أي من الفصول الآتي بيانها. وابتدأ بالحبس الموقوف رقبته في الوجه الذي يعينه الواقف له لأنه أكثرها ثوابًا فالصدفة والهبة لاشتراك هذه الثلاثة في شرط الحيازة ثم اتبع الهبة بالاعتصار لأنه مخصوص بها عند الإطلاق ثم عطف على ذلك العمري وما ألحق بها من المنحة والاخدام ثم أفرد الإرفاق على حدة وكل ذلك من أنواع الهبة ثم أردفها بالحوز لمناسبته لما سبق من التبرعات لأنه شرط فيها ثم اتبعه بالاستحقاق لتعلق كثير من أحكامه بسبقية الحوز ثم ذكر بعد العارية والوديعة والأمناء فمناسبة العارية
[ ٤ / ٢ ]
لما سبق من التبرعات ظاهرة ومناسبة الوديعة للعارية في وقوع الضمان فيهما بموجباته واشتباه فصل الأمناء بهما في عدم الضمان بحكم الأمانة ثم الحق بذلك كله فصل القرض لاشتراكه مع أكثر فصول هذا الباب لانتفاع المقترض بما يقترضه من عين أو طعام ونحوهما كما ينتفع به مالكه كذا في الشارح. ولكل واحد من هذه المذكورات شرح يذكر في محله إن شاء الله تعالى (فأما) الحبس ويعبر عنه بالوقف والصدقة فأبحاثه ثلاثة (الأول) في معناه لغة واصطلاحًا (والثاني) في حكم التحبيس (والثالث) في حكمة مشروعيته (فأما) معناه في اللغة فهو المنع قال صاحب المصباح الحبس أي بفتح أوله وسكون ثانيه المنع وهو مصدر حبسته من باب ضرب ثم أطلق على الموضع وجمع على حبوس مثل فلس وفلوس وحبسته بمعنى وقفته فهو حبيس والجمع حبس مثل بريد وبرد وإسكان الثاني للتخفيف لغة ويستعمل الحبس في كل موقوف واحدًا كان أو جماعة وحبسته بالتثقيل مبالغة وأحبسته بالألف مثله فهو محبوس (وقال) وقفت الدار وقفًا حبستها في سبيل الله وشيء موقوف ووقف أيضًا تسمية بالمصدر ولجمع أوقاف مثل ثوب وأثواب ووقفت الرجل عن الشيء منعته عنه اهـ. (وفي الاصطلاح) عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الوقف مصدرًا إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازمًا بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديرًا واسمًا ما أعطيت منفعته الخ (فقوله) مدة وجوده مبني على أن الحبس لا يكون إلا مؤبدًا وإطلاق الحبس على غير المؤبد مجاز عنده كما صرح به في غير هذا فخرج بقوله مدة وجوده العارية والعمرى لأن المنفعة فيهما ليست مدة وجود ذلك الشيء بل العارية تنقضي بانقضاء مدتها والعمرى تنقضي بموت المعطى له (وخرج) بقوله لازمًا بقاؤه العبد المخدم ما دام حيًا يموت قبل موت سيده لأنه غير لازم بقاؤه في ملك معطيه لجواز بيعه برضى المعطي مع معطاه. وأما إن مات سيده قبله فإنه يبطل إخدامه ويرجع لورثة السيد كما في الحطاب. وقوله في ملك معطيه أي على المشهور ففي المقري وغيره وقف المساجد إسقاط إجماعًا كالعتق لا ملك لأحد فيها لقول الله تعالى وإن المساجد لله فلا تدعوا مع
[ ٤ / ٣ ]
الله أحدًا. ولأنها تقام فيها الجماعات والجمعة والجمعة لا تقام في المملوكات أما وقف غيرها فهل يسقط أصل ملكه أو لا يسقطه وهو ظاهر المذهب خلاف. وقوله ولو تقديرًا قال الاجهوري يحتمل ولو كان الملك تقديرًا ويحتمل ولو كان الإعطاء تقديرًا فالأول كقوله إن ملكت دار فلان فهي حبس. والثاني كقوله داري حبس على من سيكون وعلى هذا فالمراد بالتقدير التعليق. وقال عمر الفاسي قول ابن عرفة ولو تقديرًا كان الصواب إزالة ولو والله أعلم أهـ (قلت) ويوضح هذا قول الزرقاني عند قول المصنف والملك للواقف لا الغلة الخ فالمراد بالملك في جميع ذلك في شيء خاص وهو ما أشار له بقوله فله ولوارثه منع من يريد إصلاحه لا الملك الحقيقي اهـ (راما حكمه) فهو جائز عند أكثر العلماء فقد ثبت أن رسول الله ﷺ حبس سبع حوائط وحبس عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله ابن عمر وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين دورا وحوائط واستشار عمر بن الخطاب ﵁ رسول الله ﷺ إني أصبت مالا لم أصب أعجب إلي منه وأريد أن أتصدق به فقال رسول الله ﷺ حبس الأصل وسبل الثمرة (فكتب) هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا توهب ولا تورث على الفقراء وذوي القربى وفي سبيل الله وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف (وقد) قيل لمالك إن شريحا كان لا يرى الحبس ويقول لا حبس عن فرائض الله تعالى فقال مالك تكلم شريح ببلدة ولم يرد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم وهلم جرا إلى اليوم وما حبسوا من أموالهم لا يطعن فيها طاعن وهذه صدقات النبي ﷺ سبع حوائط وينبغي للمرء أن لا يحكم إلا فيما أحاط به خبرا. وبهذا احتج مالك ﵀ لما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد فقال هذه أحباس رسول الله ﷺ وصدقاته ينقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن فقال حينئذ أبو يوسف ﵀ كان أبو حنيفة يقول إنها غير جائزة وأنا
[ ٤ / ٤ ]
أقول إنها جائزة فرجع في الحال عن قول أبي حنيفة ﵁ إلى الجواز (وأما) حكمة مشروعيته فلتكثير الأجر وعموم النفع فهو من التبرعات المندوبة إذا كان على الوجه الشرعي (قال) الله تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرًا وأعظم أجرًا (وقد) نبهنا رسول الله ﷺ على ذلك بقوله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جاربة أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له (قال) الغزالي وليس الصدقة الجارية إلا الوقف (واعلم) إن مسائل هذا الباب كلها ترجع إلى قسمين أركان ولواحق فأما الأركان فأربعة (الركن الأول) المحبس وشرطه إن لا يكون مكرهًا عليه. وأن يكون من أهل التبرع بما يريد تحبيسه فتدخل الزوجة والمريض في الثلث ويخرج المحجور عليه في القليل والكثير ولو أذن له حاجره كخروجهما فيما زاد على الثلث إلا إذا أجازه الزوج أو الوارث فأنه يلزم (فرع) لو حبس ذمي دارًا مثلًا على مسجد فإنه لا يصح لأن هذه الجهة يجب أن تخص بأفضل الأموال وأطيبها وأموال الكفار أبعد الأموال عن ذلك فيجب أن تنزه عنها المساجد كذا في ابن راشد نقلًا عن منتقي الباجي (الركن الثاني) الحبس وإليه أشار الناظم بقوله
(الحبس في الأصول جائز وفي منوع العين بقصد السلف)
يعني أن تحبيس الأصول جائز وذلك كالأراضي والديار والحوانيت والحوائط والمساجد والمقابر والطرقات والمصانع التي هي مجمع ماء المطر والآبار والقناطر لا ما كان كالمقطع فإنه لا يجوز تحبيسه لأنه لا ينتفع به إلا بإتلاف عينه ولا يمكن خلفه فلا يبقى فيه حق للواقف كذا في المعيار هذا إذا كان الأصل غير شائع بل ولو كان شائعًا لا يقبل القسمة فإنه يجوز تحبيسه على القول المعمول به (قال) الزرقاني وعلى الصحة يجبر الواقف على البيع إذا طلبه شريكه ويجعل الواقف ثمن حصته في مثل وقفه وهل يجبر أم لا قولان اهـ وسيأتي تحبيس المشاع في كلام الناظم مشروحًا وكذلك
[ ٤ / ٥ ]
يجوز تحبيس الدنانير والدراهم لقصد السلف بشرط أن توضع تحت يد أمين بإشهاد على أن يسلفها لمن احتاج إليها بمن كان مليًا أما برهن أو حميل احتياطًا أو بلا شيء بحسب ما يراه الذي وضعت تحت يده (وقوله) الحبس بسكون الباء لغة كما مر. وقوله منوع العين من إضافة الصفة إلى الموصوف أي العين المنوعة إلى ذهب وفضة (تنبيه) يشترط في صحة ما أريد تحبيسه أن يكون مملوكًا ذاتًا أو منفعة بان كان بكراء وسواء كانت مدة كرائه محدودة فإذا انقضت يرجع ملكًا لصاحبه أو كانت غير محدودة وهو ما كان على وجه الإنزال على القول المعمول به كما في البناني وغيره وأما الإنزال فإن كان على أصل حبس كما هو الغالب فلا يصح تحبيسه لأنه حبس والحبس لا يحبس وإن كان على أصل ملك كما يقع في بعض حوانيت السرقة وديار سكنى اليهود بتونس صح تحبيسه كما يصح تحبيس السلاطين إذا كان على وجوه البر وإلا فلا كتحبيس الفضولي لأنه ليس في مقابلة عوض ولو رضى المالك بخلاف البيع ثم قال
(ولا يصح في الطعام واختلف في الحيوان والعروض من سلف)
يعني أن تحبيس الطعام غير صحيح لأن المنفعة فيه هي استهلاك عينه وما درج عليه الناظم في هذا الفرع ضعيف والمذهب جواز الحبس فيه وفي كل ما لا يعرف بعينه إذا غلب عليه لأنه يؤتى بمثله بخلاف المقطع المتقدم فإنه لا يمكن الإتيان بمثله، واختلف المتقدمون رحمهم الله تعالى في تحبيس الحيوان والعروض والمشهور الجواز (وقوله) واختلف بفتح اللام فعل ماض من بفتح الميم اسم موصول فاعله وجملة سلف أي تقدم صلته (والركن الثالث) المحبس عليه وشرطه أن يكون من أهل التملك وهو ما يجوز صرف منفعته له أو فيه فالأول أشار إليه الناظم بقوله
(وللكبار والصغار يعقد وللجنين ولمن سيوجد)
يعني أنه يجوز الحبس على الإنسان مسلمًا كان أو كافرًا غير حربي كبيرًا كان أو صغيرًا غنيًا كان أو فقيرًا وعلى الجنين في بطن أمه وعلى من ليس بموجود أصلا كمن يولد
[ ٤ / ٦ ]
لزيد وزيد صغير فإنه يصح ويوقف لزومه والغلة إلى أن يولد فيعطاه ويلزم فإن آيس من الحمل أو مات في بطن أمه أو نزل ميتا بطل الحبس ورد لصاحبه ملكا. وقول بعض العلماء أن الحبس على الحمل لا يجوز لا يعول عليه لجواز الحبس على الأعقاب وأعقاب الأعقاب الذين لم يكونوا بمخلوقين في حين التحبيس فكيف لا يجوز على ما في البطن وقد خلق كذا في المتيطية (والثاني) وهو ما يجوز صرف الغلة فيه وذلك كالمساجد والطرقات لانتفاع المارة بها لا ما لا يجوز صرف الغلة فيه كالكنائس ومجتمعات اللهو فإنه لا يجوز الحبس عليه ولا يصح ففي المعيار (وسئل) أبو إسحاق إبراهيم ابن فتوح عن زاوية محبسة على فقراء الوقت وتعطلت منذ زمان لعدم أصحاب الطريقة وتهدمت ولم يبق منها إلا قاعتها فهل يجوز بيع تلك القاعة وصرف ثمنها فيما هو لله تعالى من سبل الخيرات أو تترك على حالها إلى قيام الساعة أو ترد على ورثة من حبسها وعقبة بعد ثبوت ذلك وقد شاع إن امرأة من بني فلان حبستها فترد الآن لمن بقي من عقبها لما في تلك الطريقة بعد موت أصحابها القائمين بها على الحقيقة من البدع والأمور الشنيعة التي لا تجوز شرعًا وتنسب لأصحابها الذين لم يبق منهم إلا أخبارهم فيكون التحبيس باطلا لبطلان ما حبس عليه إذ ليس تلك الطريقة في الوقت كطريقة أربابها الذين كانوا على عهد النبي ﷺ من أهل الصفة ومن بعدهم ﵃ (فأجاب) والله الموفق إنه إذا كان ما حبست عليه مما لا يجوز شرعًا فاللازم على هذا بطلان التحبيس وإذا كان التحبيس باطلًا كان باقيًا على ملكه أعني على ملك المحبس وإذا كان كذلك ورث عنه ما لم يخرج على ملك مالكه اهـ والصفة على وزن غرفة جانب من المسجد النبوي كالمجنبة عندنا بتونس (والركن الرابع) الصيغة نحو حبست ووقفت والأنسب الجمع بينهما لقول بعضهم أن حبس لا يدل على التأبيد أو تصدقت إن قارنها ما يدل على التأبيد نحو هذا صدقة على الفقراء لا يباع ولا يوهب أو يغتلونه أو ينفعون بالسكنى فيه أو يكون على غير معين نحو هذا صدقة على فلان وعقبة ومثل الصيغة ما يدل عرفًا على إعطاء المنفعة كالتخلية بين الذات الموقوفة وبين الناس
[ ٤ / ٧ ]
كالمسجد يبني ويفتح للصلاة فيه وما أشبهه من كل ما كانت منفعته عامة ولا يشترط في الحبس التأبيد بل يصح ويلزم مدة تعيينه سنة مثلًا ثم يكون بعدها ملكًا كما لا يشترط في صحته التنجيز بل يصح فيه الأجل إذا جاء العام الفلاني فداري مثلا وقف على كذا فيلزم إذا جاء الأجل الذي عينه فإن حدث دين على الواقف في ذلك الأجل لم يضر إذا حيز على الواقف في الأجل وكانت منفعته لغيره ولا يصح فيه شرط الخيار بل يبطل الشرط إن وقع ويلزم الحبس ولا يحتاج في إبطاله إلى حكم حاكم كذا في الفائق ولا يشترط فيه صحته قبول مستحقه إذ لو كان شرطا لما صح على الفقراء ونحوهم ولتعذره من المساجد والمقابر والطرقات ونحوها إلا المعين الرشيد فإنه يشترط قبوله حقيقة كأن يقول قبلت أو رضيت ونحوهما كالإشار المفهمة أو حكمًا كما لو قبضه من يد المحبس وصار يتصرف فيه فإنه يجزيء عن اللفظ اتفاقًا ولو لقادر عليه لأن القبض الإنشائي يستلزم القبول عرفا بخلاف ما إذا كان الشيء المحبس تحت يد المحبس عليه كما لو كان عنده بكراء أو وديعة ونحوهما من كل عقد لا تبرع فيه فإنه لابد من القبول حقيقة في جميع التبرعات على القول المشهور المعمول به وقيل لا يلزمه ذلك مطلقًا فإن تمادى على السكوت ولم يصرح بالقبول والمسألة بحالها حتى حصل موت أو تفليس بطل الحبس على المشهور فإن رد المعين الرشيد ولم يقبله جعل حبسًا على غيره باجتهاد الحاكم على القول المعتمد وقيل يرجع ملكا لصاحبه وإن كان المعين غير رشيد فإن وليه يقبله له فإن لم يكن له ولي أقام الحاكم من يقبل له كما يأتي (ولما) فرغ من الكلام على القسم الأول من الباب شرع يتكلم عن القسم الثاني وهو اللواحق وفروعه كثيرة غير محصورة بحد ولا بعد فمنها التنصيص على غلة الحبس وقت التحبيس. ومنها إخلاء دار السكنى ليتم حوزها. ومنها الشروط التي تقع في الحبس. ومنها ألفاظ الحبس. ومنها الحوز ومن يصح قبضه ومن لا يصح. ومنها حكم تحبيس الجزء المشاع. ومنها حكم ما إذا ضاق الحبس على المحبس عليهم. ومنها بيع المحبس عليه الحبس وما يترتب عليه. ومنها بيع الحبس إذا صار لا ينتفع به فيما جعل له. ومنها قسمته للانتفاع وقد ذكرها الناظم على هذا الترتيب فقال
[ ٤ / ٨ ]
(ويجب النص على الثمار والزرع حيث الحبس للصغار)
يعني أن من أراد تحبيس أشجار أو أرض وفيها ثمار أو زرع مأبور وكان المحبس عليه إذ ذلك صغيرا من أولاده بحيث يكون هو الحائز له فإنه يجب على الموثق من جهة الكمال تحصينا لما يكتبه أن ينبه المحبس على لزوم ضم الثمار أو الزرع للحبس ليكون نصا في التناول فيكتبه لتظهر الحيازة للصغار فيكون الحبس صحيحا لا نزاع فيه فإن لم ينص المحبس على أن الغلة الموجودة مع الحبس وغفل الموثق عن ذلك فإن الحبس يتناولها ويصح كذا في ابن رحال فإن شرطه المحبس لنفسه ومات قبل جذ الثمرة أو حصاد الزرع بطل الحبس ورجع ميراثا إن كانت الثمرة أو الزرع أكثر الحباسة كما لو تعددت الأماكن لأنه شغل الحبس بثمره وزرعه فلم تتم الحيازة التي هي شرط في صحته فيكون الموثق قد اخل بصناعته حيث بناها على عقد فاسد فيؤدي ذلك إلى الطعن فيه وإن كانت الثمرة أو الزرع أقل الحباسة كالثلث فأقل نفذ الحبس في الملك دون الثمرة على المشهور المعمول به وقيل يبطل فيما شغله قليلا كان أو كثيرا ويصح فيما لم يشغله قليلًا كان أو كثيرًا وإن كانت النصف بطل الحبس فيما شغله وصح فيما لم يشغله والله أعلم (ومفهوم) قوله للصغار أنه إذا حبس الأصول فقط على الكبار وحازوها بما فيها فإن حيازتهم تامة وإن كانت الثمرة لربها كما لو حبس عليهم دارًا فيها متاع له ويحوزونها وسيأتي إن الصغير إذا حاز لنفسه فحيازته تامة كالكبير هذا كله إذا كان الحبس على الصغار غير دار سكنى المحبس أما إذا كان دار سكناه فلا يجزئ الإشهاد عليهم كما لا يجزئ في حق الرشداء بل لابد من معاينة البينة لها فارغة خالية من شواغله وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(ومن يحبس دار سكناه فلا يصح إلا أن يعاين الخلا)
يعني أن من حبس دار سكناه على ولده الصغير فإن حوزها له لا يتم إلا إذا عاين الشهود فراغها من شواغله وأمتعته وإذا أراد سكناها فلا يسكنها إلا بعد عام من
[ ٤ / ٩ ]
خروجه منها وليكرها له وسيأتي حكم عدم كرائها له فإن رجع إليها قبل مضي العام أو لم يترك سكناها كلها أو جلها وإن بكراء حتى مات أو فلس بطل حبسها وترجع ميراثًا أو للغرماء وأما لو سكن الأقل وأكرى له الأكثر لصح الوقف في جميعها لأن الأقل يتبع الأكثر في الصحة والفساد ولو سكن النصف وأكرى النصف لبطل فيما سكن وصح فيما أكرى هذا حكم تحبيس دار سكناه على ولده الصغير وأما لو حبسها على ولده الكبير وسكن البعض فلا يبطل إلا ما سكن سواء كان قليلًا أو كثيرًا والهبة والصدفة مثل الحبس في جميع ما ذكر. ومفهوم دار سكناه أن غير دار سكناه إذا سكنها قبل انقضاء العام بكراء فإن الحبس لا يبطل وهو كذلك. وقوله يعاين فعل مضارع مبني للنائب والخلاء بفتح أوله معناه الفراغ نائب عن الفاعل مرفوع بضمة محذوفة مع الهمزة لضرورة الوزن ثم قال
(ونافذ تحبيس ما قد سكنه بما كالاكتراء من بعد السنه)
(إنه كان ما حبس للكبار ومثل ذاك في الهبات جار)
يعني أن من حبس دار سكناه على ولده الكبير أو وهبها له وخرج منها وحازها الولد بمعاينة البينة ثم أن المحبس رجع إلى سكناها بعد مضي عام من خروجه بكراء فإن تحبيسها أو هبتها باق على صحته ونفوذه بشرطين الرجوع بكراء وكبر الولد هذا ظاهر كلامه بناء على زيادة ما والكاف في قوله بما كالاكتراء والمشهور المعمول به خلافه وهو إنه إذا رجع إلى سكناها بعد العام فالحيازة تامة والحبس نافذ سواء كان رجوعه بكراء أو غير كراء وسواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا لحصول شهرة حبسيتها (وقوله) ونافذ الخ خبر مقدم وتحبيس مبتدأ مؤخر وهو مضاف وما اسم موصول واقع على العقار الذي وقع تحبيسه مضاف إليه وجملة قد سكنه صلته والمجروران في البيت متعلقان بسكنه (ولما) كان المحبس قد يشترط شروطًا في حبسه وإنها قد تكون جائزة شرعا وقد تكون غير جائزة فتنبني عليها أحكام صحة وفسادا أشار إليها الناظم بقوله
[ ٤ / ١٠ ]
(وكل ما يشترط المحبس من سائغ شرعا عليه الحبس)
(مثل التساوي ودخول الأسفل وبيع حظ من بفقر ابتلى)
يعني أن كل اشتراط يشترطه المحبس مما هو جائز بالحكم الشرعي فإن الحبس يجري على ذلك الاشتراط. ومفهوم قوله من سائغ شرعا إنه إذا اشترط ما لا يسوغ لا يتبع ولو كان مختلفًا فيه وليس كذلك بل فيه تفصيل وهو إنه إذا كان مختلفًا فيه عمل به بعد الوقوع ولو كان لا يجوز ابتداء وإذا كان متفقًا على حرمته فإنه لا يجوز العمل به فتحصل من هذا إن الشروط التي تقع في التحبيس ونحوه ثلاثة أقسام جائز ومكروه وممنوع فمن الجائز اشتراط التساوي بين الذكور والإناث في الغلة وكذا اشتراط أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين أو العكس فإن أطلق حمل على التساوي (تنبيه) إنما يعمل بشرط التضعيف في حق الموجودين من المحبس عليهم وأما بعد انقطاعهم وصيرورة الحبس مرجعا فلا يعمل بشرطه ويجري الحبس على التساوي بين أهل المرجع قال الزرقاني لأن مرجعه ليس إنشاء الواقف وإنما حكم الشرع به عند انقطاع المحبس عليه اهـ هذا إذا سكت عن المرجع ولم يذكر إلا من حبس عليهم أولًا وشرط فيهم شرطه أما لو صرح بهم في حبسه لجرى فيهم شرطه كذا في البناني (ومنه) اشتراط إن من ابتلي بفقر من المحبس عليهم أو المحبس نفسه باع ولابد من إثبات الحاجة واليمين عليها وأنه لا مال له لا ظاهرًا ولا باطنًا إلا أن يشترط المحبس أنه مصدق فيها بلا يمين فيعمل به (فرع) حيث أبيح بيع الحبس بالشرط هل يجوز للمحبس أن يشتريه أم لا خلاف والذي أفتى به ابن لبابه وغيره الجواز لأنه يعود إلى ملكه ويصير مالا له يفعل فيه ما أحب وقال أحمد بن بقي ذلك جائز إلا أن فيه علة العود في الصدقة وقاله غيره من أهل العلم كذا في إحباس يحي الحطاب نقلا عن المتيطية (ومنه) اشتراط دخول الأسفل من البنين مع الأعلى وكذلك يدخل إذا كان العطف بالواو فإن عطف بثم فلا يدخل (تنبيه)
[ ٤ / ١١ ]
قال الحطاب صرح علماؤنا فيما إذا وقف على الأولاد ثم على أولاد أولادهم فإن الأبناء لا يدخلون مع أبائهم قالوا فإن مات ولد من أولاده وله أولاد فإن أولاده يستحقون ما كان لأبيهم ويدخلون في الوقف مع أعمامهم ولا يقال أن أولاد الأولاد لا يدخلون في الوقف إلا بعد انقراض جميع الأولاد هذا هو الصحيح المعمول به وأفتى شيوخنا المتأخرون الذين أدركناهم من أهل مصر وغيرهم بأن قول الواقف الطبقة العليا تحجب الطبقة السفلى إنما يمنع من دخول الولد مع أبيه لا دخوله مع إغمامه ومن في طبقة أبيه فإذا صرح الواقف بدخول الأولاد فلا شك في دخولهم بعد الموت والله أعلم اهـ وقد نظمه صاحب العمل المطلق فقال
وإن يك الوقف على الأولاد ثم بنيهم فبني الأحفاد
دخل فيه ولد الولد مع أعمامه خلاف من ذاك منع
قال التسولي المراد بقوله ودخول الأسفل أي عدم دخول الأسفل لأنه لو لم يكن هذا مراده لكان الشرط من باب تحصيل الحاصل لأنه يدخل بلا شرط حيث كان العطف بالواو لا بثم اهـ بالمعنى (مسألة) حبس شخص حسبًا على أولاده ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم أبدًا ما تناسلوا والطبقة العلياء تحجب الطبقة السفلى ثم مات احد أولاده وخلف أولادًا فهل يصير لأولاده أو لبقية طبقته وإذا قلتم إن من مات منهم فنصيبه لأولاده فمات ثاني وثالث ورابع وصار نصيب كل واحد لأولاده ثم انقرض أولاد الواقف كلهم وعاد الوقف لأولاد أولاده فهل يبقى كل أولاد على نصيب والدهم أو يستوون في الحبس على عدد رؤسهم فالجواب أنهم يستوون كأنهم أولاد رجل واحد على القول المعتمد وسواء كان العطف بثم كما هنا ولهذا وقع الخلاف أو كان العطف بالواو ويؤثر ذو الحاجة على غيره ما لم ينص الواقف على خلافه كان يقول رجع نصيبه لولده أو لولد ولده وإن سفل ونحو ذلك مما يشعر اختصاصه به اختص كل واحد منهم بما كان لأبيه اهـ من إحباس يحيى الحطاب باختصار (ومنه) اشتراطه لنفسه قدر الثلث من المساكن في الدار أو من الغلة فيما له غلة ودون الثلث أحسن
[ ٤ / ١٢ ]
ثم يلحق بعد موته بالحبس (ومنه) اشتراطه اعتصار الحبس كما في وثائق القاضي الفشتالي ونقله ابن رحال في الشرح واقره وبه شاهدت الفتوى بالحاضرة (ومنه) اشتراط أن تسلط على الحبس حاكم بما لا يحل شرعا رجع إليه ملكا إن كان حيًا أو لورثته يوم المرجع ملكا. ومنه اشتراط التبديل والتغيير والإدخال والإخراج كما في الزرقاني وغيره (ومنه) إذا قال داري حبس على فلانة أم ولدي وعلى زوجتي فلانة فمن تزوجت منهما فلا حق لها فتزوجت واحدة منهما يرجع حظها للأخرى فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجع حظها إليها بخلاف ما لو قال وقف بينكما ومن تزوجت فلا حق لها فإن من تزوجت منهما رجع حظها للورثة فإن طلقها أو مات عنها رجعت لما كانت تستحقه ولعل الفرق بينهما هو العطف في الأولى ولفظ بين في الثانية كذا في الزرقاني (ومن المكروه) اشتراط بيع الحبس إن وجد فيه ثمن رغبة واشتري غيره فإنه لا يجوز الإقدام عليه ابتداء ويمضي بعد الوقوع والنزول (ومنه) اشتراط إخراج البنات من الحبس مطلقًا أو إذا تزوجن إلى غير ذلك مما يفعله من لا يخاف الله فإنه لا يجوز ابتداء فإن وقع ونزل مضى على القول المعمول به وأما على القول المشهور فإنه حرام لأنه من عمل الجاهلية فيبطل الحبس وحيث جرى العمل بالمضي فلا يعدل عنه إلى غيره على مقتضى القاعدة في تعارض الأقوال (تنبيه) إذا تعارض اللفظ والمقصد هل المنظور إليه اللفظ أو المقصد خلاف والذي رجحه المحققون أن المنظور إليه المقصد لا اللفظ وعليه جواز صرف لفظ المحبس عن ظاهره (قال) الإمام العبدوسي إن ما يغلب على الظن أن لو كان المحبس حيا وعرض عليه لرضيه يجوز إحداثه في الحبس ونظمه مياره في تكميل المنهج المنتخب فقال
للقصد جاز فعل ما لو حضرا موقفه رءاه أيضًا نظرًا
وقال صاحب العمل الفاسي
وروعي المقصد في الإحباس لا اللفظ في عمل أهل فاس
[ ٤ / ١٣ ]
ومنه كتب حبست تقرأ في خزانة فأخرجت عن موقف
قال السلجماسي قال ابن رشد إتباع اللفظ دون المعنى خطأ صراح في الفتوى لأن الأحكام منوطة بمعاني الألفاظ دون ظواهرها لأنه يقود إلى الكفر وإلى اللعب في الدين ومنه قوله تعالى فاعبدوا ما شئتم من دونه فظاهره أمر ومعناه النهي والوعيد اهـ. وفي نوازل الأجهوري (وسئل) عن جعل الواقف لمن وقف عليه البيع للحاجة وشرط أن لا يبع إلا من شريكه في الوقف فهل له البيع من غير الشريك مع استقلاله بالوقف أو مع وجود الشريك المفلس (فأجاب) إذا جعل الواقف للموقف عليه البيع للحاجة وشرط أن لا يبيع إلا من شريكه في الوقف وتعذر البيع للشريك أما استقلالًا من احتياجه للوقف أو لفلس شريكه فإن له البيع لأجنبي حيث احتاج لأن غرض الواقف سد خلته كما هو ظاهر شرطه وشروط الواقفين وألفاظهم تحمل على مقاصدهم لا على ظاهرها والله أعلم اهـ فمراعات القصد قال بها كثير من الأندلسيين وجماعة من عمد الأفريقين كالإمام سحنون واللخمي والقابسي وتبعهم على ذلك البرزلي وجرى به عمل فاس كما علمت واستمر عمل تونس بصرف فواضل الأحباس بعضها في بعض ومن ذلك جواز أخد المدرس مرتبه من فواضل الأحباس لأنه من المصالح كما في المعيار ومما ينقل عن العالم الجليل النوازلي شيخ شيوخ شيوخنا أبي الفداء سيدي إسماعيل التميمي التونسي كبير أهل الشورى أنه حكم في نازلة رفعت إليه بمراعاة القصد وهي حبس شرط فيه محبسه أن الأنثى لا حق لها مع الذكور إلا إذا كانت عمياء فقيرة زمنة غير متزوجة ثم بعد وفاة المحبس قامت أنثى من أولاده وطلبت الدخول مع أخوتها في الحبس لفقرها وفقر زوجها وبنيها فمنعوها من الدخول محتجين بشرط المحبس ولما ثبت لديه فقر المرأة وفقر زوجها وبنيها الصغار ونظر للحالة التي هي عليها حكم رحمة الله تعالى بإدخالها مع أخواتها في الحبس لأن أباها لو كان حيا ورأى ابنته على تلك الحالة لرضي به واستحسنه وهو ظاهر لا خفاء فيه وقد كنت نظمت المسألة فقلت
[ ٤ / ١٤ ]
ورفعت إلى التميمي نازله في حبس منه الإناث نازله
إلا إذا كن بفقر وعمى وعدم الزوج لهن لازما
وأثبتت إحدى البنات الفاقه وزوجها مع بنيها فاقه
فدرها مع الذكور في الحبس رعيا لقصد واقف وهو أمس
فاجمع الشورى على قضاه فاعمل به تنج إن شاء الله
(ومما) يعتبر فيه القصد لا اللفظ ما يوجد في بعض رسوم الأحباس التي تأتي من القرى والبوادي من التخليط كقولهم في رسم الحبس حبس فلان على أولاده فلان وفلان وفلان وعلى أعقابهم وعلى أعقاب أعقاب أعقابهم فلو كان المراعي هو ظاهر اللفظ لسقط من الحبس أعقاب الأعقاب ولو روعي المقصد وهو المتعين لم يسقطوا وسمعت أنه وقع الحكم في حاضرة تونس بعدم سقوطهم وهو ظاهر لأن المحبس لأغراض عنده مع من لم يوجد من ذريته وإنما ذلك جهل من الموثق قال الهلالي في الدر النثير كتاب القرى والبوادي لا يوثق بكتب أكثرهم لجهلهم بأمر الوثيقة والفقه اهـ وقد يقع مثل ذلك من بعض كتاب الحاضر لما ذكر. ومن الممنوع اشتراط إصلاح الحبس على مستحقه فإن شرطه لا يتبع ولا يعمل به لأنه كراء بمجهول ويبطل الشرط ويصح الوقف لأن البطلان منصب على الشرط لا على الوقف بل مرمته تكون من غلته كما في الزرقاني وهذا ما تيسر ذكره من الشروط التي تقع في الأحباس وهو قليل من كثير إلا إن هذا القدر هو الذي سمحت به الهمة القاصرة. وقول الناظم عليه الحبس الضمير يعود على ما الواقعة على شرط وجملة يشترط المحبس صلة ما والعائد محذوف والتقدير وكل شرط يشترطه المحبس الخ (وقوله) وبيع حظ من بفقر الخ فبيع بالجر عطف على التساوي وهو مضاف وحظ التنوين مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله ومن فاعله وجملة ابتلي بفقر صلة من (ولما) كانت الألفاظ الواقعة من المحبس المعبر بها عن المحبس عليه قد تكون غير صريحة في تأدية المعنى المراد باعتبار من يستحق ومن لا يستحق لوجود الاحتمال فيها ولهذا
[ ٤ / ١٥ ]
كانت مسائل الحبس صعبة جدا خصوصًا إذا كان الكاتب جاهلا بالفقه والتوثيق شرع الناظم في بيان بعض الألفاظ التي يستعملها المحبسون في أحباسهم غالبًا لتكون نصًا في المراد عند الفقهاء فيبنوا أحكامهم عليها عند الترافع فقال
(وحيث جاء مطلقا لفظ الولد فولد الذكور داخل فقد)
(لا ولد الإناث إلا حيثما بنت لصلب ذكرها تقدما)
(ومثله في ذا بني والعقب وشامل ذريتي فينسحب)
يعني أن المحبس إذا قال هذه الدار مثلا حبس على ولدي بالإفراد أو على أولادي بالجمع دخل ولد الصلب ذكرًا كان أو أنثى واحدًا أو متعددًا ودخل أولاد الابن ذكورهم وإناثهم وأولاد ابن الابن ذكورهم وإناثهم وهكذا ولا يدخل في ذلك ولد البنت لأن لفظ الولد لا يشمل إلا ولد الابن ولا يدخل فيه ولد البنت على القول المشهور المعمول به. ومفهوم قوله وحيث جاء مطلقًا لفظ الولد إنه لو جاء مقيدا كما لو قال هذه الأرض مثلا حبس على ولدي فلان وفلانة وأولادهما لدخل ولد البنت وهو كذلك وهي المسألة التي استثناها الناظم بقوله إلا حيثما بنت لصلب ذكرها تقدما فإنه يدخل في الحبس للتصريح بالبنت ثم بلفظ الولد المتصل بضمير من ذكر قبله من ولد وبنت في المثال وهو معنى قوله ذكرها تقدمًا وحيث دخل فلا يخرج إلا إذا انتهى لفظ الولد الملتبس بضميرها فإذا قال هذه الدار مثلًا حبس على أولادي فلان وفلان وفلانة وأولادهم فإنه يدخل مع أولاد الذكور أولاد البنات لا أولاد أولادهن إلا أن يقول وأولادهم وأولاد أولادهم وهكذا أو يقول وإن سفلوا أو فإذا انقرضوا كما هو الموجود في رسوم الأحباس غالبًا عند إرادة ذكر المرجع فإن الحبس يستمر على دخول أولاد الإناث إلى غير غاية وإنما غيته الانقراض لأن قول المحبس وهكذا أو فإذا انقرضوا بعد قوله ما تناسلوا قرينة على عدم الاقتصار بالوقف على من ذكر من العقب مكررًا كذا في نوازل أبي عبد الله محمد المجاصي نقلًا عن ابن علال قال
[ ٤ / ١٦ ]
وبه العمل (قلت) وبقوله وقعت الفتوى بتونس (مسألة) لو قال المحبس في تحبيسه حبست كذا على ولدي فلان وفلان وترك آخرين من أولاده فهل يدخلون كمسألة الإيصاء أولا يدخلون فقال بعض المشارقة لا يدخلون والفرق بين المسألتين أن الوصية بالأولاد قد علم المقصود بها وهو القيام بهم وهو مظنة التعميم فالتسمية ليست للتخصيص وأما الوقف فالمقصود فيه صرف المنافع ويجوز قصرها على البعض دون البعض فيصح أن يقال للتسمية أثر كذا في نوازل ابن رشد اهـ. من الحطاب قلت وبهذا الفرق كما شاهدناه من أن الإدخال والإخراج في الأحباس يكون مقصودًا فلا منافاة بين هاته المسألة وبين ما تقدم في البيوع من أن الخاص إذا ذكر بعد العام فإنه لا يخصصه على الراجح (واعلم) أن لفظ حبس ووقف تارة يصدر من الواقف مبهمًا وتارة يصدر منه مفسرًا فإذا صدر مبهمًا كقوله داري حبس فلا خلاف إنها حبس مؤبد ولا ترجع ملكًا وتصرف عند مالك ﵀ في الفقراء والمساكين إن لم يكن في الموضع عرف للوجوه التي توضع فيها الأحباس وإلا حملت عليه وعند ربيعة يسكنها قرابة المحبس وكذا إذا قال حبس على أولاد زيد أو على أعقابه أو على طلبة العلم ونحو ذلك من المبهمات فإنه يمضي أبدًا ويرجع بعد انقطاع الوجه الذي جعل فيه لمراجع الأحباس وإذا صدر مفسرًا كقوله داري حبس على فلان أو على أولاد فلان وسماهم فهل يكون مؤبدًا ولا يرجع ملكًا للمحبس وعليه إذا مات المحبس عليه رجعت حبسًا على أقرب الناس بالمحبس على سنن مراجع الأحباس فإن لم يكن له قرابة رجع للفقراء والمساكين وهذا هو القول المشهور أو ترجع ملكًا للمحبس أو لورثته أن مات كالعمري خلاف. وقول الناظم (ومثله في ذا بني والعقب) يعني أن مثل الولد في جميع ما تقدم لفظ ابني وعقبي أو أبنائي أو أعقابي وكذا نسلي وقوله (وشامل ذريتي فمنسحب) يعني أن لفظ الذرية شامل لولد البنت ومنسحب عليه في القول المشهور وقوله فمنسحب عطف تفسير على شامل ولهذا كان الصواب العطف بالواو وقوله مطلقًا بالتنوين حال من لفظ الولد وقوله فقد أي فحسب (فرع)
[ ٤ / ١٧ ]
يجوز إقرار الورثة بحبسية عقار بإيديهم ويكون ذلك لازمًا لهم ولورثتهم على حسب ما أقروا به إلا أن يظهر كتاب الحبس ويكون فيه خلاف ما أقروا به من التعقيب والمرجع ونحوهما فإن إقرارهم ينتقض ويكون العمل بما في كتاب الحبس وإن شاركهم في الميراث أحد وأنكر ما أقروا به فلم ينفذ إقرارهم إلا في حصصهم فقط ويلزم المنكر اليمين أنه لا يعلم حبسيته وليس له رد اليمين لإنها لو ردت لردت على مدعي الحبس وأعقابهم ولا يحلف أحد عن أحد وأيضًا لو نكلوا عنها لم يبطل الحبس بنكولهم لبقاء حق العقب فإن اصطلحوا على أن يسلموا له منه نصف ما يصح له بالميراث فهو جائز وكان ذلك له مطلقًا ونصيبهم حبسا كذا في ابن راشد والأجهوري وغيرهما (ولما) كان الحوز شرطًا في صحة الحبس وغيره من سائر التبرعات إلا النحابة إذا انعقد عليها النكاح فإنها لا تفتقر إلى الحوز كما مر في بابه شرع الناظم في الكلام عليه فقال
(والحوز شرط صحة التحبيس قبل حصول موت أو تفليس)
(لجائز القبض وفي المشهور إلى الوصي القبض للمحجور)
يعني أن حوز الشيء المحبس بمعاينة البينة لا بالاعتراف شرط في صحة حبسيته بشرط أن يكون حوزه قبل موت المحبس أو تفليسه فإن لم يقع حوز أصلًا أو كان بعد الموت أو التفليس بطل الحبس. وظاهره أن التحويز وهو تمكين المعطي بكسر الطاء المعطى له من العطية غير شرط في صحتها وهو كذلك بخلاف الرهن كما تقدم في بابه (قال) أبو المودة خليل بن إسحاق وحيز أي الموهوب وإن بلا إذن وأجبر عليه الخ والحبس والهبة من باب واحد (وكيفية) الحوز رفع يد المحبس من التصرف في الملك ورد ذلك إلى يد المحبس عليه أو نائبه أو تخليته للناس كالمساجد والفقراء (تنبيه) زاد ابن الحاجب أن من جملة شروط الحوز أن لا يكون حال جنون المحبس ولا في حال مرضه فإن مرض أو جن بطل القبض أن اتصلا بالموت فإن صح
[ ٤ / ١٨ ]
فله الطلب اهـ وحكم إحاطة الدين بالمال كحكم التفليس وأشار الناظم إلى هذين الشرطين في الصدقة بقوله (صدقة تجوز إلا مع مرض. موت وبالدين المحيط تعترض) فهما من باب واحد (قال) ابن رشيد في المقدمات فأما حكم من أحاط الدين بماله قبل التفليس فإنه لا يجوز له إتلاف شيء من ماله بغير عوض فيما لا يلزمه مما لم تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق وما أشبه ذلك قال وإنما قلنا فيما لا يلزمه مما لم تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق وما أشبه ذلك قال وإنما قلنا فيما لا يلزمه تحرزًا من نفقة على آبائه أو على أبنائه لأن ذلك مدخول للغرماء وتحرزًا أيضًا من نفقته على نفسه لأن ذلك واجب عليه ولكن يكون من غير سرف لأنه إذا كان بسرف يكون إتلافًا في غير معاوضة (ولما) تكلم على شروط صحة الحوز من يد المحبس أشار إلى شرط صحة حوز المحبس عليه بقوله لجائز القبض البيت يعني أنه يشترط في صحة حوز المحبس عليه أن يكون رشيدًا لا حجر عليه وهو معنى قوله لجائز القبض فإن كان غير رشيد فالقبض يكون للولي وصيًا كان أو غيره لا للمحجور على القول المشهور ومقابلة جواز القبض للمحجور وهو القول الراجح لأن المقصود إخراج العطية من اليد وقد خرجت وحيث كان هو القول الراجح فكان على الناظم أن ينبه عنه أو يقتصر عليه ويقول لجائز القبض وفي المختار. يصح للكبار والصغار. أو يذكر هنا قوله الآتي. ونافذ ما حازه الصغير. لنفسه أو بالغ محجور. ويكون حوز الرشيد من باب أولى والله تعالى أعلم (تنبيه) أن عقد المحبس عليه في الحبس كراء في دار أو أرض أو مزارعة أو مساقاة أو قبض مفاتيح الدار فذلك يغني عن الوقوف إليها ومعاينة نزول المحبس عليه فيها وكذلك الصدقة هذا هو القول المشهور المعمول به هذا كله إذا كان حوز العطية ممكنًا أما إذا كان غير ممكن فلا يكون شرطا في صحتها وإليه أشار الناظم بقوله
(ويكتفي بصحة الإشهاد أن أعوز الحوز لعذر باد)
تضمن هذا البيت قول ابن سلمون وسئل ابن رشد فيمن تصدق على ابن له كبير بأملاك وأشهد الأب بتبتيل الصدقة والابن بقبولها ووقع القبض في بعضها بالمعاينة وبقي
[ ٤ / ١٩ ]
سائرها لم يتطوف عليه ولا خرج إليه لكونه في قطر مخوف من العدو ولا يدخله أحدًا إلا على غرر ولم يعتمر ذلك أحد إلى أن مات الأب فقال إذا حال الخوف بين الوصول إلى موضع الأملاك المتصدق بها لحيازتها بالتطوف عليها اكتفي بالإشهاد ولم تبطل الصدقة إن مات المتصدق بها قبل إمكان الوصول إليها هذا معنى ما في المدونة وغيرها اهـ فإن زال المانع وأمكن الوصول إليها ولم يخرج لحوز ما بقي من الصدقة حتى مات المتصدق بطل حكم الباقي فقط ورجع ميراثًا وقول الناظم أعوز بالزاي فعل ماض مبني للنائب من العوز ومعناه العجز والحوز بالرفع نائب عن الفاعل والتقدير المحبس عليه أن أعجزه العذر الظاهر عن الحوز اكتفي عنه بصحة الإشهاد وقوله باد اسم فاعل بمعنى ظاهر ثم قال
(وينفذ التحبيس في جميع ما محبس لقبضه قد قدما)
يعني أن من حبس ملكا من أملاكه على أحد وقدم من يحوزه له فحازه بالمعاينة فإن الحبس صحيح ولو كان المحبس عليه كبيرًا حاضرًا بخلافه في الهبة والصدقة فيصبح التقديم في حق الغائب فقط وقوله لقبضه متعلق بقدما وقوله
(والأخ للصغير حوزه وجب مع اشتراك وبتقديم من أب)
قال في المتيطية ويجوز للأب أن يحبس بنيه الكبار والصغار حبسًا واحدًا ويقبض الكبير لنفسه ولأخوته الصغار بتقديم الأب على ذلك اهـ ومعنى وجب جاز وصح ولا يعني به ما قابل التحريم كذا في ميارة وكذلك لو حبس على أجنبي مع صغير أولاده فلابد من حوز الأجنبي لنفسه وللصغير أو يقبض للصغير إنسان آخر وسواء كان حوزه له بتوكيل من أبيه وهو الأولى أو بدون توكيل منه أما إذا أراد الأب أن يقبض لابنه الصغير ويقبض الكبير لنفسه فإنه يكون مبطلًا للحبس وإليه أشار الناظم بقوله
(والأب لا يقبض للصغير مع كبيره والحبس أرث أن وقع)
[ ٤ / ٢٠ ]
(إلا إذا ما أمكن التلافي وصحح الحوز بوجه كاف)
يعني أن الأب إذا قبض لابنه الصغير وقبض الكبير لنفسه فإن الحبس وما كان في معناه من التبرعات يبطل جميعه لاحظ الصغير فقط كما في الشارح بناء على أن حوز المشاع لا يصح وهو مذهب ابن القاسم وبه العمل في الرهن والتبرعات وإذا بطل فإنه يرجع ملكًا للمحبس يورث عنه إن مات إلا إذا تلوفي ذلك وتدورك قبل موت المحبس أو فلسه أو ما في معناهما بوجه يكفي في الحوز بأن يخرجه من يده ويقدم ابنه الكبير ليحوز لأخيه الصغير كما مر أو يقدم أجنبيًا يحوز له فإنه يجوز له ذلك ويصح الحبس كما يجوز له ذلك ابتداء وإليه أشار بقوله
(وإن يقدم غيره جاز وفي جزء مشاع حكم تحبيس قفي)
يعني أن تحبيس حكم غير المشاع اتبع وارتكب في تحبيس الجزء المشاع على القول الذي بها لعمل (قال) ابن سلمون ويجوز تحبيس الجزء المشاع قال ابن حبيب فان كان مما ينقسم قسم فما أصاب الحبس من ذلك فهو على التحبيس وما كان من ذلك لا ينقسم بيع فما أصاب الحبس من الثمن اشترى به ما يكون حبسًا فيما سبيله فيه اهـ وقوله بيع أي جميع العقار صفقة إذا طلب الشريك ذلك وإلا بيع الجزء المحبس فقط وجعل في غيره كما تقدم (تنبيه) يصح الحبس وكذا الهبة والصدقة إذا سكن المحبس داره التي وقع تحبيس جزئها على الشياع مع المحبس عليه إذا كان رشيدًا أو أجنبيًا أما إذا كان غير رشيد فلا إلا إذا وقع التلافي كما مر وقوله
(ونافذ ما حازه الصغير لنفسه أو بالغ محجور)
قد تقدم الكلام عليه ثم قال
(وبانسحاب نظر المحبس للموت لا يثبت حكم الحبس)
يعني أن من حبس نخيلًا مثلًا على المساكين وكان يتولى أمره ولم يخرج من يده إلى أن مات أو فلس ونحوهما مما سبق من الموانع فهو ميراث على المشهور وكذا لو شرط
[ ٤ / ٢١ ]
في حبسه أن النظر له فإنه لا يجوز لما فيه من التحجير ويجبر على جعل النظر لغيره قبل المانع وإلا بطل وهذا البيت تصريح بمفهوم قوله والحوز شرط صحة التحبيس قبل حدوث موت أو تفليس (تنبيهان) الأول إذا كان المحبس عليه محجورًا وقلنا أن الأب هو الذي يحوز له أو يوكل من يحوز له كما تقدم فإذا ثبت أن الأب يصرف الغلة في مصالح نفسه فإن ذلك لا يبطل به الحبس ويكون ثمن ما استغله دينا في ذمته كما يأتي في الهبة (الثاني) إذا وقع نزاع في الحوز وعدمه حتى حصل المانع قال ابن الفخار في مسألة تفهم من الجواب كما في المعيار إذا ثبت الحبس على وجهه قبل وفاته بشهر وكان صحيحًا وحازه المحبس عليه بسبب رشده في صحة المحبس وعاين الشهود الحيازة على حسب ما ذكرنا فهو نافذ ولا يلتفت إلى ما صار إليه من التضييع أو لا أي تضييع رسم الحبس ثم جدده بعد مدة لأنه قد صار صحيحًا آخرًا والذي أثبت أولًا أن المحبس لم يخرج عنه الحبس حتى توفي وهو بيده فاختلف أصحابنا في ذلك فحكى بعضهم أنه ينظر إلى أعدل البينتين ويقضى بها وقال بعضهم ينظر فإن كان الحبس بيد المحبس عليهم وقت الدعوى فالحبس نافذ. وقال بعضهم شهادة من شهد بالحوز أولى بالقبول والجواز إن كانت عادلة وإن كانت الأخرى أعدل لأن شهود الحيازة تثمر حكمًا وتوجب حقًا وشهادة الذين لم يشهدوا بالحيازة ينفون ذلك ومن أثبت شيئًا أولى ممن نفاه لأن الإثبات أحدث من النفي فمن ادعى حدوث شيء وأثبته أولى ممن نفاه هذا الذي تقرر عليه مذهب مالك وأصحابه وقال به حذاقهم وبه أقول ولاسيما في الأحباس دون الصدقات المبتولة لأن أهل الحديث يقولون بجواز الحبس دون حيازة وكثير من الفقهاء ولو صدق المحبس عليه الخصم ولم يعلم ما قالا إلا من قولهما لما يجب فسخه وينفذ الحبس لأن فيه حقوقًا لأهل المرجع ولا تسقط حقوقهم بتواطأ هذين على فسخه حتى يثبت ما يوجب فسخه بغير قولهما إذ في ذلك حق لغيرهما ومن أراد إبطاله فليأت بالبينة أهـ. وقول الناظم بانسحاب متعلق بلا يثبت ولام للموت بمعنى إلى والانسحاب معناه الاستمرار والبقاء. وقوله
[ ٤ / ٢٢ ]
(ومن لسكنى دار تحبيس سبق تضيق عمن دونه فهو أحق)
معناه أن من حبس دار للسكنى على أولاده أو على غيرهم فسكنها بعضهم ولم يجد بعضهم فيها مسكنًا فإن الذي سبق لسكناها أحق بها (قال) يحيى الحطاب تنبيه فإذا استووا في الفقر والغنى والقرب ولم يكن يسعهم المكان للسكنى فبادر أحدهم قبل أن يكرى وسكنه فقال الباجي في المنتقى وروى عيسى وابن القاسم أن تساووا في الغنى والحاجة فمن سبق إلى سكناها منهم فهو أحق به وذلك أن المعاني المؤثرة في التقديم الحاجة والقرابة والحاجة مقدمة فإن تساووا في الحاجة والقرابة فمن بادر للسكنى فهو أحق به اهـ ولا كراء على الساكن لغيره فإن غاب الساكن غيبة انقطاع أو مات سكن غيره وعلى الساكن إصلاح المحل إذا لم يكن له حبس يصلح به من خراجه فإن امتنع من الإصلاح أخرج منه وأعطي لمن يصلحه من المستحقين فإن لم يوجد اكري بقدر الإصلاح ثم يرد إليه. ومفهوم قوله سكنى دار أن غير السكنى من الغلات لا فرق بين حاضر وغائب وغني وفقير إلا لشرط ويؤثر ذو الحاجة والقريب على غيره في القسمة بالاجتهاد (ومفهوم) قوله تضيق عمن دونه إنها إذا لم تضيق فلغير الساكن من المحبس عليهم السكنى معه وهو كذلك ما لم يتبين ضرره عند الحاكم (تنبيهات) الأول إنما يقدم الأسبق في السكنى إذا كان المحبس عليهم غير معينين أما إذا كانوا معينين بأسمائهم لم يستحق السكنى من سبق إليها منهم بل يكونون فيها بالسوية حاضرهم وغائبهم غنيهم وفقيرهم فإذا وسعتهم فالأمر ظاهر وإلا أكريت وقسم كراؤها بينهم على مقتضي نص المحبس ويحمل على التساوي إن أطلق فإن لم يكن رسم وتقارروا على شيء عمل به كما تقدم (الثاني) قال النفراوي نقلًا عن الأجهوري لو كان الموقوف غلة ثمرة ثم يموت بعض أهل الحبس قبل أخذ الثمرة ففي استحقاقه منها وعدم استحقاقه تفصيل محصله إن كان الموت بعد طيب الثمرة فحظ الميت لورثته اتفاقًا وإن كان قبل إبارها فلا شيء لوارثه اتفاقًا وإن كان بعد الآبار وقبل الطيب فخمسة أقوال الذي رجع إليه مالك منها إن تكون لمن بقي
[ ٤ / ٢٣ ]
من أهل الحبس وهذا في الوقف على معينين وأما لو كان على مثل بني زهرة أو الفقراء فلا يستحق أحد منه شيئًا إلا من كان موجودًا حين القسمة وكل من مات أو غاب قبلها غيبة انقطاع لا يعطي وارثه شيئا وأما من غاب ليرجع سريعًا فيوقف له نصيبه. على ما يظهر. ولو كان الوقف على نحو إمام أو مؤذن أو مدرس إذا أخل واحد منهم بشيء من العمل المطلوب منه شرعًا كالإمام يترك الإمامة مدة ولم يقم نائبًا أو المؤذن أو المدرس ثم يموت أو يعزل أو يستمر فهل يستحق شيئًا زمن إخلاله ويعطي ما يقابله عمله أو لا يعطي شيئًا اختلف رأي القوم في ذلك فالذي ارتضاه الونشريسي أنه يستحق كل واحد بقدر عمله والذي ارتضاه القرافي أنه لا يستحق شيئًا من المعلوم ولا في نظير ما عمل لأنه لم يصدق عليه أنه عمل ما طلب منه والذي يظهر الأول لأنه كالأجير يتبعض له العوض بتبعيض المنفعة وسواء كان الوقف خارجيًا أو هلاليًا أو يدل لما قلناه أيضًا فتوى بعض فضلاء المالكية والشافعية بأن من تقرر في وظيفة ثم مات أو عزل فإن له أو لورثته بقدر ما باشر ولا يعطي المقرر له بعده إلا من يوم مباشرته لا من يوم تقريره السابق على مباشرته وأما نحو القراء في سبع أو أجزاء يقصر الواحد منهم أحيانًا أو يموت فإن كانو معينين فهم كالإجراء لكل واحد ووراثه بقدر عمله وإلا لم يعط شيئًا والله أعلم (قلت) والذي رأيته في تونس أن أصحاب الوظايف يستحقون أرزاقهم من يوم تقرر ولا يتهم لا من يوم مباشرتهم. وفي أحباس يحي الحطاب وغيره أن ناظر ريع الوقف لا يقسم على المستحقين إلا كراء المدة التي مضت فلو أكرى مدة مستقبلة وتعجل قبض كرائها لم يجز له قسمه على الحاضرين خشية موت من أخذ فيؤدي إلى إعطاء من لا يستحق وحرمان غيره ممن يستحق أو طرو مستحق في تلك المدة فيحرم من حقه ولا يجوز له كراء الحبس بشرط نقد الكراء لأنه يوقف وفي وقفه تعرض لتلفه ولأن الكراء بالنقد أقل من غيره فيلزمه النقص من غير فائدة هذا إذا كان الوقف على معينين أو على خدمة المسجد أو المدرسين ونحوهم وأما على الفقراء فيجوز للأمن من ذلك اهـ (الثالث)
[ ٤ / ٢٤ ]
قال الأجهوري في نوازله. وسئل عن رجل وقف وقفًا على ذريته ونسله وعقبه من الذكور وشرط في وقفه إن من مات عن ذكر انتقل ما كان لوالده له وإن مات عن غير ولد يكون لمن بقي فهل إذا أراد أحد الورثة النزول عن حصته لبعض الذرية دون الجميع له ذلك ويكون النزول صحيح أم لا (فأجاب) نعم يصح النزول ويستمر بيد المفروغ له ما دام الفارغ حيًا والله أعلم ثم قال
(ومن يبيع ما عليه حبسًا يرد مطلقًا ومع علم أسا)
(والخلف في المبتاع هل يعطي الكرا واتفقوا مع علمه قبل الشرا)
(ويقتضي الثمن أن كان تلف من فائد المبيع حتى ينتصف)
(وإن يمت من قبل لا شيء له وليس يعدو حبس محله)
يعني أن المحبس عليه إذا باع الحبس فإن بيعه يفسخ وجوبًا سواء علم بحبسيته أو لم يعلم كان محتاجًا أو غيره محتاج إلا إذا جعل له المحبس البيع كما تقدم ثم إن كان بائعه غير عالم بحبسيته فلا أثم عليه وإن ثبت علمه قبل البيع فقد أساء ويزجره الحاكم عن ذلك بما يناسبه إلا إذا كان مضطرًا للنفقة وباع لها فلا زجر ولا عقاب ويرد البيع فقط فإذا اغتل المشتري هذا الحبس ثم فسخ البيع فإنه يرد الغلة على المشهور إذا كان عالمًا بالحبسية قبل الشراء أو بعده واستمر على استغلاله وإذا كان غير عالم بها إلى وقت الاستحقاق فلا يردها على القول المعمول به. وحيث وقع فسخ البيع فإن البائع يرد الثمن الذي قبضه من المشتري له فإن لم يقدر على رده بأن كان عديمًا وثبت عدمه ويحلف أنه لا مال له لا ظاهرًا ولا باطنًا فإن المشتري يمكن من غلة ذلك الحبس في مقابلة ثمنه إلى الخلاص فإن طالت حياة البائع حتى اقتضى المشترى جميع ثمنه فالغلة ترجع للبائع المحبس عليه وإن مات قبل أن يستكمل المشتري ما دفعه فإنه لا شيء له لان الحبس انتقل لغير بائعه بعد موته وكذا لو كان البائع أجنبيًا فإن المشتري يرجع عليه في ذمته إذ لا تصرف غلة حبس لغير من يستحقه هذا معنى قول الناظم (وليس
[ ٤ / ٢٥ ]
يعدو حبس محله) وقوله تلف بكسر اللام معناه هلك ومعنى يعدو يتجاوز ثم شرع في بيان حكم الحبس إذا عدمت منفعته المقصودة فقال
(وغير أصل عادم النفع صرف ثمنه في مثله ثم وقف)
يعني أن الحبس إذا كان غير أصل كفرس للغزو فإنه يجوز بيعه إذا صار لا ينتفع به فيما جعل له ويجعل ثمنه في مثله ثم يكون حبسًا فإن نقص ثمنه عن مثله فإنه يعان به في مثله فإن نقص الثمن من مثل المبيع كلا أو بعضًا تصدق به (ومفهوم) قوله غير أصل أن الأصل لا يباع وإن خرب وهو كذلك على المشهور ومقابله يحكي الجواز بشرط أن يعوض بما هو أغبط للحبس وبه العمل ثم قال
(ولا تبت قسمة في حبس وطالب قسمة نفع لم يسي)
يعني أن الحبس إذا كان على قوم بأعيانهم وطلب أحدهم قسمته على البت فإنه لا يجاب إلى مطلبه ولو وافقه شريكه على ذلك لأن قسمة البت نوع من البيع والحبس لا يباع كما علمت أما إذا طلب قسمته انتفاعًا فإنه يجاب إلى مطلبه لأنه جائز على القول المعمول به ونظمه صاحب العمل المطلق فقال
وقسموا الحبس للانتفاع والاغتلال خشية الضياع
وحيث كان جائزًا لمصلحة فإنه يجبر على القسم انتفاعًا من امتنع منه وإن توارى أحدهم وتغيب وثبت ذلك عند القاضي وكل من يقبض له نصيبه ويشهد على ذلك كما في الدر النثير ويجري بينهم على ذلك إلى أن يحدث من الموت أو الولادة ما يغيره بزيادة أو نقصان فينتقض إذا لم يكن كل فرع تابعًا لأصله هذا إذا كان الحبس غير أصل شجر كالأرض البيضاء للزراعة ونحوها أما إذا كان أصول شجر فلا يجوز قسمها مطلقًا على المشهور وإنما يقتسمون الغلة في وقتها (تنبيه) إذا كان بعض الشيء حبسًا وبعضه ملكًا جازت قسمته على البت كما تقدم (وقوله) ولا تبت الخ لا نافية وتبت فعل مضارع مبني للنائب مرفوع بضمة في آخره وقسمة نائب عن الفاعل وقوله
[ ٤ / ٢٦ ]
لم يسمي بحذف الهمزة للوزن (ولما) كان حكم الصدقة والهبة سواء إلا في أمرين أحدهما أن الصدقة لا تعتصر على الأصل والهبة تعتصر والأخر أن الصدقة لا يجوز استرجاعها بنحو الشراء بخلاف الهبة فلهذا جمعهما الناظم في فصل واحد فقال
﴿فصل في الصدقة والهبة وما يتعلق بهما﴾
أي من الفروع كالحوز ونحوه. وعرف الإمام ابن عرفة الهبة لغير ثواب والصدقة بقوله تمليك ذو منفعة لوجه المعطى بغير عوض والصدقة كذلك لوجه الله تعالى اهـ فاخرج بالتمليك العارية ونحوها ولوجه المعطى أخرج به الصدقة لأنها لوجه الله تعالى. وقوله بغير عوض اخرج به هبة الثواب ثم عرف هبة الثواب بقوله عطية قصد بها عوض مالي اهـ وهبة الثواب في الحقيقة بيع من البيوع (والأصل) فيهما الندب بلا خلاف قاله ابن راشد (قال) الله تعالى أن تبدوا الصدقات فنعمًا هي وأن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم. وقال تعالى فأوف لنا الكيل وتصدق علينا أن الله يجزي المتصدقين. وقال ﷿ ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا. وقال ﷻ أن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وقال ﵊ لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي لي كراع لقبلت (والحكمة) في مشروعية العطية الشاملة لهما هو أن كان القصد منها وجه الله العظيم فالله تعالى يجازيه عليها فتكون الحكمة التقرب إليه وما كان لصلة الرحم فكذلك أيضًا مع ما فيه من بقاء المودة (قال) ﵊ تهادوا تحابوا. وقال ﵊ جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها الحديث (فالهدية) تخرج الإنسان من وصف البخل الذميم وتزكي نفس الكريم. وتدل على المروءة وتكسب الثناء الجميل والثواب الجزيل وقد رأينا في التواريخ ما يدل على مجد من كان متصفًا بالجود والكرم وعلى حطة من كان متصفًا بالبخل والوصم ومن لوازم الجود الشجاعة والصدق والعدل وصون العرض إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومن لوازم البخل
[ ٤ / ٢٧ ]
الجبن والكذب والخساسة وعدم صون العرض ونحوها من دناءة الأخلاق نعوذ بالله منها ومن أهلها (واعلم) أن أركان العطية أربعة المعطي وشروطه أن يكون من أهل التبرع كما مر تفصيله في الحبس. والمعطى له والشيء المعطى وإن مجهولًا لغير ثواب كمناب من دار أو تركة لم يعرف قدره ويلزمه أن ظهر خلاف ما يظنه أو دار بأثاثها والإيجاب والقبول باللفظ أو ما يقوم مقامه كما تقدم في الحبس أيضًا (ولما) كان تمام الصدقة والهبة متوقفًا على تحصيل شروطهما وانتفاء موانعهما أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ذلك بقوله
(صدقة تجوز إلا مع مرض موت وبالدين المحيط تعترض)
يعني أن الصدقة تصح وتلزم إلا مع وجود مانع وهو أما مرض الموت أو دين محيط بماله فمن تصدق وهو مريض واستمر على مرضه الذي لا يقدر معه على التصرف بأن يكون ملازمًا للفراش إلى أن مات فإن الصدفة تبطل لحق الورثة في المال وتصير وصية تخرج من الثلث بعد أن كانت صدقة تخرج من رأس المال وتجري عليها أحكام الوصايا فإن كانت بالثلث فأقل لغير وارث نفذت بلا شرط الحوز وإن كانت بأكثر من الثلث أو لوارث توقف لزومها على إجازة الورثة فإن صح من مرضه ذلك صحة ظاهرة لزمت وصحت بشرط الحوز وكذلك تبطل الصدقة إذا كان المتصدق عليه دين محيط بماله لحق الغرماء فيه ولهم إجازة ما تصدق به ورده فإذا زادت قيمة الصدقة عن الدين وطلب الغرماء دينهم بيعت وما فضل عن الدين يكون للمتصدق عليه هذا إذا تحققت سبقية الدين على الصدقة أما إذا تحققت سبقية الصدقة على الدين صحت إن حيزت قبل حصول الدين أو جهل الحال هل تقدمت الحيازة عليه أو تأخرت وسواء كان المتصدق عليه صغيرًا أو كبيرًا. وأن جهل السابق منهما هل الصدقة أو الدين فإن حازها الرشيد أو أجنبي للمحجور أو حازها المحجور لنفسه حوزًا تامًا صحت وإن حازها الأب له بطلت ثم قال
[ ٤ / ٢٨ ]
(ولا رجوع بعد للمصدق وملكها بغير إرث اتقي)
(كذاك ما وهب للأيتام والفقراء وأولي الأرحام)
يعني أن من تصدق بصدقة فإنها تلزمه ولا رجوع له فيها بعد وقوعها لندم ونحوه ولو لم تحز. وقوله (وملكها بغير إرث اتقي) يعني أن يكره للمتصدق تملك ما تصدق به بالشراء ونحوه إما إذا رجعت إليه بميراث فإنه يجوز له ذلك بدون كراهة أو اشتراط اعتصارها من المتصدق عليه فله ذلك ولا يجوز للمتصدق عليه أن يبيعها إلا إذا أذن له المتصدق أو أسقط شرطه أو مات في حياة المتصدق عليه كان له التصرف التام فيها. ومثل الصدقة في كراهة الارتجاع ما كانت هبته لله تعالى أو ليتيم أو فقير أو ذي رحم كعمة وخالة أو خال أو بنت أخ ونحوهم من ذوي الأرحام فإن الواهب لمن ذكر يكره له أن يتملك ما وهبه لهم إلا بميراث ثم قال
(والأب حوزه لما تصدقا به على محجوره لن يتقى)
يعني أن من تصدق على ولده الذي هو في ولايته وتحت نظره وأراد أن يحوز له فهو أمر جائز لا يتقى ولا يمنع وسواء كان المحجور عليه كبيرًا أو صغيرًا فإذا أنس منه الرشد بعد بلوغه إن كان صغيرًا ولم يقبض حتى مات الأب بطلت الصدقة (ولما) كان المتصدق عليه باعتبار جبر المتصدق على الحوز وعدم جبره عليه أن امتنع من تسليمه للمتصدق عليه يتنوع إلى ثلاثة أنواع وهي إما أن يكون معينًا وإما أن يكون غير معين وإما أن يكون غير معين أيضًا لكن انتقل إليه من معين فأشار الناظم إلى الأول بقوله
(وللمعينين بالحوز تصح وجبره مهما أباه متضح)
يعني أن الصدقة إذا كانت على معين كزيد لا تتم إلا بالحوز قبل حصول المانع ويجبر على دفعها للمتصدق عليه إن امتنع منه لأنها تلزم بالقول وأشار إلى الثاني فقال
[ ٤ / ٢٩ ]
(وفي سوى المعينين يؤمر بالحوز والخلف أتى هل يجبر)
يعني أن من تصدق على غير معين كالفقراء فإنه يؤمر بالحوز وفي جبره عليه وعدم جبره خلاف والمعتمد عدم الجبر وأشار إلى الثالث فقال
(والجبر محتوم بذي تعين لصنفهم من جهة المعين)
يعني أن من تصدق بصدقة على معين كخالد ثم بعده للفقراء فمات خالد قبل الحوز فطلبه الفقراء بدفعها لهم فإنه يجبر عليه إن امتنع لانتقال الصدقة لهم من معين لأنه لما وجب القضاء للمعين وجب القضاء لهم أيضًا تبعًا له. وقوله بذي متعلق بمحتوم ولصنفهم متعلق بالجبر وضمير الجماعة يعود على غير المعينين والمعين اسم فعول ثم قال
(وللأب التقديم للكبير لقبض ما يختص بالصغير)
يعني أن الأب إذا تصدق على ولديه الكبير الصغير فإنه يجوز له أن يقدم ابنه الرشيد لقبض نصيب ابنه الصغير أو البالغ السفيه وكذا له أن يقدم أجنبيًا لأن هاته المسألة نظيرة قوله السابق
والأخ للصغير قبضه وجب مع اشتراك أو بتقديم من آب
ثم قال
(وحوز حاضر لغائب إذا كانا شريكين بها قد أنفذا)
قال في المفيد ولو وهب رجل هبة لرجلين غائب وحاضر كان قبض الحاضر حيازة لهما فإن قبلها الغائب إذا قدم وإلا بطلت حصته ومن وهب لغائب وأشهد بها وأعلن بها وتخلى عنها صحت وقيل لا تصح حتى يخرجها إلى من تصح اهـ وقوله
(وما على البت لشخص عينا فهو له ومن تعدى ضمنا)
(وغير ما يبت إذ يعين رجوعه للملك ليس يحسن)
[ ٤ / ٣٠ ]
معناه أن من أخذ شيئًا من ماله وبتله صدقة به على معين سماه بلسانه أو نواه بقلبه جازمًا بذلك غير متردد فيه فلا يجوز له أن يتصدق به على آخر فإن فعل غرمه للمعين وأما إذا أراد أن يعطي شيئًا لمسكين لم يبتله لا بقول ولا بنية فإنه يكره له أن يرده إلى ماله كما يكره له أن يعطيه إلى غيره ثم قال
(وللأب القبض لما قد وهبا ولده الصغير شرعا وجبا)
(إلا الذي يهب من نقديه فشرطه الخروج من يديه)
(إلى أمين وعن الأمين يغني اشتراه هبه بعد حين)
(وإن يكن موضع سكناه يهب فإن الإخلاء له حكم وجب)
يعني أن الأب إذا وهب ملكًا لولده الصغير وكذا البالغ السفيه فإنه هو الذي يحوزه له ولا يبطله بقاؤه تحت يده إلا إذا وهب له ما لا يعرف بعينه كالنقدين فلا يكفي أن يكون هو الحائز له بل لابد من خروجه من يده إلى أمين أو يشتري له بذلك النقد أو بثمنه إن كان غير نقد كطعام شيئًا باسمه وسواء كان الشراء حين الهبة أو بعد حين قبل حصول المانع وكذا لا يحوز الأب لمحجوره دار سكناه بل لابد من خروجه منها وإخلائها من أمتعته وشواغله ويكريها للغير فحينئذ تصح الهبة ولو صرف الأب الغلة في مصالح نفسه على ما أفتى به الغبريني وابن عرفة وغيرهما وهو القول الأرجح وبه العمل وعليه فإن الغلة التي صرفها الأب في مصالح نفسه تكون دينًا في ذمته ولوده طلبه بها متى شاء وقول الناظم وجبا الخ معناه إذا لم يجد الأب غيره ممن يصلح للحوز لابنه أو المراد بالوجوب على جهة الكمال لا الوجوب المقابل للحرام لأنه يجوز له أن يوكل من يحوز لولده قريبًا كان أو أجنبيًا كما تقدم والله أعلم ثم قال
(ومن يصح قبضه وما قبض معطاه مطلقًا لتفريط عرض)
[ ٤ / ٣١ ]
(يبطل حقه بلا خلاف إن فاته في ذلك التلافي)
يعني أن المعطى له إذا كان أهلًا للقبض بأن كان رشيدًا ولم يقبض ما أعطي له تفريطًا منه بإن ترك قبضه اختيارًا وفاته تلافي القبض بموت المعطي أو فلسه ونحوهما بطلت العطية بلا خلاف وإن لم يفته التلافي بعدم وجود المانع فله أن يتلافاه وتصح العطية فإن طلب غلتها حلف إنه لم يترك قبضها على وجه الترك ويرجع بها كذا في طرر ابن عات. ومفهوم قوله لتفريط أنه إذا لم يفرط بأن جد في طلبها ولم يتمكن منها حتى حصل مانع من الموانع المتقدمة فإن حقه لا يبطل وهو كذلك. وقوله مطلقًا أي كان الشيء المعطى أصلًا أو غيره (تنبيه) كل من كانت عادتهم عدم توريث الإناث وأنهن يمنعن من حقوقهن ما كانت فهبتهن لمن كانت له عليهن سلطة كالأخوة غير لازمة لحملهن على عدم الطوع فلهن أو لورثتهن بعد موتهن الرجوع فيها كما في المعيار والدر النثير وغيرهما وبه الفتوى (ولما) فرغ من الكلام على الصدقة والهبة شرع يتكلم على الاعتصار فقال
﴿فصل في الاعتصار﴾
ومعناه في اللغة الاستخراج قال في المصباح ومنه قيل اعتصرت مال فلان إذا استخرجته منه. وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الاعتصار ارتجاع المعطي عطيته دون عوض لا بطوع المعطى وصيغته ما دل عليه لفظًا اهـ فقوله دون عوض اخرج به شراء الهبة وقوله بلا طوع المعطى أخرج به هبة المعطى بالفتح للمعطي بالكسر وقوله وصيغته ما دل عليه لفظًا أي سواء كان بمادة الاعتصار أو الرجوع أو الرد أو غير ذلك ويصح في الهبة والعمرة والنحلة والحبس إذا كان بمعنى الهبة ككونه سكنى أو عمرى إلى عام أو أعوام ثم مرجعه إليه فإن لم يكن بمعنى الهبة بأن كان باقيًا على أصل معناه فلا يعتصر كالصدقة إلا بشرط كما مر وقال
[ ٤ / ٣٢ ]
(الاعتصار جاز فيما يهب أولاده قصد المحبة الأب)
(والأم ما حي أب تعتصر وحيث جاز الاعتصار يذكر)
(وضمن الوفاق في الحضور إن كان الاعتصار من كبير)
معناه أن الاعتصار لا يكون بلا شرط إلا للأب والأم خاصة فيما وهباه لأولادهما كبارًا كانوا أو صغارًا ذكورًا كانوا أو إناثًا وإنما كان الأب والأم مختصين بالاعتصار دون غيرهما لأن لهما ما ليس لغيرهما في مال الولد ولهذا منع الاعتصار من غيرهما قريبًا كان أو بعيدًا واحترز بقوله قصد المحبة مما إذا كانت الهبة لله تعالى أو كانت لثواب فإنها لا تعتصر. وقوله والأم ما حي أب تعتصر ظاهرة أن الأب إذا مات قبل بلوغ الولد فلا اعتصار لها وهو كذلك على أحد قولين لكن الراجح خلافه وأما الكبير الغني فتعتصر منه ما وهبته له مطلقًا كان له أب أم لا بلا خلاف إلا إذا حصل مانع من الموانع الآتية وقوله (وحيث جاز الاعتصار يذكر) هو أن الموثق ينبغي له أن ينكر في وثيقة الهبة وشبهها مما يجوز فيه الاعتصار أن الواهب سلط عليها حكم الاعتصار لئلا يمتنع الولد فيقع النزاع وإن كان عدم ذكره في الوثيقة لا يسقط حكم الاعتصار لأن السنة أوجبت له ذلك ذكر في الوثيقة أو لم يذكر وكذلك ينبغي للموثق عند إرادة الأب الاعتصار أن يطلب حضور الولد ليوافق عليه فينص عليه في الوثيقة قطعًا للنزاع إذ قد يدعي ما يمنع الاعتصار فحضوره وموافقته يمنعان من كل دعوى يدعيها في شأن الاعتصار فإن لم يحضر أو حضر ولم يوافق بدون ثبوت سبب مانع منه كان للأب الاعتصار كالذي قبله وقوله الاعتصار مبتدأ وجملة جاز الخ خبره وأولاده مفعول به وقصد المحبة مفعول لأجله والأب فاعل يهب والأم مبتدأ وجملة تعتصر خبر وما ضرفية متعلقة بتعتصر وهي مضافة وجملة حي أب مضاف إليه والتقدير والأم تعتصر مدة حياة الأب ثم قال
(وكل ما يجري بلفظ الصدقة فالاعتصار أبدًا لن يلحقه)
[ ٤ / ٣٣ ]
يعني أن كل عطية تكون بلفظ الصدقة أو بلفظ الهبة إذا كانت لله تعالى فإن الاعتصار لا يلحقها أبدًا إلا بشرط ثم شرع في بيان موانع الاعتصار فقول
(ولا اعتصار مع موت أو مرض له أو النكاح أو دين عرض)
(وفقر موهوب له ما كانا لمنع الاعتصار قد أبانا)
يعني أن الاعتصار يمنع منه موت الموهوب له لأن الحق انتقل لمن لا يعتصر منه أو مرضه المتصل بموته أو عقد نكاحه ذكرًا كان الولد أو أنثى أو أخذه للدين إذا كان المرض وما بعده حادثًا بعد الهبة وعلى ذلك نبه بقوله عرض أما إذا كان الموهب له مريضًا أو متزوجًا أو مدينًا وقتها فإن الاعتصار لا يمنع. ومن موانع الاعتصار فقر الموهوب له صغيرًا كان أو كبيرًا لأن فقره وقت الهبة قرينة تدل على الصدقة والصدقة لا اعتصار فيها كما تقدم (تنبيهات- الأول) لا فرق بين مرض الموهوب له والواهب على المذهب وروى أشهب أن مرض الأب غير مانع (الثاني) إذا ارتفع مانع الدين بالأداء أو مانع النكاح بالطلاق لم يعد الاعتصار وفي ارتفاع مانع المرض بالصحة وعدم ارتفاعه وهو القول المختار خلاف (الثالث) بقي على الناظم شرطان مانعان من الاعتصار (أحدهما) تلف العين الموهوبة كما إذا كان الموهب مما يكال أو يوزن إذا خلطه الموهوب له بمثله أو حصل فيها زيد أو نقص أو حصل تفويتها ببيع ونحوه لا بحوالة سوق (والآخر) وطء الولد الجارية التي وهبت له حملت أو لم تحمل وضمير له يعود على موت ثم قال
(وما اعتصار بيع شيء قد وهب من غير إشهاد به كما يجب)
(لكنه يعد مهمًا صيرًا ذاك لموهوب له معتصرًا)
(وقيل بل يصح أن مال شهر له وإلا فلحوز يفتقر)
يعني أن من وهب هبة لولده صغيرًا كان أو كبيرًا ذكرًا كان أو أنثى ثم عمد أبوه وباع
[ ٤ / ٣٤ ]
ذلك باسم نفسه ولم يشهد بأن ذلك اعتصار منه فإن بيعه لا يعد اعتصارًا بل يحمل على أنه رأى البيع أولى لغبطة في الثمن ونحوه من المصالح ويكون ثمن تلك الهبة دينًا في ذمة الأب هذا إذا كان الولد محجورًا عليه فإن بيعه عليه ينفذ ولا يعد اعتصارًا كما علمت إما إذا كان رشيدًا فإن بيع الأب عنه لا ينفذ لأنه من باب بيع الفضولي فتجري عليه أحكامه المتقدمة في البيوع والله أعلم وقول الناظم لكنه يعد مهما صيرا البيتين لما ذكر أن تصرف الأب فيما وهبه لولده بالبيع لا يعد اعتصارًا استدرك هذه الصورة فإن تصرف الواهب فيها يعد اعتصارًا وهي إذا وهب الأب هبة لولده ثم أشهد أنه صيرها له في دين له عليه فتصير تلك الهبة ملكًا لولده عوضًا عن الدين الذي كان له على أبيه ولا خفاء في كون ذلك اعتصارًا لأن كون الأب قضى بها دينًا عليه لازم لكونه ردها لملكه فدفعها في دينه وسواء كان الدين الذي أقر به الأب لولده ثابتًا ببينة أو شهرة أو غير ثابت فإن الهبة يملكها الموهوب له عوض عن الدين فلا تفتقر لحيازة ثانية وإلى هذا أشار الناظم بقوله لكنه يعد مهما صيرا البيت وأطلق بعد العلماء في ذلك كما علمت. وبعضهم فصل في ذلك فقال إن كان الدين الذي صير فيه الهبة ثابتًا ببينة أو شهرة دالة على الصدق فالحكم ما تقدم وإن كان غير ثابت لا ببينة ولا بشهرة فيكون هذا التصيير هبة أخرى مستأنفة فتفتقر للحوز إن وجد تمت وإلا فلا هكذا قال ابن الحاج في نوازله وتبعه الناظم على ذلك كله (قال) أبو البقاء يعيش الشاوي تأمل هذا القول فإنه غير واضح المعنى لأنه إذا كان الدين غير ثابت فالتصيير عنده ليس باعتصار فيلزمه أن تبقى الهبة على أصلها فلا تفتقر إلى حوز ثان اهـ وقوله وما اعتصار ما نافية واعتصار خبر مقدم وبيع شيء مبتدأ مؤخر وجملة قد وهب صفة شيء ومن غير إشهاد متعلق باعتصار ثم قال
﴿فصل في العمرى وما يلحق بها﴾
أي من المنحة والإخدام وهي في اللغة مأخوذة من العمر. وفي الاصطلاح عرفها
[ ٤ / ٣٥ ]
الإمام ابن عرفة بقوله هي تمليك المنفعة مدة حياة المعطى بغير عوض إنشاء اهـ فخرج بقوله منفعة تمليك الذات وبحياة المعطى المحبس والعارية وخرج بقوله المعطى بفتح الطاء حياة المعطي بكسرها فإنه لا يسمى عمرى حقيقة بل يسمى رقبى وترجع لورثته إن مات وخرج بقوله بغير عوض الإجارة الفاسدة لجهل المدة. وخرج بقوله إنشاء الحكم باستحقاق العمرى لأنه تقرير له لا إنشاء. وظاهر التعريف إنها تكون في الأصول والحلي والسلاح والأواني ونحوها وهو كذلك. وخصها الناظم بالأصول لكثرتها فيها حتى كادت أن لا توجد في غيرها فقال
(هبة غلة الأصول العمراى بحوز الأصل حوزها استقرا)
(طول حياة معمر أو مدة معلومة كالعام أو ما بعده)
يعني أن العمرى في الاصطلاح هي هبة غلة الأصول من الأشجار والرباع والعقار طول حياة المعمر بضم الميم الأولى وسكون العين وفتح الميم الثانية اسم مفعول من أعمر أو مدة معلومة كعام أو أكثر فإذا مات المعمر أو انقضى الأجل رجعت للمالك أو لورثته يوم الموت لا يوم المرجع فإذا مات المعمر بالكسر عن أخ مسلم وابن كافر أو رفيق فورث المسلم أخاه ثم أسلم الابن أو اعتق الرقيق فإن العمرى ترجع للأخ المسلم كما في الزرقاني (وحيث) كانت العمرى من أنواع العطية فإنها لا تتم إلا بالحوز قبل حصول المانع وحوزها متوقف على حوز أصلها وعليه نبه الناظم بقوله (بحوز الأصل حوزها استقرا) بالمعاينة فإن لم يحصل حوز حتى حصل مانع من الموانع المتقدمة ولم يجد في طلبها بطلت إلا لأبنه المحجور عليه فلا تبطل لأنه يقبض له كما مر ثم قال
(وبيعها مسوغ للمعمر من معمر أو وارث لمعمر)
يعني أن يجوز للمعمر بالفتح بيع العمرى من المعمر بالكسر أو لوارثه ولا يجوز ذلك لغيره للجهل بمدة الحياة أما إذا كانت مقيدة بمدة معلومة فله عقد الكراء فيها
[ ٤ / ٣٦ ]
مع كل أحد لانتفاء الجهالة قوله مسوغ بفتح الواو أي سوغه الشارع ثم أخذ يتكلم على المنحة والإخدام فقال
(وغلة للحيوان أن تهب فمنحة تدعى وليست تجتنب)
(وخدمة العبد هي الإخدام والحوز فيهما له التزام)
(حياة مخدم أو الممنوح أو أمد عين بالتصريح)
يعني أن هبة غلة الحيوان كالركوب والحمل واللبن والصوف وغير ذلك تسمى منحة وهي جائزة بل مستحبة لا كراهة فيها حتى تجتنب وأن هبة خدمة العبد تسمى في الاصطلاح بالإخدام وحكمها كذلك ولا فرق في جوازهما بين كونهما طول حياة الممنوح أو المخدم أو توقيتهما بأجل محدود من المعطي ولابد فيهما من الحوز على قاعدة التبرعات والأفعال مضمونة الأول ثم قال
(وأجرة الراعي لما قد منحا على الذي بمنحه قد سمحا)
(وجائز لمانح فيها الشرا بما يرى ناجزا أو مؤخرا)
يعني أن أجرة راعي الحيوان الممنوح غلته تكون على المانح الذي سمح بهبة غلته لا على الممنوح لأنها تنقلب إلى إجارة بمجهول وهي غير جائزة لكن أرخص بعض العلماء للضرورة إعطاء البقرة ونحوها لمن يرعاها على أن يأخذ غلتها أو نصف غلتها وأما نفقة العبد المخدم فهي على المعطى له. ويجوز للمانح شراء منحته من الممنوح بما يراه من الدنانير والدراهم والعروض والطعام وغيرها ناجرًا أو إلى أجل ويسترجع منحته ولا يدخله بيع اللبن المجهول أو بيع الطعام بالطعام ليس يدا بيد لأن ذلك كله من باب المعروف يصنعه المعطي إلى المعطى له فأرخص له فيه ولا يجوز ذلك لغيره ويجري هذا الحكم في الإخدام أيضًا فإنه يجوز للمخدم بالكسر شراء الخدمة إذ لا فرق بينهما في ذلك ثم انتقل يتكلم على الإرفاق فقال
[ ٤ / ٣٧ ]
﴿فصل في الإرفاق﴾
وهو إعطاء منفعة العقار مدة معلومة حقيقة أو حكمًا وإليه أشار النظام بقوله
(إرفاق جار حسن للجار بسقي أو طريق أو جدار)
(والحد في ذلك أن حد اقتفي وعد في إطلاقه كالسلف)
يعني أن إرفاق الجار لجاره ونفعه بما يرتفق به مستحب وهو من مكارم الأخلاق كأن يعطيه من أرضه مجرى ماء ليتوصل منه الماء لسقي حائطه أو يعطيه ما فضل من مائه لسقي زرعه أو طريقًا في أرضه ليوصل منه إلى أرضه أو داره أو موضعًا من جداره يغزر فيه خشبة يدعم بها حائطه ونحو ذلك من المرافق والمنافع فإن كان الإرفاق محدودًا بمدة عمل عليه وإلا عد كالسلف الذي لم يؤجل فيجعل له مقدار ما يرى أن ذلك يحسن بين الجيران ثم طفق يتكلم على الحوز ويسمى الاعتمار فقال
﴿فصل في حكم الحوز﴾
وهو عند الفقهاء وضع اليد على الشيء المحوز إلى آخر الشروط الآتية وقد ذكرنا أول الباب وجه المناسبة بينة وبين التبرعات حتى كان معها وذكره صاحب المختصر وغيره عقب الشهادات لأنه كالبينة لصاحبه ولكل وجهة هو موليها (واعلم) أن الحائز إما أجنبي من القائم أو قريب جدًا كالأب مع ابنه ولم يتكلم عليه الناظم ولعله لندوره وهو أن الحيازة بينهما لا تكون إلا بالمدة الطويلة جدًا بحيث ينقطع فيها العلم وتهلك فيها البينات. وأما قريب لا جدًا كالأخوة والأعمام والأصهار وهو الآتي في قوله والأقربون حوزهم مختلف الخ فأشار الناظم إلى القسم الأول بقوله
(والأجنبي أن يحز أصلًا بحق عشر سنين فالتملك استحق)
(وانقطعت حجة مدعيه مع الحضور عن خصام فيه)
[ ٤ / ٣٨ ]
يعني من حاز دارًا أو أرضًا ونحوهما من الأصول بوجه شرعي كشراء أو إرث ونحوهما أو جهل الأمر وتصرف الحائز فيه مدة عشر سنين وإن كانت ملفقة بينه وبين وارثه بسكنى أو ازدراع أو غرس أو استغلال ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه وصاحبه عالم بإنها ملكه وبحيازة الحائز وتصرفه تصرف المالك في ملكه وعالم بدعوى الحائز للملكية للموضع المحاز ولو مرة لا يدعي شيئًا ولم ينازع فيه من غير مانع له من النزاع فإذا قام بعد انقضاء المدة وادعى على الحائز بأن الملك المذكور له فأنكر الحائز دعواه لدى القاضي وقال هو ملكي وحوزي فإذا أتى القائم ببينة الملك لما سأله القاضي عنها كما يأتي في الاستحقاق وهو قوله
والمدعي استحقاق شيء يلزمه ببينة مثبتة ما يزعم
من غير تكليف لمن تملكه من قبل ذا بأي وجه ملكه
وأثبت الحائز شروط الحيازة القاطعة أو سلمها الخصم من أول الأمر فإن القائم لا يلتفت إلى دعواه ولا تسمع بينته كسماعها على غير الحائز المدة المذكورة بحيث تكون البينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا يسأل الحائز عن بيان سبب ملكه على القول المعمول به إلا إذا كان معروفًا بالغصب فإنه يسأل عن بيان سبب ملكه فإن بين وجهًا مقبولًا ولم يكن عند القائم ما يعارض به سقطت دعواه كذلك ويبقى الحوز بيد حائزه وإلا فلا تنفعه الحيازة ويرجع القائم عليه بالغلة لأنه غاصب والغاصب لا شبهة له على المذهب. ومفهوم قوله والأجنبي أن غير الأجنبي كالوارث وكذا الشريك الأجنبي لا تنقطع حاجته بانقضاء المدة المذكورة وهو كذلك وسيأتي بيان حكمه في كلام الناظم على القسم الثاني هذا كله فيما علم أصله لغير الحائز وأما ما جهل أصله فيكفي في حوزه عشرة أشهر (ففي) نوازل الوكالات من المعيار نقلًا عن المازري ما نصه شروط إثبات الملك خمسة اليد وتصرف الحائز تصرف المالك والنسبة وعدم المنازع وطول مدة الحيازة وذلك قدر ما يرى وأقله سنة وقيل عشرة أشهر قالوا فإذا توفرت الشروط جاز لمن علمها أن يشهد لصاحبها بالملكية وهذا كله فيما
[ ٤ / ٣٩ ]
جهل أصله وأما في حيازة ما علم أصله لغير الحائز فهي التي اشترط فيها أيمة الأمة عشر سنين اهـ ونظمه صاحب العمل الفاسي فقال
وحوز ما جهل أصله كفى عشرة أشهر أو العام وفي
تصرف المالك والنسبة مع يد ولا منازع طول وقع
هذا إذا توفرت فيشهد عالمها بملك من له اليد
أما الذي علم فالمشهور عشر سنين وله تقرير اهـ
والأصل في تقريره وثبوته قوله ﵊ من حاز شيئًا عشر سنين فهو له الحديث فإن الحائز إذا أثبت هذه الشروط عند الاحتياج إليها كما تقدم فإنه يستحق ملكية العقار المتنازع فيه بدون يمين على ظاهر الحديث والمدونة ورجحه ابن يونس والمازري وغيرهما وهو المشهور وبه العمل كما تقدم عند قول الناظم والمدعى فيه له شرطان الخ وقوله فالتملك استحق أي استحق الحائز التملك بما ذكر. وإنما تنقطع حجة مدعي الملك بالحيازة إذا لم يعلم أصل مدخل الحائز أما إذا علم أصل مدخله ببينة أو أقرار الحائز فإن القائم لا يضره ذلك ولا تنقطع حجته ولو كانت المدة أكثر من ذلك ولهذا استثنى الناظم أربعة فروع لا تنقطع فيها حجة القائم وتسمع دعواه وبينته فيها (الفرع الأول) قوله
(إلا إذا أثبت حوزا بالكرا أو ما يضاهيه فلن يعتبرا)
يعني أن القائم إذا أثبت حوز الحائز أنه كان من جهته بكراء أو عمرى ونحوهما فإن حوزه لا يعتبر (الفرع الثاني) قوله
(أو يدعى حصوله تبرعا من قائم فليثبتن ما ادعى)
أو يحلف القائم)
يعني أن الحائز لما قام عليه المدعى بالملكية وأدلى بحجته لدى القاضي ادعى بأنه كان تبرع عليه بذلك بهبة أو صدقة ونحوهما فإن أنكر القائم دعواه فعلى الحائز البينة فإن
[ ٤ / ٤٠ ]
عجز عنها حلف القائم وأخذ شبه وما درج عليه الناظم في هذا الفرع خلاف الراجح بل الراجح هو أن القول للحائز بيمينه إذ لا فرق بينه وبين مسألة دعوى الشراء لأن كل منهما ينقل الملك (الفرع الثالث) قوله
واليمين له إن ادعى الشراء منه معمله)
(ويثبت الدفع وإلا الطالب له اليمين والتقضي لازب)
يعني أن الحائز إذا قام عليه أحد بدعوى ملكية ما تحت حوزه فادعى الشراء منه أو من مورثه فإن الحائز لا يكلف إثبات دعواه الشراء لطول المدة وإنما عليه اليمين للقائم إنه كان اشتراه منه أو من مورثه وحيث قبل قوله في دعوى الشراء بيمينه فلا بد من إثبات دفع الثمن للبائع أو لمورثه ليبرأ منه وإلا قضي عليه بدفع الثمن للطالب بعد يمينه إنه ما قبضه ولا شيئًا منه فإن مات من له الملك الذي ادعى الشراء منه حلف الوارث الرشيد على نفي العلم إن كان ممن يطلع على حال مورثه وقوله واليمين الخ اليمين مبتدأ ومعمله اسم مفعول خبره أي اعملها الشرع وله متعلق به وضميره يعود للقائم على الحائز ويجوز عوده على الحائز كضمير أدعى وتكون اللام بمعنى على وضمير منه يعود على القائم وقوله لازب أي لازم وثابت هذا إذا لم يطل الزمان جدًا أما إذا طال الزمان طولًا لا يتبايع الناس إلى مثله عادة فإن القول للحائز وهل بيمين الخلاف (الفرع الرابع) قوله
(وإن يكن مدعيًا أقاله فمع يمينه له المقاله)
يعني أن القائم إذا أثبت الشراء من الحائز وطلب القائم من الحائز تحويزه بما اشتراه منه فادعى الحائز الإقالة منه فإن القول للحائز بيمينه ويبقى الملك بيده (فرع متمم) قال الحطاب لا تسقط الحيازة ولو طالت الدعوى في الحبس بذلك أفتى ابن رشد في نوازله عن سؤال عن جماعة واضعين أيديهم على أملاكهم وموروثهم وموروث موروثهم نحوًا من سبعين عامًا يتصرفون فيها بالبناء والغرس والتعويض والقسمة
[ ٤ / ٤١ ]
وكثيرًا من وجوه التفويت فادعى عليهم بوقفيتها شخص حاضر عالم بالتفويت المذكور والتصرف هو ومورثه من قبله ونص جوابه ولا يجب القضاء بالحبس إلا بعد أن يثبت التحبيس وملك المحبس لما حبسه يوم التحبيس وبعد أن تتعين الأملاك المحبسة بالحيازة لها على ما تصبح فيه الحيازة فإن ثبت ذلك كله على وجهه وإعذار للمقوم عليهم فلم يكن لهم حجة إلا من ترك القائم وأبيه قبله عليهم وطول سكوتهما عن طلب حقهما مع علمهما بتفويت الأملاك فالقضاء بالحبس واجب والحكم به لازم اهـ (تنبيه) لابد من إثبات الوفيات كما تقدم في فصل المقال والجواب وانظر فصل شهادة السماع ولابد (ولما) ذكر الناظم أن العشر سنين لابد منها في قطع حجة القائم ذكر أن ما قار بها يعطي حكمها فقال
(والتسع كالعشر لدى ابن القاسم أو الثمان في انقطاع القائم)
لكن المشهور المعمول به هو العشر سنين كما تقدم والله أعلم ثم شرع في بيان محترزات شروط الحوز فأشار إلى مفهوم السكوت بقوله
(والمدعي إن أثبت النزاع مع خصيمه في مدة الحوز انتفع)
يعني أن المدعي إذا أثبت النزاع مع خصيمه الحائز في مدة الحوز عند الحاكم وأثبت أنه لم يزل يتردد عليه بالقيام في الأشهر والأعوام فإنه ينفعه وله القيام بحجته أما إذا نازع خصيمه عند غير الحاكم أو كان خصامه قليلًا فإن ذلك لا ينفعه على القول الراجح المعمول به وما درج عليه التسولي مما يخالف هذا لا يعول عليه وأشار إلى مفهوم الحضور فقال
(وقائم ذو غيبة بعيدة حجته باقية مفيده)
(والبعد كالسبع وكالثمان وفي التي توسطت قولان)
(وكالحضور اليوم واليومان بنسبة الرجال لا النسوان)
[ ٤ / ٤٢ ]
يعني أن المحوز عنه إذا كان غائبًا فأما أن تكون غيبته بعيدة جدًا كمن كان على سبعة أيام أو ثمانية فإن حيازة الحائز لا تقطع حكم المحوز عليه علم بذلك أو لم يعلم طال الزمان أو لم يطل إلا أنه يستحب له إذا علم أن يشهد بأنه باق على حقه وإن لم يشهد لم يضره ذلك كما في ابن رحال نقلًا عن الرجراجي (وأما) أن تكون متوسطة بين القرب والبعد كالأربعة والخمس والست فلا خلاف أنه على حقه إذا لم يعلم بالحوز واختلف إذا علم به هل يقطع حجته على قولين أحدهما أنه مهما علم ولم يخرج أو لم يوكل فهو كالحاضر فلا حق له بعد ذلك والأخر أن علمه لا يقطع حجته ولا تعمل عليه الحيازة إذ قد يكون له عذر لآيتيين وهو معذور وهذا قول ابن قاسم المرجوع إليه وهو الراجح قال المشاور وبه العمل كما في الرهوني وغيره (وأما) أن تكون قريبة كاليومين والثلاثة فإن لم يعلم بحيازة الأجنبي فهو على حقه طال الزمان أو قصر وإن علم فإن كان المحوز عنه رجلًا فهو كالحاضر لا قيام له لانقطاع حجته وإن كان امرأة فحكمها حكم الغائب غيبة بعيدة فهي على حقها ولها القيام ولو كانت المسافة أقل من يوم وإنما يكون اليوم واليومان كالحضور مع الأمن وأما مع الخوف فكالبعيد وتقدم نحوه في الحكم على الغائب (ولما) تكلم على القسم الأول شرع يتكلم على القسم الثاني وقسمه بالنظر إلى كيفية الحوز إلى ثلاثة أقسام لأنه أما إن يكون بأضعف وجوه الحيازة وأما أن يكون بأقواها وأما أن يكون متوسطًا وإلى ذلك كله أشار الناظم بقوله
(والأقربون حوزهم مختلف بحسب اعتمارهم يختلف)
(فإن يكن بمثل سكنى الدار والزرع للأرض والاعتمار)
(فهو بما يحوز الأربعينا وذو تشاجر كالابعدينا)
(ومثله ما حيز بالعتاق ما كان أو بالبيع باتفاق)
(وفيه بالهدم وبالنيان والغرس أو عقد الكرا قولان)
[ ٤ / ٤٣ ]
يعني أن الحوز بين الأقارب غير الأب مع ابنه كما تقدم وذلك كالأخوة والأعمام وأبنائهم والأخوال وأبنائهم والأصهار كانوا شركاء أم لا إذا كان بأضعف أوجه الحيازة كسكنى أو زراعة أرض ونحو ذلك فإن دعوى الحائز الملكية به لا تقبل إلا مع طول المدة جدًا وهو ما زاد على أربعين عامًا فإذا حاز الأصل أحدهم المدة المذكورة فأكثر فإن المحوز عنه يسقط حقه على ما جرى به العمل هذا إذا لم يكن بينهم تشاجر ولا عداوة أو أشكل أمرهم أما إن كانوا معروفين بالتشاح والتنازع فهو كالأجانب فيكتفى فيه بعشر سنين (وأشار) إلى الحوز إذا كان بأقوى وجوه الحيازة فقال (ومثله ما حيز بالعتاق) البيت يعني أن ما وقع حوزه بالعتق علي أي حالة كانت ناجزًا أو إلى أجل أو كتابة أو تدبيرًا أو وقع بالبيع ونحوه من المفوتات مثل اعتمار ذي التشاجر في كونه لا يعتبر فيه أزيد من الأربعين فالتشبيه بينهما إنما هو في هذا الوجه وإن كانت المدة فيهما مختلفة لأنها في غير العتق ونحوه عشر سنين وفيه العتق ونحوه بانقضاء المجلس ولهذا كان أقواها وقد تقدم هذا في بيع الفضولي وهبته (ثم) أشار إلى حوزهم بمتوسط الأشياء بقوله (وفيه بالهدم وبالبنيان) البيت يعني أن مقدار حوز الأقربين بهدم ما لا يخشى سقوطه بل ليتوسع فيه أو ليبني غيره مكانه وبالبنيان إذا كان عظيمي المؤونة وغرس الأشجار الكثيرة وعقد كراء دار ونحوها باسم نفسه بمحضر أقاربه الشركاء أو غير الشركاء قولان أحدهما أن العشر سنين معها كافية كالشريك الأجنبي والآخر إنها غير كافية بل بما يجاوز الأربعين كالحيازة بالسكنى والازدراع مثل الوجه الأول وهو المذهب ما لم يكن بينهم تشاح فالعشر كافية والله اعلم ثم صرح بمفهوم قوله والأجنبي أن يحز أصلًا الخ فقال
(وفي سوى الأصول حوز الناس بالعام والعامين في اللباس)
(وما كمركوب ففيه لزما حوز بعامين فما فوقهما)
(وفي العبيد بثلاثة فما زاد حصول الحوز فيما استخدما)
[ ٤ / ٤٤ ]
(والوطء للإيماء باتفاق مع علمه حوز على الإطلاق)
يعني أن المدة التي يصدق فيها الحائز وتصير دعوى المدعي مستبعدة غير مشبهة فلا تسمع منه تختلف بحسب الشيء المحوز فالحوز في الأصول تقدم وفي اللباس بالعام والعامين وفي المركوب بالعامين فأكثر وفي العبيد بثلاث سنين فأكثر والأمة للخدمة من ذلك فإن وطئها الحائز وعلم ربها ولم يتكلم عند ذلك فلا كلام له وإن لم يطل فهو حوز وذلك كله إذا كان الحوز على وجه الملك لأن الحيازة إذا كانت مجردة عن دعوى الملك لا تنفع الحائز ولا تضر المحوز عنه ومعنى الإطلاق قام ربها بالقرب أو بعد طول (ثم) أخذ يتكلم على ما يبدأ بسقيه من الأراضي بالماء الغير المملوك كماء السيول إذا وقع التنازع في البداءة بين أصحاب الأراضي فقال
(والماء للأعلين فيما قدما والأسفل الأقدم فيما قدما)
يعني أن الماء إذا كان غير مملوك ويجري في أرض قوم إلى قوم دونهم فإن الأعلى وهو الذي يدخل الماء أرضه مقدم في السقي على الأسفل وهذا إذا كان الأعلى أقدم من الأسفل في العمارة وكذا إذا كانا متساويين وأما إن كان الأسفل أقدم فهو مقدم في السقي كل ذلك إلى الكعبين إذا لم يكن الماء قابلًا لأكثر منهما وإلا زيد بحسب ما يراه أهل المعرفة وقوله قدما في الشرط الأول من البيت بضم الدال أي تقدم غرسًا أو زرعًا وقوله قدمًا في الشطر الثاني منه بضم القاف وتشديد الدال المكسورة ومتعلقه محذوف أي قدم الأسفل في السقي ثم قال
(وما رمى البحر به من عنبر ولؤلؤ واجده به حري)
يعني أن من وجد شيئًا طرحه البحر كعنبر أو لؤلؤ أو صدف أو مرجان إذا لم يتقدم عليه ملك فهو حقيق به ولا نظر فيه للإمام فإن تقدم عليه ملك كان لقطة تجري عليه أحكامها وقوله حرى أي حقيق كما بيناه (ولما) فرغ من الكلام على الحوز شرع يتكلم على الاستحقاق فقال
[ ٤ / ٤٥ ]
﴿فصل في الاسىتحقاق﴾
في المصباح واستحق فلان الأمر استوجبه اهـ وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الاستحقاق رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله أو حرية كذلك بغير عوض اهـ (فقوله) بثبوت ملك قبله أخرج به رفع الملك بثبوت ملك بعده كالبيع والهبة والعتق وما ملك بالموت أو معه كطرو وارث على وارث (وقوله) أو حرية عطف على ملك الثاني يعني أو رفع ملك بثبوت حرية كذلك أي قبله وأشار به إلى الاستحقاق بالحرية (وقوله) بغير عوض أخرج به ما وجد في المغانم بعد بيعه أو قسمه فإنه لا يأخذه مالكه إلا بالثمن كما يأتي. ويدخل في التعريف مدعي الحرية إذا استحق برق لأن مدعي الحرية يملك منافع نفسه واستحقاقه برقية يرفع ذلك الملك. ويدخل فيه أيضًا الاستحقاق بالحبس فإن الملك إما للمحبس أو للمحبس عليه. وقال بعضهم لو قال الإمام الاستحقاق رفع ملك شيء بثبوت ملك قبله بغير عوض لكان أخصر وأوضح (قال) الحطاب لا يتصور الاستحقاق إلا بعد معرفة حقيقته وحكمه وسببه وشروطه وموانعه أما حقيقته فهي ما ذكر (وأما) حكمه فقال ابن عرفة حكمه الوجوب عند تيسر أسبابه في الربع على عدم يمين مستحقه وعلى يمينه هو مباح لغير الربع لأن الحلف مشقة اهـ. (قلت) وفي أحكام القرءان لابن العربي عند قول الله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس الآية (المسألة) الثانية روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيب لا أحلل أحدًا فقال ذلك يختلف فقال يا أبا عبد الله الرجل يسلف الرجل فيهلك فلا وفاء له فقال أرى أن يحلله وهو أفضل لقول الله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وليس كما قال وإن كان له فضل يتبع فقيل له الرجل يظلم الرجل فقال لا أرى ذلك وهو مخالف عندي للأول لقول الله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويقول تعالى ما على المحسنين من سبيل فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حل (قال) ابن العربي فصار في المسألة
[ ٤ / ٤٦ ]
ثلاثة أقوال أحدها لا يحلله بحال قاله سعيد بن المسيب. والثاني يحلله قاله محمد ابن سيرين. والثالث إن كان غير ظالم حلله وإن كان ظالمًا لم يحلله وهو قول مالك. وجه الأول أن لا يحلل ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله. ووجه الثاني أنه حقه فله أن يسقطه كما سقط دمه وعرضه. ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على حقه فمن الرفق به أن تحلله وإن كان ظالمًا فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغتر الظلمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة اهـ فأفهم ذلك (ثم) قال الحطاب وأما سببه فهو قيام البينة على عين الشيء المستحق أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملكه حتى الآن والشهادة بأنها لم تخرج عن ملكه إنما تكون على العلم في قول ابن القاسم المعمول به (قلت) وقد تقدم بسط هذا عند قول الناظم وغالب الظن به الشهاده. بحيث لا يصح قطع عادة (ثم) قال وأما شروطه فثلاثة الأول الشهادة على عينه إن أمكن وإلا فحيازته بأن يقول شهود الملكية لمن يبعثه القاضي معهم هذه الدار هي التي شهدنا بها عند القاضي فلان (الثاني) الإعذار في ذلك إلى الحائز (الثالث) يمين القضاء وفي لزومها ثلاثة أقوال والقول المعمول به أنه لا يحلف في العقار ويحلف في غيره انظر ابن سلمون (وأما) موانعه ففعل وسكوت أما السكوت فمثل أن يترك القيام من غير مانع أمد الحيازة وأما الفعل فمثل أن يشتري ما ادعاه من عند جائزه فلو قال إنما اشتريته خوف أن يفتيه علي فإذا أثبته رجعت عليه بالثمن لم يكن له مقال. وقال أصبغ إلا أن تكون بينة بعيدة جدًا أو يشهد قبل الشراء إنه إنما اشتراه لذلك فلذلك ينفعه ولو اشتراه وهو يرى بأن لا بينة له ثم وجد بينة فله القيام وأخذ الثمن منه اهـ وفول التسولي عند قول الحطاب وأما شروطه فثلاثة الأول الشهادة على عينه إن أمكن وإلا فحيازته الخ قلت هذا هو عين قوله وأما سببه كما لا يخفى الخ فكلامه هذا يقتضي إشكال كلام الحطاب مع أنه لا إشكال فيه لأن وجود البينة على الكيفية المذكورة سبب من جهة قيام صاحب الحق بها لأنها لو لم تكن كذلك لتعذر عليه القيام وشرط من جهة حكم الحاكم
[ ٤ / ٤٧ ]
لأنها لو لم تكن كذلك لما حاز له الحكم بها وحيث انفكت الجهة ارتفع الأشكال الذي توهمه ومن المعلوم الجلي عند العلماء أن الاعتبارات إذا تعددت في الأمور النسبية كالسبب والشرط والمانع جاز اجتماع اثنين منهما أو ثلاثة في شيء واحد كما تجتمع الأبوة والبنوة في واحد باعتبار والديته وباعتبار مولوديته ويجتمع السبب والشرط في الطهارة فسببيتها باعتبار إباحتها للدخول في الصلاة وشرطيتها باعتبار صحتها وتجتمع الثلاثة في العقد على الزوجة فإنه شرط في صحة النكاح وسبب في إباحة التلذذ بها ومانع من إنكاحها رجلًا آخر والله أعلم (ولما) كانت البينة شرطًا في الاستحقاق كما علمت وذلك عند إنكار المدعى عليه أشار إليها الناظم بقوله
(المدعى استحقاق شيء يلزمه بينة مثبتة ما يزعم)
(من غير تكليف لمن تملكه من قبل ذا بأي وجه ملكه)
فالمدعي مبتدأ وجملة يلزم بالبناء للنائب خبره وبينة مفعول ثان بيلزم وما واقعة على الملك وجملة يزعم بفتح العين صلة ما والعائد محذوف ومن غير تكليف متعلق بيلزم ولمن تملكه متعلق بتكليف وذا إشارة للاستحقاق وبأي وجه متعلق بتملكه ومعنى البيتين مع بيان كيفية العمل في المسألة أن من أدعى استحقاق شيء معين كدار بيد غيرها وأنه أستولى عليه بوجه كذا من رهن أو كراء ونحوهما كما في الحطاب أو بدون وجه شرعي مدة كذا إذ لابد من بيان المدة لما ينبني عليها من الأحكام كما في برنامج عظوم فإن المطلوب يوقف على الإقرار والإنكار خاصة ولا يسأل من أين صار له على القول المعمول به فإن أقر فالحكم واضح وإن أنكر وقال المال مالي والملك ملكي في حوزي ودعواك فيه باطلة اكتفى منه بذلك ولم يلزمه أكثر منه وكلف الطالب إثبات الملك الذي زعم أنه له وإن زعم أن الملك أنجر له عمن ورثه عنه فإن المطلوب لا يسأل عن شيء حتى يثبت الطالب موت مورثه الذي ادعى أنه ورث ذلك منه ووراثته له وتناسخ الوراثات إن كان تناسخ على ما به العمل ويضمن في المقال كالتوكيل
[ ٤ / ٤٨ ]
ونحوه فإن أثبت الطالب ذلك كله فإن المطلوب يوقف على الإقرار والإنكار فإن قال ملكي وحوزي اكتفي به كما مر ويكلف الطالب إثبات الملك له أو لوارثه فإن أثبته على ما يجب سئل المطلوب حينئذ من أين صار له فإن قال حوزي وملكي وقد حزته عشر سنين والمدعي حاضر عالم ساكت بلا مانع كلف إثبات ذلك فإن أثبت بينة الحيازة كما يجب أعذر فيها للمدعي فإن لم يجد مطعنا سقطت دعواه وبينته إلا في الحبس كما تقدم في الفصل قبله وإن لم يدع الحيازة القاطعة بل أدعى أنه صار له بالبيع ونحوه من قبل الطالب أو مورثه كلف إثبات ذلك فإن أثبته وعجز الطالب عن الطعن فيه بطلت دعواه وإن عجز المطلوب عن إثبات الحوز في المسألة الأولى أو إثبات البيع في الثانية قضي للطالب به ما يطل كما مر وهل بيمين أو بدون يمين ثلاثة أقوال قيل تجب اليمين في كل شيء وقيل لا تجب في شيء وقيل لا تجب في الأصول وتجب في غيرها وبه العمل كما تقدم وإليه أشار الناظم بقوله
(ولا يمين في أصول ما استحق وفي سواها قبل الإعذار يحق)
يعني أن من استحق شيئًا بالبينة فإن كان من الأصول كالدار ونحوها فلا يمين عليه لأن حالها لا يخفى على الناس وإن كان من غير الأصول كالحيوان والعروض فإنه يجب عليه اليمين بأن يقول بالله الذي لا إلاه إلا هو ما باع الشيء المستحق ولا وهبه ولا خرج عن ملكه بوجه إلى الآن لأن البينة شهدت على نفي العلم فيحلف هو على البت وهكذا كل من شهدت له بينة بظاهر الحال فلابد من يمينه كما تقدم في باب اليمين وتكون يمينه قبل الإعذار للمشهود عليه لأن الإعذار إنما يكون بعد الثبوت وكمال الثبوت هو بحلفه لكن الذي عليه الجمهور وبه العمل إن حلفه يكون بعد الإعذار لا قبله لأنها من قبيل الاستبراء. وإذا مكن المدعى عليه من الإعذار فتارة يترك الإعذار ليرجع على بائعه وتارة لا يتركه وإلى الأول أشار الناظم بقوله
(وحيثما يقول ما لي مدفع فهو على من باع منه يرجع)
[ ٤ / ٤٩ ]
يعني أن المستحق من يده إذا أشهد على نفسه بأنه لا مدفع له ولا تجريح ولا معارض في حجة خصمه فإن الشرع يمكنه من الرجوع على من باع منه إن أراده بما أعطاه ثم إن كان البائع معه في البلد فالحكم ظاهر وترجع الخصومة معه له أو عليه وإن كان ببلد آخر فله أن يذهب بالدابة مثلًا ليرجع على البائع بعد أن يضع قيمتها ببلد الاستحقاق على يد أمين ويؤجل في ذلك وتدفع له الدابة فإن رجع بها عند الأجل سالمة فذاك وإلا قبض المحكوم له القيمة فإن جاء بها وقد نقصت أو غيرت خير المستحق في أخذها بدون أرش أو القيمة وأشار إلى الثاني بقوله
(وإن يكن له مقال آجلا فإن أتى بما يفيد أعملا)
(وما له في عجزه رجوع على الذي كان له البيع)
يعني أن المدعى عليه إن أدعى مدفعًا في البينة التي شهدت لخصمه بالملك المتنازع فيه فإنه يؤجل في ذلك على ما جرى به العمل في التأجل فإن أتى بما يفيده أعمل وإن لم يأت بما يفيده حتى انقضت الآجال والتلومات حكم عليه بعد يمين الذي ثبت له الملك على ما تقدم ولم يكن للمحكوم عليه قيام بعد إدعائه المدفع على من باع منه إذ قيامه عليه إنما هو بالبينة التي شهدت فإذا كذب البينة لم يجب له بها قيام كذا في الوثائق المجموعة وفي نوازل البيوع والمعاوضات من المعيار وهو المشهور وبه القضاء وعليه العمل قال التسولي وهذا كله إذا طلب الإعذار للتكذيب والتجريح كما قررنا وأما إذا طلبه بقصد طلب رجوعهم عن الشهادة وسؤالهم عن كيفية شهادتهم وهل فيها تناقض أو سقط فصل من فصولها وأركانها ونحو ذلك مما لا يقتضي التكذيب كما هي عادة الناس اليوم فإن ذلك لا يبطل حقه في الرجوع قطعًا ولا ينبغي أن يختلف فيه لأنه لم يكذبهم قال ابن رحال قال وكذا لو كان جاهلًا بما يترتب على دعواه من الطعن والتكذيب فإنه لا يضره وإن كذبهم إلا إذا بين له أن التكذيب والطعن يضره ويوجب له عدم الرجوع اهـ كلام ابن رحال باختصار اهـ ثم قال الناظم
[ ٤ / ٥٠ ]
(والأصل لا توقيف فيه إلا مع شبهة قوية تجلى)
(وفي سوى الأصل بدعوى المدعي بينة حاضرة في الموضع)
يعني أن من ادعى استحقاق أصل وطلب توقيفه فإنه لا يجاب إلى مطلبه إلا مع شبهة قوية واضحة كشهادة عدل ولو محتاجا للتزكية أو اثنين كذلك أو عدلين مقبولين وبقي الإعذار فيهما كما مر في فصل التوقيف وأما غير الأصول من العروض والحيوان فإنه توقف بمجرد دعوى المدعي إذا كانت له بينة حاضرة في الموضع كما تقدم في الفصل الثاني من أنواع الشهادات فراجع المسألة هنالك لما في كلامه هنا من الأجمال وقوله تجلي فعل مضارع حذف منه إحدى التائين إذا أصله تتجلى وقوله بدعوى المدعي الظاهر إنه متعلق بمحذوف تقدير توقف بدعوى المدعي (ولما) كان القاضي لا يحكم إلا على معروف لمعروف في معروف بشهادة معروف كما قال الزقاق شهادة معروف لمعروف إن جرت. على مثله والشيء معروف أقبلا. وإلا فلا. الخ ويشاركه الشاهد في الثلاثة الأول والمعرفة تارة تكون بواسطة المعرفين وتارة تكون بدون واسطة كما هو معلوم وعليه فإن الشيء المتنازع فيه لا يخلو إما أن يكون إحضاره لدى القاضي ممكنًا لتقع الشهادة على عينه وأما أن يكون غير ممكن والى الأول أشار الناظم بقوله
(وما له عين عليها يشهد من حيوان أو عروض توجد)
يعني أن الشيء المدعى فيه إن كان مما يقبل النقل من موضع إلى آخر كالحيوان فإنه يؤتى به لتقع شهادة الشهود على عينه لدى القاضي أو من يونب عنه من الموثقين لسهولة إحضاره عنده (ومفهوم) قوله توجد إنها إذا لم تكن موجودة بأن كانت غائبة عن البلد جازت الشهادة فيها على صفتها وهو كذلك (تنبيه) إذا كان المدعى فيه مما لا يعرف بعينه كالدراهم والدنانير والحلي والأواني والمكيلات والموزونات ونحوها فلا تقام الشهادة على عينه كما في ابن ناجي وغيره وحينئذ لم يكن للمدعي إلا حلف المدعى عليه وأشار إلى الثاني بقوله
[ ٤ / ٥١ ]
(ويكتفى بحوز الأصل المستحق بواحد عدل والاثنان أحق)
يعني أن الشيء المتنازع فيه إذا كان مما لا ينقل كالدار ونحوها فإن الحيازة فيه بعدل واحد يقدمه القاضي لها كافية لتعذر حضوره وشغل القاضي عن الذهاب إليه وإنما يكتفي بالعدل الواحد لأنه نائب عنه لكن الاثنان أولى عند كل ذي نظر وبه العمل وإنما تكون الحيازة بالعدول واجبة لتكون الشهادة على العين إذا شهد عدلان بملكية أصل لأحد وذكرا حدوده وأنكر المدعى عليه الحدود وقال لا أدري هذه الأرض التي ينازع فيها ولا حدودها وأما إذا وافق المدعى عليه المدعي على الحدود فلا يحتاج إلى حيازة وإليه أشار الناظم بقوله
(وناب عن حيازة الشهود توافق الخصمين في الحدود)
فإذا تمت الحيازة بالشهادة أو بتوافق الخصمين على الحدود وأجاب المدعى عليه بالإنكار وجب توقيف المدعى فيه بالحيلولة على ما به العمل كما تقدم في الشهادات ثم يعذر للمطلوب ويؤجل كما مر ثم قال
(وواجب أعمالها أن الحكم بقسمة على المحاجير حكم)
يعني أن القاضي إذا أراد أن يحكم بالقسمة على المحاجير فلا يقسم بينهم حتى يثبت عنده حيازة مورثهم ثم إن كان المقسوم يلتبس بغيره فلابد من أعمال الحيازة كما قال الناظم وإن كان معروفًا لا يلتبس بغيره فلا يحتاج إلى حيازة وكذا لا مفهوم للمحاجير بل غيرهم كذلك قال الباجبي ما نصه الذي أجمع عليه مالك وقدماء أصحابه ونقله من لا يحصى من الموثقين والأيمة المحققين أنه لا يجوز للقاضي أن يأذن للورثة في القسمة حتى يثبتوا أصل الملك لمورثهم واستمراره وحيازتهم والموت والوراثة وبه جرى عمل القضاة بقرطبة وطليطلة اهـ من نوازل المعيار وهاته المسألة لها نظاير قال ابن رحال منها الحبس إذا شهد به على القطع فلابد من ثبوت الملك للمحبس ومنها الرهن وباع الحاكم إن امتنع ومنها قول المختصر آخر النفقات
[ ٤ / ٥٢ ]
وبيعت داره بعد ثبوت ملكه ومنها في الحجر وباع الحاكم بثبوت يتمه وفي الفلس وبيع ماله بحضرته وهي مواضع كثيرة يطول بنا استقصاؤها فأنت ترى كلامهم لا ذكر للحيازة فيها ولا للمحاجير ويظهر أن الحيازة تجري على ما تقدم فإن عرف المقسوم ولا يلتبس بغيره فلا يحتاج إلى حيازة وإلا احتاج كان المملوك للمحاجير أو رشداء هذا الذي يظهر والعلم عند الله تعالى اهـ (ولما) كانت الشهادة قد تلفق في بعض المسائل ويقضى بها أشار الناظم إلى مسألة منها بقوله
(وجاز أن يثبت ملكًا شهدا وبالحيازة سواهم شهدا)
(إن كان ذا تسمية معروفه ونسبة مشهورة مألوفه)
يعني أن من ادعى ملكًا بيد غيره معروفًا باسم مفرد علامة عليه كالمديوني واللخمي من أجنة توزر أو معروفًا بأمس مركب من كلمتين مشتمل على نسبة مخصومة كبركة الله وبستان المصري وسانية الدار من غابة توزر أيضًا وأتى ببينة تشهد له بأن الجنان المسمى بالمديوني مثلًا هو ملك لفلان ومال من ماله إلى آخر الشروط التي تكتب في رسم الشهادة بالملك ولا تتعرض البينة لذكر حدوده لأن شهودها لا يعرفونها وتشهد بينة آخرى بأن الموضع المسمى بما ذكر حده من جهة القبلة كذا ومن جهة الشرق كذا الخ وإن الاسم المذكور لا يطلق إلا على الشيء المحدود لا على ما خرج عنها لأنهم كانوا يخدمونه مثلًا ولا يعرفون الجنان لمن هو فإن الشهادتين تلفقان ويوجه القاضي معهما شاهدين يشهدان على حيازتهما فيكون مجموع الشهود ستة ويثبت الملك حينئذ للمدعي ولا يتم له الاستحقاق إلا بعد الإعذار (تنبيه) فإن عجز المدعي عن بينة الحدود وبقيت الشهادة الأولى على إجمالها فإنها تجري على ما تقدم في فصل في مسائل من الشهادات عند قوله ومن لطالب بحق شهد الخ وقول الناظم شهداء في الشطر الأول من البيت بضم الشين جمع شهيد ولفظ شهدا بعده فعل ماض وألفه للإطلاق (ولما) فرغ الناظم من الكلام على استحقاق الكل شرع يتكلم على استحقاق البعض
[ ٤ / ٥٣ ]
وهو أما مثلي أو مقوم والمقوم إما أن يستحق منه شيء معين أو شائع والشائع إما أن يكون قابلًا للقسمة أو غير قابل وفي كل من الأقسام الأربعة إما أن يكون البعض المستحق قليلًا أو كثيرًا أشار إلى استحقاق المثلي كثيرًا أو قليلًا فقال
(ومشتري المثلي مهمى يستحق معظم ما اشترى له التخيير حق)
(في الأخذ للباقي من المبيع بقسطه والرد للجميع)
(وإن يكن منه اليسير ما استحق يلزمه الباقي بما له يحق)
يعني أن من اشترى مثليًا من مكيل أو موزون أو معدود كالقمح أو زيت أو بيض ثم استحق منه شيء فإن كان معظمه خير المشتري بين التمسك بما بقي بحصته من الثمن وبين رد جميع الباقي بعد الاستحقاق ويأخذ جميع ثمنه وإن استحق القليل منه لزمه التمسك بالباقي بحصته أيضًا قال الشرح واليسير هنا الثلث فأدنى وقوله ومشتري المثلي الخ مضاف ومضاف إليه ويستحق مبني للنائب ومتعلقه محذوف أي منه ومعظم بضم أوله وفتح ثالثه نائب الفاعل ومعظم الشيء أكثره وهو مضاف وما الواقعة على الشيء المشتري مضاف إليه وجملة اشترى صلة ما والعائد محذوف أي اشتراه (ثم) أشار إلى استحقاق بعض المقوم المعين وهو إما كثير أو قليل فقال
(وماله التقويم باستحقاق أنفسه يرد بالإطلاق)
(إن كان في معين ولا يحل إمساك بقيه لما فيه جهل)
(وإن يكن أقله فالحكم إن يرجع في حصته من الثمن)
يعني أن من اشترى مقومًا كثواب فاستحق منها ثوب معين فإن كان أفضل ما في الأثواب فإنه يرد الجميع ولا يجوز له التمسك بالباقي بعد استحقاق وجه الصفقة وهو ما زاد على النصف في القيمة لأن وجه الصفقة وإن كان قليلًا في الحسن فهو كثير من جهة القيمة وغيره قليل والأقل يتبع الأكثر فيفسخ الجميع لأنه لو تمسك بالأقل
[ ٤ / ٥٤ ]
لكان شراؤه واقعًا بثمن مجهول وإن كان غيره وجه الصفقة بأن كان قدر النصف فأقل يرجع بقيمة ما استحق ويتمسك بالباقي لأن الصفقة لم تنفسخ كما في استحقاق الجل (وقوله) باستحقاق متعلق بيرد وهو مضاف وانفسه مضاف إليه ومعنى الإطلاق سواء تراضيًا على التمسك بالباقي بما ينوبه أم لا وقوله إن يكن أقله اسم يكن ضمير يعود على الشيء المستحق وأقله بالنصب خير يكن (ثم) أشار إلى استحقاق البعض على الشياع وهو إما أن يكون قابلًا للقسمة أم لا فقال
(وإن يكن على الشياع المستحق وقبل القسمة فالقسم أحق)
(والخلف في تمسك بما بقي بقسطه مما انقسامه اتقي)
يعني أن من اشترى عقارًا فاستحق منه جزء شائع كنصف أو ربع على الشياع فإن كان ذلك العقار يقبل القسمة بلا ضرر فالذي يستحقه المشتري هو المقاسمة ويتمسك بالباقي ويرجع بحصة ما استحق وظاهره كان المستحق قليلًا أو كثيرًا وليس كذلك بل إنما يكون ذلك إذا كان المستحق قليلًا وأما إذا كان كثيرًا كثلث في دار أو نصف في أرض فالمشتري بالخيار بين التمسك بالباقي ويرجع بحصة المستحق وبين الرد ويرجع بجميع ثمنه وإن كان لا يقبل القسمة أصلًا أو يقبلها بضرر كشجرة واحدة أو دار ضيقة ونحوهما فهل له أن يتمسك بالباقي بما ينوبه من الثمن أم لا خلاف قال التاودي ولم أر من قال انه لا يجوز التمسك بالباقي في هذا القسم والذي في الشارح والحطاب وغيرهما فيه إن المستحق منه مخير بين التمسك والرد وإن قل لضرر الشركة (تنبيه) الربع المتخذ للغلة كالقابل للقسمة فلا يخير فيه إلا في استحقاق الكثير وهو في مثل الدار الواحدة الثلث وفيما تعدد من الدور ما زاد على النصف كالحيوان والعروض والنصف في الأرض كثير كما في الزرقاني وغيره ثم قال
(وإن يكن في الفيء مال المسلم فهو له من قبل قسم المغنم)
[ ٤ / ٥٥ ]
(وإن يقم من بعد ما قد قسما فهو به أولى بما تقوما)
يعني أن المسلمين إذا غنموا غنيمة من العدو فوجدوا فيها مال مسلم معروفًا فإن عرف ذلك قبل قسم الغنيمة فهو له بدون ثمن وإن لم يعرف إلا بعد القسمة فلا يأخذه ربه إن أراده إلا بالثمن الذي قوم به حين القسمة ويجري على هذا التفصيل ما عرف لذمي والله تعالى أعلم وقول الناظم
(ومشتر وحائز ما ساق من أمن لا يؤخذ منه بالثمن)
معناه أن الحربي إذا قدم إلينا بأمان وفي يده شيء من أموال المسلمين فباعه أو هبه لمسلم أو ذمي فليس لمالكه نزعه من مشتريه أو الموهوب له الحائز لا بالثمن ولا بالقيمة. وأما من ذهب لبلدهم واشترى منهم شيئًا من أموال المسلمين لو وهبوه له وقدم به فلربه أخذه ممن اشتراه بالثمن ومن وهب له بلا ثمن وقوله ومشتر مبتدأ وحائز بالرفع معطوف عليه وما واقعة على الشيء المشتري أو الموهب معمول لمشتر أو حائز من باب التنازع وجملة ساق صلة ما والعائد محذوف أي ساقه ومن بفتح الميم اسم موصول فاعل ساق وأمن بضم أوله مبني للنائب صلة من ضميره المستتر فيه وجملة لا يؤخذ منه بالثمن خبر المبتدأ ثم قال
(ويؤخذ المأخوذ من لص بلا شيء وما يفدى به بما قد بذلا)
يعني أن من وجد مال غيره بيد لص وقاطع طريق فأخذه منه بغير عوض فإن ربه يأخذه بلا شيء وإن أخذه منه بفداء فلا يأخذه ربه حتى يدفع إليه ذلك العوض الذي فداه به هذا إذا أشتراه لربه وأما إن اشتراه لنفسه فإن ربه يأخذه بلا شيء ويكون للمشتري الرجوع على البائع بالثمن سواء علم بلصوصيته أو لم يعلم كما تقدم أول الفصل (ولما) فرغ من الكلام على الاستحقاق اتبعه الكلام على مسائل العارية والوديعة والأمناء فقال
[ ٤ / ٥٦ ]
﴿فصل في العادية والوديعة والأمناء﴾
(أما) العاريه فأبحاثها ستة (الأول) في معناها لغة واصطلاحًا (الثاني) في أركانها (الثالث) في حكمتها (الرابع) في حكمها (الخامس) في أصل مشروعيتها (السادس) في اللواحق وهي التي تكلم عليها الناظم (فأما) العارية في اللغة فهي نسبة إلى العارة وهي أسم من الإعارة يقول أعرته الشيء إعارة وعارة مثل أطعته إطاعة وطاعة واجبته إجابة وجابة وسميت عارية لأنها عار على طالبها تقول العرب هم يتعاورون العواري ويتعورونها إذا أعار بعضهم بعضًا وقد تخفف ياء العارية في الشعر والجمع العواري بالتخفيف والتشديد على الأصل واستعرت منه الشيء فأعارنيه كذا في المصباح. وفي الاصطلاح عرفها الإمام ابن عرفة بالمعنى المصدري بقوله هي تمليك منفعة مؤقتة لا بعوض اهـ فتدخل العمرى والإخدام ويخرج بقوله منفعة تمليك الذوات وتمليك الانتفاع والفرق بين الانتفاع والمنفعة هو أن المنفعة له أن يستوفيها بنفسه أو بغيره فله أن يعيرها أو يستأجرها لمثله إن لم يحجر عليه ولو بالعادة بخلاف مالك الانتفاع كسكان المدارس والزوايا فإنهم لا ينتفعون إلا بأنفسهم وليس لهم أن يؤاجروا ذلك أو يعيروه لغيرهم (وقوله) مؤقتة حقيقة أو حكمًا لتدخل المعتادة عند الإطلاق لإخراج الحبس فإن الغالب فيه التأبيد (وأما) بالمعنى الاسمي وهو مراد الناظم هنا فهي مال ذو منفعة مؤقتة ملكت بغير عوض فقوله بغير عوض تخرج به الإجارة (وأما) أركانها فأربعة المعير وشرطه أن يكون من أهل التبرع مالكًا للمنفعة. والمستعير وشرطه أن يكون ممن يجوز شرعًا انتفاعه بالعارية. والشيء المعار وشرطه أن يكون الانتفاع به ممكنًا مع بقاء ذاته كالثوب والكتاب بخلاف الطعام ونحوه فإنه لا يعار بل يقرض وإن تكون منفعته مباحة للمستعير فلا تعار الأمة للوطء. والصيغة التي يقع بها العقد أو ما يقوم مقامها من الأفعال التي تفهم منها العارية (وأما) حكمة مشروعيتها فلتزكية النفس وتطهيرها من داء البخل واستجلاب المحبة وإبقاء
[ ٤ / ٥٧ ]
المودة (وأما) حكمها في الإسلام فقد يعرض لها الوجوب كغني عنها لمن يخشى هلاكه بعدمها كثوب لوقاية ضرر البرد وإبرة لتخييط جرح في البطن وسكين لذبح نحو شاة يخشى عليها الموت ونحو ذلك. والحرمة بأن كانت تعين على معصية كسلاح لقاطع طريق ومحل للفسق. والكراهة ككونها معينة على فعل مكروه. وذلك لأن الأصل فيها الندب فهي معروف وإحسان والله يحب المحسنين (وأما) الأصل في مشروعيتها فقول الله تعالى وافعلوا الخير الآية. وقد ورد في الصحيحين أن رسول الله ﷺ استعار فرسًا من أبي طلحة واستعار من صفوان بن أمية درعه يوم حنين فقال له اغصب يا محمد قال بل عارية مضمونة وفي أبي داوود والترمذي وابن ماجه من حديث إمامه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم قال الترمذي حسن صحيح (وأما) اللواحق وهي ما عدا الأركان فقد أشار إليها الناظم مع شيء من حكم الحديث المتقدم فقال
(وما استعير رده مستوجب وما ضمان المستعير يجب)
(إلا بقابل المغيب لم يقم بينة عليه أنه عدم)
(أو ما المعار فيه قد تحققا تعد أو فرط فيه مطلقا)
يعني أن من استعار شيئًا فإنه يجب عليه رده لربه بعد قضاء حاجته منه ولا يجوز له أن يتركه حتى يأتي ربه إليه وتكون مؤنة رده على المستعير إن احتاج إلى ذلك وأن المستعير لا يضمن العارية إلا في صورتين أحدهما أن تكون العارية مما يغاب عليه ولم تقم بينة على هلاكها والثانية ثبوت تعدي المستعير أو تفريطه في العارية حتى هلكت كانت مما يغاب عليه أم لا هذا معنى قول الناظم بالإطلاق فإن أقام بينة على هلاكها فلا ضمان عليه كانت مما يغاب عليه أم لا (فرع) لو اشترط إسقاط ذلك الضمان
[ ٤ / ٥٨ ]
فيما يضمن أو إثباته فيما لا يضمن ففي إفادته وعد إفادته وهو القول المشهور المعمول به خلاف ولهاته المسألة نظائر من الطلاق والوصية وغيرهما داخلة تحت قاعدة وهي اشتراط ما يوجب الحكم خلافه مما لا يقتضي فسادًا هل يعتبر أم لا خلاف انظر بسطها في المنجور على المنهج المنتخب أو إيضاح المسالك تستفد (وقوله) وما الأولى اسم بمعنى شيء وما الثانية نافية وبقابل أي في قابل ويقم بضم أوله من أقام وبينة بالنصب مفعول به وفاعل يقم ضمير مستتر يعود على المستعير وقوله أو ما أي في الذي المعار وفيه متعلق بتحققًا بالبناء للنائب وتعد نائب على الفاعل (ثم) شرع يتكلم على التنازع وهو إما في الرد وإما في المدة وإما في مسافة المركوب وإما في أصل العارية وقد أشار الناظم إلى الأول فقال
(والقول قول مستعير حلفا في رد ما استعار حيث اختلفا)
(ما لم يكن فيما يغاب عاده عليه أو أخذ بالشهاده)
(فالقول للمعير فيما بينه ومدعي الرد عليه البينه)
يعني أن المعير والمستعير إذا اختلفا في رد العارية فقال المعير لم تردها وقال المستعير رددته ففي ذلك تفصيل وهو أن العارية إن كانت مما لا يغاب عليه ولم يكن قبضها المستعير بإشهاد فالقول قول المستعير في ردها بيمين. وإن كانت مما يغاب عليه فالقول قول المعير في عدم ردها بيمين وسواء قبضها المستعير بإشهاد أو بغيره وكذلك ما لا يغاب عليه إذا قبضه بإشهاد فإن القول قول المعير أيضًا في عدم الرد بيمين. وقوله حلفا ألفه للإطلاق وفيه ضمير يعد على مستعير وفي رد أي على رد وألف اختلفا ضمير المثنى يعود على المعير والمستعير وعادة منصوب على إسقاط الخافض وعليه متعلق بيغاب وقوله أو أخذ بالبناء للنائب. ومعنى فيما بينه أي أدعاه من عدم الرد. ومدعي الرد هو المستعير (ثم) أشار إلى الثاني والثالث بقوله
(والقول في المدة للمعير مع حلفه وعجز مستعير)
[ ٤ / ٥٩ ]
(كذاك في مسافة لما ركب قبل الركوب ذاله فيما يجب)
(والمدعي مخير أن يركبا مقدار ما حد له أو يذهبا)
(والقول من بعد الركوب ثبتا للمستعير أن بمشبه أتى)
(وإن أتى فيه بما لا يشبه فالقول للمعير لا يشتبه)
يعني أن المعير والمستعير إذا اختلفا في مدة العارية فإن القول للمعير بيمينه إن عجز للمستعير عن البينة. وإن اختلفا في المسافة فإن كان اختلافهما قبل الركوب فالقول قول المعير أيضًا مع يمينه فإذا حلف خير المستعير بين أن يقتصر على المسافة التي حددها المعير وحلف عليها أو يذهب ولا شي له. وإن كان اختلافهما بعد الركوب فالقول قول المستعير بيمينه إن ادعى ما يشبه وإلا فالقول قول المعير بيمينه ثم أشار إلى الرابع فقال
(والقول قول مدعي الكراء في ما يستعار مع يمين اقتفي)
(ما لم يكن ذلك لا يليق به فقلب القسم التحيق)
يعني أن المتداعيين إذا اختلفا في شيء فقال رب الشيء هو عندك على وجه الكراء وقال من هو تحت يده على وجه العارية فالقول قول رب الشيء بيمينه إنه اكراه له بكذا إلا أن يكون ممن لا يليق به الكراء لعلو قدره فإن القسم حينئذ يتوجه على مدعي العارية لأن القول صار له (ثم) شرع في الوديعة وهي استنابة في حفظ المال وهي عقد أمانة حكمها الجواز من الجانبين وقد يعرض لها الوجوب إن لم يجد غيره (والأصل) فيها قول الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقال تعالى فإن آمن بعضكم بعضًا فليؤذ الذي ائتمن أمانته وخبر أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك وأداء الأمانة من علامات الإيمان ومن عمل المؤمنين وأما الخيانة فهي من علامات النفاق وعمل الفساق كذا في النفراوي. وحكمة مشروعيتها الحث على الحفظ وعلى
[ ٤ / ٦٠ ]
قضاء الحوائج. وهي على شطرين أركان ولواحق فأما أركانها فأربعة المودع بالكسر والمودع بالفتح وشرطهما أهلية التوكيل والتوكل في الجملة ليشمل المأذون له في التجارة. وأما الصبي والسفيه فلا يودعان ولا يستودعان لكن إن أودعاك شيئًا أيها الرشيد وجب عليك حفظه وإن أودعت عندهما فاتلفا أو فرطا فلا ضمان عليهما كما يأتي (والثالث) الشيء المودع وهو كل ما يحتاج إلى حافظ ولو عقارا (والرابع) الصيغة وهي كل ما يفهم منه طلب الحفظ ولو بقرائن الأحوال ولا يتوقف عقدها على إيجاب وقبول باللفظ حتى لو وضع شخص متاعه عند جالس رشيد بصير ساكت وذهب الواضع لحاجته فإنه يجب على الموضوع عنده المتاع حفظه بحيث يضمنه إن فرط في حفظه حتى ضاع لأن سكوته رضى منه بالإيداع عنده وأما الأعمى فلابد أن يضع يده عليها حتى يضمن إن فرط (وأما اللواحق) فهي قول الناظم
(ويضمن المودع مع ظهور مخايل التضييع والتقصير)
(ولا ضمان فيه للسفيه ولا الصغير مع ضياع فيه)
يعني أن من أودع وديعة عند إنسان رشيد فهلكت فإنه لا يضمنها إلا إذا تسبب في هلاكها كإيداعها عند الغير بلا عذرا ونقلها من موضع حرز إلى غيره والانتفاع بها كلبس وركوب ونحوهما فإنه حينئذ يضمنها هذا في حق الرشيد وأما البالغ السفيه والصغير فلا ضمان عليهما وإن قصرا أو ضيعا كما تقدم (فرع) وفي حاشية الطرابلسي ما نصه قوله وإن أودعت لمسافر مالًا فأودعه في سفره الخ ولو خرج عليهم لصوص فأعطاها لفارس ينجو بها أو ألقاها في شجرة فضاعت لم يضمن قاله في العتبية اهـ وكذلك المسافر تكون عنده الوديعة وفي الرفقة من يحترم فيودعها عنده خوف اللصوص ثم يؤل الأمر إلى خلاف ذلك لم يضمن وكذلك إن خرج عليهم اللصوص فطرحها في موضع يرجو نجاتها فيه قراءه اللصوص فأخذوها لا ضمان عليه لأن غاية مقدوره في الاحتياط عليها كذا في برنامج عظوم (وقول) الناظم المودع بفتح الدال وقوله
[ ٤ / ٦١ ]
(والتجر بالمودع من اعمله يضمنه والربح كله له)
يعني أن من كانت عنده وديعه فاستعملها في التجارة فإنه يضمنها إن هلكت ويكره له ذلك إن كانت عينًا وإلا حرم ويكون الربح له لا لربها لأن ضمانها وقت التجارة بها منه والخراج بالضمان كما هو القاعدة ثم قال
(والقول قول مودع فيما تلف وفي ادعاء ردها مع الحلف)
(ما لم يكن يقبضه ببينه فلا غنى في الرد أن يبينه)
يعني أن من كانت عنده وديعة فادعى تلفها فإن القول قوله لأنه أمين إن لم يتهم وإلا فعليه يمين التهمة وسواء قبضها بإشهاد أو بدون إشهاد وأن ادعى ردها لربها فإن كان قبضه بغير إشهاد فكذلك وإن قبضه بإشهاد قصد به التوثق من المنتصبين لا مجرد حضور جماعة فلا يقبل قوله في ذلك إلا بالبينة وإلا فعليه ضمانه لتفريطه وعلى ربه اليمين في عدم الرد وضمير ردها يعود على الوديعة وضمير يقبضه يعود على الشيء المودع والمعنى واحد وإنما هو من باب التفنن في التعبير الذي هو من أنواع البلاغة والله اعلم ثم شرع يتكلم على الأمناء جمع أمين فقال
(والأمناء في الذي يلونا ليس لشيء منه يضمنونا)
يعني أن الأصل في الأمناء عدم الضمان في كل شيء يلونه حتى يظهر منهم ما يوجب الضمان وذكر الناظم منهم سبعة عشر فالأول والثاني قوله (كالأب والوصي) وكذا وصية ومقدم القاضي والكافل واللقيط فإنهم مصدقون فيما ادعوا ضياعه من مال المحجور الذي هو عندهم كان مما يغاب عليه أم لا ولا ضمان عليهم في شيء من ذلك ويفهم من قوله كالأب إنهم غير محصورين في العدد المذكور وهو كذلك فيدخل تحت الكاف التي جيء بها للتمثيل والزوج والزوجة مما لا يغاب عليه وهو بيد أحدهما وطلق قبل البناء فإن ضمانه منهما ولا يرجع أحدهما على الآخر بنصفه فإن كان مما
[ ٤ / ٦٢ ]
يغاب عليه ولم تقم على هلاكه بينة فضمانه من الذي هو تحت يده ويدخل أيضًا من قلب فخارًا أو نحوه بحضرة ربه فسقط من يده فلا ضمان عليه فيه كما تقدم في بيع العروض. ويدخل الوارث إذا طرأ عليه دين أو وارث وأدعى تلف ما كان بيده بعد القسمة فإنه يصدق فيما لا يغاب عليه دون غيره وأما قبل القسمة فهو مصدق مطلقًا إلى غير ذلك من الفروع (والثالث) قوله (والدلال) ويقال له السمسار فيصدق فيما ادعى ضياعه كما يصدق في رده وما درج عليه الناظم هو المشهور والذي عليه العمل أنه لا يصدق فيما يغاب عليه إذا ادعى رده وكذا ما لا يغاب عليه إذا قبضه بإشهاد (والرابع) قوله (ومرسل صحبته بالمال) يعني أن من دفعت إليه مالًا يبلغه الشخص فادعى تلفه قبل وصوله إلى المرسل إليه فهو مصدق في تلفه ولو كان مما يغاب عليه وإن ادعى أنه دفع إليه وصدقه بريء وإن كذبه المرسل إليه لم يبرأ الرسول إلا ببينة فإن عجز عنها حلف المرسل إليه وغرم وقول النظام ومرسل بفتح السين (والخامس) قوله (وعامل القراض) فهو مصدق في التلف والخسر والرد كما تقدم (والسادس) قوله (والموكل) بفتح الكاف أي الوكيل فإنه إذا ادعى تلف ما وكل عليه فإنه مصدق وسواء كان بأجرة أو بدون أجرة مفوضًا كان أو مخصومًا لكن لا يبرأ الغريم من الدين الذي دفعه للوكيل وادعى تلفه إلا ببينة على القبض (والسابع) قوله (وصانع لم ينتصب للعمل) يعني أن الصانع الذي لم ينصب نفسه للعمل في حانوته أو في داره للناس وإنما شأنه أن يصنع لنفسه أو لرجل أو جماعة خاصة فإذا أجره بعض الناس على خياطة ثوب أو سبك صياغة ونحو ذلك فادعى ضياعه فإنه مصدق ولا ضمان عليه (والثامن) قوله
(وذو انتصاب مثله في عمله بحضرة الطالب أو بمنزله)
هذا البيت مفهوم قوله لم ينتصب أما إذا نصب نفسه لجميع الناس وسواء كان يصنع بداره أو بحانوته وكل من أتاه بثوب ونحوه يصنعه له فإن كان هلاك المصنوع بحضرة
[ ٤ / ٦٣ ]
ربه بغير سببه أو كان عمله بمنزل رب المصنوع وغاب الصانع على المصنوع فإنه لا ضمانه عليه في الصورتين فهو مثل غير المنتصب في التصديق وإن ادعى تلفه بدون حضرة الطالب أو في غير منزله فإنه لا يصدق ويضمن إلا أن تقوم بينة على تلفه بغير سببه فلا ضمان عليه (والتاسع) قوله (والمستعير مثلهم) يعني أن المستعير مثل الأمناء في التصديق فيما لا يغاب عليه فقط كما تقدم (والعاشر) قوله (والمرتهن في غير قابل المغيب فاستبن) يعني أن المرتهن بكسر الهاء إذا ادعى ضياع الرهن الذي لا يغاب عليه فإنه مصدق ولا ضمان عليه وكذا لا يضمن ما يغاب عليه إن قامت على هلاكه بينة كما تقدم في بابه وقوله فاستنبن تتميم للبيت (والحادي عشر) قوله (ومودع لديه) أي عنده يعني أن المودع بفتح الدال إذا ادعى تلف الوديعة التي عنده فإنه مصدق قبضها بإشهاد أم لا وكذا إن ادعى ردها ما لم يقبضها بإشهاد وإلا فلا يصدق كما مر (والثاني عشر) قوله (والأجير فيما عليه الأجر) يعني أن من استأجر أجيرًا غير منتصب للإجارة فادعى ضياع ما أخذ عليه الأجر فإنه مصدق كالصانع الذي لم ينتصب للصنعة فإن انتصب للإدارة ضمن إلا إذا حصل ضياعه بمحضر ربه أو إذا كان يخدم في منزل ربه فإنه لا يضمن كما مر في الصانع (والثالث عشر) قوله (والمأمور) يعني أن من أمر بإتيان حاجة أو ردها إلى صحابها أو إلى موضع كذا بغير أجر فيدعي تلفها فهو مصدق فإن كان ذلك بأجر فهو ما قبله وهذا المأمور في الحقيقة كالوكيل العرفي (والرابع عشر) قوله (ومثله الراعي) أي مثل المأمور في التصديق الراعي إذا كان غير مشترك بأن كان خاصًا بواحد أو جماعة فإنه لا يضمن فيما ادعى تلفه بغير تعد ولا تفريط ولو شرط عليه الضمان إن لم يأت بسمة الميت هذا في القديم وأما في عرف الناس اليوم فإنه لا يصدق مثل الراعي المشترك إلا إذا أتى بسمة الميت أو شهدت له بينة على الضياع فإنه حينئذ لا يضمن وبهذا جرى العمل للمصلحة العامة وقلة الديانة وكما لا يصدق في تلفها لا يصدق في ردها هذا كله في الراعي الرشيد وأما غير الرشيد فإنه لا ضمان عليه ولو تعمد إتلاف الماشية كما تقدم في قوله
[ ٤ / ٦٤ ]
ولا ضمان فيه للسفيه (والخامس عشر) قوله (كذا ذو الشركه في حالة البضاعة المشتركه) يعني أن كل واحد من المشتركين مصدق في التلف والخسر وغيرهما في أمر البضاعة المشتركة بينهما لا في غيرها وذلك لأن كل واحد منهما وكيل عن صاحبه والوكيل مصدق كما مر (والسادس عشر) قوله
(وحامل للثقل بالإطلاق وضمن الطعام باتفاق)
يعني أن الحمال إذا ادعى تلف الشيء الذي حمله فإنه يصدق ولا يضمنه إذا كان غير طعام لم يفرط كعلمه بضعف الحبل مثلًا وربط به ما يحمله على الدابة أو على ظهره فانقطع الحبل وسقط المحمول فهلك فإنه يضمن المثل في المثلي كالزيت والقيمة في المقوم كالبلور والأواني والخزائن ونحوها وله من الكراء بحسب ما سار ثم اخرج الناظم الطعام من الإطلاق بقوله وضمن الطعام باتفاق أي اتفاق الفقهاء إلا أن يأتي ببينة تشهد بسرقته مثلًا أو بغصب أو بأمر سماوي من الله تعالى أو كان ذلك بصحبة ربه فلا ضمان عليه حيث لم يكن له سبب في ذلك وقوله
(والقول قولهم بلا يمين والاتهام غير مستبين)
(وقيل من بعد اليمين مطلقا والأول الأولى لدى من حققا)
يعني أن الأمناء المتقدمين حيث كانوا مصدقين فيما تولوه لغيرهم فإن تصديقهم يكون بلا يمين عليهم وهم غير متهمين فإن ظهرت التهمة على واحد منهم وجبت عليه اليمين وقيل القول قولهم من بعد اليمين مطلقًا كان ممن يتهم أم لا قال الناظم والأول الأولى لدى من حققا ورجح بعضهم القول الثاني واقتصر عليه صاحب المتهاج كما في ميارة وقال ابن رحال قال اللخمي الغالب على الناس اليوم التهمة فتجب اليمين إلا على من برز في العدالة وإذا كان هذا في زمانه فكيف بزمان من بعده بمئين اهـ (والسابع عشر) قوله
[ ٤ / ٦٥ ]
(وحارس الحمام ليس يضمن وبعضهم يقول بل يضمن)
قال في المفيد ولا بأس بأجرة صاحب الحمام ولا ضمان عليه ويحلف في مقطع الحق بالله الذي لا إلاه إلا هو ما خان ولا دلس ولا فرط في الحرز ولا ضيع وقد قيل عليه الضمان والأول أشهر عن مالك وكلا القولين معمول به على حسب ما يؤدي إليه الاجتهاد اهـ وفي البزناسني وغيره نقلا عن القلشاني عن شيخه الغبريني أن أبا العباس أحمد بن حيدرة التوزري قاضي الجماعة بتونس حكم بتضمين الحمامي وقوله آخر البيت يضمن بضم أوله وفتح ما قبل آخره مشددًا ثم أنشأ يتكلم على القرض فقال
﴿فصل في القرض وهو السلف﴾
ومعناه في اللغة ما تعطيه غيرك من المال لتقضاه والجمع قروض مثل فلس وفلوس كذا في المصباح. وفي الاصطلاح عرفه الإمام ابن عرفة بقوله القرض دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلًا تفضلًا فقط لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقًا بذمة اهـ (فخرج) بقوله متمول ما ليس بتمول كالخمر والخنزير. وقوله في عوض أخرج به الهبة. وقوله غير مخالف له أخرج به البيع. وقوله لا عاجلًا عطف على مقدر أي حال كونه مؤجلًا لا عاجلًا أخرج به المبادلة المثلية فإنه يصدق عليه الحد لولا الزيادة. وقوله تفضلا مفعول لأجله أي دفعه المقرض تفضلًا منه على المقترض أخرج به قصد نفع نفسه أو أجنبي أو هما معا فإنه لا يجوز (قال) في الوثائق المجموعة السلف الجائز بين المسلمين الذي يراد به وجه الله العظيم ورفق المتسلف فإن أراد صاحبه منفعته ولم يرد به هذا الوجه فلا أجر له الخ. وقوله لا يوجب إمكان عارية لا تحل أخرج به قرض الجارية (وقوله) متعلقًا بذمة اخرج به دفع شاة مثلًا في أخرى بعينها لأجل. واعترض جعل جنس التعريف الدفع مع أن
[ ٤ / ٦٦ ]
القرض يوجد ويلزم بدون دفع لأنه يلزم بالقول وقد يجاب بأن المعنى عقد على دفع متمول. وأشار الناظم إلى حكمه فقال
(القرض جائز وفعل جار في كل شيء ما عدا الجوار)
يعني أن القرض مأذون فيه وهو مستثنى من بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام بالطعام إلى أجل لأنه معروف (وقد) يجب في مجاعة ونحوها. ويحرم إذا كان فيه إعانة على فعل محرم ويكره إذا كان يعين على أمر مكروه وهو مرغوب فيه حتى أنهم قالوا الأصل فيه الندب وقد وردت فيه أحاديث وآثار تدل على أفضليته حتى على الصدقة. والقراض فعل جار في كل شيء يحل تملكه ولو لم يصح بيعه كجلد ميتة مدبوغ ولحم أضحية على أحد قولين وملء الضرف المجهول إلا الجواري خاصة فإنه يجوز تملكهن ولا يجوز قرضهن لأن ذلك يؤدي إلى عارية الفروج لأن المقترض له أن يرد الشيء بعينه بعد الغيبة عليه والانتفاع به ما لم تتغير صفته فلو جاز في الجواري لكان المقترض يستمتع بها ثم يردها فيؤدي إلى إباحة الفروج من غير نكاح ولا ملك وهو أمر لا يجوز فإن وقع ونزل ردها ما لم يطأها فإن فاتت بالوطء كان الواجب عليه قيمتها لا رد مثلها فلهذا إذا أمن الوطء بأن كانت لا تحل للمقترض أو كان صبيًا أو امرأة أو شيخًا فانيًا أو اشترط عليه أن لا يرد عينها وإنما يرد مثلها كما في التوضيح جاز. ومثل الجواري في المنع ما لا يمكن الوفاء بمثله كالدور والأرضين وما لا تحصره الصفة كتراب المعدن والجزاف إلا إذا كان قليلًا كرغيف برغيف. وقوله
(وشرطه أن لا يجر منفعه وحاكم بذاك كل منعه)
يعني أنه يشترط في جواز القرض أن لا بجر منفعة للمقرض بالكسر وعلى هذا فالقرض المقتضي والحاكم بحر المنفعة للمقرض كقرضه شيئًا رديا ليرد له جيدًا كما تقدم في البيوع مستوفي منعه كل فقيه ولا أظن أحدًا من المسلمين يقول بجوازه ثم قال
[ ٤ / ٦٧ ]
(وليس باللازم أن يردا قبل انقضاء أجل قد حدا)
(وإن رأى مسلف تعجيله ألزم من سلفه قبوله)
يعني أن القرض إذا كان لأجل محدود بنص أو عادة فإن لم يكن نص ولا عادة ضرب له أجل بقدر ما ينتفع به كما تقدم في العارية لا يلزم المقترض رده قبل أجله وإن أراد المقترض تعجيله فله ذلك إذا كان مساويًا لما في الذمة لا أقل لما فيه من ضع وتعجل ويجبر صاحبه على قبوله لأن أجل دين القرض من حق من هو عليه وسواء كان الدفع في بلد القرض أو في غيره حيث كان عينًا والطريق مأمونة لأنه لا كلفة في حمل العين وما شاكلها كالجواهر النفيسة. وإن كان عرضًا أو طعامًا فإنه لا يلزم بقبوله إلا إذا كان في بلد القرض لا في غيره لكلفة الحمل ثم قال
﴿فصل في العتق وما يتصل به﴾
روى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه (والعتق) بكسر العين اسم من العتاق فعله عتق كضرب ويتعدى بالهمزة فيقال أعتقته فهو معتق ولا يتعدى بنفسه فلا يقال عتقته ولا عتق العبد مبني للمفعول ولا اعتق هو بالألف مبني للفاعل بل الثلاثي لازم والرباعي متعد ولا يجوز عبد معتوق بل يقال عتيق فعيل بمعنى مفعول وجمعه عتقاء ويقال أمة عتيق وربما يقال عتيقة والجمع عتائق كذا في المصباح ثم شرع الناظم يتكلم على بعض أسبابه فقال
(العتق بالتدبير والوصاة وبالكتابة وبالبتات)
(وليس في التدبير والتبتيل إلى الرجوع بعد من سبيل)
يعني أن العتق على أربعة أوجه (الأول) التدبير وهو تعليق العتق بالموت لا على
[ ٤ / ٦٨ ]
وجه الوصية كأن يقول السيد لعبده أنت حر عن دبر مني أو أنت حر بعد موتي بالتدبير ونحو ذلك من الألفاظ الدالة عليه (الثاني) العتق بالوصية وهو الذي عبر عنه الناظم بالوصاة بفتح الواو وذلك كقوله إن قدر الله عليه بالموت فعبدي فلان حر أو اعتقوه ونحو ذلك (الثالث) العتق بالكتابة وهو العتق على مال مؤجل يدفعه العبد لسيده أقساطًا بحيث يكون عتقه موقوفًا على أدائه كله كما يأتي (الرابع) العتق الناجز وهو الذي عبر عنه بالبتات كقول السيد لعبده أنت حر أو معتق. وإذا أراد السيد الرجوع في العتق بالتدبير أو العتق الناجز فلا سبيل له إلى ذلك وأما العتق بالوصية فله الرجوع عنه على الأصل ثم بين معنى الكتابة بقوله
(والعتق بالمال هو المكاتبه وما له بالجبر من مطالبه)
قد تقدم شرح الشطر الأول من البيت وأما الشطر الثاني فمعناه أن السيد لا يجبر عبده على الكتابة كما أن العبد لا يجبر سيده عليها وإنما تصح برضاهما معًا وما نافية وضمير له لواحد منهما لتقدم ذكرهما باللزوم إذ العتق يستلزمهما ومن زائدة بعد النفي لا تتعلق بشيء ومطالبة مبتدأ مؤخر وله خبر مقدم وبالجبر متعلق بمطالبة ومن أسباب العتق قوله
(ومعتق للجزء من عبد له مطالب بالحكم أن يكمله)
يعني أن من كان له عبد يملك جميعه فاعتق جزءًا منه كثلثه أو يده فإن العتق يسري لباقيه ويعتق جميعه بحكم الحاكم وسواء كان موسرًا أو معسرًا وهذا يسمى في الاصطلاح العتق بالسراية بكسر السين كالذي في قوله
(وحظ من شاركه يقوم عليه في اليسر وعتق يلزم)
يعني أن من كان يملك جزأ من عبد كنصف أو ثلث فاعتق ما يملكه منه فإنه يقوم عليه نصيب شريكه ويدفع تلك القيمة للشريك ويعتق عليه جميعه بشرط يسره فإن
[ ٤ / ٦٩ ]
لم يكن موسرًا فلا يقوم عليه ويبقى نصيب شريكه رقيقًا ويسمى مبعضًا ومنها العتق بالمثلة وإليه أشار بقوله
(وعتق من سيده يمثل به إذا ما شأنه يبتل)
قال الشيخ في الرسالة ومن مثل بعبده مثلة بينة من قطع جارحة ونحوه عتق عليه وقوله ما بعد إذا زائدة وقوله شأنه أي عابه التمثيل ثم قال
(ومن بمال عتقه منجم يكون عبدًا مع بقاء درهم)
يعني أن العبد إذا اعتقه سيده على مال منجم يدفعه له شيئًا فشيئًا مشاهرة مثلًا فإنه لا يخرج حرًا حتى يدفع جميع ما عليه ولا يزال مملوكًا ولو لم يبق عليه إلا درهم واحد قال في الرسالة والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم واحد اهـ والأولى أن يكون هذا البيت مع قوله السابق والعتق بالمال هو المكاتبة الخ وقوله ومن بمال الخ من مبتدأ وصلته عتقه بمال ومنجم صفة مال وجملة يكون خبر وقوله
(والقول للسيد في مال حصل والحلف في جنس وقدر وأجل)
يعني أنه إذا وقع اختلاف بين المكاتب وسيده فأدعى المكاتب إنه دفع الكتابة لسيده وأنكر السيد الدفع فالقول للسيد بيمينه واختلف في جنس المال المكاتب به أو في قدره أو في الأجل هل القول قول السيد أيضًا مع يمينه أو قول العبد وهو ما درج عليه صاحب المختصر حيث قال والقول للسيد في الكتابة والأداء لا القدر والأجل والجنس أنظر ما قالته الشروح هناك فلا نطيل بذكره هنا لو هو معلوم والله أسأل أن يكشف عنا الهموم والغموم ثم قال
(وحكمه كالحر في التصرف ومنع رهن وضمان اقتفي)
يعني أن حكم المكاتب في تصرفاته كالحر يبيع ويشتري ويشارك ويقارض إلى غير ذلك ولا يجب علي إتيان برهن أو ضامن في دين الكتابة وأنه لا يجوز لأنه ليس من سنة
[ ٤ / ٧٠ ]
الكتابة (قال) المواق قيل ثمانية لا يجوز التحمل بها الكتابة والصرف والقصاص والحدود والتعزير ومبيع بعينه وعمل أجير يعمل بنفقته وحمولة دابة بعينها أي حملها والله أعلم (ولما) ذكر باب التبرعات وما ألحق بها أعقبها بالكلام على باب الرشد والأوصياء والحجر وما ذكر معها لا بينهما من المناسبة وهي شرطية الرشد فيها وعدم الحجر بصبا أو جنون أو تبذير أو فلس أو مرض مخوف أو نكاح في الزوجة أو رق أو ردة إلى غير ذلك من الموانع فقال