمأمور منه ارتجاع ماله مأثور)
(وماله شيء على من باعا ما لم يكن قد صدق المبتاعا)
(وقيل بل يكون ذا تخير في أخذه من بائع أو مشتر)
(والبيع في القولين لن ينتقضا والمشتري له المبيع مقتضي)
يعني إن من اشترى شيئا بمال غيره وادعى أن ربه أمره بالشراء وانكره رب المال وقال ما أمرته بشرائه فرب المال مدعى عليه لأنه متمسك بالأصل وهو عدم الإذن والمشتري الذي هو مأمور بدعواه مدع فعليه البينة فان لم تكن له بينة في ذلك حلف الأمر ادعاه انه لم يأمره بالشراء واخذ ماله من المشتري المدعي انه مأمور وليس لرب المال رجوع على البائع بالمال على القول المروي عن اصبغ إلا أن يكون البائع صدق
[ ٣ / ٨٥ ]
المشتري في قوله إن رب المال أمره بالشراء فانه يرتجع منه ماله لزوما هذا هو القول المشهور وقيل إن رب المال مخير في اخذ ماله ممن شاء منهما سواء صدق البائع المشتري أو لم يصدقه فان أخذه من المشتري فلا كلام لان ما اشتراه يكون له وان أخذه من البائع رجع به على المشتري وعلى كل من القولين فان البيع لازم لا ينتقض بحال لصحته ولزومه وحينئذ فيكون المبيع للمشتري مقتضي أي مقبوضا (ومفهوم) قوله والمشترى بفتح الراء له أي رب المال للأمر انكرا انه إذا لم ينكر الأمر فانه يكون له وهو كذلك وقوله منه ضميره يعود على المأمور وارتجاع مضاف وماله مضاف إليه ومأثور أي مروي نعة لإرجاع كذا قال بعضهم والأحسن إن يكون فالمأمور مبتدأ أول وارتجاع مبتدأ ثان ومأثور خبر المبتدأ الثاني وهو وخبره خبر عن المبتدأ الأول والرابط بين المبتدأ والخبر الضمير المجرور بمن وضمير ماله بكسر اللام للأمر وضمير ماله بفتح اللام الجارة يعود على رب المال الأمر واسم يكن الآوى للبائع واسم يكن الثانية لرب المال وضمير أخذه للثمن وألف انكرا وباعا للإطلاق ولا للأمر زائدة ثم قال
﴿فصل في حكم البيع على الغائب﴾
وأما ما ذكره معه من الطلاق والعتق فهو استطراد لمناسبة وجود التفويت في كل (واعلم) إن الخصم إذا حضر وحده لدى القاضي فلا يخلو حال المطلوب إما إن يكون تحت حكم القاضي الذي رفع أمره إليه أو يكون خارجا عن حكمه فان كان تحت ولايته فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن يكون حاضرا معه في البلد فهذا يوجه القاضي إليه عونا يجلبه وإما إن يكون خارجا عن البلد قريبا منه مع امن الطريق فهذا يكتب القاضي إليه مراسلة بالأمر بالحضور لأنه في حكم الحاضر وإما إن يكون بعيدا عن البلد بعدا حسيا من جهة المسافة أو معنويا من جهة الخوف فالحكم في هذا أن يكتب القاضي لنائبه أو لأمثل القوم إن يفعل ما يجب فعله من النظر في حال الخصمين أو يوجه النازلة إلى محل الحكم كما هو معلوم عندنا بالقطر التونسي أدام
[ ٣ / ٨٦ ]
الله عمرانه وشيد أركانه بالعلم والعلماء بجاه سيد الأنبياء كما تقدم في فصل رفع المدعى عليه وهو قول الناظم
ومن على يسير الأميال يحل فالكتب كاف فيه مع امن السبل
ومع بعد أو مخافة كتب لأمثل القوم أن افعل ما يجب
إما بإصلاح أو الإغرام أو أزعج المطلوب للخصام
وان كان خارجا عن ولايته فله حالتان إما إن تكون غيبته عارضه لتجارة ونحوها وهذا هو المراد بالغائب هنا وإما إن تكون غيبته أصلية بان كان المحل الذي هو فيه وطنه فهذا يكون التحاقكم معه في بلده كما تقدم هذا كله إذا أريد الخصام معه وإما إذا أريد الحكم عليه وهو المراد هنا فله ثلاث حالات أيضا قريب غير القرب المتقدم ومتوسط وبعيد ثم شرع في بيانها فقال
(لطالب الحكم على الغياب ينظر في بعد وفي اقتراب)
(فمن على ثلاثة الأيام ونحوها يدعى إلى الأحكام)
(ويعذر الحاكم في وصوله بنفسه للحكم أو وكيله)
(بعد ثبوت الموجبات الأول كالدين والغيبة والتمول)
(وما من الدين عليه قضيا وكالطلاق والعتاق امضيا)
(وماله لحجة ارجآء في شأن ما جرى به القضاء)
(إلا مع اعتقاله من عذر مثل العدو وارتجاج البحر)
الأبيات الثمانية يعني أن الغائب الذي يريد القاضي الحكم عليه بطلب خصمه على مذهب مالك رضي الله تعالى عنه على ثلاثة أقسام كما قال ابن رشد لأنه لا يخلو إما
[ ٣ / ٨٧ ]
أن يكون قريبا كالثلاثة الأيام مع أمن الطريق وإما أن يكون بعيدا بعدا متوسطا كالعشرة الأيام وإما أن يكون بعيدا جدا كافريقية من المدينة أو مصر فأشار الناظم إلى القسم الأول بقوله فمن على ثلاثة الأيام الخ فهذا يعذر إليه بالكتب بأن يحضر مع خصمه للمحاكمة إما بنفسه أو يوكل فإن امتنع من الحضور حكم عليه في الدين ويباع عليه ماله من اصل وغيره؟؟؟ كما تقدم في الآجال وهو قوله وبيع ملك لقضاء دين قد أجلوا فيه إلى شهرين وكذا في استحقاق الأصول والعروض والحيوان ونحوها والطلاق والعتاق وغير ذلك معنى قوله مطلقا وذلك بعد إثبات الموجبات الأول التي يبني عليها القاضي حكمه فلهذا قيل فيها الأول فلا يباع ماله حتى يثبت الدين وغيبة المدين وامتناعه من الحضور وتسمية الشهود وملكه للمبيع واستمرار الملك وحيازة الشهود له وان يكون أولى بالبيع من غيره أو ءاخر ما يباع عليه والأعذار إليه بالإمهال بقدر ما يراه الموجب لتنفيذ الحكم عليه وكذا يحكم عليه بطلاق زوجته بعد ثبوت الزوجية واستمرارها وثبوت الشرط إن كان الطلاق به أو ثبوت الإعسار بالنفقة إن كان الطلاق به وغير ذلك مما تقدم في بابه وكذا يحكم عليه بعتق عبده بعد ثبوت الموجبات والأعذار كما تقدم ويمين القضاء على من ثبت له الحق وقد تقدم الكلام عليها عند قول الناظم
وللتي بها القضا وجوب في حق من يعدم لو يغيب
ولا ترحبي له حجة في جميع ما ذكر إلا لعذر بان كانت الطريق غير مأمونة ولا مسلوكة أو كان البحر لا يمكن الركوب فيه لكثرة الرياح فهذا يحكم عليه وترحبي حجته كما قال ابن رشد هذا كله جار على أعمال المتقدمين وأشار إلى القسم الثاني بقوله
(والحكم مثل الحالة المقررة فيمن على مسافة كالعشره)
(وفي استحقاق اصل اعملا والخلف في التفليس مع علام الملا)
(وذا له الحجة ترجى والذي بيع عليه ماله من منقذ)
[ ٣ / ٨٨ ]
(ويقتضي بموجب الرجوع من الغريم ثمن المبيع)
يعني أن من كانت غيبته متوسطة بين القرب والبعد وهو ما كان على العشرة الأيام ونحوها فإن حكمه حكم ما تقرر في قريب الغيبة في كونه يحكم عليه في كل شيء ما عدا الاستحقاق في الأصول فانه لا يحكم عليه به في غيبته وهل يفلس الغائب وإذا فلس حلت عليه ديونه كلها ومن وجد عنده سلعة بعينها أخذها أو حاصص بثمنها الغرمآء ويكون المدين الغائب الغيبة المتوسطة بعد الحكم عليه باقيا على حجته بخلاف قريب الغيبة الذي لم يكن عنده عذر كما مر فان قدم وأثبت البراءة من الدين فانه يرجع فيه على الغريم الذي هو رب الدين بثمن المبيع وليس له نقض البيع وقولا اعملا مبني للنائب وألفه للإطلاق وضميره نائب فاعل يعود على الحكم والإشارة بذا إلى الغائب غيبة متوسطة وقوله ما له من منقذ ما نافية وله جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها مقدم ومن حرف جر زائد ومنقذ بالقاف اسمها مؤخر وفاعل يقتضي ضمير الغائب وباء بموجب سببية تتعلق يقتضي وموجب الرجوع هو البراءة من الدين ومن الغريم أي رب الدين متعلق يقتضي أيضا وثمن المبيع مفعول به وأشار إلى القسم الثالث بقوله
(وغائب من مثل قطر المغرب لمثل مكة ومثل يثرب)
(ما الحكم في شيء عليه يمتنع وهو على حجته لم تنقطع)
(والحكم ماض أبدا لا ينقض وما به افيت لا ينتقض)
(لاكن مع براءة يقضى له بأخذه من الغريم ماله)
يعني أن من كان منقطع الغيبة على مسافة بعيدة جدا مثل المدينة المنورة المسماة بيثرب أو مصر من المغرب أو تونس من الأندلس ونحو ذلك فانه يحكم عليه في كل شيء
[ ٣ / ٨٩ ]
من الديون والاستحقاق في الأصول وغيرها وترجى له الحجة فإذا قدم وأثبت براءته مما وقع الحكم عليه به فان بيع عليه شيء من ماله ثبت البيع ويرجع على غريمه الذي هو رب الدين بما قبضه من الثمن هذا وقد تقدم الكلام أوائل البيوع على عيوب الرقيق والحيوان ثم ذكر هنا عيوب الأصول والعروض فقال
﴿فصل في العيوب﴾
اعلم إن العيب الذي يوجد في الأصول لا يخلو من ثلاثة أوجه إما يسير جدا وإما متوسط وإما كثير جدا متفاحش وقد أشار الناظم إلى الأول منها بقوله
(وما من الأصول بيع وظهر للمشتري عيب به كان استتر)
(فان يكن ليس له تأثير في ثمن فخطبه يسير)
(وما لمن صار له المبيع رد ولا بقيمة رجوع)
يعني إن من اشترى دارا مثلا فوجد بها عيبا يسيرا كان مستترا على المشتري وقت التقليب كهدم الشرافات فان البيع ثابت لا يرد بحال ولا يرجع المشتري بقيمته على البائع لان خطبه وأمره يسير لا يعتبر لأنه لا يؤثر في الثمن شيئا إن اطلع عليه قبل العقد وأشار إلى الوجه الثاني بقوله
(وان يكن ينقص بعض الثمن كالعيب عن صدع جدار بين)
(فالمشتري له الرجوع هاهنا بقيمة العيد إذا تعينا)
يعني إن من اشترى ربعا فوجد به صدعا ونحوه في حائط لم يطلع عليه ولم تبلغ قيمته قدر ثلث الثمن كما يأتي فان البيع لا ينقض وإنما يرجع المشتري على البائع بقيمته فان قال له البائع أردد علي ملكي وخذ مالك أو امسك ولا شيء لك لم يكن له ذلك على القول المشهور ومقابله إن البائع لا يجبر على رد قيمة العيب وهو بالخيار
[ ٣ / ٩٠ ]
إن شاء رد القيمة وان شاء قال للمشتري اصرف علي المبيع وخذ جميع ثمنك إلا إن يفوت المبيع فيتعين الارش قال المازري وهو مقتضى القياس قال الشيخ مياره وهو الذي جرى به العمل عندنا بفاس والضمير في يكن وينقص بفتح أوله وضم ثالثه يعود على العيب وبعض الثمن بالنصب معمول لينقص وأشار إلى الثالث بقوله
(وان يكن لنقص ثلثه اقتضى فما علا فالرد حتم بالقضا)
يعني إن من اشترى حانوتا مثلا فوجد به عيبا خطيرا يخاف على المحل السقوط منه أو كان العيب واجهة دار إذا كان المبيع دارا تبلغ قيمته ثلث الثمن فأكثر فهذا يثبت للمشتري الرد به ويرجع بجميع ثمنه على البائع فان كان الثمن عينا رجع بمثله وان كان عرضا رجع في عينه إن كان قائما وان فات بحوالة سوق رجع بقيمته وان كان مما يكال أو يوزن رجع في عينه فان تغير سوقه أو استهلك رجع بمثله كما يرجع على البائع بما دفعه لكمكاس إذا كان مدلسا ولا يرجع البائع على السمسار كما يأتي إلا إذا كان مثله في العلم فيرجع البائع به عليه كما في لب اللباب ثم قال
(وكل عيب ينقص الاثمانا في غيرها رد به ما كانا)
(وبعضهم بالأصل عرضا الحقا في أخذ قيمة على ما سبقا)
يعني إن من اشترى أي شيء كان من غير الأصول فوجد به عيبا يحط من ثمن المبيع فله الرد به مطلقا سواء نقصت قيمته عن عشر الثمن أو زادت عليه هذا معنى قوله رد به ما كانا أي قليلا كان أو كثيرا بشرط كون العيب مما يخفى عند التقليب ويقوم بالفور كما يأتي قريبا هذا هو المشهور وبعضهم الحق العرض بالأصل في اخذ قيمة العيب إن كان متوسطا وفي الرد به إن كان قدر الثلث فأكثر على نحو ما سبق وقوله عرضا مفعول مقدم بالحقا وفاعل الحقا ضمير يعود على بعضهم وبالأصل متعلق به والقه للإطلاق كألف كانا وسبقا (ولما) كان الاختلاف بين المتبايعين تاره يكون في وجود العيب وعدم وجوده وتارة يكون في قدمه وحدوثه وقلته وكثرته وان ذلك
[ ٣ / ٩١ ]
يقتضي طلب الحجة من مدعيه على منكره فان لم يجدها فيرجع إلى إخبار من له النظر والمعرفة بالعيوب من الأمناء العارفين أشار إليه الناظم بقوله
(ثم العيوب كلها لا تعتبر إلا بقول من له بها بصر)
يعني إن المبتاع إذا قام على البائع بعيب وجده في المبيع وادعى البائع انه لا عيب فيه وقت البيع وانه حدث عنده أو وافقه على وجود العيب غير انه خالفه في الكثرة فان الحاكم يكلف المبتاع بثبوت ما ادعاه حيث أراد الرد بالكثير أو أخذ الارش في المتوسط فإذا طلب إثباته بمن له النظر أجيب إلى مطلبه ويعين له القاضي اعرف الناس من العدول إن كانوا وإلا فمن غيرهم وان مشركين كما مر عند قوله
ويثبت العيوب أهل المعرفة بها ولا ينظر فيهم لصفه
فان اخبروه بما ينتفع به المبتاع وطلب البائع الأعذار فيهم بمن هو اتقى واعرف مكنة القاضي من ذلك واجله كما مر في الآجال فان عجز عن الطعن فيهم حكم عليه بعد الأعذار إليه بابقيت لك حجة (تنبيه) قد تقدم الكلام على المبتاع وهو إن كان غير عارف بالعيوب فانه يرجع بالعيب ظاهرا كان أو خفيا وان كان عارفا بها فلا رجوع له بالعيب الظاهر اتفاقا وفي رجوعه بالعيب الخفي خلاف ثم شرع يتكلم على بعض موانع الرد بالعيب وهي إما قول كان يطلع المبتاع عليه ويقول رضيت به أو سكوت أو فعل واليهما أشار الناظم بقوله
(والمشتري الشيء وبعد يطلع فيه على عيب قيامه منع)
(إلا على الفور ومهما استعملا بعد إطلاعه المعيب بطلا)
(كاللبس والركوب والبناء والهدم والجماع للإماء)
يعني إن من اشترى شيئا فاطلع فيه على عيب قديم يوجب الرد أو الارش فان قيامه على البائع به ممنوع لا تسمع دعواه عليه فيه إلا إذا قام بالفور كاليومين والثلاثة إن
[ ٣ / ٩٢ ]
كان سكوته بعد الإطلاع عليه لعذر خوف كما مر فله القيام وكذا لا قيام له إذا استعمل المعيب استعمالا يدل على رضاه به كلبس الثوب أو عرضه للبيع وكذا ركوب الدابة في الحضر اختيارا لا في سفر أو عمل بها ما يحسن هيأتها ومما يدل على الرضى الهدم والبناء وجماع الجارية ونحو ذلك وحينئذ فلا شيء له من ارش ولا من غيره وفي نوازل العيوب من البرزلي سئل هاشم بن احمد عمن ابتاع إملاكا على الحرية من رجل ثم طولب بعشور فقام على البائع بذلك فأنكر البيع فأثبته المشتري وان على الأملاك عشورا قديمة فاعذر للبائع قلم يكن له مدفع إلا انه اثبت إن المشتري اعتمر وعرض للبيع بعد إطلاعه على العيب فأجاب بأنه إذا اثبت المشتري العيب والبيع ولم يكن للبائع مدفع إلا ما ذكر بعد إنكاره البيع فانه تناقض منه لأنه كذب بينته حين إنكاره البيع وارى إن يقضي عليه ولا تسمع له حجة بعد هذا وبه قال جميهم اهـ وقد تقدمت الإشارة إلى هذا عند قول الناظم ومنكر للخصم ما ادعاه البيتين وقوله المعيب معمول لاستعملا وألفه للطلاق كألف بطلا وقوله
(وكامن يبدو مع التغيير كالسوس لا يرد في المأثور)
يعني إن من اشترى شيئا فوجد به عيبا لا يظهر إلا بتغيير ذاته كسوس الخشب ومرارة الفقوس والبطيخ وفساد داخل الجوز ونحوه فليس للمشتري إن يرد به في القول المروي في المذهب إلا إذا ثبت إن البائع يعلم ذلك وكتمه فله الرد حينئذ وله تحليفه إن اتهمه بالعلم وكذا إذا باع زريعة للزراع يعلمها لا تنبت فلمن اشتراها منه الرجوع عليه بثمنها لتدليسه فان كانت قائمة ردها عليه بعينها وان زرعها والحالة ما ذكر فلا شيء على المشتري ومن اشترى رحى فوجدها متربة فانه يردها مطلقا علم بها البائع أو لمي علم لأنها لا ينتفع بها ثم قال
(والبق عيب من عيوب الدور ويوجد الرد على المشهور)
يعني أن من اشترى دارا أو سريرا فوجد بما ذكر بقا كثيرا فله الرد به لأنه من
[ ٣ / ٩٣ ]
العيوب التي توجب رد المبيع على القول المشهور وبه القضاء وكذا من اشترى ثوبا فوجد به قملا أو صيبانا كثيرا فله الرد به لأنه عيب يحط من الثمن ثم قال
(وأجرة السمسار تسترد حيث يكون للمبيع رد)
يعني إن من اشترى ملكا ثم رده على بائعه بحكم حاكم بعيب أو فساد ونحوهما وكان البائع قد دفع للدلال جعلا الذي عبر عنه الناظم بالأجرة فان البائع له إن يرد الجعل الذي دفعه للدلال إذا كان غير مدلس إما إذا كان مدلسا فلا رد لأنه ادخل السمسار في التعب وهو ظالم في تدليسه كما إذا كان الرد بدون حكم حاكم فلا رد له لأنه كالإقالة كما في ابن رحال وإما الإجارة فأنها لا ترد مطلقا والفرق بينهما إن الاجارة في مثل هذا عبارة عن العوض الذي يعطى للدلال على المنادات مدة معلومة سواء بيع ذلك الشيء أم لا وإما الجعل فهو عبارة عن العوض المعلق على البيع فان لم يحصل بيع فلا شيء له كما هو معلوم وحيث وقع رد المبيع أوجب فكأنه لم يحصل بيع البتة فلهذا كان للبائع استرجاعه إذا دلس ولم يعلم بتدليسه لأنه أتعبه والله اعلم قال
(وحيثما عين قاض شهدا للعيب فالأعذار فيهم عهدا)
يعني إن القاضي إذا عين شهودا من أهل المعرفة ليخبروه بحال المبيع الذي وقع النزاع فيه بين المتداعيين فإذا اخبروه بشيء وكتبه فانه يمكن من أراد الطعن فيه بالأعذار من جهة المعرفة كما مر أو بكثرة الكذب لا من جهة العدالة كما تقدم فان أتى من طلب الأعذار فيهم بمن هو اعلم واتقى منهم واخبره بنقيض ما اخبره به الآخرون فانه يسمع منه ما أتى به بما ينفعه وإلا حكم عليه بعد إتمام موجبات الحكم وقول الناظم عهدا أي علم جوازه من الايمة ثم قال
﴿فصل في الغبن﴾
بفتح الغين وسكون الباء وهو في اللغة من غبنه في البيع والشراء غبنا من باب ضرب
[ ٣ / ٩٤ ]
مثل غلبه فانغبن وغبنه أي نقصه وغبن بالبناء للمفعول فهو مغبون أي منقصوص في الثمن أو غيره قاله صاحب المصباح. وفي الاصطلاح هو عبارة عن بيع شيء معلوم ذاتا وصفة بأقل من قيمته بكثير فيغبن البائع أو شراؤه بأكثر من قيمته بكثير لغير حاجة عرضت فيغبن المشتري وفي جواز القيام به وعدم الجواز قولان احدهما يجوز القيام به لاكن بشروط ثلاثة واليه ذهب الناظم رحمه الله تعالى فقال
(ومن بغبن في مبيع قاما فشرطه إن لا يجوز العاما)
(وان يكون جاهلا بما صنع والغبن في الثلث فما زاد وقع)
(وعند ذا يفسخ في الأحكام وليس للعارف من قيام
يعني انه يجوز للمغبون القيام بالغبن بائعا كان أو مشتريا إذا لم يمض عليه عام بعد البيع أو الشراء وان يكون المغبون منهما جاهلا بالقيم والأثمان وان يكون الغبن ثلثا فأكثر فإذا اجتمعت هذه الشروط المذكورة فسخ العقد لا لكونه فاسدا بل هو عقد صحيح لاكنه غير لازم من جهة النقص فلهذا يجوز لكل واحد منهما الرضى بعد الإطلاع وكذا إذا فات ببيع ونحوه مضى بالثمن لا بالقيمة والقول الثاني عدم جواز القيام بالغبن وهو المشهور وبه العمل إلى الآن وهذا الخلاف إنما هو في حق الرشيد إذا باع ماله واشترى لنفسه وإما الوكيل أو الوصي إذا باع أو اشترى لموكله أو لمحجوره بما لا يتغابن الناس بمثله ولو دون الثلث فانه يرد اتفاقا لان كل واحد منهما معزول عن المصلحة المرجوحة وكذلك يرد البيع إذا كان المعقود عليه مجهولا لم تعلم حقيقته لا بالمشاهدة ولا بالصفة لفساده كما تقدم في شروط البيع وقول الناظم في الثلث بسكون اللام وقوله وليس للعارف من قيام تصريح بفهوم قوله وان يكون جاهلا بما صنع للتوكيد ثم قال
[ ٣ / ٩٥ ]
﴿فصل في الشفعة﴾
(اعلم) رزقني الله وإياك التوفيق والهداية إلى أحسن طريق إن أبحاث الشفعة ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحا (والثاني) في أركانها (والثالث) في أسبابها وشروطها وموانعها (والرابع) في حكمها (والخامس) في حكمتها (والسادس) في اصل مشروعيتها (فإما) معنى الشفعة في اللغة هو قول صاحب المصباح شفعت الشيء شفعا من باب نفع ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها اثنتين ومن هنا اشتقت الشفعة وهي مثل غرفة لان صاحبها يشفع ماله بها وهي اسم للملك المشفوع مثل اللقمة اسم للشيء الملقوم وتستعمل بمعنى التملك لذلك الملك ومنه قولهم من ثبتت له شفعة فاخر الطلب بغير عذر بطلت شفعته ففي هذا المثال جمع بين المعنيين فان الأولى للمال والثانية للتملك ولا يعرف لها فعل اهـ. ونقل ابن ناجي الشفعة بسكون الفاء وضمها. وقال ابن رشد الأصل في تسمية اخذ الشريك الشقص الذي باع شريكه من المشتري بالثمن الذي اشتراه به شفعة هو إن الرجل في الجاهلية كان إذا اشترى حائطا أو منزلا أو شقصا من حائط أو منزل اتاه المجاور أو الشريك فيشفع إليه في أن يوليه إياه ليحصل له الملك أو يندفع عنه الضرر حتى يشفعه فيه فسمي ذلك شفعة وسمي الأخذ شفيعا والمأخوذ منه مشفوعا عليه اهـ فتكون مأخوذة من الشفاعة كذا قال بعضهم (وفي) حاشية قنون على الزرقاني قيل من الشفع بمعنى الزيادة لأنه يزيد مال شريكه لماله ومنه قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة أي يزد عملا صالحا لعمله كذا في بعض التفاسير اهـ (وإما) معناها في الاصطلاح فقد عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي استحقاق شريك اخذ مبيع شريكه بثمنه اهـ أي للشريك اخذ مبيع شريكه من المشتري بثمنه الذي وقع البيع به أو تركه له بسبب الاستحقاق الذي ثبت له بالبيع هذا هو المراد بالاستحقاق هنا لا الاستحقاق الأتي في بابه وعرفها الشيخ خليل بقوله الشفعة اخذ شريك ممن تجدد ملكه اللازم اختيارا
[ ٣ / ٩٦ ]
بمعاوضة عقارا بمثل الثمن أو قيمته أو قيمة الشقص اهـ. وأما أركانها فخمسة المأخوذ منه والأخذ والمأخوذ والمأخوذ به والصيفة (فأما) المأخوذ منه فهو الشريك الذي تجدد ملكه بالشروط الآتية لا المجاور خلافا لأبي حنيفة ﵁ وعن سائر الايمة وأما الأخذ فلا يتوجه له أخذ المبيع بالشفعة كما في ابن راشد إلا عند وجود المقتضى وهو وجود الشرط والسبب وانتفاء المانع (والسبب نفس) البيع ويشترط في كونه سببا خمسة شروط أن يكون الشفيع مالكا للرقبة وان يخرجه البائع عن ملكه بمعاوضه من بيع ونحوه وأن يكون البيع صحيحا إذ لا شفعة في الفاسد إلا بعد الفوات وأن يكون لازما فلا شفعة في الخيار إلا بعد لزومه وان يكون الملك سابقا على البيع فلو اشترى رجلان دارا صفقة واحدة فلا شفعة لاحدهما على الأخر. وأما الشروط فأربعة (الأول) أن يشفع ليملك لا لبيع (الثاني) بقاء الحصة التي يستشفع بها (الثالث) معرفة الثمن (الرابع) أن يكون البيع ثابتا (فرع) لو باع عامل المغارسة نصيبه بعد تمام العمل المشترط بينه وبين مالك الأرض فلرب الأرض أخذه بالشفعة ولو باعه قبل تمام العمل فلرب الأرض أن يرده إليه بالشفعة لأن العامل له أن يبيع قبل ذلك على طريقة ابن رشد المعمول بها وستأتي في فصل الاغتراس (وأما) المانع فهو التصريح بالإسقاط أو ما يقوم مقامه كما يأتي (وأما) المأخوذ فهو العقار وما الحق به كما سيذكره في النظم (وأما) المأخوذ به فهو ما دفعه المشتري للبائع أو لغيره كأجر كاتب الوثيقة وثمن الرق وغيرهما من المصاريف الأتي ذكرها في ءاخر بيت من الفصل ثم أن المدفوع لا يخلو أما أن يكون مثليا أو مقوما أو غيرهما فإن كان مثليا كالدراهم والحبوب فعلى الشفيع مثله للمشتري نقدا إن كان البيع نقدا أو إلى أجل أن كان البيع إلى أجل بشروطه الآتية ءاخر الفصل وبرهنه وضامنة إن كان كذلك وإن كان مقوما كالأصول والعروض فعليه قيمة ذلك الأصل أو العرض للمشتري يوم البيع كما يدفع للمشتري قيمة ما أحدثه من حفر بئر وغرس وبناء قائما لا منقوضا وإن كان غير مثلي ولا مقوم
[ ٣ / ٩٧ ]
كالشقص الدفوع للزوجة مهرًا أو للزوج خلعًا أو صلحًا عن دم عمدًا فالشفعة تكون بقيمة الشقص المدفوع لما ذكر لأن النكام والخلع ودم العمد لا ثمن لها معلوم كما ياتي في كلام الناظم. وفي الحطاب من نكح على تفويض فدفع لزوجته شقصا قيل بنائه شفع فيه بقيمته فان دفعه بعد بنائه شفع فيه بمهر المثل اتفاقا فيهما والشقص بكسر الشين العجمة هو النصيب اهـ (وأما) الصيغة فهو كل ما يدل على الأخذ بالشفعة كالبيع. ويملك الشفيع الشقص بأحد أمور ثلاثة أما بحكم وأما بدفع الثمن وإن لم يرض به المشتري وإما بالأشهاد بمحضر المشتري على القول الراجح كما لابن عبد السلام بناء على انها بيع وهو المشهور لا أنها استحقاق فقط حتى لا يشترط حضوره كما لابن عرفه (وأما) خفية فإنه باق على شفعته ويسكت حتى يجاوز الأمد المسقط للشفعة في حق الحاضر ثم يقوم بطلبها فلا ينفعه ذلك كما في الزرقاني وغيره وإنما لا ينفعه إذا كان لغير عذر وإما إذا كان لعذر فإن شفعته لا تسقط كما يأتي (وأما) حكمها فبالنسبة للشفيع الجواز على الأصل وبالنسبة للمشتري وجوب التسليم عند وجوب السبب والشرط وانتفاء المانع كما في لب اللباب (وإما) الحكمة فيها من الشارع فلدفع ضرر الشركة التي لا تخلو من نزاع وضياع المال المشترك غالبا (وإما) الأصل في مشروعيتها فقد ثبت إن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة فيما لم ينقسم بين الشركاء فإذا وقعت الحدود وصرف الطرق فلا شفعة ولذا قال في التوضيح لا خلاف بين الايمة في وجوب الشفعة وإلى هذا الأصل اشار الناظم بقوله
(وفي الأصول شفعة مما شرع في ذي الشياع وبحد تمتنع)
(ومثل بئر وكفحل النخل تدخل فيها تبعا للأصل)
(والماء تابع لها فيه احكم ووحده أن أرضه لم تقسم)
يعني أن الشفعة إنما شرعت في الأصول كما مر في الحديث والأصول هي الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر ونحوهما إذا كانت باقية على الإشاعة بين الشركاء فإذا قسمت
[ ٣ / ٩٨ ]
ووضعت الحدود وجعل لكل قسم منها طريق ثم باع أحدهم ما خرج له بالقسمة فإن الشفعة تمتنع لمن كان شريكه لأنه صار جارا والجار لا شفعة له وسيأتي أيضًا هذا حكم العقار الذي ينقسم وليس تابعا في الانتفاع به لغيره كالدور والارضين والأشجار (وأما) ما كان تابعا لغيره وملازما له بحيث لا ينقل عنه كالبئر وفحل النخل والماء فإن الشفعة تجب فيه ما دام أصله على الشياع وبيع معه كما تجب إذا بيع التابع وحده والمتبوع باق على حاله لم ينقسم وإما أن قسم المتبوع وهو الأرض ونحوها وبقي التابع لها مشاعًا فباع أحد الشركاء نصيبه منه فلا شفعة فيه فهذه ثلاثة أوجه تجب الشفعة في الأولين منها دون الثالث على خلاف فيه يأتي بيانه. وقوله فيها الضمير يعود على المذكورات وضمير لها للأصول وضمير فيه ووحده وأرضه يعود على الماء. وبعبارة أخرى أحكم بالشفعة في الماء إذا بيع مع متبوعه أو بيع التابع وحده وسواء كان ماء أو غيره حيث لم يقسم متبوعه فإن قسم المتبوع وبقي التابع على الشياع فلا شفعة (فرع) لو أشترك جماعة في إنزال أرض محبسة وبنوا فيها دارا مثلا فإذا باع أحدهم حصته في البناء فلشريكه الأخذ بالشفعة اهـ من فتاوي عليش نقلا عن حواشي الأمير (قلت) ووقع الحكم بها في تونس (فرع) قال مالك في المدونة إن حبس أحد الشريكين حظه في دار على رجل وولده وولد وولده فباع شريكه في حظه فليس للذي حبس ولا للمحبس عليه اخذه بالشفعة إلا أن يأخد المحبس فيجعله فيما جعل نصيبه الأول اهـ مواق (فرع) لو أعمر إنسانا إنسانا جزاأ مشاعا من دار وله فيها شريك فباع شريكه فللمعر بكسر الميم أن يأخذ بالشفعة لأن الحصة ترجع إليه بعد موت المعمر بفتح الميم قال ابن الحاجب قال الناظم
(والفرن الوحمام والرحى القضا بالأخد بالشفعة فيها قد مضى)
يعني إنه اختلف في الأصول التي لا تراد إلا للاستغلال ولا تقبل القسمة كالفرن والحمام والدار الصغيرة والحانون وفحل النخل وما أشبه ذلك مما لا ينقسم إلا على ضرر فالمشهور
[ ٣ / ٩٩ ]
عدم الشفعة فيه والذي مضى به الحكم والقضاء من الخلاف وجوبها كما قال الناظم وقوله
(وفي الثمار شفعة أن تنقسم وذا إن المشهور في ذاك التزم)
(ومثله مشترك من الثمر لليبس إن بدو الصلاح قد ظهر)
معناه أن الثمرة إذا بيعت مع أصولها وكانت مؤبرة سواء بدا صلاحها أم لا فإن الشفعة واجبة فيها إن كانت أصولها قابلة للقسمة على شرط ابن القاسم الذي هو المشهور المقابل للقول المتقدم الذي به القضاء وتكون الشفعة فيها بطرقي التبع للأصل إما أن لم تكن مؤبرة عند بيعها مع أصلها فإن الشفيع يأخدها بطريق الاستحقاق لا بطريق الشفعة كما في المقدمات وذا تجب الشفعة فيها إذا بيعت مفردة بعد بدو صلاحها سواء كان أصلها قابلًا للقسمة أم لا وسواء كان الشركاء يملكون الأصل أم لا كأصحاب الحبس والمساقاة ما لم تبلغ منتهاها سواء يبست بالفعل أم لا فإذا بلغت منتهاه وهي بيد المشتري فلا شفعة فيها في الصورتين لاكن يحط عن الشفيع في الصورة الأولى ما ينوب الثمرة من الثمن إن أزهت أو أبرت يوم البيع لأن لها حصة من الثمن ويأخذ الأصل بما ينوبه وإن أشترى أصلها وليس عليها ثمر أو عليها ثمر لم يؤبر فلشفيع أخذها مع الأصل أيضا ما لم تيبس وحيث أخذها رجع المشتري على الشفيع بالمؤنة من علاج وتابير وسقي ونحو ذلك إن أبرت أو أزهت وأما قبل ذلك فلا رجوع له بالنفقة لإنه لم ينشأ عن عمله شيء كذا في البناني (قال) الزرقاني والقول له فيما انفق إن لم يتبين كذبه. وقوله أن تنقسم فإن بكسر الهمزة شرطية وفي تنقسم ضمير يعود على الأصول وذا إشارة إلى إشتراط القسم في الأشجار التي هي فيه. وقوله أن الشهور في ذاك التزم أي أن روعي القول المشهور في اشتراط القسم في أشجارها وإن لم يراع المشهور فقولان أحدهما لا شفعة فيها مطلقا والثاني لا شفعة فيها إن لم يكن الأصل بينهما إما إن كان الأصل بينهما ففيها الشفعة سواء كان الأصل قابلا للقسم
[ ٣ / ١٠٠ ]
أم لا فيكون موافقا لما به القضاء من عدم اشراط قبول قسم الأصول كما تقدم. وقوله بدو بضم أوله وسكون ثانيه فاعل بفعل محذوف يفسره الفعل المذكور تقديره ظهر قال الناظم رحمه الله تعالى
(ولم تبح للجار عند الأكثر وفي طريق منعت وأندر)
(والحيوان كله والبئر وجملة العروض في المشهور)
(وفي الزروع والبقول والخضر وفي مغيب في الأرض كالجزر)
(ونخلة حيث تكون واحده وشبهها وفي البيوع الفاسدة)
(ما لم تصحح فبقيمة تجب كذاك ذو التعويض ذا فيه يجب)
(والخلف في صنف المقاثئي اشتهر والأخذ بالشفعة فيه المعتبر)
الأبيات الستة يعني أن الجار لا شفعة له فيما باعه جاره عند أكثر العلماء كمالك والشافعي وغيرهما خلافا لأبي حنيفة كعلوا على سفل فإنه لا شفعة لصاحب العلو في السفل إذا بيع ولا شفعة لصاحب السفل في بيع العلو لإنهما جاران وإنه لا شفعة في الطريق التي يمر عليها الشركاء المختصين بها لدورهم أو أرض بينهم قسمت وصار يمر لملكه من جهة أخرى ثم باع نصيبه من الطريق وإنه لا شفعة في الأندر بفتح الهمزة وفتح الدال وهو موضع يجمع فيه الزرع يكون بين جماعة. وإنه لا شفعة في الحيوان كله (ولا) في البئر التي قسمت أرضها وبقيت على الشياع (ولا) في العروض في القول المشهور (قال) مالك ومن كان بينه وبين رجل عرض مما لا ينقسم فأراد بيع حصته قيل لشريكه بع معه أو خذ بما يعطى فإن رضي وباع حصته مشاعة فلا شفعة لشريكه. وقال ابن سهل مذهب مالك إن ما كان لا ينقسم من عروض وغيرها إلا بضرر بيع واقتسم الشركاء ثمنه ومن أراد منهم أخذه بما بلغه من الثمن فذلك له فإن تشاحوا
[ ٣ / ١٠١ ]
فيه تزايدوا حتى يقف على ءاخر الزيادة فيأخذه ويؤيدي لهم انصباءهم كذا في المواق. ولا شفعة في الزرع والبقول والخضر ومغيب في الأرض كالجزر والفجل والبطاطة. ولا في النخلة الواحدة ونحوها من الأشجار ولا في المبيع بيعا فاسدًا ما لم يبق قبل فسخه بيد مشتريه بمفوة فيصح بالقيمة وبها تكون الشفعة للشريك. واختلف في أصناف المقاثئي بالهمز كالفقوس والبطيخ والباذنجان والمشهور الراجح وجوب الشفعة فيها وقوله ونخلة الخ خلاف المعمول به وقد تقدم بيانه. وقوله كذاك الإشارة راجعة للشقص ذو التعويض. وقوله ذا إشارة إلى الأخذ بالشفعة بقيمة العرض المدفوع في الشقص لا قيمة المبيع. وقوله فيه الضمير يعود على ما دفع من المعرض ونحوه ثم شرع في موانع الشفعة ومسقطاتها فقال
(والترك للقيام فوق العام يسقط حقه مع المقام)
(وغائب باق عليها وكذا ذو العذر لم يجد إليها منفذا)
يعني أن الشفعة إذا وجبت للشريك الحاضر وسكت عن طلبها فوق العام بالشهرين والثلاثة من يوم علمه بالبيع مع قدرته على القيام بها من غير عذر شرعي فإن شفعته تسقط وظاهر النظم إنها لا تسقط إلا بما زاد على العام وإما بمجرد مضيه فلا تسقط وهو كذلك على أحد قولين لاكن القول الذي جرى به العمل واستمر سقوطها بمجرد مضي العام وإما قبل انقضائه ولو لم يبق منه غلا شيء يسير من ءاخر يوم منه فإن شفعته لا تسقط وعليه اليمين إذا بعد ما بين العلم وقيامه كالسبعة الأشهر إنه ما سكت بقصد تركها إن أتهمه المشتري وكان ممن يتهم. ومحل اشتراط مضي العام إذا لم يبن المشتري أو يغرس مع علمه وإلا فتسقط شفعته ولا ينتظر مضي العام. وإما الغائب عن البلد وقت البيع أو بعده وقبل علمه به فإن شفعته لا تسقط ولو طالت غيبته وهو عالم بالشراء ما لم يمض عليه العام من وقت علمه بعد حضوره وإلا فإن شفعته تسقط إذا كان سكوته لغير عذر إما إذا كان لعذر كخوفه على نفسه أو ماله أو كان المشتري ممن لا تناله الأحكام أو كان غير قادر على القيام بالشفعة كالحاضر المريض
[ ٣ / ١٠٢ ]
والصغير والبكر المهملين والضعيف فإن شفعتهم لا تسقط بمضي العام وإن حكمهم حكم الغائب وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وكذا. ذو العذر لم يجد إليها منفذا) ولهم بعد زوال العذر ما للحاضر القادر الذي لم يمنعه من القيام مانع (تنبيه) إذا وجبت شفعة لغائب أو عاجز او مهمل فإن كان لهم مال يوم البيع أو أكتسبوه داخل السنة كانت لهم الشفعة وإلا فلا شفعة لهم على ما به العمل وقيل المعتبر يوم النظر لا يوم البيع ومال إليه التسولي وفي ميله إليه نظر كما في حاشية المهدي قال
(والأب والوصي مهما غفلا عن حدها فحكمها قد بطلا)
يعني أن المولى عليه إذا وجبت له شفعة فلم يقم بها أبوه أو وصيه وسكتا عنها حتى انقضت السنة فإن حكمها يبطل ولا شفعة له بعد الرشد ولو كان السكوت غيره نظر لأن الحاجر لا يجب عليه أن يشتري لمحجوره (قال) الرهوني في حاشيته على الزرقاني إنه لا فرق بين السكوت والإسقاط وإن العمل على سقوطها مطلقا لنظر ولغير نظر وما في خليل خلاف المعتمد اهـ وهل سكوت مقدم القاضي عن الأخذ بالشفعة لمحجوره مثل سكوت الأب أو الوصي طريقتان مرجحتان والذي عليه عمل تونس عذم مساواته لهما وإن سكوته المدة المذكورة لا تسقط شفعة المحجور وله القيام بها بعد الرشد قال
(وإن ينازع مشتر في الانقضا فللشفيع مع يمينه القضا)
يعني إذا وقع نزاع بين المشتري والشفيع في مانع الشفعة كان يقول المشتري انقضت السنة ولم تشفع فقد سقطت شفعتك ويقول الشفيع بل لم تنقض ولا زلت على شفعتي وطلب منه تسليم الشقص ولم تكن لواحد منهما بينة فالقول قول الشفيع بعدم انقضائها مع اليمين (قال) ابن رحال وفي ابن يونس وإما الشفعة فالقول قول الشفيع إنه لم يمض ما ينقطع في مثله الشفعة لأنها وجبت له بقضية رسول الله ﷺ فمن أدعى قطعها فعليه البيان اهـ ولهذا توجهت على الشفيع اليمين لأنه مدعي عليه وله قلبها وكانت البينة على المشتري لأنه مدع قال
[ ٣ / ١٠٣ ]
(وليس الاسقاط بلازم لمن اسقط قبل البيع لأعلم الثمن)
(كذاك ليس لازما من اخبرا يثمن أعلا وبالنقص اشترا)
يعني أن الشريك إذا قال لمن يريد شراء شقص شريكه اشتر فقد سلمت له الشفعة وأشهد بذلك فله القيام بعد الشراء بطل ورد المال وكان على شفعته كذا في الحطاب نقلا عن المدونة. وقوله لأعلم الثمن أي لا أن أسقط الشفعة بعد البيع وقبل العلم بالثمن فإنها تسقط فعلم بالخفض عطف على البيع. وقوله (كذاك ليس لازما) البيت يعني أن الشفيع إذا أخبر بأن الشقص بيع بمائة مثلا فأسقط شفعته ثم تبين إنه بيع بخمسين فإن الإسقاط لا يلزمه وله الشفعة بيمينه إنه ما سلم إلا لكثرة الثمن فالتشبيه بقوله كذاك راجع للمسئلة الأولى وهي عدم لزوم الإسقاط قبل البيع وكذا إذا أخبر الشفيع بتجزئة الشقص المبيع فأسقط شفعته ثم بان إنه لم يجزأ فلا يلزمه الإسقاط أو أخبر الشريك بأن حصة شريكة اشتراها فلان فسلم له فظهر إنه اشتراها مع غيره فله القيام وأخذ الحصة كاملة ولا يلزمه التسليم للواحد كذا في المواق نقلا عن المدونة وقوله ليس فيه ضمير يعود على الإسقاط واخبرا مبني للنائب قال
(وشفعة في الشقص بعطى عن عوض والمنع في التبرعات مفترض)
يعني أن أحد الشريكين إذا دفع شقصه في مقابلة حق غير مالي كما إذا كان صداقا أو خلعا أو صلحا عن دم عمدا فإن الشفعة تكون لشريكه بقيمة الشقص كما تقدم أول الفصل لأن هذه المذكورات وما شبهها لا ثمن لها معلوم حتى تكون لها قيمة معلومة فلهذا وجب المصير إلى قيمة المبيع. وقوله والمنع في التبرعات مفترض يعني أن الشفعة لا تكون في التبرعات المحصنة كالهبة لغير ثواب والوصية ونحوهما وإنما تكون في المعاوضات وإما فير غيرها من التبرعات فهي ممنوعة على القول المشهور الذي درج عليه الناظم وقيل تجب فيها الشفعة بالقيمة وليس عليه عمل قال
[ ٣ / ١٠٤ ]
(والخلف في أكرية الرباع والدور والحكم بالامتناع)
يعني أن أهل المذهب أختلفوا في وجوب الشفعة في أكرية الرباع وعدم وجوبها والذي به الحكم والقضاء عدم وجوبها (قال) الشيخ مياره قيد بعضهم الخلاف في الكراء بما إذا انفرد عن بيع الأصل إما معه فلا خلاف في الشفعة كمن له شقص في أرض فاكراه لاجنبي ثم باع الشقص المكترى فإن لشريكه الشفعة في بيع الشقص وفي كرائه من غير خلاف انظر مجال المكناسي اهـ قال
(وليس للشفيع من تأخير في الأخذ أو في الترك في المشهور)
يعني أن المشتري إذا طلب من الشفيع الأخذ بالشفعة أو إسقاطها لدى القاضي فطلب الشفيع الإمهال لينظر في ذلك وامتنع المشتري من إمهاله فإن القاضي يجبره على الأخذ بالشفعة أو تركها ولا يؤخر ولو ساعة على القول المشهور وإن قال أخذت وطلب الإمهال للنقد فإنه يؤجل ثلاثا قال المواق ما نصه ابن رشدان وقفه الحاكم فقال أخذت وقال المشتري سلمت فعجز عن الثمن بيع عليه بمثل ماله والثمن ولا رد لواحد منهما في الأخذ والتسليم إلا بتراضيهما وإن سكت المشتري ولم يقل سلمت فأجله الحاكم في الثمن فلم يأت به إلى الأجل فللمشتري بيع مال الشفيع أو أخذ شقصه اهـ وإنما تلزمه الشفعة إن قال شفعت إذا عرف الثمن فإن لم يعرفه فله إن يرجع بعد معرفته قال الناظم
(ولا يصح بيع شفعة ولا هبتها وارثها لن يبطلا)
يعني أن الشفعة لا يجوز بيعها ولا هبتها لأن الشريك إنما جعلت له الشفعة ليزول عنه الضرر بدخول من لم يعهد شركته ولا عرف معاملته وربما طالبه بالقسمة إلى غير ذلك ولأنه إذا رضي بقطع حقه من تملك الشقص كان المشتري أولى لثبوت ملكه عليه كذا في ابن رحال نقلا على المدونة ولهذا لا يجوز لمن له الشفعة أن يشفع ليبيع كما تقدم في الشروط وما نقله التسولي عن المنجور من تمكين الشفيع من الشفعة ليبيع
[ ٣ / ١٠٥ ]
لا يعتمد عليه والمعتمد إنه لا يمكن من ذلك كما في البناني والرهوني وقد نقل الحطاب كلام لب اللباب المتقدم مقتصرا عليه والله الموفق للصواب وإما ارثها عمن وجبت له إذا مات قبل الأخذ فإنه صحيح جائز لا يبطل لأن من مات عن حق فلورثته القيام به قال
(وحيثما في ثمن الشقص اختلف فالقول قول المشتري بعد الحلف)
(إن كان ما أدعاه ليس يبعد وقيل مطلقا ولا يعتمد)
(وابن حبيب قال بل يقوم وبإختيار للشفيع يحكم)
حاصل ما في هذه الأبيات الثلاثة من المسئلة إن المشتري والشفيع إذا اختلفا في الثمنا لذي وقع به الشراء فالقول قول المشتري فيما يشبه بيمينه سواء أشبه الشفيع أم لا وإن أدعى ملا يشبه وأدعى الشفيع ما يشبه فإن القول للشفيع بيمينه فإن لم يشبها معا حلفا ويأخذ الشفيع الشقص بالقيمة أو يترك وإن نكل احدهما وحلف الأخر كان القول للحالف وإن أتى بما لا يشبه لأن صاحبه قد أمكنه بنكوله من دعواه كذا في الحطاب ونكولهما كحلفهما هذا هو المشهور وقيل قول المشتري مطلقا بيمينه أشبه أولا وليس بمعتمد وقيل يقوم الشقص قيمة عدل ويخير الشفيع إما أن يأخذ أو يترك وهذا قريب من الأول بل هو أقرب من جهة العمل. وفي الطاب الشيخ وغيره أعدل الأقاويل أن تسقط الشفعة كنسيان الثمن اهـ (قلت) فلو قال الناظم هكذا
وحيثما في ثمن الشقص اختلف فالقول قول المشتري بعد الحلف
إذا أتى بمشبه وإلا فالقول للشفيع قد تجلى
إن كان ما أدعاه مما يرتضى وإلا فالحلف لكل بالقضا
وإن يكن حلفهما قد استقر فالرد للقيمة هو المعتبر
ثم الشفيع بعد ذو اختيار في الأخذ أو في الترك في المختار
[ ٣ / ١٠٦ ]
لوفى بالقول المشهور ويقتصر عليه (فرع) قال في المعيار وفي نوازل ابن الحاج إذا ادعى المشتري إنه اشترى مقسوما وقال الشفيع بل اشتريت مشاعا إن القول قول الشفيع وعلى المدعى للقسمة البينة قال ولو أدعى المشتري إنها قسمة بت وادعى الشفيع إنها كانت قسمة اغتلال واستمتاع لمكان القول قول الشفيع وعلى المشتري البينة إنها كانت قسمة بت اهـ (فرع) وسئل ابن الحاج عن اختلاف الشفيع والمشتري (فأجاب) إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن وطال خصامهما في ذلك ووقعت الغلة ثم حكم بالشفعة فالغلة للمشتري (فرع) إذا أدعى الشفيع ليأخذ بالشفعة فإن أقر له المتبايعان بالبيع فالأمر واضح وإن أنكر أحدهما وأقر الأخر او أنكرا معا فلا شفعة ولا يمين على القول المعتمد قال
(ومن له الشفعة مهما يدعي بيعا لشقص حيز بالتبرع)
(فما ادعاه فعليه البينة وخصمه يمينه معينة)
يعني إذا وقع نزاع بين من له الشفعة والذي تملك الشقص من شريكه فإدعى الشفيع إن الشقص تملكه بالشراء وطلب أخذه بالشفعة وأدعى حائزه إنه ملكه بالتبرع بهبة لغير ثواب ونحوها فعلى الشفيع البينة إنه حازه بمعاوضة مبينة لا إجمال فيها فإن أثبت ما أدعاه على الوجه الأتم وعجز المدعى عليه عن الطعن فيها كانت له شفعته وإن لم تكن له بينة على دعواه فعلى الحائز المدعى عليه اليمين إنه صار إليه بدون عوض تسقط شفعة الشريك فإن نكل عنها وجب الشفعة للمدعي بمجرد نكوله ولا تنقلب هذه اليمين لإنها للتهمة وتكون بقيمة الشقص وحينئذ فيكون له الأخذ أو الترك هذا كله إذا لم يكثر التحيل على إسقاط الشفعة بإظهار التبرع وإلا وجب الحكم بالشفعة على القول بإن التبرعات فيها الشفعة بالقيمة كما مر والمدار في ذلك على قرائن الأحوال (وفي) نوازل المعيار (وسئل) أبو عمر بن المكوي بكسر الميم وسكون الكاف عن مسئلة وهو أن يحي بن تمام اشترى حصة من حمام فيه شريك وأشهد
[ ٣ / ١٠٧ ]
البائع ليحي في الظاهر إنه تصدق عليه به ليقطع بذالك الشفعة فقام الشريك يطلب الشفعة (فأجاب) فقهاء سبتة بعدم الشفعة وقال الشفيع للقاضي لا أرضى إلا بفتوى فقهاء الحضرة فرفع إليهم السؤال على وجهه وبدأ بابي عمر بن المكوي (فأجاب) هذه حيلة من حيل الفجار وأرى الشفعة واجبة فلما رأى ابن تمام جوابه قال هذا عاب لا يطار تحت جناحه والحق خير ما قيل هات المال وخذ حمامك اهـ وفي ابن ناجي مثله فانظر إلى هؤلاء الناس ﵏ كيف كانوا (فرع) وفي شرح ابي عبد الله محمد بن علي المصري التوزري المعروف بإبن الشباط على المنظومة الشقراطسية في مدح خير البرية (مسئلة) من له نصف دار شائع فتصدق بنصف نصيبه على رجل وباع منه النصف الأخر من نصيبه فإن تضمن ذلك كتاب واحد فهو أمر بين في التحيل على إسقاط الشفعة ويكون الثمن الذي سمي ثمن جميع نصيب البائع وتجب الشفعة بذلك للشفيع في جميع نصيب البائع وإن كانا بكتابين وتاريخين فتكونف ي المفرد بالشراء الشفعة وإما ما أفرد بالصدقة ففيه الشفعة بقيمته بعد أن يحلف المتصدق عليه إن صدقة حقيقه لم تؤخذ في بيع الشقص الأخر ولا وقع في ذاك شرط ولا حيلة لقطع الشفعة فإن نكل عن اليمين لم يعط قيمة الشقص ويضم للبعض الأخر كالصورة المتقدمة وكذلك إذا تقدم البيع وتأخرت الصدقة وإذا كان المتصدق عليه والمشتري له صغيرا وحاز له وليه فاليمين على ابيه اهـ وقوله فما ادعاه أي الذي ادعاه الشفيع قال
(والشقص لاثنين فاعلى مشترى يمنع أن يأخذ منه ما يرى)
(إن كان ما اشتري صفقة وما في صفقات ما يشاء التزما)
يعني إن من باع شقصا لرجلين فأكثر في صفقة واحدة ثم أراد الشفيع أن يشفع ما بيد بعض المشتريين دون بعض بغير رضاه فليس له ذلك وإنما الواجب له أن ياخذ جميع الشقص بالشفعة أو يتركه لمن اشتراه وإما أن كان الشراء في صفقات فللشفيع
[ ٣ / ١٠٨ ]
أخذ ما شاء وترك ما شاء. وقوله إلتزما الفه للإطلاق وفاعله ضمير يعود على الشفيع وما يشاء مفعوله مقدم ويشاء صلة ما والعائد محذوف أي يشاءه قال
(والشركاء للشفيع وجبا إن يشفعوا منه بقدر الأنصبا)
يعني أن الشفعة إذا وجبت لاثنين فأكثر من الشركاء فأخذ واحد منهم المبيع بالشفعة فإن لمن بقي من شركائه إن يدخل معه في الشفعة بقدر نصيبه فمن كان له الربع فله الربع ومن كان له الثمن فله الثمن وهكذا ولهذا كان أهل السهم الواحد في الميراث أحق بالشفعة فيه ممن عداهم من أهل السهام كالزوجات إذا ورثن الربع أو الثمن فإذا باعت أحداهن نصيبها فإن من لم تبع منهن الشفعة وهي أحق به من غيرها من أصحاب الميراث وكذلك الأخوة للإم إذا باع أحدهم نصيبه من الثلث فإن من لم يبع منهم أحق بالشفعة من غيرهم ولا يدخل الأجنبي مع الورثة فيما وقع بينهم وبعبارة أخرى إن الشركة في العقار لو حصلت بوراثة لكان المشارك في السهم أولى من غير المارك فيه كما لو ورث ثلاث بنين دارا ثم مات أحدهم عن أولاد فإن أحد الأولاد إذا باع نصيبه كان أخوته أولى من الأعمام ولو باع أحد الأعمام لدخل أولاد أخيهم معهم ولا يختص بقية الأعمام كوارث فإنه يدخل على موصى لهم بعقار باع أحدهم فلا يختص بالشفعة بقية الموصى لهم بل يدخل معهم الوارث ولا يدخل الموصى لهم مع الوارث على المشهور ثم بعد الموصى لهم المشارك الأجنبي أن أسقطوا حقهم فإذا كانت دار بين اثنين مثلا مات أحدهما عن زوجتين وعمين وموصى لهم فإذا باعت إحدى الزوجتين اختصت الأخرى بالشفعة فإن لسقطت حقها فالشفعة للعمين دون الموصى لهم والمشارك الأجنبي فإن اسقطا حقهما فللموصى لهم دون الأجنبي فإن اسقطوا حقهم فيها فللاجنبي فالمراتب أربعة قال
(وما بعيب حط بالإطلاق عن الشفيع حط بإتفاق)
يعني إن من أشترى شقصا فوجد به عيبا فقام به على البائع فحط عنه بعض الثمن في
[ ٣ / ١٠٩ ]
مقابلة العيب فإن ذلك يحط عن الشفيع فيشفع بالذي بقي بعد الحط وسواء كان العيب الذي وجده به يوجب القيمة أو يوجب الرد وصالحه على بعض الثمن أو حدث عند المشتري عيب يمنع الرد فأخذ قيمة العيب القديم فإن ذلك كله يحط عن الشفيع ويتنزل منزلته وإلى هذا أشار بالاطلاق من غير خلاف قال
(ولا يحيل مشتر لبائع على الشفيع لاقتضاء مانع)
يعني إن من اشترى شقصا إلى أجل فللشفيع أن يأخذه بالشفعة إلى ذلك الأجل فإن قال البائع للمشتري أنا أرضى أن يكون مالي على الشفيع إلى الأجل لم يجز لإنه فسخ ما لم يحل من دينه في دين على رجل ءاخر قاله ابن القاسم كما في المواق وقوله (لاقتضاء مانع) أي بسبب مانع وهو عدم حلول الدين المحال به قال
(وليس للبائع إن يضمن عن مستشفع لمشتر منه الثمن)
معنى البيت هو ما قاله ابن سلمون ونصه قال ابن رشد في مسائله لا يجوز للذي باع شقصا بثمن إلى أجل أن يتحمل بالثمن للمشتري عن الشفيع إلى الأجل لأن له في ذلك منفعة إذ لعل الشقص لا يساوي الثمن فإن لم يشفع الشفيع لم يجد هو عند المشتري وفاء بثمنه عند حلول الأجل والحمالة معروف كالقرض لا يجوز أن يؤخذ عليها عوض ولا يجر بها نفعا اهـ قال
(ويلزم الشفيع حال ما اشتري من جنس أو حلول أو تأخر)
(وحيثما الشفيع ليس بالملي قيل له سق ضامنا أو عجل)
يعني أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة من المشتري فإنه يتنزل منزلته ويلزمه ما التزمه من جنس الثمن أو قيمته أو قيمة الشقص كما تقدم بيانه وأجله إن كان مؤجلا وهو ملي وإلا لزمه ضامن بالمال أو رهن يساوي قيمة الشقص أو أكثر فإن لم يأت بشيء من ذلك لزمه تعجيل الثمن فإن لم يقدر على التعجيل فلا شفعة له إلا إذا تساويا عدما
[ ٣ / ١١٠ ]
فله الشفعة على القول المختار لإنه موسر بجميع ذلك النصف الذي يستشفع به والنصف الذي استشفعه كما في المواق وقول الناظم الشفيع مفعول به مقدم وحال أي صفة فاعل مؤخر وهو مضاف وما أي الثمن مضاف إليه واشترى بالبناء للنائب ونائب الفاعل ضمير يعود على الشقص وجملة أشتري صلة ما والعائد محذوف تقديره به ومن جنس وما عطفت عليه بيان لحال ثم قال
(وما ينوب المشتري فيما اشترى يدفعه له الشفيع محضرا)
يعني أن جميع ما دفعه المشتري من المصاريف على الشقص الذي اشتراه من أجرة عدول وثمن الكاغذ ومكس واجرة دلال اعتيدت أو اشترطت ونحوها فإن الشفيع يدفعه للمشتري حاضرًا من غير تأخير (فرع) ذكر صاحب المعيار أثر هذا الكلام مسئلة فقال (وسئل) فقهاء طليطله عن المشتري يكري الشقص المشترى من دار أو أرض أو حانوت لأعوام ثم يقوم الشفيع يطلبه بالشفعة (فأجاب) ابن عتاب وابن القطان وابن مالك له الأخذ بالشفعة وإن يفسخ الكراء اهـ وقيل لا فسخ وقيل غير ذلك لعدم وجود نص في عين النازلة (ولما) جرى ذكر القسمة في الشفعة ناسب أن يذكر عقبها القسمة فقال
﴿فصل في القسمة﴾
(تمهيد مفيد) أعلم أن أبحاث القسمة ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحا (والثاني) في أصل مشروعيتها (والثالث) في حكمها (والرابع) في حكمتها (والخامس) في أركانها (والسادس) في أقسامها (أما) معناها في اللغة فقال صاحب المصباح قسمته قسما من باب ضرب فرزته أجزاء فانقسم والموضع مقسم كمسجد والفاعل قاسم وقسام مبالغة والاسم القسم بالكسر ثم أطلق على الحصة والنصيب فيقال هذا قسمي والجمع أقسام مثل حمل وأحمال واقتسموا المال بينهم والإسم القسمة وأطلق على
[ ٣ / ١١١ ]
النصيب أيضا وجمعها قسم مثل سدرة وسدر اهـ. وقال في المغرب وهو كتاب في اللغة القسم بالفتح قسم القسام المال بين الشركاء فرقة بينهم وعين انصباءهم ومنه القسم بين النساء والقسم بالكسر النصيب اخـ خرشي. وفي الاصطلاح عرفها الإمام ابن عرفة بقوله تصيير مشاع من مملوك مالكين فأكثر معينا ولو باقتصاص تصرفه فيه بقرعة أو تراض (فقوله) تصيير مشاع مضاف ومضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله الأول ومفعوله الثاني معينا والفاعل محذوف تقديره إنسان أي جعل إنسان عارف بحقائق الأشياء وقيمتها شيئًا مشاعا مملوكا لمالكين فأكثر معينا ويجوز تقدير الفاعل القاسم كما في بعض الشروح ويعرف بالتعريف المذكور ونحوه وحينئذ ينتفي الدور الذي توهمه بعضهم بإنفكاك الجهة على أن الدور إنما يكون في الحدود الحقيقة وإما الحدود المجازية التي هي رسوم في الحقيقة كما هنا فلا يلزم فيها ذلك لإنها من باب تبديل لفظ بلفظ مرادف له أشهر منه كما هو مقرر في محله وفي المشاع فهو الذي ليست له صورة بخلاف المعين (وقوله) من مملوك بيان لمشاع ومتعلق به. وقوله معينا يخرج به ما صيره القاسم غير معين بأن كان مجهولا ويأتي مثاله قريبا ويدخل قسم ما على مدين لمورثهم ولو غائبا ولا يجوز قسم الذمم بأن يتبع كل واحد مدينا للخطر ويخرج بقوله مالكين فأكثر تعيين ما كان لمالك واحد كتعيين معتق أحد عبدين احدهما وتعيين المشتر أحد ثوين أحدهما. وقوله ولو باقتصاص تصرف يشير به إلى قسمة المهاباة الآتية فما قبل المبالغة محذوف والتقدير هذا إذا صير القاسم المشاع معينا باقتصاص في الرقاب بقرعة أو تراض بل ولو كان التعيين باقتصاص في المنافع فقط مع بقاء الأصل مشاعا (وأما) الأصل في مشروعيتها فبالكتاب والسنة إما الكتاب فقول الله تعالى نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا وقال تعالى وإذا حضر القسمة أولوا القربى. وإما السنة فقد ثبت أن النبي ﷺ فعلها وأمر بها وقال إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وإما حكمها فالجواز بالإجماع لورودها في الكتاب والسنة بشرط السلامة من الجهالة والربى وأتلاف المال
[ ٣ / ١١٢ ]
أما الجهالة كما لو ورث رجلان دارا غائبة أن يقسماها ابن القاسم إلا أن توصف لهما ومنعه سحنون ولو وصفت وأما الربى فكاقستامهما تمرا أو زرعا قبل بدو صلاحه على شرط التبقية وأما اتلاف المال فكقسمة النخلة الواحدة التي تثمر خشبا وكقسمة الؤلؤة وحكى القاضي عياض فيها ينقص من ثمنه كثيرا كالياقوتة الكبيرة والجمل النجيب يقسم لحما كذا في التوضيح نقلا عن ابن راشد (وأما) حكمة مشروعيتها فلدفع التشاجر والتنازع بين الشركاء (وأما) أركانها فثلاثة القاسم والمقسوم والمقسوم عليهم (وأما) أقسامها بطريق البسط فاربعة قسمة مهاياة ولا تكون إلا بالمراضاة والمهاياة إما في الأزمان وأما في الأعيان فالمهاياة في الأزمان كان يتفقا على أن يستخدم أحدهما الدابة أو يسكن الدار أو يحرث الأرض مدة من الزمان والأخر مثلها أو أقل أو أكثر والمهاياة في الأعيان كان يستخدم هذه دابة وهذا دابة أو يسكن هذا دارا وهذا دارا أو يزرع هذا أرضا وهذا أرضا ويكون شهرا فأقل في الاستخدام وسنة أو أكثر في الدور والارضين وإما بالاستغلال فإنه لا يجوز لما فيه من الخطر والجهالة فلربما أرض أحدهما تساوي كراء أكثر من أرض الآخر أو تبقى بدون كراء (قال) الحطاب (تنبيه) قال في اللباب المقسوم لهم الشركاء المالكون فلا يقسم لغير المالك كالمحبس عليهم قسمة قرعة ولا مراضاة ولا يمنع أن يقسم بينهم قسمة مهاياة في الأزمان في الدور والأرضين دون الشجر اهـ. وفي مسائل القسمة من البرزلي (مسئلة) في المجموعة اختلف في قسمة الحبس قسمة اغتلال فكرهه قوم وأجازه ءاخرون ويحتمل أن يريد الأرض لا الشجر لنصهم على منع قسمة الشجر اهـ محل الحاجة من الحطاب بنصه ولم يتعرض الناظم لهذا القسم وإنه تعرض للأقسام الثلاثة الباقية وهي قسمة تعديل وتقويم وقرعة وقسمة تعديل وتقويم بمراضاة وقسمة مراضاة من غير تعديل ولا تقويم ولكل قسم منها أحكام تخصه وقد أشار الناظم إلى بيان حكمها وعدد أقسامها فقال
(ثلاث القسمة في الأصول وغيرها تجوز مع تفصيل)
[ ٣ / ١١٣ ]
يعني أن القسمة في الأصول وغيرها من الحيوان والعروض جائزة وهي ثلاثة أقسام أشار إلى القسم الأول منها بقوله
(فقسمة القرعة بالتقويم تسوغ في تماثل المقسوم)
يعني أن قسمة القرعة لا تجوز في القول المشهور إلا فيما تماثلت أنواعه أو تقاربت كثياب الكتان والقطن من نوع البز أي الثياب والتفاح والرمان من نوع الشجر عند الاحتياج إلى الجمع فيقسم العقار وما أشبهه من المقومات بالقيمة لا بالعدد ولا بالمساحة إن اختلفت أجزاؤه فإن اتفقت فلا يحتاج إلى تقويم بل يجوز فسمه عددا ومساحة لأن معرفة الأجزاء لا تتوقف على تقويم كما في الحطاب وحيث اختلفت الأجزاء واحتيج إلى القيمة فتجمع الدور على جهة والارضون على جهة والاجنات على جهة والإبل على جهة والبقر على جهة والغنم على جهة والخيل والبراذين على جهة والبغال على جهة والحمير على جهة كبيرها وصغيرها سواء يضم بعضه إلى بعض وكتب العلم على جهة والثياب على جهة وكذا بقية المقومات وإنه لا يضم جنس إلى ءاخر في هذه القسمة ثم بعد ذلك يقسم ما يراد قسمه من كل نوع بالقيمة على أقلهم نصيبا ويقترعون فغن كان هناك نوع لا يقبل القسمة على أقلهم نصيبا أو لا يقبلها أصلا فإنه لا يضم إلى غيره بل يترك حتى يتراضوا على شيء أو يباع ويقسم ثمنه بينهم ويشترط في جمع الدور والارضين التساوي في الرغبة والنفاق وأن تكون في جهة واحدة أو في جهات متقاربة وإلا فلا جمع ويقسم كل واحد بإنفراده إن قبل القسم وإلا فعل به مثل ما تقدم (وأما) الاجنات فإن كان أشجارها مختلفة مختلطة كاجنات بلاد قسطيلية المعروفة الآن بالجريد بالقطر التونسي قسم ما فيها بالقيمة للضرورة وإن كان كل صنف منها في حائط كما في بعض البلدان قسم بإنفراده فإن لم يقبل القسمة حيث لم يحصل لكل واحد من الشركاء ما يرتفق به أو حصل للبعض دون البعض ضم إلى ما يقاربه كالرمان والتفاح والخوخ والأجاص ونحو ذلك ثم إذا توفرت شروط
[ ٣ / ١١٤ ]
الجمع وامتنع بعض الشركاء منه وطلب أن يقسم كل وحده وقال غيره يجمع فالقول لمن طلب الجمع ثم أشار الناظم إلى بعض أحكام هذا القسم فقال
(ومن أب ىلقسم بها فيجبر وجمع حظين بها مستنكر)
(كذاك في اختلاف الأجناس وفي مكيل أو موزون المنع اقتفى)
يعني أن الشريكين إذا طلب أحدهما القسم بالقرعة وامتنع الأخر منها فإن الممتنع يجبر عليها أن انتفع بما ينوبه (قال) ابن رشد الذي جرى به العمل عندنا أن الدار لا تقسم حتى يصير لكل واحد من الشركاء من المساحة والبيوت ما ينتفع به ويستتر فيه عن صاحبه كذا في المواق وحيث أريد القسم بحكم أو بدون حكم فلا يجوز جمع حظ اثنين فيها ولو رضيا بذلك على المشهور إلا أن يكونا كالزوجين فانهما يجمعان في الثمن أو الربع وكذلك الأخوة للأم فإنهم يجمعون في الثلث والأخوات فيجمع لهن في الثلثين وليس لأحدهم أن يقسم له بانفراده بل يقسم له ولمن شاركه في الفرض مع العصبة ثم بعد اخراج حظهم يقاسمهم إن شاء على نحو ما تقدم من كلام ابن رشد ولم ينبه الناظم على هذا الاستثناء والكمال لله تعالى ثم صرح بمفهوم قوله تسوغ في تماثل المقسوم وهو إنه إذا اختلفت أجناس المقسوم لم تجمع للقسم فقال (كذاك في اختلاف الأجناس) يعني كما لا يجوز جمع حظين في قسم القرعة إلا ما استثني كذلك لا يجوز جمع الأجناس المختلفة التي لم تتقارب البتة فيها وإن عدلت وقومت على القول المشهور لأن ذلك من الخاطرة ويقسم كل جنس على حدة كما مر. وإنه لا يجوز قسم المكيل والموزون جزافا بالقرعة إلا إذا كان ذلك بعد الكيل والوزن فإنه يجوز. وقد أجاز مالك رضي الله تعالى عنه فيما لا يكال من الطعام الذي لا يجوز الفضل فيه وإنما يباع وزنا كاللحم والخبز وفيما لا يباع لا وزنا ولا كيلا أن يقسم بالتحري وذلك فيما قل لأن التحري يحيط به فإذا كثر لم يجز اقتسامه بالتحري (فرع) وفي نوازل القسمة من المعيار (وسئل) فقهاء قرطبة
[ ٣ / ١١٥ ]
عن الشريكين يطلب أحدهما القسمة فيتغيب الأخر (فأجاب) ابن لبابة وابن وليد وابن غالب إذا تغيب أحد الشركاء عن الحضور للقسمة وظهر ذلك للقاضي بإتصال تغيبه أو بطول التردد في طلبه لحضوره فلم يحضر أمر القاضي بالقسم عليه ووكل له من بقبض نصيبه فيبعث قاسما يرضاه ورجلين يعمل عليهما يحضران القسم ووكيلا يوكله للغائب وكالة يشهد له بها ويجري في ذلك الكتب الذي بسببه وكله من ثبوت التغيب عنده فما حصل للغائب قبضه وكيله وكان قبضه بأمر القاضي كقبضه لنفسه لو كان حاضرا أهـ قال
(ولا يزيد بعضهم شيئا ولا يزاد في حظ لكي يعدلا)
يعني أنه لا يجوز في قسمة القرعة أن يزيد بعضهم شيئا من الدراهم لكون القسمة الأخرى أحسن أو أكثر ثمنا من هذه وعن اللخمي جواز الزيادة اليسيرة مما لا بد منه ولا يتفق في الغالب أن تكون قيمة الدارين سواء (قلت) وكلامه حسن بن وكذا لا يزاد شيئ من التركة مخالف لجنس المقسوم في حظ ليقع التعادل لأنه ممنوع والف يعدلا المبني للنائب ضمير المثتنى يعود على الحظين قال
(وبين أهل الحجر ليس يمتنع قسم بها ومدعي الغبن سمع)
يعني إنه يجوز قسم الحاجر من أب أو وصي أو مقدم القاضي على محجوره بالقرعة بعد إتمام الموجبات الآتية وإن من أدعى الغبن فيها سمعت دعواه ويكلف بإثباته إن أنكر شريكه وجود الغبن فإذا اثبته بشهادة أهل المعرفة ولو لم يبلغ الثلث بطلت القسمة لأن كل واحد من الشركاء دخل على قيمة مقدرة وذرع معلوم فإذا وجد نقصا من ذلك كان له الرجوع وتعاد القسمة ما لم يفت المقسوم ببناء أو هدم أو حوالة سوق في غير العقار وإلا وجبت في ذلك القيمة يقتسمونها فإن فات البعض اقتسموا الذي لم يفت مع قيمة ما فات (قال) الإمام ابن عرفة وفوته بالبيع لغو ما لم يفت ببناء مبتاعه فإن فات به رجع ذو النقص على بائعه فإن وجده عديما رجع على مبتاعه اهـ
[ ٣ / ١١٦ ]
فإن عجز عن إثبات الغبن بالبينة حلف المنكر وتمت القسمة وإن نكل نقضت هذا كله إذا قام بالغبن فيما قرب وإما ما بعد أمره وطال تاريخه كالسنة فلا قيام فيه بغبن كذا في الحطاب قال
(وهذه القسمة حيث تستحق يظهر فيها إنها تمييز حق)
يعني أن هذه القسمة التي تكون بالتعديل والتقويم والقرعة حيث يستحقها من طلبها من الشركاء ويجبر عليها من امتنع منها الذي يظهر فيها عند توفر شروطها إنها تمييز حق لا بيع قال ابن رشد والأظهر في قسمة القرعة إنها تمييز حق وفي قسمة التراضي بعد التقويم والتعديل إنها بيع من البيوع وإما قسمة التراضي دون تقويم ولا تعديل فلا اختلاف إنها بيع من البيوع فلها حكمه في العيوب والاستحقاق ثم شرع في القسم الثاني فقال
(وقسمة الوفاق والتسليم لكن مع التعديل والتقويم)
(جمع لحظين بها لا يتقى وتشمل المقسوم كلا مطلقا)
(في غير ما من الطعام الممتنع فيه تفاضل ففيه تمتنع)
(واعملت حتى على المحجور حيث بدا السداد في المشهور)
(وما مزيد العين بالمحظور ولا سواه هبه بالتأخير)
(ومن أبي القسم بها لا يجبر وقائم بالغبن فيها يعذر)
الأبيات الستة يعني أن الشركاء يجوز لهم أن يقسموا ما بينهم من الأملاك قسمة تسليم ومراضاة بأن يسلم كل واحد منهم لصاحبه ما أراده بعد التعديل والتقويم ويجوز فيها جمع حظين والأشياء المختلفة والأصناف المتباينة والبعيد والقريب من الدور والارضين والاجنات كل ذلك لا يتقى ولا يمنع هذا معنى قوله (وتشمل)
[ ٣ / ١١٧ ]
المقسوم كلا مطلقأ) ثم استثنى منه (في غير ما من الطعام الممتنع) فإن قسمته إذا أدت إلى ربي الفضل فإنها تمتنع كان يكون بين رجلين وسق شعير ونصف وسق قمحا فيقومان الوسق بعشرة دراهم ونصف الوسق بعشرة أيضا على أن يأخذ احدهما وسق الشعير والأخر نصف الوسق من قمح فهذا ممنوع لما فيه من التفاضل بين القمح والشعير وهما جنس واحد على المشهور أو يكون بينهما وسقان على أن يأخذ احدهما وسق القمح ويزيد لصاحب الشعير دراهم ونحوها فلا يجوز أيضًا لأن وسق القمح بيع بوسق الشعير وشيء ءاخر فحصل التفاضل (ومفهوم) قوله في غير ما من الطعام الممتنع فيه تفاضل إنه يحوز في الطعام الذي لا يمنع فيه التفاضل وهو كذلك كان يكون بين رجلين وسق من تمر ونصف وسق من قمح فيقومان الوسق بعشرة دراهم ونصف الوسق بعشرة دراهم أيضًا على أن يخرج أحدهما بوسق التمر والآخر بنصف الوسق من القمح لأنهما جنسان واختلاف الأجناس يجوز فيه التفاضل إذا كان يدا بيد كما مر. وقوله (واعملت حتى على المحجور) البيت يعني إنه يجوز للحاجر قسم المراضاة مع شركاء محجوره بعد التعديل والتقويم إذا كان ذلك صلاحا وسدادا في القول المشهور المعمول به في القديم وأما في زماننا هذا فلا يكون له ذلك استقلالا بل لا بد له من مشورة القاضي بناء على القول المقابل فيترجح على غيره لما يقتضيه حال الزمان ولو كان الشريك غير الوصي وقوله (وما مزيد العين بالمحضور) يعني إنه يجوز في قسمة المرضاة المذكورة أن يزيد أحدهما دراهم أو دنانير لكون القسمة الأخرى أحسن أو أكثر ثمنا كما يجوزان يزاد شيء من التركة مخالف لجنس المقسوم في حظ من الحظوظ ليقع التعادل بخلاف قسمة القرعة كما مر (وقوله) ومن أبى القسم بها لا يجبر يعني أن هذه القسمة لما كانت بيعا على المشهور فإنه لا يجبر على أحد على بيع ملكه إلا في مواضع تقدم الكلام عليها وهذه ليست منها وإنما يقع الجبر على قسمة القرعة لإنها تتميز حق كما مر وقوله (وقائم بالغبن فيها يعذر) يعني أن من قام بالغبن في هذه القسمة فإن قيامه به يسمع ولو لم يبلغ الثلث بناء على إنها تمييز حق
[ ٣ / ١١٨ ]
ويكلف بإثباته على نحو ما تقدم (تنبيه) قال ابن رحال قول ميارة والتعديل هو التقويم الخ كلام الفقهاء فيه عطف التقويم على التعديل والأصل فيه التغاير والذي يظهر من كلامهم أن التعديل هو جعل هذا يقابل هذا عند الشروع في القسمة ثم بعد ذلك يقوم الشيء وما جعل في مقابلته وهكذا رأيت الناس يقسمون الغنم ونحوها والتقويم في الحقيقة هو ميزان لما عدل هل أصيب في التعديل أم لا وفي الوثائق المجموعة في قسمة دار ما نصه بعد أن عدل قيمتها بالذراع وبنيانها بالتقويم هذا لفظه فجعل التعديل في الأرض والتقويم في البنيان هذا يدل على التغاير في الجملة فافهم اهـ ثم شرع في الثالث فقال
(وقسمة الرضى والاتفاق من غير تعديل على الاطلاق)
(كقسمة التعديل والتراضي فيما عدا الغبن من الأغراض)
(ومدع غبنا بها أو غلطا مكلف أن رام نقضا شططا)
يعني أن قسمة المراضاة من غير تعديل ولا تقويم جائزة كما جازت قسمة التعديل والتقويم بالمراضاة على الاطلاق في جميع أحكامها المتقدمة إلا القيام بالغبن فإنه ممنوع لأن كل واحد من الشركاء علم بأخذ ما خرج له لا على قيمة مقدرة ولا على ذرع معلوم فهي كبيع المساومة باتفاق وهو لا قيام فيه بالغبن ولو بلغ الثلث على القول المشهور المعمول به كما تقدم فإذا وقع ونزل وقام مدعي الغبن أو الغلط وأراد نقض القسمة فلا تسمع دعواه لما فيها من إرادة الكم بما هو ممنوع وهو يكلف الحاكم شططا وظلما وهذا البيت تصريح بمفهوم قوله فيما عدا الغبن وقوله مكلف بكسر اللام خبر عن قوله مدع قال
(وقسمة الوصي مطلقا على محجوره مع غيره لن تحظلا)
يعني أ، المحجور إذا كان مشاركا لغير حاجره وطلب أحدهما القسمة فإن حاجره
[ ٣ / ١١٩ ]
يقسم عليه بدون حظل ولا منع كانت بالقرعة أو بالمراضاة بنوعيها لاكن بعد مشورة القاضي كما تقدم وإن كان مشاركا لحاجره وأراد القسمة معه فأشار إليه بقوله
(فإن يكن مشاركا لمن حجر في قسمة فمنعه منها اشتهر)
(إلا إذا أخرجه مشاعا مع حظه قصدا فلا امتناعا)
(ويقسم القاضي على المحجور مع وصيه عند اقتفاء من منع)
(كذا له القسم على الصغار وغائب منقطع الأخبار)
يعني أن المحجور إذا كان مشاركا لوصيه فإنه لا يجوز لوصيه أن يقسم له معه ولو ظهر السداد على القول الراجح المعمول به وإنه لا بد من الرفع للقاضي فيقدم من يقسم بينه وبين محجوره فإن لم يرفع أمره للقاضي فسخت القسمة إلا إذا وجدها القاضي سدادا وأقرها فإنها تمضي ووجه المنع إنه باع مال محجوره من نفسه وذلك لا يجوز هذا إذا لم يكن معهما شريك ءاخر فإن كان معهما غيرهما وخرج للوصي ومحجوره حظهما على الشياع جاز لعدم التهمة ثم إنه إذا أراد أن يقاسمه ليمتاز كل واحد بحظه رفع أمره للقاضي وإليه أشار الناظم بقوله (ويقسم القاضي على المحجو رمع. وصيه) البيت وكذلك يقدم القاضي من يقسم على الصغار الأيتام المهملين وعلى الغائب الذي انقطع خبره أو علم خبره وبعدت غيبته كالعشرة الأيام أو اليومين مع الخوف وإلا فينتظر (فرع) لو وقع القسم على غائب واستعمل الحاضر نصيبه وترك نصيب الغائب فلما قدم الغائب أراد نقص القسمة بدعوة الغبن وامتنع الأخر من نقضها وأنكر دعوى الغبن فإنها لا تنقض ولا تسمع لمدعي الغبن دعوى ولا بينة وإنه حكم مضى كما في المعيار. وقوله فإن يكن أي الوصي وقوله في قسمة على حذف مضاف أي قابل قسمة أو المراد بها المقسوم وضمير منعه للوصي وضمير منها يعود على القسمة وضمير أخرجه يعود على نصيب المحجور المفهوم من السياق وضمير وصيه يعود على المحجور وقوله عند اقتفاء من منع أي يقسم القاضي على
[ ٣ / ١٢٠ ]
المحجور مع وصيه عند إتباع من منع قسم الحاجر مع محجوره وإما على القول بجواز قسمه معه كبيعه لنفسه فلا يحتاج إلى الرفع للقاضي والخلاف في المسئلة شهير ويترجح الرفع للقاضي في هذا الزمان كما تقدم وقول الناظم له ضميره يعود على القاضي والحظل معناه المنع قال
(وحيث كان القسم للقضاة فبعد إثبات لموجبات)
(ويترك القسم على الأصاغر لحال رشد أو لوجه ظاهر)
يعني أن القسم إذا كان موكلا للقضاة لكون الملك الذي أريد قسمه مشتركا بين الوصي ومحجوره أو بين حاضر وغائب أو بين رشيد وصغير مهمل وطلبوا القسمة بينهم فإن القضاة لا يأمرونهم بالقسم إلا بعد إثبات الموجبات وهي ثبوت الشركة والحجر وإهمال اليتيم والغيبة وبعدها حسا أو معنى وطلب الشريك القسمة وملكية الشيء الذي أريد قسمه كل ذلك بالشهادة العادلة ويعبر عنها بوثيقة السبب ويجوز للقاضي أن يترك القسم على الأصاغر لأحد أمرين أما لزمن رشدهم فيقسمون لأنفسهم أن شاءوا وأما لمصلحة ظاهرة كان يكون بقآء حظهم على الشياع أحسن من قسمه خوفا من الضياع ونحوه ثم قال
(ومن دعا لبيع مالا ينقسم لم يسمع إلا حيث أضرار حتم)
(مثل اشتراك حائط أو دار لا كالرحى والفرن في المختار)
(وكل ما قسمته تعذر تمنع كالتي بها تضرر)
(ويحكم القاضي بتسويق ومن يريد أخذه يزيد في الثمن)
(وإن أبوا بيع عليهم بالقضا واقتسموا الثمن كرها أو رضى)
[ ٣ / ١٢١ ]
الأبيات الستة يعني أن الشريك إذا طلب من شركائه بيع ما لا ينقسم أصلا كالفرس الواحد أو النخلة الواحدة أو ينقسم بفساد كالخف الواحد والدار والبستان الذين لا يقسمان على أقل الأنصباء بحيث لا يصير لصاحب الحظ القليل ما ينتفع به لم يسمع قوله ويبيع حظه مفردا إن شاء حيث لم يتحد مدخله مع شركائه ولشريكه الشفعة إذا كان أصلا ثم أن قول الناظم ما لا ينقسم شامل لجميع ما تقدم وسواء كان الملك الذي لا يقبل القسمة من الرباع المتخذة للغلة كالأكراء أو المتخذة للانتفاع بها بأعيانها كالسكنى ثم إخراج هذا الثاني من العموم المذكور بقوله إلا حيث إضرار حتم الخ فإن دعواه تسمع بأن كان يحصل للشريك ضرر في دوام الشركة في بستان أو دار لا يقبلان القسمة فيجاب إلى ذلك إن اتحد مدخلهما وأما ما كان متخذا للغلة كالفرن والحمام والحانوت ونحوها مما لا يقبل القسمة إلا بفساد فإن شريكه لا يجبر على البيع معه ولو أتحد مدخلهما في القول المختار عند بعض العلماء وما درج عليه الناظم من التفرقة بين رباع الغلة وغيرها تبعا لطريقة ابن رشد خلاف المذهب بل المذاهب الاطلاق وإنه لا فرق بينهما كما قاله ابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهما وبه العمل لاكن بشرط اتحاد المدخل لقول القاضي عياض يجب أن يكون الحكم بالبيع فيما ورث أو اشتراه الاشراك جملة في صفقة ومن دخل على الشركة فلا جبر له كما في المواق (وفي) بيوع الحاوي ما نصه قلت والذي جرى به عمل القضاة الآن بتونس إنه إذا اشترى الجزء بانفراده إن لا يجبر من سبقه على البيع وللسابق في الملك أن يجبر المحدث على البيع ولو كان شراءهم جميعا أو وراثتهم واحدة فإن قبل القسم أجبر عليه من أباه وإن لم يقبل القسم فمن دعا إلى البيع فالقول قوله اهـ برنامج عظوم القرواني وقال الشيخ مياره ءاخر شرحه على الزقاقية وينبني على اشتراط اتحاد المدخل إنه لو ورث ثلاثة دارا مثلا أو ملكوها بشراء دفعة واحدة فباع أحدهم نصيبه منها لأجنبي وأسقط شريكاه الشفعة للمشتري ثم أراد الشريكان أو أحدهما البيع فله أن يصفق على شريكه لأتحاد مدخله معه ويصفق على المشتري الأجنبي لاتحاد مدخله
[ ٣ / ١٢٢ ]
مع البائع له لأنه فرعه ولو أراد المشتري بيع حصته لم يكن له جبر شريكي البائع له على البيع معه لدخوله وحده فلم يتحد مدخله مع مدخل بقية إشراكه وكذا لو مات أحد الشركاء الثلاثة فورثه زوجته وأولاده مثلا فأراد الأثنان الباقيان أو أحدهما التصفيق على الزوجة والأولاد المذكورين فله ذلك كما كان له ذلك على مورثهم إن لو كان حبا لإتحاد مدخله معه ولو أرادت الزوجة أو الأولاد التصفيق على شريكي مورثهم لم يكن لهم ذلك لدخولهم وحدهم حين مات مورثهم فلم يتحد مدخلهم ومدخل شريكي مورثهم وهذا معنى قولهم في ضابط بيع الصفقة يجبر الدخيل للأصيل ولا يجبر الأصيل للدخيل وهو مبني على طريقة عياض من اشتراط اتحاد المدخل وبه العمل ولا فرق في الدخل أن يكون دخوله بشراء أو أرث أو هبة (تنبيه) إنما يجبر الدخيل للأصيل ما لم يبعض الأصيل حصته أما إن بعضها فلا يجبر له الدخيل اهـ (وحيث) كانت القسمة متعذرة ورفعوا أمرهم إلى القاضي لينظر في أمرهم وثبت عنده ملكهم فإنه يحكم بتسويق جميع الملك المشترك بينهم الذي وقع النزاع فيه وسواء كان متخذا للغلة أو متخذا للانتفاع به بعينه بشرط اتحاد مدخلهم كما تقدم ومن أراد أخذه منهم يزيد في الثمن فإن سلمه له شريكه فالأمر ظاهر وإلا تزايدوا حتى يقف على أحدهم فيأخذه بما وقف به عليه وإن أبوا التسويق لغرض من الأغراض كان يكونوا من أهل الهيئات قومه أهل المعرفة فإذا وقع تسليمه لواحد منهم فذاك وإلا تزايدوا حتى يقف على أحدهم ويؤدي نصيب من ترك أخذه وإن أبوا كلهم من أخذه بما قومه أهل البصر بيع عليهم بالقضاء كرها أو طوعا واقتسموا ثمنه (قال) ابن فرحون ءاخر باب القسمة والأشياء التي لا تنقسم أو في قسمها ضرر يجبر على البيع من أباه إذا طاب أحدهما البيع وإنما جبر على البيع من أباه دفعا للضرر اللاحق للطالب لأنه إذا باع نصيبه مفردا نقص ثمنه وإذا قلنا يجبر على البيع فإنه إذا وقف المبيع على ثمن وأراد طالب البيع أخذه بما وقف عليه لم يمكن من ذلك لأن الناس قد يتحيلون بطلب البيع إلى إخراج الناس من أملاكهم
[ ٣ / ١٢٣ ]
وأما إن طلب الشراء من أبى البيع فله ذلك اهـ (فرع) قال ابن سهل في أحكامه في أوائل كتاب الدعاوي في دار بين ورثة يسكنها بعضهم وبعضهم يسأل أخلاءها لبيعها ودعا ساكنيها إلى غرم كرائها على الإباحة للتسويق (فأفتى) ابن عتاب إذا ةلم تحمل القسمة فإنها تخلى من جميعهم لتسوق خالية إلا أن يوجد من يكتريها من غير الورثة على شرط التسويق فكترى منه إذا أمن منه الميل إلى بعض الورثة ولم يكن من ناحية أحدهم ولا من سببهم اهـ حطاب. وقول الناظم إضرار بكسر الهمزة وقوله تعذر حذف منه إحدى التاءين أصله تتعذر بفتح التاء وقوله تمنع بضم أوله مبني للنائب وقوله بقضي بضم أوله وفتح ثانيه أي يدفع ومعنى يذر يترك وقوله بيع بكسر أوله قال
(والرد للقسمة حيث يستحق من حصة غير يسير مستحق)
يعني أن الشركاء إذا اقتسموا فيها بينهم من الملك ثم استحق من حقة احدهم غير يسير بأن كان كثيرا كالثلث والنصف لا الربع فإن القسمة ردها مستحق ولا يتعين عليه فسخها بل له ابقاؤها على حالها ولا يرجع على شريكه بشيء ولا فسخها ويرجع شريكا بقدر نصف ما بيد صاحبه (قال) الحطاب اهر كلامه إنه لا فرق بين أن يكون شائعا من جميع المقسوم أو من حصة أحدهم أو معينا وليس كذلك وإنما هذا الحكم إذا استحق معين أو شائع من حصة أحدهم فيفصل فيه على ما ذكر وأما إذا استحق منه جزء شائع من جميع المقسوم فلا كلام لأحد الشريكين على صاحبه لأنه استحق من نصيب أحدهما مثل ما أستحق من نصيب الآخر اهـ فهذا أحسن ما يحمل عليه كلام الناظم من الأقاويل ومفهوم قوله غير يسير إنه إذا استحق اليسير كالربع فاقل فإن القسمة لا ترد وهو كذلك اتفاقا ويرجع على شريكه بقيمة نصف ما قال الجزء المستحق (قال) الونشريسي في المعيار (وسئل) سعيد بن حسان عن الرجل يقلب أي يحرث ارضا مبيعة بينه وبين إشراكه جميعا أو بعضها ثم يقسم هل يقضى
[ ٣ / ١٢٤ ]
له على الورثة بقيمة عمله وكيف لو زبلها أيضًا ثم قسمت هل له قيمة زبله وعمله وكيف لو استحقها مستحق هل يقضى له عليه بذلك أم لا (فأجاب) أما في الوارث مع ورثته فلا شيء له في القليب ولا في المزبل وأما المستحق فيقضي له عليه بقيمة قليبه وزبله (وسئل) ابن أبي زيد من دار بين رجلين مشاعة عدى على أحدهما غاصب قاهر فغصبه نصيبه مشاعا هل للأخر أن يكري نصيبه أو يبيعه أو يقاسم فيه (فأجاب) بأنه لا سبيل إلى القسم فيه ما دام الأخر ممتنعا من الأحكام وله أن يبيع نصيبه أو يكريه وقد اختلف في الكراء والثمن هل للمغصوب منه فيه مدخل فقيل إنه يدخل معه فيه إذا لم يتميز نصيب المغصوب وقيل لا مدخل له معه إذ غرض الغاصب حظ هذا دون هذا وهذا أشبه بالقياس (وسئل) أبو عبد الله الحفار على أصل من التوت له ثلاثة أفراع بين ثلاثة أشخاص فاقتسموها فرعا فرعا فملك فرعان بالريح وبقي واحد فأراد صاحبا الفرعين للذين هلكا أن يشتركا معه في الفرع الآخر إذ الأصل واحد (فأجاب) قسمة الشجرة بالأفراع إنما يكون قسمة اغتلال خاصة وأما قسمة الملك فلا بل الشجرة بينهم وما بقي من فروعها فهو بينهم وما ذهب من أفراعها بينهم اهـ. وقول الناظم والرد مبتدأ ومستحق بفتح الحاء خبره ومتعلقه محذوف تقديره لمن أستحق من يده قال
(والغبن من يقوم فيه بعدا إن طال واستغل قد تعدا)
يعني أن الشركاء قد اقتسموا فيما بينهم من الربع والعقار وغيرهما وأخذ كل واحد نصيبه وطال الزمن وأستغل كل واحد منهم ماله غلة ثم قام أحدهم بالغبن وأراد نقض القسمة فقد تعدى بقيامه وال تسمع دعواه والطول في ذلك السنة فأكثر ومثل الطول الهدم والبناء والغرس كما تقدم وقوله بعد ألف للأطلاق وهو مضاف وأن بفتح الهمزة وما دخلت عليه في تأويل مصدر مضاف إليه أي بعد طول قال
(والمدعي لقسمة البتات يومر في الأصح بالإثبات)
[ ٣ / ١٢٥ ]
يعني أن الشركاء إذا اتفقوا على وقوع القسمة بينهم واختلفوا في وجهها فأدعى بعضهم إنها قسمة بت وادعى الأخر أنها قسمة انتفاع واغتلال فالقول لمدعي قسمة الانتفاع وعلى مدعي البت البينة في القول الأصح المعمول به فإن اثبت دعواه فالأمر واضح وإلا فلا شيء له إلا اليمين على مدعي الاستغلال هذا إذا لم تمض مدة الحيازة بشروطها الآتية وإلا فالقول لدعي قسمة البت بيمينه. وإذا اختلفا في أصل القسم بأن ادعاه أحدهما وانكره الآخر فالقول لمنكره اتفاقا (قال) في المعيار (وسئل) بن المكوي عن رجل توفى وترك ابنا ذكرا وبنات فقسم مع أخواته بعد أن خرجن إلى أزواجهن وملك أربعين سنة ثم إن الأخوات قمن عليه فقلن نصيبنا في مكان كذا وكذا ولم نقسم معك قسمة بتل إنما كنت أنت قد أخت ما أردت وأخذن نحن ما أردنا إلى اليوم وغرس الأخ واظهر ويدعي البتل في القسم فعرفنا بالواجب (فأجاب) عليه إثبات قسمة البت وإلا حلف له الأخوات على أنكار ذلك وقسمن معه ولهن رد اليمين عليه إن شئن (ولما) فرغ من الكلام على قسمة الأصول التي لم يكن بها زرع ولا ثمر شرع يتكلم على إرادة قسمها إذا كان بها زرع أو ثمر ولها ثلاثة أوجه وهي أما إن يراد قسمة الأصول والزرع أو الثمار معا أو يراد قسمة الأصول فقط أو قسمة الثمار فقط وأشار إلى الأول منها بقوله
(ولا يجوز قسم زرع أو ثمر مع الأصول والتناهي ينتظر)
يعني أن قسمة الأرض مع زرعها والأشجار مع ثمرها لا تجوز بل تقسم الأرض وحدها والأشجار وحدها وينتظر يبس الزرع والثمر فيقسم بالكيل أو بالوزن أو يباع ويقسم ثمنه (تنبيه) لا يشترط في الكيل أو الوزن أن يكون بالمعيار الشرعي بل يجوز بالمعلوم والمجهول كصاع ورطل وسلة وحجر فالمدار على التساوي وأشار إلى الثاني فقال
(وحيثما الأبار فيهما عدم فالمنع في قسة الأصل منحتم)
[ ٣ / ١٢٦ ]
(ومع ما بور يصح القسم في أصوله لا فيه معها فأعرف)
يعني أن الأرض إذا أريد قسمها وكان فيها زرع مستكن لم يظهر للعيان أو كان في الأشجار ثمرة غير ما بورة وأريد قسمها كذلك فلا تجوز قسمة الأرض ولا قسمة الأشجار بحال حتى يظهر الزرع وتوبر الثمرة فيجوز القسم حينئذ وينتظر طيب الزرع والثمر كما مر وحاصل البيتين أن الأصول التي لم يوبر ما فيها من الزرع أو الثمار لا يجوز فسمها لا وحدها ولا مع ما فيها من الزرع أو الثمار لأن قسمها وحدها فيه استثناء ما لم يوبر والمشهور منعه وقسمها مع ثمرها فيه بيع طعام وعرض بطعام وعرض وجعل الثمر طعاما لأنه يؤل إليه قال ابن سلمون وإذا كان في الأرض زرع مستكن أو في الأصول ثمرة غير ما بورة فلا تجوز القسمة في الأرض والأصول بحال حتى توبر الثمرة ويظهر الزرع لأن ذلك مما لا يجوز استثناؤه يعني في البيع حكى ذلك سحنون في الثمر قال ابن أبي زمنين وهو بين صحيح على أصولهم والزرع عندي مثله وإن كان الزرع ظاهرا أو الثمر ما بورا قسمت الأرض والأصول خاصة ولا تجوز قسمة الزرع والثمر معها ويبقى ذلك حتى يصير الزرع حبا وتجذ الثمرة فيقسم ذلك بالكيل أهـ وضمير أصوله يعود على المابور وكذلك ضمير فيه وضمير معها بسكون العين للأصول وأشار إلى الثالث فقال
(وقسم غير التمر خرصا والعنب مما على الأشجار منعه وجب)
يعني أن قسم غير التمر والعنب من الثمار التي على أصولها من تين وزيتون وجوز ولوز وفول وقمح وشعير في الفدادين بالخرص والتقدير واجب المنع وأما التمر والعنب فإن قسمهما بالخرص والتقدير جائز بشروط أربعة أن تكون حاجة الشريكين مختلفة بأن يكون أحدهما يأكل والآخر يبيع وأن يكون المقسوم قليلًا بالعرف وأن يكون قد حل بيعه ببدو صلاحه وأن يكون بسرا أو رطبا فلو كان بينهما بسر ورطب على أن لأحدهما البسر وللأخر الرطب لا يجوز للتفاضل كما لا يجوز
[ ٣ / ١٢٧ ]
قسمها بالخرص إذا انتهى طيبهما لأن في قسمتهما بالخرص انتقالا من اليقين وهو القسمة بالكيل أو الوزن إلى الشك وهو قسمهما بالخرص كذا قال بعضهم (وفي العيار) وسئل ابن الحاج عن المتقاسمين يقتسمان الحائط ثم ثمرته بعد الزهو بالخرص فاجيح أحدهما هل فيه جائحة أم لا (فأجاب) إذا أجيح أحدهما فقال ابن الماجشون لا جائحة فيه وهو قول سحنون وكان القسم عندهما تمييز حق لا كالبيع وأما على مذهب ابن القاسم فإنه قد سلك بالقسمة تمييز حق تارة وبيعا تارة أخرى وقد أجاز قسمة النخل وفيها ثمر لم يؤبر ولو كان بيعا ما جاز لأن كل واحد منهما باع نصيبه بنصيب صاحبه على أن يستثنى ثمرته التي لم تؤبر وقال في البلح الكبير والصغير إن القسمة تنتقض فيه بالازهاء فلو كان تمييز حق لم تنتقض لأن حق كل واحد إنما نصيبه في ملكه ولم يشتريه اهـ (وفيه أيضا) وسئل فقهاء قرطبة عن كرم بين رجلين أراد أحدهما لما طلبت ثمرته أن يبيع نصيبه وأراد الأخر أكل نصيبه (فأجاب) ابن مالك بإنه يقسم بالخرص (وأجاب) ابن عتاب وابن القطان بإنه لا يقسم بينهما ولا بد أن يجتمعا على البيع أو يبيع أحدهما من صاحبه فكان ابن مالك ينكر هذا وكان ابن القطان ينكر على ابن مالك جوابه اهـ والموافق لكلام الناظم هو قول ابن مالك وقد علمت أن من شروط قسم العنب بالخرص اختلاف الحاجة كما هنا (ثم) قال (وسئل) سيدي عيسى الغبريني عن القسمة بمجهول الوزن أتجوز أم يجري الأمر على الخلاف في القسمة هل هي بيع فيمنع الأمر أم تمييز حق فيجوز وهو مرتضى بعض شيوخنا بالمغرب معللا بأن المطلوب في القسمة المساواة وهي حاصلة بالمكيال المجهول (فأجاب) القسمة بالمكيال المجهول والوزن المجهول في المدخر وفي غير المدخر الربوي وغيره جائزة إذا كانت صبرة واحدة اتفاقا والله أعلم (وسئل) أيضا عن قسمة التين الأخضر هل بالعدد أم بالسلة على إجازة السلم فيها وهل يجوز لأحد الشريكين أن يأخذ نصيبه اليوم من الجنة المشتركة ويبقى شريكه إلى غد وبعد غد فيأخذ نصيبه في قسمة الفول الأخضر هل هو بالوزن
[ ٣ / ١٢٨ ]
وينزع من جرابه ويقسم كيلا وهل يأخذ أحد الشريكين أيضًا نصيبه اليوم والأخر غدًا وهل الحفرة التي يتخذها أهل المغرب كافية في قسمة الفول أو لا (فأجاب) قسمة الفول والتين بالحفرة في الفول والسلل في التين إذا كانت تضبط التساوي جائز كله وهو راجع إلى القسمة بالمكيال المجهول وأما أخذ أحدهم ما يجني اليوم والأخر ما يجني غدا فقط فظاهر النصوص عدم جوازه اهـ محل الحاجة بنصه وقول السائل أو ينزع من جرابه المراد بجراب الفول قشره الأعلى والسلة وعاء يحمل فيه الفاكهة يعرف عند قوم بالسناج بتشديد النون وعند ءاخرين بالقرطلة بفتح اللام مشددة تكون من قصب في الغالب (فرع) قال الحطاب مسئلة قال البرزيلي وسئل ابن أبي زيد عن الأندار إذا جمعتها السيول في موضع واحد بعد الخلط فقيل يقبل قول الحراثين إذا قالوا هذا أندر فلان وقالوا رأيناه وقد قلع الماء إياه وكيف قسمة الشعير والزيتون عند الخلط وهل يصدق كل واحد منهم عما كان في أندره ويحلف أو لا فأجاب إن كان إنما اختلط بشهادة الحراثين وهم عدول فهي جائزة وأما غير العدول فشهادتهم غير جائزة وأرباب الزيتون ونحوه أن تقارروا بينهم على شيء معلوم فهو كذلك وأن تجاهلوا فليس إلا الإصلاح قلت كثيرًا ما يقع عندنا بتونس تأتي السيول بالزيتون في تلك الأودية وحكمه هكذا وكذا ما أختلط على يد اللصوص من الزرع والزيتون على هذا المنوال وكذا ما وقع في الرواية في السفن إذا اختلط فيها الطعام المشحون فإنه يقبل كل واحد فيما ذكر بعد يمينه إذا أدعى ما يشبه وهذا كله يجري على أصل واحد اهـ (ثم) شرع يتكلم على ما يطرأ على القسمة المقتضي لنقضها وهو خمسة استحقاق وقد تقدم الكلام عليه وعيب وحكمه حكم الاستحقاق قلة وكثرة ودين ووارث ووصية وإليها أشار بقوله
(وينقض القسم لوارث ظهر أو دين أو وصية فيما اشتهر)
(إلا إذا ما الوارثون باؤا بحمل دين فلهم ما شاؤا)
[ ٣ / ١٢٩ ]
يعني أن الورثة إذا اقتسموا التركة ثم ظهر بعد ذلك وارث معهم فإنها تنقض لأجله إذا كان المقسوم كدار فإن كان غير عقار فلا تنقض ويرجع على كل واحد بما أخذه زائدًا على حقه وكذلك تنقض إذا هر دين أو وصية ما لم تلتزم الورثة بأداء الدين أو الوصية إذا كانت بعدد وإلا فلا نقض إذ لا حق لهما في عين التركة ولهذا إذا كانت الوصية بالثلث مثلا فإن القسمة تنقض لأن الموصى له عنده حق في عين التركة وقوله باؤا معناه رجعوا بتحمل الدين أو الوصية أو هما معًا قال
(والحلي لا يقسم بين أهله إلا بوزن أو بأخذ كله)
يعني أن التركة إذا كان فيها حلي ذهب أو فضة أو هما معًا فإن أمكن قسمة بالوزن قسم به ويأخذ كل واحد من الورثة نصيبه منه أو يأخذ أحد الورثة جميعه ويأخذ الآخر ما شاء من المتاع ولا يجوز لأحد الورثة أن يأخذ شيئًا من العين مع ما يجب له من العروض أو الأصول لما فيه من يبع عين بعين وعرض وهو ممنوع قال
(وأجر من يقسم أو يعدل على الرؤس وعليه العمل)
(كذلك الكاتب للوثيقة للقاسمين مقتف طريقه)
يعني أن أجرة القاسم والمقوم للأصول وغيرها وأجرة كاتب الوثيقة تكون على عدد رؤس المستحقين على القول الذي جرى به العمل وقيل إنها تكون على قدر الانصباء. وهو الذي عليه العمل اليوم وقوله مقتف طريقه بالتاء المبدلة هاء للوقف أي كاتب الوثيقة متبع طريقة للقاسمين في أخذه الأجرة على الرؤس قال
(وأجرة الكيال في التكسير من بائع توخذ في المشهور)
(كذاك في الموزون والمكيل الحكم ذا من غير ما تفصيل)
يعني أن أجرة كيل الأرض وقيسها بذراع ونحوه وأجره الوزن والكيل سواء كان طعاما أو غيره كل ذلك على البائع في القول المشهور إلا لشرط أو عرف فتكون على
[ ٣ / ١٣٠ ]
المشتري وهذه المسألة حقها أن تذكر في مسائل البيوع ولعله ذكرها هنا جمعا للنظائر والله أعلم وقوله من غير ما تفصيل ما زائدة قال
﴿فصل في المعاوضة﴾
وهي في الاصطلاح ما كان الثمن والمثمن فيها غير ذهب ولا فضة وقد تطلق على بيع الحبس ليعوض بثمنه غيره فهي نوع من أنواع البيع وصورها خمسة وعشرون صورة من ضرب خمسة وهي أصول أو عروض أو طعام أو ثمر أو حيوان في مثلها وكلها جائزة إذا توفرت شروطها وإليها أشار الناظم بقوله
(يجوز عقد البيع بالتعويض في جملة الأصول والعروض)
(ما لم يكن في الأصل زرع أو ثمر لم يؤبرا فما انعقادها يقر)
(وصح بالمابور حيث يشترط من جهة أو بقيا معا فقط)
يعني أن معاوضة الأصول بالأصول والعروض بالعروض ونحوهما مما تقدم جائزة على تفصيل في معاوضة الأصول بمثلها وهو أن الأصلين الذين وقع العقد عليهما إما أن يكون في كل واحد منهما زرع أو ثمر لم يؤبر أو ابر أو لم يكن فيهما شيء فإن كانا خاليين من ذلك فالمعاوضة جائزة وإن كان فيهما غير المابور فلا تجوز فإن وقعت فلا يقر انعقادها ولا يثبت بل تفسخ وجوبا لأن البائع لا يجوز له استثناؤه ولا للمشتري اشتراطه وإن كان فيهما ما بور فإن باع أحدهما أرضها بزرعها أو أشجاره بثمرها وباع له الأخر في مقابلة ما ذكر أرضه أو أشجاره فقط وأبقى زرعه أو ثماره لنفسه أو أبقى كل واحد منهما غلته لنفسه جازت المعاوضة في الصورتين فإن اشترطا معا فإن كانا من جنس واحد منعت لأنه عرض وطعام بعرض وطعام وإن كانا من جنسين كأرض فيها زرع بشجر فيه ثمر جازت بناء على أن النظر للجزاف قبض وهو القول المشهور فقد حصلت المناجزة المطلوبة في بيع الطعام بالطعام وقوله فقط راجع لقوله من جهة قال
[ ٣ / ١٣١ ]
(وسائغ للمتعاوضين من جهة فقط مزيد العين)
(لأجل ما كان من التفضيل بالنقد والحلول والتأجيل)
يعني إنه يجوز لأحد المتعاوضين إذا أخذ أفضل مما أخذه صاحبه أن يزيده في مقابلة تلك الأفضلية ما يتفقان عليه من العين ليحصل التساوي بينهما ولا فرق بين أن تكون تلك الزيادة نقدًا أو بالحلول يدفعها له متى شاء أو مؤجلة بأجل معلوم كل ذلك جائز أما إذا كانت الزيادة من الجانبين فإن المعاوضة لا تجوز لأنه عرض وعين بعرض وعين قال
(وجائز في الحيوان كله تعاوض وإن يكن بمثله)
يعني أن المعاوضة في الحيوان كله جائزة هذا إذا كانا من جنسين كجمل وفرص بل وإن كانا من جنس واحد مع اتفاقهما في القدر كفرس بمثله فإن اختلفا في القدر كفرس في فرسين جازت المعاوضة إن عجلا معًا وإلا منع لأنه مع تعجيل الفرسين ضمان بجعل ومع تأخيرها سلف بزيادة ومحل المنع إذا لم تختلف منفعتهما أما إذا اختلفت منفعتهما جازت المعاوضة لأن اختلاف المنفعة يصير الجنس الواحد كالجنسين كما يأتي في السلم والله تعالى أعلم قال
﴿فصل في الاقالة﴾
وهي عبارة عن رد المبيع إلى ملك البائع كما في ابن راشد وعرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي ترك المبيع لبائعة بثمنه وأكثر استعمالها قبل قبض المبيع وهي رخصة وعزيمة اهـ فتكون رخصة إذا وقعت في الطعام قبل قبضه وعزيمة أي جائزة مباحة فيما عداه داخلة في أقسام الحكم الشرعي لا خارجة عنها فهي بيع من البيوع والأصل فيه الجواز وأختلف فيها إذا وقعت بمثل الثمن هل هي بيع أو حل للبيع والمشهور إنها بيع إلا في الطعام فتجوز فيه قبل قبضه بشرط أن تكون في جميعه وإلا فلا تجوز. وإلا في
[ ٣ / ١٣٢ ]
الشفعة فليست بيعا ولا حلا للبيع بل هي باطلة من أصلها لتعلق حق الشفيع بالمبيع إذا لو كانت بيعا لخير الشفيع في الأخذ بالشفعة بالبيع الأول أو الثاني ليكتب عهدته على من أخذ ببيعه مع إنه يأخذ بالبيع الأول ويكتب عهدته على المشتري ولو كانت حلا للبيع لسقطت الشفعة مع إنها لا تسقط بها لأنها كالعدم. وإلا في المرابحة فهي فيها حل للبيع ويظهر أثرها فيمن اشترى سلعة بعشرة مثلًا وباعها مرابحة بخمسة عشر ثم وقعت الإقالة بينهما فيها فإنه لا يجوز له أن يبعيها ثانيًا مرابحة إلا على أن رأس مالها عشرة ولا يبيعها على أن رأس مالها خمسة عشر إلا إذا بين أو افترقا وتباعد ذلك ثم بعد ذلك تقايلا فهو بيع مبتدأ وإن سمياه إقالة وله أن يبيع على الثمن الأخير كما في ابن راشد. وينبني على إنها بيع وجوب اشتمالها على شروط البيع وتتوجه اليمين على منكرها وعلى إنها حل للبيع فلا بد من شروط التبرع بحيث لا تصح إلا ممن له التبرع وهو الرشيد ولا تتوجه اليمين على منكرها هذا كله إذا وقعت بمثل الثمن وأما إذا وقعت بأقل من الثمن أو أكثر فهي بيع اتفاقا وحينئذ فيتحرز فيها من بيع الطعام قبل قبضه ومن بيع وسلف كما لو أسلم إليه في عروض أو طعام ثم أقاله قبل الأجل أو بعده من بعض ويأخذ منه بعضا لم يجز لأنه بيع وسلف مع ما في الطعام من بيعه قبل قبضه ويتحرز فيها من سلف بمنفعة كما يأتي في النظم (والأصل) في مشروعيتها قول رسول الله ﷺ من أبتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من إقالة أو شركة أو تولية (قال) ابن راشد وإذا جاز ذلك في الطعام جاز في غيره بطريق الأولى وقد ندب ﷺ البائع إلى الإقالة فقال من أقال نادما أقاله الله يوم القيامة الحديث (قال) مالك رضي الله تعالى عنه أجمع أهل العلم على أن لا بأس بالإقالة وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(إقالة تجوز فيما حلا بالمثل أو أكثر أو أقلا)
يعني أن الإقالة جائزة في بيع الأصول وغيرها في الذي حل ثمنه بمثل الثمن الأول أو أكثر للسلامة من التهمة أو أقل إذا كان غير طعام وإما الإقالة في الطعام فلا تجوز
[ ٣ / ١٣٣ ]
قبل قبضه إلا بمثل الثمن لأنها إذا لم تكن بمثله كانت بيعا لا إقالة كما تقدم وبيع الطعام قبل قبضه ممنوع وسيأتي مفهوم قوله حل وما فيه من التفصيل قال
(وللمقال صحة الرجوع بحادث يحدث في المبيع)
يعني أن البائع إذا تقابل مع المشتري فوجد بالمبيع عيبًا حادثًا بعد بيعه فله الرجوع به وإن كان قديمًا قبل البيع ولم يعلم به واحد منهما فلا قيام له به إلا أن تكون الإقالة بالزيادة على الثمن الذي باع به فله الرجوع بها فقط بعد أن يحلف إنه لم يعلم بالعيب فإن نكل عن اليمين فلا رجوع وهي يمين تهمة لا تنقلب وضمير منه وبعلمه عائد على العيب قال
(والفسخ في إقالة مما انتهج بالصنعة التغيير كالغزل انتسج)
(إلا إذا المقال بالرضي دفع لمن أقال أجرة بما صنع)
يعني أن الإقالة إذا وقعت في المبيع غير المثلي وتغير بسبب صنعة دخلته كغزل وقع نسجه فإنها لا تجوز وتنفسخ إذا وقعت إلا إذا دفع البائع للمشتري أجر عمله فإنها تجوز وتمضي. وقوله انتهج أي سلك مبني للفاعل وفاعله ضمير المبيع والتغيير بالنصب على إنه مفعول مطلق على حذف مضاف أي انتهج المبيع منهج التغيير ثم صرح بمفهوم قوله حل في البيت الأول فقال
(ولا يقال حيث لم يأت أجل بثمن أدنى ولا وقت أقل)
(أو ثمن أكثر منه لأمد أبعد مما كان فيه المعتمد)
(وهي إذا كانت بمثل المال جائزة في كل حال حال)
[ ٣ / ١٣٤ ]
يعني أن من باع سلعة إلى أجل ثم وقعت فيها الإقالة فلا يخلو الأمر إما أن يتقايلا بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر فهذه ثلاث صور وفي كل صورة إما أن تكون الإقالة نقدا أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه فهذه أربع صور تضرب في الثلاثة المتقدمة فتكون اثنتي عشرة صورة يمنع منها ثلاث صور وهي ما عجل فيه الأقل وبيانها إن البائع إذا أسترد السلعة أما بأقل نقدًا أو بأقل إلى أجل دون الأجل الأول فهاتان صورتان أو بأكثر إلى أجل أبعد من الأجل الأول فإن المشترى في هاته الصورة يدفع عند حلول الأجل للبائع عشرة مثلًا فإذا حل الأجل الثاني يقبض من البائع اثني عشر فهو سلف جر نفعا في الصور الثلاث وهو ممنوع ولو لم يقصدا ذلك سدا لزريعة الربي هذا إذا أختلف الأجلان والثمنان كما علمت فإن استوى الثمنان جازت الإقالة مطلقا نقدًا أو إلى أجل دون الأجل الأول أو للأجل نفسه أو لأبعد منه فهذه أربع صور جائزة وإليها أشار الناظم بقوله
(وهي إذا كانت بمثل المال جائزة في كل حال حال)
يعني نقدًا أو إلى أجل الخ الصور الأربع وكذا تجوز بأقل للأجل نفسه أو لأبعد منه أو بأكثر نقدًا أو لدون الأجل الأول أو للأجل نفسه فهذه خمس صور جائزة أيضًا فإذا ضمت إلى الأربعة المتقدمة كانت الصور الجائزة تسعة وضابط هذه المسئلة كما في بيوع الاجال إنه إذا استوت الأثمان والاجال فأنظر إلى اليد السابقة بالعطاء فإن خرج منها قليل ورجع إليها كثير بالمنع وإلا فالجواز وذلك لأن الفقهاء قالوا إن الخارج من اليد والعائد إليها يعد لغوا فكأنه من أول الأمر دفع إليه دراهم سلفًا فمنع هذا لتهمة سلف بمنفعة وقوله يقال من الإقالة ثم قال
(ومشتر أقال مهما اشترطا أخذ المبيع أن يبع تغبطا)
(بالثمن الأول فهو جائز والمشتري به المبيع حائز)
[ ٣ / ١٣٥ ]
يعني أن المشتري إذا أقال البائع على شرط وهو إنه مهمى باع ذلك الشيء فهو أحق به بالثمن الأول ثم إنه باع ذلك فأراد المشتري المقيل فسخ البيع والأخذ بشرطه فله ذلك لأن اشتراط أخذ المبيع بالثمن الأول إذا بيع جائز على القول المعتمد وإذا جاز ذلك فالمشتري حائز ملكية المبيع بشرطه فهو بمنزلة الرهن قال بعضهم إنما يكون له الأخذ بشرطه مع عدم الطول إذا كان التعليق بمثل إن وأما إذا كان التعليق بمثل مهما فله الأخذ بشرطه طال الزمن أو لم يطل (قلت) هذا صحيح بالنظر إلى اللف وأما بالنظر إلى مقاصد الناس فلا لأنهم لا يفرقون بين الكليات والجزئيات فأدوات التعليق كلها عندهم على السواء كما قالوا في العطف بالواو وثم في مسئلة الحضانة. وقيل يفسد البيع بهذا الشرط ويفسخ لما فيه من التحجير ما لم يفت وشهر كما في الحطاب وضمير به يعود على الشرط المفهوم من اشترطا قال
(وسوغت إقالة فيما اكترى إن لم يكن أعطى الكراء المكتري)
يعني أن من أكترى دارا أو غيرها ولم ينقد الكراء فإنه يجوز له أن يتقايل مع المكتري سكن أو لم يسكن ومفهوم الشرط فيه تفصيل وهو أن نقد المكتري الكراء ولم يسكن فالإقالة جائزة أيضًا وإن سكن بعض المدة فلا تجوز لأنه يؤدي إلى كرآء وسلف والجمع بينهما ممنوع على المشهور كما تقدم أوائل البيوع (تنبيه) أجر ما يحتاج إلى أجرة يكون على سائل الإقالة لا على المقيل لأنه فعل معروفًا فهي كالقرض فالأجرة فيه على المقترض لا على المقرض ومثلهما التولية والشركة ثم قال
﴿فصل في التولية والتصيير﴾
أما التولية فقد عرفها الإمام ابن عرفة بقوله هي تصيير مشتر ما أشتراه لغير بائعه بثمنه اهـ. فقوله لغير بائعه تخرج به الإقالة وقوله بثمنه يخرج به البيع إذا صيره له بأكثر من ثمنه أو بأقل منه. وإما التصيير فهو دفع شيء معين ولو عقارا في دين سابق. والأصل في مشروعيتها وحكمهما الحديث السابق ولما ذكرت التولية مع
[ ٣ / ١٣٦ ]
الإقالة ذكرها عقبها وقدمها على التصيير خوفًا من الفصل بينهما وبدا في النظم بالتولية كما فعل في الترجمة فقال
(تولية المبيع جازت مطلقا وليس في الطعام ذاك متقى)
يعنى أن من أشترى شيئًا فإنه يجوز له أن يوليه بثمنه لغير بائعه مطلقًا سواء كان طعاما أو غيره قبل القبض أو بعده وليست التولية في الطعام قبل قبضه مما هو ممنوع ومتقى بل هي جائزة كالشركة فيه والإقالة لأن الثلاثة معروف وإحسان رخص فيها النبي ﷺ كما تقدم إلا إذا كانت بأكثر من الثمن أو أقل فلا تجوز فيه قبل قبضه لأنها خرجت عن الرخصة إلى البيع المحض فإن كانت لبائعه فهي الإقالة المتقدمة ولو سميت تولية ولما فرغ من الكلام على التولية شرع يتكلم على التصيير فقال
(والشرط في التصيير أن يقدرا دين والأنجاز لما تصيرا)
(والعرض صيره بلا منازعة والحيوان حيث لا مواضعه)
(وجائز فيه مزيد العين حيث يقل عنه قدر الدين)
يعني أنه يشترط في صحة التصيير أمران معرفة قدر الدين المصير فيه الشيء لأنه بيع والبيع لا بد فيه من معرفة المعقود عليه كما مر إلا في مسئلة التمخي الآتية وقبض الشيء المصير كله ناجزًا خوفًا من فسخ دين في دين وهو ممنوع فيكون فاسدا وإنه يجوز تصيير العروض والحيوان على اختلاف أنواعهما بلا منازعة في ذلك ولا خلاف إلى الأمة التي تفتقر إلى المواضعة عند أمينة وما لا يقبض في الحال كالدار الفائبة والمبيع على الخيار فإنه لا يجوز لعدم المناجزة وإذا كانت الدار المصيرة مثلا قيمتها أكثر من الدين فإنه يجوز للمصير له أن يزيد المصير بكسر الياء شيئًا من العين ليكمل به قيمة الدار زيادة معجلة أو مؤجلة على ظاهر النظم وقيل لا بد من التعجيل وقوله يقدرا وتصيرا مبنيان للنائب والفهما للإطلاق والعرض والحيوان يجوز نصبهما ورفعهما
[ ٣ / ١٣٧ ]
والأول أرجح كما هو معلوم في باب الاشتغال وضمير فيه يعود على التصيير وضمير عنه يعود على ثمن الشيء المصير قال
(والخلف في تصيير ما كالسكنى أو ثمر معين ليجنى)
يعني إنه اختلف في تصيير ما هو منفعة كسكني دار مثلًا من كل ما لا يقبض دفعة واحدة بل يكون قبضه شيئًا فشيئًا فابن القاسم يمنعه ولو وقع الشروع في قبض المنفعة أثر العقد لأن قبض الأوائل عنده ليس قبضًا للأواخر فيكون فسخ دين في دين وأشهب يجوزه لأن قبض الشيء عنده قبض لجميع منافعه وكذلك اختلفا في تصيير ثم شجر معين ليجتنى شيئًا فشيئًا كالتين فابن القاسم يمنع تصييره وأشهب يجيزه ولهذا قلت في الشرط الثاني من شرطي التصيير المتقدمين قبض الشيء المصير كله احترازا من قبضه شيئًا فشيئًا جريا على قاعدة ابن القاسم المشهورة (تنبيه) الذي جرى به العمل افتقار التصيير إلى الحوز لأن صحته متوقفة عليه وسواء كان الدين ثابتًا ببينة أو باعتراف هذا إذا لم يكن هناك من يدعي أن التصيير وقع توليجا وإلا فلا بد من ثبوت الدين بالبينة وعدم المحاباة كما في المعيار نقلًا عن ابن الحاج وهذه المسئلة كثيرة الوقوع ممن لا يخاف الله ليا كل أموال الناس بالباطل أو يمنع ميراث أحد الورثة قال
(وأمتنع التصيير للصبي إن لم يكن ذا أب أو وصي)
يعني إن من عليه دين لصبي مهمل فلا يجوز له أن يصير له شيئًا من ماله في مقابلة دينه لأن من شرط صحة التصيير القبض والصبي لا يقبض لنفسه لأن قبضه كالعدم فيدخله فسخ دين في دين كما مر وحيث كان لا يقبض لنفسه فيقدم له القاضي مقدمًا يقبض له إذا راءه مصلحة فإن كان له أب أو وصي نظر في ذلك فإن راءه مصلحة قبضه له وإلا فلا قال
(والأب كالوصي في التصيير تمخيا بالجهل للمحجور)
يعني إنه يجوز للأب أو الوصي أن يصير لمحجوره ما يتحرى به براءة ذمته حيث
[ ٣ / ١٣٨ ]
جهل قدر الدين الذي عليه لمحجوره أو جهل أصله فالأول واجب والثاني مندوب ويصح قبضه لمحجوره الشيء الذي صيره له بالأشهاد ما لم يكن دار سكناه وإلا فلا بد من إخلائها إلا إذا تسوغها بعدلين فإن سكناه بها حينئذ لا يضر ويصح التصيير وقوله تمخيا أي تبريا (فرع) اتفق ابن القاسم وسحنون على أن لا شفعة في التمخي فعلله ابن القاسم بجهل الثمن وعلله سحنون بأنه صدقة ويصح التوفيق بينهما بأن القائل بجهل الثمن حيث كان له أصل والقائل بالصدقة حيث لم يكن له أصل فيحملان على الوفاق وحيث كان الحوز لا بد منه فلا فائدة في هذا الخلاف (ولما) فرغ من الكلام على بيوع النقد والاجال شرع في بيان السلم فقال
﴿فصل في السلم﴾
بفتح السين واللام (وأبحاثه ستة) الأول في معناه لغة واصطلاحا (والثاني) في أصل مشروعيته (والثالث) في حكمه (والرابع) في حكمته (والخامس) في أركانه (والسادس) في شروطه (فإما) معناه في اللغة فهو السلف قال في المصبح السلم في البيع مثل السلف وزنا ومعنى وأسلمت إليه بمعنى أسلفت أيضًا والسلم أيضًا شجر العضاء الواجدة سلمة مثل قص وقصبة وبالواحدة كني فقيل أبو سلمة وأم سلمة والسلمة وزان كلمة الحجر وبها سمي ومنه بنو سلمة بطن من الأنصار والجمع سلام وزان كتاب والسلام بفتح السين شجر والسلام اسم من سلم عليه والسلام اسم من أسماء الله تعالى قال الهيلي وسلام اسم رجل لا يوجد بالتخفيف إلا عبد الله بن سلام وإما أسم غيره من المسلمين فلا يوجد إلا بالتثقيل والسلم بكسر السين وفتحها أي مع سكون اللام الصلح ويذكر ويؤنث سالمه مسالمة وسلاما وسلم المسافر يسلم من باب تعب سلامة خلص ونجي من الآفات فهو سالم وبه سمي وسلمه الله بالتثقيل في التعدية والسلامي بضم السين أنثى قال الخليل هي عظام الأصابع وقال قطرب السلاميات عروق ظاهر الكف والقدم وأسلم لله فهو مسلم وأسلم دخل في دين الإسلام اهـ ما به الحاجة
[ ٣ / ١٣٩ ]
وفي مثلثات قطرب. تحية المرء السلام. وأسم الحجارة السلام. والعرق في الكف السلام. رووه في لفظ النبي. فالأول بالفتح والثاني بالكسر والثالث بالضم (قال) ابن راشد وحكى ابن بشير في الأنوار البديعة عن بعض المتقدمين كره أن يقول أسلمت وإنما يقول أسلفت ولذلك لم يقل في مصدره إسلاما على ما يقتصيه الفعل الرباعي قال وهذا منه تورع من ابتذال لفظة لها معنى شريف في الشريعة في تصرف ديناري اهـ (وفي) الحطاب قال ابن عبد السلام وكره بعض السلف لفظة السلم في حقيقته العرفية التي هي أحد أنواع البيع ورأى إنه إنما يستعمل لفظة السلف أو التسليف صونًا منه للفظ السلم عن التبذل في الأمور الدنيوية ورأى إنه قريب من لفظ الإسلام ثم قال والصحيح جوازه لاسيما وغالب استعمال الفقهاء إنما هو صيغة الفعل مقرونة بلفظ في فيقول أسلم في كذا فإذا أرادوا الاسم أتوا بلفظ السلم وقال ما يستعملون الإسلام في هذا الباب اهـ. وفي الاصطلاح عرفه ابن راشد بقوله هو بيع دين بعين مقبوضة في المجل أو ما قرب منه (وقال) ابن عرفة في تعريفه هو عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين (فقوله) عقد معاوضة جنس يشمل السلم وغيره من أنواع المعاوضة وتخرج التبرعات إذ لا معاوضة فيها كالهبة ونحوها. وقوله يوجب عمارة ذمة يخرج به المعاوضة في المعينات. وقوله بغير عين يخرج به البيع بثمن مؤجل. وقوله ولا منفعة يخرج به الكراء المضمون وما أشبهه من المنافع. وقوله في الذمة غير متماثل العوضين يخرج به السلف (وأما) الأصل في مشروعيته فبالكتاب والسنة أما الكتاب فقول الله تعالى وأحل الله البيع وقال ﷿ يأيها الذين إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه هذه الآية تجمع الدين كله. وأما السنة فقد ورد في الصحيح إن رسول الله ﷺ قال من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وروي عنه ﵊ إنه أشترى عبدًا بعبدين أسودين (وأما) حكمه فقد انعقد الإجماع على جوازه لأنه معلوم من
[ ٣ / ١٤٠ ]
الدين بالضرورة كما في الفائق. وقال المشذالي في حاشيته في أول السلم الأول صرح في المدونة بأنه رخصة مستثنى من بيع ما ليس عندك اهـ. حطاب (وأما) الحكمة في مشروعيته فلتهيل الاسترزاق للمحتاجين لأنه لا يقع إلا منهم في الغالب وحفظا من بيع أملاكهم بسبب دين ونحوه من الأمور التي تكون باعثه على التسبق على الطعام ونحوه (وأما) أركانه فستة العقد والمسلم بكسر اللام وهو المتري والمسلم إليه وهو البائع والمسلم بفتح اللام وهو العوض المعبر عنه براس مال السلم والمسلم فيه وهو المبيع إلى أجل والصيغة وهو كل ما يدل عليه كالبيع وللموثقين في ذلك عبارات يكتبونها بحسب ما هو المتعارف عندهم (وأما) شروطه فسبعة منها ما هو مختص ومنها ما هو مشترك كما ستعرفه وقد أشار إليها الناظم فقال
(فيما عدا الأصول جوز السلم وليس في المال ولا كن في الذمم)
(والشرح للذمة وصف قاما يقبل الالتزام والالزاما)
(وشرط ما يسلم فيه أن يرى متصفا مؤجلا مقدرا)
(بوزن أو كيل وذرع أو عدد مما يصاب غالبًا عند الأمد)
(وشرط رأس الماس أن لا يحظلا في ذاك دفعه وأن يعجلا)
(وجاز إن أخر كاليومين والعرض فيه بخلاف العين)
يعني أن السلم جائز فيما عدا الأصول من عرض وطعام وعين وثمار وحيوان فهذه أقسام البيع المتقدمة. ولا يكون المسلم فيه من هذه الأقسام الخمسة معينًا كما قال الناظم وليس في المال يعني به المعين بل إنما يكون المسلم فيه منها دينًا في الذمة وكونه دينًا في الذمة هو (الشرط الأول) من شروط المسلم فيه (والذمة) وصف اعتباري كالطهارة قائم بالإنسان يقبل الالتزام لما التزمه اختيارا كنفقة على فقير وصلاة وصوم ونحو ذلك ويقبل الإلزام لما ألزمه الحاكم إياه من أرش جناية أو عيب أو طلاق بسببه
[ ٣ / ١٤١ ]
إلى غير ذلك. وإنما يكون ممنوعًا في المعين لأنه إن كان ملكا للمسلم إليه وشرط التأجيل أو قصده منع لأنه شراء معين يقبض إلى أجل بعيد وإن قصد تعجيله فلا معنى لتسميته سلما بل هو بيع معجل جائز. وإن كان ملكًا لغيره فلا يجوز لأن النبي ﷺ نهى عن بيع ما ليس عندك (قال) ابن راشد رحمه الله تعالى (فائدة) بيع ما ليس عنده على ثلاثة أوجه جائز ومكروه ومختلف فيه (فالجائز) أن يبيعه ما ليس عنده إلى أجل بنقد وهو السلم (والمكروه) أن يبيعه ما ليس عنده نقدًا أو إلى أجل بثمن إلى أجل. والمختلف فيه أن يبيعه ما ليس عنده نقدًا بنقد فقيل مكروه وقيل حرام اهـ (الشرط الثاني) من شروط المسلم فيه أن يكون مضبوطًا بصفاته التي تختلف باختلافها القيمة في السلم عادة بحيث تكون معلومة لهما ولغيرهما لأنه متى أختص المتعاقدان بعلمها دل ذلك على ندورها والندور يقتضي عزة الوجود فيؤدي ذلك إلى التنازع فتنتفي الرخصة التي هي أصله وإلى هذا أشار الناظم بقوله (وشرط ما يسلم فيه أن يرى متصفا الخ) ولهذا منع السلم في الأصول المفهوم من قوله (فيما عدا الأصول جوز الخ) فمفهومه أن الأصول لا يجوز فيه السلم وهو كذلك لأنها وأن كانت تضبط بالصفة لتشاح الناس في مواضعها واختلاف أغراضهم فيها فلا بد من تعيينها دفعًا لكثرة الخطر وإذا عين موضعها خرج عن كونه سلمًا في الذمة وصار في معين كما يمنع السلم في ما لا يمكن وصفه كتراب المعدن فإنه لا يسلم فيه عين ولا عرض لأن صفته لا تعرف فإن عرفت بتجربة جاز أن يسلم فيه عرض ونحوه لا غين لئلا يدخله الربى (الشرط الثالث) من شروط المسلم فيه أن يكون مؤجلا بأجل معلوم للمتعاقدين وإليه أشار الناظم بقوله مؤجلا وسواء كان الأجل حقيقيا وأقله نصف شهر إلا أن يشترط أن يقبض المسلم فيه ببلد غير بلد العقد على مسافة كيومين ذهابًا فقط ويخرج المسلم إليه بالفور لدفع المسلم فيه فرارا من جهالة زمن القبض وإلا فلا بد من التأجيل بنصف شهر فأكثر أو حكميا كمن لهم عادة بوقت القبض فلا يحتاج إلى ضرب أجل قاله اللخمي (الشرط الرابع) من شروط المسلم فيه أن يكون مقدرا
[ ٣ / ١٤٢ ]
بكيل أو وزن أو ذرع أو عدد وإليه أشار بقوله (مقدار بوزن الخ) (الشرط الخامس) من شروط المسلم فيه أن يكون موجودا في الغالب عند حلول أجله المعين بينهما كما مر في الأجل الحقيقي أو الحكمي وإليه أشار بقوله (مما يصاب غالبا عند الأمد) وسواء كان يملكه البائع أم لا (قال) في المدونة ما ينقطع من أيدي الناس في بعض السنة من الثمار الرطبة وغيرها لا يشترط أخذ سلمه إلا في أبانه وإن شرط اخذه في غير أبانه لم يجز لإنه شرط ما لا يقدر عليه اهـ مواق (فرع) مرتب فإن انقطع المسلم فيه الذي له وقت معين يوجد فيه لفوات أبانه بسبب البائع خير المشتري في الفسخ عن نفسه فيرجع بعين ماله إذا كان المسلم فيه طعامًا ولا يجوز أخذ غيره لما يلزم عليه من بيع الطعام قبل قبضه وفي البقاء لعام قابل وإن كان التأخير بسبب المشتري فإنه لا يخير بل يبقى لعام قابل لظلمه البائع بالتأخير فتخييره زيادة ظلم قاله ابن عبد السلام وكذا إذا غفلا معًا حتى فات الأبان بانقطاعه بأمر سماوي كجائحة ولم يقبض شيئًا من المسلم فيه أما إن قبض منه شيئًا وجب التأخير لأن السلم يتعلق بذمة المسلم إليه فلا يبطل ببطلان الأجل كالدين والقول لمن دعا إلى التأخير إن لم يتراضيا بالمحاسبة وإلا عمل بها سواء كان رأي المال مثليًا أو مقومًا إذ لا يتهمان في المحاسبة على البيع والسلف لأن انقطاعه من الله تعالى وكذلك إذا كان الانقطاع لهروب أحدهما فإن التهمة أيضًا منتفية أما لو سكت المشتري عن طلب البائع حتى ذهب الأبان فلا يجوز تراضيهما بالمحاسبة لإتهامهما على البيع والسلف وإذا رضيا بالمحاسبة فلا يجوز له أن يأخذ بقية رأس ماله عرضًا ولا غيره لأنه بيع الطعام قبل قبضه أي إذا كان المسلم فيه طعامًا كما هو الموضوع قاله الخرشي وغيره (الشرط السادس) وهو ما كان مشتركًا بين المسلم فيه ورأس المال أن لا يكونا طعامين ولا نقدين لما في المدونة أن الطعام بالطام إلى أجل لا يصح كانا من صنف واحد أو من صنفين مختلفين كانا أو أحدهما مما يدخر أو لا يدخر أو مما يكال أو يوزن أو يعد وكذلك جميع التوابل واللحمان والحيتان وجميع الأدام والأشربة عدا
[ ٣ / ١٤٣ ]
الماء ولا يجوز ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا أحدهما بالأخر نسا لا على الوجه الذي يجوز نقدًا ولا على خلافه ولا الدنانير والدراهم في الفلوس (فان) قيل هذا الشرط غير مختص بالسلم بل يعم السلم وغيره كما تقدم في البيوع فلأي شيء ذكر هنا (أجيب) بأن ذكر الطعامين والنقدين هنا ليس مقصودًا بالذات وإنما أصل الكلام أن يقال أن لا يؤدي السلم إلى شيء ممنوع وغير ذلك من العبارات كما في الحطاب وإلى هذا المعنى أشار الناظم بقوله (وشرط رأس المال أن لا يحلا في ذاك دفعه) أي وشرط رأس المال أن لا يمنع دفعه في المسلم فيه كما يشترط في المسلم فيه أن لا يمنع دفعه في رأس المال. وإنه لا يسلم شيء في أكثر منه أو أجود لأنه سلف بمنفعة ولا في أقل منه ولا أدنى لأنه ضمان بجعل إلا أن تختلف منافع الجنس الواحد فيجوز حينئذ سلمه في أكثر منه وفي أقل وفي أجود وفي أردأ لأن اختلاف المنافع يصير الجنس الواحد كالجنسين كالسبق في الخيل والحمل في الإبل والقوة على الحرث والعمل للبقر وكثرة اللبن في الغنم والكبر والصغر في الآدمي والغنم ورقيق القطن وغليظه ورقيق الكتان وغليظه وكذا الحرير والصوف كما في الحطاب (الشرط السابع) المختص برأس المال أن يكون كله مقبوضًا خوفا من الدين بالدين وجاز تأخيره ثلاثة أيام ولو بشرط على المشهور وإليه أشار الناظم بقوله (وأن يعجلا وجاز إن أخر كاليومين) وأدخلت الكاف الثالث فإن كانت الزيادة أكثر من ثلاثة أيام وأن بلا شرط فسد العقد إذا كان رأس المال عينًا فإن كان عرضًا حاضرًا جاز فيه التأخير أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط وإليه أشار بقوله (والعرض فيه بخلاف العين) يعني أن العرض الحاضر يجوز تأخيره في السلم أكثر من ثلاثة أيام بلا شرط كما مر بخلاف رأس المال العين فإنه لا يجوز فيه ذلك كما علمت والله أعلم (ولما) فرغ من الكلام على بيع الذوات شرع يتكلم على بيع المنافع وهو أنواع كالبيع وبدأ بالكراء فقال
[ ٣ / ١٤٤ ]