أي من أركانه وشروطه ومستحباته وغير ذلك مما يأتي ذكره أن شاء الله تعالى والأصل في مشروعية القضاء الكتاب قال الله تعالى ﴿يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق﴾ وقال تعالى ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس﴾. وقال تعالى ﴿وأن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾. والسنة. روى عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال بعثني رسول الله ﷺ قاضيا إلى اليمن. وفي الموطأ أنه ﵊ قال إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحاجته من بعض فأقضي له على نحو ما اسمع والحن بالنون معناه أفهم وفي تفسير القرطبي قال مالك رحمه الله تعالى كان الخلفاء يقضون بأنفسهم وأول من استقضى معاوية ﵁ يعني بالمدينة وفي موضع الخلافة وأما سائر المدائن والكور فقدموا لها قضاة قالوا وكذلك فعل رسول الله ﷺ فإنه استقضى عليا ومعاذا وغيرهما. قيل أول قاض استقضى في الإسلام عبد الله بن نوفل بن الحارث استقضاه معاوية وقيل غير ذلك كما في اختصار المتيطية. والقضاء من أشرف أنواع الولايات الشرعية وأعظمها قدرا وأجرا وإلى هذا يشير الشيخ الزقاق بقوله
لها خطط في قضاء مظالم وسوق ورد شرطة مصر انجلا
وأعظمها قدرا وأكمل منظرا قضاء نعم أن أم قاض علا علا
فإن الحكم بالعدل من أفضل أعمال البر وأعلا درجات الأجر. قال الله تعالى
[ ١ / ١٦ ]
﴿فأحكم بينهم بالقسط أن الله يحب المقسطين﴾ أي العادلين. وقال ﷺ المقسطون على منابر من نور يوم القيامة الحديث لكن خطره عظيم لأن الجور في الأحكام وإتباع الهوى فيها من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر. قال الله ﷿ ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا أس الجائرون﴾. وقال ﷺ أن اعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى الله وأبعد الناس من الله رجل ولاه الله من أمر أمة محمد شيئا ثم لم يعدل فيهم الحديث. وفرض الله ﷾ على الناس التسليم والانقياد لهم فقال تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. وقال تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. وقال رسول الله ﷺ من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصا أميري فقد عصاني الحديث فمن عصا إماما أو قاضيا أو حاكما فيما أمر به من الحق فقد عصا الله ورسوله إلا أن يقضي بغير حق فإن طاعته لا تجوز لقوله ﵊ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق الحديث إلا أن يخشى المخالفة الهرج أو الفساد فتجب طاعته حينئذ. وحكمته رفع التشاجر ورد الثوابت وقمع الظالم ونصر المظلوم وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانته من الدين فيه بعثت الرسل عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى ﴿يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض الآية وبالقيام به قامت السموات والأرض﴾. قال الله تعالى ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ وفي الديباج سمع أبو الفضل قرعوس بن العباس مالكا والثوري يقولان سلطان جائر سبعين سنة خير من أمة سائبة ساعة من النهار. وحكم الشرع فيه أنه فرض كفاية ولا يتعين على أحد إلا أن لا يوجد منه عوض فإنه يتعين عليه ويجبر على القبول أن امتنع منه. وقد يكون حراما بأن يكون جاهلا أو قاصدا به تحصيل الدنيا من الاخصام أو جائزا. ويكون مستحبا كتوليته لإشهار علمه. ويكون مباحا كقصد الارتزاق
[ ١ / ١٧ ]
به من بيت المال لفقره وكثرة عياله أو دفع ضرر به عن نفسه من غير ارتكاب ما يوجب التحريم أو الكراهية. ويكون مكروها كتوليته لقصد تحصيل جاه من غير انفه على غيره وإلا حرم. والقضاء بالمد أصله في اللغة الحكم قال أبو منصور الأزهري القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه والقضاء الفصل في الحكم انتهى. وقال غيره يرد بمعنى الأمر ومنه قوله تعالى ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ أي أمر ويصح أن يكون بمعنى حكم أي حكم عليكم بذلك تعبدوا أي أوجب عليكم ذلك وألزمكم إياه وهو سبحانه قد يوجب الشيء ويريد خلافه كما أوجب الإيمان وألزمه للعباد وأراد من بعضهم خلافه ولا يصح أن يكون قضاء إمضاء وإرادة لأنه لو كان كذلك لما عبد أحد غيره كما أنه قضى بالموت فليس أحد ينجوا منه لأنه قضاء إمضاء. ويرد بمعنى الإعلام ومنه قضيت لك بكذا أي أعلمتك به. والوحي ومنه قوله تعالى ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ وقول الشاعر.
وعليها مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
والإرادة ومنه فإذا قضى أمرا كان مفعولا. والموت ومنه ليقض علينا ربك. والكتابة ومنه وكان أمرا مقضيا. والفراغ من الشيء ومنه قالوا أنصتوا فلما قضى أي فرغ. قال ابن عرفه بقوله صفة حكمية توجب لوصفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين. فقوله رحمه الله تعالى صفة جنس يشمل جميع الصفات سواء كانت حسية كالبياض والسواد أو معنوية كالعلم والحياة أو حكمية كالطهارة والقضاء. والصفة الحكمية حال تعتبر ذهنا وتقدر موجودة في المحل وإن كانت لا وجود لها في الخارج كالأولين. وإنما تثبت صفة القضاء بتقديم
[ ١ / ١٨ ]
من أريد وصفه بتلك الصفة للحكم بين الناس فبقوله حكميه يخرج الأولان. وبقوله حكمه الشرعي أي نفوذ كل حكم شرعي فالعموم مستفاد من الإضافة يخرج التحكيم لأن المحكم ليس بهذه الحالة وإنما له صفة توجب نفوذ حكمه الشرعي الخاص في قضية شخصية التي حكمه الخصمان فيها وبمجرد الفراغ منها زالت عنه تلك الصفة كما تخرج به ولاية المظالم والسوق والرد والشرطة والمصر المتقدمة في كلام الزقاق وذلك لأنها خاصة ببعض الأحكام كما هي مبينة في شرحها. وقوله ولو بتعديل أو تجريح هو مبالغة في مقدر معطوف عليه أي نفوذ حكمه في كل شيء حكم به ولو كان الذي حكم به تعديلا أو تجريحا فيكون التعديل والتجريح من متعلقات الحكم. وقوله لا في عموم مصالح المسلمين يخرج به الإمامة العظمى إذ ليس للقاضي ترتيب الجيوش ولا قسمة الغنائم ولا تفرقة مال بيت المال ولا قتل البغاه ولا الإقطاعات بخلاف الإمام فإن نظره أعم. وقوله
(منفذ بالشرع للأحكام له نيابة عن الإمام)
يعني أن المنفذ للأحكام الشرعية على الخصوم هو القاضي لنيابته عن صاحب الإمامة العظمى وهي عبارة عن نيابة شخص عن النبي ﷺ في إقامة قوانين الشرع وقواعده وحفظ الملة والدين على وجه يجب إتباعه على كافة الأمة. وحيث كان نائبا عنه فله عزله لسبب أو لغير سبب غير أنه إذا كان مشهورا بالعدالة لا ينبغي للإمام عزله إلا لمصلحة كما إذا وجد من هو أكمل منه وإذا عزله فإنه يبريه من ذلك لأن العزل مظنه تطرق الكلام في المعزول وإن عزله لسخط فإنه يظهر عيبه للناس لئلا يتولى عليهم بعد. ولما كان القاضي نائبا عن الإمام وخليفته في الأحكام الشرعية بين الأنام وأن النيابة عنه في ذلك لا تصح إلا لمن توفرت فيه شروطها شرع الناظم رحمه الله تعالى في بيانها مع بعض الصفات المستحبة فقال
(واستحسنت في حقه الجزالة وشرطه التكليف والعدالة)
[ ١ / ١٩ ]
(وأن يكون ذكرا حرا مسلم من فقد رؤية وسمع وكلم)
(ويستحب فيه العلم والورع مع كونه الحديث للفقه جمع)
وهذه الأبيات الثلاثة مشتملة على بعض شروط القاضي ويعبر عنها بالصفات لأنها قائمة به وهي قسمان شروط صحة يلزم من عدمها أو عدم واحد منها عدم صحة ولايته أو عدم دوامها وشروط الصحة التكليف والذكورة والحرية والعدالة وتتضمن الإسلام وكونه سميعا بصيرا متكلما. ومن شروط الكمال الجزالة وهي أصالة الرأي والاقتدار على التطبيق والعلم على أحد قولين وهي طريقة ابن رشد والمشهور أنه شرط صحة في استمرار ولايته والورع وجمعه بين الفقه والحديث أو الأصول كما يوجد في بعض النسخ وفي لب اللباب وشروط صحة توليه القاضي أن يكون حرا عاقلا بالغا عدلا عالما مجتهدا وشروط الكمال أن يكون غنيا ورعا ليس بمديان ولا محتاجا بلديا معروف النسب ليس بولد زنى ولا ولد لعان جزلا فطنا نافذا غير مخدوع ولا محدود ذا نزاهة عليا عن الخصوم مستخفا بالايمة أي غير هيوب لهم يدير الحق على من دار عليه مستشيرا لأهل العلم ذا رحمة ونصيحة كثير التحرز من الحيل عالما بما لابد منه من العربية واختلاف معاني العبارات عالما بالشروط بعيدا عن السهو غير زائد في الدهاء. وأما كونه سميعا بصيرا متكلما فغير شرط وولاية من ليس كذلك منعقدة لكن يجب عزله قال مالك ولا أعلم أن صفات القضاء تجتمع اليوم في أحد فإن أجتمع منها خصلتان العلم والورع كان واليا ابن حبيب فإن لم يكن علم فالعقل والورع فبالورع يقف وبالعقل يسأل ثم ذكر محل جلوسه فقال
(وحيث لاق للقضاء يقعد وفي البلاد يستحب المسجد)
يعني أن القاضي يجلس للقضاء والفصل بين الخصوم في المكان الذي يليق به وبالخصوم كان في بادية أو حاضرة لكن أن كان في حاضرة استحب جلوسه في المسجد
[ ١ / ٢٠ ]
قال أبو بكر بن العربي قال علماؤنا قول الله تعالى ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ دليل على أن القضآء كان في المسجد ولو كان ذلك لا يجوز كمان قال الشافعي لما قررهم داود على ذلك ولقال انصرفا إلى موضع القضآء. وقد قال مالك أن القضاء في المسجد من الأمر القديم يعني في أكثر الأمر ولا بأس أن يجلس في رحبته ليصل إلى الضعيف والمشرك والحآئط وقد قال أشهب يقضي في منزله وابن حبيب والذي عندي أنه يقسم أوقاته وأحواله ليبلغ كل احد اليه ويستريح هو مما يرد من ذلك عليه انتهى والذي عليه العمل اليوم أن القضاة يحكمون في اماكن مخصوصة واوقات مخصوصة وقوله وحيث ضرب مكان ليقعد ثم قال
(فصل في معرفة اركان القضآء)
اي الامور اللازمة له وهي سبعة (الأول) القاضي وقد تقدم الكلام على شروطه (الثاني) المقضي له وهو من تجوز شهادته له فلا يحكم لم لا يشهد له من قرابته كأبيه وابنه وزوجته على القول المختار (الثالث) المقضي عليه وهو من تجوز شهادته عليه إذا توجه عليه حق أما باقراره أن كان ممن يلزمه اقراره وإما بشهادته بعد الاعذار اليه والعجز عن الطعن فيها وبعد يمين الاستبراء أن كان الحق على ميت أو غآئب ويعبر عنها بيمين القضآء وسياتي الكلام عليهما في محلها أن شاء الله تعالى وله أن يحكم بين اهل الذمة إذا ترافعوا اليه (الرابع) المقضي فيه وهو جميع الحقوق واما غيره من الحكام فمقصور على ما قدم عليه كما مرت الاشارة اليه في كلام الزقاق (الخامس) المقضي به وهو الكتاب والسنة واقضية الصحابه ﵃ ثم باجماع غيرهم ثم باجتهاده هذا في القديم أما بعد انقطاع الاجتهاد المطلق والمقيد فالواجب علبه الوقوف عند مشهور مذهبه أو ما جرى به العمل عند قضاة العدل ودون في كتب العلمآء المحققين كابن ناجي من القرويين وقد انقطع الاجتهاد في ذلك منذ
[ ١ / ٢١ ]
أزمان فمن حكم بقول شاذ أو ضعيف لم يصحبه عمل المتقدمين نقض حكمه لأنه معزول عنه من الذي ولاه حيث اشترط عليه في أمر ولايته أن لا يحكم إلَّا بمشهور مذهب إمامه أو ما جرى به العمل قال في العمل الفاسي
حكم قضاة الوقت بالشذوذ ينقض لا يتم بالنفوذ
وهو موافق لعمل تونس فاذا تعارض المشهور وما جرى به العمل فيقدم ماجرى به عمل بلده على المشهور لأن جريان العمل بالضعيف لمقصد من المقاصد يصيره راجحا ومن المعلوم أن الراجح يقدم على المشهور قال في العمل المذكور
وما به العمل دون المشهور مقدم في الاخذ غير مهجور
اما ما جرى به عمل غير بلده فانه يقدم المشهور عليه فإن استوت الاقوال في الشهرة قدم ما جرى به العمل مطلقا فإن لم يكن عمل أو جرى بكل واحد منها وأشكل عليه الأمر أمر بالصلح كما يأتي (تنبيه) قال بعض العلماء عمل تونس ومصر واحد وعمل فاس والاندلس واحد ويعبر عن القول القوي بالمشهور والاشهر والصحيح والأصح والأقوى والمذهب والظاهر والأظهر والحسن والأحسن والراجح والأرجح والمعتمد وبه القضاء وبه الفتوى وبه العمل (السادس) ما يدل على القضآء وان باشارة أو كتابة أو سكوت ليكون رافعا للخلاف فلا يتعقب ولا يحل حراما وبعبارة اخرى أن الحكم يكون بغير لفظ حكمت كقوله نقلت هذه الدار لزيد أو هي مالك له أو ثبت عندي انها ملك له بعد حصول الموجبات وكقوله فسخت عقد كذا من نكاح أو غيره أو رفع له نكاح بغير ولي فسكت عنه ولم يحكم باثبات ولا نفي إذا كان مذهبه يرى صحته وإلَّا فلا يكون حكما كما في الزرقاني ويكون بلفظ حكمت بكذا ورفع الخلاف لا احل حراما ومعنى رفعه للخلاف هو أنه إذا حكم حاكم بصحة عقد نكاح مثلا فالذي يرى لزوم فسخه له ينفذ هذا النكاح ولا يحل له نقضه (لانه بحكم الحاكم صار في تلك الجزئية مذهبا للجميع) قال القرافي اعلم أنه كما يدل القول على الحكم في قول الحاكم اشهدكم
[ ١ / ٢٢ ]
أني حكمت بكذا فكذلك الفعل يدل على الحكم أيضا وذلك إذا كتب الحاكم إلى حاكم آخر أني قد حكمت بكذا فهذه الكتابة تدل على الحكم كما هو مشروح في كتاب القاضي إلى القاضي وكذلك لو سئل هل حكمت بكذا فأشار برأسه وغير ذلك مما يدل ويفهم أنه حكم به وكذلك لو كتب الحاكم بيده وقال اشهدوا علي بمضمونه فجميع ذلك يدل على صدور الحكم السابع كيفية القضآء وتتوقف على أشياء كمعرفة الدعوى وهي خبر يوجب جكم صدقه لقائله حقا على غيره قال في الذخيرة الاقرار والدعوى والشهادة كلها اخبارات والفرق بينها أن الاخبار أن كان يقتصر حكمه على قائله فهو الاقرار وان لم يقتصر فاما أن لا يكون للخبر فيه نفع وهو الشهادة أو يكون وهي الدعوى ومعرفة شروط تصحيحها واركانها وهي المدعي والمدعي عليه والمدعي فيه ومعرفة جواب المدعي عليه من اقرار أو انكار والبينات والتعديل والتجريح وضرب الجال والتلومات والاعذار والتعجيز واليمين والنكول وما هو حكم فلا يتعقب مالم يظهر ما ينافيه وما ليس بحكم كالفتوى فيتعقب. وقد ذكرها ابن فرحون في تبصرته مستوفاه. وتعرض الناظم لها وبدأ بالمدعي والمدعي عليه لانهما الاصل بالنسبة إلى غيرهما فقال
(تمييز حال المدعي والمدعي عليه جملة القضاء جمعا)
(فالمدعي من قوله مجرد من أصل أو عرف بصدق يشهد)
(والمدعي عليه من قد عضدا مقاله عرف أو اصل شهدا)
يعني أن معرفة المدعي من المدعي عليه وتمييز احدهما عن الاخر جامع ومحصل لوجه القضاء لأن علم القضاء وصناعته تدور على معرفتهما قال سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه من عرف المدعي من المدعي عليه فقد عرف وجه القضاء ويعني بوجه القضاء هو أن البينة على المدعي واليمين على ما انكر. وقوله تمييز مبتدأ وجملة القضاء مضاف ومضاف اليه بالنصب مفعول مقدم لجمعا والفةه للاطلاق وفي جمعا
[ ١ / ٢٣ ]
ضمير مستتر تقديره هو يعود على المبتدأ والجملة من الفعل والفاعل والمفعول خبره والرابط بينهما الضمير المستتر. واذا اردت ايها القاضي المنتصب لخطة القضآء معرفة ما يتميز به كل واحد من المدعي والمدعي عليه (فالمدعي من قوله مجرد. من اصل أو عرف) البيتين يعني أن المدعي هو الذي عريى قوله عن اصل أو عرف يشهد له بصدقه بحيث تكون دعواه مجردة من الاصل والعرف معا لا يوافقها واحد منهما وان المدعي عليه هو الذي عضد مقاله ونصره عرف أو اصل فاحدهما كاف فمثال شهادة الاصل من ادعى دينا على رجل فانكره وادعى براءة ذمته فالذي ادعى براءة ذمته مدعى عليه لأن الاصل براءة الذمة ومن شهد له الاصل فهو مدعى عليه والذي ادعى عمارة ذمة غيره مدع لأنه لم يشهد له اصل ولا عرف. ومثال شهادة العرف اختلاف الزوجين في متاع البيت فمن شهد له العرف بانه يليق به فهو مدعى عليه ومن لم يشهد له العرف بذلك فهو مدع. واذا شهد لاحدهما الاصل وللاخر العرف والغالب فإن من شهد له الاصل مدع فلهذا يطالب بالبينة ومن شهد له العرف والغالب مدعى عليه يطالب باليمين وهو كثير في العقود مثاله إذا اختلف متعاقدان في عقد فقال احداهما العقد صحيح وقال الاخر العقد فاسد ومن المعلوم أن عقود المسلمين الاصل فيها الصحة مالم يغلب الفساد فاذا غلب عليها الفساد فانها تحمل عليه فيصير القائل بالصحة مدع والقائل بالفساد مدعى عليه فيقدم الغالب على الاصل إلَّا في مسألة البينة على المدعي واليمين على من انكر فإن المدعي ولو كان اصلح الناس والمدعي عليه افجر الناس فانه يطالب بالبينة مع أن الغالب صدقه الاصل الذي هو براءة الذمة على الغالب الذي هو صدق الرجل الصالح. ولو شهد العرف لكل واحد منهما فهما مدعيان كما سيأتي عند قوله وان متاع البيت فيه اختلفا. الابيات كما إذا لم يشهد لكل واحد منهما شيء لا اصل ولا عرف وهو معنى قوله الاتي. والشيء يدعيه شخصان معا. الابيات فهما مدعيان كما قال. وقوله عضدا بتخفيف الضاد كنصر وزنا ومعنى والفه للاطلاق. وقوله عرف أو اصل لا حاجة إلى تقدير كون أو معنى
[ ١ / ٢٤ ]
الواو لأن أو إذا وردت عقب نفى تسلط النفي على متعاطفيها جميعا في الغالب وهي هنا وقعت اثر مجرد الذي هو في معنى النفي والسلب أي لم يقرن مقاله بواحد منهما والواو على عكسها فاذا وقعت بعد نفي فانما ينصب على ما تفهمه من معنى الجمع على ما هو الغالب أيضا وقد نظم الامرين بعضهم فقال
والواو بعد النفي في العطف اتت لمطلق الشمول إلَّا أن اتت
قرينة فلشمول العدم وأو اتت بعكس ذاك فاعلم قوله
(وقيل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يدعى)
ما نظمه في هذا البيت تعريف ابن المسيب رضي الله تعالى عنه حيث قال كل من قال قد كان فهو مدع وكل من قال لم يكن فهو مدعى عليه قال الشيخ مياره ونقض هذا التعريف بدعوى المرأة على زوجها الحاضر أنه لم ينفق عليها وقال هو اتفقت فهي مدعية وهو مدعى عليه لشهادة العرف وهو أن الحاضر ينفق على زوجته والتعريف يقتضي العكس لانها نافية وهو مثبت ولهذا ضعفه الناظم بقيل التي تقتضي التعريض قال الشيخ ابن رجال قد يقال هذا التعريف هو الحق وما رد به على صاحبه يجاب عنه بان المثبت في هذه الصورة هو المدعى ولكن رجح قوله بشهادة العرف بمنزلة المدعي الذي لا خلاف فيه أنه مدع إذا قام له شاهد حقيقي وقد اختلف في العرف هل هو بمنزلة شاهد واحد أو شاهدين ومر خليل على أنه بمنزلة شاهد واحد ولذلك يحلف من وافقه فشد شدك عليه. قلت وعلى هذا لو قال الناظم رحمه الله تعالى
فكل من يقول قد كان ادعى ولم يكن لمن عليه يدعى
مقتصرا عليه لكان اخصر واظهر (تنبيه) قد يطلق المدعي على الجالب (خ) وامر مدع تجرد قوله عن مصدق بالكلام وإلَّا فالجالب والذي في كلام الناظم هو المصطلح عليه (ثمشرع) في بيان المدعى فيه فقال
[ ١ / ٢٥ ]
(والمدعى فيه له شرطان تحقق الدعوى مع البيان)
يعني أن الشيء المدعى فيه له شرطان لتصحيح الدعوى (احدهما) تحقيق المدعي دعواه والجزم بها فلا تسمع إذا قال اظن أن لي قبل فلان كذا من وجه كذا مثلا إلَّا إذا اتهمه وكان المدعى عليه من اهل التهم فانها تسمع (وثانيهما) بيان عينه ليكون معلموما معينا كهذا الثوب أو في ذمة معين كدعواه على زيد بدين أو بما يؤول بمعين كدعوى المرأة الطلاق لتحرز نفسها أو بما يؤول لما في ذمة معين كدعوى المرأة بعد الطلاق أنه كان اصابها قبله لتأخذ الصداق كاملا ثم أن كانت الدعوى في ربع أو عقار فلابد من بيان جهته وحدوده فإن كان منابا شائعا بين قدره وان كان في منقول غير مثلي ذكرت جنسه ونوعه وصفته وقيمته فإن كان حليا فقيمة الذهب الفضه وقيمة الفضة الذهب. وان كان مثليا ذكرت نوعه وصفته وكيله أن كان مما يكال ووزنه أن كان مما يوزن أو عدده أن كان مما يعد كالدراهم وان دينا في الذمة فلابد من بيان السبب الذي ترتب من اجله الحق بان يقول من بيع مثلا فإن لم يبينه سأله الحاكم عنه وجوبا فإن غفل فللمدعى عليه السؤال عنه إذ قد لا يترتب عليه غرم كالقمار وقد يترتب عليه غرم قليل كالربا فإن بينه المدعي عمل به وان قال لا ابينه أو لا علم لي به لم تسمع دعواه فلا الب المدعى عليه بجواب ولو قال نسيته ثم تذكرته وانه من وجه كذا قبل نسيانه بلا يمين. ويزاد على الشرطين المذكورين شروط ثلاثة (اولها) أن لا يكون المدعى عليه صبيا أو سفيها سألأ القاضي عن دعواه فإن كانت لو ثبتت لم يجب عليهما فيها شيء كالمعوضة الاختارية في بيع أو شراء أو سلف أو نحو ذلك فدعواه ساقطه وينهى عن التعرض لهما وإن كانت لو ثبتت لزمت الصبي اوي السفيه كلف المدعي عليه البينه وذلك في مثل التعدى والاستهلاك والغصب والاختلاس والانتهاب والجراح والقتل في العمد والخطأ وشبه ذلك فإذا أثبت القاضي على الصبي
[ ١ / ٢٦ ]
أو السفيه حقا من جهة الاستهلاك أو التعدي اعذر اليه رجاء أن يدفع عن نفسه بشيء يدلي به وعجزه ليس بعجز ولابد من يمين الطالب مع البينة (لأن الصبي في حكم الغائب والموت والمساكين) انتهى (وثانيهما) أن لا يكذبها العرف والعادة كمن حيز عليه عقاره غير الحبس مدة الحيازه بشروطها ثم قام يطلب ذلك من حائزه غير أن المدعى عليه في هذه السورة يطالب بالجواب لعله يقر فاذا انكر وقال ملكي وحوزي فإن المدعي لا يطالب بالبينه ويترك سبيل المدعى عليه وهل بيمين أو بلى يمين وهو ظاهر الحديث المدونة ورجحه أن يونس والمازري وغيرهما وهو المشهور وبه العمل قولان ومنشأ الخلاف هل الحوز المسقط لدعوى القائم منزل منزلة شاهدين أو شاهد واحد فعلى أنه منزل منزلة شاهدين لقوته فلا يمين وعلى أنه منزل منزلة شاهد واحد فاليمين ومن جهة اخرى وهي أن اليمين فرع طلب المدعي بالبينه عند نكول المدعى عليه وحيث كان المدعي لا يطالب بينة ملكه لما ادعاه فإن المدعى عليه يترك سبيله بدون يمين إذا انكر دعوى المدعي وسيأتي تفصيل الحيازة في بابها أن شاء الله تعالى (وثالثهما) أن يكون المدعى فيه ذا غرض صحيح بان كان غير تافه فلا تسمع الدعوى فيما كان كالقمحة والحاصل أن الدعوى لا تصح إلَّا إذا من معتبرة شرعا بان تكون دعوى تحقيق أو ظن على من يتهم. وان يكون المدعى فيه معلوما. وفي سماع الدعوى بمجهول بان قال المدعي أن لي قبل فلان شيئا أو منابا من عقار أو بقية حساب مثلا فيكلف المدعى عليه بالجواب عنهما وعدم سماعها فلا يكلف بالجواب خلاف. وحاصل فقه المسألة كمان في التبصيرة الفرحونية وغيرها أن المدعى بشيء مثل ثلاثة احول (الاولى) أن يعلم قدر الذي يدعي به ويقول لي قبل فلان شيء ويمتنع من بيان قدره وفي هذه لا تقبل دعواه اتفاقا (والثانية) أن يدعي جهل المدعى به وتدل على ذلك قرينة كشهادة بينة بان له حقا لا يعلمون قدره وفي هذه تقبل دعواه اتفاقا (والثالثة) أن يدعي جهل قدره من غير شهادة قرينة في ذلك فهي محل الخلاف والذي اختاره المازري سماع الدعوى
[ ١ / ٢٧ ]
وصوبه البساطي عند قول (خ) قال وكذا شيء قال الرهوني بما قاله المازري وصوبه البساطي جرى العمل (وكيفية) العمل في ذلك أن المدعى فيه إذا كان عقارا وقف جميعه على المدعى عليه حتى يبين فإن بين شيئا حلف على ما بينه واخذ الباقي فإن نكل وقف عليه الباقي واخذ المدعى ما بينه له وهكذا إلى أن يحلف. وان كان في الذمة من بقية محاسبة مثلا سجن المدعى عليه فإن اقر بشيء حلف أنه الباقي وان نكل لزمه ما اقر به ويبقى في السجن وهكذا إلى أن يحلف كذلك. وان يكون مما لو اقر به الخصم للزمه. وان لا يكذبها العرف والعادة. وان يتعلق بها غرض صحيح (والى هاته الشروط) اشار الزقاق بقوله
فان صحت الدعوى بكون الذي ادعى معينا أو حقا عليه أو انجلا
يؤول لذا أو ذا وكان محققا ومعتبرا شرعا وعلما به صلا
واذا غرض أن صح مع نفي عادة مكذبة فامر مجيبا وابطلا
اذا اختل شرط الخ. ثم عطف الناظم وجه القضآء على ماتقدم فقال
(والمدعي مطالب بالبينه وحالة العموم فيه بينه)
(والمدعى عليه باليمين في عجز مدع عن التبيين)
يعني أن المدعي مطلوب مطلوب بالبينة أن انكر المدعى عليه دعواه في جوابه عن الدعوى أما قبل الجواب عنها بالانكار فلا يطالب بها كما يقع من بعض قضاة القرى أما لجهلهم أو لجورهم لأنه يجيب بالاقرار فتسقط الدعوى ويرتفع النزاع وان المدعى عليه مطلوب باليمين إذا عجز المدعي عن البينة أو نفاها من اول الامر واستحلفه والاصل في كلام الناظم قوله ﵊ لو يعطى الناس بدعاويهم لادعى رجال اموال قوم ودماءهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من انكر الحديث. وقال القرافي وغيره اجمعت الامة على الصالح النقي مثل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لو ادعى على افسق الناس درهما واحدا لا يصدق فيه وعليه البينة فهذا مما قدم
[ ١ / ٢٨ ]
فيه الاصل على الغالب لأن الغالب أن الصالح التقي لا يدعي إلا حقا وقد تقدم هذا قريبا واليه اشار الناظم بقوله وحالة العمومفيه بينه أي سواء كان المدعي صالحا أو طالحا وضمير فيه عائد على المدعي تنبيهات (الاول) المراد بالبينة هو كل ما يميز الحق ويظهره وسوء كانت تامة كعدلين أو ناقصه كعدل واحد حسيا كان أو معنويا كالعرف أو امراتين في بابهن والصبيان فيما يقع بينهم من قتل أو جرخ كما في ابن فرحون وغيره من شروح هذا الكتاب. وقد انهى القرافي البينات إلى سبعة عشر نوعا نظمتها فقلت
الحجج التي بها الحكم يجب سبع وعشر وهي اقرار لزب
وفي الزنا من الذكور اربع واثنان في مثل النكاح انفع
في المال أو ما ءال للمال هما أو رجل وامراتين فاعلما
وشاهدا مع اليمين واعتبروا وامراتين معها قد سطروا
وشاهد مع النكول قررا وامراتان معه قد ذكرا
وحلف الطالب بالنكول من خصمه المطلوب يا خليلي
الايمان في مسالة اللعان واللوث معها لهلاك الجاني
وامراتان في الذي تطلع عليه شرعا النساء مقنع
شهادة الصبيان بعضهم على بعض في قتل أو جراح فاقبلا
وقسم في حق يدعيه مدعيان كل يبتغيه
والحوز قافلة في الاستلحاق زالقمط في الحائط لا ستحقاق
نظمتها من رايع الفروق تسهيلا للحفاظيا رفيقي
والمقصود برابع الفروق الجزء الرابع منه في الفرق الثامن والثلاثين والمائتين في قاعدة ما هو حجة عند الحكام وقاعدة ما ليس بحجه عندهم. وسيأتي شرحها في انواع الشهادات أن شاء الله تعالى الثاني إنما يحلف المدعى عليه المنكر فيما يثبت بالشاهد واليمين من المال أو ما يؤول اليه أما الحقوق التي لا تثبت إلا بالشاهدين فلا يمين.
[ ١ / ٢٩ ]
بمجردها ولا ترد كقتل العمد والنكاح والطلاق والعتق والنسب والولاء والرجعة كما سياتي في محله الثالث ظاهر النظم أن اليمين تتوجه على المدعى عليه المنكر في عجز المدعي عن البينة ولو لم تكن خلطة بينهما وهو كذلك على القول المعمول به قال القلشاني عند قول الشيخ ولت يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة المشهور عدم توجه اليمين على الدعى عليه أو ثبوت الظنة وهي التهمة قال الابهري (لان الايمان يثقل امرها على اكثر الناس وخاصة اهل الدين منهم وكذلك التقدمة إلى الحكام فلو تمكن الناس من ذلك لا دعى انسان على من يريد ممن بينه وبينه شيء فينجده ويستحلفه ويمتهنه وفي ذلك ضر غلى الناس) فوجب أن يستعلم الحاكم هل بينهما خلطه أو يليلق بالمدعى عليه ما ادعاه المدعي أم لا قال ابن راشد مشهور مذهب مالك وكافة اصحابه الحكم بالخلطة ابن زرقون عن ابن نافع لا تعتبر الخلطه ابن عرفة ومضى عمل القضاة عندنا عليه وتقل لي ابن عبد السلام عن بعض القاه أنه كان لا يحكم بها إلَّا أن يطلبها منه المدعى عليه قالت سمعت شيخنا الغبريني قاضي الجماعة بتونس يستحسن التفريق بين الدعوى على الرجل أو على المراة فتتوجه اليمين على الرجل مطلقا ولا على المرأة الابعد ثبوت الخلطه وهذا الذي قاله حسن إلَّا أنه ينبغي التفصيل في الرجال بين ذوي الهيئات والمناصب وبين العامة والسوقة قال عبد الحق قال اصبغ خمية تجب عليهم اليمين دون خلطة الصانع والمتهم بالسرقه ومن قال عندي موته لي عند فلان دين ومن يعرض في الطريق من الرفقة فيدعي أنه دفع ماله لرجل ولو كان المدعي عليه عدلا غير متهم ومن ادعى عليه رجل غريب نزل بمدينة أنه استودعه مالا ونقلها ابن راشد كأنها المذهب وكنت نظمتها فقلت
ووجه يمينادون اثبات خلطه على صانع أو من يظن بسرقة
كذا من رماه وأرد بوديعة أو المرء يوميه مريض برفقة
بايداع مال قل كذا من رماه ذو سياق بدين وهو ءاخر خمسة
[ ١ / ٣٠ ]
قال مؤلف هذا الشرح فتح الله بصيرته وحسن سيرته زاد عليها صاحب المختصر ثلاثة وهي الدعوى بشأن معين والضيف أو البائع عل حاضر نظمتها فقلت
والحق بها ضيفا وشيئا بعينه كذا مدع بيعا على ذي زيادة
ثم قال القلشاني قال اللخمي في الصانع هذا أن ادعى المدعي بما يشبه أن يتجر به أو لباسه أو لباس أهله وإلَّا لم يحلفه ويراعي بالوديعة ثلاثة أوجه أن يكون المدعي يملك ذلك جسا وقدرا وثبوتا ما يوجد الايداع ليس الغالب من المقيم ببلده أن يودع ماله الا بسبب خوف أو طلب سلطان أو سفر بخلاف الطاري وان يكون المدعى عليه يودع ذلك الرابع إذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف وان جهل ذلك ذكره القاضيواختلف في يمين التهمه والمشهور انها تتوجه ولا تنقلب كما يأتي في باب اليمين السادس أن قال المدعى عليه للمدعي بعد أن طلب يمينه احلف أنت وخذ فهم المدعي بالحلف فقال المدعى عليه لا ارضى يمينك ما ظننت تحلف لا رجوع للمدعى عليه كان ذلك عند السلطان أو غيره السابع إذا اتزم المدعى عليله بالميمين ثم يريد الرجوع احلاف المدعي كان له ذلك الثامن نكول المدعي بعد نكول المدعى عليه كحلف المدعى عليه ويقال النكول بالنكول تصديقا للناكل الاول التاسع أن قال من وجبت عليه يمين اضرب لي اجلا لا نظر في حسابي ويومي فانه يمهل اليومين أو الثلاثه كما سيأتي في اول الاجال وقيل ليس له ذلك إلَّا برضي الطالب ولم يحك ابن الحاج في نوازله إلَّا القول بعد تأخيره قطعا للنزال قلت الاحسن التفصيل وهو أن كانت لو شبهة وهو غير معروف بالالداد اخر بحسب ما يراه الحاكم بجتهاده بحسب كثرة المال ةقلته وإلَّا فلا يؤخر العاشر عكس ما قبله وهو أن يطلب من
[ ١ / ٣١ ]
وجبت له يمين تأخير حلف وجبت عليه لغير غرض كما يأتي في باب اليمين فليس له ذلك ألَّا برضى المطلوب فإذا يغيت طالبها فإن القاضي يوكل من يتقاضاها له بعد ثبوت غيبته ويشهد بذلك ويسجل ثم قال الناظم رحمه الله تعالى
(والحكم فب المشهور حيث المدعى عليه في الاصول والمال معا)
وحيث يلفيه بما في الذمه يطلبه وحيث اصل ثمه)
يعني أن المدعى عليه إذا لم يخرج من بلده واراد المدعي جلبه للمحاكمه ليس له ذلك ولا تكون المحاكمه الا هنالك على القول المشهور سواء كان الشيئ المتنازع فيه هناك أو لا فإن خرج المدعى عليه من بلده فأما أن يلقاه المدعي في محل الاصل المتنازع فيه أو لا فإن لقيه في مكان الاصل المتنازع اجاب المدعي لمخاصمته فيه وهو معنى قزاه وحيث اصل ثمه وان وجده في غير محل الاصل وهو مفهوم وجده في المحاكمه هنالك كما مر واما في الذمة فانه يخاصمه حيثما لقيه وهو معنى قوله. وحيث يلفيه بما في الذمة. يطلبه. قوله
(وندم السابق للخصام والمدعي للبدإ بالكلام)
يعني أن الخصوم إذا تعددت فإن القاضي يقدم الاول فالاول منهم إلَّا في المسافر وما يخشى فواته كما أنه إذا جلس الخصمان بين يديه وعرف المدعي من المدعى عليه بقرأن الاحوال كما إذا وقعت مراجعة بين زوجين فالغالب أن الزوجه هي التي تشكي بزوجها فيأمرها القاضي بالكلام أو باتفاق الخصمين على ذلك فإن جهل السابق أن المدعي فهو قوله
(وحيث خصم حال خصم يدعي فاصرف ومن يسبق فذاك المدعي)
(وعند جهل سابق أو مدعي من لج إذ ذاك لقرعة دعى)
يعني أن القاضي إذا جلس بين يديه الخصمان وادعى كل واحد منهما الوصف الذي
[ ١ / ٣٢ ]
ادعاه الآخر بان قال كل واحد منهما هو المدعي أو هو المدعى عليه فانه يامرهما بالانصراف عنه ثم أن من رجع منهما بعد ذلك وسبق فهو المدعي فإن رجعا معه وجهل المدعي من المدعى عليه ولج كل واحد منهما وخاصم إذ ذاك أي في ذلك الوقت وادعى أنه المدعي فانه يقرع بينهما وقيل يبدا الحاكم بمن شاء والضعيف اولى والذي درج عليه صاحب المختصر أنه يقرع بينهما من اول الامر كما يقرع بين الخصوم إذا جهل السابق منهم قلت إنما يصرفهما أو يقرع بينهما إذا قال كل واحد منهما هو مدع فلا يصرفهما بل يسمع دعى كل واحد منهما بانفراده واحدا بعد واحد أما بتراضيهما على من يتقدم اولا بالكلام تو بالقرعة كما ياتي عند قوله. والشيء يدعيه شخصان معا. الابيات وفي مواضع اخر لا تحصر كثرة (والاصل) في مشروعية القرعة الكتاب قال الله تعالى ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ الاية ﴿واذا يلقون اقلامهم أيهم يكفل مريم﴾. وقد أقرع النبي ﷺ بين أزواجه وغيرهم فاستعملها علماؤنا رضي الله تعالى عنهم بسبب مشروعتها بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للبداية وبين الأئمة والمؤذنين إذا استووا والتقدم للصف الاول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء وتساويهم في الطبقات وولاية النكاح عند تساويهم كذلك وبين أهل الحضانة والزوجات في السفر أو في ابتداء القسم بينهم كمن توزج بامرأتين في وقت واحد وقسمة الاملاك والخصوم عند الحكام وعتق العبيد في باب الوصية إذا لم يحملهم الثلث والسفينة إذا خيف عليها من الغرق واريد طرح بعض ما فيهما من المهمات ولو آدميا واذا توجهت يمين القسامة على اكثر من خمسين وطلب كل واحد منهم الحلف دخلت القرعة بينهم قال ابن العربي وفائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح ولهذا قال القرافي أنه متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الاقتراع بينه وبين غيره لأن القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا هو موضع
[ ١ / ٣٣ ]
القرعة عن التنازع دفعا للضغائن والاحقاد والرضا بما جرت به الاقدار وقضي به الملك الجبار قوله
(فصل في رفع المدعى عليه وما يتعلق بذلك)
اي برفع المدعى عليه من بيان حكم من عصى الامر ولم يحضر مجلس القاضي لمقابلة خصمه أو بيان اجرة العون على تكون قوله
(ومع مخيلة بصدق الطالب يرفع بالارسال غير الغائب)
(ومن على يسير الاميال يحل فالكتب كاف فيه مع امن السبل)
(ومع بعد أو مخافة كتب لامثل القول أن افعل ما يجب)
(اما لاصلاح أو الاغرام أو ازعج المطلوب للخصام)
(ومن عصى الامر ولم يحضر طبع عليه ما يهمه كي يرتفع)
(واجرة العون على طالب حق ومن سواه أن الد تستحق)
(الابيات الستة) يعني أن الخصم إذا حضر لدى القاضي عو أن نائبه وطلب منه احضار خصمه وله قرينة تدل على صدق دعواه فإن كان حاضرا في البلد وجه اليها احد اعوانه يرفعه لمجلس حكمه وان لم يكن معه في البلد فإن كان قريبا مثل الاميال اليسيرة مع امن الطريق كتب اليه مراسلة يامره بالحضور اليه للكلام مع خصمه فلان وان كان الطريق مخوفة أو بعيدة بموضع تحت حكمه كتب مراسلة لنائبه أن كان وإلَّا فلا مثل القوم أن يفعل مايجب فعله من النظر المؤدي للتناصف بين الخصمين أما بالصلح أو بالغرم فإن تعذر ذلك ازعج المطلوب والزمه التوجه لمحل حكم قاضي الجماعة هو أو نائبه ويؤجل بقدر ما يناسبه أن طلب ذلك للحضور مع خصمه وقوله مخيلة أي شبهة وقرينة تدل على أنه لم يقصد بذلك اتعاب خصمه
[ ١ / ٣٤ ]
فإن لم تكن قرينة فلا يمكن من ذلك. وقال الامام ابن عرفة أن المطلوب يرفع وان لم يات الطال بشبهة وبه جرى العمل. وقوله من عصى الامر يعني أن الخصم إذا دعاه القاضي لمجلس قضائه للكلام مع خصمه فعصى وتغيب فانه يطبع عليه مايهمه طبعه مما لا صبر له عليه كداره بعد اخراج ما فيها من الحيوان بان يلصق شمع ونحوه على بالباب أو يسمر ليرتفع إلى المحاكمة فاذا فتح الباب ظهر ذلك فيعاقب فاعله والذي عليه عملنا اليوم الاستعانة على احضاره بالحاكم السياسي وهو احسن من الطبع وعلى الحاكم عقابه بقدر ما يراه قال أبو بكر بن العربي قال علماؤنا قول الله تعالى ل ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم﴾ الآيه دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالادب على قدر المخالف والمخالف وقوله واجرة العون على طالب الحق. البيت يعني أن اجرة العون الذي يوجهه القاضي لجلب الخصم إنما هي على الطالب على المطلوب ولا عليهما معا ما لم يحصل الداد من المطلوب وإلَّا فهي عليه وحده دون الطالب (فرع) كتب المراسلات واجب على القاضي وحينئذ لا يجوز له الامتناع من كتبها ولا اخذ الاجرة عليها واما غيره يجوز له اخذ الاجرة عليها وتكون على الطالب كأجرة العون قال في المعيار (قلت) قوله لا يجوز له الامتناع من كتبها يعني إلَّا لعذر والله اعلم (فصل في) بيان تسع (مسائل من القضاء) ذيلتها بمسألة عاشرة فأشار إلى المسألة الاولى بقوله
(وليس بالجائز للقاضي إذا لم يبد وجه الحكم أن ينفذا)
يعني أنه لا يجوز للقاضي أن ينفذ الحكم على احد الخصمين قبل أن يتبين له من هو المطلوب بالبينة ومن هو المطلوب باليمين منها لتداخل كلاهما لأن الحكم بالتخمين والظن فسق وجور والواجب علبه إذا لم يتبين له ذلك مشورة العلماء أن أمكن وإلَّا أمرهم بالصلح (تنبيه) قال أبو بكر ابن العربي لا يجوز الحكم بالفراسة وذلك
[ ١ / ٣٥ ]
لأن مدار حكم الحاكم هو في الظاهر على كلام الخصمين لا حظ له في الباطن لأنه لا يبلغه علمه فلا ينفذ فيه حكمه وانما يحكم في الظاهر والباطن الظاهر الباطن سبحانه. وقد قال النبي ﷺ إنما أنا بشر وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض فأقضى له على نوع ما اسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق اخيه فلا ياخذه فانما اقطع له قطعة من النار فهذا رسول الله ﷺ المصطفى للاطلاع على الغيب يتبرأ من الباطن ويتنصل من تعدي حكمه اليه فكيف بغيره من الخلق وهذا يدل على أن الحاكم مصيب في حكمه في الظاهر وان أخطأ الصواب عند الله تعالى في الباطن لأن الله سبحانه قال وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا بحكمهم وانتم تعلمون بطلان ذلك والحاكم في عفو الله وثوابه والظالم في سخط الله تعالى وعقابه انتهى (قلت) الحديث والاية يدلان على أن حكم الحاكم لا يحل الحرام لأنه لا يتناول إلَّا الظاهر فقط على القول الصحيح (الثانية) كأن قائلًا قال له حيث كان لا يجوز للقاضي أن ينفذ الحكم إذا لم يظهر له وجهه فما يصنع اجاب عنه بقوله
(والصلح يستدعي له أن اشكلا حكم وان تعين الحق فلا)
(ما لم يخف بنافذ الاحكام فتنة أو شحنا أولي الارحام)
يعني أن القاضي إذا اشكل عليه وجه الحكم أو المحكوم به بسبب تداخل كلام المتخاصمين كما تقدم أو تعارض البينات أو الأقوال فانه يدعوهما للصلح لأنه لا يجوز له أن ينفذ حكمه والحالة ما ذكر كما مر أما أن ظهر له وجه الحكم أو النص الذي يحكم به أو ترجيح احدى البينتين فلا يجوز له أن يدعوهما إلى الصلح بل الواجب عليه أن ينفذ حكمه إلَّا إذا خاف بتنفيذ حكمه حصول فتنة بين الخصوم أو وقوع الشحناء والبغض بين ذوي الارحام وكذلك اهل الفضل فانه يامرهم بالصلح. وقال كثير من اصحاب مالك لا بأس أن يامرهما بالصلح متى رآه قبل النظر وبعده
[ ١ / ٣٦ ]
أشكل أمرهما أو لم يشكل كذا في ابن رحال على ميارة نقلا عن ابن دبوس (قلت) هذا هو المناسب لأهل هذا الزمان (الثالثة) قوله
(والخصم أن يعجز عن القاء الحجج لموجب لقنها ولا حرج)
يعني أن الخصم إذا عجز عن الاستظهار بحجته بسبب اندهاش ونحوه لو اقر الخصم بما فيه منفعة له وغفل عن طلب الكتب عليه فإن القاضي يلقنه حجته وينبهه على كتب ما اقر له به خصمه بدون حرج عليه في ذلك ولا اثم ولو كان العاجز غير جاهل بامور الخصام على المشهور وقد يقال أن التلقين واجب إذا كان الخصم جاهلا ضعيفا عنها لقوله ﵊ من ثبت غيبا في خصومة حتى يثبتها ثبت الله قدمه يوم تزل الاقدام قال الامام ابن عرفة فاذا ظن القاضي أن المعذور اليه يجهل ما يسقط عنه الحجة نبهه الحاكم على ما يسقطها وقال (خ) فإن اقر فله الاشهاد عليه وللحاكم تنبيهه عليه وقوله أن يعجز بضم الجيم فمفهومه أنه إذا كان غير عاجز ولا غافل فانه لا ينبهه وعليه الاثم وهو كذلك لأنه من الحيف وهو حرام كما أنه لا يجوز للقاضي وغيره تلقين الفجور والحيل ليتغلب على الخصم بها مع أنه في نفس الامر والواقع على باطل وهو جرحة فيمن فعله فقيها كان أو غيره ويؤدب فاعله باجتهاد الحاكم (الرابعة) قوله
(ومنع الافتاء للحكام في كل مايرجع للخصام)
يعني أنه يمنع للحكام الافتاء في كل ما شأنه يرجع للخصام من ابواب المعاملات قال المهدي ما نصه وما ذكره الناظم من المنع هو الظاهر ابن عبد السلام ونصه يعني أنه يجوز له الفتيا فيما عدى مسائل الخصام وهل له الفتيا في مسائل الخصام قولان احدهما ليس له ذلك لأنه من اعانة الخصوم على الفجور والثاني اجازة فتياه في مسائل الخصام واما تعليم القاضي العلم وتعلمه فجائز له فعبارته ظاهرة في المنع الذي قاله ظم البرزلي وهذا إذا كانت الفتوى فيما يمكن أن تعرض بين يديه ولو جاءته من خارج بلده
[ ١ / ٣٧ ]
او من بعض الكور أو على يدي عماله فليجبهم عنها له ومحل المنع أيضا حيث لا يمكن الاطلاع على مذهبه ألَّا من افتائه وذلك إذا كان مجتهدا أو مقلدا وفي المسألة قولان متساويان مثلا واما أن كان احدهما راجحا أو معمولا به جاز له أن يفتي به انظر البناني والله أعلم (الخامسة) قوله
(وفي الشهود يحكم القاضي بما يعلم منهم باتفاق العلما)
(وفي سواهم مالك قد شددا في منع حكمه بغير الشهدا)
(وقول سحنون به اليوم العمل فيما عليه مجلس الحكم اشتمل)
يعني أنه يجوز للقاضي أن يستند على علمه في عدالة الشهود وجرحتهم فيحكم بشهادة من علم عدالته ولا يحكم بشهادة من علم جرحته اتفاقا ولا يجوز له أن يحكم بما علمه في غير التعديل والتجريح كان ذلك قبل ولايته أو بعدها في مجلس حكمه أو لا بل لابد من سماع الشهود لما اقر به الخصم لخصمه فإن لم يكن شهود حضورا لما اقر به فهو فيما اقر به الخصم لديه شاهد هذا هو المشهور وينقض حكمه أن وقع. وعند سحنون إذا جلس الخصمان لديه فاقر احدهما بشيء وسمعه القاضي وحده فجائز أن يقضي بينهما قال الناظم وبه العمل. وقال ابن رحال كلام المفيد وابن سلمون يفيد أن العمل على خلاف ما في التحفة وهذا هو اللائق بزماننا (تنبيه) يستثني من قوله وفي سواهم مالك قد شددا البيت الحكمان فانه يجوز لهما الحكم بما علماه من الزوجين ولا يحتاجان إلى احضار الشهود وينفذ ما حكم به قال ابن العربي (السادسة) قوله
(وعدل أن ادى على ما عنده خلافه منع أن يرده)
(وحقه انهاء ما في عمله لمن سواه شاهدا بحكمه)
يعني أن العدل إذا ادى شهادته عند القاضي والقاضي يعلم خلاف ما شهد به العدل
[ ١ / ٣٨ ]
فليس للقاضي أن يرد شهادته لعدالته عنده وليس له أن يحكم بهما لمخالفتها لما في نفس الامر والواقع الذي يعلمه القاضي والعمل في ذلك أن يرفع القاضي شهادته حيث لا يجوز له أن يحكم بما في علمه لغيره من الحكام مع شهادة العدل فيكون القاضي في هاته الجزئية بحكم الشاهد أي على حكم الشاهد وطريقته فالباء بمعنى على ويجوز أن يكون لفظ حكم زائد بين الجار والمجرور للوزن أي به أي بما هو مخالف لشهادة الشاهد فتبقى الباء على حالها (السابعة) قوله
(وعلمه بصدق غير العدل لا يبيح أن يقبل ما تحملا)
يعني أن القاضي إذا علم بصدق غير العدل فيما شهد به عنده فلا يجوز له قبول شهادته لأنه يؤدي إلى حكمه بعلمه وهو ممنوع كما تقدم (الثامنة) قوله
(ومن جفا القاضي فالتاديب اولى وذا لشاهد مطلوب)
(وفلتة من ذي مررءة عثر في جانب الشاهد مما يغتفر)
يعني أن من اساء الأدب على القاضي بكلام لا يليق بمنصبه الشريف أو على الشاهد في مجلس حكمه فإنه يؤدبه بالاجتهاد وتأديبه أولى من العفو عنه زجرا لأمثاله إلَّا إذا كان ذا مروءة وحصل منه ذلك فلتة في جانب الشاهد وكذا في جانب القاضي فهو مغتفر لقوله ﵊ اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم الحديث. ويلحق بقضية الشاهد وقوع احد الخصمين في صاحبه قال الشيخ ميارة فلو قال الناظم بدل الشطر الأخير من البيت الثاني. في الخصم والشاهد مما يغتفر. لافاد مسألة الوقوع في الخصم (التاسعة) قوله
(ومن الد في الخصام وانتهج نهج الفرار بعد إتمام الحجج)
(ينفذ الحكم عليه الحكم قطعا لكل ما به يختصم)
(وغير مستوف لها أن استتر لم تنقطع حجته إذا ظهر)
[ ١ / ٣٩ ]
(لا كنما الحكم عليه يمضي بعد تلوم له من يقضي)
الأبيات الأربعة يعني أن الخصم إذا تلذذ على خصمه في الخصومة وسلك طريق الفرار بتغيبه عن مجلس الحكم خوفا من وقوع الحكم عليه فإن كان ذلك بعد إتمام حجته وانقضاء الآجال والتلومات وثبت تغيبه فإن القاضي يحكم عليه وينفذ حكمه ولا تسمع له بعد ذلك دعوى ولا بينة. وإن كان فراره قبل استفاء حجته فإن القاضي يحكم عليه أيضا لكن بعد أن يتلوم له بالاجتهاد لعله يحضر فإن انقضى الأجل ولم يحضر وأمضى الحكم عليه ويبقى على حجته وبهذا جرى العمل (المسألة العاشرة) في حكم الالداد قال أبن العربي لا يجوز الالداد لقول الله تعالى ﴿وهو ألد الخصام﴾ يعني ذا جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء وقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال أبغض الرجال إلى الله الالد الخصام. وقول الناظم الحكم في البيت الرابع مفعول مقدم منصوب بيمضي بضم الياء المثناة تحت من أمضى الرباعي وفاعل يمضي من وهو اسم موصول واقع على القاضي وجملة يقضي صلته والله أعلم
(فصل في المقال والجواب)
المقال هو دعوى المدعي أما بتقييدها وهو الأكثر وأما بتقديم رسم الحق. والجواب هو ما يجيب به المدعي عليه من إقرار أو إنكار أو امتناع (مقدمة) في صفة العمل في ذلك كما في المتيطية وغيرها أنه يجب على القاضي إذا حضر لديه الخصمان وعرف المدعي من المدعي عليه كما تقدم فيسأل المدعي عن دعواه ويفهمها عنه فإن كانت مما لا يجب على المدعى عليه بها حق أعلمه بذلك ثم يصرفها عنه فإن نقص من دعواه. ما فيه بيان مطلبه أمره بإتمامه وأن كان مجملا أمره بتفسيره وأن كان الحق لميت أو على ميت أمره بإثبات وفاته وبيان ورثته وتناسخ الوارثات أن كان ثم تناسخ وأن طال
[ ١ / ٤٠ ]
ليعلم مناب كل واحد منهم وتضمينها في رسم المقال كتضمين التوكيل إذا كان القائل وكيلا وتضمين الايصاء أو التقديم إذا كان القائل وصيا أو مقدما في حق المولي عليه خوفا من ضياعها إذا انفردت فيتوقف حكم الحاكم عليها عند إرادة الحكم فإذا صحت الدعوى بشروطها المتقدمة وتمت الموجبات سأل القاضي المدعي عليه الجواب عنها فإن طلب من المدعي أن يجمع مطالبه ويحصر دعواه فيها ويأخذ نسخة من مقاله لينظر ما فيها ويحتج بها يوما ما أجيب إلى ذلك إلا في المواريث وحق المولي عليهم فلا حصر لأن الحصر يستلزم الإبراء والمولي عليه لا يصح الإبراء عنه ولا يجوز لما فيه من تضيع حقوقه ولا يسأل القاضي المدعي عن البينة قبل جواب المدعي عليه فلعله يجيب بالإقرار فيرتفع النزاع كما مر فإن أجاب بعد ذلك بالإقرار فظاهر ويجب على القاضي تسجيله لئلا ينكر بعد فيضيع الحق أو تطول الخصومة وإن أجاب بالإنكار نظر القاضي في ذلك بما يجب وهو أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر إذا كانت الدعوى في مال أو ما يؤول إليه كما تقدم وسيأتي أيضا في أنواع الشهادات مفصلا وإن أبهم في جوابه أمره بتفسيره وقيد بذلك كتابا كالمقال ليحتج كل واحد من الخصمين على صاحبه بما قيده على نفسه أو عن المنوب عنه فينحصر الخصام ويتمكن القاضي من تصور النازلة وفهمها فيسهل عليه فصلها فإن أمتنع من الجواب عن الدعوى بالإقرار أو الإنكار فالحكم في ذلك هو ما أشار إليه الناظم بقوله
(ومن أبى إقرارا أو إنكارا لخصمه كلفه إجبارا)
(فإن تمادى فالطالب قضي دون يمين أو بها وذا أرتضى)
يعني أن المدعي عليه إذا أمتنع من الجواب عن دعوى المدعى بأن قال لا أجيب أو لا أقر ولا أنكر فإن القاضي يجبره على الجواب بأحد الأمرين أما بالإقرار وإما بالإنكار بالتهديد فإن أستمر على إبايته في ذلك المجلس سجنه وضربه أن أمكن فإن تمادى حكم عليه بعد إعلامه بذلك لأنه من باب الأعذار وهل يحكم عليه بدون يمين
[ ١ / ٤١ ]
المدعي وهو الأكثر وبه العمل أو بها وقد ارتضي هذا القول وبه عمل قولان (تكملة) قال الحطاب وان قال المدعى عليه هذا الشيء المدعى فيه ليس ملك لي بل هو لفلان وهو حاضر فصدقه سلم له المدعى فيه والخصومة بينه وبين المدعي وللمدعي احلاف المقر أنه ما اقر به لاتلاف حقه إذ لو اعترف أنه اقر بالباطل وان المقر به إنما هو لمدعيه لزم الغرم له فانه حلف أنه لم بقر إلَّا بالصدق ولا حق فيه للمدعي سقط مقال المدعي فإن نكل عن اليمين فهاهنا اختفل الناس هل يستحق بيمينه غرامة المقر لاتلافه باقراره ما اقر به أو لا لأنه لم يباشر الاتلاف واذا توجهت الخصومه بين المدعي والمقر له وجبت اليمين على المقر له فإن نكل حلف المدعي وثبت حقه فإن نكل فلا شيء له عليه وهل له تحليف المقر أو لا قال ابن عبد السلام ليس له ذلك لانها لو وجبت لكان للمقر النكول فاذا نكل عنها لم يكن للمدعي أن يحلف لأنه قد توجه عليه هذا الحلف ونكل عنه انتهى قوله
(والكتب يقتضي عليه المدعي من خصمه الجواب توقيفا دعي)
يعني أن المكتوب الذي يقيده المدعي ويطلب من المدعى عليه الجواب عنه كما يسمى مقالا يسمى أيضا توفيقا لأن الطالب الذي قيده يوقف عليه المطلوب للجواب عنه لدى القاضي أما ما يقيده المدعى عليه فيسمى جوابا لا غير والله تعالى اعلم قوله
(وما يكون بينا أن لم يجب عليه في الحين فالاجبار يجب)
(وكل ما افتقر للتامل فالحكم نسخه وضرب الاجل)
(وطالب التاخير فيما سهلا لمقصد يمنعه وقيل لا)
يعني أن الدعوى المقيدة بالمقال أن كانت سهلة قليلة الفصول فإن المدعى عليه يكلف بالجواب عنها حلا من غير تراخ ولا يجاب إلى اخذ نسخة أن طلبها وانما تقرأ عليه الدعوى فقد فإن امتنع من جواب اجبر عليه كما تقدم وان كانت غامضة كثيرة الفصول مفتقرة للتأمل فالحكم اعطاء نسخة منه للمدعى عليه أن طلبها ويضرب له
[ ١ / ٤٢ ]
اجل للجواب بالاجتهاد ثم ما تقدر من كون المدعى عليه أن طلب التاخير عن الجواب فيما سهل لا يجاب لمطلبه أن كان لغير مقصد أما إذا طلب التأخير لمقصد من المقاصد كتوكيل من يجيب عنه وسؤال اهل العلم عما قيد عنه لياتي بما ينفعه أو ليحتج به على خصمه كما تقدم فهل يمنع من التاخير كذلك أو لا يمنع وتعطى له النسخة من المقال ويؤجل للجواب قولان عمل بهما واستمر العمل على الثاني قال بعض الشيوخ وهو المعول عليه والمناسب لاهل هذا الزمان ولا ضرر على المعطي للنسخ في هذا (استدراك) لابد من مطابقة الجواب للدعوى وسيأتي شيء من هذا عند قول الناظم. ومنكر للخصم ما ادعاه. البيت كما تقدمت الاشارة اليه في اول الفصل قوله
(ويوجب التقييد للمقال تشعب الدعوى وعظم المال)
(لانه اضبط للاحكام ولانحصار ناشئ الخصام)
(وحيثما الامر خفيف بين فالترك للتقييد مما يحسن)
(فرب قول كان بالخطاب اقرب للفهم من الكتاب)
الابيات الاربعة تقدم أن المقال تارة يكون صعبا متشعبا لكثرة فصوله وتارة يكون سهلا وعلى كل حال فتقييد المقال المتضمن للدعوى امر مشروع عند العلماء وانما الكلام في الوجوب وعدمه فذكر الناظم هنا أنه إذا كان الوجه الاول وجب تقييد المقال لا سيما أن انضم إلى ذلك كثرة المال المتنازع فيه لأن تقييده يضبط الاحكام وينحصر به ناشئ الخصام فلا يقدر المدعي أن ينتقل من دعوى إلى اخرى ولا على زيادة شيء آخر إذا حصر دعواه فيما قيده حصرا بالفعل فإن زاد بعد الحصر شيئا لم تقبل زيادته أن امتنع خصمه من ذلك وان انتقل إلى اخرى بطلت دعواه جملة لاضطرابه. وان كان الوجه الثاني فترك التقييد حسن إذ ربما يكون تلقي الدعوى وفهمها بالكلام اسهل للفهم من الكتاب والاحسن التقييد لاهل هذا الزمان كما تقدم إلَّا إذا كان المال قليلا بحسب
[ ١ / ٤٣ ]
العرف بحيث تضره المصاريف فلا يحسن التقييد كما قال وتكون النازلة شفاهية. والمراد بالوجوب هنا الوجوب الصناعي عند اهل الفن لا الوجوب الشرعي الذي يكون في فعله ثواب وفي تركه عقاب. وقوله اقرب بالرفع خبر المبتدأ الذي هو قول المجرور برب وجملة كان بالخطاب صفة لقول. وقوله الامر خفيف بين مبتدأ وخبر ونعت ومنعوت فائدة قال الزرقاني عند قول الشيخ خليل وملك الصيد المبادر لو تكررت شكوى شخص بآخر فإن للمشكو أن يرفع الشاكي للحاكم ويقول له أن كلن لك شيء عندي فيدعي به فإن أبى من ذلك حكم له بانه لا حق له بعد ذلك وليس له شكوى قطعا للنزاع. (قلت) قوله حكم له بانه لا حق له بعد ذلك الخ أي فيما كان يدعيه قبل الحكم أما ما كان محدثا بعد الحكم فله القيام به وتسمع دعواه فيه وهاته المسألة تعرف عندنا بالتقييد أو الاسقاط قطعا للمشاغبة على أن ذلك لا يكون إلَّا بعد التكرار كما قال لا من اول شكوى كما فعله بعض القاصرين من المعاصرين والله الموفق للصواب (ترتيب حسن) لكلام الناظم فصل في المقال والجواب
والكتب يقتضي عليه المدعي من خصمه الجواب توقيفا دعي
ويوجب التقييد للمقال تشعب الدعوى وعظم المال
لانه اضبط للاحكام ولانحصار ناشيء الخصام
وحيثما الامر خفيف بين فالترك للتقييد مما يحسن
فرب قول كان بالخطاب اقرب للفهم من الكتاب
وكل ما افتقر للتأمل فالحكم نسخه وضرب الاجل
وما يكون بينا أن لم يجب عليه في الحين فالاجبار يجب
وطالب التأخير فيما سهلا لمقصد يمنعه وقيل لا
ومن أبى اقرارا أو انكارا لخصمه كلفه اجبارا
فان تمادى فلطالب قضي دون يمين أو بها وذا ارتضى
وخصم أن يعجز عن القاء الحجج لموجب لقنها ولا حرج
[ ١ / ٤٤ ]
ومنع الإفتاء للحكام في كل ما يرجع للخصام
ومن ألد في الخصام وانتهج نهج الفرار بعد إتمام الحجج
ينفذ الحكم عليه الحكم قطعا لكل ما به يختصم
وغير مستوف لها أن استتر لم تنقطع حجته إذا ظهر
لا كنما الحكم عليه يمضي بعد تلوم له من يقضى
(فصل في الاجال)
لما ذكر الناظم أن المدعى عليه إذا اخذ نسخة من المقال للجواب عنه وانه يؤجل لذلك ناسب أن يكون فصل الاجال عقب فصل المقال والجواب (والاجال) جمع أجل وهو في اللغة مدة الشيء ووقته الذي يحل فيه وهو مصدر أجل الشيء اجلا من باب تعب. واجل أجولا من باب قعد لغة واجلته تاجيلا جعلت له اجلا والاجل على فاعل ضد العاجل وجمع الأجل آجال مثل سبب واسباب واجل مثل نعم وزنا ومعنى قاله في المصباح. وفي الاصطلاح المدة التي يضربها الحاكم للخصم لما عسى أن يأتي بما ينفعه من الحجة. واعلم أن ضرب الأجل للمواعيد سنة ماضية ومعنى قديم اسسه الله تعالى في القضايا وحكم به للامم وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال وان اول أجل ضربه ﷾ الايام الستة التي مدها لجميع الخليقة فيها وقد كان قادرا في أن يجعل ذلك لهم في لحظة واحدة لأن قوله لشيء إذا اراده أن يقول له كن فيكون إلَّا أنه اراد تعليم الخلق التأني وتقسيم الاوقات على اعيان المخلوقات ليكون لكل عمل وقت وان الأجل إذا ضرب لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل لاجله فجاءه الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة وقد بين الله ذلك في قصة موسى ﷺ فضرب اجلا ثلاثين ليلة وهو معنى قوله تعالى ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ الاية فخرج لوعد ربه فزاد الله عشرة تتمة اربعين ليلة وهو معنى قوله تعالى ﴿وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ ثم أن الزيادة التي تكون على
[ ١ / ٤٥ ]
الأجل غير مقدرة كما أن الأجل غير مقدر وانما يكون ذلك باجتهاد الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالامر من وقت وحال وعمل فيكون الأجل بحسب ذلك فاذا قدر الأجل باجتهاده قدر الزيادة مثل ثلث المدة السالفة كما أجل الله لموسى في الزيادة ثلث ما ضربه له من المدة وان رأى الحاكم أن يجمع له الاصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ولكن لا بد من التربص بعدها لما عسى أن يطرأ من العذر على البشر قاله أبو بكر بن العربي إذا تقرر هذا وعلمته سهل عليك فهم قول الناظم (ولاجتهاد الحاكم الاجال موكولة حيث لها استعمال) إلى آخره فمعنى هذا البيت هو أن الاجال التي يدخلها الاجتهاد إذا أريد استعمالها في المرافعات فإنها موكولة لنظر القضاة في قدرها وجمعها وتفلايقها كما مر أما الاجال المقررة في الشريعة وهي أجل المولى اربعة اشهر واجل المعترض والمجنون والمجذم سنة للدواء واجل المفقود اربع سنين للحر ونصفها للعبد واجل المعتدة والمستبرأة لا يدخلها الاجتهاد (ولما) كانت النفس ربما تتشوف لما ضربه القضاة الاقدمون من الاجال في جزئيات القضايا وان لم يجب الوقوف عنده لما يراه الحاكم العادل في تلك الجزئية كما تقدم شرع شرع الناظم رحمه الله تعالى في ذكر بعض مسائل من ذلك لينقاس عل كل واحدة منها ما يماثلها تسهيلا على المبتدئين من القضاة قال
(وبثلاثة من الايام أجل في بعض من الاحكام)
(كمثل احضار الشفيع للثمن والمدعي النسيان أن طال الزمن)
(والمدعي أن له ما يدفع به يمينا امرها مستبشع)
(ومثبتا دينا لمديان وفي اخلاء ما كالربع ذلك اقتفى)
(وشرطه ثبوت الاستحقاق برسم الاعذار فيه باق)
الابيات الخمسة يعني أن عمل القضاة جرى بالتاجيل ثلاثة ايام في خمس مسائل (الاولى) من اخذ بالشفعة وطلب التاجيل لاحضار الثمن أما من طلب التاجيل لينظر هل
[ ١ / ٤٦ ]
يشفع أم لا فانه لا يؤخر إلَّا كساعه على المعتد (الثانية) من ادعى عليه بدعوى مالية فادعى الانسان لطول الزمن وطلب التاجيل ليتذكر فيقر أو ينكر (الثالثه) من توجهت عليه يمين فادعى أن عنده ما يدفع به تلك اليمين التي تكرهها النفس وتستبشعها (الرابعه) من له دين على اخر فلما طلبه ادعى العدم فلما رأى رب الدين من القاضي أن يحكم بثبوت عدم غيرمة طلب تاخير الحكم لذلك ليثبت أن لمدينه دينا أو حقا أما بثبوت التاجيل لاثبات دبن على منكره فسأتي بعد هذه (الخامسه) من استحق عقارا ولم يبق للمقوم عليه إلَّا عذرا وطلب المستحق اخلاءه ليعقله بالحيلولة بينما لا بعدم التفويت فقط على خلاف في ذلك يأتي ذكره في الشهادة الخامسة التي توجب العقلة فإن حائزه يؤجل لاخلاءهثلاثة ايام (مسئلة) من اكتري بيتا وانقضى أجل كرائه ولم يخرج فانه يؤخر ثلاثه ايام ونحوها لينتقل إلى مسكن اخر لأن في اخراجه لغير مسكن ضررا ذكره الشيخ ميارة في شرحه على الزقاقيه قوله
(وفي سوى اصل له ثمانيه ونصفها لستة مواليه)
(ثم ثلاثة لذلك تتبع تلوما واصله تمتعوا)
يعني أن التاجيل في غير الاصول وخل العقود الاتي ذكرهما وغير المسائل المتقدمة بل في اثبات الديون والعروض والحيوانات يكون بواحد وعشرين يوما مفصلة ثمانية بغير اليوم الذي كتب فيه الأجل في جميع الاجال لا يعد على المتاجل ثم ستة ايام ثم اربعه ثم يتلوم له بثلاثة ايام اعذارا وهو الأجل الاخير. ولاصل فيه قول الله تعالى في قصة قوم صالح ﵊ الذين عقروا الناقة ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ أي عيشوا في دياركم ثلاثة ايام ثم تهلكون فهلكوا عن آخرهم بعدها والقصه مرجعها كتب التفسير فلا نطيل بذكرها. وعلى الحاكم إذا حضر لديه التاجل عند انقضاء الأجل المضروب له أن يقول لو لو ابقيت لك حجه فإن اتى بها نظر فيها بما يجب وإلَّا وسع
[ ١ / ٤٧ ]
له بالأجل الثاني وهكذا إلى تمام الاجال والتلوم فإن انقضتولم يات بما تاجل له عجزه بالاسقاط عليه بمحضر عدلين يشهدهما على حكمه وساتي شيء من هذا قريبا والذي رأيته بمحاضرة تونس عدم التوقيف أن انقضاء كل أجل حيث أن الخصم بكثرة مصاريف رسوم الاجال والجمع اولى في هذا الزمن كما يأتي عند قوله وتجمع الاجال البيت قوله
(وفي الاصول وفي الارث المعتبر من عدد ايام خمسة عشر)
(ثم تلي اربعه ايام تستقدم بضعفها ثم يلي التلوم)
(وفي اصول ارث أو سوله ثلاثة الاشهر منتهاه)
(لاكن مع ادعاء بعد البينه .. ومثه حائز ملك سكنه)
(مع حجة قوية له متى اثبته لنفه من اثبتاه)
الابيات الخمسة يعني أن الأجل المعتبر في اثبات الاصول سواء كانت من ارث أو من غيره وفي اثبات الارث من غير الاصول ثلاثون يوما تفرق خمسة عشر يوما ثم ثمانيه ثم اربعه ثم تليها التلوم بثلاثة ايام يوقفه الحاكم عند انقضاء كل أجل أن طلبه الخصم كما تقدم وله أن يضرب له اجلا قاطعا ثلاثين يوما مشتملا على الاجال والتلوم فهو من فعل ما مضى من القضاه وسياتي الكلام عليه قريبا. ومحل كون الأجل ثلاثين يوما في اثبات الاصول وما عطف عليها إذا كانت البيئه حاضرة بالبلد فإن كانت غائبه فلا سيما أن كانت بعيده فانه يؤجل اكثر من ذلك في اثبات الاصول مطلقا اجلا منتهاه ثلاثة اشهر ومثله من بيده ملك حائز فادعاه مدع واثبت دعواه فطلب الحائز للملك التاجيل ليأتي بحجة تعارض حجة خصمه وتدفعها ليكون احق بما بيده من المالك فانه يؤجل ثلاثة اشهر ايضا. وقوله متى اثبته الخ شرط جوابه محذوف يدل
[ ١ / ٤٨ ]
عليه ما تقدم والتقدير متى لنفسه من اثبت وادعى الحائز مدفعا فانه يؤجل اجلا منتهاه ثلاثة اشهر قوله
(وبيع ملك لقضآء دين قد اجلوا فيه إلى شهرين)
يعني أن من كان يملك ربعا أو عقارا وثبت عليه دين ولم يكن من اهل الناض فانه يؤجل في بيع ربعه أو عقاره الشهر أو اكثر من شهرين أما غير الربع والعقار من العروض والحيوان وهو المرد بالناض هنا فانه يباع بالمناداه كذلك ولا تباع عليه رباعه أو عقاراته لاكن أن كان المنقول كالحبل والدلو وما كان في تأخيره فساد فانه يباع حالا وان كان اثاثا أو حيوانا كالخيل والبغال والبقر فانه يباع بعد ايام يسيره أن ظنت الزياده وان كان كالجواهر واليواقيت فحكمه كالعقار فإن وفت المنقولات بالدين فذلك وإلَّا كمل العقار بما فيه وفاء الدين والله اعلم قوله
(وحل عقد شهر التاجيل فيه وذا عندهم المقبول)
(وتجمع الاجال والتفصيل وفي وقتنا هذا هو المعمول)
يعني أن المشهود عليه إذا طلب حل الشهادة التي تضمنها العقد فانه يؤجل شهرا على القول المقبول المعمول به وقيل يؤجل شهرين وقيل يؤجل احدى وعشرين يوما قال صاحب العمل المطلق وهو صحيح. وحل العقود يكون بامور أما بظهور تناقض في فصول بيانات الاسترعآء وهي التي يمليها الشاهد الذي نقلت عنه الشهاده من حفظه أو بظهور تناقض أيضا في رسم الاصل وهو ما يمليه من عليه الحق أو الموكل بكسر الكاف ونحوهما على الشاهد أو فيما بين حجته التي قام بها وبين مقاله أو بظهور استحالة في متن الرسم عارةكالشهاده على شخص أنه باع وتاريخه قبل وجوده أو بظهور تغير في الكتابة على محل الحاجه من غير اعتذار عليه من الموثوق قبل العقد أو الخنفوسة أو بتجريح شهوده إلى غير ذلك من الامور التي تكون سببا لحل العقود. وانه يجوز للقاضي أن يجمع الاجال بان يضرب له اجلا معلوما قاطعا في
[ ١ / ٤٩ ]
سجل واحد وأن يفصلها شيئًا فشيئًا كما تقدم قل وبهذا التفصيل العمل ووجه رجحانه رجاء تمام لنازلة في أثناء الأجل الأول إذا أتى المتأجل بما ينفعه فلا يفتقر إلى الأجل الثاني وهكذا
فصل في الإعذار
الإعذار في اللغة المبالغة في طلب العذر ومنه الإعذار في الحكم قاله ابن الفكهاني والعذر الحجة التي يعتذر بها ويدفع بها عن نفسه. وفي المثل أعذر من أنذر يقال ذلك لمن يحذر أمرا يخاف سواء حذر أو لم يحذر قاله في المصباح وفي الشرع عرفه الإمام ابن عرفة بقوله الإعذار سؤال الحاكم من توجه عليه موجب حكم هل له ما يسقطه. والأصل فيه قول الله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ الآية قوله
(وقبل حكم يثبت الإعذار بشاهدي عدل وذا المختار)
يعني أن القاضي إذا أراد أن يحكم على من توجه عليه الحكم من الخصمين فإنه لا يحكم عليه إلا بعد الإعذار إليه بقوله أبقيت لك حجة ونحوه بمحضر شاهدي عدل على القول المختار المعمول به فإن قال لا حجة عندي ولا ناصر لي حكم عليه حينئذ وإن ذكر أن له حجة أجله إليها كما تقدم في الآجال فإن انقضت الآجال والتلوم ولم يأت بما تأجل له حكم عليه وقطع عذره وناصره وعجزه في كل شيء إلا في مسائل يأتي ذكرها في فصل خطاب القضاة مع بيان صفة العمل وحينئذ لا يلتفت إلى قوله بعد التعجيز عندي حجة قال بعض العلماء إلا إذا رأى القاضي عليه مخايل الصدق وأنه ليس من أهل الباطل فلا بأس بالتروي بقدر ما يظهر له (قلت) وعليه مراعاة الجانبين وجانب المولى جل وعلا أشد عند المتقين وقوله وذا المختار الإشارة راجعة إلى كون الإعذار قبل الحكم بشاهدي عدل ومقابل القول المختار هو الإعذار بعد الحكم والاكتفاء بالعدل الواحد وليس عليه عمل. وفي اختصار المتيطية فإن
[ ١ / ٥٠ ]
أعذر إليه بواحد أجزأه. ودليل المجيز أن النبي ﷺ فعله إذ قال اغد يانيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت أي بالزنى الذي رماها به زوجها فرجمها. وحيث كان الإعذار قبل الحكم واجبًا شرطًا فإذا حكم الحاكم على من توجه عليه الحكم بدون إعذار لغفلة أو جهل ثم وجد المحكوم عليه حجة فله القيام بها لعدم الإعذار الذي هو شرط في صحة الحكم وقاعدة الشرط أنه يلزم من عدمه العدم وكذلك تقبل حجته أن اعذر إليه في شيء ناقص أو اعذر إليه ولم يعجزه. ولما كان الخصم يمكن من الإعذار في كل من شهد عليه إذا طلبه إلا في خمسة مسائل أشار إليها الناظم بقوله
(وشاهد الإعذار غير معمل في شأنه الإعذار للتسلسل)
(ولا الذي وجهه القاضي إلى ما كان كالتحليف منه بدلا)
(ولا الذي بين يديه قد شهد ولا اللفيف في القسامة اعتمد)
(ولا الكثير فيهم العدول والخلف في جميعها منقول)
الأبيات الأربعة (فالأولى) الشاهد على المحكوم على بالإعذار من القاضي بابقيت له حجة فقال لا حجة عندي ثم أتى بحجة تقبل لو لم يعذر إليه وانكسر الإعذار فاستظهر المحكوم له بشهادة شاهدي الإعذار فأراد المحكوم عليه الإعذار فيهما بالتجريح فإنه لا يمكن من ذلك لأنه لو مكن منه لأذى إلى التسلسل وقيل يمكن من ذلك لأن التسلسل ينقطع بالمبرزين (والثانية) من وجهه القاضي بالنيابة عنه لتحليف أو حيازة ونحوهما (والثالثة) شهود مجلس القاضي بما أقر به الخصم بين يديه لكن هذا إنما يتمشى على قول سحنون أما على قول مالك وابن القاسم المشهور المعمول به كما تقدم فلا يتمشى ويمكن من الإعذار فيهم قال التسولي وهو الواجب في هذا الزمات (قلت) كلامه حسن لكن ينبغي التفصيل وهو أن شهود مجلس قاضي قاعدة المملكة المعبر عنه بقاضي الجماعة لا يمكن من الإعذار فيهم لأنه يؤدي
[ ١ / ٥١ ]
إلى الطعن فيه وهو أمر لا ينبغي لأنه محمول على العدالة التامة وأن شهود مجلس قضاة القرى والبوادي يمكن من الإعذار فيهم لجهلهم وقلة ديانتهم غالبًا كما في المعيار فبالريال الدور ويدورون وبأصحاب الشوكة يتقدمون أو يتأخرون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أنا لله وإن إليه راجعون (والرابعة) شهادة اللفيف وهو عبارة عن جماعة اثني عشر رجلا فأكثر غير عدول شهدوا أن فلانا قتل فلانا فهاته الشهادة لوث على ما قيل تجب معها القسامة وأن الخصم لا يمكن من التجريح فيهم بكل قادح مما يجرح به العدل من مطل وحلف بحرام ونحو ذلك مما يأتي في محله لأنه مدخول فيهم على عدم العدالة لكن لابد فيهم من ستر الحال فلا يقبل تارك الصلاة ولا المجاهر بالكبائر من إظهار سكر وكثرة كذل ولا متهم بقرابة أو عداوة وفي باب الدماء المشهور في هذا الفرع أنه ليس بلوث وعليه فشهادتهم كالعدم (والخامسة) الجماعة الكثيرة المشتملة على عدول وغيرهم يشهدون على شخص فإنه لا يمكن من الإعذار فيهم إذا طلبه وقيل يمكن المشهود عليه من الإعذار في جميع ما تقدم وإليه أشار الناظم بقوله والخلف في جميعها منقول فما أصعب موقف القضاة والحكام وفقنا الله وإياهم لما فيه المصلحة للأنام. وقوله اعتمد الجملة من الفعل ونائل الفاعل المقدر حال من اللفيف أي حالة كونه اعتمد عليه في القسامة والله تعالى أعلم.
فصل في خطاب القضاة وما يتعلق به
الخطاب في اللغة هو الكلام بين متكلم وسامع ومنه اشتقاق الخطبة بضم الخاء وهو ما يقوله الواعظ للقوم فتكون من باب فعلة بمعنى مفعولة نحو نسخة بمعنى منسوخة فهو خطيب والاسم الخطبة بكسرها إذا خطب المرأة ليتزوجها فهو خاطب وفي الاصطلاح هو أن يكتب قاضي بلد إلى قاضي بلد آخر بما ثبت عنده من حق لإنسان في بلد الكاتب على آخر في بلد القاضي المكتوب إليه ليحكم عليه هناك عملا بقوله والحكم في المشهور حيث المدعى عليه وهذا التعريف يشمل الإنهاء بالكتابة ويشمل
[ ١ / ٥٢ ]
الخطاب على الرسوم الذي هو المراد هنا. ولا يُقال هذا التعريف الذي ذكره الشارح غير جامع لأنه لا يشمل الإنهاء بالمشافهة مع أنه خطاب لأنا نقول حيث لم يتعرض له الناظم داخل الفصل اقتصر عليه الناظم. وقوله وما يتعلق به أي من بيان كيفية الخطاب وما يقع في الرسوم من المحو ونحوه وحكم التسجيل والتعجيز وأنه ذكرها على هذا الترتيب فقال
(ثم الخطاب للرسول أن طلب حتم على القاضي وإلا لم يجب)
يعني أن الإنسان إذا كان له حق بشهادة عدول بلده على آخر في غير عمل قاضي بلده كما إذا كان أحدهما بتونس والآخر بالجزائر وأراد صاحب الحق السفر إلى بلد من له عليه الحق ليخاصمه هناك حيث أن المحاكمة لا تكون إلا في بلد المدعى عليه لا في بلد المدعي كما تقدم وخاف الطالب إذا قام على المطلوب لدى قاضي بلده ينكر دعواه فإذا استظهر برسمه يطلبه القاضي المترافع لديه بإثباته لما تقرر أن القاضي لا يحكم إلا على معروف لمعروف في معروف بشهادة معروف قال أبو الحسن علي الزقاق. شهادة معروف لمعروف أن جرت على مثله والشيء معروف اقبلا. وإلا فلا قال القاضي أبو عبد الله الفشتالي في وثائقه لا يجوز للقاضي أن يحكم إلا على معروف لمعروف في معروف بشهادة معروف أما الحاجة إلى معرفة المحكوم عليه فقد يأتي من يتسمى باسم غائب وتجري عليه الأحكام وهو لم يحضر ولم يقع عليه حكم وكذلك الحكم في المحكوم له وأما الحاجة إلى معرفة المحكوم فيه فالوقوف على عينه يكفي في ذلك أما بالشهادة عند القاضي أو بالحيازة أن كان ربعًا وإما الحاجة إلى معرفة الشاهد فلأجل التعديل والتجريح لأن العدالة لا تكون إلا بمعرفة الشاهد أما أن يعرفه القاضي بالعدالة أو بالجرحة فيكفيه ذلك وإما أن يعرفه بالعين والاسم ولا يعرفه بعدالة ولا جرحة فيعدل عنده وإما من لا يعرفه البتة فيعرف باسمه وعدالته وحليته على عينه انتهى فقوله لا يحكم إلا على معروف إلخ ولو بواسطة الشاهدة وهو أكثر ما يكون عند
[ ١ / ٥٣ ]
القضاة فإذا طلب صاحب الرسم من قاضي بلده الخطاب بأن يكتب إلى قاضي بلد خصمه بما ثبت عنده من صحة ما شهد به شهود بلده في ذلك الرسم لعدالتهم وجب عليه ذلك وإن لم يطلبه فلا يجب عليه. واللام في قوله للرسوم يجوز أن تكون بمعنى على أو بمعنى في ثم شرع في بيان كيفية الخطاب فقال
(والعمل اليوم على قبول ما خاطبه قاض بمثل اعلما)
(وليس يغني كتب قاض كاكتفى عن الخطاب والمزيد قد كفى)
(وإنما الخطاب مثل اعلما إذ معلما به اقتضى ومعلما)
يعني أن العمل في زمن الناظم جرى على قبول خطاب القضاة بعضهم لبعض بقوله أعلم بصحة الرسم المقيد فوق هذا أو محوله على ما يجب الشيخ أبا فلان فلان بن فلان القاضي ببلد كذا أدام الله رعايته فقير ربه فلان بن فلان القاضي ببلد كذا والسلام عليكم ثم يؤرخ وإنما قدموا في التخاطب مفعول اعلم بصيغة الماضي الذي هو اسم المكتوب إليه على الفاعل الذي هو اسم الكاتب تعظيما وتأدبا وله أن لا يسمي قاضيًا بعينه فيكتب إثر الرسم الحمد لله اديا فقبلا وأعلم به فلان بن فلان القاضي بكذا أو أديا فثبت وأعلم به أو أعلم بصحته أو باستقلاله فلان بن فلان القاضي بكذا وذلك بعد أن حضر عنده شاهدا الوثيقة وأخبراه باللفظ بأن هذه شهادتهما وإلا فلا يجوز له ذلك في غيبتهما وضمير اديا يعود على شاهدي الوثيقة. وحيث لم يعين قاضيًا بعينه فيعمل به جميعهم بخلاف ما إذا عين قاضيا بعينه قال الإمام ابن عرفة الذي استقر عليه عمل القضاة بإفريقية عدم تسمية القاضي المكتوب إليه. وقال الشيخ أحمد بن سلامة في حاشيته على التاودي الذي عليه عملنا بتونس أن كل رسم يصدر من القضاة لا يتم إلا إذا كان مختومًا بالطابع وجد فيه خط القضاة أم لا ثم أنه إذا وصل الخطاب إلى القاضي المكتوب إليه أو من ولي بعده صرف نظره فيما ثبت عند القاضي الكاتب فإن كتب ثبوت شهادتهم فقط لم يأمر بإعادة شهادتهم ونظر في
[ ١ / ٥٤ ]
تعديلهم وإن كتب بتعديلهم أو بقبوله إياهم أعذر للمشهود عليه فيهم وإن كتب أنه أعذر إليهم فيهم فعجز عن المدفع أمضى الحكم عليه. وقوله وليس يغنى البيت يعني أن القاضي إذا كتب تحت الرسم اكتفى أو استقل أو صح أو ثبت ونحوها إشارة إلى حصول نصار الشهادة أو صحتها فيكتفى بالرسم عن زيادة الشهود مثلا ليكون تذكرة له بعد وإخبارا للمشهود له بأنه يكفيه عن الزيادة أو غيرها فليست تلك الألفاظ تغنيه عن الخطاب بأعلم وإنما تغنيه عن الزيادة في الرسم فقط إلا إذا زاد بعد اكتفى ونحوه أعلم به أو أعلم باستقلاله وإلا فلا يجوز لقاض آخر أن يمضيه اعتمادا على اكتفى ونحوه لأنه لم يخاطبه. وقوله وإنما الخطاب مثل اعلما البيت كرره مع البيت الأول ليفيد أن الخطاب في زمنه محصور في اعلم المقتضى معلما به بفتح اللام وهو الرسم وعليه يعود ضمير به ومعلما بفتح اللام أيضا وهو القاضي المكتوب إليه ويجوز الكسر فيكون هو القاضي الكاتب وعلى كل حال فاعلم يستلزم معلما بكسر اللام وهو الكاتب ومعلما بفتحها وهو المكتوب إليه ومعلما به وهو الرسم الذي وقع فيه الإعلام فإذا جرى عرف بين القضاة في الخطاب بلفظ آخر كأخبر أو بالعلامة كما تقدم وجب العمل به وإلى هذا أشار الناظم بقوله مثل اعلما وألفه للاطلاق لا بخصوص لفظ اعلم فإذا ثبت خطاب القاضي بما وقع عليه الاصطلاح أما بمعرفة خطه أو بمعرفة علامته وختمه أو التعريف به ولو بعدل واحد كتب عليه أعملته (فائدة) وفي حاشية الشيخ الشريف العمراني أن ما يكتبه القضاة أسفل الرسم من قولهم اعلم بصحته هل هو حكم أو يجري فيه ما جرى في الثبوت من الفرق بينه وبين الحكم وهو الظاهر خلاف انتهى قال القرافي اختلف في الحكم والثبوت هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم لأنه يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها إجماعًا فيثبت الهلال وتثبت طهارة الماء ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بالرضاع والتحليل بسبب العقد ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما وأنه يجب تقديمه على الحكم ومن قال الحكم هو الثبوت لم يتحقق له معنى ما هو الحكم (قال)
[ ١ / ٥٥ ]
ابن الشاط ما قاله صحيح وقد يطلق على الثبوت حكم فالأمر في ذلك لفظي والله أعلم قوله
(وإن يمت مخاطب أو عزلا رد خطابه سوى ما سجلا)
(واعتمد القبول بعض من مضى ومعلم يخلفه والي القضا)
(والحكم العدل على قضائه خطابه لا بد من إمضائه)
يعني إذا خاطب قاض قاضيًا آخر ومات أحدهما أو عزل فإن مات القاضي الكاتب أو عزل من خطة القضاء فإما أن يسجل خطابه بإشهاد عدلين على نفسه بصحة الرسم عنده وثبوته لديه وأن الخطاب الواقع فيه هو له فهذا الخطاب يعمل به اتفاقا مات أو عزل وإما أن لا يسجله بالإشهاد عليه فهذا الخطاب قد اختلف في رده وقبوله على قولين والذي عليه العمل منهما القول بالقبول فإن مات القاضي المكتوب إليه أو عزل عن خطة القضاء قبل أن يصل الكتاب إليه فإن من ولي القضاء بعده يخلفه إذا وصل الكتاب إليه وإن كان إنما كتب لغيره فإنه ينفذه فإن لم يمت القاضي الكاتب ولم يعزل بأن كان حيًا مستمرًا على قضاءه فإما أن يكون من أهل العدل أو لا فإن كان من أهل العدل فالواجب على من وصله كتابه من القضاة أن ينفذ خطابه ويمضيه سجله أو لا وإن كان معروفًا بالجور والظلم فالواجب ترك خطابه لأنه ليس من أهل العدالة. وقوله مخاطب بكسر الطاء اسم فاعل ومعلم بفتح اللام اسم مفعول وسجلا يجوز بناؤه للنائب بضم أوله أو للفاعل بفتحه وألفه للإطلاق (وصفة) العمل في التسجيل هو ما قاله القاضي ابن عرضون في وثائقه إذا ثبت عند القاضي رسم من الرسوم وكتب تحته اكتفى أو ثبت أو استقل كتب الشاهد أسفل الرسم اشهد قاضي كذا وهو أعزه الله تعالى وحرسها باكتفاء الرسم أو ثبوته فوقه الثبوت التام أو باستقلال الرسم عنده الاستقلال التام وهو بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر وشهد على إشهاده بذلك بتاريخ كذا انتهى (وصفته) عندنا بالقطر التونسي في رسوم
[ ١ / ٥٦ ]
الاسترعاء بعد أن ينقل الشاهد الذي قدمه القاضي بالنيابة عنه لنقل الشهادة عن الشهود ويكتبها في رسم ويكتب أسماء الشهود أسفل التاريخ ويضع على كل اسم شاهد شهد به ليكون علامة على أنه أدى شهادته وقبل ثم يكتب أسفل أسماء الشهود رسمًا آخر فيه تعديل شهود الرسم أعلاه ويذكر أسماء شهوده عقب التاريخ كذلك ثم يدفعه للقاضي ليطلع عليه فإذا ظهر له ثبوته ختمه ويكتب أسفل الرسم الثاني يسراه بقلمه يكتب العمل فقوله يكتب العمل إذن منه في التسجيل بالإشهاد عليه بثبوت الرسمين رسم الأصل ورسم التزكية وكثير من القضاة اليوم فضلا عن الموثقين لا يعرفون معنى يكتب العمل ثم يكتب الشاهد التسجيل أسفل الرسمين يمناه لتكون كتابته ممزوجة فيكتب العمل بعبارات اصطلاحية تعرف بالوقوف عليها في الرسوم ما صورته الحمد لله بلغ شهيديه من الشيخ القاضي المشار إليه أعلاه دام عزه وعلاه الإذن في العمل بالرسمين المقيدين أعلاه لتوفر موجبهما لديه رعاه الله تعالى وأحسن إليه بواسطة عونه الأمين فلان وشهد بذلك هنا بتاريخ كذا ويضع الشاهدان عقديهما ثم ترك الآن هذا التسجيل بالإشهاد ولم يبق ما يدل على الثبوت إلا الطابع وجملة يكتب العمل بقلمه فقط أما الرسوم الأصلية كرسوم النكاح والبيع والحبس والوكالات فإن القاضي يضع طابعه أمام الحمدلة أن احتيج إلى ذلك ويكتب أسفل عقدي الرسم ثبتت عدالتهما وزيد على ذلك الآن وختم في تاريخ كذا وكل من له طابع من الولات الشرعيين إلا وله دفتر يضمن فيه الرسم الذي طبع عليه بأمر من الأمير وهو استنباط حسن جدًا سدًا لطريق الضرب على الخطوط والطوابع حيث كثر استعماله من طائفة مخذولة من المزورين لا يخافون الله تعالى وقد شاهدنا عذابهم بما يكون فيه موعضة وعبرة لمن اعتبر ولعذاب الآخرة أدهى وأمر قوله
(وفي الأداء عند قاض حل في غير محل حكمه الخلف اقتفي)
(ومنعه فيه الخطاب المرتضى وسوغ التعريف بعض من مضى)
[ ١ / ٥٧ ]
يعني أنه إذا نزل قاض ببلد لا ولاية له على أهلها هل له أن يسمع في ذلك المحل النازل فيه أداء الشهادة بحق لإنسان في ولايته على آخر غائب نازل في ولايته أيضا ثم يعمل على ما أخبره به قاضي البلد من عدالتهم فيكون خطابًا بالمشافهة أو ليس له أن يسمع شهادتهم لأنه لا ولاية له عليهم فكأنه ليس بقاض أصلا. وهل له إذا حل بغير محل ولايته كما ذكر أن يخاطب على الرسوم بما ثبت عنده بموضع ولايته حيث لم يخاطب عليها هناك وافتقر إلى الخطاب عليها في محل ولاية الغير أو ليس له ذلك وهو القول المرتضى وهل له أن يعرف قاضي موضع حلوله بما ثبت عنده من الرسوم بالمشافهة وبه عمل بعض المتقدمين أولا وهو المشهور وبه العمل خلاف في المسائل الثلاثة ومعنى المسألتين الأخيرتين اللتين تضمنهما البيت الثاني واحد وهو الخطابفي غير محل ولايته وهو أما بالكتابة أو بالمشافهة كما علمت. وقوله ومنعه مبتدأ والخطاب منصوب على نزع الخافض أي من الخطاب وفيه متعلق به والضمير المجرور عائد على غير محل حكمه والمرتضى خبر المبتدأ قوله
(ويثبت القاضي على المحو وما أشبهه الرسم على ما سلما)
يعني أن القاضي إذا طلب منه أن يثبت رسمًا ويصححه وكان به محو أو بشر أو حرق نار ونحو ذلك أو طلب منه أن يخاطب عليه غيره من القضاة فإنه يجب عليه أن يصححه أو يخاطب على ما سلم منه أن كان السالم يستقل بنفسه بدون ارتياب فيه وإلا سقط كله (وكيفية) العمل في ذلك بعد إمعان النظر فيه أن يكتب الحمد لله أعلم بثبوت ما عدا المحو أو البشر أو الحرق الذي بين لفظة كذا وكذا في الرسم أعلاه فلان بن فلان قاضي كذا وكذلك الملصق الذي يراد جعله محول الرسم فإنه لا يكون إلا على نظر القاضي وإلا فهو ريبة لا يجوز العمل به (وقوله) الرسم بالنصب على أنه مفعول يثبت بضم الياء من أثبت والقاضي فاعل قوله
(وعندما ينفذ حكم وطلب تسجيله فإنه أمر يجب)
[ ١ / ٥٨ ]
(وما على القاضي جناح لا ولا من حرج أن ابتداء فعلًا)
يعني أن القاضي إذا حكم على أحد الخصمين وطلب منه كتبه في سجل بإشهاد عدلين على حكمه وأخذ نسخة منه فإنه أمر واجب عليه فعله شرعًا أما وجوبه من جهة المحكوم له فليتمسك به خوفًا من تجديد الخصومة وإما من جهة المحكوم عليه فليسأل عن العلماء صحة وفسادًا وأنه ليس على القاضي حرج ولا إثم أن فعل ذلك ابتداء بدون سؤال. ولا الأولى في كلام الناظم توكيد لما النافية ولا الثانية نافية عاملة عمل ليس ومن زائدة للتوكيد وحرج اسمها أي ولا حرج عليه أن فعل ذلك ابتداء وجواب الشرط محذوف لدلالة ما تقدم عليه ثم قال
(وساغ مع سؤاله تسجيل ما لم يقع النزاع فيه كلما)
يعني أن القاضي إذا سئل تسجيل رسم وأحياؤه بدون وقوع كلام فيه ولا نزاع فإنه يجوز له تسجيله والكتب عليه لمن طلبه منه وذلك مثل رسوم الأحباس والأملاك القديمة التي هلك شهودها فيقع التعريف بخطوطهم وعقودهم بإذن القاضي ممن يرضى من الشهود الثقات العارفين بالخطوط والعقود ولا يضع طابعه على ذلك إلا بعد المقابلة والتحري التام. وقوله وساغ الخ المراد بالجواز هنا ما قابل الممنوع لا ما استوى طرفاه فيشمل الواجب وهو المراد لأن القاضي إذا سئل ذلك لا يجوز له الامتناع لما فيه من التسبب في ضياع الحقوق وهو ممنوع. وقوله سؤاله ضميره يعود على القاضي في محل نصف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى مفعوله (ومعنى) التسجيل هنا الشهادة عند القاضي بصحة الرسم المعبر عنه بإحياء الرسوم للتحصين خوفًا من ضياع الحق الذي فيه بطول الزمان حتى لا يوجد من يعرف ذلك الخط والعقد وهذا التسجيل ليس فيه حكم بخلاف الأول فإنه إشهاد بالحكم كما مر. وقوله كلما بكسر اللام أي كلام قوله
(وسائل التعجيز ممن قد قضى يمضي له في كل شيء بالقضا)
[ ١ / ٥٩ ]
(إلا ادعاء حبس أو طلاق أو نسب أو دم أو عتاق)
(ثم على ذا القول ليست يلتفت لما يقال بعد تعجيز ثبت)
يعني أن المحكوم له طالبًا كان أو مطلوبًا إذا طلب من القاضي الذي قضى له بالحق أو بنفيه عنه أن يعجز له خصمه عند الحكم عليه فإنه يجيبه لمطلبه ويمضي له تعجيزه بالقضاء في كل شيء بحيث لا تسمع للمحكوم عليه بينة يأتي بها ولا دعوى يقوم بها في تلك النازلة ولو كان له عذر كالجهل والنسيان على القول الذي به العمل إلا في دعوى الحبس والطلاق والنسب ودم العمد والعتق فلا تعجيز فيها ويقع الحكم على من ادعى ذلك بعد الإعذار إليه ببقائه على حجته وحيث لا تعجيز في النسب لا تعجيز في الإرث لأنهما متلازمان كما في ابن مرزوق على المختصر. وللقاضي أن يفعل ذلك ابتداء بدون سؤال من المحكوم له قطعًا لمادة النزاع كما مر عند قوله وعندما ينفذ حكم وطلب البيتين ويصح أن يراد بطلب التعجيز طلب كتبه مع الحكم لئلا يدعي المحكوم عليه بعد ذلك عدمه فتتجدد الخصومة كما مر في التسجيل وعلى هذا فليس التعجيز والحكم شيئًا واحدًا بل هما شيئان وبه قال بعضهم حيث قرر أن الأمور التي تقع ثلاثة أولها الإعذار وهو سؤال الحاكم المحكوم عليه ابقيت لك حجة وفائدته استقصاء الحجج وثانيها الحكم وهو إلزام الحق أو إبطاله وفائدته قطع النزاع وثالثها التعجيز وفائدته عدم سماع ما يأتي به من البينات بعد الحكم وهو ظاهر كلام الناظم (قلت) لما كان المدار فيهما على قطع النزاع وعدم سماع الدعوى فهما شيء واحد ويعبر عنهما بالإسقاط وبه العمل (تنبيه) قال الشيخ الرهوني عند قول الشيخ خليل وقدمت بينة الملك ما نصه إذا ثبتت حجة الطالب في مسائل الاستحقاق مثلا فيقال للمطلوب إذ ذاك أثبت الملك لك أو لمن ادعيت أنه صار إليك منه فإن لم يثبت شيئًا قضى للطالب وإن أثبته نظر في الحجتين فإن رجحت بينة الطالب فذلك وإن رجحت بينة المطلوب قضي له وأن تعذر الترجيح سقطتا وبقي بيد حائزه مع يمينه ووقعت الغفلة
[ ١ / ٦٠ ]
من ابن رشد ومن الناقلين لكلامه والكمال لله انتهى والمراد بالأمر الذي وقعت الغفلة عليه هو عدم تعرضهم لسؤال المطلوب عند الحكم عليه هل عنده معارض أو لا وعليه فمن الواجب على القاضي أن ينبه الذي يريد الحكم عليه والإعذار إليه بأبقيت لك حجة هل له ما يعارض به حجة خصمه أو لا وسواء كان عالمًا أو جاهلًا كما تقدم عند قوله
وخصم أن يعجز عن إلقاء الحجج لموجب لقنها ولا حرج.
وترك ذلك أما غفلة أو جهل فاحش وكأن من لم ينبه على ذلك لا يعرف من مقدمات الحكم إلا أبقيت لك حجة أن قالها فلهذا يسرع المغرور في الحكم ولا يترك الخصم المسكين يتلكم بدون تثبت ولا تبصر لعاقبة أمره وهو أن يكون بسبب ذلك حطبًا لجهنم (وصفة العمل في ذلك) مع زيادة فائدة وبيان لكلام الناظم (قال ابن سلمون) فإذا أعذر القاضي إلى الخصم فادعى مدفعًا أجله والآجال موكولة لاجتهاد الحاكم وجرى العمل بأنها في الأصول خمسة عشر يومًا ثم ثمانية ثم أربعة ثم ثلاثة وهي أيام التلوم ويكتب في ذلك (عقد) أعذر إلى فلان فيما ثبت في رسم الاسترعاء بكذا فقال أن له في ذلك مقالًا ومدفعًا وتأجل عن إذن القاضي فلان في حله والتماس منافعه فيه أجلا من خمسة عشر يومًا أولها غد التاريخ وأشهد بذلك في كذا ثم تكتب الأجل الثاني والثالث فإذا انصرمت فتكتب التلوم (ونصه) وتأجل فلان فيما تأجل فيه قبل أجلا من ثلاثة أيام أولها غد التاريخ تلومًا بعد الأجال الثلاثة المتقدمة عليه وأشهد بذلك في كذا فإذا انقضى التلوم عجزه القاضي وحكم بقطع حجته أي التي تأجل لها أما حجة المعارضة فلا تنقطع إلا بعد السؤال عنها كما تقدم (ثم) قال ويعجز القاضي كل واحد من الخصمين ويشهد بذلك ويقطع حجته وسواء كان طالبًا أو مطلوبًا ثم لا ينظر له هو ولا سواه أن قام بشيء في قضيته تلك إلا في العتق والطلاق والنسب فلا عجز في ذلك وينظر لكل من قام في ذلك بشيء متى جاء به من طالب أو مطلوب قاله ابن القاسم وابن وهب وأشهب قال بعضهم وكان ابن الماجشون وسحنون لا يريان تعجيز أحد الخصمين في شيء من الأشياء. وقال أصبغ أما الطالب فلا ينبغي تعجيزه ومتى
[ ١ / ٦١ ]
ثبت حقه قضي له به لأنها دعوى متى ظهرت أنقذت قال ابن حبيب وهو أحسن وأما المطلوب فإنه يعجزه ولا يسمع منه بعد ذلك حجة والحبس وطريق العامة لا تعجيز في ذلك وقيل في الدماء كذلك وفي كتاب الجدار سئل عيسى عن الخصمين يشترط أحدهما للآخر أن لم يوافقه عند القاضي لأجل معلوم فدعواه باطلة أن كان مدعيًا أو دعوى صاحبه حق أن كان يدعي عليه فتخلف فقال لا يوجب هذا الشرط حقًا لم يجب ولا يسقط حقًا قد وجب انتهى. وفي ابن عرضون فإذا انقضت الآجال وعجز عما تأجل فيه عجزه الحاكم ورفع يده وحكم بالمدعى فيه للقائم (وتكتب) في ذلك لما انصرمت الآجال المذكورة على فلان المذكور فوقه ولم يأت في أثناء الأجل فيما تأجل فيه بشيء يوجب له حكمًا وثبت ذلك كله لدى منيجب بواجب الثبوت واعذر فيه للمقوم عليه المذكور فلم يكن عنده فيما أعذر إليه فيه مدفع ولا مقال وأنهى ذلك إلى القاضي بكذا وهو فلان أعزه الله تعالى وحرسها وسأل منه القائم المذكور والنظر له في ذلك بواجب الحق اقتضى نظره الموفق السديد أن عجز فلانًا المذكور لعجزه وحكم لفلان بجميع الشيء المستحق المذكور ورفع يد فلان عنه الرفع الكلي حكمًا أنقذه وأمضاه وأوجب العمل بمقتضاه شهد على إشهاد بذلك إلخ (نص حكم) على من ادعى حبسية في ربع أو عقار ولم يثبت ما ادعاه على ما جرى به العمل في هذا الزمان من إنشاء شاهد القاضي بالحاضرة التونسية شملنا الله وإياه بالطاقة الخفية (الحمد لله) بعد أن قام فلان بأنه يستحق بالحبسية من جده فلان المضمنة وفاته أعلاه جميع العقار المذكور أعلاه بحدوده المذكورة أعلاه وأن فلانًا استولى عليه تعديًا بلا وجه شرعي وقيد عليه بالدعوى المرقومة أعلاه وأجابه فلان المدعى عليه المذكور بالجواب أعلاه والذي حاصله أن العقار المحدود المذكور ملكه وفي حوزه وتصرفه ولا أصل لما يدعيه وترافعا بموجب ذلك لدى الهمام العلامة الشيخ القاضي المالكي بحاضرة كذا رعاه الله تعالى وحرسها فتأمل من الدعوى والجواب وطلب المدعي إثبات دعواه المذكورة وأجله على ذلك بالأجل المرقوم أعلاه ومضر الأجل المذكور بمدة
[ ١ / ٦٢ ]
تلوماته ولم يأت المتأجل المذكور بما تأجل له وأعيد الترافع بين الخصمين المذكورين لدى الشيخ القاضي المشار إليه وطلب منه المجيب المذكور القضاء على المتأجل المذكور بما يراه النظر الشرعي حيث مضى الأجب المضروب له ولم يأت بشيء فتأمل رعاه الله من الأجل المذكور فألفاه انصرم بمدة تلوماته وسال المتأجل المذكور الحجة التي تأجل لها فلم يدل لديه بشيء من ذلك فأجرى النازلة على القواعد الشرعية والنصوص الفقهية فكان الذي ظهر له رعاه الله الإسقاط على المتأجل المذكور وسقوط دعواه الآن حيث مضر الأجل المضروب له على إثبات دعواه ولم يأت بما تأجل له ولما ظهر له ذلك وتبين له أمر ما هنالك أشهد العلامة النحرير الهمام العمدة المحقق القدوة الإمام الشيخ فلان القاضي بحاضرة كذا رعاه الله تعالى أنه حكم بالإسقاط على فلان المتأجل المذكور وسقوط دعواه الآن لما قرر حكمًا تأمص نفذه وأمضاه وألزم العمل بموجبه ومقتضاه فلا سبيل لحله بعد إبرامه ولا لنقضه بعد إحكامه صدر منه أعزه الله وهو بمجلس حكمه وفصل قضائه بالمحكمة الشرعية على عين الخصمين المذكورين بعد الإعذار للمحكوم عليه بابقيت لك حجة واعترافه لديه ثم لدى شهيديه بأن لا حجة له تدفع عنه الحكم المذكور بلغ الحكم المذكور عنه عونه الأمين فلان ويتضمنه ختمه أعلاه وحضر الخصمان المذكوران واشهدا أنهما دخلا تحت الحكم المذكور وأذعنا له وشهد على كل بما نسب إليه فالشيخ القاضي بأكمل حال ومن عداه بحال جواز ومعرفة بتاريخ كذا إلخ وحيث لا تعجيز فيه على الإطلاق كبقية المسائل المستثنيات فالمحكوم عليه القيام بعد إذا وجد بينة تشهد له بصدق دعواه وقس على هذا ما أشبهه. وقول الناظم ثم على ذا القول ليس يلتفت البيت فيه إشارة إلى الخلاف الذي ذكره ابن سلمون ولما فرغ من الكلام على صفات القاضي ومسائل القضاء شرع يتكلم على صفات الشاهد وأنواع الشهادات فقال
[ ١ / ٦٣ ]