أي من غصب وتعد واغتصاب وسرقة وقتل وجرح (ولما) كان الضرر ينقسم إلى قسمين ما يضر بالرقبة وما يضر بالمنفعة أشار إلى الأول منهما فقال
[ ٤ / ١١١ ]
(ومحدث ما فيه للجار ضرر محقق يمنع من غير نظر)
(كالفرن والباب ومثل الأندر أو ماله مضرة بالجدر)
يعني أن من أحدث ما فيه ضرر محقق لجاره بشهادة أهل المعرفة فإنه يمنع منه ويزال في الحين من غير نظر ولا توقف لقوله صل الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار فالضرر هو مالك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة والضرار بكسر الضاد هو ما ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه مضرة وقيل معناهما واحد توكيد في المنع وقيل غير ذلك ثم مثل الناظم لذلك بأمثلة فقال كالفرن أي كأحداث الفرن للفخاريين فإنه يؤذي القريب منه بدخانه أو بناره ومثله الحمام والكوشة للخبازين ومدخنة السنفاجين. والأصل فيه قول الله ﷿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغش الناس هذا عذاب أليم فجعله الله عذابا مؤلما. وأما دخان التنور أي الطابونة والمطابخ ونحوهما مما لا يستغنى عنه في المعاش فلا يمنع منه كما لا يمنع من القديم المشهور إلا إذا أراد أن يحدث دخانا ويضيفه إلى القديم في مدخنة أخرى فإنه يمنع منه لزيادة الضرر وبه القضاء. وكذلك يمنع من فتح باب يقابل باب جاره إذا كانت السكة غير نافذة ولو حرف الباب المحدث عن باب جاره بحيث لا يطلع منه على ما في دار جاره ولا يقطع عنه مرفقا على القول الذي به العمل أما إذا كانت السكة نافذة فله فتح الباب وإن كان مقابل لباب جاره وليس له فتح الكوة والشباك والحانوت إلا إذا حرف بحيث لا يطلع منه على ما في دار غيره لأنها أشد ضررا من الباب فلهذا لم يشترط فيه التحريف وبه العمل. وقوله ومثل الأندر هو بفتح الهمزة والدال كما تقدم فإنه يمنع من أحداثه قابلة باب دار جاره أو بستانه لأن ربه يتضرر بالتبن والغبار عند الذروة كما يمنع من نفض الحصير حذاء باب داره لتضرر المارة أو الجار بغباره وقد يتسبب عنه المرض (وقوله) أو ماله مضرة بالجدر وذلك كحفر مرحاض أو بئر أو بناء حمام أو فرن لتشبيب ذهب أو فضة أو لقلي شعير أو قهوة أو كير لخدمة حديد أو رحى أو
[ ٤ / ١١٢ ]
إسطبل ونحوها فإنه يمنع من أحداثه (تنبيه) تقدم أن حفر البئر يمنع إذا كان يضر بالجدار أما إذا كان لا يضر به وإنما يضر ببئر جاره في تقليل مائها ففيه تفصيل وهو إن كانت البئر في الدور فإن أحداثها إذا كان يؤثر في غيره فإنه لا يمنع لأن أهلها يستغنون بالماء القليل عن الماء الكثير وإن كانت في الأرضيين والبساتين فإن أحداثها يمنع إذا كانت تقلل ماء بئر الغير وأولى إذا قطعته بالكلية لأن أهلها يحتاجون إلى كثرة المياه للسقي قاله ابن الرامي التونسي وهو تفصيل حسن للغاية وسمعت جري العمل به. وأشار إلى الثاني بقوله
(فإن يكن يضر بالمنافع كالفرن بالفرن فما من مانع)
يعني أن الشيء المحدث إذا كان يضر بالمنافع فقط كمن أحدث فرنا ونحوه بقرب فرن جاره فتقصت غلة الأول أو انقطعت بالكلية أو كان ينقص من ثمنه عند البيع فإنه لا يمنع من ذلك وليس لصاحب القديم اعتراضه على القول المعتمد حتى إن بعضهم حكي الاتفاق عليه لقوته والله أعلم وظاهر النظم أن ضرر الأصوات مثل ما يقع من الحداد عند ضرب الحديد غير معتبر وهو كذلك على القول المشهور قال ابن ناجي ويلغوه مطلقا جرى العمل وقيل يمنع مطلقًا وقيل إن عمل بالنهار فالأول وإن عمل بالليل فالثاني وقيل يجوز أن خف ولم يكن فيه كبير مضرة ثم قال
(وهو على الحدوث حتى يثبتا خلافه بذا القضاء ثبتا)
يعني أن أمر الضرر إذا أشكل هل هو قديم فيبقى على حاله أو حادث فيزال فإنه يحمل على الحدوث حتى يثبت قدمه وإثبات القدم على مدعيه وبه القضاء وقوله
(وإن يكن تكشفا فلا يقر بحيث الأشخاص تبين والصور)
معناه أن الضرر إذا كان تكشفا كما لو فتح إنسان كوة أو بابا في غرفة يتشرف منها على ما في دار جاره بحيث تظهر به الذوات والصفات فإنه يزال ولا يقر والذي عليه عمل تونس
[ ٤ / ١١٣ ]
أن من أراد الصعود على سطح داره لإصلاح ونحوه يخبر الجيران بذلك حتى يستوفي عمله ثم قال
(وما بنتن الريح يؤذي يمنع فاعله كالدبغ مهما يقع)
يعني أن الضرر الحادث على الجار إذا كان بنتن الرائحة كالدبغ أو فتح مرحاض بدون غطاء فإن فاعله يمنع منه لأن الرائحة المنتنة تخرق الخياشيم وتصل إلى الأمعاء فتضر وتؤذي الأسنان بالمادة الفاسدة التي تصل إليها. والأصل في هذا قوله ﵊ من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقرب مسجدنا فلهذا منع إحداث كل ما له رائحة تؤذي وبه العمل وهذا الحكم في الحقيقة ليس خاصا بالجار بل هو من الحق العام. وقوله بنتن متعلق بيوذي وجملة يمنع فاعله من الفعل ونائب الفاعل خبر ما الموصلة الواقعة على الضرر وصلتها جملة يؤذي ثم قال
(وقول من يثبته مقدم على مقال من بنفي يحكم)
يعني أن من أحدث أمرا في ملكه فأدعى جاره أن عليه فيه ضررًا وطلب إزالته وأدعى محدثه أنه لا ضرر عليه فيه وأمتنع من أزالته وأقام كل واحد منهما بينة من أهل البصر والمعرفة على دعواه فبينة من أدعى الضرر مقدمة على من نفاه عند التكافؤ ثم شرع يتكلم على حكم الجدار الساتر بين دارين وشبههما وهو أما أن يكون ملكًا لأحد مالكي الدارين أو يكون مشتركًا بينهما وقد أشار إلى الأول منهما فقال
(وإن جدار ساتر تهدما أو كان خشية السقوط هدما)
(فمن أبى بناءه لن يجبرا وقيل للطالب إن شئت استرا)
(وعامد للهدم دون مقتض عليه بالبناء وحده قضي)
(إن كان ذا وجد وكان ماله والعجز عنه أدبا أناله)
[ ٤ / ١١٤ ]
يعني أن الجدار الساتر إذا كان لأحد مالكي الدارين وهدم فإن أنهدم بنفسه أو هدمه مالكه خوفا من سقوطه فإنه لا يجبر على بنائه فإن طالبه الجار ببنائه فيقال له أن صاحبه لم يقصد ضررك فإن شئت فاستر على نفسك أو أترك الكلام في شأنه وإن هدمه مالكه لغير موجب فإنه يجبر على بنائه وحده لظهور قصد أراده الضرر بالجار هذا إن كان له مال فإن لم يكن له مال أدب وإن كان الجدار مال غيره فعليه إعادته إن كان حبسا وإلا فقيمته وأشار إلى الثاني بقوله
(وإن يكن مشتركا فمن هدم دون ضرورة بناءه التزم)
(وإن يكن لمقتض فالحكم أن يبني مع شريكه وهو السنن)
(من غير إجبار فإن أبى قسم موضعه بينهما إذا حكم)
يعني أن الجدار الساتر إذا كان مشتركا بين الجارين وهدم فإن هدمه أحدهما لغير ضرورة فإنه يلزمه بناؤه وحده لأنه هدم ملكه وملك غيره لا لحاجة تدعوه إلى هدمه وإن هدمه لموجب كخوف سقوطه أو أنهدم وحده فبناؤه يكون عليهما من غير أجبار الممتنع منهما على بنائه على الطريقة المشروعة ثم أن اتفقا على بنائه فالأمر ظاهر وإن لم يتفقا وأمتنع أحدهما من بنائه فإن كان ممكنًا قسم وإلا قضي على الممتنع منهما بالبناء مع صاحبه إن كان له مال فإن لم يكن له مال بيع ليه لمن يبنيه وقيل غير ذلك. وضمير يكن الأول يعود على الجدار وهدم بالبناء للفاعل صلة من وبناءه مفعول مقدم بقوله التزم أي لذمه أن يبنيه كما كان هذا معناه. وضمير يكن الثاني يعود على الهدم. وقوله يبني بالبناء للنائب. وقوله السنن بفتحتين أي الطريق المشروع كما قررنا به كلامه. وقوله قسم بالبناء للنائب وموضعه أي الجدار نائب الفاعل. وقوله حكم مبني للنائب أي أمكن قسمه فعبر بالحكم عن الإمكان لأنه لازمه إذ من لازم الحكم بالقسم إمكانه والله أعلم وقوله
(وإن تداعيات فللقضاء لمن له العقود والبناء)
[ ٤ / ١١٥ ]
هو معنى قول الرسالة ويقضي بالحائط لمن إليه القمط والعقود اهـ يعني إذا وقع نزاع في جدار بين رجلين كل واحد منهما يدعيه أنه ملكه ولا بينة لواحد منهما أو أقاما بينتين وتكافأتا فإنه يقضي به لمن إليه القمط والعقود وإذا كان ذلك من الجهتين قسم بينهما بعد إيمانهما والقمط بكسر القاف وسكون الميم والعقود لفظان مترادفان بمعنى واحد وهما عبارة عن متعاقد الأركان أي يكون الركن الذي يجتمع فيه طرفا الحائط أجره مركب بعضه على بعض كاشتباك الأصابع وقيل غير ذلك ثم قال
*فصل في ضرر الأشجار*
أي بملك الجار أو بالمارين وأشار إلى الأول بقوله
(وكل ما كان من الأشجار جنب جدار مبدي انتشار)
(فإن يكن بعد الجدار وجدا قطع ما يؤذي الجدار أبدا)
(وحيث كان قبله يشمر وتركه وإن أضر الأشهر)
يعني أن من كانت له شجرة أو أشجار جنب جدار جاره وأضرت ذلك الجدار بانتشار أغصانها حتى خرجت عن حدود ملك ربها فلا يخلو الأمر من وجهين أما أن يسبق الجدار الأشجار أو العكس فإن سبق الجدار الأشجار فإنه يقطع ويزبر من أغصانها ما أضر بانتشاره أبدا أي اتفاقًا لأن الضرر حادث على الجدار فيحكم بإزالته وإن سبقت الأشجار الجدار والثاني أنه يترك ولا يقطع وإن أضر قال الناظم وهو الأشهر قال المحققون من شروحه وحواشيه وفيه نظر بل الأشهر هو القول الأول (تتميم) قال الزرقاني عند قول المصنف وبقطع ما أضر من شجرة بجدار الخ وأما ما يضر من جذورها المغيبة في الأرض بجدار غير مالكه فهو مما يدخل في قوله ومضر بجدار وجعل بعضهم قوله وبقطع ما أضر من شجرة أن تجددت الخ شاملا له اهـ
[ ٤ / ١١٦ ]
قال البناني ما ذكره الزرقاني من أنه يدخل في قوله ومضر بجدار وفي قوله وبقطع ما أضر إنما يعني به قطع الجذور أي العروق المضرة فقط وأما الشجرة نفسها فلا سبيل لقلعها كما ذكره ابن رشد (وقول) الناظم وكل ما كان الخ كل مبتدأ خبره جملة فإن يكن من الشرط والجواب وأسم كان يعود على ما الواقعة على الأشجار وجنب خبر كان مبدي حال من الأشجار واسم يكن وكان في البيت الثالث يعود على ما ذكر من الأشجار ثم قال
(ومن تكن له بملك شجرة أغصانها عالية منتشرة)
(فلا كلام عند ذا لجارها لا في ارتفاعها ولا انتشارها)
(وكل ما يخرج عن هواء صاحبها يقطع باستواء)
يعني أن من كانت له شجرة في ملكه طالت أغصانها وانتشرت إلى أن صارت بطولها يتشرف منها على دار جاره أو منعت الشمس والريح فإن الجار لا كلام له في ذلك كالبنيان الذي يرفعه المالك في ملكه لكنه يجب عليه عند الصعود إعلام الجار به كما يأتي ما لم تخرج تلك الأغصان عن هواء ملك صاحبها فإن خرجت عنه قطع من أغصانها ما خرج عنه ويكون القطع مسامتا لطرف أرض صاحبها وهو معنى قوله باستواء ثم قال
(وإن يكن بملك من ليست له وانتشرت حتى أظلت جله)
(فما لرب الملك قطع ما أنتشر لعلمه بان ذا شأن الشجر)
يعني إن من كان له شجرة في أرض غيره فعظمت وانتشرت أغصانها حتى أظلت جل الملك الذي هي فيه فإن صاحب الملك ليس له قطع ما أنتشر من الشجرة إلا يرضي صاحبها وإنما لم يكن له ذلك بالقضاء لأن شأن الشجر الانتشار فصار هذا الأمر مدخولًا عليه. وأشار إلى الثاني فقال
(والحكم في الطريق حكم الجار في قطع ما يؤذي الأشجار)
[ ٤ / ١١٧ ]
يعني أنه كما يجب قطع ما أضر من أغصان الشجرة أو الأشجار بالجار كذلك يجب قطع ما أضر منها بالمارين على الطريق لأن الطريق حبس على سائر المارين فلا يجوز فيه إحداث ما يضر بهم ويضيق عليهم شجرا كان أو غيره ولا تعمل فيه الحيازة بخلاف ضرر الجار وإليه أشار الناظم بقوله
*فصل في نسقط القيام بالضرر*
أي على القول المشهور من أقوال عشرة ذكرها ابن الرامي واقتصر الناظم على ما به العمل منها فقال
(وعشرة الأعوام لامرئ حضر تمنع أن قام بمحدث الضرر)
(وذا به الحكم وبالقيام قد قيل بالزائد في الأيام)
قال في المتيطية مسألة ومن أحدث عليه ضرر من إطلاع أو خروج ماء مرحاض قرب جداره ونحو ذلك وعلم بذلك فلم ينكره نحو عشرة أعوام من غير عذر يمنعه من القيام به فلا قيام له كالاستحقاق وهو مذهب ابن القاسم وقاله ابن الهندي وابن العطار وقال أصبغ لا ينقطع القيام في الضرر إلا بعد السكوت عشرين سنة ونحوها وبالأول القضاء إلا أن يكون المحدث عليه صغيرًا أو مولى عليه أو بكرًا غير معنسة فلا يضرهم السكوت وإن طال ذلك حتى يبلغ الصغير وتعنس البكر وينطلق المولى عليه ثم يسكتون بعد ذلك المدة المذكورة على أحد القولين عالمين بما لهم في ذلك من القيام آهـ وفي طور ابن عات وحيازة الضرر على الأقارب والأجنبيين سواء على القول بحيازته ولا يفرق في ذلك بين القرابة والأجنبيين كما فرق بينهما في استحقاق الأملاك بالحيازة قاله ابن زرب في مسائله اهـ وقيل له القيام بعد عشرة أعوام إذا كان بالأيام اليسيرة. وقول الناظم بمحدث الضرر محدث بفتح
[ ٤ / ١١٨ ]
الدال اسم مفعول وهو مضاف والضرر مضاف إليه من إضافة الصفة للموصوف أي الضرر المحدث كما لا قيام بالقديم ثم قال
(ومن رأى بنيان ما فيه ضرر ولم يقم من حينه بما ظهر)
(حتى رأى الفراغ من إتمامه مكن باليمين من قيامه)
(فإن يبع بعد بلا نزاع فلا قيام فيه للمبتاع)
(وإن يكن حين الخصام باعا فالمشتري يخصم ما استطاعا)
ما ذكره الناظم في هذه الأبيات هو قول ابن سلمون ومن أحدث عليه بناء فيه ضرر فسكت حتى فرغ ثم قام عليه فيه فعليه اليمين أن سكوته لم يكن رضي بإسقاط حقه فيه فإن باعه بعد ما أحدث عليه الضرر ولم يقم به ولا تكلم فيه لم يكن للمبتاع القيام به فإن كان قد تكلم فيه وباعه وهو في الخصام فإن للمبتاع أن يتكلم فيه ويقوم بما كان للبائع أن يقوم به آهـ وظاهره أن هذا البيع جائز وليس هو من بيع ما فيه خصومة لأن معناه أن الحاكم قضى بإزالة الضرر وأعذر وبقي التسجيل والأشهاد يعني على الحكم وأما لو باع وقد بقي شيء من المدافع والحجج لم يجز البيع لأنه بيع ما فيه خصومة والمشهور منعه وقيل غير ذلك كما في ابن رحال وغيره والله أعلم. وفهم من قوله ولم يقم من حينه أنه إذا قام حين راءاه يبني وأراد منعه من البناء فإنه لا يمنع من إتمام عمله حتى يثبت الضرر فيهدم كما في التبصرة وقوله يخصم بكسر الصاد أي يخاصم ما استطاع لقيامه مقام البائع وحلوله محله وقوله
(ومانع الريح أ، الشمس معا لجاره بما بني لن يمنعا)
معناه أن من بني بنيانا يمنع جاره من الريح أو الشمس أو هما معا فإنه لا يمنع من ذلك كما مر وما درج عليه الناظم هو أحد أقوال في المسألة وهو المشهور قال ابن ناجي وبه العمل وقال صاحب المختصر لا مانع شمس أو ريح إلا الأندر أي فإنه يمنع من بناء
[ ٤ / ١١٩ ]
ما يمنعه الشمس والريح إلا إذا اضطر إلى البناء واحتاج إليه فإنه لا يمنع منه لأن مصلحته مقدمة على مصلحة صاحب الأندر ثم قال
*فصل في الغصب والتعدي*
قال القاضي عياض أخذ المال بغير حق على ضروب عشرة حرابة وغيلة وغصب وقهر وخيانة وسرقة واختلاس وخديعة وتعد وجحد. وأسم الغصب يطلق على الجميع في اللغة (فالحرابة) كل ما أخذ بمكابرة ومدافعة. والغيلة ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة ليأخذ ماله وحكمه حكم الحرابة. والغصب ما أخذه ذو القدرة والسلطان. والقهر نحو منه إلا إنه يكون من ذي القوة في جسمه للضعيف ومن الجماعة للواحد. والخيانة كل ما كان لآخذه قبله أي جهته أمانة أو يد. والسرقة ما أخذ على وجه الاختفاء. والاختلاس كل ما أخذ بحضرة صاحبه على غفلة وفر أخذه بسرعة والخديعة كل ما أخذ بحيلة كالتشبه بصاحب الحق وصاحب الوديعة والمتزي بزي الصلاح أي يلبس الأخضر وتطويل اللحية ونحوهما ليأخذ المال بذلك. والجحد إنكار ما تقرر بذمة الجاحد وأمانته وهو نوع من الخيانة، والتعدي ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو مغيبه وقال الشاطبي الغصب عند الفقهاء هو التعدي على الرقاب والتعدي مختص بالتعدي على المنافع دون الرقاب فإذا قصد الغاصب تملك رقبة المغصوب فهو منهي عن ذلك إثم فيما فعل وهل يتقرر له عليها شبهة ملك بسبب ضمانه لها أم لا خلاف فإن قلنا إنه يتقرر عليها شبهة ملك كالذي في أيدي الكفار من أموال المسلمين كان داخلا تحت قوله ﵊ الخراج بالضمان فكانت كل غلة وثمن يعلو أو يسفل أو حادث يحدث للغاصب وعليه بمقتضى الضمان كالاستحقاق والبيوع الفاسدة وإن قلنا أنه لا يتقرر عليه شبهة ملك بل المغصوب على ملك صاحبه فكل ما يحدث من غلة ومنفعة فعلى ملكه فهي له فلا بد للغاصب من غرمها لأنه قد غصبها أيضا وأما ما يحدث من نقص فعلى الغاصب بعدائه لأن نقص الشيء المغصوب إتلاف لبعض ذاته فيضمنه كما
[ ٤ / ١٢٠ ]
يضمن المتعدي على المنافع لأن قيام الذات من جملة المنافع اهـ وإلى كون الغاصب ليس بذي شبة على المذهب ذهب الناظم كغيره من المصنفين فقال
(وغاصب يغرم ما استغله من كل شيء ويرد أصله)
(حيث يرى بحاله فإن تلف قوم والمثل بذي مثل ألف)
يعني إن من غصب شيئًا واستغله فإنه يرد الغلة التي استوفاها من الذوات المملوكة لغيره وصفة ردها أن يرد مثلها إن كانت مثلية معلومة القدر كأشجار جذ ثمارها وأغنام جز صوفا وإن جهل قدرها أو كانت مقومة فترد القيمة وكلام الناظم في رد الغلة مجمل وبيانه أن غلة نحو الدابة والدار والأرض وغيرها مما لا ينتفع به إلا بالاستعمال فلا تلزم غلته إلا باستعماله وأما لو عطل هذه المذكورات بأن لم يستعمل الدابة ولا زرع الأرض ولا أكرى الدار فلا يلزمه قراؤها في مدة استيلائه عليها (وأما) الغلة التي تنشأ من غير تحريك كثمر الشجر وصوف الغنم ولبن البقر فهذا يرده الغاصب من غير تردد (وأما) ربح المال المغصوب منه تاجرًا على القول المعتمد. وظاهر النظم لزوم رد الغاصب الغلة ولو كان المغصوب يحتاج إلى نفقة وليس كذلك بل إذا كان يحتاج إلى نفقة فإنما يرد الزائد منها على النفقة فإن لم يكن للشيء المغصوب غلة ضاعت النفقة على الغاصب ولا يرجع بها في الذات المغصوبة ولا ينظر إلى كونه أدى واجبا على المغصوب منه لأنه ظالم. وظاهره أيضا لزوم ورد الغلة ولو ذهبت الذات المغصوبة ولزم الغاصب قيمتها وفي المسألة قولان المعتمد منهما أن الغاصب لا يلزمه ردها إلا إذا ردت الذات المغصوبة كما لا يتبع بغلتها إذا فاتت ولزم الغاصب قيمتها لأن قيمتها تعتبر يوم الاستيلاء فقد كشف الغيب أنه أستعمل ملكه. وقوله ويرد أصله الخ معناه أنه يلزم الغاصب رد أصل الشيء المغصوب إن كان باقيًا على حاله حين الغصب فإن رده بحاله فلا شيء عليه لربه فإن تلف بيده غرم قيمته يوم الغصب وإن تغير بأمر
[ ٤ / ١٢١ ]
سماوي لا صنع لأحد فيه فريه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة، وإن كان النقص بتعديه بفعله ولو خطأ كدابة غصبها فاستعملها فتعيبت في بدنها خير ربه أيضا في أخذه ناقصا مع أخذ قيمة نقصه وفي تركه للغاصب وأخذ قيمته يوم الغصب هذا هو المشهور ثم قال
(والقول للغاصب في دعوى التلف وقدر مغصوب وما به أتصف)
يعني أن الغاصب والمغصوب منه إذا اختلفًا في تلف الشيء المغصوب فأدعى الغاصب تلفه وأدعى المغصوب منه عدم تلفه أو اختلفًا في قدره وكميته أو في صفته وكيفيته فالقول قول الغاصب بيمينه إذا أتى بما يشبه لأنه غارم ومدعي عليه فإن جاء بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه فإن أتيا بما لا يشبه قضي بأوسط القيم هذا هو المشهور وقوله
(والغرم والضمان مع علم يجب على الذي أنجر أليه ما غصب)
(بإرث أو من واهب أو بائع كالمتعدي غاصب المنافع)
معناه أن من تملك شيئا مغصوبا بإرث أو بهبة أو بشراء مع علمه بأن من أنجر إليه منه كان غصب ذلك فإنه يتنزل منزلة الغاصب في جميع ما تقدم من رد الغلة والذات على التفصيل الذي ذكرناه هناك فإن لم يعلم بذلك فإن كان المستحق من يده مشتريا فلا يلزمه إلا رد الذات ولا يلزمه رد الغلة لأنه ذو شبهة كما يأتي ولا شيء عليه فيما هلك أو نقص بأمر سماوي وكذا الوارث والموهوب له من غير الغاصب فإن كان ذلك من الغاصب نفسه فلا غلة لهما كما في ابن رحال وغيره (ولما) ذكر بعض أحكام الغصب أفاد هنا في الشطر الأخير من البيت الثاني تعريف المتعدي مشبها له بالغاصب في الضمان. ويفترقان في أمور (منها) أن غاصب الرقاب لا يضمن الغلة إلا باستعمال الشيء المغصوب وغاصب المنافع يضمن الغلة مطلقا استعمل الشيء الذي أخذه من يد مالكه أو حبسه. ومنها أنه يضمن القيمة يوم تعديه ولا يضمن الأمر السماوي بخلاف
[ ٤ / ١٢٢ ]
الغاصب فإنه يضمن القيمة يوم الاستيلاء ويضمن السماوي. ومنها إذا تعدى على منافع إبل ونحوها فحبسها عن أسواقها فإنه يضمن قيمتها إن شاء ربها وإن شاء ردها سالمة بخلاف الغاصب فإن ربها لا يخير إن جاء بها سالمة (ثم) أشار إلى مفهوم الغاصب والمتعدي وهو من حاز شيئًا بوجه شرعي من بيع ونحوه ولم يعلم بغصبه كما تقدم ثم استحق من يده وأنه لا يرد الغلة وله نظائر في عدم رد الغلة فقال
(وشبهة كالملك في ذا الشأن لقوله الخراج بالضمان)
(ولا يكون الرد في استحقاق وفاسد البيع على الإطلاق)
(والرد بالعيب ولا في السلعة موجودة في فلس والشفعة)
يعني أن شبهة الملك كالملك في كونها توجب لمن حصلت له استحقاق الغلة وهو المراد بقوله في ذا الشأن أي الأمر الذي الكلام فيه وهو لمن تكون الغلة والدليل أن شبهة الملك كالملك قوله ﵊ الخراج بالضمان والخراج الغلة ومعناه أن من كان ضمان الشيء منه إذا هلك فإن غلته له ولأجل كون الخراج بالضمان أن من أشترى شيئًا من غاصب ولم يعلم بغصبه كما مر ثم استحق من يده وأخذه ربه فلا يرد الغلة مع ذلك الشيء بل تبقى بعيدة كما إذا أشترى شيئا شراء فاسدًا وقد كان استغله ونقض البيع لفساده فلا يرد الغلة مطلقا سواء كان المبيع قائما بيد المشتري أو فات وغرم ثمنه أو قيمته (أو) وجد عيبا فيما أشتراه ورده على بائعه وقد استغله (أو) اشترى شيئا واستغله ولم يدفع ثمنه حتى فلس فجاء البائع فوجد ملكه قائما فأخذه في الثمن فإنه لا يرجع بالغلة على المفلس (أو) اشترى شقصا من جنان مثلًا واستغله ثم جاء شريك فأخذ ذلك الشقص بالشفقة فلا يرد الغلة فهذه مسائل خمسة لا ترد فيها الغلة إذا كان المبيع لا غلة فيه يوم البيع ولا يوم الرد واعتل فيما بين ذلك فإن كانت موجودة يوم البيع فهي أو عوضها للبائع على كل حال إلا إذا اشترطها المشتري كما تقدم في البيوع وإن كانت موجدة يوم رد الملك فقط فهي
[ ٤ / ١٢٣ ]
للمشتري في الفلس بالجذ. وفي الرد بالعيب والفساد بالزهو. وفي الشفقة والاستحقاق باليابس (ولما) ذكر أن المتعدي إذا أتلف ما أخذه على وجه التعدي فإنه يضمنه ذكر حكم تعيبه عنده وهو على وجوه أشار إليها فقال
(ومتلف منفعة مقصودة مما له كيفية معهودة)
(صاحبه خير في الأخذ له مع أخذه لأرش عيب حله)
(أو أخذه لقيمة المعيب يوم حدوث حالة التعييب)
(وليس إلا الأرش حال المنفعة يسيرة والشيء معها في سعة)
(من بعد رفو الثوب أو إصلاح ما كان منه قابل الصلاح)
يعني أن من تعدى على ملك غيره وأتلف منه منفعة مقصودة منه على كيفية معهودة عند مالكه فإن صاحب الملك يخير بين أخذ ملكه معيبًا وأخذ قيمة العيب المحدث فيه وبين أن يأخذ قيمة ذلك الملك يوم أحدث فيه ما أحدث على أنه صحيح لا عيب فيه هذا إذا كانت المنفعة التي أتلفت كثيرة فإن كانت يسيرة والملك بعد تلفها في سعة أي قائم ينتفع به كما كان فليس لصاحبه إلا الأرش بعد إصلاح ما يقبل الإصلاح من ذلك كالثوب يرفى والسيف يصلح ما به من فلول والقصعة يرقعها والحلي يصبغه ونحوها وقيل غير ذلك أنظر بسط المسألة في خليل وشروحه تجد فوائد جليلة يطول ذكرها هنا قلت والنظر في ذلك للعادة وجملة حله إي حل به صفة عيب وقوله أو بمعنى الواو أي وفي أخذه لقيمة المعيب ثم قال
*فصل في الاغتصاب*
وهو وطء بالغ حرة أو أمة جبرًا بغير وجه شرعي وإليه أشار الناظم بقوله
(ووطئ لحرة مغتصبًا صداق مثلها عليه وجبًا)
[ ٤ / ١٢٤ ]
(إن ثبت الوطء ولو ببينة بأنه غاب عليها معلنة)
(وقيمة النقص عليه في الأمة هبها سوى بكر وغير مسلمة)
(والولد استرق حيث علما والحد مع ذاك عليه فيهما)
يعني أن البالغ إذا وطئ امرأة غصبا عليها فإنه يجب عليه صداق مثلها يوم الوطء بكرًا كانت أو ثيبًا ويتعدد عليه الصداق بتعدد الوطء إن ثبت ذلك عليه إما بإقراره به أو ببينة على الوطء أو ببينة شهدت بأنه احتملها وغاب عليها غيبة يمكن وقوع الوطء فيها وادعته المرأة وإن لم تقع مشاهدة الوطء لها وهذا إذا كانت المرأة حرة وإن كانت أمة فيكون عليه قيمة مت نقصها بكرًا كانت أو ثيبا مسلمة كانت أو كافرة ويكون ولده رقيقا لسيدها إذا علم أنه من وطء الزنا ويلزمه مع ذلك الحد في الحرة والأمة إذا ثبت ذلك عليه بأربعة شهداء عاينوا الوطء بشروطه المتقدمة في باب الشهادات أو أقر بذلك على نفسه ولم يرجع عنه. وأما إن شهدوا بأنه احتملها وغاب عليها وادعت المرأة الوطء وأنكره فلا حد عليه وإنما عليه الصداق للحرة ولا شيء عليه في الأمة. واحترز الفقهاء بقولهم البالغ من الصغير يطأ البكر فيكون عليه ما شأنها بالافتضاض ولا شيء عليه في الثيب. ومفهوم قوله مغتصبا أن الزنا بالطائعة لا صداق فيه وهو كذلك. وقوله معلنة صفة لبينه أي ولو ببينة معلنة أي شاهدة بأنه احتملها وقوله غير بالنصب عطف على سوى واسترق وعلما مبينان للنائب وألف علما للإطلاق وقوله فيهما الضمير يعود على الحرة والأمة (ولما) ذكر حكم ثبوت الاغتصاب بينة أو أقرار المدعي عليه به ذكر ما إذا كان ذلك بمجرد دعوى المرأة وفي المسألة ست صور لأن المدعي عليه إما أن يكون مشهورًا بالدين والصلاح وإما أن يكون مجهول الحال هل هو عفيف أو فاسق وإما أن يكون مشهورا بالفسق فهذه ثلاث صور في كل منها إما أن تدعي ذلك وقت وقوعه وجاءت متعلقة به وإما أن تدعي ذلك بعد مضي زمان فأشار إلى الأولى والثانية مع القيام عليهما بعد مضي زمان فقال
[ ٤ / ١٢٥ ]
(وإن يكن ذا الغصب بالدعوى ففي تفصيله بيان حكمه يفي)
(فحيثما الدعوى على من قد شهر بالدين والصلاح والفضل نظر)
(فإن تكن بعد التراخي زمنا حدت لقذف وبحمل للزنا)
(وحيثما رحمها منه بري فالحد تستوحيه في الأظهر)
(وذاك في المجهول حالا إن جهل حال لها أو لم تحز صونا نقل)
(وإن تكن ممن لها صون ففي وجوبه تخريجا الخلف قفي)
(وحيث قيل لا تحد أن نكل فالمهر مع يمينها لها حصل)
(وما على المشهور بالعفاف مهر ولا حلف بلا خلاف)
يعني أن المرأة إذا أدعت الاغتصاب على من كان مشهورا بالدين والصلاح وتراخت في دعواها فإنها تحد حد قذفها له وللزنا إن ظهر بها حمل. وإنما تعدد الحدان لاختلاف موجبها فإن لم يظهر بها حمل ففي وجوب حد الزنا عليها خلاف والأظهر وجوبه كما قال الناظم. وهذا بالنسبة إلى المرأة وأما الرجل فلا صداق عليه ولا يمين كما صرح به في البيت الأخير في قوله وما على المشهور بالعفاف مهر ولا حلف بلا خلاف وأحرى عدم الحد فحقه أن يذكره هنا بعد قوله وحيثما رحمها منه بري البيت لأنه من تمام الدعوى وكأنه مؤخر من تقديم. وإن كانت الدعوى على مجهول الحال وتراخى قيامها أيضا فإنه ينظر في
بالدين من أنها تحد للقذف وللزنا وإن علم كونها موصوفة بالصيانة بحيث لا ترضى فضيحة نفسها ففي وجوب القذف عليها للرجل الذي جهل حاله قولان لا نص فيهما وإنما هما مخرجان ومبنيان على الخلاف الواقع بين ابن القاسم وأشهب فيمن أقر بوطء امرأة وصدقته
[ ٤ / ١٢٦ ]
وادعى أنه تزوجها فتحد على مذهب ابن القاسم إلا أن ترجع عن قولها ولا تحد على مذهب أشهب لأنها أدعت النكاح لا الزنا وقد تقدم الكلام على هاته المسألة في النكاح عند قوله وفي الدخول الحتم للأشهاد البيت. وعلى كونها لا تحد يحلف الرجل لرد دعواها فإن نكل عن اليمين حلفت وأخذت صداقها منه وفهم من هذا التفصيل في حق المرأة المدعية على مجهول الحال أن دعواها إذا كانت على المشهور بالصلاح لا يكون فيها هذا التفصيل وهو كذلك بل الحكم فيها ما تقدم كيفما كان حال المرأة. وقوله وذاك الإشارة راجعة إلى الحكم المذكور في حق المعروف بالدين والفضل إذا وقع القيام عليه على المشهور بالعفة أو المجهول الحال وقامت في الحين وجاءت متعلقة به فقال
(وحيث دعوى صاحبت تعلقًا حد الزنا يسقط عنها مطلقًا)
(والقذف فيه الحد لابن القاسم وحلفه لديه غير لازم)
(ومن نفي الحد فعنده يجب تحليفه بان دعواها كذب)
(ومع نكوله لها اليمين وتأخذ الصداق ما يكون)
(وحدها له اتفاقا أن تكن ليس لها صون ولا حال حسن)
(وعدم الحد كذا للمنبهم حالا إذا كانت توقي ما يصم)
(وإن تكن لا تتوقي ذلكا فالحلف تخريجا بدا هنالكا)
يعني أن المرأة إذا أدعت على رجل صالح الاغتصاب وجاءت متعلقة به فإن حد الزنا يسقط عنها ظهر بها حمل أو لا وهو معنى الإطلاق وفي حد القذف له قولان قبل تحد ولا يمين على الرجل وقيل لا حد عليها ويحلف الرجل على تكذيبها فإن نكل
[ ٤ / ١٢٧ ]
عن اليمين حلفت ووجب لها الصداق ومحله إذا كانت المرأة معروفة بالصيانة وحسن الحال وإنها لا ترضى بفضيحة نفسها أما إذا لم تكن كذلك فتحد المرأة للقذف اتفاقا وإن ادعت ذلك على المنبهم حاله الذي لم يعلم صلاحه من فساده وهو المجهول الحال وجاءت متعلقة به أيضا فإنه ينظر إلى حال المرأة فإن كانت معروفة بالصيانة فلا تحد لقذفه اتفاقًا وإن لم تكن معروفة بالعفاف ففي حدها للقذف قولان وعلى سقوط حد القذف عنها فعليه اليمين أنه ما وطئ ولا يلزمه صداق فإن نكل عنها حلفت المرأة ويلزمه صداقها وإلى هذا أشار بقوله
(وإن يكن مجهول حال فيجب تحليفه ومع نكول ينقلب)
فكان على الناظم أن يذكر هذا البيت بعد قوله
(وإن تكن لا تتوقى ذلك فالحلف تخريجًا بدا هنالك)
وقوله كانت توقى أصله تتوقى فعل مضارع فحذفت منه أحدى التاءين. وقوله يصم بضم أوله وكسر ثانيه لأنه من الرباعي أي إذا كانت تتوقى ما يصمها ويعيبها. وقوله تخريجا أي الخلاف لا نص فيه بل مبني على خلاف آخر كما ظهر هنالك ثم أشار إلى الصورة الثالثة بحالتيها فقال
(وفي أدعائها على المشتهر بالفسق حالتان للمعتبر)
(حال تشبث وبكر تدمي فذي سقوط الحد عنها عما)
(في القذف والزنا وإن حمل ظهر وفي وجوب المهر خلف معتبر)
(وحيث قيل أنها تستوجبه فبعد حلف في الأصح تطلبه)
(وإن يكن مجهول حال فيجب تحليفه ومع نكول ينقلب)
(وحالة بعد زمان الفعل فالحد ساقط سوى مع حمل)
[ ٤ / ١٢٨ ]
(ولا صداق ثم إن لم ينكشف من أمره بالسجن شيء فالحلف)
(وإن أبى من اليمين حلفت ولصداق المثل منه استوجبت)
يعني أن المرأة إذا ادعت الاغتصاب على رجل مشهور بالفسق وجاءت متشبثة به أو جاءت تدمي إن كانت بكرا فإن حد الزنا وحد القذف يسقطان عنها معا هذا معنى قوله عما وإن ظهر بها حمل فلا حد عليها كذلك. وفي وجوب الصداق لها خلاف وعلى كونها تستوجبه فإنما بعد يمينها على القول الأصح. وإن قامت عليه بعد زمان الفعل فإن الحدين يسقطان عنها ما لم يظهر بها حمل فتحد ولا صداق لها على المدعي عليه في الحال وإنما يسجنه الحاكم وينظر في حاله بالتجسس عليه فإن ثبت عنده صحة قول المرأة لذمه الصداق وإن لم يظهر من أمره شيء حلف أنه ما وطئ وبرئ وإن نكل عن اليمين حلفت ووجب لها صداق مثلها. وأما قوله (وإن يكن مجهول حال) البيت تقدم أنه في غير محله لأن الكلام هنا على المشتهر بالفسق لا على مجهول الحال ثم قام يتكلم على السرقة فقال
*فصل في دعوى السرقة*
وهي أخذ صغير لا يعقل أو مال من حرز حائزه لا ملك له فيه على وجه الاستسرار بغير سلاح. وأركانها ثلاثة السارق والمسروق والمحل (فالسارق) شرطه التكليف. وكونه غير رقيق للمسروق منه. وكونه غير أصل له كأبيه وأمه وجده وجدته. وكونه غير شريك أو غريم سرق قدر حقه أو مضطر سرق لجوع أصابه (والمسروق) إن كان أدميا فشرطه الصغر أو البله وإن كان مالًا فشرطه أن يكون نصابا وهو ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم أو وزنها فضة خالصة أو ما قيمته مما ينتفع به شرعا ثلاثة دراهم من العروض (والمحل) وهو الحرز فكل موضع لا يعد صاحب المال مضيعًا لماله إذا وضعه فيه فهو حرز وكل شيء معه من يحفظه
[ ٤ / ١٢٩ ]
فحافظه حرز له فإن لم تتوفر فيه هذه الشروط فلا يسمى الأخذ سارقًا ولا تقطع يده وإن أتى بسلاح فتجري عليه أحكام المحاربين وبهذا أفتى بعض العلماء بأن سراك افريقية الذين يأتون بالسلاح محاربون تجري عليهم أحكام الحرابة والمحارب إذا قتل أحدا وإن كان كافرا وجب على الحاكم قتله ولا يقبل فيع عفو ولا شفاعة كقتل الغيلة وهو ما كان خفية لأخذ المال وتقتل الجماعة بالواحد وإن ولي القتل أحدهم فإن لم يقع منه قتل نظر الحاكم في أمره فإن كان قوي الشوكة بكثرة التلصص حتى صار الناس يخافونه وجب قتله وإلا فهو مخير في شأنه بين قتله أو قطعه من خلاف أو نفيه وهل يجوز قتله إذا هرب وقت حرابته أو لا يجوز قال صاحب الشامل وهو الأصح قولان وقوله
(ومدع على امرئ إن سرقه ولم تكن دعواه بالمحققة)
(فإن يكن مدعيا ذاك على من حاله في الناس حال الفضلى)
(فليس من كشف لحاله ولا يبلغ بالدعوى عليه أملا)
(وإن يكن مطالبا من يتهم فمالك بالضرب والسجن حكم)
يعني أن من ادعى على رجل أنه سرقه ولم يحقق دعواه عليه بأن كانت دعوى اتهام فقط فإن الحاكم ينظر إلى حالة المدعي عليه بالسرقة فإن كان من أهل الفضل بعيدا عن التهمة بمثل هذه فإنه لا يكشف عن حاله ولا تسمع عنه هذه الدعوى لبعدها عادة ولا يبلغ المدعي بدعواه عليه أمله وإن كان المدعي عليه من أصحاب التهم خصوصًا إذا كانت له سوابق فإن الحاكم يسجنه ويتجسس عنه وقد يشدد عليه بالضرب بحسب قرائن الأحوال ثم قال
(وحكموا بصحة الإقرار من ذاعر يحبس لاختبار)
يعني أن من أدعى السرقة على المعروف بها فحبسه الحاكم لاختباره فلما وقع التهديد
[ ٤ / ١٣٠ ]
عليه أقر بما أدعي عليه به وهو في السجن من جهة الخوف الذي حصل له فإن أقراره صحيح ويلزمه ما أقر به لأن هذا ليس من الإكراه وبه العمل والذاعر الخائف ويقال داعر بدال مهملة معناه سارق وقوله (ويقطع السارق باعتراف أو شاهدي عدل بلا خلاف)
معناه أن السارق إذا أعترف بالسرقة طائعا أو شهد عليه بها عدلان فإنه يقطع اتفاقا بالشروط المتقدمة ثم قال
(ومن أقر ولشبهة رجع درئ عنه الحد في الذي وقع)
(ونقلوا في فقدها قولين والغرم واجب على الحالين)
يعني أن من أدعى عليه بالسرقة وأقر بها ثم رجع عن إقراره فإن كان رجوعه لشبهة ثبتت عند الحاكم درئ عنه الحد وإن رجع لغير شبهة ففي درء الحد ودفعة عنه قولان. وأما غرم الشيء المسروق فإنه يلزمه رجع لشبهة أو لغير شبهة وقوله
(وكل ما سرق وهو باق فإنه يرد باتفاق)
(وحيثما السارق بالحكم قطع فبالذي سرق في اليسر اتبع)
يعني أن الشيء المسروق مهما وجد بعينه فإنه يرد لصاحبه سواء قطع السارق أو لم يقطع وإن لم يوجد فإن قطع السارق فإنه يتبع بالسرقة في يسره دينا في ذمته ولا يتبع بها في عسرة وإن لم يقطع وهو مفهوم قوله قطع أتبع بها في يسره وعسره والمراد باليسر أن يتصل يسره من حين السرقة إلى يوم القطع فإن كان حينئذ معسرا أو أعسر فيما بين ذلك لم يغرمها والله تعالى أعلم ثم قال
(والحد لا الغرم على العبد متى أقر بالسرقة شرعا ثبتا)
يعني أن العبد إذا أقر بالسرقة فإنه يقطع شرعًا ولا يلزمه غرم السرقة وقول الناظم
[ ٤ / ١٣١ ]
بالسرقة بفتح السين على الأصل وسكون الراء للوزن وقوله والحد لا الغرم الخ الحد مبتدأ وجملة ثبتا خبره وألف ثبتا للإطلاق وعلى العبد متعلق به وشرعا مفعول مطلق معمول لثبت (فائدة) سئل العالم الجليل الشيخ خليفة بن حسن السوفي ناظم مختصر الشيخ خليل عن الذي عرف أثر قدميه معرفة تامة لا يشك فيها كما هو معلوم عند بلاد سوف وغيرهم من أهل الصحراء إذا أدعي عليه بسرقة ونحوها وأنكر هل يغرم أم لا (فأجاب) بأنه يغرم وخالفه بعض علماء خنقة سيدي ناجي في ذلك فخاطبهم بما فيه حجته على ذلك وإن مستنده فيه بطريق الشرع لا العقل فقال
(سلام له في الصالحات أصول يوافيه من عندي السلام وصول)
(إلى السرج الإثبات من ءال خنقة لم في ندور الواقعات نقول)
(رؤوس سداد صالحون لجلة شموس رشاد ما لهن أفول)
(عفا الله عنكم حكمكم كيف وجهه لنجل خليل بالبراء فقولوا)
(ففي القلب شيء يعتريه وعبرة من القلب للأحكام حين تجول)
(تمسككم بالأصل والأصل واضح ولا ينكر المعلوم إلا جهول)
(ولكن إذا عم السداد بحادث تقدم أصلا والقياس دليل)
(كتضمين سمسار وتغريم صانع وهل هو إلا مودع ووكيل)
(وترخيص تأخير الكراء لمكتر إذا خيف غدر للكراء نزول)
(ومن ذاك ما قد جوزوا في سفاتج متى عم بالخوف الشديد سبيل)
(ففي كلها خلف الأصول لأنها مصالح عمت والصلاح جميل)
(ومن أدب المسئول قبل جوابه إذا وردت يوما عليه سؤال)
(تعرف عرف السائلين بأرضهم ليعلم ما يفتي به ويقول)
(وما أنتم منا بأعلم بالذي به الضر يدري عندنا ويزول)
(ولو أهملت أثار سراك أرضنا لكان فسادا للخراب يئول)
(ففي الأخذ بالآثار إصلاح أمرنا وفي الترك عن قصد السبيل عدول)
[ ٤ / ١٣٢ ]
(وما الأثر كالخطوط شهادة كذا قال بعض في القياس نبيل)
(فعرفناك الخط الذي غاب ربه كعرفان أثر المس تراب مثيل)
(وفي ولدي عفراء لما تنازعا جهاز أبي جهل وهو جديل)
(بأثر طعان السيف كان نبينا قضى أنه للسيدين قتيل)
(وأعرب منها ما تحراه قائف من الشبه في المولود أين يميل)
(وهب أنكم خالفتموا ما بدا لنا ولم يبد منكم للصواب نكول)
(فهل لا حكمتم بالذي هو واجب على من رأوه بالعدى ويصول)
(من الضرب والتنكيل بالسجن طائلا لتختبر المكتوم منه عقول)
(هذا وإن الود بالقلب لم يزل على ما عهدتم لم يشبه دخول)
(ومنا لكم عذر الذي هو قاصر لدى من له في المنتهين حلول)
(فإن وافق الأنصاف ما قدر قمته وأقبل منكم بالسماح قبول)
(فما الفضل إلا للكريم وإن تروا قصورا فقولوا غفلة وذهول)
(وإن تروا الأعراض عنه تز أهدا فمالي بالإعراض عنكم شغول)
(وأختم نظمي بالصلاة على الذي له في فراديس الجنان نزول)
(محمد المقبول في موقف الجزا إذا الفكر من هول الحساب يزول)
(وأصحابه الهادين والإل ما جرت ببطحاء من غيث الغمام سيول)
(وصائغ أبيات الطويل خليفة سلام عليكم من لدنه يطول) اهـ
قال المؤلف عثمان بن الملكي قد شاهدت ذلك منهم حين حلولي بأرضهم ويحكمون بتغريم من عرف أثره وقد حضرت موطنا أقر فيه من عرف أثره بالسرقة ثم قال
*فصل في أحكام الدماء*
مقدمة مشتملة على ثلاثة أبحاث (الأول) في قتل العمد (والثاني) في قتل الخطأ (والثالث) في شبه العمد (فأما) قتل العمد فالمقتضي فيه للقتل وجود السبب والشرط
[ ٤ / ١٣٣ ]
وانتفاء المانع (فأما) السبب فهو القتل عمدًا عدوانًا محضا فبقيد العمد يخرج الخطأ. وبقيد العدوان يخرج به الاستيفاء ممن قتل قتيلا. وبقيد المحض يخرج به شبه العمد الأتي بيانه ثم القتل قد يقع بالمباشرة وقد يقع بالتسبب وهو أن يفعل فعلا ينشأ منه الموت كمنعه من الطعام والشراب وإلقاء سم في طعامه ونحو ذلك (وأما) الشرط فأربعة (الأول) أن يكون القاتل ملتزما لأحكامنا فلا قصاص على المحارب الكافر (الثاني) أن يكون عاقلا بالغا فلا قصاص على مجنون ولا صبي لأن عمدهما كالخطأ بخلاف السكران كما تقدم فإنه يقتص منه على المشهور (الثالث) أن لا يكون المقتول أذن للقاتل في قتله على خلاف فيه (الرابع) أن يكون المقتول معصوم الدم فلا قتل على من قتل زانيا محصنا أو مرتدا أو زند بقا ولكنه يؤدب لتعديه عن الإمام وأما من وجد رجلا أجنبيا في فراشه مع زوجته وقتله فإنه يقتل به إلا إذا كان له سلاح يريد أن يقتل به كل من أراد أن يتمكن به فإنه لا يقتل به لأنه محارب. وأما المانع فخمسة عشر (الأول) شرف الدين فلا يقتل مسلم بكافر قصاصا عندنا إلا إذا قتله غيلة فيقتل ويقتل الكافر بالمسلم والكافر (الثاني) الأبوة وهي دارئة للحد عند قيام الشبهة على المشهور (الثالث) شرف الحرية فلا يقتل حر بعبد ولو كان فيه شائبة حرية لقوله تعالى الحر بالحر والعبد بالعبد ويقتل العبد الحر ولا أثر لفضيلة الرجولية والعدد والعدالة والشرف وسلامة الأعضاء فيقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ويقتل الواحد بالجماعة والجماعة بالواحد إلا أن يكون القتل بقسامة فلا يقسم إلا على واحد ويقتل العدل والشريف بغيرهما ويقتل غيرهما بهما ويقتل الصحيح بغيره وغيره به ويقتل الذمي بالمعاهد والعكس (الرابع) تعذر إظهار القاتل كما إذا شهدت بينة على رجل بالقتل وإنه دخل في جماعة ولم يعرفوا عينه والحكم أن يحلف كل واحد منهم خمسين يمينا ويغرمون الدية بغير قسامة من الأولياء ومن نكل منهم كان القود عليه وقيل لا شيء عليهم (الخامس) دعوى الولي خلاف ما قاله المقتول عمدا أ، خطأ فإن حقهم يسقط من الدم والقسامة والدية وقيل لا يسقط حقهم من القسامة (السادس)
[ ٤ / ١٣٤ ]
إن ظهر اللوث في أصل القتل دون صفته مثل أن يقول قتلني فلان ولم يقل عمدا ولا خطأ ثم يقول بعض الأولياء عمدا ويقول البعض الأخر خطأ وذلك مانع من القتل ويحلف القائلون بأنه خطأ ويأخذون نصيبهم من الدية ومن نكل سقط حقه وإن قال بعضهم لا علم لنا لم يكن له بشيء (السابع) إقامة المدعي عليه البينة أنه كان غائبا حين القتل (الثامن) نكول الأولياء عن القسامة (التاسع) رجوع المدمي عن التدمية (العاشر) اختيار الأولياء واحدا من الجماعة المدعي عليهم وذلك مسقط للقود عن بقيتهم (الحادي عشر) عفو المجني عليه وسواء ثبت الجرح ببينة أو أقرار لكن القاتل المعفو عنه يجلد مائة ويسجن عاما (الثاني عشر) صحة المدمي صحة بينة (الثالث عشر) عدم حلف بعض المستحقين للدم (الرابع عشر) ميراث القاتل بعض دمه كرجل قتل أباه فاستحق إخوته دمه ثم مات بعضهم (الخامس عشر) أن يكون الولي ابن القاتل وقد قال مالك يكره أن يحلفه فكيف يقتله (وأما) قتل الخطأ فهو الفعل بغير قصد أما مباشرة كسقوطه عليه وكالمرأة تنقلب على ولدها وهي نائمة ونحو ذلك (فرع) قال في المعيار وسئل بعض القرويين عن مسألة نزلت بالقيروان وهي إن رجلين كانا يحرسان بالليل فقام أحدهما عن الأخر وأتاه لما رجع إليه في صورة السارق على وجه اللعب وأشار إليه بالسيف فطعنه صاحبه لاعتقاده أنه سارق فقتله (فأجاب) بأن دمه هدر (وأجاب) أبو عمران بأنه على العاقلة كالخطأ اهـ (وأما) شبه العمد فهو خاص بالآباء عند مالك وأكثر أصحابه وله أثر في درء القصاص إذا كان القتل فيه شبهة وذلك إذا أمكن عدم القصد وأدعى الأب ذلك. والموجب في قتل العمد القود إن طلبه الولي كما مر وإن لم يطلبه الولي فإن القاتل يجلد مائة ويسجن عاما. والموجب في قتل الخطأ الكفارة والدية. والموجب في قتل شبه العمد الدية مغلظة وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى (إذا) علمت هذا سهل عليك فهم كلام الناظم وتحصيل ما تفرق من الشروط والموانع في كلامه وما لم يذكره منها. وبدا بقتل العمد وما يثبت به حكم القصاص فقال
[ ٤ / ١٣٥ ]
(القتل عمدا للقصاص موجب بعد ثبوته بما يستوجب)
(من اعتراف ذي بلوغ عاقل أو شاهدي عدل بقتل القاتل)
(أو بالقسامة وباللوث تجب وهو بعدل شاهد بما طلب)
(أو بكثير من لفيف الشهدا ويسقط الأعذار فيهم أبدا)
(ومالك فيما رواه أشهب قسامة بغير عدل يوجب)
(أو بمقالة الجريح المسلم البالغ الحر فلان بدمي)
(يشهد عدلان على اعترافه وصفة التمييز من أوصافه)
(أو بقتيل معه قد وجدا من اثر القتل عليه قد بدا)
يعني أن من قتل إنسانا؟؟؟ عدوانا فإنه يقتل به إذا طلب وليه قتله عند توفر شروطه وانتفاء موانعه إذا ثبت القتل بما يجب ثبوته شرعا وهو أحد ثلاثة أشياء أولها اعتراف القاتل بالقتل إذا كان عاقلا بالغا طائعا (ثانيها) شهادة عدلين بمعاينتهما للقتل (فرع) تقدم في تعارض البينات إذا شهد شهود على رجل بقتل رجل فاقر غير المشهود عليه بقتل ذلك الرجل فراجعه هنالك (ثالثها) القسامة (وهي) حلف ولاة الدم خمسين يمينا يأتي بيانها على قتل حر مسلم محقق الحياة ولا يمكن منها أولياء المقتول مطلقا بل بوجود اللوث وهو أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي، وذلك (أما) بشهادة عدل واحد بالقتل (وأما) بشهادة اللفيف اثني عشر فأكثر بدون اشتراط العدالة لأنه مدخول عليهم على عدمها ولهذا لا يعذر فيهم ولكن لا بد فيهم من ستر الحال وانتقاء التعصب (وأما) بشهادة رجل واحد غير عدل في رواية أشهب عن مالك والمشهور أنه ليس بلوث (وأما) بالتدمية وهي قول الجريح المسلم الحر البالغ المميز دمي عند فلان إذا سمع منه ذلك عدلان وفيه جرح ظاهر ويستمر على إقراره وهو
[ ٤ / ١٣٦ ]
متصف بالتمييز وعدم التخليط في الكلام وقت تدميته فلو قال قتلني فلان بل فلان أو قيل له من جرحك فقال لا أعرفه ثم قال فلان أو قال دمي عند فلان أو فلان أو دمي على جماعة ثم ابرأ بعضهم أو قال دمي عند فلان ثم دمي عليه وعلى غيره فإن تدميته باطلة في جميعها كما تسقط عند وجود اختلال في عقله. وفهم من قوله الجريح أن التدمية البيضاء وهي التي لم يكن فيها أثر جرح ولا أثر ضرب ولا أنه يتقيا سما أو يتنخم دما لا تقبل وهو كذلك على القول المعمول به (وأما) أن يوجد قتيل يتشحط في دمه والمتهم قربه معه سيف أو خنجر ونحوهما أو على المتهم شيء من دم القتيل أو عليه أثر القتل بتغير حاله أو وجد خارجا من مكان المفتول ولم يوجد فيه غيره وأما غير ذلك من القرائن الدالة على القتل غالبا ثم بين القسامة في العمد فقال
(وهي بخمسين يمينا وزعت على الذكور ولأنثى منعت)
(بعد ثبوت الموت والولاة ويحلفونها على البتات)
(وتقلب الإيمان مهما نكلا ولي مقتول على من قتلا)
(ويحلف اثنان بها فما علا وغير واحد بها لن يقتلا)
(وليس في عبد ولا جنين قسامة ولا عدو الدين)
يعني أن القسامة هي حلف ولاة الدم خمسين يمينا وتوزع على الذكور من الأولياء أن كانوا أقل من خمسين وأن كانوا أكثر من خمسين اكتفي بخمسين منهم وأن طاع اثنان منهم بحلف الخمسين جاز ذلك ولا يحلف في العمد إلا الذكور دون الأناث بخلاف الخطأ كما يأتي ولا يحلفها إلا اثنان فأكثر فإن كانت القسامة بشهادة عدل على الجرح ولم يوجد جسد المجروح حيا ولا ميتا فلا بد من ثبوت موته لاحتمال كونه ما زال حيا وكذلك لابد من ثبوت ولاية الولاة وأنهم هو المستحقون لدمه فيحلف كل واحد منهم ما ينوبه منها بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانا هذا قتله أو لمات من
[ ٤ / ١٣٧ ]
ضربه أن بقي حيا بعد الضرب ثم مات ويحلف كل واحد على البت كما ذكرنا وسواء كان حاضرًا أو غائبًا ولا يحلفون على العلم فإذا نكل أولياء الدم عن القسامة فإن الإيمان تقلب على من ادعي عليه بالقتل فإن كان واحدًا حلف الخمسين وأن كان أكثر حلف كل واحد منهم خمسين يمينا فمن حلفها برئ من القتل ويضرب مائة ويحبس عاما لوجود اللوث ومن نكل حبس حتى يحلف ولو طال سجنه على القول المشهور هذا إذا كان اللوث على واحد فإن كان على جماعة فلا يقتل بالقسامة إلا واحدا على المشهور (فرع) مرتب على القول المشهور لو قدم أحد منهم للقتل بعد القسامة عليه بعينه فاقر غيره بأنه الذي قتله خير الأولياء في قتل واحد منهما ولا يمكنون من قتلهما معا عند ابن القاسم وقيل يقتلان معًا كما في القلشاني على الرسالة، وليس في قتل عبد ولا جنين ولا ذمي ومعاهد قسامة فإذا قال العبد أو الكافر دمي عند فلان أو قالت امرأة جنيني عند فلان وأنكر المدعى عليه ذلك فإنه يحلف يمينا واحدة ويبرأ وأن نكل لزمته قيمة العبد ودية غيره كما لو شهد عليه عدل واحد على معاينة القتل أو ضرب المرأة حتى سقط جنينها فإن من قام له اللوث من سيد العبد وغيره يحلف يمينا واحدة ويستحق ما يجب له في ذلك من قيمة العبد ودية غيره ثم قال
(والقود الشرط به المثلية في الدم بالإسلام والحرية)
(وقتل منحط مضى بالعالي لا العكس والنساء كالرجال)
(والشرط في المقتول عصمة الدم زيادة لشرطه المستقدم)
يعني أنه يشترط في القصاص من القاتل مماثلته للمقتول في الإسلام والحرية فلو زاد القاتل على المقتول بإسلام أو حرية فأنه لا يقتص منه لعدم الممائلة فلا يقتل مسلم حرا كان أو عبدًا بكافر ولا يقتل حر بعبد إذا تساويا في الإسلام فلو تميز القاتل بالحرية والمقتول بالإسلام فقتل كافر حر عبدا مسلما اقتص منه على المشهور وأما المنحط فإنه يقتل بالعالي فالعالي هو المسلم أو الحر والمنحط هو الكافر أو العبد ولا يقتل
[ ٤ / ١٣٨ ]
العالي بالمنحط وهو معنى قوله لا العكس فالعكس المنفي فيه القصاص هو أنه لا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد وأما الرجل مع المرأة فيقتل الرجل بها وتقتل هي به كما تقدم. ويشترط في المقتول أيضا عصمة دمه فلا قصاص على قاتل من وجب قتله بغيلة أو حرابة أو زنا بعد إحصان أو ردة أو زندقة وأنما عليه الأدب لافتياته على الأمام ما هو له كما مر، وقول الناظم والقود معناه القصاص سمي قودا لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل وتسلمه لولي الدم ثم قال
(وأن ولي الدم للمال قبل والقود استحقه فيمن قتل)
(فأشهب قال للاستحياء يجبر قاتل على الإعطاء)
(وليس ذا في مذهب ابن القاسم دون اختيار قاتل بلازم)
يعني أن ولي الدم إذا قبل المال كان قدر الدية أو أقل أو أكثر وامتنع القاتل من دفع المال وسلم نفسه للقصاص منه فهل يجبر على الدفع أولا في ذلك قولان لأشهب وابن القاسم فقال أشهب يجبر للاستحياء إذا كان موسرا وقال ابن القاسم لا يجبر لأن الواجب عنده هو القصاص والعفو مجانا وهو المشهور ثم شرع في بيان بعض موانع القصاص فقال
(وعفو بعض مسقط القصاص ما لم يكن من قعدد انتقاص)
(وشبهة تدرؤه وملك بعض دم الذي اعتراه الهلك)
يعني أن القصاص يسقط إذا عفى بعض من يستحق دم المقتول إلا إذا كان الذي عفا أبعد درجة من الذي لم يعف فلا يسقط ويكون الكلام للأقرب وإذا حصل عفو فلا يسقط حكم الضرب والسجن ولمن بقي نصيبه من الدية كما يأتي (تنبيهان الأول) من ثبت عليه أنه قتل زوجته ولها معه ابن ومن غيره ابن فإن القتل يرتفع عنه لمشاركة ابنه في الدم مشاركة لو كان فيها أجنبي فعفا تعذر القتل وتعذر القصاص
[ ٤ / ١٣٩ ]
للشبهة في غير ما مسئلة من مسائل المذهب لأن العفو هنا ليس باختيار الابن ولأخيه جميع الدية على العاقلة كذا في نوازل الشريف العلمي (الثاني) إذا لم يكن للمقتول مستحق لدمه لا من الرجال ولا من النساء فإن الإمام يقتص له وليس له العفو إلا أن يكون القاتل والمقتول كافرين ثم يسلم القاتل أهـ (وكذلك) يسقط القصاص بالشبهة المبعدة للعدوان مثل الضرب للتأديب بما يضرب به عادة فيؤل إلى الموت فإن الحد يدرأ عنه لأنه أمر مأذون له فيه كما يسقط إذا ملك القاتل بعض دم المقتول كما مر مثاله وإليه أشار الناظم بقوله. وملك * بعض دم الذي اعتراه الهلك. بسكون ألام أي الهلاك والموت والقعدد بضم القاف ويجوز في داله الأولى الضم والفتح وهو الأقرب إلى الأب الأكبر كذا في كتب اللغة ثم بين الناظم حكم الدعوى إذا لم تصل حد اللوث فقال
(وحيث تقوى تهمة في المدعى عليه فالسجن به قد شرعا)
يعني أن من اتهم بالقتل وقويت عليه التهمة ولم تبلغ حد اللوث الموجب للقسامة فإن المتهم يسجن سجنا طويلا باجتهاد الحاكم حتى يظهر أمره فيقع العمل به من ثبوت اللوث فتجب أحكامه وانتفاء التهمة فيترك سبيله بعد الاستيفاء (فرع وسئل) أي ابن الحاج عمن ادعى على رجل بالقتل ولم يكن إلا الدعوى فقط (فأجاب) بأنه يحبس فإذا طال سجنه خلي سبيله بعد أن يحلف خمسين يمينًا أنه ما قتل الرجل ولا أعان على قتله ولا أمر بقتله ولا شارك في قتله ولا شاهد قتله وأنه من قتله لبريء على حس يمين التهمة. وإن كان المقتول عبدا حلف في مقطع الحق يمينا أنه ما قتله ويبرأ كذا في المعيار
(والعفو لا يغني من القرابة في القتل بالغيلة والحرابة)
يعني أن القتل إذا كان على وجه الغيلة أو الحرابة فإن العفو الذي يحصل من القرابة لا يغني عن القصاص ولا يسقطه ولو كان المقتول غيلة عبدا أو كافرًا ولو جاء تائبًا
[ ٤ / ١٤٠ ]
لأن القتل فيهما حد من حدود الله تعالى لا يجوز إسقاطه للإمام ولا لغيره وهذا البيت كالتخصيص لقوله المتقدم وعفو بعض مسقط القصاص البيت. والغيلة لا تثبت إلا باعتراف القاتل بها أو بشهادة عدلين لا بشاهد وقسامة. وإما الحرابة فتثبت حتى بالشهرة قال الشيخ خليل ولو شهد اثنان أنه المشتهر بها ثبتت وإن لم يعايناها ثم قال
(ومائة يجلد بالأحكام من عنه يعفى مع حبس عام)
(والصلح في ذاك مع العفو استوى كما هما في حكم الإسقاط سوا)
يعني أن حكم من ثبت عليه القتل عمدا بينة أو إقرار أو لوث بعد القسامة أو قبلها ضرب مائة وسجن عام بعد الجلد ولا يحسب فيه سجنه قبل ذلك وسواء وقع العفو عليه مجانا أو صالح بمال فالصلح في ذلك القصاص مساو للعفو في جلد مائة وسجن عام وكذا لو قام اللوث على جماعة واقسم أولياء الدم على واحد عينوه لها فإن على كل واحد من أصحابه جلد مائة وحبس عام كما إذا سقط القتل لعدم التكافئ. وقوله كما هما في حكم الإسقاط سوا تتميم للبيت أي كما هما أي العفو والصلح في حكم الإسقاط للقتل سواء (وقوله) ومائة بالنصب مفعول مطلق معمول ليجلد المبني للنائب ومن بفتح الميم اسم موصول نائب فاعل وجملة يعفى عنه الخ صلته (تنبيه) الحبس قبل العفو لا بد فيه من القيد بالحديد والتشديد بخلافه بعده فيحبس بغير حديد وقوله
(ودية العمد كذات الخطأ أو ما تراضى فيه بين الملإ)
(وهي إذا ما قبلت وسلمت بحسب الميراث قد تقسمت)
يعني إذا عفا من له العفو من أولياء الدم على شيء مقدر قليل أو كثير ورضي القاتل به لزم وإذا عفا على دية مبهمة فتحمل على الدية المقدرة في الخطأ وهي مائة من الإبل غير أنها تغلظ فتكون مربعة كلها إناث خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون
[ ٤ / ١٤١ ]
بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة حالة لا منجمة وتقسم بين الورثة من زوجة وغيرها بحسب ميراثهم (تنبيه) إذا عفا ولي الدم عن القتل عفوا مطلقا لم يقع فيه التنصيص على إسقاط الدية ثم قام يطلب الدية من القاتل وقال إنما عفوت لأجلها فإن دعواه لا تقبل إلا إذا كانت له قرينة تدل على صدق دعواه كقوله عند العفو لولا الحاجة ما عفوت عنه أو يكون الولي فقيرًا والقاتل غنيا ونحو ذلك فإنه يحلف ويبقى على حقه أن امتنع القاتل وسواء قام بالقرب أو بعد طول. وقول الناظم كذات الخطأ التشبيه في القدر وهو مائة من الإبل لا في الصفة لأن دية الخطأ مخمسة كما يأتي وقوله تراض منون وقوله الملإ بالهمز معناه الجماعة من القاتل والأولياء إذا تراضوا على شيء لزم ومفهوم تراضوا أن القاتل إذا لم يرض فلا يلزمه ذلك عند ابن القاسم كما تقدم ثم شرع يتكلم على جنس الدية وقدرها فقال
(وجعلت دية مسلم قتل على البوادي مائة من الإبل)
والحكم بالتربيع في العمد وجب وألف دينار على أهل الذهب)
(وقدرها على أو لي الورق اثنا عشر ألف درهم لا أدنى)
(ونصف ما ذكر في اليهودي وفي النصارى ثابت الوجود)
(وفي النساء الحكم تنصيف الدية وحالة في كل صنف مغنية)
يعني أن دية الحر المسلم مائة من الإبل أن كان الجاني من أهل البادية وتكون في العمد مربعة كما تقدمت الإشارة إليها وإن كان من أهل الذهب كالشامي والمصري والمغربي ألف دينار. وإن كان من أهل الفضة كالعراقي والفارسي والخرساني اثنا عشر ألف درهم ولا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل ولا من أهل الذهب إلا الذهب ولا من أهل الفضة ألا الفضة إذا كان ذلك لأجل أما إذا كان على الحلول كما هو أصل دية العمد فإنه يجوز أخذ الورق عن الذهب والعكس فإن لم يكن من أهل الإبل ولا الذهب
[ ٤ / ١٤٢ ]
والفضة بل كان أهل بقر أو غنم فإنه يكلف بما يجب على أقرب المواضع إليه على الظاهر عند بعض العلماء هذا في دية الحر المسلم وأما من قتل عبدا فعليه قيمته ولو بلغت أكثر من دية الحر المسلم كان العبد مسلما أو كافرا. وأما دية الكافر الكتابي الحر فنصف دية الحر المسلم. ولم يذكر الناظم دية المجوسي وديته ثلث خمس دية المسلم وهو في الذهب ستة وستون دينارا وثلثا دينار وفي الفضة ثمانمائة درهم، وأما المرأة فديتها نصف دية الرجل من دينها. وقول الناظم مسلم يريد به الحر وقوله قتل بالبناء للنائب وسواء وقع قتله عمدا أو خطأ وقوله الورق بسكون الراء وقوله وحاله في كل صنف مغنية أي حال التنصيف مغنية عن البيان في كل صنف ثم قال
(وتجب الدية في قتل الخطأ والإبل التخميس فيها قسطا)
(تحملها عاقلة للقاتل وهي القرابات من القبائل)
(حيث ثبوت قتله بالبينة أو بقسامة له معينة)
(يدفعها الأدنى فالأدنى بحسب أموالهم وحكم تنجيم وجب)
(من موسر مكلف حر ذكر موافق في نحلة وفي مقر)
(وكونها من مال جان أن تكن أقل من ثلث بذا الحكم حسن)
(كذا على المشهور من معترف توخذ أو من عامد مكلف)
يعني أن الواجب في دية قتل الخطأ وهي من الإبل أن تكون مخمسة عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة وتكون على عاقلة القاتل وهو كواحد منهم على المشهور منجمة كما يأتي والعاقلة قبيلة القاتل. وإنما تحملها العاقلة حيث ثبت القتل بمعاينة البينة أو بقسامة بشروطها معينة للقتل خطأ أما إذا كان ثبوته باعتراف القاتل فإن العاقلة لا تحملها كما أنها لا تحمل
[ ٤ / ١٤٣ ]
عمدا ولا عبدا ولا ما دون الثلث كما يأتي ويدفها الأقرب فالأقرب على قدر أموالهم قلة وكثرة منجمة في ثلاث سنين من يوم الحكم لا من يوم القتل كل ثلث منها يحل بأخر سنة فإن كان الواجب نصفا أو ثلاثة أرباع فللزائد سنة على المشهور ولا تؤخذ إلا من مسلم مكلف حر ذكر موافق للجاني في الدين وهو المراد بالنحلة من أهل مقره ومنزله فلا تضرب الدية على فقير ولا على صبي ولا مجنون ولا مخالف للجاني في دينه ولا على من ليس معه في موضع واحد وكذا إذا كانت الدية أقل من الثلث على القول المعتمد وبه القضاء أو من عامد مكلف على المشهور وأما الصبي والمجنون فإن عمدهما كالخطأ تحمله العاقلة أيضا كما تقدم وكل ما كان على الجاني وحده يكون عليه حالا لا منجما وحكى بعض العلماء أن لا عاقلة في هذا الزمان. وقول الناظم ونحلة بكسر النون وضمها والمراد بها هنا الديانة وقوله
(وفي الجنين غرة من ماله أو قيمة كالإرث في استعماله)
معناه أن من ضرب امرأة فألقت جنينا ميتا وأمه حية فعليه ديته غرة وهي عبد أو ولدة من البيض على الأحسن أو قيمتها ويتعدد الواجب بتعدد الجنين ويورث ذلك عن الجنين اتحد أو تعدد على فرائض الله تعالى ثم شرع يتكلم على حكم شبه العمد فقال
(وغلظت فثلثت في الإبل وقدمت للعين في القول الجلي)
(وهو بالآباء والأمهات يختص والأجداد والجدات)
يعني أن الأب أو الأم أو من كان في معناهما كالأجداد والجدات إذا ضرب ولده بحديدة مثلا فمات من ذلك فإنه لا يقتص منه باحتمال الشبهة إذا ادعى عدم القصد وادعى أدبه ولا يرث شيئًا من ماله وإن كان واحدا من غير المذكورين لا يقبل منه ذلك ولهذا لو قتله مع انتفاء الشبهة اقتص منه كما لو ذبحه أو شق بطنه أو رماه بالرصاص ونحو ذلك وكذلك لو اعترف بالقصد وحيث كان لا يقتل فتغلظ عليه الدية وتغليظها بالتثليث ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها
[ ٤ / ١٤٤ ]
أولادها وتغلظ أيضا إذا كانت عينا في القول الظاهر وتغليظها هو بتقويم دية الإبل فإذا قومت المثلثة بمائة والمخمسة أو المربعة بثمانين فالتفاوت بينهما بالخمس فيزاد على ألف دينار خمسها وعلى اثني عشر ألف درهم ألف درهم خمسها ويلزم المجموع وتكون في مال الجاني حالة وقول الناظم وهو بالآباء والأمهات يختص الخ وقيل شبه العمد لا يختص بهم أنظره في المطولات وإنما تركته لما فيه من كثرة الخلافات والله اعلم وقوله وهو بسكون الهاء ثم قال
(ويحلف الذكور كالإناث بنسبة الحظوظ في الميراث)
(وأن يمين عند ذا تنكسر يحلفها من حظه موفر)
(وواحد يجوز أن يحلفا حيث انفراده بما تخلفا)
(وهذه الأحكام طرا تعتمد بحيث ما يسقط بالشرع القود)
يعني أن القسامة إذا وجبت في الخطأ فإنه يحلفها على البت من يرث ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو متعددا ويحلف كل واحد من الورثة بقدر نصيبه من الميراث فمن كان منهم صاحب ثمن كان عليه ثمن الإيمان وهكذا فإن انكسرت عليهم يمين حلفها أكثرهم نصيبا منها فإن انفرد الوارث حلف الخمسين وهذه الأحكام جميعها في الخطأ وعنه عبر بحيثما يسقط بالشرع القود وأما العمد فقد تقدم أنه لا يحلف فيه أقل من رجلين من العصبة ولا يحلف فيه واحد ولا امرأة وقوله بحيث ما فالباء وما زائدتان وقوله
(وسوغت قسامة الولاة في غيبة الجاني على الصفات)
(وينفذ القصاص أن به ظفر إقرار أو وفاق ما منها ذكر)
هو كقول ابن سلمون فإن غاب الجاني وعرفه الشهود ووصفوه صفاته التي ينحصر بها وتقوم مقام التعيين وذهب الأولياء إلى أن يحلفوا فلهم ذلك فإن استكملوا إيمان
[ ٤ / ١٤٥ ]
القسامة استوجبوا القوة منه متى وجدوه وذلك بعد أن توافق صفاته الصفات التي في عقد التدمية أو يقر أنه هو الذي دمي عليه بعد الأعذار إليه اهـ ويجوز في قول الناظم القصاص النصب على المفعولية والرفع على الفاعلية باعتبار ينفذ فإن قدرته من الرباعي فالنصب وأن قدرته من الثلاثي فالرفع وقوله ظفر وذكر مبنيان للنائب ومنها بيان لما متعلق بذكر والضمير يعود على الصفات ثم قال
*فصل في الجراحات*
جمع جراحة وجراح بالكسر ويقال أيضا جرح بضم الجيم وسكون الراء ويجمع على جروح. والأصل في مشروعية القصاص في الجروح والأطراف قول الله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص الآية فالجروح في الاصطلاح كل ما دون النفس قاله صاحب التوضيح وقال ابن راشد هذه الآية محكمة لا نسخ فيها نعم إنما نخصصه بما كان من ذلك على وجه الخطأ وببعض جراح العمد فقد ثبت عنه ﵊ أنه اسقط القوة في المأمومة والمنقلة والجائفة والعلة في ذلك الخوف على النفس فيقاس عليها ما في معناها مما يخشى منه التلف كعظام الرقبة والصلب والصدر وكسر الفخذ ورض الأنثيين وما أشبه ذلك ويخص من ذلك أيضا بما تتعذر فيه المماثلة نحو ذهاب بعض النظر والسمع والعقل وما أشبه ذلك لأن المماثلة شرط في القصاص قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم فأباح الاعتداء بالمثل دون ما عداه وما تعذرت حقيقته لا يتصور به تكليف ولهذا وجبت القيمة على تلف الدور والدواب والعروض لتعذر المثلية فيها وإلا فالأصل هو أغرام المثل فلما تعذرت المثلية أقيمت القيمة مقامها فكذلك هاهنا لما تعذرت المثلية جعلت الدية مقامها والله اعلم اهـ وإلى هذا أشار الناظم بقوله
(جل الجروح عمدها فيه القود ودية مع خطر فيها فقد)
[ ٤ / ١٤٦ ]
(وفي جراح الخطأ الحكومة وخمسة ديتها معلومة)
(فنصف عشر دية في الموضحة وهي التي تلفى لعظم موضحة)
(في رأس أو وجه كذا المنقلة عشر بها ونصف عشر معدله)
(في الموضعين مطلقا وهي التي كسر فراش العظم قد تولت)
(وعشر ونصفه في الهاشمة وهي لعظم الرأس تلفى هاشمه)
(وقيل نصف العشر أو حكومة وثلث الدية في المأمومة)
(وما انتهت للجوف وهي الجائفة كذاك والأولى الدماغ كاشفه)
(ولاجتهاد حاكم موكول في غيرها التأديب والتنكيل)
(وجعلوا الحكومة التقويما في كونه معيبا أو سليما)
(وما تزيد حالة السلامة يأخذه أرشا ولا ملامة)
يعني أن الجروح على قسمين عمد أو خطأ فما كان منها عمدا فجله فيه القصاص أو ما يتفقان عليه من قليل أو كثير وبعضه فيه الدية فقط وهو شيء قدره الشارع أما معلوم كثلث الدية في الجائفة مثلا أو غير معلوم وهو الحكومة فيما يعظم خطره إذا برئ على شين ولم يرد فيه عن الشارع شيء مقدر. والقاعدة في معرفة ذلك أن كل ما فيه خطر على إتلاف النفس ففيه الدية وما لا خطر فيه ففيه القصاص (ثم) أن جراح العمد أما أن تكون في الرأس أو تكون فيما عداه وهي التي عبر عنها بجراح الجسد فجراح الرأس يقتص فيها من سبع. وهي الموضحة بضم الميم وسكون الواو وكسر الضاد وهي التي أفضت إلى العظم من الرأس والجبهة والخدين ولو بقدر مدخل إبرة. وكذا ما قبلها من الدامية وهي التي يسيل منها الدم. والحارضة بالصاد المهملة وهي التي تشق
[ ٤ / ١٤٧ ]
الجلد. والسمحاق وهي الكاشطة للجلد. والباضعة وهي التي تبضع اللحم وتشقه. والمتلاحمة وهي التي تغوص في اللحم في غير موضع. والملطاة وهي التي يبقى بينها وبين العظم ستر رقيق (فالواجب) في هذه السبعة القصاص أو ما يصطلحان عليه من قليل أو كثير. ولا قصاص فيما بعد الموضحة من جراح الرأس. وهي أربع الهاشمة وهي التي تهشم العظم. والمنقلة وهي التي أطارت فراش العظم وإن صغر. والمأمومة وهي التي أفضت إلى الدماغ ولو بقدر مدخل إبرة. والدامغة وهي التي تخرق خريطة الدماغ. وحيث لا قصاص فيها ففي كل واحد منها شيء مقدر من الشارع ففي الهاشمة والمنقلة عشر الدية ونصف عشرها. وفي المأمومة والدامغة ثلث الدية (فتحصل) مما ذكر أن جراح الرأس أحد عشر سبعة فيها القصاص أو ما يتفقان عليه ويجب على الحاكم تأديب الفاعل اقتص منه أولا وأربعة لا قصاص فيها وإنما فيها ما قدره الشارع كما مر ولو؟؟؟ على عيب وشين فلا يزاد على ما قدره الشارع فيها وعليه فيستوي في هذه الأربع العمد والخطأ إلا الأدب فإنه مختص بالعمد دون الخطأ (وأما) جراح الجسد عمدا من الهاشمة والمنقلة وغيرهما كالعضد والترقوة بفتح التاء وضم القاف وهو عظم أعلا الصدر المتصل بالعنق ففيها القصاص إن لم يعظم الخطر فإن عظم كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وكذا القطع إن كان مخوفا فلا قصاص فيه كما يأتي وكذا لا قصاص في الجائفة ولو عمدا وهي التي تصل إلى الجوف من البطن أو من الظهر ولو بقدر مدخل إبرة وإنما فيها ثلث الدية كالخطأ ويقتص في اليد والرجل والعين والأنف والأذن والسن والذكر والأجفان والشفتين كما سيأتي قريبًا. وبعد سقوط القصاص فيما قصاص فيه ينظر فإن برئي على غير شين فلا شيء فيه إلا الأدب وأن برئي على شين منها ففيه الأدب والحكومة معًا إلا الجائفة فلا يزاد فيها على ثلث الدية ولو برئت على شين وعيب كغيرها مما فيه قدر معلوم من الدية. ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه عبدًا سالمًا بعشرة مثلا ثم يقوم مع الجناية بتسعة والتفاوت عشر فيجب عشر الدية وهكذا وإنما تكون القيمة بعد
[ ٤ / ١٤٨ ]
اندمال الجرح وبرئه لا قبله فلو لم يبق شين شيء فيه. وأما جراح الخطأ فلا قصاص فيها ولا أدب وهي قسمان قسم فيه شيء مقدر وهو خمسة ففي الموضحة المتقدم بيانها نصف عشر الدية وفي المنقلة عشر الدية ونصف عشرها وفي الهاشمة كذلك وفي المأمومة ثلث الدية وكذا في الجائفة وما عدا هذه الخمس أن برئي على غير شين فلا شيء فيه وأن برئي على شين ففيه حكومة. وإلى ذلك أشار بقوله وفي جراح الخطأ الحكومة. وخمسة ديتها معلومة. ثم فسرها وذكر ما يجب لكل واحدة منها بقوله (ونصف عشر دية في الموضحة الخ) ثم أفاد أن في الهاشمة قولين آخرين أحدهما أن الواجب فيها نصف العشر وثانيهما الحكومة لا غير فالأقوال ثلاثة مشهورها الأول وقوله ولاجتهاد حاكم موكول. في غيرها التأديب والتنكيل. معناه أن التأديب والتنكيل على الجاني موكول لاجتهاد الحاكم في غير جراح الخطأ وهي جراح العمد فالأدب إنما يكون في جراح العمد لا غير فيرى فيه رأيه بقدر عظم الجناية وخفتها وكون الجاني من عادته ذلك أو وقع منه فلتة ثم قال
(ويثبت الجراح للمال بما يثبت مالي الحقوق فاعلما)
يعني أن الجراح التي لا قود فيها عمدا كانت أو خطأ وإنما فيها ما قدره الشارع أو الحكومة تثبت بما تثبت به الحقوق المالية وهو عدل وامرأتان أو عدل ويمين أو امرأتان ويمين وقوله
(وفي ادعاء العفو من ولي دم أو من جريح اليمين تلتزم)
معناه أن القاتل إذا أدعى على ولي المقتول أنه عفا عنه أو أدعى الجارح ذلك على الجريح وأنكر المدعي عليه ذلك فإنه يحلف أنه لم يعف عنه ويبقى على حقه وله قلب اليمين على المدعي ذلك فإذا حلف بريء ثم قام يتكلم على الواجب في قطع الأعضاء فقال
(وقود في القطع للأعضاء في العمد ما لم يفض للفناء)
[ ٤ / ١٤٩ ]
(والخطأ الدية فيه تقتفي بحسب العضو الذي قد اتلفا)
(ودية كاملة في المزدوج ونصفها في واحد منه انتهج)
(وفي اللسان كملت والذكر والأنف والعقل وعين الأعور)
(وفي إزالة لسمع أو بصر والنصف في النصف وشم كالنظر)
(والنطق والصوت كذا الذوق وفي أذهاب قوة الجماع ذا اقتفي)
(وكل سن فيه من جنس الإبل خمس وفي الأصبع ضعفها جعل)
يعني أن الواجب في قطع الأعضاء كاليد والرجل إن كان على وجه العمد ففيه القصاص أن لم يؤد إلى الموت فإن كان يؤدي إلى الموت كالفخذ واللسان والأنثيين فلا قصاص ثم إن كان فيه شيء مقدر كاللسان والأنثيين وقطع الرجل والفخذ أو كسره فذلك هو الواجب على الجاني مع الأدب. وإن لم يكن فيه شيء مقدر ففيه حكومة مع الأدب أيضا وأن كان قطع العضو على وجه الخطأ فيتبع فيه ما ورد من الشارع بحسب العضو الذي اتلف فإن كان من المزدوج كاليدين والرجلين والعينين والأذنين والأنثيين ففي إتلافهما معا الدية كاملة. وفي إتلاف أحدهما نصف الدية وتجب الدية كاملة أيضا في قطع اللسان وفي قطع الذكر أو الأنف وفي العقل إذا ضربه مثلا فزال عقله وفي عين الأعور وأن كانت من المزدوج للسنة وكذلك تجب الدية كاملة في ذهاب السمع أو البصر ويجب نصف الدية في ذهاب نصف أحدهما وذهاب الشم كذهاب البصر وكذا تجب الدية كاملة في ذهاب النطق أو الصوت أو الذوق أو ذهاب انعاض الذكر والواجب في كل سن خمس من الإبل وفي كل أصبع عشر من الإبل ثم قال
(ودية الجروح في النساء كدية الرجال بالسواء)
(إلا إذا زادت على ثلث الدية فما لها من بعد ذاك تسوية)
[ ٤ / ١٥٠ ]
يعني أن المرأة في الجروح كدية الرجال إلى أن تبلغ ثلث دية الرجل فإذا بلغتها رجعت إلى حساب ديتها فمن قطع أصبع امرأة فعليه عشرة من الإبل وفي أصبعين عشرون وفي ثلاثة ثلاثون فإذا قطع لها أربعا فالواجب عليه عشرون لأن ديتها على النصف من دية الرجل (ولما) فرغ من أحكام الحياة شرع يتكلم على أحكام الممات جريا على الترتيب الطبيعي فقال