للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء السابع
دار ابن حزم
[ ٧ / ١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٧ / ٢ ]
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء السابع
دار ابن حزم
[ ٧ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٧ / ٤ ]
باب
ذكر فيه القراض وتعلقاته، وهو لغة أهل الحجاز، مأخوذ من القرض، وهو: القطع؛ لأن رب المال قطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها بقطعة من الربح، ولغة أهل العراق: المضاربة، إما لأن كلًّا منهما يضرب في الربح بنصيب، وإما من الضرب في الأرض، الذي هو السفر.
ولما كان كل أحد لا يقدر على تنمية ماله بنفسه شرع لضرورة الاستعانة بغيره.
[تعريف القراض:]
وعرفه المصنف بقوله: القراض توكيل، كالجنس، يشمل الوكالة على خلاص الحق، وقضاء الدين، والوكالة على الخصومة، وعلى بيع سلعة، أو قضاء حاجة، ونحوه.
على تجر: فصل، خرج به ما عدا الشركة.
في نقد: خرج به الشركة؛ لجوازها في النقد وغيره من العروض.
مضروب: خرج به التبر والحلي ونحوهما.
مسلم: خرج به اشتراط يده معه ومراجعته أو أمينًا عليه.
[ ٧ / ٥ ]
بجزء: كالنصف والثلث ونحوهما، فلا يجوز أن يعمل فيه بعدد معين من الدراهم أو الدنانير.
من ربح: لا بجزء من ربح غيره.
إن علم قدرهما، أي: قدر المال المدفوع والجزء المشترط، فلا يجوز في المجهولين، أو أحدهما.
ولو كان النقد مغشوشًا على الأصح، خلافًا لعبد الوهاب.
[شروط القراض:]
[١] لا بدين عليه فلا يجوز لرب الدين أن يقول لمن عليه دين: اعمل فيه قراضًا بربح كذا، واستمر دينًا على حاله، لا قراضًا للعامل ربحه، وعليه خسره، خلافًا لأشهب في كونه يصير قراضا.
ما لم يقبض من المدين، فإن قبض زالت التهمة؛ لأنه قبل القبض يحتمل أنه أخره ليزيده فيه.
ولما كان إحضار الدين مع الإشهاد كالقبض، قال: أو يحضره ويشهد أنه ليس دينًا عليه، وإن لم يقبضه، فإن لم يشهد فالمشهور المنع.
[٢] ولا يصح القراض برهن بيد العامل، ولو كان بيد أمين؛ لأنه في الأول شبيه الدين، وفي الثاني بالتقاضي، أو وديعة لسواء كانت بيد المودع بالفتح، أو بيد غيره، بأن كان المودع أودعها لعورة حدثت، أو لسفر؛ لاحتمال اتفاقهما، فتصير دينًا، فالمبالغة في قوله: (وإن بيده) راجعة للمسألتين، ولو أحضر الرهن والوديعة صح.
[٣] ولا يصح القراض بتبر لم يتعامل به ببلده، أي: ببلد العقد، فإن تعومل به فيه صح اتفاقًا، ولا يشترط عمومه، بل بلد العقد كاف، فلا يشترط التعامل به في البلد الذي يسافر إليه، وهذا مقابل قوله: (مضروب).
كفلوس لا يصح بها عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب: قليلة كانت أو كثيرة.
[ ٧ / ٦ ]
وعرض: عطف على (كفلوس)، فلا يجوز به إن تولى العامل بيعه بنفسه، سواء جعلا رأس المال ثمنه، أو على أن يرد مثله عند الفصل؛ لزيادة منفعة البيع في الأول، وللغرر في الثاني؛ لأنه إن غلا ربما استأصل الربح، فيذهب عمله باطلًا، أو رخص فيذهب بعض رأس المال، وسواء كان في بيعه كلفة أو لا.
ثم شبه في المنع قوله: كأن وكله على دين يقتضيه، ثم يعمل به؛ فإنه لا يجوز، ولو كان على حاضر مليء، خلافًا للخمي.
أو دفع له تعديًا؛ ليصرف، ثم يعمل بما صرفه قراضًا، سواء كان للصرف بال أو لا، ثم إن وقع القراض بعرض وما بعده وعمل على ذلك فأجر مثله في توليه بيع العرض وخلاص الدين وعمل الصرف، ثم له أيضًا قراض مثله في ربحه.
ثم شبه في قوله ثم قراض مثله مسائل فقال: كلك شرك في الربح بنظير عملك، والحال أنه لا عادة في ذلك، فلو كانت لهم عادة من نصف أو ثلث مثلًا لعمل عليها، أو القراض بجزء مبهم من الربح، كاعمل ولك جزء، أو أجل يشمل صورتين:
- تأجيل ابتداء العمل، كإذا جاء رمضان فاعمل.
- وانتهاؤه، كـ: اعمل به سنة، من وقت كذا، وفيه قراض المثل.
أو ضمن المال للعامل، ويصح بناؤه وما قبله للفاعل والمفعول، أو اشتر سلعة فلان، كعبد مثلًا، ثم بعها واتجر في ثمنها، أو لا تشتري إلا بدين، أو لا تبع إلا به، أو شرط عليه أن يشتري ما يقل وجوده.
قال ابن بشير في تحريره: فاشترى في الدين بالنقد، وفي الثانية غير ما أمر به. انتهى.
وظاهر كلام المؤلف الإطلاق.
ثم شبه في هذه المسائل مسألة يرد العامل فيها لقراض المثل، وليست فاسدة؛ لأنها في المدونة كذلك، فقال: كاختلافهما -أي: العامل ورب
[ ٧ / ٧ ]
المال- بعد العمل في قدر الربح المجعول للعامل، وادعيا ما لا يشبه، فيرد إلى قراض المثل، وأما لو ادعى أحدهما ما يشبه والآخر ما لا يشبه، فالقول لمدعي الأشبه.
ونظم بعضهم هذه النظائر، فقال:
لكل قراض فاسد أجر مثله سوى تسعة قد فصلت ببيان
قراض بدين أو بعض ومبهم وبالشرك والتأجيل أو بضمان
ولا تشتري إلا بدين فيشتري بنقد وإن يبتاع عبد فلان
ويتجر في أثمانه بعد بيعه فهذي إذا عدت تمام ثمان
ولا يشتري ما لا يقل وجوده فيشتري سواه اسمع حسن بيان
كذا ذكر القاضي عيض وأنه خبير بما يروي فصيح لسان
وفي النظم ما يشهد لما قال ابن بشير في تحريره على ما قدمناه.
[مسألة:]
ويلزم فيما فسد غيره -أي: غير ما ذكر من القراض- أجرة المثل في الذمة، سواء حصل ربح أو لا، وهذا أحد الفروق بين أجرة المثل وقراض المثل.
[أمثلة:]
وأشار لأمثلة دخلت تحت قوله: (فسد غيره) فقال: كاشتراط رب المال عمل يده مع العامل، أو مراجعته فيما يبيع، أو يشتري، أو أمينًا عليه؛ لمخالفته سنة القراض، ولما لم يأتمنه أشبه الأجير، فكان له أجر مثله، بخلاف شرط عمل غلام لرب المال مع العامل غير عين عليه، بل على وجه المعونة له بنصيب من الربح له، أي: للغلام.
ابن القاسم وغيره: وهو المعروف.
وكأن يشترط عليه يخيط أو يخرز ما يشتريه من قماش أو جلود، أو يشترط عليه إن يشترك غيره، أو إن يخلط مال القراض بمال نفسه، ويعمل
[ ٧ / ٨ ]
فيهما، أو إن يبضع بأن يرسل مال القراض مع غيره ليشتري به، أو أن يزرع؛ لأن رب المال ازداد عمل العامل في الزرع، وأما إن شرط عليه الزرع بمعنى أنه ينفق في المال في الزرع، ولا يصنع شيئًا بيده، ففي التوضيح: ينبغي جوازه.
أو أن لا يشتري بالمال حتى يبلغ إلى بلد كذا، ثم يكون بعد ذلك مطلقًا ففاسد، وفيه أجرة المثل، أو بعد اشترائه سلعة أخذ من شخص مالًا لينقده فيها، وتكون قراضًا بينهما، إن أخبره بالسلعة والبائع فقرض لإقراض، ويلزمه رده، وما حصل في السلعة من ربح أو وضيعة فللمشتري وعليه.
فمفهوم الشرط: إن لم يخبر رب المال بما اشترى ولم يسم السلعة ولا البائع جاز، وقاله ابن المواز.
أو عين للعامل شخصًا وحجر عليه في الشراء منه، أو عين زمنًا للبيع والشراء، كاشتر الصوف زمن الصيف وبعه في الشتاء، أو عين محلًّا للعمل كالسوق الفلاني فقراض فاسد في المسائل الثلاث للتحجير.
كأن أخذ مالًا ليخرج به لبلد فيشتري به صنفًا موجودًا فيه ففاسد، وفيه أجرة المثل، والفرق بين هذا وبين قوله فيما تقدم أو لا يشتري إلى بلد كذا واضح.
[مسألة:]
وعليه -أي: العامل- ما جرت به العادة، كالنشر والطي الخفيفين، وعليه الأجر إن استأجر على ما يلزمه فعله، وجاز للعامل جزء قل أو كثر.
[مسألة:]
وجاز للمتفاوضين على جزء ورضاهما بعد، أي: بعد العقد عليه، أو العمل على ذلك قل أو كثر، وزكاته -أي: الربح- المفهومة من قوله: (جزء قل أو كثر)، يجوز اشتراطه على أحدهما: رب المال أو العامل، وهو
[ ٧ / ٩ ]
-أي: الجزء المشترط- للمشترط، فيأخذه، وإن لم تجب زكاته على مشترطه.
تنبيه:
يشمل كلامه ثلاث صور:
- ما لو كان المشترط رب المال، وقصر الجزء، ورأس المال على النصاب.
- وما لو تفاصلا قبل الحول، كان المشترط العامل أو رب المال.
- وما لو كان العامل ممن لا تجب عليه الزكاة لرق أو كفر، وإنما جاز لعدم الجهالة في جزء العامل برجوع الجزء المشترط لقدر معلوم، وهو ربع العشر.
[مسألة:]
وجاز الربح -أي: جعله كله- لأحدهما: رب المال أو العامل، أو لغيرهما أجنبي، وضمنه -أي: العامل- يضمن مال القراض في مسألة اشتراط الربح له؛ لأنه حينئذٍ كالقرض، فانتقل من الأمانة للذمة.
وهذا إن لم ينفه -أي: الضمان- فإن نفاه فلا ضمان، وإن لم يسم قراضًا، فإن سماه فقال: اعمل منه قراضًا، لم يضمنه على المشهور.
[مسألة:]
وجاز شرطه -أي: العامل- عمل غلام ربه في الكثير، أي: رب المال.
ابن فرحون: مجانًا، أو عمل دابته في المال الكثير.
[مسألة:]
وجاز للعامل خلطه، وإن بماله، والخلط هو الصواب، إن خاف بتقديم أحدهما -أي: المالين- رخصا في البيع أو الشراء، إذا كان لو قدم ماله رخص الآخر في البيع، أو قدم مال القراض على الآخر.
[ ٧ / ١٠ ]
وشارك -أي: العامل- رب المال، إن زاد على مال القراض ثمنًا موجلًا، كما لو اشترى بمائتين: إحداهما حالة، وهي مال القراض، والأخرى مؤجلة نسيئة، أو على التقاضي، فيكون شريكًا بقيمته، أي: المؤجل.
[مسألة:]
وجاز للعامل سفره عند الإطلاق؛ ولذا قال: إن لم يحجر ربه، بأن نهاه عن السفر قبل شغله، فإن شغله فله السفر، وليس له منعه للزومه بالشغل.
وظاهره: كان المال كثيرًا أو قليلًا، والسفر بعيد أو قريب، وهذه إحدى المسائل التي لا تلزم إلا بالعمل.
[مسألة:]
وجاز القراض إذا قال العامل لشخص: ادفع لي مالًا قراضًا، فقد وجدت رخيصًا أشتريه.
[مسألة:]
وجاز بيعه -أي: العامل- بعرض؛ لأنه من التجر المأذون فيه.
[مسألة:]
وجاز رده بعيب اطلع عليه فيما اشتراه، وإن أبي رب المال؛ لتعلق العامل بالزيادة، وللمالك قبوله -أي: المعين- إن كان المردود الجميع، أي: جميع مال القراض، كما في المدونة، وقيدها أبو عمران بما إذا لم يكن المعيب عرضًا، واعتبره المؤلف، فقال: والثمن عين؛ إذ من حجة ربه أن يقول: لو رددته لنض المال، وكان لي أخذه، فإن كان لي أخذه فإن كان الثمن عرضا لم يكن له ذلك؛ لأن العامل يرجو ربحه إذا عاد ليده.
[مسألة:]
وجاز لرب المال مقارضة عبده وأجيره، ظاهره: أجير خدمة أو تجر.
[ ٧ / ١١ ]
تنبيه:
هذه المسائل من قوله: (وادفع لي) إلى هنا ثابتة عند الشارح في الأوسط والصغير، وساقطة في الكبير والبساطي.
[مسألة:]
وجاز لمريد قراض دفع مالين معًا لعامل واحد، كمائتين: إحداهما ذهب، والأخرى فضة، أو فضة على أن يعمل في كل مائة وحدها، أو على اختلاف الربح فيهما.
أو دفع مالين متعاقبين: أحدهما بعد الآخر، لكن دفع الثاني قبل شغل الأول، إن كانا بجزئين متفقين، بل وإن كانا بمختلفين، كنصف في الأول وثلث في الثاني، إن شرطا خلطا في المالين وقت العقد في المسألة الأولى، وعند دفع الثاني في المتعاقبين لم يجز، ويأتي مفهوم الظرف.
وأما مفهوم الشرط: إن لم يشترطا الخلط في المدفوعين معًا والمتعاقبين لم يجز، وبه صرح ابن الحاجب.
وأشار لمفهوم الظرف بقوله: أو شغله، أي: المال الثاني بعد شغل الأول جاز، وإن لم يشترطه، أي: الخلط.
ظاهره: ولو مع اختلاف الجزئين، وعن مالك لا يعجبني ذلك، مع اختلافهما، يريد للتهمة، وأما لو اشترطه لم يجز، ولو اتفق الجزءان؛ لأنه قد يخسر في الثاني، فيلزمه أن يجبره بما ربح في الأول، فيلزمه أن يجبره مما ربح في الأول، وقاله في المدونة.
كنضوض الأول، فيجوز لرب المال دفع مال آخر ليعمل فيه مع الأول بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن ساوى بأن نض رأس المال الأول بغير ربح فيه ولا خسران، كما لو كان ألفًا، ونض ألفًا.
وأشار للثاني بقوله: أو اتفق جزؤهما، فيكون الربح للعامل في الثاني كالأول.
[ ٧ / ١٢ ]
ومفهومه: المنع إن نض الأول بربح أو خسران، وهو كذلك؛ لأنه في الربح قد يضيع على العامل ربحه، وفي الخسران قد يجبر الثاني خلل الأول، فهو في الحالتين كاشتراط الزيادة على العامل.
تتمة:
لم يعلم من كلامه بعد المنع حكم ما لو ربح في الأول وعمل فيه مع الثاني، ونص عليه ابن يونس، فقال: يقسم الربح عليهما، فما حصل للأول فعلى قراضه، وما حصل في الثاني فلربه، وعليه للعامل أجرة المثل، وإن خسر فيهما نص كذلك، فما خص الأول من الخسران جبر بربحه الأول، وما خص الثاني فعلى ربه وللعامل الأجرة. ومفهوم: (اتفق جزؤهما) لو اختلفا المنع.
[مسألة:]
وجاز اشتراء ربه منه، أي: من عامله من مال القراض، إن صح الشراء، بأنه لا يقصد التوصل لأخذ شيء من الربح قبل المفاصلة.
[مسألة:]
وجاز اشتراطه على العامل أن لا ينزل واديًا أو يمشي بليل أو ببحر؛ لما في كل من الخطر، أو اشتراطه أن لا يبتاع سلعة عينها؛ لأنه عرض صحيح، إما لقلة ربحها، أو لوضيعة فيها، وضمن العامل المال، إن خالف واحدًا مما ذكر.
ثم شبه في ضمان العامل فقال: كأن زرع أو ساقى بموضع جور له، أي: للعامل لتعديه، وزاد لفظة (له) على ابن الحاجب، لقوله في توضيحه: إن الموضع قد يكون موضع ظلم، ولا يعد العامل بزرعه متعديًا، لوجاهته، وبسط يده.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: كأنه احترز مما إذا كان الجور عامًا في كل سبب ومتجر، فلو لم يكن موضع جور جاز، ولا ضمان؛ لأنه من أنواع التنمية.
[ ٧ / ١٣ ]
ثم ذكر مسائل تشارك ما قبلها من ضمان العامل، منها:
- قوله: أو حركه العامل، بأن اشترى به سلعًا، أو سافر به بعد موته، أي: موت رب المال، حال كون مال القراض عينًا، وحكمه بالضمان يدل على المنع التزامًا.
وقيل: إنه أولى.
وعليه درج ابن الحاجب.
- ومنها قوله: أو شارك العامل بمال القراض صاحب مال بغير إذن، فيضمن، وإن عملا معًا. ثم بالغ فقال: وإن شارك عاملًا آخر لرب المال أو لغيره.
- ومنها قوله: أو باع بدين بغير إذن، أو قارض بلا إذن، فيضمن، والربح لهما، والخسارة على العامل الأول على المشهور، إذ القراض كالجعل، إنما يستحق بالعمل، وقوله: (بلا إذن) قيد في هذه وفي اللتين قبلها.
[مسألة:]
وغرم العامل الأول للعامل الثاني الزائد، إن دخل على أكثر مما دخل عليه الأول، كما لو أخذه الأول على الربع، ودفعه على الثلث على المشهور، خلافًا لأشهب في أن الثاني أحق بما دخل عليه، ورب المال يتبع الأول ما زاد لو دخل الثاني على أقل، كما لو كان الأول على النصف، والثاني على الثلث، لكان الثلثان لرب المال، ولا شيء للأول، وهذه ثلاثة أحوال.
كخسره -أي: المال- يغرمه العامل الأول لرب المال، وإن حصل الخسر قبل عمله فيه، ثم دفع باقيه للعامل الثاني، والربح لهما -أي: لرب المال والعامل الثاني- كأخذه خمسين مثلًا على النصف، فخسر فيها عشرين، ثم دفع العامل الأول الثلاثين الباقية للعامل الثاني على النصف، فصارت ستين، فإن رب المال يأخذ خمسين من رأس ماله، وخمسة نصف
[ ٧ / ١٤ ]
ما بقي، ويأخذ العامل الثاني خمسة، ويرجع على الأول بعشرة، هي تمام نصف ربحه الزائد على قدر الثلاثين، التي دفعها للأول.
ككل آخذ مال للتنمية فتعدى عليه، فالخسران عليه، والربح لهما، كما قدمه فيمن شارك بلا إذن وما بعده.
[مسائل مخرجة:]
ولما ذكر أن الربح لهما في كل تعد أخرج منه مسائل، منها قوله:
- لا إن نهاه رب المال عن العمل قبله، فتعدي وعمل، فالربح له خاصة؛ لبقاء المال تحت يده كالوديعة؛ لأن عقد القراض منحل.
- ومنها قوله: أو جنى كل من: رب المال، أو العامل على المال.
- ومنها قوله: أو أخذ أحدهما شيئًا منه فكأجنبي يتبع به، ولا يكون للمأخوذ حصته من الربح، بل رأس المال هو الباقي، والقراض صحيح؛ لأن ربه قد رضي بذلك، إن كان هو الجاني، وإن كان العامل فكجناية، ونحوه في المدونة.
[مسألة:]
ولا يجوز اشتراؤه -أي: العامل- من ربه -أي: رب المال- سلعًا، كذا أطلق ابن الحاجب، وتبعه، مع قوله في توضيحه: هذا مقيد بأن يشتري منه سلعًا للقراض، وأما أن يشتري لنفسه فجائز، نص عليه في العتبية.
وظاهره: المنع، وظاهر المدونة: الكراهة.
أو شراؤه بنسيئة لا يجوز، وإن أذن له رب المال في ذلك عند العقد أو بعده، فإن فعل ضمن، والربح له، أو شراؤه بأكثر من مال القراض لا يجوز، ولو كان من غير رب المال، لضمان الزائد في ذمته، ويكون في القراض.
[مسألة:]
ولا يجوز له أخذه الضمير للقراض أو للعامل من غيره، أي: غير
[ ٧ / ١٥ ]
رب المال، إن كان القراض الثاني يشغله عن العمل في المال الأول، وإلا جاز.
[مسألة:]
ولا يجوز لرب المال بيع ربه سلعة من القراض بلا إذن من العامل، وللعامل إجازته ورده، وإذا منع في سلعة فأحرى الجميع، وجبر خسره في الأول يربح الثاني، ما دام تحت يد العامل بالعقد الأول.
[مسألة:]
وجبر بالربح ما تلف، وإن كان التلف من العامل قبل عمله فيه، ولو أحضره لربه، وقال: لا أعمل حتى تجعل الباقي رأس المال ويرضى، إلا أن يقبض المال لربه في هذه والتي قبلها، ونحوه في المدونة، وله -أي: لرب المال- إذا كان المال مثلًا الخلف، ولزم العامل العمل، كما لو كان مائة فاشترى بها سلعة للقراض، وتلف نصفها قبل إقباضها، فإن أخلفه رب المال صار مال القراض مائة وخمسين، وإن لم يخلفه غرم العامل خمسين، وصار شريكًا، فإن تلف جميعه لم يلزم رب المال الخلف، ولا العامل العمل ولا قراض؛ لأنه لما ضاع المال الأول انقطعت المعاملة فيه بينهما، وإن أخلفه فقراض مؤتنف.
[مسألة:]
ولو اشترى العامل سلعة وضاع المال لزمته، وخير رب المال في دفع ثمنها على القراض، فإن أبي لزم العامل الثمن، وكانت له خاصة، وإن لم يكن له مال بيعت عليه، وما ربح فله، وما خسر فعليه، ونحوه في المدونة.
[مسألة:]
وإن تعدد العامل بأن أخذ اثنان فأكثر مالًا فالربح مفوض عليهما كالعمل، فلا يجوز استواؤه مع تفاوت العمل، ولا تفاوته واستواء العمل عند ابن القاسم، فإن وقع مختلفًا بأن وقع عمل واحد النصف، والآخر الثلث، فقال ابن حبيب وابن القاسم: يقسم الربح على ما سمي،
[ ٧ / ١٦ ]
ويرجع صاحب الثلث على صاحب النصف بفضل عمله.
[نفقة العامل:]
وأنفق العامل على نفسه من مال القراض إن سافر من بلد القراض زمن سفره وإقامته ببلد التجر حتى يعود لوطأته، ومفهوم الشرط: أنه لا نفقة له في الحضر، إن قام ببلد القراض، ولو في وقت شرائه وتجهيزه، كما في المدونة وغيرها.
وظاهره: ولو شغله عن الوجوه التي يقتات منها، وهو كذلك، خلافًا للخمي.
[شروط إنفاقه:]
ولإنفاقه على نفسه شروط، أشار لأحدها بقوله: ولم يبن بزوجته التي تزوجها في سفره بغير بلده، فإن بنى بها سقطت نفقتها، وأطلق السقوط في المدونة بالتزويج، وقيدها ابن المواز بالبناء بها، وتبعه المؤلف.
وأشار لثانيها بقوله: واحتمل المال الإنفاق؛ لكثرته، فلا نفقة له في اليسير، ولم يحد الكثير، ولمالك في الموازية: يرجع للاجتهاد، ووقع له: السبعون يسير، وله: ينفق في الخمسين، وجمع بينهما لحمل الأول على السفر البعيد، والثاني على القريب.
وأشار لثالثها وهو كون السفر للمال بمفهوم قوله: لغير أهل وحج وغزو، فإن سافر لواحد منها فلا نفقة له، وإن كان له الإنفاق فهو بالمعروف عادة، وحيث وجب بالمعروف فهو في المال، لا في ذمة ربه، فلو أنفق العامل من مال نفسه، ثم تلف المال فلا رجوع له على ربه، وكذا لو زاد على المال.
واستخدم العامل -أي: اتخذ خادمًا من المال المحتمل- إن تأهل لذلك، لا دواء لمرض أصابه؛ لأنه ربما طال فأنفق غالب المال، واكتسى من مال القراض إن بعد سفره عرفا، بحيث يمتهن ما عليه، وألحق ببعد
[ ٧ / ١٧ ]
سفره إقامته بموضع يحتاج فيه لكسوة، وفهم منه: أنه لا يكتسي في القريب.
ابن القاسم: كما بين مصر ودمياط.
وظاهر كلام المؤلف: أن له جميع الكسوة، وهو المذهب.
تنبيه:
ربما أشعر كلامه بأن مال البضاعة ليس كالقراض في النفقة والكسوة، وهو كذلك على أحد الأقوال الثلاثة.
والثاني: أنهما له كالقراض.
والثالث: الكراهة.
[مسألة:]
ووزع الإنفاق إن خرج العامل لحاجة له مع خروجه لمال القراض على قدر الحاجة والقراض، وهو مذهب المدونة؛ ففي العتبية وغيرها: ينظر قدر نفقته في طريقه لحاجته، فإن كانت مائة والقراض سبعمائة فعلى المال سبعة أثمان النفقة.
قال في التوضيح: وفي هذا التوزيع نظر لا يخفى.
ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن كان خروجه لحاجة بعد أن اكترى وتزود لخروجه للقراض، وإن اشترى العامل للقراض من يعتق على ربه حال كونه عالمًا بقرابته له كالأبوة مثلًا.
ابن عبد السلام: هذا هو العلم المشترط في هذا الفصل لا علمه بأن الحكم إعتاقه؛ إذ العلم بالحكم أو الجهل لا أثر له عندهم هنا، عتق عليه -أي: على العامل- لتعديه إن أيسر، وغرم ثمنه وحصة رب المال من ربحه قبل الشراء، أو جعل ذلك في القراض والولاء لرب المال.
وإلا بأن لم يكن العامل موسرًا، فقال المصنف تبعًا للمدونة: بيع منه بقدر ثمنه الذي اشتراه به، وقدر ربحه الذي يخص رب المال قبله -
[ ٧ / ١٨ ]
أي: قبل الشراء- إذ لا يربح رب المال فيمن يعتق عليه، ولا يعتبر الربح فيما بيع منه على العامل، وعتق باقيه إن وجد من يشتريه مشقصًا، فإن لم يوجد من يشتريه مشقصًا، وإنما يشتري الجميع بيع كله، وكذا إن لم يوجد من يشتريه برأس المال والحصة، وإنما يشتري بأكثر، فيباع منه بقدر ذلك.
مثاله: لو كان أصل القراض مائة، وربح فيه قبل شراء القريب مائة، واشترى القريب بالمائتين، وكان القريب يساوي ثلثمائة، فإنه يباع منه النصف بمائة رأس المال وخمسين حصة المالك قبل الشراء، ويعتق منه النصف؛ لأن حصة العامل قبل الشراء خمسين أفسدها على نفسه بعلمه، والمائة الربح في نفس العبد هدر.
[مسألة:]
وإن اشترى العامل من يعتق على رب المال غير عالم بقرابته لرب المال فعلى ربه يعتق؛ نظرًا لدخوله في ملكه، ولا شيء على العامل؛ لعذره بعدم علمه، وللعامل ربحه فيه على المشهور، وهو مذهب المدونة.
[مسألة:]
ولو اشترى العامل من يعتق عليه هو كأبيه مثلًا، وعلم أنه والده، عتق عليه، ويتبعه رب المال بالأكثر من قيمته.
قال في التوضيح: يوم الحكم.
وقال ابن عرفة: يوم الشراء أو يوم الحكم، إن كانت قيمته أكثر من الثمن؛ لأنه مال أخذه لينميه لصاحبه، فليس له أن يختص بربحه أو يتبعه بالأكثر من ثمنه، إن كان أكثر من القيمة؛ لأنه أتلفه على رب المال لغرضه في والده، إن كان في المال فضل، لتحقق الشركة له حينئذٍ فيه، فيعتق عليه ما ملكه منه، ويكمله عليه.
وكذا لو لم يكن في المال فضل وأيسر، وإلا بأن اشتراه العامل ولم يعلم بأنه أبوه، وفيه ربح، عتق عليه أيضًا كالعالم، ولم يفترق الحكم هنا بالعلم، وإنما يفترق فيما على العامل فيما تقدم بالأكثر، وأما هنا فبقيمته -
[ ٧ / ١٩ ]
أي: الشيء- بما ينوب رب المال من رأس المال وربحه.
تنبيه:
قررناه على هذا لأنه في توضيحه تعقب قول ابن الحاجب بقيمته قائلًا: ظاهره أنه يغرم جميع القيمة، وليس كذلك، بل يعتق نصيب العامل من الفضل، وعليه لربه ما ينوبه من قيمته من رأس المال وربحه، إن أيسر فيهما، أي: في صورتي العلم وعدمه.
وإلا يكن العامل موسرًا بل معسرًا وتعذر العتق لذلك وتعذر أيضًا بيع الكل إذ لا تسلط لرب المال على ما يقابل ربح العامل بيع منه بما وجب لرب المال يوم الحكم، وعتق الباقي كما لو اشتراه بمائتين ورأس المال من ذلك مائة، وقيمته يوم الحكم مائة وخمسون، فإنما يباع منه بمائة وخمسة وعشرين.
تلخيص:
تلخص من كلامه هنا ثمان صور كما في المقدمات، وهي:
- أن يكون العامل عالمًا أم لا، ثم كل من الصورتين:
إما أن يكون موسرًا أم لا،
ثم إما أن يكون في المال فضل أم لا. صارت ثمانيًا.
[مسألة:]
وإن أعتق العامل عبدًا من رقيق القراض مشترًى قصدًا للعتق وهو موسر عتق عليه وغرم ثمنه الذي اشتراه به؛ لأنه التزم ثمنه حين اشتراه، ويغرم أيضًا لربه ربحه، إن كان؛ لأن شراءه للعتق لا يسقط حق رب المال من ربحه، وإن اشتراه للقراض ثم أعتقه وهو موسر غرم لربه قيمته يومئذ.
البساطي: يوم شرائه؛ لأنه قوته عليه.
وغرم له ربحه الذي يخصه يوم عتقه، إن كان فيه ربح عن قيمته يوم
[ ٧ / ٢٠ ]
الشراء مثلًا، أو اشتراه بمائة وقيمته حينئذٍ مائة وعشرون، وفي يوم العتق مائة وثلاثين فعليه مائة وخمسة وعشرون، وكذا تفهم هذه المسألة، وإن كانت عبارتهم أن عليه القيمة يوم العتق، لا أدري معنى قولهم: ويغرم الربح مع ذلك، ثم رأيت في نسخ معتبرة ثمنه، ولا إشكال عليها. انتهى.
وهذا مع يسره في الصورتين؛ ولذا قال: وإن أعسر به بيع منه بما لربه من رأس مال وربحه وعتق على العامل ما بقي إن كان ربح وإلا لم يعتق شيء.
[مسألة:]
وإن وطئ العامل أمة مشتراة للقراض قوم ربها على العامل يوم الوطء إن شاء، أو أبقى على القراض إن لم تحمل، موسرًا كان أو معسرًا، لكن إن كان معسرًا ورضي رب المال بإلزامه القيمة بيعت الأمة في تلك القيمة، فإن لم يف ثمنها بها أتبعه بالقيمة، قاله مالك في الموازية.
ومفهوم الشرط: لو حملت لم يخير هذا التخيير، بل تخييرًا آخر أشار له بقوله: فإن أعسر أتبعه رب المال بها أي بالقيمة وبحصة رب المال من قيمة الولد إن شاء، ومقتضى كلام ابن الحاجب: أن القيمة يوم الوطء، لا يوم الحمل ولا يوم الأكثر منهما، أو إن شاء رب المال باع له العامل منها بقدر ماله، أي: الذي له من رأس المال وحصته من الربح، ويبقى باقيها بحساب أم ولد.
ومفهوم (إن أعسر) أنه لو أحبلها موسرًا لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أفهم أنها أم ولد، وعليه قيمتها يوم الوطء عند مالك من رواية ابن القاسم.
وإن أحمل العامل الموسر أمة مشتراة للوطء من مال القراض فالثمن لربه، قاله ابن القاسم، وأتبع به -أي: بالثمن- إن أعسر.
[ ٧ / ٢١ ]
تتمة:
سكت عن حكم ما لو اشتراها (١)، ولم يعلم هل للقراض أو لنفسه، فحمله مالك على أنها للقراض، ولم يصدقه، فتباع كما تقدم، وصدقه ابن القاسم، فلا تباع.
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤): "تت: سكت عن حكم شرائها من مال القراض ولم يعلم هل اشتراها العامل للقراض أو لنفسه فحمله الإمام مالك -﵁- على شرائها للقراض ولا يصدق في دعواه أنه اشتراها لنفسه فتباع كما تقدم وصدقه ابن القاسم فلا تباع عنده. ابن رشد: هذا محل الخلاف وأما إن قامت بينة على أنه اشتراها للوطء فلا تباع باتفاق. طفى: فيه نظر لأن هذه طريقة ابن رشد وطريقة غيره هذا الحكم سواء علم الشراء لأحد الأمرين ببينة أو بمجرد قول العامل فلما أطلق المصنف دل على أنه لم يسلك طريقة ابن رشد. وحاصله أن في المسألة ثلاث طرق: الأولى: لا فرق بين المشتراة للقراض والمشتراة للوطء. الثانية: الفرق بينهما ويقبل قول العامل. الثالثة: طريقة ابن رشد. ابن عرفة وإن كان عديمًا ففي بيعها لجبر رأس المال أو له ولحظه من الربح مطلقًا أو إن اشتراها للقراض وإن اشتراها لوطئها اتبع بالثمن ثالثها إن علم ببينة شراؤها للقراض بيعت أو ألزم قيمتها يوم وطئها وإن علم بها شراؤها لنفسه اتبع بالثمن اتفاقًا فيهما وإلا جاء القولان لحمل بعض أهل النظر الروايات على الأول وحملها ابن رشد على الثاني. اهـ. على أن تت لم يحسن سياق طريقة ابن رشد ونصه بعد ذكره الخلاف في بيعها على الإطلاق وعلى هذا حمل المسألة بعض أهل النظر باتباع ظاهر الروايات أقول فيها: إن الخلاف في بيعها إذا حملت وهو عديم إنما هو إذا لم يعلم هل اشتراها للقراض أو لنفسه بما استلفه من مال القراض إلا بقوله فحمله الإمام مالك -﵁- على أنه للقراض فلم يصدقه ولذا قال تباع إن لم يكن له مال وحمله ابن القاسم على أنه لنفسه سلفًا من مال القراض ولم يصدقه أنه اشتراها للقراض وإن زعم ذلك ولذا قال لا تباع لأنه يتهم على إرادته ببيع أم ولده. وأما إن علم أنه اشتراها لنفسه بمال سلف من القراض فلا تباع ويتبع بالثيت الذي اشتراها به قولًا واحدًا كما يختلف إن اشتراها للقراض ببينة قامت على ذلك يوم وطئها فحملت ولا مال له في أنها تباع فيما لزمه من قيمتها". اهـ.
[ ٧ / ٢٢ ]
ابن رشد: هذا محل الخلاف، وأما إن قامت بينة على شرائها للوطء لم تبع قولًا واحدًا.
[مسألة:]
ولكل من رب المال والعامل فسخه والرجوع عنه قبل عمله على المعروف؛ لأنه عقد غير لازم، فإطلاق الفسخ عليه مجاز، كربِّهِ له فسخه، وإن تزود العامل لسفر ولم يظعن، أي: لم يسر من بلده.
ومفهومه: لو ظعن لم يكن لكل منهما فسخه للزومه حينئذٍ، وربما أشعر قوله: (كربه) اختصاصه بالفسخ دون العامل.
وإلا بأن عمل العامل بالمال أو ظعن فلنضوضه، ولا فسخ لأحدهما حتى ترجع السلع عينًا، وإن استنضه رب المال -أي: طلب نضوضه- بعد العمل وأبى العامل فالحاكم ينظر فيه، فإن رأى تأخيره مصلحة أخره، وإلا أمره بالبيع، وأما إن وافقه العامل على نضوضه فواضح.
[مسألة:]
وإن مات العامل قبل نضوضه فلوارثه الأمين أن يكمله بالعمل، وإلا يكن وارثه أمينًا أتى بأمين كالأول، وإلا يأت ورثته بأمين سلموا المال لربه، وكان العمل السابق هدرًا بغير ربح ولا أجرة.
[حكم التنازع بينهما:]
ثم شرع في بيان الحكم في التنازع بين رب المال والعامل بقوله: والقول للعامل في تلفه كله أو بعضه؛ لأنه أمين. وظاهره: ولو كان غير أمين؛ لأن ربه رضيه أمينًا.
والقول له أيضًا في خسره مع يمينه، إن كان متهمًا على المشهور، وأما إن حقق الدعوى فاليمين اتفاقًا. وظاهره: قبوله مطلقًا.
وقيده اللخمي بما إذا أتى بما يشبه، ويعرف ذلك بسؤال التجار في تلك السلعة: هل تخسر مثل هذا المال في هذه المدة أم لا؟ وإن أشكل
[ ٧ / ٢٣ ]
صدق العامل، ذكره في توضيحه، وتركه هنا.
والقول للعامل في رده مال القراض إن قبض من ربه بلا بينة، وأما ببينة فلا يبرأ إلا بها على المشهور، ويحلف اتفاقًا؛ لأن رب المال حقق عليه الدعوى، ولذا شقلب عليه، إن نكل العامل، بخلاف الصناع؛ لأنه اتهمه فقط.
تنبيه:
ظاهر كلامه كالمدونة: عدم اشتراط قصد التوثق بها، والاكتفاء بحضورها لقبضه، وفي كلام غير واحد من الشيوخ تقييدها بأنها للتوثق؛ ولذا فسرها اللخمي بما في الوديعة.
أو قال العامل: هو قراض بجزء، وقال ربه: بضاعة بأجر، فالقول للعامل بيمينه، ويأخذ الجزء إذا كان مما يشبه القراض عليه؛ لأن الاختلاف هنا راجع للاختلاف في جزء الربح، فإن نكل العامل حلف الآخر، ودفع الأجرة.
وعكسه دعوى العامل بضاعة بأجر، وربه قراضًا، فالقول للعامل مع يمينه، أو ادعى رب المال عليه، أي: على من المال بيده الغصب أو السرقة، وقال: العامل بل قراض، فالقول لمن بيده؛ إذ الأصل عدم الغصب، ونحوه في المدونة.
أو قال العامل قبل المفاصلة: أنفقت من غيره لأرجع فالقول له بمجرد دعواه، ويرجع به، ربح المال أو خسر، كان المال عينًا أو سلعًا، القول للعامل إن تنازعا بعد العمل في جزء الربح مع يمينه بشرطين، أشار لأحدهما بقوله: إن ادعى مشبهًا.
الباجي: وغيره سواء.
ادعى رب المال ما يشبه أو لا، وإن ادعيا ما لا يشبه حلفا ورجعا لقراض المثل.
وأشار لثانيهما بالجملة الحالية، وهي قوله: والمال بيده حسًّا أو
[ ٧ / ٢٤ ]
معنًى، ككونه وديعة بيد أجنبي، أو عند ربه، ولذا قال: وإن لربه، وظاهر قوله: (والمال بيده) أنه جميعه حتى لو بقي الربح فقط بيد العامل لم يكن القول قوله، ونحوه لابن الحاجب.
[مسائل يقبل فيها قول رب المال:]
ثم ذكر مسائل يقبل فيها قول رب المال دون العامل ضد ما قبلها، فقال: والقول لربه مع يمينه إن ادعى في جزء الربح الشبه فقط، ولم يشبه ما قال العامل، أو قال رب المال: قرض في قول العامل قراض أو وديعة؛ لأن العامل يدعي عدم الضمان فيما وضع يده عليه، أو تنازعا في جزء قبل العمل مطلقًا، سواء ادعى مشبهًا أو لا، ويرد المال، إلا أن يرضى العامل بقول ربه.
وإن قال رب المال: وديعة عندك، وقال العامل: بل قراض، ضمنه العامل إن عمل كدعواه أن ربه إذن له في تحريكه، والأصل عدمه.
ومفهوم الشرط: عدم الضمان إن ضاع قبل العمل لاتفاقهما على أنه كان أمانة؛ لاشتراط القراض والوديعة في ذلك.
[مسألة:]
ولما قدم ما يصدق فيه العامل وما يصدق فيه رب المال ذكر ما هو أعم فقال: والقول لمدعي الصحة من رب المال أو عامله على المنصوص، لا قول مدعي الفساد، فلو قال رب المال: عقد على النصف ومائة تخصني، وقال العامل: على النصف فقط، فالقول للعامل، وعكسه لرب المال.
ومن هلك وقبله -أي: عنده- كقراض، ولم يعلم أنه رده، ولا ادعى تلفه، ولا ما يسقطه أخذ من ماله، وإن لم يوجد لاحتمال إنفاقه أو ضياعه بتفريط ونحوه، وإن كان عليه ديون حاص غرماؤه، وإطلاقه ضمان القراض ظاهره: ولو طال، وأدخل بالكاف الوديعة، وسكت هنا عن تقييدها بعدم الطول؛ لأنه قدم أن ضمانها ما لم يتقادم عهدها كعشر سنين.
[ ٧ / ٢٥ ]
وتعين القراض أو الوديعة إن أبرزه أو شخصه بوصية، كهذا قراض زيد أو وديعته، وقدم صاحبه على غيره من أرباب الديون في الصحة والمرض، ولا يحاصونه، سواء كانت ديونهم مبيعة أو لا، ولم يذكر تقييد القراض أو الوديعة بكونه لمن لا يتهم عليه مع قول ابن رشد في التقييد: إنه صحيح؛ لا اختلاف في شيء منه، إما لوضوحه أو لما تقدم في الإقرار.
[مسألة:]
ولا ينبغي لعامل في القراض هبة بشيء منه أو تولية لما اشتراه للقراض بأن يجعله بالثمن لغيره؛ لتعلق حق رب المال بربحه، وقيد بما إذا لم يخف الوضيعة، ووسع له مالك -رحمه اللَّه تعالى- أن يأتي بطعام كغيره، أي: مثله ليشتركوا في أكله، إن لم يقصد العامل التفضل على من شاركه في الطعام، وإلا بأن قصد التفضل وأتى بأفضل مما جاء به غيره فليتحلله، أي: يسأله أن يجعله في حل من ذلك، فإن فعل فواضح، وإن أبي أن يحلله فليكافئه بقدر ما يخصه من الفضل.
* * *
باب
ذكر فيه المساقاة وفروعها، وهي مشتقة من السقي؛ لأنه غالب عملها، ولفظها مفاعلة، إما من الواحد كسافر، وهو قليل، أو لوحظ فيها العقد، وهو منها، وهي جائزة لازمة عند جمهور الفقهاء، مستثناة من أصول ممنوعة، كـ: الإجارة بالمجهول، وكراء الأرض مما يخرج منها، وبيع الثمرة قبل طيبها، بل قبل ظهورها، وبيع الغرر.
[شروط صحة المساقاة:]
وإنما يجوز وتصح صحة مطلقة عجز ربه أولًا:
[١] مساقاة شجر، ذي أصل ثابت تجني ثمرته وتبقي أصوله ويندرج في الشجر النخيل، وإن كان الشجر بعلًا، أي: على غير ما كشجر الشام
[ ٧ / ٢٦ ]
وإفريقية، وهو مذهب المدونة لاحتياجه لعمل ومؤنة.
[٢] ذي ثمر هو شرط في المعقود عليه.
[٣] ويشترط أيضًا كونه لم يحل بيعه على مذهب المدونة؛ إذ لو حل بيعه لم تجز مساقاته، لعدم الضرورة الداعية لذلك.
[٤] ويشترط كونه لم يخلف، أي: لم يكن له خلفه، فلو كان مما يخلف كالموز لم تجز مساقاته، إلا أن يكون ما يخلف وما يحل بيعه مما يخلف تبعًا، كحائط نخل فيه موز ثلث فما دونه.
[أوجه المساقاة:]
ولما كانت المساقاة على ثلاثة أوجه:
أشار لأحدها بقوله فيما تقدم: (إنما تصح مساقاة شجر).
ولثانيها بقوله: (ولم يخلف) فلا ينافي في عجز ولا غيره، وسيأتي.
الثالث: وهو مما يساقي حال العجز فقط في قوله: (كزرع).
[شرط ما يأخذه العامل:]
ويشترط فيما يأخذه العامل مع الشروط كونه بجزء قل كعشر مثلًا، أو كثر كثلثين مثلًا، شاع ذلك الجزء في جميع الثمرة فلا يجوز لك ربع ثمرة النخل وثلاثة أرباع الزيتون، ولا لك هذه النخلات المعينة ولا عدد كعشرة صح.
وأشار لشرط الجزء بقوله: علم، وأشار لصيغتها التي لا تصح إلا بها بقوله: بساقيت.
ابن رشد: لا تنعقد إلا به عند ابن القاسم، لا بلفظ الإجارة، كما لا تجوز الإجارة بلفظ ساقيت، وعند سحنون تصح بمثل ساقيت وعاملت.
[ما لا تصح المساقاة به:]
ولا تصح المساقاة على نقض من في الحائط يوم عقد المساقاة من
[ ٧ / ٢٧ ]
دقيق ودواب، ولا يصح اشتراط العامل تجديد شيء لم يكن فيه عند العقد، إلا دابةً أو غلامًا في الحائط الكبير، ولا زيادة لا يصح اشتراطها لأحدهما.
[عمل العامل:]
ويشترط عَمِلَ العاملُ جميع ما يفتقر الحائط إليه عرفًا، ولا يشترط تفصيله، لقيام العرف مقام الوصف، وإن لم يكن عرف فلا بد من وصفه من عدد حرث وسقاء ماء، وسائر العمل، قاله الباجي، كإبَّار، وهو: التلقيح، أي: عمله، وأما ما يلقح به فعلى رب الحائط، ولمالك أيضًا: إنه على العامل، وجمع مالك بين قوليه: مرة أنه على العامل، ومرة أنه على رب الحائط، بما تقدم.
وتنقية لعين ومنافع الشجر (١)، وعلى العامل إقامة الأدوات من دلاء
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٣٩١ - ٣٩٢): "وك تنقية لعين ومنافع شجر قاله تت. طفى: الصواب حمله على تنقية الحياض التي حول الشجر لا على تنقية العين لأنه سيأتي أن كنس العين على رب الحائط ويجوز اشتراطها على العامل وإن كان المراد بها غير الكنس فلا مستند له إذ لم ير من ذكر ذلك. فإن قلت كنس الحياض أي: تنقيتها سوى في المدونة بينه وبين كنس العين في كونهما على رب الحائط إلا لشرط ففيها وإنما يجوز لرب الحائط أن يشترط على العامل ما تقل مؤنته مثل سرو الشرب وهي تنقية ما حول النخل من مناقع الماء وخم العين وهو كنسها. اهـ. قلت: المصنف تبع ابن الحاجب التابع لابن شاس القائل وعلى العامل السقي والإبار والتقليم وسرو الشرب وهي تنقية الحياض التي حول الشجر ثم قال: فأما سد الحظار وخم العين وهو كنسها ورم القف وهو الحوض الذي يسقط فيه ماء الدلاء ثم يجري منه إلى الضفيرة فلا يجب على العامل وإن جاز اشتراطه عليه. اهـ. ويحتمل أن المراد بالتنقية تنقية النبات وهو ظاهر قول ابن الحاجب العمل هو القيام بما تفتقر إليه الثمرة من السقي والإبار والتنقية والجذاذ. ابن عبد السلام في معنى السقي والتنقية الدراس. ابن فرحون يدخل في التنقية تنقية الحب ولقطه في الحصاد وتنقية الثمر يوم الجذاذ. اهـ. ابن عبد السلام في معنى السقي والتنقية الدراس. ابن فرحون يدخل في التنقية تنقية الحب ولقطه في الحصاد وتنقية الثمر يوم الجذاذ. اهـ. =
[ ٧ / ٢٨ ]
ومساحي، ودواب وأجراء ونحو ذلك، وأنفق العامل على ذلك، وكسا ما يحتاج لذلك.
[ما ليس من عمل العامل:]
لا أجرة من كان فيه يوم السقاء، فإنه على رب الحائط، أو خلف من مات أو مرض مما كان في الأرض يوم السقاء؛ فإنه على ربه.
ظاهره: ولو شرط على العامل، وهو كذلك؛ لمخالفة السنَّة، فلا يجوز.
[ما اختلف فيه بين العامل وصاحب الحائط:]
كما رث -أي: بلي- من دلاء أو حبله ونحوهما، فإنه على العامل، واستظهره الباجي؛ ولذا قال: على الأصح.
وقيل: على رب الحائط.
وذكر المؤلف القولين في توضيحه، ولم يرجح واحدًا منهما، بل ذكر استظهار الباجي، وقدم الآخر.
[شروط مساقاة الشجر:]
ثم شبه بقوله أول الباب: (إنما تصح مساقاة شجر)، فقال: كزرع وقصب سكر وبصل ومقثأة، فتصح مساقاة ذلك بشروط أربعة، أشار لأولها بقوله: إن عجز ربه عنه.
الباجي: أي عن عمله الذي يتم به، أو ينمو، أو يبقى، وقد يكون عاجزًا وإن كان له مال.
ولثانيها بقوله: وخيف موته، بأن تكون له مؤنة، لو تركت لمات.
_________________
(١) = وعلى كل حال؛ فلا يصح تفسيرها بما ذكره تت تبعًا للشارح. عياض سرو الشرب بفتح السين المهملة وسكون الراء في الكلمة الأولى وفتح الشين المعجمة والراء في الكلمة الثانية الشربة الحفرة حول النخلة يجتمع الماء فيها يسقيها جمعها شربات وسروها كنسها مما يقع فيها".
[ ٧ / ٢٩ ]
ولثالثها بقوله: وبرز من أرضه واستقل.
ولرابعها بقوله: ولم يبد صلاحه؛ إذ لو بدا لم تجز مساقاته.
[حكم الورد ونحوه:]
واختلف: هل كلذلك الورد ونحوه كالياسمين والآس، مما تجنى ثمرته، وهو باق، ثم يثمر ويجنى أيضًا، وما يختلف حاله باختلاف البلاد، وهو: القطن؛ فإنه ببعض البلاد تجنى ثمرته وأصله باق، ثم يثمر ويجنى سنين، وفي بلاد لا يجنى غير مرة، لا تجوز مساقاته كالزرع، إلا بشروط، وهو تأويل بعض الشيوخ، أو كالأول، وهو الشجر، فيجوز من غير عجز عنه، وعليه الأكثر من الشيوخ؛ تأويلان في قولها: ولا بأس بمساقاة الورد والياسمين والقطن.
[مسألة:]
وأقتت بالجذاذ، وهو: قطع الثمرة، لا بسنة محدودة، ولا بشهور.
قال بعض الشيوخ: ويكون التاريخ بالعجمي لا بالعربي (١)؛ لأنها به تنتقل.
وإن كانت الثمرة تطعم بطنين في العام حملت على جذاذ الأول، إن لم يشترط ثان، فإن اشتراط البطن الثاني فإليه.
[شروط بياض النخل والزرع:]
وكبياض نخل، وهو: الخالي من الأرض، أو بياض زرع، يجوز إدخاله في المساقاة بشروط، أشار لأحدها بقوله: إن وافق الجزء منه الجزء المشترط للعامل، فإن تخالفا لم يجز.
ولثانيها بقوله: وبذره العامل من عنده، فإن كان من عند رب الحائط، والعمل على العامل فسد، ورد لمساقاة مثله في الحائط، ولأجرة مثله في البياض، قاله ابن حبيب.
_________________
(١) هذا أحد المواضع التي لا يعتد فيها بالتاريخ العربي.
[ ٧ / ٣٠ ]
وثالثها بقوله: وكان ثلثًا فدونه، ولما كان الثلث منسوبًا لنفس الثمرة؛ لأنها مع نفقتها (١)، فقال: بإسقاط كلفة الثمرة، كما لو كان البياض منفردًا عشرة، والثمرة تساوي بعد إسقاط كلفتها عشرين.
وإلا بأن اختل شرط بأن لم يكن جزء البياض موافقًا لجزء المساقاة، أو كان لكن ليس البذر من عند العامل، أو كان ولكن البياض أكثر من الثلث فسد.
ثم شبه بما فسد فقال: كاشتراطه -أي: البياض- ربه -أي: الحائط- ليعمله لنفسه؛ لقول الموطأ: لا يصلح لنيله سقي العامل، أي: لأن سقي العامل يناله، فهو زيادة اشترطها على العامل.
[إلغاء البياض:]
وأُلغي البياض للعامل إن سمكتا عنه عند العقد، أو اشترطه العامل لنفسه.
تنبيه:
تلخص من كلامه: أن للبياض اليسير أربعة أحوال:
- إدخاله في المساقاة.
- واشتراطه رب الحائط لنفسه.
- وإلغاؤه للعامل.
- واشتراط العامل له.
[ما يدخل لزومًا في المساقاة:]
ودخل في المساقاة لزومًا شجر تبع زرعًا، فيكون بينهما، ولا يجوز إلغاؤه لأحدهما، قاله ابن القاسم؛ لأن السنه إنما وردت بإلغاء البياض لا الشجر.
_________________
(١) في "ن ٣": مؤنتها.
[ ٧ / ٣١ ]
[ما يجوز في المساقاة:]
[١] وجاز مساقاة زرع وشجر بعقد واحد، وإن كان أحدهما غير تبع، وللشارح هنا كلام، انظره في الكبير.
[٢] وحوائط تجوز مساقاتها بعقد واحد إن لم تختلف، بأن كانت نوعًا واحدًا، بل وإن اختلفت أنواعها، وكانت بجزء متفق، وإن كان بعضها أفضل لمساقاته -ﷺ- أهل خيبر على الشطر، وفيه الجيد والرديء، فإن اختلف الجزء لم يجز، كنصف في حائط وثلث في آخر وربع في آخر مثلًا.
إلا أن تكون مساقاة الحوائط في صفقات متعددة، فيجوز اختلاف الجزء.
[٣] وغائب بعيد تجوز مساقاته إن وصف ما فيه كالبيع، ونحوه في المدونة.
[٤] ووصله الساقي قبل طيبه، فإن لم يصله لم يجز.
تنبيه:
لو تشاغل في طريقه فلم يصله إلا بعد طيبه لم يفسد؛ لوقوع العقد قبل طيبه.
[٥] وجاز اشتراط جزء الزكاة على أحدهما، كالقراض.
[٦] وجازت المساقاة سنين ما لم تكثر جدًّا بلا حد، قال صاحب المعين: من سنة لأربع، فإن طالت جدًّا فسخ.
وقال البساطي: البعد هو الذي يحتمل أن لا يبقى الحائط فيه على حاله.
[٧] وجاز اشتراط عامل على رب الحائط دابةً أو غلامًا يعمل معه في الحائط الكبير، وحيث اشترط لم يجز إلا بشرط الخلف.
ومفهومه: المنع في الصغير.
[ ٧ / ٣٢ ]
[٨] وجاز اشتراط قَسْمُ الزيتون حبًّا كعصره بشرط على أحدهما، ويلزمه، فإن لم يشترط فبينهما.
ابن القاسم: ما لم تكن عادته على العامل.
[٩] وجاز اشتراط إصلاح جدار وكنس عين وسد حظيرة وإصلاح ضفيرة على العامل؛ ليسارة ذلك، أو ما قل من غير المذكور.
وإنما خص اشتراط ذلك على العامل لعدم بقائه بعد انقضاء هذه المساقاة غالبًا؛ ولأنه للمالك، فلا معنى لاشتراطه عليه.
وكنس العين: تنقيتها.
وسد: يروى بسين مهملة ومعجمة.
والحظيرة: بالظاء المشالة، الزرب بأعلى الحائط.
والضفيرة: بالضاد غير المشالة، مجتمع الماء.
وقال يحيى بن يحيى: ما حضر بزرب فبالمعجمة، وبجدار فبالمهملة.
ولو قدم (ضفيرة) عقب (جدار) لأغنى عن إعادة إصلاح الثاني.
وفهم من كلامه: أنه لا يجوز أن يشترط على العامل ما له بال، كحفر بئر، أو بناء ضفيرة، ونحوهما.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن الأعمال ثلاثة:
- عمل لازم بمقتضى العقد، وهو: الذي قدمه في قوله: (وعمل العامل. . . إلى آخره).
- وعمل بمقتضى الشرط، وهو منطوق كلامه هنا.
- وعمل لا يجوز اشتراطه، وهو المأخوذ منه مفهوم كلامه هنا.
[١٠] وجاز تقايلهما للمساقاة حال كون التقايل هدرًا بغير شيء.
[ ٧ / ٣٣ ]
[١١] وجاز مساقاة العامل عاملًا آخر، إن كان مساويًا لأمانة الأول، بل ولو كان أقل أمانة منه، وحمل المساقي الثاني عند حمل حاله على ضدها، حتى يتبين أنه أمين.
وضمن الأول موجب فعل الثاني غير الأمين، كانت المساقاة في شجر أو زرع، وإن عجز العامل عن العمل ولم يجد أمينًا يساقيه أسلمه لربه هدرًا؛ لأن المساقاة كالجعل، ونحوه في المدونة.
[مسألة:]
ولم تنفسخ عقد المساقاة بفلس ربه، أي: الحائط، سواء أفلس قبل العمل أو بعده، كما صرح به في المدونة، وهذا تقدم عقد المساقاة على الفلس، وأما لو تأخر لكان للغرماء فسخه. وإذا قلنا: لا يفسخ بفلس ربه بيع على أنه مساقًى.
[١٢] وجاز مساقاة وصي حائط يتيمه لأنه من جملة تصرفه له.
[١٣] وجاز مساقاة مدين بلا حجر؛ لأنه حينئذٍ ككرائه لأرضه وداره، ولا فسخ لغرمائه، فإن حجر عليه لحق الغرماء ما لم تجز مساقاته، ولهم فسخها.
[١٤] وجاز دفعه لذمي يعمل فيه مساقاة؛ إن لم يعصر حصته خمرًا، بأن أمن المسلم منه ذلك.
ومفهومه: المنع إن لم يؤمن؛ لإعانته على العدوان، ونحوه في المدونة.
[ما لا يجوز:]
ولما ذكر الجائز ذكر المعطوف عليه بـ (لا)، فقال:
[١] لا مشاركة ربه في العمل معه في الحائط سقيًا وغيره، فلا يجوز اشتراطه، كذا قرره الشارح، وقرره البساطي تبعًا لما في التوضيح من أنه لا
[ ٧ / ٣٤ ]
يدفع حائطه على أن يكون شريكا بالنصف أو الربع أو نحوه. انتهى. أي: في نفس الحائط لا الثمرة.
[٢] أو إعطاء أرض من ربها لعامل ليغرس فيها شجر كذا وكذا، ويقوم عليها، فإذا بلغت تلك الأشجار كانت مساقاة بيد العامل سنين سماها لم يجز.
قال في المدونة: لأنه خطر.
[٣] أو إعطاء شجر لم يبلغ حد الإطعام لمن يعمل فيها خمس سنين، وهي -أي: الشجر- تبلغ حد الإطعام أثناءها، أي: الخمس سنين، وتطعم بعد سنتين مثلًا؛ لأنه خطر.
البساطي: فإن قلت: قوله: (خمس سنين) تبع للرواية، أو يتلمح له وجه.
قلت: ربما يقال: إن خمس سنين هي غاية ما يساقى إليه في الزمان.
[مسألة:]
ولما اشتملت هذه على سنين منها لا مساقاة فيها قد يتوهم أن مثل هذا العقد قد يزاد فيه على خمس سنين لو كان جائزًا، فنبه على أنه لا يزاد على ذلك وفسخت مساقاة فاسدة لخلل ركن أو شرط أو وجود مانع عثر على فسادها بلا عمل قبل شروع العامل في العمل اتفاقًا، أو عثر عليه بعد العمل في أثنائه أو عثر عليه بعد عمل سنة من أكثر، كسنتين فصاعدًا قبل العمل في البقية.
تنبيهان:
الأول: نبه على هذه وإن كانت داخلة في التي قبلها لئلا يتوهم فيها عدم الفسخ لطول العمل.
الثاني: ظاهر كلام الشارح أن الفسخ في الجميع السنة، وما بعدها.
وقال البساطي: هذه مركبة من بعد العمل وقبله، وأعطى فيه الحكم
[ ٧ / ٣٥ ]
فلا يفسخ ما بعد العمل، ويفسخ ما كان قبله، أعني في بقية السنين. انتهى.
[شرط الفسخ:]
وأشار لشرط الفسخ في الصورتين بقوله: إن وجبت أجرة المثل للعامل، كما في الصورة الآتية.
قال في التوضيح: كما في الإجارة الفاسدة؛ لأنه يكون له بحساب ما عمل، وإن حكمنا بمساقاة المثل فالضرورة داعية إلى تمام العمل؛ لأن التقدير إنما يدفع للعامل من الثمرة؛ ولأنا لو فسخناه لزم أن لا يكون للعامل شيء؛ لما تقدم أنها كالجعل، لا شيء للعامل، إلا بتمام العمل، وعلى هذا لا بد أن يكون شرع في العمل بما له بال، أشار إليه عياض. انتهى. وأطلق هنا فلم ينبه على إشارة عياض.
[مسألة:]
وإن عثر على فسادها بعده -أي: بعد تمام العمل- فله أجرة المثل إن خرجا عنها، أي: عن معنى المساقاة، كإن ازداد أحدهما عينًا أو عرضًا، يختص به عن الآخر، وإلا بأن لم يخرجا عن معناها، ووقعت فاسدة، وفات الفسخ، فمساقاة المثل واجبة للعامل.
فائدة:
أجرة المثل متعلقة بالذمة، ومساقاة المثل متعلقة بالحائط.
[صور مساقاة المثل:]
وذكر لمساقاة المثل تسع صور، أشار لإحداها بقوله: كمساقاة مع ثمر أطعم؛ لأنه بيع ثمرة مجهولة بشيء مجهول.
ولثانيها بقوله: أو مع بيع صفقة واحدة، وتقدمت مع ما لا يجوز جمعه في عقد واحد.
وللثالثة بقوله: أو اشترط العامل عمل ربه معه في الحائط؛ لجولان يده.
[ ٧ / ٣٦ ]
وللرابعة بقوله: أو يشترط العامل عمل دابة أو غلام لرب الحائط معه فيه، وهو صغير، أي: الحائط.
وللخامسة بقوله: أو يشترط رب الحائط على العامل أن يحمله -أي: ما يخصه من الثمرة- لمنزله.
وللسادسة بقوله: أو يشترط عليه رب الحائط أن يكفيه مؤنة حائط آخر بغير عوض أو بكراء.
وللسابعة بقوله: أو اختلف الجزء الذي للعامل بسنين، أي: فيها، كالنصف في سنة، والثلث في أخرى، والربع في أخرى مثلًا.
وللثامنة بقوله: أو بجزء مختلف في حوائط بعقد واحد.
وللتاسعة بقوله: كاختلافهما، أي: رب الحائط والعامل بعد العمل في قدر الجزء، ولم يشبها، وتحالفا، أو نكلا. ونظم ابن رشد منها خمسة فقال:
وأجرة مثل في المساقاة عينت سوى خمسة قد خالف الشرع حكمها
مساقاته أبان بدء صلاحه وجزءان في عامين شرط بعمها
وإن يشرط الساقي على مالك له مساعدة والبيع معها يخلها
وما قد مضاه الحكم بعد تحالف فدونك أبياتًا حسانًا فضمها
وفي الذخيرة بدل الرابع:
وإن حلفا فالخلف من غير شبهه أو اجتنبا إلا بأن فالحزم ذمها
قال بهرام: وهو أحسن، وتممتها بالأربعة نظمًا، وفيه قلت:
كذا شرط حيطان تخالف جزؤها وشرط غلام في الصغير فضمها
وضف شرط أن يكفيه كلفة غيره وحمل نصيب بيته وهو ختمها
[ ٧ / ٣٧ ]
[مسألة:]
وإن ساقيته حائطك أو أكريته دارك فألفيته، أي: وجدته سارقًا يخشى منه في الأول على الثمرة أو الجذع مثلًا، وفي الثاني على أبواب الدار مثلًا، لم تنفسخ مساقاته ولا كراؤه، وليتحفظ منه، ونحوه في المدونة.
ثم شبه في لزوم العقد فقال: كبيعه سلعة لمفلس ولم يعلم بائعه بفلسه حين البيع، فالبيع لازم؛ لتفريطه حيث لم يتثبت.
تنبيهان:
الأول: عورضت هذه بما في الحوالة إذا غرم الغريم المحتال بفلس المحال عليه، فله الرجوع على المحيل، وفرق بأن المحال مندوب للحوالة لخبر: "من أحيل على مليء فليتبع عذره" (١)، وأيضا الحوالة معروف بتسامح فيها بخلاف البيع.
الثاني: أقيم من هذه لزوم البيع لمستغرق الذمة؛ لأن ما بيده مستحق للغير، فهو كالمفلس.
[مسألة:]
وساقط النخل كليف وجريد وثمرة يلقيها الريح أو غيره من نخل وغيره كزرع حكمه كالثمرة يقسم على شرطها في الجزء، والقول عند اختلافهما فيما يقتضي الصحة والفساد قول مدعي الصحة، نحوه في المدونة.
ظاهره: ولو غلب الفساد، وهو كذلك على المشهور، وأشعر قوله: (قول مدعي الصحة) بأنهما لو اختلفا، فقال رب الحائط: لم يدفع لي الثمرة. وقال العامل: بل دفعتها. صدق العامل؛ لأنه أمين.
ابن القاسم: ويحلف إن كان يقرب الجذاذ أو بعده، وكذا لو جذ
_________________
(١) ذكره شارحنا بالمعنى، وأما لفظه فهو: "المطل ظلم الغنى ومن أتبع على ملىء فليتبع"، رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة (٨/ ٣١٧، رقم: ١٥٣٥٦).
[ ٧ / ٣٨ ]
بعضها رطبًا، والباقي ثمرًا، فقال قبل الجذاذ: لم يدفع في الرطب ولا ثمنه.
[مسألة:]
وإن قصر عامل عما، أي: عن بعض مما شرط عليه عمله، حط من نصيبه بنسبته، كأن شرط عليه الحرث مثلًا ثلاث مرات فحرث مرتين، نظر ما يخرج لثمرة الثالثة.
سحنون: فإن كان ما ترك الثلث حط من نصيبه الثلث، أو الربع فالربع، ونحو ذلك.
خاتمة:
أشعر قوله: (قصر) بأنه لو لم يقصر بأن شرط عليه السقي ثلاث مرات مثلًا فسقى اثنتين، وأغنى المطر عن الثالثة، لم يحط من نصيبه شيء.
ابن رشد: بلا خلاف.
قال: بخلاف الإجارة بالدنانير والدراهم على سقاية حائطه زمن السقي، وهو معلوم عند أهل المعرفة، فجاء ماء السماء فأقام به حينًا، حط من إجارته بقدر إقامة الماء فيه، واللَّه ﷾ أعلم.
* * *
باب (١)
ذكر فيه الإجارة وكراء الدواب والحمام والأرض والدار وما يتعلق بذلك.
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، ذكر باب الإجارة، ولم يذكر المغارسة، ولم أر شرح باب المغارسة كذلك عند المواق والحطاب، ولعل هذا الباب من إضافة من جاء بعدهم، واللَّه أعلم، وإلا فما سر عدم شرح الأولين له، بل إن الدردير والخرشي وغيرهما من المتأخرين لم يأتوا على ذكره، وإنما الذي شرحه عليش، وقد وجدت المواق قال =
[ ٧ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بآخر الفصل السابق: "وانظر بعض كتب أهل الأحكام يذكرون بعد هذا الباب كتاب المغارسة، وهو ترجمة من تراجم العتبية، وذكره في المدونة في أكرية الدور والأرضين". والدردير في شرح الكبير يقول: "ولما أنهى الكلام على البيوع وما يتعلق بها وما يلتحق بها انتقل يتكلم على الإجارة كذلك وهو أول الربع الرابع من هذا الكتاب". ثم رجعت إلى كتاب منح الجليل ثانية، فوجدت فيه صدق ما رأيت، ففيه: "قال الشيخ الفقيه العالم عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي رحمهما اللَّه تعالى لما كان باب المغارسة مما ينبغي للمؤلفين المختصرين التعرض له، وذكر أحكام المغارسة ومسائلها فيه، ولكنهم لم يفعلوا، ولما ذكر لم يتعرضوا، ولا أدري ما قصدهم بذلك، ولا ما أرادوه هنالك، وعنيت بمن أشرت إليه الشيخ الإمام العالم العلامة القدوة الكامل أبو عمرو عثمان بن الحاجب والشيخ الفاضل والأسوة الكامل خليل بن إسحاق رحمهما اللَّه تعالى ونفعنا بهما وبأمثالهما ولا حاد بنا عن طريقهما ونهجهما وكان بعض شيوخنا أعلى اللَّه تعالى مقامه ورفع في الدارين ذروته وسنامه، كتب إلى أن أكتب بعض مسائلها، وما يصح منها، وما يترتب على فاسدها، فكتبت إليه في ذلك بعض ما حضرني، ثم طلب مني بعض إخواني من الطلبة، ورغب إلى بعض أحبابي من أهل النسبة، أن أجمع في الباب مسائل جمة، وأن أذكر فيه أحكامًا مهمة، هذا مع ما علم من جهلي وقصوري وبعدي عن طريق الحق بالكلية وتقصيري، لكن لما رأيت من تأكيد طلبتهم، وحثيث رغبتهم أسعفتهم لما طلبوا، وأجبتهم لما فيه رغبوا؛ رجاء فيما عند اللَّه تعالى من الثواب الجزيل، واتقاء لى عنده من العذاب الجليل، نسأله ﷾ أن يمن علينا بتوبة نصوح، بحيت لا يبقى معها إلى المخالفة ميل ولا جنوح، وأن يصحبنا بعونه، ويكون معنا دائمًا بلطفه إنه ولي ذلك والقادر عليه. ثم إني رأيت أن أذكر ما حضر لي في هذا الباب من جملة الأحكام التي اختطفتها من غير ما كتاب على طريقة الشيخ خليل في مختصره في اصطلاحه ومحاذاة عباراته، ثم أتبعه إن شاء اللَّه تعالى بذكر ما حضر كالشرح لتلك الألفاظ والبيان، لما فيها من مقاصد وأغراض، ونسأل اللَّه تعالى التوفيق للصواب، وأن يسلك بنا الزلفى وحسن مآب، بجاه سيدنا محمد -ﷺ- وعلى آله والأصحاب". وعبد القادر بن عبد الرحمن صاحب المغارسة هذا هو: عبد الرحمن بن عبد القادر المالكي، (٠٠٠ - ١٠٢٠ هـ = ٠٠٠ - ١٦١١ م): فقيه، له كتاب (المغارسة) و(شرحه) أتى فيهما على ذكر الغرس وجملة ما فيه من الاحكام. ينظر: الأعلام (٣/ ٣١٠). وفي سنة وفاته اختلاف، واسم كتابه في المغارسة (التبيين والتسهيل في ذكر ما أغفل عنه الشيخ =
[ ٧ / ٤٠ ]
[أركان الإجارة:]
وأركانها ثلاثة، أشار لأولها بقوله: صحة الإجارة بعاقد مؤجر ومستأجر كالبيع، فيشترط فيهما التمييز، وعدهما ركنين، فتكون الأركان أربعة، ويدخل في كلامه التردد في المميز بالسكر، ويخرج من المميز من يحكم بحجره.
وأشار للركن الثاني والثالث، وهو: الأجرة بقوله: وأجر كالبيع في كونها طاهرة منتفعًا بها مقدورًا على تسليمها معلومة، لا يقال: كلام المؤلف دال على أن كل ما يصح من حيث هو في البيع فهو صالح لأن يكون بدلًا في الإجارة، ما لم يعرض لذلك مانع من الموانع، كالبيع وقت نداء الجمعة.
[مسائل يجب فيها تعجيل الأجرة:]
وذكر مسائل يجب فيها تعجيل الأجرة، أشار لأحدهما بقوله: وعجل الكراء وجوبًا إن عين كاستئجار دار مثلًا بثوب معين؛ لأنه مع التأخير بيع معين يتأخر قبضه.
ولثانيها بقوله: أو يكون بشرط في تعجيله، [سواء كانت الأجرة معية أو لا] (١).
ولثالثها بقوله: أو عادة، بأن كانت العادة والعرف التعجيل.
ولرابعتها بقوله: أو كانت الأجرة في إجارة مضمونة، كاستئجاره على
_________________
(١) = خليل من أحكام المغارسة والتوليج والتصيير) قال مؤلفه: وإن شئت قلت في تسميته: (التعريج والتبريج في ذكر أحكام المغارسة والتصيير والتوليج)، وعليش -كما المصادر الموجودة في خزانة التراث- قد جعل صاحبه من قد ذكر، ولكن ذلك ليس على اليقين، فمنهم من نسبه لمحمد بن عبد القادر المجاجي الراشدي، أي: لابن الذي ذكره عليش، وقد طبع الكتاب طبعتين الأولى سنة ١٣١٧، والأخرى سنة ١٣٣٢. ومن ثم أخطأ من طبع مختصر خليل من دون التنبيه على ذلك.
(٢) ما بين معكوفين من "ن ٣".
[ ٧ / ٤١ ]
أن يحمله على دوابه إلى موضع كذا، فيجب التعجيل؛ لاستلزام التأخير الدين بالدين، وتعمير الذمتين.
وقيد المضمونة في الموازية بعدم الشروع فيها، واعتبره المصنف، فقال: لم يشرع فيها، فإن شرع فيها وقعت عليه جاز التأخير، قاله عبد الوهاب؛ لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر.
[مسألة:]
ثم أخرج من الكراء المضمون الذي يجب فيه تعجيل الأجر ما لا يجب تعجيل جميعه بقوله: إلا كري حج فاليسير منه يجب تعجيله كجميع الأجر في غير المضمون، بأن يعربنوهم الدينار وشبهه، وإليه رجع مالك؛ لاقتطاع الأكرياء أموال الناس، وكان يقول: لا ينبغي أن ينقد مثل ثلثي الكراء.
وإلا يكن الأجر معينًا ولا هناك شرط ولا عادة معروفة، فمياومة، أي: كلما استوفى المستأجر منفعة يوم تعينت أجرة فلا يجب تعجيل شيء، إلا بالتمكين.
[ما تفسد به الإجارة:]
وفسدت عقدة إجارة تعينت فيها الأجرة:
[١] إن انتفى فيها عرف تعجيل المعين عند المتعاقدين، سواء كان العرف التأخير أو لم يكن عرف، بأن كانا يتبايعان بالوجهين، وهو مذهب ابن القاسم في كراء الرواحل، وابن حبيب يصحح الوجهين.
تنبيه:
علل ابن يونس الفساد حيث لا عرف بأن قاعدة ابن القاسم عدم تعجيل الأجرة فكان كشرط التأجيل.
ثم شبه في الفساد قوله: كمع جعل صفقة واحدة على المشهور؛
[ ٧ / ٤٢ ]
لتنافرهما بما في الجعل من عدم لزومه بالعقد، وجواز الغرر وعدم الأجل، بخلاف الإجارة.
لا مع بيع في صفقة فلا يفسد لعدم منافاتهما، ويشمل كلامه صورتين:
إحداهما: كون المحل واحدًا كشرائه جلودًا مثلًا على أن يحرزها البائع خفافًا مثلًا.
والثانية: كون المحل مختلفًا كشرائه جلودًا بكذا على أن يخيط له ثوبًا على المشهور فيهما، وإذا منع الجعل مع أحدهما فمعهما معًا أحرى.
[٢] ثم شبه بما قبل المخرج مسائل تفسد الإجارة للجهالة، فقال: وكجلد يعطي أجرة لسلاخ، سواء كان جميع الأجرة أو بعضها، ونخالة لطحان، لا يجوز للجهالة، وجزء ثوب لنساج؛ لجهل صفة خروجه، ويشمل الصورتين السابقتين.
وأفهم قوله: (جزء ثوب) جواز النسج في هذا الغزل بغزل آخر، وهو كذلك، قاله في المدونة.
أو رضيع رقيق لمن يرضعه بجزء منه كثلث مثلًا، إن لم يكن على أن يقبضه من الآن، بل بعد فطامه، أو وإن كان على أن يأخذه من الآن، كما صرح به أبو محمد.
[٣] وفسدت إن استأجره بما سقط، أي: بجزء منه، أو بجزء مما خرج من نفض زيتون أو عصره، لف ونشر مرتب؛ للجهل بالحكم في الأولى، وبه وبالكيف في الثانية.
ثم شبه في الفساد، فقال: كاحصد وادرس هذا الزرع، ولك نصفه؛ إذ لا يدري كم يخرج، ولا كيف يخرج.
[٤] وفسدت في كراء الأرض للزراعة بطعام على المشهور، سواء أنبتته كالقمح، أو لم تنبته كاللبن؛ لئلا يدخله طعام بطعام إلى أجل، أو بما تنبته غير الطعام، كـ: قطن وعصفر.
[ ٧ / ٤٣ ]
وقولنا: (للزراعة) ليخرج كراء الدور والحوانيت بالطعام؛ فإنه جائز إجماعًا.
إلا كخشب وقصب وعود هندي فيجوز، قاله سحنون؛ لطول مكثه فيها.
[٥] وفسدت إجارة على حمل طعام بنصفه مثلًا لبلد شرطا ذلك وسكتا عنه؛ لأنه بيع معين، يتأخر قبضه، ولما فقدت هذه العلة مع القبض، قال: إلا أن يقبضه الآن، أي: حال العقد فيجوز.
تنبيه:
تلخص من كلامه ثلاث صور:
- اشتراط النقد.
- واشتراط التأخير.
- والسكوت.
وقد فهمت مما قررناه.
وكإن خطته اليوم مثلًا فهو بكذا من الأجرة كدرهم، وإلا تخطه فيه فبكذا أجرة دون أجرة الأولى، كنصف.
قال مالك: إن وقع فله أجر مثله، زاد أو نقص.
[مسألة:]
واعمل على دابتي هذه، فما حصل من ثمن أو أجرة فلك نصفه فاسدة، وهو -أي: ما حصل- للعامل، وعليه لمالكها أجرتها، أي: كراء مثلها، بإلغاء ما بلغ، عكس خذها لتكريها، ولك نصف كرائها فما حصل لربها وعليه للعامل، فالعكس في التصير لا الحكم، فإنه فيهما واحد، وهو الفساد، ونحوهما في المدونة، ولو لم يكرها بل عمل هو عليها لكان الكسب له، ولزمه كراء مثلها، ولو مضى بها ثم ردها وتعسر عليه كراؤها لم يكن له شيء؛ لأنه فاسد، والحكم أن يردها، ولا يتم ذلك الفاسد.
[ ٧ / ٤٤ ]
[مسألة:]
وكبيعه نصفًا من كثوب أو عبد، بأن يبيع له نصفًا، والتنوين عوضًا عن ضمير، أي: جعل النصف الأول منه أجرة عن بيع نصفه الثاني، فإنها فاسدة على المشهور، إلا أن يكون محل البيع بالبلد الذي هما به فيجوز.
ولا يجوز بغيره، أبو إسحاق: لأنه اشترى شيئًا بعينه لا يقبضه إلا لأجل بعيد، وهو بلوغه للبلد، ولابن لبابة غير البلد كالبلد.
إن أجلا، أي: ضربا أجلًا ليخرجا عن البيع والجعل، فإن جمعهما ممتنع، ولم يكن الثمن الذي بيع به النصف الأول مثليًّا: مكيلًا أو موزونًا، فإن كان مثليَّا طعامًا أو غيره فسدت.
سحنون: لأنه قبض أجرته، وهي طعام لا يعرف بعينه، وقد يبيع في نصف الأجل فيصير إجارة وسلفا، أي: تارة إجارةً وتارةً سلفًا.
تنبيه:
تلخص كلامه أن للجواز ثلاثة شروط:
- كون المبيع بالبلد.
- وكونه لأجل.
- وكون الثمن غير مثلي.
[ما يجوز في الإجارة:]
[١] وجاز إجارة دابة لمن يحتطب عليها أو يسقي بنصف مما يحتطب عليها أو يستقي، بأن يكون له نصف الحطب أو الماء، وللآخر النصف، أو له نقلة، وللأخرى أخرى.
[٢] وجاز دفع قمح لطحان يطحنه على صاع دقيق منه، أجرة طحنه، أو على صاع من زيت من زيتون قبل عصره إن لم يختلف خروجه، هذا ظاهر، وعليه قرر الشارح، ويحتمل أنه يجوز عصر الزيتون بصاع من زيته، إن لم يختلف خروجه، وعليه قرره البساطي.
[ ٧ / ٤٥ ]
[٣] وجاز استئجار المالك للعين منه، أي: ممن استأجرها منه.
[٤] وجاز لمن له رقيق أو ولد تعليمه أي: دفعه لمن يعلمه صنعة معينة بعمله سنة مثلًا، قاله في المدونة، وتحسب السعة من يوم أخذه له.
[٥] وجاز احصد بكسر الصاد وضمها زرعي هذا المعين ولك نصفه.
[٦] وجاز أن يقول له: ما حصدت فلك نصفه مثلًا، وأطلق المؤلف هنا تبعًا للمدونة، وقيده محمد بما إذا علم كم الزرع، ونظر إليه، وإن لم يعلم كمه لم يكن فيه خبر.
[٧] وجاز إجارة دابة لكذا بأجرة معينة، على أن المكتري إن استغنى فيها دون الموضع الذي عينه، حاسب بقدر ما مشى.
مالك: لا بأس به.
[استئجار المؤجر:]
ولما لم يكن من شروط الإجارة قبض المنفعة في الحال، قال:
[٨] واستئجار مؤجر، فيجوز للمستأجر أن يستأجر ما تحت يده مدة بعيد مدة، وكذا يجوز لغير المستأجر.
[مسألة:]
ثم أشار لجواز مسألة أخرى، فقال:
[٩] أو مستثنى منفعته، كأن يبيع شيئًا ويستثني منفعته مدة معينة تبقى فيها الرقبة غالبًا، فللمشتري أن يؤجرها مدة بعد المستثناة، ليقبضها المستأجر بعدها.
[٩] وجاز النقد فيه، أي: في المؤجر والمستثنى منفعته، إن لم يتغير غالبًا قبل التسليم، واحترز بالغالب من إمكان التغير النادر؛ فإنه العارض، والأصل عدمه.
[١٠] وجاز عدم التسمية إذا أجَّر دارًا سنين أو شهورًا أو أيامًا ولم يسم لكل سنة وشهر أو يوم منها كذا، فإن كانت سنة تخالف سنة أو شهرًا
[ ٧ / ٤٦ ]
كذلك كدور مكة، وحصل مانع فإن شرطا الرجوع للتقويم جاز اتفاقًا، وللتسمية فسد اتفاقًا، أو سكتا رجع للقيمة عند ابن القاسم، ورواية في المدونة، والتسمية لغو، ويقضي بالقيمة، ولمالك: العقد فاسد.
[١١] وجاز كراء أرض لتتخذ مسجدًا مدة معينة، والنقض لربه إذا انقضت تلك المدة، قاله ابن القاسم، ولا يجبر رب الأرض على بقائه، إذا رضي الباني، ولا الباني إذا رضي صاحب الأرض.
[١٢] ويجوز الاستئجار على طرح ميتة أو عذرة أو دم أو نحوه مما لا يسلم مباشرة من النجاسة غالبًا للضرورة.
[١٣] ويجوز على القصاص من قتل وقطع وجرح.
[١٤] وعلى الأدب لعبده أو ولده.
[١٥] وجاز استئجار عبد مدة طويلة أكثرها خمسة عشر عامًا.
وقيل: عشرة فقط.
وإذا كان العمل المستأجر عليه صنعة جاز تقييدها بالزمان، كأن يستأجر على يوم معين، وتقييدها بمحل العمل.
وأشار له بقوله: أو خياطة ثوب مثلًا، هذا إذا انفرد أحدهما.
[مسألة:]
واختلف هل تفسد الإجارة إن جمعهما في عقد كخط لي هذا الثوب في هذا اليوم بدرهم، وتساويا الزمان والفعل، بأن كان اليوم يسع خياطة الثوب، وشهره ابن رشد، أو لا يفسد مع التساوي وشهره، قولان، أو تفسد مطلقًا، تساوى العمل والزمان أو لا، خلاف.
تنبيه:
قول ابن عبد السلام الذي قاله من نرضى من الشيوخ أن الزمان الذي قيدت به المنفعة إما أن يكون أوسع من العمل بكثير، أو يضيق عنه عادة، أو يكون مقدار العمل، فالواسع لا يختلف في جوازه، والضيق لا يختلف
[ ٧ / ٤٧ ]
في منعه، وفي المساوي قولان، نعم اختلف الشيوخ في تعيين المشهور، فمنهم من عينه في المنع، ومنهم من أشار إلى أنه الإباحة، الظاهر أنه طريقة.
[١٦] وجاز بيع دار استثنى البائع منفعتها عامًا لتقبض للمشتري بعد عام عند ابن القاسم، لا منها لأكثر من عام، أو بيع أرض واستثناء منفعتها لعشر، أي: سنين، على أن يقبض بعدها عند ابن القاسم، لقوة الأمن فيها، وهاتان المسألتان لا تعلق لهما بالإجارة.
[١٧] وجاز استرضاع بكذا من الأجرة، ولو مع شرطها عليهم طعامها وكسوتها، والعرف عند الناس يحملان عليه في كغسل خرقة، وربطه في يمنيه، وحمله ودهانه وحميمه ودق ريحانه وطيبه، ولزوجها إن أجرت نفسها فسخه إن لم يأذن لها لما يلحقه من الضرر بتشاغلها عنه وتغير حالها، إن كانت خدمته عليها، وأما إن أذن لها فلا، كأهل الطفل لهم الفسخ، إذا حملت؛ لضرر ابنها بالطفل، وقول المدونة: إن حملت وخافوا على الصبي لهم فسخ الإجارة (١)؟ قال: نعم، ولا أحفظه عن مالك. فإن
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٤٦٧ - ٤٦٨): "تت وقول (المدونة): إن حملت وخافوا على الطفل ألهم فسخ الإجارة؟ قال: نعم، ولم أحفظه عن مالك. اهـ. فإن قيد كلام المصنف به وافق ما فيها. اهـ. وقد يقال: إرضاع الحامل مظنة ضرر الطفل وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى التقييد به لأنه مقطوع به وأما الذي قد يكون فهو حصول الضرر. اهـ. طفى: فيه نظر إذ لو كان كذلك ما احتاج لذكره فيها وما جرى عليه المختصرون ففي التهذيب إذا حملت الظئر وخيف على الولد وإبقاؤها. أبو الحسن على ظاهرها فقال: ظاهره إذا تحقق الخوف عليه وقيد الشارح به كلام المصنف فقال: يريد وخيف على الولد نعم لما نقل ابن عرفة كلامها ونقل عن اللخمي فسخها بمجرد الحمل لا بقيد الخوف على الولد قال: لأن رضاع الحامل يضر بالولد. اهـ. فلعل هذا يرشح ما قال تت تبعًا للبساطي وإذا فسخت فلها بحساب ما أرضعت فلو دفعت لها الأجرة فأكلتها فلا تحسب عليها لتبرعهم بدفعها لها قاله ابن عبد السلام البناني انظره فإنما نقله في التوضيح عن ابن عبد الحكم ولعله مقابل فتأمله مع ما في =
[ ٧ / ٤٨ ]
قيد كلام المؤلف بالخوف وافق ما فيها. انتهى.
وقد يقال: إرضاع الطفل مظنة ضرر الطفل، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى التقييد؛ لأن الخوف مقطوع به على الرضيع عند الحمل، والذي قد يكون، وقد لا يكون، إنما هو حصول الضرر.
[مسألة:]
وموت إحدى الظئرين المستأجرتين لرضاع صغير يبيح للباقية فسخ العقد، ونحوه في المدونة.
وربما أشعر كلام المؤلف بأنه استأجرهما معًا، وهو كذلك، وللظئر الفسخ عقب موت أبيه، إن مات ولم تقبض أجرة، ولم يترك الأب مالًا، إلا أن يتطوع بها متطوع بأجرتها، فلا فسخ لها.
ثم شبه فيما للمستأجر فيه الفسخ، فقال: وكظهور مستأجر بفتح الجيم أوجر بأكله فقط أكولًا خارجًا عن المعتاد، إلا أن يرضى الأجير بطعام وسط، فليس للمستأجر الفسخ.
وللبساطي هنا مناقشة انظرها في الكبير.
[مسألة:]
ومنع زوج رضي بإجارة زوجته ظئرًا من وطء منه لها، ولو لم يضر بالرضيع، قاله ابن عبد الحكم، وسواء أحضر العقد أو سمعه فرضي به، وسواء اشترط عليه ذلك أو لا، خلافًا لأصبغ في قوله: لا يمنع إلا
_________________
(١) = التوضيح ونصه ولا يلزمها أن تأتي بأخرى ترضعه قاله في (المدونة) ولا يجوز أن تأتي بغيرها إن كان نقدها الأب الأجرة لأنه فسخ في دين على أصل ابن القاسم وإلا جاز. اهـ. ونقله الحط عن أبي الحسن فهذا صريح في رد ما في الخرشي، واللَّه أعلم. وكذا يرد بقول (المدونة) وإن هلك الأب فحصة باقي المدة في مال الولد قدمه الأب أو لم يقدمه وترجع حصة باقي المدة إن قدمه الأب ميراثًا وليس ذلك عطية وجبت". اهـ.
[ ٧ / ٤٩ ]
بالشرط، أو حصول الضرر، وإذا رضي الزوج باستئجارها منع من سفر بها.
ثم شبه في المنع فقال: كأن ترضع معه غيره، ولو كان فيها كفاية لغيره، وهو كذلك؛ لأنه اشترى جميع لبنها، وسواء شرط عليها ذلك أو سكت عنه، وأما لو شرطت هي غيره فلا منع، ولا يستتبع الاسترضاع حضانة، بحيث تندرج فيه، لكن لا بد من فعل معها، كتلقي الطفل ووضعها لأخذ الثدي كما تقدم، كعكسه فلا تستتبع الحضانة الاسترضاع، واللَّه أعلم.
[مسألة:]
ثم عطف على الجائز مسألة اجتمع فيها بيع وإجارة، فقال: وبيعه سلعة بمائة مثلًا على شرط أن يتجر له بثمنها سنة مثلًا، إن شرط في العقد الخلف بما تلف من المائة ليتم العمل مدة السنة.
ومفهوم الشرط: المنع إن لم يشترط الخلف، وهو كذلك في المدونة، وزاد: إن هلك من ذلك شيء فأبى ربه خلفه قيل له: أوف الإجارة واذهب بسلام، وتكون الأجرة تامة.
كغنم لم تعين، قاله في المدونة عقب المسألة السابقة، قال ابن القاسم: لو واجرته على رعاية مائة شاة غير معينة جاز، وإن لم تشترط خلف ما مات منها، وله خلف ما مات منها بالقضاء، وإلا بأن عينت فله الخلف عن ما مات منها على آجره بالقضاء، كما في المدونة.
واحترز بقوله: (لم تعين) عما لو عينت؛ فإنه لا بد من اشتراط الخلف، ذكره في المدونة عقب المسألة السابقة، فقال: وإن كانت معينة فلا بد من الشرط، وليس له أن يزيد فيها.
كراكب -أي: مريد ركوب- مثلًا اكترى دابة غير معينة ليركبها لموضع كذا، فهلكت، فعلى المكري خلفها، كذا قرره الشارحان، ويحتمل كراكب لعذر ركوبه، فيجب خلفه، ولا ينفسخ الكراء.
[ ٧ / ٥٠ ]
[عود على ما يجوز:]
[١٧] وجاز استئجار حافتي نهرك ليبني عليها المستأجر بيتًا.
ابن ناجي: قلت في درس شيخنا أبي مهدي: ولا يشترط وصف البناء بخلاف البناء على الجدار، للضرر الكائن على الجدار، بخلاف الأرض فاستحسنه. انتهى. وفيه بحث.
[١٨] وجاز إجارة طريق في دار لمرور منها لداره مثلًا، وأطلق كالمدونة، وكذا في غررها: جواز بيعها.
[١٩] وجاز استئجار موضع مسيل مصب مرحاض يسيل من دار جاره أو أرضه، لا شراء ما يسيل من ميزاب إلا أن تستأجر مجرى لميزابك في أرضه، فيجوز كطريق استأجرته.
[٢٠] وجاز كراء رحى ماء تداوله به، سواء استؤجرت بطعام أو غيره، ونصوا على الجواز لئلا يتوهم أنه لما كان طحنها بالماء فكأنه اشترى منافع الماء بطعام، أو أنها لما كانت متشبثة بالأرض ويعمل فيها الطعام خيف أنه كراؤها.
[مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن:]
[٢١] وجازت الإجارة على تعليم قرآن وكتابة مشاهرة كل شهر بكذا، أو مساقاة كذلك، إن لم يذكر قدر ما يعلمه في تلك المدة، أو على الحذاق، وهو: حفظ القرآن كله أو بعضه أو على قراءته نظرًا في المصحف.
وأخذها -أي: الأجرة المفهومة من السياق، أو الحذقة المفهومة من الحذاق- وإن لم تشترط، هو كقول ابن الحاجب: ولا بأس بما يأخذه على تعليم القرآن، وإن لم يشترط. انتهى.
[٢٢] وجاز إجارة ماعون، كـ: صفحة وقدر ومنخل وغربال وفاس.
وظاهره: كان مما يعرف بعينه أو لا، خلافًا لابن العطار ومن وافقه
[ ٧ / ٥١ ]
في منعهم كراء ما لا يعرف بعينه كقدور الفخار بغيرها الدخان بحيث لا تعرف، إلا أن ينقش عليها.
[٢٣] وجاز العقد على حفر بئر يكون إجارة، إن عين مقدار العمل وصفته، وله بحساب ما عمل، ويرجع بجميع الأجرة إن انهدمت عند الفراغ، ويكون جعالة إن لم يعين، ولا شيء إلا بتمام العمل، كما لو انهدمت قبل فراغها.
[المكروه في الإجارة:]
ولما تكلم على الممنوع والجائز ذكر المكروه، فقال:
[١] ويكره حلي، أي: إجارته، واستثقله مالك بأنه ليس من أخلاق الناس، وليس بحرام بين، وكان يقول: لا بأس به.
وهل كراهته لنقصه، وقد أخذ في مقابله ذهب أو فضة، أو لأنهم كانوا يرون أن عاريته زكاته؟ خلاف، كإجار مستأجر دابة ليركبها، وأجرها بمثله.
وفي نسخة الشارح في الصغير قبل قوله لمثله أو لفظ، ومعناها: إذا اكتراها فظ، أي: غليظ، كره له كراؤها لمثله.
وربما أشعر قوله: (لمثله) بأن ذلك في الركوب، وأنه لو اكتراها لحمل إردب حنطة مثلًا وأكراها لمثل ما اكتراها له لم يكره، وهو كذلك؛ ففي المدونة: كره مالك لمكتري الدابة لركوبه كراؤها من غيره، وإن كان أخف منه أو مثله، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلفت لم يضمن إذا أكراها فيما اكتراها فيه من مثله وحالته، وأمانته وخفته.
[٢] وتكره إجارة على تعليم فقه، ومنه: تعليم فرائض كبيع كتبه، أي: العلم، كرهه مالك.
اللخمي: وعليه يكره على كتابته.
ولابن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بثلثمائة دينار وأصحابنا
[ ٧ / ٥٢ ]
متوافرون، فلم ينكروه، وكان أبي وصيه فعلى هذا تجوز الإجارة على تعليمه وكتابته، وهو أحسن، ولا أرى أن يختلف اليوم فيه؛ لنقص فهم بعض الناس وحفظهم عمن تقدم.
[٣] وتكره الإجارة على تعليم قراءة بلحن بتسكين الحاء، أي: تطريب، وهو: قطع الصوت بالأنغام على حده المعروف، كذا قرره البساطي.
وأشار برد تقرير الشارح على ظاهره من كراهة قراءة القرآن بالألحان بأنه لا يناسب حمله عليه؛ لأنه ليس في حد المكروهات من غير هذا الباب. انتهى.
وما قرره الشارح هو نص المدونة؛ ولذا مشى عليه المصنف في سجود السهو.
وما ذكره البساطي إن كان النقل كذلك فواضح، وإن لم يكن كذلك فواضح أيضًا؛ لأنه إذا كره أصله كرهت الإجارة عليه.
تنبيه:
محل الكراهة ما لم يخرجه عن كونه قرآنا كالغناء، فإنه يحرم حينئذٍ.
[٤] وكره عند مالك كراء دف بضم الدال وفتحها لغة، وهو: المدور المغشى من جهة كالغربال، فإن غشي من الجهتين وكان مربعًا فهو المزهر.
[٥] وكذا معزف بكسر الميم الجوهري: المعازف: الملاهي. وقال الشارح: شيء من أنواع المعدان لعرس: متعلق بهذه والتي قبلها.
[٦] وكره كراء عبد مسلم لكافر إن استعمله فيما يجوز للمسلم عمله، كبناء وخياطة، لا فيما لا يجوز، كعمل الخمر؛ ففيها: لا يجوز للمسلم أن يواجر نفسه أو عبده أو دابته في عمل الخمر أو داره أو حانوته أو شيء مما يملك في أمر الخمر، وإن واجر نفسه لرعي الخنازير أدب، إلا أن يعذر بجهل، وتؤخذ الأجرة من الذمي، ولا تترك له، ويتصدق بها.
[ ٧ / ٥٣ ]
وما ذكرنا هو كذلك في بعض النسخ، وفي بعضها: وكراء كعبد كافر.
[٧] وكره بناء مسجد للكراء، بأن يكريه لمن يصلى فيه. قال ابن ناجي: لا يصلح على التحريم. وهو مخالف لما هنا.
[٨] وكره سكنى فوقه، قيده الشارح بما في المدونة بكونه بأهله، وأبقاه البساطي على عمومه، كان بأهله أو وحده.
تنكيت:
سيأتي في باب الإحياء منع جعل منزل فوقه، وقيد الفوقية مخرج لما إذا كان تحته، فإنه جائز كما نص عليه في صلاة المدونة، وسيأتي في باب الإحياء جواز السكنى فيه لرجل تجرد للعبادة (١).
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٤٩١ - ٤٩٢): "تنكيت سيأتي في الإحياء منع سكنى فوقه ومفهوم فوقه جوازها تحته وهو كذلك نص عليه فيها وسيأتي في الإحياء جواز السكنى فيه لرجل تجرد للعبادة قاله تت. طفى: تبع المصنف في تعبيره بالكراهية هنا لفظ (المدونة) وفي تعبيره بالمنع في الإحياء. ابن شاس وابن الحاجب وعارضه في توضيحه بنصها. وأجاب بحمله علي المنع فيقال كذا في كلاميه هنا. فيها كره الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه أن يبني الرجل مسجدًا ثم يبني فوقه بيتًا يسكنه بأهله أراد لأنها إذا كانت معه يطؤها على ظهر المسجد وذلك مكروه. الحط هذا موافق لظاهر ما في جعلها وإجارتها ولظاهر كلام ابن يونس ومخالف لظاهر ما يأتي للمصنف في الإحياء ولظاهر كلام ابن شاس هناك والقرافي وابن الحاجب ففي التهذيب كره مالك السكنى بالأهل فوق ظهر المسجد. ابن يونس كره مالك أن يبني الرجل مسجدًا ثم يبني فوقه بيتا يسكنه بأهله لأنها إذا كانت معه يطؤها على ظهر المسجد وذلك مكروه. وذكر مالك أن عمر بن عبد العزيز رضي اللَّه تعالى عنه كان يبيت على ظهر المسجد في الصيف بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وكان لا يقرب فيه امرأة. ابن الحاجب يجوز للرجل جعل علو مسكنه مسجدًا ولا يجوز جعل سفله مسجدًا ويمكن العلو لأن له حرمة المسجد ونحوه في الذخيرة والجواهر. في التوضيح ونحوه في (المدونة) والواضحة. =
[ ٧ / ٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي جعل (المدونة) كره مالك السكنى فوقه. فإن قلت قد صرح بالكراهة هنا خلاف ما في كتاب الصلاة والواضحة. ففي مختصرها أجاز مالك لمن له سفل وعلو أن يجعل العلو مسجدًا ويسكن السفل ولم يجز له أن يجعل السفل مسجدًا ويسكن العلو وفرق بينهما أنه إذا جعل السفل مسجدًا صار لما فوقه حرمة المسجد، ثم قال الحط وتحقيق هذه المسألة أن المسجد إذا بني للَّه تعالى وحيز عن بانيه فلا ينبغي أن يختلف في أنه لا يجوز البناء فوقه فقد قال القرافي: حكم الأهوية تابع لحكم الأبنية فهواء الوقف وقف وهواء الطلق طلق وهواء الموات موات وهواء الملك ملك وهواء المسجد له حكم المسجد لا يقر فيه الجنب. ومقتضى هذه القاعدة أن يمنع هواء المسجد والأوقات إلى عنان السماء لمن أراد غرس خشب حولها ويبنى على رؤوس الخشب سقفًا عليه بنيان ولم يخرج عن هذه القاعدة إلا فرع واحد وهو إخراج الرواشن والأجنحة عن الحيطان ثم أخذ يبين وجه خروجه فانظره ونحوه في الذخيرة وقواعد المقري. وفي تبصرة اللخمي من بنى للَّه مسجدًا وحيز عنه وأحب أن يبني فوقه فلا يكون له ذلك. وأما إذا كانت له دار لها علو وسفل وأراد أن يحبس السفل مسجدًا ويبقى العلو على ملكه فظاهر ما تقدم للواضحة وابن الحاجب وتابعيه وما يأتي للمصنف في الإحياء أنه لا يجوز ولكن صرح اللخمي بجوازه فقال إثر ما تقدم عنه وإن قال أنا أبنيه للَّه تعالى وأبني فوقه مسكنًا وعلى هذا أبني جاز وكذا لو كانت دار لها علو وسفل فأراد أن يحبس السفل مسجدًا ويبقى العلو على ملكه جاز. اهـ. وينبغي أن يوفق بين هذه النقول ويجعل معنى قوله في (المدونة) لا يعجبني أو لا ينبغي لا يجوز. ويحمل هو وما في الواضحة وابن شاس والقرافي وابن الحاجب والآتي للمصنف في الإحياء على الشق الأول الذي تقدم أنه لا ينبغي أن يختلف في منعه ويحمل ما في جعلها وكلام اللخمي الأخير وما للمصنف هنا على الشق الثاني وإن كان لفظ اللخمي الجواز لأنه لا ينافي الكراهة ويساعد هذا التوفيق كلام ابن ناجي في شرح (المدونة) ونصه على قول التهذيب: ولا يبني. . . إلخ، قال في (الأم): لا يعجبني ذلك لأنه يصير مسكنًا يجامع فيه وذلك كالنص على التحريم ولم أعلم فيه خلافًا. وذكر أبو عمران المظاهر المعلومة التي تدل على الخلاف هل ظاهر المسجد كباطنه أم لا وذلك يوهم جواز البناء عليه على قول. وليس كذلك لما ذكره في الأم مع أن اللفظ يقتضي سبق المسجد فهو تغيير للحبس =
[ ٧ / ٥٥ ]
وأشار للركن الثالث والرابع بقوله: منفعة متعلق (بصحة)، والباء سببية.
وقال البساطي: الأظهر كونها للاستعانة، كـ: (كتبت بالقلم)، وأفاد بعض شروط المنفعة بقوله: تتقوم، بأن تكون داخلة تحت التقويم، تحرز عن التافه الذي لا يقابل بالمال في نظر الشرع كالدنانير لتزيين الحوانيت، وكلما لا يعرف بعينه خشية التلف بزيادة الأجرة.
وأشار لبقية شروطها بقوله: قدر على تسليمها بلا استيفاء عين قصدًا ولا حظر وتعين، وسيأتي الكلام على هذه القيود عند ذكر أضدادها.
ثم بالغ على التقويم بذكر مسألة مشيرًا بها إلى خلاف، فقال: ولو مصحفًا، فيجوز إجارته لمن يقرأ فيه، كما في المدونة.
وأشار للقدرة على التسليم عاطفًا على ما بالغ عليه بقوله: وأرضًا غمر ماؤها وندر، أي: قل انكشافه، وسيأتي الكلام على النقد فيه، وأما ما لا ينكشف فلا يجوز، كأرض الزراعة لا ماء لها، وكذا استئجار الأخرس
_________________
(١) = بل ظاهرها أن من عنده علو وسفل فحبس العلو مسجدًا فإنه جائز ونص عليه اللخمي وعلى قولها المتقدم وكره يريد يكون تحبيس المسجد متأخرًا عنه. اهـ. وتصح الإجارة بمنفعة ابن عرفة المنفعة ما لا تمكن الإشارة إليه حسًّا دون إضافة يمكن استيفاؤه غير جزء مما أضيف إليه فتخرج الأعيان ونحو العلم والقدرة ونصف العبد ونصف الدابة مشاعًا وهي ركن لأنها عوض الأجرة تت قوم بفتحات مشدد الواو أي: لها قيمة فلا تصح الإجارة بمنفعة تافهة حقيرة جدًّا لا قيمة لها كالإيقاد من نار. ابن شاس من أركان الإجارة المنفعة ومن شروطها كونها متقومة فما لا تقوم منفعته فلا تصح إجارته. قاعدة من ملك المنفعة فله المعاوضة عليها وأخذ عوضها ومن ملك الانتفاع بنفسه فقط فليس له المعاوضة عليها ولا أخذ عوضها كساكن المدرسة والرباط والجالس في المسجد أو في الطريق فليس لأحد إيجار مكانه من المسجد أو المدرسة أو الرباط أو الطريق لأنه لم يملك منفعته بل ملك انتفاعه بنفسه فقط. ابن عرفة فسروا نتقوم بما لها قيمة وهو قول الغزالي لا يصح إيجار تفاحة لشمها وطعام لتزيين حانوت به فإنه لا قيمة له".
[ ٧ / ٥٦ ]
للكلام والأعمى للإبصار، قاله في الذخيرة.
وعطف على أرضًا وشجرًا لتجفيف عليها، فيجوز على الأحسن عند ابن عبد السلام؛ لتأثيرها للانتفاع بها.
وأشار لضد قوله: بلا استيفاء عين، فقال: لا لأخذ ثمرته، أي: الشجر، أو شاة تستأجر للبنها أو نتاجها أو صوفها؛ لأنه بيع لعين وللمعدوم، وليس سلمًا.
وأطلق المنع هنا في اللبن مع قوله في توضيحه عن ابن عبد السلام وغيره: المذهب أنه لا يمنع اللبن مطلقًا، وقد أجازه في المدونة إذا كان جزافًا بشروط كونها كثيرة كالعشرة ونحوها، وأن يكون في الإبان، وأن يعرف وجه حلابها، وأن يكون إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وأن يشرع في أخذ ذلك يومه، أو إلى أيام يسيرة، وأن يسلم لربها لا لغيره، فإن كان على الكيل أسقطت الشرط الأول فقط.
[مسألة:]
واغتفر ما في الأرض أو الدار المستأجرة من ثمرة كدالية أو نخلة، مما لم يزد على الثلث، فما بلغ الثلث جائز بالتقويم، لا بما استؤجرت به؛ لأنه قد يستأجرها بغير القيمة.
وأشار لما يتعلق بقوله: ولا حظر، فقال: ولا على تعليم غناء بالكسر والمد من السماع، وأما بالقصر فاليسار، ومثله الآت الطرب كالعود والمزمار؛ لخبر: "إن اللَّه إذا حرم شيئًا حرم مثله" (١).
[مسألة:]
أو على دخول حائض لمسجد لكنس أو غيره، وأشعر قوله: (دخول)
_________________
(١) أخرجه: أحمد ١/ ٢٤٧ و٢٩٣ و٣٢٢، وأبو داود (٣٤٨٨)، وابن حبان (٤٩٣٨)، والطبراني في "الكبير" (١٢٨٨٧)، والبيهقي ٦/ ١٣ - ١٤ من حديث عبد اللَّه بن عباس، به، وهو صحيح، ولكن بدل قوله مثله: ثمنه.
[ ٧ / ٥٧ ]
بجواز استئجارها لذلك، ولا تدخل بل تقيم غيرها، وهو كذلك.
أو إجارة دار لتتخذ كنيسة أو بيت نار أو ليباع فيها الخمر؛ إذ مجتمعًا للفساد، ونحو ذلك، كبيعها لذلك، أي: لأن تتخذ كنيسة ونحوه، وإن وقع تصدق بالكراء في الإجارة، وبفضلة الثمن في البيع على الأرجح عند ابن يونس في المسألتين، لقوله: به أقول.
وقال غيره: بفضلة الأجرة وبجميع الثمن.
ثم أشار لكون حصول شرط المنفعة للمستأجر بقوله: ولا يجوز على شيء متعين على من تعلق به، احترازا من العبادات التي تمنع النيابة فيها، كركعتي الفجر والوتر، وأحرى الفرض.
ولا فرق بين أن يستأجر من يفعل ذلك عن المستأجر بكسر الجيم، أو عن المستأجر بفتحها، أما الأول فواضح، وأما الثاني فقال في الذخيرة: لئلا يحصل العوض والمعوض لواحد. انتهى.
أي: والقاعدة: أنه لا يجوز اجتماعهما، بخلاف غير المتعين؛ فإن الإجارة عليه جائزة كفرض الكفاية، كغسل ميت، وحفر قبره.
[مسألة:]
وعين بالشخص وجوبًا متعلم لقراءة أو كتابة أو صنعة، وكذا رضيع لزومًا، لا خلاف حالهما، الأول بالذكاء والبلادة، والثاني بكثرة الرضاع وقلته.
وعين حتمًا دار وحانوت وحمام مثلًا؛ إذ لا يصح كونها في الذمة، ولا بد من ذكر موضعها وحدودها.
وأشعر تمثيله بالعقار بأن غيره كالدواب والسفن لا يلزم تعيينها، بل يقع على معين وفي الذمة، وهو كذلك، وسيأتي.
وعين بناء على جدار، بأن يوصف قدره، وكونه بطوب أو حجر أو
[ ٧ / ٥٨ ]
غيره، وقولنا: (بأن يوصف) لأنه غير موجود حين الإجارة؛ فلذا تعين فيه الوصف.
وعين محمل لركوب؛ لاختلافه صغرًا وكبرًا، وهو بفتح أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه، وأما عكس هذا فعلاقة السيف، إن لم توصف، فإن وصف اكتفي بوصفه، ويؤيد هذا ما في بعض النسخ: (وإن بوصف).
ويلزم تعيين دابة لركوب، إن لم تكن مضمونة، ولذا قال: وإن ضمنت لم يلزم تعيينها، وحيث لم تعين فلا بد من أمر آخر، أشار إليه بقوله: فجنس، أي: فيعين جنسًا، كـ: خيل أو بغال أو حمر أو إبل.
وكذا يعين نوع، كـ: برذون أو عربي وبخت أو عراب، وكذا ذكورة أو أنوثة.
ومفهوم (لركوب) أنها لو اكتريت لغيره كالحمل لم يلزم فيها ذلك، وهو كذلك؛ لعدم تعلق الأغراض به، إلا لأمر عارض في الحمل، لكون المحمول عليها مما يتلف إن سقط، كـ: زجاج ودهن، فتعين حينئذٍ أن توصف.
[مسألة:]
وليس لراع استؤجر لرعي غنم مثلًا رعي أخرى غيرها، إن لم يقو على رعي الأول مع غيرها، بحيث يخل بما يلزمه فيها، إلا بمشارك يقوى به عليها، أو تقل الأولى، بحيث يقدر على رعي غيرها معها، فله ذلك فيها، إن لم يشترط عليه ربها خلاف، وهو أن لا يرعى غيرها.
وإلا بأن اشترط عليه ذلك فأجره لما رعاه غيرها لمستأجره، إن شاء أخذه أو تركه لملكه جميع خدمته، كأجير استؤجر لخدمة أجر نفسه لغير مستأجره، فإن أجره لمستأجره، إن شاء أخذه أو تركه، ولم يلزمه -أي: الراعي- رعي الولد الذي تلد الغنم مثلًا المستأجر على رعيها؛ لأنه زائد على ما استؤجر عليه، فلم يتناوله العقد، إلا لعرف بينهم أنه على الراعي، فيلزمه، وعمل به -أي: بالعرف- في الخيط الذي يخاط به الثوب؛ لأنه
[ ٧ / ٥٩ ]
عين زيد على الثوب، وفي نقش الرحى، إذا احتاجت في كونها على مالكها أو على مستأجرها.
وعمل به أيضًا في آلة بناء من أداة وفأس وقفاف ودلاء، وإلا يكن عرف فعلى ربه، والعرف بمصر الآن أن الخيط على الخياط.
قال المصنف: إلا أن يكون حريرًا، فإن العادة تختلف فيه، فقد يطلبه، وقد لا يطلبه، نعم، إذا أطلق عقد الإجارة حمل على أنه على الخياط.
عكس إكاف، أي: فإن كان عرف عمل به، وإلا فعلى المكتري.
وعطف على (إكاف)، فقال: وشبهه، كالبرذعة بالذال المعجمة، والسرج، والمقود، والحزام، واللجام، وما قررنا به من أنه إن لم يكن عرف فعلى المكتري، وإن كان عرف أتبع، حكاه ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ، وقرر به كلام ابن الحاجب، وتبعه المؤلف.
ومفهوم المدونة: أنه على رب الدابة، وبمفهومها قرر البساطي كلام المؤلف.
[مسألة:]
وعمل بالعرف أيضًا في أحوال السير والمنازل، ومقدار الإقامة بها، وفي المعاليق التي يحتاج إليه المسافر للزيت والسمن والعسل ونحوها، وفي الزاملة، وهي الخرج ونحوه مما يحمل فيه المسافر ما يضطر إليه، فيلزمه حملها إن كان عرف، وإلا فالشرط.
وفي حمل وطائه الذي يجعله الراكب تحته بمحمل، وكذا غطاؤه، وفي بدل الطعام المحمول، إذا نقض بأكل أو بيع أو فني وعدم إبداله.
وفي توقيره إذا أراد صاحب الدابة تخفيفه، كنزع الطيلسان قائلة إذا استأجره للبسه لجريان العادة بنزعه ذلك الوقت، إلا لضرورة، وأحرى
[ ٧ / ٦٠ ]
ليلًا، وهو -أي: المستأجر- أمين على ما استأجره، حكى ابن رشد الاتفاق على عدم ضمانه.
وقال ابن الحاجب: على الأصح.
[لا ضمان على الأمين:]
وإذا كان أمينًا فلا ضمان عليه، ويصدق فيما ادعى ضياعه أو تلفه، كان مما يغاب عليه أو لا.
ثم بالغ على عدم الضمان بقوله: ولو شرط إثباته، أي: الضمان على المستأجر، إن لم يأت لمالكه بسمة الميت، ولم يأت بها فلا ضمان.
أو عثر الحمال على رأسه أو ظهره أو دابته بدهن أو طعام استؤجر على حمله فأهرق، أو غير بآنية فانكسرت، والحال أنه لم يتعد في فعله، ولا في سوق دابته، لم يضمن، وكذا لو زحمت.
أو انقطع الحبل المربوط به الحمل، والحال أنه لم يغر بفعل منه، بل لم يغر أصلًا، أو غر بقول مثل أن يكون المكتري هو الذي تولى الربط حين قال له المكري: اربط بهذا الحبل، أو سر في هذا الطريق، فانقطع الحبل الذي قال له: اربط به، أو عثرت الدابة في الطريق الذي قال له: سر فيه، لم يضمن، وأما لو غر بالفعل كربط بحبل رث أو مشيه في موضع تعثر فيه لضمن.
ثم شبه في عدم الضمان، فقال: كحارس لا ضمان عليه، ولو كان حماميًا، لا يضمن ما ضاع من الثياب، ولو أخذ على ذلك أجرًا، ونكر (حارس) ليشمل جميع الحرس، ككرم ونخل ودار، إلا أن يتعدى، وسواء كان ما يحرسه طعامًا أو غيره، يغاب عليه أو لا، إلا أن يظهر منه خيانة، قاله في الطراز. انتهى.
والعرف الآن ضمان الحارس كالخفراء؛ لأنهم إنما يستأجرون على ذلك.
ولا ضمان على أجير لصانع استأجره ليعمل الصانع معه، قال في
[ ٧ / ٦١ ]
المدونة: يضمن القصار ما أفسده أجيره، ولا شيء على الأجير، إلا أن يتعدى أو يفرط.
قال البساطي: هذا هو المشهور. انتهى.
ولأشهب ما يخالفه، وهو لو كثرت الثياب على الغسال فأجر أجيرًا يبعثه بها إلى التجر، فادعى تلفها أنه ضامن.
ولا ضمان على سمسار طواف في المزايدة، أو يعلم أنه يبيع للناس، ولا عهدة عليه فيما يظهر بما باعه من عيب أو استحقاق، وابتاعه في ذلك على رب المبيع، وقيد ابن رشد عدم ضمان السمسار بالمشهور بالخير، ولذا قال المؤلف: إن ظهر خيره على الأظهر.
ومفهومه: الضمان إن لم يشتهر بالخير، وهو لمالك أيضًا، وقد فهم القولان من كلام المصنف، وعلم منه أن كلام ابن رشد تقييد لتضمينهم، إلا أن يكونوا مشهورين بالخير.
ولا ضمان على نوتي غرقت سفينته فيما غرق فيها، إما بغير فعل منه، كهيجان البحر، أو اختلاف الربح مع عجزه عن صرفها لما ترجى معه سلامتها، وكذا لا ضمان عليه إن غرقت بفعل سائغ له فيها، كربط حبال في شيء ثابت، ويجرها لتقبل إليه، فينقطع الحبل وتغرق بما فيها، أو يغرق ما فيها.
وفهم منه أن الضمان بفعل غير سائغ، وهو كذلك، لا إن خالف الراعي مرعى شرط عليه مكانًا أو زمانًا، فالأول كـ: (لا ترع بموضع كذا)؛ خوف وحوشه أو لصوصه أو ضرر عشبه، كرعي الغنم في أثر الجاموس لحصول الغش لها بذلك، والثاني كـ: (لا ترع أيام الخريف والأربعانية بمصر قبل ارتفاع النداء عن النبات).
أو أنزى الراعي عليها بأن حمل الفحول على الإناث بغير إذن، فتتلف منه، أو من الولادة، فالضمان، أو غر الأجير راعيًا كان أو غيره بفعل، وأتلف ما غر بسببه فالضمان.
[ ٧ / ٦٢ ]
تنبيه:
أعاد هذا مع أنه قدمه في مفهوم قوله: (ولم يغر بفعل)، إما لعدم اعتبار المفهوم، أو ليرتب عليه قوله: فقيمته يوم التلف (١)، وله الأجر ليوم الملف، قاله في المدونة.
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٥١٢ - ٥١٣): "تت أعاد هذا مع أنه قدمه في مفهوم قوله ولم يغر بفعل إما لعدم اعتبار المفهوم لكونه مفهوم غير شرط أو ليرتب عليه فقيمته يوم التلف. طفى: وقد ترجم ابن عرفة بقوله وما تلف بسبب عيب دلسه المكري ضمنه ثم نقل كلامها في مسألة الطحن والعريش وقال عقبه وأخذ بعضهم من مسألة كسر الثور المطحنة التضمين بالغرور بالقول لأن عقد الكراء إنما هو باللفظ. يرد بأن إيجاب لزوم العقد يصيره كالفعل. وقال في موضع آخر: القول إن تضمن عقدًا كان بالفعل لا بالقول ومن تأمل وأنصف فهمه من قولها من قال لرجل فلانة حرة ثم زوجها منه غيره فلا رجوع للزوج على المخبر ولو علم أنها أمة وأن وليه عالم رجع عليه بالصداق وبهذا يرد قول التونسي في مكري الدابة العثور إن أسلمها مكريها وهو عالم بعثارها لمكتريها فحمل عليها فهو غرور بالقول مختلف فيه. وإن أسلم المتاع ربه لرب الدابة فحمله عليها ضمنه الجمال لتعديه. اهـ. وفيما قاله ابن عرفة نظر إذ قوله: إن الغرور إذا تضمن عقدًا كان غرورًا بالفعل واستدلاله على هذا بقولها من قال لرجل. . . إلخ، يقتضي أنه في التدليس في الكراء لا بد أن يباشر العقد وإلا فلا يضمن وليس كذلك لإطلاق (المدونة) الضمان حيث علم بالعيب وكتمه وإطلاقها عنه الشيوخ كالعموم حسبما نص عليه ابن عرفة آخر الغصب ولذا جعله التونسي من الضمان بالغرور بالقول ومثله لأبي إبراهيم الأعرج وتبعهما أبو الحسن. البناني ما اعترض به طفى كلام ابن عرفة غير ظاهر؛ فتأمله. طفى: حيث حكمنا بالضمان عند الغرور بكتم عيب نشأ عنه تلف فهو خاص بالكراء فلا ضمان به في البيع إلا أن يهلك المبيع بعيب التدليس. ابن عرفة في نوازل الشعبي محمد بن عبد الملك من باع خابية دلس فيها بكسر وعلم أن المشتري يجعل فيها زيتًا فجعله المشتري فيها فسال من كسرها فلا يضمن البائع الزيت كتدليسه بسوقة عبد فسرق من المشتري فلا يضمن بائعه المسروق ولو أكراه الخابية كذلك فإنه يضمن الزيت. اهـ. البرزلي مثله من باع مطمرًا يسيس مدلسًا وأكراه كذلك". اهـ.
[ ٧ / ٦٣ ]
[تضمين الصناع:]
ولما كانت السياسة الشرعية القضاء بتضمين الصناع؛ لأنه من المصالح العامة، كما قضي به الخلفاء، قال: وصانع في مصنوعه الذي فيه صنعته، كسيف صاغه، وكتاب نسخه، لا غيره، لا يضمن غير مصنوعه، سواء كان مصنوعه مستغنى عنه، كزوجي خف ليصلح أحدهما، أو لا يستغنى عنه ككتاب ينسخ منه، ولو محتاجًا له عمل.
وقيل: يضمن فيما ليس فيه عمل.
وإن عمله ببينة، أو بلا أجر، سواء تلف بصنعته أو بغير صنعته.
تنبيه:
إطلاقه هنا يعم ما فيه تغرير، وما لا تغرير فيه، وذكر في توضيحه عن ابن رشد: أن ضمانه في الصنعة ما لم يكن فيها تغرير، كنقش الفصوص، وثقب اللؤلؤة، وتقويم السيوف، وحرق الخبز عند الفران، والثوب بقدر الصناع؛ فإنه لا ضمان، إلا أن يعلم أنه تعدى، وأخذها على غير وجه أخذها.
[شرطا الضمان:]
وأشار لشرطي الضمان فللأول بقوله: إن نصيب نفسه للصنعة تحرزًا عن صانع مخصوص، فلا ضمان عليه.
وللثاني بقوله: وغاب عليها، فلو عملها بحضرة ربه أو ملازمته فلا ضمان، وإذا ضمن الصانع فبقيمته يوم دفعه للصانع، وليس لربه أن يقول: أنا أدفع الأجرة، وأخذ قيمته معمولًا؛ لأن القيمة لما كانت إنما تلزم يوم الدفع لم تلزم أجرة الصنعة.
تنبيه:
إنما ضمن الصانع هنا مصنوعه بقيمته يوم الدفع، وفيما تقدم يوم تلفه؛ لأن تلك الأشياء لا ضمان فيها بالأصالة، وهذه الضمان فيها أصلي.
[ ٧ / ٦٤ ]
[مسألة:]
وضمان الصانع ثابت ولو شرط نفيه عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب، وهما روايتان، أو دعا الصانع ربه لأخذه، وضاع قبل أخذه، فالصانع ضامن، إلا أن تقوم بينة على تلفه بغير تفريط ولا تعد، وتسقط الأجرة عن ربه، ولا ضمان على الصانع.
ثم استثنى من ضمان الصانع، فقال: وإلا أن يحضره الصانع لربه مصنوعًا بشرطه على الصفة التي شرطها عليه، ثم تركه عنده فادعى ضياعه، لا ضمان عليه، وصدق الراعي إن ادعى خوف موت على بعير أو شاء فنحر أو ذبح، ونازعه ربه، وقال: بل تعديت؛ لأنه أمين.
أو سرقة منحوره، إن ادعى الراعي أنه نحره أو ذبحه وسرق، فإنه مصدق، ونحوه في المدونة.
أو قلع ضرس، قال الحجام: أمرتني به، وقال ربه: بغيره، صدق الحجام، وله أجر مثله، ولا ضمان عليه، أو صبغ يصدق الصانع فيه فنوزع، سواء كان تنازعهما في الصنعة، كقوله: أمرتك بصبغه أحمر، وقال: بل بأسود، أو في قدر الأجرة، بأن قال الصانع: بعشرة، وقال ربه: بخمسة، أو في قدر ما يصبغ به، بأن قال ربه: بعشرة دراهم من عصفر، وقال الصانع: بخمسة.
وقال الشارح: قوله: (نوزع) راجع إلى المسائل الأربع من ادعى أنه خاف على الشاة الموت فذبحها أو سرقت بعد ذبحها أو أنه قلع الضرس المألوم أو أنه صبغ الثوب بكذا.
[ما يفسخ الإجارة:]
ثم شرع في ذكر ما يطرأ على الإجارة، فقال:
[١] وفسخت: بتلف ما -أي: كل شيء- تستوفي منه المنفعة، كموت دابة معينة، لا بتلف ما يستوفي به المنفعة، فلا ينفسخ على الأصح، واستثنى من ذلك مسائل يستوفى بها المنفعة وتنفسخ الإجارة بتلفها،
[ ٧ / ٦٥ ]
فقال: إلا صبي تعلم ورضع وفرس نزو وروض لتعينها، وفسخت إجارة على سن لقلع فسكنت قبل القطع، كعفو ذي القصاص عن المقتص منه؛ لتعذر الخلف، وبغصب من لا تناله الأحكام لرقبة الدار وغصب منفعتها، فتنفسخ على المشهور.
[٢] وفسخت بسبب أمر السلطان بإغلاق الحوانيت؛ إذ هو في معنى غصب منفعتها.
[٣] وفسخت بظهور حمل ظئر، بأن كانت وقت العقد غير ظاهرته، وبهذا التقرير تخالف هذه ما تقدم من أن أهل الطفل يجبرون إذا حملت بعد العقد، وإلا فكلامه متخالف حيث حكم هناك بالتخيير وهنا بالفسخ بغير تخيير، وإن حمل ما هنا على التخيير تكررت المسألة.
[٤] أو بحصول مرض لا تقدر معه على رضاع فتنفسخ، ونحوه في المدونة، وزاد: ولو صحت في بقية منها أجبرت على الإرضاع بقيتها، ولها من الأجرة بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع ما مرضت.
قال غيره: إلا أن يكون الكراء فسخ بينهما، فلا تعود إلى الرضاع.
[٥] وفسخت بسبب مرض عبد مؤجر في زمن مرضه الذي لا يقدر معه على فعل ما استؤجر عليه.
[٦] وكذا مع هربه لكعدو بأرض الحرب أو ما ينزل منزلتها من الأقطار البعيدة في الإسلام، إلا أن يرجع العبد لصحته أو لموضع هربه في بقيته، أي: بقية زمن الإجارة، فيلزمه بقية عمله؛ توفية للعقد، ويسقط كراء أيام المرض.
وفي نسخة الأفقهسي بخطه: (بقية)، أي: من الإجارة، بخلاف مرض دابة بسفر ثم تصح في بقية المدة، فلا ترجع للإجارة بعد الفسخ؛ لأنه قد لا تلحقه.
تنبيه:
قال في النكت: افتراق الجواب في العبد والدابة لاختلاف السؤال،
[ ٧ / ٦٦ ]
فالعبد في الحضر، والدابة في السفر، ولو كانت في الحضر والآخر في السفر لاستوى الجواب.
[مسألة:]
وخير المستأجر في فسخ إجارة العبد وفي بقائها إن تبين أنه سارق؛ لأن السرقة عيب يوجب الخيار كالبيع، ونحوه في المدونة، والفرق بينه وبين المساقي تبيين أنه سارق، تقدم في المساقاة.
البساطي: وعندي أن أجير الخدمة فيه نوع وكالة، والمساقي له نوع شركة، ولا يخفى بعد ذلك الفرق.
[٧] وفسخت برشد صبي عقد عليه نفسه، أو على سلعه ولي: أب أو وصي أو مقدم، إلا لظن عدم بلوغه قبل انقضاء المدة، التي أجره إليها، وقد بقي منها كالشهر فيلزمه، كذا قرره الشارحان، ومثله في الشامل، ولنا فيه تقرير غير هذا، انظره في الكبير.
ثم شبه في اللزوم في كالشهر، فقال: كسفيه بالغ أجر عليه وليه ربعه أو رقيقه أو داره ثلاث سنين، فإنه يبقي فيها على حكم الإجارة، وإن انتقل إلى حال رشده؛ لأن الولي فعل يومئذٍ ما يجوز له.
[٨] وفسخت بموت مستحق ربع وقف آجر سنين، ومات قبل تقضيها؛ لتناوله بالإجارة ما لا حق له فيه على الأصح عند ابن راشد وغيره، ومقابله إذا أكرى مدة يجوز الكراء إليها لزم باقيها.
ووقع عند الشارحين: ابن رشد بدل ابن راشد، وهو سبق قلم؛ إذ لو كان التصحيح له لقال على الأظهر كعادته.
وفهم منه أنها لا ينفسخ بموت غير مستحق الوقف، كالمالك والناظر، ولا بموت المتواجدين، وهو كذلك.
[ما لا يفسخ عقد الإجارة:]
[١] لا بإقرار المالك، لا ينفسخ بقول الآجر للدار أو العبد أو الدابة:
[ ٧ / ٦٧ ]
لغيري، وأنه كان اشترى ذلك مني قبل عقدي للإجارة؛ لاتهامه على نقضها على المعروف.
تتمة:
وإذا قلنا: لا تنفسخ الإجارة قبل إقراره على نفسه لمن أقر له إن صدقه (١).
[٢] أو خلف رب الدابة المعينة إذا استأجرها ليركبها في زمن غير معين كملافاته زيد أو تشييعه أو واعده على إتيانه بها غدًا، فأتى بها بعد يومين أو ثلاثة، فإنها لا تنفسخ.
ابن المواز: كاشتراء سلعة بعينها يدفعها غدًا، فمطله.
وفي غير حج وإن فات على المكتري مقصده من ملاقاة أو تشييع.
ومفهومه: أنها تنفسخ في المعين، كـ: يوم كذا، أو شهر كذا، أو ليحج عليها في هذا العام، وفات الوقت المعين، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
[٣] أو بظهور فسق مستأجر للدار، فإنها لا تنفسخ، وإذا لم تنفسخ آجر الحاكم عليه، إن لم يكف، وأخرج منها.
[٤] أو بعتق عبد مؤجر أو أمة، لا تنفسخ به الإجارة، ويبقى حكمه على الرق في شهادته وقصاصه، وأجرته بعد العتق في بقية زمن الإجارة لسيده، إن أراد السيد أنه حر بعدها.
تنبيه:
أشعر قوله: (في شهادته وقصاصه)، بأنه في غيرهما ليس كذلك، كما لو كانت أمة، فإنه ليس للسيد وطؤها.
* * *
_________________
(١) كذا هذه التتمة في جميع النسخ، والظاهر أن ثمة كلامًا بذهن الشارح لم يأت عليه وهما منه أنه ذكره، فجواب (إذا) غير مذكور.
[ ٧ / ٦٨ ]
فصل
ذكر فيه كراء الدواب، فقال: وكراء الدابة كذلك في اشتراط الأركان السابقة.
قال الشارح: ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك، وأن ما جاز هناك يجوز هنا، وما امتنع يمتنع، وأن الكراء لازم بالعقد.
[ما يقتضي الأصل منعه وهو جائز:]
ولما كان هنا ما يقتضي الأصل منعه للجهل والغرر مع أنه جائز نص عليه، فقال: وجاز أن تكتري دابة:
[١] على أن عليك علفها أو طعام ربها أو عليه -أي: على ربها- طعامك، نحوه في المدونة، وزاد: وأن توصف النفقة، وذلك معروف.
تنبيه:
قال المغربي: وعليه طعامك، معناه: إذا لم يكن اكتراها بطعام غير يد بيد.
[٢] أو يكريها ليركبها في حوائجه شهرًا، نحوه في المدونة، وزاد: على ما يركب الناس، فيقيد كلامه بزيادتها، وهذا الذي قرره الشارح.
ويحتمل أن يريد قول اللخمي: أجاز ابن القاسم في المدونة أن يستأجر دابة شهرًا على أن يركبها في حوائجه ما شاء، وإن كانت الحوائج تقل مرة وتكثر أخرى لأجل الضرورة، ويحتمل أن يريدهما معًا.
[٣] ويكريها ليطحن بها شهرًا بعينه جاز، وإن لم يذكر ما يطحن، ونحوه في المدونة، وزاد: لأن وجه طحين الناس معروف.
تذييل:
لو أكراها بطحن الحنطة جاز أن يطحن عليها غيرها مما لا يضرها، وإن شرط أن لا يطحن إلا الحنطة جاز؛ لأنه لا يتعذر وجودها، وإن شرط
[ ٧ / ٦٩ ]
أن لا يطحن إلا هذه الحنطة ففي جوازه قولان.
[٤] أو ليحمل على دوابه مائه، إضافة الدواب له يفهم أنها كلها، وهو كذلك، وسواء كان مالكًا أو وكيلًا، وهو كذلك، وأما إن كان بعضها له وبعضها لغيره لم يجز.
وعمم في ضمير المائة ليشمل جواز المكيل والموزون، وهو كذلك.
ولو لم يسم مقدار ما لكل من الدواب، ويحمل على كل واحدة قدر قوتها، ونحوه في المدونة.
[٥] وجاز الكراء على حمل آدمي لم يره صاحب الدابة حين الكراء، ولزمه حمله لتقارب الأجسام، ولم يلزمه حمل الفادح، وهو: الثقيل العظيم.
ابن يونس: والكراء باق.
بخلاف ولد ولدته المرأة في أثناء ركوبها فإن الحمال يلزمه حمله.
[٦] وجاز بيعها -أي: الدابة-.
[٧] واستثناء ركوبها اليوم واليومين والثلاث؛ لخبر جابر بن عبد اللَّه في إباحة القريب.
قال مالك: وكان بين المدينة وموضع البيع مرحلتان وشيء.
لا جمعة فأكثر، لا يجوز، وكره المتوسط بينهما، كالأربعة ففوق، ونحوه لمالك في المدونة.
[٨] وجاز كراء دابة معينة لركبها شهرًا، إن لم ينقد، أي: بشرط عدم النقد عند ابن القاسم، ومنعه غيره.
ومفهوم (شهرًا) جواز ما دونه وإن نقد، ومفهوم (إن لم ينقد) المنع إلى شهر إن نقد.
[٩] وجاز الرضى بغير الدابة المستأجرة المعينة الهالكة ببعض الطريق ليستوفي من الثانية ما بقي من المسافة الأولى، وسواء كانت الأخرى معينة
[ ٧ / ٧٠ ]
أو مضمونة، إن لم ينقد كراؤها، مفهومه: إن نقد لم يجز؛ لأنه فسخ ما وجب له من الأجرة في دين آخر.
ثم عطف على الجائز قوله: أو نقد الكراء واضطر للثانية، فيجوز إلى زوال الضرورة، وفعل المستأجر الشيء المستأجر عليه بعينه ومساويه ودونه، لا أضر منه.
[١٠] وجاز استئجار على حمل لدوابه برؤيته ولا يشترط بيان جنسه للاكتفاء برؤيته.
ابن القاسم: ويكون قدر المحمول عرفًا أو نصًّا.
أو كيله أو وزنه أو عدده، وقيد الثلاثة الأخيرة بقوله: إن لم تتفاوت؛ لأن بعضها وإن تساوى في الكيل وما بعده قد يكون أثقل من بعض، كإردب فول وإردب شعير مثلًا، وجعله البساطي قيدًا في العدد فقط غير ظاهر.
[١١] ومن اكترى دابة بحج أو غيره جازت الإقالة بزيادة في الحمل قبل النقد، سواء غاب أو لم يغب، كأنت على رأس المال أو أزيد (١)، كانت الزيادة دنانير أو دراهم أو عرضًا نقدًا؛ لأنه اشترى الركوب الذي وجب للمكتري بالزيادة التي وجبت له، ويمنع لأجل؛ لأن المنافع دين عليه، للمكتري لفسخها في دين إلى أجل.
وبعده -أي: بعد النقد- تجوز الإقالة من المكتري، إن لم يغب
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٩): "طفى: ليس في نسخة تت لفظ بزيادة فلذا قال سواء كان على رأس المال أو أزيد وفي بعض النسخ وإقالة بزيادة وعليها شرح جمع من الشراح لأن التفصيل في الإقالة بزيادة أما على رأس المال فتجوز مطلقًا قبل النقد وبعده اللخمي الإقالة من الكراء إذا لم تكن بزيادة من المكري ولا من المكتري فهي جائزة بعد النقد وتجوز أيضًا قبله على أنها حل بيع أو ابتداء بيع وأن الذمم تبرأ بها ومن لم يقل ببراءة الذمم بها يمنع ذلك في المضمون وهو فسخ دين في دين عند أخذ الدين الذي في ذمته وهو الركوب عن دين استحقه عنده وهو الكراء، وإن كان الركوب معينًا جاز لأن تصرف المكتري فيها الآن بالبيع وغيره مقارن أخذ المكري منافع عن دين". اهـ.
[ ٧ / ٧١ ]
عليه، كانت الزيادة منه أو من المكتري، وإلا بأن غاب فلا تجوز الإقالة؛ لتهمة الزيادة، إلا من المكتري فقط، فتجوز بشرط مركب من أمرين:
أشار لأحدهما بقوله: إن اقتصا بصاد مهملة مشددة، أي: وقع بينهما مقاصة، حيث لم تكن الذمتان معمرتين. وظاهر كلام الشارح: أنه بالمعجمة، والمعنى واحد.
ولثانيها عاطفًا له على المكتري، لا على اقتصا، بقوله: أو بعد سير كثير، عند مالك وابن القاسم؛ إذ لا تهمة، وتجوز الزيادة حينئذٍ من كل منهما، واستحسنه اللخمي. ومفهوم (كثير) أن اليسير كالعدم، وهو كذلك.
[١٢] وجاز اشتراط حمل هدية مكة على الجمال، إن عرف قدر ذلك، كذا قرره الشارح، وقرره البساطي على أنه يجوز لرب الدابة أن يشترط على الحاج هدية مكة، ونسب كل منهما ذلك للمدونة.
[١٣] وعقبة الأجير يشترطها المستأجر على الجمال جائز ذلك، وهي معروفة عندهم رأس ستة أميال.
[ما لا يجوز:]
لا حمل من مرض فلا يجوز، وصورها الشارح في رجال أكثروا على حمل أزوادهم، وعلى حمل من مرض منهم؛ لأنه مجهول.
والبساطي: على ما إذا اكترى مشاة محملًا لأزوادهم اشترطوا حمل من مرض منهم لم يجز؛ لما فيه من وجه الجهالة، وقد يظهر في الصحيح المرض، فيؤدي للتخاصم، والصورتان متقاربتان.
ولا يجوز اشتراط إن ماتت دابة معينة أو عجزت أتاه المكري بغيرها إلى انتهاء سفره؛ لأن الكراء معين مضمون، ولا ينافيه قول ابن القاسم: إن سأله أن يحوله من محمل الزاملة ويرد عليه دينارًا أو من زاملة لمحمل ويزيده دينارًا أنه جائز؛ لأن هذه انتقال من صفة، والأولى في الركوب، والفرض أنه معين وغير معين.
كدواب لرجال شتى، لكل دابة، أو لواحد واحدة، ولغيره أكثر،
[ ٧ / ٧٢ ]
والحمل مختلف، أما لو اتحد الحمل أو الجزء لجاز، أو دواب في صفقة لأمكنة مختلفة، كبرقة (١)، وإفريقية (٢)، . . . . .
_________________
(١) برقة: مدينة كبيرة قديمة بين الإسكندرية وإفريقية، وهي الآن تقع في (ليبيا) بينها وبين البحر ستة أميال، وهي مرج أفيح وتربة حمراء، افتتحها عمرو بن العاص -﵁- سنة إحدى وعشرين، وفيها آثار للأول كثيرة، ومن حمرة تربتها تحمر ثياب ساكنيها والمتصرفين فيها، وعلى ستة أميال منها جبل (يسمى الآن الجبل الأخضر) كثير الخصب والفواكه والمياه السائحة، وتصلح السائمة في نواحيها، وأكثر ذبائح أهل مصر والإسكندرية من أغنامها لعظم خلقها وكثرة شحمها ولذة لحمها، وبرقة أول منبر ينزلها القادم من ديار مصر إلى القيروان، ولها كور عامرة، وهي في بقعة فسيحة وأرضها حمراء خلوقية كما تقدم وبحمرة ثياب أهلها يعرف أهلها، والباقي من حمرة ثيابهم الطاقية، والصادر عنها والوارد عليها كثير، وهي برية بحرية، وكان من غلاتها فيما سلف القطن الطيب، وبها ديار لدباغ الجلود البقرية والنمور الواصلة إليها من أوجلة وتتجهز منها المراكب إلى الإسكندرية وأهل مصر بالصوف والعسل، ويخرج منها التربة المنسوبة إليها يتعالج الناس بها مع الزيت للجرب والحكة ولها رائحة كريهة كرائحة الكبريت. ويذكر أن في بعض جوانب برقة وآثارها القديمة دارًا منقورة في حجر صلد عليها باب من حجر صلد وذلك من أغرب ما يكون في الدنيا لا تدخل الذرة بين العضادة والباب ولا ينفتح الباب إلا للداخل ولا يقدر أحد على الخروج منه إلا أن يدخل عليه آخر ويقال إنه كان مفتحًا لا قفل له ودخلها رجل ليراها فرأى دارًا منقورة في حجر صلد وفيها من عظام الناس كثير فهاله ذلك، فلما أراد الخروج وجد الباب قد انغلق فلم يقدر على فتحه فأيقن بالهلكة حتى طلبه بعض أصحابه فجاء إلى ذلك الباب فسمع صوته يستغيث ففتح الباب فخرج الرجل. ينظر: الروض المعطار (١/ ٩١).
(٢) قال في معجم البلدان (١/ ٢٢٨): "إفريقية بكسر الهمزة وهو اسم لبلاد واسعة ومملكة كبيرة قبالة جزيرة صقلية وينتهي آخرها إلى قبالة جزيرة الأندلس والجزيرتان في شماليها فصقلية منحرفة إلى الشرق والأندلس منحرفة عنها إلى جهة المغرب، وسميت إفريقية بإفريقيس بن أبرهة بن الرائش وقال أبو المنذر هشام بن محمد: هو إفريقيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهو الذي اختطها وذكروا أنه لما غزا المغرب. انتهى. إلى موضع واسع رحيب كثير الماء فأمر أن تبنى هناك مدينة فبنيت وسماها إفريقية اشتق اسمها من اسمه ثم نقل إليها الناس ثم نسبت تلك الولاية بأسرها إلى هذه المدينة ثم انصرف إلى اليمن فقال بعض أصحابه: سرنا إلى المغرب في جحفل بكل قرم أريحي همام نسري مع أفريقيس ذاك الذي ساد بعز الملك أولاد سام نخوض بالفرسان في مأقط يكثر فيه ضرب أيد وهام فأضحت البربر في مقعص نحوسهم بالمشرفي الحسام في موقف يبقى لنا ذكره ما غردت في الأيك =
[ ٧ / ٧٣ ]
وطنجة (١)، من غير تعيين لم يجز، ولو كان المالك واحدًا.
ابن يونس: لاختلاف أغراض المتكاريين؛ لأن المكتري قد يرغب في ركوب القوية للبعيدة، وربه يريده للضعيفة؛ لئلا يضعف القوية، فيدخله التخاطر.
أو لم يكن العرف في البلد نقد كراء معين، ككراء دابة مثلًا بعرض أو بحيوان أو طعام، وطلب المكري تعجيله، وأبى المكتري لم يجز الكري، وتنفسخ.
وإن نقدا -أي: عجلا النقد- فنقد الأول: مصدر مضاف. لمعين: خبر يكن.
والثاني: فعل، فاعله الألف.
ومفهومه لو كان العرف في البلد بنقد ذلك المعين جاز، وأشعر قوله: (العرف) بأنه لو اشترط حال العقد لاتبع، سواء وافق العرف أو لا، وهو كذلك.
_________________
(١) = ورق الحمام وذكر أبو عبد اللَّه القضاعي أن إفريقية سميت بفارق ابن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وأن أخاه مصر لما حاز لنفسه مصر حاز فارق إفريقية، وقد ذكرت ذلك متسقًا في أخبار مصر قالوا فلما اختط المسلمون القيروان خربت إفريقية وبقي اسمها على الصقع جميعه، وقال أبو الريحان البيروتي: إن أهل مصر يسمون ما عن أيمانهم إذا استقبلوا الجنوب بلاد المغرب ولذلك سميت بلاد إفريقية وما وراءها بلاد المغرب يعني أنها فرقت بين مصر والمغرب فسميت إفريقية لا أنها مسماة باسم عامرها وحد إفريقية من طرابلس الغرب من جهة برقة والإسكندرية إلى بجاية وقيل إلى مليانة فتكون مسافة طولها نحو شهرين ونصف، وقال أبو عبيد البكري: الأندلسي حد إفريقية طولها من برقة شرقًا إلى طنجة الخضراء غربًا وعرضها من البحر إلى الرمال التي في أول بلاد السودان وهي جبال ورمال عظيمة متصلة".
(٢) قال في معجم البلدان (٤/ ٤٣): "بلد على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء وهو من البر الأعظم وبلاد البربر قال ابن حوقل: طنجة مدينة أزلية آثارها ظاهرة بناؤها بالحجارة قائمة على البحر والمدينة العامرة الآن على ميل من البحر وليس لها سور وهي على ظهر جبل وماؤها في قناة يجري إليهم من موضع لا يعرفون منبعه على الحقيقة وهي خصبة وبين طنجة وسبتة مسيرة يوم واحد وقيل إن عمل طنجة مسيرة شهر في مثله وهي آخر حدود إفريقية".
[ ٧ / ٧٤ ]
أو كان كراء الدابة مثلًا بدنانير عينت، وطلب المؤجر قبضها، وأبي المستأجر، فإن كان الكراء في البلد بالنقد قضي بنقدها، وإلا لم يجز الكراء، إلا بشرط الخلف لما تلف، ونحوه في المدونة، أو كان اكتراها ليحمل عليها ما شاء، لم يجز؛ لأن بعض الأشياء أضر من بعض، زاد في المدونة: إلا من قوم عرف حملهم، فذلك لازم على ما عرفوا من الحمل.
أو ليركبها لمكان شاء من الأمكنة لم يجز؛ لأن بعضها أشق وأوعر من بعض، أو ليشيع عليها رجلًا؛ ففي المدونة: لا يجوز حتى يسمي مكان التشييع، أو بمثل كراء الناس، ولم يسم شيئًا لم يجز للجهالة، أو قال المكتري: إن وصلت إلى الموضع الفلاني في كذا يومًا فبكذا درهمًا، وإلا فبكذا، لم تجز.
تتمة:
زاد في المدونة: ويفسخ قبل الركوب، فإن ركب للمكان الذي سماه فله كراء المثل في سرعة السير وإبطائه، ولا ينظر لما سميا.
أو لينتقل المكتري بالدابة لبلد غير الذي اكتراها إليه لم يجز، وإن ساوت كل منهما الأخرى مسافة وسهولة وصعوبة عند ابن القاسم، إلا بإذنه، أي: ربها.
وقال غيره: لا يجوز، وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين.
كإردافه، أي: ربها رديفًا خلفك على دابة اكتريتها بعينها، فإنه لا يجوز.
وإرداف: مصدر مضاف للفاعل، والمفعول محذوف.
وخلف: ظرف.
أو حمل عليها معك متاعًا له أو لغيره لم يجز، وكأنك ملكت ظهرها، والكراء لك يا مكتري، إن أردف ربها أو حمل معك إن لم تحمل زنة معلومة، فإن اكتريت زنة معلومة فكراء الدابة لربها، كالسفينة شبهها
[ ٧ / ٧٥ ]
بالدابة في جميع ما تقدم، كما ألحقها بها في المدونة فيما للمكري والمكتري.
ومن اكترى دابة ثم أكراها فعطبت أو ضاعت ضمن إن أكرى لغير أمين.
ومفهومه عدم الضمان إن أكرى لأمين، أو ادعى تلفها لم يضمن الثاني، إلا أن يأتي من سببه، ويتبين كذبه، ويضمن المكتري لربها لتعديه.
[زيادة المكتري:]
ولما كان لزيادة المكتري صورتان زيادة في المسافة وزيادة في الحمل تكلم على ذلك، فقال: أو عطبت من المكتري بزيادة مسافة على ما أكراها إليه فيضمن.
تنبيه:
سكت عن بيان ما يضمنه لربها، وذكر ابن الحاجب كالمدونة أنه مخير بين قيمتها أو كراء المثل ما بلغ بعد كرائها الأول في الحالتين، ومفهوم كلامه: لو لم تعطب بسبب الزيادة بل بقيت على حالها ردها مع كراء الزيادة فقط.
وأفهم قوله: (بزيادة) أنه بسببها، سواء كانت تعطب بمثلها أو لا.
أو عطبت بزيادة حمل تعطب به، أي: بمثله، فيضمن قيمتها يوم التعدي إن شاء ربها، ولا كراء له، أو أخذ قيمة الزيادة بإلغاء ما يلغي مع الكراء الأول، ولا فرق بين الوزن أو تفاوت الضرر كقنطار رصاص مثلًا موضع قنطارين، وإلا بأن زاد ما تعطب بمثله وعطبت أو لم تعطب فالكراء، أي: كراء الزيادة ما بلغ مع الكراء الأول، ولا ضمان عليه عطبت أو لم تعطب، كأن زاد ما تعطب بمثله ولم تعطب فكراء المثل، ونحو هذا كله عن مالك في المدونة.
[ ٧ / ٧٦ ]
تنبيه:
فرَّق ابن يونس وغيره بين ضمان زيادة المسافة إذا عطبت قليلة كانت أو كثيرة وبين الزيادة في الحمل، بأن زيادة المسافة كلها تعد، بخلاف زيادة الحمل بعضها تعد وبعضها مأذون فيه.
ثم استثني من قوله: (وإلا فالكراء)، فقال: إلا أن يحبسها مكتريها زمانًا كثيرًا على ما اكتراها، كما لو اكتراها يومًا أو يومين فحبسها شهرًا، فله مع كراء اليوم كراء الزائد، الذي حبسها فيه، إذا ردها بحالها لم تتغير، وسواء استعملها أم لا، أو قيمتها بعد التعدي.
ومفهوم (كثيرًا) أنه لو حبسها يسيرًا كاليوم ونحوه ليس له إلا كراء الزائد، ومن قوله: (فله) أنه مخير في أحد الأمرين، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
وظاهره: كان ربها معها أو لا، وهو كذلك، وقيل غير ذلك.
ولك أيها المكتري فسخ كراء بعير مثلًا عضوض يعض من يقرب منه، أو جموح، وهو: القوي الرأس الذي لا ينقاد إلا بعسر، أو أعشى لا يبصر ليلًا.
ابن ناجي: إذا كان يحتاج إليه ليلًا.
أو كان دبره -أي: عقره- فاحشًا تضر رائحته براكبه، وظاهر كلامه: سواء اطلع على ذلك أو حدث فيه، كأن يستأجر ثورًا مثلًا يطحن لك كل يوم إردبين بدرهم، فوجد أن لا يطحن إلا إردبًا، فلك الخيار في الفسخ وعدمه، وسكت عما يلزم إذا لم يفسخ، وهو نصف درهم، وإن زاد ما يطحن الثور عن إردبين أو نقص عنها ما يشبه الكيل فلا لك، يا صاحب الثور شيء في الزائد، ولا عليك في النقص.
وقرره الشارحان بمن اكترى دابة ليحمل عليه أرادب مسماة فحملها
[ ٧ / ٧٧ ]
ذلك، ثم وجد الأرادب زادت زيادة تشبه تفاوت الكيل أو نقصت كذلك، أو زاده المكري ذلك المقدار، فلا شيء في ذلك. وكلام المؤلف يحتمل التقررين معًا، واللَّه اعلم.
* * *
فصل
في كراء الحمام والدار والعبد والأرض واختلاف المتكاريين، جاز كراء حمَّام وما أشبهه كفرن، ومعمل فروخ.
وجاز كراء دار غائبة وربع وحانوت وأرض.
وظاهره: ولو كانت الغيبة بعيدة، كاكترائه دارًا بمصر وهو بمكة برؤية سابقة، أو بوصف، كبيعها -أي: الحمام أو الدار- وفي بعض النسخ كبيعهما، أو نصفها مثلًا مشاعًا، أو نصف عبد أو دابة، ولا خصوصية للنصف؛ إذ هو وغيره من الأجزاء سواء.
وجاز كراء الدار شهرًا على شرط إن سكن منه يومًا فأكثر لزم الشهر كله؛ ولهذا الشرط شرط أشار له بقوله: إن ملك المكتري البقية من الشهر للسكنى فيها أو لكرائها، إن خرج منها، وإلا لم يجز بحال، ونحوه في المدونة.
وقول الشارح: (إن ملك الكري) غير ظاهر.
وجاز لمن اكترى شهرًا أو سنة عدم بيان الابتداء، وحمل على أن أول ذلك يكون من حين العقد؛ إذ لو لم يحصل ذلك لفسد العقد؛ لأن الكراء لا يجوز على سنة غير معينة.
وجاز كراء الدار ونحوها مياومة ومشاهرة ومساناة، كأكريتها منك كل يوم أو كل شهر بكذا، وصح العقد، ولم يلزم لهما، أي: للمتعاقدين فيما ذكر من الشهر ونحوه، سواء سكن بعضه أو لا عند ابن القاسم وروايته عن
[ ٧ / ٧٨ ]
مالك في المدونة، واختاره ابن يونس، وروى مطرف وابن الماجشون لزومها في الأقل مما سمي من شهر ونحوه، واختاره اللخمي.
ثم استثنى من عدم اللزوم قوله: إلا بنقد في يوم أو شهر ونحوهما فقدره، أي: يلزم قدر ما نقد فقط، فلو قال: كل يوم مثلًا بدرهم ودفع له عشرة دراهم لزمه عشرة أيام.
ولما كانت الوجيبة عندهم هي اللازمة شبهها بما يلزم، فقال: كوجيبة (١)، واقتصر فيها على ذكر أربعة ألفاظ ذكرها ابن رشد:
أولها: التسمية، وأشار لها بقوله: بشهر كذا مثلًا، أو سنة كذا.
وثانيها: الإشارة، وأشار لها بقوله: أو هذا الشهر، وهذه السنة.
والثالث: التنكير دون إضافة للمنكر، وأشار له بقوله: أو شهرًا، أي: اكتريها شهرًا.
والرابع: لوقت (٢) كذا، وإليه أشار بقوله: أو إلى كذا، وفي كون سنة أو شهر بكذا وجيبة فتلزم كالمعين، وهو تأويل ابن لبابة والأكثر، أو غير وجيبة، فلا تلزم، وهو تأويل أبي محمد صالح، تأويلان.
وجاز كراء أرض مطر عشرًا إن لم ينقد، أي: بشرط عدم النقد، لا شرط النقد، ولا مع السكوت، ومفهومه: إن شرط لم يجز، ويفسد العقد.
_________________
(١) قال في اللسان (٦/ ٤٧٦٦): "أَبو عمرو الوَجِيبةُ أَن يُوجِبَ البَيْعَ ثم يأْخذَه أَوَّلًا فأَوَّلًا وقيل على أَن يأْخذ منه بعضًا في كل يوم فإِذا فرغ قيل اسْتَوْفى وَجِيبَتَه وفي الصحاح فإذا فَرَغْتَ قيل قد استَوفيْتَ وَجِيبَتَك، وفيَ الحديث: "إِذا كان البَيْعُ عن خِيار فقد وَجَبَ" أَي: تَمَّ ونَفَذ يقال وجب البيعُ يَجِبُ وجوبًا وأَوْجَبَه إِيجابًا أي: لَزِمَ وأَلْزَمَه يعني إِذا قال بعد العَقْد اخْتَرْ رَدَّ البيع أو إِنْفاذَه فاختارَ الإِنْفاذَ لزِمَ وإِن لم يَفْتَرِقا".
(٢) قال في المنح (٨/ ٢٥): "الرابع قوله أكري لوقت كذا وإن سمى الكراء دون تعيين مدته كاكترى الشهر بكذا أو كل شهر بكذا وفي كل شهر بكذا أو في لفظ السنة كذلك فالكراء غير لازم. اهـ. فعند ابن رشد اللزوم في المنكر غير المضاف فقرر به تت كلام المصنف ولم يتنبه لمنافاته ما بعده والكمال للَّه تعالى".
[ ٧ / ٧٩ ]
ثم بالغ على الفساد مع حصول النقد بقوله: ولو نقد سنة واحدة من العشرة، ونحوه في المدونة، إلا الأرض المأمونة التي كالنيل والمعينة، بفتح الميم وكسر العين، وهي التي تسقي بالمعين الثابتة والآبار المعينة، فيجوز النقد فيها.
وكالنيل: يحتمل التمثيل، ويحتمل التشبيه، وإنما قال: يجوز مع قوله قبل وجاز ليبين أن بعض ما حكم له بالجواز قد يجب النقد فيه؛ ولذا قال: ويجب -أي: يقضي به- لرب الأرض على المكتري في مأمونه النيل إذا رويت؛ لعدم احتياجها للسقي فيما يستقبل، وبريها يكون المكتري قابضًا لما اكترى، وأما أرض السقي والمطر فلا يجب على المكتري نقد الكراء فيها حتى يتم الزرع ويستغني عن الماء، قاله ابن رشد.
وخرج بمأمونة: الري غير مأمونته، كالمرتفعة التي لا يبلغها النيل غالب؛ لعلو أرضها.
وجاز كراء قدر من فدادين من أرضك التي بموضع كذا، إن عين موضعه أو تساوت في نفسها وفي الأغراض، وأما إن اختلفت فلا يجوز حتى يسمي موضعه، واحترز بالقدر من جزء معين كربع أو نصف مثلًا، فلا يشترط تعيينه منفردًا.
وجاز كراء أرض على شرط أن يحرثها المكتري ثلاثًا، ثم يزرعها أو على أن يزبلها إن عرف، هذا كقول المدونة: من اكترى أرضًا على أن يكريها ثلاث مرات ويزرعها في الكراب الرابع جاز، وكذا على أن يزبلها بشيء معروف.
الصقلي وغيره: يريد إذا كانت مأمونة؛ لأن زيادة الكراب والتزبيل منفعة تبقى في الأرض، إن لم يتم زرعه، فإن نزل في غير المأمونة ولم يتم زرعه نظر كم يزيد كراؤها لزيادة ما اشترط على معتاد حرثها، وهو عندنا حرثه على كرائها دون ما اشترطت زيادته على المعتاد، فيرجع بالزائد؛ لأنه كنقد اشترط فيها، ولو تم زرعه فيها كان عليه كراء مثلها، بشرط تلك الزيادة؛ لأنه كراء فاسد، قاله التونسي.
[ ٧ / ٨٠ ]
وجاز كراء أرض استؤجرت أولًا سنين ماضية لذي شجر غرسها الماء هذا المستأجر سنين مستقبلة، تلي السنين الأولى.
فسنين مستقبلة: معمول لجاز، وفي كلامه تقديم وتأخير، أي: وجاز كراء أرض اكترت سنين ماضية سنين مستقبلة لصاحب شجر غرسها بها في السنين الماضية، وهذا كقول المدونة: وإن اكتريت أرضًا سنين مسماة فغرست بها شجرًا إن انقضت المدة وفيها شجرك فلا بأس أن تكريها من ربها سنين مستقبله.
وأما جعل الشارح سنين الأولى مستقبلة، والثانية بدل منها، فغير جلي، مع أنه ساق ما في المدونة، وإن تبعه البساطي.
ثم بالغ بقوله: وإن كان الشجر لغيرك بأن اكتريتها سنين وأكريتها لمن غرسها، ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه، فلك أن تكريها من ربها سنين تلي الأولى، ثم إن أرضاك الغارس، وإلا قلع غرسه، ونحوه في المدونة.
لا زرع أي: لا إن كان الذي في الأرض زرعًا لغيرك، فلا يجوز لك أن تكتريها بسنين، بل يجوز أن تكريها المدة التي يحتاجها الزرع.
وجاز شرط كنس مرحاض في دار ونحوها على المكتري؛ لأنه معروف وجهه، ويدل كون الشرط على المكتري قوله: أو مرمة: بفتح الميم.
عياض: هي البناء والإصلاح، يجوز اشتراطه على المكتري عند الاحتياج إليه. ونحوه في المدونة.
وجاز اشتراط تطيين الدار على المكتري. المغربي: وهو جعل الطين على سقفها وسطوحها، وهو الطري.
ولما كان ظاهر المدونة أنه زايد على الكراء، وأنها قيدت بكونه منه، اعتبر المصنف القيد، فقال: من كراء وجب، بأن كان على النقد في
[ ٧ / ٨١ ]
عرفهم، أو بالشرط، قاله ابن فتحون (١)، وقيدت المدونة بأن يسمي مرة أو مرتين في السنة؛ لأنه معلوم، وأما إن قال: كلما احتاجت، لم يجز؛ لأنه مجهول. وتركه المؤلف، ولا بد منه.
لا إن لم يحب، فلا يجوز، كإجارتها سنة، واشترط تعيينها عليه، ويكون ما بطينها به سلفًا في ذمته، فيفسخ؛ لأنه سلف وكراء.
تتمة:
إذا نزل ذلك فله قيمة ما سكن، وللساكن قيمة مارم، قاله ابن القاسم، وحذف المؤلف قوله: (من كراء وجب) من التي قبلها لدلالة هذه عليه.
فائدة:
استنبط البساطي من هذه المسألة جواز ما يقع بمصر من الالتزام بعد عقد الكراء على الأرض، فيكتب الموثق، والتزم المستأجر بما على الحصة المستأجرة من المغارم السلطانية؛ لأنه معلوم تقريبًا.
أو يقع العقد على شرط كون ما تحتاج إليه الدار من المرمة أو التطيين من عند المكتري لم يجز للجهالة.
أو على كون حميم أهل ذي الحمام في غسلهم من مائها على المكتري أو على كون نورتهم كذلك، لم يجز مطلقًا، سواء علمت عدتهم أو لا، ولمالك الجواز إن علمت.
_________________
(١) هو: محمد بن خلف بن سليمان بن فتحون الأندلسي، أبو بكر، (٠٠٠ - ٥٢٠ هـ = ٠٠٠ - ١١٢٦ م): فاضل، نقاد، عارف بالتاريخ. من أهل أوريولة (Orihuela) من أعمال مرسية. له في الاستدراك على كتاب (الصحابة) لابن عبد البر، كتاب سماه (التذييل) في مجلدين كبيرين، وكتاب في أوهام (كتاب الصحابة) المذكور، وآخر في (إصلاح أوهام المعجم لابن قانع) توفي بمرسية. ينظر: الأعلام (٦/ ١١٥).
[ ٧ / ٨٢ ]
أو لم يعين بالبناء للمفعول في الأرض بناء أو غرس وبعضه أضر بالأرض من بعض، ولا عرف، فأمن بأحدهما، فلا يجوز، وجملة: (بعضه أضر) حالية.
قال في توضيحه: والفساد أشبه بمذهب غير ابن القاسم، وهو مخالف لظاهر مذهب ابن القاسم فيها.
ولا يجوز كراء وكيل دارًا أو أرضًا بمحاباة؛ لتعديه، أو كراؤها بعرض؛ لمخالفة العادة في أنهما لا يكريان به.
ابن يونس: وله فسخه، وإجارته.
تنبيه:
إطلاقه الوكيل يشمل المفوض، على بحث فيه. وعلل البساطي المنع بأنه مشتر، فيحتاج لتوكيل خاص، وعليه فيلزم بيع المفوض بالعرض، قال: وتلزمه.
أو كراء أرض مدة كعشر سنين مثلًا لغرس معلوم سماه المكتري، فإذا انقضت مدة الكراء فهو -أي: الغرس- يكون ملكًا كله لرب الأرض أو نصفه مثلًا؛ فإنه ممتع للجهل بالأجرة، وتنقضي السنة في أرض المطر بالحصاد لزرعها.
وظاهره: ولو تأخر الزرع للسنة أو عنها؛ لأنه ليس لصاحب الأرض قلع ولا أجرة.
وتنقضي السنة في ذات السقي بعين أو سانية بالشهور؛ لتمام السنة، فإن تمت شهور وله فيها زرع أخضر فكراء مثل الأمد الزائد إلى تمامه.
وإذا انتثر للمكتري حب في الأرض فنبت قابلًا، أي: فيما يستقبل، فهو لرب الأرض؛ لأن الأول أعرض عنه عادة، وسواء انتثر بآفة أو غيرها، ونص عليهما في غير المدونة، كمن -أي: كصاحب أرض- جره
[ ٧ / ٨٣ ]
-أي: جر البذر أو النابت من الزرع- السيل إليه -أي: إلى أرضه- فهو لرب الأرض الذي انجر إليها.
ولزم الكراء لمكتري الأرض بالتمكن من التصرف فيها، وإن فسد زرعه فيها بعد زرعه لجائحة، لا تعلق لها بالأرض، كـ: برد أو جليد أو طير أو جراد؛ لأنه سلم جميع المنفعة، فالمصيب بمنزلة غاصب الزرع، أو غرق بعد وقت إبان الحرث، بحيث لا يمكن الانتفاع بها إذا انكشفت، ويلزمه الكراء؛ لأنه كالجراد.
تنبيه:
غرق يحتمل المصدرية عطفًا على بجائحة ويحتمل أنه فعل.
البساطي: وهو أحسن.
ومفهوم كلام المؤلف: لزومه إن غرقت بعد الحرث وانكشفت بعد إبانه.
أو عدمه -أي: المكتري- بذرًا يبذره بها، فالكراء لازم له بالتمكن من إجارتها، أو سجنه بفتح السين ما لم يكن قصد المنعة منها، أو انهدمت شرفات البيت ونحوها مما لا ينقص شيئًا من منافعه المقصودة، ونحوه في المدونة.
أو سكن أجنبي بعضه، فالكراء لازم له جميعه، ويرجع على الأجنبي بحصته منه، وقيده اللخمي بما إذا لم يزد لأجلها شيء في الكراء.
وأشار للتقييد بقوله: لا إن نقص شيء بهدم الشرفات ونحوها من قيمة الكراء، فيحط بقدره، وإن قل، ولا خيار للمكتري، وكذا ما به جمال كالبياض، كما صرح به اللخمي، وجعله ابن يونس محل نظر.
أو انهدم بيت فيها لا ضرر فيه على المكتري، أو سكنه -أي: البيت- منها مكريه أو لم يأت مكريه بسلم للأعلى المحتاج في الانتفاع به للسلم، أو عطش بعض الأرض أو غرق بعضها فبحصته قيمة لا مساحة، كما في المدونة، وهو راجع للمسائل الست المعطوفة بـ (لا)، وذكرها وإن
[ ٧ / ٨٤ ]
كانت داخلة في المفهوم لعدم اعتباره لزومًا.
وأما إن عطش جلها أو كلها أو غرق فلا شيء على المكتري.
وخير المكتري في مضر -أي: بسببه- ولو كان يسيرًا في الصورة، كهطل، وهو: تتابع المطر بحيث ينزل من السقف، وتخييره بين أن يفسخ أو يبقى، فإن بقي فالكراء جميعه لازم له؛ لزوال ضرره بالتخيير.
تنبيه:
تلخص من كلام المؤلف منطوقًا ومفهومًا في انهدام الدار أو بعضها أربعة أوجه:
- هدمها.
- أو ما فيه ضرر كثير.
- أو يسير.
- أو ضرر.
والأول والأخير واضحان، والثاني له لفسخ، إلا أن يرفع عنه الضرر، والثالث وهو اليسير المنقص يحط عنه بقدره.
ثم شبه في لزوم الكراء قوله: كعطش أرض صلح صالح الكفار عليها وزرعها، فعطشت فالكراء لازم لهم، وهل مطلقًا، عينوا للأرض شيئًا أو لا، بل وقع الصلح مجملًا، أو يلزمهم إلا أن يصالحوا على الأرض بخراج معين، فلا يلزمهم ذلك، إذا عطشت، تأويلان في قول المدونة: إذا عطشت أرض الصلح التي صالحوا عليها فعليهم الخراج؛ لأنه ليس إجارة محققة، بخلاف أرض الخراج، كأرض مصر، فقوله: (صالحوا عليها) حمله أبو عمران على إطلاقه، وحمله بعض القرويين على أن على الأرض خراجًا معينًا، ولزم الكراء فيما تقدم.
عكس تلف الزرع، أراد بالعكس المقابلة، فهنا يسقط جميع الكراء، إذا كانت الآفة منها لكثرة دودها أو فأرها أو عطش، أو تلف زرعها وبقي
[ ٧ / ٨٥ ]
منه القليل كخمسة أفدنة أو سنة من مائة، ولم يجبر آجر بمد الهمزة على إصلاح لما انهدم من الدار مطلقًا، سواء كان ما يحتاج للإصلاح يضر بالساكن أو لا، حدث بعد العقد أو لا، أمكن السكن معه أو لا، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة، ولغيره فيها: يتغير.
ابن عبد السلام: وعليه العمل في زماننا.
وعلى الأول يخير الساكن في السكنى بجميع الأجرة، أو الفسخ.
بخلاف ساكن أصلح له رب الأرض ما انهدم بقية المدة المكتراة قبل خروجه، فلا يخير، بل يجبر على السكنى.
ومفهومه: لو أصلح له بعد خروجه وقبل انقضاء المدة لم يلزم رجوع.
وإن اكتريا حانوتًا أو بيتًا وتنازعا فأراد كل منهما مقدمه؛ لوقوع الكراء غير معين، قسم بينهما إن أمكن قسمه؛ للزوم الكراء لهما، وإلا يمكن قسمه أكرى عليهما؛ لأنه ضرر.
وإن غارت عين مكترًى سنين للزراعة، أو انهدمت بيده بعد زرعه، وقبل انتهائه، نفقت حصة سنة منها فقط، ويطالب بذلك المكري، فإن أبي فالمكتري، فإن أنفق أقل لقيامه عن المؤجل بالواجب، إنما كان كذلك لأن الزرع لو فسد لم يلزم المكتري كراء، فإذا أصلح انتفع ولم يضر المكري، فلا يمنع المكري من أمر ينتفع به غيره، ولا ضرر عليه فيه.
وفهم من قوله: (بعد زرعه) أنه ليس له الإنفاق قبله إن أبي ربها، إذا لم يتقدم له فيها عمل.
ومفهوم (فقط) أنه ليس له أن ينفق أكثر، وهو كذلك على المشهور، ولو أنفق أكثر من حصته فهو متبرع.
وإن تزوج ذات بيت مالكة له أو لمنفعته وإن بكراء وسكن معهما، فلا كراء لها عليه؛ لجريان العادة بطيب النفس بذلك، إلا أن تبين له عند سكناه معها أن الكراء عليه فيلزم، ونحوه لابن القاسم في المدونة.
[ ٧ / ٨٦ ]
والقول للأجير أنه وصّل كتابًا استؤجر على إيصاله لآخر، زاد في المدونة: في أمد يبلغ في مثله؛ لأنه ائتمنه عليه، وعليه دفع كرائه، وترك المصنف القيد للعلم به.
والقول للأجير في أنه استصنع فيه، وقال ربه: بل هو وديعة عندك، وإنما قبل لعسر الإشهاد على الصانع.
أو خولف الأجير في الصفة، كما لو صبغ الثوب أسود أو خاطه قميصًا، وقال ربه: إنما أمرتك بأحمر أو جبة مثلًا، أو خولف الأجير في مقدار الأجرة، كقوله: بعشرة، وربه: بخمسة مثلًا، فالقول للأجير مع يمينه، إن أشبه ما قال، وحاز المصنوع تحت يده.
مفهومه: إن لم يشبه لم يكن القول قوله، وهو كذلك.
قال في التوضيح: ويحلف المالك إن أشبه، فإن أتيا بما لا يشبه فللصانع أجر مثله.
تنبيه:
حاز: بالحاء المهملة، وأجاز الشارح كونه بالجيم من الجواز؛ احترازًا عما لو ادعى الأجير ما لا يجوز فلا يصدق.
لا كبناء، فليس القولة قول الصانع؛ لعدم حوزه؛ إذ الحائز له ربه.
ويجوز في (بناء) كسر الموحدة وتخفيف النون وفتحها وتشديد النون.
ولا في رده -أي: ليس القول للصانع في رد المصنوع لربه- وإذا لم يقبل في رده فلربه، أي: القول قوله في الصورتين، لكن في أولاهما إن أشبه.
ثم بالغ في عدم قبول قول الصانع في الرد ولو أقبضه بغير نية مشيرًا للخلاف فيه بقوله: ولو كان قبضه بلا نية؛ لأنه مقبوض على الضمان كالرهن، وأما مع النية فالضمان مطلقًا، وإن ادعاه -أي: الاستصناع صباغ مثلًا- في ثوب بيده، وقال ربه: سرق مني أبيض، وأراد ربه أخذه؛ لأنه
[ ٧ / ٨٧ ]
مخير فيه وفي تضمينه للصانع، أخذه ودفع للصانع قيمة الصبغ بيمين على رب الثوب أنه لم يستصنعه، ومحل يمينه إن زادت دعوى الصانع عليها، أي: على قيمة الصنعة.
ومفهوم الشرط: إن كانت دعواه مثل قيمتها أو أقل دفع ذلك للصانع بغير يمين.
وإن اختار رب الثوب حين خير أولًا تضمينه فإن دفع الصانع قيمته أبيضر فلا يمين على واحد منهما، ولا كلام لصاحبه، وإلا بأن أبي الصانع من دفع قيمته أبيض حلفا: رب الثوب أولًا أنه ما استصنعه، وحلف الصانع أنه استصنعه، واشتركا: صاحب الثوب بقيمة أبيض، والصانع بقيمة صبغه؛ لأن كلًّا منهما مدع على الآخر، لا إن تخالفا بالخاء المعجمة في لت السويق، فقال اللات: أمرتني أن ألته بعشرة، وقال ربه: ما أمرتك بشيء، لم يتحالفا بالحاء المهملة، ولم يشتركان فيه، وبهذا خالفت التي قبلها، ويقال لصاحب السويق: إن شئت فأغرم له ما قال، وهو العشرة، وخذ سويقك ملتوتًا، فإن فعل فواضح.
وإن أبي من دفع ما قال اللآت فمثل سويقه غير ملتوت، ولا يلزمه دفعه ملتوتا، وهذا قول غير ابن القاسم في المدونة.
والقول له -أي: الأجير- وللجمال بيمين من كل في عدم قبض الأجرة، إن ادعاه كل على الآخر، سواء بلغا الغاية، وإن لم يبلغا الغاية، وهي المكان الذي تعاقدا إليه.
زاد في المدونة: إن كانت الأحمال بيده أو بعد تسليمها للمكتري بالقرب كيوم أو يومين.
وأما مع الطول فأشار إليه بقوله: إلا لطول بعد التسليم فلمكتريه -أي: القول له- بيمين، إلا أن يقيم الجمال بينة أنه لم يقبض.
وإن تخالفا في المسافة واتفقا على قدر الأجرة بأن قال الجمال: أكريتك بمائة لبرقة، وقال المكتري: بل بها لإفريقية حلفا، كل على
[ ٧ / ٨٨ ]
دعواه، أو فسخ العقد إن عدم السير جملة، أو قل، بحيث لا ضرر على الجمال في رجوعه، ولا على المكتري في صرخ متاعه، إن لم ينقد الكراء، وإن نقد عند مالك في المدونة.
وأشار بالمبالغة لقول غيره فيها: إن انتقد الجمال وكان يشبه ما قال فقوله، وإلا بأن كان اختلافهما بعد سير كثيرًا أو بلوغهما المسافة فكفوت المبيع، إذا قبضه المشتري، وفات بيده فالقول قوله، ووزانه هنا أن القول قول المكتري؛ لقبضه المنفعة لشبه قوله فقط.
وتحصيل هذه المسألة على قول ابن القاسم أنها على أربعة أوجه:
- إما أن يكون المشبه قول المكتري.
- أو المكري فقط.
- أو يشبها معًا.
- أو لا يشبها معًا.
فأشار للوجه الأول بقوله: (وإلا فكفوت المبيع)، وللوجه الثاني بقوله: وللمكري، وهو الجمال في اختلافهما في المسافة فقط، بأن قال الجمال حين وصولهما لبرقة: هنا انتهت المسافة، وقال المكتري بل لإفريقية، فالقول للجمال إن أشبه قوله فقط.
وأشار للوجه الثالث بقوله: أو أشبها معًا، وانتقد المكتري الكراء، بأن دفعه للجمال.
وهذان الوجهان الثاني والثالث يقبل فيهما قول الجمال إذا استقل قوله بالأشبه أو أشبها، وترجح قوله بالنقد فقط، الأولى قيد في المسافة احترازًا عما لو أخلفا فيها وفي الأجرة معًا، وفقط الثانية احترازًا عما لو أشبه المكتري وحده، وهو الوجه الأول، وعما لو أشبه قولهما معًا.
ثم ذكر قسيم قوله: (انتقد)، وهو تمام الوجه الثالث بقوله: وإن لم ينتقد مع شبه قولهما حلف المكتري ولزم الجمال ما قال من بقية
[ ٧ / ٨٩ ]
المسافة، إلا أن يحلف الجمال أيضًا على ما ادعى من المسافة بعد حلف المكتري، فله -أي: الجمال- حصة المسافة المنتهى إليها وهي برقة على دعوى المكتري وفسخ الباقي، وهذا كله مع الاشتباه.
وأشار للوجه الرابع وهو انتقاد الشبهة من الجانبين بقوله: وإن لم يشبها حلفا، وفسخ العقد، وحوسب الجمال بكراء المثل فيما مشى من المسافة، ودفعه للجمال، وكل من نكل منهما قضي عليه للآخر.
وإن تخالفا في المسافة والأجرة معًا، بأن قال الجمال: أكريتك للمدينة بمائة وبلغاها وقال المكتري: بل لمكة بأقل كخمسين، فإن نقده المكتري الخمسين فالقول للجمال فيما يشبه؛ لأنه اجتمع له شيئان: النقد ودعوى الشبه في المسافة التي بلغاها؛ لأنه ائتمنه، ونحوه لابن القاسم في المدونة.
وحلفا فيحلف الجمال ما أكريتك إلا للمدينة بمائة، ويحلف المكتري: إنما اكتريت منك لمكة بخمسين، وفسخ العقد بينهما فيما بقي.
وإن لم ينقد للجمال شيئًا فالقول للجمال في المسافة أنها للمدينة، ولا يقبل قوله أنها بمائة، والقول للمكتري في حصتها مما ذكر من الكراء كونه خمسين، ولا يقبل في أنه لمكة؛ لأن بلوغ المسافة المدعاة يرجح قول مدعيها، وعدم النقد يرجح قول المكتري بعد يمينهما على ما ادعاه كل منهما.
وإن أشبه قول المكري وهو الجمال فقط دون المكتري فالقول له -أي: الجمال- بيمين، فيأخذ ما حلف عليه، وهو المائة، وإن أقاما بينتين تشهد كل بينة لمن أقامها بدعواه قضي بأعدلهما، وهو يشمل صورتين:
- ما إذا كانتا عدلتين: واحدا أزيد عدالة.
- وما إذا كانت إحداهما عدلة فقط.
وإلا بأن تساوتا سقطتا عند ابن القاسم، وصارا كما لا بينة لهما.
وإن قال المكتري لأرض أو دار مثلًا: اكتريت منك عشرًا بخمسين،
[ ٧ / ٩٠ ]
وقال ربها: بل اكتريت مني خمسًا بمائة، ولا بينة لهما حلفا، وفسخ العقد، إن كان تخالفهما بحضرته، كما في المدونة؛ ولذا قال: وإن زرع بعضًا ولم ينقد من الكراء شيئًا فلربها ما أقر به المكتري فيما مضى إن أشبه قوله، وحلف على ما أقر به، سواء أشبه قول الآخر أم لا.
وإلا بأن لم يشبه قول المكتري فقول ربها مع يمينه إن أشبه ما قال.
وإن لم يشبها، بأن ادعى كل منهما ما لا يشبه، حلفا ووجب لرب الأرض كراء المثل فيما مضى مما زرع، وفسخ الباقي بالنسبة لما يستقبل مطلقًا.
قال الشارح: في جميع الصور.
وقال البساطي: أشبه قوله أحدهما أو لا.
ثم ذكر قسيم قوله: (وإن لم ينقد)، فقال: وإن نقد في الماضي فتردد: هل هو كما لو لم ينقد فيرجع فيه للأشبه، أو القول قول المكري؛ لرجحان قوله بالنقد، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الجعل وما يتعلق به، صحة الجعل، عبر بالصحة لأنه في معنى الإجارة، فكان القياس عدم صحته، بل عدم جوازه؛ للغرر، لكنه خرج عن ذلك للدليل والضرورة.
[شروط صحة الجعل:]
وأشار بقوله: بالتزام أهل الإجارة إلى أن من شرطه كون عاقده جاعلًا أو مجعولًا له ممن تصح منه الإجارة.
وقال بعض من مشاه: صحة الجعل بالتزام المناهل لعقد الإجارة ثمنًا.
[ ٧ / ٩١ ]
وظاهره: قصر الشرط على الجاعل دون المجعول، وليس كذلك؛ إذ لا يصح شيء من ذلك إلا من الرشيد أو من المحجور بإذن وليه. انتهى.
جعلا معمول التزام علم لهما مبني للمفعول صفة لـ (جعل)، فلا يصح بمجهول، كـ: إن جئتني بعبدي الآبق فلك نصفه مثلًا؛ لأنه لا يدري ما دخله.
يستحقه السامع للجاعل، ويفهم منه أنه لا يشترط في صحته كونه من الجانبين بالتمام، فلا يستحقه من عمل البعض، إلا فيما سيذكره.
ككراء السفن، مثال للجعل، وقد يقع كراؤها إجارة أيضًا، واللَّه أعلم.
تنبيه:
دخل بالكاف مشارطة الطبيب على البر، والمعلم لحفظ القرآن، والحافر على استخراج الماء، فالثلاثة مترددة بين الجعالة والإجارة، إلا أن يستأجره على التمام لعمل أو يجاعل عليه، فبنسبة عمل الثاني يستحق الأول، سواء كانت الجعالة في عمل الثاني قدر جميع الأول أو أقل أو أكثر، كما لو جاعل على فعل شيء إلى موضع معين بدينار مثلًا، فنقله نصف الطريق، ثم ترك، فجاعل غيره على ثقله بقية المسافة بدينار أو نصفه أو ربعه، فللأول في النصف الذي نقله نسبة ما أجر الثاني دينارًا أو نصفه أو ربعه عند مالك.
وقال ابن القاسم: له قيمة عمله يوم عمل.
ثم بالغ بقوله: وإن استحق الشيء الجاعل على تحصيله عبدًا أو غيره لغير من جاعل عليه، فإن الجعل يلزم الجاعل، إذا أتى به العامل عند ابن القاسم، ولو لم يتسلمه الجاعل؛ لأنه هو المدخل له في العمل.
ظاهره: ولا رجوع له بالجعل على من استحقه، وهو كذلك عند ابن القاسم.
ثم بالغ أيضًا عما لو استحق بحرية، فقال: ولو بحرية، فإن الجعل
[ ٧ / ٩٢ ]
لازم للجاعل عند ابن القاسم، وعليه جماعة، وأشار بـ (لو) لقول أصبغ بسقوطه عنه تبعًا.
بخلاف موته بعد الإتيان به وقبل تسليمه لربه؛ لعدم تمام العمل، وأما لو تسلمه للزمه الجعل، بلا تقدير زمن.
البساطي: يمكن تعلقه بصحة الجعل أو بالتمام، والمعنى: أنه لا يجوز تقدير زمن لعمل الجعل؛ لأن الأصل عدم جوازه للغرر، لكن اقتضت ضرورة الناس له جوازه، وتقدير الزمن يزيد غرره، فلو قدر زمن يقع فيه ربما انقضى قبل تمام عمله فيذهب عمله باطلًا.
إلا بشرط ترك شيء متى شاء، أي: إلا أن يشترط الترك متى شاء.
ثم عطف على تقدير، فقال: ولا نقد مشترط، تقييد النقد بالاشتراط يفهم منه أن التقدير من غير شرط لا يضر، فلو قال: ولا شرط ينقد لكان أحسن؛ لأن ظاهر كلامه أن المفسد حصول النقد المشترط، ومقتضى التقدير أن اشتراط النقد مفسد، حصل النقد أم لا.
تنبيه:
قال البساطي: قول الشارح: (إنه معطوف على "بلا تقدير") سهو.
في كل ما جازت فيه الإجارة بلا عكس، قال الشارح: هذا متعلق بقوله: (صحة الجعل)، والمعنى: أن الجعل يجوز في كل ما جازت فيه الإجارة، ولا ينعكس؛ إذ ليس كلما جاز فيه الجعل يجوز فيه الإجارة، وقاله في المدونة.
وقال البساطي: هو متعلق بما تضمنه قوله: (بالثمار من العمل)، أي: لا يتقيد العمل هذا بكل شيء جازت فيه الإجارة، بل يجوز في أشياء لا يجوز فيها، وكلما جازت فيه الإجارة جاز فيه الجعل بلا عكس، ولعل هذا المعنى على ما قررنا لا يوجد في غير هذا الكتاب. انتهى.
[ ٧ / ٩٣ ]
تنبيهان:
الأول: اعلم أن هذه الكلية التي ذكرها المؤلف عكسها قول التهذيب: كل ما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة، وليس كل ما جازت فيه الإجارة جاز فيه الجعل انتهى، أي: فالإجازة أعم.
الثاني: قولُ الشارح بعد ما قرر كلام المؤلف بما قدمناه عنه: (وقاله في المدونة) سبقُ قلم.
وجاز الجعل على شراء شيء أو بيعه إن لم يكن في الكثير، بل ولو في الكثير على الصحيح، خلافًا لعبد الوهاب في منعه الكثير.
ثم استثني من جواز البيع قوله: إلا كبيع سلع كثيرة، فلا يجوز الجعل عليها إذا كان لا يأخذ شيئًا إلا بالجميع، ومفهومه: لو كان على ما باعه يأخذ بحسابه جاز، وهو كذلك، ويحتمل عوده للبيع والشراء، ويعضده ما في بعض النسخ: كبيع، بالكاف.
قال ابن المواز: يجوز عند مالك وأصحابه الجعل على الشيء فيما قل وكثر، في الحضر والسفر، لا بأس أن يجعل له على مائة ثوب يشتريها دينارًا، إذا كان على أن ما اشتري له لزمه، وأما إن كان على أن ما اشتراه هو فيه بالخيار فلا خير فيه، ومنع لجعل على بيع ما كثر ففرق، فقال ابن المواز وعياض وجماعة من القرويين وغيرهم: البيع والشراء سواء، فحملوا المنع في البيع على أن العرف فيه لا يأخذ شيئًا إلا ببيع الجميع، فيمنع بخلاف الشراء.
ولو كان على أنه إذا باع شيئًا كان له بحسابه جاز، وألوا الإطلاق في الشراء على أن العرف جار بأنه اشترى شيئًا أخذ بحسابه، ولو كان لا يأخذ شيئًا إلا بعد شراء الجميع لمنع، فصار البيع والشراء سواء في المنع والجواز.
[ ٧ / ٩٤ ]
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون ما يشتري له يلزم أو يخير فيه، وهو خلاف ما تقدم لابن المواز.
وفي شرط صحة منفعة الجاعل وعدم شرط حصولها قولان، نحوه قول صاحب المقدمات: اختلف هل من شرط صحته أن يكون فيه منفعة للجاعل أو لا؟ على قولين.
ولمن لم يسمع قول رب الآبق: من جاء بعدي فله كذا، وجاء به جعل مثله، إن اعتاده -أي: طلب الإباق- وسواء كان ذلك مثل المسمى أو أقل أو أكثر، كحلفهما بالحاء المهملة بعد تخالفهما بالخاء المعجمة، بأن ادعى العامل أنه سمع وأتى به لذلك، وقال ربه: لم تسمع، بل أتيت به بغير سماع، فللعامل جعل مثله، ويحتمل تخالفهما في قدر الجعل، كما في ابن الحاجب تبعًا لابن شاس.
ويشمل تخالفهما بأن قال العامل: سعيت في رده، وأنكر ربه إذا جاء العامل بالآبق قبل التزام ربه بالجعل، كان لربه تركه وإلا يكن الآتي بالأبق لم يسمع قول ربه، ولا له عادة بالطلب، فالنفقة واجبة له على ربه، بخلاف اللقيط لا نفقة لواجده.
والفرق: أن هنا لازمة له؛ لكونه رقيقه، وهو مليء، والآتي به دخل على العوض، وفي اللقيط غير لازمة، وإن ظهر له أب؛ لأن المنفق عليه لا يقصد العوض غالبًا لحريته ولعدم العلم، بأن أبا.
وإن أفلت الآبق ممن جاء به فجاء به آخر غياه لربه، فلكل منهما من الجعل نسبته، فإن جاء به الأول ثلث الطريق مثلًا، والثاني ثلثاه، كان للأول ثلث الجعل، وللثاني ثلثاه.
وإن جاء به ذو درهم سماه له، وذو أقل كنصف، سماه له، وجاءا به معًا، اشتركا فيه، يريد في الأكثر، وهو الدرهم، فيقتسمانه بنسبة ما سمي لهما، ونسبة النصف لدرهم، ونصف ثلث، ونسبة الدرهم لذلك ثلثان،
[ ٧ / ٩٥ ]
فيقتسمان الدرهم أثلاثًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وقال ابن نافع وابن عبد الحكم: لكل نصف ما سمي له، واختاره اللخمي.
تنبيه:
أطلق الاشتراك على ما قلناه وإن كان الأصل فيه عند الإطلاق النصف؛ لوضوحه ولعدم من يقول به هنا.
ولكليهما الفسخ قبل الشروع في العمل؛ لأنه عقد جائز على المشهور.
وقيل: لازم لهما.
وقيل: للمجعول له فقط.
ولزمت العقدة الجاعل بالشروع في العمل، فيسقط خياره، ويبقى العامل على خياره على المشهور، وهو لمالك في المدونة وغيرها.
وفي الجعل الفاسد جعل المثل إن تم العمل، ردًّا له لصحيح نفسه، فإن لم يتم العمل فلا شيء له.
وقيل: له أجر مثله سواء تم العمل أم لا ردًّا له لصحيح أصله وهو الإجارة.
ثم استثنى مما فيه جعل المثل من الفاسد، فقال: إلا إن عقداه بجعل مطلقًا، أي: سواء تم العمل بأن أتى به أو لم يتمه، كقوله: إن أتيت به فلك كذا، وإن لم تأت به فلك طعامك وكسوتك، فأجرته، أي: يلزمه أجرة مثله على أظهر الأقوال عند ابن رشد، واللَّه اعلم.
* * *
[ ٧ / ٩٦ ]
باب
ذكر فيه إحياء الموات: بفتح الميم والواو، وعرفه المصنف تبعًا لابن الحاجب وابن شاس تبعًا للغزالي (١) مقدمًا تعريف الموات ليتوصل به لمعرفة الإحياء، فقال: موات الأرض ما سلم عن الاختصاص، لكن الواقع للغزالي الاختصاصات بالجمع، فاستغنى المؤلف كما قال في توضيحه عنه بالاسم المحلى بـ (أل) المفيدة للعموم.
[أسباب الاختصاص:]
ثم عد أسباب الاختصاص التي إذا انتفت كانت الأرض مواتًا بقوله:
[١] بعمارة متعلق باختصاص، ولو اندرست تلك العمارة وعادت الأرض كما كانت عليه أولًا، إلا لإحياء ثانيًا بعد اندراس الإحياء الأول، فيزول الاختصاص الأول عند ابن القاسم، خلافًا لسحنون في بقائه للأول.
[٢] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبحريمها، أي: العمارة، وهو ما ليس لأحد أن يحدث فيه ما يضر بها.
ولما كان ذلك يختلف باختلاف العمارة أخذ في بيانه، فقال: كـ:
[أ] محتطب ينتفع بحطبه لوقود وغيره.
_________________
(١) هو: محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، أبو حامد، (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ = ١٠٥٨ - ١١١١ م): حجة الإسلام: فيلسوف، متصوف، له نحو مئتي مصنف. مولده ووفاته في الطابران (قصبة طوس، بخراسان) رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل (عند من يقوله بتشديد الزاي) أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف. من كتبه (إحياء علوم الدين - ط)، و(تهافت الفلاسفة - ط)، و(الاقتصاد في الاعتقاد - ط)، و(محك النظر - ط)، (مقاصد الفلاسفة - ط)، و(المضنون به على غير أهله - ط) وفي نسبته إليه كلام، و(المنقذ من الضلال - ط)، و(بداية الهداية - ط)، و(جواهر القرآن - ط)، و(فضائح الباطنية - ط) قسم منه، ويعرف بالمستظهري، وبفضائح المعتزلة، وغيرها. ينظر: الأعلام (٧/ ٢٢ - ٢٣).
[ ٧ / ٩٧ ]
[ب] ومرعى للمواشي يلحق كل منهما غدوًا ورواحًا في يوم بالنسبة لبلد.
ومفهومه: أن ما لا يدرك في يوم فهو بعيد، ليس من حريمها، وهو كذلك عند ابن القاسم وسحنون.
[ج] وما لا يضيق على وارد بمواشيه حريم لبئر المواشي، وأما حريم غيرها كبئر الزرع والدار، فقال: وما لا يضر بما لبئر، وليس لذلك حد مخصوص بقياس عند مالك وابن لقاسم في المدونة وغيرها، بل يختلف ذلك باختلاف الأرض بشدة ورخاوة، وليس للجار أن يحفر بئرًا تضر ببئر جاره، خلافًا لأشهب.
ولم يعتمد المؤلف على شيء من التحديد بالقياس مما وقع لسحنون وغيره.
[د] وما فيه مصلحة لنخلة فهو حريم لها، كذا أجاب مالكٌ بنَ غانم (١) لما سأله عن حريمها، قال: وسألت عن ذلك أهل العلم به، فقالوا: اثني عشر ذراعًا من نواحيها كلها إلى عشرة.
وسئل عن كل شجرة وعن الكرم أهل العلم بهما، فقالوا: لكل شجرة قدر مصلحتها.
[هـ] ومطرح تراب ومصب ميزاب حريم لدار في موات.
[المحفوفة بالأملاك:]
وأشار للمحفوفة بالأملاك بقوله: ولا تختص محفوفة بأملاك بالانتفاع بحريمها بل هي وغيرها فيه سواء، ولذا قال: ولكل الانتفاع ما لم يضر غيره.
_________________
(١) هو كما في شجرة النور ص ٦٢: "أبو محمد عبد اللَّه بن عمر بن غانم الرعيني القيرواني، قاضي إفريقية وفقيهها المشهور بالعلم والصلاح، الثقة الأمين، روى عن مالك، ووقع ذكره في (المدونة)، وسمع من عبد الرحمن بن أنعم والثوري، ولاه القضاء روح بن حاتم سنة ١٧١، مولده سنة ١٢٨، وتوفي سنة ١٩٠.
[ ٧ / ٩٨ ]
[٣] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبإقطاع من الإمام.
قال في التوضيح: وليس هو من الإحياء، وإنما هو تمليك مجرد، فله بيعه وهبته، ويورث عنه.
[شرط الاقتطاع:]
ولا يقطع الإمام معمور العنوة ملكًا، بل إمتاعًا، وأقطع -ﷺ- الزبير أرضًا فيها نخل من أمول بني النضير، وأقطع عمر الناس العقيق أجمع.
[٤] وأشار لسبب آخر من أسباب الاختصاص بقوله: وبحمى إمام من أئمة المسلمين.
[شروط جوازه:]
ولجوازه شروط أشار لأحدها بقوله: محتاجًا -أي: دعت الحاجة- له؛ لنفع المسلمين.
ولثانيها بقوله: قل ذلك الحمى بالنسبة لغيره، وفضل عن منافع غير أهله.
ولثالثها بقوله: من بلد عفا، أي: لا عمارة فيه بغرس ولا بنائل في الأطراف، بحيث لا يضيق على ساكن.
ولرابعها بقوله: لكغزو، وروى الصعب بن جثامة (١) أن النبي -ﷺ- حمى النقيع (٢)، بالنون.
_________________
(١) هو: الصعب بن جثامة بن قيس الليثي، (٠٠٠ - نحو ٢٥ هـ = ٠٠٠ - نحو ٦٤٦ م): صحابي، من شجعانهم. شهد الوقائع في عصر النبوة، وحضر فتح إصطخر وفارس. وفي الحديث يوم حنين: "لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل". مات في خلافة عثمان، وقيل قبلها. وله أحاديث في الصحيح. ينظر: الأعلام (٣/ ٢٠٤).
(٢) نص الحديث عند ابن سعد (١١/ ٥) أخبرنا محمد بن عمر هو الواقدي حدثني عمرو بن عمير بن هنى مولى عمر بن الخطاب عن جده: أن أبا بكر الصديق لم يحم =
[ ٧ / ٩٩ ]
[شرط إحياء الموات:]
وافتقر إحياء الموات لإذن من الإمام، إن لم يكن المحيي مسلمًا، بل وإن كان مسلمًا إن قرب من العمران على المشهور، وإلا بأن أحيا بغير إذنه فللإمام إمضاؤه بإجازة فعله، أو له جعله متعديًا، فيعطي قيمة بنائه مقلوعًا، وهذا التفصيل هو المشهور.
وقيل: قيمته قائما.
بخلاف إحياء البعيد من الموات، لا يحتاج لإذن، قال في البيان: على المشهور.
ولو كان المحيي ذميًّا بغير جزيرة العرب، اللخمي: هي الحجاز والمدينة واليمن.
زاد الشيخ: ولابن الحبيب.
قال الأخوان: مكة والمدينة والحجاز كله والنجود (١).
_________________
(١) = شيئًا من الأرض إلا النقيع وقال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- حماه فكان يحميه للخيل التي يغزى عليها وكانت إبل الصدقة إذا أخذت عجافًا أرسلت بها إلى الربذة وما والاها ترعى هنالك ولا يحمى لها شيئًا ويأمر أهل المياه لا يمنعون من ورد عليهم يشرب معهم ويرعى عليهم فلما كان عمر بن الخطاب وكثر الناس وبعث البعوث إلى الشام وإلى مصر وإلى العراق حمى الربذة واستعملني على حمى الربذة.
(٢) قال النووي في شرح صحيح مسلم (١١/ ٩٣): "قوله -ﷺ-: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، قال أبو عبيد: قال الأصمعي: جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف العراق في الطول وأما في العرض فمن جدة وما والاها إلى أطراف الشام وقال أبو عبيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول وأما في العرض فما بين رمل يرين إلى منقطع السماوة، وقوله حفر أبي موسى هو بفتح الحاء المهملة وفتح الفاء أيضًا قالوا وسميت جزيرة لاحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة وأصل الجزر في اللغة القطع وأضيفت إلى العرب لأنها الأرض التي كانت بأيديهم قبل الإسلام وديارهم التي هي أوطانهم وأوطان أسلافهم، وحكى الهروي عن مالك أن جزيرة العرب هي المجينة والصحيح المعروف عن مالك أنها مكة والمدينة واليمامة واليمن وأخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء =
[ ٧ / ١٠٠ ]
ابن القاسم: ويملكه كالمسلم.
[ما يحصل به الإحياء:]
ولما قدم أن من أسباب الاختصاص الإحياء، وذكر عياض أنه يحصل بأحد عشرة أمور: فيها سبعة متفق عليها، وثلاثة مختلف فيها، بين المصنف ذلك، وذكر جميعها، عاطفًا بعضها على بعض، وكل من السبعة مجرور بالباء، وما عطف عليه بغيرها فتابع له، ذكر الثلاثة المختلف فيها مخرجًا لها بلا، فقال: والإحياء:
[١] بتفجير ماء من الأرض بحفر بئر أو فتق عين.
[٢] وبإخراجه منها من غامرها، كذا قال الشارح، وبه يخالف ما قبله.
وقول البساطي: (إخراجه بأن يكون كمينًا في جبل مثلًا، فيفتق الجبل حتى يخرج منه الماء) غير ظاهر؛ لدخوله فيما قبله.
[٣] وببناء عليها.
[٤] وبغرس فيها.
[٥] وبحرث وتحريك أرض، بأن يجعل أعلاها أسفلها، والتحريك أعم من الحرث، فهو من عطف العام على الخاص، ولو اقتصر عليه لكفي.
[٦] وبقطع شجر كان بها.
[٧] وبكسر حجرها وتسويتها، بأن يعدل أرضها.
[ما لا يحصل به الإحياء:]
وأشار للثلاثة الأخر التي لا يحصل بواحد منها الإحياء عند ابن القاسم خلافًا لأشهب بقوله:
_________________
(١) = فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب وقالوا: لا يجوز تمكينهم من سكناها ولكن الشافعي خص هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب بدليل آخر مشهور".
[ ٧ / ١٠١ ]
[١] لا بتحويط عليها، كضرب حدود حول ما يريد إحياءه منها؛ قصدا لمنع الناس عنه.
[٢] ورعي كلأ فيها.
[٣] وحفر بئر ماشية فيها.
[الإحياء المعنوي:]
وجرت عادة أهل المذهب بذكر الإحياء المعنوي عقب الإحياء الحسي، وهو القيام بحقوق المساجد، وتبعهم المؤلف، فقال:
[ما يجوز فعله بالمسجد:]
[١] وجاز بمسجد سكنى لرجل تجرد للعبادة، كـ: صلاة وتلاوة وتعلم وتعليمه، وخرج بذلك المرأة والرجل الذي يتخذه كالدار، ويعده للادخار؛ لأنه تغيير له عما وضع له.
[٢] وجاز فيه عقد نكاح، واستحسنه جماعة.
[٣] وجاز فيه قضاء دين.
البساطي: إذا كان يسيرًا يخف معه الوزن أو العدد.
[٤] وقتل عقرب ونحوها.
[٥] ونوم بقائلة لمقيم أو مسافر، وأحرى المتجرد للعبادة.
[٦] وجاز تضييف -أي: إنزال الضيف- بمسجد بادية، قال مالك: ذلك شأن تلك المساجد.
[٧] وجاز إناء -أي: اتخاذه فيه- لبول إن خاف سبقًا بالقاف قبل خروجه، وفي بعض النسخ (سبعًا) بالعين موضع القاف، ونحوه لابن رشد.
كمنزل يجوز اتخاذه تحته، ومنع عكسه، بأن يجعل السفل مسجدًا، والعلو منزلًا.
[ ٧ / ١٠٢ ]
[ما يمنع بالمسجد:]
ثم شبه في الممنوع بالنسبة للمسجد، فقال: كـ:
[١] إخراج ريح، وإن كان خاليًا؛ لحرمة المسجد والملائكة.
وفهم من قوله: (إخراج): أن خروجه غلبة لا يمنع.
[٢] ومكث فيه بنجس: قل أو كثر.
[ما يكره بالمسجد:]
وكره:
[١] أن يبصق بأرضه، أي: عليها، وإن فعل حكه، ويحتمل أنه يكره أن يحك البصاق بغير الأرض، كبصقه بكفه أو بثوبه ثم يحكه بأرض المسجد.
وفهم من قوله: (بأرضه) جوازه تحت الحصبا أو الحصير.
[٢] وكره تعليم صبي.
[٣] وبيع وشراء.
ظاهره: مطلقًا؛ لأنهما مظنة المشاحة المؤدية للغط، وفسره البساطي بأن يوضع فيه الأشياء للبيع والشراء، وأما قول البائع: بعت، والمشتري: اشتريت، لغائب أو حاضر غير مقصود إحضاره لذلك فخفيف.
[٤] وكره فيه سل سيف ومدية ونبل؛ للنهي عن سل السف فيه.
[٥] وكره إنشاد ضالة فيه؛ لخبر: "إذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا: لا ردها اللَّه عليك" (١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣/ ٦١٠، رقم: ١٣٢١) وقال: حسن غريب. وابن السني (ص ٦٦، رقم: ١٥٣)، والحاكم (٢/ ٦٥، رقم: ٢٣٣٩) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٢/ ٤٤٧، رقم: ٤١٤٢). ورواه بلفظ: "من سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها اللَّه عليك فإن =
[ ٧ / ١٠٣ ]
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: يريد ونشدها أيضًا، ويبين لك الفرق بينهما قول الشاعر: أصاعت الناشد للمنشد.
[٦] وكره فيه هتف بميت، بأن يقول بصوته على سنة الجهر: فلان قد مات بالمسجد أو بابه، وأما ما يفعله النذير بمصر وزعقات المؤذنين فمن النهي المنهي عنه.
[٧] وكره فيه رفع صوت بعلم أو غيره، إلا بالتبليغ، كرفعه -أي: الصوت- بعلم مطلقًا في المسجد أو غيره.
مالك: ما للعلم ورفع الصوت.
[٨] وكره فيه وقيد نار، البساطي: المستغنى بالقناديل.
[٩] وكره دخول كخيل أو بغال وحمر فيه، مما بوله وروثه نجس؛ لنقل إليه أو منه؛ للضرورة، وأما ما بوله وروثه طاهر كالإبل والبقر فجائز دخوله.
[١٠] وكره فيه فرش يجلس عليه.
[١١] أو متكأ، كوسادة ونحوها، حكاه ابن حبيب عن مالك.
[المياه والآبار والعيون والكلأ:]
ولما جرت عادة أهل المذهب إلحاق الكلام على الإحياء بالكلام على المياه والآبار والعيون والكلأ، وما يتعلق بذلك، وكانت المياه أقسامًا، تبعهم المصنف بالكلام على أقسامه فقال:
_________________
(١) = المساجد لم تبن لهذا"، أحمد (٢/ ٣٤٩، رقم: ٨٥٧٢)، ومسلم (١/ ٣٩٧، رقم: ٥٦٨)، وأبو داود (١/ ١٢٨، رقم: ٤٧٣)، وابن ماجه (١/ ٢٥٢، رقم: ٧٦٧)، وابن خزيمة (٢/ ٢٧٣، رقم: ١٣٠٢)، وأبو عوانة (١/ ٣٣٩، رقم: ١٢١٢)، وابن حبان (٤/ ٥٢٩، رقم: ١٦٥١)، والبيهقي (٢/ ٤٤٧، رقم: ٤١٤٠).
[ ٧ / ١٠٤ ]
[أولًا - الكلام على المياه:]
ولذي مأجل بفتح الجيم، الجوهري عن أبي عمران: وهو الماء المستنقع والجمع المآجيل. انتهى.
البساطي: المراد به الصهريج.
ولذي بئر في ملكه وماجل في أرضه من مطر أو سيل أو فتق عين.
ومرسال مطر، وهو: الذي يجري من أرضه لأرض غيره، كماء يملكه يحوزه في آنية منعه من غيره، وله بيعه على المشهور.
قال يحيى بن يحيى في العتبية: أربع لا تمنع: الماء، والنار، والحطب، والكلأ.
ثم استثنى من متعلق قوله: (له منعه) إلا من خيف عليه الهلاك أو المرض الخطر، ولا ثمن معه لذلك، فإنه يأخذ مجانًا؛ لوجوب مواساته؛ للخوف عليه، وتقدم في أثناء باب الصيد أنه يجب المواساة بفضل الطعام والشراب بشرطه، والأرجح أخذه بالثمن، الذي ليس معه.
ثم شبه في الوجوب وفي الخلاف في أخذه بثمن أو لا، فقال: كفضل ماء بئر زرع يجب على جار فضل عن سقي زرع دفعه بالثمن على الأرجح عند ابن يونس، ولذلك شروط أربعة، ذكرها الباجي.
وأشار لها بقوله: كفضل، فلو لم يفضل عن زرعه شيء لم يجب عليه.
وبقوله: خيف على زرع جاره أو نخله الهلاك عطشًا، فلو لم يخف عليه لم يجب، رواه أشهب.
وفهم من قوله: بهدم بئره أو نزحه أنه زرع على ماء، فلو زرع على غير ماء لم يجب على جاره؛ لمخاطرته وتعريضه للتلف، قاله ابن الماجشون وغيره.
وبقوله: وأخذ يصلح، بأن شرع في إصلاح ما يحتاج له من عمارة،
[ ٧ / ١٠٥ ]
فلو لم يشرع في إصلاحه واعتمد على السقي بفضل ماء غيره، فروى أشهب: ليس له أن يسقيها إن كانت وديًا حتى تبلغ، وإنما ينظر في هذا إلى قدر ما ينزل.
وقال مطرف: يسقي بذلك إلى أن يبني بئره، وقاله مالك، ومقابل الأرجح أخذه بغير ثمن.
وإذا وجدت هذه الشروط أجبر عليه، أي: قضي على الجار بإعطاء الفضل في الفرعين.
ثم شبه في الفرعين قوله: كفضل ماء بئر ماشية حفرها بصحراء، فإنه يجبر على دفع فضل مائها هدرًا؛ لأنه لا يجوز له بيعه ولا هبته ولا يورث، إن لم يبين الملكية، فإن بين فله المنع، ومن البيان أن يشهد عند الحفر أنها لنفسه.
وإذا اجتمع على ما فضل عن ربه مستحقون والماء يكفيهم بدئ بمسافر حاضر، وله -أي: للمسافر- على الحاضر.
وقال البساطي: على ذي الماء.
عارية آلة، كـ: دلو ورشا وحوض، إن احتاج لذلك في استخراج الماء.
والرشا، ممدود: الحبل.
ثم حاضر بعد المسافر، ثم دابة ربها، أي: البئر، وكل من قدم بجميع الري، وإلا يكن في الماء كفاية لجميع الري فبنفس المجهود، ويحتمل إن لم يكن فضل لري الجميع بدئ بالمجهود عطشًا: آدميًّا كان أو غيره.
ابن رشد: فإن استووا في الجهد تواسوا عند أشهب.
وزاد ابن لبابة: إلا أن أهل الماء أحق بتقديم أنفسهم ودوابهم، وأما إن قل الماء وخيف على بعضهم بتبدئة بعض الهلاك بدئ بأهل الماء،
[ ٧ / ١٠٦ ]
فيأخذون لأنفسهم بقدر ما يذهب عنهم الخوف، فإن فضل أخذ المسافرون لدوابهم بقدر ما يذهب عنهم الخوف، ولا اختلاف عندنا في هذا الوجه.
وإن سال مطر بمباح من أرض ليست مملوكة لأحد، وأسفل منها جنان، سقي الأعلى منها قبل غيره، إن تقدم إحياؤه على الأسفل، وينتهي استحقاقه في الزرع بلوغ الماء في أرضه للكعب، ثم يرسله لمن هو أسفل، فيسقي كذلك، وهكذا حتى يكتفوا، ما لم يحتج الأول لإعادة السقي ثانيًا، وأما إذا لم يكن في الماء فضل، ولا يتأتى به السقي إلا لواحد، فلا حق للأسفل، إلا فيما يفضل عن الأعلى.
وأمر صاحب الأعلى بالتسوية لأرضه، إن كان بعضها أعلى من بعض، وأمكنه ذلك، وإلا يمكنه تسويته، وكان السقي لا يبلغ الكعبين في الأعلى حتى يكون في الأسفل أكثر من ذلك، فكحائطين، يسقي الأعلى ثم الأسفل.
وقسم الماء للمتقابلين من الحوائط، فلا يقدم أحدهما عند سحنون، كالنيل في جميع ما تقدم في السيل، وإن ملك الماء أولًا ولأصحاب علو وسفل بإجماعهم على إجرائه لأرضهم قسم بينهم بقلد: بكسر القاف وسكون اللام، أو غيره من الآلات التي يتوصل بها لإعطاء كل ذي حق حقه من الماء من غير نقص ولا زيادة.
ابن عرفة: وأقرب ما يحقق به أن يقسم ماء الليل وحده، وماء النهار وحده، بالساعات الرملية المحققة. انتهى.
ثم إن رضي الشركاء بتقديم بعضهم على بعض فذاك، وإلا أقرع بينهم للتشاح في السبق، ولا يمنع أحد صيد سمك من ماء الأودية والأنهار والأراضي التي ليست مملوكة؛ لأن الماء لما كان غير مملوك والصيد غير مملوك كان كسائر المباحات من سبق لها فهو أحق.
وإن كان السمك في أرض من ملكه، فليس له المنع عند ابن القاسم، وروي عن مالك في المدونة في الأرض المملوكة: لا أرى له منع أحد يصيد.
[ ٧ / ١٠٧ ]
وهل قوله: لا أرى، هل هو في أرض العنوة فقط؛ لأنها في الحقيقة لا تملك، إنما هي أرض خراج واستمتاع، وأما المملوكة حقيقة فله المنع؛ إذ قوله: لا أرى له المنع مطلقًا أرض عنوة، أو غيرها إلا أن يصيد المالك فيها فله المنع تأويلان.
وظاهره: سواء طرحها فتوالدت، أو جرها الماء، وهو كذلك، خلافًا لأشهب في قوله: إن توالدت فله المنع، وإن جرها فلا.
[ثانيًا - الكلأ:]
وأشار إلى أن الكلأ -وهو العشب يابسًا كان أو رطبًا، والعشب الكلاء الرطب- على أربعة أقسام: إذا كان في الأرض المملوكة، أشار لأحدها بقوله: ولا يمنع كلأ مقصور مهموز بفحص، وهو: الأرض التي ترك صاحبها زرعها استغناءً عنها، ولم يبورها لأجل المرعى، فنبت الكلأ فيها.
ولثانيها بقوله: وعفًى لا يمنع أحد منه، وهو ما عفي من الزراعة، وفضل كل منهما عن حاجة صاحبه، إذا لم يكتنفه زرعه، فإن اكتنفه بحيث يكون عليه ضرر في وصول الناس إليه بدوابهم ومواشيهم فله المنع.
وأشار لثالثها بقوله: بخلاف مرجه، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب، وحماه وهو الذي بوره من أرضه للمرعى، فإن له منعه وبيعه في كل من المسألتين.
وسكت المؤلف عن ذكر الرابع، وهو الأرض المحظرة لدخولها في الحمى من باب أولى، وقد قال ابن رشد: لا اختلاف فيما كان فيها من الكلأ أن صاحبها أحق ببيعه وبمنعه، احتاج إليه أو لا، واللَّه أعلم.
* * *
[ ٧ / ١٠٨ ]
باب
ذكر فيه الوقف وما يتعلق به، فقال: صح ولزم وقف مملوك من غير حكم حاكم، وعبر بالصحة للتنبيه على قول أبي حنيفة: لا يصح ولا يلزم في حال الحياة، وهو ملك يورث عنه، إلا أن يحكم الحاكم بصحته أو يعلقه على موته، كإذا مت فداري وقف على كذا.
وقيل: يجوز عنده، ولا يلزم، فيورث ويرجع عنده ويباع.
تنبيه:
عبر كابن الحاجب بالوقف دون الحبس؛ لأنه أصرح في الدلالة؛ لإفادة التأييد من غير ضميمة، قاله عبد الوهاب، وهما عند ابن رشد وغيره سواء.
وشمل قوله: (مملوك) الأرض والطريق والدار والحانوت والقنطرة والمسجد والمصحف وكتب العلم وغيرها والمشاع، خلافًا لأبي حنيفة في عدم صحة كتب العلم والمشاع.
وظاهر كلام المؤلف: كان المشاع ممن ينقسم أو لا، وللخمي فيه تفصيل، انظره في الكبير.
وإن كان الموقوف المملوك منفعته بأجرة، كاكترائه أرضًا مثلًا سنين، فيتخذها مسجدًا في تلك المدة أو بعضها، فيكون النقض للباني، كما في المدونة.
وأشار بالمبالغة لمخالفة قول ابن الحاجب: (يصح في العقار والمملوك لا المستأجر)، والمشهور: صحة وقف المملوك، ولو حيوانًا ورقيقًا.
وأشار بالمبالغة للقول بالمنع فيهما، كعبد يصح وقفه على مرضي يخدمهم، ما لم يقصد ضرره بذلك، فإن قصد فلا.
[ ٧ / ١٠٩ ]
[وقف الطعام ونحوه:]
وفي جواز وقف كطعام لا يعرف بعينه إذا غيب عليه كالحنطة لتسلف فتجدد دائمًا، وهو مذهب المدونة، ومنعه وبه قال ابن شاس وابن الحاجب، تردد.
وعلى هذا التقرير في التردد نظر؛ لأن أحد شقيه في المدونة، ويحتمل، وفي كراهة وقف طعام ونقد مما لا يعرف بعينه كما في البيان ومنعه تردد.
[أحكام الموقوف عليه:]
ولما قدم ما يفهم منه الركن الأول وهو الواقف فإن الموقوف لا بد له من واقف، ذكر الركن الثاني وهو الموقوف عليه، فقال: على أهل للتملك، وفي بعض النسخ للتمليك، كمن سيولد مثال من أمثلة من يصح تملكه وكالجنين.
ولما كان لا يشترط فيه ظهور القربة؛ لأنه من باب الصدقات والهبات، قال مبالغًا على ذلك: وذمي وإن لم تظهر قربة كالغني، أو يشترط واقفه تسليم غلته من ناظره، الذي أقامه عليه؛ ليصرفها الواقف في مصرفها.
وقول البساطي: (يشترط معطوف على وإن لم تظهر قربة، ومعناه: إن عدم ظهور القربة لا ينافي الوقف، وكذا اشتراط عود ربه إليه ليصرفه، لا ينافيه، إذا لم يعد في شيء مما حبس، ولا جعل النظر إليه) فيه إجمال.
وأحسن منه قول بعض من تكلم على هذا المحل: يشترط مجزوم عطفًا على ما بعد (إن)، لا على ما بعد (لم).
أو ككتاب وسلاح وقفه وحيز عنه، ثم عاد إليه، أي: إلى الواقف؛ لينتفع به كغيره بعد صرفه في مصرفه؛ لأن خروجه من يده حوز له عنه، وعوده بعد صحة الحوز لا يضر في صحة الوقف.
[ ٧ / ١١٠ ]
[ما يبطل الوقف:]
وبطل:
[١] الوقف على معصية كجعل ربعه في ثمن خمر. البساطي: لا يبعد القول بكفر من فعل ذلك (١).
[٢] ويبطل على حربي؛ لأنه فيه قوة على حربه، كالوصية له.
[٣] وبطل من كافر ذمي أو غيره وقدرنا من؛ لأنه من عطف الجمل؛ إذ ما قبله معمول (على)، ولا يصح هذا فيه، فيكون المعنى: من كافر.
لكمسجد أو رباط أو على الكعبة، قال مالك في نصرانية بعثت بدينار للكعبة: يرد عليها، ولا يكون في الكعبة.
[٤] أو على ذكور بنيه دون بناته، فإنه يبطل؛ لأنه من عمل الجاهلية.
[٥] أو عاد الواقف لسكنى مسكنه الذي حبسه على محجوره، كما في التي بعدها، وخرج منه واقفه، وحيز عنه، ثم عاد لسكناه، قبل مضي عام من حين خروجه (٢)، فإنه يبطل.
_________________
(١) لأن ذلك يشبه الاستخفاف بالدين، والاعتراض على أحكامه وعدم الرضا بها.
(٢) قال في المنح (٨/ ١٢١ - ١٢٢): "طفى: فيه نظر بل يبطل فلا مفهوم لعاد ولا لسكنى ولا لمسكنه إذ الانتفاع بغير السكنى كالانتفاع بها وغير المسكن كالمسكن كذا النقل وبه شرح الشراح المعتمدون. ابن يونس الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه من حبس حبسًا وسكنه زمانًا ثم خرج منه فلا أراه إلا قد أفسد حبسه وهو ميراث. ابن القاسم إن حيز عنه بعد ذلك في صحته حتى مات فهو نافذ فإن رجع فسكن فيه بكراء بعدما حيز عنه فإن جاء في ذلك أمر بين من الحيازة فذلك نافذ قاله مالك رضي اللَّه تعالى عنه. محمد هذا إذا حاز ذلك المحبس عليه بنفسه أو وكيله ولم يكن فيهم صغير ولا من لم يولد بعد فأما من جعل ذلك بيد من يحوزه على المتصدق عليه حتى يقدم أو يكبر أو يولد أو كان بيده هو يحوزه لمن يجوز حوزه عليه ثم سكن ذلك قبل أن يلي الصغير نفسه وقبل أن يحوز من ذكرنا ممن حبس عليه فذلك يبطله. =
[ ٧ / ١١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: وكم حد تلك الحيازة. قال: السنة أقلها. وقال ابن عبد الحكم: عن مالك رضي اللَّه تعالى عنه. ابن رشد إنما يصح القول بحيازة العام في المالكين أمورهم فقول مالك رضي اللَّه تعالى عنه والمعلوم من مذهب ابن القاسم أنه إن رجع بعمرى أو كراء أو إرفاق أو غير ذلك بعد أن حازها الموقوف عليه سنة أن الوقف نافذ. ابن رشد وأما الصغار فمتى سكن أو عمر ولو بعد عام بطل. اهـ. واقتصر عليه ابن عات وابن سلمون. وأفتى ابن لب بأنه إن أخلى ما حبسه على صغار ولده عامًا كاملًا ثم رجع له فلا يبطل رجوعه تحبيسه. المتيطي المشهور المعمول به أنه لا فرق بين الصغير والكبير في نفوذ السكنى إذا أخلاه على ما يشترط أن يكريه في هذا العام باسم محجوره ويرجع إليه بالكراء ويشهد عليه وهذا قول ابن القاسم وعبد الملك ونحوه لابن العطار ثم ذكر عن محمد أن المحجور ليس كغيره أفاده ق الحط وأما إن عاد للسكنى بعد عام فلا يبطل وهذا في حق من يحوز لنفسه. وأما من يجوز له الواقف فإن عاد لسكناه بطل الحبس والهبة. انظر التوضيح وابن عرفة. البناني هذه طريقة ابن رشد وطريقة المتيطي لا فرق بين المحجور وغيره في عدم البطلان بعوده للسكنى بعد عام وعليها العمل وقد نظم هذا سيدي حمدون المزوار فقال: رجوع واقف لما قد وقفا بعد مضي سنة قد خففا على صبي كان أو ذي رشد واعترضت طريقة ابن رشد أو أي وبطل الوقف إن وقف شيئًا ثم ظهر دين عليه مستغرق ما بيده وجهل بضم فكسر سبقه أي: الوقف لدين ظهر على الواقف مستغرق ما وقفه وعدم سبقه إياه فيبطل الوقف إن كان الوقف على محجوره أي: الواقف احتياطا للواجب وهو قضاء الدين. ومفهوم الشرط أنه إن كان على غير محجوره فلا يبطل في هذه الحالة. فيها قال الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه: ومن حبس حبسًا على ولد له صغار فمات وعليه دين لا يدرى الدين كان قبل أم الحبس وقام الغرماء فعلى الولد إقامة البينة أن الحبس كان قبل الدين وإلا بطل الحبس ونحوه في رسم الجواب قال الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه في الرسم المذكور ولو كان ذلك على ابن مالك لأمره أو أجنبي فحاز وقبض كانت الصدقة أولى. المتيطي إن تحقق سبق الدين بطل الحبس والهبة والصدقة مطلقا وإن تحقق سبق =
[ ٧ / ١١٢ ]
وفهم من قوله: (عاد) أنه لو لم يسكن أولًا، وحيز عنه، ثم سكنه قبل عام، لم يبطل، كما أنه لا يبطل إذا عاد لسكناه بعد عام، فالعام حد للحيازة.
تنبيه:
إنما يبطل في عوده قبل عام لضعف الحوز بسكنه فيه أولًا وآخرًا.
_________________
(١) = العطايا نفذت وبقيت الديون على الغريم وإن جهل السابق منهما فما كان من تحبيس أو صدقة أو هبة على كبير حاز لنفسه أو على صغير حاز له أجنبي بأمر أبيه فهو ماض على حسب ما عقد وتبقى الديون في ذمته وما كان من ذلك على صغير حاز له أبوه فالديون أولى من ذلك، وكذلك قال الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه في كتاب الهبات غ: الشرط قاصر على هذه دون ما قبلها، ففي كتاب الهبات من (المدونة) ومن وهب لرجل هبة من غير ثواب ثم ادعى رجل أنه ابتاعها من واهبها وجاء ببينة فقام الموهوب له يريد قبضها فالمبتاع أحق بها وذلك كقول مالك رضي اللَّه تعالى عنه في الذي حبس على ولد له صغار حبسًا ومات وعليه دين لا يدرى قبل الحبس أو بعده فقال: البنون قد حزناه بحوز الأب علينا فإن أقاموا بينة أن الحبس كان قبل الدين فالحبس لهم وإلا بيع للغرماء وكذلك الهبة لغير ثواب وقد استوعبها المتيطي. طفى: لا معنى لرجوع القيد للتي قبلها الآن عوده للانتفاع به قبل السنة يبطل الحوز إن كان الحائز ممن يحوز لنفسه وهو محبس عليه وأما إن حبس على صغيره وحازه له فاختلف فيه هل هو كذلك أو يبطل متى رجع إليه ولو بعد عام قاله ابن رشد ثم قال: وقال المتيطي: المشهور المعمول به أنه لا فرق بين الصغير والكبير في نفوذ مسكن السكنى إذا أخلاه عامًا بشرط أن يكريه في هذا العام باسم محجوره ويرجع إليه بالكراء ويشهد على ذلك وهذا قول ابن القاسم وعبد الملك، فإذا علمت ذلك فكيف يصح رجوع القيد إليها إذ لو رجع إليها لكان المناسب أن يقول إن لم يكن على محجوره وهو المعتمد ونحوه لابن يونس وعليه درج المصنف في قوله ولم تكن دار سكناه وتبع تت الشارح في قوله قيد في هذه والتي قبلها والعجب كيف سلمه وهو واضح الفساد ونبه عليه غ معرضا بالشارح بقوله الشرط قاصر على هذه دون ما قبلها وأعجب من ذلك أن الشارح ذكر كلام ابن يونس الدال على المطلوب ولم يهتد له، لكن الكمال للَّه ﷾، واعلم أن الباطل في قوله: أو عاد لسكنى مسكنه الحوز فقط كما يؤخذ من كلام ابن يونس بخلاف ما قبله وما بعده فإنه الحبس. اهـ. أي: إن لم يحصل له مانع وهو ساكن به وإلا بطل الحبس أيضًا، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ١١٣ ]
[٦] أو جهل سبقه -أي: الوقف- لدين على الواقف وعدم سبقه له فيبطل، وللغريم بيعه في دينه، وأحرى إن كان الدين سابقًا عليه؛ تقديمًا للواجب على الشرع، وأما إن سبق الوقف لم يبطل، إن كان الوقف على محجوره، قيد في هذه والتي قبلها.
وجوز الشارح كونه قيدًا في التي قبلها فقط، وجعله غيره شرطًا في هذه فقط، وإنما بطل وقف المدين لأن المحبس هو من صح تبرعه وقبوله.
[٧] أو وقف على نفسه خاصة، فيبطل اتفافا؛ لتحجيره على نفسه وعلى دارته بعد الموت، بل يبطل ولو بشريك، كعلى نفسه وعلى زيد على المشهور.
وأشار بـ (لو) لخلاف ابن شعبان بصحته في الثانية عليهما معًا.
[٨] أو وقف على شرط أن النظر له، وجزم الشارح ببطلانه، وتبعه البساطي، ثم قال: والذي للمتقدمين أنه لا يجوز.
[نوعا الحوز:]
ولما كان الحوز حسيًّا وحكميًّا، أشار للأول بقوله: أو لم يحزه كبئر رشيد أو غيره وقف عليه، أي: حتى فلس الواقف أو مات، فإنه يبطل إن لم يكن الكبير سفيهًا، بل ولو كان سفيهًا.
وأشار بـ (لو) للخلاف في صحة حوزه وبطلانه، وأشار للحوز الحكمي، وهو: حوز ذي ولاية لمن هي عليه، بقوله: أو ولي صغير؛ لأن القصد من الحيازة إن كان على معين دفع بما وافقه عنه بتسليمه لغيره، وعدم عوده له لنفعه به على ما كان، وإن كان على غيره معين كالمساجد والقناطر فحوزه تخليته بين الناس وبينه، فإن لم يفعل بطل؛ ولذا قال: أو لم يخل بين الناس وبين كمسجد، ووقت اعتبار هذا الحوز حصوله قبل فلسه ومرضه وموته، فإن لم يحز عنه حتى حصل واحد من هذه الثلاثة بطل الوقف.
[ ٧ / ١١٤ ]
[الوقف على محجور:]
ولما كان على الوقف على معين لا بد من حوزه، استثنى منه من وقف على محجوره، فقال: إلا لمحجوره -أي: عليه- فلا يشترط الحوز الحسي، وأما الحوز الحكمي -وهو حوز الولي لمن في حجره- فيشمل المحجور والسفيه، ويشمل الحاجر الأب والوصي والمقام.
وعدم البطلان إذا وجدت فيه الشروط الثلاثة المشار لها بقوله:
إذا أشهد الواقف على التحبيس على المحجور، ويشترط في هذا الإشهاد معاينة البينة، لقبض المحبس عليه، ولا يكتفي بإقرار المحبس؛ لأن المنازع المحبس عليه إما الوارث وإما الغريم، فلو اكتفى ذلك بالإقرار لزم قبول إقرار الإنسان على غيره.
ويشترط أيضًا صرف الغلة ولم تكن وقف دار سكناه، أي: الواقف، وعاد لسكناها بعد أن حيزت عنه قبل عام، وهذا مفهوم قوله: فيما سبق مما يبطل عوده لسكنى مسكنه بعد عام.
أو وقف على وارث له بمرض موته، أي: المخوف الذي يحجر فيه على المريض، فيبطل ويرجع ميراثًا كالوصية، فلو لم يكن موته بأن صح منه ثم مات لم يبطل، وهو كذلك، وكذا لو أوقف في صحته.
[مسألة ولد الأعيان:]
ثم استثنى من عدم صحة وقف المريض على الوارث المتصلة المعروفة بمسألة ولد الأعيان، سحنون: هي من حسان المسائل، وقل من يعرفها، فقال: إلا حبسًا معقبًا دارًا أو غيرها، خرج ذلك المعقب من ثلثه، أي: الواقف المريض؛ لأنه وصية، فلو لم يخرج كله من الثلث عمل فيما خرج منه ما يعمل فيما يحمله الثلث، فكميراث، أي: حكمه كميراث للوارث، فيصح ويقسم على البطن الأول، وهم الذين لا يصح الوقف عليهم لو انفردوا على العقب، ويدخل في البطن الأول من لم يوقف عليه شيء من الورثة، ويكون بأيديهم وقفًا لا ملكًا، ويكشف ذلك تمثيله
[ ٧ / ١١٥ ]
بقوله: كثلاثة أولاد لصلب، وهم أولاد للأعيان، وأربعة أولادِ أولادٍ وعقبه الواقف بتشديد القاف، بأن قال: على ولدي وعقبهم؛ لأن التعقيب شرط في المسألة؛ ولذا تعقب على ابن الحاجب تركه، ولكونه وقفًا لم يبطل ما ناب أولاد الصلب؛ لتعلق حق غيرهم به؛ لأنه لو مات أولاد الصلب رجع جميعه وقفًا على أولاد الأولاد وأعقابهم.
ولو مات الواقف وترك السبعة المذكورين وترك معهم أمًّا وزوجة للواقف، فيقسم جميع الموقوف على السبعة لولد الأعيان ثلاثة، وإذا أخذوها فيدخلان -أي: الأم والزوجة- فيما للأولاد الثلاثة: للأم سدسها، وللزوجة ثمنها إرثًا، ثم يقسم الباقي بين الثلاثة، أو ثلاثًا، وعملها بطريق الفرضيين: أن أصل المسألة من أربعة وعشرين؛ لأن فيها سدس وثمن، وهما متفقان بالنصف، فتضرب نصف أحدهما في كامل الآخر ما يبلغ ما تقدم للأم السدس أربعة، وللزوجة السدس ثلاثة، تبقى سبعة عشر للأولاد الثلاثة، لا يصح عليهم، ولا توافق، فتضرب عدد الرؤوس المنكسر عليها، تبلع اثنين وسبعين، ومنها تصح للأم اثنا عشر، وللزوجة تسعة، تبقى إحدى وخمسون، لكل واحد من الثلاثة سبعة عشر، وأربعة أسباعه الباقية بعد أخذ أولاد الأعيان حصتهم -وهي ثلاثة أسباع- لولد الولد الأربعة وقف.
ابن القاسم: والذكر والأنثى فيه سواء على المشهور.
وقال سحنون ومحمد: إن كانت حاجتهم واحدة، وإلا فعلى قدر الحاجة.
[انتقاض القسم بحادث:]
وانتقض القسم الواقع بين السبعة بحدوث ولد لهما اتفاقًا، سواء كان من جانب واحد أو من جانبين، وتصير في الأول على ثمانية، وفي الثاني على تسعة، وكذا ينتقض وإن حدث أكثر كموته، أي: واحد من الجانبين فأكثر، فينتقض القسم ويقسم على ستة، على الأصح، إن كان الميت واحدًا، فإن كان من ولد الأعيان أخذ ولد الولد ثلثي الستة، وأخذ الباقيان من ولد الأعيان الثلث، وهما السهمان الباقيان، وقسماهما على ورثة
[ ٧ / ١١٦ ]
الواقف، فتأخذ الأم السدس، والزوجة الثمن، ثم يقسم باقي السهمين على ثلاثة للولدين الباقيين سهمان، ويحيا الميت بالذكر فما نابه فلورثته من كانوا موقوفًا بأيديهم على الفرائض.
وتدخل فيه زوجة الواقف إن كانت أم الميت، ومن كان من ولد الولد الميت أو من غيره ممن يرثه.
قال ابن يونس: فيصير بيد ولد الولد نصيب، بمعنى القسم من جده في القسم الأول والثاني، ونصيب بمعنى الميراث من أبيه.
وكذا ينتقض القسم لو مات ثان، وقسم على خمسة، وإن مات ثالث صار الجميع لولد الولد حبس، فإن كان الميت من والد لولد صار لولد الأعيان النصف، ولولد الولد النصف.
لا الأم والزوجة، فلا ينتقض القسم بموتهما اتفاقًا، ولا بموت إحداهما، ويكون ما بيد من مات منهما وقفًا لورثتهما، وكذا موت وارثهما.
ودخلا (١) -أي: الأم والزوجة- فيما زيد للولد بسبب موت واحد من ولد الولد، ونقضت القسمة، وصار لولد الأعيان النصف، ثلاثة يقسم بينهم وبين الأم والزوجة على الفرائض، وكذا ينتقض القسم إن مات أكثر.
وإذا لم يبق أحد من ولد الولد انتفع أولاد الأعيان بالوقف انتفاع الملك، وتدخل معهم الأم والزوجة.
ابن يونس: وهو الصحيح.
التونسي: هو الصواب.
تنبيهان:
الأول: قولهم انتفاع الملك لأنه ليس ملكًا حقيقة؛ ولذا قال ابن الحاجب: كميراث.
_________________
(١) لعل الصواب: ودخلتا، وسيأتي تخريج الشارح.
[ ٧ / ١١٧ ]
الثاني: التاء من قوله: (ودخلا) جائز، وهو كقوله في سترة العورة: (إن تركا القناع)، وذكرنا وجهه هناك، فانظره (١).
[صيغة صحة الوقف، والفرق بين الوقف والتحبيس:]
ثم أشار إلى الصيغة التي تصح بها، وهي كما قال ابن عرفة: ما دل على ماهية قولًا أو فعلًا؛ لتسميتهم ما يفهم من حال الشيء كلامًا.
فقال: بحبست، وهو يقتضى التأييد بمجرده عند ابن رشد. وقال غيره: لا بد من قرينة.
ووقفت يقتضي التأييد بمجرده اتفاقًا عند عبد الوهاب، وأجرى غيره الخلاف من حبست.
أو تصدقت ويقتضي التأبيد إن قارنه قيد، كـ: لا يباع، ولا يوهب، أو قارنته جهة لا تنقطع، كـ: صدقة على الفقراء والمساكين، أو طلبة العلم، أو المساجد، أو لمجهول، إن لم يحصر، كـ: صدقة على غير معين، ولا محصور، بل وإن حصر، كـ: صدقة على فلان وعقبه (٢).
_________________
(١) أسقط التاء باعتبار كونهما شخصين، وفيه ما فيه؛ ولذا أصلحه الخطاب (٢/ ١٨٤) بقوله في ستر العورة: تركت القناع، دون ما هنا.
(٢) قال في المنح (٨/ ١٣٦ - ١٣٧): "طفى: اعلم أن المصنف لم يسلك طريق ابن شاس وابن الحاجب وذلك أنهما جريا على ما لعبد الوهاب أن لفظ وقفت يقتضي التأبيد بمجرده دون حبست وتصدقت. ابن شاس لفظ وقفت يفيد بمجرده التحريم وأما الحبس والصدقة ففيهما روايتان وكذلك ضم أحدهما للآخر فيه خلاف أيضًا إلا أن يريد بالصدقة هبة الرقبة فيخرج عن هذا ابن الحاجب لفظ وقفت يفيد التأبيد وحبست وتصدقت إن اقترن به ما يدل عليه من قيد أو جهة لا تنقطع تأبد وإلا فروايتان فقدم المصنف حبست على وقفت وذلك عدول منه عما قالاه وميل منه لقول ابن رشد فلا بد من رجوع القيد للثلاثة كما قال الحط إذ لو أراد أنه خاصر بالحبس والصدقة لأخرهما عن لفظ وقف. وأما تقرير تت بأنه خاص بتصدقت ففيه نظر وإن وافقه عليه غيره إذ لا فرق بين تصدقت وحبست كما علمت. =
[ ٧ / ١١٨ ]
ومفهوم الشرط: إن لم يقترن به ما يدل على التأييد لا يكون وقفًا، وهو كذلك على إحدى روايتين، ذكرهما ابن الحاجب.
[رجوع الحبس:]
ورجع الحبس المؤبد إن انقطع ما حبس فيه لأقرب فقراء عصبة المحبس يوم المرجع على المشهور، ولا يشاركهم أغنياؤهم، ولو أخذ فقراؤهم ما صاروا به أغنياء وفضل شيء فلهم، وقيل: لغيرهم من الأغنياء.
ويدخل في مرجع الأحباس من النساء امرأة لو رجلت، أي: فرضت رجلًا عصبت، أي: كان عاصبة، كالبنت والأخت وبنت الأخ وبنت العم وبنت المعتق، لا الخالة وبنت البنت والجدة للأم.
وهذا إذا كان له مرجع، فإن لم يكن له مرجع فالفقراء، فإن ضاق المرجع عن العصبة والبنات قدم البنات عليهم، وإن لم يضق وكان فيه سعة قسم بينهم، قاله ابن القاسم.
ولو وقف على اثنين معينين عطف أحدهما على الآخر بالواو، كـ: (زيد)، و(بكر)، وأشار لهما كهذين.
_________________
(١) = ابن عرفة الباجي لفظ الصدقة إن أراد به تمليك الرقبة فهي هبة وإن أراد به معنى الحبس فهو كلفظه. قلت: بقي عليه إن لم يرد به أحدهما. اهـ. قلت تقدم في كلام ابن شاس أنها محمولة على الحبس إلا أن يريد بها هبة الرقبة فتحصل أن التفصيل الذي ذكره المصنف يجري في الصدقة والحبس والوقف ولا يعارضه ما يأتي من قوله وصدقة لفلان فله لحمله على إرادة تمليك الرقبة وما هنا على عدم إرادة ذلك أو قال يستغلونها مثلًا. ابن رشد والصدقة على غير معينين كداري صدقة ولا محصورين كهذه على المساكين يسكنونها أو يستغلونها حبس لا تباع ولا توهب وعلى محصورين غير معينين كداري صدقة على فلان وعقبه في رجوعها بانقراضهم كالمحبس أو لآخر العقب ملكا ثالثها هي عمرى تورث بذلك على ملك معطيها. اهـ. فافهم هذا المحل فإنه مزلة أقدام".
[ ٧ / ١١٩ ]
وبعدهما على الفقراء، كان نصيب من مات من الاثنين لهم، أي: للفقراء، لا لرفيقه، وهو اختيار ابن رشد. انظر ما في هذا في الشرح الكبير.
إلا إذا وقف على عدم محصور وذكر في وقفه ما يدل على مدة صريحًا أو غير صريح، كـ: على عشرة مثلًا، معينين وعدهم، ويقول: هؤلاء حياتهم، أو ما عاشوا، فلا يكون معقبًا، ويقسم بينهم على السواء.
وأما إن ماتوا فيملك بعدهم للواقف الحي أو لورثته، إن مات، وأدخل الكاف ليفهم أن غير هذا العدد كذلك، ولو أدخلها على عشرة لكان أحسن.
وفي الوقف على كقنطرة، فهدمت، بحيث لم يرج عودها صرف ربع الموقوف عليها في مثلها، وفي قوله: (في مثلها) نوع إجمال؛ لأنه يحتمل المثل حقيقة كقنطرة أخرى، ويحتمل مما ثلثها في منفعة الناس كمسجد وطريق، وهما قولان.
وإلا وقف لها، أي: وإلا بأن رجا عودها وقف لها، ومن قال: داري هذه صدقة لفلان فله ملكًا، قاله عياض.
أو صدقة للمساكين ملكوها، وبيعت، وفرق ثمنها عليهم بالاجتهاد من الناظر، ولا يلزمهم التعميم لتعذره؛ ولأنه غير مراد.
[ما لا يشترط في الموقوف:]
ولا يشترط التنجيز حين الوقف، فلو أبقاه لنفسه مدة ووقفه بعدها صح، كـ: داري وقف بعد شهر أو عام مثلًا، وسوا بيته أو علقه على محقق، كـ: إذا جاء شهر كذا، أو على غير محقق، كـ: إذا قدم زيد.
وحمل الوقف في الإطلاق على التقييد بتأجيل أو تخيير عليه؛ لمقارنته لفظ الإنشاء لمعناه، كتسوية أنثى بذكر عند الإطلاق في ربعه، كـ: هذا وقف على أولادي، وكالإقرار لهم؛ إذ الخروج عن التسوية يحتاج لدليل كالميراث.
ولا يشترط فيه التأبيد، بل يصح وقفه مدة، ثم يرجع ملكًا، ففي
[ ٧ / ١٢٠ ]
الموازية والمجموعة عن عبد الملك: من قال: داري حبس على عقبي، وهو لآخرهم ملك، فهو لآخرهم كذلك.
ولا يشترط في الموقوف تعيين مصرفه، فإن وقف ولم يعينه صح، وصرف ربعه في غالب مما يحبس أهل مكانه فيه، وإلا يكن لهم أوقاف أصلًا، أو لهم وليس لها غالب، فالفقراء يستحقونه دون غيرهم، ونحوه في المدونة.
ولا يشترط عند عقد الوقف قبول مستحقه؛ لأنه قد لا يكون موجودًا، أو يكون مجنونًا أو صغيرًا، وقد لا يتصور منه القبول جملة، كالمسجد والقنطرة، إلا المعين الأهل للقبول، كـ: زيد البالغ الرشيد، فيشترط قبوله، فإن قبل فواضح، وإن رد كمنقطع من حبس عليه، فيرجع حبسا عند مالك لأقرب فقراء عصبة المحبس على المشهور (١).
وقيل: يرجع ملكًا.
واتبع شرطه، أي: الواقف وجوبًا إن جاز شرعًا، ولا يجوز العدول عنه، إلا أن يتعذر فيصرف في مثله، كما تقدم في القنطرة.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ١٤٦ - ١٤٧): "طفى: ما ذكره تت من رجوعه لأقرب فقراء عصبة المحبس لم يكن في علمي مذكورًا فضلًا عن كونه مشهورًا ففي عزوه لمالك -﵁- وتشهيره نظر وإنما المنقول في المسألة كما في ابن الحاجب وابن شاس وابن عرفة وغير واحد قولان: أحدهما لمالك -﵁- أنه يكون حبسًا على غير من رده والآخر لمطرف أنه يرجع ملكًا لمحبسه أو لورثته ولما قرره الشارح على ظاهره اعترضه بقوله هذا القول وقع لمالك في كتاب محمد إلا أنه لم يقل إنه يرجع لأقرب فقراء عصبة المحبس وإنما قال يرجع حبسًا لغير من حبس. اهـ. ولا شك أن مراد المصنف قول مالك -﵁- ولذا قال فكمنقطع فالتشبيه في كونه لا يرجع للمحبس لا من كل وجه، واللَّه أعلم. والمتبادر من قول الإمام مالك -﵁- يكون كغيره أن ذلك باجتهاد الحاكم كما قال ز وهو الظاهر لا ما قاله الخرشي من كونه حبسًا على الفقراء والمساكين من غير عذر -واللَّه أعلم- قاله المسناوي".
[ ٧ / ١٢١ ]
[أمثلة الجائز:]
ومثل للجائز بقوله: كتخصيص أهل مذهبه، كـ: المالكية أو الحنفية مثلًا، أو تخصيص ناظر به، كـ: زيد مثلًا، أو شرط تبدئة فلان منه على غيره من الموقوف، بأن قال: يجري عليه من غلته كل عام كذا وكان للموقوف غلة كثيرة في عام، ولا غلة له في آخر بعده، فإنه يبدأ بكذا، وهو القدر الموقوف عليه فيأخذه عن العام الذي لا غلة فيه من العام الذي فيه فاضل غلة قبله، وهو مراده بقوله: وإن من غلة ثاني عام، وهذا إن لم يقل يجري عليه من غلة كل عام كذا، فإن قال ذلك وأتى عام لا غلة فيه لم يعط من غلة الذي قبله شيء.
ونحو ما قررناه في معين الحكام والمتيطية واختصارها لابن هارون، وقد ذكرنا لفظه في الكبير، وبه يظهر لك ما في كلام الشارحين.
أو شرط الواقف أن من احتاج من المحبس عليه باع حطه منه، اتبع شرطه، ويدخل في قوله: (من احتاج) الكل والبعض، وهو كذلك، ونحوه في اختصار المتيطية لابن هارون.
تنبيه:
من ادعى منهم الفقر أو الحاجة فعليه إثباته، ويحلف أنه لا مال له ظاهر ولا باطن، وحينئذٍ يمكن من بيعه، إلا أن يشترط الواقف تصديقه، فله البيع بدعواه، ولا يأبى هذا كلام المؤلف؛ إذ من ادعى الحاجة فلا بد له من إثباتها، ونحوه في اختصار المتيطية، ولعل المصنف إنما تركه لوضوحه.
أو شرط إن تسور عليه قاض أو غيره من الولاه أو غيرهم رجع له، أي: للواقف ولوارثه إن مات.
تنبيه:
وكذلك لو شرط رجوعه صدقة لفلان عند التسور عليه اتبع شرطه، قاله المتيطي.
[ ٧ / ١٢٢ ]
[ما يرجع للواقف ملكًا:]
ثم شبه فيما يرجع للواقف ملكًا، فقال: كعلى ولدي ولا ولد له، يشمل مسائل:
إحداهما: لمالك: إذا لم يكن له ولد حين الوقف وبلغ سنًّا لا يولد لمثله، أو حصل مانع من الولد بوجه.
الثانية: لابن القاسم: أن يكون له ولد فيموت.
الثالثة: إذا حبس على أولاده وأعقابهم فأنقرض ولده وأعقابهم وهو حي، قال في اختصار المتيطية: رجع الحبس إلى المرجع، إلا أن يولد له، فيرجع الحبس إلى ولده، ولا يوقف الحبس في الفترة بعد موت المحبس عليهم إلى أن يولد له؛ لاحتمال أن لا يولد له أصلًا؛ فيكون في إيقاف الغلة ضررًا على أهل المرجع.
[شروط مهملة:]
ثم شرع في ذكر شروط لا يعمل بمقتضاها، عاطفًا ذلك على الجائز، فقال: لا بشرط إصلاحه على مستحقه، فلا يتبع شرطه، بل يلغى، ويصح الوقف، قال في المدونة: ومر سنة من غلته، وعلل بطلان الشرط برجوعه إلى الكراء المجهول، وصحة الوقف بأنه فات في سبيل اللَّه.
ثم شبه بالمسألة السابقة مسألة أقامها شيوخ المدونة من المشبة بها، فقال: كأرض موظفة شرط أخذ ما وظف عليها من الموقوف عليه، فإن الشرط يبطل، ويصح الوقف، إلا أن يقول الواقف: يؤخذ ما عليها من التوظيف من غلتها، فيجوز على الأصح عند غير واحد، ومقابله المنع، والأول أصوب.
ولما شارك ابن يونس غيره في التصحيح لم يقل المؤلف على الأرجح.
أو شرط الواقف عدم بدء بإصلاحه ونفقته بطل شرطه؛ لأنه يؤدي لإبطال أصله، وما أدى لذلك لا يوفى به.
[ ٧ / ١٢٣ ]
[النفقة على الحبس:]
ثم تكلم على النفقة على الحبس بقوله: وأخرج الساكن الموقوف عليه للسكنى إن لم يصلح مسكنه، فيخرج ليكرى له قدر ما يصلح به، ثم يعود للسكنى بعد ذلك.
البساطي: قوله: (للسكنى) من صلة الموقوف عليه، وقوله: (ليكرى) عاقبة، و(له): متعلق بقوله: (ليكرى)، والضمير للإصلاح.
وأنفق في فرس لكغزو ورباط من بيت مال، ولا يلزم ذلك المحبس ولا المحبس عليه، فإن عدم بيت المال أو كان ولم يوصل إليه بيع، وعوض به سلاح، ونحوه مما لا يحتاج نفقة؛ إذ هو أقرب للخيل من غيره، ولغرض الواقف، كما يباع الفرس الحبس لو كلب: بكسر اللام، أي: أصابه الكلب، بحيث صار لا ينتفع به، والكلب: شيء يعتري الخيل كالجنون، ويشتري بثمنه سلاح.
تنبيه:
يحتمل أن جواز بيع الكلب الذي لا ينتفع به خاص بالحبس، وأن غيره لا يباع، كما تقدم أن من شرط البيع كونه منتفعًا به، ويحتمل جوازه مطلقًا.
[بيع ما لا ينتفع به إلا العقار:]
وبيع أيضًا ما صار من الحبس إلى حال لا ينتفع به فيما وقف له، كالفرس بهرم، والعبد يعجز، والثوب يخلق من غير عقار، فإنه لا يباع كما يأتي.
وإذا بيع غير العقار صرف ثمنه في مثله من فرس أو عبد مثلًا، إن بلغ ثمنه ذلك، أو شورك فيه في شقصه، إن لم يبلغ اتباعًا لفرض الواقف، وهذا إن وجد من يشتريه مشقصًا، وهذا في الفرس، وفي المدونة: إن الثوب إذا لم يبلغ ثمن ثوب آخر تصدق به، وهو خلاف ظاهر كلام المؤلف.
[ ٧ / ١٢٤ ]
وقال بعض القرويين: هما وفاق، فيحمل مسألة الثوب على ما إذا لم يوجد من يشتريه كذلك، ومسألة الفرس على ما إذا وجد.
كأن أتلف الحبس من فرس أو ثوب بجناية، فما يؤخذ من الجاني يجعل في مثله أو شقصه، ويباع فضل الذكور عن النزو من نتاجها، وما كبر من الإناث في إناث توقف ليقسم ألبانها على المساكين.
[عدم بيع العقار وإن خرب:]
لا عقار حبس فلا يباع، وإن خرب، ولا يناقل به، وإن خرب، وفي الرسالة: جواز ذلك.
ولا يباع نقض: بكسر النون، ولو بغير خرب، وحكى ابن الحاجب في بيع النقض قولين.
تنبيه:
لم يتكلم الشارحان على المبالغة: هل هي في مسألة العقار فقط، أو فيه وفي النقض، وتعقب الثاني بعض من تكلم على هذا المحل (١)، قائلًا: ظاهر كلامه أنه في المسألتين.
قال: لكني لم أره إلا في الربع الخرب. انتهى.
ثم استثنى مما لا يجوز بيعه من العقار بقوله: إلا لتوسيع كمسجد ونحوه، فيباع العقار الحبس لذلك.
وأظهر كلامه الجواز في كل مسجد، كان بمدينة أو لا، وهو كذلك فيهما، وإذا قلنا بالبيع فيباع ولو جبرًا بالقضاء، إن أبي مستحقه أو ناظره.
وإذا أجبر على ذلك في الحبس ففي الملك أحرى، وأمروا -أي:
_________________
(١) سبق أن علمت أن المراد من كلام التتائي: (وقال بعض من تكلم على هذا المحل) ابن غازي.
[ ٧ / ١٢٥ ]
المحبس عليهم ممن لهم ولاية ذلك- بجعل ثمنه الذي به في التوسعة لغيره، أي: لحبس غيره.
[مسألة:]
ومن هدم وقفًا تعديًا فعليه إعادته كما كان، لا قيمته؛ لأن قيمته كبيعه، ولابن عرفة هنا مناقشة، انظرها في الكبير.
وفهم من قوله: (وقفًا) أن من هدم ملكًا ليس كذلك، وهو كما أفهم، والحكم فيه لزوم قيمته لا إعادته.
[ألفاظ الواقف:]
ثم شرع في بيان ألفاظ الواقف باعتبار ما يدل عليه، وذكر منها خمسة وعشرين لفظًا، فقال: وتناول الذرية في قول الواقف: وقفت على ذريتي الحافد، وهو ولد البنت.
ابن العطار: اتفاقًا؛ لأن عيسى من ولد إبراهيم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾، وهو ولد بنت.
وحكى ابن رشد قولًا بعدم دخول ولد البنت، وهو ينقض الاتفاق، إلا أن يكون طريقًا.
تتمة:
قال ابن عرفة: إنه شاع في أوائل القرن -الذي هو فيه- الخلاف فيمن أمه شريفة (١) وأبوه ليس شريفًا: هل هو شريف أم لا؛ وأفتى أبو إسحاق بن عبد الرفيع (٢) قاضي بلدنا تونس بأنه غير شريف، وأفتي أبو علي
_________________
(١) أي: من آل بيت النبي -ﷺ-.
(٢) هو: إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي قاضي القضاة بتونس يكنى أبا إسحاق كان علامة وقته ونادرة زمانه ألف كتاب (معين الحكام) في مجلدين وهو كتاب كثير الفائدة غزير العلم نحا فيه إلى اختصار المتيطية وله: الرد على بن حزم في =
[ ٧ / ١٢٦ ]
منصور المدعو بناصر الدين (١) من فقهاء بجاية بثبوت شرفه، وتبعه جل أهل بلده، وخطَّأه ابن عبد السلام وغيره، وألف الفريقان في المسألة (٢).
ثم ذكر عن نفسه أن له شرفًا ما أرفع من منزلة من ليست أمه شريفة، لا الشريف العرفي، انظر بقية كلامه في الكبير.
وتناول ولدي فلان وفلانة، إذا سمى الذكور والإناث، ثم قال: وأولادهم الحافد عند مالك وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين، أي: بعود الضمير إلى جميعهم.
ابن عرفة: هو الصواب.
_________________
(١) = اعتراضه على مالك ﵀ في أحاديث خرجها في الموطأ ولم يقل بها وله اختصار أجوبة: القاضي أبي الوليد بن رشد إلى غير ذلك من أوضاعه وتآليفه. روى عن ابن المفضل وسمع من الأستاذ أبي عمرو: عثمان بن سفيان التميمي أبي الشقر ولقي أبا محمد بن الحجام والقاضي أبا عبد اللَّه: محمد بن عبد الجبار السوسي وجماعة الأندلس القادمين على مدينة تونس. توفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة في شهر رمضان عن تسع وتسعين سنة وأشهر -رحمه اللَّه تعالى- ذكره الذهبي في العبر.
(٢) هو: الشيخ الفقيه العالم أبو علي ناصر الدين منصور بن أحمد المشذالي البجائي (٧٣١ - ٧٤٠ هـ = ١٣٣٠ - ١٣٤٠ م)، وكان قد أخذ عن عز الدين بن عبد السلام وغيره، بالمشرق ببجاية. قال في بغية الوعاة (٢/ ٣٠١): قال في النضار: كان يشتغل ببجاية في النحو والفقه والأصول، رحل إلى القاهرة ولازم العز بن عبد السلام، وسمع من إبراهيم بن مضر وأبي عبد اللَّه بن أبي الفضل المرسي. مات سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وسنه مائة سنة. ينظر: الوفيات، ص ٣٤٤.
(٣) قال في البهجة في شرح التحفة (٢/ ٣٧٩): "فائدة: اختلت فيمن أمه شريفة وأبوه ليس كذلك فأفتى ابن مرزوق وناصر الدين من فقهاء بجاية وجل فقهائها بأنه شريف لأنه من ذرية النبي -ﷺ- كما يشمل قول المحبس على ذريتي واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٤] فجعل عيسى من الذرية وهو ولد بنت، وأفتى ابن عبد الرفيع وغيره بأنه ليس بشريف، وصرح ابن عبد السلام بتخطئة من قال بشرفه متمسكًا بالإجماع أن نسب الولد إنما هو لأبيه لا لأمه. انظر البرزلي في الأحباس فإن أطال في ذلك".
[ ٧ / ١٢٧ ]
وخطأ ابن رشد قول ابن زرب: لا يدخلون، والدار مثلًا وقف على أولادي الذكور والإناث وأولادهم، يتناول الحافد، وحذفه من الأول والثاني لدلالة هذا الثالث.
[ألفاظ لا تتناول الحافد:]
ثم ذكر ألفاظًا لا يتناول كل واحد منها الحافد، أشار لأحدها بقوله: لا نسلي، فلا يتناول وقفه عليهم الحافد، وإنما يتناول أولاده الذكور والإناث، ويتناول بعدهم ولد الولد الذكر والإناث، ولا يتناول من ينسب للواقف من جهة امرأة، سواء كانت ابنته أو ابنة ابنه.
وضابط ذلك: أن كل ذكر أو أنثى يحول بينه وبين المحبس أنثى فليس بولد ولا عقب.
وأشار لثانيها بقوله: وعقبي، فلا يتناول ولد البنات.
ولثالثها بقوله: وولدي، والولد والعقب واحد، فمن حبس على ولده أو عقبه فهو حبس معقب، إذا حيز عنه في صحته، تناول أولاده الذكور والإناث، من كان منهم موجودًا يوم الحبس، ومن وجد بعد، ولا يتناول أولاد البنات.
ولرابعها بقوله: وولد ولدي، لا يتناول ولد البنات، واختاره غير واحد.
ولخامسها بقوله: وأولاد وأولادي، وليس مكررًا مع ما قبله؛ لأنهم إنما يتكلمون على بيان مقتضى ألفاظ الواقف، وهذا اللفظ غير الذي قبله.
وأشار لسادسها بقوله: وبني وبني بني، لا يتناول أولاد البنات.
الباجي: وعليه أصحاب مالك.
وقيل: يتناولهم.
وفي تناول ولدي وولدهم لولد البنات، وبه أفتى أهل قرطبة، وقضى
[ ٧ / ١٢٨ ]
به ابن السليم (١)، وعدم تناوله، وهو قول مالك: قولان.
_________________
(١) هو: محمد أبو بكر بن إسحاق بن منذر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن السليم بن أبي عكرمة واسمه جعفر وهو الداخل إلى الأندلس وهو جعفر بن يزيد بن عبد اللَّه مولى سليمان بن عبد الملك. قيل عبد اللَّه جده رومي وقيل إنه لخمي من أشراف عرب شذونة يؤول سلفه لبني أمية وإليهم تنسب المدينة المعروفة ببني السليم من كورة شذونة نزلوها عند فتحهم الأندلس وهو قرطبي سمع بها من أحمد بن خالد صغيرًا ومن محمد بن أيمن ومحمد بن قاسم وعبد اللَّه بن يونس وقاسم بن أصبغ وابن عمر بن دحيم وسعيد بن جابر وغيرهم. ورحل سنة اثنتين وثلاثين فسمع بمكة من ابن الأعرابي وبالمدينة من المرواني القاضي وبمصر من الزبيري وعبد اللَّه بن جعفر البغدادي وأبي جعفر بن النحاس وأبي بهزاذ وابن أبي مطر وأبي العباس السكري ومحمد بن أيوب الرقي وجماعة وانصرف إلى الأندلس وأقبل على الزهد والعبادة ودراسة العلم. كان حافطا للفقه بصيرًا بالاختلاف عالمًا بالحديث ضابطًا لما رواه متصرفًا في علم النحو واللغة حسن الخطاب والبلاغة لين الكلمة متواضعًا حدث وسمع منه كثير. وذكره الحكم أمير المؤمنين فقال: هو فقيه بمذهب مالك حافظ مقدم من أهل المعرفة بالحديث والرجال وله حظ من الأدب لم يل القضاء بقرطبة أفقه منه ولا أعلم إلا منذر بن سعيد لكنه أرسخ في علم أهل المدينة من منذر. وقال ابن مفرج: كان ابن السليم راسخًا في العلم مجتهدًا في طلبه عالمًا بالحديث والفقه. قال غيره: جمع إلى الرواية الواسعة: جودة استنباط الفقه والفتيا والحذق بالفرائض والحساب والتصرف في البلاغة والشعر والتفنن في العلوم حسن العشرة كريم النفس. وكان جماعة من كبراء العلماء بالأندلس ممن أدركوه قاضيًا كابن زرب وغيره يقطعون على أنه لم يكن في قضاة الأندلس منذ دخلها الإسلام إلى وقته قاض أعلم منه. قال أبو محمد الباجي: ما رأيت في المحدثين مثله. وله كتاب (التوصل لما ليس في الموطأ) واختصار كتاب المروزي في الاختلاف وكتاب (المخمس) في الحديث. وكان مع علمه من أهل الزهد والتقشف والبر. وطال هربه من السلطان إلى أن أنشبته الأقدار فنال رئاسة الدين والدنيا بالأندلس فما استحال عن هديه ولا غرته الدنيا بوجه. وكان قد بلغ به التقشف وطلب الحلال إلى أن كان يصيد السمك بنهر قرطبة ويبيع صيده فيأخذ من ثمنه ما يقتات به ويتصدق بفضله. ونوه الحكم باسمه وقدمه للشورى ثم إلى المظالم الشرطة إلى أن توفي منذر فولاه مكانه قضاء الجماعة وذلك سنة ست وخمسين وجمع له معها الخطبة والصلاة سنة =
[ ٧ / ١٢٩ ]
والفرق يين هذه وبين ولدي وولد ولدي: أن ضمير (ولدهم) يرجع ولدي، فيدخل ظاهر أولاد البنات، وهذا الضمير مفقود في ولد ولدي.
وتناول الأخوة في قوله: وقف على أخوتي الأنثى من الأخوات، من جهة كانوا، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (١).
_________________
(١) = ثمان وخمسين فحمد الناس سيرته. وتوفي يوم الإثنين لخمس أو ست بقين من جمادى الأولى سنة سبع وستين وثلاثمائة مستورًا لم يمسه سوء وسنه خمس وستون سنة. مولده سنة ثنتين وثلاثمائة فلما نعي إلى ابن أبي عامر قال: هل سمعتم الذي عاش ما شاء ومات حين شاء فقد رأيناه وهو هذا.
(٢) قال السهيلي ص ٦٢ - ٦٣ في شرح هذه الآية: "قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فلا تنقص الأم من السدس إلا أن تعول الفريضة ولا يقول ابن عباس بالعول وهي من مسائله الخمس ويقول إن الأخوة هاهنا الثلاثة فما فوقهم وليس يقع لفظ الأخوة على الأخوين يقينًا وهذه أيضًا من مسائله الخمس وحجته بينة في بادئ الرأي وذلك أن اللَّه سبحانه جعل الثلث للأم مع عدم الولد فهذا نص ويقينو اليقين لا يرفعه علا يقين مثله فعن كان له أخ واحد فهي على ثلثها يقينًا لأن الأخ ليس بإخوة فإن كان له أخوان فيحتمل دخولهما في معنى العخوة ويحتمل أن لا يدخلا وأما لفظ العخوة فواقع على الجميع يقينًا ولم يتصور شك في نقلها إلى السدس بالثلاثة فما فوقهم وتصور الشك في لفظ الأخوين أهما إخوة أم لا والشك لا يرفع اليقين المتقدم في شيء من أبواب الفقه فهي إذا على ثلثها حتى يكون له إخوة ثلاثة أو أكثر. وحجة الآخرين أن اليقين لا يرفعه شك كما ذكر وأن العموم لا يخصصه محتمل وأما الظاهر فيتخصص به العموم وتبنى عليه الأحكام يقينًا كما تبنى على النصوص والمحتمل ليس كذلك ولفظ الأخوة ظاهر في الاثنين نص في الثلاثة مخصص به عموم قوله تعالى ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ لأنه لفظ عام في كل أم لا ولد لها وإن كان ظاهر القول الخصوص من أجل قوله تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ﴾ ولكنه ضمير عائد على عام تقدم ذكره. فإن قيل: كيف جعلتم لفظ الأخوة ظاهرًا في الاثنين وللاثنين صيغة كما للجمع صيغة؟ ! قلنا: ومعنى الجمع يشملهما لأن الاثنين جمع شيء إلى مثله كما أن الجمع جمع شيء إلى أكثر منه فمن هاهنا نشأ الخلاف وهو هل الأخوة لفظ ظاهر في الاثنين أم محتمل، والألفاظ أربعة نص يقطع على معناه وظاهر يحتمل أمرين وهو في أحدهما ظاهر وتتعلق به الأحكام ومحتمل لمعنيين ليس بأحدهما بأولى منه بالآخر وهذا لا =
[ ٧ / ١٣٠ ]
وقد أجرى الإناث في الحجب مجرى الذكور، وتناول رجال أخوتي ونساؤهم الصغير والصغيرة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وتناول بني أبي إخواته الذكور: أشقاء، أو لأب، وأولادهم، ظاهره: ذكورًا أو إناثًا.
وتناول آلي وأهلي العصبة؛ لأن الثاني أصل للأول، فيدخل الابن والأب والجد والأخوة وبنوهم الذكور والأعمام وبنوهم، ويدخل من النساء من لو رجلت -أي: فرضت رجلًا- عصبت، وهن البنات والأخوات وبنات الابن وبنات العم، ولو بعدن، وهو المشهور. وفي بعض النسخ عصب بغير تاء التأنيث.
ويتناول أقاربي أقارب جهته من قبل أبيه وأمه مطلقًا: ذكورًا وإناثًا، فيدخل كل من يقرب لأبيه من جهة أمه أو أبيه، وكل من يقرب لأمه من
_________________
(١) = يتعلق به حكم لأنه كالمجمل والمجمل ما افتقر إلى البيان وهو أشد استغلاقًا من المحتمل، واللَّه المستعان. إنصاف وتحقيق: ظاهر لفظ الأخوة الاختصاص بالجمع دون التثنية ولا يحمل معنى التثنية على الجمع إلا بدليل وهو الظاهر هو ظاهر بعرف اللغة والظاهر بعرف اللغة تتعلق به الأحكام، فللمفرد ظاهر أقوى منه وهو صيغة العموم فإذا قلت عندي دابة فلفظ اللغة تقتضي أنها من المركوب فإذا قلت ما فيها دابة اقتضت صيغة العموم نفي كل ما يدب من مركوب وغيره وفي التنزيل ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وكأين من دابة فهذا عموم في كل ما يدب وقال في الواجب غير المتعين ومن الناس والدواب لعدم صيغة العموم، وكذلك مسألة الأخوة فهي ظاهرة في الإخوة كما قال ابن عباس فلما ورد الشرط وهو من صيغ العموم اندرج تحتها كل إخوة والاثنان إخوة وإن لم يكن ظاهر لفظ الأخوة يتناولهما كما لم يكن لفظ الواحد يتناول كل ما يدب حتى أدرجه العموم تحت اللفظ الظاهر كذلك أدرج العموم في الآية تحت لفظ الإخوة ما قد يمكن أن يعبر عنه بإخوة وهما الاثنان فصار قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ ظاهرًا في التثنية والجمع وإن كان صيغة عموم الإخوة في العرف للجمع ظاهرا فالعموم ظاهر أيضًا في تناول الكل؛ فتأمله فإنه بديع".
[ ٧ / ١٣١ ]
جهة أمها وأبيها، فتدخل العمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
ثم بالغ على دخول الأقارب، ولو كانوا ذميين بقوله: وإن نصرى، لصدق اسم القرابة عليهم، وعزاه في الذخيرة لمنتقى الباجي عن أشهب، ولم أقف على هذا اللفظ، والذي في الصحاح: النصارى جمع نصراني ونصرانية، كالندامى جمع ندمان وندمانة.
ثم قال: ولكن لم يستعمل نصران إلا بياء النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصراني وامرأة نصرانية.
وتناول مواليه المعتق: بفتح التاء، فيدخل من باشر الواقف عتقه، وولده -أي: ولد هذا العتيق- ومعتق أبيه -أي: الواقف- ومعتق ابنه، وتناول قومه -أي: الواقف- عصبته، فلا تدخل الأنثى ولو كانت لو رجلت عصبت؛ ولذا قال: فقط، حكاه الباجي عن ابن شعبان.
وتناول قوله: طفل وصبي وصغير من لم يبلغ، اعتبارًا بالعرف لا اللغة.
وتناول قوله: شاب وحدث من بلغ وينتهي للأربعين، وهل بدخوله فيها، وإن لم تكمل، أو لكمالها؟ تقريران لابن عرفة والبساطي.
ولما ذكر من الموقوف عليه من طفل إلى شاب ولم يبق غير صنفين كهول وشيوخ ذكر سن كل منهما، وهو يستلزم معرفة الحكم إذا وقف على واحد منهما، فقال: وإلا يكن سن مما سبق فكهل للسنين وإلا بأن زاد على سن الكهولة فشيخ إلى منتهى عمره، وشمل جميع ما تقدم من قوله وطفل إلى فشيخ الأنثى، فلا يختص الوقف على واحد منهم بالذكر، كالأرمل يشمل الذكر والأنثى، والملك في الموقوف للواقف.
الباجي: هو لازم تزكية حوائط الأحباس على ملك محبسها.
وقول اللخمي آخر الشفعة: الحبس مسقط ملك المحبس، قال ابن عرفة: غلط.
[ ٧ / ١٣٢ ]
لا الغلة فليست للواقف، بل لمن جعلها له، وإذا كان الملك للواقف وينتقل بعده لوارنه مسلوب المنفعة، فله ولوارثه منع من يريد إصلاحه، إذا خرب أو احتاج للإصلاح؛ لأن غير المالك لا يجوز له التصرف في ملك غيره بغير إذنه، ولا يفسخ كراؤه لزيادة.
ظاهره: مطلقًا، وقيده في الجواهر بما إذا وقع الكراء على وجه الغبطة.
ولا يقسم من كرائه إلا ماض زمنه؛ إذ لو دسم قبل مضيه لزم أن يعطي من لا يستحق إذا مات، وحرمان المولود والغائب. وظاهره: سواء كان على معينين أو على الفقراء وشبههم.
[أمد الكراء:]
ثم تكلم على أمد كرائه بقوله: وأكرى ناظره لغير من مرجعه له، إن كان موقوفًا على معين كالسنتين، وإكراء لمن مرجعها كالعشر سنين ونحوها، وإن بنى محبس عليه في الحبس فإن مات ولم يبين كون بنائه ملكًا أو وقفًا فهو وقف، قل أو كثر، وهو لمالك في المدونة، ولا شيء لورثته فيه، وإن بين أن له فله، ويورث عنه.
وقال ابن القاسم: هو لورثته.
واستصوبه أكثرهم، وإذا وقف على من لا يحاط به، كالفقراء والمساكين وفي سبيل اللَّه وابن السبيل، أو وقف على قوم وأعقابهم، فإنهم وإن أحيط بهم لا يستوعبون.
أو وقف على كولده أو ولد ولده وأخوته أو بني عمه، ولم يعينهم فضل المولى على الواقف، وهو ناظره في المسائل الثلاث، أهل الحاجة والعيال على غيرهم، ممن ليس كذلك في غلة وسكنى: متعلق بقوله: (فضل)، على المشهور، ومقابله لابن الماجشون: لا يفضل إلا بشرط من المحبس.
[ ٧ / ١٣٣ ]
وفهم من كلامه: أنه إذا عين كـ: (ولدي: زيد وبكر وهند) أن المولى يسوي بينهم.
وفهم من قوله: (أهل الحاجة) تفضيله، ولو كان غيره أغنى منه.
وفهم منه أيضًا: أن الغني لا يعطى شيئًا، وهو كذلك، ولو كان من فوقه أغنى منه، وهو أنزل بدرجة، كـ: أب غني وولد فقير، وأنهم لو استووا في الحاجة فلا تفضيل.
واعتبار الحاجة في الابتداء لا في الدوام؛ ولذا قال: ولم يخرج ساكن سكن بوصف استقرار فقره، ثم استغنى لغيره، ممن هو محتاج.
وقيده ابن شاس بما إذا لم يكن في الدار سعة، إلا بشرط من المحبس أن من استغنى خرج لغيره، فإنه يعمل بشرطه.
أو حصول سفر انقطاع، كسفره ليقيم، فإن حقه يسقط، وأما لو سافر ليعود فإن حقه باق، أو حصول سفر بعيد؛ فإنه كسفر الانقطاع.
وظاهر كلام المؤلف: ولو جهل حاله فيه؛ لأن غيبته محمولة على الانقطاع حتى يتبين خلافه في ظاهر قول مالك، وظاهر قول ابن القاسم محمول على الرجوع وعدم الانقطاع حتى يتبين خلافه.
خاتمة:
قال في التوضيح: من كان يسكن من أهل الحبس مع أبيه فبلغ، فإن كان قويًّا يمكنه الانفراد فله مسكنه من الحبس، وإن لم يتزوج إذا ضاق عليه مسكن أبيه، وأما من ضعف عن الانفراد فلا مسكن له، إلا أن يتزوج فله حقه في المسكن، وأما الإناث فلا مسكن لهن؛ لأنهن في كفالة الأب، قاله عبد الملك في المجموعة.
* * *
[ ٧ / ١٣٤ ]
باب
ذكر فيه الهبة وما يتعلق بها، وعرفها المصنف بقوله: الهبة تملك بلا عوض، نحوه قول اللخمي: نقل الملك بغير عوض.
والعطية لثواب اللَّه في الدار الآخرة صدقة.
تنبيه:
قد علم من هذا الفرق بين الهبة والصدقة؛ لأن الهبة لا يقصد بها ذلك، وإن قصد بها ذلك فهي الصدقة، فحقيقتها مختلفة.
[أركان الهبة:]
وأشار لأحد أركانها بقوله: وصحت في كل مملوك للواهب ينقل، أي: يقبل النقل شرعًا، فلا تصح في حر ومدبر وأم ولد واستمتاع بزوجة أو قز، وتعقب بجواز هبة ما لا يجوز نقل الملك فيه، كجلد الأضحية، وأجيب: بأن جلدها قابل للنقل، وإنما الممتنع نقله بوجه خاص، وهو البيع.
وقال البساطي: لا تصح هبة ملك الغير، ويطلب الفرق بينه وبين صحة بيعه. انتهى.
وقد يفرق بأن الصحة هنا غير مطلقة، بل مقيدة، ولذا قال: ممن له تبرع بها.
وأشار به للواهب، وهو أحد أركانها؛ لأن ملك الغير ليس له تبرع به وتتبع، وبيع الفضولي غير مباح، كما في تنبيهات عياض، وقدمنا فيه في البيع عن ظاهر الطراز جوازه، واحترز بقوله: (تبرع بها) عن المحجور مطلقًا، أو مقيدًا كالصغير والمريض والزوجة في زائد الثلث.
وتصح الهبة إن لم يكن الموهوب مجهولًا، بل وإن كان مجهولًا قدر أو صفة على المعروف من المذهب، وإن كان الموهوب كلبًا مأذونًا فيه.
[ ٧ / ١٣٥ ]
ابن عبد السلام: اتفاقا؛ لأنه يورث، وأما غير المأذون، فقال بهرام: الظاهر عدم جوازه.
أو كان الموهوب دينًا صح على المشهور، وهو -أي: الدين بهبته- إبراء إن وهب لمن هو عليه.
وظاهره: أنه لا يحتاج إلى قبول وهبته للثواب كبيعه، وإلا بأن وهبه لغير من هو عليه فكالرهن في قبضه، فيصح إن أشهد له بذلك، وجمع بينه وبين غريمه، ودفع له ذكر الحق، إن كان معه أو عنده.
عبد الحق: دفع ذكر الحق شرط في الصحة.
وقال ابن العطار: كمال.
ورهنًا: بالنصب عطفًا على مجهولًا، فيصح هبته، إن لم يقبض للمرتهن؛ إذ لا يتم الرهن إلا بحوز، وهو أحق به من المرتهن، إن كان الراهن موسرًا، وإليه أشار بقوله: وأيسر راهنه، وأما لو كان معسرًا لكان مرتهنه أحق به.
تنبيه:
إنما أبطلت الهبة الرهن مع تأخرها عنه لأننا لو أبطلناها ذهب الحق جملة، بخلاف الرهن، لو أبطلناه لم يذهب حق المرتهن، أو رضي مرتهنه بدفعه للموهوب له بعد قبضه منحت هبته، ولو كان الواهب معسرًا.
وإلا بأن قبض المرتهن الرهن قضي عليه -أي: على الراهن- بفكه، كذا في المدونة، وقيدها بعض القرويين بما إذا لم يكن الدين عرضًا، وأما إن كان عرضًا مؤجلًا فلا يجبر المرتهن على أخذها، ويبقى رهنًا.
وإلى هذا أشار بقوله: إن كان الدين مما يعجل، كفرض حال أو دنانير ودراهم، وإلا بأن كان العرض مؤجلًا لم يقبض على الراهن بفكه، وبقي رهنًا بيد مرتهنه لبعد الأجل، فيقضي الراهن الموسر الدين، ويأخذ الموهوب له الرهن، وليس له أن يعطي رهنًا آخر.
[ ٧ / ١٣٦ ]
تنكيت:
قول البساطي: (مفهوم لم يقبض لو قبض لم يصح الرهن وسيصرح بخلاف ذلك) عجيب منه؛ لأن الذي وعد بالتصريح به هو قوله: (وإلا قضي بفكه).
[صيغة الهبة:]
ثم أشار إلى ركن من أركانها، وهو الصيغة بقوله: بصيغة كلفظها، وما تصرف منه، كـ: وهبت، وأنا واهب، وهبة، أو مفهمها، كـ: أعطيت، وبذلت، ونحلت، وكالمعاطاة، وإن كان إفهام ذلك بفعل؛ إذ المقصود الرضى، فأي شيء دل عليه اعتبر.
تنبيه:
قال في الذخيرة: ظاهر مذهبنا الجواز، وإن تأخر القبول عن الإيجاب؛ لما سيأتي من إرسالها للموهوب له مع الرسول.
ومثل للفعل بقوله: كتحلية ولده بحلي، فإنه له دون بقية ورثة أبيه إن مات أبوه، وفي بعض النسخ كتحلته، فهو مثال لمفهمها.
ولما كان كل فعل لا يدل على نقل الملك، قال: لا بِابْنِ مع قوله داره، أي: لا ينتقل الملك بقول رجل لولده: ابْنِ في هذه العرصة دارًا مثلًا، ففعل في حياة أبيه، وصار أبوه يقول لما بنى: ابني داره كذا وكذا، فإن الابن لا يستحق العرصة بذلك، وهي موروثة، وليس للابن الباني إلا قيمة عمله متفوضًا، قاله ابن مزين (١).
_________________
(١) هو: يحيى بن إبراهيم بن مزين، أبو زكريا، (٠٠٠ - ٢٥٩ هـ = ٠٠٠ - ٨٧٣ م): عالم بلغة الحديث ورجاله. من أهل قرطبة. رحل إلى المشرق، ودخل العراق. أصله من طليطلة. وكان جده مولى لرملة بنت عثمان بن عفان. من كتبه: (تفسير الموطأ - خ) أجزاء منه على الرق، في مكتبة جامع القيروان و(تسمية الرجال المذكورين بالموطأ) و(المستقصية) في علل الموطأ، و(فضائل القرآن) و(رغائب العلم وفضله). ينظر: الأعلام (٨/ ١٣٤).
[ ٧ / ١٣٧ ]
وحيز الموهوب، ولو كان الحوز حكمًا، كما تقدم في الحبس، وصحت الهبة، وإن كان الحوز بلا إذن من الواهب؛ لأن المذهب لغو التحريز في الحوز.
[تأخير الحوز:]
وبطلت هبته، إن تأخر حوزها، وغاية التأخير المبطل لدين محيط بمال الواهب، ولو لم يحكم القاضي بفلسه، أو تأخير حوزها حتى وهب الواهب لثان، وحاز الثاني بطلت هبتها للأول عند أشهب ومحمد، وأحد قولي ابن القاسم.
وظاهره: علم الأول وفرط أو لا، مضى من الزمان ما يمكن فيه القبض أو لا، وهو كذلك.
أو اعتق الواهب الرقيق الموهوب قبل حوز الموهوب له، علم الموهوب أم لا، كان العتق ناجزًا أو لأجل، كتابةً كان أو تدبيرًا، وهو كذلك.
أو استولد الواهب الأمة قبل الحوز، ولا قيمة للموهوب له على الواهب في المسائل الثلاث. وقال الشارح في العتق والاستيلاد.
أو استصحب الواهب هدية لغائب عنه، أو أرسلها له مع رسول فمات الواهب المستصحب لها، أو رسوله، أو مات الموهوب له المعينة له قبل دخولها إليه في صورتي الاستصحاب والإرسال بطلت الهبة في الصور الأربع، إن لم يشهد واهبها على ما أرسل، ورجعت له إن كان حيًّا أو لوارثه لفوات الحوز إن مات الواهب، وعدم القبول إن مات الموهوب له.
ويحتمل قوله: (المعينة له) أي: بأن القول لفلان، لا لوارثه ولا لغيره.
ومفهوم الشرط: عدم البطلان في الصور الأربع، إن أشهد، ثم تكون للمرسل إليه أو وارثه، فهذه ثمان صور.
[ ٧ / ١٣٨ ]
تنبيه:
ما ذكره المؤلف من التقييد بالإشهاد وعدمه مثله في كتاب الصدقة من المدونة.
ثم شبه فيما تقدم، فقال: كأن دفعت لمن -أي: لشخص- يتصدق عنك بمال للفقراء أو للسبيل، ولم تشهد على ذلك، ثم مت أيها الدافع قبل قبض الفقراء بطلت الصدقة، وإن مت بعد قبض جميعها مضت، أو بعضها، فالباقي لوارثك، ويضمن مأمورك إن تصدق بالباقي بعد موتك.
ومفهوم كلامه: إن أشهد بذلك نقد ما تصدق به، وما لم يتصدق به، ونحوه في المدونة.
أو (١) باع واهب هبة قبل علم الموهوب له بها، فللموهوب له رد البيع في حياة الواهب، ويأخذ الهبة، وله إمضاؤه.
تنبيه:
تسامح المصنف في إطلاقه البطلان في رد البيع على بطلان الهبة؛ ولذا قال الشارح: ظاهر كلامه أن الهبة باطلة، وليس كذلك.
تنبيه آخر:
قال بعض من تكلم على هذا المحل (٢): إن في بعض النسخ: (لا إن باع واهب قبل علم الموهوب له)، وبه يستقيم الكلام.
وإلا بأن علم الموهوب له بالهبة قبل بيع الواهب لها فالثمن للمعطي، والبيع ماض، وما ذكره هو مذهب المدونة.
رويت لفظة المعطي: بفتح الطاء، وهو قول مطرف، وكسرها، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم، تبطل الصدقة ولا شيء للمعطي بالفتح من الثمن.
_________________
(١) في المختصر بتصحيح الشيخ الطاهر الزاوي، ص ٢٢٣: لا إن باع.
(٢) هو ابن غازي، وهذا يدل على ما ذكرناه سابقًا من أنه مراد التتائي بهذه العبارة.
[ ٧ / ١٣٩ ]
أو جن الواهب أو مرض بعد الهبة وقبل قبضها، واتصلا: جنه ومرضه بموته بطلت، ومفهومه: إن صح كل منهما لم تبطل، وللموهوب له طلبها فتوقف حتى ينظر أيبرأ فيكون على هبته، أو لا فتبطل.
أو وهب الواهب لمودع عنده، ولم يقبل، بأن لم يقل: قبلت؛ لموته -أي: للواهب- بطلت، فإن قبل قبله تمت لصحة الحوز بعد القبول، وصح الحوز إن قبض الموهوب له الهبة؛ ليتروى، هل يقبلها أو يردها، فمات الواهب، وادعى الموهوب له القبول قبل الموت، ولا مقال للورثة.
أو جد الموهوب له فيه، أي: في القبض بعد حصول الهبة وامتناع الواهب منه حتى مات، فقال ابن القاسم: لا يبطل، أو أنكر الواهب الهبة، وأقام الموهوب بها بينة، فطلب منه تزكيتها فحجد في تزكية شاهده، ومات الواهب قبل التزكية، فقال ابن القاسم: لا تبطل.
وقال ابن الماجشون: تبطل؛ لأن غاية إقامة البينة كإقرار الواهب، وهو لو أقر له ومات قبل القبض بطلت.
وفهم من قوله: (تزكية شاهده) أنه ليس له إنفاقها إلا مع البينة.
أو أعتق الموهوب له الرقيق الموهوب أو باع الموهوب له رقيقًا أو غيره أو وهب ما وهب له قبل قبضه في المسائل الثلاث صح، وكان فعله ذلك كالحوز اتفاقًا في العتق، وأما فيما بعده فقال: إذا أشهد الموهوب على فعله أو أعلن ذلك، أو لم يعلم بها الموهوب له إلا بعد موته، أي: الواهب؛ فإنها صحيحة، كذا قرره الشارحان، ومثله في التوضيح (١).
_________________
(١) قال في المنح (١٩٠ - ١٩١): "طفى: قرراه بما ذكر واستدل الشارح بقول ابن راشد نزلت عندنا بتونس ووقع فيها اضطراب ووجد في الطراز أنه معذور بعدم علمه وهو الصواب وجرى على ذلك في شامله فقال: وصحت إن قبضها ليتروى أو مات واهبها قبل علمك أو تزكية شاهدها على الأصح؛ فانظر اعتماده هنا. وفي شامله ما ذكر وقول ابن راشد القفصي وقع فيها اضطراب مع قول ابن رشد إن مات المعطي المتصدق قبل موت المعطى المتصدق عليه وقد علم ولم يقل قبلت حتى مات المتصدق فقول ابن القاسم في (المدونة) إنه لا شيء له لأنه لم ير سكوته =
[ ٧ / ١٤٠ ]
وحوز مخدم وهبة سيده لغير من أخدمه حوز المخدم حوز للموهوب له، فإذا مات الواهب قبل مضي الإخدام فلا كلام لوارثه، وحوز مستعير حوز للموهوب له مطلقًا، علم المخدم والمستعير بالهبة أم لا، كانت الهبة والإخدام دفعة أو لا، شهد بذلك أو لا، عند ابن القاسم.
وقال ابن شاس: هي حيازة إذا أشهد.
_________________
(١) = مع كون الهبة بيده رضا بها ولا قبولًا لها. وقول أشهب فيها إنها له لأنه رأى سكوته مع كون الهبة بيده رضا بها وقبولًا لها فقال إن كونها في يده أحوز الحوز فاختلافهما إذا كان الشيء بيد الموهوب له. وأشار ابن رشد: بما ذكره من الاختلاف لقولها إن كان له في يدك أرض أو دار أو رقيق بكراء أو عارية أو وديعة وذلك ببلد آخر فوهبك ذلك فقولك قبلت حوز وإن لم تقل قبلت حتى مات الواهب فذلك لورثته وقال غيره ذلك حوز لمن كان ذلك في يده. ثم قال ابن رشد وإن مات المتصدق قبل أن يعلم المتصدق عليه فقول مالك في هذه الرواية إن ذلك جائز وهو شذوذ لأنه يقتضي أن هبة الأموال لا تفتقر إلى القبول وأنها للموهوب له بنفس الهبة حتى لو مات الواهب له قبل أن يعلم فهي لورثته عنه ولم يكن لهم ردها إلا على وجه الهبة إن قبلها وهو معين ولا اختلاف أحفظ في هذا سوى قول مالك الشاذ في هذه الرواية ولو علم بالهبة ولم يعلم منه قبولها حتى مات الواهب جرى ذلك على ما ذكرنا من اختلاف ابن القاسم وأشهب وبقول أشهب أخذ سحنون، فتحصيل القول في هذه المسألة أن الرجل إذا وهب شيئًا هو في يده أو دينًا عليه فإن علم في حياة الواهب وقبل جازت له الهبة اتفاقًا. وإن علم ولم يقبل حتى مات الواهب جازت على قول أشهب وبطلت على قول ابن القاسم وإن لم يعلم بالهبة حتى مات بطلت باتفاق إلا على هذه الرواية الشاذة. اهـ. فبعد حكاية ابن رشد الاتفاق على البطلان ولا تصح إلا على قوله شاذة بعيدة كيف يصح تقرير كلام المصنف عليها وكيف يقع الاضطراب بتونس فيها وكأنهم لم يقفوا على كلام ابن رشد المذكور وقد نقله ابن عرفة وقبله ولذا فرغ من هذا وجعل الضمير في موته للموهوب له وبنى لم يعلم للمجهول لكن على تقريره تكون في عبارة المصنف ركاكة في تقييده بعدم العلم إذ لا فرق بين العلم وعدمه في موت الموهوب له. ابن رشد إذا مات المعطى المتصدق عليه قبل المعطي المتصدق فورثته يقومون مقامه ويتنزلون منزلته في الرد والقبول إذا علموا قبل موت المعطي المتصدق".اهـ.
[ ٧ / ١٤١ ]
وحوز مودع عند حوز للموهوب له إن علم المودع عنده بالهبة؛ ليكون حائزًا للموهوب له.
قال التونسي: لم يشترط ابن القاسم علم المخدم والمستعير، كما شرط علم المودع؛ لأنهما إنما حازا الرقاب لمنافعهما، فلو قالا: لا تحوز للموهوب لم يلتفت إلى قولهما، إلا أن يبطلا ما لهما من المنافع، ولا يقدران على ذلك؛ لتقدم قبولهما، فصار علمها غير مقيد، والمودع لو شاء لقال: خذ ما أودعتني، لا أحوزه لهذا.
لا حوز كاصب ومرتهن ومستأجر، فليس حوزًا للموهوب له في الثلاثة عند ابن القاسم، أما الغاصب فحوزه بغير إذن المالك.
تنبيه:
علم من هذا أن هبة المغصوب جائزة، وهو كذلك، بخلاف بيعه على ما تقدم، وأما المرتهن فإنه جائز للرهن، وأما المستأجر فحوزه لضرورة الاستيفاء.
إلا أن يهب الواهب الإجارة، أما مع هبة الرقيق أو بعدها فحوزه حينئذٍ حوز للموهوب؛ لأنه إذا وهب الإجارة سقط تعلقه من الرقبة ومنافعها، ولا كذلك إذا وهب الرقبة فقط.
ولا إن رجعت إليه هبة واهب بعده، أي: بعد حوز الموهوب له بقرب حاصل بين حوز الهبة ورجوعها لواهبها، بأن أجرها الموهوب له لواهبها، أو أرفق بها واهبها قرب حوزه لها، فإن تلك الحيازة كعدمها، ويبطل حقه فيها اتفاقًا؛ لأن القرينة دلت على أن ذلك حيلة من الواهب على إسقاط الحوز، بخلاف رجوعها للواهب بعد حيازة سنة، فإن رجوعها لا يبطل الهبة؛ لطول مدة الحيازة.
أو رجع الواهب مختفيًا عن الموهوب له، بأن وجدها الواهب خالية فسكنها، ومات فيها، أو رجع ضيقًا فنزل عند الموهوب له بالدار الموهوبة، فمات بها، فإن ذلك لا يبطل الهبة في المسألتين.
[ ٧ / ١٤٢ ]
وظاهره: كان الرجوع عن قرب أو بعد، وهو كذلك، وصحت هبة أحد الزوجين للآخر متاعًا أو خادمًا، وإن لم ترفع يد الآخر عنه للضرورة، وصحت هبة زوجة دار سكناها لزوجها لا العكس، وهو هبة الزوج الزوجة دارًا فلا تصح، لبطلان الحوز؛ لأن السكنى للزوج، وهي تابعة له.
ثم عطف على قوله: (لا العكس) قوله: ولا إن بقيت هبة الواهب عنده، لفلسه أو موته، فإنها تبطل.
ثم استثنى من الواهب قوله: إلا الواهب لمحجوره، فتصح هبته مع بقائها عنده؛ لأنه لا يجوز له، إذا كان الموهوب له مما يعرف بعينه، ولهذا استثنى فقال: إلا ما لا يعرف بعينه من معدود كدنانير ودراهم أو مكيل أو موزون، فلا تصح هبته مع بقائه عنده، ولو ختم عليه، وجعل في صرة، ولا بد من إخراجه عنه في رواية ابن القاسم والمصريين وغيرهم عن مالك، وبه جرى العمل.
وأشار بـ (لو) لقول المدنيين يصح إذا حضرها للشهود، وختم عليها.
ولا دار سكناه، لا يصح هبتها لمحجوره، إذا استمر ساكنها بها لموته، إلا أن يسكن الواهب الحائز أقلها ويكري له -أي: لمحجوره- الأكثر منها، فتصح الهبة في جميعها، كما في آخر رهون المدونة.
وإن سكن النصف وحاز النصف بطل النصف المسكون فقط، وعزاه اللخمي لابن القاسم وأشهب، وإن سكن الأكثر بطل الجميع.
[العمرى:]
ولما تكلم على الهبة أتبعها بالعمرى (١): بضم العين وسكون الميم مقصورة، مأخوذة من العمر لوقوعه طرفًا لها، وأفردها عنها إشارة للفرق؛
_________________
(١) العمرى: هي جعل منفعة العين للغير مدة العمر.
[ ٧ / ١٤٣ ]
إذ الهبة تمليك للذوات، وهذه للمنافع، فقال: وجازت العمرى؛ لورود النص فيها (١).
وصيغتها: كأعمرتك داري أو ضيعتي أو أسكنتكها أو وهبتك سكناها عمرك، أو فعل يدل على ذلك، روى ابن القاسم عن مالك جوازها في الرقيق والحيوان، قال: ولم أسمع من مالك في الثياب شيئًا، وهي عندي على ما أعارها عليه من الشرط، والحلي عنده كذلك.
قال الشارح: ثم عطف على الكاف في أعمرتك قوله: أو وارثك.
_________________
(١) ونصه: "العمرى جائزة لأهلها"، من حديث جابر أخرجه الطيالسي (ص ٢٣٤، رقم: ١٦٨٠)، وأحمد (٣/ ٢٩٧، رقم: ١٤٢٠٨)، والبخاري (٢/ ٩٢٥، رقم: ٢٤٨٣)، ومسلم (٣/ ١٢٤٧، رقم: ١٦٢٥)، والنسائي (٦/ ٢٧٣، رقم: ٣٧٢٩)، وابن حبان (١١/ ٥٣١ رقم: ٥١٢٩)، إسحاق بن راهويه (١/ ١٦٥، رقم: ١١٠)، والترمذي (٣/ ٦٣٢، رقم: ١٣٥٠) وقال: حسن صحيح. وأبو يعلى (٣/ ٣٧٨، رقم: ١٨٥١)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١١٧، رقم: ١٤٣٧). ومن حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٩، رقم: ١٠٣٥٠)، والبخاري (٢/ ٩٢٥، رقم: ٢٤٨٣)، ومسلم (٣/ ١٢٤٨، رقم: ١٦٢٦)، وأبو داود (٣/ ٢٩٣، رقم: ٣٥٤٨)، والنسائي (٦/ ٢٧٧، رقم: ٣٧٥٤)، الطيالسي (ص ٣٢٢، رقم: ٢٤٥٣)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥١١، رقم: ٢٢٦٣٣)، وإسحاق بن راهويه (١/ ١٦٤ رقم: ١٠٧)، وأبو عوانة (٣/ ٤٦٣، رقم: ٥٦٩٨)، والبغوي في الجعديات (١/ ١٥٢ رقم: ٩٦٩)، والطحاوي (٤/ ٩٢)، والبيهقي (٦/ ١٧٤، رقم: ١١٧٥٩). ومن حديث معاوية: أخرجه أحمد (٤/ ٩٩، رقم: ١٦٩٥١)، والطبراني (١٩/ ٣٢٣، رقم: ٧٣٣)، ابن أبي شيبة (٤/ ٥١٠، رقم: ٢٢٦٣١)، وأبو يعلى (١٣/ ٣٥٧، رقم: ٧٣٦٩)، والبغوي في الجعديات (١/ ٤٨٢، رقم: ٣٣٤٦)، والطحاوي (٤/ ٩١). ومن حديث سمرة: أخرجه أحمد (٥/ ١٣، رقم: ٢٠١٦٤)، وأبو داود (٣/ ٢٩٣، رقم: ٣٥٤٩)، والبيهقي (٦/ ١٧٤، رقم: ١١٧٦١)، والروياني (٢/ ٥١، رقم: ٨١٣)، والطحاوي (٤/ ٩٢)، والطبراني (٧/ ٢٠٤، رقم: ٦٨٤٦). ومن حديث زيد بن ثابت: أخرجه النسائي (٦/ ٢٧٠، رقم: ٣٧١٧)، والطبراني في الكبير (٥/ ١٦١، رقم: ٤٩٤٧)، وفي الأوسط (٥/ ٣٧٨، رقم: ٥٦١١). ومن حديث ابن عباس: أخرجه النسائي (٦/ ٢٧٢ رقم: ٣٧٢٤)، وابن أبي شيبة (٤/ ٥٠٩، رقم: ٢٢٦١٦).
[ ٧ / ١٤٤ ]
وقال بعض من تكلم على هذا المحل (١): ينبغي أن يكون بواو العطف بعد أو، أي: أعمرتك فقط، أو أعمرتك ووارثك، فهما مثالان.
ورجعت بعد انقضاء الأجر الذي وهبت له للمعمر: بكسر الميم الثانية، إن كان حيًّا، أو وارثه إن مات، وظاهره: الرجوع مطلقًا معقبًا كان أو لا، وهو قول مالك.
ثم شبه في جواز رجوعها في العمرى ملكًا ورجوعها للآخر ملكًا في الحبس، كحبس عبدي عليكما، وهو لآخركما ملكًا فيستحقانه معًا على وجه الحبس، فإذا مات أحدهما استحقه الآخر ملكًا، كما في أواخر هبات المدونة.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل (٢): لفظ (ملكًا) منصوب على الحال من ضمير الفاعل في (رجعت).
لا الرقبى: بضم الراء وسكون القاف والباء الموحدة، فلا يجوز؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، وفسرها المصنف شرعًا بقوله: كذوي دارين قالا -أي: قال كل منهما لصاحبه- إن مت قبلي فهما -أي: داري ودارك- لي، وإلا بأن مت قبلك فلك، وتعاقدا على ذلك.
تنبيه:
إن نزل ذلك قال اللخمي: فعلى القول بأن الحبس على معين يرجع ملكه يبطل تحبيسهما، وترجع ملكًا لهما، وعلى رجوعه حبسًا تبطل السكنى فقط، وتكون ملكا لهما، حتى يموت أحدهما، فترجع مرجع الأحباس.
ثم شبه في المنع مسألتين ذكرهما في التهذيب آخر الصدقة، مشيرًا للأولى بقوله: كهبة نخل لشخص، واستسناء ثمرتها سنين، والحال أن الواهب شرط أن يكون السقي على الموهوب له النخل؛ للغرر؛ لأنه معين
_________________
(١) المراد بهذه العبارة: ابن غازي.
(٢) هو: ابن غازي.
[ ٧ / ١٤٥ ]
يتأخر قبضه؛ إذ لا يدري أيسلم لذلك الأجل أم لا، وإن سلمت لا يدري كيف يصير حينئذٍ، وسقيه لها خرج مخرج المعاوضة.
ومفهومه: لو كان السقي على الواهب صح.
وأشار للمسألة الثانية بقوله: أو فرس لمن يغزو عليه سنين وينفق عليه المدفوع له من عنده، ثم بعد السنين يكون الفرس للمدفوع له، واشترط عليه معطي الفرس أنه لا يبيعه لبعد الأجل؛ لأن الفرس لو مات قبل الأجل لذهبت نفقته باطلًا، وللأب اعتصارها -أي: البهة- من ولده: ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا.
وظاهره: ولو حيزت، وهو كذلك على المشهور، كأم لها الاعتصار كالأب فقط دون غيرهما من جد وجدة ونحوهما على المشهور، وسواء كان الأب والأم والولد موسرين أو معسرين أو أحدهم، وإنما تعتصر الأم إذا وهبت ذا أب، فلا تعتصر من يتيم هبته حال يتمه، وأما إن مات أبوه بعد بلوغه فلها الاعتصار، وإن كان الأب مجنونًا جنونًا مطبقًا حين الهبة؛ إذ هو كالصحيح، فليس بيتيم، ولو وهبته صغيرًا ذا أب، ثم تيتم بعد الهبة فلها الاعتصار على المختار الذي هو استحسان اللخمي، ومقابله لابن المواز، ولا اعتصار لأب ولا لأم فيما أريد به الآخرة من الهبة؛ لأنها صارت صدقة، والصدقة لا تعتصر، وبه جرى العمل.
وقال مطرف: له الاعتصار.
كصدقة بلا شرط، فلا تعتصر، يحتمل أن يريد الصدقة المطلقة التي لا يعرف هل أريد بها صلة رحم أو الآخرة، ويحتمل أن يريد الصدقة التي لم يقترن بها شرط الرجوع، فإنها لا رجوع فيها كالتي أريد بها الآخرة.
[موانع الاعتصار:]
ولما قدم الاعتصار شرع في ذكر موانعه، فقال: إن لم تفت تلك الهبة بحوالة سوق، عكسه لابن الحاجب، وأقره في توضيحه حكاية عن نقل الباجي عن مطرف وغيره، وبهذا تعقب كلامه هنا، حتى قال بعض من
[ ٧ / ١٤٦ ]
تكلم على هذا المحل (١): إن في بعض النسخ: (إن لم تفت لا بحوالة سوق، بل بزيد أو بنقص) وهو الصواب.
أو بحصول زيد فيها فكبر صغير وسمن هزيل، أو بحصول نقص، كهرم أو نسيان، ولم ينكح، بأن يزوج الموهوب لأجلها ذكرًا كان أو أنثى، أما الذكر فلرغبة الناس في ذي المال، وأما الأنثى فلتعلق حق التزويج والعقد في ذلك كالدخول، أو ما لم يداين: بفتح المثناة الثانية -أي: عامل -لها -أي: لأجلها- فإن عومل لها فات الاعتصار، وأتى بـ (لم) للإشعار بأن الفوات بهذين غير الفوات بالزيادة والنقص؛ لأن الزيادة والنقص تأثيرهما في صفة الموهوب، والنكاح والمداينة خارجان عنه.
أو يطأ أمة ثيبًا وهبها له أحد أبويه، فإن ذلك يفيت الاعتصار عند مالك وابن القاسم، وإذا كان وطء الثيب يفيت فالبكر أولى.
تتمة:
لو ادعى الوطء صدقما عند ابن القاسم، قال يحيى بن عمر (٢): إذا غاب عليها.
وفي معنى الوطء التدبير والكتابة والعتق للأجل.
أو يمرض موهوب له كواهب إذا مرض كل منهما بعدها منع اعتصارها عند مالك وابن القاسم، أما مرض الواهب فلأن اعتصاره لغيره، وهو وارث، وقد يكون أجنبيًّا، وأما مرض الموهوب له فلتعلق حق ورثته بالهبة.
_________________
(١) يعني: ابن غازي.
(٢) هو: يحيى بن عمر بن يوسف بن عامر الكناني الأندلسي الجياني، أبو زكريا، (٢١٣ - ٢٨٩ هـ = ٨٢٨ - ٩٠٢ م): فقيه مالكي عالم بالحديث. من موالي بني أمية، من أهل جيان. نشأ بقرطبة، وسكن القيروان، ورحل إلى المشرق. ثم استوطن سوسة، وبها قبره. وكانت الرحلة إليه في وقته له مصنفات في نحو ٤٠ جزءًا، منها "المنتخبة" في اختصار المستخرجة، فقه، و"أحمية الحصون" و"الوسوسة" و"النساء" و"فضائل المستنير والرباط" و"الرد على الشافعي" و"الرد على الشكوكية" و"الرد على المرجئة" و"أحكام السوق- ط". ينظر: الأعلام (٨/ ١٦٠).
[ ٧ / ١٤٧ ]
إلا أن يهب على هذه الأحوال المانعة من الاعتصار، كأن يهبه وهو متزوج أو مدين أو مريض فله الاعتصار في هذه الأحوال، ولا يكون وجودها مانعًا من الاعتصار.
أو إلا أن يزول المرض الحاصل للموهوب له، وهو الابن أو للواهب بعد الهبة، فيعود الاعتصار حينئذٍ على المختار عند اللخمى من قول مالك وابن القاسم.
تنبيه:
وذكر البساطي لو قام الأب ليعتصر في مرض الابن فمنع من ذلك ثم زال المرض فليس له أن يعتصر، وإن قلنا: إنه يعتصر عند زواله.
وكره تملك صدقه -أي: عودها لمن تصدق بها أولًا- ببيع أو هبة أو صدقة؛ لخبر عمر في الفرس الذي تصدق به: "لا تشتره، ولو أعطاكه بدرهم" (١).
وهذا إذا عادت لمن يتصدق بها بغير ميراث، وأما إن عادت له بميراث فلا كراهة.
ولا يركبها -أي: الدابة التي تصدق بها- أو يأكل من غلتها، ولا ينتفع منه بشيء، وأما الأب والأم إذا احتاجا فإن الولد ينفق عليهما مما تصدقا به عليه، كما في المدونة، وفي الموازية: للرجل أن يأكل من لحم غنم تصدق بها على ابنه، ويشرب من لبنها، ويكتسي من صوفها، إذا رضي الولد، وكذلك الأم.
محمد: هذا في الولد الكبير، وأما الصغير فلا يفعل، قاله مالك.
_________________
(١) رواه مالك (١/ ٢٨٢، رقم: ٦٢٣)، ولفظه: عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب وهو يقول: حملت على فرس عتيق في سبيل اللَّه وكان الرجل الذي هو عنده قد أضاعه فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص فسألت عن ذلك رسول اللَّه -ﷺ- فقال: "لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".
[ ٧ / ١٤٨ ]
واختلف: هل تقييد المدونة بما في الموازية من اختصاص المنع بما تصدق به على الولد الصغير، وأما الكبير فيجوز رضاه، وإليه أشار بقوله: وهل إلا أن يرضى الابن الكبير بشرب اللبن، وبه قال بعضهم، فما في الكتابين وفاق، أو تبقى المدونة على إطلاقها من منع الأكل مطلقًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، فما في الكتابين خلاف، وبه قال آخرون؟ تأويلان.
وللبساطي هنا مناقشة، انظرها في الكبير.
وينفق الابن المتصدق عليه على أب افتقر منها، وكذا على أم، وجاز تقويم جارية أو عبد تصدق به الأب على ابنه للضرورة لهما، بأن تتبع الجارية نفسه، أو يحتاج للعبد.
ويستقصي الابن في الثمن، ونحوه في المدونة في الجارية، وفرضها في العتبية في العبد، فجمع المؤلف بينهما.
وجاز شرط الثواب على الموهوب له مقارنًا للفظ الهبة، كـ: وهبتك هذا على أن تثيبني، ولا يقدح اشتراط الثواب في التصريح بالهبة؛ لأنها كالبيع؛ فاشتراط الثواب كالثمن.
ولزم الثواب بتعيينه؛ لأنه التزمه بتعيينه، كقوله: أهبتكها بدينار، ولا خفاء فيه، وجعل البساطي فاعل لزم العقد، أي: لزم العقد بتعيين الثواب جنسًا وقدرًا.
ومفهومه: أن شرط الثواب من غير تعييق لا يكفي في اللزوم، وهو كذلك. انتهى.
وصدق واهب فيه -أي: في دعواه طلب الثواب- إذا خالفه الموهوب له، إن لم يشهد عرف بضده، وهو الموهوب له، بأن مثله لا يطلب الثواب على هبته، فالقول للموهوب له، أما إذا لم يشهد العرف بالموهوب له في حال واحد، وهو إذا شهد له العرف والتصديق عام، إن لم يكن لعرس، [بل] وإن كان لعرس.
ابن العطار: ويقضى بما يهدونه لأعراسهم من الخراف ونحوها.
[ ٧ / ١٤٩ ]
تتمة:
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: لو قال: لا أعطيك إلا أن يتجدد للعرس، وهو شأن الناس، فله الرجوع بقيمة هديته معجلًا.
وهل يحلف من صدق مطلقًا شهد له العرف أو لا، كما في بعض نسخ المدونة، أو إنما يحلف إن أشكل الأمر، واحتمل الوجهين، وإليه ذهب جماعة من الشيوخ؟ تأويلان.
ثم ذكر المؤلف مسائل قضى فيها العرف بنفي الثواب إما في الموهوب أو في الموهوب له، وأشار للأول بقوله: في غير المسكوك من الدراهم والدنانير، فلا يصدق في دعوى الثواب فيهما؛ لقضاء العرف بذلك.
إلا بشرط فيعمل عليه، ويثاب عنهما عرضًا أو طعامًا، كما في المدونة، وفهم من قوله: (المسكوك) أن الحلي والسبائك يثاب عليها، وهو كذلك عند ابن القاسم، وله في الموازية: الثواب فيهما.
وأشار للثاني بقوله: وفي هبة أحد الزوجين للآخر، لا يصدق من ادعى الثواب منهما.
ظاهره: مطلقًا، كما في التهذيب، وقيل: إلا أن يشترط، وبه قرر الشارحان كلام المؤلف؛ اعتمادًا على أنه حذف (إلا لشرط) من هذه؛ لدلالة ما قبله عليه. انتهى.
وهو ظاهر قول المدونة: ولا يقضى بين الزوجين بالثواب في الهبة، ولا بين والد وولد، إلا أن يظهر ابتغاء الثواب. انتهى. وإذا كان هذا مع ظهور ابتغاء فمع شرطه أحرى.
تنبيه:
هذا في غير صداقها لزوجها، فلا يصدق في دعوى الثواب، عينًا كان أو عرضًا.
ولا يصدق في دعوى الثواب من أهدى لقادم عند قدومه من سفر
[ ٧ / ١٥٠ ]
حج أو غيره، وإن فقيرًا لغني عند مالك وابن القاسم، ولا يأخذ الفقير هبته، وإن كانت قائمة على المشهور.
ولزم واهبها القيمة إذا دفعها الموهوب له، قائمة كانت أو فائتة على المشهور، لا الموهوب له، فلا تلزمه القيمة، وله رد الهبة، إلا لفوت بزيد أو نقص على المشهور، وله -أي: الواهب- منعها من الموهوب له حتى يقبضه -أي: الثواب- وهو مذهب المدونة.
وأثيب ما -أي: شيئًا أو الذي- يقضى عنه الموهوب ببيع -أي: في البيع- وإن كان معيبًا، يحتمل أن يقرأ: معينًا من التعيين، كالدنانير والدراهم، أو معيبًا من العيب، فإن كان عيئا فادحًا كالجذام فله رده، وأخذ الهبة، إن لم تفت، إلا أن يعوضه، إن كان غير فادح، نظرًا لقيمته بالعيب، فإن كان كقيمة الهبة أو أكثر لم يجب له غيره؛ لأن ما زاد على القيمة تطوع غير لازم، وإن كان دون قيمتها فأتم له القيمة برئ، وليس للواهب رد العوض، إلا أن يأبى الموهوب أن يتم له قيمته؛ لأن كل ما يعوضه مما يجري بين الناس في الأعواض يلزم الواهب قبوله، وإن كان معيبًا إذا كان وفاءً بالقيمة.
إلا ما جرت العادة بأنه لا يثاب، كحطب وتبن، فلا يلزمه أخذه عند ابن القاسم. انتهى.
وهذا في غير الأمصار غالبًا، وإلا فبعض الأمصار وذوي العيال والدواب إذا أثبت ذلك كان أحب إليه من غيره.
وللمأذون له في التجارة من العبيد أن يهب من ماله للثواب؛ لأنه نوع من البيع؛ ولذا كان له أخذ هبة الثواب، وللأب في مال ولده الهبة للثواب، وأعاد اللام في (للأب) لاختلاف المتعلق؛ إذ العبد من مال نفسه والأب من مال ولده.
[ ٧ / ١٥١ ]
تنبيه:
لو أخذ السيد الهبة من عبده لزم السيد دفع الثواب من مال نفسه، قاله ابن القاسم.
وإن قال شخص: داري صدقة بيمين مطلقًا على شخص بعينه أو المساكين أو بغيرها -أي: بغير يمين- ولم يعين شخصًا بعينه كداري صدقة على المساكين، وحنث في اليمين، لم يقض عليه بوفاء ما تصدق به، بل يؤمر بذلك من غير قضاء، أما عدم القضاء في الأولى وهي اليمين على غير معين فهو المعروف، خلافًا لأصبغ، وأما في الثانية وهي اليمين على معين فالمشهور عدم القضاء عليه، خلافًا لابن نافع، وأما في الثالثة بغير يمين على غير معين كداري صدقة على المساكين، فقال ابن ناجي: مفهوم.
البراذعي: عدم القضاء عليه، وبه العمل.
بخلاف المعين في غير يمين، وفي جعله في مسجد معين، ابن ناجي: في يمين.
قال ابن زرب: يلزمه.
وقال أحمد بن عبد اللَّه: لا يلزمه، وبه العمل.
قولان، ومفهومه: لو كان المسجد غير معين لم يقض عليه اتفاقًا.
تنبيه:
ظاهر كلام الشارحين: أن ذلك في غير يمين؛ لتمثيلهما داري صدقة على المسجد الفلاني، فانظره مع كلام ابن ناجي.
وقضي بين مسلم وذمي وهب أحدهما للآخر فيها -أي: الهبة- بحكمنا في كل ما وقع، وفهم منه: أنهما لو كانا ذميين لم يحكم بينهما فيهما بحكمنا، وهو كذلك؛ لقوله في المدونة: لم أعرض لهما، وليس هذا من التظالم الذي أمنعهم منه.
وظاهرها: وإن ترافعا إلينا.
[ ٧ / ١٥٢ ]
خاتمة:
هذه إحدى المسائل الخمس التي لا يحكم بينهم فيها، والنكاح، والطلاق، والعتق، والزنا، وفي كلها خلاف معروف في محله.
* * *
باب
ذكر فيه اللُّقَطة والضالة والآبق وأحكام كل، وما يتعلق به، وهي بضم اللام وفتح القاف: ما التقط، وعليه الأكثر، وفيها لغات، انظرها في الكبير.
[تعريف اللقطة:]
ورسمها المصنف بقوله: اللقطة مال معصوم عرض للضياع في غامر: بغين معجمة، أو عامر بمهملة، ضد الأول، فـ (مال): جنس يشمل كل مال معصوم كان أو لا.
وخرج بـ (المعصوم) غيره، كـ: مال الحربي والركاز.
وبـ (عرض للضياع) الإبل وما هو بيد حافظ.
وقول البساطي: (وليس قوله: "عرض للضياع" حسنًا؛ إذ المراد كون المال في معرض للضياع، لا أنه قصد تعريضه للضياع) غير ظاهر؛ لاحتمال أن يقرأ (عرض) بالبناء للفاعل.
وإن كان المال المعرض للضياع كلبًا أطلقه كابن شاس وابن الحاجب، وهو مخصوص بالمأذون، ويعلم كونه كذلك لعلم الملتقط حال ربه فيه، أو غلبة صفة للصيد، وأما كلب الدار الذي لم يؤذن في اتخاذه فلا؛ الجواز قتله، وإنما ذكره للخلاف في كونه مالًا.
وفرسًا وحمارًا، وذكرهما للخلاف في كونهما يشغلان بحياتهما كالإبل أو لا، وسيذكر البقر.
[ ٧ / ١٥٣ ]
[حكم المال الملتقط:]
ورد المال الملتقط بمعرفة وعاء مشدود فيه، وهو العفاص، وبه وهو الوكاء الخيط المربوط به، وهذا تفسير ابن القاسم، وعكسه أشهب، وعدده بلا يمين مع هذه الحبات الثلاث على الأصح، وأما إن قامت له بذلك بينة فلا إشكال.
وقضي له -أي: لواصف الثالث على ذي العدد والوزن، إذا ادعاها كل منهما، وإن وصف شخص ثان وصف شخص أول، والحال أن الأول لم يبن -أي: لم يذهب- بها، بل وصفها بحضرة الأول بها، فوصف الأول: فعل، والثاني: مصدر، حلفا، أي: كل منهما أنها له، وقسمت بينهما بالسوية على الصحيح.
ومفهومه: لو لم يحلفا لم تقسم، ويشمل صورتين:
إحداهما: أن يحلف أحدهما، وينكل الآخر، فيأخذها الحالف.
والثانية: أن ينكلا معًا، قال أشهب: لا تدفع لهما، وهو الذي يعطيه كلام المؤلف، واختار اللخمي قسمها بينهما، كما لو حلفا.
وقوله: (وصف) يحتمل أن يصف الثاني ما وصف الأول بعينه، ويحتمل أنهما اختلفا في الوصف، ولكن وصفها كل بما يستحق أخذها به، لو انفرد، كوصف أحدهما الظاهر العفاص والوكاء، والآخر الباطن العدد والسكة، وفيها قولان:
أحدهما: أنها تقسم بينهما.
اللخمي: وهو أبين؛ لأن معرفة الباطن أولى.
والآخر: قول أصبغ: إن صاحب العفاص والوكاء أولى للحديث (١).
_________________
(١) أي: المتفق عليه عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ -﵁- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا".=
[ ٧ / ١٥٤ ]
ثم شبه في المسألة السابقة: كبينتين متكافئتين، لم يؤرخا، أقام كل واحد منهما بينة أن اللقطة له، فإنها تقسم بينهما، وإلا بأن أرختا فالأقدم تاريخًا يعمل بها.
والظاهر: أنهما لو تساويتا في التاريخ مع تكافئهما فكما لم يؤرخا، وللشارحين هنا كلام، انظره في الكبير (١).
_________________
(١) = قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الْإِبِلِ؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؛ مَعَهَا سقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا".
(٢) قال في المنح (٨/ ٢٢٧ - ٢٢٨): "اللخمي: إن أقام الثاني بينة انتزعت من الأول إلا أن يقيم بينة فيقضى بأعدلهما وإن تكافأتا بقيت للأول بالصفة. ابن عرفة في النوادر لأشهب زاد هذا إن لم تؤرخ البينتان وإن أرختا كانت لأولهما ملكًا بالتاريخ ونص التوضيح أشهب إن دفعها للأول ببينة ثم أقام الثاني بينة أيضًا فهي لأولهما ملكًا بالتاريخ فإن لم يكن تاريخ فهي لأعدلهما فإن تكافأتا كانت لمن هي بيده وهو الأول بعد يمينه أنها له ولا يعلمها للآخر فإن نكل حلف الثاني وأخذها فإن نكل فهي للأول بلا يمين. ابن يونس يحتمل على أصل ابن القاسم أن تقسم بينهما وإن حازها الأول لأنه مال عرف أصله كقوله فيمن ورث رجلًا بولاء ادعاه وأقام عليه بينة وأقام آخر بينة أنه مولاه وتكافأتا فالمال يقسم بينهما لأنه مال عرف أصله. وقال غيره: هو لمن هو بيده، وهو نحو قول أشهب هنا. اهـ. وتعقب الشارح كلام المصنف بهذا النقل بعد تقريره على ظاهره قائلًا لعل هذا اختيار منه لأنه أخذ طرفًا من قول ابن القاسم وطرفًا من قول أشهب وتبعه البساطي وتت ورده الفيشي وطفى بأن المصنف مشى على قول ابن القاسم أولًا وآخرًا لأنه لم يخالف أشهب في الترجيح بالأعدلية أو تقدم التاريخ ولم ينفرد أشهب إلا ببقائها عند من هي بيده إذا تكافأتا والمصنف خالف فيه ومشى على قول ابن القاسم على ما عزاه ابن يونس له وبه تعلم قصور نقل ق، واللَّه أعلم. اهـ. بناني ونص طفى عقب ما تقدم عن التوضيح فانظر هذا مع كلامه هنا. اهـ كلام الشارح. وتبعه البساطي فقال: اللَّه أعلم بصحته وحكى ما تقدم عن أشهب، ثم قال: وظاهر كلامهم أن ابن القاسم ليس له فيها نص ثم حكى ما تقدم عن ابن يونس، ثم =
[ ٧ / ١٥٥ ]
[الضمان في اللقطة:]
ولا ضمان على ملتقط دافع للقطة بوصف يسوغ له دفعها به، إن لم تقم بينة لغيره ممن وصفها بعد دفعها، بل وإن قامت بينة لغيره أنها له، وهو مذهب ابن القاسم وأشهب، وإذا لم يضمن مع دفعها بالوصف فأحرى مع البينة، ولا عبرة بوصف الثاني، واستؤني يدفعها لمدعيها بالصفة الواحدة، إن جهل مدعيها غيرها من الصفات، كمعرفة العفاص وجهل الوكاء أو عكسه عند أصبغ، فإنه قال: إن عرف العفاص وحده فليستبرأ أمره، فإن جاء أحد، وإلا أعطيها.
لا إن غلط، بأن عرف العفاص وغلط في الوكاء، وعكسه، فلا شيء له على الأظهر عند ابن رشد؛ لقوله: هو أعدل الأقوال عندي.
وللبساطي هنا تعقب، انظره في الكبير.
وأما إن جهل القدر، فأشار له بقوله: ولم يضر جهله بقدره زيادةً أو نقصًا، إذا عرف العفاص والوكاء.
[حكم الالتقاط:]
ولما كان حكم الالتقاط يختلف باختلاف الملتقط على ثلاثة أقسام بيَّنها بقوله: ووجب أخذه لخوف خائن لمن تركه لقدرته على حفظه حينئذٍ، لا إن علم خيانته هو من نفسه بعادة أو غيرها، فيحرم عليه أخذها،
_________________
(١) = قال: وعليك بعد هذا السعي في تصحيح كلامه وما ذكره الشارح هو كذلك في التوضيح وابن عرفة وسلم تت تعقب الشارحين وقد لا يسلم لأن الترجيح بالأعدلية والتاريخ الذي نقله عن أشهب لم يخالف فيه ابن القاسم كما هو معلوم مما يأتي في بابه، ولم ينفرد أشهب إلا ببقائها عند من هي بيده عند تكافئهما ولم يرد عن ابن القاسم شيء في ذلك ويدل لهذا كلام ابن يونس فإنه لما ذكر الترجيح بالتاريخ أو الأعدلية عن أشهب سكت ثم ذكر أنها تبقى بيده عند تكافئهما قال: يحتمل على قول ابن القاسم أن تقسم. . . إلخ، فدل على أن ما قبله قاله ابن القاسم فالمصنف درج على قول ابن القاسم على ما حمله عليه ابن يونس فقول الشارح لعل هذا اختيار منه فيه نظر".
[ ٧ / ١٥٦ ]
لعلمه بخيانته وظنه خيانة غيره، وإلا كره له ذلك عند مالك، واستحسنه بعضهم، وإليه أشار بقوله: على الأحسن.
تنبيه:
اختلف الشارحان في هذا الاستثناء، فقال بهرام: من الأمرين السابقين، وإن لم يخف الخونة، ولا علمها من نفسه.
وقال البساطي: من الثاني، أعني: إن علم خيانة نفسه، قال: وإنما حملته على هذا؛ لأنه إذا لم يخف الخونة لم يبق إلا أن يجده أمين أو ربه، وحينئذٍ لا يجوز له الأخذ مع تجويز خيانته؛ فتأمله. انتهى.
[أمد التعريف باللقطة، وكيفيته:]
ووجب تعريفه سنة من حين أخذه؛ لأنه لو أخر تعريفه لضمن.
اللخمي: إن أمسكها سنة ولم يعرفها ثم عرفها فتلفت ضمن.
قال المصنف: ينبغي أن لا يقيد بالسنة، ويجب التعريف.
ولو كان الشيء الملتقط يسيرًا، كـ (دلو) و(مخلاة)؛ إذ لا فرق بين اليسير والكثير، وهو ظاهر رواية ابن القاسم في المدونة.
وأشار بـ (لو) لرواية غيره فيها: أن اليسير يعرف أيامًا؛ لمظنة طالبيه.
ووقع في نسخة البساطي إسقاط (لو)، فقال: لو قال: (ولو) لكان مصيبًا فيما أظن.
لا تافهًا، وهو: ما لا تلتفت النفوس إليه، كفلس وتمرة وكسرة، فلا يعرف أصلًا، وهو لمن وجده، إن شاء أكله، أو تدق به.
ويكون التعريف للقطة بمظان طلبها، أي: المواضع التي يطلبها أربابها فيه، بكباب مسجد وجامع، لا داخلهما، للنهي عنه؛ لخبر مسلم عنه -ﷺ-: "من يسمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها اللَّه عليه" (١)، فإن المساجد لم تكن لذلك.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ٧ / ١٥٧ ]
ويكون التعريف في كل يومين أو ثلاثة مرة، رواه ابن نافع عن مالك.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون أكثر من ذلك في أول التعريف.
وأفاد أن الملتقط مخير بين ثلاثة أمور:
- تعريفها بنفسه.
- أو بمن يثق به بغير أجرة، كما أجازه ابن القاسم في العتبية.
- أو بمن يثق به بأجرة منها، قاله ابن شعبان، وقيده اللخمي بأن يكون مثله لا يلي ذلك، وإلى تقريره أشار بقوله: إن لم يعرف مثله، فإن كان مثله يلي ذلك بنفسه لم يستأجر عليها، إلا من مال نفسه؛ لأنه بالتقاطه كالملتزم لتعريفها.
وتعرف بالبلدين، أي: كل منهما، إن وجدت بينهما؛ إذ لو عرفت بواحدة فقط احتمل كون صاحبها من الأخرى، ولا يذكر المعرف جنسها إذا عرفها، على المختار، الذي استحسنه اللخمي من قول مالك.
[اللقطة بقرية ذمية:]
ودفعت لحبر: بفتح المهملة وكسرها، وهو عالم أهل الذمة، إن وجدت بقرية ذمية (١)، قاله ابن القاسم.
[حكم اللقطة بعد التعريف:]
وله -أي: الملتقط- الخيار بين ثلاثة أمور:
- إما حبسها بعدها، أي: السنة باقية لربها.
- أو التصدق بها.
- أو التملك لها، بأن يصيرها ملكًا له، يتصرف فيها بما شاء، ولو غنيًّا.
_________________
(١) أين هذا الكلام من أولئك الذين يجعلون كل مال لغير أهل ملتنا من الفيء.
[ ٧ / ١٥٨ ]
تنبيه:
ما ذكره من التخيير صرح به في الجلاب، ومثله لابن الحاجب.
قال في الشامل: واستظهر مرجوحية التمليك.
وقيل: يكره.
وهو ظاهرها.
ثم بالغ على جواز التصدق والتملك بقوله: ولو التقطها بمكة، حكاه ابن القصار عن مالك.
المازري: حكم لقطة مكة حكم سائر البلاد (١).
وأشار بـ (لو) لخلاف بعض المتأخرين من أن لقطتها لا تملك؛ لخبر: "لا يحل ساقطها إلا لمنشد" (٢).
_________________
(١) أي: فيجوز تملكها بعد التعريف، وهذا لا ينافي الحديث الوارد في النهي عن التقاط لقطة الحاج للتمليك ابتداءً.
(٢) رواه بهذا اللفظ ابن حبان (٩/ ٢٨، رقم: ٣٧١٥)، قال في سبل السلام (٣/ ٩٧): "نهى عن لقطة الحاج رواه مسلم أي عن التقاط الرجل ما ضاع للحاج والمراد ما ضاع في مكة لما تقدم من حديث أبي هريرة: "أنها لا تحل لقطتها إلا لمنشد" وتقدم أنه حمله الجمهور على أنه نهي عن التقاطهما للتملك لا للتعريف بها فإنه يحل قالوا: وإنما اختصت لقطة الحاج بذلك لإمكان إيصالها إلى أربابها لأنها إن كانت لمكي فظاهر وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفق في الغالب من رواد منه إليها فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها قاله ابن بطال، وقال جماعة: هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط إلى المبالغة في التعريف بها والظاهر القول الأول وأن حديث النهي هذا مقيد بحديث أبي هريرة بأنه "لا يحل التقاطها إلا لمنشد" فالذي اختصت به لقطة مكة بأنها لا تلتقط إلا للتعريف بها أبدًا فلا تجوز للتملك ويحتمل أن هذا الحديث في لقطة الحاج مطلقًا في مكة وغيرها لأنه هنا مطلق ولا دليل على تقييده بكونها في مكة".
[ ٧ / ١٥٩ ]
[الضمان في اللقطة:]
ضامنًا الملتقط لربها فيهما، أي: في التصدق والتملك، كنية أخذها قبلها، اختلف الشارحان:
- فقال بهرام: يضمنها الملتقط إذا نوى أكلها قبل السنة فضاعت، فظاهره: بمجرد النية، وفيه نظر؛ فإن أبا الحسن قال: المشهور أن النية بمجردها لا توجب شيئًا، إلا أن يقارنها فعل، ودرج على ذلك في شامله.
- وقال البساطي: إنه لما وجد اللقطة نوى أخذها تملكًا، وكانت هذه النية قبل أخذها؛ فإنه يصير بهذه النية كالغاصب.
ويضمن الملتقط في ردها لموضع التقاطها بعد أخذها للحفظ، إن لم يجد ربها، إلا أن يردها بعد أخذها للحفظ بقرب من أخذها: فتأويلان في الضمان وعدمه، والتأويلان في فهم المدونة، ففهمها بعضهم أن الثانية خلاف الأولى، وإن ضمنها في الأولى؛ لأنه أخذها بنية التعريف، فلزمه حفظها، وفي الثانية لم يأخذها بنية التعريف، والقرب والبعد سواء.
وفهمها اللخمي على أنه إنما ضمنه في الأولى لأنه لم يردها بالقرب، ولم يضمنها في الثانية لأنه ردها في القرب.
وذو الرق: قن ومعتق لأجل ومبعض كذلك، يضمنها في ذمته، يضمنها في ذمته إذا استهلكهما كالحر بعد السنة، إذ هو بعدها غير متعد.
وقبل السنة في رقبته؛ لأنها خيانة، ليس لسيده إسقاطها عنه، بخلاف الدين؛ لأن ربها لم يسلطه عليها، وليس لسيده منعه من تعريفها؛ لأنه يصبح في حال تصرفه لسيده ولا يضره.
[ما يجوز للملتقط:]
وله -أي: للملتقط- أكل ما يفسد بتأخير، كفاكهة ولحم، كان له بال أو لا، إن لم يكن بقرية، بل وإن كان بقرية، ولا ضمان عليه على الأصح، والتصديق به أولى، وأكله أولى من طرحه.
[ ٧ / ١٦٠ ]
وله أكل شاة وجدها بفيفاء، كصحراء وما لا عمارة به، وله التصدق بها، ولا ضمان عليه.
وظاهره كالمدونة: ولو وجدها بموضع يؤمن عليها فيه من السباع.
ومفهوم (فيفاء) أنه لو وجدها بعمارة أو قربها عرفها ولا يأكلها، وهو كذلك، وكذلك لو أتى بها العمران حية، كبقر له التقاطها بمحل خوف عليها من سباع ونحوها أو عطش أو جوع، لا بمطلق فيفاء.
وإلا تكن بمحل خوف تركت، فإن أخذت عرفت، كإبل؛ فإنها لا تلتقط، وإن أخذت عرفت سنة، ثم إن لم يوجد ربها تركت بمحلها الذي أخذت منه، بأن ترد له، قاله في المدونة، وليس له أكلها ولا بيعها ولا تملكها، لخبر: "دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر" (١).
تنبيه:
قال عياض حذاءها أخفافها؛ لما فيها من الصلابة، فأشبهت الحذاء، وهو النعل، وسقاؤها كرشها؛ لكثرة ما تشرب فيه من الماء تكفي به الأيام، فأشبه السقاء، وهو القربة، وكلاهما من مجاز التشبيه (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٢/ ٨٥٦، رقم: ٢٢٩٦)، ومسلم (٥/ ١٣٤، رقم: ٤٥٩٩).
(٢) قال ابن جني في الخصائص (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٤): "باب في فرق بين الحقيقة والمجاز. الحقيقة: ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة. والمجاز: ما كان بضد ذلك. وإنما يقع المجاز ويُعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة وهي: الاتساع والتوكيد والتشبيه. فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتة. فمن ذلك قول النبي في الفرس: هو بحر. فالمعاني الثلاثة موجودة فيه. أما الاتساع فلأنه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد ونحوها البحر حتى إنه إن احتيج إليه في شعر أو سجع أو اتساع استعمل استعمال بقية تلك الأسماء لكن لا يُفضى إلى ذلك إلا بقرينة تسقط الشبهة. وذلك كأن يقول الشاعر: (عَلوتَ مَطَا جوادِك يوم يوم وقد ثُمد الجياد فكان بحرًا) وكأن يقول الساجع: فرسك هذا إذا سما بغرنه كان فجرًا وإذا جرى إلى غايته كان =
[ ٧ / ١٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بحرًا، ونحو ذلك. ولو عرى الكلام من دليل يوضح الحال لم يقع عليه بحر لما فيه من التعجرف في المقال من غير إيضاح ولا بيان. ألا ترى أن لو قال رأيت بحرًا وهو يريد الفرس لم يعلم بذلك غرضه فلم يجز قوله لأنه إلباس وإلغاز على الناس. وأما التشبيه فلأن جريه يجري في الكثرة مجرى مائه. وأما التوكيد فلأنه شبه العرض بالجوهر وهو أثبت في النفوس منه والشُبه في العرض منتفية عنه ألا ترى أن من الناس من دفع الأعراض وليس أحد دفع الجواهر. وكذلك قول اللَّه سبحانه: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ هذا هو مجاز. وفيه الأوصاف الثلاثة. أما السعة فلأنه كأنه زاد في أسماء الجهات والمحال اسمًا ورحمة. وأما التشبيه فلأنه شبه الرحمة -وإن لم يصح دخولها- بما يجوز دخوله فلذلك وضعها موضعه. وأما التوكيد فلأنه أخبر عن العرض بما يُخبر به عن الجوهر. وهذا تعالٍ بالعرض وتفخيم منه إذ صُير إلى حيز ما يشاهد ويلمس ويعاين ألا ترى إلى قول بعضهم في الترغيب في الجميل: ولو رأيتم المعروف رجلًا لرأيتموه حسنًا جميلًا. وإنما يرغب فيه بأن ينبه عليه ويعظم من قدره بأن يصوره في النفوس على أشرف أحواله وأنوه صفاته. وذلك بأن يتخيل شخضًا متجسمًا لا عرضًا متوهمًا. وعليه قوله: (تغلغل حُبُّ عثمة في فؤادى فباديه مع الخافى يسير) (أي: فباديه إلى الخافي يسير) أي: فباديه مضمومًا إلى خافيه يسير. وذلك أنه لما وصف الحب بالتغلغل فقد اتسع به ألا ترى أنه يجوز على هذا أن تقول: (شكوتُ إليها حُبّها المتغلغِلا فما زادها شكواي إلا تدَلُّلا) فيصف بالمتغلغل ما ليس في أصل اللغة أن يوصف بالتغلغل إنما ذلك وصف يخص الجواهر لا الأحداث ألا ترى أن المتغلغل في الشيء لا بد أن يتجاوز مكانًا إلى آخر. وذلك تفريغ مكان وشغل مكان. وهذه أوصاف تخص في الحقيقة الأعيان لا الأحداث. فهذا وجه الاتساع. وأما التشبيه فلأنه شبه ما لا ينتقل ولا يزول بما يزول وينتقل. وأما المبالغة والتوكيد فلأنه أخرجه عن ضعف العرضية إلى قوة الجوهرية. وعليه (قول الآخر): (قرعتُ ظنابيب الهوى يوم عالج ويوم النقا حتى قسرت الهوى قسرا) وقول الآخر: (ذهوب بأعناق المئين عطاؤه عزوم على الأمر الذي هو فاعله) وقول الآخر: (غَمْرُ الرداء إذا تبَّسم ضاحكًا غلِقت لضحكته رقابُ المال) =
[ ٧ / ١٦٢ ]
وله كراء بقر ونحوهما كخيل وبغال وحمر، ويصرف ذلك في علفها، ويكون كراء مضمونًا، أي: مأمونًا، لا يخشى عليها الهلاك منه.
قال في الشامل: وله كراء آمن في قدر كلفته.
البساطي: ويلزم من هذا التفسير أن يكون الكراء مضمونًا في الجملة. انتهى.
وفهم من قوله: (في علفها) أنه ليس له كراؤها لغير ذلك.
وله ركوب دابة من موضع التقاطها لموضعه، أي: موضع الملتقط، وإلا بأن ركبها لغير موضعه أو زاد عليه ضمن قيمتها، إن هلكت بسبب ذلك، وضمن منافعها إن سلمت.
وله غلاتها دون نسلها، ظاهره: جميع غلاتها من لبن وزبد وصوف، وهو كذلك؛ لأن صاحب الشامل وغيره جعلوا وقف ثمن الصوف واللبن لربه قولًا مقابلًا لهذا.
وإذا أنفق عليها الملتقط نفقة خير ربها بين فكها بالنفقة، أي: بمثلها؛ لقيامه عنه بواجب، أو إسلامها للملتقط بغير شيء، وليس لربها أخذه مجانًا، ونحوه في المدونة وغيرها.
أشهب: لو بدا له إسلامها لم يكن له ذلك.
تتمة:
الملتقط أحق بالنفقة من الغرماء كالرهن، قاله في المدونة.
وإن باعها الملتقط بعدها، أي بعد السنة، فما لربها إلا الثمن، الذي بيعت به، وسواء بيعت بإذن الإمام أو لا، وهو كذلك عند ابن القاسم، وإن كانت قائمة.
_________________
(١) = وقوله: (ووجهِ كأن الشمس حلّت رداءها عليه نقى اللون لم يتخدّد) جعل للشمس رداءً وهو جوهر لأنه أبلغ في النُّور الدي هو العرض. وهذه الاستعارات كلها داخلة تحت المجاز".
[ ٧ / ١٦٣ ]
بخلاف ما لو وجدها بيد المسكين الذي تصدق بها عليه، أو وجدها بيد مبتاع منه، أي: من المسكين، فله أخذها في المسألتين.
والفرق بين بيع الملتقط والمسكين إن الملتقط باع نيابة عن ربها جعله الشرع والمسكين باع ملكه فظهر مستحقًّا.
تتمة:
إذا أخذها ممن ابتاعها من المسكين رجع المبتاع على المسكين بما دفع له من الثمن عند ابن القاسم.
وقال غيره: إن كان قائمًا، وأما إن أكله فالأولى أن يرجع به على الملتقط؛ لأنه المسلط له.
وللملتقط الرجوع عليه، أي: على المسكين باللقطة، إن وجدها عنده، وكذا بعضها، إن وجده، إن أخذ منه صاحبها قيمتها، إلا أن يتصدق بها الملتقط عن نفسه، فلا رجوع للملتقط على المسكين بشيء.
وإن نقصت لقطة عن ملتقطها بعد نية تملكها بعد السنة، فلربها الخيار بين أمرين:
- أخذها ناقصة من غير شيء.
- أو قيمتها يوم تملكها.
ومفهوم الظرف: لو نقصت قبل هذه النية أو قبل السنة فليس له إلا أخذها فقط.
وظاهره: سواء نقصت بسبب استعمالها أو لا، وهو يكون كذلك على خلاف في ذلك.
[ما يجب لقطه:]
ووجب لقط طفل: ذكرًا أو أنثى، الجوهري: الطفل المولود، نبذ -أي: طرح- لأن حفظ النفوس واجب كفاية؛ لحصول المعنى المقصود بواحد، فمن خرج عن حد الطفولية لا يلتقط، وغير المنبوذ وهو المحفوظ
[ ٧ / ١٦٤ ]
كذلك؛ لانتقاء حكمة الوجوب، ويستدل على كونه مطروحًا بأمارات وقرائن.
تنبيه:
هل اللقيط والمنبوذ واحد، وعليه الأكثر، أو مختلف فيه، وعلى الثاني فاللقيط من التقط صغيرًا في الشدائد والخلاء، وشبه ذلك، والمنبوذ ما دام مطروحًا، ولا يسمى لقيط إلا بعد أخذه.
ووجبت حضانته على ملتقطه، لالتزامه ذلك بأخذه؛ إذ لو جاز له تركه المؤدي لضياعة لخرج من ضياع إلى ضياع، وكذا يجب عليه نفقته حتى يبلغ، ويستغني، إن لم يعط من الفيء، فإن أعطي منه سقط الوجوب.
ثم استثنى من وجوب النفقة قوله: إلا أن يملك كهبة أو صدقة أو حبس، أو يوجد معه مال مربوط، أو يوجد تحته شيء مدفون إن كانت معه رقعة مكتوب فيها إنها له.
ومفهوم الشرط: إن لم يوجد معه رقعة فليس له.
وللملتقط رجوعه على أبيه بما أنفق عليه، إن طرحه عمدًا، كذا في ضياع المدونة، وزاد: إن كان الأب مليئًا.
ومفهوم (طرحه) أنه لو لم يطرحه فلا شيء على الأب، والقول له -أي: للملتقط- مع يمينه أنه لم ينفق عليه حسبة، أي: تبرعا للَّه تعالى، إذا خالفه الأب.
وهذا إذا لم يقم دليل لواحد منهما، بأن أشكل الأمر، قاله ابن شاس.
[حكم اللقيط:]
وهو -أي: اللقيط- حر، لا عبد لملتقطه، وولاؤه للمسلمين، لا لملتقطه، خلافًا لمن خالف فيهما، وأما إن التقطه كافر فكافر على قول ابن القاسم، خلافًا لأشهب.
[الحكم بإسلامه أو كفره:]
وحكم بإسلامه إن وجد في قرى المسلمين؛ للأصل والغالب، كأن
[ ٧ / ١٦٥ ]
لم يكن فيها، أي: القرية الموجود بها اللقيط، إلا بيتان من المسلمين، إن التقطه مسلم.
تنبيه:
معنى (ولاؤه للمسلمين)، أي: ميراثه، لا الولاء الشرعي، الذي هو لحمة كلحمة النسب؛ لأنه إنما يكون عن عتق.
وإن وجد في قرى الشرك، فهو مشرك عند ابن القاسم، سواء وجده مسلم أو كافر.
وقال أشهب: إن التقطه مسلم فمسلم، تغليبًا للإسلام.
[إلحاق اللقيط:]
ولم يلحق لقيط بملتقطه ولا بغيره إلا ببينة على بنوته له فيهما، أو بوجه فيهما، كمن عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه رماه؛ لأنه سمع إذا طرح الطفل عاش، ونحوه مما يدل على صدقه.
تنبيه:
سكت المصنف عن تصديق المرأة وعدمه في قولها لمن التقطه: هذا ابني؛ لما قدمه في الاستلحاق، أنه إنما يكون من الأب.
[مسألة:]
ولا يرده ملتقطه بعد أخذه؛ لأنه فرض كفاية، تعين بالشروع، قاله مالك في الموازية، وقيده أشهب، فقال: إلا أن يأخذه ليرفعه للحاكم، لا قصد تربيته، ولا التزامها، فلم يقبله الحاكم، فله رده.
قال الباجي: ينبغي إذا كان الموضع مطروقًا، ويوقن أن غيره يأخذه، وإلا فقد عرضه للتلف.
وأشار لهذا التقييد بقوله: والموضع مطروقًا، فالواو للحال.
[ ٧ / ١٦٦ ]
[الازدحام على اللقيط:]
وإذا ازدحم على اللقيط اثنان فأكثر، وكل صالح لحضانته، وأراد كل أخذه، قدم الأسبق، ثم إن لم يكن أسبق قدم الأولى بكفالته، وإلا بأن انتفى الأمران فالقرعة متعينة، وينبغي الإشهاد أنه التقطه.
ظاهره: الاستحباب كابن الحاجب. ابن عبد السلام: الوجوب خوف أن يسترق.
[مسألة:]
وليس لمكاتب ونحوه كقن وذي شائبة التقاط بغير إذن السيد، فإن أذن السيد فهو الملتقط.
[مسألة:]
ونزع محكوم بإسلامه من غيره، أي: غير المسلم؛ خوف تربيته على دينه، ويطول زمانه، فيسترقه، وقاله مطرف وأصبغ.
[أحكام الآبق:]
ولما أنهى الكلام على اللقيط شرع في الكلام على أحكام الآبق، فقال: وندب أخذ آبق لمن يعرف ربه، قريبًا كان أو جارًا أو غيره، وإلا يعرف ربه فلا يأخذه، أي: لا يندب له ذلك، فإن أخذه -وهو لا يعرف ربه- رفعه للإمام.
ظاهره: ولو جاء من ادعاه كما في المدونة.
[مسألة:]
وإذا رفعه له وقف عنده سنة، وأنفق عليه زمن إيقافه، ثم بيع بعد السنة، إن لم يأت ربه، ولا يهمل أمره، يحتمل بعد بيعه، بل يكتب الحاكم اسمه وحليته وبلده وربه، ويشهد بجميع ذلك، ويجعله عنده، فإن جاء من يطلبه قابله بما عنده، فإن ظهر أنه له دفع له بقيمة ثمنه، وإلا فلا، ويحتمل لا يطلقه بعد السنة، بخلاف ضالة الإبل.
[ ٧ / ١٦٧ ]
[مسألة:]
وإذا باعه الإمام أخذ نفقته من ثمنه، وجعل بقيته لربه في بيت المال، وإذا باعه الإمام مضى بيعه وإن قال ربه: كنت أعتقته قبل الإباق أو بعده؛ لاتهامه على نقض البيع بمجرد قوله، إلا أن تقوم بينة بذلك.
وله -أي: رب الآبق- عتقه ناجزًا مجانًا وعن ظهاره وإلى أجل وكتابته وتدبيره والتصدق به والوصية به، وهبته لغير ثواب، ذكره صاحب النصرة، وانظره في الكبير.
[إقامة الحدود عليه:]
وتقام عليه الحدود، وإن سرق أو زنا أو قذف، ونحوه في المدونة، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أن لا يقيمها عليه إلا سيده.
[مسألة:]
وضمنه آخذه إن أرسله بعد أخذه، قاله ابن عبد الحكم، إلا إن أرسله لخوف منه أن يقتله أو يضر به، فلا يضمنه حينئذٍ.
قال: وإن أرسله لشدة النفقة ضمنه، كمن استأجره فيما يعطب فيه، فعطب ضمنه.
تنبيه:
كذا في المدونة في موضع، ودرج عليه المؤلف، وفي موضع منها أطلق الضمان، ولم يقيده بكونه يعطب في مثله، وأما إن لم يعطب فلربه أجرته فيما له بال؛ لأنه منفعة عبده.
لا إن أبق منه، أي: من أخذه بغير تفريط، فلا شيء عليه، وإن كان عبدًا مرتهنًا وأبق من المرتهن صدق، وحلف أنه أبق، كذا في روايتي المدونة، وفيها رواية أخرى: لا يحلف.
واستحقه -أي: الآبق- سيده بشاهد يشهد له به ويمين مع شاهده، كغيره من الأموال.
[ ٧ / ١٦٨ ]
[مسألة:]
ومن ادعى أن الأبق له، ولم يقم على دعواه بينة، أخذه إن لم يكن إلا دعواه إن صدقه، ولا منازع له.
ابن يونس: بعد التلوم، ويضمنه إياه.
وليرفع للإمام إذا لم يعرف آخذه مستحقه، إن لم يخف آخذه ظلمه، فإن خاف ذلك لم يرفع للإمام، وإن أتى رجل بكتاب قاض إلى قاض آخر، أو إلى من يلي أمور الناس في ذلك الموضع، أنه قد شهد عندي أن صاحب كتابي هذا فلان هرب منه عبد: صفته كذا، حلاه ووصفه، وعند القاضي المكتوب إليه عبد محبوس بهذه الصفة، فليدفع هذا العبد إليه بذلك، ويقبل البينة والكتاب الذي فيه الصفة، ونحوه في المدونة، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه القضاء وشروطه وما يتعلق به، قال في الذخيرة: وهو من العقود الجائزة من الطرفين، كالجعالة والقراض قبل الشروع في كل منهما والمغارسة والتحكيم والوكالة. انتهى.
وهو لغة الحكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، أي: حكم، ولم يحده المصنف (١).
قال ابن رشد وغير واحد: الحكم بين الناس والعدل من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر، والجور فيه واتباع الهوى من أكبر الكبائر؛ لخبر عج حجر إلى ربه، قال: يا رب، عبدتك خمسين عامًا، وجعلتني في
_________________
(١) وحده: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، ينظر: مغني المحتاج (٦/ ٨٦).
[ ٧ / ١٦٩ ]
كنيف، قال: أوَلم ترض أن عدلت عنك عن معاطب القضاة (١).
وهو محنة، من دخل فيه ابتلي بعظيم؛ لتعريضه نفسه للملاك إذ التخليص فيه عير؛ لخبر النسائي عنه -ﷺ-: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل عرف الحق وقضى به؛ فهو في الجنة، ورجل عرف الحق، ولم يقض به، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، وقضى للناس بالجهل، فهو في النار" (٢).
ابن عبد السلام: أكبر الخطط الشرعية في زماننا أسماء شريفة على مسميات حسية.
[صفات القاضي:]
ولما كان مستحق القضاء من اجتمعت فيه أربعة أوصاف، قال المصنف: أهل القضاء:
[١] عدل، ولو عتيقًا عند الجمهور، وعن سحنون: المنع؛ لاحتمال أن يستحق، فترد أحكامه، والعدالة وصف مركب من خمسة أوصاف:
- الإسلام.
- والبلوغ.
- والعقل.
- والحرية.
- وعدم الفسق.
_________________
(١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٩٩، رقم: ٣٥٧٣)، والترمذي (٣/ ٦١٣، رقم: ١٣٢٢)، والنسائي في الكبرى (٣/ ٤٦١، رقم: ٥٩٢٢)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٦، رقم: ٢٣١٥)، والطبراني (٢/ ٢٠، رقم: ١١٥٤)، والحاكم (٤/ ١٠١، رقم: ٧٠١٢) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي (١٠/ ١١٦ رقم: ٢٠١٤١) وأخرجه أيضًا: الروياني (١/ ٩٤ رقم: ٦٦) والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٩، رقم: ٦٧٨٦).
[ ٧ / ١٧٠ ]
[٢] ذكر: لا امرأة (١)؛ لخبر البخاري: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم
_________________
(١) هذه المسألة تعد من أمات المشاكل في العصر الحاضر، حتى إن بعض المفتين قد فتن قلبه وعميت بصيرته إرضاءً للغرب الكافر، وطلبًا للتقرب منه، وقد وجدت بعض الأخوة من أهل العلم، وهو الشيخ عبد الرحمن السحيم، قد كتب فيها بحثًا جيدًا، فرأيت نقله مع تصرف يسير؛ لأنه بحق قد استقصى المسألة، وأحاط بجوانبها، وقد كنت قبل الوقوف عليه نقلت نص ابن العربي في تحريم تولي المرأة القضاء في شرحه آية: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، يقول الشيخ السحيم: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: المنع مطلقًا، وهو قول الجمهور (الحنابلة والشافعية والمالكية وزفر من الحنفية)، قال ابن قدامه: (أحدها: الكمال وهو نوعان: كمال الأحكام وكمال الخلقة، أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء أن يكون بالغًا عاقلًا حرًّا ذكرًا). قال الإمام القرافي: (وهو أن يكون ذكرًا لأن يقضي الأنوثة يمنع من زجر الظالمين وتنفيذ الحق). قال الفيروزآبادي: (وينبغي أن يكون القاضي ذكرًا. . .). أدلة هذا القول:
(٢) قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. وجه الاستدلال: أن (أل) هنا للاستغراق فتشمل جميع النساء والرجال في جميع الأحوال والأصل وجوب العمل بالعام حتى يأتي ما يخصصه ولا مخصص هنا، قال الإمام ابن كثير عليه رحمة اللَّه: (أي: هو رئيسها، وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذ اعوجت، بما فضل اللَّه بعضهم على بعض أي: لأن الرجال أفضل من النساء والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله -ﷺ-: "لم يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. . . " وكذا منصب القضاء، وغير ذلك، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور، والنفقات والكلف التي أوجبها اللَّه عليهن في كتابه، وسنة نبيه -ﷺ-، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها، والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵃-: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ "يعني: أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهلها حافظة لماله".
(٣) قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ =
[ ٧ / ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾. . . الآية [البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستشهاد: أن اللَّه جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل وعلل ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فالمرأة الواحدة عرضة للنسيان والضلال فجعل معها أخرى تذكيرًا لها وهذا في الشهادات فكيف بالقضاء الذي فيه حقوق الناس وليس من حفظ الحقوق تعريضها للنسيان والنقص. وقد بين النبي -ﷺ- سبب ذلك كما في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: خرج رسول اللَّه -ﷺ- في أضحى، أو في فطر إلى المصلى فمر على النساء، فقال -ﷺ-: "يا معشر النساء، تصدقن؛ فإني أُرِيتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبمَ يا رسول اللَّه؟ تال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن"، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ "، قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان عفلها، أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم؟ "، قلن: بلى، قال: "فذلك من نقصان دينها".
(٢) قصة ملكة سبأ: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النمل: ٢٣]. وجه الاستدلال: أ - استنكار الهدهد لوجود امرأة تحكم هؤلاء القوم. ب - إزالة سليمان ﵇ لملكها ولو كان ذلك سائغًا لأقرها عليه ودعاها للإسلام فقط ولكنه قال: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾. ج - أنه أخذ ملكها خلسة بإرسال الجن له ولو كان حكمها جائز لما أزاله بالخلسة.
(٣) قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى (٣٣)﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وجه الاستدلال: أن اللَّه أمر المرأة بالقرار في البيت والقضاء يوجب خروجها واختلاطها بالرجال بالبروز لهم مما ينافي الآية. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: (أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة). روى البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "قد أذن اللَّه لكن أن تخرجن لحوائجكن".
[ ٧ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يقول العيني في شرح هذا الحديث: (قال ابن بطال: في هذا الحديث دليل على أن النساء يخرجن لكل ما أبيح لهن الخروج، من زيارة الآباء والأمهات وذوي المحارم، وغير ذلك مما تمس به الحاجة).
(٢) من السنَّة: فلم يرد عن النبي -ﷺ- أنه ولى امرأة على القضاء أو إحدى الولايات العامة ولو كان ذلك حقًا لها لما حرمها منه النبي -ﷺ-.
(٣) قوله -ﷺ-: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وذلك عندما أخبر أن بنت كسرى تولت الحكم بعد أبيها. وجه الاستلال: أن النبي -ﷺ- جعل من أسباب عدم الفلاح تولي المرأة للولايات العامة والقضاء نوع من أنواع الولاية وإن كان الحديث جاء في موقف خاص فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال الصنعاني -رحمه اللَّه تعالى-: "فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقومها توليتها لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب". قالت لجنة كبار علماء الأزهر في شرحها للحكم المستنبط من هذا الحديث: (وظاهر أن الرسول لا يقصد مجرد الإخبار عن عدم فلاح هؤلاء القوم الذين يولون المرأة أمرهم لأن وظيفته -﵊- بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسارة، وإنما يقصد نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على خلاصهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمرًا من أمورهم، ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في كل عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة، وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه كما يفيده المعنى الذي كان من أجله المنع. وهذا ما فهمه أصحاب النبي وجميع أئمة السلف، لم يستثنوا من ذلك امرأةً ولا قومًا ولا شأنًا من الشؤون فهم جميعًا يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى والقضاء وقيادة الجيوش وما إليها من الولايات العامة).
(٤) قول النبي: "والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها". وجه الدلالة: بيان أن أهم واجبات المرأة العامة التي تسأل عنها بين يدي اللَّه تعالى (ديانة) هي على مسؤوليتها عن بيتها، وهو صريح في أن هذا هو الواجب المقدم على غيره، ثم قام بالمنع من غيره في الولاية العامة ما تقدم من الأدلة، ويعضد هذا: صيغة الحديث من =
[ ٧ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مبدئها حيث بينت مسؤولية الواجبات على أفراد المؤمنين رجالًا ونساءً في الجملة -أعني الواجبات الاجتماعية بين الناس مع بعضهم- إذ قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والمرأة. . . ". قال البغوي في شرح السنَّة: (معنى الراعي هنا: الحافظ المؤتمن على من يليه؛ أمرهم النبي بالنصيحة فيما يلونه وحذرهم الخيانة فيه بإخباره أنهم مسؤولون عنه، فالرعاية: حفظ الشيء وحسن التعهد، فقد أستوى هؤلاء في الاسم (الراعي) وإن كانت معانيهم فيه مختلفة فرعاية الإمام: ولاية أمور الرعية، والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: بالقيام عليهم في النفقة وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها بحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه). والحديث ظاهر في أن الأصل في المرأة العمل داخل البيت لا خارجه، وما عداه فيحتاج فيه إلى المبرر على الخروج، والولاية العامة قد علم الناس جميعًا أن الأصل فيها الخروج والبروز لا البقاء في البيت، ولأحمد من حديث أبي هريرة أن النبي قال: "ما من راع يسأل يوم القيامة أقام أمر اللَّه أم أضاعه"، ولابن حبان بسند صحيح عن أنس: "إن اللَّه سائل كل راع استرعاه حفظ ذلك أو ضيعه". ويؤيد هذا الأصل المفهوم من الحديث ما قرره ابن حجر ﵀ في شرح هذا الحديث: "قوله: "المرأة راعية في بيت زوجها" إنما قيد بالبيت لأنها لا تصل إلى ما سواه غالبًا إلا بإذن خاص". فإن تولته تكون مضيعة -في الغالب- لواجبها الأهم، ولقد جعل الإمام السيوطي هذا الحديث بمثابة تحديد الوالي والمولى عليه آخذًا ذلك من لفظ (راع) المستدعي رعيته، فقال: "كلكم راع" أي: حافظ مؤتمن صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره".
(٢) قوله: "القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة: رجل عمل الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى في الناس على جهل، فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار"؛ قال مجد الدين ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا". وقال في النيل: "دل بمفهومه على خروج المرأة". أي: من جواز أن تكون قاضية لقول الرسول: "رجل علم الحق، ورجل قضى في الناس على جهل، ورجل عرف الحق. . . ".
(٣) إجماع الصحابة -﵃- فلم يرد مخالفة لهم في المسألة والنبي -ﷺ- يقول: "عليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". =
[ ٧ / ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وما هذا الإجماع إلا تطبيقًا لما فهمه الصحابة -﵃- من النبي -ﷺ-.
(٢) أن المرأة تعرض لها عوارض مستمرة كالحيض والحمل والرضاع ونحوها مما قد يؤثر في الحكم بين الناس.
(٣) أنه ثبت واقعيًا عدم تحمل المرأة النظر في بعض القضايا التي فيها قتل ودماء ونحوها وذكر المستشار المصري محمد رأفت عثمان: أن إحدى القاضيات أغمي عليها في مجلس القضاء عندما كانت تحكم في قضية قتل. القول الثاني: جواز توليها القضاء فيما تصح شهادتها فيه (سوى الحدود والقصاص) وهو قول الأحناف وابن قاسم من المالكية. قال الإمام الكاشاني: (وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص لأنه لا شهادة لها في ذلك وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة). أدلتهم: قياس القضاء على الشهادة فأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة. . . وهذا أقوى دليل لديهم. . . قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. . .﴾ [النساء: ٥٨]. وجه الاستدلال: أن الآية عامة فتشمل الرجال والنساء ومن أعظم الأمانات أمانة القضاء. وقوله -ﷺ-: "النساء شقائق الرجال". وجه الاستلال: أن الآية عامة فلم تفرق بين القضاء وغيره. وقوله: "والمرأة راعية في بيت زوجها. . . ". وجه الاستدلال: فقالوا بما أن النبي -ﷺ- قد جعل لها الولاية في بيت زوجها فهذا دليل على أنها أهل للولاية. القول الثالث: الجواز المطلق وهو قول ابن حزم الظاهري وابن جرير الطبري وهو قول عند الأحناف. قال ابن حزم ﵀: (- مَسْأَلَةٌ: وَجَائِزٌ أَنْ تَلِيَ الْمَرْأَةُ الْحُكْمَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ رُوِيَ، عَنْ عُمَرَ بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ وَلَّى الشِّفَاءَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ السُّوقَ. فإن قيل: قَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إلَى امْرَأَةٍ". =
[ ٧ / ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلنا: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الأَمْرِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ الْخِلَافَةُ. برهان ذَلِكَ: قَوْلُهُ ﵊: "الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى مَالِ زَوْجِهَا وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ، عَنْ رَعِيَّتِهَا". وَقَدْ أَجَازَ الْمَالِكِيُّونَ أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً وَوَكِيلَةً وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ مِنْ مَنْعِهَا أَنْ تَلِيَ بَعْضَ الأُمُور، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ). أدلتهم: ومن خلال التأمل في أدلة القائلين بهذا القول قديمًا وحديثًا فإنها ترجع بالجملة إلى ما يلي:
(٢) أن الأصل الإباحة ولم يرد دليل صريح بالمنع.
(٣) قصة ملكة سبأ وأنها أثبتت حكمتها في الولاية وذلك بقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾. وقولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ [النمل: ٣٤].
(٤) قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. وجه الاستدلال: أن اللَّه أمر بأداء الأمانات ومن أعظم الأمانات أمانة القضاء ثم إن اللفظ عام فيشمل المرأة والرجل على حد سواء.
(٥) استشارة النبي -ﷺ- لأم سلمة في عمرة الحديبية عندما رفض أصحابة التحلل فأشارت عليه أن يفعل التحلل أمامهم ويذبح الهدي ففعل ﵊ واستجاب الصحابة له. وجه الاستدلال: أن أم سلمة أظهرت حكمتها واستجاب لها النبي -ﷺ- فدل على وجود الحكمة عند النساء فلا يمنع من توليها للقضاء.
(٦) خروج عائشة -﵂- قائدة للجيش في معركة الجمل. وجه الاستشهاد: أن عائشة -﵂- تولت قيادة الجيش ولو كان تولي المرأة للمناصب القيادية غير جائز لما تولت عائشة -﵂- قيادة الجيش ومن تلك المناصب منصب القضاء.
(٧) أن عمر بن الخطاب -﵁- ولى امرأة اسمها الشفاء محتسبة في السوق فلو كان تولي المرأة للمناصب الكبرى محرمًا لما فعل عمر ذلك.
(٨) مشاركة الصحابيات في الجهاد أيام النبي -ﷺ- فدل ذلك على تحمل المرأة للمشاق وقدرتها على ذلك. . =
[ ٧ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٨ - قياس القضاء على الإفتاء: فبما أن المرأة يجوز لها الإفتاء كذلك يجوز لها القضاء إذ أنه لا فرق بينها فكل من الأمرين فيه بيان لحكم اللَّه.
(٢) الاستدلال بما حصل لشجرة الدر التركية وأنها تولت الولاية العامة ثلاثة أشهر ولم يرد استنكار العلماء لها في ذلك الزمان. المناقشة والترجيح: بعد النظر والتأمل في الأقوال وأدلة كل قول يظهر -واللَّه أعلم- ترجيح القول الأول لموافقته الأدلة الشرعية ولما ورد على أدلة المخالفين من نقاش. ونورد هنا ما ورد من نقاش على القولين الثاني والثالث: أما بالنسبة للقول الثاني فنرد عليه من وجهين:
(٣) أن قياس القضاء على الشهادة في هذه المسألة قياس فاسد الاعتبار وذلك لمصادمته النص.
(٤) ثم إنه بعد التأمل في مذهب الأحناف وتحقيق القول فيه نجد أن الأصل عندهم المنع ولكن إذا حكمت نفذ قضاؤها في غير الحدود والقصاص وهو ما تصح شهادتها فيه وعليه فنزاعهم مع الجمهور في غير مسألتنا. وتوضيح ذلك: أن محل النزاع في مسألتنا هو هل يجوز تولي المرأة القضاء ابتداءً؟؟ فعند التأمل نجد أن كلًّا من الجمهور والأحناف متفقين في ذلك على عدم الجواز ولكن لو قضت فإن الجمهور على عدم نفوذ حكمها وأما الأحناف فقالوا: ينفذ حكمها في غير الحدود والقصاص. . . واللَّه أعلم. وأما بالنسبة للقول الثالث فنرد على أدلتهم كما يلي: الجواب على الدليل الأول: قولهم أنه لم يرد دليل في المسألة هذا غير صحيح لأننا أوردنا جملة من الأدلة كما في أدلة القول الأول. ثم إنهم نفوا وجود الأدلة على المنع ونحن أثبتناها والقاعدة تقول: أن المثبت مقدم على النافي. الجواب على الدليل الثاني: وهو استدلالهم بملكة سبأ وأن اللَّه أشاد بها. والرد هنا من وجوه أربعة: الوجه الأول: أين هي الإشادة؟ أفي نسبتها للضلال والكُفر؟ كما في قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾. أم في ذِكر بعثها للرشوة باسم الهدية؟ ! كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾. =
[ ٧ / ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وربما يُقصد بالإشادة ما ذُكِر عنها أنها كانت عاقلة حكيمة. وهذا يُجاب عنه في: الوجه الثاني: أن يُقال إنها كانت كافرة، فهل إذا أُثني على كافر بعَدْلٍ أو بعَقْلٍ يكون في هذا إشادة بِكُفره؟ ! بل وفي نفس القصة: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ فهل يُمكن أن يُقال: هذا فيه ثناء على العفاريت! فَتُولَّى العفاريت المناصِب! وتُحَكّم في الناس؟ ! ! ! الوجه الثالث: أن هذا لو صحّ أن فيه إشادة -مع ما فيه من ذمّ- فليس فيه مستند ولا دليل، أما لماذا؟ فلأن هذا من شرع من قبلنا، وجاء شرعنا بخلافه. الوجه الرابع: أن هذا الْمُلك كان لِبلقيس قبل إسلامها، فإنها لما أسلمت للَّه رب العالمين تَبِعَتْ سُليمان ﵊، فقد حكى اللَّه عنها أنها قالت: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النمل: ٤٤]. فلما أسلمت مع سليمان لم يعُد لها مُلك، بل صارت تحت حُكم سليمان ﵊. الجواب على الدليل الثالث: وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا. . .﴾. نرد عليه من وجهين:
(٢) أن الآية عامة وقد ورد التخصيص بالأدلة الواردة في النهي عن تولي المرأة الولايات العامة كما سبق ذكرها في القول الأول.
(٣) ثم إنه لو صح الاستدلال بهذه الاية على جواز تولي المرأة للقضاء لصح الاستدلال بها على جواز تولي المرأة للولاية العامة وهذا باطل بإجماع العلماء. ومن النكت المفيدة في هذه المسألة: ما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. وقال الجصاص ﵀: "من التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل وقوعه، مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلًا أو تتمنى حال الخلافة والإمارة ونحوها من الأمور التي قد أعلم أنها لا تكون ولا تقع) اهـ. قال الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى-: "فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها اللَّه بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة". وعلى هذا؛ فتصوير أمر الولاية في ميدان بحثنا على أنها أنانية من الرجل واستبداد منه، وعنفوان من قبله -ما هو إلا نوع مجازفة وانسياق غريب وخطير وراء الإرهاب الفكري والإعلامي الغربي العام، وذوبان ثقافي في الشعارات الثقافية الوافدة. . وهل =
[ ٧ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التكامل بين الرجل والمرأة بتسخير كل واحد منهما نفسه لما خلق لأجله أنانية من الرجل؟ أليس يؤلمك أن يصور مناط البحث على أنه صراع جنسي بين الزوجين (الجنسين) على نمط نظرية الصراع الطبقي الماركسي الهالكة؟ كيف وربك يقول: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢]. الجواب على الدليل الرابع: أما استدلالهم باستشارة النبي -ﷺ- لأم سلمة فليس فيه دليل على مسألتنا. فما وجه الدلالة أن يكون سماع الرسول لمشورة أم سلمة دليلًا على جواز انتخابها وترشيحها. . وهل جعل الى سول أم سلمة عضوًا يستشار، وهل كان لها ولأمهات المؤمنين مشورة في سياسة الأمة وهل كان لهما مع الصديق والفاروق ونظرائهم من الرجال رأي في اختيار الأمراء والوزراء، وإعداد الجيوش ونظام بيت المال! ! ولم يقل أحد: إنه يحرم لدي سلطان أن يستشير زوجته في شأن ما، أو يأخذ رأي النساء في قضية من القضايا كما للمرأة الحق في أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدل على الخير. . . ولكن أن يكون لها الحق أو عليها الواجب أن تتولى ولاية عامة إمارة أو وزارة، أو قضاء، أو تكون عضوًا في مجلس تشريعي. . فليس في هذه القصة دليل على هذا الأمر. الجواب على الدليل الخامس: وهو تولي عائشة -﵂- لقيادة الجيش في معركة الجمل. والجواب أنها لم تخرج أميرة ولا حاكمة ولا كان الجيش الذي هي فيه يرى إمامًا لهم غير علي بن أبي طالب -﵁- فقد كان بالجيش طلحة والزبير وهما اللذان كانا على رؤوس الناس، وإنما خرجوا للإصلاح وظنوا أن وجود أم المؤمنين معهم أنفع في جمع الكلمة، وتجنيب المسلمين الحرب ثم كان ما كان مما لم يقع في الحسبان. هذا وقد ندمت أم المؤمنين -﵂- على هذا الخروج، ولامها كبار الصحابة، وجاء الحديث النبوي بالتحذير من هذا الخروج، فكيف يكون هذا دليلًا على تولي المرأة الولايات العامة. أخرج عبد اللَّه بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر وابن أبي شيبة وابن سعد عن مسروق قال: كانت عائشة -﵂- إذا قرأت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ بكت حتى تبل خمارها وما ذاك إلا لأن قراءتها تذكرها الواقعة التي قتل فيها كثير من المسلمين، وهذا كما أن الزبير -﵁- أحزنه ذلك فقد صح أنه -﵁- لما وقع الانهزام على من مع أم المؤمنين -﵂- وقتل من قتل من الجمعين طاف في مقتل القتلى فكان يضرب على فخذيه ويقول: يا =
[ ٧ / ١٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا، وليس بكاؤها عند قراءة الآية لعلمها بأنها أخطأت في فهم معناها أو أنها نسيتها يوم خرجت كما توهم بعضهم، وقد ينضم لما ذكرناه في سبب البكاء (أن النبي -ﷺ- قال يومًا لأزواجه المطهرات وفيهن عائشة -﵂-: "كأني بإحداكن تنبحها كلاب الحوأب"، ولم تكن سألت قبل المسير عن الحوأب هل هو واقع في طريقها أم لا حتى نبحتها في أثناء المسير كلاب الحوأب، عند ماء فقالت لمحمد بن طلحة: ما اسم هذا الماء، فقال: يقولون له حوأب، فقالت: أرجعوني، وذكرت الحديث وامتنعت عن المسير وقصدت الرجوع، فلم يوافقها أكثر من معها ووقع التشاجر). الجواب على الدليل السادس: استدلالهم بقصة تعيين عمر للشفاء محتسبة في السوق فالرد عليها من وجهين:
(٢) القصة ضعيفة السند وقد أوردها ابن حزم بصيغة التمريض (روي) بخلاف صنيعه مع الأدلة الصحيحة وقال الإمام ابن العربي في التعليق على هذه القصة: (وهي من دسائس المبتدعة). والأثر المروي عن الشفاء -﵂- ذكره ابن الجوزي في تاريخ عمر وابن عبد البر في الاستيعاب وتبعه ابن حجر في الإصابة كلهم بدون إسناد ولا عزو لأحد ولم يذكره ابن سعد في ترجمتها ولا ابن الأثير في أسد الغابة ولا الطبراني في المعجم الكبير، كما أنه ورد بصيغة التمريض كما أسلفت (رُوي).
(٣) ثم إن ابن حزم لا يرى حجية قول الصحابي فكيف يستدل بفعل عمر في هذه المسألة. الجواب على الدليل السابع: أن هذا في الجهاد وليس له علاقة بمسألتنا. . ونحن لا نختلف على وجود بعض النساء ذات تحمل وقوة ولكن الأصل في النساء خلاف ذلك والعبرة بالأعم الأغلب لا بالقليل النادر. الجواب على الدليل الثامن: وهذا من أعجب الأدلة فكيف يستدل بمثل هذه الحوادث التاريخية وتترك الأدلة من الكتاب والسنَّة فليس لهذه الحوادث الحق في تشريع الأحكام للمسلمين. أما شجرة الدر أم خليل التركية فقصتها معلومة، فهي في الأصل كانت مملوكة محظية للملك الصالح نجم الدين أيوب -رحمه اللَّه تعالى- وكانت لا تفارقه سفرًا ولا حضرًا من شدة محبته لها، ومات ولدها منه وهو صغير، وبعد مقتل ابنه توران شاه على أيدي المماليك بعد شهرين من توليه الحكم تولت الديار المصرية مدة ثلاثة أشهر، فكان يخطب لها وتضرب السكة باسمها، وقد تزوجت عز الدين التركماني وصار هو =
[ ٧ / ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الملك، ولما علمت أنه يريد الزواج عليها بابنة صاحب الموصل أمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضربه بقباقيبها والجواري يعركن في بطنه حتى مات وهو كذلك، ولما سمع مماليكه أقبلوا بصحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز فقتلوها وألقوها على مزبلة. فامرأة مثل هذه تتخذ قدوة لنا؟ ! ويضاف هنا في الرد على هذا القول: أن القول المنسوب للإمام ابن جرير فيه اضطراب فلم يوجد هذا القول في تفسيره بل أنكره الإمام القرطبي وابن العربي. . يقول الإمام ابن العربي: (ونقل عن محمد بن جرير الطبري وإمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه المرأة وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة في الحكم إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله -ﷺ-: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير).
(٢) جزم بعدم صحة ذلك لابن جرير الطبري المفسر القرطبي ﵀ حيث قال: (ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح عنه ذلك). مناقشة أدلة القول الأول: إن القول الأول الذي رجحناه في هذا البحث أدلته واضحة بينة وقد رددنا على جزء من الشبه المثارة حولها في ثنايا البحث وذلك عند ذكر الأدلة. ولكن أكثر ما ورد عليه النقاش هو الاستدلال بحديث أبي بكرة -﵁- وهو: ما رواه البخاري -بإسناده- عن أبي بكرة -﵁- قال: لقد نفعني اللَّه بكلمة سمعتها من رسول اللَّه -ﷺ- أيام الجمل بعدما كِدت أن ألْحَق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم- قال: لما بلغ رسول اللَّه -ﷺ- أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". وسأذكر الآن ما ورد على هذا الحديث من شبه وأذكر الرد عليها في حينه مستعينا باللَّه تعالى: الشبهة الأولى: لماذا لم يتذكر أبو بكرة راوية الحديث هذا الحديث إلا بعد ربع قرن وفجأة وفي ظل ظروف مضطربة؟ الجواب: لم ينفرد أبو بكرة -﵁- بهذا الأمر، فقد جاء مثل ذلك عن عدد من الصحابة، أي =
[ ٧ / ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أنهم تذكّروا أحاديث سمعوها من النبي -ﷺ-، ولم يرووها إلا في مناسباتها، أو حين تذكّرها. فمن ذلك:
(٢) ما قاله حذيفة -﵁- قال: قام فينا رسول اللَّه -ﷺ- مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلَّا حدَّث به، حَفِظَه مَنْ حَفِظَه، ونَسِيَه مَنْ نَسِيَه، قد علمه أصحابي هؤلاء، إنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأرأه فأذكُره كما يذكُر الرجل وجْهَ الرَّجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عَرَفَه.
(٣) وروى مسلم عن عمرو بن أخطب قال: صلَّى بنا رسول اللَّه -ﷺ- الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلَّى نم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن فأعلمنا أحفظنا.
(٤) ما فعله عبد اللَّه بن الزبير -﵄- حينما تولّى الخلافة سنة ٦٤ هـ، فإنه أعاد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فإن النبي -ﷺ- ما تَرَك ذلك إلا لحدثان الناس بالإسلام، فلما زالت هذه العِلّة أعاد ابن الزبير بناء الكعبة. وشكّ عبد الملك بن مروان في ذلك فهدم الكعبة، وأعاد بناءها على البناء الأول. . روى الإمام البخاري أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل اللَّه ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول سمعتها تقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجْر، فإن قومك قصروا في البناء"، فقال الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدِّث حذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير. فهذا عبد الملك يعود إلى قول ابن الزبير، وذلك أن ابن الزبير لم ينفرد بهذا الحديث عن عائشة -﵂-، وإنما رواه غيره عنها. هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يقُل عبد الملك بن مروان لِمَ لَمْ يتذكّر ابن الزبير هذا إلا بعد أن تولّى، وبعد ما يزيد على خمسين سنة بعد وفاة النبي -ﷺ-! إلى غير ذلك مما لا يُذكر إلا في حينه، ولا يُذكر إلا في مناسبته. ثم إن أبا بكرة -﵁- لم ينفرِد برواية الحديث، شأنه كشأن حديث عائشة في بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، إذ لم ينفرد به ابن الزبير عن عائشة. فحديث: "لا يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة" قد رواه الطبراني من حديث جابر بن سمرة -﵁-. فزالت العِلّة التي علّلوا بها، وهي تفرّد أبو بكرة بهذا الحديث، ولو تفرّد فإن تفرّده لا يضر، كما سيأتي -إن شاء اللَّه-. =
[ ٧ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الشبهة الثانية: زعم بعضهم أن الحديث مكذوب، فقال: الكذب في متن الحديث فهو القول بأن النبي -ﷺ- قاله لما بلغه أن الفرس ولوا عليهم ابنة كسرى. في حين أنه ليس في تاريخ الفرس أنهم ولوا عليهم ابنة كسرى ولا أية امرأة أخرى. الجواب: هذا أول قائل إن في البخاري حديثًا موضوعًا مكذوبًا، ولولا أنه قيل به لما تعرّضت له! لسقوط هذا القول، ووهاء هذه الشبهة! فإن كل إنسان يستطيع أن يُطلق القول على عواهنه، غير أن الدعاوى لا تثبت إلا على قدم البيِّنة وعلى ساق الإثبات. فإن قوله: (في حين أنه ليس في تاريخ الفرس أنهم ولوا عليهم ابنة كسرى ولا أية امرأة أخرى). دعوى لا دليل عليها ولا مستند سوى النفي العام! في حين أن القاعدة: الْمُثبِت مُقدَّم على النافي. وكُتب التاريخ قبل كُتب الحديث تنص على ذلك. قال ابن جرير الطبري في التاريخ: ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان. وقد عَقَد ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) بابًا قال فيه: ذكر ملك (بوران) ابنة ابرويز بن هرمز بن أنوشروان. ثمٍ قال: لما قُتِل شهريراز مَلَّكَتْ الفرس (بوران) لأنهم لم يجدوا من بيت المملكة رجلًا يُمَلِّكونه، فلما أحسنتْ السيرة في رعيتها، وعدلتْ فيهم، فأصلحت القناطر، ووضعت ما بقي من الخراج، وردّت خشبة الصليب على ملك الروم، وكانت مملكتها سنة وأربعة أشهر. ولا يخلو كتاب تاريخ من ذِكر تولِّي (بوران) الْحُكُم. فقد ذَكَرها خليفة بن خياط، واليعقوبي، وابن خلدون، واليافعي، وكُتب تواريخ المدن، كتاريخ بغداد، وغيرها. على أنه لو صحّ (أنه ليس في تاريخ الفرس أنهم ولوا عليهم ابنة كسرى ولا أية امرأة أخرى). لكان فيه دليل على قائله وليس له! كيف ذلك؟ يكون قد أثبت أنه لا يُعرف لا في جاهلية ولا في إسلام أن امرأة تولّت مَنْصِبًا! ! الشبهة الثالثة: قول القائل: هل من المعقول أن نعتمد في حديث خطير هكذا على راوية قد تم جلده (أبو بكرة) في عهد عمر بن الخطاب تطبيقًا لحد القذف؟ ! =
[ ٧ / ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الجواب: سبق أن علِمت أن أبا بكرة -﵁- لم ينفرد برواية الحديث. ثم الجواب عن هذه الشبهة أن يُقال: أولًا: لا بُدّ أن يُعلم أن أبا بكرة -﵁- صحابي جليل. ثانيًا: الصحابة كلّهم عدول عند أهل السنَّة، عُدُول بتزكية اللَّه لهم وبتزكية رسول اللَّه -ﷺ- التي أغْنَتْ عن كل تزكية. ثالثًا: أبو بكرة -﵁- لم يفسق بارتكاب كبيرة، وإنما شهِد في قضية، فلما لم تتم الشهادة أقام عمر -﵁- الْحَدّ على من شهِدوا، وكان مما قاله عمر -﵁-: وقال من تاب قبلت شهادته. وقال لهم: من أكْذَبَ نفسه قَبِلْتُ شهادته فيما يُستَقْبَل، ومن لم يفعل لم أُجِزْ شهادته. فعمر -﵁- لم يقُل: لم أقبل روايته. وفرق بين قبول الشهادة وبين قبول الرواية. رابعًا: مما يؤكِّد الفرق بين الرواية والشهادة ما نقله ابن حجر عن المهلّب حينما قال: واستنبط المهلب من هذا أن إكذاب القاذف نفسه ليس شرطًا في قبول توبته؛ لأن أبا بكرة لم يُكذب نفسه، ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعمِلُوا بها. على أن آية القذف في قبول الشهادة. وعلى أن هناك فَرْقًا بين القاذِف لغيره، وبين الشاهد -كما سيأتي-. خامسًا: أبو بكرة -﵁- لم يَرَ أنه ارتكب ما يُفسِّق، ولذا لم يَرَ وجوب التوبة عليه، وكان يقول: قد فسَّقوني! وهذا يعني أنه لم يَرَ أنه ارتكب ما يُفسِّق. سادسًا: في الرواية تُقبل رواية المبتدع، إذا لم تكن بدعته مُكفِّرة، وهذا ما يُطلق عليه عند العلماء (الفاسق الْمِلِّي)، الذي فِسقه متعلق بالعقيدة، لا بالعمل. وروى العلماء عن أُناس تكلّموا في القدر، ورووا عن الشيعة، وليس عن الرافضة الذين غَلَوا في دين اللَّه! ورووا عن الخوارج لِصِدقِهم. ورووا عمّن يشرب النبيذ، وعن غيرهم من خالَف أو وقع في بدعة، فإذا كان هؤلاء في نظر أهل العلم قد فسقوا بأفعالِهم هذه، فإنه رووا عنهم لأن هؤلاء لا يرون أنهم فسقوا بذلك، ولو رأوه فسقًا لتركوه! فتأمّل الفرق البيِّن الواضح. وأبو بكرة -﵁- مع كونه صحابيًا جاوز القنطرة، إلا أنه يرى بنفسه أنه لم يأتِ بما يُفسِّق، ولو رأى ذلك لَتَاب منه. وهو -حقيقة- لم يأتِ بما يُفسِّق. غاية ما هنالِك أنه أدى شهادة طُلِبت منه، فلم يقذِف ابتداء، كما علِمت. والصحابة قد جاوزوا القنطرة، والطّعن في الصحابة طَعن فيمن صحِبوا. =
[ ٧ / ١٨٤ ]
امرأة" (١).
[٣] فطن، نص عليه الطرطوشي (٢)، وقيل: يستغنى عنه بعدل، وهو غير ظاهر؛ لأن المراد كونه أشد تفطنًا بحجاج الخصوم وخداعهم.
[٤] مجتهد إن وجد، فلا تصح ولاية مقلد حينئذٍ، وإلا بأن لم يوجد مجتهد فأمثل مقلد، له فقه نفيس، وقوة على الترجيح بين أقاويل أهل مذهبه، والعلم بما هو أحرى على قواعده منها، مما ليس كذلك.
[شرط الإمامة العظمى:]
وزيد على الشروط الأربعة للإمام الأعظم وهو الخليفة: قرشي (٣)
_________________
(١) = قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإن القدح في خير القرون الذين صحِبُوا الرسول -ﷺ- قَدْحٌ في الرسول ﵇، كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وإنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين، وأيضًا فهؤلاء الذين نَقَلُوا القرآن والإسلام وشرائع النبي -ﷺ-. فإن مرتبة الصُّحبة كافية في العَدَالَة. ثم إن أبا بكرة الثقفي له أربعة عشر حديثًا في صحيح البخاري!
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٥١، رقم: ٢٠٥٣٦)، والبخاري (٦/ ٢٦٠٠، رقم: ٦٦٨٦)، والترمذي (٤/ ٥٢٧، رقم: ٢٢٦٢)، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٨/ ٢٢٧، رقم: ٥٣٨٨).
(٣) هو: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي، أبو بكر الطرطوشي، ويقال له ابن أبي رندقة، (٤٥١ - ٥٢٠ هـ = ١٠٥٩ - ١١٢٦ م): أديب، من فقهاء المالكية، الحفاظ. من أهل طرطوشة Tortosa بشرقي الأندلس. تفقه ببلاده، ورحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان، وأقام مدة في الشام، وسكن الإسكندرية، فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفي. وكان زاهدًا لم يتشبث من الدنيا بشيء. من كتبه (سراج الملوك - ط) و(التعليقة) في الخلافيات، خمسة أجزاء، وكتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، و(بر الوالدين) و(الفتن) و(الحوادث والبدع - ط) و(مختصر تفسير الثعلبي - خ) و(المجالس - خ) في الرباط. ينظر: الأعلام (٧/ ٤٣٣).
(٤) هذا في حال اختيار الخليفة أما لو تغلب على الأمر وحَكَم الناس بالقوة وجب على الناس طاعته، وحَرُم الخروج عليه ولو كان عبدًا حبشيًّا كما جاء في الحديث. =
[ ٧ / ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال القرطبي في تفسيره (١/ ٢٦٤ - ٢٧٤): "الرابعة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصحبوا إمامًا يتولى ذلك. ودليلنا قول اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥] أي: يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمام غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب. ثم إن الصديق -﵁- لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد للَّه رب العالمين. وقالت الرافضة: يجب نصبه عقلًا، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل، فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسد، لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح. فإن قيل وهي: الخامسة: إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع، فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول -ﷺ-، أم من جهة اختيار أهل الحل والعقد له، أم بكمال خصال الأئمة فيه، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه؟ فالجواب أن يقال: اختلف الناس في هذا الباب، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن =
[ ٧ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول ﵇ ولا مدخل للاختيار فيه. وعندنا: النظر طريق إلى معرفة الإمام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضًا إليه، وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلًا، وأبطلوا القياس أصلًا وفرعًا. ثم اختلفوا على ثلاث فرق: فرقة تدعي النص على أبي بكر، وفرقة تدعي النص على العباس، وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب -﵃-. والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه -ﷺ- لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك، لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة اللَّه في غير معين، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين؛ لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترًا أوجب العلم ضرورةً أو استدلالًا، أو يكون من أخبار الآحاد، ولا يجوز أن يكون. طريقة التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين اللَّه عليه، كما أن كل مكلف علم أن من دين اللَّه الواجب عليه خمس صلوات، وصوم رمضان، وحج البيت ونحوها، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن يكون معلومًا بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به. وأيضًا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس؛ لأن لكل واحد منهما قومًا ينقلون النص صريحًا في إمامته، وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد -على ما يأتي بيانه- كذلك الواحد، إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر. وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضًا في جملتها مقام النص، ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص، وهم الخلق الكثير والجم الغفير. والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية، ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما. السادسة: في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي -﵁-، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت، وخالفت أمر الرسول عنادًا، منها قوله ﵇: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه". قالوا: والمولى في =
[ ٧ / ١٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = اللغة بمعنى أولى، فلما قال: "فعلي مولاه" بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله "مولى" أنه أحق وأولى. فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة، وقوله ﵇ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". قالوا: ومنزلة هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركًا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي، وكان أخًا له ولم يكن ذلك لعلي، وكان خليفة، فعلم أن المراد به الخلافة، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى. والجواب عن الحديث الأول: أنه ليس بمتواتر، وقد اختلف في صحته، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي، واستدلا على بطلانه بأن النبي -ﷺ- قال: "مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون اللَّه ورسوله". قالوا: فلو كان قد قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه" لكان أحد الخبرين كذبًا. جواب ثان: وهو أن الخبر وإن كان صحيحًا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته، وإنما يدل على فضيلته، وذلك أن المولى بمعنى الولي، فيكون معنى الخبر: من كنت وليه فعلي وليه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤] أي: وليه. وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه، وذلك فضيلة عظيمة لعلي. جواب ثالث: وهو أن هذا الخبر ورد على سبب، وذلك أن أسامة وعليًّا اختصما، فقال علي لأسامة: أنت مولاي. فقال: لست مولاك، بل أنا مولى رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر للنبي -ﷺ-، فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". جواب رابع: وهو أن عليًّا ﵇ لما قال للنبي -ﷺ- في قصة الإفك في عائشة -﵂-: النساء سواها كثير. شق ذلك عليها، فوجد أهل النفاق مجالًا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه، فقال النبي -ﷺ- هذا المقال ردًّا لقولهم، وتكذيبًا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه، ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه -ﷺ- إلا ببغضهم لعلي -﵁-. وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي -ﷺ- لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى ﵇على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة "المائدة"- وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون، فلو أراد بقوله: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" الخلافة لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه. وقد قيل: إن هذا الحديث خرج على سبب، وهو أن النبي -ﷺ- لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليًّا ﵇ في المدينة على أهله وقومه، فأرجف به أهل النفاق =
[ ٧ / ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقالوا: إنما خلفه بغضًا وقلى له، فخرج علي فلحق بالنبي -ﷺ- وقال له: إن المنافقين قالوا كذا وكذا! فقال: "كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون". وقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى". وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليًّا في هده الفضيلة غيره؛ لأن النبي -ﷺ- استخلف في كل غزاة غزاها رجلًا من أصحابه، منهم: ابن أم مكتوم، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه، على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد. وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه. وروي أن النبي -ﷺ- لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له: ألا تنفذ أبا بكر وعمر؟ فقال: "إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس". وقال: "هما وزيراي في أهل الأرض". وروي عنه ﵇ أنه قال: "أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى". وهذا الخبر ورد ابتداء، وخبر علي ورد على سبب، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة، واللَّه أعلم. السابعة: واختلف فيما يكون به الإمام إمامًا وذلك ثلاث طرق، أحدها: النص، وقد تقدم الخلاف فيه، وقال به أيضًا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج. وذلك أن النبي -ﷺ- نص على أبي بكر بالإشارة، وأبو بكر على عمر. فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصديق، أو على جماعة كما فعل عمر، وهو الطريق الثاني، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة -﵃- في تعيين عثمان بن عفان -﵁-. الطريق الثالث: إجماع أهل الحل والعقد، وذلك أن الجماعة في مصر من أنصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إمامًا لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام، إذا لم يكن الإمام معلنًا بالفسق والفساد؛ لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: إخلاص العمل للَّه ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة". الثامنة: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله، خلافًا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد، ودليلنا أن عمر -﵁- عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود. قال الإمام أبو المعالي: من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، قال: وهذا مجمع عليه. =
[ ٧ / ١٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التاسعة: فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقًا رابعًا، وقد سئل سهل بن عبد اللَّه التستري: ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام؟ قال: تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه، وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه. وقال ابن خويز منداد: ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة، واللَّه أعلم. العاشرة: واختلف في الشهادة على عقد الإمامة، فقال بعض أصحابنا: إنه لا يفتقر إلى الشهود؛ لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع، وليس هاهنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة. ومنهم من قال: يفتقر إلى شهود، فمن قال بهذا احتج بأن قال: لو لم تعقد فيه الشهادة أدى إلى أن يدعي كل مدع أنه عقد له سرًّا، وتؤدي إلى الهرج والفتنة، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان، خلافًا للجُبّائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له؛ لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك. ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة، وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر. الحادية عشرة: شرائط الإمام، وهي أحد عشر: الأول: أن يكون من صميم قريش، لقوله -ﷺ-: "الأئمة من قريش". وقد اختلف في هذا. الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيًا من قضاة المسلمين مجتهدًا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث، وهذا متفق عليه. الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة ورح الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم. الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة -﵃-؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعًا فيه، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالمًا بذلك كله قيمًا به، واللَّه أعلم. الخامس: أن يكون حرًّا، ولا خفاء باشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس. السابع: أن يكون ذكرًا، سليم الأعضاء وهو الثامن. وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه. التاسع والعاشر: أن يكون بالغًا عاقلًا، ولا خلاف في ذلك. الحادي عشر: أن يكون عدلًا؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة =
[ ٧ / ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم، لقوله ﵇: "أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون". وفي التنزيل في وصف طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء. وقوله: ﴿اصْطَفَاهُ﴾ معناه اختاره، وهذا يدل على شرط النسب. وليس من شرطه أن يكون معصومًا من الزلل والخطأ، ولا عالمًا بالغيب، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش، فإن الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعثمان وليسوا من بني هاشم. الثانية عشرة: يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة، وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها. فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرًا ظاهرًا في العدول عن الفاضل إلى المفضول، ويدل على ذلك أيضًا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم، واللَّه أعلم. الثالثة عشرة: الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها. فلو جوزنا أن يكون فاسقًا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة، لقوله ﵇ في حديث عبادة: "وألا ننازع الأمر أهله -قال: - إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللَّه فيه برهان"، وفي حديث عوف بن مالك: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة" الحديث. أخرجهما مسلم. وعن أم سلمه عن النبي -ﷺ- قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع"، قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا"، أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه. أخرجه أيضًا مسلم. الرابعة عشرة: ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصًا يؤثر في الإمامة. فأما إذا لم يجد نقصًا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ اختلف الناس فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته. ومنهم من قال: له أن =
[ ٧ / ١٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يفعل ذلك. والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه أنعزل قول أبي بكر الصديق -﵁-: أقيلوني أقيلوني. وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول اللَّه -ﷺ- لديننا فمن ذا يؤخرك! رضيك رسول اللَّه -ﷺ- لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله. فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك، ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه. فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، وكذلك الإمام بجب أن يكون مثله، واللَّه أعلم. الخامسة عشرة: إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب اللَّه وسنَّة رسول اللَّه -ﷺ-. ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر، لئلا تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته. والأول أظهر، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". روأه أبو سعيد الخدري، أخرجه مسلم. وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبي -ﷺ- أنه سمعه يقول: "ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوه عنق الآخر". رواه مسلم أيضًا، ومن حديث عرفجة: "فاضربوه بالسيف كائنًا من كان". وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى. السادسة عشرة: لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده، فإن كان الإمام فاسقًا والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول، وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف من ما أظهر. السابعة عشرة: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد وأحد فلا يجوز إجماعًا لما ذكرنا. قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم، ثم قالوا: لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين امرأة وأحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف غير جائز وقد =
[ ٧ / ١٩٢ ]
نسبًا، لخبر: "قدموا قريشًا، لا تقدموها" (١).
_________________
(١) = حصل الإجماع عليه. فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع. وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم. وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد، وصاروا إلى أن عليًّا ومعاوية كانا إمامين. قالوا: وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه، ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى، ولا تؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه، لقوله: "فاقتلوا الآخر منهما" ولأن الأمة عليه. وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما، ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام. فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه. وقلنا: أقوى السمع الإجماع، وقد وجد على المنع".
(٢) ابن أبي عاصم (٢/ ٦٣٧، رقم: ١٥١٩) قال المناوي (٤/ ٥١٢): فيه أبو معشر قالوا: ضعيف. قال الحافظ في الفتح (٦/ ٥٣٠): "قوله الناس تبع لقريش قيل هو خبر بمعنى الأمر ويدل عليه قوله في رواية أخرى: "قدموا قريشًا ولا تقدموها" أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح لكنه مرسل وله شواهد وقيل هو خبر على ظاهره والمراد بالناس بعض الناس وهم سائر العرب من غير قريش وقد جمعت في ذلك تأليفًا سميته لذة العيش بطرق الأئمة من قريش وسأذكر مقاصده في كتاب الأحكام مع إيضاح هذه المسألة قال عياض: استدل الشافعية بهذا الحديث على إمامة الشافعي وتقديمه على غيره ولا حجة فيه لأن المراد به هنا الخلفاء وقال القرطبي: صحبت المستدل بهذا غفلة مقارنة لصميم التقليد وتعقب بأن مراد المستدل أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم كما أن من أسباب التقدم الورع مثلًا فالمستويان في خصال الفضل إذا تميز أحدهما بالورع مثلًا كان مقدمًا على رفيقه فكذلك القرشية فثبت الاستدلال بها على تقدم الشافعي ومزيته على من ساواه في العلم والدين لمشاركته له في الصفتين وتميزه عليه بالقرشية وهذا واضح ولعل الغفلة والعصبية صحبت القرطبي فللَّه الأمر وقوله كافرهم تبع لكافرهم وقع مصداق ذلك لأن العرب كانت تعظم قريشًا في الجاهلية بسكناها الحرم فلما بعث النبي -ﷺ- ودعا إلى اللَّه توقف غالب العرب عن أتباعه وقالوا: ننظر ما يصنع قومه فلما فتح النبي -ﷺ- مكة وأسلمت قريش تبعتهم العرب ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا واستمرت خلافة النبوة في قريش فصدق أن كافرهم كان تبعًا لكافرهم وصار مسلمهم تبعًا لمسلمهم". =
[ ٧ / ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال (١٣/ ١١٧ - ١١٨): "قوله: لا يزال هذا الأمر في قريش أي: الخلافة يعني لا يزال الذي يليها قرشيًّا قوله ما بقي منهم اثنان، قال ابن هبيرة: يحتمل أن يكون على ظاهره وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان أمير ومؤمر عليه والناس لهم تبع قلت في رواية مسلم عن شيخ البخاري في هذا الحديث: ما بقي من الناس اثنان وفي رواية الإسماعيلي ما بقي في الناس اثنان وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى وليس المراد حقيقة العدد وإنما المراد به انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش ويحتمل أن يحمل المطلق على المقيد في الحديث الأول ويكون التقدير لا يزال هذا الأمر أي: لا يسمى بالخليفة إلا من يكون من قريش إلا أن يسمى به أحد من غيرهم غلبة وقهرًا وإما أن يكون المراد بلفظه الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر ويحتمل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض فإن بالبلاد اليمنية وهي النجود منها طائفة من ذرية الحسن بن علي لم تزل مملكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة وإما من بالحجاز من ذرية الحسن بن علي وهم أمراء مكة وأمراء ينبع ومن ذرية الحسين بن علي وهم أمراء المدينة فإنهم وإن كانوا من صميم قريش لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية فبقي الأمر في قريش بقطر من الأقطار في الجملة وكبير أولئك أي: أهل اليمن يقال له الإمام ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون عالمًا متحريًا للعدل، وقال الكرماني: لم يخل الزمان عن وجود خليفة من قريش إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل وكذا في مصر قلت الذي في مصر لا شك في كونه قرشيًّا لأنه من ذرية العباس والذي في صعدة وغيرها من اليمن لا شك في كونه قرشيًّا لأنه من ذرية الحسين بن علي وأما الذي في المغرب فهو حفصي من ذرية أبي حفص صاحب ابن تومرت وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب وهو قرشي ولحديث بن عمر شاهد من حديث ابن عباس أخرجه البزار بلفظ: "لا يزال هذا الدين واصبًا ما بقي من قريش عشرون رجلًا"، وقال النووي: حكم حديث بن عمر مستمر إلى يوم القيامة ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله -ﷺ- فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك ومن تغلب على الملك بطريق الشركة لا ينكر أن الخلافة في قريش وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم. انتهى. وقد أورد عليه أن الخوارج في زمن بني أمية تسموا بالخلافة واحدًا بعد واحد ولم يكونوا من قريش وكذلك ادعى الخلافة بنو عبيد وخطب لهم بمصر والشام والحجاز ولبعضهم بالعراق أيضًا وأزيل الخلافة ببغداد قدر سنة وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة وادعى الخلافة عبد المؤمن صاحب ابن تومرت وليس بقرشي وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم والجواب عنه أما عن بني عبيد فإنهم كانوا يقولون أنهم من ذرية الحسين بن علي ولم =
[ ٧ / ١٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يبايعوه إلا على هذا الوصف والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه وأما سائر من ذكر ومن لم يذكر فهم من المتغلبين وحكمهم حكم البغاة فلا عبرة بهم، وقال القرطبي: هذا الحديث خبر عن المشروعية أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد منهم أحد وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر وقد ورد الأمر بذلك في حديث جبير بن مطعم رفعه قدموا قريشًا ولا تقدموها أخرجه البيهقي وعند الطبراني من حديث عبد اللَّه بن حنطب ومن حديث عبد اللَّه بن السائب مثله وفي نسخة أبي اليمان عن شعيب عن أبي هريرة عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة مرسلًا أنه بلغه مثله وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن ابن شهاب أنه بلغه مثله، وفي الباب حديث أبي هريرة رفعه الناس تبع لقريش في هذا الشأن أخرجاه في الصحيحين من رواية المغيرة بن عبد الرحمن ومسلم أيضًا من رواية سفيان بن عيينة كلاهما عن الأعرج عن أبي هريرة وتقدم في مناقب قريش وأخرجه مسلم أيضًا من رواية همام عن أبي هريرة ولأحمد من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن قال في هذا الأمر وشاهده عند مسلم عن جابر كالأول وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث معاوية وعند البزار من حديث علي، وأخرج أحمد من طريق عبد اللَّه بن أبي الهزيل قال: لما قدم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش لنجعلن هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم فقال عمرو بن العاص: كذبت سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "قريش قادة الناس" قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذكر فإنه يكون مفهوم لقب ولا حجة فيه عند المحققين وإنما الحجة وقوع المبتدأ معرفًا باللام الجنسية لأن المبتدأ بالحقيقة هاهنا هو الأمر الواقع صفة لهذا وهذا لا يوصف إلا بالجنس فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش فيصير كأنه قال لا أمر إلا في قريش وهو كقوله الشفعة فيما لم يقسم والحديث وإن كان بلفظ الخبر فهو بمعنى الأمر كأنه قال ائتموا بقريش خاصة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك ويؤخذ منه أن الصحابة اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر خلافًا لمن أنكر ذلك وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيًا وقيد ذلك طوائف ببعض قريش فقالت طائفة: لا يجوز إلا من ولد علي وهذا قول الشيعة ثم اختلفوا اختلافًا شديدًا في تعيين بعض ذرية علي، وقالت طائفة: يختص بولد العباس وهو قول أبي مسلم الخراساني وأتباعه، ونقل ابن حزم أن طائفة قالت: لا يجوز إلا في ولد جعفر بن أبي طالب، وقالت أخرى: في ولد عبد المطلب وعن بعضهم لا يجوز إلا في بني أمية وعن بعضهم لا يجوز إلا في ولد عمر، قال ابن حزم: ولا حجة لأحد من هؤلاء الفرق وقالت الخوارج وطائفة من المعتزلة: يجوز أن يكون الإمام غير قرشي وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسنَّة سواء =
[ ٧ / ١٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كان عربيًّا أم عجميًّا، وبالغ ضرار بن عمرو فقال: تولية غير القرشي أولى لأنه يكون أقل عشيرة فإذا عصي كان أمكن لخلعه، وقال أبو بكر بن الطيب: لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث الأئمة من قريش وعمل المسلمون به قرنًا بعد قرن وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف، قلت: قد عمل بقول ضرار من قبل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج على بني أمية كقطري -بفتح القاف والطاء المهملة- ودامت فتنتهم حتى أبادهم المهلب بن أبي صفرة أكثر من عشرين سنة وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج كابن الأشعث ثم تسمى بالخلافة من قام في قطر من الأقطار في وقت ما فتسمى بالخلافة وليس من قريش كبني عباد وغيرهم بالأندلس كعبد المؤمن وذريته ببلاد المغرب كلها وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا ولم يقولوا بأقوالهم ولا تمذهبوا بأرائهم بل كانوا من أهل السنَّة داعين إليها، وقال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيًّا مذهب العلماء كافة وقد عدوها في مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها خلاف وكذلك من بعدهم في جميع الأمصار قال: ولا اعتداد بقول الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة لما فيه من مخالفة المسلمين، قلت: ويحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر من ذلك فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته فذكر الحديث وفيه فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاري لا نسب له في قريش فيحتمل أن يقال لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغير اجتهاد عمر في ذلك، واللَّه أعلم. وأما ما احتج به من لم يعين الخلافة في قريش من تأمير عبد اللَّه بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته، واللَّه اعلم. واستدل بحديث ابن عمر على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم أنه إذا لم يوجد قرشي يستخلف كناني فإن لم يوجد فمن بني إسماعيل فإن لم يوجد منهم أحد مستجمع الشرائط فعجمي وفي وجه جرهمي وإلا فمن ولد إسحاق قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذكر ما يمكن أن يقع عقلًا وإن كان لا يقع عادةً أو شرعًا، قلت: والذي حمل قائل هذا القول عليه أنه فهم منه الخبر المحض وخبر الصادق لا يتخلف وأما من حمله على الأمر فلا يحتاج إلى هذا التأويل واستدل بقوله قدموا قريشًا ولا تقدموها وبغيره من أحاديث الباب على رجحان مذهب الشافعي لورود الأمر بتقديم القرشي على من ليس قرشيًا، قال عياض. ولا حجة فيها لأن المراد بالأئمة في هذه الأحاديث الخلفاء وإلا فقد قدم النبي -ﷺ- سالمًا مولى أبي حذيفة في إمامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش وقدم زيد بن حارثة وابنه =
[ ٧ / ١٩٦ ]
قال في الصحاح: قريش قبيلة، وأبوهم: النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون ولد كنانة ومن فوقه.
وربما قالوا: قريشي (١)، وهو القياس (٢).
_________________
(١) = أسامة بن زيد ومعاذ بن جبل وعمرو بن العاص في التأمير في كثير من البعوث والسرايا ومعهم جماعة من قريش وتعقبه النووي وغيره بأن في الأحاديث ما يدل على أن للقرشي مزية على غيره فيصح الاستدلال به لترجيح الشافعي على غيره وليس مراد المستدل به أن الفضل لا يكون إلا للقرشي بل المراد أن كونه قرشيًا من أسباب الفضل والتقدم كما أن من أسباب الفضل والتقدم الورع والفقه والقراءة والسن وغيرها فالمستويان في جميع الخصال إذا اختص أحدهما بخصلة منها دون صاحبه ترجح عليه فيصح الاستدلال على تقديم الشافعي على من ساواه في العلم والدين من غير قريش لأن الشافعي قرشي وعجب قول القرطبي في المفهم بعد أن ذكر ما ذكره عياض أن المستدل بهذه الأحاديث على ترجيح الشافعي صحبته غفلة قارنها من صميم التقليد طيشه كذا قال ولعل الذي أصابته الغفلة من لم يفهم مراد المستدل والعلم عند اللَّه تعالى".
(٢) قال الشاعر: بكُلّ قريشي إذا ما لَقِيتُه سريعٍ إلى داعِي النَّدَى والتَّكَرُّم وهو من شواهد كتاب سيبويه.
(٣) قال ابن جني في الخصائص (١/ ١١٥ - ١١٦): "باب في جواز القياس على ما يقِلّ ورفضِه فيما هو أكثر منه، هذا باب ظاهره إلى أن تعرف صورته ظاهر التناقض إِلا أنه مع تأمّله صحيح وذلك أن يقِلّ الشيء وهو قياس ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس. الأول: قولهم في النسب إلى شَنُوءةَ شَنَئيّ فلك من بعدُ أن تقول في الإضافة إلى قَتُوبةٍ قَتَبِيّ وإلى رَكُوبة رَكبيّ وإلى حَلُوبة حَلَبيّ قياسًا على شَنَئيّ وذلك أنهم أجَروْا فَعُولة مجرى فَعِيلة لمشابهتها إياها من عِدّة أَوجه: أحدها أن كل واحدة من فعولة وفعيلة ثلاثيّ ثم إن ثالث كل واحد منهما حرف لين يجري مجرى صاحبه ألا ترى إلى اجتماع الواو والياء رِدْفين وامتناع ذلك في الألف وإلى جواز حركة كل واحدة من الياء والواو مع امتناع ذلك في الألف إلى غير ذلك ومنها أن في كل واحدة من فَعُولة وفَعِيلة تاءَ التأنيث ومنها اصطحاب فَعول وفَعِيل على الموضع الواحد نحو أَثِيم وأَثُوم ورحيم ورَحُوم ومَشِيّ ومَشُوّ ونَهِيّ عن الشيء ونَهُوّ. فلمّا استمرّت حال فَعِيلة وفَعُولة هذا الاستمرار جرت واو شَنُوءة مجرى ياء حنجفة =
[ ٧ / ١٩٧ ]
[ما يحكم به المقلد:]
فحكم المقلِد -بكسر اللام- الذي ولى لعدم وجود مجتهد بقول مقلَّده: بفتح اللام، ويلزمه المصير إليه، إذا كان له نص في عين النازلة أو لأصحابه، وإن اختلف النقل عن إمامه وعن أصحابه أو عنه وعنهم حكم بالمشهور (١)، وإن لم يكن راجحًا عنده هو؛ إذ لو حكم بغيره لأدى للطعن
_________________
(١) = فكما قالوا حَنَفِيّ قياسًا قالوا شَنَئيّ أيضًا قياسًا. قال أبو الحسن: فإن قلت إنما جاء هذا في حرف واحد يعني شَنُوءة قال فإنه جميع ما جاء وما ألطف هذا القول من أبي الحسن وتفسيره أن الذي جاء في فَعُولة هو هذا الحرف والقياس قابِلُه ولم يأت فيه شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضًا صحيحًا في القياس مقبولًا فلا غَرْو ولا ملام. وأمّا ما هو أكثر من باب شَنَئيّ ولا يجوز القياس عليه لأنه لم يكن هو على قياس فقولهم في ثَقِيف ثَقَفِيّ وفي قُرَيش قرشيّ وفي سُلَيم سُلَمِيّ فهذا وإن كان أكثر من شنئيّ فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس فلا يجيز على هذا في سعيد سَعَدِيّ ولا في كَرِيم كَرَمِيّ. فقد بَرَد في اليد من هذا الموضع قانون يُحمل عليه ويُردّ غيره إليه وإنما أذكر من هذا ونحوه رسومًا لتُقتدى وأفرض منه آثارًا لتُقتفى ولو التزمتُ الاستكثار منه لطال الكتاب به وأملّ قارئه".
(٢) قال في الموافقات (٥/ ١٠٠ - ١٠١): "ويذكر عن الإمام المازري أنه سئل: ما تقول فيما اضطر الناس إليه في هذا الزمان -والضرورات تبيح المحظورات- من معاملة فقراء أهل البدو في سني الجدب؛ إذ يحتاجون إلى الطعام فيشترونه بالدين إلى الحصاد أو الجذاذ، فإذا حل الأجل قالوا لغرمائهم: ما عندنا إلا الطعام، فربما صدقوا في ذلك؛ فيضطر أرباب الديون إلى أخذه منهم، خوفًا أن يذهب حقهم في أيديهم بأكل أو غيره لفقرهم، ولاضطرار من كان من أرباب الديون حضريًا إلى الرجوع إلى حاضرته، ولا حكام بالبادية أيضًا، مع ما في المذهب في ذلك من الرخصة إن لم يكن هنالك شرط ولا عادة، وإباحة كثير من فقهاء الأمصار لذلك وغيره من بيوع الآجال خلافًا للقول بالذرائع. فأجاب: إن أردت بما أشرت إليه إباحة أخذ طعام عن ثمن طعام هو جنس مخالف لما اقتضى، فهذا ممنوع في المذهب، ولا رخصة فيه عند أهل المذهب كما توهمت. قال: ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه؛ لأن الورع قل، بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت =
[ ٧ / ١٩٨ ]
فيه بالحيف، والقضاء بالشهوة، فأمر باتباع مذهبه للسياسة (١)، لا لمقتضى أصول الشرع؛ لأن أصوله تقتضي أن القاضي والمفتي مأموران باتباع الحق.
[حكم الأعمى والأبكم والأصم:]
ونفذ حكم أعمى وأبكم وأصم؛ إذ ليس عدمها من شروط الصحة، بل وجودها مستحب.
وظاهره كابن الحاجب، سواء ولي كذلك، أو طرأ ذلك عليه، ونحوه للشارح.
[عزل الثلاثة:]
ووجب عزله، إن اتصف بواحد منها (٢).
_________________
(١) = الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه، فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب؛ لاتسع الخرق على الراقع، وهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها، ولكن إذا لم يقدر على أخذ الثمن إلا أن يأخذ طعامًا؛ فليأخذه منهم من يبيعه على ملك منفذه إلى الحاضرة، ويقبض البائع الثمن، ويفعل ذلك بإشهاد من غير تحيل على إظهار ما يجوز. فانظر كيف لم يستجز -وهو المتفق على إمامته- الفتوى بغير مشهور المذهب، ولا بغير ما يعرف منه بناءً على قاعدة مصلحية ضرورية؛ إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله؟ فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب، بل جميع المذاهب؛ لأن ما وجب للشيء وجب لمثله، وظهر أن تلك الضرورة التي ادعيت في السؤال ليست بضرورة".
(٢) أي: تأمل أحوال الناس وأعمالهم ومتصرفاتهم: ما شهدها وما غاب عنها مما سمعه وتناهى إليه منها، وإمعان النظر فيها، ويميز بين محاسنها ومساوئها، وبين النافع والضار لهم منها، ثم ليجتهد في التمسك بمحاسنها لينال من منافعها مثل ما نالوا، وفي التحرز والاجتناب من مساوئها؛ ليأمن من مضارها ويسلم من غوائلها، وأصل ذلك صنيع عمر بن الخطاب في إلزام الناس طلاق الثلاث في اللفظ والمجلس الواحد.
(٣) القول بوجوب ذلك مقيد بما كان ثمة من هو أولى منه، وإلا فلا وجوب، ألا ترى أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا خرج غازيًا استخلفه، والاستخلاف يكون فيما يسير به أمور المدينة من الصلاة وفض النزاعات ونحو ذلك. =
[ ٧ / ١٩٩ ]
[وجوب تولي الكفء:]
ولزم الشخص المتعين المنفرد بشروطه القبول والطلب، ولم يجز له الهروب، ووجب على الإمام توليه، أو الخائف فتنة على نفسه أو ماله أو ولده، إن لم يتول القبول والطلب، ولو كان هناك أفضل منه.
أو خاف ضياع الحق على أربابه إن تولى غيره ممن لا أهلية له، أو خاف كثرة الهرج، لزمه القبول والطلب للولاية.
وحذف (القبول والطلب) من اللتين قبل هذا؛ لدلالة هذا عليه.
وتلخص من كلامه أنه يتعين على أحد ثلاثة أشخاص.
[إجبار الكفء ولو بضرب:]
وأجبر المتعين له الممتنع عن القبول وإن بضرب وسجن.
قيل لمالك: أيجبر بالضرب ويحبس؟
قال: نعم.
وإلا بأن انتفى كل من الثلاثة المذكورة بأن كان:
- غير صالح.
- أو لم يخف حصول فتنة.
- ولا ضياع حق.
_________________
(١) = قال في الإصابة (٤/ ٦٠١): "قال ابن عبد البر: روى جماعة من أهل العلم بالنسب والسير أن النبي -ﷺ- استخلف ابن أم مكتوم ثلاث عشرة مرة في الأبواء وبواط وذي العشيرة وغزوته في طلب كرز بن جابر وغزوة السويق وغطفان وفي غزوة أحد وحمراء الأسد ونجران وذات الرقاع وفي خروجه من حجة الوداع وفي خروجه إلى بدر ثم استخلف أبا لبابة لما رده من الطريق قال: وأما رواية قتادة عن أنس أن النبي -ﷺ- استخلف ابن أم مكتوم فلم يبلغه ما بلغ غيره". انتهى.
[ ٧ / ٢٠٠ ]
فله الهرب وإن عين؛ لينجو بنفسه، ويستعين باللَّه على خلاصه من ذلك؛ لأنه حينئذٍ فرض كفاية.
تنبيه:
وهذا بخلاف غيره من فروض الكفاية، إذا عين الإمام فيه بعضًا لم يجز له الهرب، كتعيينه طائفة لقتال العدو، فإنه متعين في حقهما.
[من يحرم عليهم القضاء:]
وحرم القضاء:
[١] لجاهل لفقد أهليته، وربما أداه لمخالفة ما لا يحل له، كمخالفة متفق عليه، وغير ذلك، ويحرم على الخليفة توليته.
تنبيه:
في قول المصنف: (لجاهل) إشارة للتحريمين.
[٢] وحرم أيضًا على طالب دنيا يجمعها به، لما يؤديه إلى الجور بسبب ذلك.
و(دنيا) غير منون.
[من يندب له القضاء:]
وندب لصاحب علم، ففي علمه طلبه، ليشهر علمه؛ لأن المجهول لا يعبأ بقوله، ولا يلقى إليه سمع، كـ:
[١] ورع، وهو: التارك للشبهات كبعض المباحات؛ خوف الوقوع في محرم.
[٢] غني غير محتاج، بحيث لا تتطلع نفسه لما بيد غيره؛ ولئلا تتطرق إليه مقالة السوء فيه.
[٣] حليم على الخصوم، ما لم تنتهك حرمة اللَّه.
[٤] نزه، أي: كامل المرؤة بترك ما لا يليق بمثله.
[ ٧ / ٢٠١ ]
[٥] نسيب، أي: معروف؛ لئلا يتسارع للطعن فيه.
[٦] مستشيرًا لأهل العلم، فلا يستقل برأيه؛ خوف الخطأ.
[٧] بلا دَيْن عليه؛ لانحطاط رتبة المدين عند الناس.
[٨] وبلا حد في قذف أو غيره، بخلاف الشاهد؛ فإنه لا يقبل فيما حد فيه، ويقبل في غيره، ويفرق بأن القضاء وصف زائد يعتبر فيه ما سقط اعتباره في غيره، واستناد القاضي للبينة بخلاف الشاهد فبعدت التهمة.
ثم عطف على دين قوله: وغير زائد في الدهاء: بفتح الدال مفتوح مهموز، وهمزته منقلبة عن الياء، لا من الواو؛ لأن ذلك يحمله على الحكم بالفراسة، وتعطيل الطرق الشرعية من البينة والإيمان، فقد عزل عمر -﵁- زيادًا لذلك، وبلا بطانة سوء.
[عود على ما هو مندوب:]
ثم عطف على المجرور المستحب ما هو منه، فقال:
[٩] ومنع الراكبين معه والمصاحبين له لغير ضرورة؛ لئلا يظن ميلة لهم، فلا يستوفي الحكم عليهم.
[١٠] ويستحب له تخفيف الأعوان؛ إذ لم يكن لأبي بكر ولا لعمر أعوان، فإن اضطر لهم خفف منهم ما استطاع.
[١١] واتخاذ من يخبره بما يقال في سيرته وحكمه ليجتث ما يكره من ذلك، وما يقال في شهوده ليعزل غير المرضي منهم، قاله ابن عبد الحكم.
وظاهر كلام مالك: أنه على الوجوب.
[١٢] وتأديب من أساء عليه إلا في مثل اتق اللَّه في أمري، أو اذكر وقوفك للحساب، مما فيه إشارة للانتباه؛ فلا يؤدبه، وليرفق به، ويقول: رزقني اللَّه وإياك التقوى، وأذكرنا الوقوف للحساب، وعلينا وعليك أن نتقي اللَّه، وكذا يؤدب من أساء على خصمه، كـ: يا ظالم، يا فاجر.
[ ٧ / ٢٠٢ ]
[استخلاف القاضي:]
وإذا ولى الخليفة قاضيًا، وسكت عن الإذن له في الاستخلاف وعدمه، لم يستخلف إلا لوسع عمله المولى فيه، فله أن يستخلف في جهة بعدت منه؛ لأنه قريتة في الاستخلاف، ولا يستخلف في الجهة القريبة كالأميال القليلة، وحيث يجوز له الاستخلاف فيستخلف من علم ما استخلف فيه من أبواب الفقه: نكاح أو بيع أو قراض أو فرائض أو غير ذلك.
[ما لا يشترط في المستخلف:]
ولا يشرط علمه بجميع أبواب الفقه، إلا أن يستخلفه في الجميع.
[عزل المستخلف:]
وانعزل المستخلف بفتح اللام بموته، أي: موت مستخلفه بكسرها؛ لأنه كوكيله، لا هو؛ فإنه لا ينعزل بموت الأمير، الذي قدمه، ولو كان الخليفة؛ لأن الأمير أو الخليفة إنما قدمه لمصلحة المسلمين العامة.
تنبيه:
أشعر كلامه بأن مقدم القاضي على يتيم لا ينعزل بموته أو عزله، وهو كذلك، قاله المتيطي.
وقال ابن العطار: اختلف فيه فقهاؤنا.
[شهادة القاضي المعزول:]
ولا تقبل شهادته -أي: القاضي المعزول- بعده -أي: بعد عزله- أنه قضى بكذا حين ولايته، ولو شهد معه آخر؛ لأنها شهادة على فعل نفسه، وكذا لو قال: شهد عندي شاهدان بكذا، وقبلتهما، وللطالب تحليف المطلوب أن هذه الشهادة التي بديوان القاضي ما شهد عليهما بها أحد، فإن نكل، حلف الطالب، وثبتت الشهادة، ونحوه في المدونة.
[ ٧ / ٢٠٣ ]
زاد ابن الحاجب: ولا يقبل قوله: "قضيت بكذا"؛ لأنه مقر على غيره.
[تعدد القضاة:]
وجاز تعدد مستقل من القضاة بمملكة الخليفة أو بلده، واستدل على جواز التعدد بالقياس على تولية الواحد لبقاء حكم الإمام معه، أو تعدد خاص بناحية أو خاص في نوع من أنواع الفقه، كـ: قاضي المياه والأنكحة، أو تعدد مستقل بناحية خاص بنوع أو عكسه مستقل بنوع خاص في ناحية، ويجوز أن يستثني عليه، قدرًا لا يحكم عليه.
تنبيه:
أشعر قوله: (مستقل) بمنع تعدد مشتركين بتوقف نفوذ حكمهما على اتفاقهما، وهو كذلك عند ابن شعبان.
[مسألة:]
والقول للطالب عند تنازع الخصمين في اختيار قاض من المتعددين، وإن خالفه المطلوب؛ لأن الحق له، وإن كان كل طالبًا، فأشار المازري إلى أنه يرجح من جاء رسوله أولًا، درج عليه المؤلف فقال: ثم من سبق رسوله.
وظاهره: ولو سبق طلب الآخر، وظاهره أيضًا: كانت دعواهما واحدة أو مختلفة.
وقال اللخمي: لكل منهما أن يطلب صاحبه عند من شاء، ويطلب الآخر عند من شاء. انتهى.
وهو واضح، وإن كانت دعواهما مختلفة، ومشكل إن اتحدت، وإلا بأن لم يسبق رسول أحدها بل استويا أقرع بينهما إن اتفقا على القرعة، وإلا فالحاكم يقرع بينهما، كالادعاء في تقديم الجالب على غيره، وإلا فالقرعة بينهما أيهما يقدم في دعواه.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
[من يجوز تحكيمه:]
وجاز تحكيم:
[١] غير خصم، ينفق الخصمان عليه، ليحكم بينهما في نازلة، وليس مولى من قبل الإمام، ولا من قبل القاضي، نص على ذلك اللخمي والمازري.
تنبيه:
قال ابن عرفة: ظاهرهما الجواز ابتداء، وظاهر الروايات أنه بعد الوقوع، فلو حكما خصمًا لم يجز، وإن حكم لم يمض حكمه اتفاقًا.
وقيل: مختلف فيه.
[٢، ٣] وغير جاهل وكافر، فلا يجوز تحكيم أحدهما.
ثم عطف على المفهوم، فقال: وغير مميز كمجنون وموسوس، فلا يجوز تحكيم أحدهما، وإن حكم واحد من هؤلاء الأربعة لم يمض اتفاقًا، حكاه اللخمي، والمازري في الجاهل، وابن رشد في الكافر والمجنون والموسوس، وقصرنا على المميز على غير الصبي؛ لأنه يذكر تلو هذه.
[محل حكم الحكم:]
ثم ذكر المحل الذي فيه حكم الحكم بقوله: في مال وجرح فقط، لا حد من سائر الحدود، ولا قتل عمد، ولا لعان، ولا ثبوت ولاء لشخص على آخر، ولا نسب كذلك، ولا طلاق وعتق، وامتناع التحكيم في هذه المسائل لأنها يتعلق بها حق لغير الخصمين، إما للَّه كالطلاق والعتاق؛ لمنع بقاء المطلقة البائن في العصمة، ورد العتق في العبد، وإما لآدمي كحق الولد في اللعان بقطع النسب، وكذا النسب والولاء.
[مضي الحكم:]
ومضى حكم المحكم إن حكم صوابًا، وأدب فيما لا يجوز تحكيمه فيه، ولا ينقضه واحد منهما، ولا حاكم غيرهما.
[ ٧ / ٢٠٥ ]
قال المؤلف في توضيحه كغيره: إلا أن يكون جورًا بينًا، وبين عبارتيه فرق.
[حكم الصبي المميز:]
وفي صحة حكم صبي مميز محكم وعبد وفاسق وامرأة، وعدمها أربعة أقوال:
أولها: الصحة لأصبغ.
وثانيها: عدمها لمطرف.
وثالثها: الصحة إلا في تحكيم الصبي، فلا يصح؛ لأنه غير مكلف، ولا إثم عليه إن جار، لأشهب.
ورابعها: الصحة، إلا في صبي وفي فاسق لعبد الملك.
[ضرب القاضي الخصم:]
وجاز للقاضي ضرب خصم لد، إذا تبين لدده وظلمه، كما في المدونة.
ابن ناجي: يأمر أعوانه بذلك، ولو ضربه بيده جاز.
[عزل الأمير القاضي:]
وجاز للأمير أو الخليفة عزله -أي: القاضى- لمصلحة؛ لكون غيره أقوى، أو أحكم، أو لنقله لبلد أخرى، أو غير ذلك، ولم ينبغ عزله إن شهر كونه عدلًا بمجرد شكية، وإن وجد بدلًا منه؛ لأن في ذلك فساد الناس على قضاياهم، قاله مطرف.
وليبرأ من عزل من غير سخط، كما فعل عمر بشرحبيل بن حسنة، حيث قال له: أعن سخط يا أمير المؤمنين. قال: لا، ولكن وجدت أقوى منك. قال: إن عزلك لي عيب، فأخبر الناس بعذري، ففعل.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
[التعزير بالمسجد:]
وجاز خفيف تعزير بمسجد، أي: فيه.
قال مالك: كخمسة أسواط وعشرة؛ لأنه مظنة السلامة مما يخاف على المسجد منه، بخلاف شديد التعزير والحد، ولذا قال: لا حد، فلا يقيمه في المسجد.
تتمة:
لا يعلم من كلامه عين الحكم، فيحتمل المنع والكراهة، وجوزهما في توضيحه عند قول ابن الحاجب: (ولا تقام الحدود في المسجد).
[جلوس القاضي بالمسجد:]
وجلس القاضي به للحكم فيه؛ ففي المدونة: هو من الحق، والأمر القديم.
قال المصنف: والأولى في زماننا الكراهة؛ لكثرة التساهل، ورفع الأصوات فيه.
تكميل:
في النوادر: يجعل للنصارى يومًا أو وقتًا يجلس لهم في غير المسجد.
بغير عيد الفطر أو أضحى، وغير قدوم حاج وخروجه ومطر، ونحوه، كـ: يوم التروية ويوم عرفة وكثرة الرحل المضر بالطريق، ونحو ذلك.
البساطي: وأيام كسر النيل بمصر، وأيام الاستسقاء، وقدوم السلطان من غزواته. انتهى.
وقد يقال: أما مصر ونحوها فينبغي له الجلوس أيام خروج الحاج وقدومه وسفر القوافل للشام وغيرها؛ لما في ذلك من الفصل بين الأكرياء الذين يأخذون أموال الناس، فإذا غفل عنهم في تلك الأيام هربوا.
[ ٧ / ٢٠٧ ]
[ما يجوز للقاضي اتخاذه:]
وجاز له اتخاذ حاجب يحجب عنه من لا شغل عنده؛ لمشقة مباشرة ذلك بنفسه.
وجاز له اتخاذ بواب يمنع من لا حاجة له عنده، ويكون البواب ثقة عادلًا، وينهى عن حجبهم وقت حاجتهم إليه.
[من يبدأ به:]
وبدأ أول ولايته استحبابًا بمحبوس، فينظر في حاله، ثم في أمر وصي مع إيتامه، وفي مال طفل مع وصيه أو مقدم عليه، ويحتمل في مال مهمل، وحال مقام عليه، أقامه من قبله على يتيم، ورتبة هذه الثلاثة واحدة عند المؤلف، وعند المازري رتبة المقام تلي رتبة مال الأطفال؛ لعطفها بثم.
ثم في أحوال ضال ولقطة، ونادى بمنع معاملة يتيم لا وصي له، ولا مقام عليه، وسفيه غير محجور عليه، ورفع أمرهما إليه؛ لينظر في شأنهما.
ولا يعلم من كلامه رتبة هذه، وكلام أصبغ يدل على أنها من الأول.
ثم في أمر الخصوم من تقدمة ومساواة وغير ذلك.
[تعيين كاتب لجلساته:]
ورتب كاتبًا يكتب الوقائع والحكم، ويكون عدلًا؛ ففي المدونة: لا يتخذ للمسلمين إلا العدل المرضي، ولذا قال: شرطًا، لا استحبابًا، كما قيل به، واستظهره ابن الحاجب بعد أن قال: (ولا نص في الكتابة، ولا يشترط تعدده).
وليس في كلامه ما يدل على أنه ينظر في كتابه، ولا بد منه؛ لاحتمال زيادة أو نقص، أو هما سهوًا أو غفلة، أو عمدًا لرشوة، وإذا كان هذا في العدل ففي غيره إذا لم يوجد العدل أحرى؛ ولأنه إذا نظر ما كتب أشهد على نفسه بأمر يتفننه، وإذا صدق عول على مظنون مع قدرته على
[ ٧ / ٢٠٨ ]
اليقين، ويأمره بكتابة الدعوى والإنكار، وأسماء البينة والمتداعيين، وأنسابهم وما يعرفون به، ويحفظه عنده.
ثم شبه في عدالة الكاتب قوله: كمزك، يتخذه عنده؛ ليخبره عن الشهود سرًّا في مساكنهم وأعمالهم، ولا يقتصر في سؤاله واحدًا واثنين بل أكثر من ذلك؛ خيفة أن يزكيه أهل وده، ويجرحه أعداؤه، واختارهما القاضي بأن يكونا من أعدل الموجودين عنده.
والمترجم عند من لا يعرف العربية مخبر عند القاضي، الذي لا يعرف لسان المترجم عنه، أو عن العربية عند القاضي، الذي لا يعرفها، فيكفي واحد.
وقيل: بتعدده؛ بناءً على أنه من باب الشهادة.
ولا يترجم كافر، ولا عبد، ولا مسخوط، وقيد ابن رشد منع قبول ترجمة الكافر ومن معه بوجود العدل، وأما لو اضطر إليهم لعمل على قولهم.
كالمحلف يكفي فيه الواحد، وأحضر العلماء عند قضائه، أو شاورهم فيما يقضي به قبل الحكم، أما إحضارهم فبسيرة عثمان -﵁-، وأما مشورتهم فبسيرة عمر -﵁-.
وأحضر شهودًا يشهدوا على من أقر؛ خشية الإنكار؛ لقول مالك وابن القاسم: إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم عليه حتى يشهد عنده بإقراره شاهدان، وهو المشهور، واقتصر عليه المؤلف، وإحضارهم واجب.
ولم يفت القاضي في خصومة من أبواب المعاملات مطلقًا على المشهور؛ لما فيه من تعليم الخصوم وإعانتهم على الفجور، وهذا بناء على أن (يفت) مبني للفاعل، ويحتمل بناؤه للمفعول، فيقتضي بظاهره المنع له ولغيره، خلافًا لابن عبد الحكم.
وقد جرت العادة باستقبال الوكلاء لأرباب المذاهب في الوقائع بين موكليهم، فإذا وجد الوكيل مذهبًا يوافق كون موكله غالبًا حمله على الدعوى
[ ٧ / ٢٠٩ ]
عند القاضي الموافق لها، ولو كان موكله غير محق (١).
[ما لا يسع القاضي فعله بمجلسه:]
ولم يشتر بمجلس قضائه؛ لما فيه من شغل باله، ولأن البائع ربما نقص من الثمن حياءً منه ومن جلسائه.
وفهم من قوله: (مجلس قضائه) أن له ذلك في غيره، ونقله المازري عن أصحاب مالك، زاد ابن الحاجب: ولا يشتري له وكيل معروف.
كسلف منه أو له، وقراض له، وإبضاع له مع آخر، بأن يرسل مع غيره ما يشتري له، ويحتمل أن يبضع معه.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب وابن شاس: ويتورع عن العارية والسلف والقراض؛ لقوله في توضيحه: ظاهره: أن هذه الأمور أخف من المبايعة له؛ لتعبيرهما عن الشراء بـ (لا يفعل)، وهنا بـ (يتورع)، والعكس أولى؛ لأن العارية ونحوها انتفاع بمال الغير بغير عوض، وفي التي قبلها إنما يتوهم ذلك، ولا يتحقق.
وحضور وليمة، ظاهره: المنع، إلا وليمة النكاح، فلا يمنع له حضورها؛ للحديث (٢)، وإذا حضر وليمة فإن شاء أكل، وإن شاء ترك.
ومنع قبول هدية ولو كافأ عليها أضعافها؛ لركون النفوس للمهدي، وقول ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية، ومذهب مالك وأهل السنة محمول على المنع.
_________________
(١) لعل في هذا إشارة لمهنة المحاماة بعصرنا.
(٢) نص الحديث: أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها، أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (٥/ ١٩٨٥، رقم: ٤٨٨٤)، ومسلم (٢/ ١٠٥٣، رقم: ١٤٢٩). وأخرجه أيضًا: أحمد (٢/ ٦٨، رقم: ٥٣٦٧)، والدارمي (٢/ ١٤٨، رقم: ٢٠٨٢)، وأبو عوانة (٣/ ٥٩، رقم: ٤١٨٥)، وأبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم (٤/ ١٠٠، رقم: ٣٣٤٣)، والبيهقي (٧/ ٢٦٢، رقم: ١٤٣٠٤).
[ ٧ / ٢١٠ ]
وظاهر كلام المؤلف: كان المهدي عنده في خصومة أو لا، وهو كذلك.
إلا أن تكون الهدية من قريب للقاضي.
سحنون: كأبيه وابنه وخالته وعمته وابنة أخيه، ومن لا يدخل عليه منهم ظنة؛ لشدة الدخلة والمثاقبة، أي: المعاونة.
[مسائل فيها قولان:]
وفي جواز قبول هدية من اعتادهما قبل الولاية، وهو لابن عبد الحكم، وعدم جوازه، وهو قول مطرف وعبد الملك: لا ينبغي ذلك، وهو ظاهر في الكراهة قولان.
وفي كراهة حكمه في مشيه، وهو لسحنون وأشهب وطائفة، وعدم جوازه، وهو لأشهب أيضًا، بشرط أن لا يشغله المسير وزحمة الناس والنظر إليهم: قولان.
تنبيه:
عدل عن قول ابن الحاجب في مروره للمسجد؛ لتعقبه له، فإنه لا خصوصية للمسجد.
أو كراهة حكمه حال كونه متكئًا، وهو قول اللخمي: لا يفعل؛ لأن فيه استخفافًا للحاضرين، وللعلم حرمة، وجوازه وهو لأشهب وسحنون: قولان.
وفي جواز إلزام يهودي حكما بسبته، بأن يمكن المسلم من خصامه له فيه، وكراهته: قولان للقرويين.
وفي جواز تحديثه بمجلسه للقضاء لضجر نزل به أو هم، وهو قول أشهب وابن عبد الحكم.
قال الشارح: ومنعه لمطرف.
ومن منعه البساطي، أو يكره: قولان.
[ ٧ / ٢١١ ]
وفي اشتراط دوام الرضا من الخصمين في التحكيم للمحكم، فلأحدهما الرجوع قبله، وهو لسحنون، وعدم اشتراطه، فلا رجوع لأحدهما، ويلزمهما الحكم بالرضا، وإليه ذهب ابن الماجشون: قولان.
[موانع الحكم:]
ولا يحكم مع ما: شيء، يدهش عن الفكر، أي: عن تمامه من غضب وجوع وحزن ونحوه.
تنبيه:
لا يفهم من كلامه كابن الحاجب عين الحكم، وهو الكراهة، صرح به في المجموعة عن مالك، وفي الواضحة: لا ينبغي.
وإن حكم في حال من هذه الأحوال مضى حكمه، خلافًا لداود (١).
[تعزير شاهد الزور:]
وعزر القاضي شاهد زور ثبت زوره ولم يأت تائبًا.
قال مالك: يعزره بقدره وقدر الواقعة.
في الملأ مهموز ومقصور: الجماعة، بنداء ممدود، أي: ينادى عليه بذلك؛ لئلا يفهم أنه لغير ذلك، ويطاف به في الأسواق والجماعات، ولا يحلق رأسه أو لحيته ولا بسخمه في وجهه بسواد، خلافًا لابن العربي.
_________________
(١) هو: داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، (٢٠١ - ٢٧٠ هـ = ٨١٦ - ٨٨٤ م) الملقب بالظاهري: أحد الأئمة المجتهدين في الإسلام. تنسب إليه الطائفة الظاهرية، وسميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنَّة وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس. وكان داود أول من جهر بهذا القول. وهو أصبهاني الأصل، من أهل قاشان (بلدة قريبة من أصبهان) ومولده في الكوفة. سكن بغداد، وانتهت إليه رئاسة العلم فيها. قال ابن خلكان: قيل: كان يحضر مجلسه كل يوم أربعمئة صاحب طيلسان أخضر! وقال ثعلب: كان عقل داود أكبر من علمه. وله تصانيف أورد ابن النديم أسماءها في زهاء صفحتين. توفي في بغداد. ينظر: الأعلام (٢/ ٣٣٣).
[ ٧ / ٢١٢ ]
[شهادة شاهد الزور بعد التعزير:]
ثم في قبوله بعد تعزيره عدم قبوله تردد في حكاية طريقين، ذكرهما ابن عبد السلام.
[مسألة:]
وإن أدب الشاهد التائب من زوره، فأهل للأدب، حكاه اللخمي عن ابن القاسم.
[مسألة:]
وعزر القاضي من أساء على خصمه بما يستحق الأدب به وجوبًا؛ لأنه مرصد لخلاص الأعراض، كالأموال، إلا أن يكون فلتة من ذي مروءة، فليتجاوز عنه.
و(مَنْ) معطوفة على شاهد في قوله: (وعزر شاهد زور)، أو على (التائب) معنى، من غير شرط وجوابه.
أو أساء على مفت أو على شاهد، كـ: شهدت علي بالزور، أو لست من أهل العدل، ولا من أهل الدين، فيؤدب عند سحنون بقدر القائل والمقول.
لا بشهدت بباطل، فلا يؤدب، كلخصمه عند دعواه بشيء كذبت علي؛ إذ لا يعد الفقهاء تكذيب الخصم فيما ادعى عليه من السباب، كـ: كذبت، وشبهه.
[التسوية بين الخصوم:]
وليسوا بين الخصمين، ظاهره: وجوبًا، وجعله ابن الحاجب كابن شاس من أدب القاضي، فيحتمل الوجوب والندب، والتسوية في: القيام والجلوس والكلام والإسماع ورفع الصوت والنظر وغير ذلك، مسلمين كانوا أو كافرين، وإن كانا مسلما وكافرا على المشهور، وإن تزاحم المدعون قدم المسافر خوف فوات الرفقة.
[ ٧ / ٢١٣ ]
وظاهره: الوجوب.
وجعله البساطي من أدبه كابن شاس.
وظاهره: ولو كثر أو حصل الضرر، وقيده المازري بما إذا لم يكثروا.
وإن كثروا فيصار إلى القرعة، قدم ما يخشى فواته، لو اشتغل بغيره فسد، وظاهره: الوجوب.
وقول البساطي: (الفقه يقتضي إذا تعارض عنده المسافر بشرطه وما يخشى فواته القرعة) غير ظاهر.
ثم يلي ما تقدم السابق في الزمان، قال المازري من عند نفسه: وإن بحقين بلا طول يضر بغيره، كما لو خاصم الأول، وطال خصامه معه، وربما كان تخاصم اثنين كخصام واحد يطول معه الخصام.
ثم أقرع بين المدعيين، إن لم يعرف السابق، كذا في التوضيح، وتبعه الشارحان، مع أن كلامه يشمل صورة أخرى، وهي الاستواء في الحضور عنده، وصفتها أن يكتب أسماءهم في رقاع، ثم يؤخذ إحدى الرقاع بعد خلطها، فمن وجد اسمه فيها قدم، وهكذا.
وينبغي له أن يفرد يومًا معينًا أو وقتًا كذلك للنساء، كانت خصومتهن فيما بينهن، أو مع الرجال؛ لأنه أستر لهن، كالمفتي والمدرس يقدمان السابق عند التزاحم، ثم يقرع.
تنبيه:
لم يذكر ابن الحاجب المفتي والمدرس، وذكرهما ابن شاس، فقال ابن عرفة: لا أعرفه نصًّا.
ثم قال: لكن تخريجهما على تزاحم الخصوم واضح.
[مسألة:]
وأمر مدع تبين أنه مدع، ثم عرفه بقوله هو: من تجرد قوله عن مصدق بالكلام، وأسكت الآخر حتى ينتهي المدعي، فيأمره بالسكوت، وإلا
[ ٧ / ٢١٤ ]
بأن لم يتبين له المدعي من غيره منهما ولا اتفقا عليه فالجالب منهما مقدم؛ لدلالة قرينة الحال على صدقه، وإلا بأن ادعى كل أنه الحالب، ولم يصلحا على تقديم أحدهما، أقرع بينهما، قاله ابن شعبان.
ولابن عبد الحكم: يقدم أيهما شاء.
فيدعي بمعلوم محقق، كـ: لي عنده مائة من ثمن مبيع مثلًا، قال المازري: وكذا لي عنده شيء، تعمرت به ذمته، وجهلت مبلغه، وأطلب جوابه بإقرار أو إنكار، وصوبه البساطي.
فائدة:
قال ابن عبد السلام: لا يقال العلم والتحقيق مترادفان، أو كالمترادفين؛ فأحدهما يغني عن الآخر؛ لأنا نقول: المعلوم راجع إلى تصور المدعي فيه، فلا بد أن يكون مميزًا في ذهن المدعي والمدعى عليه، والقاضي والمحقق راجع بجزم المدعي بأنه مالك لما وقع النزاع فيه؛ فهو من نوع التصديق، فقد رجع كل واحد من اللفظين لمعنى غير الذي رجع إليه الآخر، فلاشتراط العلم لا يسمع لي عليه شيء، ولاشتراط التحقيق لا يسمع أشك أن لي عليه كذا، وأظن، وما أشبهه.
وإلا بأن يكن معلومًا بل مجهولًا، كشيء أو مظنونًا لم تسمع، كـ: أظن أن لي عنده كذا، أو في ظني، وأحرى أشك.
[مسألة:]
ولما كان لا بد للمدعي من بيان السبب قال: وكفاه في بيان المسبب بعت وتزوجت، ونحوهما، وحمل على العقد الصحيح، فلا يحتاج لبيان أركانه.
تنبيه:
مثل بمثالين لمخالفة الشافعي في الثاني، فلا بد أن يقول عنده: عقدته بصداق وولي وشاهدين، ولا يلزم انتفاء الموانع.
[ ٧ / ٢١٥ ]
وإلا بأن لم يذكر السبب فليسأله الحاكم عن السبب، نحوه في المتطية عن ابن حارث، ثم أمر مدعى عليه، وهو من ترجح قوله بمعهود، كدعوى شخص على آخر وديعة وعارية، فيدعي ردها له فمدعي الرد هو المدعى عليه؛ لما عهد في الشرع أن الرد لا يحتاج بينة.
أو من ترجح قوله بسبب أصل ذكره بجوابه، متعلق بأمر، ابن عرفة: مقتضى المذهب أمر القاضي الخصم بجوابه إذا استحقت الدعوى جوابًا لقول، ولا يتوقف أمره بالجواب على طلب المدعي لذلك؛ لوضوح دلالة حال المتداعى عليه. انتهى.
[مسألة:]
وإن لم تستحق الدعوى جوابًا لقول المدعي هذا: أخبرني البارحة أنه رأى هلال الشهر، أو سمع من يعرف بلفظه، فلا يأمره بالجواب، ومثال مدعي الأصل مدعي رق شخص، فيجيب الآخر بالحرية، فالمدعي عليه هو مدعي الحرية؛ لأنها الأصل في الناس، وإنما عرض لهم الرق بسبب السبي بشرط الكفر، والأصل عدم السبي، ما لم يثبت عليه حوز الملك، فيكون دعوى الحرية حينئذٍ ناقلة عن الأصل، فلا تسمع إلا ببينة؛ لكونه مدعيًا، ولأن العرف يكذبه، إن خالطه المدعي بدين من سلف، أو بيع بالدين ولو مرة، أو تكرر بيع بنقد، هذا ظاهر كلامه.
البساطي: هو منصوص ابن القاسم. وتعقبه الشارح بأن الذي يذكره الأشياخ أن الخلطة في توجه اليمين لا في الدعوى، قال: والأمر في ذلك قريب. انتهى.
وما ذكره من أن الخلطة شرط في توجيه اليمين، عليه جماعة.
وقال ابن رزقون عن ابن نافع: لا يعتبر الخلطة. انتهى.
وهو الذي عليه عمل القضاة بمصر.
ابن عرفة: وعليه عمل القضاة عندنا.
[ ٧ / ٢١٦ ]
[مسألة:]
ويثبت وإن بشهادة امرأة واحدة عند ابن القاسم، فالرجل أولى، لا ببينة جرحت في هذه الشهادة، أو غيرها.
المتيطي: إن جاء الطالب ببينة بالدين فسقطت بوجه تسقط به الشهادة أو جرحها المطلوب فليس ذلك بخلط يوجب اليمين عند مالك وابن القاسم وسحنون، وكذلك إن ترافعا قبل ذلك للحاكم في حق آخر، فقضى بينهما، فليس ذلك بخلطة.
[المسائل التي لا تسمع فيها الدعوى:]
ثم استثنى المسائل الثمانية التي تسمع فيها الدعوى، وتتوجه اليمين بغير خلطة، فقال: إلا لصانع؛ لأنه نصب نفسه للناس، فهو في معنى الخلطة، قاله يحيى بن عمر.
ويندرج فيه التاجر والمتهم بسرقة أو تعد أو ظلم، قاله أصبغ.
والضيف يدعى عليه، قال بعض الأشياخ: وفي معين، كدعوى سارق شراء المسروق، فليحلف ربه، والوديعة على أهلها، وهو من يودع عنده مثلها، وقيد ذلك اللخمي بثلاثة قيود:
- كون المدعي يملك مثل ذلك في جنسه، وقدره.
- وكون المودع ممن يودع مثل ذلك.
- وحصول أمر يوجب الإيداع.
وكلام المؤلف يشمل هذه القيود.
والمسافر على رفقته، أنه دفع لهم أو لبعضهم مالًا أودعه، ودعوى مريض أنه له على غيره، كذا نص عليه أصبغ.
أو بائع على حاضر المزايدة في سلعة، أنه ابتاعها منه، أو يقول البائع: بعتك بكذا. ويقول هو: بل بكذا.
[ ٧ / ٢١٧ ]
تنبيه:
ما ذكره المؤلف نحوه في المتيطية، والظاهر: أن بعض هؤلاء مدعى عليه كالصانع والمتهم، وبعضهم مدع كالضيف والمريض.
فإن أقر المدعى عليه فله -أي: المدعي- الإشهاد عليه، بإقراره، خوف إنكاره.
وللحاكم تنبيهه عليه، أي: على الإشهاد إن غفل عنه، وليس من تلقين الخصم الحجة؛ لما فيه من تلفين الخصام، وقطع النزاع وتحصين الحق.
[إنكار المدعى عليه:]
وإن أنكر المدعى عليه، قال القاضي للمدعي: ألك بينة، فإن قال: نعم، أمره بإحضارها وسمعها، وأعذر فيها لخصمه، فإن لم يأت بدافع حكم عليه، وإن ادعى مدفعًا أمهله إتيانه به، فإن لم يأت به قضي عليه، وإن نفاها بأن قال: لا بينة، واستحلفه المدعي، أي: طلب يمينه، وحلفه القاضي، فلا بينة له بعد ذلك مسموعة، إن جاء بها على الأشهر.
وعن مالك: تسمع.
وفهم من كلامه: أن القاضي لا يحلف إلا بطلب الغريم، اللَّهم إلا أن تقوم قرينة على ذلك، إلا لعذر في قيامه بها كنسيان لها (١)، أو عدم
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٣٢٠ - ٣٢١): "طفى: لا يخفى نبو تقرير تت عن كلام المصنف لأن فرضه فيمن حجته واستحلف خصمه فحلف له فلا تقبل بينته إلا لعذر كنسيان أو وجد ثانيًا يعني بعد حلف المدعى عليه فهو إشارة لقولها حكم بينهما ثم لا تقبل من الطالب حجة إلا أن يأتي بما له وجه مثل بينة لم يعلم بها أو يكون أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين فيحكم عليه ثم وجد شاهدًا آخر بعد الحكم وقال لم أعلم به فليقض بهذا الآخر. عياض: قيل: ظاهر الكتاب أنه يقضي به القاضي الأول وغيره. وفي كتاب محمد إنما هذا للقاضي نفسه ولا يسمع منه غيره ولسحنون خلاف هذا كله لا يسمع منه هو ولا غيره. =
[ ٧ / ٢١٨ ]
علم بها، ثم يذكرها، أو أعلم بها، فله حينئذٍ القيام بها.
أو وجد المدعي شاهدًا ثانيًا عند من يرى الشاهد مع الأول، وتوجهت عليه اليمين معه، فنكل عنها، ثم أعلم بالشاهد الثاني أو تذكره قبل الحكم عليه، فأقام شهادته مع الأولى.
_________________
(١) = قال بعضهم: قوله فوجه الحكم عليه استدل منه على أن مذهبه تعجيز المدعي والقضاء عليه وهي مسألة خلاف. قال المؤلف: يعني عياضًا لا دليل فيه ولعل مراده فحكم على المطلوب باليمين على إنكاره الدعوى. وفي قوله هذا إن ترك الحكم بشهادة الشاهد لا يضره إذا أصاب شاهدًا آخر ولا يختلف في هذا كما اختلف إذا أبي من الحلف مع شاهده ورد اليمين على المدعى عليه. ثم قام له شاهد آخر لأن هذا قد تركه والأول لم يتركه. اهـ كلام عياض. وهكذا قرر الشارح كلام المصنف وهو الصواب وما أدري ما الحامل لتت على مخالفته وأيضًا تقريره يؤخذ من مفهوم قوله الآتي وإن حلف المطلوب ثم أتى بآخر فلا ضم. وأما قوله أو مع يمين لم يره الأول فقد أغفله الشارح وظاهر تقريره أنه مع قوله أو وجد ثانيًا صورة واحدة لكن عطفه بأو ينافي ذلك والصواب أنها صورة مستقلة أشار بها لقول اللخمي. ابن المواز إذا كان الأول لا يحكم بشاهد ويمين ثم ولي أحد ممن يرى الشاهد واليمين كان له ذلك وليس حكم الثاني فسخًا لحكم الأول يريد لأن الأول من باب الترك. اهـ. ونقله أبو الحسن في شرح (المدونة) فقد ظهر لك معنى كلام المصنف على ما ينبغي وكأن غ لم يستحضر كلام ابن المواز هذا فقال: لم أفهم آخر هذا التركيب على ما أحب فلعل الكاتب غير فيه شيئًا يعني قوله أو مع يمين لم يره الأول واقتصر على كلام (المدونة) المتقدم وكلام ابن محرز عليها وقد علمت أنه لا تغيير في كلام المصنف، واللَّه الموفق. وحكم قياس شاهد واحد فيما لا يثبت إلا بشاهدين حكم من لا يرى الحكم بالشاهد واليمين في الضم فيشمله قوله: أو وجد ثانيًا. وأما تقرير تت قوله: أو مع يمين لم يره الأول ففيه تخليط لا يشتغل به محصل لأن كلام محمد الذي قرر به إنما هو في المسألة الأولى في ضم الشاهد الثاني للأول وأنه خلاف مذهب (المدونة) وأيضًا كيف يلتئم ما حكاه عن محمد مع قول المصنف لم يره الأول فأعجب من هذا الكلام".
[ ٧ / ٢١٩ ]
وأما إن رد اليمين على المدعى عليه فحلف وقضي عليه لم يلفق الثاني مع الأول؛ لأنه لما نكل عن اليمين مع شاهده فقد رضي بإسقاط شهادته، وترك القيام بها.
أو وجد شاهدًا ثانيًا مع يمين لم يره القاضي الأول، لحكم عليه لقطع خصامه الآن فقط، فله القيام بالثاني عند هذا القاضي دون غيره، قاله محمد.
قال ابن محرز: ضم ابن القاسم شهادة الشاهد الذي قام به الآن إلى شهادة الأول صحيح، وليس يختلف فيه كما اختلف فيمن أقام شاهدًا آخر؛ لأن هذا لم يمكن من اليمين مع شاهده، أي: بخلاف الأول؛ فإنه تمكن منها، ونكل عنها.
وله -أي: المدعى عليه- يمينه -أي: المدعي- أنه لم يحلفه أولًا على هذه الدعوى.
المازري: وبه القضاء والفتيا عندنا.
وله رد اليمين عليه، أنه استحلفه على هذه الدعوى، ثم لا يحلف له مرة أخرى.
قال المازري: وكذا إذا أقام المدعي شهودًا يشهدون بما ادعاه، فللمدعى عليه تحليفه أنه عالم بفسق شهوده.
تنبيه:
ذكر المازري في كل من هذين الفرعين خلافًا، وأنه اختار ما ذكره عنه المؤلف، وعلى هذا فكان ينبغي للمصنف أن لا يذكره بصيغة الفعل.
وأعذر القاضي للمدعى عليه بأبقيت لك حجة بعد إقامة البينة عليه.
[تعدد التوجيه:]
وندب توجيه متعدد فيه، أي: في الإعذار اثنين فصاعدًا، وعبر
[ ٧ / ٢٢٠ ]
المتيطي وصاحب المعين عن ذلك بينبغي، قالا: وإن أعذر إليه بواحد أجزأه.
[المسائل التي لا إعذار فيها:]
ثم استثنى مما يعذر فيه خمس مسائل لا إعذار فيها، فقال: إلا الشاهد بما في المجلس من إقرار أو غيره، فلا إعذار فيه عند الأكثر؛ لسماع القاضي ذلك، وبه العمل.
وموجهه، وهو: من وجهه للشهادة، كالموجه للحيازة فيما لا بد أن يحاز، وإلى تنفيذ ما لا يمكنهم إنفاذه في مجالسهم.
ومزكي السر: بفتح الكاف، وظاهر تقرير البساطي: كسرها، والمبرز في العدالة، وهو من فاق أقرانه فيها، بغير عداوة، وأما العداوة فيعذر الخصم فيها، ومن يخشى منه على الشاهد لا يعذر إليه فيه.
ويحكى عن القاضي ابن بشير أنه قال للوزير لما سأله عمن شهد عليه: مثلك لا يخبر بذلك.
وزاد سادسة، وهي: من قبلت شهادته بالتوسم للخير فيه، لا إعذار فيه فيما يشهد فيه بين المسافرين في سفرهم من المعاملات على مذهب ابن حبيب، ولا يجوز فيما سوى ذلك دون تعديل، وهذا هو المجهول الحال، ونظمتها فقلت:
وخمس حسان ليس يعذر حاكم لآت بها فاحفظ وقت من الزلل
مبرز وفي السر زكى موجة ومن يخشى أو في مجلس الحكم للعمل
ثم وقفت عليها منظومة مع زيادة التوسم
ودونك حسنًا ليس بعذر حاكم بها فاحفظ الأشياء فمنها كما تنشى
موجه أو في السر ذكي مبرز توسم أو في مجلس الحكم أو يخشى
[ ٧ / ٢٢١ ]
[مسألة:]
وإذا قال القاضي للمدعى عليه: أبقيت لك حجة، فقال: نعم، أنظره لها، وضرب له أجلًا باجتهاده، ما لم يتبين لدده، ثم حكم عليه بعد الإنظار بما قال خصمه، وعجزه عن الإيتان بدافع كنفيها، أي: الحجة، كأن يقول: لا حجة لي، فحكم عليه، وليجب قاض طالبًا سأله عمن جرح بينته، فيخبره عن المجرح لها؛ لاحتمال إتيانه بما يمنع التجريح.
وأشعر قوله: (جرحت) بأن القاضي لو علم جرحته لم يلزمه الجواب.
ويعجزه، معطوف على قوله: (ثم حكم عليه) بالحق، وعجزه، فلا تقبل له حجة بعد لدده.
[مسائل لا يعجّز فيها:]
واستثنى مما يعجز فيه مسائل لا يعجز فيها بقوله: لا في دم وحبس وعتق ونسب وطلاق.
ابن سهل: ويشبه الحبس الطريق العامة لمنافع المسلمين.
ونظمتها قديمًا، فقلت:
إذا ما دمت أمرًا ليس فيه لقاضِ المشروع تعجيز الخصوم
فعتق مع طلاق ثم حبس دم نسب ويقنع للعموم
كطرق أو مشابهًا فهذا تمام الست يا حاوي العلوم
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: أن التلوم باجتهاد الحاكم من غير تحديد، والذي في (مفيد الحكام) أنه موكول إلى اجتهاده خمسة عشر يومًا ثم ثمانية ثم ثلاثة. انتهى.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
وفي وثائق ابن القاسم: في الأصول الشهران والثلاثة، وفي الديون ثلاثة أيام (١).
وفي البيان: وحل العقود ثلاثون يومًا، وفي غير الأصول ثمانية أيام، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة، فهي سبعة وعشرون يومًا، وللقاضي جمعها، وبتفريقها جرى به العمل.
[مسألة:]
وإذا ذكر أن له بينة بعيدة، وحكم عليه كتبه في كتابه، ومتى أحضرها فهو على حجته، وعبَّر ابن رشد عن ذلك بينبغي.
[مسألة:]
وإن لم يجب من ادعي عليه بإقرار ولا إنكار، بل سكت، أو قال: لا أخاصمه، حبس، حتى يقر أو ينكر، رواه أشهب.
ابن رشد: وبه جرى العمل.
وظاهره: عدم الاحتياج لإذن المدعي في ذلك، وإن تمادى على عدم الجواب أدب بالضرب حتى يقر أو ينكر، وبه أفتى فقهاء قرطبة.
ثم إن استمر على ذلك حكم عليه بلا يمين، قاله ابن المواز، ويعد ذلك إقرارًا منه.
[مسألة:]
ولمدعى عليه السؤال عن السبب الذي ترتبت عليه الدعوى، فإذا قال: لي عليك مائة، ولم يذكر سببها، فللمدعى عليه أن يقول: من أي وجه، أمن بيع أو قرض؟ ونحوه لأشهب في المدونة، فإن بين طلب الآخر بالجواب؛ لاحتمال أن يذكر سببًا فاسدًا، لا يلزم به غرم، أو يلزم به أقل
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٣٢٦): "طفى: عبارة ابن القاسم في وثائقه وفي إثبات الديون ثلاثة أيام ونحوها وفي الإعذار في البينات وحل العقود ثلاثون يومًا وللقاضي جمعها وبتفريقها جرى العمل". اهـ.
[ ٧ / ٢٢٣ ]
مما ادعى، أو يذكر في جوابه ما يرد دعواه، وإن أبي لم يطلب الآخر بالجواب، وتقدم قبل هذا أن الحاكم يسأله عن السبب.
وإن سئل عن السبب فادعى نسيانه قبل نسيانه بلا يمين، قاله أشهب.
[مسألة:]
وإن أنكر مطلوب المعاملة فالبينة على المدعي، للحديث (١)، ثم إن أقام المدعي البينة بالمعاملة وأقام المنكر لها بينة، بأنه قضاه، لا تقبل بينته بالقضاء؛ لأنه أكذبها بإنكاره للمعاملة، بخلاف ما لو قال المطلوب بحق: لا حق لك علي، فأقام بينة بالحق، وأقام المدعي بينة بالقضاء، فإنها تقبل؛ إذ ليس في جوابه ما يكذب بينته.
[ثبوت الدعوى:]
وكل دعوى لا تثبت إلا بعدلين، فلا يمين على المدعى عليه بمجردها، ولا ترد كنكاح، فقال في الكبير: كمن ادعت نكاح امرأة بغير شاهد وهي منكرة، وأراد يمينها على ذلك، فلا يمين عليها، ولا ترد هذه اليمين، ونحوه لابن الحاجب.
قال في التوضيح: لو سكت عن قوله: (لا ترد) لم يستفد منه إلا أنها لا تتوجه.
ولا يفهم منه أنها إذا توجهت بشاهد فنكل عنها، فتبين إنها لا ترد مطلقًا.
[الأمر بالصلح:]
وأمر القاضي بالصلح ذوي الفضل وذوي الرحم، إذا تشاجروا أو ترافعوا إليه؛ لأنه أقرب لتأليف النفوس والصلح بترك بعض ما يتداعونه مما يذهب بما على الصدور، والجزم بالحق يؤثر في النفوس شيئًا، كأن خشي
_________________
(١) أي: حديث: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، رواه الترمذي (٣/ ٦٢٦، رقم: ١٣٤١) وقال: في إسناده مقال.
[ ٧ / ٢٢٤ ]
تفاقم الأمر، أي: تعاظمه، فإنه يأمر بالصلح، ولو ظهر له وجه الحق.
[مسألة:]
ولا يحكم الحاكم لمن لا يشهد له، كابنه وأبيه ويتيمه ونحوهم، كـ: زوجته، على المختار عند اللخمي، خلافًا لأصبغ في تجويزه الحكم لمن لا يشهد له، إذا لم يكن من أهل التهمة.
[أحكام أنواع القضاة:]
ولما أخبر -ﷺ- أن القضاة ثلاثة: جائر وجاهل وعدل، أفاد المصنف أحكامها على هذا الترتيب، فقال: ونبذ -أي: طرح وألغي- حكم جائر في حكمه، خارج عن الحق عمدًا، ونبذ أيضًا حكم عدل جاهل لم يشاور أهل العلم.
وظاهره: وإن كان صوابًا؛ لكونه بالحدس والتخمين، والقضاء بهما باطل.
وإلا بأن شاورهم تعقب حكمه، فيما شاور فيه، ومضى منه غير الجور، فنبذ منه ما كان جورًا، ولا يتعقب حكم العدل العالم، فلا ينظر فيه من ولي بعده، نص عليه غير واحد، لئلا يكثر الهرج والخصام، ونقض العدل العالم ما تبين له خطؤه مما رفع إليه من الأحكام في المسائل الآتية، لا أنه يتعقب أحكام العدل العالم. وظاهره: وجوب النقض كذلك، صرح به ابن الحاجب.
[مسألة:]
وإذا نقض بين السبب الذي بين الحكم لأجله مطلقًا، حكمه أو حكم غيره، لكنه في الثاني لا بد من بيان السبب قولًا واحدًا، وفي الأول على المشهور.
[ما فيه النقض:]
ثم ذكر المصنف ما فيه النقض بقوله: ما اطلع هو أو غيره على
[ ٧ / ٢٢٥ ]
أنه خالف فيه قاطعًا من نص كتاب أو سنَّة أو إجماع أو جلي قياس، أي: قياسًا جليًّا، وهو إما مفهوم الموافقة، أو ما اتفق فيه على العلة.
زاد في الذخيرة: أو خالف القواعد مع سلامة جمع ذلك على المعارض الراجح.
كاستسعا معتق بعضه، وهو يشبه ما خالف النص والقياس، وليس داخلًا فيه؛ لأن مسلمًا وغيره رووا حديث الاستسعاء.
وكذا ينتقض حكمه في شفعة جار، وإن وردت أحاديث تقتضيها.
وكذا مع ما وقع له من حكم على عدو له، أو بشهادة كافر مطلقًا على مسلم، أو على كافر مثله.
وميراث ذوي رحم، كـ: عمة أو خالة أو ميراث مولى أسفل من معتقه.
أو بعلم سبق مجلسه بشيء بين الخصوم، سواء علمه قبل ولايته أو بعدها، وبنقضه هو وغيره.
واحترز بـ (سبق العلم مجلسه) عما علمه بمجلسه؛ فإنه لا ينقض.
أو ما حكم به من جعل بتة طلقة واحدة، فينقض، ويفرق بينهما، حكاه ابن عبد الحكم عن ابن القاسم.
أو أنه قصد كذا؛ ليحكم به فأخطأ، وحكم بغيره ببينة: متعلق بـ (قصد)، أي: إذا شهدت البينة عند القاضي الثاني أن الأول قصد كذا، ولكنه أخطأ، فإنه ينقض.
أو ظهر بعد قضائه أنه قضى بعبدين أو كافرين أو صبيين أو فاسقين، معتمدًا على عدالتهما حين قضائه، فينقض في الثلاث الأول اتفاقًا، وفي الرابعة على أحد قولي مالك في شهادات المدونة، وبه أخذ ابن القاسم، والآخر لمالك أيضًا في حدودها.
سند: وبه أخذ أشهب.
[ ٧ / ٢٢٦ ]
كأحدهما -أي: ظهور أحدهما- بالصفة السابقة، والآخر عدل، فينقض، إلا أن يكون بمال قضي به للطالب وأخذه فلا يرد المال المطلوب، ويوقف بيد الطالب، إن حلف استحقه بالشاهد واليمين، وإلا بأن نكل الطالب أخذه منه المطلوب إن حلف، ونحوه في رجم المدونة.
وإن ظهر أن أحدهما عبد أو نحوه في قصاص نفس وحلف ولي الدم في القصاص خمسين يمينًا مع عاصبه: واحدًا كان أو أكثر؛ إذ لا يحلف في العمد أقل من رجلين، كما سيأتي.
وإن نكل الولي ردت شهادة الشاهد الباقي، إذا لم يبق من ترجع إليه اليمين، وغرم شهود علموا أن من شهد معهم عبد أو نحوه، سواء علموا أن شهادته مردودة أو لا، وهو كذلك على المشهور.
وإلا بأن لم يعلموا أنه عبد أو نحوه فعلى عاقلة الإمام غرم الدية؛ لتسببه، فظهر خلاف اجتهاده، بخلاف الشاهد، فإنه لا يجتهد في حال من يشهد معه، بل قد لا يعلمه، وأيضًا لو علم لكانت دية في ماله، لا على عاقلته، وهذا في النفس وفي الجراح التي تشبه المال.
وإن نكل القاطع عن اليمين في قطع ليد مثلًا، حلف المقطوع يده مع الشاهد الباقي أنها -أي: الشهادة- باطلة، واستحق دية.
وإن نكل فلا شي له، وهذا كله إذا ظهر خلل الشهادة بعد الاستيفاء، وما قبل الاستيفاء فسيأتي.
[قسيم ما ينقضه:]
ولما ذكر ما ينقضه هو وغيره، ذكر قسيمه، فقال: ونقضه هو فقط دون غيره من القضاة، وذلك في ثلاث مسائل، أشار لإحداهما بقوله: إن ظهر أن غيره أصوب منه، وهو قول ابن القاسم. ابن راشد: وهو المشهور.
وقال سحنون: لا يجوز نقضه.
وصوبه ابن محرز وعياض وغيرهما، والقولان متأولان على المدونة.
[ ٧ / ٢٢٧ ]
ولثانيها بقوله: وخرج في قضائه عن رأيه، بأن رآه أنه خالفه، فله نقضه ما دام في ولايته.
ابن رشد: وهو المشهور.
ولثالثها بقوله: أو خرج عن رأي مقلده: بفتح اللام.
عياض: عندي أن القاضي إذا التزم مذهبًا يحكم به بتقليده، لا باجتهاد، فحكم بحكم يرى أنه من مذهبه فغلط، فله نقضه دون غيره.
ورفع حكم الحاكم الخلاف في عين الجزئيات التي حكم فيها فقط، فلا يجوز لمن يرى خلاف ما حكم به أن يحكم بما يراه مخالفًا له، لا على معنى أنه يجوز لمن يعتقد خلافه، تناول ما حكم به المخالف؛ ولذا قال: لا أحل حكم الحاكم المخالف حرامًا، فلا يحل لمالكي نكاح امرأة طلقها ثلاثًا، وحكم مخالف بصحة النكاح محللها، وهو عندنا عام في الأموال وفي الفروج وغيرها.
[حكم ما يصدر من القاضي من أحكام:]
ولما كان ما يصدر من القاضي تارةً يكون حكمًا اتفاقًا، وتارةً يختلف فيه: هل هو حكم أم لا، وتارة ليس حكمًا اتفاقًا؟ أفاد جميعها على هذا الترتيب، فأشار للأول بقوله: ونقل ملك عن شخص لآخر، وفسخ عقد في نكاح رفع إليه، أو شراء أو شركة حكم.
وأشار للثاني بقوله: وتقرر نكاح زوجت امرأة نفسها فيه بغير ولي، رفع إليه فأقره، ولم يحكم بفسخه.
قال ابن القاسم: حكم، لا ينقض. وأجازه ابن محرز.
وأشار للثالث بقوله: لا إن رفع إليه هذا النكاح، فقال: لا أجيزه، فليس بحكم، أو أفتى القاضي في أمر رفع إليه، فليس فتياه حكمًا اتفاقًا.
وحكم الحاكم جزئي، فإذا حكم في أمرين اثنين أو أكثر في جزئية، لم يتعد حكمه لمماثل لتلك الجزئية، بل أن تجدد مثلها، فالاجتهاد ثانيًا.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
ومثل لذلك بمثالين، أشار لأحدهما بقوله: كفسخ لنكاح رفع إليه برضع كبير، بسبب أن أحدهما رضع أم الآخر، وهو كبير، فالقدر الثابت في هذا الحكم هو فسخ هذا النكاح فقط، وإنما تحريمها في المستقبل فلا يثبت بهذا الحكم، بل يبقى معرضًا للاجتهاد فيه، فلو عاد هنا الزوج وتزوجها مرة أخرى، أو وقعت جزئية أخرى مثلها في رضاع كبير ورفعت له أو لغيره فلا بد من اجتهاد، فإن اجتهد وأداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة أباحها له.
وأشار للمثال الثاني بقوله: وتأبيد منكوحة عدة رفع إليه أنها تزوجت في عدتها، ورأيه مع فسخ نكاحها تأبيد حرمتها، وحكم بذلك، فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، فإن تزوجها بعد ذلك، ورفع أمرها بعد تغيير اجتهاده لعدم تأبيد التحريم، أو رفع أمرهما لمن لا يرى التحريم لم يكن الحكم الأول مانعًا من ذلك؛ ولذا قال: وهي -أي: المفسوخ نكاحها لرضاع الكبير أو المحكوم بفسخه لوقوعه في العدة- كغيرها في المستقبل ممن لا يقع له مثل ذلك، ونحوه لابن الحاجب تبعًا لابن شاس، واستصوبه ابن عرفة في مسألة العدة، لا في رضاع الكبير.
ولا يدعو القاضي لصلح بين الخصمين إن ظهر له في الحكم وجهه، ما لم يخش تفاقم الأمر، كما سبق.
[قضاء القاضي بعلمه:]
ولا يستند في حكمه لعلمه (١)، إلا في التعديل والتجريح اتفاقًا،
_________________
(١) قال ابن عبد البر في التمهيد (٢٢/ ٢١٧، وما بعدها): "عن أفضل ما يحتج به في أن القاضي لا يقضي بعلمه حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي -ﷺ- بعث أبا جهم على صدقة فلاجه رجل في فريضة فوقع بينهم شجاج فأتوا النبي -ﷺ- وخبروه فأعطاهم لأرش ثم قال: "إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم؟ قالوا: نعم، فصعد رسول اللَّه -ﷺ- المنبر فخطب وذكر القصة وقال: "أرضيتم؟ "، قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون فنزل النبي -ﷺ- فأعطاهم ثم صعد فخطب =
[ ٧ / ٢٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فقال: "أرضيتم؟ ". فقالوا: نعم" وهذا بيِّن لأنه لم يؤاخذهم بعلمه فيهم ولا قضى بذلك عليهم وقد علم رضاهم. ومن حجة من ذهب إلى أن القاضي له أن يقضي بما علمه لأن البينة إنما تعلمه بما ليس عنده ليعلمه فيقضي به وقد تكون كاذبة وواهمة وعلمه بالشيء أوكد وقد أجمعوا على أن له أن يعدل ويسقط العدول بعلمه فكذلك ما علم صحته وأجمعوا أيضًا على أنه إذا علم أن ما شهد به الشهود على غير ما شهدوا به أنه ينفذ علمه في ذلك دون شهادتهم ولا يقضي. واحتج بعضهم بأمر رسول اللَّه -ﷺ- سودة زوجة أن تحتجب من ابن وليدة زمعة لما علمه ورآه من شبهه بعتبة وقالوا: إنما يقضي بما يسمع فيما طريقه السمع من الإقرار أو البينة وفيما طريقه علمه قضى بعلمه ولهم في هذا الباب منازعات أكثرها تشغيب، والسلف من الصحابة والتابعين مختلفون في قضاء القاضي بعلمه على حسب اختلاف فقهاء الأمصار في ذلك ومما احتج به من ذهب إلى أن القاضي يقضي بعلمه مع ما قدمنا ذكره ما رويناه من طرق عن عروة عن مجاهد جميعًا بمعنى واحد أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حدًّا في موضع كذا وكذا من مكة فقال عمر: إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فإذا قدمت مكة فائتني بأبي سفيان، فلما قدم مكة أتاه المخزومي بأبي سفيان فقال له عمر: يا أبا سفيان، انهض إلى موضع كذا، فنهض ونظر عمر فقال: يا أبا سفيان، خذ هذا الحجر من هاهنا فضعه هاهنا فقال: واللَّه لا أفعل، فقال: واللَّه لتفعلن، فقال: لا أفعل، فعلاه عمر بالدرة وقال: خذه لا أم لك وضعه هاهنا فإنك ما علمت قديم الظلم، فأخذ الحجر أبو سفيان ووضعه حيث قال عمر ثم إن عمر استقبل القبلة فقال: اللَّهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام، قال: فاستقبل أبو سفيان القبلة وقال: اللَّهم لك الحمد إذ لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما ذللت به لعمر. ففي هذا الخبر قضى عمر بعلمه فيما قد علمه قبل ولايته والى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد والشافعي وأبو ثور سواء عندهم علمه قبل أن يلي القضاء أو بعد ذلك في مصره كان أو في غير مصره له أن يقضي في ذلك كله عندهم بعلمه لأن يقينه في ذلك أكثر من شهادة الشهود الذين لا يقطع على غيب ما شهدوا به كما يقطع على صحة ما علموا. وقال أبو حنيفة: ما علمه قبل أن يلي القضاء أو رآه في غير مصره لم يقض فيه بعلمه وما علمه بعد أن استقضى أو رآه بمصره قضى في ذلك بعلمه ولم يحتج في ذلك إلى غيره واتفق أبو حنيفة وأصحابه أنه لا يقضي القاضي بعلمه في شيء من الحدود لا =
[ ٧ / ٢٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فيما علمه قبل ولا بعد ولا فيما رآه بمصره ولا بغير مصره. وقال الشافعي وأبو ثور: حقوق الناس وحقوق اللَّه سواء في ذلك والحدود وغيرها سواء في ذلك وجائز أن يقضي القاضي في ذلك كله بما علمه. وقال مالك وأصحابه: لا يقضي القاضي في شيء من ذلك كله بما علمه حدًّا كان أو غير حد لا قبل ولايته ولا بعدها ولا يقضي إلا بالبينات والإقرار وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد وهو قول شريح والشعبي وفي قوله -﵇-: "فأقضي له على نحو ما أسمع منه" دليل على إبطال القضاء بالظن والاستحسان وإيجاب القضاء بالظاهر ألا ترى أن رسول اللَّه -صلي اللَّه عليه وسلم- قضى في المتلاعنين بظاهر أمرهما وما ادعاه كل واحد منهما ونفاه فأحلفهما بأيمان اللعان ولم يلتفت إلى غير ذلك بل قال: إن جاءت به على كذا وكذا فهو للزوج وإن جاءت به على نعت كذا وكذا فهو للذي رميت به فجاءت به على النعت المكروه فلم يلتفت رسول اللَّه -صلي اللَّه عليه وسلم- إلى ذلك بل أمضى حكم اللَّه فيهما بعد أن سمع منهما ولم يعرج على الممكن ولا أوجب بالشبهة حكمًا فهذا معنى قوله -ﷺ-: "إنما أقضي على نحو ما أسمع". وأما قوله -﵇-: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" فإنه بيان واضح في أن قضاء القاضي بالظاهر الذي تعبد به لا يحل في الباطن حرامًا قد علمه الذي قضى له به وأن حكمه بالظاهر بينهم لا يحل لهم ما حرم اللَّه عليهم مثال ذلك رجل ادعى على رجل بدعوى وأقام عليه بنية زور كاذبة فقضى القاضي بشهادتهم بظاهر عدالتهم عنده وألزم المدعى عليه ما شهدوا به فإنه لا يحل ذلك للمدعي إذا علم أنه لا شيء له عنده وأن بينته كاذبة إما من جهة تعمد الكذب أو من جهة الغلط. ومما احتج به الشافعي وغيره لقضاء القاضي بعلمه حديث عبادة وأن تقوم بالحق حيث ما كنا لا تخاف في اللَّه لومة لائم وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ وحديث عائشة في قصة هند بنت أبي سفيان قوله: "خذي ما يكفيك وولدك" وكذلك لو ثبت على رجل لرجل حق بإقرار أو بينة فادعى دفعه إليه والبراءة منه وهو صادق في دعواه ولم يكن له بينة وجحده المدعي الدفع إليه وحلف له عليه وقبض منه ذلك الحق مرة أخرى بقضاء قاض فإن ذلك ممن قطع له أيضًا قطعة من النار ولا يحل له قضاء القاضي بالظاهر ما حرم اللَّه عليه في الباطن ومثل هذا كثير قال اللَّه -﷿-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ وهذه الآية في معنى هذا الحديث سواء. قال معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ قال: لا تدلي بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك له ظالم فإن قضاءه لا يحل لك شيئًا كان حرامًا عليك. =
[ ٧ / ٢٣١ ]
حكاه المازري وغيره، إذ لو لم يحكم بعلمه لافتقر لمعدلين آخرين، وهكذا فيتسلسل، وانقطاعه بظهور عدالتهما نادر.
ووجهه بعضهم بأن حال العدول والفسقه شهير عند الناس قل ما ينفرد القاضي بعلمه دون غيره، فبعدت تهمته، فأفهم الحصر أنه لا يحكم بعلمه في غيرهما، فلو حكم بعلمه ففي فسخه قولان.
ثم شبه بما يعتمد عليه على علمه مسألتين، الثمار لإحداهما بقوله: كالشهرة بذلك، فقد يشهد من هو مشهور الاسم عنده دون الغير، كابن أبي حازم شهد عند قاضي المدينة أو عاملها، فقال له: أما الاسم فعدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم.
وأشار للثانية بقوله: أو إقرار الخصم المشهود عليه بالعدالة للشاهد عليه، وإن أنكر محكوم عليه إقراره ضد الماضي مما حكم به عليه بعده،
_________________
(١) = قال أبو عمر: وعلى هذه المعاني كلها المذكورة في هذا الحديث المستنبطة منه جرى مذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وداود وسائر الفقهاء كلهم قد جعل هذا الحديث أصلًا في هذا الباب. وجاء عن أبي حنيفة وأبي يوسف وروى ذلك عن الشعبي قبلهما في رجلين تعمدا الشهادة بالزور على رجل أنه طلق امرأه فقبل القاضي شهادتهما لظاهر عدالتهما عنده وهما قد تعمدا الكذب في ذلك أو غلطا أو وهما ففرق القاضي بين الرجل وامرأته بشهادتهما ثم اعتدت المرأة أنه جائز لأحدهما أن يتزوجها وهو عالم أنه كاذب في شهادته وعالم بأن زوجها لم يطلقها لأن حكم الحاكم لما أحلها للأزواج كان الشهود وغيرهم في ذلك سواء وهذا إجماع أنها تحل للأزواج غير الشهود مع الاستدلال بفرقة المتلاعنين من غير طلاق يوقعه. وقال من خالفهم من الفقهاء: هذا خلاف سنَّة رسول اللَّه -ﷺ- في قوله: "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" ومن حق هذا الرجل عصمة زوجته التي لم يطلقها. وقال مالك والشافعي وسائر من سميناه من الفقهاء في هذا الباب لا يحل لواحد من الشاهدين أن يتزوجها إذا علم أن زوجها لم يطلقها وأنه كاذب أو غالط في شهادته وهذا هو الصحيح من القول في هذه المسألة، وباللَّه التوفيق".
[ ٧ / ٢٣٢ ]
أي: بعد الحكم، لم يفده إنكاره حينئذٍ، لاعترافه بالحكم عليه، وإقراره بالإنكار، فيمضي الحكم عليه، وقيد الظرف مخرج لما إذا أنكر إقراره قبل الحكم، فليس له الحكم عليه حينئذٍ، وهذا التفصيل لمالك وابن القاسم.
اللخمي: وهو المشهور.
وعبر عنه المازري بالمعروف.
وقال ابن الماجشون وسحنون: يحكم.
ولا يعلم هذا إلا من ابتلي بالقضاء (١).
[مسألة:]
وإن شهدا على القاضي بحكم وادعى أنه نسيه أمضاه، عند مالك.
ابن الحاجب: وهو الأصح.
أو شهد عليه بحكم أنكره أمضاه، رواه ابن وهب عن مالك. وسواء كان معزولًا أو لا.
تنبيه:
فرضها في الجلاب في الإنكار؛ لأنه أشد من النسيان.
[مسألة:]
ولما كان إنهاء الحاكم بتبليغ حكمه لقاض آخر إذا أراد ذلك يحصل بوجهين، أشار لأحدهما بقوله: وأنهى لغيره بمشافهة منه بما حكم به، إن كان كل منهما بولايته.
تنبيهان:
الأول: نحوه لابن الحاجب وابن شاس، وأقره ابن عبد السلام وابن هارون.
_________________
(١) يعني شارحنا نفسه.
[ ٧ / ٢٣٣ ]
وقال ابن عرفة: لا أعلم من جزم بهذا في المذهب.
الثاني: في هذا الوجه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونا قائمين ببلد واحد، ولكل منهما جهة منها تخصه.
والثاني: أن يكونا ببلدين متجاورين.
والثالث: أن يكونا ببلد واحد مشتركين مطلقًا.
ففي الأول والثاني يقف كل منهما في ولايته، ويخبر الآخر بحكمه، فجعلوا محل ولايته كزمنها؛ ولذا اشترطوا كون كل بمحل ولايته فالمشافهة في محل ولايته، والسامع منه كذلك، ولو كان المشافهة في محل ولايته، والسامع في غير محل ولايته، ثم رجع السامع لمحل ولايته، لم يحل له الحكم بما سمعه بغير محل ولايته، لحكمه حينئذٍ بعلمه، والوجه الثالث: أن يشافه كل منهما الآخر بما عنده في محلها.
تتمة:
هذا في الحكم، وأما لو أنهى إليه أنه ثبت عنده بشهادة حاضر فتردد المازري؛ بناءً على أنها نقل شهادة، فلا تسمع، وعليه جماعة من الموثقين، أو هو كالحكم.
تنبيه:
قال البساطي: ينبغي أن يحترز القاضي من مثل هذا؛ فإن الحنفي ثبت عنده بكل مسلم مجهول الحال، وأيضًا فكثير من القضاة غيرهم يسامح، ولا سيما من يظهر الصلاح، ومن جملة إظهاره قبوله كل أحد.
وأشار للوجه الثاني من وجهي الإنهاء بقوله: وبشاهدين على حكمه مطلقًا، أي: في كل حق، سواء كان المحكوم به مما يثبت أصله
[ ٧ / ٢٣٤ ]
بأربعة كالزنا، أو باثنين، أو بواحد وامرأتين، أو بواحد ويمين، أو بامرأتين، أو بواحد ولفيف (١)، أو بواحد فقط، أو بامرأة فقط.
واعتمد المنهي إليه عليهما إن لم يخالفا بشهادتهما كتابة، بل وإن خالفا بها كتابة، وطابقت الدعوى.
[ما يندب في كتاب القاضي:]
وندب للقاضي ختمه للكتاب، ولم يفد كتابه وحده مجردًا عن الإشهاد، ولو كان مختومًا.
[مسألة:]
وإذا أشهدهما القاضي على كتابه أديا ما أشهدهما به، وإن عند قاض غيره.
[مسألة:]
وإن عزل أو مات أفاد كتاب قاض لآخر أرسله إليه، فيعمل بما فيه، وينفذه إن أشهدهما على نفسه أن ما فيه حكمه، أو أشهدها أن ما فيه خطه.
ابن عبد السلام: وهو الصحيح عندي.
كالإقرار من كاتب وثيقة، قال: اشهدوا علي بما فيها، وأنا عالم بما أقررت به على نفسي فيها.
[مسألة:]
وإذا حكم القاضي على غائب، وطلب المحكوم له منه أن يكتب له كتابًا إلى حاكم بلد كتب له، وميز فيه ما يتميز به الغائب المحكوم عليه من اسم له ولأبيه وجده، وحرفة وغيرهما من حلية ومسكن وشهرة، فينفذ
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٣٦٤): "طفى: قوله أو بواحد ولفيف هكذا في النسخ التي وقفت عليها من صغيره وكبيره ولعل الواو بمعنى أو إذ ليس محل يشترط فيه الشاهد مع اللفيف".
[ ٧ / ٢٣٥ ]
الثاني المرسل إليه بعد الكشف عنه، إن كان القاضي الأول قد استوفى جميع حجته، ولم يجد بتلك الصفة غير واحد.
[مسألة:]
وإذا كان القاضي الأول لم يستوف الحجج، بل اقتصر على سماع البينة، وأشهد بذلك، بنى الثاني، وكمل ما يتوقف عليه الحكم، كأن نقل المرسل إليه من خطه كشرطه أو غيرها بأن ارتفع عنها لخطة أخرى، كالقضاء؛ فإنه يبني على ما مضى له، قاله ابن عتاب، لما سأله ابن سهل: هل يستأنف ما وقع بين يديه من الأحكام، ولم يكمله، أو يكمله.
تنكيت:
شرح البساطي لكلام المصنف بقوله: (وكذلك في خطتين من بلد واحد) غير ظاهر. انتهى.
والخطة، بالضم: الأمر والقصة، بالكسر: الأرض يختطها الرجل لنفسه ويعلم عليها علامة بالخط، ليعلم أنه قد اختارها ليبنيها دارًا.
[مسألة:]
وينفذ الثاني ما جاءه عن الأول، وإن لم يكن حدًّا، بل وإن كان حدًّا وقصاصًا وعفوًا، إن كان الأول أهلًا للقضاء، بأن اجتمعت فيه شروطه، أو لم يعرفه بهذه الصفة، ولكنه قاضي مصر من الأمصار الجامعة، كـ: مكة والمدينة ومصر والعراق ونحو ذلك؛ فإنه مظنة العلم والعدالة.
وإلا يكن أهلًا للقضاء ولا من قضاة الأمصار الجامعة فلا ينفذ الثاني كتابه.
[تشابه الأسماء والأوصاف:]
كأن شاركه، أي: يشارك المحكوم عليه غيره: واحدًا فأكثر في اسمه واسم أبيه وجده وبقية أوصافه، وإن كان المشارك له ميتًا، فلا ينفذ الحكم على واحد حتى تشهد البينة على عينه.
[ ٧ / ٢٣٦ ]
تنبيه:
هذا ما لم يطل زمان الميت، ويعلم أنه غير المراد؛ لبعده، فيلزم الحي، وكذا لو لم يطل ولكن تاريخ وثيقة الحق بعد موته.
[مسألة:]
وإن لم يميز هذا القاضي المكاتب المحكوم عليه، بل ترك تمييزه؛ ففي إعدائه، أي: القاضي المكتوب إليه للطالب على صاحب الاسم المكتوب إلا أن يثبت صاحب الاسم أن بالبلد من يشاركه في الاسم والصفة أو لا يعديه عليه، حتى يثبت الطالب أحديته، أي: انفراده بذلك قولان.
قال المصنف: والشهادة في ذلك على العلم.
قال في الصحاح: العدوى طلبك إلي وال ليعديك على من ظلمك، أي: ينتقم منه.
[أقسام الغيبة:]
ولما أفاد أن القاضي يحكم على الغائب، وكانت الغيبة ثلاثة أقسام: قريبة وبعيدة ومتوسطة، ذكرها على هذا الترتيب، فقال: والغائب القريب الغيبة كاليومين والثلاثة مع أمن الطريق كالحاضر، فتسمع الدعوى عليه والبينة.
ابن الماجشون: العمل عندنا نسمع البينة حضر الخصم أو لم يحضر، ثم يعلم بهم، فإن كان له مدفع، وإلا قضي عليه في كل شيء، بعد الإرسال إليهم إعلامه بمن قام عليه، ودعواه، وما ثبت عليه، وتسمية الشهود والمنقول منهم، وتسمية المعدلين لهم، ولم يرها سحنون إلا بمحضره، إلا أن يكون غائبًا غيبة بعيدة.
والقسم الثاني: الغيبة البعيدة جدًّا كإفريقية من المدينة ونحوها، يقضى عليه في كل شيء من ربع وأصل وعرض وحيوان ودين.
وفهم من قوله: (قضي عليه) أنه لا يقيم عليه وكيلًا ينوب عنه في
[ ٧ / ٢٣٧ ]
حجته، وهو كذلك، كما لا يقيمه عن طفل لانقطاع حجتهما بحجة وكيلهما، فكان ذلك أنفع لهما؛ لبقاء حجتهما بيمين القضاء على الطالب أنه ما أبرأ ولا استوفى ولا اعتاض، ولا احتال ولا وكل على الاقتضاء فيه، ولا في بعضه، وتسمى يمين الاستبراء.
وهل هي واجبه، وهو ظاهر كلام المصنف، أو استظهار؟ قولان.
ابن رشد: وهي متوجهة على من يقوم على ميت أو غائب أو يتيم، أو على الأحباش أو المساكين، أو على وجه من وجوه البر، أو على بيت المال، أو على من استحق شيئًا من الحيوان، ولا يتم الحكم إلا بها.
[مسألة:]
وإذا قضى على غائب سمى الشهود المقضي عليه بشهادتهم؛ ليتمكن من رد القضاء بتجريح أو غيره؛ لأن المشهور إبقاء الحجة له، وإلا بأن لم يسم نقض حكمه، واستؤنف.
ثم أشار للغيبة المتوسطة بقوله: والعشرة الأيام مع عدم خوف الطريق أو اليومان مع الخوف يقضى عليه -أي: الغائب- معها -أي: مع يمين القضاء- في كل شيء غير استحقاق العقار، فلا يقضى عليه فيه؛ ففيها عن ابن القاسم: سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضى على الغائب في الدور وهو رائي، إلا في الغيبة البعيدة كالأندلس وطنجة، وما بعد، فليقض عليه، وما علمت في هذا اختلافًا. انتهى.
وهل ترجى له الحجة، وهو الأرجح، أو لا؟ قولان.
[مسألة:]
وحكم القاضي بما يتميز -أي: يقبل التمييز- كعبد وفرس، إذا كان أو في حال كونه غائبًا بالصفة، ومفهوم: (بما يتميز) أن ما لا يتميز لا يطلب تمييزه؛ إذ لا معنى لطلب ما يتعذر حصوله، فتقول البينة: غصب له حديدًا مثلًا قيمته كذا، كدين اختلف الشارحان في تقريره:
- فقال الشارح: إن المحكوم به إن كان مما يتميز بالصفة في غيبته،
[ ٧ / ٢٣٨ ]
كالعبد والدابة ونحوهما، فلا يطلب حضوره، بل تميزه البينة بالصفة، ويصير حكمه حكم الدين، وهو المشهور (١).
- وقال البساطي: ليس المراد إفادة الحكم، وإنما المراد كما يحكم بالدين المتميز بالصفة، بمعنى لا فرق. انتهى.
تنبيه:
وهذا حكم بالغائب لا على الغائب.
[الحكم على الحاضر:]
ثم تكلم على الحكم على الحاضر وما في معناه، فقال: وجلب القاضي الخصم مع مدعيه بخاتم أو رسول أو رقة ونحوها.
تتمة:
أجرة الرسول على المدعي، إلا أن يمتنع المدعى عليه من الحضور لأداء الجواب أو الإعطاء؛ لما ثبت عليه بإقراره أو بينة، فتكون حينئذٍ من مال الممتنع؛ لأنه ظالم، والظالم أحق أن يحمل عليه.
لا يقال: الظلم لا يوجب استباحة مال الظالم؛ لأنا نقول: كما قال
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٣٧٤ - ٣٧٥): "طفى: فهم تت أن تقرير الشارح مخالف لتقرير البساطي وليس كذلك بل هما متفقان على أن الدين يتميز بالصفة فمعنى قول الشارح فيصير حكمه حكم الدين أي: في تمييزه بالصفة إذ الدين يتعين تمييزه بالصفة ولا يمكن فيه غيره لكونه في الذمة وإنما الخلاف في المعينات كالعبد والدابة هل لا بد من الشهادة على عينها وهو قول ابن كنانة أو يكفي الوصف وهو مذهب (المدونة) وعبارة الشارح لا يطلب حضوره بل تميزه البينة بالصفة ويكون حكمه حكم الدين. وقال في شامله ويحكم في غائب يتميز بصفة دينًا أو غيره كفرس وعبد فهذا يدل على أن مراده ما قلناه وهو مراد أهل المذهب بذكر الدين هنا. وفي الجواهر المحكوم به وذلك لا يخفى في الدين وكذلك العقار الذي يمكن تعريفه بتحديده أما العبد والفرس وما يتميز بعلامة فقال ابن القاسم وسحنون: يحكم فيه بذلك إن كان غائبًا. وقال ابن كنانة: لا يحكم فيه بذلك. اهـ. ونحوه لابن الحاجب".
[ ٧ / ٢٣٩ ]
ابن عرفة: والظلم الذي لا يوجب استباحة مال الظالم هو الذي لا يؤدي لتلف مال المظلوم، وأما إن أدى إليه فلا يبعد إغرامه، كمانع آلة الذكاة المفتقر لها، حتى مات المذكى المفتقر لها؛ فإنه ضامن. انتهى.
[مسافة الجلب:]
ثم ذكر المؤلف المسافة التي يجلب الخصم منها، فقال: إن كان المدعي على مسافة العدوى من مجلس القاضي، وهو أن يأتي إليها ويرجع يبيت بمنزله، والطريق مأمون، وحد الباجي في سجلاته القرب بثلاثة أميال.
لا أكثر من مسافة العدوى زيادة واضحة كستين ميلًا، فلا يجلب منها، إلا بشاهد يقيمه عند القاضي بحقه، فحينئذٍ يكتب له، إما أن يحضر أو يرضي خصمه.
[مسألة:]
ولا يزوج امرأة ليست بولايته، اختلف الشارحان في تقريره:
- فقرره الشارح بما معناه: أنها بمحلها في غير ولايته، كانت من أهل ولايته وخرجت منها، أو كانت من غير أهل ولايته؛ لأنه إذا خرج عن محل ولايته صار معزولًا عن الحكم في ذلك المحل، فكذلك إذا كان المحكوم عليه خارجًا عن ولايته.
- وقال البساطي: لا يزوج امرأة ليست بولايته، يعني: إذا حضرت بولايته امرأة محلها في غير ولايته فلا يزوجها، قالوا: لأنه تعتبر الأشخاص كما تعتبر البقاع.
[مسألة:]
وهل يدعي بالحق حيث يكون المدعى عليه، إذا كان ببلدة قاض، والمدعي ببلد قاض آخر، وبه عمل.
مطرف: به جرى الحكم بالمدينة. وحكم به ابن البشير بالأندلس، أو إنما يدعى حيث يكون المدعي فيه، وهو قول عبد الملك.
[ ٧ / ٢٤٠ ]
[مسألة:]
وأقيم منها، أي: أقامه فضل من المدونة، وظاهره: سواء كان المدعي به عقارًا أو شيئًا يتعلق بالذمة، وهو كذلك.
تنبيه:
الظاهر: أن العمل مرجح للقول مطلقًا، وهو واضح، إن كان العرف عامًّا في كل بلد، وأما إن اختلف العرف بأن جرى العمل به في بلد، وجرى في آخر بغيره، فغير واضح؛ فرب شيء شهد العرف أنه للرجال دون النساء في بلد، وشهد آخر للنساء دون الرجال، وربما اختلف العرف في البلد الواحد، فلا ينبغي أن يعم، واللَّه أعلم (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٣٨١ - ٣٨٢): "تت الظاهر أن العمل مرجح للقول وهو واضح إن كان العرف عامًا في كل بلد وأما إن اختلف العرف بأن جرى به العمل في بلد وجرى في آخر بغيره فغير واضح فرب شيء شهد العرف أنه للرجال دون النساء في بلد وشهد في آخر أنه للنساء دون الرجال وربما اختلف العرف في البلد الواحد فلا ينبغي أن يعم. طفى: كلامه يقتضي أن العمل بشيء هو جريان العرف به، وليس كذلك، بل مرادهم بقولهم وبه العمل وعمل به أن القول حكمت به الأئمة وجريان العرف بالشيء هو عمل العامة به من غير إنشاء حكم من قول أو فعل كقول ابن رشد: العرف عندنا في ذوات الأقدار أن المرأة تخرج الدار فلو اختلفا فيها لوجب أن يكون القول فيها قول المرأة. ابن عبد السلام وهذا الباب عند المحققين تابع للعرف فرب متاع شهد العرف في بلد أو زمان أنه للرجال ويشهد في بلد آخر أو زمن آخر أنه للنساء ويشهد في الزمان الواحد والمكان الواحد أنه من متاع النساء بالنسبة إلى قوم ومن متاع الرجال بالنسبة لقوم آخرين وهذا كما ترى ليس مما نحن بصدده من قوله وبه العمل وقول المصنف وبه عمل أشار به لقول مطرف وبه جرى الحكم في المدينة وبه حكم ابن بشير بالأندلس وليس هذا تابعًا للعرف في شيء. وفي تمكين شخص من الدعوى لشخص غائب عن البلد احتسابًا بلا وكالة من الغائب له في شيء تعدى عليه أو غصب أو ضرر أحدثه جاره في داره أو أرضه وهذا قول ابن القاسم وإليه ذهب سحنون وعدم تمكينه منها وهذا قول ابن الماجشون ومطرف ثالثها لا يمكن منها إلا الأب والابن ومن له قرابة قريبة رابعها يمكن من إقامة البينة لا =
[ ٧ / ٢٤١ ]
[مسألة:]
وفي تمكين الدعوى من محتسب قام لغائب بلا وكالة منه في شيء تسور عليه فيه، أو أخذ له، أو في عيب حدث عليه في داره أو أرضه، وهو قول ابن القاسم، وإليه ذهب سحنون، وعدم تمكينه من إقامة البينة ومن الخصومة إلا بتوكيل من الغائب، وهو قول مطرف وابن الماجشون تردد.
وهذان القولان من جملة خمسة أقوال؛ ثالثها: لا يمكن من ذلك إلا الأب والابن، ومن له قرابة قريبة.
ورابعها: يمكن من إقامة البينة لا من الخصومة.
خامسها: يمكن القريب والأجنبي من الخصومة في العبد والدابة والثوب دون توكيل، ولا يمكن من الخصومة في غير ذلك، إلا الأب والابن حكاه ابن حبيب.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلام الشارح أن التردد في الأقوال الخمسة.
الثاني: قال البساطي: الذي يظهر لنا من هذا الكلام أن الغائب إذا كان له مال عند أحد، وخيف عليه أن يؤخذ، فهل لأحد من أقاربه أو أصدقائه أن يدعي عنه من غير وكالة؛ رعيًا لحفظ المال، أو ليس له نظرًا لعدم الوكالة في ذلك تردد.
الثالث: ما قررنا به نحوه للشارح في الأوساط، وقال البساطي: حمله الشارح على أن الغائب مدعى عليه، فهل يشترط في قبول هذه الدعوى وكيل، أو يكفي وجود المال؟
_________________
(١) = من الخصومة خامسها يمكن القريب والأجنبي من الخصومة في العبد والدابة والثوب دون توكيل ولا يمكن منها في غير ذلك إلا الأب والابن حكاه ابن حبيب تردد الحط أشار بالتردد إلى الخلاف في الطريق التي ذكرها في التوضيح وذكرها ابن عرفة وغيره".
[ ٧ / ٢٤٢ ]
قال ابن عبد السلام: لا فائدة لاشتراط حضور الوكيل؛ لأن الغائب إن كان له مال فوجود الوكيل كعدمه. انتهى. وما ذكره هو معنى ما للشارح في الكبير.
* * *
باب
ذكر فيه الشهادة وأحكامها وترك تعريفها كابن الحاجب.
فائدة:
قال القرافي: قول الشاهد: (أشهد بكذا) إنشاء لا إخبار (١)؛ إذ لا تصح بالخبر البتة.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٠٥): "طفى: جعله أشهد إنشاء لا يصح لغة واصطلاحًا، لقول الجوهري الشهادة خبر قاطع تقول منه شهد فلان على كذا، وقول ابن فارس في مجمله الشهادة خبر عن علم، وقول فخر الدين أشهد إخبار عن الشهادة وهو الحكم الذهني المسمى كلام النفس، وكذا هو في اصطلاح الفقهاء لوصف الشاهد بالصدق والزور، وهما من عوارض الخبر، وهو مخالف لما اختاره في الفرق بين الشهادة والرواية من أنه إن كان المخبر عنه عامًّا فهي الرواية، وإن كان خاصًّا فهي الشهادة. فإن قلت: لا مخالفة بين جعل لفظ أشهد إنشاء، والشهادة خبرًا، كما قال المحلي في شرح قول جمع الجوامع الإخبار عن عام لا تدافع فيه الرواية، وخلافه الشهادة وأشهد إنشاء تضمن إخبارًا لا محض إخبار أو إنشاء، وعلى المختار لا منافاة بين كون أشهد إنشاء وبين كون معنى الشهادة إخبارًا؛ لأنه صيغة مؤدية لذلك المعنى بمتعلقه. قلت: الشهادة مصدر أشهد فيلزم من جعل أحدهما إنشاء كون الآخر كذلك، ومن النظر إلى المتعلق في أحدهما كون الآخر كذلك، فلا معنى للمخالفة بينهما كما صنع صاحب جمع الجوامع والمحلى، ولا شك أن أشهد إن سلم أنه إنشاء لزم كونه إنشاء لذلك الخبر، كما صرح به القرافي، فإن نظرنا إلى المتعلق فخبران وإلا فإنشاءان، ولا معنى للتفرقة بينهما، وصاحب جمع الجوامع بنى ما ذكره على مذهبه؛ لأن الشافعية عندهم حصر الشهادة في لفظ أشهد، فكأنه منقول عن الخبر، فحصر القرافي الشهادة فيه خلاف مذهب المالكية، إذ لم يشترطوا لأداء الشهادة صيغة مخصوصة، بل قالوا الدار على حصول العلم. =
[ ٧ / ٢٤٣ ]
وقول صاحب جمع الجوامع (١): (هي إنشاء يتضمن إخبارًا، لا محض أحدهما) يحتمل أنه خلاف، فيحمل الأول على عمومه، ويحتمل أنه وفاق، فيقيد به الأول.
[أوصاف العدل:]
وأشار المصنف إلى أمور بعضها شرط وعدمه مانع، وبعضه مانع
_________________
(١) = وقد قال ابن عرفة: الأداء عرفًا إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم بما شهد به. في النوادر قوله هذه شهادتي أداءً لها، والفرق الذي ذكره لم يذكره غيره، ويبعد أن يتقرر عنده دون غيره مع توفر العلماء في زمانه، ولم يذكره أحد، وبه تعلم أن قول ابن عرفة في حصر القرافي أداء الشهادة في لفظ أؤدي الأظهر أنه لعرف تقرر بعيد، وقد قال ابن فرحون: في تبصرته هذا الذي قاله القرافي مذهب الشافعية، ولم أره لأحد من المالكية. ونقل شمس الدين الحنبلي الدمشقي أن مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام ابن حنبل أنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ أشهد، بل متى قال الشاهد رأيت كذا أو سمعت كذا ونحو ذلك كانت شهادة منه، وليس في كتاب اللَّه تعالى ولا سنَّة رسول اللَّه -ﷺ- ما يدل على اشتراط لفظ الشهادة، ولا ورد ذلك عن أحد من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وأطال في ذلك ومن تصفح نصوص المالكية علم بطلان حصر القرافي الشهادة في لفظ أشهد، واللَّه الموفق".
(٢) هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، (٧٢٧ - ٧٧١ هـ = ١٣٢٧ - ١٣٧٠ م): قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها. نسبته إلى سبك (من أعمال المنوفية بمصر) وكان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء في الشام وعزل، وتعصب عليه شيوخ عصره فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر، وأتوا به مقيدًا مغلولًا من الشام إلى مصر. ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، فتوفي بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض مثله. من تصانيفه "طبقات الشافعية الكبرى - ط" ستة أجزاء، و"معيد النعم ومبيد النقم - ط" و"جمع الجوامع - ط" في أصول الفقه، و"منع الموانع - ط" تعليق على جمع الجوامع، و"توشيح التصحيح - خ" في أصول الفقه، و"ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح - خ" في فقه الشافعية، و"الأشباه والنظائر - خ" فقه، و"الطبقات الوسطى - خ" و"الطبقات الصغرى - خ" وله نظم جيد، أورد الصفدي بعضه في مراسلات دارت بينهما. ينظر: الأعلام (٤/ ١٨٤).
[ ٧ / ٢٤٤ ]
وعدمه مسوغ، فقال العدل (١):
- حر (٢)، فلا يقبل قن اتفاقًا عند الجمهور، ولا ذو شائبة، كـ:
_________________
(١) قال الرازي في المحصول (٤/ ٥٧١): "العدالة وهي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفس بصدقه ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر وعن بعض الصغائر كالتطفيف في الحبة وسرقة باقة من البقل وعن المباحات القادحة في المروءة كالأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل والإفراط في المزاح والضابط فيه أن كل ما لا يؤمن معه جرأته على الكذب ترد به الرواية وما لا فلا".
(٢) هذا القيد في العدالة غير معتبر في الرواية، وأما في الشهادة فمعتبر، قال الرازي في المحصول (٤/ ٥٩١): "الرواية والشهادة مشتركتان في هذه الشرائط الأربعة، أعني: العقل والتكليف والإسلام والعدالة، واختصت الشهادة بأمور ستة، هي غير معتبرة في الرواية، وهي: عدمُ القرابةِ والحريةُ والذكورةُ والبصرُ والعددُ والعداوةُ والصداقةُ، فهذه الستة توثر في الشهادة لا في الرواية؛ لأن الولد له أن يروي عن والده بالإجماع، والعبد له أن يروي أيضًا والضرير له أن يروي أيضًا، ذلك لأن الصحابة رووا عن زوجات النبي -ﷺ- مع أنهم في حقهن كالضرير". وقال السيوطي في تدريب الراوي (١/ ٣٣١، وما بعدها): "من الأمور المهمة تحرير الفرق بين الرواية والشهادة وقد خاض فيه المتأخرون وغاية ما فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام كاشتراط العدد وغيره وذلك لا يوجب تخالفًا في الحقيقة. قال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري فقال الرواية: هي الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام وخلافه الشهادة وأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجمعها وأنا أذكر منها ما تيسر: الأول: العدد: لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة وقذ ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورًا؛ أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول اللَّه -ﷺ- بخلاف شهادة الزور. الثاني: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد. الثالث: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه -ﷺ-. الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقًا بخلاف الشهادة في بعض المواضع. الثالث: لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقًا. الرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول. الخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية ولو كان داعية ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره إن روى موافقه. السادس: تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته. =
[ ٧ / ٢٤٥ ]
مكاتب ومدبر ومعتق لأجل أو بعضه؛ لأن الرق أثر كفر، فيمنع كأصله.
- مسلم (١) لا كافر على مسلم إجماعًا، ولا على مثله عندنا، خلافًا لأبي حنيفة والشعبي.
_________________
(١) = السابع: من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك. الثامن: لا تقبل شهادة من جرت شهادته إلى نفسه نفعًا أو دفعت عنه ضررًا وتقبل ممن روى ذلك. التاسع: لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق بخلاف الرواية. العاشر والحادي عشر والثاني عشر: الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة وطلب لها وعند حاكم بخلاف الرواية في الكل. الثالث عشر: للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعًا مطلقًا بخلاف الشهادة فإن فيها ثلاثة أقوال: أصحها التفصيل بين حدود اللَّه تعالى وغيرها. الرابع عشر: يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد دون الشهادة على الأصح. الخامس عشر: الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم ولا يقبل الجرح في الشهادة إلا مفسرًا. السادس عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرواية بخلاف أداء الشهادة إلا إذا احتاج إلى مركوب. السابع عشر: الحكم بالشهادة تعديل بل قال الغزالي: أقوى منه بالقول بخلاف عمل العالم أو فتياه بموافقة المروي على الأصح. الثامن عشر: لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها بخلاف الرواية. التاسع عشر: إذا روى شيئًا ثم رجع عنه سقط ولا يعمل به بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم. العشرون: إذا شهدا بموجب قتل ثم رجعا وقالا تعمدنا لزمهما القصاص ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف فروى شخص خبرًا عن النبي -ﷺ- فيها وقتل الحاكم به رجلًا ثم رجع الرواي وقال: كذبت وتعمدت ففي فتاوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد إذا رجع قال الرافعي: والذي ذكره القفال في الفتاوى والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالحادثة والخبر لا يختص بها. الحادي والعشرون: إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر ولا تقبل شهادتهم قبل التوبة وفي قبول روايتهم وجهان المشهور منهما القبول ذكره الماوردي في الحاوي ونقله عنه ابن الرفعة في الكفاية والأسنوي في الألغاز".
(٢) قال الرازي في المحصول (٤/ ٥٦٧، وما بعدها): "الشرط الثالث: أن يكون مسلمًا وفيه مسألتان: =
[ ٧ / ٢٤٦ ]
- عاقل في حالتي: التحمل (١) والأداء (٢)، ولا يضر ذهاب العقل في غيرهما.
- بالغ (٣) اتفاقًا، إلا في شهادة الصبيان في الدماء بشروطه الآتية.
_________________
(١) = المسألة الأولى: الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته سواء علم من دينه المبالغة في الاحتراز عن الكذب أو لم يعلم. المسألة الثانية: المخالف من أهل القبلة إذا كفرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لم تقبل روايته وإلا قبلناها وهو قول أبي الحسين البصري وقال القاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايتهم. لنا أن المقتضي للعمل به قائم ولا معارض فوجب العمل به بيان أن المقتضي قائم أن اعتقاده تحريم الكذب يزجره عن الإقدام عليه فيحصل ظن صدقه فيجب العمل به على ما بيناه وبيان أنه لا معارض أنهم أجمعوا على أن الكافر الذي ليس من أهل القبلة لا تقبل روايته وذلك الكفر منتف هاهنا. واحتج أبو الحسين بأن كثيرًا من أصحاب الحديث قبلوا أخبار سلفنا كالحسن وقتادة وعمرو بن عبيد مع علمهم بمذهبهم وإكفارهم من يقول بقولهم واحتج المخالف بالنص والقياس. أما النص فقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ أمر بالتثبت عند نبأ الفاسق وهذا كافر فوجب التثبت عند خبره وأما القياس فأجمعنا على أن الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة لا تقبل روايته فكذا هذا الكافر والجامع أن قبول الرواية تنفيذ لقوله على كل المسلمين وهو منصب شريف والكفر يقتضي الإذلال وبينهما منافاة أقصى ما في الباب أن يقال هذا الكافر جاهل بكونه كافرًا لكنه لا يصلح عذرًا لأنه ضم إلى كفره جهلًا آخر وذلك لا يوجب رجحان حاله على الكافر الأصلي. والجواب عن الأول: أن اسم الفاسق في عرف الشرع مختص بالمسلم المقدم على الكبيرة، وعن الثاني: الفرق بين الموضعين أن كفر الخارج عن الملة أعظم من كفر صاحب التأويل فقد رأينا الشرع فرق بينهما في أمور كثيرة مع ظهور الفرق لا يجوز الجمع".
(٢) قال في الذخيرة (١٠/ ١٥٣): "الباب الثاني في التحمل، قال صاحب المقدمات: هو فرض كفاية، فإن لم يكن بالموضع غيرك تعين عليك، ولقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾.
(٣) أي: أداء الشهادة، وينظر أحكامها في الذخيرة (١٠/ ١٥٢).
(٤) قال في المحصول (٤/ ٥٦٤، وما بعدها): "المسألة الأولى: رواية الصبي غير مقبولة لثلاثة أوجه: =
[ ٧ / ٢٤٧ ]
بلا فسق (١) بجارحة؛ لأنه سيذكر فسق الاعتقاد.
- وبلا حجر، فلا تقبل شهادة مولى عليه في المال، وإن كان مثله لو طلب ماله أخذه.
_________________
(١) = الأول: أن رواية الفاسق لا تقبل، فأولى أن لا تقبل رواية الصبي؛ فإن الفاسق يخاف اللَّه تعالى، والصبي لا يخاف اللَّه تعالى البتة. الثاني: أنه لا يحصل الظن بقوله، فلا يجوز العمل به كالخبر عن الأمور الدنيوية. الثالث: الصبي إن لم يكن مميزًا لا يمكنه الاحتراز عن الخلل، وإن كان مميزًا علم أنه غير مكلف، فلا يحترز عن الكذب. فإن قلت: أليس يقبل قوله في إخباره عن كونه متطهرًا، حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة. قلت: ذلك لأن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام. المسألة الثانية: إذا كان صبيًّا عند التحمل بالغًا عند الرواية قبلت روايته لوجوه أربعة: الأول: إجماع الصحابة؛ فإنهم قبلوا رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير -﵃- من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده. الثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الرواية. الثالث: أن إقدامه على الرواية عند الكبر يدل ظاهرًا على ضبطه للحديث الذي سمعه حال الصغر. الرابع: أجمعنا على أنه تقبل منه الشهادة التي تحملها حال الصغر فكذا الرواية، والجامع أنه حال الأداء مسلم عاقل بالغ يحترز من الكذب".
(٢) قال في المحصول (٤/ ٥٧٢، وما بعدها): "الفاسق إذا أقدم على الفسق فإن علم كونه فسقًا لم تقبل روايته بالإجماع وإن لم يعلم كونه فسقًا فكونه فاسقًا إما أن يكون مظنونًا أو مقطوعًا؛ فإن كان مظنونًا قبلت روايته بالاتفاق قال الشافعي -﵁-: أقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ وإن كان مقطوعًا به قبلت روايته أيضًا قال الشافعي -﵁-: أقبل رواية أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم وقال القاضي أبو بكر: لا تقبل. لنا أن ظن صدقه راجح والعمل بهذا الظن واجب والمعارض لمجمع عليه منتف فوجب العمل به. واحتج الخصم بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق أقصى ما في الباب أنه جهل فسقه ولكن جهله بفسقه فسق آخر فإذا منع أحد الفسقين من قبول الرواية فالفسقان أولى بذلك المنع. والجواب: أنه إذا علم كونه فسقًا دل إقدامه عليه على اجترائه على المعصية بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك".
[ ٧ / ٢٤٨ ]
محمد: وهو أحب إلينا.
وبلا بدعة (١) لأن البدعي إما كافر (٢) أو فاسق إن لم يتأول، بل وإن
_________________
(١) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (١/ ٦) في ترجمة أبان بن تغلب: "أبان بن تغلب [م، عو] الكوفي شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته. وقد وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليًا في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟ وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر -﵄-، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًّا -﵁-، وتعرض لسبهم. والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال معثر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًّا أفضل منهما". قال في المحصول (٤/ ٥٧٥، وما بعدها): "المخالف الذي لا نكفره ولكن ظهر عناده لا تقبل روايته لأن المعاند يكذب مع علمه بكونه كذبًا وذلك يقتضي جرأته على الكذب فوجب أن لا تقبل روايته".
(٢) عدد عياض البدع المكفرة في الشفا (٢/ ٢٨٢، وما بعدها)، فقال: "فصل في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر أعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير اللَّه أو مع اللَّه فهي كفر كمقالة الدهرية وسائر فرق أصحاب الاثنين من الديصانية والمانوية وأشباههم من الصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة أو الشياطين أو الشمس أو النجوم أو النار أو أحد غير اللَّه من مشركي العرب وأهل الهند والصين =
[ ٧ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب وكذلك القرامطة وأصحاب الحلول والتناسخ من الباطنية والطيارة من الروافض وكذلك من اعترف بإلهية اللَّه ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم وأنه محدث أو مصور أو ادعى له ولدًا أو صاحبة أو والدًا أو متولد من شيء أو كائن عنه أو أن معه في الأزل شيئًا قديمًا غيره أو أن ثم صانعًا للعالم سواه أو مدبرًا غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين وكذلك من ادعى مجالسة اللَّه والعروج. إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كتول بعض المتصوفة والباطنية النصارى والقرامطة وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها وخبثها وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوة من أصلها عمومًا أو نبوة نبينا -ﷺ- خصوصًا أو أحد من الأنبياء الذين نص اللَّه عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب كالبراهمة ومعظم اليهود والأروسية من النصارى والغرابية من الروافض الزاعمين أن عليًّا كان المبعوث إليه جبريل وكالمعطلة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية من الرافضة وإن كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم، وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة ونبوة نبينا -ﷺ- ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به ادعى في ذلك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر، والقيامة، والجنة، والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور. أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به وكذلك من أضاف إلى نبينا -ﷺ- متعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبيًّا أو حاربه فهو كافر بإجماع وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرًا ونبيًّا من القردة، والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصف المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ونبوة نبينا -ﷺ- ولكن قال: كان أسود أو مات قبل أن يلتحى أو ليس الذي كان بمكة والحجاز أو ليس =
[ ٧ / ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بقرشي لأن وصفه بغير صفاته المعلومة نفي له وتكذيب به وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا -ﷺ- أو بعده كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي -ﷺ- وبعده فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة وكالبزيغية والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان وأشباه هؤلاء أو من ادعى النبوة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء ويدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق. الحور العين فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي -ﷺ- لأنه أخبر -ﷺ- أنه خاتم النبيين لا نبي بعده وأخبر عن اللَّه تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعًا وسمعًا وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثًا مجمعًا على نقله مقطوعًا به مجمعًا على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم، ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي -ﷺ- إذ لم تقدم عليًّا وكفرت عليًّا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه. لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة على زعمهم وإلى هذا -واللَّه أعلم- أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي -ﷺ- على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي -﵁- وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم لعنة اللَّه عليهم وصلَّى اللَّه على رسوله وآله وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد =
[ ٧ / ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الشرع وما عرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وسجداتها ويقول: إنما أوجب اللَّه علينا في كتابه الصلاة على الجملة وكونها خمسًا وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه. إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي والخبر به عن الرسول -ﷺ- خبر واحد وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار وعلى تكفير الباطنية في قولهم: إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم وقول بعض المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم ورفع عهد الشرائع. عنهم وكذلك إن أنكر منكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو صفة الحج أو قال: الحج واجب في القرآن واستقبال القبلة كذلك ولكن كونه على هذه الهيأة المتعارفة وأن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك أو غيرها ولعل الناقلين أن النبي -ﷺ- فسرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا فهذا ومثله لا مرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك وممن خالط المسلمين وامتدت صحبته لهم إلا أن يكون حديث عهد بإسلام فيقال له: سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين فلا تجد بينهم خلافًا كافة عن كافة إلى معاصر الرسول -ﷺ- أن هذه الأمور كما قيل لك، وإن تلك البقعة هي مكة والبيت الذي فيها هو الكعبة والقبلة التي صلَّى لها الرسول -ﷺ- والمسلمون وحجوا إليها وطافوا بها وأن تلك الأفعال هي صفات عبادة الحج والمراد به وهي التي فعلها النبي -ﷺ- والمسلمون وإن صفات الصلوات المذكورة هي التي فعل النبي -ﷺ- وشرح مراد اللَّه بذلك وأبان حدودها فيقع لك العلم كما وقع لهم ولا ترتاب بذلك بعد، والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبته المسلمين كافر باتفاق ولا يعذر بقوله: لا أدري ولا يصدق فيه بل ظاهره التستر عن التكذيب إذ لا يمكن أنه لا يدري وأيضًا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد اللَّه به أدخل الإسترابة في جميع الشريعة إذ هم الناقلون لها وللقرآن وانحلت عرى الدين كرة ومن قال هذا كافر وكذلك من أنكر القرآن أو حرفًا منه أو غير شيئًا منه أو زاد فيه كفعل الباطنية والإسماعيلية أو زعم أنه ليس بحجة للنبي -ﷺ- أو ليس فيه حجة ولا معجزة كقول هشام الفوطي ومعمر الصيمري إنه لا يدل على اللَّه ولا حجة فيها لرسوله ولا يدل على ثواب ولا عقاب ولا حكم ولا محالة في كفرهما بذلك القول وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي -ﷺ- حجة له أو في خلق السماوات والأرض دليل على اللَّه لمخالفتهم الإجماع والنقل المتواتر عن النبي -ﷺ- =
[ ٧ / ٢٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = باحتجاجه بهذا كله وتصريح القرآن به، وكذلك من أنكر شيئًا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف لمسلمين ولم يكن جاهلًا به ولا قريب عهد بالإسلام واحتج لإنكاره أما بأنه لم يصبح النقل عنده ولا بلغه العلم به أو لتجويز الوهم على نافله فنتكفره بالطريقين المتقدمين لأنه مكذب للقرآن مكذب للنبي -ﷺ- لكنه تستر بدعواه وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره وأنها لذات روحانية ومعان باطنة كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناه محض ولتنقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بعض الفلاسفة وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم إن الأئمة أفضل من الأنبياء فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد التي لا يرجع إلى أبطال شريعة ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك أو مؤنة أو وجود أبي بكر وعمر أو قتل عثمان أو خلافة على مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكار وجحد شريعة فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة كإنكار هشام وعباد وقعه الجمل ومحاربة على من خالفه فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة لناقلين ووهم المسلمين أجمع فنكفره بذلك لسريانه إلى إبطال الشريعة فأما من أنكر الإجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع. فأكثر المتكلمين ومن الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عمومًا وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ الآية، وقوله -ﷺ-: "من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع الذي يختص بنقله العلماء وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر كتكفير النظام بإنكاره الإجماع لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع، قال القاضي أبو بكر: القول عندي أن الكفر باللَّه هو الجهل بوجوده والإيمان باللَّه هو العلم بوجوده وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأى إلا أن يكون هو الجهل باللَّه فإن عصى بقول أو فعل نص اللَّه ورسوله أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر ليس لأجل قوله أو فعله لكن لما يقارنه من الكفر فالكفر باللَّه لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور؛ أحدها: الجهل باللَّه تعالى، والثاني: أن يأتي فعلًا أو يقول قولًا يخبر اللَّه ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا =
[ ٧ / ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يكون إلا من كافر كالسجود للصنم والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم باللَّه قال: فهذان الضربان وإن لم يكونا جهلًا باللَّه فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان فأما من نفى صفة من صفات اللَّه تعالى الذاتية أو جحدها مستبصرًا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال: ليس للَّه كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء هاهنا فكفره بعضهم وحكى ذلك عن أبي جعفر الطبري وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه ويراه دينًا وشرعًا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق واحتج هؤلاء بحديث السوداء وأن النبي -ﷺ- إنما طلب منها التوحيد لا غير وبحديث القائل لئن قدر اللَّه علي وفي رواية فيه لعلي أضل اللَّه ثم قال: فغفر اللَّه له قالوا ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها أن قدر بمعنى قدر ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذٍ كفرًا، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول أو يكون قدر بمعنى ضيق ويكون ما فعله بنفسه إزراءً عليها وغضبًا لعصيانها وقيل: إنما قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التي أذهبت لبه فلم يؤاخذ به وقيل كان هذا في زمن الفترة وحيث ينفع مجرد التوحيد وقيل بل هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمى تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال أقول عالم ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة فمن قال بالمأل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم ومن لم ير أخذهم بمأل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبم لم ير إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفي من القول بالمأل الذي ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل =
[ ٧ / ٢٥٤ ]
تأول، كـ: خارجي (١)، قدري (٢)؛ إذ لا فرق في البدعة بين كون صاحبها متعمدًا أو جاهلًا أو متأولًا.
_________________
(١) = التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأى الخوارج والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرًا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنَّة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافًا لمن رأى غير ذلك، واللَّه الموفق للصواب. قال القاضي أبو بكر: وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية والمخلوق وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل باللَّه تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول اللَّه تعالى".
(٢) الخارجية لقب يصدق على كل من اجتمع فيه أمران: الأول: الخروج على ولاة الأمر. والآخر: التكفير بالمعصية. وقد رأيت بزمننا هذا وفي بلدنا هذا من ينتسب إلى السنَّة زورًا وبهتانًا، وهو يدعو إلى الخروج على ولاة الأمر، ويرى العمل أصلًا من أصول الإيمان، على الرغم من أنه قد تقرر في كتب اعتقاد أهل السنَّة أن العمل بالجوارح فرع لا أصل، وأن عمل القلب تحقيق جزء منه هو الأصل، وأن إكماله فرع، فيا للَّه العجب، نسأل اللَّه السلامة، وقد ناقشت بعضهم عندما كنت في المعتقل السياسي ببنغازي، المسمى بسجن العروبة للتحقيق المركزي زمن حكم القذافي، وتبيَّن لهم فساد ما هم عليه، فرجعوا عنه، وطلبوا النصيحة فأرشدتهم إلى الطلب العلم، والتحري فيه، وبعد خروجنا بحمد اللَّه، وذلك عام ٢٠٠٠ م، سألت عن أحدهم، وكان يسمى (خالد الشكري) لتوسمي فيه الخير، فقيل لي: إنه بأرض الحجاز يطلب العلم بجنوب المملكة، على يد شيخ سمي لي أظنه النجيم، فاطمأننت لذلك وارتحت.
(٣) القدرية على طربين: - نفاة، وهم القائلون بنفي خلق اللَّه لأفعال عباده، ويجعلون العباد هم الخالقين لأفعال أنفسهم، وتقول هذه القدرية: ليست المعاصي محبوبة للَّه ولا مرضية له، فليست =
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وما ذكره المؤلف يحتمل أنه مثال للجاهل والمتأول، ويحتمل كون القدري مثالًا للجاهل؛ لأن أكثر شبههم سمعية؛ فالخطأ فيها يسمى تأويلًا، ويحتمل أن يريد بالجاهل المقلد من الفريقين، وبالمتأول المجتهد منهما.
[دلائل العدالة:]
ولما كانت العدالة أمرًا خفيًّا، لا يطلع عليه إلا اللَّه، نصبوا لها أمورًا تدل عليها، أفادها المؤلف بقوله:
- لم يباشر كبيرة بأن يتلبس بها تلبسًا لا تعرف له بعده توبة، لا أنها لم تصدر منه مطلقًا؛ لتعذر ذلك إلا من ولي أو صديق، ولكن مَنْ كانت الطاعة أكثر أحواله وأغلبها، وهو مجتنب للكبائر، محافظ على ترك الصغائر، فهو عدل.
تكميل:
مذهب الجمهور انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، واختلف في تمييز الكبائر منها، فبعض ميزه بالعدد من استقراء موارد النصوص، وبعض سلك الحصر بالضابط، ولنذكر طرفًا من كل منهما، فمن الأول: قيل: أربع.
وقيل: سبع.
وقيل: سبعة عشر.
ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب منه إلى السبع. وروى سعيد بن جبير: إلى سبعمائة أقرب.
وانظر تعداد جملة منها في الكبير، فلا نطيل به.
ومن الثاني: قيل ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب، أو سنَّة.
_________________
(١) = مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه، وقد دل على الفرق بين المشيئة والمحبة - الكتاب والسنَّة والفطرة الصحيحة. - وجبرية، وهم القائلون: إن الأفعال كلها من خير وشر هي من خلق اللَّه، وإذا كانت كذلك، فهي محبوبة مرضية له.
[ ٧ / ٢٥٦ ]
وقيل: ما أوجب حكمًا.
وقيل: ما نص القرآن على تحريمه، أو وجب في جنسه حد.
وقيل: كل ذنب ختمه اللَّه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.
وقيل: ما أوعد اللَّه عليه بنار أو حد في الدنيا.
وقيل غير ذلك.
- أو كثير كذب، وظاهره: وإن لم يختلف متعلق كذبه، وقول المدونة: (مما يجرح به الشاهد قيام البينة عليه أنه كذاب في غير شيء)، أشعر بتعدد متعلقه.
ومفهومه: أن غير الكثير منه كالواحدة ونحوها غير قادح، وإنما لم تكن الواحدة منه قادحة كغيره من الكبائر كشرب الخمر؛ لعسر التحرز.
- أو صغيرة خسة، كـ: تطفيف حبة، أو سرقة لقمة، وأما صغيرة غير الخسة فلا تقدح كالنظرة.
- وسفاهة: معطوف على يباشر كبيرة، فتكون المباشرة بمعنى التلبس، أي: لم يتلبس بسفاهة.
- وأن لا يباشر لعب نرد، لخبر: "من لعب النردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير أو دمه" (١)، وظاهره: ولو لم يدمنه.
ذو مروءة: معطوف على (حر) بترك غير لائق به، بأن لا يأتي بما يعتذر عنه مما يبخسه مرتبته عند ذوي الفضل.
ابن عرفة: المروءة: المحافظة على فعل ما تركه من مباح يوجب الذم عرفًا، كترك المليء الانتعال ببلد يستقبح فيه مشي مثله حافيًا، وعلى ترك ما
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧، رقم: ٢٣٠٧٥)، ومسلم (٧/ ٥٠، رقم: ٦٠٣٣)، وأبو داود (٤/ ٢٨٥، رقم: ٤٩٣٩)، وابن ماجه (٢/ ١٢٣٨، رقم: ٣٧٦٣)، وابن حبان (١٣/ ١٨٢ رقم: ٥٨٧٣)، والبيهقي (١٠/ ٢١٤ رقم: ٢٠٧٣٨)، والقضاعي (١/ ٣١٧، رقم: ٥٣٤).
[ ٧ / ٢٥٧ ]
فعله من مباح يوجب ذمه عرفًا، كالأكل عندنا في السوق في حانوت الطباخ لغير الغريب. انتهى.
من حمام وسماع غناء: بالكسر والمد، وبالقصر اليسار، وظاهره: كان معه آلة أم لا؛ ففي المدونة: "ترد شهادة المغني والمغنية والنائح والنائحة إذا عرفوا بذلك"، وتقدم في الوليمة عن مالك: "لا بأس بضرب الدف والكبر في العرس".
وبترك دباغة وحياكة اختيارًا؛ لإخلال ذلك بالمروءة، وخرج بالاختيار من يفعل ذلك لفاقة، أو مكرهًا.
وأُلْحِقَ بذي الفاقة من يقصد بذلك كسر نفسه، ويخلقها بأخلاق الفضلاء، أو مباعدتها عن الكبر.
تنبيه:
لو أدخل الكاف على (دباغة) ليشمل أرباب الحرف الدنيئة كالحمام والمكاس وما أشبهه لكان أحسن.
وإدامة لعب شطرنج: بالشين معجمة ومهملة، ابن جني (١): والصواب كسر شينه.
وظاهر كلام المؤلف: إباحته، وبه صرح البساطي، وهو ظاهر كلام الشارح.
وقال ابن هشام اللخمي: مذهب مالك حرمة اللعب بها، وتارةً يعبر
_________________
(١) هو: عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح، (٠٠٠ - ٣٩٢ هـ = ٠٠٠ - ١٠٠٢ م): من أئمة الأدب والنحو، وله شعر. ولد بالموصل وتوفي ببغداد، عن نحو ٦٥ عامًا. وكان أبوه مملوكًا روميًّا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي. من تصانيفه: رسالة في "من نسب إلى أمه من الشعراء - خ" و"شرح ديوان المتنبي - ط" و"المبهج - ط" في اشتقاق أسماء رجال الحماسة، و"المحتسب - ط" في شواذ القراءات، و"سر الصناعة الإعراب - ط"، و"الخصائص - ط" ثلاثة أجزاء، في اللغة، و"اللمع - خ" في النحو، وغيرها كثير، وكان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني. ينظر: الأعلام (٤/ ٢٠٤).
[ ٧ / ٢٥٨ ]
عنه بالكراهة، وتارةً يقول: هي شيء من النرد.
تنبيه:
فسر ابن نصر الإدمان بأن يلعب بها في السنة أكثر من مرة، وبعض الأشياخ بمرة في السنة.
[شهادة الأعمى:]
ولما لم يشترط كون الشاهد بصيرًا ولا سميعًا أفاد جواز شهادة الأعمى بشرطه، فقال: وإن أعمى في قول، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، ومنشأ الخلاف: هل يحصل له علم ضروري بأن هذا صوت فلان أم لا، ولنا خبر: "إن بلالا يؤذن بليل. . . " الحديث (١).
قال ربيعة: لو لم تجز شهادته لما جاز له وطء أمته ولا زوجته.
[شهادة الأصم:]
أو أصم في فعل يراه.
_________________
(١) رواه من حديث ابن عمر: مالك (١/ ٧٤، رقم: ١٦١)، والشافعي (١/ ٨٣)، والطيالسي (١/ ٢٥٠، رقم: ١٨١٩)، وأحمد (٢/ ٩، رقم: ٤٥٥١)، والبخاري (٢/ ٩٤٠، رقم: ٢٥١٣)، ومسلم (٢/ ٧٦٨، رقم: ١٠٩٢)، والترمذي (١/ ٣٩٢، رقم: ٢٠٣)، وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢/ ١٠، رقم: ٦٣٧)، وابن حبان (٨/ ٢٤٩، رقم: ٣٤٧١). ومن حديث عائشة: البخاري (١/ ٢٢٤، رقم: ٥٩٧)، والنسائي (٢/ ١٠، رقم: ٦٣٩) وأخرجه أيضًا: أحمد (٦/ ٤٤، رقم: ٢٤٢١٤)، ومسلم (٢/ ٧٦٨، رقم: ١٠٩٢)، وابن خزيمة (١/ ٢١٠، رقم: ٤٠٣). ومن حديث زيد بن ثابت: الطبراني (٥/ ١٢٤، رقم: ٤٨١٨)، قال الهيثمي (٢/ ٢): فيه يزيد بن عياض وقد أجمعوا على ضعفه. وقال في (٣/ ١٥٤): فيه يزيد بن عياض وهو متروك. ومن حديث سهل بن سعد: الطبراني (٦/ ١٤٠، رقم: ٥٧٧٣) وأخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط (٢/ ٢٤٦، رقم: ١٨٨١)، قال الهيثمي (٣/ ١٥٣): رجاله رجال الصحيح. ومن حديث أنيسة بنت خبيب: الطبراني (٢٤/ ١٩١، رقم: ٤٨٠)، قال الهيثمي (٣/ ١٥٤): رجاله رجال الصحيح. وأخرجه أيضًا: الطيالسي (ص ٢٣١، رقم: ١٦٦١).
[ ٧ / ٢٥٩ ]
[موانع الشهادة:]
ولما ذكر شروط الشهادة ذكر موانعها، فقال: ليس بمغفل، البساطي: التغفل عدم استعمال القوة المبهمة مع وجودها، فالبليد لا قوة له البتة، والمغفل له، لكنه لا يستعملها، فلا تقبل شهادته، إلا فيما لا يلبس، كـ: رأيت هذا قطع يد هذا مثلًا، أو: سمعته طلق امرأته.
ولا متأكد القرب، لا مطلق القرب؛ لجوازها لبعض الأقارب، ومثل لذلك بقوله: كأب وإن علا، والأم والجدات وأصولهما، وأصول أصولهما، وزوجهما، فلا يشهد لزوجة أبيه، ولا لزوج أمه، ويحتمل زوجة أبيه وزوجة أمه، وولد وإن سفل، لا تجوز شهادة الأبوين له، وإن سفل الولد، كبنت وإن سفلت، وزوجهما فلا يشهد لزوجة ابنه ولا لزوج ابنته عند ابن القاسم، خلافًا لسحنون، وشهادة ابن مع أب شهادة واحدة، ويلغى الآخر.
ثم شبه في الإلغاء قوله: ككل إذا شهد عند الآخر، إذا كان حاكمًا، أو شهد على شهادته نقلًا عنه، أو شهد على حكمه، فإنها ملغاة في المسائل الأربع.
وقيل بالجواز.
ثم أخرج من منع شهادة الأب لابنه بقوله: بخلاف أخ لأخ فإنها جائزة، وظاهره: ولو كان في نفقته، ثم أشار لشرط جوازها بقوله: إن برز في عدالته؛ لبعد التهمة مع التبريز.
ثم أشار إلى خلافه بقوله: ولو كانت شهادته له بتعديل له عند ابن القاسم، وتؤولت أيضًا بخلافه، وهو عدم قبول تعديله له.
[ما يشترط فيها التبريز:]
ولما ذكر اشتراط التبريز في الشهادة من الأخ لأخيه أتبع ذلك نظائر يشترط فيها التبريز، فقال:
[ ٧ / ٢٦٠ ]
كأجير لمن استأجره، قال في توضيحة: إذا لم يكن في عياله، وأطلق هنا.
ومولى أسفل يشهد لمعتقه، كذا قرره البساطي، وأما قول الشارح شهادة المولى لمن أعتقه فمحتمل للأعلى والأسفل.
وصديق ملاطف لصديقه، وقيده في توضيحه بما إذا لم يكن في نفقته، ولا يشتمل عليه بره وصلته، وأطلق هنا كما أطلقه عن ابن رشد حين حكى عنه في توضيحه.
وشريك مفاوض لمفاوضه في غير مال مفاوضة بينهما.
وزائد لشيء في شهادته أو منقص منها بعد أن شهد بها.
وذاكر لشهادته بعد شك منه فيها.
تنبيه:
أطلق في هذه مع أن ابن رشد فرضها فيمن سئل في مرضه عن شهادته لينقل عنه، فقال: لا أعلمها، ثم شهد بها، واعتذر بأنه خشي من مرضه عدم تثبته في الشهادة.
وفي تزكية لغيره، فهذه تمام ثمانية شروط يشترط فيها التبريز، ونظمتها، فقلت:
ويشترط التبريز في شاهد أتى بزيد كذا نقص شريك مفاوض
أخ وأجير ثم مولى ملاطف مزك وذي شك لغير معاد من
[مسألة:]
وتجوز تزكية لكل من شهد في شيء، إن لم يشهد في حد، [بل] وإن شهد بحد، أي: فيه، ونحوه للمتيطي، فقال أحمد بن عبد الملك: لا يكون في الدماء، ولا يقضى به، ولا تكون التزكية للشاهد البلدي إلا من معروف بالعدالة عند القاضي، فإن زكاه غير معروف بالعدالة من أهل بلده لم يقبل، إلا الشاهد الغريب يزكيه غير المعروف، فتجوز شهادته، ثم شهادة
[ ٧ / ٢٦١ ]
التزكية بقوله: أشهد أنه عدل رضا؛ لإشعار الوصف الأول بالسلامة من البله والغفلة، والثاني بالدين؛ لاحتمال ارتكاب ما لا يليق.
قال في الجلاب: لو اقتصر على أحدهما لم يجز، وهو ظاهر كلام المؤلف.
وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب إجزاء الاقتصار على أحدهما (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٠٣): " (عدل رضى) بكسر الراء وفتح الضاد المعجمة مقصورًا منونًا، أي: مقبول الشهادة. ابن الجلاب لا يجزئ الاقتصار على أحدهما. وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب إجزاؤه، وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من لفظ أشهد فلا يجزئ أعلم أو أعرف قاله تت. طفى: تبع قول البساطي لا بد من لفظ أشهد، فلو قال هو عدل رضى فلا يكفي على المشهور. اهـ. وهو تابع لقول الموضح في شرح قول ابن الحاجب، ويكفي في التعديل أشهد أنه عدل رضى، وقيل أو أعلمه أو أعرفه يعني أن القول الأول يشترط أن يقول أشهد، والثاني يكفي عنده أشهد أو أعلمه عدلًا رضى أو أعرفه. اهـ. وهذا مراده في مختصره لإدخال الجار على الفعل قاصدًا حكاية لفظه وفيه نظر، إذ ما ذكره ليس هو مراد ابن الحاجب، وإنما مراده أن القول الأول لا بد من الجزم بأنه عدل، سواء عبر عنه بلفظ أشهد أو بغيره ولا يقول أعلمه ولا أعرفه، وعلى هذا شرحه ابن عبد السلام، فقال في القول الأول: اختار مالك رضي اللَّه تعالى عنه أن يقول المزكي هذا الشاهد عدل رضى. اهـ. اللخمي: إن قال هو عدل رضى صحت العدالة. المازري قال: مالك رضي اللَّه تعالى عنه لفظ التعديل. أن يقول هو عدل رضى. اهـ. فهذا يدل على أنه لا يشترط لفظ أشهد خلافًا للمصنف، وقد تعقبه ابن مرزوق بقوله: لم أقف على اشتراط لفظ أشهد في التزكية، والروايات تدل على عدم اشتراطه، وأطال في ذلك. ورد ابن الحاجب بقوله: يكفي. . . إلخ، قول ابن كنانة وسحنون يقول: هو عدل رضى جائز الشهادة يجمع بين الثلاثة. ابن عرفة ابن رشد اختار أن يجمع بين قوله هو عندي من أهل العدل والرضى لقوله =
[ ٧ / ٢٦٢ ]
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا بد من لفظ (أشهد)، فلا يجزئ أعلم وأعرف.
ثم أفاد متعلق أشهد بقوله:
- من فطن: لا يخدع.
- عارف، لا جاهل.
- لا يخدع.
البساطي: هو تفسير لـ (فطن) يزيده إيضاحًا.
[ما يعرف به حال الرجل:]
معتمدًا في قوله: (أشهد. . . إلى آخره) على طول عشرة، لا مطلقها، ويرجع في طولها وقصرها للعرف.
_________________
(١) = تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فإن اقتصر على أحدهما اكتفى به لذكره تعالى كل لفظ وحده. قلت: وهو نقل ابن فتوح عن المذهب. اللخمي إن قال عدل رضى صحت العدالة، واختلف إن اقتصر على إحدى الكلمتين هل هو تعديل أم لا؟ فإن قال إحداهما ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل لورود القرآن بقبول شهادة من وصف بإحداهما، وإن سئل عن الأخرى فوقف فهي ريبة في تعديله فيسأل عن سبب وقفه، فقد يكون مما لا يقدح في العدالة أو يذكر ما يريب فيوقف عنه. وفي الجلاب والتزكية أن يقول الشاهد أن نشهد أنه عدل رضى، ولا يقتصران على لفظ واحد من العدل والرضى. ابن عرفة وفي كون إحدى الكلمتين لا تكفي وهو الذي في الجلاب، وفي الكافي هو تحصيل مذهب الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه. وقال ابن زرقون المعلوم من المذهب خلافه، وأنه إن اقتصر على أحدهما أجزأه وهو المعلوم لمالك وسحنون وغيرهما واختار اللخمي التفصيل المتقدم، فالأولى الإشارة إلى هذا الخلاف، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٢٦٣ ]
تنبيه:
أشعر إتيان المصنف بالأوصاف مذكرة بأن النساء لا تقبل تزكيتهن، لا لرجال ولا لنساء، لا فيما تجوز شهادتهن فيه، ولا في غيره، وهو كذلك.
لا سماع من محصور معين، فلا يجوز التعديل به، كـ: سمعت فلانًا وفلانًا يشهدان أن فلانًا عدل أو غير عدل، وأما شهادة السماع في ذلك فجائزة، وهي أن يسمع من أهل العدل ومن غيرهم أن فلانًا عدل رضًا أو غير ذلك، فالشهادة بهذا السماع جائزة، ونحو ذلك لابن رشد.
تنكيت:
إذا علمت هذا تبين لك أن قوله: (لا سماع) معترض بين قوله: (معتمدًا على طول عشرة)، وبين قوله: (من سوقه أو محلته)، وعلمت أن قول الشارح: (لا يكتفى في تعديل المزكي اعتماده على أهل سوقه ومحلته) غير ظاهر، فتأمله.
ثم تمم ما يتعلق بالتعديل، وهو كونه المزكي بالكسر مع إنصافه بما تقدم من قوله من فظن إلى هنا متصفًا أيضًا بكونه من أهل سوقه أو محلته لا من غيرهم؛ لأن وقوفهم عن تعديله مع كونهم أقعد به ريبة في تعديله، إلا أن لا يكون فيهم عدول، فيقبل من غيرهم، وأشار إلى ذلك بقوله: إلا لتعذر، فيقبل غيرهم.
[متى يجب التعديل والتجريح:]
ووجب التعديل إن تعين؛ كضياع حق بتركه، وقال مالك: من علم عدالة شخص وجب عليه أن يزكيه؛ لأنه من جملة الحقوق إلا أن يجد غيره فهو في سعة، كجرح يجب إن بطل بتركه حق في الشرط في هذه والتي قبلها (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٠٨): "تت الشرط في هذه والتي قبلها. طفى: بل هو خاص بهذه من قاعدته من رجوع الشرط لما بعد الكاف، ويكفي الأول قوله: إن تعين. =
[ ٧ / ٢٦٤ ]
وفي نسخة البساطي (وجبت)، فجعل البساطي أن فاعل (تعين) يعود للشهادة بالتزكية، فقال: كأن لا يكون معه غيره أو معه ولكنه غائب، أو حاضر غير مقبول أو مقبول ويقول: إن فعل فلان فعلت.
[مسألة:]
وندب تزكية سر معها، أي: مع شهادة العلانية، فيتجنب مجتمعهما، كما صرح به الباجي وغيره؛ لأن العلانية قد تشابه بالمداهنة، فإن اقتصر على العلانية جاز، وهو مذهب المدونة، خلافًا لابن الماجشون.
وأما تزكية السر منفردة فتقبل اتفاقًا من متعدد، فلا يكفي في الندب واحد، ولا تقبل في تزكية العلانية إلا اثنان، ويجوز للشاهد التعديل، وإن لم يعرف الاسم الذي عدل صاحبه؛ لأنه للمسمى على أي لفظ كان اسمه.
تنبيه:
أطلق المؤلف، وقيده المتيطي بما إذا كان مشهورًا بكنية أو بلقب ولا يعرف له اسم، ورب مشهور بكنيته أو لقبه ولا يعرف له اسم، كأشهب بن عبد العزيز اسم مسكين، وسحنون بن سعيد اسمه عبد السلام. انتهى. أي: وإن لم يقيد بذلك، إلا فيبعد مع طول العشرة عدم معرفة الاسم.
[قبول التعديل أو الجرح:]
أو لم يذكر السبب الذي عدل بسببه؛ لأنه قد يعسر التعبير عنه، فيسقط، بخلاف سبب الجرح: بفتح الجيم، لا بد من ذكره؛ لاختلاف العلماء، فربما اعتمد فيه على ما لا يقتضه، كما وقع لبعضهم أنه جرح شخصًا، فسئل عن سببه، فقال: رأيته يبيع، ولا يرجح في الميزان (١).
_________________
(١) = الحط: وعكس هذه المسألة إن شهد الشاهد بحق وأنت تعلم جرحته فهل يجوز لك أن تجرحه؟ ذكر ابن رشد فيه قولين، ورجح أنه لا يشهد بجرحته".
(٢) قال السيوطي في تدريب (١/ ٢٩٩، وما بعدها) في النوع الثالث والعشرون، وهو في صفة من تقبل روايته ومن ترد وما يتعلق به من الجرح والتعديل: "وفيه مسائل: إحداها: أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيه أي: من يحتج =
[ ٧ / ٢٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا لما يرويه وفسر العدل بأن يكون مسلمًا بالغًا عاقلًا فلا يقبل كافر ومجنون مطبق بالإجماع ومن تقطع جنونه وأثر في زمن إفاقته وإن لم يؤثر قبل قاله ابن السمعاني ولا صغير على الأصح وقيل يقبل المميز إن لم يجرب عليه الكذب سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة على ما حرر في الشهادات من كتب الفقه وتخالفها في عدم اشتراط الحرية والذكورة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وفي الحديث: "لا تأخذوا العلم إلا ممن تقبلون شهادته". رواه البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا. وروي أيضًا من طريق الشعبي عن ابن عمر عن عمر قال: "كان يأمرنا أن لا نأخذ إلا عن ثقة". وروى الشافعي وغيره عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنا لعبد اللَّه بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئًا. فقيل له: إنا لنعظم أن يكون مثلك ابن إمامي هدى تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم. فقال: أعظم واللَّه من ذلك عند اللَّه وعند عن عرف اللَّه وعند من عقل عن اللَّه أن أقول بما ليس لي فيه علم أو خبر عن غير ثقة. قال الشافعي: وقال سعيد بن إبراهيم: لا يحدث عن النبي -ﷺ- إلا الثقات. أسنده مسلم في مقدمة الصحيح. وأسند عن ابن سيرين: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" وروى البيهقي عن النخعي قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته وإلى حاله ثم يأخذون عنه وفسر الضبط بأن يكون متيقظًا غير مغفل حافظًا إن حدث من حفظه ضابطًا لكتابه من التبديل والتغيير إن حدث منه ويشترط فيه مع ذلك أن يكون عالمًا بما يحيل المعنى إن روى به. الثانية: تثبت العدالة للراوي بتنصيص عالمين عليها وعبارة ابن الصلاح معدلين وعدل عنه لما سيأتي: أن التعديل إنما يقبل من عالم أو بالاستفاضة والشهرة فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث أو غيرهم وشاع الثناء عليه بها كفى فيها أي: في عدالته ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وأشباههم. قال ابن الصلاح: هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه وممن ذكره من أهل الحديث والخطيب. ومثله بمن ذكر وضم إليهم الليث وشعبة وابن المبارك ووكيعًا وابن معين وابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره وقد سئل ابن حنبل عن إسحاق بن راهويه فقال مثل إسحاق يسأل عنه وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس. =
[ ٧ / ٢٦٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى وكان أمرهما مشكلًا ملتبسًا ومجوزًا فيهما العدالة وغيرها قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة وتوسع الحافظ أبو عمر بن عبد البر فيه فقال: كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه ووافقه على ذلك ابن المواق من المتأخرين لقوله -ﷺ-: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" رواه من طريق العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعًا. وقوله: هذا غير مرضي والحديث من الطريق الذي أورده مرسل أو معضل وإبراهيم هو الذي أرسله قال فيه ابن القطان: لا نعرفه البتة ومعان أيضًا ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وابن عدي والجوزجاني نعم وثقة ابن المديني وأحمد وفي كتاب (العلل) للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح، فقيل له: ممن سمعته؟ فقال: من غير واحد قيل: من هم؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن ومعان لا بأس به. انتهى. قال ابن القطان: وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره قال العراقي: وقد ورد هذا الحديث متصلًا من رواية علي وابن عمر وابن عمرو وجابر بن سمرة وأبي أمامة وأبي هريرة وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوي المرسل. قال ابن عدي: ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم العذري ثنا الثقة من أصحابنا أن رسول اللَّه -ﷺ- فذكره ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرًا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبق له محمل إلا على الأمر ومعناه أنه أمر للثقات بحمل العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم والدليل على ذلك أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم ليحمل هذا العلم بلام الأمر. وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته أن بعضهم ضبطه بضم الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول ورفع العلم وفتح العين واللام من عدوله وآخره تاء فوقية فعولة بمعنى فاعل أي: كامل في عدالته أي: إن الخلف هو العدولة والمعنى إن هذا العلم يحمل أي: يؤخذ عن كل خلف عدل فهو أمر بأخذ العلم عن العدول والمعروف في ضبطه فتح ياء يحمل مبنيًّا للفاعل ونصب العلم مفعوله والفاعل عدوله جمع عدل. الثالثة: يعرف ضبطه أي: الراوي بموافقة الثقات المتقنين الضابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابط ولا تضر مخالفته =
[ ٧ / ٢٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لهم النادرة فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج به في حديثه. فائدة: ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف أن الوهم تارة يكون في الحفظ وتارة يكون في القول وتارةً في الكتابة، قال: وقد روى مسلم حديث: "لا تسبوا أصحابي" عن يحيى بن يحيى وأبي بكر وأبي كريب ثلاثتهم عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ووهم عليهم في ذلك إنما رووه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد كذلك رواه عنهم الناس كما رواه ابن ماجه عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه قال: والدليل على أن ذلك وقع منه في حال كتابته لا في حفظه أنه ذكر أولًا حديث أبي معاوية ثم ثنى بحديث جرير وذكر المتن وبقية الإسناد ثم ثلث بحديث وكيع ثم ربع بحديث شعبة ولم يذكر المتن ولا بقية الإسناد عنهما بل قال عن الأعمش بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثهما فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعهما في الحوالة عليهما. الرابعة: يقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور؛ لأن أسبابه كثيرة فيثقل ويشق ذكرها لأن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول لم يفعل كذا لم يرتكب كذا فعل كذا وكذا فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جدًّا ولا يقبل الجرح إلا مبين السبب لأنه يحصل بأمر واحد ولا يشق ذكره ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح فيطلق أحدهم الجرح بناءً على ما اعتقده جرحًا وليس بجرح في نفس الأمر فلا بد من بيان سببه لينظر هل هو قادح أو لا؟ قال ابن الصلاح: وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله وذكر الخطيب أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين وغيرهما. ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة وعمرو بن مرزوق واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم. وهكذا فعل أبو داود وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه ويدل على ذلك أيضًا أنه ربما استفسر الجارح فذكر ما ليس بجرح وقد عقد الخطيب لذلك بابًا روى فيه عن محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون فتركت حديثه. وروى مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث صالح المري فقال: وما تصنع بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حماد. وروي عن وهيب بن جرير قال: قال شعبة: أتيت منزل المنهال بن عمرو فسمعت صوت الطنبور فرجعت فقيل له: فهلا سألت عنه إذ لا يعلم هو؟ =
[ ٧ / ٢٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وروينا عن شعبة قال: قلت للحكم بن عتيبة: لم لم ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام وأشباه ذلك. قال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: فلان كذاب لا بد من بيانه لأن الكذب يحتمل الغلط كقوله: كذب أبو محمد ولما صحح ابن الصلاح هذا القول أورد على نفسه سؤالًا فقال: ولقائل أن يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح والتعديل وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على مجرد قولهم فلان ضعيف وفلان ليس بشيء وهذا حديث ضعيف أو حديث غير ثابت ونحو ذلك واشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر. ثم أجاب عن ذلك بما ذكره المصنف في قوله وأما كتب الجرح والتعديل التي لا يذكر فيها سبب الجرح فإنا وإن لم نعتمدها في إثبات الجرح والحكم به ففائدتها التوقف فيمن جرحوه عن قبول حديثه لما أوقع ذلك عندنا من الريبة القوية فيهم فإن بحثنا عن حاله وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه كجماعة في الصحيحين بهذه المثابة كما تقدمت الإشارة إليه. ومقابل الصحيح أقوال: أحدها: قبول الجرح غير مفسر ولا يقبل التعديل إلا بذكر سببه لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها فيبنى المعدل على الظاهر نقله إمام الحرمين والغزالي والرازي في المحصول. الثاني: لا يقبلان إلا مفسرين حكاه الخطيب والأصوليون لأنه كما قد يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة كما روى يعقوب الفسوي في تاريخه قال: سمعت إنسانًا يقول لأحمد بن يونس: عبد اللَّه العمري ضعيف قال: إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنه ثقة فاستدل على ثقته بما ليس بحجة لأن الحسن الهيئة يشترك فيه العدل وغيره. الثالث: لا يجب ذكر السبب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في ذلك بصيرًا مرضيًّا في اعتقاده وأفعاله وهذا اختيار القاضي أبي بكر ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقيني في محاسن الاصطلاح. واختار شيخ الإسلام تفصيلًا حسنًا فإن كان من جرح مجملًا قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنًا من كان إلا مفسرًا لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ونقدوه كما ينبغي. وهم أيقظ الناس فلا ينقض حكم أحدهم إلا =
[ ٧ / ٢٦٩ ]
[تقديم الجرح على التعديل:]
وهو -أي: الجرح- مقدم على التعديل (١) لمن شهد له وعليه بكل؛ لأن بينة الجرح علمت ما لم تعلم المعدلة.
_________________
(١) = بأمر صريح. وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف. لأنه إذا لم يعدل فهو حيز المجهول واعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله. وقال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال-: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة. انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي. أن لا يترك حديث الرجل حتى يجمعوا على تركه. الخامسة: الصحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر. فلم يشترط في جرح راويه وتعديله لأن التزكية بمنزلة الحكم وهو أيضًا لا يشترط فيه العدد وقيل لا بد من اثنين كما في الشهادة. وقد تقدم الفرق قال شيخ الإسلام: ولو قيل يفصل بين ما إذا كانت التزكية مسندة من المزكى إلى اجتهاده أو إلى النقل عن غيره لكان متجهًا لأنه إن كان الأول فلا يشترط العدد أصلًا لأنه بمنزلة الحكم وإن كان الثاني فيجري فيه الخلاف ويتبين أيضًا أنه لا يشترط العدد لأن أصل النقل لا يشترط فيه فكذا ما تفرع منه. انتهى. وليس لهذا التفصيل الذي ذكره فائدة إلا نفي الخلاف في القسم الأول وشمل الواحد العبد والمرأة وسيذكره المصنف من زوائده".
(٢) قال السيوطي في تدريبه (١/ ٣٠٩، وما بعدها): "وإذا اجتمع فيه أي: الراوي جرح مفسر وتعديل فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين ونقله الخطيب عن جمهور العلماء لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب وحسنت حاله فإنه حينئذٍ يقدم المعدل. قال البلقيني: ويأتي ذلك أيضًا هنا إلا في الكذب كما سيأتي وقيده ابن دقيق العيد بأن يبني على أمر مجزوم به لا بطريق اجتهادي كما اصطلح عليه أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبار حديث الراوي بحديث غيره والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة ورد بأن أهل الحديث لم يعتمدوا ذلك في معرفة الضبط والنقل، واستثنى أيضًا ما إذا عين سببًا فنفاه المعدل بطريق معتبر كأن قال: قتل غلامًا ظلمًا يوم كذا فقال المعدل رأيته حيًّا بعد ذلك أو كان القاتل في ذلك الوقت عندي فإنهما يتعارضان وتقييد الجرح بكونه مفسرًا جار على ما صححه المصنف وغيره كما صرح به ابن دقيق العيد وغيره. =
[ ٧ / ٢٧٠ ]
[مسألة:]
وإن شهد من زكي ثانيًا شهادة أخرى، ففي الاكتفاء بالتزكية الأولى، رواه أشهب وأطلق، ولمالك: لا يحتاج لتعديل آخر، إلا أن يغمز بشيء، أو يرتاب منه.
وقال ابن نافع: إن زكاه مشهور العدالة لم يحتج لإعادة التزكية، وله في نقل الباجي عنه: المشهور بالعدالة يكفي فيه التعديل الأول، حتى يجرح بأمرين، والذي ليس بمعروف يوقف فيه بتعديل ثان، والذي له في نقل غير الباجي عنه أن يكون المزكي بكسر الكاف مشهور العدالة، والذي في نقل الباجي بفتحها، أو لا يكفي التعديل الأول، أو لا بد من التعديل كلما شهد حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته، وهو لسحنون، ولابن القاسم: إن كانت الشهادة قريبة من الأولى ولم تطل جدًّا لم يكلف مزكيه، وإن طالت فليكشف عنه ثانية، طلب ذلك المثمهود عليه أو لا، والسنة طول.
ولأشهب في المجموعة: إن شهد بعد خمس سنين ونحوها سئل عنه المعدل الأول، فإن مات عدل مرة أخرى، وإلا لم يقبل.
وقال ابن رشد: إن شهد بالقرب من التزكية الأولى على قول سحنون أو بعد طول على قول ابن القاسم ولم يجد من يزكيه قبلت شهادته، ولم ترد؛ لأن طلب التزكية ثانئا إنما هو استحسان، والقياس الاكتفاء بتزكية أول مرة ما لم يتهم بأمر حدث، وإلى هذا الاختلاف في النقل عن المتقدمين
_________________
(١) = وقيل: إن زاد المعدلون في العدد على المجرحين قدم التعديل لأن كثرتهم تقوي حالهم وتوجب العمل بخبرهم وقلة المجرحين تضعف خبرهم قال الخطيب: وهذا خطأ وبعد ممن توهمه لأن المعدلين وإن كثروا لم يخبروا عن عدم ما أخبر به الجارحون ولو أخبروا بذلك لكانت شهادة باطلة على نفي وقيل يرجح بالأحفظ حكاه البلقيني في محاسن الاصطلاح وقيل يتعارضان فلا يترجح أحدهما إلا بمرجح حكاه ابن الحاجب وغيره عن ابن شعبان من المالكية. قال العراقي: وكلام الخطيب يقتضي نفي هذا القول فإنه قال: اتفق أهل العلم على أن من جرحه الواحد والاثنان وعدله مثل عدد من جرحه فإن الجرح به أولى ففي هذه الصورة حكاية الإجماع على تقديم الجرح خلاف ما حكاه ابن الحاجب".
[ ٧ / ٢٧١ ]
أشار بقوله: تردد.
[مسألة:]
ثم عطف على خلاف من قوله: (بخلاف أخ لأخ)، فقال: وبخلافها لأحد ولديه على الآخر، إن لم يظهر ميل للمشهود عليه منهما، كشهادته للبار على العاق، أو للصغير على الكبير.
تنبيه:
إنما قبلت هنا مع تأكيد القرب لقرب المشهود عليه أيضًا، وأعاد بخلاف لطول الفصل.
أو لأحد أبويه على الآخر، وظاهره: كان الولد مبرزًا أو لا، وهو كذلك، واشتراط التبريز ويسارة المشهود به في كتاب محمد، ومحل الجواز إن لم يظهر ميل للمشهود له، كأن يكون في ولاء الأب، أو تزوج على أمة، وأعادها، فيتهم على تغصيبه لها.
[عود على موانع الشهادة:]
وأشار للمانع الثالث، وهو: عداوة الشاهد للمشهود عليه بقوله: ولا عدو في أمر دنيوي: مال أو ميراث أو تجارة أو جاه أو منصب، وأما إن كانت غضبًا للَّه لفسقه وجرأته على اللَّه لا لغير ذلك لم تسقط.
[مسألة:]
ولما ذكر أن العداوة بين الشاهد والمشهود عليه تمنع القبول، تكلم على ما إذا كانت بسر أية مبالغًا على منعها مشيرًا للخلاف في ذلك بقوله: ولو على ابنه، وهو قول ابن القاسم، وصوبه ابن يونس، وعن محمد: الجواز.
[مسألة:]
ولما قدم أن أصل العداوة الدينية غير مانع أفاد أن ما زاد على القدر الواجب منه مانع من خلاله في المبالغة بقوله: أو طرأت العداوة الدينية
[ ٧ / ٢٧٢ ]
بين مسلم وكافر، قاله المازري وعياض، وهو الصحيح، إذ لو تمحضت للَّه لم يزد على القدر المأذون فيه، وليخبر بها الحاكم وجوبًا، بأن يقول الشاهد: بيني وبين الذي أشهد عليه عداوة، قاله مالك؛ ليسلم من التدليس، أو لاحتمال أن لا تكون تلك العداوة قادحة إذا فسرت.
ثم شبه في عدم القبول، فقال: كقوله -أي: الشاهد- للمشهود عليه بعدها تتهمني وتشبهني بالمجانين، إذا قال له ذلك مخاصمًا له به، لا شاكيًا له، أي: قاله من جهة الشكوى، لا من جهة الخصومة.
وفي هذا التقرير رد على إعراب الشارح كونهما حالين، ونحو ما قررناه للبساطي.
[مسألة:]
ولما كان الأصل أن يعتمد الشاهد على العلم، وقد يتعذر أو يقصر في بعض المسائل، فيعتمد على غلبة الظن؛ لئلا تضيع الحقوق، أشار لبعض تلك المسائل، فقال: واعتمد الشاهد في شهادته إعسار بصحبة للمشهود له بذلك، وعلى قرينة صبر ضر، كصبره على الجوع، وتكلف مشاقه، مما لا يوجد مثله، إلا مع الفقر بحيث يقوي الظن القريب من العلم، بأن من معه شيء لا يصير على مثله، وكضرر أحد الزوجين للآخر، يكفي فيه الظن، وهذا وإن كان قد يمكن القطع به، لكنه نادر، ولابن القاسم جوازه بالسماع من الحيوان والأهل.
[عود على موانع الشهادة:]
وأشار للمانع الرابع بقوله: ولا إن حرص الشاهد على إزالة نقص حصل له، كما لو تحمل وهو غير عدل، ثم زال المانع، وشهد بعد أن صار عدلًا، فيما -أي: في شيء أو في الذي- رد فيه قبل عدالته؛ لفسق أو صبا أو رق أو كفر، فلا يقبل إن أعادها.
ومفهوم كلامه: أنه لو لم يرد حال قيام المانع ثم أداها ثانيًا بعد زوال المانع لجازت، وهو قول ابن القاسم.
[ ٧ / ٢٧٣ ]
أشهب: من قال للقاضي: يشهد لي فلان العبد أو النصراني أو الصبي. فقال: لا أقبل شهادتهم. ثم زالت موانعهم قبلت شهادتهم؛ لأن قوله فتوى لا حكم.
أو حرص على التأسي، بجعل غيره مثله، كشهادة ولد الزنا فيه، أي: في الزنا، فلا يقبل؛ لتهمته على أن يكون له مشارك في صفته.
ثم ذكر مثالًا آخر للقاضي، فقال: أو كشهادة من حط فيما حد فيه بعد أن تاب، فلا تقبل على المشهور من قول ابن القاسم.
وقال ابن كنانة: تقبل.
وفهم من قوله: (فيما حد فيه) أنه لو شهد في غير ما حد فيه كمن حد للشرب وشهد في القذف مثلًا قبل، وهو كذلك.
[أقسام الحرص:]
وأشار للمانع الخامس، وهو: الحرص، وهو ثلاثة أقسام: على القبول، وعلى الأذى، وعلى التحمل، والأول والثاني مانعان دون الثالث.
وأشار لأولها بقوله: ولا إن حرص على القبول كمخاصمة مشهود عليه مطلقًا، أي: في حق اللَّه تعالى، أو حق آدمي؛ لدلالة ذلك في حق الآدمي على التعصب، وعلى شدة الحرص في حق اللَّه عند ابن القاسم.
المازري: مخاصمتهم على شدة الحرص على إنفاذها قد يحملهم ذلك على تحريفها، أو زيادة فيها.
أو شهد وحلف على صحة شهادته، لم تقبل، قاله ابن شعبان، وظاهر كلام المؤلف: عاميًّا كان أو غيره.
[أنواع الحرص على الأداء:]
ثم ذكر الحرص على الأداء، وهو ثلاثة أنواع:
الأول: تمحض حق الآدمي، وإليه أشار بقوله: أو رفع شهادته -أي:
[ ٧ / ٢٧٤ ]
أدائها- قبل الطلب لها منه في محضر حق الآدمي، فإنه قادح في شهادته، ولكن يجب عليه إعلام صاحب الحق.
وأشار لما فيه حق للَّه تعالى ويستدام فيه التحريم بقوله: وفي محض حق اللَّه تعالى لا تقدم المبادرة ولا الرفع قبل الطلب، بل تجب المبادرة فيه بالإمكان، حيث أمكنه، والتأخير حينئذٍ جرحة، وأما إن لم يكن لعذر فلا يقدم التأخير.
ومحل وجوب المبادرة إن استديم تحريمه، أي: المشهود به، كعتق لأمة أو عبد وطلاق لزوجته ووقف، وأطلق ليشمل ما على معين أو غيره، وكذا أطلق الباجي وابن رشد، وفي الجواهر: على غير معين.
ورضاع لزوج مع زوجته، وإلا بأن كان الحق للَّه ولا يستدام تحريمه خير، كالزنا وشرب الخمر الماضيين، فلا يجب الرفع؛ للستر.
تنبيه:
أطلق هنا وقيد في توضيحه عن الإكمال، بأن هذا في غير المشهور بالفسق والمعاصي المجاهر بها، فقد كره مالك وغيره الستر على مثله، ولترفع عليه الشهادة بما اعترف، ليرتدع عن فسقه.
[الحرص على التحمل:]
ثم ذكر الحرص على التحمل، فقال: بخلاف الحرص على التحمل كالمختفي المتواري عن المشهود عليه؛ ليشهد على إقراره، والمشهور العمل بها، وعليه مالك وعامة أصحابه.
[المانع السادس من موانع الشهادة:]
وأشار للمانع السادس، وهو: الاستبعاد، بقوله: ولا إن استبعد وقوع مثله عادة، كبدوي يشهد لحضري؛ إذ يبعد أن يترك الحضري أهل قريته ويشهد لأهل الباديه.
اللخمي والمازري: وذلك إذا كتب بخطه في الوثيقة والصداقات،
[ ٧ / ٢٧٥ ]
وهما في الحضر مع تيسير الحاضرة، وأما لو سمعه أو مر به فلا تهمة.
وأشار المصنف لهذا التقييد بقوله: بخلاف إن سمعه يقر، أو يبيع منه سلعة، أو حصل بينهما منازعة في عقد نكاح، فاعترف به أحدهما، أو جمعهم سفر، أو مر به فسمعه يقر، فإنها جائزة؛ إذ لا ريبة.
ومفهوم كلام المؤلف: قبول الحضري على البدوي.
ابن وهب: وأنا أرى أنها جائزة، إلا أن يدخلها ما دخل عكسها من الظنة والتهمة، ورأى قوم منعها.
[شهادة السائل:]
ولما كانت شهادة السائل منخرطة في سلك الاستبعاد أتبعها له بقوله: ولا تجوز شهادة فقير سائل إن شهد في شيء كثير؛ لأن العادة لم تجر باستشهاد مثله، وترك الأغنياء المشهودين.
ومفهوم (كثير) قبولها في التافه اليسير، وهو كذلك، إذا كان عدلًا، قاله في المدونة.
تنبيهان:
الأول: قيده اللخمي بما إذا قصد الشهادة، وأما لو قال: مررت بهما يتنازعان، وأقر فلان لفلان بكذا، فإنه يقبل، كما في الفرع السابق.
الثاني: ظاهر كلام المصنف سواء سأل لمصيبة نزلت به أم لا.
وقال ابن كنانة: من سأل لمصيبة نزلت به أو دية وقعت عليه، لم ترد شهادته.
بخلاف من لم يسأل، سواء كان يأخذ إذا أعطى، أو لا يقبل، أو من يسأل الإمام أو الأعيان من الناس، فيقبل مطلقًا في الكثير والقليل.
ابن الحاجب: على الأصح.
ومقابله: لا يقبل في الكثير.
[ ٧ / ٢٧٦ ]
[المانع السابع:]
وأشار لمانع الجر، وهو السابع، بقوله: ولا إن جر بها -أي: بشهادته- نفعًا لنفسه، وذكر لذلك أمثلة أشار لأحدها بقوله: كعلى مورثه المحصن بالزنا أو قتل العمد، فلا تقبل شهادته عليه؛ لاتهامه في المسألتين على قصد قتله؛ ليرثه، وسواء كان الشهود كلهم ورثة أو بعضهم ممن لا تتم الشهادة إلا به.
وخرج بـ (المحصن) البكر، وبـ (العمد) الخطأ، فتقبل.
وقيد أشهب عدم القبول بكون مورثه غنيًّا، واعتمده، فقال: إلا الفقير، فيقبل، ويدخل في كلامه الوارث المزكى لشاهد القتل.
وأشار لثاني الأمثلة بقوله: أو يشهد بعتق من يتهم في ولائه، بأن أباه أعتقه، ولم يذكر ما قيد به صاحب المدونة من كون العبد يرغب في ولاية، ولا أن يكون في الورثة من لا حق له في الولاء، كالبنات والزوجات، ولا كون التهمة حاصلة الآن بأنه لو مات الآن لورثه، مع أنه ذكر ذلك في توضيحه، وكأنه استغنى عنه بقوله: أو شهد بدين لمدينه؛ لاتهامه على أخذ دينه منه (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٢١): " (أو) شهادة (بدين لمدينه) أي: الشاهد فلا تقبل لاتهامه بقصد أخذه في دينه الذي على المشهود له، وظاهره كان المشهود له غنيًّا أو فقيرًا اتحد الدينان في الصفة أو اختلفا كان الدين حالًا أو مؤجلًا. ومفهوم بدين أن شهادته له بغير المال مقبولة وهو كذلك قاله غير واحد من الأشياخ. وفي (العتبية) من سماع ابن القاسم جواز شهادة رب الدين للمدين ابن القاسم: بلغني عن مالك رضي اللَّه تعالى عنه أنها تقبل إذا كان المدين موسرًا، وإن كان معسرًا فلا تقبل. ابن رشد هذا الذي بلغه هو تفسير ما سمعه مجملًا، وهذا إذا كان الدين حالًا أو قريب الحلول، وأما إن بعد فجائزة كما لو كان مليًّا وكأن المصنف لم يعتبر قول ابن رشد أنه تفسير، قاله تت. طفى: فيه نظر؛ لأنه إذا لم يعتبر قول ابن رشد أنه تفسير يكون قول ابن القاسم بالجواز مطلقًا، وما بلغه خلافًا له، فأين مستند المصنف بالمنع مطلقًا، فلا بد من =
[ ٧ / ٢٧٧ ]
وظاهره: غنيًّا كان أو فقيرًا، اتحد الدينان أو اختلفا، بشرط كونه مالًا، وأما غيره فيقبل فيه، قاله غير واحد من الأشياخ، وهو المشهور.
وظاهره: كان الدين حالًا أو لا.
بخلاف شهادة المنفق: بكسر الفاء للمنفق عليه، فإنها جائزة له، قريبًا كان أو أجنبيًّا، وأما شهادة من في النفقة للمنفق فلا تجوز.
وبخلاف شهادة كل من الشهود للآخر، سواء شهد الثاني على المشهود عليه أو على غيره، إن لم يكن ذلك بالمجلس الأول، بل وإن كان بالمجلس الأول، وهو المشهور وقول ابن القاسم.
تنبيه:
يتلخص من كلامه منطوقًا ومفهومًا صور:
الأولى: إن شهد الشاهد على رجل بأن لفلان عليه عشرة دراهم، ويشهد فلان المشهود له بأن على المشهود عليه للشاهد عشرة دراهم لمجلس واحد، فهاهنا اتحد المشهود عليه والمشهود به والزمان والمكان، فقال مطرف وابن الماجشون: لا يقبلان.
وظاهر كلام المؤلف: القبول، وهو ظاهر كلام ابن القاسم.
_________________
(١) = القيد وهو ظاهر ابن شاس وابن الحاجب، وأنه لا خصوصية للشهادة بالدين، ولذا قال ابن مرزوق: لو قال أو بمال لمدينه المعدم أو الملد لجمع القيود كلها. اهـ. ونوقش ببقاء قيد الحلول أو قربه، وعذر تت متابعة التوضيح التابع لقول ابن عبد السلام في المسألة ثلاثة أقوال: ردها مطلقًا، وعزاه لابن القاسم، وجوازها مطلقًا لأشهب، ولبعضهم التفرقة بعد المليء والمعدم وتبعهما في الشامل، وفيه نظر، إذ لم أجد المنع مطلقًا لابن القاسم، وعلى كلام ابن رشد المتقدم اقتصر ابن عرفة ولم يحك فيها خلافًا، ولعلهما لم يقفا على كلام ابن رشد بدليل عزوهما التفرقة لبعضهم وهو في كلام ابن رشد لمالك فيما بلغ ابن القاسم، وذلك كله في (العتبية)، وقد أشار "ح" لما قلناه، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٢٧٨ ]
الثانية: إذا تعدد المشهود عليه، والمسألة بحالها، فالمذهب القبول، وروى اللخمي عدمه.
الثالثة: تعدد المجلس والمسألة بحالها، وهي كالتي قبلها فيما تقدم، وحكى المازري فيها الاتفاق، ولم يعتبر رأي اللخمي.
الرابعة: أن يختلف الكل ويطول الزمان، ولا يعلم من هذه خلاف في القبول.
وبخلاف شهادة القافلة بعضهم لبعفر في حرابة، فتقبل على من حاربوه؛ إذ لا سبيل لغير ذلك.
وظاهره: عدولًا كانوا أو لا (١)، وفي المدونة: إن كانوا عدولًا، وسواء شهدوا بمال أو قتل أو غيره.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٢٣): "طفى: قوله وظاهره كانوا عدولًا أو لا، ليس هذا ظاهر كلام المصنف؛ لأن كلامه في مقبول الشهادة. البناني وهذا إذا شهدوا في حرابة. وأما إن شهد بعضهم على بعض في معاملة ففي "ق" روى الأخوان عن الإمام مالك وجميع أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم أنها جائزة للضرورة بمجرد توهم الحرية والعدالة في ذلك السفر وحده، وإن لم تتحقق العدالة، وعليه درج في التحفة إذ قال: ومن عليه وسم خير قد ظهر زكي إلا في ضرورة السفر ابن عرفة فيها تجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولًا، إذ لا سبيل إلى غير ذلك شهدوا بقتل أو أخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة أحد منهم لنفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض. وسمع يحيى بن القاسم إن شهد مسلوبون على أن هؤلاء سلبونا هذه الثياب والدواب وهي قائمة بأيديهم أقيم عليهم بشهادتهم ولا يستحقون المتاع ولا الدواب إلا بشهيدين سواهما. ابن رشد قيل هذه مخالفة لما فيها، إذ لم يقل يحلف كل منهما مع شهادة صاحبه ويستحق حقه على قبيل قوله في سرقتها أنه يقام على المحاربين الحد ويعطون المال بشهادة بعضهم لبعض. وقيل: ليست مخالفة له ومعنى السماع أنهما شريكان في المتاع والدواب، فلذا سقطت شهادة أحدهما للآخر. وقيل: يستحقان الدواب والمتاع وإن كانا شريكين فيهما وهو الآتي على رواية مطرف =
[ ٧ / ٢٧٩ ]
لا شهادة المجلوبين من موضع واحد، فلا يقبل بعضهم لبعض، إلا النفر الكثير منهم كعشرين فأكثر، فيقبل بعضهم لبعض، وأباه سحنون في العشرين؛ لأنهم تأخذهم حمية البلدية (١).
_________________
(١) = في أن شهادة شهيدين من المسلوبين على من سلبوهم جائزة في الحد والمال لأنفسهما ولأصحابهما؛ لأنها إذا جازت في الحد جازت في المال لأنفسهما ولغيرهما، إذ لا يجوز بعض الشهادة ويرد بعضها. وقيل: لا تجوز في حد ولا في مال لغيرهما، إذ لم تجز لأنفسهما؛ لأن من اتهم في بعض شهادته ردت كلها، وهذا قول أصبغ. ثم قال: ففي صحتها في الحد والمال ولو لأنفسهما وردها فيهما ولو بالمال لغيرهما. ثالثها في الحد والمال لغيرهما لا لأنفسهما، ثم قال: ورابعها لا تجوز من أقل من أربعة فتجوز في الحد وفي أموال الرفقة ولا في أموال الشهداء. هذا كله إن كان ما شهدوا به لأنفسهم كثيرًا، وإن كان يسيرًا لا يتهمون عليه جازت لهم ولغيرهم لا يدخل فيه الاختلاف الذي في الوصية لموضع الضرورة، ولو شهدوا عليهم بالسلب دون المال جازت عليهم في الحد وبعضهم لبعض بعد ذلك فيما وجد بأيديهم من المال اتفاقًا فيهما".
(٢) قال في المنح (٨/ ٤٢٤): " (كعشرين) عدلًا منهم وأباه سحنون في العشرين؛ لأنهم تأخذهم حمية البلدية. الخرشي: يعني أن المجلوبين لا تجوز شهادتهم بعضهم لبعض إلا أن يكثروا ويشهد منهم كالعشرين فأكثر فتقبل، ولا تجوز شهادة بعضهم لنفسه، وهل تشترط العدالة في العشرين أو لا؟ الأول للتونسي، والثاني للخمي، وكون العشرين شاهدين صرح به التونسي وأبو الحسن، والمجلوبون قوم أرسلهم السلطان لسد ثغر أو حراسة قرية أو قوم كفار أتوا مترافقين لبلد الإسلام أسلموا استرقوا أم لا لاتهامهم بحمية البلدية. العدوي المعتمد اشتراط عدالة العشرين وقول اللخمي ضعيف. طفى: عمم في توضيحه ومختصره عدم قبول شهادة المجلوبين وقرره تت وغيره على ذلك، والمسألة مفروضة في الشهادة بالنسب، وبها قرره ابن مرزوق، ففيها المحمولون إذا أعتقوا فادعى بعضهم أنه أخ لبعض أو عصبتهم، قال الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه: أما أهل البيت والنفر اليسير يحملون إلى أرض الإسلام ويسلمون فلا يتوارثون بقولهم ولا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يشهد لهم بذلك من كان ببلدهم من المسلمين. وأما أهل الحصن والعدد الكثير يحملون إلى أرض الإسلام ويسلمون فتقبل شهادة بعضهم لبعض ويتوارثون بذلك. وفيها أيضًا كل بلد فتحت عنوة وأقر أهلها فيها وأسلموا وشهد بعضهم لبعض فإنهم =
[ ٧ / ٢٨٠ ]
وفهم بعض مشايخي أنه لا يقبل من المجلوبين، إلا أن يكون الشهود منهم عشرين.
[مسألة:]
ولا تقبل شهادة من شهد له بكثير ولغيره بكثير أو قليل بوصية، أي: فيها؛ للتهمة، وفي الجلاب قبولها لغيره فقط، وإلا بأن شهد لنفسه فيها بقليل ولغيره بقليل أو كثير قبل لهما، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وظاهر كلامه: كانت الوصية مكتوبة أو لا، ولابن رشد تفصيل، انظره في الكبير.
فائدة:
وهذه من الشهادات التي يقبل بعضها، ويرد بعضها، ومنها شهادة رجل وامرأتين على السرقة، لا قطع على السارق بشهادة النساء، ويغرم المال، ومنها شهادتهن في دين وطلاق، وتجوز في الدين، وترد في الطلاق، ومنها شهادة رجلين على رجلين هما عدوان لأحدهما في ذكر
_________________
(١) = يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية، وهم على أنسابهم التي كانوا عليها كما كانت العرب حين أسلمت، وكذلك الحصن يفتح وشبهه بخلاف العدد القليل يحملون إلينا. ابن القاسم وأصبغ العشرون عدد كثير وأباه سحنون. أبو الحسن هذا خاص بشهادتهم بالنسب، وهل تشترط العدالة أو لا تشترط؟ خلاف أطال الكلام في تحقيقه، واختار منه الاشتراط. اهـ. "ق". ابن حبيب عن الأخوين رأينا مالكًا وجميع أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم يجيزون للضرورة شهادة بعض أهل الرفقة بعضهم على بعض إذا عرض لهم خصام فيما يدور بينهم من البيع والكراء والسلف والمعاملة بتوسم الحرية والعدالة في ذلك الشاهد، كانوا من بلد واحد أو بلدان شتى، ولا تجريح للخصم. فيهم عند ابن الماجشون ولا تجوز شهادتهم بعفحهم على بعض في الحدود والغصب؛ لأن هذه الوجوه لا شهادة فيها إلا بالعدالة الظاهرة، وإنما أجيزت فيما ذكرنا لإصلاح السبيل ورد أكثر الشر. اهـ من المفيد. فانظره مع قول الرماصي المسألة مفروضة في الشهادة على النسب، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٢٨١ ]
حق، فشهادتهما ساقطة، وإن شهدا لفظًا سقطت عن العدو، وجازت لغيره.
[المانع الثامن:]
وأشار لمانع ثان، وهو الدفع، أو هو تتميم للسابع، كما في توضيحه، وذكر له مثالين:
أحدهما قوله: ولا إن دفع الشاهد بشهادته ضررًا لولاها لنا له، كشهادة بعض العاقلة بفسق شهود القتل كلهم أو بعضهم عمن يثبت به القتل خطأ على من يعقل الشاهد عنه.
وأشار للمثال الثاني بقوله: أو المدان: بضم الميم وفتح الدال المعسر الذي لا مال له يشهد لربه -أي: لرب الدين- واحترز به من الغني الذي لا يستضر بدفع ما عليه، فإن شهادته له جائزة عن ابن القاسم وجماعة.
[مسألة:]
ولا يقبل شهادة مفت على مستفتيه إن كان المسؤول عنه مما ينوى فيه، ولو أقر به عند القاضي، أو أسرته البينة، يحكم عليه به، كقوله للمفتي: كانت زوجتي موثقة، وقالت: أطلقني. فقلت: أنت طالق، وأردت من الوثاق، فيفتيه المفتي بأن لا شيء عليه، ولو طلبت زوجته من المفتي الشهادة لها بذلك، فلا يشهد لها به، قاله ابن القاسم.
ابن المواز: ولو شهد لها لم ينفعها.
وأما ما أقر به عند الفقيه بما لا ينوى فيه من طلاق أو حد أو حق ثم أنكر فليشهد عليه، وإليه أشار بقوله: وإلا بأن كان مما لا ينوى فيه، بل يستوي فيه المفتي والقاضي، رفع الشهادة بذلك، ولا تقبل الشهادة إن شهد باستحقاق لشخص في دار مثلًا، أو ثوب، وقال: أنا بعته له؛ لأن المؤثر قوله: أنا بعته له.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
تنبيه:
قال في النوادر: سئلت عمن شهد لرجل استحق ثوبًا بأنه له، وقال: أنا بعته منه، فأجبته بأن الشهادة لا تجوز؛ لأن من شهد له بشيء أنه يملكه بشرائه من فلان لا تتم الشهادة، حتى يقولوا: وإن فلانا البائع يملكه، أو يحوزه حيازة الملك، حتى باعه من هذا.
[مسألة:]
ولا إن حدث -أي: ظهر من الشاهد- فسق بعد الأداء، لشهادته عند الحاكم، وقبل الحكم بها؛ فإنها ترد.
تنبيه:
عبَّر عن ظهوره بحدوثه، وسواء كان الفسق بما يسر كالزنا والشرب، أو لا كالجرح والقتل والقذف، وهو قول ابن القاسم وأصبغ.
وقال ابن الماجشون: لا تبطل. واختاره غير واحد.
بخلاف ظهور تهمة جر بعد الأداء، كتزويجه بامرأة بعد أن شهد لها؛ فإنها لا ترد، وقيده ابن رشد بأنها لا تعرف خطبتها له قبل ذلك.
وبخلاف طروء تهمة دفع كشهادته بفسق رجل، ثم بعد ذلك شهد الشهود بفسقه على رجل أنه قتل رجلًا خطأً، والشاهد الأول من عاقلة القاتل، فإنها لا ترد.
وبخلاف ظهور عداوة بعد الأداء، كوقوع خصومة بينه وبين المشهود عليه، وقيد بما إذا لم يتبين لذلك سبب سابق.
[كلام العلماء بعضهم في بعض:]
ولا تقبل شهادة عالم على مثله (١)، حكاه ابن رشد عن ابن القاسم؛ لأنهم أشد تحاسدًا.
_________________
(١) وكلام العلماء بعضهم في بعض مصيبة كل عصر بعد عصر النبوة والخلافة الراشدة، ككلام ابن أبي ذئب في مالك، حتى تجرأ وقال لفهم رآه مالك: يستتاب، فإن تاب، =
[ ٧ / ٢٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وإلا ضربت عنقه، ما جعل ابن حنبل يقول في ابن أبي ذئب: "هو أورع وأقول بالحق من مالك"، فرد الذهبي قائلًا في سير أعلام النبلاء (٧/ ١٤٢)، وما بعدها: "قلت: لو كان ورعًا كما ينبغي، لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث" لأنه رآه منسوخًا. وقيل: عمل به، وحمل قوله: (حتى يتفرقا) على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولا بد، فإن أصاب، ازداد أجزا آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية. وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما -﵄-، ولم يسندها الإمام أحمد، فلعلها لم تصح". وقال في ميزان الاعتدال (١/ ١١١): "وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر، بل هما عندي مقبولان، لا أعلم لهما ذنبًا أكثر من روايتهما الموضوعات ساكتين عنها. قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي الحافظ، رأيت بخط ابن طاهر المقدسي يقول: أسخن اللَّه عين أبي نعيم، يتكلم في أبي عبد اللَّه بن مندة، وقد أجمع الناس على إمامته وسكت عن لا حق وقد أجمع الناس على أنه كذاب. قلت: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم اللَّه، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللَّهم فلا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم". وقد وضع لضبط ذلك الكلام تاج الدين السبكي كلامًا نفيسًا، رأيت لأهميته سرده للمنفعة، قال في طبقات الشافعية الكبرى (٢/ ٩، وما بعدها): "قاعدة في الجرح والتعديل ضرورية نافعة، لا تراها في شيء من كتب الأصول فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل ورأيت الجرح والتعديل وكنت غرًّا بالأمور أو فدمًا مقتصرًا على منقول الأصول حسبت أن العمل على جرحه فإياك ثم إياك والحذر كل الحذر من هذا الحسبان بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون. وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الكتاب العلم بابًا في حكم قول العلماء =
[ ٧ / ٢٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بعضهم في بعض بدأ فيه بحديث الزبير -﵁-: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء" الحديث. وروى بسنده عن ابن عباس -﵄- أنه قال: "استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسى بيده لهم أشد تغايرًا من التيوس في زروبها". وعن مالك بن دينار يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض. قلت: ورأيت في كتاب معين الحكام لابن عبد الرفيع من المالكية وقع في المبسوطة من قول عبد اللَّه بن وهب أنه لا يجوز شهادة القارئ على القارئ يعني العلماء لأنهم أشد الناس تحاسدًا وتباغيًا. وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار. انتهى. ولعل ابن عبد البر يرى هذا ولا بأس به غير أنا لا نأخذ به على إطلاقه ولكن نرى أن الضابط ما نقوله من أن ثابت العدالة لا يلتفت فيه إلى قول من تشهد القرائن بأنه متحامل عليه إما لتعصب مذهبي أو غيره. ثم قال أبو عمر بعد ذلك الصحيح في هذا الباب أن من ثبتت عدالته وصحت في العلم إمامته وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات. واستدل بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد فيما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه. وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلًا واجتهادًا. ثم اندفع ابن عبد البر في ذكر كلام جماعة من النظراء بعضهم في بعض وعدم الالتفات إليه لذلك إلى أن انتهى إلى كلام ابن معين في الشافعي وقال: إنه مما نقم على ابن معين وعيب به وذكر قول أحمد بن حنبل: من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقوله الشافعي ومن جهل شيئًا عاداه. قلت: وقد قيل: إن ابن معين لم يرد الشافعي وإنما أراد ابن عمه كما سنحكيه إن شاء اللَّه تعالى في ترجمة الأستاذ أبي منصور وبتقدير إرادته الشافعي فلا يلتفت إليه وهو عار عليه وقد كان في بكاء ابن معين على إجابته المأمون إلى القول بخلق القرآن وتحسره على ما فرط منه ما ينبغي أن يكون شاغلًا له عن التعرض إلى الإمام الشافعي إمام الأئمة ابن عم المصطفى -ﷺ-. ثم ذكر ابن عبد البر كلام ابن أبي ذيب وإبراهيم بن سعد في مالك بن أنس قال: وقد تكلم أيضًا في مالك عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ومحمد بن إسحاق وابن أبي يحيى وابن أبي الزناد وعابوا أشياء من مذهبه وقد برأ اللَّه ﷿ مالكًا =
[ ٧ / ٢٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عما قالوا وكان عند اللَّه وجيهًا. قال: وما مثل من تكلم في مالك والشافعي ونظائرهما إلا كما قال الأعشى: كناطح صخرة يومًا ليقلعها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل أو كما قال الحسن بن حميد: يا ناطح الجبل العالي ليكلمه أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول: ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا وللناس قال بالظنون وقيل وقيل لابن المبارك فلان يتكلم في أبي حنيفة فأنشد: حسدوك أن رأوك فضلك اللَّه بما فضلت به النجباء وقيل لأبي عاصم النبيل فلان يتكلم في أبي حنيفة فقال: هو كما قال نصيب. سلمت وهل حي على الناس يسلم وقال أبو الأسود الدؤلي: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم. ثم قال ابن عبد البر: فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم في بعض فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا. قال: وإن لم يفعل ولن يفعل إن هداه اللَّه وألهمه رشده فليقف عندما شرطناه في أن لا يقبل في صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له. قلت: هذا كلام ابن عبد البر وهو على حسنه غير صاف عن القذى والكدر فإنه لم يزد فيه على قوله إن من ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه إلا ببرهان وهذا قد أشار إليه العلماء جميعًا حيث قالوا: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا. فما الذي زاده ابن عبد البر عليهم وإن أومأ إلى أن كلام النظير في النظير والعلماء بعضهم في بعض مردود مطلقًا كما قدمناه عن المبسوطة فليفصح به ثم هو مما لا ينبغي أن يؤخذ هذا على إطلاقه بل لا بد من زيادة على قولهم إن الجرح مقدم على التعديل. ونقصان من قولهم كلام النظير في النظير مردود. والقاعدة معقودة لهذه الجملة ولم ينح ابن عبد البر فيما يظهر سواها وإلا لصرح بأن =
[ ٧ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كلام العلماء بعضهم في بعض مردود أو لكان كلامه غير مفيد فائدة زائدة على ما ذكره الناس ولكن عبارته كما ترى قاصرة عن المراد. فإن قلت: فما العبارة الوافية بما ترون؟ قلت: ما عرفناك أولًا من أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية كما يكون من النظراء أو غير ذلك فنقول مثلًا: لا يلتفت إلى كلام ابن أبي ذيب في مالك وابن معين في الشافعي والنسائي في أحمد بن صالح لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله وكان القاطع قائضا على كذبه. ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المزكون برآء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جرحوا بناءً على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) إلى هذا وقال أعراض: المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام. قلت: ومن أمثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري تركه أبو زرعة وأبو حاتم من أجل مسألة اللفظ فيا للَّه والمسلمين أيجوز لأحد أن يقول البخاري متروك وهو حامل. لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة ثم يا للَّه والمسلمين أتجعل ممادحه مذام فإن الحق في مسألة اللفظ معه إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أن تلفظه من أفعاله الحادثة التي هي مخلوقة للَّه تعالى وإنما أنكرها الإمام أحمد -﵁- لبشاعة لفظها. ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم بن حبان: لم يكن له كبير دين نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد للَّه فيا ليت شعري من أحق بالإخراج من يجعل ربه محدودًا أو من ينزهه عن الجسمية. وأمثلة هذا تكثر وهذا شيخنا الذهبي ﵀ من هذا القبيل له علم وديانة وعنده على أهل السنَّة تحمل مفرط فلا يجوز أن يعتمد عليه. ونقلت من خط الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي ﵀ ما نصه الشيخ الحافظ شمس الدين الذهبي لا أشك في دينه وورعه وتحريه فيما يقوله الناس ولكنه غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه حتى أثر ذلك في طبعه انحرافًا شديدًا عن أهل التنزيه وميلًا قويًّا إلى أهل الإثبات فإذا ترجم واحدًا منهم =
[ ٧ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في وصفه ويتغافل عن غلطاته ويتأول له ما أمكن وإذا ذكر أحدًا من الطرف الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يبالغ في وصفه ويكثر من قول من طعن فيه ويعيد ذلك ويبديه ويعتقده دينًا وهو لا يشعر ويعرض عن محاسنهم الطافحة فلا يستوعبها وإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها وكذلك فعله في أهل عصرنا إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: واللَّه يصلحه ونحو ذلك وسببه المخالفة في العقائد. انتهى. والحال في حق شيخنا الذهبي أزيد مما وصف وهو شيخنا ومعلمنا غير أن الحق أحق أن يتبع وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه. وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا لنا الشريعة النبوية فإن غالبهم أشاعرة وهو إذا وقع بأشعري لا يبقى ولا يذر. والذي أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة عند من لعل أدناهم عنده أوجه منه فاللَّه المسؤول أن يخفف عنه وأن يلهمهم العفو عنه وأن يشفعهم فيه. والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله ولم يكن يستجرى أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه. وأما قول العلائي ﵀ دينه وورعه وتحريه فيما يقوله فقد كنت أعتقد ذلك وأقول عند هذه الأشياء إنه ربما اعتقدها دينًا ومنها أمور أقطع بأنه يعرف بأنها كذب وأقطع بأنه لا يختلقها وأقطع بأنه يحب وضعها في كتبه لتنتشر وأقطع بأنه يحب أن يعتقد سامعها صحتها بغضًا للمتحدث فيه وتنفيرًا للناس عنه مع قلة معرفته بمدلولات الألفاظ ومع اعتقاده أن هذا مما يوجب نصر العقيدة التي يعتقدها هو حقًّا ومع عدم ممارسته لعلوم الشريعة غير أني لما أكثرت بعد موته النظر في كلامه عند الاحتياج إلى النظر فيه توقفت في تحريه فيما يقوله ولا أزيد على هذا غير الإحالة على كلامه فلينظر كلامه من شاء ثم يبصر هل الرجل متحر عند غضبه أو غير متحر وأعني بغضبه وقت ترجمته لواحد من علماء المذاهب الثلاثة المشهورين من الحنفية والمالكية والشافعية فإني أعتقد أن الرجل كان إذا مد القلم لترجمة أحدهم غضب غضبًا مفرطًا ثم قرطم الكلام ومزقه وفعل من التعصب ما لا يخفى على ذي بصيرة ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ كما ينبغي فربما ذكر لفظة من الذم لو عقل معناها لما نطق بها ودائمًا أتعجب من ذكره الإمام فخر الدين الرازي في كتاب الميزان في الضعفاء وكذلك السيف الآمدي وأقول: يا للَّه العجب هذان لا رواية لهما ولا جرحهما أحد ولا سمع من أحد أنه ضعفهما فيما ينقلانه من علومهما فأي مدخل لهما في هذا الكتاب ثم إنا لم نسمع أحدًا يسمى الإمام فخر الدين بالفخر بل إما الإمام وإما ابن =
[ ٧ / ٢٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الخطيب وإذا ترجم كان في المحمدين فجعله في حرف الفاء وسماه الفخر ثم حلف في آخر الكتاب. أنه لم يتعمد فيه هوى نفسه فأي هوى نفس أعظم من هذا فإما أن يكون ورى في يمينه أو استثنى غير الرواة فيقال له فلم ذكرت غيرهم وإما أن يكون اعتقد أن هذا ليس هوى نفس وإذا وصل إلى هذا الحد -والعياذ باللَّه- فهو مطبوع على قلبه. ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول. فإن قلت قولكم لا بد من تفقد حال العقائد هل تعنون به أنه لا يقبل قول مخالف عقيدة فيمن خالفه مطلقًا سواء السني على المبتدع وعكسه أو غير ذلك قلت هذا مكان معضل يجب على طالب التحقيق التوقف عنده لفهم ما يلقى عليه وأن لا يبادر لإنكار شيء قبل التأمل فيه. واعلم أنا عنينا ما هو أعم من ذلك ولسنا نقول لا تقبل شهادة السني عن المبتدع مطلقًا -معاذ اللَّه- ولكن نقول من شهد على آخر وهو مخالف له في العقيدة أوجبت مخالفته له في العقيدة ريبة عند الحاكم المنتصر لا يجدها إذا كانت الشهادة صادرة من غير مخالف في العقيدة ولا ينكر ذلك إلا فدم أخرق. ثم المشهود به يختلف باختلاف الأحوال والأغراض فربما وضح غرض الشاهد على المشهود عليه إيضاحًا لا يخفى على أحد وذلك لقربه من نصر معتقده أو ما أشبه ذلك وربما دق وغمض بحيث لا يدركه إلا الفطن من الحكام ورب شاهد من أهل السنَّة ساذج قد مقت المبتدع مقتًا زائدًا على ما يطلبه اللَّه منه وأساء الظن به إساءة أوجبت له تصديق ما يبلغه عنه فبلغه عنه شيء فغلب على ظنه صدقه لما قدمناه فشهد به فسبيل الحاكم التوقف في مثل هذا إلى أن يتبين له الحال فيه وسبيل الشاهد الورع ولو كان من أصلب أهل السنَّة أن يعرض على نفسه ما نقل له عن هذا المبتدع وقد صدقه وعزم على أن شهد عليه به أن يعرض على نفسه مثل هذا الخبر بعينه وهذا المخبر بعينه لو كان عن شخص من أهل عقيدته هل كان يصدقه وبتقدير أنه كان يصدقه فهل كان يبادر إلى الشهادة عليه به وبتقدير أنه كان يبادر فليوازن ما بين المبادرتين فإن وجدهما سواء فدونه والا فليعلم أن حظ النفس داخله وأزيد من ذلك أن الشيطان استولى عليه. فخيل له أن هذه قربة وقيام في نصر الحق وليعلم من هذه سبيله أنه أتى من جهل وقلة دين. وهذا قولنا في سني يجرح مبتدعا فما الظن بمبتدع يجرح سنيًّا كما قدمناه. وفي المبتدعة لا سيما المجسمة زيادة لا توجد في غيرهم وهو أنهم يرون الكذب لنصرة مذهبهم والشهادة على من يخالفهم في العقيدة بما يسوءه في نفسه وماله =
[ ٧ / ٢٨٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بالكذب تأييدًا لاعتقادهم ويزداد حنقهم وتقربهم إلى اللَّه بالكذب عليه بمقدار زيادته في النيل منهم فهؤلاء لا يحل لمسلم أن يعتبر كلامهم. فإن قلت: أليس أن الصحيح في المذهب قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفره؟ قلت: قبول شهادته لا يوجب دفع الريبة عند شهادته على مخالفه في العقيدة والريبة توجب الفحص والتكشف والتثبت وهذه أمور تظهر الحق إن شاء اللَّه تعالى إذا اعتمدت على ما ينبغي. وفي تعليقة القاضي الحسين: لا يجوز أن يبغض الرجل لأنه من مذهب كذا فإن ذلك يوجب رد الشهادة. انتهى. ومراده لأنه من مذهب من المذاهب المقبولة أما إذا أبغضه لكونه مبتدعًا فلا ترد شهادته. واعلم أن ما ذكرناه من قبول شهادة المبتدع هو ما صححه النووي وهو مصادم لنص الشافعي على عدم قبول الخطابية وهي طريقة الأصحاب وأصحاب هذه الطريقة يقولون: لو شهد خطابي وذكر في شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد على قول المدعي بأن قال: سمعت فلانًا يقر بكذا لفلان أو رأيته أقرضه قبلت شهادته وهذا منهم بناءً على أن الخطابي يرى جواز الشهادة لصاحبه إذا سمعه يقول لي على فلان كذا فصدقه وإليه أشار الشافعي. وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا هذا فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوءه في نفسه وماله. وبلغني أن كبيرهم استفتى في شافعي أيشهد عليه بالكذب فقال: ألست تعتقد أن دمه حلال؟ قال: نعم، قال: فما دون ذلك دون دمه فاشهد وادفع فساده عن المسلمين. فهذه عقيدتهم ويرون أنهم المسلمون وأنهم أهل السنَّة ولو عدوا عددًا لما بلغ علماؤهم ولا عالم فيهم على الحقيقة مبلغًا يعتبر ويكفرون غالب علماء الأمة ثم يعتزون إلى الإمام أحمد بن حنبل -﵁- وهو منهم بريء ولكنه كما قال بعض العارفين ورأيته بخط الشيخ تقي الدين بن الصلاح إمامان ابتلاهما اللَّه بأصحابهما وهما بريئان منهم أحمد بن حنبل ابتلي بالمجسمة وجعفر الصادق ابتلي بالرافضة. ثم هذا الذي ذكرناه هو على طريقة النووي ﵀ والذي أراه أن لا تقبل شهادتهم على سني. فإن قلت: هل هذا رأى الشيخ أبي حامد ومن تابعه أن أهل الأهواء كلهم لا تقبل لهم شهادة؟ قلت: لا بل هذا قول بأن شهادتهم على مخالفيهم في العقيدة غير مقبولة ولو كان مخالفهم في العقيدة مبتدعًا وهذا لا أعتقد أن النووي ولا غيره يخالف فيه والذي قاله =
[ ٧ / ٢٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = النووي قبول شهادة المبتدع إذا لم نكفره على الجملة أما أن شهادته تقبل بالنسبة إلى مخالفه في العقيدة مع ما هناك من الريبة فلم يقل النووي ولا غيره ذلك. فإن قلت: غاية المخالفة في العقيدة أن توجب عداوة وهب دينية فلا توجب رد الشهادة. قلت: إنما لا توجب رد الشهادة من المحق على المبطل كما قال الأصحاب تقبل شهادة السني على المبتدع وكذا من أبغض الفاسق لفسقه ثم سأعرفك ما فيه وأما عكسه وهو المبتدع على السني فلم يقله أحد من أصحابنا. ثم أقول في ما ذكره الأصحاب من قبول شهادة السني على المبتدع إنما ذلك في سني لم يصل في حق المبتدع وبغضه له إلى أن يصير عنده حظ نفس قد يحمله على التعصب عليه وكذا الشاهد على الفاسق فمن وصل من السني والشاهد على الفاسق إلى هذا الحد. لم أقبل شهادته عليه لأن عندهما زيادة على ما طلبه الشارع منهما أوجبت عندي الريبة في أمرهما فكم من شاهد رأيته يبغض إنسانًا ويشهد عليه بالفسق تدينًا وجاءني وأدى الشهادة عندي باكيًا وقت تأديته الشهادة على الدين فرقًا خائفًا أن يخسف بالمسلمين لوجود المشهود عليه بين أظهرنا. وأنا والذي نفسي بيده أعتقد وأتيقن أن المشهود عليه خير منه ولا أقول إنه كذب عليه عامدًا بل إنه بنى على الظن وصدق أقوالًا ضعيفة أبغض المشهود عليه بسببها فمنذ أبغضه لحقه هوى النفس واستولى عليه الشيطان وصار الحامل له في نفس الأمر حظ نفسه وفيما يخطر له الدين. هذا ما شاهدته وأبصرته ولي في القضاء سنين عديدة فليتق اللَّه امرؤ وقف على حفرة من حفر النار فلا حول ولا قوة إلا باللَّه قد جعلني اللَّه قاضيًا ومحدثًا وقد قال ابن دقيق العيد: أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف عليها المحدثون والحكام. ومما يؤيد ما قلته أن أصحابنا قالوا: من استباح دم غيره من المسلمين ولم يقدر على قتله فشهد عليه بقتل لم يقتل ذكره الروياني في البحر في باب من تجوز شهادته نقلًا عن بعض أصحابنا ساكتًا عليه ولا يعرف في المذهب خلافه فإن قلت قد قال عقيبة ومن شتم متأولًا ثم شهد عليه قبل أو غير متأول فلا. قلت: يعني بالقبول بعد الشتم متأولًا الشهادة بأمر معين ونحن نعلم أنه لا يحمله عليها بغض فليس كمن وصفناه. ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح أيضًا حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ فكثيرًا مارأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها. والخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس =
[ ٧ / ٢٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وتكون في بعض الأزمنة مدحًا وفي بعضها ذمًّا أمر شديد لا يدركه إلا قعيد بالعلم. ومما ينبغي أن يتفقد أيضًا حاله في العلم بالأحكام الشرعية فرب جاهل ظن الحلال حرامًا فجرح به ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال. وقال الشافعي -﵁- حضرت بمصر رجلًا مزكيًا يجرح رجلًا فسئل عن سببه وألح عليه فقال رأيته يبول قائمًا. قيل: وما في ذلك قال يرد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلَّى فيه. قيل: هل رأيته قد أصابه الرشاش وصلَّى قبل أن يغسل ما أصابه؟ قال: لا، ولكن أراه سيفعل. قال صاحب البحر: وحكى أن رجلًا جرح رجلًا وقال إنه طين سطحه بطين استخرج من حوض السبيل. ومما ينبغي أيضًا تفقده وقد نصه عليه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد الخلاف الواقع بين كثير من الصوفية وأصحاب الحديث فقد أوجب كلام بعضهم في بعض كما تكلم بعضهم في حق الحارث المحاسبي وغيره وهذا في الحقيقة داخل في قسم مخالفة العقائد وإن عده ابن دقيق العيد غيره. والطامة الكبرى إنما هي في العقائد المثيرة للتعصب والهوى نعم وفي المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا وهذا في المتأخرين أكثر منه في المتقدمين وأمر العقائد سواء في الفريقين. وقد وصل حال بعض المجسمة في زماننا إلى أن كتب شرح صحيح مسلم للشيخ محيي الدين النووي وحذف من كلام النووي ما تكلم به على أحاديث الصفات فإن النووي أشعري العقيدة فلم تحمل قوى هذا الكاتب أن يكتب الكتاب على الوضع الذي صنفه مصنفه. وهذا عندي من كبائر الذنوب فإنه تحريف للشريعة وفتح باب لا يؤمن معه بكتب الناس وما في أيديهم من المصنفات فقبح اللَّه فاعله وأخزاه وقد كان في غنية عن كتابة هذا الشرح وكان الشرح في غنية عنه. ولنعد إلى الكلام في الجارحين على النحو الذي عرفناك. فإن قلت: فهذا يعود بالجرح على الجارح حيث جرح لا في موضعه. قلت: أما من تكلم بالهوى ونحوه فلا شك فيه وأما من تكلم بمبلغ ظنه فهنا. وقفة محتومة على طالب التحقيقات ومزلة تأخذ بأقدام من لا يبرأ عن حوله وقوته ويكل أمره إلى عالم الخفيات. فنقول: لا شك أن من تكلم في إمام استقر في الأذهان عظمته وتناقلت الرواة ممادحه فقد جر الملام إلى نفسه ولكنا لا نقضي أيضًا على من عرفت عدالته إذا جرح من لم =
[ ٧ / ٢٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يقبل منه جرحه إياه بالفسق بل نجوز أمورًا: أحدها: أن يكون واهمًا ومن ذا الذي لا يهم. والثاني: أن يكون مؤولًا قد جرح بشيء ظنه جارحًا ولا يراه المجروح كذلك كاختلاف المجتهدين. والثالث: أن يكون نقله إليه من يراه هو صادقًا ونراه نحن كاذبًا وهذا لاختلافنا في الجرح والتعديل فرب مجروح عند عالم معدل عند غيره فيقع الاختلاف في الاحتجاج حسب الاختلاف في تزكيته فلم يتعين أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرد التعصب والهوى حتى يجرحه بالجرح. ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما أصل عدالة الإمام المجروح الذي قد استقرت عظمته وأصل عدالة الجارح الذي يثبت فلا يلتفت إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه. فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات. فإن قلت: فهل ما قررتموه مخصص لقول الأئمة: إن الجرح مقدم لأنكم تستثنون جارحًا لمن هذا شأنه قد ندر بين المعدلين قلت: لا فإن قولهم الجرح مقدم إنما يعنون به حالة تعارض الجرح والتعديل فإذا تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما هو تعارضا لأمر من جهة الترجيح قدمنا الجرح لما فيه من زيادة العلم وتعارضهما هو استواء الظن عندهما لأن هذا شأن المتعارضين أما إذا لم يقع استواء الظن عندهما فلا تعارض بل العمل بأقوى الظنين من جرح أو تعديل. وما نحن فيه لم يتعارضا لأن غلبة الظن بالعدالة قائمة وهذا كما أن عدد الجارح إذا كان أكثر قدم الجرح إجماعًا لأنه لا تعارض والحالة هذه ولا يقول منا أحد بتقديم التعديل لا من قال بتقديمه عند التعارض ولا غيره. وعبارتنا في كتابنا (جمع الجوامع) وهو مختصر جمعناه في الأصلين جمع فأوعى والجرح مقدم إن كان عدد الجارح أكثر من المعدل إجماعًا وكذا إن تساويا أو كان الجارح أقل وقال ابن شعبان بطلب الترجيح. انتهى. وفيه زيادة على ما في مختصرات أصول الفقه فإنا نبهنا فيه على مكان الإجماع ولم ينبهوا عليه وحكينا فيه مقالة ابن شعبان من المالكية وهي غريبة لم يشيروا إليها وأشرنا بقولنا يطلب الترجيح إلى أن النزاع إنما هو في حالة التعارض لأن طلب الترجيح إنما هو في تلك الحالة. وهذا شأن كتابنا (جمع الجوامع) نفع اللَّه به غالبًا ظننا أن في كل مسألة فيه زيادات لا توجد مجموعة في غيره مع البلاغة في الاختصار. =
[ ٧ / ٢٩٣ ]
البساطي (١): ربما يؤخذ من مثله أنهما من أهل مذهب واحد، أو فن واحد؛ لشهادة الوجدان بالمنافرة.
تنكيت:
كان الغبريني ينكر هذا القول. وقال ابن عرفة: العمل على خلافه.
وقول الشعباني: (تقبل شهادة القراء -أي: العلماء- في كل شيء، إلا في شهادة بعضهم على بعض، لتحاسدهم كالضرائر، والحسود ظالم؛ لا
_________________
(١) = إذا عرفت هذا علمت أنه ليس كل جرح مقدمًا. وقد عقد شيخنا الذهبي رحمه اللَّه تعالى فصلًا في جماعة لا يعبأ بالكلام فيهم بل هم ثقات على رغم أنف من تفوه فيهم بما هم عنه برآء ونحن نورد في ترجمته محاسن ذلك الفصل إن شاء اللَّه. ولنختم هذه القاعدة بفائدتين عظيمتين لا يراهما الناظر أيضًا في غير كتابنا هذا. إحداهما أن قولهم لا يقبل الجرح إلا مفسرًا إنما هو أيضًا في جرح من ثبتت عدالته واستقرت فإذا أراد رافع رفعها بالجرح قيل له ائت ببرهان على هذا أو فيمن لم يعرف حاله ولكن ابتدره جارحان ومزكيان فيقال إذ ذاك للجارحين فسرا ما رميتماه به. أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه لجريانه على الأصل المقرر عندنا ولا نطالبه بالتفسير إذ لا حاجة إلى طلبه. والفائدة الثانية أنا لا نطلب التفسير من كل أحد بل إنما نطلبه حيث يحتمل الحال شكا إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح أو نحو ذلك مما لا يوجب. سقوط قول الجارح ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين أما إذا انتفت الظنون واندفعت التهم وكان الجارح خبرا من أحبار الأمة مبرأ عن مظان التهمة أو كان المجروح مشهورًا بالضعف متروكا بين النقاد فلا نتلعثم عند جرحه ولا نحوج الجارح إلى تفسير بل طلب التفسير منه والحالة هذه طلب لغيبة لا حاجة إليها. فنحن نقبل قول ابن معين في إبراهيم بن شعيب المدني شيخ روى عنه ابن وهب إنه ليس بشيء وفى إبراهيم بن يزيد المدني إنه ضعيف وفي الحسين بن الفرج الخياط إنه كذاب يسرق الحديث وعلى هذا وإن لم يبين الجرح لأنه إمام مقدم في هذه الصناعة جرح طائفة غير ثابتي العدالة والثبت ولا نقبل قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة إليه. فاعتبر ما أشرنا إليه في ابن معين وغيره واحتفظ بما ذكرناه تنتفع به.
(٢) في "ن ٣": الباجي.
[ ٧ / ٢٩٤ ]
تقبل شهادته على من يحسده) قال بعضهم: هذا كلام ساقط، لمناقضة بعضه بعضًا؛ لأنه أثبت لهم وصف الظلم، ومن ثبت له ذلك، لم تجز شهادته على أحد ولا روايته؛ لأن الظلم فسق، وهو من موانع الشهادة، وهو مناقض لقوله أولًا: (تقبل شهادتهم في كل شيء)، ورد شهادتهم على الإطلاق لم يقل به أحد، ثم هذا الكلام إن أريد به من ثبت ذلك بينهم فغير مختص بهم، وإن أريد العموم فمعارض لأدلة الشرع، وما أظنه يصدر من عالم، ولعله وهم من النقلة، وبماذا يخرج نفسه منهم؛ لأنه إن كان منهم قد وقع في ذلك، فقوله غير مقبول، أو من غيرهم فلا عبرة بقوله.
[مسألة:]
ولا تقبل شهادة الشاهد إن أخذ مالًا من العمال المقامين على جهات الخراج، ونحوه المضروب على أيديهم، وسواء أخذه على وجه الهبة أو الرزق على عمل من الأعمال عند مالك.
تنبيه:
قال ابن رشد: هذا ما لم يفوض لهم جباية الأموال وصرفها في وجوهها كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض إليهم جميع أمورها، فإن جوائزهم حينئذٍ كالخلفاء.
أو أكل عندهم، فلا تقبل شهادته، بخلاف الأخذ من جوائز الخلفاء والأكل عندهم؛ فإنه غير قادح.
[مسألة:]
ولا تقبل شهادة الشاهد إن تعصب بالحيف حمية، أو بشيء كالرشوة مثلث الراء؛ والتشبيه لإفادة الحكم، وعرفها بعضهم بأنها: بذل مال لتحقيق باطل أو إبطال حق.
تنبيه:
يحتمل أن يريد المؤلف أخذها أو دافعها أو هما معًا، وأما إن دفعت لإبطال ظلم فجائزة للدافع ومحرمة على الأخذ.
[ ٧ / ٢٩٥ ]
[تلقين الخصم الحجة:]
ثم عطف بالجر على (رشوة) قوله: وتلقين خصم من الحجة ما لا يحل؛ ليظفر بها على خصمه، وأما ما يثبت به حقه من ذلك فليس بقادح.
[لعب النيروز:]
ولعب نيروز؛ إذ هو من فعل النصارى.
[مطل الغني:]
ومطل من غني في حق عليه، لخبر: "مطل الغني ظلم" (١).
والظالم لغيره ترد شهادته.
[الحلف بالطلاق والعتق:]
وحلف بعتق وطلاق؛ لخبر: "إنهما من أيمان الفساق" (٢).
[مسألة:]
وترد الشهادة بمجيء مجلس القاضي ثلاثًا، أي: مرات في اليوم بلا عذر؛ لأن مجلسه عورة، وأما لعذر أو حاجة فلا.
_________________
(١) أخرجه مالك (٢/ ٦٧٤، رقم: ١٣٥٤)، وعبد الرزاق (٨/ ٣١٦، رقم: ١٥٣٥٥)، والبخاري (٢/ ٧٩٩، رقم: ٢١٦٦)، ومسلم (٣/ ١١٩٧، رقم: ١٥٦٤)، وأبو داود (٣/ ٢٤٧، رقم: ٣٣٤٥)، والترمذي (٣/ ٦٠٠، رقم: ١٣٠٨)، والنسائي (٧/ ٣١٧، رقم: ٤٦٩١)، وابن ماجه (٢/ ٨٠٣، رقم: ٢٤٠٣)، وابن حبان (١١/ ٤٨٧، رقم: ٥٠٩٠).
(٢) لم أجده، ثم وجدت العجلوني قال في كشف الخفاء (٢/ ٤٠، رقم: ١٦٦٠): "الطلاق يمين الفساق. قال في التمييز: وقع في عدة من كتب المالكية، قال شيخنا: لم أقف عليه. وقال القاري: قال السخاوي: لم أقف عليه مرفوعًا جازمًا به بلفظ: "لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق"، فإنهما من أيمان الفساق، لكن نازع السخاوي في وروده فضلًا عن ثبوته، وأظنه مدرجًا، قلت: ويؤيده معنى حديث: "ما حلف بالطلاق مؤمن ولا استحلف به إلا منافق"، رواه ابن عساكر موفوعًا". انتهى. قلت: واستغربه ابن عساكر جدًا.
[ ٧ / ٢٩٦ ]
[مسألة:]
وتجارة لأرض حرب؛ لما فيه من الذل وعدم القدرة عما يشينه في دينه لطلب الدنيا.
[مسألة:]
وسكنى دار مثلًا مغصوبة، غصبها هو أو غيره، وسكناه مع ولد له شريب -أي: يكثر شرب المسكر-.
[مسألة:]
وترد بوطء من لا توطأ؛ لصغر أو مانع كحيض أو استبراء.
[مسألة:]
وترد بالتفاته في الصلاة؛ لدلالته على قلة اكتراثه بها، وأحرى من لا يقيم صلبه في ركوعها دون عذر، ولا سهو، ولو نافلة.
[مسألة:]
وترد باقتراضه حجارة من المسجد يبني بها، أو يرم.
[مسألة:]
وترد مع عدم أحكام الوضوء والغسل، وأحرى جهل ذلك، وكذا من لا يعرف التيمم حيث لزمه، وكذا كل شروط الصلاة.
[مسألة:]
وعدم معرفة الزكاة لمن وجبت عليه وفي كم تجب، أو معرفة قدر النصاب، قاله سحنون.
[مسألة:]
وبيع نرد وطُنبور: بضم الطاء، والطِنبار بكسرها لغة فيه.
[ ٧ / ٢٩٧ ]
[مسألة:]
وترد شهادة ولد في استحلاف أبيه في حق أنكره فيه، ولا تنافي بين له استحلافه أو لا، وإذا حلفه كان جرحة؛ لقدح كثير من المباحات في الشهادة، وسواء حلفه عالمًا بالحرمة أو جاهلًا (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٣٧): " (و) ترد شهادة الشاهد بسبب (استحلاف) الشاهد لـ (أبيه) أي: الشاهد في حق للشاهد على أبيه أنكره فيه ولا تنافي بين كون تحليفه مباحًا لولده وكونه جرحة في عدالته لقدح كثير من المباحات فيها، وسواء حلفه عالمًا بالحرمة أم لا أفاده تت. طفى: في كلامه تدافع لتصريحه أولًا بأنه مباح، ثم قال: سواء حلفه عالمًا بالحرمة أم لا ثم الإباحة لم أرها لغيره، وإنما الخلاف بالمنع والكراهة كما في ابن رشد والتوضيح وابن عرفة، ونصه: وفي كون تحليفه في حق يدعيه عليه مكروهًا ويقضي به أو عقوقًا ولا يقضى به. ثالثها ويقضى به لنقل ابن رشد سماع ابن القاسم في الأقضية مع ظاهر قول ابن القاسم وأصبغ، وروايتها في كتاب المديان مع الأخوين وابن عبد الحكم وسحنون في تحليفه وحده فيما يجب فيه الحد وسماع أصبغ في الشهادات. ابن القاسم يقضي بتحليفه وحده وهو عاق بذلك ولا يعذر بجهل وهو بعيد؛ لأن العقوق كبيرة. اهـ. فإن أجيب بأن المراد بالمباح ما ليس بحرام فيشمل المكروه وهو المراد فبعيد ويشكل ترتب رد الشهادة على ذلك؛ لأنه مرتب على منع تحليفه عند الأئمة، وأيضًا القول بالكراهة ضعيف وخلاف مذهب (المدونة) من تحريمه، وكونه عقوقًا وعدم القضاء به وإن اقتحم وحلفه فسق وردت شهادته، وقد صرح ابن رشد بأنه على الكراهة لا ترد شهادته. أبو الحسن عقب ذكره كون استحلافه عقوقًا ولا تجوز شهادته ولو عذر بجهالته. ابن رشد هذا هو المذهب والصحيح. وقيل: إن ذلك مكروه وليس بعقوق فيقضى له به ولا تسقط شهادته. اهـ. ابن رشد اختلف في تحليف الرجل في حق يدعيه ولده قبله وحده على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مكروه وليس بعقوق، فيقضى به له ولا تسقط به شهادته. والثاني: أنه عقوق فلا يقضى به وهو مذهب الإمام مالك -﵁-، في (المدونة) وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، لما أوجب اللَّه تعالى من بر الوالدين بنص القرآن وما تظاهرت الآثار، وقد روي أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا يمين للولد على والده ولا للعبد على سيده". =
[ ٧ / ٢٩٨ ]
[مسألة:]
وقدح في الشاهد المتوسط في العدالة جمل من الموانع السابقة لتجريح وعداوة وقرابة.
[مسألة:]
وقدح في المبرز بالعداوة بينه وبين المشهود عليه، وقرابة بينه وبين المشهود له ولا يسمع القدح به بغيرهما كالتجريح، ولا يشترط كون القادح في المبرز مثله أو أعلى منه، بل يجوز وإن بدونه، فالباء بمعنى من، كغيرهما، أي: بغير العداوة والقرابة، وإليه ذهب مطرف وابن الماجشون، واختاره اللخمي؛ ولذا قال: على المختار، واختاره ابن عبد السلام أيضًا.
[مسألة:]
وزوال العداوة بين الشاهد والمشهود عليه وزوال الفسق من الشاهد يحصل ذلك في كل منهما بما يغلب على الظن زواله، أما العداوة فيعرف ذلك بصيرورة أمرهما إلى سلامة وصلاح، بأن يرجعا إلى ما كانا عليه قبل العداوة، وأما زوال الفسق فبعد ثبوت ثبوته، لا بقوله: ثبت، بل لا بد من القرائن الدالة على صدقه واتصافه بصفات العدالة، بلا حد بزمن كستة أشهر أو سنة كما قيل، وأنكر ابن عرفة وجودهما في المذهب.
[مسألة:]
ومن امتنعت شهادة شخص له لقرابته المانعة ونحوها، لم يزك شاهده، أي: شاهد الممتنعة له؛ لأنها في معنى جر النفع له، ولم يجرح شاهدًا شهد عليه؛ لأنها في معنى الدفع عنه.
_________________
(١) = والثالث: أنه عقوق إلا أنه يقضى له به إن طلبه ويكون جرحة فيه تسقط بها شهادته، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية، وهو بعيد؛ لأن العقوق إن كان من الكبائر فلا ينبغي أن يمكن من فعله أحد". اهـ.
[ ٧ / ٢٩٩ ]
ومن امتنعت شهادة شخص عليه في عداوة ونحوها فالعكس، أي: لا يزكي من شهد عليه، ولا يجرح من شهد له.
[شهادة بعض الصبيان على بعض:]
ثم أخرج من الشروط والموانع السابقة شهادة بعض الصبيان على بعض، كما يأتي، فلا يشترط فيها جميع الشروط، ولا انتفاء كل الموانع، بل بعض ذلك، فقال: إلا الصبيان، فتجوز شهادة بعضهم لبعض.
اللخمي والمازري: وهو معروف مذهب مالك وأصحابه، إلا ابن عبد الحكم، فإنه يمنعها.
وعلى الأول: جماعة من الصحابة وغيرهم، وعلى الثاني: أبو حنيفة وأحمد والشافعي وجماعة.
[شهادة بعض النساء على البعض:]
لا نساء اجتمعن في كعرس ومأتم وحمام ووليمة، فلا يقبل بعضهن لبعض ولا على بعض، في قتل أو جرح، وصححه ابن الحاجب، وصرح في التوضيح بتشهيره، ومقابله الجلاب، وفرق للمشهور بأن شهادة الصبيان على خلاف الأصل فلا يقاس عليها.
[محل الشهادة الصبيان:]
ثم بيَّن محل شهادتهم بقوله: في جرح أو قتل عند ابن القاسم، وهو المشهور.
[شروط شهادتهم:]
ولجواز شهادتهم شروط، أشار لأحدها بقوله: والشاهد: [أولها] حر، لا قن كله أو بعضه؛ لأن شهادة كبارهم لا تقبل، فصغارهم أحرى.
تنبيه:
سكت عن ذكر الإسلام للاتفاق على اشتراطه، فلا تقبل شهادة أهل الذمة، ولا فرق بين أن يشهد صغار المسلمين على حر أو عبد، والجاني كذلك.
[ ٧ / ٣٠٠ ]
وأشار لثانيها بقوله: مميز.
البساطي: بالفعل، لا ينظر إلى السن، وإنما لم تجز شهادة غير المميز لعدم ثبوته على ما يعاينه من الأمور، فلا تنضبط أحواله، ولا يحرص على ما يصدر منه من الأقوال.
ولثالثها بقوله: ذكر: فلا تقبل صغار البنات، ولو مع صبي على المشهور.
ولرابعها بقوله: تعدد اثنان فصاعدًا.
ولخامسها بقوله: ليس بعدو للمشهود عليه، ولا قريب للمشهود له.
البساطي: وسواء كانت العداوة بين الصبيان أنفسهم، أو بين آبائهم؛ لأن الوروثة أعظم من غيرها.
ولسادسها بقوله: ولا خلاف بينهم، كشهادة واحد أن فلانًا قتله، وآخر إنما قتله غيره؛ لنقصان النصاب فيهما، أو شهد اثنان منهم أن هذين قتلاه، وقال المشهود عليهما، بل أنتما قتلتماه.
وأشار لسابعها بقوله: ولا فرقة بينهم؛ ففي المدونة: تجوز شهادتهم ما لم يفترقوا أو يخببوا، أي: يعلموا.
ابن عرفة: مقتضاهما أنهما غير مترادفين.
إلا أن يشهد عليهم قبلها، أي: الفرقة، ثم يفترقوا؛ فإنه يعمل بالأولى.
وأشار لثامنها بقوله: ولم يحضر رجل كبير معهم أو امرأة عدل أو فاسق، عبد أو كافر.
ولتاسعها وهو كون شهادة بعضهم على بعض بقوله: أو يشهد الصبيان عيله -أي: على الكبير للصغير- أو له -أي: للصغير على الكبير- فلا تقبل، خلافًا لمطرف وابن الماجشون.
[ ٧ / ٣٠١ ]
ولا يقدح في شهادتهم رجوعهم عنها، بل يعمل بالأولى رجعوا قبل الحكم أو بعده.
تذييل:
قوله: (رجوعهم) أي: حال صباهم، أما لو تأخر الحكم لبلوغهم وعدلوا لقبل رجوعهم، وجعله اللخمي المذهب.
ولا يقدح تجريحهم، ابن المواز: لم يختلفْ أنه لا ينظر لذلك.
[مراتب البينة في الشهادة:]
ولما كانت مراتب البينة في الشهادة أربعة:
أحدها: يوجب المشهود بغير يمين.
وثانيها: يوجبه مع اليمين.
وثالثها: يوجب حكمًا بعضه بغير يمين، وبعضه مع اليمين.
ورابعها: لا يوجب المشهود به، بل يوجب غيره.
وقرر الشارحان المراتب الأربعة أربعة عدول أو عدلان وامرأة وهي واضحة من كلام المؤلف.
وعلى ما ذكرنا أشار لأولها بقوله: وللزنا واللواط أربعة، لكل واحدة منهما، واعتبر هذا العدد في الزنا إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾.
فائدة:
قال البساطي: فإن قلت: الزنا نسبة يستوي فيها الرجل والمرأة، فإن كان المتمسك بهذه الآية فقد فرق فيها بين الذكر والأنثى، وحكم في الأنثى بالحبس إلى الموت، وأنتم لا تقولون بذلك كله.
وأجاب بأن الآية منسوخة بالرجم في الذكر والأنثى والجلد فيهما، ولا يلزم من رفع الإمساك والتفرقة رفع ما عداهما. انتهى.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
وطلب التشديد بالأربعة لقصد الستر، ودفع العار اللاحق للزاني ولها ولأهلها، وقيل غير ذلك.
وتكون شهادة الأربعة بوقت ورؤيا اتحدا، بأن يكون وقت شهادتهم واحدًا، ووقت الزنا واحدًا، فلو تفرقوا بأن شهد واحد أنه زنى وقت الصبح، وآخر وقت الظهر، وآخر وقت العصر، وآخر وقت المغرب، أو شهد واحد أنه زنى يوم السبت، والآخر يوم الأحد، ثم كذلك، لم يحد المشهود عليه، وحد الشهود.
وإذا اجتمعوا لأداء الشهادة في الزنا واللواط فرقوا في هاتين الشهادتين فقط وجوبًا، كانت فيهم ريبة أو لا.
وقال أشهب: إنما يفرقون للريبة.
[صفة الشهادة على الزنا:]
وصفة شهادتهم أن يشهدوا أنه أدخل فرجه في فرجها، كالمرود في المكحلة، فلو شهد أربعة بزنا رجل بامرأة، شهد اثنان بطوعها، واثنان بغصبها، حد الأربعة.
[مسألة:]
ويجوز لكل من شهود الزنا واللواط النظر للعورة قصدًا للتحمل، ولا تبطل شهادتهم لتعمده، ونحوه في المدونة.
[ما يندب في سؤال الشهود:]
وإذا شهدوا عند الحاكم بذلك ندب سؤالهم عن الرؤية، وكونها كالمرود في المكحلة، بوطء واحد، ووقت واحد، وكيف اجتماعهم، ومن أين دخلوا، وما الباعث لهم، وكيف خفي عليهما وصولكم إليهما.
كالسرقة فيقول لهم: ما هي من الأنواع وكيف أخذت، ومن أين أخذوها، وإلى أين ذهب بها، ونحو ذلك.
[ ٧ / ٣٠٣ ]
[المرتبة الثانية من مراتب الشهادة:]
وأشار للمرتبة الثانية بقوله: ولما ليس بمال ولا آيل له، ومثل له بثلاثة أمثلة:
أشار لأولها بقوله: كعتق، وهو: عقد لازم لا يفتقر لعاقدين، وفيه إخراج، ومثله الوقف والطلاق غير الخلع والعفو عن القصاص والوصية بغير المال، ويلحق به الولاء والتدبير (١).
وللمثال الثاني بقوله: ورجعة، وهو كالأول، إلا أن فيه إدخالًا، ومثله الاستلحاق والإسلام والردة، ويناسبه الإحلال والإحصان.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٤٨): " (ولما) أي: مشهود به (ليس بمال ولا آيل له) أي: المال (كعتق) وهو كل عقد لازم لا يفتقر لعاقدين، وفيه إخراج فمثله الوقف والطلاق غير الخلع والعفو عن القصاص والوصية بغير المال، ويلحق به الولاء والتدبير قاله تت. طفى: لم أر من ذكر أن الوقف لا بد فيه من عدلين، وقول المصنف الآتي: وإن تعذرت يمين بعض كشاهد بوقف. . . إلخ، ينافيه. وقال ابن رشد: المشهور المعلوم من مذهب مالك وأصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم أن شهادة النساء عاملة في الأحباس؛ لأنها أموال، وقد عده ابن فرحون فيما يثبت بشاهد وامرأتين وبأحدهما ويمين، وقوله غير الخلع أخرج الخلع لعدم انتظامه في هذا السلك وسيذكره في العقود التي تفتقر لعاقدين. البناني أجيب بأن ما ذكره تت ومن تبعه يحمل على الوقف على غير معين، فإنه لا يثبت بالشاهد. الباجي إن كانت الشهادة لغير معينين ولا يحاط بهم مثل أن يشهد شاهد بصدقة لبني تميم أو المساكين أو في سبيل اللَّه تعالى، فقال ابن القاسم وأشهب: لا يحلف مع الشاهد ولا يستحق بشهادته شيئًا، ووجه هذا أنه لا يتعين مستحق هذا الحق فيحلف معه، وإنما يحلف في الحقوق من يستحق بيمينه الملك أو القبض، ويطلب به إن نكل. قلت: الجواب بكلام الباجي لا يصح؛ لأنه إنما دل على تعذر الثبوت بالشاهد واليمين في هذه الصورة، ويبقى الثجوت بالشاهد والمرأتين، ففي ابن عرفة عن ابن رشد ما نصه الصواب جواز شهادة رجل وامرأتين بوصية للمساكين على أصل ابن القاسم؛ لأن اليمين إنما سقطت؛ لأن رب الحق غير معين لا لأن الوصية بمال لا تستحق بيمين مع الشاهد".
[ ٧ / ٣٠٤ ]
وللثالث بقوله: وكلتابة، وهو: عقد يفتقر لعاقدين، ومثله النكاح والوكالة في غير المال والخلع، ويلحق به العدة.
[شروط هذه العقود:]
عدلان لا يثبت إلا بهما، وإلا بأن كانت الشهادة بمال أو بما يؤول إليه فعدل وامرأتان بغير يمين، أو أحدهما عدل وحده بيمين أو امرأتان وحدهما بيمين، أي: معه، فيكتفي بذلك، كأجل في ثمن مبيع، ويدعي البائع أنه تعد، أو أن بعضه باق، ويقول البائع: بل انقضى.
البساطي: أو أجله بعد أن انقضى.
وخيار يدعيه أحدهما، والآخر البت، وشفعة، أي: ما يتعلق بها من أخذ أو ترك أو إسقاط أو غيبة الشفيع أو شفع قبل السنة أو بعدها، وإجارة، كاستأجرت وأجرته، وينكر الآخر، وجرح خطأ، يدعيه وينكر الآخر، أو جرح مال، وهو ما لا يقتص منه في العمد؛ لكونه متلفًا، كجائفة وعظم صدر وعنق ورض أنثيين، وكفسخ العقود، وسواء الاختيار كالإقالة، والاضطرار كالفساد.
وأداء نجوم كتابة، ويترتب عليه العتق، وإيضاء بتصرف فيه، أي: في المال، لكن إن كان في حياة الموصي فوكالة، وبعد موته كأعطوا فلانًا كذا أو تصدقوا بكذا فوصية على المشهور، خلافًا لعبد الملك، لا يكفي عنده فيهما إلا شاهدان.
[الشهادة على غير مال وتؤول إليه:]
ثم أشار إلى ما تكون الشهادة فيه على غير مال وتؤول إلى مال بقوله: أو بأنه حكم له به، ومثل ذلك الشارح بقوله: كشراء زوجته إذا ادعى شراءها، كفي فيه شاهد وامرأتان، أو أحدهما بيمين، فتصير ملكًا، وينفسخ النكاح.
وقال البساطي: عندي معنى قوله: (أو بأنه حكم له به) إذا حكم لشخص بمال، ثم أراد تنفيذه عند إنكار الخصم، كفي فيه الشاهد وامرأتان،
[ ٧ / ٣٠٥ ]
وليست هذه مسألة إنهاء الحاكم لغيره، وجعلها الشارح تمثيلًا، ولا أدري معنى قوله على هذا التقرير. انتهى. وانظر الكبير.
وكشهادة رجل وامرأتين أو أحدهما بيمين لشخص على تقدم دين عتقًا من مدين، فيكتفي بذلك، ويرد العتق، أو يقيم القاذف شاهدًا وامرأتين أن المقذوف عبد، فيسقط الحد منه.
[مسألة:]
ثم ذكر مسألة يكتفى فيها بشاهد وامرأتين، وليست بمال ولا آيلة إليه، لكنه استوعب الصور التي يكتفى فيها بذلك، فقال: وقصاص في جرح عمدًا، وهي إحدى المسائل المستحسنة.
[المرتبة الثالثة من مراتب الشهادة:]
وأشار للمرتبة الثالثة بقوله: ولما لا يظهر للرجال غالبًا امرأتان، ولم يقع عند البساطي (امرأتان)، ومثل لمؤلف لذلك بقوله: كولادة ادعيت، فأنكرت، ولا يشترط حضور الشخص المولود على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
واشترط سحنون حضوره ليشاهده الرجال، واختاره ابن رشد.
وعيب فرج في أمة، اختلف فيه البائع والمشتري، بخلاف عيب فرج الحرة، فالمشهور تصديقها، ولا ينظرها النساء، خلافًا لسحنون، وتجوز شهادتهن على استهلال وعدمه.
وظاهره: كان البدن موجودًا أو معدومًا، إلا أن يقلن في الموجود مثله: لا يستهل.
تنبيه:
أشعر قوله: (استهلال) بعدم قبولهن في كونه ذكرًا أو أنثى، وهو قول أشهب، وأجازه ابن القاسم، لكن مع يمين القائم بشهادتهن.
وتجوز شهادتهن على حيض من أمة، وأما الحرة فمصدقة فيه.
[ ٧ / ٣٠٦ ]
تنبيه:
لا ينافي تصديقها إقامة الزوج البينة على حيضها عند إنكارها في كثير من المواضع.
[المرتبة الرابعة من مراتب الشهادة:]
ثم أشار للمرتبة الرابعة، وهي ما لا يوجب المشهود به ويوجب حكمًا غيره ولا مثلتها، بقوله: وبشهادة على نكاح بعد موت برجلين أو رجل وامرأتين، أن فلانًا تزوج فلانة على صداق قدره كذا، فإن المال يثبت دون النكاح عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب: لا يثبت الميراث، إلا بعد ثبوت النكاح، وهو لا يثبت بذلك.
أو شهد رجلان أو رجل وامرأتان سبقيته، أي: سبقية موت أحد الوارثين على الآخر.
أو شهدا على موت لشخص، ولا زوجة له، ولا مدبر له، ولا أوصى بعتق ونحوه، وليس هناك غير قسمة المال، كما في المدونة.
وثبت الإرث في المسائل الثلاث، وثبت النسب في مسألة الاستهلال دون ما بعدها له -أي: للميت- وعليه بلا يمين، مع شهادة المرأتين.
ويثبت المال دون القطع بشهادة رجل وامرأتين في سرقة اتفاقًا، وأما لو شهد بالسرقة وأخذ لحلف معه، ويثبت المال ولا قطع، وكقتل عبد شهد رجل عليه وامرأتان أنه قتل عبدًا آخر لشخص ثبت المال بشهادتهما، وهو قيمة المجني عليه، أو رقبة الجاني، إن لم يقده سيده، بل أسلمه في جنايته، وكذا لو قام لسيد المجني عليه شاهد واحد حلف معه، وكان الحكم كما سبق.
[ما يترتب على مراتب الشهادة قبل تمامها:]
ولما ذكر حكم مراتب الشهادة الأربع إذا تمت ذكر ما يترتب عليها قبل تمامها، وهو منخرط في سلك ما يوجب حكمًا غير المشهود به، وكان من جملة ذلك مسألة الحيلولة، ويقال لها: العقلة، ويقال لها: الإيقاف
[ ٧ / ٣٠٧ ]
ذكرها، فقال: وحيلت أمة ادعت حرية مطلقًا رائعة كانت أو لا، طلبت ذلك أو لا، كان سيدها مأمونًا أو لا، كذا قرر ابن عرفة كلام ابن الحاجب أنها ادعت الحرية، وقرره ابن عبد السلام على أنها ادعى مدع ملكها، لا أنها ادعت الحرية وأطلقها المصنف؛ لأنه رأى أنه لا فرق.
كغيرها، أي: غير الأمة من المعينات، كبقرة أو فرس مثلًا، يجب فيه الحيلولة، إن طلبت ذلك مدعيه، وأتى بعدل شهد له بذلك أو اثنين مجهولين يزكيان: بفتح الكاف، أي: يحتاجان للتزكية، وظاهره: أنه لا فرق بين أن يكون المعين بيد غريب أو غيره.
وقال البساطي: الفقه يقتضي أن المعين كفرس مثلًا، يؤخذ من يد الغريب، أو يقيم ضامنًا على نظر في قبول الضامن هنا؛ لاحتمال الهرب وتغييب العين.
ثم قال: وأما العقار فالظاهر فيه أنه لا يحال بينه وبينه، إلا بنصاب كامل (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٥٧): " (يزكيان) بفتح الكاف، أي: يتوقف الحكم بهما على تزكيتهما، وظاهره سواء كان المدعى عليه بلديًّا أو غرييًا. وقال البساطي: الفقه يقتضي أخذ المعين من الغريب إلا أن يأتي بضامن على نظر في قبول لاحتمال هروبه وتغييب المعين. وأما العقار فالظاهر أنه لا يحال بينه وبينه إلا بنصاب كامل. طفى: ما استظهره البساطي في العقار مخالف للنقل المعتمد؛ لأنه إن أراد بكمال النصاب أنهما زكيا وحاز المشهود به فهو وإن كان قولًا جرى به القضاء خلاف مذهب ابن القاسم في (المدونة) إن العقار لا يوقف بحال. ابن رشد اختلف في الحد الذي يدخل به الشيء المستحق في ضمان المستحق، وتكون الغلة له ويجب به التوقيف على ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا يدخل في ضمانه، ولا تجب له الغلة حتى يقضي له به وهو الآتي على قول الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه في الغلة للذي هي بيده حق يقضي بها للطالب، فعليه لا يجب توقيف الأصل المستحق توقفا بحال بينه وبينه ولا توقيف غلته، وهذا قول ابن القاسم في (المدونة) أن الربع الذي لا يحول ولا يزول لا يوقف مثل ما يحول ويزول، وإنما يوقف وقفًا يمنع من الإحداث فيه. اهـ. =
[ ٧ / ٣٠٨ ]
وبيع ما يفسد لو بقي لكمال البينة، كلحم وطعام، ووقف ثمنه بيد عدل معهما، أي: مع الشاهدين المجهولين.
تنبيه:
صفة الإيقاف: غلق الدار، ومنع حرث الأرض، ووقف خراج ماله خراج، ومنع عقد الكراء.
بخلاف شهادة العدل فيحلف المدعى عليه أن المدعي لا يستحق عليه فيه شيئًا، وبقي بيده، كما كان على وجه الملك، يتصرف فيه كيف شاء، ويضمن إن كمل النصاب، أو أخره حتى تلف.
تنبيه:
استشكل بأنه كما لو وقف مع الواحد وقف مع الاثنين، فما الفرق؟
وفرق عبد الحق بأن مقيم العدل الواحد قادر على إثبات حقه بيمينه، فتركه لذلك اختيارًا؛ لتمكينه منه، بخلاف مقيم المجهولين، لا قدرة له على إثبات حقه دون تعديلهما، انظر الكبير.
وإن سأل ذو العدل الذي شهد له أن العبد، أو سأل مقيم بينة سمعت أن عبدًا سرق له كما يدعي، وإن لم تقطع، أي: وإن لم تشهد على القطع، وله بينة ببلد آخر، وضع قيمة العبد عند القاضي أو نائبه،
_________________
(١) = ثم ذكر بقية الأقوال. ابن عرفة مقتضى نقله أنه على القول الأول لا يجب التوقيف بمجرد شهادة شاهدي عدل. اهـ. ولا شك أن هذا القول هو الذي درج عليه المصنف لقوله والغلة له للقضاء، وبه تعلم أن قول تت صفة الإيقاف غلق الدار خلاف مذهب ابن القاسم في (المدونة) وخلاف كلام المصنف، وإن قال به جماعة من الموثقين وهو قول الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه في الموطأ، وقول ابن القاسم في (العتبية): ومعنى قولها في القول الأول يوقف وقفًا يمنع من الإحداث فيه أن يقال للذي هو عنده، وفي يده لا تحدث فيه حدثًا من تفويت ولا تغيير ولا يخرج من يدك قاله أبو الحسن".
[ ٧ / ٣٠٩ ]
ويأخذه، ليذهب به المدعي إلى بلد يشهد له فيه على عينه عند قاضي ذلك البلد أجيب لذلك، لا إن انتفيا، أي: العدول وبينة السماع، وطلب إيقافه، ووضع قيمته؛ ليأتي ببينة قريبة، وإن بكاليومين والثلاثة، فلا يجاب لذلك؛ لأنه يريد بذلك إضرار المالك، وإيصال منفعة العبد تلك المدة، إلا أن يدعي بينة حاضرة على الحق، أو يدعي سماعًا فاشيًا يثبت به حقه، فيوقف العبد، ويوكل به، أي: بالمدعي، حتى تأتي بينة قريبة في كيوم ونحوه.
تنبيه:
تلخيص من كلامه أن لمسألة الحيلولة طرفين، كما في المدونة:
الطريق الأول: إرادة المدعي الذهاب بالعبد؛ ليشهد على عينه، وهو قسمان:
أحدهما: بشاهد عدل.
- أو بينة بالسماع، وإن لم تكن على القطع.
والطرف الثاني: إرادة إيقافه؛ ليأتي ببينة؛ فإن لم يأت بشيء مما ذكر فلا يدفع له.
وهذا معنى ما في أثناء شهادات التهذيب، وكأن الشارح لم يستحضر هذا، فذكر عنها ما في آخر تضمين الصناع، وهو قولها: ومن اعترفت بيده دابة، وقضي عليه، فله وضع قيمتها بيد عدل، ويخرج بها إلى بلد البائع، لتشهد البينة على عينها، وكذلك العروض والعبيد.
وتبعه البساطي، فقال: ظاهر هذا أن دافع القيمة هو المدعى عليه، وأن من أقام البينة قضي له به، وتمكين هذا من العبد بعد القضاء لغيره؛ لأنه يرجع على البائع؛ ولذا قال: ليشهدوا على عينه.
والغلة الحاصلة عن الشيء المحال له -أي: مستمرة للمدعى عليه- للقضاء به للطالب، وهو لمالك في المدونة.
والنفقة قبل القضاء وبعد الدعوى على المقضي له به منهما، فإن
[ ٧ / ٣١٠ ]
قضي به للمدعى عليه فواضح، أو للطالب رجع المدعى عليه بها.
تنبيهان:
الأول: قال أبو عمران: هذا إن لم تكن له غلة، فإن كانت فمنها.
الثاني: قال ابن ناجي: من هنا يعلم حكم مسألة كثيرة الوقوع بين البادية في امرأة يدعيها رجلان، كل يقول: زوجتي. وآل الأمر لإيقافهما، لمن يثبتها منهما، وطلبت النفقة.
[أقسام الشهادة على الخط:]
ولما كانت الشهادة على الخط ثلاثة أقسام:
- خط المقر.
- وخط الشاهد الميت أو الغائب.
- وخط نفسه.
والأولى: أقواها، والثانية: تليها، والثالثة: أضعفها، ذكرها المؤلف على هذا الترتيب، فقال: وجازت على خط مقر، قال: أقر فلان أن عليه أو في ذمته كذا، وعمل بها اتفاقًا عند ابن المواز، وعلى المشهور من روايتين، حكاهما في الجلاب، بلا يمين على المقر له، وصححه ابن الحاجب.
وظاهره: سواء كانت شهادته عليه في ذكر الحق، أو كتب ذكر الحق على نفسه، ولم يكتب شهادته.
وأشار للقسم الثاني بقوله: وجازت على خط شاهد مات أدركه الشاهد على خطه أو لا، إذا حصل له العلم بطريق الخبر، ولا يقبل على الخط، إلا فطن عارف به ممارس له، أو على خط شاهد غاب، لم يختلف قول مالك في الأمهات المشهورة في إعمالها وإجازتها.
ابن فرحون: هو المشهور من المذهب.
اللخمي: هو الصحيح؛ للضرورة.
[ ٧ / ٣١١ ]
الباجي: مشهور قول مالك أنها لا تجوز.
ولم ينبه المصنف على هذا التشهير.
[شروط الشهادة على خط الغائب:]
أشار لشروطها على خط الغائب، وهي ثلاثة بقوله:
- ببعد، فلا يجوز في الغيبة القريبة، وأطلق في البعد، ولعله يريد عدم التحديد، وحده ابن عبد السلام بما ينال الشاهد فيه مشقة.
ثم قال: وجرت العادة عندنا أن اختلاف عمل القضاة ينزل منزلة البعد، وإن كان ما بين العملين قريبًا.
وحده ابن الماجشون بمسافة القصر، وأصبغ بما بين مكة والعراق، وإفريقية من مصر.
ثم بالغ المصنف على جوازها في المال وغيره بقوله: وإن بغير مال فيهما أي: في الشهادة على خط المقر وعلى خط الغائب أو الميت ونحوه للشارح.
وقال البساطي: ضمير التثنية يرجع للصورتين المتقدمتين (خط المقر)، و(خط الميت)، فيجوز في الطلاق والعتق والنكاح والحد وغيره، وهو الذي جرى به العمل بتونس.
[شروط صحة الشهادة على خط الميت أو الغائب:]
وأشار لشروط صحتها على خط الميت أو الغائب، وهي ثلاثة، فقال:
- إن عرفته -أي: الخط- فيشترط حضوره؛ ليشهد على عينه، كالمعين.
ابن عات: الخط عندنا شخص قائم، ومثال مماثل، تقع العين عليه، ويميزه بالعقل، كما يميز سائر الأشخاص والصور.
- وأنه -أي: المشهود على خطه- كان يعرف مشهده، قاله ابن زرب.
[ ٧ / ٣١٢ ]
ابن رشد: وهو صحيح لا يختلف فيه.
- وأنه تحملها حال كونه عدلًا ولم يزل على ذلك لموته.
[القسم الثاني من أقسام الشهادة على الخط:]
وأشار للقسم الثالث بقوله: لا على خط نفسه، وإن عرفه حتى يذكرهما بأنها شهادته، وإن لم يذكرها أدى بلا نفع لطالبها، وظاهره: وإن لم يكن في الكتاب محو ولا ريبة فليشهد.
وقال مطرف: لا يشهد حتى يذكر بعضها.
تنبيهات:
الأول: ظاهر كلام المؤلف سواء كان ذكر الحق والشهادة بخطه أو لم يكن بخطه إلا الشهادة، وهو كذلك على أحد قولين حكاهما ابن الحارث.
الثاني: ظاهره أيضًا كانت الشهادة في كاغد أو ورق، بباطن الكاغد أو ظاهره، وهو كذلك على خلاف فيه.
الثالث: عرف عدد المال أو لا، وهو كذلك، رواه ابن وهب في العتبية.
وقال ابن نافع: إن لم يعرف عدد المال عرف الإمام بذلك، ولا أراه ينفعه.
[مسألة:]
ولا يشهد الشاهد على من لا يعرف نسبه، إلا على عينه، أي: شخصه، وظاهره: المنع؛ لأنه قد يتسمى بغير اسمه.
وليسجل من شهد على امرأة لا يعرف نسبها، فيكتب في سجله من زعمت أنها فلانة ابنة فلان؛ لاحتمال انتسابها لغير أبيها.
قال في التوضيح: وينبغي أن يكون الرجل كذلك.
[ ٧ / ٣١٣ ]
[مسألة:]
ولا تجوز الشهادة على امرأة منتقبة، لا يعرفها الشهود، حتى تكشف عن وجهها؛ لتتعين للأداء عليها، وإن قالوا: أشهدتنا منتقبة، وكذلك نعرفها قلدوا في ذلك.
قال سحنون: هم أعلم بما قلدوا فيه، إن كانوا عدولًا، وعينوها، ويقطع بشهادتهم.
[مسألة:]
ولو شهدوا على امرأة بإقرار أو نكاح أو إبراء، وقالوا: شهدنا عليها على معرفة منّا بعينها ونسبها، وسأل الخصم إدخالها في نساء كان عليهم إخراجها وتعيينها منهن، إن قيل لهم عينوها.
أصبغ: ليس ذلك عليهم.
تذنيب:
أشعر فرضها في المرأة بأن الدابة والرقيق ليس كذلك، فلا تدخل الدابة والرقيق في مثله، ويكلف الشاهد إخراجه، وهو خطأ ممن فعله، ولكن إن كانوا عدولًا قبلت شهادتهم، كذا في المجموعة والعتبية والموازية.
[مسألة:]
وجاز لمن شهد على امرأة الأداء عليها أنها فلانة بنت فلان، إن حصل له العلم بغير ريبة (١)، وإن حصل بامرأة، وأحرى بلفيف من النساء.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٧٣، وما بعدها): " (إن حصل) للشاهد (العلم) بالمشهود عليه بعد تحمل الشهادة عليه اليقيني الذي لا شك معه بتعريف عدلين أو عدل وامرأتين أو لفيف من الناس، بل (وإن) حصل له العلم (بـ) تعريف (امرأة) واحدة، ذكر ابن ناجي وغيره عن الغبريني قبول تعريف الصغير والأمة يسألهما عن غفلة ويترك تعريف المقصود (لا بـ) شهادة (شاهدين) عدلين أنها فلانة لم يحصل له العلم بأنها فلانة بشهادتهما، فلا يؤدي الشهادة عيها (إلا نقلًا) عنهما بأن يقولا له اشهد على شهادتنا أنها فلانة. =
[ ٧ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = طفى: قوله: إن حصل العلم أي: بغير ريبة، كذا في كثير من النسخ وفي بعضها بغير بينة، أي: على غير وجه الشهادة، بل على وجه الخبر من اثنين ذوي عدل أو واحد أو واحدة، واحترز عما إذا كان بالبينة أي: على وجه الشهادة وإليه أشار بقوله لا بشاهدين، أي: أتى بهما المشهود له يشهدان بتعريفها، ولذا عبر بالشاهدين وإلا لقال لا برجلين، وهذا معنى قول ابن رشد الذي أقوله: إن كان المشهود له أتاه بالشاهدين ليشهدا له عليها بشهادتهما بأنها فلانة فلا يشهد إلا على شهادتهما، وإن كان هو سأل الشاهدين فأخبراه أنها فلانة فليشهد عليها، وكذا لو سأل عن ذلك رجلًا واحدًا يثق به أو امرأة جاز له أن يشهد، ولو أتاه المشهود له بجماعة من لفيف الناس فيشهدون عنده أنها فلانة جاز له أن يشهد إذا وقع له العلم بشهادتين. اهـ. فعلم من كلام ابن رشد الفرق بين أن يسأل هو عن ذلك، وبين أن يشهدوا أنه لا يقبل ما كان على وجه الشهادة، ويكتفي به في التعريف إلا على وجه النقل إلا أن يحصل العلم به كاللفيف من الناس، وعلى كلام ابن رشد اقتصر ابن شاس وابن عرفة فيحمل كلام المصنف عليه، فمعنى قوله: وجاز الأداء: إن حصل العلم أي: وكان على وجه الخير، والمراد بالعلم الثقة بخبر المخبر وقوله: لا بشاهدين أي: إذا كان على وجه الشهادة إلا أن يحصل بهم العلم بأن بلغوا حد التواتر، هذا هو المتحصل من كلام ابن رشد وإن كان المتبادر من عبارة المصنف غيره، ونحو عبارته لابن الحاجب، وقد أشار ابن عبد السلام بقوله لأن خبر الواحد قد تحتف به قرينة فيفيد العلم إلى أن هذا من باب الخبر، ولذا قبل الواحد. ولا شك أن التفصيل الذي سلكه المصنف وابن الحاجب هو لابن رشد إلا أنهما أجملا والخلاف بين ابن القاسم وغيره غير مفصل فلابن القاسم في المجموعة من دعي ليشهد على امرأة لا يعرفها ويشهد عنده رجلان أنها فلانة فلا يشهد إلا على شهادتهما. وقال: ابن نافع يشهد، وروى ابن القاسم وابن نافع في (المبسوطة) فيمن دعي للشهادة على امرأة وهو لا يعرفها إن شهد عنده عدلان أنها فلانة فيشهد عليها. ابن القاسم: هذا باطل، ولا يشهد إلا وهو يعرفها بتعريفهما، وقال ابن الماجشون: الذي قاله ابن القاسم هو الباطل، وكيف يعرف النساء إلا بمثل هذا. اهـ. ويمكن حمل الخلاف بين ابن القاسم وغيره على ما كان على وجه الشهادة كما يؤخذ من تعبير لرواية بالشهادة، فيكون اختيار ابن رشد وفاقًا لابن القاسم، وقد جعله في الشامل مخالفًا للقولين، فقال: ولو عرفها شاهدان فلا يشهد إلا على شهادتهما إن تعذر، أو قيل يشهد والمختار إن سألهما الشاهد عنها فأخبراه فليشهد لا إن أحضرهما المشهود له ليخبراه. اهـ. =
[ ٧ / ٣١٥ ]
تتمة:
ذكر ابن ناجي وغيره عن الغبريني: قبول تعريف الصغير والمرأة، يسألهما على غفلة، ويكون كتعريف المعروف المقصود.
لا بشاهدين عرفًا بامرأة، فلا يؤدي الشاهد عليها؛ استنادًا لإخبارهما، إلا أن يشهدا عليهما ويشهدانه فيؤديها نفلًا عنهما.
_________________
(١) = البناني: ولا معارضة بين ما هنا وقوله قبل ولا على من لا يعرف إلا على عينه؛ لأن ما تقدم محله إذ لم تحصل معرفة ولا تعريف، وهذا معنى من لا يعرف، وقرر ابن رحال كلام المصنف على ظاهره فقال معناه وجاز الأداء إن حصل العلم بالتعريف وإن بتعريف امرأة، ولا يجوز الأداء بحصول العلم بسبب تعريف شاهدين عدلين، وإذا لم يعتمد عليهما مع حصول العلم فأحرى مع عدمه. قال: وأما تقرير الشارح وتت وعج وابن مرزوق وغير واحد من شروحه قوله: لا بشاهدين بعدم حصول العلم بهما فغير صحيح؛ لأنه خلاف كلام الناس من أن الشاهدين لا يعتمد عليهما في التعريف مطلقًا، حصل علم بهما أم لا، وهذا على مذهب ابن القاسم بخصوصه لمرور المصنف عليه، وأما على قول ابن الماجشون وما رواه ابن نافع عن مالك فيصح كلام الشارح ومن تبعه إلا أنه قليل الجدوي، إذ لو أراد المصنف ذلك لقال بدل لا بشاهدين لا إن لم يحصل علم. فإن قلت: ما وجه قول ابن القاسم بالمنع مع حصول العلم بالشاهدين؟ قلت: لأن توقف الشاهدين عن الشهادة على من عرفا صحة شهادتهما وحضورهما فيه تهمة وريبة، وقد صرح ابن مرزوق وغيره بأن المشهور هو قول ابن القاسم وأبو الحسن صاحب الفائق وغير واحد بأن تفصيل ابن رشد قول ثالث. اهـ. البناني هذا مبني على فهم قول ابن القاسم لا يعتمد على الشاهدين مطلقًا، ولو حصل العلم بهما وهو بعيد، وإن كان هو مقتضى من جعل ما لابن رشد ثالثًا والظاهر قول طفى يمكن حمل الخلاف بين ابن القاسم وغيره على ما كان على وجه الشهادة، فيكون اختيار ابن رشد وفاقًا لابن القاسم. اهـ. وبالجملة؛ فالظاهر ما قاله ابن رشد وأن يحمل كلام ابن القاسم عليه، وكذا كلام المصنف، واللَّه الموفق. أقول: وتوجيه ابن رحال قول ابن القاسم متناقض، فإن تهمة الشاهدين والريبة في شهادتهما بتوقفهما عنها تمنع من حصول العلم بشهادتهما، وحاشا الإمام ابن القاسم أن يقول إن حصل العلم بتعريف امرأة واحدة فإن الشاهد يعتمد عليه في شهادته، وإن حصل العلم بشهادة رجلين عدلين فلا يعتمد عليه فيها، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٣١٦ ]
[الشهادة بالسماع:]
ولما أنهى الكلام على الشهادة على الخط شرع في الكلام على الشهادة بالسماع، فقال: وجازت بسماع بشروط، ذكرها بقوله:
- فشا عن ثقات وغيرهم، بأن يقول: لم أزل أسمع سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم كذا، فإن لم يجمع بين الأمرين لم تصح.
المتيطي: وعليه العمل.
وأشار لما تجوز فيه بقوله: بملك مطلق؛ لأن المال لا يكاد يقطع به، وحاول بعضهم تصويره بصور ذكرناها في الكبير.
لحائز متصرف (١) تصرف الملاك بالهدم والبناء من غير منازع
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٧٧): " (متصرف) بضم الميم وفتح التاء والصاد المهملة وكسر الراء مئقلة فيه تصرف المالك من غير منازع له فيه زمنًا (طويلًا) طفى لم أر من اشترط في شهادة السماع التصرف سوى المصنف في مختصره هذا وتوضيحه، فإنه قال في قول ابن الحاجب: وتجوز شهادة السماع الفاشي عن الثقات وغيرهم في الملك ما نصه أي: المطلق. قال في (الجواهر): إنما يشهد بالملك إذا طالت الحيازة وكان يتصرف فيه تصرف الملاك بالهدم ونحوه، ولا ينازعه أحد، ولا يكتفي بشهادتهم أنه كان يحوزها حتى يقولوا إنه يحوزها لحقه وأنها ملك له، وأما من اشترى من سوق المسلمين فلا يجوز أن يشهد له بملكه؛ لأنه قد يشتري من غير مالك. اهـ. وهذا وهم منه رحمه اللَّه تعالى؛ لأن كلام الجواهر هذا في الشهادة بالملك على القطع، وهو كقول المصنف فيما يأتي، وصحة الملك بالتصرف إلى آخر ما سيأتي وهذا ظاهر من كلامه. وأما شهادة السماع بالملك فقد قال فيه في غائب قدم وادعى دارًا في يد حائز فيقيم الذي هي في يده بينة على السماع في تطاول الزمان على أنه اشتراها من أبي هذا القائم أو جده أو ممن صارت إليه عنهم فيثبت له نفاذها بهذه الشهادة. اهـ. فاشترط الحوز فقط كما ترى وكذا قال غير واحد. وفي (المدونة): ومن قامت بيده دار خمسين سنة أو ستين سنة ثم قدم رجل كان غائبًا فادعاها وأثبت الأصل له أو أقام بينة أنها لأبيه أو جده وثبتت المواريث حتى صارت له فقال الدي في يده الدار أو أحد من آبائه ابتاعها من القادم أو من أحد آبائه أو ممن =
[ ٧ / ٣١٧ ]
زمنًا طويلًا، قيد لحائز، لا لمتصرف، وسيأتي حد الطول.
[مسألة:]
وقدمت بينة الملك على بينة الحوز في دار شخص قدم من غيبة
_________________
(١) = ورثه القادم عنه أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا فذلك يقطع حق القادم منها وهي قول المصنف إلا بسماع أنه اشتراها. . . إلخ. وفي ابن يونس ابن المواز: تجوز شهادة السماع لمدعي دارًا بيد غيره وقد حازها عليه إنما تجوز لمن الدار بيده إذا أثبت الذي يدعيها البينة أنها لأبيه أو جده أو ممن هو وارثه، وتكون قد قامت بيد حائزها سنين ينقطع فيها العلم فلا يجد من يشهد له إلا على السماع أنا لم نزل نسمع من العدول أن الذي في يده الدار أو أحد من آبائه ابتاعها من القادم أو من أحد ورثها القادم عنه فلذلك يقطع حق القادم. اهـ. والمالكية مطبقون على التعبير بأن شهادة السماع لا يستخرج بها من يد حائز، وإنما تجوز للحائز ولم يقولوا للمتصرف، وهذا ظاهر لمن تأمل وأنصف وعرف الحق بنفسه لا بالرجال ولم يجعل ربقة التقليد في عنقه لكل غث وسمين والعجب من "ح" والشارح و"ق" وغيرهم كيف تواطئوا على نقل كلام الجواهر هنا تقليدًا للتوضيح ولم يتنبهوا لما قلناه مع وضوحه، وتبعهم عج حتى فسر الطول في قوله: وحوز طال بعشرة أشهر، ولا شك أن ما فسر به مراد صاحب (الجواهر)، لكن في الشهادة بالملك على البت كما يأتي للمصنف من قوله: وحوز طال كعشرة أشهر، وأما هنا فكيف يأتي اشتراط الحوز عشرة أشهر مع شرط طول الزمان كالخمسين والستين سنة ما هذا إلا تهافت، وتقدم عن ابن المواز و(المدونة) أن الحيازة هنا خمسون سنة أو ستون سنة ونحوها مما ينقطع به العلم وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلًا، واللَّه الموفق. والعذر للمصنف رحمه اللَّه تعالى أن صاحب (الجواهر) تكلم على الشهادة بالملك على البت أثناء شهادة السماع، فتوهم المصنف أنه من جملة شهادة السماع، فوقع فيما وقع والكمال للَّه تعالى. البناني ووقع لابن مرزوق أيضًا أنه قرر كلام المصنف على ظاهره واحتج له بقول المازري ما نصه مما تقبل فيه شهادة السماع الشهادة بالملك المطلق، فإن الملك لا يكاد يقطع به، ويعتمد الشاهد في الشهادة بذلك على وضع اليد عليه والتصرف فيه تصرف المالك في ملكه، ونسبتها مع ذلك لنفسه وعدم المنازع وطول الحيازة ونحوه في (النوادر)، وهو وهم أيضًا من ابن مرزوق في فهم كلام المازري، فإن قوله: ويعتمد. . . إلخ، إنما هو في شهادة القطع بالملك لا السماع".
[ ٧ / ٣١٨ ]
بعيدة، وأثبت أنها له أو لأبيه أو جده، إلا أن يأتي الحائز ببينة تشهد له بسماع أنه اشتراها من كأبي القائم أو جده أو ممن ورثها القائم عنه، أو من القائم، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرناه، ونحوه في المدونة؛ فإن ذلك يقطع حق القائم.
[مسألة:]
وتجوز شهادة السماع في وقف على حائز له، أو لا بد لأحد عليه تشهد بينة السماع أنه حبس على الحائز، أو على بني فلان، أو للَّه تعالى ما بقيت الدنيا.
أبو إسحاق: وهذا الذي تصح فيه شهادة السماع.
[مسألة:]
وتجوز في موت ببعد في البلدان، وتقادم في الزمان، وأما ما قرب فهي شهادة بالبت.
[شروط شهادة السماع في غير موت:]
وأشار لشروط شهادة السماع، لا على الموت بخصوصه، بقوله: إن طال الزمان، ابن القاسم: أربعون أو خمسون سنة.
ابن زرقون: هو ظاهر المدونة. وعنه عشرون سنة.
ابن رشد: وبه العمل بقرطبة.
وهل خمسة عشر طولًا أو لا؟ قولان، والصحيح في خمسة عشر، الفرق بين الوباء وغيره.
بلا ريبة شرط ثان، فلو شهد اثنان بالسماع وفي القبيل مائة من أسنانهما غيرهما لا يعرفون ذلك، أو شهدا بموت شخص ببلد، وفيهم جم غفير لم يعلموا ذلك لم يقبلا، إلا أن يكون علم ذلك فاشيًا فيهم.
أو ليس في القبيل أسن منهما، وحلف المشهود له، هو شرط ثالث؛ لاحتمال أن يكون أصل السماع بواحد، وهو لا يلزم به الحق إلا بيمين.
[ ٧ / ٣١٩ ]
وشهد اثنان، هو شرط رابع، ويكتفى بهما على المشهور، عبد الملك: لا بد من أربعة.
[محل شهادة السماع:]
ثم ذكر مواضع من محل شهادة السماع، فقال: كعزل لقاضي أو أمير أو وكيل، وجرح -أي: تجريح- وكفر وسفه ونكاح وضدها من ولاية وتعديل وإسلام ورشد وطلاق.
تنبيه:
قال بعض المتأخرين: لم أقف على الطلاق في كلام أئمتنا ولا في النظم الآتي.
وبالغ على ضد النكاح بقوله: وإن بخلع، البساطي: ويحتمل أن يبقى كلامه على ظاهره، أعني: نفس الجرح أو العدالة، بأن يشهدوا أنه لم يزالوا يسمعون أن فلانًا يشرب الخمر مثلًا، أو أنه عدل.
وجازت بسماع فشا في ضرر زوج بزوجته، أو هي بزوجها، من غير ذنب يستوجب ذلك.
وجازت بسماع فشا في هبة، ووصية على أيتام، وفي ولادة، وحرابة وإباق، وقال بعضهم: لم أر الإباق إلا في النظم الآتي.
وفي عُدم وأسر وعتق، وجازت في لوث بقسامة في النفس، وينسب لابن رشد في عدد ذلك نظم، وهو قوله:
أيًّا ما يلي عما ينفذ حكمه ويثبت سمعًا دون علم بأصله
ففي العدل والتجريح والكفر بعد وفي سفه أو ضد ذلك كله
وفي البيع والصدقات والأحباس والسر ضاع وخلع والنكاح ضده (١)
وفي قسمة أو نسبة وولاية وموت وحمل والمضر بأهله
_________________
(١) كذا من التتائي، وذلك يعد عيبًا في القصيد؛ لأن هاء الضمير لا تكون رَوِيًّا.
[ ٧ / ٣٢٠ ]
وزاد حفيده (١):
ومنها هبات والوصية فأعلمن وملك قديم قد يظن بمثله
ومنها ولادات ومنها حرابة ومنها أباق فليضم لشكله
فدونكما عشرين من بعد سبعه تدل على حفظ الفقيه ونبله
أبي نظم العشرين من بعد واحد فاتبعتها ستا تماما لفعله
البرزلي عن شيخه ابن عرفة:
شهادة ظن بالسماع مقالتي ولما عد مطيتهم في النهاية
فوق قديم مثله البيع والولاء وموت وارث والقضاء كالعدالة
وجرح وإنكار وكفر وضده وفي قسمة أو نسبة وولادة
وموت وحمل والمضر بأهله ورشد وتسفيه وعزل ولاية
وأضرار زوج في الرضاع وفي النسب نفاس حكي اللخمي لوث قسامة
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن رشد ض الأندلسي، أبو الوليد، (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ = ١١٢٦ - ١١٩٨ م): الفيلسوف، من أهل قرطبة، يسميه الإفرنج (Averroes)، عني بكلام أرسطو وترجمه إلى العربية، وزاد عليه زيادات كثيرة. وصنف نحو خمسين كتابًا، منها "فلسفة ابن رشد - ط" وتسميته حديثة وهو مشتمل بعض مصنفاته، و"التحصيل" في اختلاف مذاهب العلماء، و"الحيوان" و"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال - ط" و"الضروري" في المنطق، و"منهاج الأدلة" في الأصول، و"المسائل - خ" في الحكمة، "وتهافت التهافت - ط" في الرد على الغزالي، و"بداية المجتهد ونهاية المقتصد - ط" في الفقه، وكان دمث الأخلاق، حسن الرأي. عرف المنصور (المؤمني) قدره فأجله وقدمه. واتهمه خصومه بالزندقة والإلحاد، فأوغروا عليه صدر المنصور، فنفاه إلى مراكش، وأحرق بعض كتبه، ثم رضي عنه وأذن له بالعودة إلى وطنه، فعاجلته الوفاة بمراكش، ونقلت جثته إلى قرطبة، قال ابن الأبار: كان يفزع إلى فتواه في الطب كما يفزع إلى فتواه في الفقه. ويلقب بابن رشد "الحفيد" تمييزًا له عن جده أبي الوليد محمد بن أحمد (المتوفى سنة ٥٢٠) ومما كتب فيه. "ابن رشد وفلسفته - ط" لفرح أنطون، و"ابن رشد - ط" ليوحنا قمير، و"ابن رشد الفيلسوف - ط" لمحمد بن يوسف موسي، و"ابن رشد - ط" لعباس محمود العقاد. ينظر: الأعلام (٥/ ٣١٨).
[ ٧ / ٣٢١ ]
فخذها بنقل ثابت لهما معًا وما لابن رشد نقله غير ثابتة
قال: وزاد في مختصره وأسقط هذا البيت:
وزاد لنا في الكافي سماع تصرف وإنفاق ذي أيضًا أو ذي نيابة
وتنفيذ أيضًا لعشر وضعفها سنين ابن زرب زاده في مقالتي
وزاد عليها مواضع أخر تركناها للطول، وكذا تركنا عدم التنظير لاستدراك البساطي، وتعقبه على الحفيد.
[مسألة:]
والتحمل للشهادة إن افتقر إليه -أي: احتيج- فرض كفاية عند تعذر من يقوم به لأجل حفظ المال وغيره؛ إذ لو تركه الجميع لضاع حقوق الناس، ويسقط بقيام البعض به، ويتعين بما يتعين به قرض الكفاية، بأن لم يوجد من يقوم به غيره، وأما موضع لا يحتاج إليه فيه كموضع لا تدخله الأحكام فلا.
تنبيهان:
الأول: يجوز الأخذ على التحمل، كما استمر عليه عمل الناس، ممن انتصب لها بالكتب، وترك التسبب المعتاد لأجلها، وهو من المصالح العامة، وإلا لم يجد الإنسان من يشهد له.
الثاني: يجوز كون الأجرة مسماه معلومة مما اتفقا عليه من قليل وكثير، ما لم يكن المكتوب له مضطرًا للكاتب، إما لقصر القاضي الكتابة عليه؛ لاختصاصه بموجب ذلك، وإما أنه لم يجد بذلك الموضع غيره، فيجب على الكاتب أن لا يطلب فوق ما يستحق، فإن فعل فجرحه.
[تعين الأداء:]
وتعين الأداء، وهو كما قال ابن عرفة: إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم به.
[ ٧ / ٣٢٢ ]
[محل الأداء:]
ثم بيَّن المؤلف المحل الذي يجب على الشاهد منه الأداء بقوله: من كبريدين، كما في نوازل سحنون، وتعين الأداء على واحد انفرد أو اثنين كذلك ولا محل إحالة المشهود له على اليمين.
ويتعين على ثالث في الأموال وفيما يقبل فيه اثنان، إن لم يجتز بهما، وعلى رابع وخامس، إن لم يثبت الحق بدون ذلك كالزنا، وإن انتفع الشاهد الواجب عليه الأداء، بأن امتنع منه إلا بشيء يأخذه، فجرح تسقط بها شهادته، وإن لم يمتنع وأدى ودفع له المشهود شيئًا من غير طلب فليس بجرح.
ثم استثنى مما هو جرح، فقال: إلا ركوبه، وظاهر كلام الشارح: سواء أعطاه دابته أو غيرها.
وقال البساطي: ليس المراد منه نفس الركوب فقط، بل وما في معناه، بأن يعطيه شيئًا يكري به دابة، ونحو ذلك. انتهى.
وعلل المؤلف ذلك بقوله: لعسر مشيه لموضع أدائها، أو عدم دابته فليس جرحًا.
تنبيهات:
الأول: إضافة الدابة له مخرج لدابة قريبه، فليس عليه استعارتها.
الثاني: ظاهره: ولو كان اشتغاله بأدائها يمنعه من اشتغاله بما يقيم به أوده، وهو كذلك.
ولابن المناصف (١) عن بعض العلماء: يجوز له الأخذ على الأداء وإن
_________________
(١) هو: إبراهيم بن عيسى بن أصبغ الأزدي، أبو إسحاق، (٠٠٠ - ٦٢٧ هـ = ٠٠٠ - ١٢٣٠ م): قاضي، من الشعراء، أندلسي، من أهل قرطبة ومن بيوتاتها الأصيلة، قال ابن الأبار: يعرفون ببني المناصف. ولي قضاء دانية وصرف عنها سنة ٦٢١ وأسكن بلنسية أشهرًا ثم انتقل عنها. وولي بعد ذلك قضاء سجلماسة إلى أن توفي بها. =
[ ٧ / ٣٢٣ ]
تعين عليه إذا كان اشتغاله به يمنعه من اشتغاله بما يقيم به أوده.
الثالث: قال ابن عرفة: هو أحد الأقوال في أخذ الأجرة في الرواية على الإسماع، أو السماع الجواز والمنع والتفصيل.
لا كمسافة القصر، إذا طلب الأداء منها، لا يتعين ذلك على الشاهد.
سحنون: يؤديها عند قاضي ناحيته، ويكتب بها لقاضي الناحية التي لا تلزمه.
وله -أي: للشاهد- إذا طلب منه المشهود له أن يؤدي له عند من لا يلزمه الذهاب إليه أن ينتفع منه -أي: من المشهود له- بدابه يركبها ونفقة ذهابًا وإيابًا وإقامة.
وحلف -أي: قضى بالحلف- على زوج ادعت عليه زوجته وأتت بشاهد عليه في طلاق، وكذا يحلف سيده مع شاهد أو امرأتين في عتق ادعاه عليه رقيقه وأنكر، لا إن شهد لأحد الزوجين شاهد على نكاح أنكره الآخر، فلا يمين على المنكر على المعروف.
وهذا وإن ساوى الطلاق والعتق في أنه لا يثبت إلا بشاهدين، إلا أنه لشهرته لا يكاد يخفى على الأهل والجيران، والعجز عن شاهدين به دليل على كذب مدعيه، فإن حلف منكر الطلادتى أو العتق برئ، وإن نكل حبس ليحلف فيهما، فإن حلف ترك، وإن طال سجنه ولم يحلف دُيّن، أي:
_________________
(١) = أملى على قول سيبويه: (هذا باب علم ما الكلم من العربية) عشرين كراسًا. ينظر: الأعلام (١/ ٥٦). أو هو ترجيحًا: محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ، أبو عبد اللَّه بن المناصف الأزدي القرطبي، (٥٦٣ - ٦٢٠ هـ = ١١٦٨ - ١٢٢٣ م)، نزيل إفريقية: قاض متفنن في العلوم. ولي قضاء بلنسية ثم قضاء مرسية. وصرف، فسكن قرطبة. وحج وأقام بمصر قليلًا، وعاد فمات بمراكش. له (المذهبة في الحلى والشيات - خ) و(تنبيه الحكام - خ) في سيرة القضاة وقبول الشهادات وتنفيذ الإحكام والحسبة، وكتاب في (أصول الدين) وآخر في (السيرة النبوية). ينظر: الأعلام (٦/ ٣٢٢).
[ ٧ / ٣٢٤ ]
وكل لدينه في قول مالك، وبه القضاء.
[مسألة:]
وحلف عبد مع شاهد له بحق، سواء كان مأذونًا له في التجارة أو لا.
تتمة:
لو نكل فقال اللخمي: إن كان مأذونًا وحلف المدعى عليه، وبرئ، ولا مقال لسيده، وإن كان غير مأذون له حلف سيده، واستحق.
[مسألة:]
وحلف سفيه بالغ مع شاهد له بحق، وثبت حقه؛ لأنه مخاطب بالشرع، وهو كالرشد في اليمين.
تكميل:
لو نكل فعن ابن القاسم يحلف المطلوب، ويبرأ، ولا يحلف السفيه إن رشد.
وقال ابن كنانة: يرجع إلى اليمين إذا رضي حاله.
[من لا يحلف مع شاهد:]
لا صبي لا يحلف مع شاهد له على المعروف؛ لأن اليمين جزء نصاب لا تتميم.
ولا يحلف عنه أبوه مع شاهد، إن لم ينفق عليه، بل وإن أنفق؛ لفقره على المشهور، بحيث يكون ليمين الأب فائدة في سقوط النفقة عنه.
وعلى المعروف من أن الصبي لا يحلف الآن حلف مطلوب بحقه الآن على خلاف ما شهد به شاهده، ليترك الحق بيده حتى يبلغ الصبي، فإن نكل غرم، ولم يكن على الصبي يمين إذا بلغ، وسواء كان الحق المدعى به معينًا كدار.
اللخمي: أو عينًا.
[ ٧ / ٣٢٥ ]
والمدعى عليه يخشى فقره.
[مسألة:]
وإذا حلف المطلوب أسجل بأن يكتب شهادة الشاهد للصبي صونًا لحقه ليحلف مع شاهده إذا بلغ، وإذا حلف أخذه بعينه إن كان قائمًا، وبقيمته إن كان فائتًا، وبمثله إن كان مثليًّا، وإن نكل فلا شيء له.
[مسألة:]
ولا يحلف المدعي عليه ثانية كوارثه، أي: وارث الصبي، يحلف مع شاهد الصبي إذا مات، ويستحق قبله، أي: قبل بلوغه؛ لأن الحق صار له، إلا أن يكون الوارث الذي مع الصغير نكل أولًا عن اليمين حين توجهت عليه في نصيبه.
وصورتها: أن يشهد بحق لصغير ولأخيه الكبير، فينكل الكبير، واستؤني للصغير، فمات قبل بلوغه، وورثه أخوه الكبير، ففي حلفه -أي: الكبير- على نصيب أخيه الصغير الذي ورثه منه؛ لأنه إنما نكل أولًا عن حصته.
ابن يونس: وهو الذي يظهر؛ إلا ترى أنه لو حلف أولًا يأخذ حصته، ثم إنه ورث الصغير لم يأخذ حصته إلا بيمين ثانية، وعدم حلفه لأنه قد نكل أولًا، فلا يرجع عليه اليمين: قولان.
قال المازري: للمتأخرين، ولا نص فيها للمتقدمين.
تنكيت:
كان ينبغي له أن يقول: (تردد) على عادته.
[مسألة:]
وإن نكل الصبي بعد بلوغه أو نكل وارثه بعد موته وكان المطلوب حلف أولًا اكتفي بيمين المطلوب الأولى، ولا يعاد عليه ثانيًا على المشهور.
[ ٧ / ٣٢٦ ]
[مسألة:]
وإن حلف المطلوب بعد أن أقام الطالب شاهدًا بحقه، ولم يحلف مع شاهده، وردها على المطلوب، ثم أتى الطالب بآخر يشهد له كالأول، فلا ضم؛ لبطلان شهادة الأول بنكوله ويمين المطلوب، قاله في الموازية.
وفي حلفه -أي: الطالب- معه -أي: مع الشاهد الثاني- لأن شهادة الأول صارت كالعدم بنكوله، وحلف المطلوب وعدم حلفه معه لتركه حقه بنكوله مع الأول، وهو لابن القاسم وابن كنانة: قولان.
[مسألة:]
وإذا قلنا: يحلف مع الشاهد الثاني فاختلف في تحليف المطلوب له ثانيًا إن لم يحلف، بأن نكل ثانيًا، قاله في الموازية؛ لأنه لم يستفد بيمينه الأولى سوى إسقاط الشاهد الأول، وعدم تحليفه له ثانيًا؛ لأن يمينه تقدمت، فلا تعاد، قاله ابن ميسر (١): قولان، وحذف قولان من الأول لدلالة هذا عليه.
[إمكان اليمين وتعذرها:]
ثم ذكر ما إذا كانت اليمين ممكنة من بعض المشهود لهم دون بعض، وإذا لم يمكن وتعذرت من جميعهم.
وأشار للأولى بقوله: وإن تعذر يمين بعض كشاهد بوقف لدار مثلًا على بنيه -أي: بني الواقف- وعقبهم، فاليمين ممكنة من بعض، وهم البنون الموجودون، ممتنعة من العقب، حلف المشهود عليه على رد شهادة الشاهد.
وأشار للثانية بقوله: أو بشاهد واحد أنها وقف على الفقراء، حلف،
_________________
(١) هو: محمد بن علي بن يوسف بن ميسر، تاج الدين، أبو عبد اللَّه، (٠٠٠ - ٦٧٧ هـ = ٠٠٠ - ١٢٧٨ م): مؤرخ مصري، توفي بالقاهرة، من كتبه: (تاريخ القضاة) و(ذيل تاريخ مصر للمسبحي) طبع مختصر الجزء الثاني منه، باسم (أخبار مصر). ينظر: الأعلام (٦/ ٢٨٢).
[ ٧ / ٣٢٧ ]
وإلا فحبس، وهذا على ما نقله ابن المواز عن الأصحاب، وهو القول الثالث في التوضيح، ولمالك من رواية مطرف وابن وهب: إذا حلف واحد من البطن الأول مع الشاهد ثبت الحبس، وله أيضًا من رواية ابن الماجشون عنه أنه: إذا حلف جلهم ثبت الجميع.
إلا أن التفريع الآتي لا يتأتى على هذا التقرير، فيحمل كلامه على ما يصح فيه التفريع، وهو القول الرابع في توضيحه، الذي قال بأن التفريع عليه، وعزاه لبعض القرويين، ورجحه اللخمى وغيره من أن البعض بمنزلة الشاهد يشهد لحاضر وغائب أو حمل. انتهى.
أي: فيثبت لمن حلف نصيبه في المسألتين، فإن نكل من لم يتعذر بيمينه انقلبت اليمين على المطلوب، فإن حلف برئ، وإن نكل حبس، وإن حلف بعض ونكل باقيهم استحق الحالف نصيبه.
والتفريع المشار إليه هو قوله: فإن نكل (١) الحالف وبقي أخوته الناكلون ففي تعيين مستحقه الذي حلف عليه لمن نكل من بقية البطن الأولين دون أهل البطن الثاني؛ لأن نكولهم عن الحلف على نصيبهم لا يمنع من استحقاق نصيب الحالف الميت، كما تقدم في تأخير الصغير إذا نكل أخوه الكبير، ثم مات الصغير.
أو يستحقه أهل البطن الثاني؛ لبطلان حق بقية البطن الأول بنكولهم، وأهل البطن الثاني إنما يتلقونه عن جدهم المحبس تردد؛ لعدم نص المتقدمين.
وبالتقرير على كل من القولين يندفع قول البساطي: (إن قوله: "وإلا فحبس" وهم)، واللَّه أعلم.
[مسألة:]
ولم يشهد على حاكم قال: ثبت عندي لمعين، كـ: زيد، إلا
_________________
(١) في "ن ٣": مات، ولعله الصواب، بل هو الصواب بحسب السياق.
[ ٧ / ٣٢٨ ]
بإشهاده، بأن يقول: اشهدوا علي به، نقله في توضيحه عن المفيد عن مطرف.
تنبيه:
أشعر كلامه بأنه لو زاد على ذلك بتسمية البينة لقبل، وقاله ابن القصار وابن الجلاب (١)، ويحتمل عدم القبول ولو سماها.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٤٩٥): "طفى: ظاهره أن كلام ابن الجلاب وابن القصار في فرض المصنف وليس كذلك، إذ كلام المصنف في النقل عن القاضي فلا بد من الإشهاد ولو سمى البينة، ولا معنى للتوقف فيه، إذ أصل النقل كذلك لا بد فيه من الإشهاد، ولا يغني عنه تسمية البينة، ولذا أطلق مطرف هذا الفرع الذي نقله المصنف عنه في توضيحه وكلام ابن القصار وابن الجلاب في قول القاضي نفسه ثبت عندي كذا لا بد في قبولة من تسمية البينة، وإلا فلا يقبل والمشهور خلافه، وبنقل كلام الأئمة يتضح لك المراد. ابن عرفة اللخمي: إن حكم على الخصم بإقراره المستمر حتى حكم عليه ثم أنكر بعد حكمه عليه وقال: ما كنت أقررت بشيء فلا ينظر إلى إنكاره هذا مشهور المذهب. وقال ابن الجلاب: إن ذكر الحاكم أنه حكم بشيء وأنكره المحكوم عليه فلا يقبل قول الحاكم إلا ببينة وهو أشبه في قضاة اليوم لضعف عدالتهم. وفي مختصر الواضحة من قول ابن القاسم: إذا جاء كتاب من قاض إلى قاض آخر فلا يعتبر إلا بشهادة شهود أنه كتاب القاضي، ولا يلتفت إلى طابع القاضي وقاله ابن الماجشون، وزاد أشهب أنه لا تجوز شهادتهم أنه كتاب القاضي حتى يشهد أنه قد أشهدهم عليه ولا يضر عدم ختمه. وقال ابن وهب: لا يجوز كتاب قاض إلى قاض إلا بشاهدين أنه أشهدهما بما فيه وإن لم يكن فيه خاتمه. ابن فرحون: يشترط أن يكون المكتوب إليه عالمًا بعدالة شاهدي الكتاب ولا يكفي تعديلهما فيه. وشبه في الاشتراط فقال (ك): قول الشاهد الأصلي للشاهد الذي ينقل عنه شهادته (اشهد على شهادتي) ابن عرفة النقل عرفًا إخبار الشاهد عن سماعه شهادة غيره أو سماعه إياه لقاض، فيدخل نقل النقل، ويخرج الإخبار بذلك لغير قاض. ابن القاسم من سمعته يقول: لفلان على فلان مائة دينار ولم يشهدك فاشهد بما سمعت إن كنت سمعته يؤديها عند الحاكم للحكم بها وإلا فلا حتى يشهدك، إذ لعله =
[ ٧ / ٣٢٩ ]
[شروط الإشهاد على الحاكم:]
وأشار لشروطها بقوله: كاشهد على شهادتي، يحتمل أنه شرط في تحملها، أي: في قبولها، وتردد ابن عبد السلام في ذلك، والتشبيه يحتمل أن يكون في جملة ما قبله، ويحتمل أن يكون في المستثنى فقط.
تنبيه:
ظاهر كلام المؤلف: أنه لا يطلب تاريخ النقل، وعليه ابن عات وطائفة.
وقال القاضي أبو الأصبغ (١): به رأيت العمل بقرطبة، ورأيت أهل إشبيلية يؤرخون، والأمر عندي واسع.
أو رآه يؤديها عند قاض استظهره ابن رشد.
_________________
(١) = لو علم أنك تنقلها عنه لزاد أو نقص ما ينقضها. وفي (المدونة) وغيرها: تجوز الشهادة على الشهادة في الحدود والطلاق والولاء وكل شيء. ابن عرفة: والنقل عن الأصل شيء، فظاهر عموم الروايات وإطلاقها صحة نقل النقل ولم أقف على نص فيه، فإن قال المنقول عنه للناقل: اشهد على شهادتي أو انقلها عني صح نقله اتفاقًا. الباجي: من سمع شاهدًا قبض شهادته فلا يجوز له نقلها عنه حتى يشهده عليها. ابن الحاجب: شرطها أن يقول: اشهد على شهادتي. ابن عبد السلام: أي: شرط قبولها أو تحملها". اهـ.
(٢) هو: عيسى بن سهل بن عبد اللَّه الأسدي القرطبي الغرناطي، أبو الأصبغ، (٤١٣ - ٤٨٦ هـ = ١٠٢٢ - ١٠٧٣ م): قاضي غرناطة. أصله من جيان. سكن قرطبة. واستكتب بطليطلة ثم بقرطبة، وولي الشورى بها مدة، ثم ولي القضاء بالعدوة، ثم استقضي بغرناطة وتوفي مصروفًا عن القضاء. له كتاب (الأعلام بنوازل الإحكام - خ) في الفتاوى وغيرها، مجلد ضخم، في خزانة الرباط (٨٦ أوقاف) عمل في تحقيقه وتهيئته للطبع الدكتور نصوح النجار. قال ابن بشكوال: مفيد يعول الحكام عليه. قلت: وفيه فصل قصير عنوانه "تسمية الفقهاء وتاريخ وفاتهم" في التراجم. ينظر: الأعلام (٥/ ١٠٣).
[ ٧ / ٣٣٠ ]
ابن المواز: لا يجوز له، حتى يقول: اشهدوا على شهادتي.
ابن يونس: وهو أشبه بظاهر المدونة.
[من شروط النقل:]
وأشار إلى أن من شروط النقل تعسر أداء الأصل لغيبته بقوله: إن غاب الأصل المنقول عنه؛ إذ في النقل بحضرته قادرًا ريبة، لو حضر ثبتت عليه؛ ولأن تخوف سهو الأصل وكذبه وغلطه أخوف من تخوف ذلك من الناقل.
وهو -أي: المنقول عنه- رجل، لا امرأة.
مطرف: لم أر بالمدينة امرأة قط أدت، ولكن يحمل عنها، ولا يشترط في النقل عنها غيبتها.
ولما كانت الغيبة تختلف باختلاف الشهادة، ويكفي في غير الحدود اليومان، قال: بمكان لا يلزم الشاهد الأداء عند القاضي منه، ولا يكفي في النقل في الحدود الثلاثة الأيام، بل لا بد أن تكون بعيدة، ومن شروطها تعذر الأصل.
وأشار له بقوله: أو مات الأصل أو مرض مرضًا يشق معه الحضور إلى القاضي.
واستغرب البساطي مجيء القاضي ليسمع شهادة المريض عند عدم الاتهام، وقصد المعروف مع وجود الناقل، وأما مع عدمه فقد يقال: يلزم القاضي إن لم يشق عليه، فقوله: (مات أو مرض) معطوفان على (غاب).
تنبيه:
علم من كلامه جواز النقل في الحدود وغيرها.
[طروء مانع الشهادة:]
ولما كان تمام شهادة النقل إنما تحصل بأداء ناقلها، كان طروء مانع شهادة الأصل قبل أداء ناقلها كطروئه على شاهد قبل أداء شهادته أو بعده
[ ٧ / ٣٣١ ]
وقبل الحكم بها، قال: ولم يطرأ فسق للمنقول عنه أو عداوة بينه وبين المشهود عليه أو ردة، فإن حدث شيء من ذلك قبل التحمل أو قبل الأداء لبطل شهادته.
تنبيه:
ظاهر كلامه كان الفسق مما يخفى ويكتم كالزنا، أو مما يتجاهر به كالقتل، وهو كذلك.
بخلاف طرو جن أو عمى على الأصل بعد النقل وقبل الأداء، فلا يمنع من النقل عنه، وكذا طروؤه على الفرع بعد الأداء للغوهما في شهادة غير النقل.
وأشار لشرط آخر بقوله: ولم يكذبه -أي: الفرع- أصله قبل الحكم بشهادة الفرع بأن كذبه، وقال: لم أشهده على شهادتي، ولا أديتها عند قاض، أو قال: لا شهادة لي في ذلك، بطلت اتفاقًا؛ إذ هو كرجوعهم عنها قبل الحكم بها (١).
_________________
(١) وهذا فرق آخر بين الرواية والشهادة على غير المختار عند المتأخرين؛ إذ في الرواية: "إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا ثم نفاه المسمع لما روجع فيه فالمختار عند المتأخرين أنه إن كان جازمًا بنفيه بأن قال ما رويته أو كذب علي ونحوه وجب رده لتعارض قولهما مع أن الجاحد هو الأصل ولكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه ولا يثبت به جرحه لأنه أيضًا مكذب لشيخه في نفيه لذلك وليس قبول جرح كل منهما أولى من الآخر فتساقطا؛ فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه فهو مقبول صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما ومقابل المختار في الأول عدم رد المروي واختاره السمعاني وعزاه الشاشي للشافعي وحكى الهندي الإجماع عليه وجزم الماوردي والروياني بأن ذلك لا يقدح في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع أن يرويه عن الأصل فحصل ثلاثة أقوال. وثم قول رابع: أنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه وصار إليه إمام الحرمين. ومن شواهد القبول: ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه -ﷺ- بالتكبير. قال عمرو بن دينار: ثم ذكرته لأبي معبد فقال: لم أحدثك. قال عمرو: قد حدثتنيه. =
[ ٧ / ٣٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال الشافعي: كأنه نسيه بعدما حدثه إياه والحديث أخرجه البخاري من حديث ابن عيينة. فإن قال: الأصل لا أعرفه أو لا أذكره أو نحوه مما يقتضي جواز نسيانه لم يقدح فيه ولا يرد بذلك ومن روى حديثًا ثم نسيه جاز العمل به على الصحيح وهو قول الجمهور من الطوائف أهل الحديث والفقه والكلام خلافًا لبعض الحنفية في قولهم بإسقاطه بذلك ومنكرًا عليه رد حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قضى باليمين مع الشاهد زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه ورواه أبو داود أيضًا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة قال سليمان: فلقيت سهيلًا فسألته عن هذا الحديث فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني. فإن قيل: إن كان الراوي معرضًا للسهو والنسيان فالفرع أيضًا كذلك فينبغي أن يسقطا. أجيب بأن الراوي ليس بناف وقوعه ذاكر والفرع جازم مثبت فقدم عليه. قال ابن الصلاح: وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعدما حدثوا بها وكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وصنف في ذلك الخطيب أخبار من حدث ونسي وكذلك الدارقطني من ذلك: ما رواه الخطيب من طريق حماد بن سلمة عن عاصم عن أنس قال: حدثني ابناي عني عن النبي -ﷺ- أنه كان يكره أن يجعل فص الخاتم مما سواه وروى من طريق بشر بن الوليد ثنا محمد بن طلحة حدثني روح أني حدثته بحديث عن زبيد عن مرة عن عبد اللَّه أنه قال: "إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم"، ومن طريق الترمذي صاحب (الجامع) حدثنا محمد بن حميد حدثنا جرير قال: حدثنيه علي بن مجاهد عني وهو عندي ثقة عن ثعلبة عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن، ومن طريق إبراهيم بن بشار ثنا سفيان بن عيينة حدثني وكيع أني حدثته عن عمرو بن دينار عن عكرمة من صياصيهم قال: من حصونهم ولا يخالف هذا كراهية الشافعي وغيره كشعبة ومعمر الرواية عن الأحياء لأنهم إنما كرهوا ذلك لأن الإنسان معرض للنسيان فيبادر إلى جحود ما روي عنه وتكذيب الراوي له وقيل إنما كره ذلك لاحتمال أن يغير المروى عنه عن الثقة والعدالة بطارئ يطرأ عليه يقتضي رد حديثه المتقدم. =
[ ٧ / ٣٣٣ ]
وإلا بأن كذب الأصل فرعه بعد الحكم بشهادته مضى الحكم بلا كرم، واستقراء اللخمي أنه يمضي، ويغرم شهود الأصل.
تنبيه:
قال ابن المواز: شك الأصل مع جزم الفرع بمنزلة الإنكار.
[مسألة:]
ونقل عن كل من شاهدي الأصل اثنان يشهدان على هذا، وعلى هذا ويكتفى بذلك.
وقال عبد الملك: لا بد من اثنين آخرين.
ليس أحدهما -أي: شاهد النقل- أصلًا، كأن يشهد اثنان على شهادة واحد، وأحدهما أصل؛ إذ لو كان كذلك لصار الأصل مؤديًا، إذ نقله عن نفسه ساقط، وتبطل شهادة الناقل معه؛ لانفراده.
[مسألة:]
ونقل في الزنا أربعة فقط، ولذلك صورتان:
إحداهما: أن ينقل جميع الأربعة عن كل من كل واحد من الأربعة.
وأشار للثانية بقوله: أو ينقل عن كل اثنين من الأربعة الأصول اثنان من الأربعة الناقلين على المشهور، فلا تصح شهادة ثلاثة على ثلاثة، وواحد على الرابع.
وقيل: لا بد من ستة عشر ينقل عن كل واحد أربعة.
_________________
(١) = قال العراقي: وهذا حدس وظن غير موافق لما أراده الشافعي وقد بيَّن الشافعي مراده بذلك كما رواه البيهقي في المدخل بإسناده إليه أنه قال: لا تحدث عن حي فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان قاله لابن عبد الحكم حين روى الشافعي حكاية فأنكرها ثم ذكرها". ينظر: تدريب الراوي (١/ ٣٣٥).
[ ٧ / ٣٣٤ ]
[مسألة:]
ولفق نقل بأصل في الزنا وغيره، ففيه كاثنين على الرؤية، وينقل اثنان عن اثنين، وفي غيره كاثنين عن واحد، وواحد أصل.
[تزكية الناقل الأصل:]
وجاز تزكية فاقل أصله المنقول عنه؛ إذ ليس نقله عنه تعديلًا له (١)، ولذا يجوز النقل عن مجهول الحال.
[مسألة:]
وجاز نقل امرأتين مع رجل أصل، سواء نقلتا عن رجل، أو عن امرأتين في باب شهادتهن، كالأموال والوكالة فيها، وهن وإن كثرن كرجل.
وفهم منه: أن ما لا تجوز شهادتهن فيه لا يجوز فيه نقلهن، انفردن أو كن مع رجل.
[الرجوع عن الشهادة:]
ثم شرع في الكلام على الرجوع عن الشهادة، وله صور قبل الحكم
_________________
(١) قال في التدريب (١/ ٣١٤، وما بعدها): "وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلًا عند الأكثرين من أهل الحديث وغيرهم وهو الصحيح لجواز رواية العدل عن غير العدل فلم تتضمن روايته عنه تعديله وقد روينا عن الشعبي أنه قال: حدثنا الحرث وأشهد باللَّه أنه كان كذابًا. وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن حنبل أنه رأى يحيى بن معين وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس فإذا اطلع عليه إنسان كتمه فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه، أكتب هذه الصحيفة فأحفظها كلها وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل أبان ثابتًا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس فأقول له: كذبت إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت، وقيل: هو تعديل إذ لو علم فيه جرحًا لذكره ولو لم يذكره لكان غاشًّا في الدين، قال الصيرفي: وهذا خطأ لأن الرواية تعريف له والعدالة بالخبرة وأجاب الخطيب بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه وقيل: إن كان العدل الذي روى عنه لا يروى إلا عن عدل كانت روايته تعديلًا وإلا فلا واختاره الأصوليون كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما".
[ ٧ / ٣٣٥ ]
وبعده، قبل الاستيفاء وبعد الاستيفاء، ثم هو تارةً عن المشهود عليه وتارةً عن المشهود به.
وأشار للرجوع قبل الحكم على المشهود عليه بقوله: وإن قالا بعد الأداء وقبل الحكم: وهمنا في المشهود عليه، وهو زيد مثلًا، بل إنما شهدنا على عمرو، وهو هذا سقطتا، أي: الشهادتان، رواه ابن القاسم عن مالك، وقاله هو وأشهب.
وعلله أشهب بأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة، لإقرارهما بأنهما شهدا على الوهم والشك.
ونقض الحكم إن ثبت كذبهما فيما شهدا به، كحياة من شهدا بأنه قتل.
وعمم في القتل ليشمل العمد والخطأ، لكن إن اقتصر في العمد ثم قدم المشهود بقتله حيًّا غرم الشاهدان الدية من أموالهما، ولا شيء على الإمام ولا على من قتله، وإن شهدا بالقتل خطأ، ثم ثبتت حياته بعد غرم العاقلة الدية رجعت العاقلة على الشاهدين بها حالة، فإن عدما فعلى الولي، ومن غرم منهما لم يرجع على الآخر بشيء.
[مسألة:]
أو شهد أربعة على محصن بالزنا فرجم، ثم ثبت كذبهم، بظهور جبه قبل الزنا، بأن شهد به جماعة قبل بلوغه، فلا حد على شهود الزنا، ويغرمون الدية في أموالهم.
تنبيه:
هاتان المسألتان ليستا من مسائل الرجوع، وقررنا كلامه فيهما على أنه بعد الاستيفاء، كما في ابن الحاجب والتوضيح وغيرهما، وعبَّر المصنف عن ثمرة النقض بالنقض، وقرره بعض من تكلم على هذا المحل بأن الحياة والجب ثبتا بعد الحكم، وقبل الاستيفاء.
لا رجوعهم عن الشهادة، فلا ينقض الحكم به، وظاهره: رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء أو بعدهما معًا، أما الصورة الأولى: فإن كان الحكم
[ ٧ / ٣٣٦ ]
فيها بمال مضى اتفاقًا، وإن كان بقصاص فلابن القاسم: لا ينقض كما في المال، وله أيضًا مع غيره: لا يستوفي في الدم؛ لحرمته، وتجب الدية.
وأما الصورة الثانية: فقال المصنف: لا خلاف أن الحكم تام.
[تبعات الرجوع على الشاهدين:]
وإن رجع الشاهدان بعد الحكم وقبل الاستيفاء غرما مالًا أتلفاه بشهادتهما، ولو قالا: غلطنا؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وغرما دية إن رجعا عن شهادتهما بقتل استوفي، إن لم يتعمداه، خلافا لابن الماجشون، إذ لو غرما في الخطأ مع كثرة الشهادة لتورع الناس عنها، وكذا يغرمان لو تعمدا عند ابن القاسم.
أشهب: يقتص منهما في العمد.
واستغربه المصنف؛ لأنهم قتلوا نفسًا بغير شبهة، والقاضي والولي معذوران.
ولو شهد أربعة بالزنا، واثنان بالإحصان، ورجم، ثم رجع الستة، اختص شهود الزنا بالغرم، ولا يشاركهم شاهدا الإحصان [في الغرم]، وهو قول ابن القاسم، واختاره سحنون وأصبغ، ولأشهب ومن وافقه يشاركانهم؛ إذ السبب مركب من مقتضى الشهادتين، ولو انفردت شهادة الزنا لم تقبل.
ونحوه لابن شاس وابن الحاجب وغيرهما، وقرره البساطي بأن الرجم حصل بشهود الرؤية، وبشهود الإحصان، ثم ثبت أنه مجبوب؛ فإن الرجم يختص بشهود الرؤية؛ لأن شهود الإحصان لم يتبين كذبهم.
وحمل كلام المؤلف على أنه من تمام مسألة الكذب، وما قررناه نحوه للشارح.
كرجوع المزكي عن التزكية، فإنه لا يوجب عليه غرمًا، وقرره البساطي على أن شهود القتل إذا رجعوا ومن زكاهم، لا شيء على شهود التزكية، والجامع توقف القتل عليه في الموضعين.
[ ٧ / ٣٣٧ ]
وأدبا -أي: الشاهدان الراجعان- في كقذف شهدا به، وحد المشهود عليه فيه.
قال سحنون: ولا غرم في ذلك ولا قود عند جميع أصحابنا، وإنما فيه الأدب.
تنبيه:
دخل بالكاف الراجعان عن شهادتهما في شتم أو لطم أو ضرب سوط بعد الحكم والاستيفاء، وإنما عليهما الأدب إن لم يتلفا مالًا فيغرمانه، ولا نفسًا فيطلبان بديتها.
وحد شهود الزنا حد القذف، إذا رجعوا مطلقًا، أي: رجعوا قبل الحكم أو بعده، قبل الاستيفاء أو بعده، وسواء حد المشهود عليه أو لا، كرجوع أحد الأربعة عن شهادته قبل الحكم فيه، فيحد الأربعة؛ لأن الشهادة لم تكمل، فهم قذفه.
وإن رجع أحدهم بعده -أي: بعد الحكم- حد الراجع فقط اتفاقًا؛ لاعترافه على نفسه بالقذف دون الثلاث الباقين على المشهور وهو مذهب المدونة لتعود الحكم بشهادتهم مع بقائهم عليها.
تنبيه:
ظاهر قوله: (بعد الحكم) سواء كان قبل الاستيفاء أو بعده، وهو كذلك في توضيحه.
وفي الجواهر: بعد الحكم وإقامة الحد على الزاني. وتبعه ابن الحاجب (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٥٠٨): "وفي الجواهر بعد الحكم وإقامة الحد وتبعه ابن الحاجب قاله تت. طفى: لم يتبعه، بل عبارته كعبارة المصنف، ونصه: فلو رجع أحد الأربعة قبل الحكم حدوا وبعده حد الراجع اتفاقًا دون الثلاثة على المشهور، ونص الجواهر وإذا =
[ ٧ / ٣٣٨ ]
وإن رجع اثنان من ستة شهدوا بالزنا فلا غرم ولا حد على من رجح أو بقي، وهو أحد قولي ابن القاسم، وله -أيضًا- يحد الراجعان.
وظاهره: سواء قالا: كذبنا ومن شهد معنا، أو قالا: لا نعتقد كذب من شهد معنا، وهو كذلك، خلافًا للمازري في الأولى دون الثانية.
إلا أن يتبين بعد الحد ورجوع الاثنين أن أحد الأربعة الباقين عبد، فيحد الراجعان والعبد جميعًا؛ لأن الشهادة لم تتم، وغرما -أي: الراجعان- ربع الدية؛ لأن ما زاد على الثلاثة ولو كثروا في حكم الواحد بقية النصاب، ولا غرم على العبد معهما؛ لأنه لم يرجع عن شهادته، ولا غرم ولا حد على الثلاثة الباقين، إذا شهد معهم اثنان، ولا عبرة في حقهم برجوع من رجع (١).
ثم إن رجع بعد الاثنين ثالث أيضًا حد هو والسابقان، أما حده فلأن الباقين ثلاثة؛ ولذا حد السابقان، وإنما كان الحد اندفع عنهما لبقاء أربعة بعدهما، وقد زال.
وغرموا: السابقان والثالث ربع الدية أثلاثًا بينهم، وسواء رجعوا مجتمعين أو مفترقين.
_________________
(١) = رجع أحد الأربعة قبل الحكم حدوا ولو كان رجوعه بعد الحكم وإقامة الحد حد الراجع بغير خلاف. واختلف هل يحد الباقون؛ لأن الزنا لم يثبت إلا بأربعة أو لا يحدون؛ لأن الحكم تم بشهادتهم وهم الآن باقون عليها. وفي (المدونة): إن رجع أحد الأربعة قبل إقامة الحد حدوا كلهم وبعده حد الراجع فقط، وإياها تبع ابن شاس، وذكر ابن عرفة عن ابن رشد خلافًا في حد الراجع فقط قبل إقامة الحد أو الجميع". اهـ.
(٢) قال في المنح (٨/ ٥٠٩): "طفى: قوله: "لأنه لم يرجع. . . " إلخ، أصله في الموازية، وبحث فيه باقتضائه غرمه إذا رجع وليس كذلك؛ لأن ماله لسيده وفيه نظر؛ لأنه علل بالوصف المعتبر وهو عبوديته، إذ هو المضر للشهادة فلا عبرة بالرجوع معه حصل أم لا، فكأنه قال فلا عبرة برجوعه إن رجع، وإن شهد ستة أحرار بالزنا على محصن ورجع اثنان منهم بعد رجمه فلا يغرمان ولا يحدان".
[ ٧ / ٣٣٩ ]
وإن رجع رابع أيضًا فنصفها على الأربعة، وإن رجع خامس أيضًا فثلاثة أرباعها بينهم أخماسًا، وإن رجع سادس فجميعها بينهم أسداسًا، وسكت المؤلف عن ذلك؛ لوضوحه.
وإن رجع سادس من ستة شهدوا على محصن بالزنا أمر الإمام برجمه، وكان رجوعه بعد فقء عينه بالرجم، ورجع خامس بعد موضحته أصابت به، ورجع رابع بعد موته فعلى الراجع الأول سدس دية العين فقط لفقئها بشهادة ستة، هو أحدهم، وعلى الثاني خمس دية الموضحة، لحصولها بشهادة خمسة، هو أحدهم، مع غرم سدس دية العين؛ لأنه شريك ستة فيها كالأول، وعلى الثالث ربع دية النفس؛ لذهابها بشهادة أربعة، هو أحدهم، ولا شيء عليه في العين، ولا في الموضحة؛ لاندراجهما في النفس، وهو الأصح.
ومكن مدع رجوعًا عن شهادة عليه من إقامة بينة يقيمها على الرجوع، فإن أقرا له بذلك غرما ما أتلفاه بشهادتهما، كيمين، أي: كما يمكن من يمين البينة الراجعة أنها لم ترجع، إن أتى بلطخ، واللطخ: أن يكون لدعواه وجه، وإلا فلا يمين.
ولو ادعى من شهدا له في الأصل، ثم رجعا أنهما رجعا أيضًا عن الرجوع لا يقبل رجوعهما عن الرجوع؛ لما فيه من إسقاط ما ترتب عليهما من الغرم بالرجوع، وإن علم الحاكم بكذبهم في شهادتهم عنده بقتل عمد، وحكم بشهادتهم فالقصاص عليه، كما في آخر رجم المدونة، من رجعا عن طلاق شهدا به، وحكم به، فلا غرم عليهما.
ثم شبه لإفادة الحكم لا للاستدلال، فقال: كعفو مستحق القصاص إذا شهدا عليه بالعفو عنه، وحكم بسقوطه، ثم رجعا، فلا غرم عليهما على المشهور؛ لأنهما إنما فوتا بشهادتهما استحقاق دم، وهو لا يتقوم.
تتمة:
قال سحنون: ويجلد القاتل مائة ويحبس سنة ويؤدب الشاهدان.
[ ٧ / ٣٤٠ ]
ثم فصل في عدم غرمهما، فقال: إن دخل بها، فلا غرم عليهما للزوج؛ لأنها استحقت جميعه بالدخول، فلم يفوتا عليه غير منفعة البضع، ولا قيمة له.
وإلا بأن لم يدخل بها فنصف من الصداق يغرمانه للزوج عند ابن القاسم، بناءً على أنها لا تملك بالعقد شيئًا، لجواز ارتدادها، فلشهادتهما غرم نصف الصداق، كرجوعهما عن دخول مطلقة، أقر الزوج بطلاقها، وأنكر الدخول بها، فشهدا عليه به، وغرم جميع الصداق، ثم رجعا غرمًا له نصف الصداق عند ابن القاسم، ولو رجع أحدهما غرم ربعه.
وإذا شهد اثنان بدخول، واثنان بطلاق على من ثبت نكاحه بغيرهما، وحكم عليه بجميع الصداق، ثم رجع الأربعة عما شهدوا به، اختص بغرم نصف الصداق الشاهدان الراجعان عن شهادتهما بدخول، أي: عن الشاهدين الراجعين عن شهادة الطلاق (١)، فلا غرم عليهما عند الأكثر؛ لأن الصداق إنما دفع بشهادة شاهدي الدخول.
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٥١٤): "طفى: ما ذكره المصنف من أن شاهدي الطلاق لا يغرمان شيئًا من الصداق لا يأتي على قول ابن القاسم الذي درج عليه أولًا من أن شاهدي الطلاق قبل البناء عليهما نصف الصداق برجوعهما على أنها لا تملك بالعقد شيئًا منه، وإنما يأتي على قول أشهب وعبد الملك وابن المواز بناءً على أنها ملكت بالعقد الجميع أو النصف، ثم قال: وبما ذكر تعلم التنافي في كلام المصنف، والعذر له أنه درج على قول ابن القاسم أولًا في قوله وإلا فنصفه؛ لأنه قوله في (المدونة)، ودرج على قول أشهب ومن معه لما رأى أكثر الرواة عليه فلم تمكنه مخالفته على أن كلام ابن القاسم في (المدونة) فيه مجال للشيوخ، ثم قال: ولا يخفى أن التفريع على قول ابن القاسم يقتضي أن على شاهدي الطلاق نصف الصداق وعلى شاهدي الدخول نصفه، وقول أحمد اختص الراجعان بدخول بغرم الصداق لا يأتي على قول ابن القاسم ولا على قول أشهب. البناني: لولا تفريع المازري ما هنا على قول أشهب ومن معه لقلنا لا تنافي بين كلامي المصنف؛ لأن ما هنا بمنزلة رجوع عن طلاق مدخول بها لوجود شاهدي الدخول. اهـ. أقول: هذا هو التحقيق وتقدم أن الرجوع بعد الحكم لا يعتبر في حق غير الراجع، وباللَّه تعالى التوفيق".
[ ٧ / ٣٤١ ]
وإذا ماتت الزوجة والمسألة بحالها رجع شاهدا الدخول بما غرماه من الصداق على الزوج بموت الزوجة إن أنكر الطلاق، ولازم إنكاره له وجوب جميع الصداق عليه لورثتها بموتها، ورجع الزوج عليهما -أي: على شاهدي الطلاق- قبل البناء الراجعين عن شهادتهما به؛ إذ ضمير التثنية لهما؛ لأنهما أقرب مذكور، بما فوتاه من إرث يخصه منها؛ إذ لو ماتت في عصمته لورثها دون ما غرم من صداقها؛ لاعترافه بكمال الصداق عليه.
وإن كان الميت الزوج وهي غير مدخول بها، منكرة للطلاق، رجعت عليهما بما فوتاها من إرث منه، وبما فاتها من صداق، وإن كان الرجوع عن تجريح شاهدي طلاق أمة من زوجها، أو عن تغليط شاهدي طلاق أمة من زوجها، أي: قالا: غلطا فيها، وقضى بشهادتهما، ثم رجع شاهدا التجريح والتغليط بعد ترتب الحكم، وحكم ببقائها في العصمة في المسألتين، فإن الراجعين يغرمان للسيد ما نقص من ثمنها بزوجيتها، أي: بردها زوجة معيبة، فيغرمان له ما بين قيمتها معيبة وسليمة.
تنبيه:
قال ابن عبد السلام: هذا صحيح، ما لم يكن السيد مكذبًا لشهود الطلاق، فلا يرجع على شاهدي الطلاق بشيء.
ولو كان الرجوع عن طلاق وقع بخلع بثمرة لم تطب، وقضي بها للزوج لصحته بها.
أو كان الرجوع عن خلع بآبق، وقضي به، فالقيمة عن الثمرة يغرسها الراجعان حينئذٍ -أي: حين الرجوع- ويقوم على الرجاء والخوف عند عبد الملك، وعليه أكثر الرواة.
كالإتلاف؛ فإنها تقوم فيه قبل طيبها بلا تأخير، وعند ابن المواز: لا ترجع الزوجة حتى يجد الزوج الثمرة، ويقبضها، فيطالبه الشاهدان حينئذٍ بالغرامة، وكذا الآبق يغرمان قيمته الآن عند عبد الملاك على أقرب صفاته، فإن ظهر بعد ذلك أنه معيب عند الخلع استرد ما قابل العيب، وعلى قول محمد لا غرامة عليهما، إلا بعد وجدانه وقبضه، فيغرمان قيمته حينئذٍ، وقد
[ ٧ / ٣٤٢ ]
كان قبل ذلك تالفًا، وكذا الثمرة قبل بدو صلاحها.
وأشار المؤلف لاختيار قول عبد الملك ورد قول محمد بقوله: بلا تأخير، أي: فلا يؤخر التقويم للحصول، فيغرم الشاهدان القيمة حينئذٍ، أي: من حين الحول كما يقول محمد.
وأشار له بقوله: على الأحسن، وعبَّر عنه في الشامل بالأصح؛ لقول ابن راشد: قول عبد الملك أقيس، إنما يقع الغرم وهو على الضفة التي كان عليها يوم الخلع كالإتلاف والاعتبار بقول محمد إنه كان تالفًا يومئذٍ لأن ذلك إنما يعتبر في البيع أما الإتلاف فلا.
وبهذا التقرير يندفع قول الشارح: (انظر قوله: "حينئذٍ" الثاني، ما الحكمة في إعادته؛ لأن القيمة الولي حين الرجوع وهي مثبتة، والقيمة الثانية حين الحصول، وهي متبقية، فلا إعادة).
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق، والسيد منكر، غرما قيمته لسيده يوم الحكم، لا يوم الإفاتة؛ لأنهما منعاه من الانتفاع به، ولا يرد عتقه برجوعهما، ويكون ولاؤه له، لاعترافهما بذلك.
تنبيه:
لو كانت أمة وعلمت بزور الشهود، لم يجز لها إباحة فرجها لأحد بالتزويج.
وهل إن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق لأجل يغرمان القيمة، حالة لمنعهما له من بيعه والانتفاع به، وتكون المنفعة إليه، أي: إلى الأجل لهما، أي: للشاهدين يأخذان منها ما وديا، أو تقوم المنفعة على غررها، وتجويز موت العبد قبل الأجل، وحياته إليه، فيخرج حرًّا، أو تسقط منها، أي: من تلك القيمة المنفعة، أي: قيمة منفعة العبد التي يغرمانها، وتبقى منافع العبد لسيده، بحسب ما كان قبل رجوعهما عن الشهادة، وهو لابن عبد الحكم.
أو يخير السيد فيهما بين أن يسلم خدمته لهما كقول سحنون، أو
[ ٧ / ٣٤٣ ]
يتمسك بها، ويدفع قيمة هذه المنافع لهما، وقتًا بعد وقت، بحسب ما يري، وهو قول ابن المواز؟ أقوال.
فائدة:
لو كان معتقًا إلى موت فلان فعليهما قيمة خدمته إلى أقصى العمرين: عمر العبد وعمر الذي أعتق إلى موته، قاله في التوضيح، وفي الشامل أقصى عمر العبد وسيده.
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق تدبير من سيده فالقيمة عليهما معجلة، واستوفياها من خدمته التي أبقياها لسيده؛ لأنهما منعاه البيع والتصرف، ويرجع الباقي لسيده، فإن عتق بموت سيده فعليهما، أي: فات عليهما ما بقي لهما لفوات المحل، وإن رق بعضه استوفيا منه، وهما -أي: الشاهدان- أولى من أرباب الديون باستيفاء ما غرماه، إن رده -أي: التدبير- دين سابق عليه، أو رد الدين بعضه؛ لأنه لما رد بطل حكم الشهادة بالتدبير، ورجع العبد رقًّا، وقد أخذ السيد قيمته منهما، وهي دين متعلق بالعبد، فقد ما فيه على غيرهما.
كالجناية: التشبيه في تقديم المجني عليه على غيره، وإن كان رجوعها عن شهادتهما بكتابة فالقيمة، أي: قيمة المشهود بكتابته لازمة لهما ناجزًا، لا يوم الحكم، خلافًا لمحمد.
واستوفيا ذلك من نجومه، ثم يأخذ السيد ما بقي منها على المشهود، وإن رق لعجزه عن بقيته نجومها فمن رقبته، تباع ويستوفي، فإن لم يبلغ ما بقي فلا شيء لهما، شهره المازري وغيره، وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على السيد باستيلاء فالقيمة يغرمانها كاملة على المشهور ناجزًا، ولا يخفف عنهما شيء من قيمتها لأجل ما بقي له فيها من الاستمتاع، خلافًا لابن عبد الحكم.
وأخذا ما غرماه من أرش جناية عليها، كجرح أو قتل إن كان، وما بقي للسيد.
[ ٧ / ٣٤٤ ]
وهل لهما أن يرجعا فيما استفادته بعمل أو هبة أو غيره، وهو قول سحنون، أو لا شيء لهما في ذلك، وهو للسيد مع ما أخذ، وهو قول ابن المواز؟ قولان.
[الشهادة بالعتق فيما مضى:]
ولما ذكر المسائل المرجوع فيها عن الشهادة بالتدبير أو الكتابة أو الاستيلاد، تكلم على ما إذا شهدا بالعتق في واحد منها، فقال: وإن كان رجوعهما عن شهادتهما على سيد أم ولد بعتقها فلا غرم عليهما، إذا لم يفوتا عليه غير الاستمتاع بها، ولا قيمة له، أو إن كان رجوعهما عن شهادتهما بعتق مكاتب فالكتابة يغرمانها، عينًا كانت أو عرضًا؛ إذ هي التي أتلفاها.
تنبيهان:
الأول: سكت عن صفة تأديتهما لها، وفي الموازية يؤديانها على النجوم.
ثانيهما: عدل عن قول ابن الحاجب: (غرما قيمة كتابته)؛ لقوله في توضيحه: ظاهره خلاف المنصوص.
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما ببنوة لشخص ادعاها، وأنكرها أبوه ونفاه وحكم بها، فلا غرم عليهما؛ إذ لم يتلفا على الأب شيئًا بشهادتهما.
ثم استثنى من عدم الغرم قوله: إلا بعد أخذ المال بإرث، أخذه الابن من الأب، وللأب ورثة يحجبهم هذا الولد، أو يشاركهم، فيغرمان ما أخذه الولد، فإن لم يكن له مشارك غرما جميع التركة لبيت المال.
واحترز بقوله: (بإرث) عما يأخذه بدين أو نحوه، فلا غرم على الشاهدين فيه.
إلا أن يكون المشهود له بالبنوة عبدًا للمشهود عليه، وحكم بحريته، وثبوت نسبه، فقيمته أولًا يغرمانها للمشهود عليه؛ لأن شهادتهما بالبنوة نفذت وعتق.
[ ٧ / ٣٤٥ ]
[فرع:]
ثم فرع على ما يترتب على موت المشهود عليه بعد الحكم الأول، فقال: ثم إن مات الأب المشهود عليه بالبنوة، وترك ولدًا آخر ثابت النسب، فالقيمة التي أخذها الأب من الشاهدين تدفع للآخر الثابت النسب فقط؛ لأن أخاه المشهود له بالبنوة مقر أن لا حق لأبيه فيها؛ لصحة نسبه على دعواه، وأن أباه ظلم الشهود فيها، فلا ميراث له فيها، وتقسم التركة بين الولدين: الثابت النسب والآخر نصفين.
وإذا قسمت غرما له -أي: للثابت النسب- نصف الباقي، بعد أخذ القيمة، وإن ظهر على الأب الميت دين مستغرق للتركة أخذ من كل من الولدين ثابت النسب والآخر نصفه الذي أخذه منها.
فضمير (نصفه) للولد، لا للدين؛ فإن وفى المأخوذ منهما الدين فواضح.
وإن لم يوف كمل بالقيمة التي اختص بها ثابت النسب، وإن فضل منها شيء فله، ورجعا -أي: الشاهدان- على الأول الثابت النسب بما غرمه العبد -أي: الأخ الذي كان عبدًا وشهد ببنوته- للغريم الذي هو رب الدين؛ لأنهما إنما غرماه بسبب إتلافهما له بشهادتهما، فلما ثبت الدين على أبيهما وجبت التركة للمدين، فلم يتلفا عليه شيئًا.
وإن كان رجوعهما في شهادتهما برق حكم لحر -أي: على مدعي حرية- ثم رجعا، فلا غرم عليهما في قيمة رقبته؛ لأن الحر لا قيمة له.
تنكيت:
ما قررناه من أن مدعي الحرية هو العبد خلاف قول الشارح: (إن شهد على رجل أنه عبد لفلان، وفلان يدعي الحرية)، فإنه جعل مدعي الحرية فلان، وهذا سرى إليه من قول التوضيح: (إذا شهد على رجل أنه لفلان، وهو يدعي الحرية)، فإن فهم الضمير الواقع بعد (فلان) راجع له، وليس كذلك؛ فتأمله.
[ ٧ / ٣٤٦ ]
إلا أن عليهما الغرم لكل ما استعمل العبد؛ لأنه لا يملكه، ويغرمان أيضًا كل مال انتزع من يده، ولا يأخذه أي: لا يأخذ المشهود له ما يغرمه الشاهدان؛ لأنه عوض عما أخذه، وورثه عنه هذا المال، فيرثه من يستحقه بالحرية، لا هذا السيد.
وله -أي: للعبد- عطيته هبة أو صدقة، ويرث باقيه ورثته، لا تزوج منه؛ لأن النكاح ينقصه.
وإن كان رجوعهما عن شهادتهما بمائة لزيد وعمرو ثم قالا: إنها لزيد وحده، غرما خمسين للغريم فقط، وهو المشهود عليه، ونحوه لابن الحاجب.
وفي بعض النسخ موضع (للغريم): (لعمرو) فاعترضت، وقال بعضهم: هو تصحيف فظيع.
وأشار بعض الشراح للاعتراض والجواب بقوله: والصواب غرما مائة عمرو.
وإن رجع أحدهما بعد القضاء بشهادتهما في حق غرم الراجع نصف الحق للمشهود عليه عند ابن القاسم ومن وافقه، كرجل شهد مع نساء ورجع، فعليه نصف الحق، وعليهن النصف، إن رجعن دونه؛ لأنهن وإن كثرن كرجل واحد، وهذا فيما تجوز فيه شهادتهن مع الرجال.
وهو -أي: الرجل- معهن في الرضاع كاثنتين، نحوه لابن الحاجب تبعًا لابن شاس، وهو متعقب بأنه معهن هنا كامرأة.
[حكم الرجوع عن بعض الحق:]
ولما قدم رجوع أحد الشاهدين عن الحق ذكر ما إذا رجع عن بعضه، فقال: وعن بعضه غرم نصف البعض، فعن النصف يغرم الربع، وعن الثلث يغرم السدس، وعلى ذلك وإن رجع من يستقل الحكم بعدمه فلا غرم عليه حينئذٍ، فإذا رجع غيره بعده مما لا يستقل الحكم بعدمه فالجميع مشتركون في الغرم بالسوية، فإذا رجع اثنان من أربعة فلا غرم عليهما؛ لبقاء النصاب،
[ ٧ / ٣٤٧ ]
فإن رجع ثالث غرم مع الأولين النصف أثلاثًا على المشهور.
وللمقضي عليه إذا رجع الشاهدان بعد الحكم وقبل الغرم مطالبتهما بالدفع عنه للمقضي له، كما في النوادر، وللمقضي له ذلك، أي: طلبهما، إذا تعذر الغرم من المقضي عليه، كذا في ابن الحاجب، وتبعه هنا؛ لقوله في توضيحه: إنه مقتضى الفقه؛ لأن الشهود غرما غريمه، ثم تعقبه بأنه خلاف ما في الموازية مما معناه: أن الشاهدين لا يلزمهما غرم للمشهود له حتى يغرم المقضي، فيغرمان له حينئذٍ. انتهى.
وتعقب ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب قائلًا: لا أعلم من أين نقله.
وقال ابن عرفة: هو وهم؛ لأنه خلاف المنصوص.
[العمل عند تعارض البينتين:]
ولما فرغ من الكلام على رجوع الشهود ذكر تعارض البينتين، وهو عند الأصوليين تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى الآخر، أو بعض مقتضاه (١).
_________________
(١) قال في المسودة في أصول الفقه، ص ٣٨٩، وما بعدها: "وقال القاضي في مسألة تعارض البينتين وأيضًا فإن البينة حجة في الشرع والحجتان إذا تعارضتا ولم يكن لإحداهما مزية على الأخرى كان حظهما السقوط كالنصين والقياسين إذا تعارضا، وقال أيضًا في حديث أبي موسى لما روى فيه أنه قسم مع قيام البينتين وروى أنه لا بينة لهما فقال: وإذا تعارضت الروايتان سقطتا وكذلك قد يذكر مثل هذا في كثير من الروايات المختلفة أنها تتساقط فهذا إن أخذ على ظاهره صار قولًا ثالثًا بأن الأدلة تتكافأ فتتساقط وقد جعله محل وفاق مع الحنفية وغيرهم فكيف والخلاف في التكافؤ والتوقف والتخيير مشهور والتوقف المشهور من قولنا في الأدلة هو إحدى الروايتين عن مالك وقول للشافعي في البينات وأن تأول هذا على تعارض حديثين معينين أو قياسين معينين مع أنه لا بد له في المسألة من دليل غيرهما يعمل به فهذا ممكن ويحمل على حديثين أو قياسين ليس مع أحدهما ما يرجح به لكن هذا يمنع الترجيح بدليل منفصل ويوجب أنه إذا تعارض دليلان متكافئان وعلمنا بثالث كان لسقوطهما لا لرجحان أحدهما فهو مشكل أيضًا اللَّهم إلا أن يفسر ترجيح أحدهما بسقوطهما لكن هذا يخرم عليه ما ذكره في البينات من الفرق بين التساقط والترجيح".
[ ٧ / ٣٤٨ ]
وقريب منه ما في التوضيح وابن عرفة: إنه اشتمال كل منهما على ما ينافي الآخر، وهو كتعارض الأثرين على الأصوليين (١).
_________________
(١) قال في المسودة، ص ٣٩٧، وما بعدها: "مسألة لا يجوز أن يعتدل قياسان أو أمارتان في المسألة الواحدة أو خبران يختلفان على شيء واحد بأن يوجب أحدهما الحظر والآخر الإباحة بل لا بد من وجود المزية في أحدهما فإن ظهرت للمجتهد صار إليها وإن خفيت عنه وجب أن يجتهد في طلبها ويقف إلى أن يتبينه وهذا قول أصحابنا القاضي وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم وبهذا قالت الشافعية والكرخي وأبو سفيان السرخسي وحكاه الإسفراييني عن أصحابه وقال أبو بكر الرازي والجرجاني والجبائي وابنه وابن الباقلاني وزعم أن هذا يحكى عن الحسن البصري وعبد اللَّه العنبري وأن أبا حنيفة حكى عنه التخيير في وجوب زكاة الخيل وتركه وقال: إن هذا قول من يقول كل مجتهد مصيب وهو قول الأشعري ذكره في كتاب الاجتهاد قال: وليس للمفتي أن يخير المستفتى ولا للحاكم أن يخير الخصوم ولا أن يحكم في وقت بحكم وفي وقت آخر بحكم آخر بل يلزم أحد القولين وذكر أن هذا قول هؤلاء ثم هل يتعين عليه وعلى العامي إذا خير بين المفتين أحد الأقوال بالشروع فيه كالكفارات أو بالالتزام كالنذور لهم فيها قولان قلت: هما نظير الوجهين لنا في جواز انتقال الإنسان عنه. وذكر أبو الخطاب أن الأمة مجمعة أن مسائل الاجتهاد ليس المجتهد مخيرًا فيها وبعض المتكلمين يجوز ذلك وإذا تساويا في نفس المجتهد خير في الأخذ بأيهما شاء وهذا قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم حكاه ابن عقيل قال وبالأول قال الفقهاء: وكذلك حكاه عنه أبو الخطاب وهذا قول ابن عقيل في ضمن مسألة القياس فإنه قال: ولسنا نمنع تكافؤ الصفات التي يقيس بها القائسون وكون الصفة لها دلالة على تعلق الحكم بها في حق من غلب على ظنه منهم أن الحكم متعلق بها دون ما عداها وأن تكون أحكام اللَّه في الحادثة وتعليل حكمه مختلفة في حقوق المجتهدين وفرضه عليهم في ذلك مختلف لأن ذلك ليس بمستبعد وسنورد في ذلك ما يقتضيه في موضعه حتى أنه إذا تساويا عنده تساويا يمتنع معه الترجيح كان المجتهد مخيرًا كما خير المكفر، ثم ذكر قول أصحابنا ثم قال في أثناء المسألة فإن قيل قد يشبه الفرع أصلين متضادي الحكم أحدهما حلال والآخر حرام ويشارك كل واحد منهما في صفة من الصفات يقتضي عند المجتهد الحكم فيها بحكمهما جميعًا في الذي تصنعون فيه قيل يكون عندنا مخيرًا في الحكم بأيهما شاء على ما نبينه بعد إن شاء اللَّه ثم ذكر أنا وكل من يقول أن الحق في جهة واحدة وليس كل مجتهد مصيبا وهم أكثر القياسين يمنع من تكافؤ القياسين وأما من قال بالتساوي فحكمه التخيير وإنما يجيء على قول من يقول كل مجتهد مصيب وحكى الجرجاني قول الكرخي وقال: هذا خلاف ما قاله أبو حنيفة في سؤر الجمار لما تساوى فيه الدليلان توقف فيه. =
[ ٧ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: وليس هذا بصحيح لأن أبا حنيفة لم يخير في الأخذ بأيهما شاء بل عمل بالأحوط وجمع بين الدليلين حسب الإمكان حيث قال: يتوضأ به ويتيمم والقول بالتكافؤ والتخيير قول أبي هاشم من المعتزلة ذكره ابن برهان وأبو الخطاب بعد مسألة كل مجتهد مصيب. فصل: اتفقوا على أنه لا يجوز تعادل الأدلة انقطعية لوجوب وجود مدلولاتها وهو محال وكذاك الأدلة الظنية عندنا ذكره القاضي وأبو الخطاب وبه قال الكرخي وأبو سفيان السرخسي وأكثر الشافعية وقال الرازي والجرجاني والجبائي وابنه: يجوز ذلك وذهب قوم إلى جوازه في القطعيات ذكره يوسف ابن الجوزي وقد ذكر القاضي فيما اختصره من أصول الدين والفقه رأيته بخطه لا يجوز تكافؤ الأدلة في أدلة التوحيد وصفات اللَّه وأسمائه والقضاء والقدر، وأما دلائل الفروع مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة وغير ذلك فيجوز أن تتكافأ وقال بعد هذا: والمجتهد إذا أداه اجتهاده إلى أمرين متناقضين فحكمه حكم العامي يجب عليه أن يقلد غيره ولا يجوز القول بالتخيير، قلت: وكذا يجب أن يقال إذا تكافأت عنده وعجز عن الترجيح فعلى هذا يكون التقليد بدلًا لا يصار إليه إلا عند العجز عن الاجتهاد. مسألة: إذا تعادلت الأدلة عند المجتهد فحكمه الوقف عند أصحابنا قال صالح: كنت أسمع أبي كثيرًا يسأل عن الشيء فيقول: لا أدري وربما قال: سل غيري ومن قال بجواز تعادل الأمارات قال يتخير بين الاعتقادين كما خير العامي بين المفتيين إذا اختلفا. قال أبو الخطاب وأما القبلة فلا يجوز أن تتساوى الأمارات عنده فيها ومتى وجد ذلك جعلناه بمنزلة الأعمى يقتدى بغيره فيها ولا يتخير أي: الجهات شاء كما نقول في مسألتنا إذا تساوت عنه وقف حتى يذاكر غيره أو يفكر فتترجح عنده إحدى الأمارتين ولا يتخير وإن سلم التخيير في جهات القبلة فلأن حكم القبلة أخف ولهذا يجوز تركها مع العلم في حال المسايفة وفي النافلة، وقد ذكر ابن عقيل في موضع أنه إذا اعتدل عنده القياسان يخير ولكن هل يجوز تساويهما في نفس الأمر؟ لابن عقيل فيه قولان وقياس ما ذكره أبو الخطاب في القبلة أنه يقلد إذا استويا عنده كما قلنا على وجه أنه يقلد عند ضيق الوقت وقد ذكرت لأصحابنا كلامًا في ذلك عند مسألة التقليد. وذكر أبو المعالي أنه إذا تكافأ عنده وجها الاجتهاد فكل واحد من المصوبة والمخطئة اختلفوا هل يقلد عالمًا أكبر كالعامي أو يتوقف أو يتخير على ثلاثة أقوال؟ ". واختلاف الأثرين يسمى في عرف المحدثين بـ (مختلف الحديث)، ونصوا على أن ما كان من الآثار كذلك اتبع فيها جملة من الأمور رتبوها، وقد قال فيه السيوطي في =
[ ٧ / ٣٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تدريبه (٢/ ١٩٦، وما بعدها: "هذا فن من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرا فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما فيعمل به دون الآخر وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة وصنف فيه الإمام الشافعي وهو أول من تكلم فيه ولم يقصد -﵀- استيفاءه ولا إفراده بالتأليف بل ذكر جملة منه في كتاب (الأم) ينبه بها على طريقه أي: الجمع في ذلك ثم صنف فيه ابن قتيبة فأتى فيه بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة قصر فيها باعه لكون غيرها أولى وأقوى منها وترك معظم المختلف ثم صنف في ذلك ابن جرير والطحاوي كتابه (مشكل الآثار) وكان ابن خزيمة من أحسن الناس كلامًا فيه حتى قال: لا أعرف حديثين متضادين فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما. ومن جمع ما ذكرنا من الحديث والفقه والأصول والغوص على المعاني الدقيقة لا يشكل عليه من ذلك إلا النادر في الأحيان والمختلف قسمان؛ أحدهما: يمكن الجمع بينهما بوجه صحيح فيتعين ولا يصار إلى التعارض ولا النسخ ويجب العمل بهما ومن أمثلة ذلك في أحاديث الإحكام حديث: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث"، وحديث: "خلق اللَّه الماء طهورًا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه" فإن الأول ظاهره طهارة القلتين تغير أم لا. والثاني: ظاهره طهارة غير المتغير سواء كان قلتين أم أقل فخص عموم كل منهما بالآخر وفي غيرها حديث: "لا يورد ممرض على مصح وفر من المجذوم فرارك من الأسد"، مع حديث: "لا عدوى" وكلها صحيحة وقد سلك الناس في الجمع مسالك. أحدها: أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها لكن اللَّه تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب وهذا المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح. الثاني: أن نفي العدوى باق على عمومه والأمر بالفرار من باب سد الذرائع لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير اللَّه تعالى ابتداءً لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسمًا للمادة وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام. الثالث: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى فيكون معنى قوله: "لا عدوى" أي: إلا من الجذام ونحوه فكأنه قال لا يعدي شيء شيئًا إلا فيما تقدم تبييني له أنه يعدي قاله القاضي أبو بكر الباقلاني. الرابع: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته وتزداد حسرته ويؤيده حديث: "لا تديموا النظر إلى المجذومين" فإنه محمول على =
[ ٧ / ٣٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = هذا المعني وفيه مسالك أخر. والقسم الثاني: لا يمكن الجمع بينهما بوجه فإن علمنا أحدهما ناسخًا بطريقة مما سبق قدمناه وإلا عملنا بالراجح منهما كالترجيح بصفات الرواة أي: كون رواة أحدهما أتقن وأحفظ ونحو ذلك مما سيذكر وكثرتهم في أحد الحديثين في خمسين وجهًا من المرجحات ذكرها الحازمي في كتابه (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ) ووصلها غيره إلى أكثر من مائة كما استوفى ذلك العراقي في نكته وقد رأيتها منقسمة إلى سبعة أقسام: الأول: الترجيح بحال الراوي وذلك بوجوه؛ أحدها: كثرة الرواة كما ذكر المصنف لأن احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل. ثانيها: قلة الوسائط أي: علو الإسناد حيث الرجال ثقات لأن احتمال الكذب والوهم فيه أقل. ثالثها: فقه الراوي سواء كان الحديث مرويًّا بالمعنى أو اللفظ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي. رابعها: علمه بالنحو لأن العالم به يتمكن من التحفظ عن مواقع الزلل ما لا يتمكن منه غيره. خامسها: علمه باللغة. سادسها: حفظه، بخلاف من يعتمد على كتابه. سابعها: أفضليته في أحد الثلاثة، بأن يكونا فقيهين أو نحويين أو حافظين وأحدهما في ذلك أفضل من الآخر. ثامنها: زيادة ضبطه أي: اعتناؤه بالحديث واهتمامه به. تاسعها: شهرته لأن الشهرة تمنع الشخص من الكذب كما تمنعه من ذلك التقوى. عاشرها إلى العشرين: كونه ورعًا أو حسن الاعتقاد مبتدع أو جليسًا لأهل الحديث أو غيرهم من العلماء أو أكثر مجالسة لهم أو ذكرًا أو حرًّا أو مشهور النسب أو لا لبس في اسمه بحيث يشاركه فيه ضعيف وصعب التمييز بينهما أو له اسم واحد ولذلك أكثر ولم يختلط أو له كتاب يرجع إليه. حادي عشريها: أن تثبت عدالته بالإخبار بخلاف من تثبت بالتزكية أو العمل بروايته أو الرواية عنه إن قلنا بهما. ثاني عشريها إلى سابع عشريها: أن يعمل بخبره من زكاه ومعارضه لم يعمل به من زكاه أو يتفق على عدالته أو يذكر سبب تعديله أو يكثر مزكوه أو يكونوا علماء أو كثيري الفحص عن أحوال الناس. ثامن عشريها: أن يكون صاحب القصة كتقديم خبر أم سلمة زوج النبي -ﷺ- في الصوم لمن أصبح جنبًا على خبر الفضل بن العباس في منعه لأنها أعلم منه. تاسع عشريها: أن يباشر ما رواه. الثلاثون: تأخر إسلامه وقيل: عكسه لقوة أصالة المتقدم ومعرفته وقيل: إن تأخر موته إلى إسلام المتأخر لم يرجح بالتأخير لاحتمال تأخر روايته عنه وإن تقدم أو علم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر رجح. الحادي والثلاثون إلى الأربعين: كونه أحسن سياقا واستقصاءً لحديثه أو أقرب مكانًا أو أكثر ملازمة لشيخه أو سمع من مشايخ بلده أو مشافهًا مشاهدًا لشيخه حال الأخذ أو لا يجيز الرواية بالمعنى أو الصحابي من أكابرهم أو علي رضي اللَّه =
[ ٧ / ٣٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تعالى عنه وهو في الأفضية أو معاذ وهو في الحلال والحرام أو زيد وهو في الفرائض أو الإسناد حجازي أو رواته من بلد لا يرضون التدليس. القسم الثاني: الترجيح بالتحمل. وذلك بوجوه؛ أحدها: الوقت فيرجح منهم من لم يتحمل بحديث إلا بعد البلوغ على من كان بعض تحمله قبله أو بعضه بعده لاحتمال أن يكون هذا مما قبله والمتحمل بعده أقوى لتأهله للضبط ثانيها وثالثها: أن يتحمل بمحدثنا والآخر عرضًا أو عرضًا والآخر كتابة أو مناولة أو وجادة. القسم الثالث: الترجيح بكيفية الرواية وذلك بوجوه؛ أحدها: تقديم المحكي بلفظه على والمشكوك فيه على ما عرف أنه مروي بالمعنى. ثانيها: ما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر فيه لدلالته على اهتمام الراوي به حيث عرف سببه. ثالثها: أن لا ينكره راويه ولا يتردد فيه. رابعها إلى عاشرها: أن تكون ألفاظه دالة على الاتصال كحدثنا وسمعت أو اتفق على رفعه أو وصله أو لم يختلف في إسناده أو لم يضطرب لفظه أو روي بالإسناد وعزى ذلك لكتاب معروف أو عزيز والآخر مشهور. القسم الرابع: الترجيح بوقت الورود وذلك بوجوه؛ أحدها وثانيها: بتقديم المدني على المكي والدال على علو ﵊ على الدال على الضعف كبدأ الإسلام غريبًا عند شهرته فيكون الدال على العلو متأخرًا. ثالثها: ترجيح المتضمن للخفيف لدلالته على المتأخر لأنه -ﷺ- كان يغلظ في أول أمره زجرًا عن عادات الجاهلية ثم مال للتخفيف كذلك قال صاحب الحاصل والمنهاج ورجح الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عكسه وهو تقديم المتضمن للتغليظ وهو الحق لأنه -ﷺ- جاء أولًا بالإسلام فقط ثم شرعت العبادات شيئًا فشيئًا. رابعها: ترجيح ما تحمل بعد الإسلام على ما تحمل قبله أو شك لأنه أظهر تأخرا خامسها وسادسها ترجيح غير المؤرخ على المؤرخ بتاريخ متقدم وترجيح المؤرخ بمقارب بوفاته -ﷺ- على غير المؤرخ قال الرازي: والتوجيح بهذه الستة أي: إفادتها للرجحان غير قوية. القسم الخامس: الترجيح بلفظ الخبر وذلك بوجوه؛ أحدها إلى الخامس والثلاثين: ترجيح الخاص على العام والعام الذي لم يخصص على المخصص لضعف دلالته بعد التخصيص على باقي أفراده والمطلق على ما ورد على سبب والحقيقة على المجاز والمجاز المشبه للحقيقة على غيره والشرعية على غيرها والعرفية على اللغوية والمستغنى على الإضمار وما يقل فيه اللبس وما اتفق على وضعه لمسماه والمومي للعلة والمنطوق ومفهوم الموافقة على المخالفة والمنصوص على حكمه مع تشبيهه بمحل آخر والمستفاد عمومه من الشرط والجزاء على النكرة المنفية أو من الجمع المعرف على من وما أو من الكل وذلك من الجنس المعرف وما خطابه تكليفي على الوضعي وما حكمه معقول المعنى وما تقدم فيه ذكر العلة أو دل الاشتقاق على حكمه =
[ ٧ / ٣٥٣ ]
[أولًا - محاولة التوفيق:]
وأشار لذلك بقوله: وإن أمكن جمع بين البينتين جمع، أي: صير للجميع كشهادة إحداهما بأنه أقر لزيد بخمسين، وتشهد الأخرى بأنه أقر له بمائة، فالجمع بينهما باختلاف الزمان.
[ثانيًا - الترجيح وطرقه:]
وإلا بأن لم يمكن الجمع بينهما، بل تعارضا بكل وجه، كشهادة
_________________
(١) = والمقارن للتهديد وما تهديده أشد والمؤكد بالتكرار والفصيح وما بلغه قريش وما دل على المعنى المراد بوجهين فأكثر وبغير واسطة وما ذكر معه معارضة كـ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" والنص والقول وقول قارنه العمل أو تفسير الراوي وما قرن حكمه بصفة على ما قرن باسم وما فيه زيادة. القسم السادس: الترجيح بالحكم وذلك بوجوه؛ أحدها: تقديم الناقل على البراءة الأصلية على المقرر لها وقيل عكسه. ثانيها: تقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة والوجوب. ثالثها: تقديم الأحوط رابعها تقديم الدال على نفي الحد. القسم السابع: الترجيح بأمر خارجي كتقديم ما وافقه ظاهر القرآن أو سنَّة أخرى أو ما قبل الشرع أو القياس أو عمل الأمة أو الخلفاء الراشدين أو معه مرسل آخر أو منقطع أو لم يشعر بنوع قدح في الصحابة أو له نظير متفق على حكمه أو اتفق على إخراجه الشيخان فهذه أكثر من مائة مرجح وثم مرجحات أخر لا تنحصر ومثارها غلبة الظن. فوائد: الأولى: منع بعضهم الترجيح في الأدلة قياسًا على البينات وقال: إذا تعارضا لزم التخيير أو الوقف وأجيب بأن مالكًا يرى ترجيح البينة على البينة ومن لم يرد ذلك يقول: البينة مستندة إلى توقيفات تعبدية ولهذا لا تقبل إلا بلفظ الشهادة. الثانية: إن لم يوجد مرجح لأحد الحديثين توقف على العمل به حتى يظهر. الثالثة: التعارض بين الخبرين إنما هو لخلل في الإسناد بالنسبة إلى ظن المجتهد وأما في نفس الأمر فلا تعارض. الرابعة: ما سلم من المعارضة فهو محكم وقد عقد له الحاكم في علوم الحديث باب وعدَّه من الأنواع وكذا شيخ الإسلام في النخبة قال الحاكم: ومن أمثلته حديث: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق اللَّه"، وحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول"، وحديث: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالصلاة"، وحديث: "لا شغار في الإسلام" قال: وقد صنف فيه عثمان بن سعيد الدارمي كتابًا كبيرًا".
[ ٧ / ٣٥٤ ]
إحداهما بإقراره بمائة يوم كذا، وتشهد الأخرى بموته قبل ذلك اليوم، فيقضي بالراجحة منهما، والترجيح يحصل بأحد وجوه منها ما أشار له، بقوله:
- رجح بسبب ملك يذكره مع شهادته بالملك، كنسج لشقة شهد أنه نسجها لنفسه، وتشهد الأخرى بمجرد الملك، ونتاج لحيوان تشهد به عنده مع الشهادة له بملكه، كما قيده به أشهب، وتشهد الأخرى بالنتاج عنده، ولم تشهد له بالملك.
وأشار بقوله: إلا بملك من المقاسم لقول المدونة: ولو أن أمة ليست بيد أحدهما، فأتى أحدهما ببينة أنها له، لا يعلمونها خرجت من ملكه بشيء، حتى سرقته له، وأقام الآخر بينة أنها ولدته عنده، لا يعلمونها خرجت عن ملكه بشيء، قضي لصاحب الولادة.
وقيد ابن القاسم هذا بما إذا لم تشهد البينة الأخرى أنه اشتراها من المقاسم، فإن شهدت بذلك كان صاحب المقاسم أحق، إلا أن يدفع الثمن الذي اشتراها به، ولو كانت بيد صاحب النتاج (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٥٣٥، وما بعدها): "غ" قوله: والأرجح بسبب ملك كنسج ونتاج، أي إذا ذكرت إحدى البينتين مع الملك سببه من نسج ثوب ونتاج حيوان ونحوهما، كنسخ كتاب واصطياد وحش، ولم تذكر الأخرى سوى مجرد الملك، فترجح ذاكرة السبب على التي لم تذكره، وبنحو هذا فسر ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب. وفي التوضيح كما إذا شهدت إحداهما أنه صاده أو نتج عنده وشهدت الأخرى بالملك المطلق، وفي شهاداتها ولو أن أمة تنازع فيها اثنان وليست بيد أحدهما فأتى أحدهما ببينة أنها له لا يعلمونها خرجت عن ملكه بشيء وأقام الآخر بينة أنها له ولدت عنده لا يعلمونها خرجت عن ملكه حتى سرقت قضي بها لصاحب الولادة. وقال اللخمي: قال أشهب فيمن أقام بينة في أمة بيد رجل أنها ولدت عنده لا يقضى له بها حتى يقولوا إنه كان يملكها لا نعلم لغيره فيها حقًّا، إذ قد يولد في يدبه ما هو لغيره، وقال ابن القاسم: إنها لمن ولدت عنده وهو أصوب، وتحمل على أنها كانت له حتى يثبت أنها وديعة أو غصب. اهـ. ومثله في التوضيح عن التونسي. =
[ ٧ / ٣٥٥ ]
- أو تاريخ: معطوف على (سبب)، فتقدم الشهادة به على التاركة له، وعزاه في توضيحه لأشهب، وزاد عنه: إلا أن يكون في شهادة التي لم تؤرخ أن الحاكم قضى بهذا العبد لمن شهدت له، ولم يذكر هذه الزيادة هنا.
أو شهدت إحداهما بالتاريخ مع تقدمه على شهادة تاريخ الأخرى، فالشاهدة بالمقدم مقدمة، كشهادة إحداهما بملكه منذ عام، والأخرى بملكه منذ عامين؛ ففي المدونة: أقضى ببينة أبعد التاريخين، إن عدلت، وإن كانت الأخرى أعدل، ولا أبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها الأقرب تاريخًا بالوطء والخدمة، والادعاء لها بمحضر الآخر، فقد أبطل دعواه.
_________________
(١) = طفى: قرره الشارح بما في التوضيح من شهادة ذات السبب به فقط. وفيها خلاف والمعتمد ما عليه الشارح تبعًا للتوضيح وذكر نص اللخمي المتقدم وقال عقبه: نقله ابن عرفة وأقره، ولما نقل في توضيحه قول أشهب هذا قال وخالفه التونسي. اهـ. وضعف قول أشهب غير واحد، فظهر لك أن المعتمد ما عليه الشارح وهو مراد المصنف وإلا لقال ورجح بسبب ملك معه، وما أدري ما الحامل لابن غازي على مخالفة الشارح مع نقله كلام اللخمي ومخالفة التونسي، ولا مستند له إلا تفسير ابن عبد السلام، وقد علمت ضعفه من ضعف ما انبنى عليه. وإن وافق أحد التأويلين ففي تنبيهات عياض اختلف في تأويل مذهبه في الكتاب في إعمال الشهادة على الحيازة وعلى النسج وعلى النتاج وشبهها وإيجابها الملك هل معناه أن مجرد الشهادة بها يوجب الملك أو حتى يزيدوا أنها ملكه أو يحوزها حيازة الملك. فذهب بعضهم إلى أنه لا بد من هذا وأنه مراده ومن لم يقل ذلك لم تتم شهادته ولا عارضت بشهادة من شهد بالملك، وعليه تأولها ابن محرز، وهو مذهب سحنون، وقال بعضهم: لم يقل هذا ابن القاسم والشهادة بالولادة أو النسج مغنية عن ذكر الملك وقائمة مقامه عنده. البناني ما ذكره طفى غير صحيح، والصواب ما قال لغ، ولا دليل له في كلام اللخمي على أنه يفيد الخلاف في بينة السبب بمجردها تفيد الملك، فتقدم على الحوز، وهو قول ابن القاسم أولًا تفيده فلا ينزع بها من يد الحائز وهو قول أشهب، وليس في ذلك ما يدل على أن بينة السبب تقدم على بينة الملك كما ادعاه طفى تبعًا للشارح والتوضيح، ولعل هذا هو الحامل لابن غازي على تقريره، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٣٥٦ ]
وإنما رجح بالملك السابق لأن الملك قد ثبت، والأصل استصحابه.
ورجح بزيادة عدالة في إحداهما على الأخرى، لا بزيادة عدد فيها، فلا يرجح به على المشهور.
تتميم:
فرق القرافي للمشهور بأن المقصود من القضاء قطع النزاع، ومزيد العدالة أقوى في التعذر من زيادة العدد؛ إذ كل واحد من الخصمين يمكنه زيادة العدد في الشهود بخلاف العدالة.
ورجح بشاهدين في جانب على شاهد ويمين في جانب آخر، أو على شاهد وامرأتين في جانب آخر، على أحد قولي ابن القاسم.
ورجح بيد عند تساوي البينتين مع اليمين، سواء كان ما لبيد دارًا أو عرضًا، أو دنانير أو دراهم، أو غير ذلك، كما في المدونة، وهو المشهور.
وهذا إن لم ترجح بينة مقابله، أي: مقابل ذي اليد، فيحلف ذو البينة الراجحة، وهو المشهور، وترجح البينة الشاهدة بالملك على بينة الحوز، ولو كانت بينة الحوز متقدمة؛ لأن الحوز أعم؛ إذ قد يكون بغير ملك، والملك أقوى وأخص، والأعم لا يدل على الأخص.
فائدة:
قدمنا في البيع تعريف الملك ونعيده هنا لبعده.
قال ابن عرفة: الملك استحقاق التصرف في الشيء بكل أمر جائز فعلًا أو حكمًا، لا بنيابة.
فيدخل ملك الصبي ونحوه؛ لاستحقاقهما ذلك حكمًا، ويخرج تصرف الوصي والوكيل وذي الإمارة.
ورجح بنقل فترجح البينة الناقلة على بينة مستصحبة، كأن تشهد بينة أن هذه دار زيد بناها، ولا يعلمونها، خرجت عن ملكه، وتشهد أخرى أن عمرو اشتراها بعد ذلك، فبينة الشراء عمل.
[ ٧ / ٣٥٧ ]
[شروط صحة الشهادة في الملك:]
ثم شرع في ذكر شروط صحة الشهادة في الملك، وهي أربعة.
وأشار لها بقوله:
- وصحة الملك إن شهد لها بالتصرف التام.
- وعدم منازع له فيه.
- وحوز طال على هذه الحال، كعشرة أشهر على ظاهر المدونة.
أبو محمد: سنة.
وظاهره: أنه خلاف.
- ومن تمام صحة شهادة الملك أن يقولوا: إنها لم تخرج عن ملكه في علمهم ببيع ولا هبة ولا وجه من الوجوه إلى الآن، ونحوه قول شهادتها: إذا شهدوا بأن هذه الدار لأبيه أو جده فلا تتم الشهادة حتى يقولوا: لا نعلم أنها خرجت عن ملكه إلى أن مات، وتركها.
وفي عاريتها ما يدل على أنه غير شرط، ففيه: إن شهدوا أن الدار له وإن لم يقولوا: لا نعلم أنه باع ولا وهب، فإنه يحلف أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق، فشهادتهم باطلة.
واختلف الشيوخ هل هو خلاف، وهو حمل ابن عبد السلام وابن هارون على القولين، أو وفاق في شهاداتها على الكمال، وعليه حملها المغربي، وهو أبو إبراهيم الأعرج، وإليه أشار بقوله: وتؤولت على الكمال في الأخير، واستظهر ابن عرفة أن ما في عاريتها تفسير.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف سواء كان المشهود له ميتًا أو حيًّا، وحملها بعضهم على أن الأول شرط في وثيقة الميت دون الحي، بأن يطلب ذلك الورثة عن مورثهم، فلا بد من الزيادة، وإلا بطلت، وإن لم يقولوا ذلك في ملك الورثة تمت الشهادة.
[ ٧ / ٣٥٨ ]
قال ابن العطار: وهو الذي به العمل اليوم.
وصحة الملك بأن تشهد البينة بما تقدم، لا بالاشتراء: مخرج من قوله: (وصحة الملك) وما معه، ومعناه ما قال سحنون: من رأى رجلًا اشترى سلعة من السوق، فلا يشهد أنها ملكه، ولو أقام شخص بينة أنها ملكه، وآخر بينة أنه اشتراها من السوق فهي لصاحب الملك، وقد يبيعها من لا يملكها.
وأما قول الشارح: (مثل أن تشهد أن أحد الخصمين اشتراها من الآخر، فإنها تستصحب، ولا يقبل قول المشهود عليه: إنها عادت إليه) فمتعقب، انظره في الكبير.
وإن شهد عليه بإقرار بالأمس أنها ملك لزيد استصحب حكم إقراره، وكفت الشهادة، وإن لم يزد الشهود، ولا نعلم خروجها عن ملكه إلى الآن؛ إذ في شهادتهم عليه بالإقرار إسقاط لحقه بخصومه، فعليه بيان صحة ملكه بعد بشراء من المشهود عليه، أو بغير ذلك من أسباب الملك.
[إسقاط البينتين عند تعذر الترجيح:]
وإن تعذر ترجيح لأحد البينتين عند تساويهما بكل وجه، وكان المتنازع فيه بيد غيرهما سقطتا (١)، وبقي المدعى فيه بيد حائزه.
_________________
(١) قد حاول بعض من ينتمي إلى بعض الجماعات الفكرية المنحرفة أن يستفيد من نحو هذه القضية للتبرير زيف وزيغ بعض العناصر المؤسسة عليها جماعته، والجماعات المنبثقة منها، من أن لكل وجهة نظر يرى أنها الأصوب والأصلح، وإذا كان كذلك فلا ينكر أحد على أحد، وليعمل كل بما تراءى له؛ لأن ما يراه أحد ما خطأ في منهاج عملي، ويصحح ما هو عليه، أراه خطأ، فأصحح ما أنا عليه، وأبين خطأ ما هو عليه، وإذا كان كذلك فلا داعي من الدخول في مناظرات ومحاورات لا تثمر عملًا، وهذا المبدأ الخطير قد اتبعه بعض من تقدم من الفرق أهل الإسلام، وتصدى له ابن حزم في إحكامه وفصله، فقال في الفصل (٥/ ٨٠، وما بعدها): "قال أبو محمد: أما احتجاجهم بأن قالوا وجدنا أهل الديانات والآراء والمقالات كل طائفة تناظر الأخرى فتنتصف منها وربما غلبت هذه في مجلس ثم غلبتها الأخرى في مجلس آخر على حسب قوة المناظر وقدرته على البيان والتحيل والشغب فهم في ذلك =
[ ٧ / ٣٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كالمتحاربين يكون الظفر سجالًا بينهم فصح أنه ليس هاهنا قول ظاهر الغلبة ولو كان ذلك لما أشكل على أحد ولا اختلاف الناس فيه كما لم يختلفوا فيما أدركوا بحواسهم وبداية عقولهم وكما هم يختلفوا في الحساب وفي كل شيء عليه برهان لائح، واللائح الحق على مرور الزمان وكثرة البحث وطول المناظرات قالوا: ومن المحال أن يبدو الحق إلى الناس ظاهرًا فيعاندوه بلا معنى ويرضوا بالهلاك في الدنيا والآخرة بلا سبب قالوا: فلما بطل هذا أن كل طائفة تتبع أما ما نشأت عليه وأما ما يخيل لأحدهم أنه الحق دون تثبيت ولا يقين قالوا: وهذا مشاهد من كل ملة ونحلة وإن كان فيها ما لا يشك في بطلانه وسخافته. قال أبو محمد: هذه جمل نحن نبين كل عقده منها ونوفيها حقًّا من البيان بتصحيح أو إفساد بما لا يخفى على أحد صحته، وباللَّه تعالى التوفيق: أما قولهم أن كل طائفة من أهل الديانات والآراء يناظر فينتصف وربما غلبت هذه في مجلس ثم غلبتها الأخرى في مجلس آخر على قدر قوة المناظر وقدرته على البيان والتحيل والشغب والتمويه فقول صحيح إلا أنه لا حجة لهم فيه على ما دعوه من تكافؤ الأدلة أصلًا لأن غلبة الوقت ليست حجة ولا يقنع بها عالم محقق وإن كانت له ولا يلتفت إليها وإن كانت عليه وإنما نحتج بها ويغضب منها أهل المعرفة والجهال وأهل الصياح والتهويل والتشنيع القانعون بأن يقال غلب فلان فلانًا وأن فلانًا لنظار جدال ولا يبالون بتحقيق حقيقة ولا بإبطال باطل فصح أن تغالب المتناظرين لا معنى له ولا يجب أن يعتد به لا سيما تجادل أهل زماننا الذين أما لهم نوب معدودة لا يتجاوزونها بكلمة وأما أن يغلب الصليب الرأس بكثرة الصياح والتوقح والتشنيع والجعات وأما كثير الهدر قوى على أن يملأ المجلس كلامًا لا يتحصل منه معنى، وأما الذي يعتقده أهل التحقيق الطالبون معرفة الأمور على ما هي عليه فهو أن يبحثوا فيما يطلبون معرفته على كل حجة احتج بها أهل فرقة في ذلك الباب فإذا نقضوها ولم يبقوا منها شيئًا تأملوها كل حجة حجة فميزوا الشغبي منها والإقناعي فاطرحوهما وفتشوا البرهاني على حسب المقدمات التي بيناها في كتابنا الموسوم بالتقريب في مائية البرهان وتمييزه مما يظن أنه برهان وليس ببرهان وفي كتابنا هذا وفي كتابنا الموسوم بالأحكام في أصول الأحكام فإن من سلك تلك الطريق التي ذكرنا وميز في المبدأ ما يعرف بأول التمييز والحواس ثم ميز ما هو البرهان مما ليس برهانًا ثم لم يقبل الأماكن برهانًا راجعًا رجوعًا صحيحًا ضروريًّا إلى ما أدرك بالحواس أو ببديهة التمييز وضرورة في كل مطلوب يطلبه فإن سارع الحق يلوح له واضحًا ممتازًا من كل باطل دون إشكال، والحمد للَّه رب العالمين. وأما من لم يفعل ما ذكرنا ولم يكن كده إلا نصر المسألة الحاضرة فقط أو نصر مذهب قد ألفه قبل أن يقوده إلى اعتقاده برهان فلم يجعل غرضه إلا طلب أدلة ذلك المذهب فقط فبعيد عن معرفة الحق عن الباطل ومثل هؤلاء غروا هؤلاء المخاذيل فظنوا =
[ ٧ / ٣٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أن كل بحث وظنوا مجراهما هذا المجرى الذي عهدوه ممن ذكرونا فضلوا ضلالًا بعيدًا وأما قولهم فصح أنه ليس هاهنا قول ظاهر الغلبة ولو كان ذلك لما أشكل على أحد ولما اختلف الناس فيه كما لم يختلفوا فيما أدركوه بحواسهم وبداية عقولهم وكما لم يختلفوا في الحساب وفي كل ما عليه برهان لائح فقول أيضًا مموه لأنه كله دعوى فاسدة بلا دليل، وقد قلنا قبل في إبطال هذه الأقوال كلها بالبرهان بما فيه كفاية وهذا لا يمكن فيه تفصيل كل برهان على كل مطلوب لكن نقول جملة أن من عرف البرهان وميزه وطلب الحقيقة غير مائل بهوى ولا ألف ولا نفار ولا كسل فمضمون له تمييز الحق وهذا كمن سأل عن البرهان على أشكال إقليدس فإنه لا أشكال في جوابه عن جميعها بقول مجمل لكن يقال له سل عن شكل شكل تخبر ببرهانه أو كمن سأل ما النحو وأراد أن يوقف على قوانينه جملة فإن هذا لا يمكن بأكثر من أن يقال له هو بيان حركات وحروف يتوصل باختلافها إلى معرفة مراد المخاطب باللغة العربية ثم لا يمكن توقيفه على حقيقة ذلك ولا إلى إثباته جملة إلا بالأخذ معه في مسألة مسألة وهكذا في هذا المكان الذي نحن فيه لا يمكن أن نبين جميع البرهان على كل مختلف فيه بأكثر من أن يقال له سل عن مسألة مسألة نبيِّن لك برهانًا بحول اللَّه تعالى وقوته ثم تقول لمن قال من هؤلاء أن هاهنا قولًا صحيحًا واحدًا لا شك فيه أخبرنا من أين عرفت ذلك ولعل الأمر كما يقول من قال أن جميع الأقوال كلها حق فإن قال لا لأنها لو كانت حقًّا لكان محالًا ممتنعًا لأن فيها إثبات الشيء وإبطاله معًا ولو كان جميعها باطلًا لكان كذلك أيضًا سواء سواء وهو محال ممتنع لأن فيه أيضًا إثبات الشيء وإبطاله معًا وإذا ثبت إثبات الشيء بطل إبطاله بلا شك وإذا بطل إثباته ثبت إبطاله بلا شك فإذ قد بطل هذان القولان بيقين لم يبق بلا شك إلا أن فيه حقًّا بعينه وباطلًا بعينه قلنا له: صدقت وإذ الأمر كما قلت فإن هذا العقل الذي عرفت به في تلك الأقوال قولًا صحيحًا بلا شك به تميز ذلك القول الصحيح بعينه مما ليس بصحيح لأن الصحيح من الأقوال يشهد له العقل والحواس ببراهين ترده إلى العقل وإلى الحواس ردًّا صحيحًا وأما الباطل فينقطع ويقف قبل أن يبلغ إلى العقل وإلى الحواس وهذا بيِّن، والحمد للَّه رب العالمين". والذي يظهر من كلام ابن عساكر في تبين كذب المفتري أن تكافؤ الأدلة لا يكون إلا ممن اجتمع فيه أمران، وكلاهما شر: الأول: الابتعاد عن العلم الشرعي الصحيح. والآخر: عدم التفكر فيما ينفع في الآخرة. فتكافؤ الأدلة -وإن كان سبب رجوع أبي الحسن عن معتقد الاعتزال- والقول به شر الشرور؛ لأنه لا يعرف به حق من باطل، ينظر: تبيين كذب المفتري، ص ٣٩، ص ٢٥٩.
[ ٧ / ٣٦١ ]
تنكيت:
ما قرر به الشارح على أنه بيد أحدهما، وتبعه البساطي، يلزم عليه التكرار مع قوله قريبًا: (وبيد إن لم ترجح بينة مقابله)، ويرشح ما قررناه قوله: أو لمن يقر له به هذا الحائز، فيكون للمقر له.
وقسم المتنازع فيه على قدر الدعوى إن لم يكن بيد أحدهما، بل كان بيد غيرهما، ولم يقر به لأحدهما، ولا مرجح لبينة أحدهما، وذلك بعد أيمانهما، كما في المدونة، وهو قول سحنون، أو لم تكن بيد أحدهما، كتنازعهما في عفو من أرض أو زرع في أرض لشخص لا يدعيه، أو كان بأيديهما معًا.
وكلامه يشمل الصور الثلاث، والنسخة التي قررناه عليها قال بعضهم: هي أكثر النسخ، وعند الشارحين: (ولو لم يكن بيد أحدهما وتعقباها بأن محل الخلاف إذا كان بيد غيرهما.
تنبيه:
قول البساطي: (فالصواب في المبالغة أن يقول: ولو لم يكن بيد غيرهما) فيه نظر؛ لصدقه على ما في يد أحدهما، فتأمله.
وعلى المشهور من أنه يقسم على الدعوى، فقال مالك وأكثر أصحابه: كالعول في فريضة زادت أجزاء واجبها على الجميع؛ لتساوي أقدامهم، وتعذر الترجيح.
وقال ابن القاسم وعبد الملك: يختص مدعي الأكثر بالزائد؛ لأن مبنى المسألة على التنازع، فمن سلم لخصمه شيئًا سقط حقه منه.
فعلى المشهور لو تداعى اثنان الكل والنصف عالت بالنصف، فيقسم من ثلاثة لمدعي الكل اثنان، ولمدعي النصف واحد، ولو تداعى ثلاثة الثمن، والثلث والثلثان فمن أربعة وعشرين، وتقسم من سبعة وعشرين ثلاثة لمدعي الثمن، وثمانية لمدعي الثلث، وستة عشر لمدعي الثلثين.
ولم يأخذه من شهد له بأنه كان بيده أمس، اختلف الشراح في معنى
[ ٧ / ٣٦٢ ]
هذا الكلام، والصواب: أن يقرر بما قرر به، هو قول ابن الحاجب: (ولو شهدا أنه كان بيد المدعي أمس لم يأخذه بذلك)، قال ابن عبد السلام: لأن كونه في يده لا يدل على أنه مالكه، ولا يستحقه؛ لأن وضع اليد أعم من ذلك كله، والأعم لا إشعار له بالأخص، فلم يبق إلا مطلق الحوز، وهو هنا محوز بيد الآخر.
[مسألة:]
وإن ادعى أخ أسلم على أخيه النصراني أن أباه أسلم، ومات مسلمًا، وادعى الآخر النصراني أن أباه مات نصرانيًّا، فالقول للنصراني؛ لدعواه الاستصحاب.
تنبيه:
قال البساطي قوله: (أسلم) لا بد منه في فرض المسألة؛ لأنه لو كان مسلمًا حكمًا كان ذلك بإسلام الأب ليس إلا على المشهور، وهذا حيث لا بينة لهما.
وأما لو أقام كل منهما بينة قدمت بينة المسلم؛ لأنها ناقلة.
ثم استثنى من تقديم بينة المسلم فقال: إلا أن تشهد بينة النصراني بأنه تنصر، أي: نطق بالنصرانية معتقدًا لها، ومات عقبه، وشهدت بينة المسلم بأنه نطق بالإسلام، ومات عقبه، فمتعارضان، ويصار للترجيح، فإن لم يكن قسم بينهما، وهذا إن جهل أصله، أي: الأب.
ومفهوم الشرط: إن علم أصله فهي المسألة السابقة.
كمجهول الدين ولا بينة فيقسم المال بينهما؛ لاستواء دعواهما.
[مسألة:]
وقسم المال الموروث عن مجهول الدين على الجهات المدعى بها بالسوية، ولا ينظر لعدد كل جهة منها، فلو كانت الجهات ثلاثًا قسم
[ ٧ / ٣٦٣ ]
أثلاثًا، كدعوى بعضهم موت أبيهم مسلمًا، وبعضهم نصرانيًّا، وبعضهم يهوديًّا.
ولو كانت جهتين، لقسم نصفين، وسواء كان المال بيد أحدهم، أو بأيديهم؛ إذ لا يد عليه؛ لأنه قد علم أصله.
وإن كان معهما -أي: المتداعيين- اختلاف دين أبيهما أخ طفل فهل يحلفان، ويوقف الثلث مما بيد كل واحد منهما، وهو السدس، فيكون المجموع ثلث جميع المال إلى بلوغ الطفل.
وإذا بلغ فمن وافقه الطفل وادعى دعواه أخذ حصته منه، وهو السدس، ورد على الآخر ما كان أوقفه له، وهو السدس.
تنبيه:
إنما وقف له ثلث أولًا لاحتمال أنه إذا بلغ ادعى جهة غير الذي ادعى أخواه.
وإن مات الصغير قبل بلوغه حلفا -أي: أخواه- واقتسما ميراثه، وهو قول سحنون، أو يوقف للصغير النصف من موروث أبيه؛ لأن كلًّا منهما مقر به، ويجبر على الإسلام، ويقسم النصف الآخر بينهما، وهو قول أصبغ: قولان.
تتمة:
قال سحنون: فإن مات أحدهما قبل بلوغ الصغير، وله ورثة يعرفون، فهم أحق بميراثه، وإن لم يكن وقف، فإذا كبر الصغير وادعاه، كان له.
[مسألة الظفر:]
ثم تكلم على المسألة الملقبة عند أصحابنا بمسألة الظفر، فقال: وإذا قدر من له حق على غيره يتوصل على أخذ شيئه فله أخذه، علم غريمه أو لم يعلم، وذلك بشرط:
- إن لم يكن شيئه غير عقوبة؛ لأن العقوبة لا بد لها من الرفع
[ ٧ / ٣٦٤ ]
للحاكم، وكذا إذا كان حقًّا للَّه تعالى كالحدود.
- وأمن فتنة تحصل بسبب ذلك، كقتال أو إراقة دم، وأمن رذيلة تنسب إليه، كسرقة وغصب وحرابة ونحو ذلك، ولم يلزمه الرفع للحاكم (١).
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٥٥٠): "طفى: لا شك أن المصنف اختصر قول ابن الحاجب تبعًا لابن شاس ومن قدر على استرجاع عين حقه آمنًا من فتنة أو نسبة إلى رذيلة جاز له وأما في العقوبة فلا بد من الحاكم وكلامهما كما ترى في استرجاع عين حقه، وبه شرح في التوضيح، فقال: إن قدر على أخذ شيئه بعينه. وعبارة ابن شاس ومن غصب منه شيء وقدر على استرداده مع الأمن من تحريك فتنة أو سوء عاقبة بأن يعد سارقًا أو نحو ذلك جاز له أخذه. اهـ. وهكذا عبارة ابن رشد والمازري، ولم يذكروا في هذا خلافًا، وإنما ذكروه في غير عين شيئه. ثالثها إن كان جنسه جاز، فإن حمل كلام المصنف على عين شيئه كما قلنا فيكون غير شيئه عنده بالمنع كما يأخذه من باب الوديعة. وأما حمل تت كلام المصنف على غير عين شيئه وتعميمه في الجنس وغيره ومعارضته لذلك بما تقدم في الوديعة، وجوابه عن ذلك بإخراج الوديعة ففيه نظر من وجوه: الأول: نبو عبارة المصنف عن حمله. الثاني: خلو كلام المصنف عن بيان حكم استرداد عين شيئه المذكور في كلام ابن شاس وابن الحاجب وهما متبوعاه، ولا يقال يؤخذ بالأولى لخفائه ولتعرض الأئمة له. الثالث: لزوم المعارضة في كلام المصنف وأما جوابه فيه نظر، إذ لم أر من استثناها من المنع، إذ من أجاز أجازها، ومن منع منعها، وقد جمع ابن عرفة طرق المسألة ولم يستثن الوديعة منها في طريق من الطرق، وذكر ابن رشد في طريقه في الوديعة خمسة أقوال المنع والكراهة والإباحة والاستحباب. خامسها إن كان عليه دين فلا يأخذ إلا قدر الحصاص وأظهر الأقوال الإباحة مطلقًا عليه دين أم لا، وأيضًا كلام المصنف المتقدم في باب الوديعة. وإن كان فرضه كابن الحاجب في الوديعة فليس الحكم خاصًّا بها وقد تورك عليه هناك ابن عبد السلام بقولها ومن لك عليه مال من وديعة أو قراض أو بيع فجحده، ثم صار له بيدك مثله بإيداع وبيع أو غيره. قال الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه لا ينبغي له أن يجحده. اهـ. البناني ما قرر به "ز" هو الظاهر، وما قاله طفى، وصوبه من حمل ما هنا على عين شيئه، إذ هو المتفق عليه. وأما غير عينه ففيه أقوال مشى المصنف منها فيما تقدم في الوديعة على المنع فغير ظاهر؛ لأن أظهر الأقوال عند ابن عرفة الإباحة، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٣٦٥ ]
تكميل:
شمل قوله: (شيئه) دينه على ممتنع من أدائه، فله أخذ قدره من جنسه أو غير جنسه، وإن كان غريمه مدينًا، أخذ قدر حصته في الحصاص فقط.
تنبيه:
سكت عن إخراج الوديعة التي تحت يده، فإنه لا يأخذ قدر حقه منها؛ لما قدمه في بابها.
[مسألة:]
وإن قال من ادعى عليه وكيل بحق لموكله: أبرأني موكلك الغائب أُنظِر المدعى عليه إلى حضور الموكل، ولا يحلف الوكيل عند ابن القاسم.
وقال ابن كنانة: يحلف.
وظاهر كلام المؤلف: كانت الغيبة قريبة أو بعيدة، وهو كذلك، إلا أنه لا يقضى عليه في القريبة اتفاقًا، وفي البعيدة عند ابن القاسم.
[مسألة:]
ومن استمهل -أي: طلب المهلة- لدفع بينة قامت عليه بحق، أمهل، بأن يضرب له أجل بالإجتهاد من الحاكم بغير حد، بل بحسب الدعوى والمدعى فيه، وتقدم في باب القضاء، وأن العمل بتفريق التأجيل.
كحساب يظهره وشبهه من شيء مكتوب عنده؛ ليتحقق ما يجب به من إقرار أو إنكار، ويكون الإمهال بكفيل -أي: معه- بالمال، لا بالوجه؛ لأن المال ثبت، والإمهال إنما هو لدفع البينة.
المازري: كأن أقام المدعي شاهدًا، وأراد إقامة شاهد ثان، وطلب المهلة، فعلى المطلوب حميل بالمال؛ لأن له الحلف مع شاهده، أو لأن الحق ثبت بالواحد، واليمين استظهار.
أو طلب المدعي كفيلًا بعد دعواه بإقامة بينة -أي: بسبب إقامتها- فبحميل بالوجه.
[ ٧ / ٣٦٦ ]
المازري: اتفاقًا.
أي: لأنه لم يثبت له شيء، ونحوه في شهادات المدونة، وفيها أيضًا في حمالتها: نفيه -أي: تفي لزوم الحميل- وهو قولها: من كان بينه وبين رجل خلطة في معاملة، فادعى عليه حقًّا، لم يجب له عليه كفيل بوجهه، حتى يثبت حقه.
قال غيره: إذا ثبتت الخلطة فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه.
واختلف: هل ما في الموضعين خلاف؟ وهو ظاهر كلام ابن سهل، أو وفاق، وهو أحد وجهين:
أحدهما لأبي عمران: المراد بالكفيل في الشهادات وكيل يلازمه؟ لأنه يطلق على الوكيل كفيل، أو معنى قول غير ابن القاسم فله عليه كفيل إن لم تعرف عينه؟ أي: عين المدعى عليه، بأن لم يكن مشهورًا لتوقع البينة على عينه، وأما إن كان معروفًا فليس للطالب عليه كفيل يوجهه؛ لأنا نسمع البينة عليه في غيبته، وهو تأويل ابن يونس، تأويلات ثلاث.
تنبيه:
انظر ما هنا مع آخر باب الضمان: ولم يجب وكيل للخصومة ولا كفيل بالوجه بالدعوى، إلا بشاهد، وإن ادعى بكالسوق أوقفه القاضي عنده.
[مسألة:]
ويجيب عن دعوى جناية القصاص العبد، إذا ادعى عليه به؛ لأنه الذي يتوجه عليه الحق، ويقع عليه الحكم، ويجيب عن الإقرار من العبد في موجب الأرش السيد؛ لأنه هو المطالب به، واليمين في كل حق باللَّه الذي لا إله إلا هو على المشهور، وما ذكره المؤلف هو صفة اليمين، إن لم يكن الحالف كتابيًّا، بل ولو كان كتابيًّا.
وتؤولت على أن النصراني يقول في يمينه في حق لعان أو غيره باللَّه فقط، ولا يزيد الذي لا إلا هو، يريد: ويزيد اليهودي: الذي لا إله إلا هو.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
قيل: لأنه يقول بالتوحيد دون النصراني؛ لقوله المسيح ابن اللَّه. وتعقب بأن اليهودي يقول: العزير (١) ابن اللَّه (٢).
_________________
(١) اختلف فيه، أهو المار على القرية، أو أرميًا؟ قال القرطبي في قصته (٣/ ٢٩٤، وما بعدها): "وقال الأعمش: موضع كونه آية هو أنه جاء شابًّا على حاله يوم مات، فوجد الأبناء والحفدة شيوخًا. عكرمة: وكان يوم مات ابن أربعين سنة. وروي عن علي رضوان اللَّه عليه أن عزيزًا خرج من أهله وخلف امرأته حاملًا، وله خمسون سنة فأماته اللَّه مائة عام، ثم بعثه فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة وله ولد من مائة سنة فكان ابنه أكبر منه بخمسين سنة. وروي عن ابن عباس قال: لما أحيا اللَّه عزيزًا ركب حماره فأتى محلته فأنكر الناس وأنكروه، فوجد في منزله عجوزًا عمياء كانت أمة لهم، خرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة، فقال لها: أهذا منزل عزير؟ فقالت: نعم! ثم بكت وقالت: فارقنا عزير منذ كذا وكذا سنة! قال: فأنا عزير؛ قالت: إن عزيزًا فقدناه منذ مائة سنة. قال: فاللَّه أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فعزير كان مستجاب الدعوة للمريض وصاحب البلاء فيفيق، فادع اللَّه يرد علي بصري؛ فدعا اللَّه ومسح على عينيها بيده فصحت مكانها كأنها أنشطت من عقال. قالت: أشهد أنك عزير! ثم انطلقت إلى ملأ بني إسرائيل وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة وثمان وعشرين سنة، وبنو بنيه شيوخ، فقالت: يا قوم، هذا واللَّه عزير فأقبل إليه ابنه مع الناس فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه؛ فنظرها فإذا هو عزير. وقيل: جاء وقد هلك كل من يعرف، فكان آية لمن كان حيًّا من قومه إذ كانوا موقنين بحاله سماعًا. قال ابن عطية: وفي إماتته هذه المدة ثم إحيائه بعدها أعظم آية، وأمره كله آية غابر الدهر، ولا يحتاج إلى تخصيص بعض ذلك دون بعض".
(٢) ويجاب على هذا التعقب بأنه ليس كل اليهود يقولون ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، فكما قال القرطبي (٨/ ١١٦): "الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ هذا لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص؛ لأن ليس كل اليهود قالوا ذلك. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقل ذلك كل الناس. وقيل: إن قائل ما حكى عن اليهود سلام بن مشكم ونعمان بن أبي أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، قالوه للنبي -ﷺ-. قال النقاش: لم يبق يهودي يقولها بل انقرضوا فإذا قالها واحد فيتوجه أن تلزم الجماعة شنعة المقالة، لأجل نباهة القائل فيهم. وأقوال النبهاء أبدًا مشهورة في الناس يحتج بها. فمن هاهنا صح أن تقول الجماعة قول نبيها، واللَّه أعلم. وقد روي أن سبب ذلك القول أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇ فرفع اللَّه عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزير يسيح في الأرض، فأتاه جبريل فقال: (أين تذهب)؟ قال: أطلب العلم، فعلمه التوراة كلها فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلمهم. وقيل: بل حفظها اللَّه =
[ ٧ / ٣٦٨ ]
تنبيه:
تعقب البساطي قوله وتؤولت بأنه صريح لا تأويل لقولها: ولا يحلف اليهودي ولا النصراني إلا باللَّه وإنما الذي أولها هو الراد لها إلى الأولى، فقال: معنى قوله إلا اللَّه، أي: لا يحلفون بشيء من أيمانهم التي يعتقدونها، وليس مراده الاقتصار على لفظ اللَّه فقط.
[مسألة:]
وغلظت يمين حالف في ربع دينار أو عدله فضة أو غيرها فصاعد إلا دونه؛ إذ هو أقل مال له بال، ويكون التغليظ بجامع -أي: فيه من مسلم- لا في المسجد، ولو مسجد جماعة وقبائل، ولا يختص بمكان منه.
وظاهر كلامه: أن التغليظ واجب، وهو كذلك على أحد القولين.
وقيل: مستحب.
كالكنيسة للنصراني، والبيعة لليهودي، وبيت النار للمجوسي.
زاد في المدونة: وحيث يعظمون.
وغلطت بالقيام فيها في ربع دينار، وبه القضاء، ولا تغليظ بالإستقبال، وهو مذهب المدونة.
_________________
(١) = عزيرًا كرامة منه له، فقال لبني إسرائيل: إن اللَّه قد حفظني التوراة، فجعلوا يدرسونها من عنده. وكانت التوراة مدفونة، كان دفنها علماؤهم حين أصابهم من الفتن والجلاء والمرض ما أصاب وقتل بختنصر إياهم. ثم إن التوراة المدفونة وجدت فإذا هي متساوية لما كان عزير يدرس فضلوا عند ذلك وقالوا: إن هذا لم يتهيأ لعزير إلا وهو ابن اللَّه حكاه الطبري. وظاهر قول النصارى أن المسيح ابن اللَّه، إنما أرادوا بنوة النسل كما قالت العرب في الملائكة. وكذلك يقتضي قول الضحاك والطبري وغيرهما. وهذا أشنع الكفر. قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وإنه ابن إله".
[ ٧ / ٣٦٩ ]
وغلظت بمنبره ﵊ فقط، وهل الباء بمعنى (عند) كما هو ظاهر المدونة، أو بمعنى (على) (١)، وهو قول ابن المواز.
تنبيه:
قال البساطي: منبره ﵊ كان موجودًا معروفًا في زمن مالك، وأما في هذه الأيام فينظر: هل هذا الحكم في المنبر الذي هو بمسجد المدينة، أو موضع منبره ﵊. انتهى.
وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تغلظ بالزمان في المال، وهو كذلك، وأما في الدماء واللعان فتغلظ بالمكان والزمان.
[مسألة:]
وخرجت المخدرة -أي: الملازمة للخدر، وهو: الستر، ولا تطلق غالبًا إلا على الأبكار- فيما ادعت به من حق؛ لتحلف عليه إن كانت طالبة لكمال النصاب، أو ليمين ردت عليها مغلظة بالجامع في ربع دينار كالرجل، وهو المشهور.
أو ادعي عليها لتحلف لرد الدعوى، إلا التي لا تخرج نهارًا، وإن
_________________
(١) قال في المنح (٧/ ٤٥٦): "طفى: والعجب من المصنف كيف ذكر الفرض المتعقب مقتصرًا عليه وترك الفرض السالم من التعقب الذي هو فرض (المدونة) مع ذكر ذلك في توضيحه. وأعجب منه تقرير تت له على ظاهره، وتعليله باجتماع الجعل والبيع وقد تكلف من جعل الباء بمعنى على". قال المرادي في مجيء الباء بمعنى على: "العاشر: الإستعلاء: وعبَّر بعضهم عنه بموافقة على، وذكروا لذلك أمثلة، منها قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: على قنطار، كما قال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾. ومنها ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ أي: عليهم، كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾. ومنه قول الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب" فلا أدري أين التكلف الذي عناه طفى، لا سيما أنه صادر من ابن المواز.
[ ٧ / ٣٧٠ ]
كانت مستولدة فليلًا، وخص المستولدة دون المكاتبة والمدبرة مع أن ابن عبد السلام ذكر عن المدونة أنها كالحرة لقوله في توضيحه: لم أجد هذا في كل النسخ، بل في بعضها.
تنبيه:
قول الشارح: (لا وجه للفاء في قوله: "فليلًا"؛ لأنه معمول خرجت) تعقبه البساطي بأن هذه الفاء تسمى عند أهل المعاني بالفصيحة (١)، فيقدرون لها شرطًا يكون له جواب، فيقال هنا هكذا، فالتي لا تخرج نهارًا ما الحكم فيها، فيقال: إذا كانت لا تخرج نهارًا فليلًا.
وتحلف المرأة في أقل من ربع دينار ببيتها، ويرسل الحاكم لها من يحلفها، ولا تخرج للمسجد؛ لأنه لا يغلظ فيه اليمين بالمكان.
[مسألة:]
وإن ادعيت أيها المدين قضاء لدين عليك ببينة على وفاء ميت لم يحلف على نفي العلم، إلا من يظن به العلم من بالغي ورثته يوم موته، كقريب القرابة لا بعيدها.
البساطي: وقد يكون البعيد من الورثة مخالطًا للميت، والقريب بضده، فينظر الحاكم في ذلك.
_________________
(١) الفاء الفصيحة: هي التي يحذف فيها المعطوف عليه مع كونه سببًا للمعطوف من غير تقدير حرف الشرط. وقيل: سميت فصيحة لأنها تفصح عن المحذوف، وتفيد بيان سببيته. وقال بعضهم: هي داخلة على جملة مسببة عن جملة غير مذكورة نحو قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾، أي: ضرب فانفجرت، ونحو قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ. . .﴾، التقدير: فجاءهم محمد -ﷺ- بالذكر فكفروا به، ومثله قول الشاعر وهو أبو تمام: قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا.
[ ٧ / ٣٧١ ]
[مسألة:]
ومن دفع لآخر دنانير أو دراهم فاطلع الآخذ فيها على نقص أو غش، فردها لدافعها، فأنكرها، حلف الدافع في دعوى نقص بتًّا، وفي دعوى غش علمًا، أي: على نفي العلم؛ لأن الجودة والرداءة قد تخفي، ولا يتحقق عين دراهمه.
وظاهره: صيرفيًّا كان أو غيره، وهو قول ابن القاسم.
وقيل: هذا في غير الصيرفي، وأما الصيرفي فيحلف على البت مطلقًا. واعتمد البات في إقدامه على حلفه بتًّا على ظن قوي كخط أبيه أو قرينة من خصمه، أو شاهد لأبيه يغلب على ظنه صدقه، ولا يحتاج الباب للقطع بموجب حلفه عند مالك.
ويمين المطلوب على قدر معين كعشرة مثلًا، ما له عندي كذا، أي: ذلك القدر المعين، ولا شيء منه؛ لأن المدعي بالعشرة مدع بكل آحاديتها، فحق اليمين نفي كل واحد؛ لما تقرر أن إثبات الكل إثبات لكل أجزائه، ونفي الكل نفي لكل أجزائه.
ونفى الحالف سببًا إن عين، ونفى غيره، كأن يدعي عليه عشرة من سلف، فيحلف ما له عندي عشرة من سلف ولا غيره.
قال أشهب: لو لم يزد (ولا غيره) لم يجزئه اليمين.
فإن قضى المطلوب سلفًا كان عليه، وجحده الطالب، وأراد تحليفه أنه ما تسلف منه حين حلف، ونوى في سره سلفًا يجب لك علي رده الآن، قاله ابن عبدوس، لما قيل له إن حلف ما أسلفه شيئًا لزم أن يحلف كاذبًا، أو يغرم ما ليس عليه.
وإن قال من ادعى عليه بشيء معين في يده هو وقف أو هو لولدي الكبير أو الصغير، لم يمنع مدع لذلك الشيء من إقامة بينته؛ لأن هذا لم ينازعه فيه، وينتقل خصام المدعي لناظر الوقف وللولد الكبير ولوالد الصغير.
وإن قال المدعى عليه: هو لفلان فإن حضر فلان -أي: كان
[ ٧ / ٣٧٢ ]
حضرًا ادعى عليه -أي: نقلت الدعوى له- باعتراف الأول، فإن صدقه سلم له، وانقلبت الدعوى له باعتراف المقر، ثم لا يخلو من أن يحلف أو ينكل، فإن حلف المقر له فللمدعي تحليف المقر الذي بيده الشيء للمقر به، وهي يمين تهمة، وصفة يمينه: أنه ما أقر إلا بالحق، فإن حلف فواضح، وإن نكل المقر حلف المدعي، وغرم المقر ما فوته عليه بإقراره مقومًا أو مثليًّا.
[تفريع:]
ثم ذكر قسيم قوله: (فإن حضر)، فقال: أو غاب المقر في المسألة السابقة غيبة بعيدة لا يعذر له فيها، لزمه -أي: المقر- أحد أمرين:
- يمين.
- أو بينة أنه لفلان الغائب أودعه عنده أو رهنه.
وإذا وجد أحد هذين الأمرين انتقلت الحكومه له، أي: للغائب، فبقي على حقه.
وجوز البساطي أن يكون مقيم البينة هو المدعي، لا المقر، وإذا أقامها تسلم الشيء، ويبقى الغائب على حجته.
وإن نكل المقر عن اليمين أخذه المدعي بلا يمين؛ إذ لا معنى لليمين هنا؛ لأنها لا تقطع حجة الغائب.
وإن جاء الغائب المقر له بعد نكول المقر، وتسلم الشيء المدعى به، فصدق المقر فيما أقر به أخذه بإقرار المقر، ومفهوم (صدق) أنه لو كذب سقط حقه.
واختلف هل يكون ببيت المال أو يسلم لمدعيه؛ إذ لا منازع له فيه، وبيت المال لم يحز حتى يدافع الإمام عنه، أو يبقى بيد حائزه؟ أقوال.
وإن استحلف -أي: طلب يمين غريمه- وله بينة حاضرة بالبلد لم يعلمها، أو قريبة كالجمعة يعلمها، وأراد إقامتها بعد ذلك لم تسمع عند ابن
[ ٧ / ٣٧٣ ]
القاسم؛ لأن استحلافه إسقاط لها، واحترز بقوله: يعلمها مما لم يعلمها، فله القيام لها.
وظاهره كابن الحاجب: أن مجرد استحلافه مسقط لها، وإن لم يحصل حلف.
وفي الشارح: إذا حلف ليس له إقامة بينة بعد ذلك، ولا تسمع.
وإن نكل مدعى عليه عن اليمين في مال وحقه كخيار وأجل استحق ما ادعاه به، أي: بسبب نكوله بيمين من المدعي مع النكول، لا بمجرد النكول، وهذا إن حقق المدعي معرفة ما ادعى به، فالتحقيق قيد في اليمين، وأما إن كان موجب اليمين التهمة فلا حاجة ليمين المدعي؛ لأن المشهور توجهها وعدم انقلابها، والنكول امتناع من وجبت عليه اليمين أو له يمين منها.
[ذكر أسباب الحكم:]
وليبين الحاكم للمدعى عليه حكمه، فيقول له: إن نكلت، حلف غريمك، واستحق ما ادعاه.
وظاهره: وجوب البيان، وظاهر قول ابن شاس وابن الحاجب (ينبغي): الاستحباب.
[مسألة:]
ولا يمكن مدعى عليه منها، أي: من العود لها، إن نكل عنها، ثم بدا له العود لها، رواه عيسى عن ابن القاسم؛ لأنه تعلق لخصمه حق بنكوله، فلا يمكن من إبطال ما تعلق به، بخلاف مدعى عليه التزمها، أي: اليمين، ثم رجع عنها، فله ذلك، وإن ردت بيمين مطلوب على مدع فسكت زمنًا غير ملتزم ولا نأكل، ثم أراد الحلف، فله الحلف، ولا مقال للمدعى عليه؛ إذ لا يعد سكوته نكولًا، وسواء طال أو لا.
[ ٧ / ٣٧٤ ]
[أنواع الحائزين:]
ولما كان الحائزون أنواعًا:
- أجانب غير شركاء.
- وأجانب شركاء.
- وأقارب.
والمحوز:
- إما عقار.
- أو عرض.
- أو حيوان.
والحوز:
- إما أن يطول زمانه.
- أو لا.
- وإما أن يقترن به فعل.
أم لا.
والمؤلف يتكلم على ذلك، وبدأ بالأول، فقال: وإن حاز أجنبي غير شريك.
[شروط الحوز:]
وأشار لصفة الحوز ضمن شروطه بقوله: وتصرف -أي: الأجنبي الحائز- وهذا هو الشرط الأول.
وأشار للثاني بقوله: ثم ادعى حاضر مع الحائز، وخرج بالحاضر الغائب غيبة بعيدة، كسبعة أيام، لا القريبة كالأربعة مع العذر.
وأشار لثالثها بقوله: ساكت فلو نازع الحاضر الحائز لم يسقط حقه.
[ ٧ / ٣٧٥ ]
وأشار للرابع بقوله: بلا مانع من خوف سلطان أو قرابة، ويدخل فيها ما إذا لم يعلم أنه ملكه مع تصرف الحائز، بأن قال: لا علم لي أنه ملكي، وما وجدت وثيقة إلا عند فلان، أو كان وارثًا وادعى أنه لم يعلم قبل قوله مع يمينه، قاله صاحب الوثائق المجموعة.
وللشرط الخامس بقوله: وكان سكوته عشر سنين لم تسمع دعواه، وهذا جواب الشرط، ومشى هنا على قول ابن رشد في باب الاستلحاق: المشهور أن الحيازة تكون بينهم في عشرة أعوام، وإن لم يكن هدم ولا بناء.
تنكيت:
قول الشارحين: (الحيازة بشروطها تنقل الملك) خلاف قول ابن رشد: إنها لا تنقله عن المحوز عنه للحائز اتفاقًا، لكنها تدل على الملك، كإرخاء الستور، ومعرفة العفاص، والوكاء، فيكون القول قول الحائز مع يمينه.
ولو أقام المدعي بينة على الحائز لا تسمع بينته إلا أن تشهد له بإسكان ونحوه للحائز، أو إعمار، أو مساقاة، أو مزارعة، فيحلف مع بينته، ويقضي له كشريك أجنبي حاز فيها، أي: في العشر سنين، إن هدم وبنى، وتثبت له الحيازة بذلك.
تنبيه:
جعل الشارح ومن تبعه هذا الشرط في مسألة الحائز الأجنبي غير الشريك أيضًا، وأقررناه على أن الهدم والبناء مخصوصان بهذه، وهو الذي يؤخذ من توضيحه.
تنبيه:
قال الشارح: أجمل المؤلف في التصرف ليشمل الإتلاف كبيع العبد وعتقه ووطء الأمة، إلا أن هذا لا يحتاج معه للطول المذكور، إذا علم المدعي، ولم ينكر، وسلمه البساطي.
[ ٧ / ٣٧٦ ]
قال: وحاولنا حين توهم هذا السؤال الجواب بأن جعلنا عشر سنين معمولًا لساكن، لا لحائز، ومع ذلك لا نخلص؛ لأن ما يحتاج إلى الحوز الطويل يخرج، والحق أن كلامه هنا إنما هو في النذور ونحوها.
[النوع الثالث:]
وأشار للنوع الثالث بقوله: وفي حيازة الشريك القريب معهما -أي: مع الهدم والبناء- قولان: لابن القاسم، فمرة قال: عشر سنين حيازة، ومرة قال: لا تكون حيازة، إلا أن يطول الأمر.
يريد: مثل الأربعين، وسواء كانوا أخوة أو غيرهم، وفهم من قوله بالهدم والبناء أنها لا تكون بينهم بالسكنى والإزدراع.
ابن رشد: إلا ما تأوله بعض الناس على المدونة، وهو بعيد.
لا بين أب وابنه، فلا تعتبر هذه الحيازة، إلا مما يحصل به التفويت ومثله بكهبة وبيع وصدقة وعتق وتدبير وكتابة ووطء وما أشبهه، مما لا يفعله الشخص إلا في ماله، فيعتبر اتفاقًا، قاله ابن رشد.
ولا تعتبر الحيازة بينهما بالهدم والبناء إذا فعله أحدهما وادعاه لنفسه قام على الآخر في حياته أو بعد وفاته على المشهور، إلا أن تطول معهما -أي: مع الهدم والبناء- ما -أي: زمان- تهلك البينات معه، وينقطع فيه العلم معه، فتعتبر الحيازة بينهما حينئذٍ.
ابن رشد: ولا خلاف بينهما بالسكنى والإزدراع.
البساطي: قوله: (إلا بكهبة) مستثنى من النفي، وكذا: (إلا أن يطول).
والفرق بين الإستثناءين: أن أحدهما معتبر في تلك الحيازة، فهو داخل فيها، وفرد من أفرادها على أي وجه كان، بالبناء أو الهدم أو غيرهما، قاله التيطي.
قال البساطي: ومدة الحيازة بالنسبة للأقارب سواء، لا فرق بين الرياع والأصول، والثياب والحيوان والعروض.
[ ٧ / ٣٧٧ ]
وإنما تفترق الدار من غيرها في حيازة الأجنبي (١)، ففي الدابة بالنسبة
_________________
(١) قال في المنح (٨/ ٥٧٩، وما بعدها): "السادس: طفى: قوله: (وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي) اختصر المصنف قول ابن رشد حيث تكلم على حيازة الأقارب الشركاء بالميراث، ولا فرق في مدة حيازة الوارث على الوارث بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض، وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي بالإعتمار والسكنى والازدراع في الأصول، والإستخدام والركوب واللبس في الرقيق والدواب والثياب، فقد قال أصبغ: إن السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت تلبس وتمتهن، وإن السنتين حيازة في الدواب إذا كانت تركب. وفي الإماء إذا كن يستخدمن، وفي العبد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ في شيء من ذلك بين الأجنبيين إلى عشرة أعوام كما في الأصول هذا كله معنى قول أصبغ دون نصه. اهـ. فلم يستند في التفريق الذي ذكره إلا لقول أصبغ، فاقتضى أن أصبغ سوى بين الرباع والأصول والثياب، وما معها في الشركاء بالميراث مع أن أصبغ فرق بينهما أيضًا، ففي ابن سلمون أصبغ ومطرف وأما حيازة الشريك الوارث عمن ورث معه في العروض والعبيد بالاختدام واللبس والامتهان منفردًا به على وجه الملك له فالقضاء فيه أن الحيازة في ذلك فوق العشرة الأعوام على قدر اجتهاد الحاكم عند نزول ذلك. اهـ. فعبارة ابن رشد مشكلة ولذا اعترض ابن مرزوق عبارة المصنف قائلًا مفهوم الحصر يقتضي مساواة الدار وغيرها بالنسبة للأقارب في مدة الحيازة ولا عمل على هذا المفهوم لمخالفته النص. ابن يونس وغيره عن مطرف وما حاز الشركاء والورثة من العبيد والإماء والدواب والحيوان وجميع العروض تختدم وتركب وتمتهن العروض فلا يقطع حق الباقين ما لم يطل، والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع وفوق حيازة الأجنبي على الأجنبي. اهـ. وما نقله ابن يونس عن مطرف يرجع لما نقله ابن سلمون عنه مع أصبغ، وقوله: والطول في ذلك دون الطول في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع مدة ذلك بالنسبة للسكنى والازدراع في كلام ابن عاصم وغيره تزيد على أربعين سنة، ونصه في تحفته: والأقربون حالهم مختلف بحسب اعتمادهم يختلف فإن يكن بمثل سكنى الدار والزرع للأرض والاعتمار فهو بما يجوز الأربعين وفي منتقى الأحكام إذا حاز الوارث على الوارث الأصول بالسكنى والازدراع ونحو ذلك فلا يكون حيازة حتى يزيد على الأربعين سنة خلافًا لقول ابن رشد لا حيازة بين الورثة الشركاء بالسكنى والازدراع وإن طال الزمان جدًّا، وهذا قول ابن القاسم في رسم الكبش من سماع يحيى، وقال ابن رشد في رسم يسلف: لا اختلاف أن الحيازة لا تكون بالسكنى والازدراع في حق =
[ ٧ / ٣٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأقارب الشركاء في الميراث إلا على ما تأوله بعض الناس على ما في (المدونة) وهو بعيد، وقال في رسم الأقضية المشهور: إن الوارثين لا حيازة بينهم بالسكنى والاعتمار. اهـ. فقد ظهر لك أن أصبغ كما فرق بين العقار وغيره في حيازة الأجنبي كذلك فرق بينهما في حيازة القريب. وأما ابن القاسم فسوى بين الأصول وغيرها بالنسبة للأجنبي ففيها ابن القاسم من حاز على حاضر عروضًا أو حيوانًا أو رقيقًا فذلك كالحيازة في الربع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن، والدواب تركب وتكرى، والأمة توطأ، ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع عشر سنين ولا غيرها. اهـ. وأما بالنسبة للأقارب الشركاء ففي رسم شهد من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق في رجل يحوز ماله ابنه في حياته في الحيوان الرأس والدابة حتى يموت أبوه وذلك الحيوان في يده، فيقول ورثته: هذا الرأس لأبينا والدابة له ولا بينة له على صدقته ولا على عطيته، فهل ينتفع بطول تقادمه في يده، والأصل معروف. ابن القاسم لا ينتفع بطول تقادمه في يده. ابن رشد هذا من قول ابن القاسم مثل ما تقدم من قول مالك في رسم يسلف من سماع ابن القاسم في أن الابن لا ينتفع بحيازة الأرض على أبيه بالازدراع والاعتمار، وفي رسم الكبش من سماع يحيى في امرأة هلك زوجها وترك منزلًا ورقيقًا فعاشت المرأة وولد الرجل من غيرها زمانًا وتزوجت بعده زوجًا وزوجين ثم هلكت فقام ولدها من زوجها الذي تزوجها بعد الأول يطلب مورثها من زوجها الأول في رباعه ورقيقه فقال ولد زوجها الأول قد عايشتنا أمكم زمانًا طويلًا وكانت عالمة بحقها، ووجه خصومتها منذ عشرين سنة فلم تطلب قبلنا شيئًا حتى ماتت، فقال: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان مورثها معروفًا لها وولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها لا يقطع حقها طول سكوتها في مورثها من زوجها الأول؛ لأن حال الورثة عندي في هذا مخالف لغيرهم إلا أن يكونوا اقتسموا بعلمها حتى صار كل واحد بنصيبه من الإرث، وبأن بحقه من أثمان ما باعوا وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض وهي ساكتة عالمة لا تدعي شيئًا، فهذا الذي يقطع حجتها ويبطل طلبها. قلت: فإن لم يقتسموا ببينة واقتطع كل وارث أرضًا يزرعها وتنسب إليه أو دارًا يسكنها أو رقيقًا يختدمه أو بقرًا أو غنمًا يحتلبها أو دواب يستغلها فكل وارث قبض مما نصصت لك شيئًا قد بان بمنفعته دون إشراكه فإليه ينسب وله يعرف، ولو كلفوا البينة على الإقتسام لم يجدوها لطول الزمان، وليس في يد المرأة من ذلك شيء، وعسى أن يكون في يدها شيء يسير، أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من الموروث؟ =
[ ٧ / ٣٧٩ ]
لركوب الأجنبي السنتان، وفي أمة الخدمة السنتان، ويزاد على ذلك في عبد وعرض، نحوه لأصبغ.
وزاد: وما أحدث الأجنبي في غير الأصول من بيع أو عتق أو كتابة أو تدبير أو صدقة أو وطء في الأمة بعلم مدعيه أو بغير علمه، ولم ينكر حين علمه استحقه الحائز بذلك (١).
* * *
_________________
(١) = قال: أرى هذا يمنعها من أخذ حقها. ابن رشد قوله في هذه المسألة: لا أرى أن يقطع حقها سكوتها مثل ما تقدم من قوله قبل هذا إنه لا حيازة بين الأقارب، وقوله أو دواب يستغلها هل هو بمنزلة الانتفاع بالسكنى والاستخدام لا تقع الحيازة به بين الورثة أو تقع به الحيازة بينهم، وأظن أنه وقع في بعض الكتب أو دواب يستعملها وهو طرد على ما ذكره. اهـ. فقد ظهر لك أن ابن القاسم سوى بين الأصول وغيرها في الأجانب والأقارب، ولم أر التفصيل الذي ذكره ابن رشد من أن التفريق في الأجنبي فقط إلا أنه رجل حافظ، ولعله تفقه له فتأمل ذلك. وقد جرى الحط على طريق ابن رشد مقتصرًا عليه. وأما عج فقال: اعتراض ابن مرزوق صحيح، بل ربما يتعين المصير له لموافقته لما في النوادر وهو مقدم على ما يدل عليه كلام ابن رشد. اهـ. كلام طفى وقد اختصره البناني وأقره. أقول في قوله: وأما ابن القاسم فقد سوى بين الأصول وغيرها نظر، فإن نص (المدونة) لا يقيد ذلك، إذ الظاهر أن التشبيه فيه في التفويت وعدم سماع الدعوى والبينة وإن اختلفت مدة الحيازة، بدليل ذكره وطء الأمة الذي لا يشترط فيه طول المدة، وبدليل تخصيص الرباع في قوله ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع. . . إلخ، وبدليل تقديم التشبيه على بيان المدة، واللَّه أعلم".
(٢) قال في المنح (٨/ ٥٧٨، وما بعدها): "ابن رشد: إن الأقارب الشركاء بميراث أو غيره لا خلاف أن الحيازة بينهم لا تكون بالسكنى والازدراع ولا خلاف أنها تكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والتدبير والوطء وإن لم تطل المدة واستخدام الرقيق وركوب الدواب كالسكنى والازدراع والاستغلال كالهدم والبناء والغرس ثم قال: ولا فرق في مدة حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي بالاعتمار والسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللبس في الرقيق والدواب والثياب فقد قال أصبغ: إن =
[ ٧ / ٣٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت، تلبس وتمتهن وأن السنتين والثلاث حيازة في الدواب إذا كانت تركب وفي الإماء إذا كن يستخدمن وفي العبيد والعروض فوق ذلك ولا يبلغ شيء من ذلك كله بين الأجنبيين إلى العشرة الأعوام كما يصنع في الأصول. اهـ. تنبيهات: الأول: علم من كلام ابن رشد أن لبس الثياب كسكنى الدار وأنه لا تحصل به حيازة بين الأقارب ولو طالت مدته وأن استغلال الرقيق والدواب والثياب كالهدم والبناء فتحصل الحيازة به بين الأقارب. واختلف في مدتها على قولي ابن القاسم المتقدمين في المتن وبالأمور المفوتة كالبيع وعلم هذا من كلام المصنف لأنه جعلها مفوتًا بين الأب وابنه فغيرهما بالأولى. الثاني: مفهوم قوله في الأجنبي إن القريب لا تفترق الدار من غيرها في حقه كان شريكًا أو غير شريك. الثالث: تقدم في كلام ابن رشد أن الثياب يكفي في حيازتها السنة وسكت المصنف عنها بل ظاهر كلامه دخولها في العروض. الرابع: التفصيل المتقدم عن ابن رشد لا يؤخذ من المتن ولا من التوضيح وهو أتم فائدة، واللَّه أعلم. الخامس: في المدة التي يسقط الدين بها ولد. ابن فرحون في مسائله الملقوطة الساكت طلب دينه ثلاثين سنة لا قول له ويصدق الغريم في دعوى دفعه ولا يكلف بينة لإمكان موتهم أو نسيانهم للشهادة. اهـ. ومن منتخب ابن أبي زمنين وفي كتاب محمد بن يونس في مدعي دين سلف بعد عشرين سنة أن المدعى عليه مصدق في القضاء إذ الغالب أن لا يؤخر السلف مثل هذه المدة كالبيوعات. اهـ. وقال ابن فرحون: وفي مختصر الواضحة عبد الملك قال لي مطرف وأصبغ: إذا ادعى رجل على رجل حقًّا قديمًا وقام عليه بذكر حقه بعد عشرين سنة ونحوها أخذه به وعلى الآخر البراءة منه. وفي مفيد الحكام: إن ذكر الحق المشهود فيه لا يبطل إلا بطول الزمان كثلاثين سنة وكذلك الديون وإن كانت معروفة في الأصل إذا طال زمانها هكذا ومن هي له وعليه حضور فلا يقوم عليه بدينه إلا بعد هذا من الزمان، فيقول: قد قضيتك وباد شهودي به فلا شيء على المدين غير اليمين وكذلك الوصي يقوم عليه اليتيم بعد طول الزمان وينكر قبضه فإن كانت مدة يهلك في مثلها شهود الوصي فلا شيء عليه وإلا فعليه البينة بالدفع، ثم قال الحط: أحفظ لابن رشد أنه إذا تقرر الدين وثبت لا يبطل وإن =
[ ٧ / ٣٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = طال الزمان لعموم قوله -ﷺ-: "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم" واختاره التونسي إذا كان بوثيقة في يد الطالب لأن بقاءها بيده دليل على أنه لم يقضه دينه إذ العادة أنه إذا قضى الدين أخذ عقده أو مزقه فإن كان الدين بغير وثيقة ففيه قولان. ابن رشد وليس من وجه الحيازة التي ينتفع بها الحائز ويفرق فيها بين الأقارب والأجنبيين والأصهار وغيرهم لأن شرطها جهل أصل وضع اليد وهو هنا معلوم، واللَّه أعلم. السادس: طفى: قوله: وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي اختصر المصنف قول ابن رشد حيث تكلم على حيازة الأقارب الشركاء بالميراث ولا فرق في مدة حيازة الوارث على الوارث بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي بالاعتمار والسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللبس في الرقيق والدواب والثياب، فقد قال أصبغ: إن السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت تلبس وتمتهن وإن السنتين حيازة في الدواب إذا كانت تركب، وفي الإماء إذا كن يستخدمن وفي العبد والعروض فوق ذلك ولا يبلغ في شيء من ذلك بين الأجنبيين إلى عشرة أعوام كما في الأصول هذا كله معنى قول أصبغ دون نصه. اهـ. فلم يستند في التفريق الذي ذكره إلا لقول أصبغ فاقتضى أن أصبغ سوَّى بين الرباع والأصول والثياب وما معها في الشركاء بالميراث مع أن أصبغ فرق بينهما أيضًا ففي ابن سلمون أصبغ ومطرف وأما حيازة الشريك الوارث عمن ورث معه في العروض والعبيد بالإختدام واللبس والإمتهان منفردًا به على وجه الملك له فالقضاء فيه أن الحيازة في ذلك فوق العشرة الأعوام على قدر اجتهاد الحاكم عند نزول ذلك. اهـ. فعبارة ابن رشد مشكلة ولذا اعترض ابن مرزوق عبارة المصنف قائلًا: مفهوم الحصر يقتضي مساواة الدار وغيرها بالنسبة للأقارب في مدة الحيازة ولا عمل على هذا المفهوم لمخالفته النص. ابن يونس وغيره عن مطرف وما حاز الشركاء والورثة من العبيد والإماء والدواب والحيوان وجميع العروض تختدم وتركب وتمتهن العروض فلا يقطع حق الباقين ما لم يطل والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع وفوق حيازة الأجنبي على الأجنبي. اهـ. وما نقله ابن يونس عن مطرف يرجع لما نقله ابن سلمون عنه مع أصبغ وقوله: والطول في ذلك دون الطول في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع مدة ذلك بالنسبة للسكنى والازدراع في كلام ابن عاصم وغيره تزيد على أربعين سنة، ونصه في تحفته: والأقربون حالهم مختلف بحسب اعتمادهم يختلف فإن يكن بمثل سكنى الدار =
[ ٧ / ٣٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والزرع للأرض والاعتمار فهو بما يجوز الأربعين، وفي منتقى الأحكام إذا حاز الوارث على الوارث الأصول بالسكنى والازدراع ونحو ذلك فلا يكون حيازة حتى يزيد على الأربعين سنة خلافًا لقول ابن رشد لا حيازة بين الورثة الشركاء بالسكنى والازدراع وإن طال الزمان جدًّا وهذا قول ابن القاسم في رسم الكبش من سماع يحيى، وقال ابن رشد في رسم يسلف: لا اختلاف أن الحيازة لا تكون بالسكنى والازدراع في حق الأقارب الشركاء في الميراث إلا على ما تأوله بعض الناس على ما في (المدونة) وهو بعيد وقال في رسم الأقضية المشهور: إن الوارثين لا حيازة بينهم بالسكنى والاعتمار. اهـ. فقد ظهر لك أن أصبغ كما فرَّق بين العقار وغيره في حيازة الأجنبي كذلك فرق بينهما في حيازة القريب. وأما ابن القاسم فسوَّى بين الأصول وغيرها بالنسبة للأجنبي ففيها ابن القاسم من حاز على حاضر عروضًا أو حيوانًا أو رقيقًا فذلك كالحيازة في الربع إذا كانت الثياب تلبس وتمتهن والدواب تركب وتكرى والأمة توطأ ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع عشر سنين ولا غيرها. اهـ. وأما بالنسبة للأقارب الشركاء ففي رسم شهد من سماع عيسى من كتاب الاستحقاق في رجل يحوز ماله ابنه في حياته في الحيوان الرأس والدابة حتى يموت أبوه وذلك الحيوان في يده فيقول ورثته: هذا الرأس لأبينا والدابة له ولا بينة له على صدقته ولا على عطيته فهل ينتفع بطول تقادمه في يده والأصل معروف؟ ابن القاسم: لا ينتفع بطول تقادمه في يده. ابن رشد: هذا من قول ابن القاسم مثل ما تقدم من قول مالك في رسم يسلف من سماع ابن القاسم في أن الابن لا ينتفع بحيازة الأرض على أبيه بالازدراع والاعتمار وفي رسم الكبش من سماع يحيى في امرأة هلك زوجها وترك منزلًا ورقيقًا فعاشت المرأة وولد الرجل من غيرها زمانًا وتزوجت بعده زوجًا وزوجين ثم هلكت فقام ولدها من زوجها الذي تزوجها بعد الأول يطلب مورثها من زوجها الأول في رباعه ورقيقه فقال ولد زوجها الأول: قد عايشتنا أمكم زمانًا طويلًا وكانت عالمة بحقها ووجه خصومتها منذ عشرين سنة فلم تطلب قبلنا شيئًا حتى ماتت فقال: لا أرى أن يقطع سكوتها بما ذكرت من الزمان مورثها معروفًا لها وولدها في القيام بطلبه على مثل حجتها لا يقطع حقها طول سكوتها في مورثها من زوجها الأول: لأن حال الورثة عندي في هذا مخالف لغيرهم إلا أن يكونوا اقتسموا بعلمها حتى صار كل واحد بنصيبه من الإرث وبأن بحقه من أثمان ما باعوا وبحقه مما اقتسموا من الرقيق والعروض وهي ساكتة عالمة لا تدعي شيئًا فهذا الذي يقطع حجتها ويبطل طلبها. =
[ ٧ / ٣٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت: فإن لم يقتسموا ببينة واقتطع كل وارث أرضًا يزرعها وتنسب إليه أو دارًا يسكنها أو رقيقًا يختدمه أو بقرًا أو غنمًا يحتلبها أو دواب يستغلها فكل وارث قبض مما نصصت لك شيئًا قد بان بمنفعته دون إشراكه فإليه ينسب وله يعرف ولو كلفوا البينة على الإقتسام لم يجدوها لطول الزمان وليس في يد المرأة من ذلك شيء وعسى أن يكون في يدها شيء يسير أترى هذا إذا طال الزمان يقطع حقها من الموروث؟ قال: أرى هذا يمنعها من أخذ حقها. ابن رشد قوله في هذه المسألة: لا أرى أن يقطع حقها سكوتها مثل ما تقدم من قوله قبل هذا إنه لا حيازة بين الأقارب وقوله أو دواب يستغلها هل هو بمنزلة الإنتفاع بالسكنى والاستخدام لا تقع الحيازة به بين الورثة أو تقع به الحيازة بينهم وأظن أنه وقع في بعض الكتب أو دواب يستعملها وهو طرد على ما ذكره. اهـ. فقد ظهر لك أن ابن القاسم سوَّى بين الأصول وغيرها في الأجانب والأقارب ولم أر التفصيل الذي ذكره ابن رشد من أن التفريق في الأجنبي فقط إلا أنه رجل حافظ ولعله تفقه له؛ فتأمل ذلك. وقد جرى الحط على طريق ابن رشد مقتصرًا عليه. وأما عج فقال: اعتراض ابن مرزوق صحيح بل ربما يتعين المصير له لموافقته لما في النوادر وهو مقدم على ما يدل عليه كلام ابن رشد. اهـ كلام طفى. وقد اختصره البناني وأقره. أقول: في قوله: وأما ابن القاسم فقد سوَّى بين الأصول وغيرها نظر فإن نص (المدونة) لا يقيد ذلك إذ الظاهر أن التشبيه فيه في التفويت وعدم سماع الدعوى والبينة وإن اختلفت مدة الحيازة بدليل ذكره وطء الأمة الذي لا يشترط فيه طول المدة وبدليل تخصيص الرباع في قوله ولم يحد لي مالك في الحيازة في الرباع. . . إلخ، وبدليل تقديم التشبيه على بيان المدة، واللَّه أعلم".
[ ٧ / ٣٨٤ ]