وما يتعلق بذلك
أي هذا باب في بيان من يقبل من الشهود ومن لا يقبل منهم وبيان ما يقبل من أنواع الشهادات الخمسة وما لا يقبل وبيان ما يتعلق بذلك من تعارض البينات وعقلة المدعى فيه وكيفية العقلة. والشهود جمع شاهد من الشهادة. وهي في اللغة الإخبار بما قد شوهد قاله في المصباح. وقال ابن العربي وغيره وردت الشهادة بأنواع مختلفة (منها) قول الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ قيل معناه احضروا. ومنها قوله تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ أي قضى. ومنها شهد بمعنى أقر كقوله والملائكة يشهدون وقوله تعالى ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ وقول الشاعر
ومليحة شهدت لها ضراتها والفضل ما شهدت به الأعداء
ومنها شهد بمعنى حكم قال الله تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ الآية وفي هاته الآية الشريفة دليل جواز الحكم بالعرف والعادة وقرائن الأحوال وهو الشاهد العرفي الآتي ذكره عند قوله الناظم.
وها هنا عن شهادته قد يغني إرخاء ستر واحتياز رهن. البيت.
ومنها شهد بمعنى حلف كما جاء في اللعان. ومنها شهد بمعنى عام كما قال الله تعالى ﴿ولا تكتم شهادة الله﴾ أي علم الله. ومنها شهد بمعنى حضر للتحمل كقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ وقيل معناه وصى. وفي الشرع قال ابن فرحون أخبار يتعلق بمعين وبقيد التعيين تفارق الرواية انتهى. وقال الإمام ابن عرفة الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعه الحكم بمقتضاه أن عدل قائله مع تعدد أو حلف طالبه (فقول) الشيخ رحمه الله تعالى
[ ١ / ٦٤ ]
قول جنس أعم من الكلام والكلمة والكلم والخبر أخص منه لأنه أخص من الكلام الذي هو أعم من الخبر. وقوله هو بحيث جملة إسمية صفة لقول وإنما عبر بذلك وأتى بالحيثية ليدخل فيه الشهادة قبل الأداء والشهادة غير التامة. وقوله يوجب على الحاكم يخرج به الرواية والخبر القسيم للشهادة ولم يقل القاضي لأن الحاكم أعم من القاضي لوجوده في المحكم والأمير وشبه ذلك. وقوله أن عدل قائله شرط في إيجاب الحكم والجملة حال أخرج به مجهول الحال. وقوله مع تعدده اخرج به إخبار القاضي بما ثبت عنده قاضيًا آخر فإنه يوجب عليه الحكم بمقتضاه لكن لا يشترط فيه تعدد أو حلف فلو زاد أو ما يقوم مقامه أي مقام القول لشمل التعريف بالشهادة بالخط وشهادة الإيماء كالأخرس ونحوهما كذا في الرصاع (والأصل) في مشروعيتها الكتاب قال الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾. وقال تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾. وقال تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون﴾. وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية﴾ الآية. والسنة قال ﵊ شاهداك أو يمينه وقال أنتم شهداء الله في أرضه فمن أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار وقال لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث (وحكمة) مشروعيتها لطف الله ﷾ بعباده لصيانة الحقوق من أنساب وأديان وأعراض وأموال وأبدان فهي من الضروريات الحاجية كالإمامة الكبرى وما يتفرع عنها من القضاء ونحوه والشهادة منصبها عظيم وخطرها جسيم خصوصًا في هذا الزمان فإن كثيرًا ممن يتعاطاها لا يتحاشى عن الأمر الذميم الذي يكون سببًا في عذابه الأليم (وحكمها) له حالتان حالة تحمل وحالة آداء فأما التحمل وهو أن يدعى الشاهد ليشهد ويستحفظ الشهادة كالمنتصبين لها فإنها فرض كفاية يحمله بعض الناس عن
[ ١ / ٦٥ ]
بعض إذا وجد وإلا تعين. وأما الأداء وهو أن يدعى ليشهد بما في علمه فإن ذلك واجب لقول الله تعالى ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾. وقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾. ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا. ويتوقف أداؤها على الاستدعاء إذا كان المشهود به حقًا لغير الله على خلاف فيه أما إذا كان حقًا لله تعالى فإنه يجب عليه أن يبادر بأدائها عند الحاكم بدون استدعاء اتفاقًا إذا كان مما يستدام تحريمه كحبس وطلاق ورضاع والعفو عن القصاص بقدر الإمكان فإن أمكنه الآداء ولم يبادر فسق وسقطت شهادته. ولكل واحد من شاهدي الآداء والتحمل شروط بحيث لا تقبل شهادته إلا بها (فشاهد) الأداء يشترط فيه أن يكون بالغًا عاقلًا حرًا مسلمًا عدلًا متيقضًا بحيث لا تتمشى عليه الحيل وإليها أشار الناظم بقوله
(وشاهد صفته المرعية عدالة تيقض حرية)
إذ لا يخفى أن العدالة تستلزم الإسلام والعقل والبلوغ استلزامًا اصطلاحيًا (فالعدالة) عرفها ابن الحاجب بقوله صفة مظنة لمنع موصوفها البدعة وما يشينه عرفًا ومعصية غير قليل الصغائر فقوله صفة مظنة أي صفة ذات مظنة. وقوله لمنع موصوفها متعلق بالمظنة ومنع مضاف وموصوفها مضاف إليه. والبدعة معلومة شرعًا وهو الأمر المحدث منصوب على أنه مفعول بالمصدر الذي هو المنع. وقوله عرفًا منصوب على إسقاط الخافض أي في العرف أشار به إلى السلامة من ترك المروءة كالأكل في السوق إلى غير ذلك أخرج به ما لا يشينه في عرفه والعرف في ذلك يختلف بحسب البقاع والمكان والحال والزمان. وقوله ومعصية بالنصب عطف على البدعة والمعصية تشمل الكبائر والصغائر. وقوله غير قليل الصغائر بالنصب على الاستثناء والمستثنى منه معصية أخرج به القليل من الصغائر فإنه غير ضار في العدالة إلا إذا كانت صغيرة خسة فإنها تضر كالكبيرة كما يأتي بسطه في البيت بعد هذا (إما) اشتراط تيقض الشاهد فإن لم يكن متيقضًا فطنًا فلا يخلو حاله أما أن يكون بليدًا
[ ١ / ٦٦ ]
أو غبيًا فإن كان بليدًا أبله وهو الذي ليس له فكر يحركه فهذا لا تقبل شهادته في كل شيء البتة وإن كان غبيًا أو غلبت عليه الخيرية والأمانة وهو من له فكر لكن لا يحركه وإن حركه يتفطن فهذا لا تقبل شهادته في الأمور التي تتأتى فيها الحيل كالإقرارات وأما ما لا تتأتى فيه الحيل كقوله رأيت هذا يقطع يد هذا فإنها تقبل وفي قبول شهادة المولى عليه الفطن وعدم قبولها وبه العمل قولان. وأما اشتراط العدالة فلأن الفاسق بجارحة أو اعتقاد لما كان عاصيًا بمخالفة فروع الإيمان فلا تقبل شهادته لأنه لا يتوقى الكذب. وقد قال الله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقال ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وقال ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ فأنبأنا ربنا تعالى بما أنعم به علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطة الشهادة على جميع الخليقة فجعلنا أولًا مكانًا وإن كنا آخرًا زمانًا كما قال النبي ﷺ نحن الآخرون السابقون فهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ولا ينفد على الغير قول الغير إلا أن يكون عدلًا قاله ابن العربي. وأما اشتراط الإسلام فلقوله تعالى ﴿شهيدين من رجالكم وممن ترضون من الشهداء﴾ والكافر ليس فيه شيء من هذه الصفات ومن العلماء من أجاز شهادته في الوصية في السفر لقوله تعالى ﴿أو آخران من غيركم﴾. وفي آثار المدونة مما أسنده ابن وهب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض وتجوز شهادة المسلمين عليهم انتهى. وأما اشتراط الحرية على المذهب فلقوله ﷾ ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا (قال) أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى قال علماؤنا هذا دليل على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم وهذا أمر انبنى عليه الشرع فعمل به في كل زمن وفهمته كل أمة ومن أمثال العرب في بيته يؤتى الحكم وعلى خروج العبد من جملة الشهداء لأنه لا يمكنه أن يجيب ولا يصح له أن يأبى لأنه لا استقلال له في نفسه وإنما يتصرف بإذن غيره فانحط عن منصب الشهادة كما انحط عن منصب الولاية وعن فرض الجمعة انتهى (قلت) إنما ينهض هذا لو جعل دليلًا على سقوط وجوب
[ ١ / ٦٧ ]
المشي لا على قبولها بدليل أنه لو صلى ظهره جمعة مع الجماعة لصحت صلاته تأمل وقيل في تعليل عدم قبول شهادته غير هذا وكله ليس بظاهر ولهذا أجازها بعض العلماء. وأما اشتراط العقل فلأن عدمه يؤدي إلى عدم الضبط وينافي التكليف. وأما اشتراط البلوغ فلأن الشاهد مكلف بالأداء ولا تكليف مع الصبي ولأن الصبي لعلمه رفع القلم عنه لا يتوقى الكذب فلا تجوز شهادته ولا اختلاف إلا ما اختلف في ذلك من قبوله في الدماء (وشاهد) التحمل يشترط فيه أن يكون مميزًا متيقضا صغيرًا كان أو كبيرًا حرًا كان أو عبدًا مسلمًا كان أو كافرًا عدلًا كان أو فاسقًا فمن تحمل ي شهادة كانت وإن خطأ أو عقد نكاح لأن الإشهاد ليس بركن منه ولا بشرط في صحته كما في الرهوني وغيره وهو زمن التحمل مميز فطن غير أنه صغير أو عبد أو كافر أو فاسق ثم أدى شهادته بعد زوال المانع فإن بلغ أو عتق أو أسلم أو حسنت حالته وصار عدلًا فإنها تقبل لأن المعتبر عند العلماء زمن الأداء لا زمن التحمل كما يأتي في كلام الناظم إلا العقل فإنه شرط زمن الأداء وزمن التحمل تنبيهات (الأول) ومن المجموعة روى ابن وهب عن مالك في الذي يخنق أن كان يفيق إفاقة يعقلها جازت شهادته وبيعه وابتياعه وطلاقه في إفاقته فأما الذي لا يكاد يفيق فلا يجوز له شيء من ذلك (الثاني) هل يشترط في الشاهد عدم الحجر عليه وهو المختار وبه العمل أو لا يشترط فيه ذلك وقد تقدم ذكره ولعل الناظم ذهب إليه حيث لم يذكره مع الشروط خلاف (الثالث) تجوز شهادة الأعمى في الأقوال دون الأفعال كما يجوز للشاهد البصير أن يشهد على المرأة من وراء حجاب قد عرفها وعرف صوتها وأثبتها. وتجوز شهادة الأصم في الأفعال دون الأقوال ومثله الأخرس إذا فهمت إشارته (الرابع) كتب الشهادة هل هو فرض على الكاتب أو لا خلاف قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى عند قول الله ﷿ ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ الآية يريد يكون صكا ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الآجال
[ ١ / ٦٨ ]
والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشرع الكتاب والإشهاد وكان ذلك في الزمن الأول. وقوله فاكتبوه إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفاته المبينة له المعربة عنه المعرفة للحاكم فيما يحكم عند ارتفاعهما إليه. وقوله تعالى ﴿ولا يأبى كاتب أن يكتب كما علمه الله﴾ (فيه) أربعة أقوال الأول أنه فرض على الكفاية كالجهاد والصلاة على الجنائز قاله الشِعبي (الثاني) أنه فرض على الكاتب في حاله فراغه قاله بعض أهل الكوفة (الثالث) أنه ندب قاله مجاهد وعطاء (الرابع) أنه منسوخ قاله الضحاك. والصحيح أنه أمر إرشاد فلا يكتب حتى يأخذ حقه. وقوله تعالى ﴿وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾ قال علماؤنا إنما أملى الذي عليه الحق لأنه المقر به الملتزم له فلو قال الذي له الحق لي كذا وكذا لم ينفع حتى يقر الذي عليه الحق فلأجل ذلك كانت البداءة به لأن القول قوله وإلى هاته النكتة وقعت الإشارة بقوله ﷺ البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقوله تعالى ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا فليملل وليه بالعدل أي ولي السفيه أو الضعيف﴾ وهذا يدل على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله فيما أملاه إذا ثبت هذا فلن تصرف السفيه المحجور دون ولي فإن التصرف فاسد إجماعًا مفسوخ أبدًا لا يوجب حكمًا ولا يؤثر شيئًا. وأن تصرف سفيه لا حجر عليه فاختلف علماؤنا فيه فابن القاسم يجوز فعله وعامة أصحابنا يسقطونه والذي أراه من ذلك أنه أن تصرف بسداد نفذ وإن تصرف بغير سداد بطل وأما الضعيف أي الغبي الأبله فربما بخس في البيع وخدع ولكنه تحت النظر كائن (الخامس) الشاهد الذي ينتصب لكتب الوثائق بين الناس أخص من العدل إذ يشترط فيه شروط أخر قال الونشريسي في المنهج الفايق لا يجوز للولات أن ينصبوا لكتابة الوثائق إلا العدول المرضيين قال مالك ﵁ لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها عدل في نسفه مأمون لقول الله تعالى ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ وفي الغرناطية يعتبر في الموثق عشر خصال متى
[ ١ / ٦٩ ]
عري عن واحد منها لم يجز أن يكتبها. وهي أن يكون مسلمًا عاقلًا متجنبًا للمعاصي سميعًا بصيرًا متكلمًا يقضنا عالمًا بفقه الوثائق سالمًا من اللحن وإن تصدر عنه بخط بين يقرأ بسرعة وبسهولة وبألفاظ بينة غير محتملة ولا مجهولة. وزاد غيره أن يكون عالمًا بالترسيل لأنها صناعة إنشاء فقد يرد عليه ما لم يسبق بمثاله. وأن يكون عنده حظ من اللغة وعلم الفرائض والعدد ومعرفة النعوت وأسماء الأعضاء. وعن ابن مغيث يجب على مرسم الوثيقة أن يجتنب في ترسيمها الكذب والزور وما يؤدي إلى ترسيم الباطل والفجور فإن الناقد بصير يسأله عند وقوفه بين يديه عن النقير والقطمير وقد تمالا كثير من الناس على التهاون بحدود الإسلام والتلاعب في طريق الحرام ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. وقد قال ابن أبي زمنين رحمه الله تعالى
أيا ذا الوثائق لا تغرر بما في يديك من المرتقب
فإنك مهما تكن عاقدًا لزور تزخرفه أو كذب
فإن العظيم محيط به ويعلم من وراء الحجب
فكن حذرًا من عقوبته ومن هول نار ترى تلتهب
ولا تنس أهوال يوم اللقا فكم فيه من روعة ترتقب
(ثم قال) الونشريسي اعلم أن علم الوثائق من أجل العلوم قدرًا وأعلاها إقامة وخطرً إذ بها تثبت الحقوق ويتميز بها الحر والرقيق ويتوثق بها ولذا سمي الكاتب الذي يعانيها وثاقا. وفي صحيح مسلم وغيره أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب الصلح يوم الحديبية بين يدي النبي ﷺ (ابن) فرحون هي صناعة جليلة شريفة وبضاعة عالية منيفة تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية وحفظ دماء المسلمين وأموالهم والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم ومجالسة الملوك والاطلاع على أمورهم وعيالهم وبغير هذه الصناعة لا ينال أحد ذلك ولا يسلك هذه المسالك (ابن عبد السلام) بعد كلام له وبالجملة أن الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات
[ ١ / ٧٠ ]
خسيسة وذلك لأنهم ألحقوها بأخس الحروف ولم يتمسكوا من الطلب بأدنى طرف وفي مثلهم قيل
إن الكساد قد استولى على الكتبه لا عقد في بيع فدان ولا عتبه
أخسس بحرقة قوم رأس مالهم حبر تبدده في صفحة قصبة
(السادس) لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما يجوز في مذهبه كذا في الزرقاني عند قول المصنف وعوقبا والشهود (قلت) محله إذا لم يأذن له حاكم شرعي يرى في مذهبه جواز ذلك كبيع الكمشة المجهولة وإلا جاز له أن يشهد ويضمن إذنه في الرسم وبه العمل (السابع) اختلف في جواز أخذ الأجرة على كتب الوثيقة والأصح الجواز وتقدمت الإشارة إليه في كلام ابن العربي عند الكلام على حكم الكتابة وعلى الجواز فتكون بما وقع الاتفاق عليه من قليل أو كثير. وفي وقتنا هذا جعل لكل كتب من الرسوم أجر معلوم لا يتعداه الشاهد عند التشاح بأمر من الأمير قطعًا للنزاع. وفي الأحكام للباجي وأجرة كاتب الوثيقة على الدافع أو على من هي المنفعة له ولو كانت لهما جميعًا كانت عليهما وسيأتي الكلام على ما إذا كانت الجماعة في وثيقة واحدة وسهامهم مختلفة عند قول الناظم
وأجر من يقسم أو يعدل على الرؤس وعليه العمل
كذلك الكاتب للوثيقة للقاسمين مقتف طريقه
وقيل أنها على قدر الأنصباء كالشفعة وضارب الفريضة قال الباجي في وثائقه وبه العمل فهما قولان عمل بكل منهما والذي تميل إليه النفس قول الباجي قال التسولي وبه العمل اليوم. وأما أخذ الأجرة على تحمل الشهادة فقول الله تعالى ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ وقوله تعالى ﴿وأقيموا الشهادة لله﴾ يقتضي عدم أخذ الأجرة على التحمل وقال في المناهج شهادتهم ساقطة لأنهم لم يفعلوها لله بل الشاهد ساع لنفسه ومقتنم لفلسه. وأما أخذ الأجرة على الأداء فلا إشكال في التحريم قال الله تعالى ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ قال بعض الأئمة
[ ١ / ٧١ ]
ولا يستحق الشاهد أجرًا يعني على الأداء من باب الاستتجار على الواجب عليه فيكون من أكل المال بالباطل وهو حرام إجماعًا والعدل لا يرتكب المحرمات ولا ما يخل بالمروءة بل الواجب عليه أن يتجنب جميع ذلك وإليه أشار الناظم بقوله
(والعدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر)
(وما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان)
يعني أن الشاهد الذي يستحق أن يسمى عدلًا وأن تجوز شهادته شرعا هو من وجدت فيه القيود المتقدمة ويجتنب معها الذنوب الكبائر الآتي بيانها وصغائر الخسة كسرقة لقمة وكعكة اجتنابًا دائمًا ويتقي في غالب أحواله صغائر غير الخسة كالنظرة للأجنبية لعسر الاحتراز منها ويجتنب ما أبيح بالنظر إلى الأصل في حكم الشرع من الأقوال والأفعال التي صار ارتكابها واستعمالها بحسب العرف والعادة أمرًا مستقبحًا يشين ذوي الهيئات ويسلب عنهم المروءة وكل ما يسلب المروءة وينافيها حرام باعتبار ما يعرض له من القدح فيه وبطلان شهادته لأن من لا مروءة له لا يؤمن على ترك المعاصي وتقدمت الإشارة إلى هذا قريبًا وسيأتي في شرح المروءة أمثلة من ذلك سئل الشاطبي من أولياء الله فقال شهود القاضي لأنهم لا يأتون كبيرة ولا يواظبون على صغيرة فإن كانت الشهادة بهذه الصفة فلا شيء أجل منها وإن كانت خطة فلا شيء أخس منها وكان يرى أن جنايات الشاهد في صحيفة من يقدمه لحديث من سن سنة حسنة أه أحمد بابا (قال) أبو عبد الله بن المديني عرف قنون في حواشيه على الزرقاني العدل عند المحدثين من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة وأن عبدًا أو امرأة. وأما من تقبل شهادته ففي الحطاب هو المجتنب للكبائر المتوقي لأكثر الصغائر إذا كان ذا مروءة وتمييز متيقضا متوسط الحال بين البغض والمحبة يريد لأن الفرط في المحبة يقوي تهمة من شهد له كالآباء والأزواج والفرط في البغض كالعدو والخصم يقوي تهمته في الشهادة عليه اهـ. والكبائر كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق
[ ١ / ٧٢ ]
والسحر وشهادة والزور والغيبة والنميمة (ومعنى) المروءة هي المحافظة على فعل مباح يوجب تركه الذم عرفا كترك الانتعال وتغطية الرأس وعلى ترك مباح يوجب فعله الذم عرفا كالأكل في الشوارع عندنا أو في السوق أو في حانوت الطباخ لغير الغريب والحرف الرديئة لغير أهلها كالجزارة والدباغة هذا أن كان تلبسه بتلك الحرف اختيارًا ولم يكن من أهلها وإلا فلا تكون جرحة فيه قال بعض العلماء فلو مشي الإنسان حافيًا وبغير عمامة بالكلية مما هو مباح لكن العادة خلافه فينظر في أمره فإن أراد بذلك كسر نفسه عن الكبر لم يكن ذلك جرحة في حقه وكذلك أن صنعها ليدخل بها السرور على الفقراء أو يتصدق بما يأخذ في مقابة تلك الصنعة فإنها حسنة وإن كانت على جهة الاستهزاء بالناس وعدم الاكتراث بهم فهو جرحة وأما حمل الإنسان متاعه من السوق فهو من السنة لقوله ﵊ صاحب الشيء أحق به أن يحمله وذلك حين اشترى السراويل وأراد بعض الصحابة أن يحملها عنه وأظنه السيد أبا بكر ﵁. وليس المرد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة المركوب وحسن الهيئة واللباس بل المراد التصون والسمت الحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق بمثله لا يحافظ معه على دينه وإن لم يكن في نفسه جرحة فمن ترك اللباس المحرم أو المكروه الخارج عن السنة لا يكون جرحة في شهادته كلباس فقهاء هذا الزمن من تكبيرهم العمائم في قنون تنبيه قال ابن مرزوق اضطرب رأي المتأخرين في المروءة هل هي زائدة على حقيقة العدالة حتى أنها كصفات الكمال الزائدة على الحقيقة أو هي من تمام حقيقتها وهو الأظهر خلاف (ولما) كانت كيفية القضاء من أركانه كما تقدم وأن منها معرفة البينة والتعديل والتجريح واليمين شرع في بيان ذلك فقال
(فالعدل ذو التبريز ليس يقدح فيه سوى عداوة تستوضح)
[ ١ / ٧٣ ]
(وغير ذي التبريز قد يجرح بغيرها من كل ما يستقبح)
(ومن عليه وسم خير قد ظهر زكى إلا في ضرورة السفر)
(ومن بعكس حاله فلا غنى عن أن يزكي والذي قد أعلنا)
(بحالة الجرح فليس تقبل له شهادة ولا يعدل)
(وإن يكن مجهول حال زكيًا وشبهة توجب فيما ادعيا)
الأبيات الستة قاعدتان (الأولى) هل الناس عند جهل حالهم محمولون على العدالة أو على الجرحة وهو مذهبنا خلاف (الثانية) هل العدالة حق الله تعالى يجب على الحاكم أن لا يحكم حتى يحققها وعليه أكثر أهل العلم أو حق للخصم فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا خلاف إذا تقرر هذا علمت الفروع التي ذكرها الناظم هنا على ي شيء بنيت (وحاصل) ما ذكره في هاته الأبيات هو أن الشاهد العدل المبرز وهو الفائق في العدالة لا يحتاج فيه إلى تعديل لأن تعديله يؤدي إلى تحصيل الحاصل أو إلى التسلسل وكل منهما محال وأن المشهود عليه إذا طلب الطعن فيه بكل قادح فإنه لا يمكن منه لأن الواقع يكذبه فدعواه لا تسمح وإنما له أن يقدح فيه بالعداوة الدنياوية الواضحة كالخصومة والهجرة الطويلة لا العداوة الدينية فإنها لا تضر وصاحبها مأجور ولهذا جازت شهادة المسلم على الكافر كما تقدم لأنها عداوة عامة وهي لا تؤثر فإن وقعت بينهما عداوة دنيوية فإن شهادته عليه لا تجوز ومثل العداوة الواضحة القرابة الأكيدة كما يأتي في موانع الشهادة. والشاهد العدل إذا كان غير مبرز فلا يحتاج فيه إلى تعديل كذلك غير أنه يجرح فيه بالعداوة الواضحة والقرابة الأكيدة وغيرهما من كل ما يستقبح كشرب وسرقة وغصب وكذب وترك الصلاة ونحوها من أنواع التجريح أن طلب الخصم ذلك. والشاهد الذي تظهر عليه علامة الخير والدين بشهود الصلوات في المساجد ولا يعرف بأمر قبيح ولم تتحقق عدالته فلا بد من تزكيته ولا تقبل شهادته بدونها لحمل الناس على الجرحة لا على العدالة إلا
[ ١ / ٧٤ ]
في السفر فتقبل للضرورة. والشاهد الذي يعكس حال هذا وهو من ظهر عليه وسم الشر ولم يتحقق فسقه فلا تقبل شهادته حتى يزكى ولو في سفر فهو بالنسبة لما قبله من باب أولى. والشاهد الذي أعلن بالفسوق والفجور فلا تقبل شهادته ولو علم الحاكم بصدقه كما تقدم لأن العدالة حق الله تعالى فلا يجوز إسقاطها ولا يصح تعديله لأن الواقع يكذبه. والشاهد الذي يكون مجهول الحال بأن لم يظهر عليه ما يدل على الخير ولا ما يدل على الشر فلا بد من تزكيته كذلك ولو في سفر ولا تقبل شهادته بدونها. وحيث توقف قبول شهادة المذكورين في الفروع الثلاثة على التزكية فإن شهادتهم لا تلغى قبلها بحيث لا توجب شيئًا بل توجب شبهة في كون المدعى فيه للمدعي وإلى هذا أشار بقوله وشبهة توجب فيما ادعيا فإذا شهد اثنان بحق وكانا ممن لا يحكم بشهادتهما إلا بعد التزكية عقل ذلك الشيء المدعى فيه كما يأتي إلى أن تثبت التزكية فيحكم بها أو يعجز عنها فتضمحل الشبهة باضمحلال الشهادة فترفع العقلة. وقوله شبهة بالنصب مفعول توجب وفاعله ضمير يعود على الشهادة وألف زكيا وادعيا للإطلاق قوله
(ومطلقا معروف عين عدلا والعكس حاضرا وإن غاب فلا)
يعني أن الشاهد الذي أريد تعديله أما أن يكون معروفًا عند القاضي أو من يقوم مقامه في تحرير الشهادة أو غير معروف عنده فإن كان معروف العين في البلد بحيث لا يشتبه في اسمه وصفته بغيره فإنه يعدل سواء كان حاضرًا مجلس القاضي أو غائبًا عنه وإن كان غير معروف العين عند القاضي أو من يتنزل منزلته في نقل الشهادة وهو المراد بالعكس فلا يعدل إلا حاضرا على عينه وإن غاب عن مجلس القاضي فلا يجوز ذلك لأنه لا يعرفه والحكم على الشيء فرع تصوره (ففي القرافي) أن رجلين شهدا عند عمر فقال لا أعرفكما ولا يضركما أن لا أعرفكما فجاء رجل فقال أتعرفهما قال نعم قال له أكنت معهما في سفر يتبين عن جواهر الناس قال لا قال فأنت جارهما
[ ١ / ٧٥ ]
تعرف صباحهما ومساءهما قال لا قال أعاملتهما بالدراهم والدنانير التي تقطع بها الأرحام قال لا قال ابن أخي ما تعرفهما ائتيان بمن يعرفكما انتهى وفي هذا دليل على أن الناس محمولون على الجرحة وإلا لقبلهما بدون تزكية ثم أشار الناظم إلى القدر الذي يجزئي من شهود التعديل والجرح فقال
(وشاهد تعديله باثنين كذاك تجريح مبرزين)
(والفحص من تلقاء قاض قنعا فيه بواحد في الأمرين معا)
يعني أن التعديل أو التجريح لا يكون إلا بشهادة رجلين عدلين مبرزين لا بامرأتين ولو لنساء ولا برجل وامرأتين ولا بواحد ويكونان معتمدين في شهادتهما بالتعديل على طول عشرة بالمجاورة والمخالطة ووقع التساهل اليوم في قبول التعديل والتجريح من مطلق معدل أو مجرح حرصًا على ما يأخذه الناقل الموثق من الأجر وما كان ينبغي لقضاة العدل ذلك بل الواجب عليهم تحرير الشهادة بأنفسهم فرحم الله الشيخ إبراهيم بوعلاق التوزري الزبيدي في قوله
باشر بنفسك أمر الملك سيدنا فإن توكيل بعض الناس تهميل
ومحل كون التعديل والتجريح لا يكون إلا بمبرزين فيما إذا كان ذلك علانية أما إذا كان البحث عن الشاهدين من جهة القاضي سرا لموجب فإنه يقنع فيه بعدل واحد فيهما لأنه من باب الخير (وكيفية) البحث هو أن يسأل القاضي عن حالة الشاهد من يظن أنه خبير بحاله من جيرانه وأهل خلطته ومكانه وقيل لا يكتفي في الباطن بأقل من عدلين وبه العمل (قال) الشيخ ابن رحال والذي اعتمده الناس اليوم التعديل والتجريح في الظاهر وأهملوا ذلك في السر. وقال في الاستذكار وأول من سأل سرا ابن شبرمة قال كان الرجل إذا قيل له هات من يزكيك فيأتي القوم فيستحيون منه فيزكونه فلما رأيت ذلك سألت في السر فإذا صحت شهادته قلت هات من يزكيك في العلانية قاله في التوضيح إذا تقرر لك هذا ظهر لك جليًا أن الجمع
[ ١ / ٧٦ ]
بينهما أحوط. وقوله وشاهد مبتدأ وجملة تعديله باثنين خبر ووصف اثنين محذوف أي مبرزين وكذا كخبر مقدم وتجريح بالتنوين مبتدأ مؤخر ومبرزين يجوز فيه كسر الراء وفتحها صفة لموصوف محذوف أي باثنين مبرزين فهو من باب الاحتباك بحذف كل ما أثبت نظيره في الآخر لا أنه صفة لاثنين المذكور لأنه يؤدي إلى الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو لا يجوز عند النحويين لأنهما كالشيء الواحد وقنع بضم أوله وكسر ثانيه مبني للنائب وفيه متعلق به وبواحد نائب فاعل وفي الأمرين متعلق بقنع أيضا ومعا حال من الأمرين فلو قال الناظم رحمه الله تعالى
وشاهد معدلاه اثنان أن برزا كذا المجرحان
والفحص من تلقاء قاض لا يقل عن شاهدين وبه جرى العمل
لكان أولى قوله
(ومن يزكي فليقل عدل رضى وبعضهم يجيزان يبعضا)
يعني أن التزكية لا تكون إلا بهذين اللفظين معا وهو أن يقول المزكي بكسر الكاف في المزكى بفتحها هو عدل رضى وهذا هو التعديل التام على القول المشهور المعمول به لقول الله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ وقوله ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ فالعدالة تشعر بسلامة الدين والرضى يشعر بالسلامة من البله. فلهذا كان الجمع بينهما واجبًا. ونقل عن بعضهم جواز الاكتفاء بأحد اللفظين. وفهم من قوله فليقل عدل رضى أنه لو قال ممن تقبل شهادتهم أو يقضي بشهادته أو نعم الرجل أو رجل دين أو خير لا يكون تزكية. وقد رأيت بعض الموثقين يكتفي بقول المزكي هو رجل مليح خير ويكتب في الرسم بدله عدل رضى حرصًا على أخذ المال القليل العاجل ولا ينظر عقاب الله بوعيده الأجل لأنه من الزور المحض الذي لا يفعله إلا أهل الأهواء والجنون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون تنبيهان (الأول) لا يجب على شاهد التعديل ذكر أسباب العدالة لأنها ظاهرة لا تخفى على أحد ولذلك لم يختلف الناس في الأوصاف الموجبة للعدالة بخلاف الجرح فإنه لا يقبل مجملًا إلا من
[ ١ / ٧٧ ]
عالم بأن يقول هو مجرح بفتح الراء أو مردود الشهادة بل حتى يقول رأيته يفعل كذا أو يترك كذا من أسباب التجريح لئلا يعتقد أن الأمر الذي رآه يفعله يكون جرحة مثلًا مع أنه عند الشرع ليس بجرحة كما إذا رآه يبول قائمًا إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يكون بها التجريح (الثاني) لا تجوز الزيادة على القدر الذي تحصل به الجرحة فلا يقال فيمن هو معروف بالكذب كذاب بصيغة المبالغة بل يقتصر على أصل الفعل فيقول هو كاذب إذ التجريح حصل به والقدر الزائد لا فائدة فيه كما إذا قال هو شارب خمر ويعامل بالربى مثلًا فيكون الزائد عليه غيبة ترد بها شهادته لأنه صار ذا جرحة بالغيبة لكن هذا أن كان عالمًا بأن التجريح يكفي بأصل الفعل أو ببعض ذلك والأصح تجريحه على الأصوب لأنه لم يقصد الغيبة وإنما قصد التجريح فقط قاله ابن راشد في الفائق قوله
(وثابت الجرح مقدم على ثابت تعديل إذا ما اعتدلا)
يعني أن الشاهد إذا عدله قوم وجرحه آخرون واستوى الفريقان في العدالة فإن من أثبت الجرح مقدم على من أثبت العدالة أما أن كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى فهي التي تقدم كذا قيل وهو ظاهر كلام الناظم والقول المشهور الراجح خلافه وهو أن بينة الجرح تقدم على بينة التعديل مطلقًا لأنها اطلعت على ما لم تطلع عليه بينة التعديل وبما قررنا به كلام الناظم بناء على أن ما بعد إذا زائدة فيكون منطوقه صورة ومفهومه صورتان كما علمت أما إذا جعلت ما نافية بمعنى لم لا زائدة لأن مجيئها نافية بعد إذا وارد كما في المغنى فيكون التقدير وثابت الجرح مقدم على ثابت تعديل إذا لم يعتدلا فمفهومه إذا اعتدلا فكذلك فمنطوقه صورتان ومفهومه صورة واحدة عكس ما قررنا به أولًا وعلى هذا التقدير فبينة الجرح تقدم على بينة التعديل مطلقًا في الصور الثلاثة فيكون الناظم جاريًا على القول المشهور والراجح وعلى هذا لو قال
وثابت الجرح مقدم على ثابت تعديل يكون مسجلا
لكان أحسن وقوله
[ ١ / ٧٨ ]
(وطالب التجديد للتعديل مع مضي مدة فالأولى يتبع)
يعني أن من شهد عند القاضي ولم يعرف عدالته ولا جرحته وقبل شهادته بالتعديل ثم شهد ذلك الشاهد عنده في قضية أخرى وطلب المشهود عليه ثانيًا تجديد تعديله فهل لابد من إعادته حتى يتحقق أمره طال الزمن بين الشهادتين أو لم يطل كما إذا وقعت الثاني قبل مضي سنة أولا تلزم إعادة التعديل ويقبل القاضي شهادته بمقتضى تعديله الأول حيث لم يطل الزمن بمضي سنة وإلا لزم تجديد تعديله قولان وبالأول العمل وإليه أشار بقوله فالأولى يتبع وإنما حملوه على الأول دون الثاني حيث كان يحتملها بقرينة تنوين مدة فإنه للتقليل وفيه خفاء فلو قال
وطالب تجديد تعديل مضى يقضى له في كل حين بالقضا
لكان نصًا في طريقة سحنون التي بها العمل قوله
(ولأخيه يشهد المبرز إلا بما التهمة فيه تبرز)
يعني أن العدل المبرز يجوز له أن يشهد لأخيه في كل شيء وتقبل شهادته إذا لم يكن في عياله ولم يتهم أما إذا كان في عياله أو لم يكن واتهم في شهادته بأن يظن به الحمية والغضب أو دفع معرة كان يجرح من جرح أخاه أو جلب مصلحة كان يشهد له بمال كثير يكون به غنيًا أو يشهد له بنكاح امرأة يتشرف بنكاحها فإن شهادته لا تقبل أما غير المبرز فإن شهادته لا تقبل لأخيه مطلقًا وأما شهادته عليه فجائزة لأن كل من لا تجوز الشهادة عليه تجوز الشهادة له فإذا شهد له وعليه بطلت في الجميع للقاعدة وهي أن الشهادة إذا رد بعضها للتهمة ردت كلها على المشهور لأن الشهادة لا تتجزى (فقوله) ولأخيه يشهد المبرز إلخ ظاهره سواء كان في عياله أو لم يكن وليس كذلك كما قررنا به كلامه وهاته المسئلة من المسائل التي يشترط في شهودها التبريز وقد نظمتها فقلت
واشترطوا التبريز في الإحباس ونحوها يجري عرف الناس
[ ١ / ٧٩ ]
كذلك في الأجير والصناع وشاهد الخطوط والإيداع
والابن للأم على الأب نقل وعكسه كذا الشريك المستقل
ومنفق عليه والملاطف معدل مجرح يا واصف
وشاهد لزوج بنت ولده مولى لأعلى يا خليل فأدره
وصاحب النقصان والزيد بها وذاكر من بعد شك انتهى
وقوله إلا بما التهمة فيه تبرز البيت وفي آثار المدونة الكبرى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب لم يكن سلف المسلمين الصالحين على رد شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا الأخ لأخيه ولا الرجل لامرأته ثم دخل الناس بعد ذلك فظهرت بينهم أمور حملت الولات على اتهامهم فتكرت شهادة من يتهم إذا كان من قرابة المشهود له وكان ذلك من الولد والوالد والزوج والزوجة لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. وقال ابن وهب عن محمد بن أيوب عن محمد بن سعيد مثله (قال) صاحب المباني اليقينية ثم اتسعت التهم الآن فأفتى شيوخنا بسقوط شهادة الخال والأصهار شيخنا البرزلي وغيره وبه العمل وقد قال عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور (ولما) كانت التهمة القوية من موانع الشهادة ولها جزئيات وذكر الناظم منها شهادة الأخ لأخيه وما فيها من التفصيل شرع في الكلام على غيرها مما فيه أكيد القرابة أو العداوة الواضحة فقال
(والأب لابنه وعكسه منع وفي ابن زوجة وعكس ذا اتبع)
(ووالدي زوجة أو زوجة أب وحيثما التهمة حالها غلب)
(كحالة العدو والظنين والخصم والوصي والمدين)
يعني أنه لا يجوز للأب أن يشهد لابنه ولا الابن لأبيه ولا الرجل لابن زوجته ولا الرجل لزوج أمه ولا الرجل لوالدي زوجته أو لزوجة أيه وكذا لا تجوز شهادة البنت لأبيها ولا هو لها ولا الأم لولدها ذكرًا كان أو أنثى ولا هو لها ولا بنت الزوجة
[ ١ / ٨٠ ]
لزوج أمها ولا هو لها ولا المراة لزوجة أبيها ولا هي له ولا لزوج البنت بالنسبة لوالديها فلا يشهدان له ولا الزوج لزوجته ولا هي له ولا المرأة لوالدي زوجها ولا هما لها إلى غير ذلك من الأصول وإن علت والفروع وإن نزلت والأصهار والأخوال (والحاصل) أن الشهادة مهمى غلب عليها حال التهمة وقويت الظنة فإنها لا تجوز وترد كالعدو يشهد على عدوه في أمر دنيوي من مال أو جاه أو خصام في أمر جسيم يكون في مثله الشحناء ويوغر الصدور أما ما كان كثمن الثوب ونحوه فإنه لا يضر قال ابن القاسم لا تجوز شهادة الرجل على ابن عدوه ولو كان ابن شريح اهـ وكذا لا تجوز شهادة الظنين وهو المتهم لمن يشهد له كالوصي لمن يلي عليه ولا رب الدين لغريمه المعسر لأنه يجريها لنفسه نفعًا حيث كانت في مال ولا هو له لأنه يتهم أن ذلك لأن يؤخره ويلحق بذلك تزكية كل واحد لمن شهد لمن يتهم له أو تزكية من شهد على من يتهم عليه ولا غير المنتصبين للشهادة مع وجود المنتصبين لها في الأمور المهمة التي يقصد بها أعيان الشهود في العادة كالبيع والابتياع والنكاح والطلاق والشفعة وإسقاطها والقبض والأبراء والوكالة والضمان والحبس والصدقة والهبة والوصية والإجارة والمغارسة ونحوها إذا كان ذلك بالقصد والاستدعاء أما إذا سمعوا شيئًا من ذلك في موطن بدون قصد ولا استدعاء فإنها شهادة جائزة عاملة (وفي لب اللباب) أن المانع للشهادة قسمان قسم يمنع من القبول مطلقًا وقسم يمنع على جهة فالأول كل وصف مناف للعدالة والمروءة أولهما كالفسق وسماع القيان والثاني ما يمنع على جهة ونعني بذلك أن يمنع من القبول مع بقاء العدالة وهو نوعان الأول التغفل والثاني الاتهام وله ستة أبواب (الأول) أن يجر لنفسه منفعة كان يشهد رب الدين لمديانة المعسر بمال على خلاف فيه كما في التوضيح أو يشهد على مورثه الغني المحصن بالزنى أو بالقتل عمدًا أو يدفع عنها مضرة كشهادة العاقلة بفسق شهود القتل خطأ (الثاني) تأكيد الشفقة بالنسب والسبب كالأبوة والبنوة والإصهار والأخوال كذلك (الثالث) العداوة في أمر دنيوي من مال أو جاه أو منصب لا ديني (الرابع) الحرص
[ ١ / ٨١ ]
على زوال العار وله صورتان الأولى أن تركت شهادته بفسق ثم يصير عدلا فيشهد بها فإنها ترد لتهمته على دفع عار الكذب الثانية التاسي كشهادة المقذوف في القذف (الخامس) الحرص على الشهادة في التحمل والآداء والقبول أما التحمل فالمختفي على أحد قولين والمشهور أن ذلك لا يضر وأما الحرص على الأداء فمثل أن يبدأ بالشهادة قبل أن يطلبه صاحبها بها إلا إذا كانت مما يستدام فيه التجريم فإنه يجب عليه الرفع كالطلاق والعتق والعفو عن القصاص وأما الحرص على القبول فمثل أن يشهد شهادة ويحلف على صحتها (السادس) الاستبعاد والأصل فيه قوله ﷺ لا تقبل شهادة البدوي على القوري. وحمله مالك على الأموال والحقول دون الدماء والجراح وما في معناه وحيث يطلب الخلوات والبعد من العدول انتهى. وفي ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل ولا أن استبعد كبدوي لحضري بخلاف أن سمعه أو مر به بعد كلام طويل ما نصه شهادة البدوي بين الحضريين جائزة في نحو القذف والجراح والقتل مما لا يقصد فيه الإشهاد وتجوز في المال والنكاح وغيرهما إذا لم يستشهد وقال مررت بهما أو كنت في موضع فسمعته أقر له بكذا أو باع منه سلعة أو جرت منازعة في النكاح فاعترف أحدهما بالعقد ولا يجوز فيما يقصد فيه الاستعداد من نحو الوثائق والصدقات لأنه ريبة أن يترك أخذ خطوط أهل الموضع والاستعداد بشهادتهم إلا أن يعلم أنه مخالط لهم أو يكون جميعهم في سفر وكذا شهادته بين حضري وبدوي لا تجوز إلا كما تقدم بين الحضريين إلا أن يكون البدوي بقرية الشاهد فيشهد بمداينة كانت في قربته أو في الحاضرة إذا كان معروفًا بالعدالة أو ممن يعول في المدينة على مثله قاله اللخمي. وفي البيان قال ابن وهب رأى قوم أن شهادة الحضري على البدوي لا تجوز وأن أرى جوازها إلا أن يدخلها من الظنة ما دخل شهادة البدوي على الحضري فلا تجوز انتهى (تتمة) كل من لا تجوز الشهادة له تجوز الشهادة عليه أن لم تكن تهمة كما مر ولا تكون شهادة الابن على الأبوين مانعة من برهما بل من برهما أن يشهد عليهما بالحق ويخلصهما من الباطل وهو من قوله تعالى ﴿قوا
[ ١ / ٨٢ ]
أنفسكم وأهليكم نارًا﴾ في بعض معانيه وكل من لا تجوز الشهادة عليه تجوز الشهادة له (لطيفة) فإن قلت عدل لا تجوز شهادته على أحد من الناس كافة وليس فيه مانع من قرابة أو عداوة ولا جرحة في دينه قلت هو العدل المولى عليه قاله ابن القاسم وبه العمل وقال أشهب تجوز شهادته إذا كان عدلًا انتهى من ألغاز ابن فرحون وقد تقدم هذا في شروط الشاهد وقوله
(وساغ أن يشهد الابن في محل مع أبيه وبه جرى العمل)
يعني أنه يجوز للابن أن ينتصب للشهادة مع أبيه ويشهدان على أمر واحد كأنهما أجنبيان على القول الذي جرى به العمل وعليه أهل تونس الآن. وفي اختصار المتيطية وإذا شهد والد وولده وهما عدلان فشهادتهما شهادة واحدة وبه جرى العمل وقيل هما بمنزلة شاهدين. وفي المختصر وشهادة ابن مع أب واحدة (قلت) والأحوط في هذا الزمان العمل بما في المتيطي وقد قواه ونص على العمل به واقتصر عليه الشيخ خليل لقوة التهمة وقلة العدالة وهو أمر ظاهر لا خفاء فيه وما توفيقي إلا بالله (ثم) أن الناظم رحمه الله تعالى استشعر سؤال سائل قال له هل الشروط والموانع المذكورة في جانب الشاهد تعتبر زمن تحمل الشهادة وسماعها أو تعتبر زمن أدائها فأجاب عن ذلك (بقوله)
(وزمن الأداء لا التحمل صح اعتباره لمقتض جلي)
تقدمت الإشارة إلى هذا البيت أول الباب. وقوله لمقتض جلي أي ظاهر وبيان ذلك أن الشهادة إنما تظهر فائدتها ويعمل بمقتضاها بالأداء فإن لم تؤد في كالعدم فمن تحمل شهادة ولو عقد نكاح كما مر وهو كافر أو فاسق أو عبد أو صبي أو زوج أو وصي وأداها وهو مسلم أو عدل أو حر أو بالغ أو مفارق للزوجية أو متأخر عن الإيصاء إلى غير ذلك فإن شهادته جائزة مقبولة شرعًا ما لم يشهد واحد منهم قبل زوال المانع فردت شهادته لذلك أما إذا شهد قبل زواله فردت شهادته له فإن شهادته بعد زواله في تلك النازلة ترد ولا تقبل للتهمة كما تقدم في الحرص على القبول
[ ١ / ٨٣ ]
فصل في مسائل من الشهادات
ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل خمس مسائل وهي الإقرار بدون إشهاد هل يجوز لمن سمعه أن يشهد به أولًا وإعادة كتب الشهادة أو أداؤها مرة ثانية والشهادة على الخط والنقص في الشهادة والزيادة فيها والرجوع عنها (مقدمة) أعلم أن الحق الذي يشهد به الشاهد أما أن يكون حصل له العلم به بسبب اختياري أولًا فالأول يسمى تحملًا في العرف وهو ما يكون بالإشهاد قصدًا والثاني وهو ما كان حصوله بسبب غير اختياري كمن قرع سمعه صوت مطلق أو رأى إنسانًا قتل آخر فإنه لا يسمي تحملًا في الاصطلاح (إذا) تقرر هذا علمت وجه تقسيم علماء هذا الفن الشهادة إلى أصلية وإلى استرعائية فالأصلية هي التي يمليها المشهد على الشهود المنتصبين للشهادة قصدا كعقود المقالات والوكالات والأشرية والأحباس والأنكحة لأنها وقعت بسبب اختياري وهو الإشهاد من المشهود عليه. والاسترعائية هي التي يعلمها الشاهد لا بسبب اختياري بل بسبب اضطراري كما مثلنا ويسردها الشاهد من حفظه إذا سئل عنها بخلاف الأولى وسواء كان موثقًا أولًا فالموثق يكتبها بخطه وغيره تنقل عن كشهادة الوفيات والرشد والفقر والزنى والغيبة وضرر الزوجين والتعديل والتجريح ونحو ذلك وكذلك ما يسمعه الشاهد من الإقرار أو إنشاء عقد ضمان أو بيع ونحوهما بدون قصد ولا استدعاء من المقر أو المنشيء. ويسئل عنها عند الحاجة إليها وإلى هذا الفرع الأخير وهو المسئلة الأولى في الترجمة أشار الناظم بقوله
(ويشهد الشاهد بالإقرار من غير إشهاد على المختار)
(بشرط أن يستوعب الكلاما من المقر البدأ والتماما)
يعني أنه يجوز للشاهد أن يشهد بإقرار من سمعه يقر على نفسه بما يلزمه سواء كان
[ ١ / ٨٤ ]
مالا أو آيلا إليه أو غيرهما مما يوجب حقًا للغير وإن كان المقر لم يشهده بذلك لكن بشرط أن يستوعب الشاهد كلام المقر من أوله إلى آخره لأنه قد يكون قبله أو بعده كلام يبطله قال صاحب المفيد وبه العمل وإليه أشار الناظم بقوله وذا المختار وقال اليزناسني في الإقرار وهو أقوى من البينة على المقر لقوله ﷺ أحق ما يؤاخذ به المرء إقراره على نفسه. ومقابل القول المختار أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا أن يقول له المقر اشهد علي بما قلته ومن ذلك مسئلة الشاهد المختفي التي يمثل بها الحرص على التحمل كما مر قريبًا في الموانع وصورتها إنسان له حق على آخر لا يقر له بحقه إلا خاليًا عن الناس فيعد صاحب الحق إلى من يشهد عليه ويجعله في موضع لا يرى فيه ثم يستدعي من عليه الحق إلى ذلك الموضع ويتكلم معه في ذلك فإن أقر بالحق واستوعب الشاهد جميع ما وقع بينهما في النازلة فيجوز له أن يشهد عليه على المشهور المعمول به بشرط أن يكون المشهود عليه غير مخدوع ولا ضعيف أبله ولا خائف وإلا فلا تجوز الشهادة عليه فإن ادعى بعد الشهادة عليه أنه ما أقر إلا لكونه خائفًا أو مخدوعًا فعليه اليمين فإن نكل ثبت إقراره وإن أنكر الإقرار رأسا ثبت عليه الحق بعد الإعذار إليه فيمن شهد عليه وإنما جاز هذا محافظة على ضياع الحق إذ تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. ومثل الإقرار الذي ذكره الناظم لإنشاء فمن كتب بخط يده من حبس أو صدقة أو ضمان أو قاله بلسانه فإنه يلزمه ولو بدون إشهاد كما يأتي عند قوله وكاتب بخطه ما شاءه إلخ قال مالك رضي الله تعالى عنه وإن سمع رجل رجلا يطلق زوجته أو يقذف رجلا فليشهد بذلك وإن لم يشهده وعليه أن يخبر بذلك من له الشهادة ويشهد في الحدود بما سمع أن كان معه غيره قال شارحه وإنما يلزمه أن كان معه غيره وإلا فلا يلزمه ذلك خوف أن يقول المقذوف كذبت وإنما عرضت أنت بقذفي فيجده إذا تقرر هذا ظهر لك جليًا بطلان قول التسولي أن ما كتبه الشخص من حبس أو صدقة أو ضمان أو قاله بلسانه لا يلزم إلا بالإشهاد بل الحق أنه ما قاله الصحيح في حال صحته أو
[ ١ / ٨٥ ]
كتبه بخط يده يؤاخذ به بمجرد الإقرار به نطقًا أو كتابة ولو لم يشهد عليه على أن ذلك لو كان لا يصح إلا بالإشهاد كما قال لصح فيها الرجوع قبله ولم يجبر المعطي على الإقباض قبل الإشهاد وكلا الأمرين باطل وقد صرح الخطاب في كتاب الالتزام بهذا ونصه قال في كتاب المديان من المدونة ومن ضمن لرجل ماله على ميت ثم بدا له فقد لزمه ذلك لأن المعروف كله إذا أشهد به على نفسه لزم انتهى قلت وذكر الإشهاد هن ليس شرطا في اللزوم وإنما خرج مخرج الغالب كما يظهر ذلك مما قبله ومما سيأتي والله أعلم انتهى (الثانية) قوله
(وما به قد وقعت شهادة وطلب العود فلا إعادة)
اشتمل هذا البيت على مسئلتين إحداهما طلب صاحب الحق من الشاهد أداء الشهادة عند القاضي والغريم حاضر معه يدعي الآداء والثانية طلب صاحب الحق من الشاهد بما في علمه أما بكتب رسم آخر أو بالآداء عند القاضي ولم يعلم ما عند الغريم لكونه لم يأت مع صاحب الحق وإنما جاء وحده (أما) الأولى فأشار بها إلى قول المتيطي قال أبو عمر في كافيه وإذا كتب الشاهد شهادته في ذكر الحق وطولب بها وزعم المشهود عليه أنه قد ودى وذلك الحق لم يشهد الشاهد حتى يؤتى بالكتاب الذي فيه شهادته بخطه لأن الذي عليه أكثر الناس أخذ الوثائق إذ أدوا الديون انتهى وقد نظمها الزقاق فقال
وإن غاب رسم لا تؤدي أن ادعى غريم أداء لكن أن حضر انجلا
أي أن حضر الرسم ظهر الحق (فرع) قال المتيطي واختلف إذا أحضر المديان الوثيقة وقال إنها لم تصل إليه إلا بدفع ما فيها وقال رب الدين سقطت مني فقيل يشهد له لا مكان ما ذكره وقيل لم يشهد لأن رب الدين لم يأتي بما يشبه في الأغلب لأن الأغلب دفع الوثيقة إلى من هي عليه إذا أدى الدين وأما الحاكم فيجتهد في ذلك أن شهد عنده اهـ نقله الشيخ ميارة. وأما الثانية فأشار بها إلى قول ابن حبيب سمعت
[ ١ / ٨٦ ]
ابن الماجشون يقول من كتب على رجل كتابا بحق له واشهد عليه شهودا ثم ادعى أن كتاب الحق قد ضاع وسأل الشهود أن يشهدوا له بما حفظوا من ذلك فلا يشهدوا على حرف منه وإن كانوا بجميع ما فيه حافظين لأنه يخاف أن يكون قد اقتضى حقه ودفعه المديان فمحاه وقد اكتفى اليوم كثير من الناس بمحو كتب الحق دون البراءة منها والإشهاد عليها فإن جهلوا وقاموا بشهادتهم لم يسع الحاكم إلا قبولها ويقول للمشهود عليه أقم بينة براءتك وما تدفع به الشهادة. وقال مطرف لهم أن يشهدوا وإنما الكتاب تذكرة وقاله مالك وقاله أصبغ وقال ابن حبيب وهذا أحب إلي إذا كان المدعي مأمونًا وإن كان غير مأمون فقول ابن حبيب أحب إلي انتهى ميارة وإلى هاته المسألة أشار الزقاق بقوله
ومن يبتغي تكرير كتبك رسمه لزعم ضياع أو أداء فأهملا
وإلا وقد وديت تمضي (مطرف) إذا كان مأمونًا فكرر ولا فلا
أي تكرير الكتب أو الأداء فأداء معطوف على تكرير لا على ضياع لفساد المعنى وقوله ويقول للمشهود له أقم بينة براءتك إلخ فإن عجز عن بينة البراءة قضي عليه بعد يمين صاحب الحق وله أن يقلبها على الغريم فإن حلف بريء وإلا قضى ما ثبت عليه من الحق الذي تضمنه الرسم قلت والذي عليه عمل تونس الآن أن الشاهد لا يخرج أي كتب كان مرة ثانية مما يتكرر به الحق إلا بإذن من الحاكم في إخراج بطاقة من دفتره لموجب وإلا عوقب أو عوتب بحسب النازلة وحال الشاهد وهو تحجير حسن وتقدير البيت والحق الذي وقعت به الشهادة إذا طلب صاحبه من الشاهد إعادة شهادته فلا تجوز له إعادتها (الثالثة) الشهادة على الخط وهي في ثلاثة مواضع أحدها الشهادة على خط نفسه المتضمن للشهادة على غيره ثانيها الشهادة على خط الشاهد الميت أو الغائب ثالثها الشهادة على خط المقر الميت أو الحي المنكر لخطه أشار إلى الأول منها بقوله
[ ١ / ٨٧ ]
(وشاهد برز خطه عرف نسي ما ضمنه فيما سلف)
(لا بد من أدائه لذلك إلا مع استرابة هنالك)
(والحكم في القاضي كمثل الشاهد وقيل بالفرق لمعنى زائد)
يعني أن الشاهد المبرز إذا عرض عليه خطة في وثيقة حق وعرفه ونسي ما تضمنته الوثيقة فإنه يعتمد على معرفة خطه ويكون كالذاكر لها حيث كان على يقين بأنه خطة ويشهد بها عند القاضي فإن لم يكن على يقين بأنه خطه وحصلت له الريبة فيه والشك فإنه لا يشهد حينئذ ولا يجوز له ذلك وعلى أنه يشهد إذا تيقن أن الخط خطة هل ينفع أو لا قولان ظاهرهما الأول بدليل قوله إلا مع استرابة هنالك وهو قول مطرف قال ابن العربي رحمه الله تعالى قول الله ﷿ ﴿أقوم﴾ للشهادة دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب فلم يذكر الشهادة لا يؤديها لما دخل عليه من الريبة فيها ولا يؤدي إلا ما يعلم لكنه يقول هذا خطي ولا أذكر الآن ما كتبت فيه وقد اختلف فيه علماؤنا على ثلاثة أقوال (الأول) قال في المدونة يؤديها ولا ينفع وذلك في الدين والطلاق (الثاني) قال في كتاب محمد لا يؤديها (الثالث) قال مطرف يؤديها وينفع إذ لميشك في الكتاب وهو الذي عليه الناس وهو اختيار ابن الماجشون والمغيرة وقد قررناه في كتب المسائل وبينا تعلق من قال أنه لا يجوز لأن خطة فرع من علمه فإذا ذهب علمه ذهب نفع خطه وجبنا بأن خطة بدل الذكرى فإن حصلت وإلا قام مقامها انتهى وقول الناظم والحكم في القاضي كمثل الشاهد إلخ يعني أن القاضي إذا سئل عن حكم في نازلة فلم يذكرها ووجدها مرسومة بدفتره بخطه ونسي صدور الحكم منه في تلك النازلة فإنه يعتمد على معرفة خطه وينفذ ذلك الحكم ويمضه وقيل لا يحكم به ويلغيه وليس هو كالشاهد الذي عرف خطه ونسي النازلة لوجود الفرق بينهما وهو عذر الشاهد الذي عرف خطه ونسي النازلة لوجود الفرق بينهما وهو عذر الشاهد بأنه لا يطالب بأكثر من كتب الرسم وقد كتبه فذلكمقدوره بخلاف القاضي فإنه قادر على أن يشهد على حكمه عدلين فقد ترك مقدوره والراجح الأول. وقوله برز بفتح أوله وثانيه مشددًا. وشار إلى الثاني بقوله
[ ١ / ٨٨ ]
(وخط عدل مات أو غاب اكتفى فيه بعدلين وفي المال اقتفى)
(والحبس أن يقدم وقيل يعتمل في كل شيء وبه الآن العمل)
(كذاك في الغيبة مطلقًا وفي مسافة القصر أجيز فأعرف)
يعني أنه اختلف في الشهادة على خط الميت أو الغائب المعروفة عندنا بالرفع هل يعتمل بها في المال والحبس القديم فقط أو يعمل بهما في كل شيء تدعو الحاجة إليه وبه جرى العمل قولان وحيث كانت الشهادة على الخط جائزة في مشهور المذهب المعمول به فلا تقبل إلا من عدلين مبرزين فأكثر عارفين بالخطوط والعقود ممارسين لها ولا يشترط أن يكون الشاهد قد أدرك صاحب الخط وإنما يشترط مع ذلك حضور الخط لأنه عين قائمة لتقع الشهادة على عينه إذ لا تصح الشهادة عليه في غيبته ولهذا لو نظر شاهدان وثيقة وحفظا ما فيها وعرفا خطها وعدالة صاحب الخط وضاعت تلك الوثيقة وشهدا بذلك فإن شهادتهما لا تقبل على الصحيح وبه العمل أما إذا ضمناها في رسم وينص الشاهد على ذلم بقوله وبالوقوف على رسم الإيصاء أو التوكيل أو التقديم أو الشراء ونحوها من الرسوم التي يحتاج إلى تضمينها المقتضى لكذا المؤرخ بكذا بشهادة شهيديه أو فلان وفلان العدلين ببلد كذا فإنها تقبل على ما عليه عمل تونس منذ أزمان وليس العمل على ما اختاره الشيخان ابن عبد السلام وابن عرفة من عدم الاكتفاء بذلك كما في سابع لأجوبة العظومية (وقوله) كذاك في الغيبة التشبيه في ثبوت خط الشاهد الغائب بعدلين وكرره لبيان قدر الغيبة التي هي مسافة القصر. وقوله مطلقًا أي في المال والحبس القديم وغيرهما (وصفة) العمل في التعريف بالخط أن تكتب الحمد لله يقول من يشهدبعد ويضع عقده واسمه عقب التاريخ أني نظرت إلى شهادة فلان الواقعة بتاريخ كذا بالرسم أعلاه أو يمناه أو محولة وأمعنت النظر فيها وفي إشكال حروفها فتحققت أنها شهادته المعهودة عنه مقيدة بخط يده والعقد المتصل بها عقده والعاطف عليه فيه فلان ويعلم أنهما كانا حين وضعهما
[ ١ / ٨٩ ]
لما فيه من أهل العدالة وقبول الشهادة ولم ينتقلا في علمي عن ذلك إلى الآن وهما غائبانلآن بموضع كذا أو إلى أن ماتا وقيل إلى الآن مطلقًا في الحياة وبعد الممات فمن علم ذلك وتحققه شهد به هنا عن إذن من يجب أعزه الله قاضي كذا بتاريخ كذا وأشار إلى الثالث بقوله
(وكاتب بخطه ما شاءه ومات بعد أو أبى إمضاءه)
يثبت خطه ويمضي ما اقتضى دون يمين وبذا اليوم قضا)
يعني أن من استظهر بحجة على أحد كتبها بخطه يتضمن شيئًا من الحقوق يلزمه الإقرار به لمن هو بيده ثم مات وانكر ذلك وارثه أو لم يمت وأنكر هو أن الخط المستظهر به عليه خطه فعلى صاحب الحق أن يثبت الخط بشاهدين على نحو ما تقدم وهو أن الخط خط هذا المنكر أو الميت ويلزمه أو يلزم ورثة الميت الحق الذي تضمنته الحجة فيأخذه القائم بلا يمين تعضد شهادة الشهود وبه القضاء أما يمين القضاء في حق الميت أو الغائب فهي واجبة يحلف يمينًا واحدة إذا كان التعريف بشاهدين فإن كان بشاهد واحد حلف يمينًا واحدة في حق الحي الحاضر تتميمًا للنصاب ويمينين في حق الميت أو الغائب إحداهما تتميم للنصاب والأخرى يمين القضاء قائلًا بالله الذي لا إله إلا هو ما قبض ولا وهب ولا أبرأ ولا وصل إليه حقه بوجه من الوجوه. وهل إذا لم يجد صاحب الحق من يشهد على خط المنكر يجبر المنكر عن الكتابة بمحضر عدلين عارفين ويكرر الكتابة ثم يقابل ما كتبه مما استظهر به خصمه عليه وهو الأظهر وبه العمل أو لا يجبر خلاف وقوله يثبت ويمضي بضم أولهما وفتح ما قبل آخرهما بالبناء للنائب عن الفاعل (المسألة) الرابعة قوله
(وامتنع النقصان والزيادة إلا لمن برز في الشهادة)
يعني أن العدل إذا شهد بعشرة لزيد على عمرو مثلا عند القاضي ثم بعد الأداء وقبل الحكم رجع وقال أن الذي نشهد به خمسة أو خمسة عشر لا عشرة فشهادته أولا وثانيًا
[ ١ / ٩٠ ]
ساقطة للتهمة أن كان غير مبرز أما أن كان مبرزًا فإن ذلك لا يكون مانعًا من قبول شهادته الثانية لعدم اتهامه بالتبريز وتكون الأولى كالعدم ادعى نسيانًا أولًا ثم أن الشهادة الثانية أما أن تطابق دعوى المدعي أولًا فإن طابقت الدعوى فالعمل بها ظاهر وإن لم تطابق بأن زادت أو نقصت عنها فإن رفضها المدعي ولم يحتج بها وتمسك بمقاله فهو على دعواه وإن لم يرفضها بأن احتج بها فقد سقطت دعواه وبينته لاضطرابه بمضادة قوله لبينته لأن القائم بحجة قائل بما فيها ولا ينفعه أنقال غلطت أو أن الشهود كتبوا علي ذلك من غير علمي ولا إملائي عليهم أو لم يعلمها كما في عظوم نقلًا عن البرزلي. وفي المعيار دعوى الغلط في المقال لا ينفعه لأنه موضع التحرز. وفي المواق عن أبي يونس عن أشهب فإن اختلف قول المدعي في أمر بين لم يكن له شيء. وقال أصبغ هذا قول مالك وأصحابه قال التاودي فظهر بهذا أن الزيادة والانتقال مبطلان للدعوى فإن زاد الشاهد أو نقص قبل الأداء بأن سمع منه شيء قبل ذلك ثم أنه وقت أداء شهادته زاد أو نقص على ما سمع منه فإن ذلك لا يضر كان مبرزًا أو لا (تنبيه) تفسير المجمل وتخصيص العموم وتقييد المطلق يقبل من الشاهد مطلقًا سواء كان مبرزًا أو لا لأنه ليس من باب النقص والزيادة في الشهادة بل هو من تتمتها فلا تصح بدوته وإذا استدعى لذلك وجبت عليه الإجابة وإلا بطلت شهادته وقولي قبل الحكم فإن كان النقص بعد الحكم فلا يسقط شيئًا مما وقع الحكم به لأنه من الرجوع بعد الحكم ويغرم الشاهد النقص للمحكوم عليه على تفصيل في ذلك ذكره الناظم في (المسألة) الخامسة وهي قوله
(راجع عنها قبوله اعتبر ما الحكم لم يمض وإن لم يعتذر)
(وإن مضى الحكم فلا واختلفا في غربمه لما به قد أتلفا)
(وشاهد الزور اتفاقًا يغرمه في كل حال والعقاب يلزمه)
يعني أن الشاهد إذا رجع عن شهادته قبل الحكم بها فإن رجوعه يقبل ويعمل به
[ ١ / ٩١ ]
سواء اعتذر بأن قال وقع لي شك أو نسيان مثلًا أو لم يعتذر وتصير كالعدم ولا يلزمه غرم اتفاقًا وتقبل شهادته في المستقبل أن كان مأمونًا وأتى بشبهة وإلا فلا تقبل ولا يؤدب عند أشهب وسحنون مخافة أن لا يرجع أحد وبه العمل وعند ابن القاسم يؤدب (قلت) ما قاله ابن القاسم هو المناسب لأهل هذا الزمان فقد رأينا من يشهد بالأجر ويرجع به وهذا الأمر صار معلومًا عند الناس حتى صعب الوثوق بشهادة شهود الاسترعاء من حيث هي قال أبو البقاء الشيخ يعيش الشاوي ولقد ابتلينا بمخالطة الشهود بانتصابنا للشهادة سنين كثيرة وانتصابنا لخطة القضاء فشهدنا من أحوالهم لفساد الزمان ما يوجب العمل بمذهب ابن القاسم من أن الراجع يؤدب الأدب الوجيع لما في ذلك من الزجر والردع لهم ولغيرهم ومصلحة ذلك لا تخفى على من جالسهم وقد علم من مذهب مالك ﵁ مراعات المصالح العامة والله سبحانه أعلم ثم بعد كتبي هاته الأسطر رأيت نفسي كأنني في المنام ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك العلام. وإن رجع بعد مضي الحكم ولم يتحقق كذبه فلا يعتبر رجوعه ولا ينقض الحكم لما روى أن الرسول ﵊ قال في شاهد شهد ثم رجع عن شهادته بعد أن حكم بها رسول الله ﷺ فقال ﵇ تمضي شهادته الأولى لأهلها والأخيرة باطلة وأخذ بها مالك وغيره قاله المواق. واختلف في غرمه لما أتلف بشهادته من نفس أو مال فإن لم يثبت أنه تعمد الكذب والزور ففي غرمه المال من دية أو غيرها قولان فيغرم عند ابن القاسم وأشهب ولا يغرم عند ابن الماجشون. وإن ثبت عليه أنه تعمد الكذب والزور فيغرم المال اتفاقًا أن كانت الشهادة في مال وإن كانت في نفس فقال ابن القاسم يغرم الدية لأنه لم يباشر القتل وهو الذي أشار إليه الناظم بقوله في كل حال والعقاب يلزمه زيادة على الغرم وقيل يقتص من الشاهد لأنه تسبب في قتله بالزور فكأنه يباشر ذلك (تنبيهات) الأول هل يشترط في رجوع الشاهد أن يكون عند القاضي أو لا يشترط ذلك ويجزي رجوعهم عند غيره من العدول المنتصبين للشهادة وبه العمل خلاف
[ ١ / ٩٢ ]
(الثاني) قال الحطاب وفي العتبية قال ابن القاسم في شاهدين نثلا شهادة رجل ثم قدم فأنكر أن يكون أشهدهما أو عنده في ذلك علم وقد حكم بها قال مالك يفسخ وفي سماع عيسى الحكم ماض ولا غرم عليهما ولا يقبل تكذيبه لهما ابن يونس وهذا أصوب قال ولو قدم قبل الحكم وقال ذلك سقطت الشهادة ابن يونس كالرجوع عن الشهادة (الثالث) في المواق عن سحنون إذا شهد رجلان بحق والقاضي لا يعرفهما فزكاهما رجلان وقبلهما القاضي فحكم بالحق ثم رجع المزكيان وقالا زكينا غير عدلين فلا ضمان عليهما لأن الحق بغيرهما أخذ ولو رجع الشاهدان ومن زكاهما لم يغرم إلا الشاهدان لأن بهما قام الحق (الرابع) إذا رجع الشاهدان في طلاق أو عتق فإنهما يضمنان قيمة العبد وولاؤه للسيد المنكر وفي الطلاق أن دخل بالزوجة فلا شيء عليهما وإن لم يدخل ضمنا نصف الصداق للزوج قاله ابن القاسم (الخامس) أن المشهود عليه إذا ادعى أن من شهد عليه قد رجع عن شهادته وطلب إقامة البينة على ذلك فإنه يجاب إلى مطلبه ويمكن منه كما إذا التمس لمشهود عليه يمين الشاهدين أنهما لم يرجعا عن شهادتهما فإن حلفا برءًا من الغرامة وإلا حلف المدعي أنهما رجعا وأغرمهما ما أتلفا فإن نكل فلا شيء له عليهما ومحل ذلك إذا أتى المدعي بشبهة في دعوى الرجوع كان يشاع بين الناس أن فلانًا وفلانًا رجعا عن شهادتهما (السادس) الشاهدان إذا شهدا بحق على شخص ثم رجعا عن شهادتهما ثم رجعا عن رجوعهما ذلك فإنه لا يقبل منهما ويغرمان ما أتلفا بشهادتهما كالراجع المتمادي (السابع) أن رجع أحد الشاهدين غرم نصف الحق كرجل مع نساء وإن كثرن واختلف إذا ثبت الحق بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد هل يغرم الجميع وهو مذهب ابن القاسم أو يغرم النصف وهو مذهب غيره خلاف الأول مبني على أن اليمين للاستظهار والثاني مبني على أن اليمين كالشاهد والله تعالى أعلم قوله ما الحكم ما ضر فيه واختلفا بالبناء للنائب وألفه للإطلاق كألف أتلفا وهو مبني للفاعل وغرمه يجوز فيه ضم الغين وفتحهما ويغرمه بفتح الراء
[ ١ / ٩٣ ]
فصل في أنواع الشهادات
يعني أن الشهادة باعتبار ما ينبني عليها من الأحكام تتنوع إلى أنواع فتارة توجب الحق بلا يمين وتارة توجبه بيمين وتارة توجب توقيف الشيء المتنازع فيه فقط وتارة توجب اليمين فقط على المطلوب وتارة لا توجب شيئًا أصلًا فلهذا تنوعت إلى أنواع متعددة وكانت خمسة وإليها أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله
(ثم الشهادة لدى الأداء جملتها خمس بالاستقراء)
والاستقراء معناه التتبع فإن علماء هذا الفن من القضاة والموثقين تتبعوا كلام الفقهاء فلم يجدوا إلا خمسة أنواع فلو كان ثم قسم سادس لاطلعوا على شيء منه وقوله لدى الأداء عند الأداء أما قبل أدائها عند القاضي فهي كالعدم ثم شرع في تفصيلها فقال
(تختص أولاها على التعيين أن توجب الحق بلا يمين)
(ففي الزنى من الذكور أربعة وما دعى الزنى ففي اثنين سعة)
(ورجل بامرأتين يعتمد في كل ما يرجع للمال اعتمد)
(وفي اثنتين حيث لا يطلع إلا النساء كالمحيض مقنع)
(وواحد يجزئ في باب الخبر واثنان أولى عند كل ذي نظر)
(وبشهادة من الصبيان في جرح وقتل بينهم قد اكتفى)
(وشرطها التمييز والذكورة والاتفاق في وقوع الصورة)
(من قبل أن يفترقوا أو يدخل فيهم كبير خوف أن يبدل)
الأبيات الثمانية يعني أن النوع الأول من أنواع الشهادات الشهادة التي توجب حقًا بدون يمين على القائم بها فلهذا كانت أوليتها متعينة واجبة من جهة الصناعة وتحت
[ ١ / ٩٤ ]
هذا النوع ست مسائل (الأولى) قوله (ففي الزنى من الذكور أربعة) يعني أن الشهادة على الزنى عيانًا لا بد فيها من أربعة رجال عدول يشهدون بزنى واحد مجتمعين في أداء الشهادة غير متفرقين بأنه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة (قال) ابن العربي رحمه الله تعالى عند قول الله ﷿ ﴿فأشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ وهذا حكم ثابت بإجماع من الأمة قال تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ الآية فشرط غاية الشهادة في غاية المعصية لأعظم الحقوق حرمة وتعديد الشهود بأربعة حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال جاءت اليهود برجل وامرأة قد زنيا قال النبي ﷺ ائتوني بأعلم رجلين منكم فأتوه بابني صوريا فتشهدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما قال فما يمنعكما أن ترجموهما قالا ذهب سلطاننا وكرهنا القتل فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاؤوا وشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المحكلة فأمر الرسول ﷺ برجمهما واشترطوا عدالة الشهود لأن الله ﷿ شرط العدالة في اليبوع والرجعة فهذا أعظم وهو بذلك أولى وهو من باب حمل المطلق على المقيد (تنبيهات) الأول أن قيل أليس القتل أعظم حرمة من الزنى وقد ثبت في الشرع بشاهدين فما هذا (قال) ابن العربي قال علماؤنا في ذلك حكمة بديعة وهو أن الحكمة الإلهية اقتضت الستر في الزنى بتكثير الشهود ليكون أبلغ في الستر وجعل ثبوتت القتل بشاهدين بل بلوث وقسماة صيانة للدماء (الثاني) قال ابن فرحون ظاهر المذهب جواز النظر إلى الفرج قصدا للتحمل وللحاكم أن يسأله كما يسأل الشهود في السرقة ما هي ومن أين وإلى أين (الثالث) في المتيطية لو شهد أربعة بزنى على رجل وتعلقوا به وأتوا به إلى السلطان وشهدوا عليه قال لا أرى أن تجوز شهادتهم وأراهم قذفة فإن كانوا أصحاب شرط موكلين بتغيير المنكر ورفعه فأخذوه وجاءوا به فشهدوا عليه جازت شهادتهم ولأنهم
[ ١ / ٩٥ ]
فعلوا في أخذه ورفعه ما يلزمهم (الرابع) هل يسقط الحد بشهادة أربع نسوة ببكارة المشهود عليها بالزنى بأنها ارتقاء أو لا يسقط وهو الذي اقتصر عليه صاحب المختصر تقديمًا للمثبتة على النافية كذا علل بعضهم لا أن العلة في ذلك هي ضعف شهادتهن فلا تقاوم شهادة الرجال لأنه لا فرق في المسألة بين شهادة أربع نسوة بالبكارة أو أربعة رجال على التحقيق خلاف قلت ينبغي اعتماد القول بسقوط الحد إذ الشهادة بالبكارة ونحوها شبهة والحدود تدرأ بالشبهات كما في حاشية البناني والله أعلم (الخامس) لو لم يعرف القاضي أحد الشهود فاختلف هل يكتفي في تعديله باثنين أو لا بد من أربعة (السادس) الشهادة على الإقرار بالزنى ولو مرة خلافًا لمن يشترط الإقرار به أربع مرات هل يكفي شهادة رجلين عدلين على المقر أو لا بد من شهادة أربع على الإقرار به لأن الشهادة على الإقرار تؤول إلى إقامة الحد فساوت الشهادة على المعاينة لتتساوى موجبهما ووجه القول الأول أن الأصل في الشهادات على الإقرارات أن يكتفي فيها بشاهدين فإجراء الإقرار بالزنى على ذلك الأصل قولان (السابع) أن لم يتم أحد شهود الزنى الصفة بأن قال رأيت ذكره بين فخذيها فإنه يعاقب باجتهاد الإمام عند ابن القاسم وحد الثلاثة الذين أتموها حد القذف لأنهم قذفة (الثامن) ولمسألة ثبوت الزنى معاينة بأربعة شهداء نظائر منها الشهود الذين يحضرون لعان الزوجين. ومنها شهود الإبداد في النكاح وذلك إذا أنكح الرجل ابنته البكر ولم يحضرهما شهود بل إنما عقد النكاح وتفرقا وقال كل واحد لصاحبه أشهد من لاقيت فلا تتم الشهادة إلا بأربعة شاهدان على الأرب وشاهدان على الزوج فإن أشهد كل واحد منهما الشهود الذين أشهدهم صاحبه لم تسم هذه شهادة أبداد. ومنها شهادة الشهود الذين يحضرون عقوبة الزاني أقلهم والترشيد والتسفيه والاسترعاء هل لا بد فيها من أربعة شهداء أو يكتفي فيها بشهادة رجلين عدلين وهو المشهور وبه العمل قولان. وهل شهود الرضاع لا بد أن
[ ١ / ٩٦ ]
يكونوا أربعة كذلك أو يكتفي فيه بشهادة رجلين عدلين أو امرأتين وهو المشهور المعمول به كسابقة قولان (الثانية) قوله (وما عدى الزنى ففي اثنين سعة) يعني أن ما عدى الزنى مما ليس مالا ولا آيلًا إليه الآتي ذكره يكتفي فيه بشهادة عدلين ذكرين وذلك في النكاح والطلاق والرجعة والعتق والإسلام والردة والبلوغ والولاء والعدة والتعديل والترجيح والعفو عن القصاص والنسب والموت والكتابة والتدبير والشرب والقذف وما يوجب التعزير من شتم ونحوه والحرابة والإحلال والإحصان وقتل العمد وجراحة والحمالة والكفالة والولادة والهبة والصدقة والحبس على غير معين والعطية والنحلة والعرية إلى أجل والإسكان والوصية على غير معين إذا كان المدعى فيه بيد مالكه فإن كان بيد مدعي التبرع وأنكر المالك دعواه حلف استحسانًا وأخذ شيه من يدي المدعي وقيل يأخذه بلا يمين على الأصل وهو أن كل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها لكن لما حيز عن مالكه ضعف الأصل واستحسنت اليمين وكذلك إسقاط الحضانة على أحد قولين ورؤية هلال رمضان وغيره ونقل الشهادة والترشيد وضده وشهادة السماع فيما أجيزت فيه كل ذلك لا يثبت إلا بعدلين وتقدم نحو هذا كما في التبصرة وغيرها (الثالثة) قوله
(ورجل بامرأتين يعتضد في كل ما يرجع للمال اعتمد)
يعني أنه يعتمد على شهادة رجل واحد عدل متقو بشهادة امرأتين عدلتين معه ويقضى بشهادة الجميع في كل ما يرجع للمال وهو في الظاهر ليس بمال كالوكالة على التصرف بالمال لينتفي عنه دعوى التعدي ونحوه إذا باع أو ابتاع أو آجر أو استأجر ونحو ذلك والوصية بالمال على المشهور والآجال والخيار وقتل الخطأ وجراحه وجراح العمد التي لا قصاص فيها كرض الانثيين وكسر الفخذين والشفعة وفسخ العقود ونكاح بعد موت الزوج أو الزوجة بالنسبة للإرث أن لم يكن للميت
[ ١ / ٩٧ ]
وارث ثابت النسب وإلا فلا بد من عدلين كما تقبل شهادتهما مع العدل الواحد في المال كالبيع والقرض ونحوهما أو في المال ولكنه يؤول إلى غير المال عكس كلام الناظم كشهادة عدل وامرأتين على سيد المكاتب بأنه قبض نجوم الكتابة فيعتق فتحصل من كلامه منطوقًا ومفهومًا ثلاث صور حكمها واحد كما رأيت والأصل في هذا قول الله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ الآية وقوله يعتضد ويرجع بفتح أولها مبنيان للفاعل واعتمد بضم أوله وثالثه وكسر ما قبل آخره مبني للنائب عن الفاعل ورجل مبتدأ وجملة يعتضد بامرأتين صفة له وهو الذي سوغ الابتداء بالنكرة وجملة اعتمد عليه في كل ما يرجع للمال خبرة وجملة يرجع للمال صلة ما والله أعلم (الرابعة) قوله
(وفي اثنتين حيث لا يطلع إلا النساء كالحيض مقنع)
يعني أن الشيء الذي لا يطلع عليه إلا النساء كالحيض والولادة والبكارة والنيوبة والحمل والسقط والاستهلال والرضاع وإرخاء الستور وعيوب الحرائر والإيماء وفي كل ما تحت ثيابهن يثبت بشهادة امرأتين عدلتين لأن هذه الأشياء لما كانت مما لا يحضرها الرجاء ولا يطلعون عليها أقيم فيها النساء مقام الرجل للضرورة لأنهن لو لم يقبلن في ذلك للزم أما إبطال الحقوق أو إطلاع الرجال على عورات النساء وهل تقبل شهادة رجل مع امرأة فيما ذكر فيه خلاف. وفي ابن مرزوق عند قول صاحب المختصر وثبت الإرث إلى قوله والنسب بلا يمين أي فإذا شهدت امرأتان بنحو الولادة والاستهلال ثب الإرث والنسب للمشهود له بذلك وعليه وكذلك يثبت الإرث بشهادتهما بسبقية الموت أو بالموت ولا زوجة ولا مدبر ونحوه أما ثبوت الإرث ففي الموطأ أ. المرأتين تشهدان على استهلال الصبي فيجب بذلك ميراثه حتى يرث ويكون ماله لمن يرثه أن مات الصبي وليس مع المرأتين اللتين شهدتا رجل ولا يمين
[ ١ / ٩٨ ]
وقد يكون ذلك من الأموال العظام من الذهب والورق والرباع والحوائط والرقيق وما سوى ذلك من الأموال انتهى وأما ثبوت النسب فثبوت الإرث يستلزمه إذ لولا ثبوت النسب ما ثبت الإرث انتهى. وقوله مقوع قال في القاموس شاهد مقنع كمقد به أو بحكمه أو بشهادته انتتهى وهو هنا مصدر ميمي بمعنى قناعة أي اكتفاء. (الخامسة) قوله
(وواحد يجزئ في باب الخير واثنان أولى عند كل ذي نظر)
يعني أن خبر المخبر كالقائف والموجه من قبل القاضي للتحليف والحيازة والترجمان والكاشف عن البنيان وقائس الجرح والناظر في العيوب وكاتب القاضي والمحلف والمترجم على الخطوط والقاسم يجزي فيه قول الواحد والاثنان أولى وفي وقتنا يجب. ودخول هذا القسم في النوع الأول مع أنه ليس من باب الشهادة المحضرة لأنه يوجب الحق بلا يمين وحيث كان ليس من باب الشهادة المحضة قبل فيه للتعذر غير عدول وإن مشركين كما في المختصر. وقوله واثنان أولى إلخ بناء على أنه من باب الشهادة والأصل في الاكتفاء بقول الواحد في الموجه من قبل الحاكم هو أن الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود ثم قد أرسل النبي ﷺ إلى المرأة الزانية أنيسًا وقال له أن اعترفت فارجمها وكذلك قال عبد الملك في المدونة قاله ابن العربي (السادسة) قوله
(وبشهادة من الصبيان في جرح وقتل بينهم قد اكتفى)
(وشرطها التمييز والذكورة والاتفاق في وقوع الصورة)
(من قبل أن يفترقوا أو يدخلا فيهم كبير خوف أن يبدلا)
يعني أن شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما يقع بينهم من الجراح والقتل جائزة
[ ١ / ٩٩ ]
يكتفي بها بلا يمين لكن بشروط عشرة ذكر الناظم بعضها ولم يذكر باقيها وهي التمييز والذكورة والاتفاق في وقوع الصورة من صبي م عين والحرية والإسلام والتعدد ومعاينة البدن قتيلًا وإن لا يكونوا أعداء للمشهود عليه ولا أقارب للمشهود له ولا معروفين بالكذب وإن لا يشهدوا على كبير أوله وإن لا يفترقوا أو يدخل فيهم كبير غير عدل خوفًا من تبديل الصورة فإن كان الذي دخل بينهم عدلًا ولما سئل قال لا أدري عمل بشهادتهم وإلا عمل بشهادته مع اليمين لأنه حق يؤول إلى المال وتركت شهادتهم كما إذا اختل شرط من شروطه المذكورة وقد نظمت بقيتها (فقلت)
ونفي تهمة ورق وكذب أن وجد القتيل إسلام طلب
(فرع) إذا أدوا شهادتهم على الوجه الأتم ثم رجعوا عنها فإن رجوعهم لا يقدح فيها كما لا يقدح فيها تجريحهم بفسق لأنهم غير مكلفين قاله ابن مرزوق. وقوله جرح هو بضم الجيم إثر الفعل وقوله (فصل) أي هذا فصل في بيان النوع الثاني من أنواع الشهادات وهو ما يوجب الحق مع اليمين وإليه أشار بقوله
(ثانية توجب حقًا مع قسم في المال وما آل للمال تؤم)
يعني أن النوع الثاني من أنواع الشهادات الخمس الشهادة التي توجب الحق مع اليمين وأنها لا تكون إلا في المال وكل ما يرجع إليه أو في المال ويرجع إلى غير المال وقد تقدمت أمثلتها قريبًا وتحت هذا النوع أربع مسائل (الأولى) قوله (شهادة العدل لمن أقامه) يعني أن المال أو ما يؤول إليه يثبت لمن ادعاه على منكره أو على غائب أو ميت شهادة عدل واحد مع اليمين (الثانية) قوله (وامرأتان قامتا مقامه) أي مقام الرجل العدل بشرط عدالتهما فإذا شهدتا بالمال أو ما يؤول إليه فإن الحق يثبت بشهادتهما مع اليمين (والأصل) في القضاء بالشاهد واليمين ما في الموطأ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد وروى ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وقال به الفقهاء السبعة وهم سعيد بن
[ ١ / ١٠٠ ]
المسيب بكسر الياء المشددة وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وخارجه بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وأبو بكر بن عبد الرحمن نظم أسماءهم بعض الفضلاء فقال
ألا كل من لم يقتدي بايمة فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسما سعيدا أبا بكر سليمان خارجه
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃ أما القضاء باليمين مع المرأتين فلأن النص دل على أنهما يقومان مقام الرجل والله تعالى أعلم (الثالثة) قوله
(وهاهنا عن شاهد قد يغني إرخاء ستر واجتياز رهن)
(واليد مع مجرد الدعوى أو أن تكافأت بينتان فاستبن)
(والمدعى عليه يأبى القسما وفي سوى ذلك خلف علما)
(ولا يمين مع نكول المدعي بعد ويقضى بسقوط ما ادعى)
يعني أن الشاهد العرفي قد يكتفى به عن الشاهد الحسي في الاحتجاج به فيثبت عن الحق به مع اليمين بناء على أنه كشاهد واحد لا شاهدين على المشهور أي في الغالب ومثل له بخمسة أمثلة (الأول) قوله إرخاء ستر أي على الزوجة بالتخلية بينه وبينها فإن ادعت الوطئ وأنكره فإن القول قولها لأن العادة إذا خلا الرجل بامرأته أول خلوة لا يفارقها في الغالب إلا بعد الوطئ فإرخاء الستر عليها قائم مقام الشاهد الحسي في دعوى المسيس فتحلف على ما ادعته وتستحق الصداق كاملًا ولو قام بها مانع شرعي بأن كانت حائضًا مثلًا وهو من أهل المروءة والصلاح فإن القول قولها على المشهور وستأتي هذه المسألة في فصل التداعي في الطلاق مستوفاة أن شاء الله تعالى (الثانية) قوله واحتياز رهن يعني أن الراهن إذا قبض الرهن من المرتهن ثم قام عليه يطلب دينه كله أو بعضه فزعم الراهن أنه دفعه إليه فيحلف ويبرأ لأن العادة لا يسلم المرتهن الرهن لصاحبه إلى بعد خلاص الدين (الثالثة) قوله واليد مع مجرد الدعوى يعني أن من حاز دارا
[ ١ / ١٠١ ]
مثلا بدعوى الملكية يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه فقام عليه من ادعى ملكيتها ولم تقم على دعاوه بينة فإن الدار تبقى بيد حائزها ويكون الحوز لها كالشاهد يحلف معه ويقضي له باستمرار الحوز وعدم التعدي (الرابعة) قوله (أو أن تكافأت بينتان) يعني أن من حاز جنانا مثلا بدعوى الملكية يتصرف فيه بالوجه المذكور فقام عليه من ادعى ملكيته وقامت له بينة تشهد له بالملكية طبق دعواه فلما ثبتت بينته عند القاضي عارضه المدعى عليه الحائز للجنان ببينة تشهد له بالملكلة وتثبتت كذلك ولم ترجح إحداهما على الأخرى وحصل التكافؤ والتماثل فتسقطان معا ويصيران كالعدم إذ لا يتأتى أعمالهما معًا فيحلف المدعى عليه لترجح جانبه بالحوز ويبقى بيده ويحكم له بنقي التعدي لا بالملك في الصورتين ومعناهما واحد قال القرافي الحجة السابعة عشرة اليد وهي يرجح بها ويبقى المدعى به لصاحبها ولا يقضى له بالملك بل يرجح التقرير فقط وترجح إحدى البينتين وغيرها من الحجاج وهي للترجيح لا للقضاء بالملك وقل قبل هذا أعلم أن اليد إنما تكون مرجحة إذا جهل أصلها أو علم أصلها بحق أما إذا شهدت بينة أو علمنا نحن ذلك أنها بغصب أو عارية أو غير ذلك من الطرق المقتضية وضع اليد من غير ملك فإنها لا تكون مرجحة البتة (تنبيه) اليد عبارة عن القرب والاتصال وأعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها ويليه الدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم استلائه على جميعها انتهى وسيأتي نحو هذا عند قول الناظم والشيء يعديه شخصان معًا الأبيات (وقول الناظم) أو أن بنقل حركة همزة أن المفتوحة إلى الواو وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر والتقدير واليد مع مجرد الدعوى أو مع تكافؤ البينتين حكمهما واحد فإن لم تكن الدعوى مجردة أو لم تتكافأ البينتان بأن ترجحت بينة المدعي فالحكم ما قاله القرافي. وقوله فاستبن تتميم للبيت وفيه تنبيه على القاضي بأن يمعن النظر في ذلك لأن باب التعارض من الأمور الصعبة والله الموفق للصواب (الخامسة) قوله والمدعى عليه
[ ١ / ١٠٢ ]
يأبى القسما. يعني أن المدعي إذا عجز عن البينة أو نفاها من أول الأمر وكانت دعواه محققة فيما يثبت بالشاهد واليمين وتوجهت اليمين على المدعى عليه فامتنع من الحلف فإن امتناعه منه يكون كالشاهد الحسي للمدعي فيحلف ومعه ويقضى له بما ادعاه أما أن كانت الدعوى غير محققة بأن كانت دعوى اتهام فإن اليمين لا تنقلب ويثبت الحق بمجرد النكول على المشهور كما مر وسيأتي أيضا في باب اليمين. وقوله (وفي سوى ذلك خلف علما). يعني أن غير ما ذكر من أمثلة الشاهد العرفي المتقدمة كمعرفة من ضاعت له دراهم مثلا الظرف والخيط في اللقطة وعلامات الاشتراك والانفراد في الجدران وحدود الأرضين ومن ادعى ما يشبه من المتبايعين والمتكاريين والزوجين ونحو ذلك هل الراجح فيها اليمين على من يشهد له العرف أو عدم اليمين خلاف (فائدة) قال ابن العربي عند قول الله تعالى ﴿وشهد شاهد من أهلها أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال أنه من كيدكن أن كيدكن عظيم﴾ قال علماؤنا في هذا دليل على العمل بالعرف والعادة بما ذكر من أخذ القميص مقبلًا ومدبرًا وما دل عليه الإقبال من دعواها والإدبار من صدق يوسف وهذا أمر تفرد به المالكية (فإن) قيل هذا شرع من قبلنا (قلنا) عنه جوابان أحدهما أن شرع من قبلنا شرع لنا الثاني أن المصالح والعادات لا تختلف فيها الشرائع أما أن يجوز أن يختلف وجود المصالح فيكون في وقت دون وقت فإذا وجدت فلا بد من اعتبارها وقد استدل يعقوب بالعلامة فروى العلماء أن الإخوة لما ادعوا أكل الذئب قال أروني القميص فلما رءاه سليمًا قال لقد كان هذا الذئب حليمًا وهكذا فاطردت العادة والعلامة وليس هذا بمناقض لقوله البينة على المدعي واليمين على من أنكر والبينة إنما هي البيان ودرجات البيان تختلف بعلامة تارة وبأمارة أخرى وبشاهد أيضا وبشاهدين ثم بأربع انتهى. وقوله (ولا يمين مع نكول المدعي. بعد ويقضي بسقوط ما ادعى). يعني أن المدعي إذا نكل عن اليمين التي ردت عليه فلا تتوجه اليمين بعد
[ ١ / ١٠٣ ]
نكوله عنها مرة ثانية على المدعى عليه وكذلك عكس كلام الناظم وهو نكول المدعى عليه بعد نكول المدعي عن الحلف مع شاهده الحسي أو العرفي فلا تتوجه اليمين مرة ثانية على المدعي للقاعدة المعروفة وهي قولهم النكول بالنكول تصديق للناكل الأول وحينئذ يقضي القاضي بسقوط ما ادعاه المدعي على المدعى عليه في الصورة الأولى وبثبوت ما ادعاه المدعي على المدعى عليه في الصورة الثانية (الرابعة) من المسائل التي توجب الحق مع اليمين قوله
(وغالب الظن به الشهادة بحيث لا يصح قطع عادة)
يعني أنه يجوز للشاهد أن يستند في شهادته إلى غلبة ظنه من غير تصريح به وذلك في الأمور التي لا يصح فيها القطع والجزم عادة أو يعسر كشهادة عدلين بإعسار المديان وضرر الزوجين واستحقاق الملك ومغيب الزوج عن زوجته وتركها بدون نفقة والتعديل والتجريح والتعريف بالخط والرشد وضده وحصر الورثة ونحو ذلك وإنما وجبت اليمين فيها لأن الشهادة جاءت من الشهود على نفي العلم وذلك مقدورهم ففي الإعسار يقولان لا يعلمان له مالا ظاهرًا ولا باطنًا وحالة متصلة على ذلك حتى الآن وفي ضرر الزوجين لا يعلمان أنه رجع عن الإضرار بها وفي الاستحقاق لا يعلمان خروجه عن ملكه وفي المغيب لا يعلمان أنه ترك لها نفقة وفي التعديل لا يعلمون أنه انتقل من حالة العدالة وقس الباقي وحيث قد يكون المشهود به على خلاف الظاهر استظهر على الباطن باليمين على القول المشهور المعمول به وأنها لا تكون على البت لكن استثنى من ذلك أمور لا يمين فيها وهي حصر الورثة والترشيد وضده واستحقاق الأصول على المشهور والتعديل وضده والتعريف بالخط والأب أن أثبت العسر لينفق عليه ولده. وذكر الناظم هاته المسئلة مع المسائل السابقة مع كونها ليست من النظائر بل النصاب فيها تام لوقوع المشابهة بينهما في الجملة وهو كونها لا يتم الحق بها إلا بيمين (تنبيهان) الأول أن صرح الشهود بالقطع في المحل الذي لا يصح القطع فيه عادة بأن قالو لا مال له قطعًاأو لا وارث له سوى فلان قطعًا بطلت شهادتهم وإن لم
[ ١ / ١٠٤ ]
يصرحوا بشيء بأن قالوا لا مال له ولا وارث له سوى فلان استفسروا أن كانوا أحياء حضورًا وعمل على تفسيرهم ولا فرق فيه بين المبرز وغيره لأنه ليس من باب الزيادة والنقص في الشهادة كما تقدم فإن ماتوا أو غابوا غيبة بعيدة قبلت من أهل العلم لا من غيرهم وهكذا في كل شهادة مجملة وقيل لا تصح الشهادة في ذلك إلا إذا كانت على القطع والبت والله أعلم (الثاني) لا يعمل بشهادة العدل الواحد في العدم والترشيد وضده وضرر الزوجين والتعديل ضده ويعمل به في الباقي لكن يحلف يمينين إحداهما لتكميل النصاب والأخرى للاستظهار ولا يجمعان في يمين واحدة وكلاهما على البت قاله التسولي. وقوله قطع بالتنوين فاعل يصح وقوله (فصل) أي هذا فصل في بيان النوع الثالث من أنواع الشهادات وهو ما يوجب توقيف المدعي فيه أو يمنع من هو بيده من إحداث التغيير فيه أو تفويته أن قامت للمدعي شبهة ولطخ بما يمكن تصحيح دعواه ويسمى فصل العقلة وفصل الإيقاف (مقدمة) قال في المقدمات ختلف في الحد الذي يدخل به الشيء المستحق في ضمان المستحق وتكون الغلة له ويجب التوقيف به على ثلاثة أقوال (الأول) لا يدخل في ضمانه ولا تجب له غلة حتى يقضى له به وهو الذي يأتي على قول مالك في المدونة أن الغلة للذي هو في يده حتى يقضى بها للطالب وعليه لا يجب وقف الأصل المستحق بحيلولة ولا وقف غلته وهو قول ابن القاسم في المدونة أن الرباع التي لا تحول ولا تزول لا توقف مثل ما يحول وإنما يمنع من الأحداث فيها (الثاني) يدخل في ضمانه وتكون له الغلة ويجب وقفه بالحيلولة أن ثبت له بشاهدين أو بشاهد وامرأتين وهو ظاهر قول مالك في الموطأ الغلة للمبتاع إلى يوم يثبت الحق وقول غير ابن القاسم في المدونة يجب التوقيف أن أثبت المدعي حقه وكلف المدعى عليه الدفع (الثالث) يدخل في ضمانه وتجب له الغلة والتوقيف بشاهد واحد وهي رواية عيسى عن أبي القاسم في كتاب الدعوى والصلح أنه يحلف مع شاهده والمصيبة منه وروايته عنه في الكتاب المذكور فيمن ادعى زيتونًا وأقام شاهدًا واحدًا أن الثمرة له إذ تؤولت المسئلة
[ ١ / ١٠٥ ]
أنه استحق الأصل دون الثمرة وأما على من تأول أنه ادعى الأصل والثمرة وشهد الشاهد بهما فتخرج الرواية من هذا الباب إلى وجه متفق عليه وما وقع في إحكام ابن زياد أن التوقيف يجب في الدار بالقفل وتوقيف الغلة بالشاهد الواحد يأتي على هذا القول والنفقة أيضا تجري على هذا الاختلاف انتهى محل الحاجة وأعلم أن القول الأول هو المشهور والثاني جرى به عمل الأندلسيين كما في ابن ناجي على المدونة نقلًا عن ابن رشد وعليه درج الناظم حيث قال ووقف ما كالدور البيت الآتي (قلت) وتبعهم على هذا العمل قضاة تونس الآن وقال المتيطي اختلف في إيقاف الرباع والعقار بشاهد واحد فمنع منه ابن القاسم في المدونة وغيرها وأجازة سحنون وطرح قول ابن القاسم وكان سحنون ربما أعقل بعدل وربما لا يعقل إلًا باثنين مدة ما يعذر. وفي أحكام ابن زياد ويجب العقل بعدل في الدور وفي الأرض بالمنع من الحرث. وفي أحكام ابن بطال لابن لبابة لا تجب العقلة إلا بشاهدين وهو قول ابن القاسم وكان عبيد الله بن يحيى وكثير من أصحابه يرون العقل بالقفل مع الشاهد الواحد. وفي وثائق ابن العطار لا يجب العقل بشاهد واحد ولكن يمنع المطلوب أن يحدث في العقار شيئًا. وتقل عن ابن زرب أنه حكى الخلاف في مسائله وأن العقل بالشاهد إنما هو خاصة وبعضهم أوجب عقلها به محتجًا بقول ابن القاسم في مسئلة الزيتون. قال ابن مرزوق بعد ذكره النصوص المتقدمة (قلت) وهي أي مسئلة الزيتون التي قدمنا عن المقدمات قال أي ابن رزب ولم يرها بعضهم إلا بشاهدين وحيازتهما وبهذا جرى القضاء ببلدنا لأن الغلة بالضمان وهو من المطلوب حتى يقضى عليه انتهى (تكملة) إذا كان الشيء الموقوف بما يحتاج إلى إنفاق عليه في أيام الإيقاف كالعبد والدابة فنفقته على من يقضى له به فإن كانت لذلك الشيء الموقوف غلة كانت أبدًا للذي كان بيده حيث كان ذا شبهة إلى أن يقضى به لغيره خليل والنفقة على المقضي له به والغلة له للقضاء فضمير له الثاني عائد على الحائز المدعى عليه فالمفهوم من السياق ولا يصح عوده على
[ ١ / ١٠٦ ]
المقضي له به وإن كان مصرحًا به لأن قوله للقضاء يمنع من ذلك قاله ابن مرزوق وفي حاشية البناني على الزرقاني ما نصه قال الرجراجي فأما ما يوقف وقفًا يمنع من الاستخدام فإن كانت له غلة فنفقته من غلته وإن لم تكن له غلة فقولان أحدهما أن نفقته على من يقضى له به وهو مذهب المدونة والثاني أن النفقة عليهما معًا فمن قضي له به رجع عليه الآخر بما أنفق وهذا القول في غير المدونة وهو أصح وأولى بالصواب اهـ وقوله
(ثالثة لا توجب الحق نعم توجب توفيقًا به حكم الحكم)
هذا هو النوع الثالث من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي لا توجب الحق مطلقًا لا بيمين ولا بدون يمين ثم استشعر سؤال سائل قال له حيث كانت هاته الشهادة لا توجب حقًا للمدعي هل توجب توقيف الشيء المدعى فيه لئلا يفوته المدعى عليه فأجاب بقوله نعم توجب توقيفه وبه حكم الحاكم لمن طلبه ثم أن التوقيف تتوقف معرفته وإجراؤه على معرفة أسبابه وكيفياته فأما أسبابه فشهادة عدلين أو عدل واحد أو رجلين يحتاجان إلى التزكية أو قرينة قوية وأما كيفياته فإما بالحيلولة وإما بعدم التفويت في العقار وإما بوضعه أو وضع ثمنه أو وضع قيمته تحت يد أمين وقد أشار الناظم إلى بيان السبب الأول وكيفية التوقيف به فقال
(وهي شهادة بقطع ارتضى وبقي الأعذار فيما تقتضي)
(وحيث توقيف من المطلوب فلا غنى عن أجل مضروب)
(ووقف ما كالدور قفل مع أجل لنقل ما فيها به صح العمل)
(وماله كالفرن خرج والرحى ففيه توقيف الخراج وضحا)
(وهو في الأرض المنع من أن تعمرا والحظ يكرى ويوقف الكرا)
(قيل جميعًا أو بقدر ما يجب للحظ من ذاك والأول انتخب)
[ ١ / ١٠٧ ]
يعني أن من شهد له عدلان شهادة قطعية باستحقاق شيء من آخر وبقي للمشهود عليه الأعذار فيها أما بالطعن في شهودها وإما بظهور تناقض في فصولها أو فيما بينها وبين مقال الطالب وقف الشيء المتنازع فيه وحيث جاء توقيفه من جهة المطلوب لأنه لم يسلم الشهادة وطلب الأعذار فيها فلا غنى عن أجل يضربه القاضي له للأعذار وقدره شهر كما تقدم في الآجال فإن انقض الأجل ولم يأت بما تأجل له وتمت الشهادة بالإسقاط عليه مع عدم المعارض قضي بالشيء المتنازع فيه للطالب وإن أتى بما ينفعه قبل انقضاء الأجل رفع الإيقاف ورد الشيء الذي كان موقوفًا ليد صاحبه ولا تسمع للطالب دعوى فيه بعد تعجيزه على نحو ما تقدم ثم ينظر قبل هاته الأعمال على ما جرى به عمل القضاة إلى الشيء المتنازع فيه عند ضرب الأجل فإن كانت الدعوى في دار ليست للخراج اعتقلت بالقفل بعد أن يضرب للمطلوب أجل ثلاثة أيام لإخلائها كما تقدم فإن سأل المعقول عليه أن يبقي في الدار ما يثقل عليه إخراجه أجيب إليه وإن كانت للخراج كالرحى والفرن والحمام والفندق والحانوت وقف كراؤها وهو الظاهر لما فيه من المصلحة وعدم تفويت ما فيه غرض شرعي على صاحبه ومراعاة المصالح الشرعية أمر مطلوب لم أر في ذلك نصًا. وإن كانت الدعوى في حصة من أرض أو دار اعتقلت تلك الحصة مع الباقي الذي لا نزاع فيه حيث كان الباقي للمقوم عليه بكراء الجميع ووقف الكراء وهل يوقف جميعه وهو المنتخب عند قوم أو يوقف من الكراء بقدر الحصة المتنازع فيها وهو الظاهر عند آخرين لأن توقيف الجميع مشكل خلاف هذا أن كان الباقي للمطلوب كما عملت أما أن كان الباقي لأجنبي فلا يوقف إلا قدر الحظ المتنازع فيه اتفاقًا وإن كانت الدعوى في غير الدور والأرضين بأن كانت في العروض والحيوان وهو مفهوم قوله كالدور فإنه يوقف تحت يد أمين كما يأتي. وقوله وهي ضمير عائد على ثالثة. وقولهشهادة بقطع احترز
[ ١ / ١٠٨ ]
به من شهادة السماع فإنه لا ينتزع بها من يد حائز وفي ارتضي ضمير يعود على قطع نائب فاعل والجملة من الفعل ونائبه صفة لقطع أي شهادة بقطع مرتضى لكونه بعدلين مقبولين. وقوله المطلوب يجوز فيه ما مر وهو أن يكون المراد به المدعى عليه ويجوز أن يكون صفة لموصوف محذوف أي في الشيء المطلوب وتكون من بمعنى في أو من الأمر المطلوب خصوصًا إذا كان المتنازع فيه أمة. وقوله فلا غنى إلخ جواب حيث لتضمنها معنى الشرط ثم شرع في بيان السبب الثاني وكيفية التوقيف به فقال
(وشاهد عدل به الأصل وقف ولا يزال من يد بها ألف)
(وباتفاق وقف ما يفاد منه إذا ما أمن الفساد)
يعني أن من ادعى ملكية أصل تحت يد غيره وشهد له به عدل واحد وامتنع من الحلف مع شاهد لرجائه أن له شاهدًا آخر فإن الشيء المتنازع فيه يوقف وكيفية وقفه أن يؤمر المطلوب بعدم تفويته ببيع ونحوه ومن تغيير حاله وهو معنى قوله ولا يزال من يد بها ألف ومثل توقيف الأصل توقيف غلته إذا كانت لا تفسد كتمر وزيتون فإن لم يؤمن فسادها بطول الزمن أو كانت كبر قوق وتفاح بيعت ووقف ثمنها تحت يد أمين كما يأتي (ثم) أخذ يتكلم على السبب الثالث وكيفية التوقيف به وحكى ما يسرع له الفساد فقال
(وحيثما يكون حال البينة في حق من يحكم غير بينة)
(يوقف القائد لا الأصول بقدر ما ستكمل التعديل)
(وكل شيء يسرع الفساد له وقف لا لأن يرى قد دخله)
(والحكم بيعه وتوقيف الثمن أن خيف في التعديل من طول الزمن)
يعني إذا شهد للمدعي شاهدان لا يعرف القاضي عدالتهما ولا جرحتهما وكان المدعى
[ ١ / ١٠٩ ]
فيه أصلًا فإنه لا يوقف وإنما توقف فائدته إلى أن يعدل المشهود له الشهود ويضرب له أجل لتعديلهم بقدر ما يحصل به التعديل باجتهاد الحاكم فإذا تم تعديلهم وقف الأصل أيضا إلى تمام أجل الإعذار كما تقدم ومحل توقيف فائدته إذا كانت غير غلة بأن كانت كراء أما إذا كانت غلة فإن أمن فسادها فكذلك كما مر وإن لم يؤمن فسادها كالفواكه الرطبة والخضر وكذلك غير الغلة كاللحم فإنه ينظر فيه فإن رجي حصول ما لا يتم الحكم إلا به من تعديل وإعذار قبل فساده وقف كذلك وإن خيف فساده قبل ذلك بيع ووقف ثمنه عند أمين وإلى هذا أشار الناظم بقوله وكل شيء يسرع الفساد له وقف لا لأن يرى قد دخله البيتين. وقوله لأن اللام بمعنى إلى ويجوز في أن كونها مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر والتقدير وكل شيء يسرع الفساد له وقف لرؤية عدم الفساد فيه إلى رؤية دخول الفساد فيه ثم قام يتكلم على السبب الرابع من أسباب التوقيف وكيفية التوقيف به لإقامة البينة على عينه وهو أحد وجهين في المسألة فقال
(والمدعي كالعبد والنشدان ثبوته قام به برهان)
(أو السماع أن عبده آبق أن طلب التوقيف فهو مستحق)
(بخمسة أو فوقها يسيرًا حيث ادعى بينة حضورًا)
(كذاك مع عدل ينشدان شهد وبعد باقيهم يمينه ترد)
الأبيات الخمسة يعني أن من اعترف عبدًا أو غيره من العروض والحيوان وقامت له بينة تامة تشهد له بالنشدان والتفتيش على ذلك العبد مثلًا أو شهد له بالسماع أن عبده آبق وهرب وطلب التوقيف ليأتي ببينة تشهد له به فإن كان يدعي أن بينته حاضرة أو في حكم الحاضرة فإنه يجاب لمطلبه ويكون التوقيف مستحقًا له بحكم الشرع إلى خمسة أيام أو أكثر إلى الجمعة عند سحنون وعند ابن القاسم باجتهاد الحاكم بدون
[ ١ / ١١٠ ]
تحديد وإن كانت البينة غائبة وليست بحكم الحاضرة فلا يجاب إلى التوقيف ويحلف المطلوب أنه لا يعلم للطالب فيه حقًا ويبقى المدعى فيه بيده حتى يأتي القائم ببينته بدون كفيل وكذا الحكم أن قام له بالنشدان والبحث شاهد واحد عدل وزعم أن له شاهدًا آخر به غائبًا أو أكثر من واحد على بعد فلا توقيف أيضا بل يحلف المطلوب ويبقى بيده كذلك (الوجه الثاني) الذي لميتعرض له الناظم وهو أن من ادعى عبدًا مثلًا بيدرجل وأقام شاهدًا عدلًا أو بينة سمعت أن عبده سرق له أو هرب له وأراد وضع قيمته ليذهب به إلى بلد قاض آخر يهد له على عينه أجيب إلى ذلك لقول مالك ﵁ في المدونة من ادعى عبدًا بيد رجل وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أو أقام بينة يشهدون أنهم سمعوا أن عبده سرق له مثل ما يدعي وإن لم تكن شهادة قاطعة وله بينة ببلد آخر فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينة ليشهدوا عليه عند قاضي تلك البلدة فذلك له وإن لم يقم شاهدًا ولا بينة على سماع ذلك وادعى بينة قريبة بمنزلة اليومين والثلاثة فسأل وضع قيمة العبد ليذهب به إلى بينة لم يكن ذلك له ابن القاسم فإن قال أوقفوا العبد حتى آتي ببينتي لم يكن ذلك له إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق أو سماعًا يثبت به دعواه فإن القاضي يوقف العبد ويوكل به حتى يأتي ببينة فيما قرب من يوم فإن جاء ببينة أو سماع وسأل إيقاف العبد ليأتي ببينة فإن كانت بينة بعيدة وفي إيقافه ضرر استحلف القاضي المدعى عليه وأسلمه إليه بغير كفيل انتهى وفي ابن مرزوق ونفقة العبد في الإيقاف على من يقضي له به. وظاهر النظم ونص المدونة أنه إذا لم يكن شاهد ولا بينة سماع فلا يوقف بمجرد الدعوى وهو كذلك على المشهور وقيل يجاب لمطلبه بمجردها ويضع قيمته إذا أراد الخروج به لبينته وسواء كان البلد الذي فيه البينة قريبًا أو بعيدًا ويضرب له القاضي أجلًا بقدر ما يوصله إلى ذلك البلد ويرده وما يقيم فيه بينته فإن لم يأت تلوم لهفإن لم يأت حكم عليه وأخذ المدعى عليه القيمة كما يأخذها إذا هلك في ذهابه وبهذا جرى العمل (فإن ثبت) عند قاضي البلد الذي سافر إليه أنه عبده أنهى للقاضي الأول أنه ثبت عندنا أن هذا العبد
[ ١ / ١١١ ]
لمدعيه واستحقه وأخذ القيمة الموضوعة عند القاضي ما لم يعارضه المدعى عليه ببينة تشهد له بالملكية أيضا فإن عارضه ببينة تشهد له به وتكافت البينتان رد الحوز ليد المدعى عليه لسقوطهما كما مر ويأخذ المدعي القيمة التي وضعها فقط. وكذا أن لم يثبت أنه عبده. وقول المدونة وأقام شاهدًا عدلًا يشهد على القطع أي بأن عبده سرق أو آبق. وقوله ما القسم عنه ارتفعا كقول ابن القاسم فإن لم يحلف وقف على نحو ما تقدم قال التسولي وظاهره كظاهر المدونة أن اليمين تتوجه عليه سواء كانا ببلد واحد أو أحدهما طارئًا وليس كذلك لأنه إذا ادعى الطارئ على المقيم قال المقيم أنت لا تدعي علي معرفة ذلك وكذا العكس فلا يحلف أحدهما للآخر في طرق أحدهما كما في التبصرة انتهى (قلت) وعليه لو ادعى أحدهما على الآخر المعرفة وكان ممن يظن به ذلك لتوجهت عليه اليمين والله أعلم. وقوله والنشدان بكسر النون مصدر وتقدم معناه وبرهان أي حجة تامة كما بيناه وآبق بفتح الباء الموحدة وكسرها أي هرب ومستحق بفتح الحاء وكسرها اسم مفعول أو اسم فاعل خبر عن هو الذي هو مبتدأ والضمير تابع للمعنى فإما أن يكون عائدًا على التوقيف وأما أن يكون عائدًا على المدعي هذا إذا كان المدعى فيه غير أمة أما إذا كان أمة فلا بد من الحيلولة بينهما وبين المدعى عليه طلبها المدعي أو لم يطلبها إلا إذا كان أمينًا فإن طلب التوقيف كغيرها حيلت وإلا فلا يجب على القاضي ذلك. وقوله وبعد بضم أوله وضمير باقيهم يعود على الشاهدين به وترد بفتح أوله وكسر ثانيه من الورود وفيه ضمير مستتر تقديره هي يعود على اليمين (تنبيهان) الأول سئل سيدي عبد القادر الفاسي عمن اعترف دابة وأراد أن يقيم البينة على عينها فقال له من بيده الدابة ضع قيمتها وخذها فما وجد ما يضع فيها فهل يكفيه ضامن المال أو ضامن الوجه (فأجاب) وأما الدابة التي أراد المستحق أن يذهب بها فإنها تقوم بقيمتها وتوضع تلك القيمة تحت يد أمين فإذا قال ليس عندي قيمة وأراد أن يعطي ضامنًا بها قال ابن عبد الرفيع ليس له ذلك إلا أن يرضى من وجدت بيده انتهى (الثاني) قال الحطاب عند
[ ١ / ١١٢ ]
قول صاحب المختصر والغلة له للقضاء (فرع) قال بعض العلماء إذا ألزم المدعى عليه بإحضار المدعى فيه لتشهد عليه البينة فإن ثبت الحق فالمؤنة على المدعى عليه لأنه مبطل ملح وإلا فعلى المدعي لأنه مبطل في ظاهر الشرع ولا تجب أجرة تعطيل المدعى به في مدة الإحضار لأنه حق للحاكم لا تتم مصالح الحكام إلا به انتهى (قلت) وبهذا يبطل ما استظهره التسولي من لزوم أجرة التعطيل على المدعي وقوله (فصل) أي هذا فصل في ذكر النوع الرابع من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي توجب اليمين على المطلوب ولا توجب الحق للطالب وإليها أشار بقوله
(رابعة ما تلزم اليمينا لا الحق لكن للمطالبينا)
(شهادة العدل أو اثنتين في طلاق أو عتاق أو قذف يفي)
(وتوقف الزوجة ثم أن نكل زوج فسجن ولعام العمل)
(وقيل للزوجة إذ يدين تمنع نفسها ولا تزين)
الأبيات الأربعة يعني أنه إذا شهد عدل واحد أو امرأتان عدلتان بطلاق أو عتق أو قذف فالعمل في ذلك أن زوجة المشهود عليه بالطلاق توقف بالحيلولة بينها وبينه ويؤمر بالحلف إذا أنكر الطلاق لرد الشهادة فإن حلف برئ ولا يلزمه شيء مما نسب إليه وإن نكل عن اليمين قيل تطلق عليه في الحال وقيل لا بل يسجن ويطال سجنه العام وهو القول الذي رجع إليه مالك وجرى به العمل عند القضاة كما في النظم فإن تمادى على نكوله أطلق ويوكل إلى ديانته وتؤمر زوجته بأن تمنع نفسها منه ولا تتزين ولا تمكنه من نفسها إلا بإكراه وإذا قدرت على الافتداء منه افتدت ولو بجميع مالها خير من البقاء معه على الزنى قال بعض العلماء هذا إذا كان الطلاق الذي ادعته بائنًا أما إذا كان رجعيًا فالظاهر أنه لا يحال بينهما لأنه قد يطؤها بنية الارتجاع وذلك حلال له لأن الإشهاد عليه ليس بشرط. وانظر إذا تعذر سجن العام لموجب هل تطلق عليه في الحال كما قال الإمام أولًا أو يوعض ثم يوكل إلى ديانته
[ ١ / ١١٣ ]
وهو الظاهر لم أر في ذلك نصًا والله أعلم. وقوله أو عتاق أو قذف ما قيل في الطلاق يقال فيهما من السجن الطويل إذا أنكر المشهود عليه العتق أو القذف قال محمد بن عياض ﵀ رأيت بخط الشيخ أبي ﵀ قال قال الداودي فيمن ادعى على رجل أنه شتمه فإن كان يعرف بينه وبينه مشاررة حلف له وإلا سجن حتى يحلف أو يقرر وإن لم يكن بينه وبينه ذلك فلا شيء عليه إلا أن يقيم بينة ورأيت بخطه أيضا قال ابن أبي مريم كنت أقول فيمن أقامت عليه امرأته شاهدًا بالطلاق فنكل عن اليمين بقول ابن القاسم حتى وجدت حديث النبي ﷺ وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا ادعت المرأة طلاق زوجها وجاءت على ذلك بشاهد عدل واحد استحلفت زوجها فإن حلف بطلت عنه شهادة الشاهد وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر وجاز طلاقه قال ابن أبي مريم فأخذت به وهي رواية أشهب عن مالك وبه آخذ فإن نكل ثم أراد أن يحلف بعد لم يكن له ذلك اهـ من الجزء العاشر من المعيار وجملة يفي صفة لقذف. وفهم من تخصيصه الحكم بهاته الثلاثة أن غيرها مما لا يثبت إلا بعدلين لا يجري فيه هذا الحكم وأنه لا يمين بمجرد الدعوى لقول مالك رضي الله تعالى عنه ولو جاز هذا للنساء والعبيد لم يشأ عبد إلا حلف سيده ولا امرأة إلا حلفت زوجها كل يوم. وقوله رابعة ما تلزم اليمينا البيت ما اسم موصول واقع على الشهادة وتلزم بضم أوله من الزم الرباعي بمعنى توجب واليمين مفعوله ولا عاطفة والحق معطوف على اليمين ولكن حرف استدراك وابتداء لا عاطفة لعدم وجود شرطها الذي هو تقدم النفي أو النهي وللمطالبين بفتح اللام الأخيرة واللام الأولى بمعنى على والجار والمجرور متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله أي لكن تلزمها للمطلوب لا للطالب كما في النوع الثاني من أنواع الشهادات وتزين بفتح أوله فعل مضارع أصله تتزين بتاءين حذفت إحداهما للتخفيف (فصل) أي هذا فصل في ذكر النوع الخامس من أنواع الشهادات وهي الشهادة التي لا توجب شيئًا لأحد المتخاصمين أو عليه البتة وإنما ذكرت مع غيرها مما يوجب شيئًا ولو في الجملة كالتنبيه وإليه أشار بقوله
[ ١ / ١١٤ ]
(خامسة ليس عليها عمل وهي الشهادة التي لا تقبل)
(كشاهد الزور والابن للأب وما جرى مجراهما مما أبى)
يعني أن شهادة الزور لا تقبل لعدم العدالة وشهادة الابن للأب لا تقبل للتهمة وما جرى مجراهما مما أبى أي منع فمما جرى مجرى شاهد الزور فاقد العقل أو الحرية أو البلوغ في غير مسئلة الصبيان وعموم اجتناب الكبائر وقد تقدم الكلام عليها عند قوله وشاهد صفته المرعية الأبيات الثلاثة ومما جرى مجرى شهادة الابن للأب ظهور العداوة الدنيوية وتهمة الجر والدفع ونحوها مما تقدم أيضا (وفي) حاشية المهدي (تتمة) يكفي في رد الشهادة استرابة القاضي لها وحده ففي أحكام ابن سهل ما نصف وفي أحكام ابن زياد في رجل تردد على القاضي مشتكيًا برجلين عدلين حينًا ثم قام على المشتكي بهما رجل بدعوى فسأله القاضي بينة على دعواه فقال يشهد لي شاهدان وسمى ذينك الرجلين الذين تشكاهما المطلوب وتظلم منهما فقل له القاضي هل لك غيرهما فقال لا فاستراب القاضي ذلك وسأل الفقهاء عنه فقالوا التثبت في الشهود من أولى الأشياء وأحقها لما ظهر من كثير من الناس من الشهادة بغير الحق والذي استرابه القاضي وفقه الله مستراب إلا في العدول المبرزين في العدالة المعروفين بالخير واستقامة الطريقة على طوال الأيام ومرور المدد انتهى (قلت) لا مانع من كون المشتكي هو المتراب وكثيرًا ما يقع في هذا الزمان وقد شاهدنا ذلك مرارًا عديدة وعلى كل حال لما كانت القضاة في وقتنا هذا لا يستندون لعلمهم في شيء وهو الأحوط بهم وبالناس فإن النازلة التي تقع مثل هذه تجري مجراها على ما يقتضيه القانون الشرعي من الإعذار فيها بالوجه الذي يجرحان به بحسب الظاهر والله الموفق للصواب وقوله
[ ١ / ١١٥ ]
فصل في شهادة السماع
قال الإمام ابن عرفة شهادة السماع لقب لما يصرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع من غير معين انتهى فتخرج شهادة البت والنقل أي تخرج شهادة البت بقوله بإسناد شهادته لسماع وتخرج شهادة النقل بقوله من غير معين وسميت بذلك لأن المنقول عنه يقول للناقل أشهد على شهادتي. وهل شهادة السماع ترجع إلى النوع الأول من أنواع الشهادات الخمس بناء على أنها توجب حقًا بلا يمين أو إلى النوع الثاني بناء على أنها توجب حقًا بيمين أو هي غير داخلة فيها ويكون على الناظم درك في إسقاطها من التقسيم تردد. وعن ابن رشد أن لشهادة السماع ثلاث مراتب (الأولى) تفيد العلم واليقين وهي المعبر عنها بالتواتر كالسماع بأن مكة موجودة فهي بمنزلة الشهادة بالرؤية وغيرها مما يفيد العلم (الثانية) شهادة الاستفاضة وهي تفيد ظنًا يقرب من القطع ويرتفع عن السماع مثل الشهادة بأن عبد الرحمن هو ابن القاسم والهلال إذا رآه الجم الغفير من أهل البلد فالشهادة المستندة إليه في هاتين المرتبتين تكون على البت لا بالسماع (الثالثة) شهادة السماع التي لم يبلغ الخبر فيها مبلغ العلم أو مبلغ الظن القوي وأنه لا يجوز فيها الجزم كالمرتبة الأولى والثانية بل يصرح فيها شهودها بالسماع وهي المصطلح عليها عند الفقهاء بحيث إذا أطلقت عندهم لا تنصرف إلا إليها ولا تجوز إلا في مواضع مخصوصة بصفة مخصوصة وشروط لا تصح إلا بها لأنها جاءت على خلاف قول الله تعالى ﴿وما شهدنا إلا بما علمنا﴾ وإنما قبلت للضرورة إليها لأن طول الزمان مظنة هلاك الشهود وقد ذكر الناظم من تلك المواضع المخصوصة عند الفقهاء تسعة عشر موضعًا وإليها أشار بقوله
(وأعلمت شهادة السماع في الحمل والنكاح والرضاع)
(والحيض والميراث والميلاد وحال إسلام أو ارتداد)
[ ١ / ١١٦ ]
(والجرح والتعديل والولاء والرشد والتسفيه والإيصاء)
(وفي تملك لملك بيد يقام فيه بعد طول المدد)
(وحبس جاز من السنين عليه ما يناهز العشرين)
(وعزل حاكم وفي تقديمه وضرر الزوجين من تتميمه)
الأبيات الستة يعني أن شهادة السماع تجوز ويعمل بها في ثبوت الحمل وصفة الشهادة فيه كغيره مما عطف عليه أن يقول الشهود سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرهم أن الأمة فلانة حملت من سيدها فلان حملًا ظاهرًا لا خفاء فيه فتصير بذلك أم ولد أن ادعت سقوطه وتصدق في ذلك أن مات سيدها أو كان حيًا وأقر بوطئها فإن أنكر وطئها فلا ينفعها ذلك. وفي ثبوت أصل النكاح وقع التداعي فيه من رجل أو امرأة حيث كانت المرأة في دعوى الرجل تحت يده وفي حوزه أو ليست بيد أحد فإن كانت بيد أحد بالزوجية لم يعمل ببينة السماع لأنه لا ينزع بها من يد حائز قاله البرزلي. وفي ثبوت الرضاع لتقع به الحرمة حيث كانت الشهادة قبل العقد عليها وإلا فلا تؤثر شيئًا لأن شهادة السماع لا ينتزع بها من يد حائز كما يأتي قريبًا. وفي ثبوت الحيض ليثبت البلوغ والخروج من العدة فتنبني عليه أحكامها وفي ثبوت الميراث أن لم يكن له وارث ثابت النسب وإلا فلا يعمل بها كما لا يعمل بها في المناسخات (وصفة العمل في هذا) الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكرهم فلانًا معرفة صحيحة تامة ويشهدون أنهم سمعوا سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرهم أنه ابن عم فلان المعروف عندهم المعرفة التامة يجتمع معه في جدة فلان ويعلمون أنه توفي منذ كذا فأحاط بميراثه زوجته فلانة وابن عمه فلان المذكور لا يعلمون له وارثًا ولا عاصبًا سوى من ذكر وقيدوا إلخ. وفي ثبوت الولادة لتخرج من العدة وتصير به الأمة أم ولد وتخرج من الاستبراء. وفي ثبوت إسلام الكافر وكفر المسلم لتنبني عليهما أحكامهما من إرث وعدمه. وفي ثبوت جرحة الشاهد
[ ١ / ١١٧ ]
فترد شهادته والتعديل فتقبل حيث لم يدرك الشهود زمن الذي جرحوه أو عدلوه فإن أدركوا زمنها فلابد من شهادة القطع وإلا فلا يعمل بها قاله ابن سلمون وبه تعلم سقوط قول من قال من أهل العصر في فتواه بغير نص ولو خارج المذهب أن الشاهد إذا مات لا يجرح فيه فهو كلام بعيد لا يلتفت إليه ألم يعلم أن الروات يجرحون بعد الممات لينبذ ما قالوه من الروايات فكيف لا يكون ذلك في باب الشهادات. وفي ثبوت الولاء المشهور الشائع حيث شهدت البينة أنه مولاه لتجري عليه أحكام الولاء. وفي ثبوت الرشد فتمضي أفعاله. وفي ثبوت التسفيه فترد أفعاله. وفي ثبوت الإيصاء مطلقًا سواء كان بالنظر على الأولاد فتجري عليه أحكام التصرف في مالهم أو بالمال كالهبة. وفي استمرار تملك لملك بيد إنسان يقم عليه فيه بعد مدة طويلة كعشرين سنة أو قربها على ما به العمل وذلك فيما إذا قدم إنسان من المغيب أو بلغ الصبي مثلًا وأثبت بعد ذلك أن الملك له قد انجر له من أبيه أو جده وأثبت الموت والوراثة وتناسخ الوراثات أن كان ثم تناسخ فقال الذي بيده الملك أنه اشتراه من قوم قد انقرضوا وانقرضت البينة وأتى ببينة تشهد على السماع بأنه اشتراه من أبي القائم أو جده فإن هاته الشهادة تنفعه ويبقى الملك بيده. وفي ثبوت حبس بيد مدعيه أو لم يكن تحت يد أحد وقد مضى عليه زمن طويل يقارب عشرين سنة (وصفة العمل فيها) كما في ابن عرضون الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكر أسمائهم عقب التاريخ جميع الدار مثلًا التي بموضع كذا يحدها كذا ويشهدون مع ذلك بأنهم لم يزالوا يسمعون سماعًا فاشيًا مستفيضًا على السنة أهل العدل وغيرم أن جميع الدار المذكورة المحدودة حبس على كذا ويعلمون أنها تحاز بما تحاز به الأحباس وتحترم بحرمتها واتصل ذلك في علمهم حتى الآن ويحوزونها بالوقوف عليها متى دعوا إلى ذلك وقيدوا بذلك شهادتهم مسئولة منهم. وإن كان حبسًا خاصًا بالعقب وأن الزوجة لا تدخل فيه زدت وأنهم يعرفون أن من مات منهم لا تدخل في نصيبه زوجته وتهلك ابنة الميت فلا يدخل ولدها في ذلك ولا زوجها وإن ضمنت إقرار
[ ١ / ١١٨ ]
الساكنين فيها بأن سكناهم فيها على وجه الحبس فهو أتم انتهى وقوله ويعلمون أنها تحاز بما تحاز به الأحباس إلخ هكذا تكون على القطع فإن أدخلت تحت السماع بطلت على القول المعمول به (فرع) قال في الكافي والشهادة على السماع عاملة في أن بني فلان لم يكن لهم دخل في حبس فلان انتهى (تنبيه) وفي الغرناطي الاسترعاء بمعرفة الحبس لابد أن تذكر فيه يحاز بما تحاز به الأحباس وأنه يحترم باحترامها ولا تذكر المحبس له لئلا يكلف القائم بالحبس إثبات موت المحبس وتتناسخ ورثاته وملكه له انتهى ومثله في نوازل البرزلي. وقولنا بيد مدعيه احتراز عما إذا كان بيد مدعي ملكيته وأنكر الحبيسة فإن بينة الحبس بالسماع لا تفيده لأنه لا ينتزع بها من يد حائز على القول المشهور المعمول به كما مر. وأعملت في عزل حاكم فلا يمضي حكمه وفي ثبوت تقديمه فيمضي حكمه. وفي ثبوت ضرر الزوج بزوجه لينبني عليه الزجر والطلاق ورد الخلع كما هو مبين في موضعه (وصفة العمل في ذلك) الحمد لله يعرف شهوده الآتي ذكرهم فلانًا بن فلان وفلانة بنت فلان معرفة تامة ويعلمون بالسماع الفاشي المستفيض على السنة اللفيف من النساء والجيران وغيرهم أن فلانًا الزوج المذكور لم يزل يضر بزوجه المذكورة في نفسها ومالها ويسيء عشرتها ويتكرر ذلك لها منه المرة بعد المرة من غير ذنب تستوجب به ذلك ولا يعلمون أنه رجع عن ذلك بوجه إلى الآن إلخ قاله ابن سلمون (وزيد) على ما ذكره الناظم مواضع أخر تجوز فيها شهادة السماع وهي حل النكاح بطلاق أو غيره وإلا باق واللوث بأن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا أن فلانًا قتل فلانًا والإعسار والعتق والأسر أي أن فلانًا أسره العدو والهبة والحرابة بأن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا مستفيضًا من أهل العدل وغيرهم أن فلانًا محاربًا وكذا في الرهن قاله الحطاب وقد نظمتها فقلت
والحل للنكاح والآباق واللوث والإعسار والعتاق
والأسر والهبة والحرابة والرهن منها فاعلم الإصابة
وأنهاها بعضهم إلى نيف وستين لكن لما كان فيها تداخل كما في ابن مرزوق اقتصرت
[ ١ / ١١٩ ]
على هذا القدر ومن أراد الزيادة على هذا فليراجع شرح الشيخ التاودي (ولما) فرغ من ذكر المواضع التي تجوز فيها شهادة السماع شرع في بيان شروط صحتها فقال
(وشرطها استفاضة بحيث لا يحصر من عنه السماع نقلا)
(مع السلامة من ارتياب يفضي إلى تغليظ أو إكذاب)
(ويكتفي فيها بعدلين على ما تابع الناس عليه العملا)
الأبيت الثلاثة ذكر فيها لصحة شهادة السماع أربعة شروط (الأول) الاستفاضة والمراد بها هاهنا أن يكون المنقول عنه غير معين ولا محصور ولا الاستفاضة المتقدمة المنقولة عن ابن رشد (الثاني) عدم تسمية المنقول عنه كما نبه عليه بقوله بحيث لا يحصر بقية البيت (الثالث) انتفاء الريبة والتهمة كان يشهد اثنان بالسماع وفي القبيلة والبلد مائة أو أكثر من أسنانهما لا يعرفون شيئًا من ذلك لم تقبل لغلطهما أو كذبهما إلا أن يكونا شيخين كبيرين قد باد جيلهما فتقبل لسلامتها من ريبة الغلط أو الكذب (الرابع) تعدد الشهود اثنان فأكثر وأقل ما يجزيء فيها عدلان على القول المعمول به وقيل لا يجزيء فيها أقل من أربعة شهود أما العدل الواحد فلا يجزيء فيها اتفاقًا لضعف أصلها. وقد زيد عليها شروط أربعة طول المدة في جميع أفرادها ما عدى ضرر الزوجين كما في ابن رحال ولا يجب في الشهادة بيان مدة السماع على ما جرى به العمل عند غير واحد من الموثقين كما في المتيطية. وصفتها قال الإمام ابن عرفة الباجي وشرط شهادة السماع أن يقولوا سمعنا سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم وإلا لم تصحح انتهى والاستفاضة هي الفشو كما في ابن عاشر وقيل الجمع فيها بين أهل العدل وغيرهم ليس شرطًا والعمل على الأول (قلت) لعل العمل على الأول في غير ضرر الزوجين. وأن تكون لمن الشيء تحت يده كما مر عند قوله وحبس جاز من السنين البيت وقد يستفاد هذا من قول الناظم وفي تملك لملك بيد إلخ (قال) الشيخ عظوم القيرواني في المباني اليقينية شهادة السماع على
[ ١ / ١٢٠ ]
أرض أو دار في يد غير المشهود له بها فلا تنزع من هذا ليتمكن منها القائم بمجرد شهادة السماع إلا أن يشهد العدول على البت أو أنهم سمعوا من العدول أو أشهدهم بذلك العدول فيكون هذا من باب النقل الصحيح انتهى (قلت) قوله فيكون هذا من باب النقل الصحيح ظاهر فيما إذا أشهدهم العدول بذلك أما إذا لم يشهدوهم بذلك فهي مسألة شهادة السماع فلا بد من استفتاء شروطها. وفي حاشية الشيخ المهدي قال الشيخ الرماصي المالكية مطبقون على التعبير بأنه لا ينزع بها من يد حائز وإنما تجوز للحائز وتحليف المشهود له على ما قال بعضهم لأن السماع ضعيف فلابد معه من اليمين ولا يقال لعل السماع وقع من شاهد واحد فلهذا وجبت اليمين لأنه لو كان كذلك لاقتضى خروج ما لا يثبت إلا بشاهدين قاله الزرقاني. وقوله لا يحصر من عنه السماع نقلا البيت لا نافية ويحصر فعل مضارع مبني للنائب ومن اسم موصول نائب فاعل والسماع مبتدأ وجملة نقلًا من الفعل ونائب الفاعل المضمر العائد على المبتدأ خبره وعنه جار ومجرور متعلق بنقلا وألفه للإطلاق والجملة من المبتدأ والخبر ومتعلقه صلة من لا محل لها من الإعراب والرابط بين الصلة والموصول ضمير عنه (وقوله).
فصل في مسائل من الشهادات
ذكر الناظم في هذا الفصل أربع مسائل القيام بالشهادة الناقصة والاستظهار بالبينة بعد إنكار المدعى عليه وتعارض البينات وكيفية العمل في الشيء إذا ادعاه شخصان فالأولى قوله
(ومن لطالب بحق شهدا ولم يحقق عند ذاك العددا)
(فمالك عنه به قولان للحكم في ذاك مبينان)
(إلغاؤها كأنها لم تذكر وترفع الدعوى يمين المنكر)
[ ١ / ١٢١ ]
(أو يلزم المطلوب أن يقرأ ثم يؤدي ما به اقرأ)
(بعد يمينه وأن تجنبا تعيينا أو عين والحلف أبى)
(كلف من يطلبه التعيينا وهو له أن أعمل اليمينا)
(وما على المطلوب إجبار إذا ما شاهدوا في أصل ملك هكذا)
الأبيات الثمانية يعني أن من شهد لرجل مثلًا بحق على آخر وكان مما يعد ولم يحقق عدده وقت أداء الشهادة ففي إلغاء شهادته وأعمالها قولان منقولان عن الإمام مالك مبينان للحكم في الذي شهد الشهادة المذكورة أي في شهادته (أحدهما) إلغاؤها لكونها كالعدم وعلى المطلوب المنكر يمين يرفع بها دعوى المدعي على الأصل وله قلبها على الطالب (وثانيهما) أن يكلف المدعى عليه بتعيين ما في ذمته لوجود قرينة قوية عند المدعي فإن عين قدرا حلف عليه وأداه وإن لم يعين شيئًا أو عين وامتنع من الحلف هدد فإن استمر على إبايته قيل للطالب عين مالك عليه فإن عين قدرًا وكان مما يشبه حلف عليه ويلزم المطلوب ما عينه وإن لم يعين شيئًا أو عين وأبى الحلف بطل حقه والقول الأول هو الأعرف لكن القول الثاني هو الذي به القضاء وتقدمت الإشارة إليه عند قول الناظم والمدعى فيه له شرطان. واعترض على الناظم بأن كلامه مخالف للنقل حيث أشار إلى أن المدعى عليه يكلف بالإقرار إذا أباه قبل أن يؤمر المدعي بالتعيين وليس كذلك بل لا يكلف إلا إذا امتنع الطالب من التعيين لعدم علمه بقدر الحق فقد نقل عن ابن يونس عن ابن حبيب عن مالك أنه إذا جحد المطلوب قيل للطالب أن عرفته فاحلف عليه وخذه فإن قال لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي أو أعرفه ولا أحلف فيسجن المطلوب حتى يقر بشيء ويحلف عليه فإن أقر بشيء ولم يحلف أخذ منه وحبس حتى يحلف اهـ فلم يبطل حق الطالب إذا قال لا أحلف أو قال لست أعرفه (قلت) فلو قال ظم عقب قوله وترفع الدعوى البيت
[ ١ / ١٢٢ ]
أو يؤمر الطالب بالتبيين ويستحقه مع اليمين
فإن أبى من البيان والحلف الزم مطلوب بأن قد يعترف
فإن بشيء قد أقر لزمه بعد يمينه عليه فاعلمه
فإن أبى من كل ما قد وصفا سجنه القاضي إلى أن يحلفا
والأول اختيار بعض من مضى والثاني أولى وبه جرى القضا
لكان نصًا في المسألة هذا كله إذا كانت الشهادة في الحقوق المالية المتعلقة بالذمة أما إذا كانت في معين كحصة من دار مثلًا فإنه يكلف المطلوب بتعيينه فإن أبى أو عينه وامتنع من الحلف فإنه يحال بينه وبين الدار حتى يحلف فإن أقر بشيء منها أخذ منه ووقف الباقي وهكذا إلى أن يحلف كما تقدم في الدعوى. وقوله وما على المطلوب إجبار يعني لا يجبر بالسجن كما في المسألة الأولى على ما في النقل وهو مفهوم من قوله أو يلزم والإلزام لا يكون إلا بذلك بل يجبر بالحيلولة كما قررنا به كلامه. وقوله ومن لطالب إلخ من بفتح الميم اسم موصول بمعنى الذي تضمن معنى الشرط وذاك إشارة لوقت أداء الشهادة وجملة فمالك عنه إلخ جواب الشرط وضمير عنه يرجع لمالك وضمير به يرجع للفرع المسؤول عنه وذاك الثاني إشارة إلى من ومبينان يجوز فيه كسر الياء وفتحها صفة لقولان والغاؤها بدل من قولان بدل مفصل عن مجمل وهو القول الأول ويمين بالرفع فاعل ترفع. وقوله أو يلزم أو حرف عطف ويلزم بضم أوله وفتح ما قبل آخره فعل مضارع مبني للنائب منصوب بأن مضمرة جوازًا لوقوعها بعد عاطف مسبوق باسم خالص على حد قول الله ﷿ ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا﴾ في قراءة من قرأ من السبعة بنصب يرسل فإن المحذوفة وما دخلت عليه في تأويل مصدر عطف على قوله الغاؤها أي إلغاؤها أو إلزام المطلوب. وقوله المطلوب نائب فاعل وقوله والحلف بفتح الحاء وسكون اللام وذاك الأعرف إشارة إلى الأول لا للقول الثاني لأنه لو أراد الثاني لقال وهذا الأعرف وإنما حمله الشارح على الثاني ليكون موافقًا لما به القضاء (والثانية) قوله
[ ١ / ١٢٣ ]
(ومنكر للخصم ما ادعاه اثبت بعد أنه قضاه)
(ليس على شهوده من عمل لكونه كذبهم في الأول)
يعني أن من قام لدى القاضي بدعوى دين مثلًا على آخر فأجاب المدعى عليه بالإنكار فلما استظهر المدعي بالبينة ورأى المدعى عليه من نفسه العجز عن الطعن فيها أو تذكر أن له بينة عليه في ذلك رجع عن إنكاره واعترف بالدين وادعى أنه كان قضاه له وله بينة تشهد بذلك فالعمل على عدم سماع بينته على الأشهر لكونه أسقطها بإنكاره ولأن كل من اضطرب كلامه وتناقضت مقالته سقطت دعواه وحجته إذ لا فرق في هذا بين المدعي والمدعى عليه. وظاهر النظم أن بينته لا تنفعه مطلقًا سواء كان عالمًا بأن ذلك يضره أو لا وسواء نفى أصل المعاملة أو نفى الدين فقط وسواء كانت لدعوى في الأصول والحدود أو في غيرهما وليس كذلك بل المسألة فيها تفصيل (ففي) الحطاب عند قول صاحب المختصر وإن أنكر القبض فقامت البينة فشهدت بينة بالتلف ما نصه قال ابن فرحون في الباب السادس والخمسين من القسم الثاني من تبصرته من ادعى على رجل دينا من سلف أو قراض أو وديعة أو بضاعة أو رسالة أو رهن أو عارية أو هبة أو صدقة أو حق من الحقوق فجحد أن يكون عليه شيء من ذلك فلما خاف أن تقوم عليه البينة أقر وادعى فيه وجهًا من الوجوه يريد إسقاط ذلك عن نفسه لم ينفعه ذلك وإن قامت له البينة على ما زعم أخيرًا لأن جحوده أولا أكذب البينة فلا تسمع وإن كانوا عدولًا (تنبيه) وكذلك الحكم أن لم يقر ولكن قامت بذلك بينة فأقام هو بينة أيضا على رد السلف أو الوديعة أو القراض أو البضاعة أو الرسالة أو على هلاك ذلك فلا ينفعه لأنه بإنكاره مكذب لذلك كله هذا قول الرواة أجمعين ابن القاسم وأشهب وابن وهب ومطرف وابن الماجشون (فرع) وأما أن قال ما لك علي سلف ولا ثمن سلف ولا لك عندي وديعة ولا قراض ولا بضاعة فلما ثبت وذلك قبله بالبينة أقر بذلك وزعم أنه رد الوديعة والسلعة أو غير ذلك مما يدعى عليه أو
[ ١ / ١٢٤ ]
ادعى هلاكه وأقام على ذلكبينة فههنا تنفعه البراءة لأن قوله ما لك شيء يريد في وقته هذا وأما في الصورة الأولى إذا قال ما أسلفتني ولا أودعتني فليس مثل قوله هنا ما لك علي سلف (قال) ابن حبيب وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا عند الرواة إلا أني رأيت في كتاب الأقضية من السماع شيئًا يخالف هذا وأظن له وجهًا يصحح معناه أن شاء الله وذلك أنه سئل مالك عن رجل بعث معه رجل بعشرين دينارًا يبلغها إلى الجار والجار موضع وكتب إليه كتابًا وأشهد عليه عند دفعه إليه فحمل الكتاب وبلغه إلى من أرسل إليه فلما قرأه سأله عن الذهب فجحده إياه ثم أنه قدم المدينة فسأله الذي أرسل معه الذهب وقال له أني أشهدت عليك فقال له أن كنت دفعت إلي شيئًا فقد ضاع فقال مالك ما أرى عليه إلا يمينه وأرى هذا من مالك إنما هو في الجاهل الذي لا يعرف أن الإنكار يضره وأما العالم الذي يعلم أنه يضره ثم يندم عليه بعد ذلك فلا يعذر من كتاب الرعيني اهـ كلام ابن فرحون وهذا كله كلام الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار غير أن الرعيني زاد بعده ورأيت لابن مزين لفظة أنه قبل بينة على القضاء وإن جحدوه وقال ما أسلفتني قط شيئًا والأول أصوب أن شاء الله. وفي مسائل العيوب من البرزلي فيمن قيم عليه بعيب فأنكر البيع فلما ثبت عليه زعم أن المشتري اعتمر وعرض للبيع بعد اطلاعه على العيب فقال هاشم بن محمد هذا تناقض لأنه كذب بينته قلت هذه المسئلة تجري على مسئلة من طولب بشيء فأنكره وأقيمت عليه البينة فأتى بحجة توجب قبول قوله وفيها خلاف مشهور في المدونة من مسئلة اللعان والتخيير والوديعة وغيرها حكاه ابن رشد وغيره انتههى وادعى ما يسقط ذلك فلا تسمع دعواه ولا بينته ولو كانت بينة عادلة بخلاف ما إذا قال ما لك علي سلف ولا وديعة ولا قراض أو قال ما لك عندي حق ثم أقر بعد ذلك أو قامت عليه البينة فادعى ما يسقط ذلك فإنه تسمع دعواه أو بينته وقد صرح بذلك في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الدعوى والصلح وبذلك صرح المصنف
[ ١ / ١٢٥ ]
في باب الأقضية وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة ثم لا تقبل بينة بالقضاء بخلاف لا حق لك علي انتهى وينبغي أن يقيد ذلك أيضا بما قاله الرعيني وهو أن يكون المدعى عليه يعرف أن الإنكار يضره وأما أن كان يجهل ذلك ولا يفرق بين قوله ما أسلفتني وما أودعتني وبين قوله ما لك عندي سلف ولا وديعة فيعذر بالجهل إلا إذا حقق عليه وقدر عليه وقيل له أنت تنكر هذا أصلا فإذا قامت عليه البينة فلا تسمع بينتك فإذا استمر على ذلك فحينئذ لا تسمع بينته وينبغي أن يقيد ذلك بغير الحدود والأصول لأن هذا قول ابن القاسم وابن كنانة انتهى قال الشدادي وبهذا القيد جرى العمل وفي جواب لأبي القاسم السيوري اختلاف قول المؤتمن يوجب ضمانه لما اؤتمن عليه كما في وكالات الحاوي. وقول الناظم كغيره كذبهم يعني بالتضمن لا بالتصريح لأن بينة القضاء تتضمن الإقرار بالمعاملة التي تفرع القضاء عنها وإنكاره المعاملة أو لا تكذيب لبينة القضاء وقال بعضهم المراد بتكذيب البينة إسقاطها بالإعراض عنها أولا فإذا استظهر بها في نازلة أخرى فإنها تقبل فلو قال الناظم بدل كذبهم أسقطهم لكان أظهر. واعلم أن الخلاف الجاري بين أهل المذهب في المسئلة مبني على قاعدة وهي مضمن الإقرار وهل هو كصريحه أولا فمن قال هو كصريحه أسقط دعواه وبينته إذا انتقل من الإنكار إلى الإقرار وادعى الخلاص أو الضياع ومن قال مضمن الإقرار ليس كصريحه قال ينفعه ذلك ولا يضره الانتقال من الإنكار إلى الإقرار وإذا أردت بسط المسئلة فانظرها في شرح المنجور على الزقاقية الأصلية وقد علم مما تقدم أن المعول عليه من الخلاف هو التفصيل المذكور (والثالثة) قوله
(وفي ذوي عدل يعارضان مبرزًا أتى لهم قولان)
(وبالشهيدين مطرف قضى والحلف والأعدل أصبغ ارتضى)
(وقدم التاريخ ترجيح قبل لا مع يد والعكس عن بعض نقل)
(وإنما يكون ذاك عند ما لا يمكن الجمع لنا بينهما)
[ ١ / ١٢٦ ]
ولما ذكر ما يسقط الشهادة من تجريح ورجوع ونقصان شرع يتكلم على ما يسقطها من جهة التعارض والتعارض لغة هو التدافع والتمانع والتنافر كل ذلك متقارب قاله الرصاع وفي الاصطلاح هو أن تشهد بينة بشيء ثم تشهد الأخرى بنقيضه فإنه لا يصح إعمالهما معً لأن فيه جمعا بين نقيضين وهو محال فلا بد من طرح إحداهما وإعمال الأخرى لمرجح يقتضي تقديم المعملة أو طرحها معا أن عدم الترجيح وتعذر الجمع بينهما فالترجيح يكون بأمور (منها) بيان سبب الملك كالنسج والنتاج فإن شهدت إحدى البينتين بأنه ملك لزيد نسجه أو نتج عنده وشهد الأخرى بأنه ملكه فإنها تقدم على من أطلقت لأنها زادت بيان سبب الملك من نسج أو نتاح (ومنها) زيادة عدالة لا عدد إلا إذا كثر العدد جدًا في إحدى البينتين وهل يحلف مقيمها بناء على أن زيادة العدالة كشاهد واحد وهو الراجح أو لا يمين عليه بناء على أنها كشاهدان قولان (ومنها) شهادة الملك فإنها تقدم على شهادة الحوز فقط ولو كان تاريخ الحوز سابقًا لأن الحوز قد يكون عن ملك وغيره فهو أعم من الملك والأعم لا يستلزم الأخص بخلاف العكس إلا إذا شهدت بينة ولو بالسماع أن هذا الحائز أو من ورثها الحائز عنه أو من اشتراها الحائز منه ابتاعها من هذا القائم أو ممن ورثها القائم منه أو ممن اشتراها منه فحينئذ تقدم على بينة الملك كذا في ابن مرزوق عند قول الشيخ خليل وجازت بسماع فشا عن ثقات وغيرهم بملك لحائز متصرف طويلا وقدمت بينة الملك إلا بسماع أنه اشتراها أي الدار مثلا من كأبي القائم اهـ (ومنها) الناقلة على المستصحبة فإذا شهدت بينة أن هذه الدار مثلًا لزيد أنشأها من ماله لا يعلمون أنها خرجت عن ملكه بناقل شرعي وشهدت أخرى أن عمر اشتراها من زيد مثلًا لأن من علم شيئًا يقدم على من لم يعلم وفي الحقيقة ليس هنا تعارض لأن قول المستصحبة لا يعلمونها خرجت عن ملكه لا يقتضي عدم الخروج لأنه يفيد نفي العلم بالخروج لا نفي الخروج وإنما يحصل التعارض الحقيقي لو شهدت المستصحبة بأنها باقية على ملكه إلى الآن أو أنها لم تنتقل عن ملكه
[ ١ / ١٢٧ ]
إلى الآن بناء على القول المرجوح وهو أن الشهادة لا تقبل إلا على القطع (ومنها) المثبتة على النافية كان تشهد إحدى البينتين بأن هندا بالغ أو أن الزوج كفؤ لها أو أن زيدًا باع أو طلق زوجته بوقت كذا وشهدت الأخرى بأنها غير بالغ أو الزوج غير كفؤ أو لم يتلفظ بالبيع أو الطلاق في ذلك الوقت. أو شهدت إحدى البينتين بمعاينة حوز الصدقة وشبهها يتصرف فيها المتصدق عليه إلى مرض موت المتصدق وشهدت الأخرى برؤية المتصدق بتصرف فيه إلى مرض الموت فإن بينة الحوز اعمل لأنها أوجبت حقًا كذلك إلا إذا سقط من الشهادة الأولى الاستمرار إلى مرض الموت فإن النافية تقدم عليها. وكذا إذا شهدت إحدى البينتين بأن زيدًا قتل عمرًا يوم كذا في وقت كذا وشهدت الأخرى بأنه كان في ذلك الوقت من ذلك اليوم ببلد بعيد فإن شهادة القتل اعمل لأنها أوجبت حكمًا وهو القصاص ابن رشد هذا مشهور المذهب وقال القاضي إسماعيل يقضي ببينة البراءة أن كانت أعدل وإن استويتا في العدالة سقطتا ابن عبد البر هذا هو الصحيح إذ لا ينبغي أن يقدم على الدم إلا بيقين دون شك ومال إليه الحطاب واعتمده ابن رحال وقال لا ينظر للأعدلية لأنها إنما ينظر إليها فيما يثبت بالشاهد واليمين (ومنها) الشهادة الحسية على الشهادة العرفية ويكون ذلك عند اختلاف الزوجيت في متاع البيت فما كان صالحا للرجال فهو للزوج ما لم تشهد بينة بأن المرأة هي التي اشترته من مالها فيكون لها وما كان صالحًا للنساء فهو للزوجة ما لم تشهد بينة للزوج بأنه اشتراه من ماله فيكون له إلا ما يكتبه الناس في عقود الأنكحة والبيوع على الطوع وعرف البلد على الشرط فإنه تقدم فيه الشهادة العرفية على الحسية على القول المعمول به كما في الفتاوي البرزلية والزقاقية (ومنها) بينة الصحة والفساد فبينة الصحة اعمل لأن الأصل في عقود المسلمين الصحة ما لم يغلب الفساد (ومنها) بينة التسفيه والترشيد فبينة السفه اعمل بالنسبة لإطلاقه من الحجر وأما بالنسبة للبيع ونحوه فتقدم بينة الترشيد لأنها أوجبت صحة العقد (ومنها) بينة التعديل والتجريح فبينة التجريح اعمل كما تقدم (ومنها) بينة الصحة والمرض
[ ١ / ١٢٨ ]
فبينة الصحة اعمل من بينة المرض (ومنها) بينة الطوع والإكراه فبينة الإكراه اعمل وكذا كل ضرر ولو أدى ذلك لفسخ العقود إذ لا ثمرة لها إلا ذلك (ومنها) بينة العدم والملا فتقدم بينة الملا بينت أم لا على ما به العمل (ومنها) شهادة عدلين على شهادة شاهد أعدل منهما مع يمين على واحد قولين لقول ابن رشد إذ من أهل العلم من لا يرى الشاهد واليمين إلى هذا الفرع أشار الناظم بقوله
(وفي ذوي عدل يعارضان مبرزًا أتى لهم قولان)
(وبالشهيدين مطرف قضى)
يعني أن مطرف بن عبد الله الهلالي ابن أخت مالك وتلميذه قدم شهادة الشهيدين العدلين على الشاهد مع اليمين ولو كان أعدل أهل زمانه وقاله ابن الماجشون ورواه أصبغ عن ابن القاسم واستظهره ابن رشد كما تقدم. ومقابله قوله (والحلف والأعدل أصبغ ارتضى) يعني أن أصبغ ابن الفرج تلميذ ابن القاسم وأشهب وابن وهب وشيخ ابن المواز وابن حبيب وغيرهما اختار تقديم شهادة الشاهد الأعدل مع اليمين على الشاهدين ابن رشد وهذا بعيد عن القياس وقوله الحلف بفتح الحاء وسكون اللام بالنصب مفعول ارتضى مقدم والأعدل معطوف عليه وأصبغ بالرفع مبتدأ وجملة ارتضى خبره. وكذا تقدم شهادة عدلين على شهادة عدل واحد وامرأتين لأن المرأتين في الرتبة الثانية بعد الشاهدين قال الله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ قاله ابن مرزوق فإن كان الذي معهما مبرزًا قدم عليهما (ومنها) المؤرخة فإنها تقدم على غير المؤرخة (ومنها) قدم التاريخ بأن كان تاريخ إحداهما أقدم من الأخرى فإنها ترجح بذلك القدم لأن الملك ثبت للأقدم والأصل بقاء ما كان على ما كان وإلى هذا الفرع أشار الناظم بقوله (وقدم التاريخ ترجيح قبل) ولو كانت المتأخرة أعدل من المتقدمة. وقوله (لا مع يد) أي قبل وقدم قدم التاريخ على حادثة التاريخ مع عدم يد الآخر لا مع يده أما إذا كان المتنازع فيه بيد صاحب
[ ١ / ١٢٩ ]
حديثة التاريخ فإنه لا ينتزع من يده لأن تركه تحت يده يتصرف فيه كيف شاء وهو ينظر إليه يكون قاطعًا لحجته هذا هو مراد الناظم وحمله عليه الشارح وهو الصواب كما في حاشية الشيخ المهدي. وقوله (والعكس عن بعض نقل) يعني تقديم ذات التاريخ الأقرب ولو كان الشيء بيد الآخر قيل وهو نقل غريب (قال) الشيخ البناني لا يقال أن حديثة التاريخ ناقلة لأنا نقول شرط الترجيح بالنقل أن تكون شهادته مشتملة على ذكر سبب النقل وهنا أن ما شهدت بالملك غير أن إحداهما قالت ملكه منذ عامين والأخرى قالت ملكه منذ عام واحد فالأصل الاستصحاب انتهى فإن لم يكن مرجح لإحدى البينتين سقطتا معا وبقي الحوز بيد حائزه بيمين فإن رجحت بينة مقابلة أخذه بيمين كذلك على القول المشهور وقيل أن الحائز لا ينتفع بينته مطلقًا وإن بينة المدعي هي المعتبرة لتخصيص البينة به في الحديث هذا كله أن تعذر مطلقًا وإن بينة المدعي هي المعتبرة لتخصيص البينة به في الحديث هذا كله أن تعذر الجمع بين البينتين فإن أمكن الجمع بينهما جمع وإليه أشار الناظم بقوله
(وإنما يكون ذاك عندما لا يمكن الجمع لنا بينهما)
مثاله من قال لرجل أسلمت إليك هذا الثوب في مائة ويبة قمحا وقال الآخر بل هذين الثوبين في مائة ويبة قمحا وأقام كل واحد منهما بينة وكانتا في مجلسين فيقضي بالثلاثة الأثواب في مائتين قال الشيخ أحمد الدردير إنما يتم هذا لو ادعى المسلم بالمائتين وإلا فكيف يقضي له بما لم يدعه انتهى فإن كانتا في مجلس واحد وكل واحدة تنفي أ. يكون تكلم بغير ما شهدت به فهو تكاذب يحكم بأعدل البينتين فإن تكافأنا سقطتا (فرعان الأول) قال ابن عبد البر في الكافي ما نصه وإذا شهد شهود على رجل بقتل رجل فاقر غير المشهود عليه بقتل ذلك الرجل فأولياؤه مخيرون في قتل من شاؤوا منهما وقد قيل يقتلان جميعًا أحدهما بالشهادة والآخر بالإقرار لأنه يمكن أن يكونا شريكين في قتله وقيل بل يقتل المقر وحده انتهى وقد رأيت في بعض الكتب المعتمدة ولم يحضرني الآن أن القول الأخير هو الراجح ورجحانه ظاهر
[ ١ / ١٣٠ ]
وهو أن شرط أعمال الشهادة أن تكون سالمة من الريبة التي تقضي إلى تغليظ وإكذاب ومن المعلوم أن الريبة من القوادح المعتبرة ولما كانت المسئلة فيها نوع إشكال فعلى الحاكم إمعان النظر فيها والتأني فإن الدماء أمرها خطير لا يقدم عليها إلا بأمر لا شبهة فيه (الثاني) سمع عيسى ابن القاسم من قدم للقتل بقسامة فقال رجل أنا قتلته فقال رجل يقتل هذا أولًا بالقسامة وهذا بإقراره ولا آخذ به قال ابن القاسم في المجموعة أن شاؤوا قتلوا الأول أو قتلوا المقر بإقراره ولا يقتلون إلا واحد منهما وقال أصبغ وابن عبد الحكم كقول ربيعة أنهما يقتلان معا وفي قتل المقر بقسمة أو دونها قولان لابن القاسم انتهى قلشاني على الرسالة. وقوله وإنما يكون ذاك إلخ الإشارة راجعة للتعارض الموجب لترجيح إحدى البينتين على الأخرى وما مصدر به وجملة لا يمكن الجمع صلتها وهي مع صلتها في تأويل مصدر أي عند عدم إمكان الجمع (والرابعة) وهي من متعلقات ما قبلها (قوله)
(والشيء يدعيه شخصان معا ولا يد ولا شهيد يدعى)
(يقسم ما بينهما بعد القسم وذاك حكم في التساوي ملتزم)
(في بينات أو نكول أو يد والقول قول ذي يد منفرد)
(وهو لمن أقام فيه البينة وحالة الأعدل منها بينة)
الأبيات الأربعة يعني أن الشيء عقارا كان أو منقولا إذا دعاه شخصان مثلا كل واحد منهما يدعي جميعه لنفسه وليس لكل واحد منهما يد عليه ولا شهادة تصدق دعواه فإنه يقسم بينهما نصفين بعد اليمين وهكذا الحكم إذا استظهر كل واحد منهما ببينة وتعارضتا ولم يكن مرجح فإنهما تسقطان وتبقى الدعوى مجردة فيقسم بينهما نصفين بعد حلفهما أو نكولهما أو كان تحت أيديهما جميعًا ويقضي به للحالف على الناكل كما يقضي به لمن انفرد بوضع يده عليه بعد يمينه حيث لم تكن للآخر بينة بالملك وإلا قدمت على الحوز المجرد كما تقدم فإن أقام صاحب اليد بينة أيضا فإن كانت أرجح
[ ١ / ١٣١ ]
من الأخرى أو كانت مساوية لها قضي به لصاحب اليد هذا معنى قوله وحالة الأعدل منها بينة فضمير منها يعود على البينة فتجري على نحو ما تقدم. وقوله والشيء يدعيه إلخ الشيء مبتدأ وجملة يقسم خبره وجملة يدعيه يجوز أن تكون في محل نصب على الحال من المبتدأ نظرًا لصورة التعريف ويجوز أن تكون في محل رفع نعت له نظرًا للمعنى لأن المعرف بال الجنسية في معنى النكرة مثل قول الشاعر
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم قلت لا يعنيني
فافهم وذاك إشارة إلى قسم الشيء الذي تنازعا فيه بينهما بعد القسم (تنبيهات) الأول قال الشيخ التاودي ومفهوم قوله يدعيه شيئان أحدهما أن يتفقا على أن لكل واحد منهما حظًا لكنهما يجهلانه والحكم أن الشيء يقسم بينهما نصفين كما هو الأصل في الشركة قاله ابن لب الثاني أن يدعيه أحدهما ويدعي الآخر نصفه فإن لميكن بيد واحد منهما قسم على الدعوى اتفاقًا وإن كان بأيديهما معا فقيل كذلك أي يقسم على الدعوى أيضا وهو المشهور وقال أشهب وسحنون يقسم بينهما نصفين وحيث قيل يقسم على الدعوى فقيل كالعول فيضرب مدعي الكل باثنين ومدعي النصف بواحد ويقسم على الثلث والثلثين وقيل على الدعوى والتسليم فيكون لمدعي الكل ثلاثة أرباع لأن النصف يسلمه له صاحبه والنصف الآخر هو محل النزاع فيقسم بينهما والله أعلم (الثاني) اعترض على الناظم من وجهين أحدهما أن كلامه يقتضي قسمة الشيء المتنازع فيه عاجلا وليس كذلك بل فيه تفصيل فإن كان يخشى فساده كالحيوان والرقيق والطعام فإنه يستأنى به قليلًا فإن لم يأتيا بشيء وخيف عليه قسم بينهما لأنه يحول ويزول وهو معنى الفساد وإن كان مما لا يخشى عليه الفساد كالدور فإنه يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه إلا أن يطول الزمان ولا يأتيا بشيء غير ما أتيا به أولا فإنه يقسم بينهما لأن ترك ذلك ووقفه ضرر (ثانيهما) لا مفهوم لقوله الأعدل بل غير الأعدلية من المرجحات كذلك فلو أبدل الأعدل بالأرجح لكان شاملًا لجميع المرجحات المتقدمة وقد تقدم أن الترجيح بالأعدلية إنما يعمل به فيما يثبت
[ ١ / ١٣٢ ]
بالشاهد واليمين (الثالث) قال القرافي فرع قال ابن أبي زيد في النوادر إذا ادعياها في يد ثالث فقال أحدهما أجرته إياها وقال الآخر أودعته إياها صدق. من علم سبق كرائه أو إيداعه ويستصحب الحال له والملك إلا أن تشهد بينة للآخر أنه فعل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره ولم ينكر فيقضي له فإن جهل السبق قسمت بينهما قال أشهب فلو شهدت بينة أحدهما بغصب الثالث منه وبينة الآخر أن الثالث أقر له بالإيداع قضي لصاحب الغصب لتضمين بينة اليد السابقة (فرع) قال في النوادر لو كانت دار في يد رجلين وفي يد عبد لأحدهما فادعاها الثلاثة قسمت بينهم أثلاثًا أن كان العبد تاجرًا وإلا فنصفين لأن العبد في يد مولاه انتهى (الرابع) قال المواق عند قول صاحب المختصر أو لمن يقوله ما محصله أن كان بيد ثالث وادعاه لنفسه بعد تكافؤ بينتهما فقيل يبقى بيد حائزة لتجريح كل من البينتين الأخرى وعلى هذا القول أن اعترف به لأحدهما فهو لمن أقر بيده اهـ (الخامس) قال القاضي المكناسي في مجالسه ما نصه دعوى رجلين نكاح امرأة وإنكاره إياهما تعقد المقال وجميع المطالب وإنكاره فبعد الإشهاد بذلك يكلف كل واحد من المدعيين البينة على دعواه ويؤجلان على ما تقدم ذكره من ضرب الأجل وتجعل المرأة في خلال تلك الآجال عند أمينة حيث يوثق ولا حمالة عليها فإن أثبتاها معا فيعذر لكل واحد منهما في بينة صاحبه وتوقف المرأة خلال ذلك الأجل عند الأمينة كما تقدم فإن ثبتت بينة منهما وسقطت بينة الآخر ثبتت الزوجة لمن ثبتت بينته وعجز صاحبه ولا يمين على الذي ثبتت بينته ومكن من زوجته هذا إذا كانت الزوجة غير مدافعة لهما معا فإن كانت مدافعة لهما مكذبة لقولهما عقدت الأجل في دفع بينة كل واحد منهما عليها وعلى المتأجل فإن ثبتت البينتان وتكافأتا سقطتا قال ابن دبوس ناقلا عن ابن القاسم والمرأة مقرة أو منكرة قال إقرارها وإنكارها سواء فإن كان لم يدخل بها واحد منهما وكان الشهود عدولا انفسخ النكاحان جميعًا وكانت الفرقة تطليقة وإن كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى جعلت النكاح للأعدل وقال غيره وإن كانت إحداهما
[ ١ / ١٣٣ ]
أعدل سقطتا أيضا عند مالك وقال سحنون يثبت بالأعدل منهما فانظر التفصيل في محل الخلاف حيث هو أن كانت في مجلس أو مجلسين فإن لم يعلم الأول منهما وأقرت بأحدهما فلا يقبل قولها وهو مذهب المدونة ويفرق بينهما بطلقة وتأخذ من أحبت منهما أو من غيرهما وقيل يقبل قولها نقله اللخمي عن محمد بن عبد الحكم ونقله ابن دبوس عن أشهب انتهى (قال) المواق عند قول صاحب المختصر وأعدلية متناقضتين ملغات ولو صدقته المرأة ما نصه ابن عرفة فلو أقام كل بينة سقطتا ابن شاس المشهور أنه لا يرجح هاهنا بمزيد العدالة بخلاف البيع إذ لا يثبت نكاح بشاهد ويمين ويثبت به البيع ومزيد العدالة هاهنا كشاهد واحد ثم قال ولما ذكر ابن الحاجب أنه لا يقضي بالأعدل قال ولا عبرة بتصديق المرأة انتهى (وقال) صاحب الفروق فإن قيل لم يحكم بأعدل البينتين فيما عدى النكاح ولا يحكم بذلك في النكاح وفي الموضعين وجد الأعدل فما الفرق بينهما (أجيب) بأن الفرق بينهما أن غير النكاح يصح فيه أن يملكه شخصان فأكثر فيكون فيه التداعي وإذا وجدت البينة لكل واحد أو عدمت البينة فيحلفان ويقسم بينهما كما علمت بخلاف النكاح فإنه لا يكون كذلك ولأن البضع لا يقر على الشك في مراعات الترجيح لأن مراعات الترجيح الاجتهاد والاجتهاد لا ينبني على صحة المجتهد فيه فافترقا انتهى (خاتمة) لا بد في الشهادة بالملك من خمسة أمور يعتمد عليها الشاهد ويصرح بها وتكتب مفسرة لا مجملة على ما به العمل وهي كون الشيء محوزًا بيد المشهود له بالملكية وأنه ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه. وأنه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه بالهدم والاستغلال أو نحوهما. وطول المدة وأنه لا منازع له فيه ولا معارض. وأن يزيد الشهود أنه لم يخرج من ملكه في علمهم وقيل هو شرط كمال فقط وقيل شرط صحة أن كان المشهود له بالملك ميتًا وإلا فكمال وإلى هذا أشار الشيخ علي بن قاسم شهر الزقاق بقوله
يد نسبة طول كعشرة أشهر وفعل بلا خصم الملك يجتلا
[ ١ / ١٣٤ ]
وهل عدم التفويت في علمهم كما لام صحة للحي للميت ذا اجعلا
قال التاودي قال أبو الحسن ينبغي أن يكون هذا الاختلاف في الحسي وأما الميت فشرط صحة قطعا وإليه أشار بقوله للميت ذا اجعلا قال ابن مرزوق وما قاله أبو الحسن ظاهر حسن يعني لأن الحي يحلف على البت الوارث يحلف على نفي العلم فإن قطعوا بالشهادة وقالوا لم تخرج عن ملكه كانت زورا قاله في المدونة والمراد لم تقبل وقد تغتفر للعوام انتهى وفي الحطاب (تنبيه) اليد عبارة عن القرب والاتصال فاعظمها ثياب الإنسان التي عليه ونعله ومنطقته ويليه البساط الذي هو جالس عليه والدابة التي هو راكبها وتليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها والدار التي هو ساكنها فهي دون الدابة لعدم الاستيلاء على جميعها قال بعض العلماء فيقدم أقوى اليدين على أضعفهما فلو تنازع الساكنان الدار سوي بينهما بعد إيمانها والراكب مع الراكب والسايق قيل يقدم الراكب مع يمينه اهـ فتأمله اهـ (وفي ابن سلمون) المستحقات على نوعين أصول وغيرها فأما الأصول فتكتب فيها الحمد لله يعرف شهوده فلانا ابن فلان الفلاني كمعرفتهم لعين جميع الدار أو الموضع بكذا حدودها كذا ويشهدون مع ذلك بأنها ملك من أملاكه ومال من ماله تحت يده منذ مدة كذا وأنه يتصرف فيها تصرف المالك في ملكه ينسبها لنفسه وينسبها الناس إليه لا يعلمون له فيها منازعا ولا مخاصما ولا يعلمون له فيها بيعا ولا تفويتا ولا أنها خرجت عن ملكه بوجه إلى الآن ويحوزونها بالوقوف إليها متى دعوا إلى ذلك وقيدوا على ذلك شهادتهم في كذا مسئولة منهم لسائلها عن إذن الخ هذ إذا كان المشهود له حيا فإن كان ميتا كتبت بدل إلى الآن إلى أن مات فأحاط بميراثه زوجة فلانة وبنوه منها فلان وفلان وفلان لا يعلمون له وارثا غير من ذكر ولا يعلمون لأحد من الورثة في ذلك بيعا ولا تفويتا بوجه حتى الآن ومن علم ذلك على حسبه وعرف من ذكر ويحوز الملك ويعينه أدى شهادته مسؤولة منه لسائلها في كذا عن إذن من يجب إلخ. وأما غير الأصول (فتكتب) الحمد لله يعرف شهوده فلانا كمعرفتهم
[ ١ / ١٣٥ ]
لعين جميع الفرس الأدهم أو الأشهب إلخ صفاته المحتاج إلى بيانها ويشهدون مع ذلك بأنه ملك من أملاكه ومال من ماله تحت يده وفي حوزه يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه منذ مدة كذا ينسبه لنفسه وينسبه الناس إليه ولا يعلمون له فيه منازعًا ولا مخاصمًا ولا يعلمون خروجه ولا خروج شيء منه عن ملك مالكه إلى الآن أو إلى أن ضاع له من بلد كذا أو فر من بلد كذا وألفاه الآن بيد فلان وعلى عين الفرس المذكور أدوا شهادتهم إلخ فإذا تم هذا العقد لصاحبه ولم يكن لخصمه فيه مدفع ولا معارض ثبت له ويحلف في غير الأصول على القول المعمول به بالله الذي لا إله إلا هو لا يعلم لخصمه المذكور فيه حقًا قائمًا مستقبلا في المسجد الجامع أن كان الحالف مسلمًا وإلا فحيث يعظم انتهى ببعض زيادة للبيان لما يقتضيه أسلوب أهل هذا الزمان. ولما ذكر الناظم مسئلة الدعوى وأن الشيء يقسم بين المتداعيين على حسب دعواهما بعد اليمين ناسب أن يأتي بباب اليمين عقب ذلك فقال.