للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثامن
دار ابن حزم
[ ٨ / ١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٨ / ٢ ]
للشيخ العلامة والإمام الفهامة أبي عبد اللَّه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي المالكي
(٠٠٠ - ٩٤٢ هـ = ٠٠٠ - ١٥٣٥ م)
حققه وخرج أحاديثه الدكتور أبو الحسن، نوري حسن حامد المسلاتي
الجزء الثامن
دار ابن حزم
[ ٨ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
٤ - ٤٤٦ - ٤١٦ - ٦١٤ - ٩٧٨ ISBN
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
دار ابن حزم
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
البريد الألكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
الموقع الإلكتروني: www.daribnhazm.com
[ ٨ / ٤ ]
باب
ذكر فيه أحكام الدماء والحدود، ولما كانت أركان الجناية ثلاثة:
- الجاني.
- والمجني عليه.
- والجناية.
ولكل منهما شروط ذكر جميعها.
[الركن الأول الجاني:]
وبدأ بالركن الأول، فقال: إن أتلف -أي: جنى- مكلف على نفس أو طرف، ويشمل الجرح؛ لأن الطرف الناحية من النواحي، فالجرح إن كان في الظهر أو الوجه أو غيره من الجهات فهو طرف للجسم من تلك الجهة، وشمل المكلف السكران، وخرج به الصبي والمجنون؛ لخبر: "رفع القلم عن ثلاث. . " الحديث (١).
إن لم يرق الجاني، بأن كان حرًا، بل وإن رق، فيقتل العبد بالحر إن شاء وليه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٥٤، رقم ١٣٢٧)، وأبو داود (٤/ ١٤٠، رقم ٤٤٠٢)، والحاكم (٤/ ٤٣٠، رقم ٨١٦٩).
[ ٨ / ٥ ]
[صفة الجاني:]
ثم وصف الجاني بقوله:
- غير حربي، فلا يقتص منه، ولو أسلم بعد الجناية، سواء كان ممن تقبل منه الجزية كالنصراني واليهودي، أو لا كالمجوسي (١).
_________________
(١) هذا الإطلاق فيه نظر؛ إذ الجزية تقبل من المجوس غير العرب على قول ابن وهب، وعلى قول ابن القاسم تؤخذ من كل مجوسي عربيًا كان أو أعجميًا، فما ذكره ليس معروفًا في المذهب، قال القرطبي في جامعه (٨/ ١١٠، وما بعدها): "الثانية: وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية، قال الشافعي ﵀: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة عربًا كانوا أو عجمًا لهذه الآية، فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم لقوله ﷿: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ولم يقل: حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب. وقال: وتقبل من المجوس بالسنة، وبه قال أحمد وأبو ثور. وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه. وقال الأوزاعي: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب. وكذلك مذهب مالك، فإنه رأى الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد، عربيًا أو عجميًا، تغلبيًا أو قرشيًا، كائنًا من كان، إلا المرتد. وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون: تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأمم كلها. وأما عبدة الأوثان من العرب فلم يستن اللَّه فيهم جزية، ولا يبقى على الأرض منهم أحد، وإنما لهم القتال أو الإسلام. ويوجد لابن القاسم: أن الجزية تؤخذ منهم، كما يقول مالك. وذلك في التفريع لابن الجلاب وهو احتمال لا نص. وقال ابن وهب: لا تقبل الجزية من مجوس العرب وتقبل من غيرهم. قال: لأنه ليس في العرب مجوسي إلا وجميعهم أسلم، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد يقتل بكل حال إن لم يسلم ولا تقبل منهم جزية. وقال ابن الجهم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريش. وذكر في تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول اللَّه -ﷺ-. وقال غيره: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة. واللَّه أعلم. الثالثة: وأما المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا أن الجزية تؤخذ منهم. وفي الموطأ: مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر أمر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم. فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". قال أبو عمر: يعني في الجزية خاصة. وفي قول رسول اللَّه -ﷺ-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" دليل على أنهم ليسوا =
[ ٨ / ٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أهل كتاب. وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقد روي عن الشافعي أنهم كانوا أهل كتاب فبدلوا. وأظنه ذهب في ذلك إلى شيء روي عن علي بن أبي طالب -﵁- من وجه فيه ضعف، يدور على أبي سعيد البقال، ذكره عبد الرزاق وغيره. قال ابن عطية: وروي أنه قد كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت. واللَّه أعلم". وادعى ابن عبد البر الإجماع على أخذها منهم، فقال في الاستذكار (٣/ ٢٤١، وما بعدها): "٥٧٢ - ذكر فيه مالك أنه بلغه أن رسول اللَّه -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس البحرين. وأن عمر أخذها من مجوس فارس. وأن عثمان أخذها من البربر. هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته وكذلك معمر عن ابن شهاب ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد ورواه بن وهب عن يونس عنه بن شهاب عن سعيد بن المسيب وقد ذكرناها بأسانيدها في التمهيد.
(٢) وذكر مالك عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". وهذا الحديث قد رواه أبو علي الحنفي عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده وهو أيضًا منقطع والصحيح عن مالك ما في الموطأ. وفي حديث جعفر من الفقه أن الخبر العالم قد يجهل ما يجد عند من هو دونه في العلم. وفيه انقياد العالم إلى العلم حيث كان. وفيه إيجاب العمل بخبر الواحد. وأما قوله سنوا فيهم سنة أهل الكتاب فهو من الكلام الخارج مخرج العموم والمراد منه الخصوص لأنه إنما أراد سنوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية لا في نكاح نسائهم ولا في أكل ذبائحهم. وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء يروى عن سعيد بن المسيب أنه لم ير بذبح المجوس لشاة المسلم إذا أمره المسلم بذبحا بأسًا والناس على خلافه. والمعنى عند طائفة من الفقهاء في ذلك أن أخذ الجزية صغار لهم وذلة لكفرهم وقد ساووا أهل الكتاب في الكفر بل هم أشد كفرًا فوجب أن يجروا مجراهم في الذل والصغار لأن الجزية لم تؤخذ من الكتابيين رفقًا بهم وإنما منهم تقوية للمسلمين وذلًا للكافرين. وليس نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم من هذا الباب لأن ذلك مكرمة بالكتابيين لموضع =
[ ٨ / ٧ ]
تنكيت:
قول الشارح عن ابن شاس: (شرط القاتل أن يكون ملتزمًا للإسلام؛ فلا قصاص على حربي) فيه نظر؛ لأن الذي في عبارة ابن شاس: (ملتزمًا للأحكام؛ فلا قصاص على صبي ومجنون وحربي) انتهى.
فما حكاه عنه الشارح من كونه ملتزمًا للإسلام ليس كذلك، ثم هو
_________________
(١) = كتابهم واتباعهم الرسل -﵈- فلم يجز أن يحلق بهم من لا كتاب له في هذه المكرمة. هذه جملة اعتل بها أصحاب مالك وغيرهم ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الجزية تؤخذ من المجوس لأن رسول اللَّه -ﷺ- أخذ الجزية من مجوس أهل البحرين ومن مجوس هجر وفعله بعد رسول اللَّه -ﷺ- أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-. واختلف الفقهاء في مشركي العرب ومن لا كتاب له هل تؤخذ منهم الجزية أم لا؟ فقال مالك تقبل الجزية من جميع الكفار عربًا كانوا أو عجمًا لقوله اللَّه -﷿-: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال وتقبل من المجوس بالسنة. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأبي ثور، وأحمد، وداود، وإليه ذهب عبد اللَّه بن وهب. وقال الأوزاعي ومالك وسعد بن عبد العزيز: إن الفرازنة ومن لا دين له من أجناس الرتك والهند وعبدة النيران والأوثان وكل جاحد ومكذب بدين اللَّه ﷿ يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية فإن بذلوا الجزية قبلت منهم وكانوا كالمجوس في تحريم مناكحهم وذبائحهم وسائر أمورهم. قال أبو عبيد: كل عجمي تقبل منه الجزية، إن بذلها، ولا تقبل من العرب، إلا من كتابهم. وحجة من رأى الجزية القياس على المجوس؛ لأنهم في معناهم في أن لا كتاب لهم وقد تقدمت حجة الشافعي ومن قال بقوله. وفي قول رسول اللَّه -ﷺ-: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" دليل على أنهم ليسوا أهل كتاب، وعلى ذلك جمهور العلماء". فالعجب من التتائي كيف قال ذلك، وما مصدره فيه، ولعله لما رأى أن المذهب لا تأكل ذبائحهم، توهم أن الجزية لا تؤخذ منهم، فلو أخذت منهم، لكانوا مثل أهل الكتاب، ولو كانوا مثلهم لحلت ذبائحهم، وعلى كل فهذا احتمال، وكان ينبغي عليه البحث عن النص.
[ ٨ / ٨ ]
مشكل على ما تقرر في المذهب من أن القصاص ثابت بين أهل الذمة.
- وشرط الجاني أن لا يكون زائد حرية.
- أو لا زائد إسلام على المجني عليه؛ فلا يقتص لعبد من حر مع مساواتهما في الدين، ولا لكافر من مسلم، ولو تميز الكافر بالحرية، بل يشترط المساواة حين القتل (١)، فيقتص من عبد قتل مثله، ثم عتق القاتل، ومن ذمي قتل مثله، ثم أسلم بعد القتل؛ لمساواتهما حينئذ (٢).
_________________
(١) قال في منح الجليل (٩/ ٦): "طفى: قوله: (حين القتل) الصواب إسقاطه كما فعل ابن الحاجب لاقتضائه أنه لا تشترط المساواة إلا حين القتل وليس كذلك، بل من حين الرمي إلى حصول القتل، إذ المعتبر فيه المساواة في الحالين أو يقول إلى حين القتل بالغاية كما فعل فيما بعد، وقول عج لو رماه فجرحه ثم أسلم بعد جرحه ثم نزى الجرح فمات فإنه يقتل به لأنه مكافئ له حين الموت وحين السبب الذي نشأ عنه الموت وهو الجرح وإن كان غير مكافئ عند الرمي لأنه لا تعتبر المساواة عنده لما علمت أن المعتبر هو السبب القريب للموت غير ظاهر. ابن عرفة الشيخ ابن سحنون ابن القاسم إن أسلم نصراني بعد أن خرج فمات ففيه دية حر مسلم في مال الجاني حالة أشهب إنما عليه دية نصراني إنما النظر لوقت الضرب لا الموت. وفي الجواهر ابن سحنون أصحابنا في مسلم قطع يد نصراني ثم أسلم ثم مات أنه لا قود على المسلم، فإن شاء أولياؤه أخذوا دية يد نصراني، وإن أحبوا أقسموا ولهم دية مسلم في مال الجاني حالة عند ابن القاسم وسحنون. وقال أشهب دية نصراني، وقوله لأنه لا تعتبر المساواة عنده إلخ، فيه نظر، وكاد أن يخرج به عن كلام أهل المذهب اهـ كلام طفي".
(٢) قال القرطبي في تفسير ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ (٢/ ٢٤٤، وما بعدها): "فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال اللَّه لهذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ =
[ ٨ / ٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قتل بعد قبول الدية". هذا لفظ البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت مجاهدًا قال سمعت ابن عباس يقول: وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ قال: أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا، نقبل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان، ونحوه عن قتادة. الثانية: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ "كتب" معناه فرض وأثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول وقد قيل: إن "كتب" هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء. والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار. وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقًا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، ومنه ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. وقيل: القص القطع، يقال: قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص؛ لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به، يقال: أقص الحاكم فلانًا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه، أي اقتص منه. الثالثة: صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر اللَّه والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله ﵇: "إن من أعتى الناس على اللَّه يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول الجاهلية". قال الشعبي وقتادة وغيرهما: إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين قالوا: لا نقتل به إلا حرًا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا، وإذا قتل لهم وضيع قالوا: لا نقتل به إلا شريفًا، ويقولون: "القتل أوقى للقتل" بالواو والقاف، ويروي "أبقى" بالباء والقاف، ويروى "أنفى" بالنون والفاء، فنهاهم اللَّه عن البغي فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية، وقال ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]. وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم. الرابعة: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك؛ لأن اللَّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعًا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وليس القصاص بلازم إنما اللازم =
[ ٨ / ١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح، على ما يأتي بيانه. فإن قيل: فإن قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ معناه فرض وألزم، فكيف يكون القصاص غير واجب؟ قيل له: معناه إذا أردتم، فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة، وهو مما يدخل على الناس كرهًا، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى، وشبههن. الخامسة: قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ الآية. اختلف في تأويلها، فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرًا، والعبد إذا قتل عبدًا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وبينه النبي -ﷺ- بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس. وروي عن ابن عباس أيضًا أنها منسوخة بآية "المائدة" وهو قول أهل العراق. السادسة: قال الكوفيون والثوري: يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ فعم، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، قالوا: والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به، وهو قول داود، وروي ذلك عن علي وابن مسعود -﵄-، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة. والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد، للتنويع والتقسيم في الآية. وقال أبو ثور: لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. وأيضًا فالإجماع فيمن قتل عبدًا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد. وأيضًا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، ويتصرف فيه الحر كيف شاء، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة. قلت: هذا الإجماع صحيح، وأما قوله أولًا: "ولما اتفق جميعهم -إلى قوله- فقد ناقض" فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي =
[ ٨ / ١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = جميع الأعضاء، واستدل داود بقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فلم يفرق بين حر وعبد. وسيأتي بيانه في "النساء" إن شاء اللَّه تعالى. السابعة: والجمهور أيضًا على أنه لا يقتل مسلم بكافر، لقوله -ﷺ-: "لا يقتل مسلم بكافر" أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب. ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي -ﷺ- قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر؛ لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- مرفوعًا. قال الدارقطني: "لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي -ﷺ-، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله". قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وعموم قوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. الثامنة: روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدًا أو عبد حرًا، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرًا، وقالا: إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت امرأة رجلًا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها. روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح؛ لأن الشعبي لم يلق عليًا. وقد روى الحكم عن علي وعبد اللَّه قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمدًا فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي. وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلًا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور، وقتل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس، ويكافئ الطفل فيها الكبير. ويقال لقائل ذلك: إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي -ﷺ-: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص، فليس قولك هذا بأصل ولا قياس، قاله أبو عمر ﵁. وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن، علي والحسن، وقد أنكر ذلك عنهم أيضًا. التاسعة: وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون =
[ ٨ / ١٢ ]
ثم استثنى من قوله: (غير زائد حرية أو إسلام)، فقال: إلا لغيلة: بكسر الغين المعجمة والمثناة التحتية، وهي القتل لأخذ المال، فلا يشترط
_________________
(١) = الرجوع بشيء. وفرقة ترى الإتباع بفضل الديات. قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور: وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى، على ما تقدم. العاشرة: قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من قتل عبده قتلناه" وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] والولي ههنا السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه". وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا قتل عبده متعمدا فجلده النبي -ﷺ- "ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به". فإن قيل: فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا: ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج، إذ النكاح ضرب من الرق، وقد قال ذلك الليث بن سعد. قلنا: النكاح ينعقد لها عليه، كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعًا سواها، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل اللَّه له عليها بما أنفق من ماله، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة، فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين. قلت: هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح، أخرجه النسائي وأبو داود، وتتميم متنه: "ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه". وقال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاري: وأنا أذهب إليه، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان، وحسبك بهما. ويقتل الحر بعبد نفسه، قاله النخعي والثوري في أحد قوليه. وقد قيل: إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، واللَّه أعلم. واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس، هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد اللَّه والزهري وقران ومالك والشافعي وأبو ثور. وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة: لا قصاص بينهم إلا في النفس. قال ابن المنذر: الأول أصح.
[ ٨ / ١٣ ]
فيها المساواة، بل يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، فالاستثناء منقطع؛ فإنه في الحقيقة لم يقتل به، بل للفساد؛ لأنه في معنى الحرابة؛ ولذا قال مالك: لا عفو فيه.
وكذا لو قطع يده أو رجله حكم عليه بحكم المحارب، ولو صالح وليه على الدية لكان صلحه مردودًا، والحكم فيه للإمام.
[الركن الثاني: المجني عليه:]
وأشار للركن الثاني وهو المجني عليه بقوله: معصومًا هو معمول (أتلف)؛ فلا قصاص على قاتل مرتد، ويشترط دوام العصمة للتلف والإصابة كما لو رمى حر مسلم مثله بسهم، فارتد قبل وصول السهم إليه، فحين الإصابة لم تستمر العصمة إليه.
[ما تكون به العصمة:]
والعصمة تكون:
[١] بإيمان باللَّه ورسوله ملتزمًا دعائم الإسلام؛ لخبر: "أمرت أن أقاتل الناس. . " الحديث (١).
_________________
(١) حديث متواتر، رواه من حديث أبي هريرة: أحمد (٢/ ٥٠٢، رقم ١٠٥٢٥)، والبخاري (٢/ ٥٠٧، رقم ١٣٣٥)، ومسلم (١/ ٥٢، رقم ٢١)، وأبو داود (٣/ ٤٤، رقم ٢٦٤٠)، والترمذي (٥/ ٣، رقم ٢٦٠٦) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٧/ ٧٧، رقم ٣٩٧١)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥، رقم ٣٩٢٧). ومن حديث أنس: تمام (١/ ٢٢٥، رقم ٥٣٩). ومن حديث عمرو بن أوس: أحمد (٤/ ٨، رقم ١٦٢٠٨)، والنسائي (٧/ ٨١، رقم ٣٩٨٣)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥، رقم ٣٩٢٩)، والطحاوي (٣/ ٢١٣)، وابن قانع (١/ ٢٩). والدارمي (٢/ ٢٨٧، رقم ٢٤٤٦). ومن حديث جرير: الطبراني (٢/ ٣٠٧، رقم ٢٢٧٦). قال الهيثمي (١/ ٢٤): في إسناده إبراهيم بن عيينة، وقد ضعفه الأكثرون، وقال ابن معين: كان مسلما. ومن حديث أبي بكر: أخرجه النسائي (٧/ ٧٧، رقم ٣٩٧٠)، والبزار (١/ ٩٨، رقم ٣٨)، والدارقطني في الأفراد كما في أطراف ابن طاهر (١/ ٦٣، رقم ١٢). قال الهيثمي (١/ ٢٥): رواه البزار، وقال: وهذا الحديث لا أعلمه يروى عن أنس عن أبي بكر إلا =
[ ٨ / ١٤ ]
[٢] أو أمان من السلطان أو غيره (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ
_________________
(١) = من هذا الوجه وأحسب أن عمران أخطأ في إسناده. ومن حديث النعمان بن بشير: النسائي (٧/ ٧٩، رقم ٣٩٧٩)، والبزار (٨/ ١٩٢، رقم ٣٢٢٧). قال الهيثمي (١/ ٢٦): رجاله رجال الصحيح. ومن حديث سهل بن سعد: الطبراني (٦/ ١٣٢، رقم ٥٧٤٦). قال الهيثمي (١/ ٢٥): في إسناده مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، والأكثر على تضعيفه. ومن حديث ابن عباس: الطبراني (١١/ ٢٠٠، رقم ١١٤٨٧). قال الهيثمي (١/ ٢٥): رجاله موثقون إلا أن فيه إسحاق بن يزيد الخطابي، ولم أعرفه. ومن حديث جابر: أحمد (٣/ ٣٣٢، رقم ١٤٦٠٠)، ومسلم (١/ ٥٢، رقم ٢١)، والترمذي (٥/ ٤٣٩، رقم ٣٣٤١) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٧/ ٧٩، رقم ٣٩٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٩٥، رقم ٣٩٢٨). ومن حديث عمر: أحمد (١/ ٣٥ رقم ٢٣٩)، والبخاري (٢/ ٥٠٧ رقم ١٣٣٥)، ومسلم (١/ ٥١، رقم ٢٠)، والترمذي (٥/ ٣، رقم ٢٦٠٧) وقال: حسن. والنسائي (٦/ ٦، رقم ٣٠٩٣). ومن حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه: الطبراني (٨/ ٣١٨ رقم ٨١٩١). قال الهيثمي (١/ ٢٥): رجاله موثقون. ومن حديث أبي بكرة: الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (١/ ٢٥). وأخرجه أيضًا: في الأوسط (٤/ ٦٦، رقم ٣٦٢٥). قال الهيثمي (١/ ٢٥): فيه عبد اللَّه بن عيسى الخزاز، وهو ضعيف لا يحتج به. ومن حديث سمرة: الطبراني في الأوسط (٦/ ٢٩٩، رقم ٦٤٦٥). قال الهيثمي (١/ ٢٥): فيه مبارك بن فضالة، واختلف في الاحتجاج به. وعصمة دم من أظهر الإيمان لا يقدحها شيء، حتى وإن كان الموقف يدل على أن إظهار الإيمان قد كان للتعوذ.
(٢) أمان السلطان اليوم يكون بما يعرف بالتأشيرة، فكل من دخل إحدى بلدان المسلمين بها فهو آمن، يحرم دمه وماله وعرضه، ولا يبيحه إلا من فيه شائبة الخوارج، يقول الشيخ عطية سالم في شرحه بلوغ المرام: "وأعتقد أننا في هذه الآونة ليس عندنا حربي ومعاهد، والعرف العام عند جميع الدول: من دخل دولة بتصريح من ولي أمرها فهو معاهد. والمسلم الآن يذهب إلى بلاد غير المسلمين، ولا يمكن أن يدخل في مطار أو ميناء إلا بتأشيرة من سفارة تلك البلدة أنه مأذون له في الدخول، وبالإذن له بالدخول لزم أمران: الأول: لزم عليه أن يلتزم بنظم تلك الدولة؛ لأنه دخل إليها ملتزمًا بنظمها، ولهذا مدة وجوده فيها تسري عليه أحكام قوانينها. =
[ ٨ / ١٥ ]
الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.
[٣] أو بالتزامه الجزية، وسكت عنه هنا؛ لأنه إذا ثبت العصمة بالأمان فبالجزية أولى، كالقاتل؛ فإنه معصوم من غير المستحق لدمه، وأما بالنسبة للمستحق له فلا، ولكن إن قتله المستحق أدب؛ لافتياته على الإمام، كمرتد -أي: كقاتله- وقاتل زان أحصن، وقاطع يد سارق بعد ثبوت ذلك على كل واحد منهم، أو قبل ثبوته، ثم ثبت، فالأدب فقط؛ للافتيات على الإمام (١)، فالقود عينًا: جواب (إن أتلف)، أي: إذا حصل الإتلاف بشرطه
_________________
(١) = الثاني: هو مؤمن بتلك التأشيرة على ماله ونفسه وعرضه؛ لأنه دخل بإذن، فهذا الإذن يعتبر بمثابة المعاهدة، فكذلك الحال في البلاد الإسلامية، أي: شخص أوروبي أو آسيوي حصل على تأشيرة لدخوله بلدة إسلامية عربية، فتلك التأشيرة بمثابة العهد، وأصبح في ذمة المسلمين عن طريق ولي الأمر عهد بالبقاء مدة هذا الإذن في تلك التأشيرة. إذًا: يعامل في بيعه وشرائه وهبته والهدية منه وإليه، يعامل في اللقطة كما يعامل المسلم".
(٢) وقد نبتت في هذا العصر جماعات ترى أن لا إمام، وأن إقامة الحدود وغيرها من العقوبات يمكن لآحاد الرعية إقامتها حتى مع وجود الإمام، واستدل لي بعضهم بما في سبل السلام (٣/ ٢٦٦): "عن ابن عباس -﵄- أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي -ﷺ- وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي فلما كان ذات ليلة أخذ المعول بكسر الميم وعين مهملة وفتح الواو فجعله في بطنها واتكأ عليه فقتلها فبلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال: "ألا اشهدوا فإن دمها هدر" رواه أبو داود ورواته ثقات، الحديث دليل على أنه يقتل من سب النبي -ﷺ- ويهدر دمه فإن كان مسلمًا كان سبه له -ﷺ- ردة فيقتل قال ابن ابطال من غير استتابة ونقل ابن المنذر عن الأوزاعي والليث أنه يستتاب وإن كان من أهل العهد فإنه يقتل إلا أن يسلم ونقل ابن المنذر عن الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضًا من غير استتابة وعن الحنفية أنه يعزر المعاهد ولا يقتل واحتج الطحاوي بأنه -ﷺ- لم يقتل اليهود الذين قالوا السام عليك ولو كان هذا من مسلم لكان ردة ولأن ما هم عليه من الكفر أشد من السب قلت يؤيده أن كفرهم به -ﷺ- معناه أنه كذاب وأي سب أفحش من هذا وقد أقروا عليه إلا أن يقال إن هذا النص في حديث الأمة يقاس عليه أهل الذمة وأما القول بأن دماءهم إنما حقنت بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي -ﷺ- فمن سبه منهم انتقض عهده فيصير كافرًا بلا عهد فيهدر دمه فقد يجاب عنه أن عهدهم تضمن إقرارهم على تكذيبهم له -ﷺ- وهو أعظم سب إلا أن =
[ ٨ / ١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يقال يخص من بين غيره من السب واللَّه أعلم". وأعلمُ من حال هؤلاء الناس أنهم لا يقيمون للعلم بالًا، وما رأيت أحدًا منهم اشتغل بالعلم الشرعي على وجهه الصحيح، فتراهم يتخيرون من كتب العلماء المشهود لهم بالعلم والإمامة ما حوى في الظاهر ما يناصر فكرهم، فإذا أرشدتهم لمعنى كلامه، وأنه ليس على ما فهموه لجؤوا إلى أحد أمرين: الأول: إما معاداتك وتحذيرك، مع وصمك بالضلال والزيغ. والآخر: إسقاط العالم، والتحذير منه. ولكي لا ينحرف بنا الإستطراد عما نحن فيه، أقول: هذا الحديث -أعني حديث ابن عباس- ليس فيه ما يدل على أن إقامة الحدود والعقوبات لآحاد الرعية؛ ذلك لأن الحديث يقول: "كانت له أم ولد"، وأم الولد في الفقه المراد بها: هي المرأة السرية عند سيدها إذا جامعها وأتت منه بولد صارت أم ولد -في عهد الرسول -ﷺ- وأبي بكر، كانت تباع أم الولد، لكن لما رأى عمر أن الناس صاروا لا يخافون اللَّه، ويفرِّقون بين المرأة وولدها، منع -﵁- من بيع أمهات الأولاد، قال في تاج العروس (١٢/ ١٣ - ١٤): " (وقد تسرر وتسرى)، على تحويل التضعيف، وقال الليث: السرية فعلية من قولك: تسررت، ومن قال: تسريت فإنه غلط، قال الأزهري: هو الصواب، والأصل تسررت، ولكن لما توالت ثلاث راءات أبدلوا إحداهن ياء، كما قالوا: تظنيت من الظن، وقصيت أظفاري، والأصل قصصت. (و) قال بعضهم: (استسر) الرجل جاريته، بمعنى تسراها، أي اتخذها سرية، وفي حديث عائشة وذكر لها المتعة فقالت: (واللَّه ما نجد في كلام اللَّه إلا النكاح والاستسرار) تريد اتخاذ السراري، وكان القياس الاستسراء من تسريت، لاكنها ردت الحرف إلى الأصل، وقيل: أصلها الياء، من الشيء السري النفيس، وفي الحديث: (فاستسرني)، أي: اتخذني سرية، والقياس أن يقول: تسررني، أو تسراني، فأما استسرني فمعناه ألقى إلى سره، قال ابن الأثير: قال أبو موسى: لا فرق بينه وبين حديث عائشة في الجواز. كذا في اللسان". وإقامة السيد الحد على مملوكته جائز لم يقل أحد من الفقهاء بمنعه إلا في بعض المسائل؛ لأنه لها ولي أمر، قال ابن بطال في شرح البخاري (٨/ ٤٧٢): "باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى.
(٢) فيه: أبو هريرة: قال (ﷺ): "إذا زنت الأمة، فتبين زناها فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها، ولو بحبل من شعر". استدل بهذا الحديث من لم يوجب النفى على النساء، أحرارًا كن أو إماء، ولا على العبيد، روى ذلك عن الحسن وحماد، وهو قول مالك، والأوزاعي، =
[ ٨ / ١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعبيد اللَّه بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وقال الشافعي وأبو ثور: على النساء النفي وعلى الإماء والعبيد. وهو قول ابن عمر، واحتج الشافعي بعموم قوله (ﷺ): "من زنا ولم يحصن فعليه جلد مائة وتغريب عام" فعم ولم يخص، واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] والتغريب له نصف. واحتج عليه مخالفه بقوله (ﷺ): (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها. . ثم إن زنت الثالثة فليبيعها" فدل هذا على سقوط النفي عنها؛ لأنه محال أن يأمر ببيع من لا يقدر مبتاعه على قبضه من بائعه إلا بعد مضى ستة أشهر، وأيضًا فإن العبيد والإماء لا وطن لهم فيعاقبوا بإخراجهم عنه، وفى نفيهم قطع للسيد عن الخدمة وضرر، ومما يدل أنه لا نفى على النساء قوله (ﷺ): "لا تسافر امرأة يومًا وليلة إلا مع ذي محرم" فإن أخرجتم معها ذا محرم عاقبتم من زنا ومن لم يزن وهذا محال، وإن قلتم إنها تغرب وحدها فقد خالفتم الخبر؛ لأن النبي (ﷺ) نهاها أن تسافر وحدها، وفي قوله (ﷺ): "فليجلدها" إباحة للسيد أن يقيم الحدود على عبيده". هذا أولًا وأما ثانيًا فإن حديث ابن عباس سنده ضعيف، وذلك لأنه من رواية عكرمة عن ابن عباس، وقد قال الذهبي في الميزان (وقد وثقه جماعة، واعتمده البخاري وأما مسلم فتجنبه، وروى له قليلا مقرونًا بغيره، وأعرض عنه مالك وتحايده إلا في حديث أو حديثين. أيوب، عن عمرو بن دينار، قال: رفع إلى جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة، فجعل جابر بن زيد يقول: هذا مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. سفيان عن عمرو، قال: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، فقال: سل عنها عكرمة، فجعلت كأني أتباطأ، فانتزعها من يدي فقال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس. وعن شهر بن حوشب، قال: عكرمة حبر هذه الأمة. نعيم بن حماد، حدثنا جرير، عن مغيرة، قيل لسعيد بن جبير: هل تعلم أن أحدًا أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة. حماد بن زيد، قيل لأبي أيوب: أكان عكرمة يتهم؟ فسكت ساعة، ثم قال: أما أنا فلم أكن أتهمه. عفان، حدثنا وهيب، قال: شهدت يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، فذكرا عكرمة، فقال يحيى: كذاب. وقال أيوب: لم يكن بكذاب. جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه بن الحارث، قال: دخلت على علي ابن عبد اللَّه فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحش، فقلت له: ألا تتقى اللَّه! فقال: إن هذا =
[ ٨ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الخبيث يكذب على أبي. ويروى عن ابن المسيب أنه كذب عكرمة، والخصيب بن ناصح، حدثنا خالد بن خداش، شهدت حماد بن زيد في آخر يوم مات فيه، فقال: أحدثكم بحديث لم أحدث به قط؛ لأني أكره أن ألقى اللَّه، ولم أحدث به. سمعت أيوب يحدث عن عكرمة، قال: إنما أنزل اللَّه متشابه القرآن ليضل به. قلت: ما أسوأها عبارة، بل أخبثها، بل أنزله ليهدى به وليضل به الفاسقين. فطر بن خليفة، قلت لعطاء: إن عكرمة يقول: قال ابن عباس: سبق الكتاب الخفين، فقال: كذب عكرمة، سمعت ابن عباس يقول: لا بأس بمسح الخفين، وإن دخلت الغائط. قال عطاء: واللَّه إن كان بعضهم ليرى أن المسح على القدمين يجزى. إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، قال: لو أن عبد ابن عباس اتقى اللَّه وكف من حديثه لشدت إليه المطايا. مسلم بن إبراهيم، حدثنا الصلت أبو شعيب، قال: سألت محمد بن سيرين عن عكرمة، فقال: ما يسوؤني أن يكون من أهل الجنة، ولكنه كذاب. ابن عيينة، عن أيوب، أتينا عكرمة فحدث فقال الحسن: حسبكم مثل هذا. إبراهيم بن المنذر، حدثنا هشام بن عبد اللَّه المخزومي، سمعت ابن أبي ذئب يقول: رأيت عكرمة، وكان غير ثقة. قال محمد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم والحديث بحرًا من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلم الناس فيه. حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل على تعليم القرآن والفقه. وعن عكرمة قال: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس في الدار. وقال محمد بن سعد: حدثنا الواقدي، عن أبي بكر بن أبي سبرة، قال: باع على ابن عبد اللَّه بن عباس عكرمة لخالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال له عكرمة: ما خير لك؟ بعت علم أبيك، فاستقاله فأقاله وأعتقه. إسماعيل بن أبي خالد، سمعت الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب اللَّه من عكرمة. وقال قتادة: عكرمة أعلم الناس بالتفسير. وقال مطرف بن عبد اللَّه: سمعت مالكًا يكره أن يذكر عكرمة، ولا رأى أن يروى عنه. قال أحمد بن حنبل: ما علمت أن مالكًا حدث بشيء لعكرمة إلا في الرجل يطأ امرأته قبل الزيارة. =
[ ٨ / ١٩ ]
تعين القود على الجاني إن شاء الولي، وإن شاء عفى عنه عند مالك وابن القاسم على المشهور، واختاره ابن رشد، وروى أشهب التخيير بين القود والعفو على الدية، وقال به، واختاره اللخمي.
_________________
(١) = رواه عن ثور، عن عكرمة أحمد بن أبي خيثمة، قال: رأيت في كتاب علي بن المديني، سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدثوني واللَّه عن أيوب أنه ذكر له عكرمة لا يحسن الصلاة، فقال أيوب: وكان يصلي. الفضل السيناني عن رجل، قال: رأيت عكرمة قد أقيم قائمًا في لعب النرد. يزيد بن هارون، قدم عكرمة البصرة، فأتاه أيوب ويونس وسليمان التيمي، فسمع صوت غناء، فقال: اسكتوا، ثم قال: قاتله اللَّه، لقد أجاد. فأما يونس وسليمان فما عادا إليه. عمرو بن خالد بمصر، حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي، عن خالد بن أبي عمران، قال: كنا بالمغرب وعندنا عكرمة في وقت الموسم، فقال: وددت أن بيدي حربة. فأعترض بها من شهد الموسم يمينًا وشمالًا. ابن المديني، عن يعقوب الحضرمي، عن جده، قال: وقف عكرمة على باب المسجد، فقال: ما فيه إلا كافر. قال: وكان يرى رأي الإباضية. وعن ابن المسيب أنه قال لمولاه برد: لا تكذب على كما كذب عكرمة". وبذا يعلم أن قول الذهبي في أول الترجمة: "عكرمة، مولى ابن عباس، أحد أوعية العلم. تكلم فيه لرأيه لا لحفظه فاتهم برأي الخوارج". والراوي عن عكرمة هو: عثمان الشحام [م، د، س]، أبو سلمة البصري. يقال: ابن عبد اللَّه. وقيل ابن ميمون. يروي عن أبي رجاء العطاردي، والحسن. قال يحيى القطان: يعرف من حديثه وينكر. وقال أحمد: ليس به بأس. قلت: له حديث واحد في صحيح مسلم في الفتنة، أخرجه شاهدًا. حماد بن سلمة، عن عثمان الشحام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه - أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر. قال ابن عدي: "ما أرى به بأسًا". وقال النسائي: ليس بالقوي. ينظر: ميزان الاعتدال (٣/ ٦٠).
[ ٨ / ٢٠ ]
فائدة:
إنما سمي القصاص قودا لأن العرب كانت تقود الجاني بحبل في رقبته وتسلمه، فسمي القصاص قودًا؛ لملازمته له.
ولو قال شخص لشخص: إن قتلتني أبرأتك من دمي فقتله قتل به.
وقال سحنون: لا شيء عليه.
ابن رشد: الأظهر سقوط القتل، ولزوم الدية في مال القاتل؛ لشبهة العفو.
ابن القاسم: الأول أحسن، وما رأيت لعفوه عن شيء لم يجب له وجها، وإنما تجب لأوليائه، ولا يشبه من قتل وأدرك حيًا، فقال: أشهدكم أني عفوت له، فلو قال له: اقطع يدي ففعلها، قال: لا شيء عليه؛ لأنه ليس بنفس، وإنما هو جرح.
[دية العافي:]
ولما كان القود متعينًا عند ابن القاسم قال: لا دية لعاف على قاتل وليه مطلق: بكسر اللام، فإن لم يصرح حال العفو بدية ولا غيرها فلا دية له، إلا أن تظهر من الولي العافي إرادتها -أي: الدية- بقرائن حين العفو، فيحلف الولي باللَّه ما عفى على تركها، وما عفى إلا لأخذها، ويبقى الولي على حقه في القتل إن امتنع القاتل من إعطاء الدية.
وفهم من قوله: (مطلق) أنه لو صرح بالعفو مجانًا لزمه، ولو صرح به على الدية، وأجاب القاتل لكان واضحًا، وإن لم يجب لجاء خلاف ابن القاسم وأشهب (١).
_________________
(١) قال في المنح (٩/ ١١): "ومفهوم مطلق أنه لو صرح بعفوه مجانًا لزمه، ولو صرح بأنه على الدية وأجابه القاتل لزمته وإن لم يجبه فالخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب وقوله يظهر مثله لابن الحاجب، وفيها يتبين وهو أقوى، ولعله لم يتبع لفظها وإن كان أقوى لقوله في توضيحه إن فاعل قال في كلام ابن الحاجب هو مالك =
[ ٨ / ٢١ ]
تنبيه:
قوله: (يظهر) مثله لابن الحاجب، وفي المدونة: إلا أن يتبين، وهو أقوى، ولعله لم يتبع لفظ المدونة، وإن كان أقوى لقوله في توضيحه: إن فاعل قال في كلام ابن الحاجب هو مالك، وإن نسبه له لإشكاله؛ لأن الدية إذا لم تكن له واجبة في الأصل فلا يقبل قوله في إرادتها.
_________________
(١) = رضي اللَّه تعالى عنه وإنما نسبه له لا شكا له لأن الدية إذا لم تكن واجبة له في الأصل فلا يقبل قوله في إرادتها قاله تت. طفي كأنه قال لم يتبع لفظها لأن ما عبر به لمالك أيضًا، وعبارة ابن الحاجب ولو عفا عن القصاص أو مطلقًا سقط القصاص والدية، قال إلا أن يظهر أنه أرادها فيحلف. اهـ. لكن إنما يتم هذا الإعتذار لتت إذا سلم أن هذا اللفظ الذي أتى به ابن الحاجب هو نفس لفظ الإمام وهو غير مسلم، ولذا قال ابن عبد السلام مراد ابن الحاجب يظهر بأمارة قوية؛ لأن المسألة في المدونة قال مالك لا شيء لك إلا أن يتبين أنك أردتها فنقل ابن الحاجب كلام مالك بالمعنى، فلم يتم اعتذار تت. قال: وهذا مقيد بقوله في الحضرة إنما عفوت على الدية ولو سكت وطال ثم قاله فلا شيء له. طفي نحوه في التوضيح، وزاد قاله مالك في الواضحة وقاله ابن الماجشون وأصبغ، وأصله قول ابن عبد السلام، وحيث كان للولي القيام بشرطه المتقدم فزاد ابن حبيب شرطا آخر، وهو قرب الزمان فأما إن قام بعد طول فلا شيء له رواه مطرف، وقاله ابن الماجشون وأصبغ اهـ. وفي جعل ما ذكره قيدًا لكلام المصنف نظر والظاهر من كلام الباجي وغيره أن قول مالك -﵁- هذا مع ابن الماجشون وأصبغ، خلاف لقول مالك -﵁- "الذي درج عليه المصنف". ابن عرفة: الباجي من قال إنما عفوت على الدية، فروى مطرف إن كان بحضرة ذلك فذلك له، وإن طال فلا شيء له، وقاله ابن الماجشون وأصبغ، قال مالك -﵁-: إن قال ما عفوت إلا على أخذ الدية حلف ما أراد تركها وأخذ حقه منها ثم رجع مالك -﵁- فقال: لا شيء له إلا أن يعلم لما قاله وجه، وبه قال ابن القاسم. وقال ابن القاسم في بعض مجالسه ليس عفو عن الدم عفوًا عن الدية إلا أن يرى له وجه. اهـ. لا يقال قيد الحضور يحرزه قيد الظهور، إذ قد تظهر إرادتها حين العفو، ثم يتغافل عن ذلك زمانًا طويلًا إن ظهر عذر التراخي".
[ ٨ / ٢٢ ]
تتمة:
وهذا مقيد بما إذا قال في الحضرة: إنما عفوت على الدية، وأما لو سكت حتى طال فلا شيء له.
كعفوه -أي: الولي- عن العبد الذي ترتب عليه القصاص في قتل عبد أو حر، وقال مستحق الدم: إنما عفوت لأخذه، أو أخذ قيمته، أو قيمة العبد المقتول، فلا شيء له، إلا أن تظهر إرادة ذلك، فيحلف، ويبقى الولي على حقه، ويخير سيد العبد في دفعه، أو الدية.
ومن قتل شخصًا ثم إن شخصًا آخر قتل القاتل الثاني عمدًا استحق ولي الأول دم من قتل القاتل الثاني على المشهور؛ لأن أولياء الأول استحقوا نفسه، فكانوا أحق بما يكون عنها من قصاص ودية، فلا جائز أن يكون لأولياء المقتول ثانيًا، وإلا ضاع دم الأول.
أو قطع شخص يد آخر عمدًا، ثم قطع آخر يد القاطع الثاني عمدًا، استحق المقطوع أولًا يد القاطع الثاني على المشهور، كدية خطأ في نفس أو يد يستحق ذلك في النفس ولي المقتول، وفي اليد من قطعت يده.
ثم رجع لتكميل المسألة الأولى فقال: فإن أرضاه -أي: أرضى ولي الدم- ولي القاتل الثاني ورضي فله -أي: دمه لولي القاتل الثاني- إن شاء اقتص، أو عفى.
وفهم من قوله: (أرضاه) أن لولي الأول أن لا يرضى، ولو بذل له أكثر الدية، وهو مذهب المدونة.
وإن فقئت عين القاتل عمدًا أو قطعت يده مثلًا عمدًا بجناية، ولو من الولي المستحق فله القود؛ لأن ولايته إنما هي في النفس لا في الطرف.
وبالغ بـ (لو) لقول ابن القاسم: لا يقاد من الولي؛ لأن النفس كانت له، ويعاقبه الإمام ولو فعل الولي به ذلك.
بعد أن أسلم له ليقتله بعد حكم القاضي بقتله، فله -أي: القاتل- القود من الولي، وله العفو، وإذا اقتص من الولي فللولي أن يقتله،
[ ٨ / ٢٣ ]
وأدخلناه في المبالغة لأنه لو فعل به ذلك قبل أن يسلم له لكان له القود من باب أولى.
[القصاص ممن هو أدنى:]
ولما قدم أن شرط القصاص أن لا يزيد القاتل على المقتول بحرية أو إسلام أفاد أن العكس لا يمنع ذلك، وأن الأدنى يقتل بالأعلى، فقال: وقتل الأدنى بالأعلى منه، كحر كتابي يقتل بعبد مسلم؛ لأن زيادة الإسلام أعلى من الحرية، بخلاف العكس، فلا يقتل رقيق مسلم بحر كتابي.
ويقتل الكفار بعضهم ببعض، ثم أتى بـ (من) لبيان الجنس، فقال: من كتابي نصراني أو يهودي ومجوسي ومؤمن: اسم مفعول، دخل دار الإسلام بأمان، وهو وما قبله من عطف العام على الخاص؛ لشمول الكافر لما ذكر، فيقتل النصراني بالنصراني، واليهودي بالمجوسي، ويقتل اليهودي باليهودي، وبمن ذكر، وكذلك المجوسي.
كذوي الرق يقتل بعضهم ببعض، وإن قل جزء رقه ومكاتب ومدبر وأم ولد وكامل الرق، وغيره سواء.
وذكر وصحيح وضدهما فيقتل الذكر بالأنثى، والصحيح بالسقيم، وعكسه، ولا ينظر لنقص الأعضاء، ولا للعيوب، ولا لصغر وكبر؛ لأن القصاص في النفوس: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١).
_________________
(١) قال القرطبي في جامعه (٦/ ١٩١، وما بعدها) في تفسير هذا القول الكريم: "فيه ثلاثون مسألة: الأولى- قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ بين تعالى أنه سوى بين النفس والنفس في التوراة فخالفوا ذلك، فضلوا؛ فكانت دية النضيري أكثر، وكان النضيري لا يقتل بالقرظي، ويقتل به القرظي فلما جاء الإسلام راجع بنو قريظة رسول اللَّه -ﷺ- فيه، فحكم بالإستواء؛ فقالت بنو النضير: قد حططت منا؛ فنزلت هذه الآية. و"كتبنا" بمعنى فرضنا. وقد تقدم. وكان شرعهم القصاص أو العفو، وما كان فيهم الدية؛ كما تقدم في "البقرة" بيانه. وتعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية فقال: يقتل المسلم بالذمي؛ لأنه نفس بنفس، وقد تقدم في "البقرة" بيان هذا. وقد روى أبو داود =
[ ٨ / ٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والترمذي والنسائي عن علي -﵁- أنه سئل هل خصك رسول اللَّه -ﷺ- بشيء؟ فقال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتابًا من قراب سيفه وإذا فيه "المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" وأيضًا فإن الآية إنما جاءت للرد على اليهود في المفاضلة بين القبائل، وأخذهم من قبيلة رجلًا برجل، ومن قبيلة أخرى رجلًا برجلين. وقالت الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا؛ وقد مضى في "البقرة" في الرد عليهم ما يكفي فتأمله هناك. ووجه رابع: وهو أنه تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وكان ذلك مكتوبًا على أهل التوراة وهم ملة واحدة، ولم يكن لهم أهل ذمة كما للمسلمين أهل ذمة؛ لأن الجزية فيء وغنيمة أفاءها اللَّه على المؤمنين، ولم يجعل الفيء لأحد قبل هذه الأمة، ولم يكن نبي فيما مضى مبعوثا إلا إلى قومه؛ فأوجبت الآية الحكم على بني إسرائيل إذ كانت دماؤهم تتكافأ؛ فهو مثل قول الواحد منا في دماء سوى المسلمين النفس بالنفس، إذ يشير إلى قوم معينين، ويقول: إن الحكم في هؤلاء أن النفس منهم بالنفس؛ فالذي يجب بحكم هذه الآية على أهل القرآن أن يقال لهم فيما بينهم على -هذا الوجه-: النفس بالنفس، ولبس كتاب اللَّه ما يدل على أن النفس بالنفس مع اختلاف الملة. الثانية - قال أصحاب الشافعي وأبو حنيفة: إذا جرح أو قطع الأذن أو اليد ثم قتل فعل ذلك به؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل به كما فعل. وقال علماؤنا: إن قصد به المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في أثناء مضاربته ومدافعته قتل بالسيف؛ وإنما قالوا ذلك في المثلة يجب؛ لأن النبي -ﷺ- سمل أعين العرنيين؛ حسبما تقدم بيانه في هذه السورة. الثالثة - قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ قرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة بالنصب في جميعها على العطف، ويجوز تخفيف ﴿أَنَّ﴾ ورفع الكل بالإبتداء والعطف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب الكل إلا الجروح. وكان الكسائي وأبو عبيد يقرآن ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ﴾ بالرفع فيها كلها. قال أبو عبيد: حدثنا حجاج عن هارون عن عباد بن كثير عن عقيل عن الزهري عن أنس أن النبي -ﷺ- قرأ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. والرفع من ثلاث جهات؛ بالإبتداء والخبر، وعلى المعنى على موضع ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾؛ لأن المعنى قلنا لهم: النفس بالنفس. والوجه الثالث: قاله الزجاج يكون عطفًا على المضمر في النفس؛ لأن الضمير في النفس في موضع رفع؛ لأن التقدير أن النفس هي مأخوذة بالنفس؛ فالأسماء معطوفة على هي. قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل =
[ ٨ / ٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ذلك ابتداء كلام، حكم في المسلمين؛ وهذا أصح القولين، وذلك أنها قراءة رسول اللَّه -ﷺ- ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وكذا ما بعده. والخطاب للمسلمين أمروا بهذا. ومن خص الجروح بالرفع فعلى القطع مما قبلها والاستئناف بها؛ كأن المسلمين أمروا بهذا خاصة وما قبله لم يواجهوا به. الرابعة - هذه الآية تدل على جريان القصاص فيما ذكر وقد تعلق ابن شبرمة بعموم قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ على أن اليمنى تفقأ باليسرى وكذلك على العكس، وأجر ذلك في اليد اليمنى واليسرى، وقال: تؤخذ الثنية بالضرس والضرس بالثنية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾. والذين خالفوه وهم علماء الأمة قالوا: العين اليمنى هي المأخوذة باليمنى عند وجودها، ولا يتجاوز ذلك إلى اليسرى مع الرضا؛ وذلك يبين لنا أن المراد بقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ استيفاء ما يماثله من الجاني؛ فلا يجوز له أن يتعدى إلى غيره كما لا يتعدى من الرجل إلى اليد في الأحوال كلها، وهذا لا ريب فيه. الخامسة - ذو جمع العلماء على أن العينين إذا أصيبتا خطأ ففيهما الدية، وفي العين الواحدة نصف الدية. وفي عين الأعور إذا فقئت الدية كاملة؛ روي ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال عبد الملك بن مروان والزهري وقتادة ومالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق. وقيل: نصف الدية؛ روي ذلك عن عبد اللَّه بن المغفل ومسروق والنخعي؛ وبه قال الثوري والشافعي والنعمان. قال ابن المنذر: وبه نقول؛ لأن في الحديث "في العينين الدية" ومعقول إذ كان كذلك أن في إحداهما نصف الدية. قال ابن العربي: وهو القياس الظاهر، ولكن علماؤنا قالوا: إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك، فوجب عليه مثل ديته. السادسة - واختلفوا في الأعور يفقأ عين صحيح؛ فروي عن عمر وعثمان وعلي أنه لا قود عليه، وعليه الدية كاملة؛ وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وأحمد بن حنبل. وقال مالك: إن شاء اقتص فتركه أعمى، وإن شاء أخذ الدية كاملة "دية عين الأعور". وقال النخعي: إن شاء اقتص وإن شاء أخذ نصف الدية. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: عليه القصاص، وروي ذلك عن علي أيضًا، وهو قول مسروق وابن سيرين وابن معقل، واختاره ابن المنذر وابن العربي؛ لأن اللَّه وتعالى قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ وجعل النبي -ﷺ- في العينين الدية؛ ففي العين نصف الدية، والقصاص بين صحيح العين والأعور كهيئته بين سائر الناس. ومتعلق أحمد بن حنبل أن في القصاص منه أخذ جميع البصر بضمه وذلك ليس بمساواة، وبما روي عن عمر وعثمان وعلي في ذلك، ومتمسك مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه. قال ابن العربي: والأخذ بعموم القرآن أولى؛ فإنه أسلم عند اللَّه تعالى. =
[ ٨ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = السابعة - واختلفوا في عين الأعور التي لا يبصر بها؛ فروي عن زيد بن ثابت أنه قال: فيها مائة دينار. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: فيها ثلث ديتها؛ وبه قال إسحاق. وقال مجاهد: فيها نصف ديتها. وقال مسروق والزهري ومالك والشافعي وأبو ثور والنعمان: فيها حكومة؛ قال ابن المنذر: وبه نقول لأنه الأقل مما قيل. الثامنة - وفي إبطال البصر من العينين مع بقاء الحدقتين كمال الدية، ويستوي فيه الأعمش والأخفش. وفي إبطال من إحداهما مع بقائها النصف. قال ابن المنذر وأحسن ما قيل في ذلك ما قاله علي بن أبي طالب: أنه أمر بعينه الصحيحة فغطيت وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره، ثم أمر بخط عند ذلك، ثم أمر بعينه الأخرى فغطيت وفتحت الصحيحة، وأعطي رجل بيضة فانطلق بها وهو ينظر حتى انتهى نظره ثم خط عند ذلك، ثم أمر به فحول إلى مكان آخر ففعل به مثل ذلك فوجده سواء؛ فأعطي ما نقص من بصره مال الآخر، وهذا على مذهب الشافعي؛ وهو قول علمائنا هي: التاسعة - ولا خلاف بين أهل العلم على أن لا قود في بعض البصر، إذ غير ممكن الوصول إليه. وكيفية القود في العين أن تحمى مرآة ثم توضع على العين الأخرى قطنة، ثم تقرب المرآة من عينه حتى يسيل إنسانها؛ روي عن علي -﵁-؛ ذكره المهدوي وابن العربي. واختلف في جفن العين؛ فقال زيد بن ثابت: فيه ربع الدية، وهو قول الشعبي والحسن وقتادة وأبي، هاشم والثوري والشافعي وأصحاب الرأي. وروي عن الشعبي أنه قال: في الجفن الأعلى ثلث الدية وفي الجفن الأسفل ثلثا الدية، وبه قال مالك. العاشرة - قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ جاء الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "وفي الأنف إذا أوعب جدعا الدية" قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على القول به؛ والقصاص من الأنف إذا كانت الجناية عمدًا كالقصاص من سائر الأعضاء على كتاب اللَّه تعاق. واختلفوا في كسر الأنف. فكان مالك يرى في العمد منه القود، وفي الخطأ الاجتهاد. وروى ابن نافع أنه لا دية للأنف حتى يستأصله من أصله. قال أبو إسحاق التونسي: وهذا شاذ، والمعروف الأول. وإذا فرعنا على المعروف ففي بعض المارن من الدية بحساب من المارن. قال ابن المنذر: وما قطع من الأنف فبحسابه؛ روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز والشعبي، وبه قال الشافعي. قال أبو عمر: واختلفوا في المارن إذا قطع ولم يستأصل الأنف؛ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم إلى أن في ذلك الدية كاملة، ثم إن قطع منه شيء بعد ذلك ففيه حكومة. قال مالك: الذي فيه الدية من الأنف أن يقطع المارن؛ وهو دون العظم. قال ابن القاسم: وسواء قطع المارن من العظم أو استؤصل الأنف من =
[ ٨ / ٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العظم من تحت العينين إنما فيه الدية؛ كالحشفة فيها الدية: وفي استئصال الذكر الدية. الحادية عشرة - قال ابن القاسم: وإذا خرم الأنف أو كسر فبرئ على عثم ففيه الاجتهاد، وليس فيه دية معلومة. وإن برئ على غير عثم فلا شيء فيه. قال: وليس الأنف إذا خرم فبرئ على غير عثم كالموضحة تبرأ على غير ثم فيكون فيها ديتها؛ لأن تلك جاءت بها السنة، وليس في خرم الأنف أثر. قال: والأنف عظم منفرد ليس فيه موضحة. واتفق مالك والشافعي وأصحابهما على أن لا جائفة فيه، ولا جائفة عندهم إلا فيما كان في الجوف، والمارن ما لان من الأنف؛ وكذلك قال الخليل وغيره. قال أبو عمر: وأظن روئته مارنه، وأرنبته طرفه. وقد قيل: الأرنبة والروثة والعرتمة طرف الأنف. والذي عليه الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون ومن تبعهم، في الشم إذا نقص أو فقد حكومة. الثانية عشرة - قوله تعالى: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ قال علماؤنا رحمة اللَّه عليهم في الذي يقطع أذني رجل: عليه حكومة، وإنما تكون عليه الدية في السمع، ويقاس في نقصانه كما يقاس في البصر. وفي إبطاله من إحداهما نص الدية ولو لم يكن يسمع إلا بها، بخلاف العين العوراء فيها الدية كاملة، على ما تقدم. وقال أشهب: إن كان السمع إذا سئل عنه قيل إن أحد السمعين يسمع ما يسمع السمعان فهو عندي كالبصر، وإذا شك في السمع جرب بأن يصاح به من مواضع عدة، يقاس ذلك؛ فإن تساوت أو تقاربت أعطي بقدر ما ذهب من سمعه ويحلف على ذلك. قال أشهب: ويحسب له ذلك على سمع وسط من الرجل مثله؛ فإن اختبر فاختلف قوله لم يكن له شيء. وقال عيسى بن دينار: إذا اختلف قوله عقل له الأقل مع يمينه. الثالثة عشرة - قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ قال ابن المنذر: وثبت عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه أقاد من سن وقال: "كتاب اللَّه القصاص" وجاء الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "في السن خمس من الإبل" قال ابن المنذر: فبظاهر هذا الحديث نقول؛ لا فضل للثنايا منها على الأنياب والأضراس والرباعيات، لدخولها كلها في ظاهر الحديث؛ وبه يقول الأكثر من أهل العلم. وممن قال بظاهر الحديث ولم يفضل شيئًا منها على شيء عروة بن الزبير وطاوس والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان وابن الحسن، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس ومعاوية. وفيه قول ثان - رويناه عن عمر بن الخطاب أنه قضى فيما أقبل من الفم بخمس فرائض خمس فرائض، وذلك خمسون دينارًا، قيمة كل فريضة عشرة دنانير. وفي الأضراس ببعير بعير. وكان عطاء يقول: في السن والرباعيتين والنابين خمس خمس، وفيما بقي بعيران بعيران، أعلى الفم وأسفله سواء، والأضراس سواء؛ قال أبو عمر: أما ما رواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قضى في =
[ ٨ / ٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الأضراس ببعير بعير فإن المعنى في ذلك أن الأضراس عشرون ضرسًا، والأسنان اثنا عشر سنًا: أربع ثنايا وأربع رباعيات وأربع أنياب؛ فعلى قول عمر تصير الدية ثمانين بعيرًا؛ في الأسنان خمسة خمسة، وفي الأضراس بعير بعير. وعلى قول معاوية في الأضراس والأسنان خمسة أبعرة خمسة أبعرة؛ تصير الدية ستين ومائة بعير. وعلى قول سعيد بن المسيب، بعير بن بعيرين في الأضراس وهي عشرون ضرسًا. يجب لها أربعون. وفي الأسنان خمسة أبعرة فذلك ستون، وهي تتمة لمائة بعير، وهي الدية كاملة من الإبل. والاختلاف بينهم إنما هو في الأضراس لا في الأسنان. قال أبو عمر: واختلاف العلماء من الصحابة والتابعين في ديات الأسنان وتفضيل بعضها على بعض كثير جدًا، والحجة قائمة لما ذصب إليه الفقهاء مالك وأبو حنيفة والثوري؛ بظاهر قول رسول اللَّه -ﷺ-: "وفي السن خمس من الإبل" والضرس سن من الأسنان. روى ابن عباس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "الأصابع سواء والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء" وهذا نص أخرجه أبو داود. وروى أبو داود أيضًا عن ابن عباس قال: جعل رسول اللَّه -ﷺ- أصابع اليدين والرجلين سواء. قال أبو عمر: على هذه الآثار جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم أن الأصابع في الدية كلها سواء، وأن الأسنان في الدية كلها سواء، الثنايا والأضراس والأنياب لا يفضل شيء منها على شيء؛ على ما في كتاب عمرو بن حزم. ذكر الثوري عن أزهر بن محارب قال: اختصم إلى شريح رجلان ضرب أحدهما ثنية الآخر وأصاب الآخر ضرسه فقال شريح: الثنية وجمالها والضرس ومنفعته سن بسن قومًا. قال أبو عمر: على هذا العمل اليوم في جميع الأمصار. واللَّه أعلم. الرابعة عشرة - فإن ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة عند مالك والليث بن سعد، وبه قال أبو حنيفة، وروي عن زيد بن ثابت؛ وهو قول سعيد بن المسيب والزهري والحسن وابن سيرين وشريح. وروي عن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه أن فيها ثلث ديتها؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وقال الشافعي وأبو ثور: فيها حكومة. قال ابن العربي: وهذا عندي خلاف يؤول إلى وفاق؛ فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها وإنما بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين العمياء، فلا خلاف في وجوب الدية؛ ثم إن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعه لم يجب إلا بمقدار ما نقص من المنفعة حكومة؛ وما روي عن عمر -﵁- فيها ثلث ديتها لم يصح عنه سندًا ولا فقهًا. الخامسة عشرة - واختلفوا في سن الصبي يقلع قبل أن يثغر؛ فكان مالك والشافعي وأصحاب الرأي يقولون: إذا قلعت سن الصبي فنبتت فلا شيء على القالع، إلا أن مالكًا والشافعي قالا: إذا نبتت ناقصة الطول عن التي تقاربها أخذ له من أرشها بقدر نقصها. وقالت طائفة: فيها حكومة، وروي ذلك عن الشعبي؛ وبه قال النعمان. قال =
[ ٨ / ٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ابن المنذر: يستأتى بها إلى الوقت الذي يقول أهل المعرفة إنها لا تنبت، فإذا كان ذلك كان فيها قدرها تامًا؛ على ظاهر الحديث، وإن نبتت رد الأرش. وأكثر من يحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يستأنى بها سنة؛ روي ذلك عن علي وزيد وعمر بن عبد العزيز وشريح والنخعي وقتادة ومالك وأصحاب الرأي. ولم يجعل الشافع لهذا مدة معلومة. السادسة عشرة - إذا قلع سن الكبير فأخذ ديتها ثم نبتت؛ فقال مالك لا يرد ما أخذ. وقال الكوفيون: يرد إذا نبتت. وللشافعي قولان: يرد ولا يرد؛ لأن هذا نبات لم تجر به عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر؛ هذا قول علمائنا. تمسك الكوفيون بأن عوضها قد نبت فيرد؛ أصله سن الصغير. قال الشافعي: ولو جنى عليها جان آخر وقد نبتت صحيحة كان فيها أرشها تامًا. قال ابن المنذر: هذا أصح القولين؛ لأن كل واحد منهما قالع سن، وقد جعل النبي -ﷺ- في السن خمسًا من الإبل. السابعة عشرة - فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء فيها عندنا. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة؛ وقاله ابن المسيب وعطاء. ولو ردها أعاد كل صلاة صلاها لأنها ميتة، وكذلك لو قطعت أذنه فردها بحرارة الدم فالتزقت مثله. وقال عطاء: يجبره السلطان على قلعها لأنها ميتة ألصقها. قال ابن العربي: وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول اللَّه سبحانه فيها وإخباره عنها. قلت: ما حكاه ابن العربي عن عطاء خلاف ما حكاه ابن المنذر عنه؛ قال ابن المنذر: واختلفوا في السن تقلع قودًا ثم ترد مكانها فتنجت؛ فقال عطاء الخراساني وعطاء بن أبي رباح: لا بأس بذلك. وقال الثوري وأحمد وإسحاق: تقلع؛ لأن القصاص للشين. وقال الشافعي: ليس له أن يردها من قبل أنها نجسة، ويجبره السلطان على القلع. الثامنة عشرة - فلو كانت له سن زائدة فقلعت ففيها حكومة؛ وبه قال فقهاء الأمصار. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث الدية. قال ابن العربي: وليس في التقدير دليل، فالحكومة أعدل. قال ابن المنذر: ولا يصح ما روي عن زيد؛ وقد روي عن علي أنه قال: في السن إذا كسر بعضها أعطي صاحبها بحساب ما نقص منه؛ وهذا قول مالك والشافعي وغيرهما. قلت: وهنا انتهى ما نص اللَّه ﷿ عليه من الأعضاء، ولم يذكر الشفتين واللسان. التاسعة عشرة - قال الجمهور: وفي الشفتين الدية، وفي كل واحدة منهما نص الدية =
[ ٨ / ٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = لا فضل للعليا منهما على السفلي. وروي عن زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والزهري: في الشفة العليا ثلث الدية، وفي الشفة السفلي ثلثا الدية. وقال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول؛ للحديث المرفوع عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "وفي الشفتين الدية" ولأن في اليدين الدية ومنافعهما مختلفة. وما قطع من الشفتين فبحساب ذلك. وأما اللسان فجاء الحديث عن النبي -ﷺ- أنه قال: "في اللسان الدية" وأجمع أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة وأصحاب الحديث وأهل الرأي على القول به؛ قال ابن المنذر. الموفية عشرين - واختلفوا في الرجل يجني على لسان الرجل فيقطع من اللسان شيئًا، ويذهب من الكلام بعضه؛ فقال أكثر أهل العلم: ينظر إلى مقدار ما ذهب من الكلام من ثمانية وعشرين حرفا فيكون عليه من الدية بقدر ما ذهب من كلامه، وإن ذهب الكلام كله ففيه الدية؛ هذا قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال مالك: ليس في اللسان قود لعدم الإحاطة باستيفاء القود. فإن أمكن فالقود هو الأصل. الحادية والعشرون - واختلفوا في لسان الأخرس يقطع؛ فقال الشعبي ومالك وأهل المدينة والثوري وأهل العراق والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه: فيه حكومة. قال ابن المنذر: وفيه قولان شاذان: أحدهما: قول النخعي أن فيه الدية. والآخر: قول قتادة أن فيه ثلث الدية. قال ابن المنذر: والقول الأول أصح؛ لأنه الأقل مما قيل. قال ابن العربي: نص اللَّه سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها للقياس عليها؛ فكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود فيه. الثانية والعشرون - قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي مقاصة، وقد تقدم في "البقرة". ولا قصاص في كل مخوف ولا فيما لا يوصل إلى القصاص فيه إلا بأن يخطىء الضارب أو يزيد أو ينقص. ويقاد من جراح العمد إذا كان مما يمكن القود منه. وهذا كله في العمد؛ فأما الخطأ فالدية، وإذا كانت الدية في قتل الخطأ فكذلك في الجراح. وفي صحيح مسلم عن أنس أن أخت الربيع -أم حارثة- جرحت إنسانًا فاختصموا إلى النبي -ﷺ-، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "القصاص القصاص"، فقالت أم الربيع: يا رسول اللَّه أيقتص من فلانة؟ ! واللَّه لا يقتص منها. فقال النبي -ﷺ-: "سبحان اللَّه يا أم الربيع القصاص كتاب اللَّه" قالت: لا واللَّه لا يقتص منها أبدًا؛ قال فما زالت حتى قبلوا الدية؛ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره". قلت: المجروح في هذا الحديث جارية، والجرح كسر ثنيتها؛ أخرجه النسائي عن =
[ ٨ / ٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أنس أيضًا أن عمته كسرت ثنية جارية فقضى نبي اللَّه -ﷺ- بالقصاص؛ فقال أخوها أنس بن النضر: أتكسر ثنية فلانة؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. قال: وكانوا قبل ذلك سألوا أهلها العفو والأرش، فلما حلف أخوها وهو عم أنس -وهو الشهيد يوم أحد- رضي القوم بالعفو؛ فقال النبي -ﷺ-: "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبره". وخرجه أبو داود أيضًا، وقال: سمعت أحمد بن حنبل قيل له: كيف يقتص من السن؟ قال: تبرد. قلت: ولا تعارض بين الحديثين؛ فإنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما حلف فبر اللَّه قسمهما. وفى هذا ما يدل على كرامات الأولياء على ما يأتي بيانه في قصة الخضر إن اللَّه تعالى. فنسأل اللَّه التثبت على الإيمان بكراماتهم وأن ينظمنا في سلكهم من غير محنة ولا فتنة. الثالثة والعشرون - أجمع العلماء على أن قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ أنه في العمد؛ فمن أصاب سن أحد عمدًا ففيه القصاص على حديث أنس. واختلفوا في سائر عظام الجسد إذا كسرت عمدًا؛ فقال مالك: عظام الجسد كلها فيها القود إلا ما كان مخوفًا مثل الفخذ والصلب والمأمومة والمنقلة والهاشمة، ففي ذلك الدية. وقال الكوفيون: لا قصاص في عظم يكسر ما خلا السن؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ وهو قول الليث والشافعي. قال الشافعي: لا يكون كسر ككسر أبدًا؛ فهو ممنوع. قال الطحاوي: اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس؛ فكذلك في سائر العظام. والحجة لمالك حديث أنس في السن وهي عظم؛ فكذلك سائر العظام إلا عظما أجمعوا على أنه لا قصاص فيه؛ لخوف ذهاب النفس منه. قال ابن المنذر: ومن قال لا قصاص في عظم فهو مخالف للحديث؛ والخروج إلى النظير غير جائز مع وجود الخبر. قلت: ويدل على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وما أجمعوا عليه فغير داخل في الآي. واللَّه أعلم وباللَّه التوفيق. الرابعة والعشرون - قال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- في الموضحة، وما جاء عن غيره في الشجاع. قال الأصمعي وغيره: دخل كلام بعضهم في بعض؛ أول الشجاج - الخاصة وهي: التي تحرص الجلد -يعني التي تشقه قليلا- ومنه قيل: حرص القصار الثوب إذا شقه؛ وقد يقال لها: الحرصة أيضًا. ثم الباضعة -وهي: التي تشق اللحم تبضعه بعد الجلد. ثم المتلاحمة- وهي: التي أخذت في الجلد ولم تبلغ السمحاق. والسمحاق: جلدة أو قشرة رقيقة بين اللحم والعظم. وقال الواقدي: هي عندنا الملطى. وقال غيره: هي الملطاة، قال: وهي التي جاء فيها الحديث: "يقضى في الملطاة بدمها". ثم الموضحة -وهي: التي تكشط عنها ذلك القشر أو تشق حتى يبدو =
[ ٨ / ٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وضح العظم، فتلك الموضحة. قال أبو عبيد: وليس في شيء من الشجاج قصاص إلا في الوض - وهي التي تهشم العظم. ثم المنقلة -بكسر القاف حكاه الجوهري- وهي التي تنقل العظم -أي تكسره- حتى يخرج منها فراش العظام مع الدواء. ثم الآمة -ويقال لها المأمومة- وهي التي تبلغ أم الرأس، يعني الدماغحة خاصة؛ لأنه ليس منها شيء له حد ينتهي إليه سواها، وأما غيرها من الشجاج ففيها ديتها. ثم الهاشمة. قال أبو عبيد ويقال في قوله: "ويقضى في الملطاة بدمها" أنه إذا شج الشاج حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشجة ساعة شج ولا يستأنى بها. قال: وسائر الشجاج عندنا يستأنى بها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها ثم يحكم فيها حينئذ. قال أبو عبيد: والأمر عندنا في الشجاج كلها والجراحات كلها أنه يستأنى بها؛ حدثنا هشيم عن حصين قال: قال عمر بن عبد العزيز: ما دون الموضحة خدوش وفيها صلح. وقال الحسن البصري: ليس فيما دون الموضحة قصاص. وقال مالك: القصاص فيما دون الموضحة الملطي والدامية والباضعة وما أشبه ذلك؛ وكذلك قال الكوفيون وزادوا السمحاق، حكاه ابن المنذر. وقال أبو عبيد: الدامية التي تدمى من غير أن يسيل منها دم. والدامعة: أن يسيل منها دم. وليس فيما دون الموضحة قصاص بن. وقال الجوهري: والدامية الشجة التي تدمى ولا تسيل. وقال علماؤنا: الدامية هي التي تسيل الدم. ولا قصاص فيما بعد الموضحة، من الهاشمة للعظم، والمنقلة -على خلاف فيها خاصة- والآمة هي البالغة إلى أم الرأس، والدامغة الخارقة لخريطة الدماغ. وفي هاشمة الجسد القصاص، إلا ما هو مخوف كالفخذ وشبهه. وأما هاشمة الرأس فقال ابن القاسم: لا قود فيها؛ لأنها لا بد تعود منقلة. وقال أشهب: فيها القصاص، إلا أن تنقل فتصير منقلة لا قود فيها. وأما الأطراف فيجب القصاص في جميع المفاصل إلا المخوف منها. وفي معنى المفاصل أبعاض المارن والأذنين والذكر والأجفان والشفتين؛ لأنها تقبل التقدير. وفي اللسان روايتان. والقصاص في كسر العظام، إلا ما كان متلفًا كعظام الصدر والعنق والصلب والفخذ وشبهه. وفي كسر عظام العضد القصاص. وقضى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في رجل كسر فخذ رجل أن يكسر فخذه؛ وفعل ذلك عبد العزيز بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد بمكة. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله؛ وهذا مذهب مالك على ما ذكرنا، وقال: إنه الأمر المجمع عليه عندهم، والمعمول به في بلادنا في الرجل يضرب الرجل فيتقيه بيده فكسرها يقاد منه. الخامسة والعشرون - قال العلماء: الشجاج في الرأس، والجراح في البدن. وأجمع أهل العلم على أن فيما دون الموضحة أرش فيما ذكر ابن المنذر؛ واختلفوا في ذلك الأرش وما دون الموضحة شجاج خمس: الدامية والدامعة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي في الدامية =
[ ٨ / ٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حكومة، وفي الباضعة حكومة، وفي المتلاحمة حكومة. وذكر عبد الرزاق عن زيد بن ثابت قال: في الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة أبعرة من الإبل، وفي السمحاق أربع، وفي الموضحة خمس، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الرجل يضرب حتى يذهب عقله الدية كاملة، أو يضرب حتى يغن ولا يفهم الدية كاملة، أو حتى يبح ولا يفهم الدية كاملة، وفي جفن العبن ربع الدية. وفي حلمة الثدي ربع الدية. قال ابن المنذر: وروي عن علي في السمحاق مثل قول زيد. وروي عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيها نصف الموضحة. وقال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والنخعي فيها حكومة؛ وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد. ولا يختلف العلماء أن الموضحة فيها خمس من الإبل؛ على ما في حديث عمرو بن حزم، وفيه: وفي الموضحة خمس. وأجمع أهل العلم على أن الموضحة تكون في الرأس والوجه. واختلفوا في تفضيل موضحة الوجه على موضحة الرأس؛ فروي عن أبي بكر وعمر أنهما سواء. وقال بقولهما جماعة من التابعين، وبه يقول الشافعي وإسحاق. وروي عن سعيد بن المسيب تضعيف موضحة الوجه على موضحة الرأس. وقال أحمد: موضحة الوجه أحرى أن يزاد فيها. وقال مالك: المأمومة والمنقلة والموضحة لا تكون إلا في الرأس والوجه، ولا تكون المأمومة إلا في الرأس خاصة إذا وصل إلى الدماغ، قال: والموضحة ما تكون في جمجمة الرأس، وما دونها فهو من العنق ليس فيه موضحة. قال مالك: والأنف ليس من الرأس وليس فيه موضحة، وكذلك اللحي الأسفل ليس فيه موضحة. وقد اختلفوا في الموضحة في غير الرأس وليس فيه والوجه؛ فقال أشهب وابن القاسم: ليس في موضحة الجسد ومنقلته ومأمومته إلا الاجتهاد، وليس فيها أرش معلوم. قال ابن المنذر: هذا قول مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وبه نقول. وروي عن عطاء الخراساني أن الموضحة إذا كانت في جسد الإنسان فيها خمس وعشرون دينارًا. قال أبو عمر: واتفق مالك والشافعي وأصحابهما أن من شج رجلًا مأمومتين أو موضحتين أو ثلاث مأمومات أو موضحات أو أكثر في ضربة واحدة أن فيهن كلهن -وإن انخرقت فصارت واحدة- دية كاملة. وأما الهاشمة فلا دية فيها عندنا بل حكومة. قال ابن المنذر: ولم أجد في كتب المدنيين ذكر الهاشمة، بل قد قال مالك فيمن كسر أنف رجل إن كان خطأ ففيه الاجتهاد. وكان الحسن البصري لا يوقت في الهاشمة شيئًا. وقال أبو ثور: إن اختلفوا فيه ففيها حكومة. قال ابن المنذر: النظر يدل على هذا؛ إذ لا سنة فيها ولا إجماع. وقال القاضي أبو الوليد الباجي: فيها ما في الموضحة؛ فإن صارت منقلة فخمسة عشر، وإن صارت مأمومة فثلث الدية. قال ابن المنذر: ووجدنا أكثر من لقيناه وبلغنا عنه من أهل العلم يجعلون في الهاشمة عشرًا =
[ ٨ / ٣٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من الإبل. وروينا هذا القول عن زيد بن ثابت؛ وبه قال قتادة وعبيد اللَّه بن الحسن والشافعي. وقال الثوري وأصحاب الرأي: فيها ألف درهم، ومرادهم عشر الدية. وأما المنقلة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي -ﷺ- أنه قال: "في المنقلة خمس عشرة من الإبل" وأجمع أهل العلم على القول به. قال ابن المنذر: وقال كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المنقلة هي التي تنقل منها العظام. وقال مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي -وهو قول قتادة وابن شبرمة- أن المنقلة لا قود فيها؛ وروينا عن ابن الزبير -وليس بثابت عنه- أنه أقاد من المنقلة. قال ابن المنذر: والأول أولى؛ لأني لا أعلم أحدأ خالف في ذلك وأما المأمومة فقال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي -ﷺ- أنه قال: "في المأمومة ثلث الدية". وأجمع عوام أهل العلم على القول به، ولا نعلم أحدًا خالف ذلك إلا مكحولا فإنه قال: إذا كانت المأمومة عمدًا ففيها ثلثا الدية، وإذا كانت خطأ ففي ثلث الدية؛ وهذا قول شاذ، وبالقول الأول أقول. واختلفوا في القود من المأمومة؛ فقال كثير من أهل العلم: لا قود فيها، وروي عن ابن الزبير أنه أقص من المأمومة، فأنكر ذلك الناس. وقال عطاء: ما علمنا أحدًا أقاد منا قبل ابن الزبير. وأما الجائفة ففيها ثلث الدية على حديث عمرو بن حزم؛ ولا خلاف في ذلك إلا ما روي عن مكحول أنه قال: إذا كانت عمدًا ففي ثلثا الدية، وإن كانت خطأ ففيها ثلث الدبة. والجائفة كل ما خرق إلى الجوف ولو مدخل إبرة؛ فإن نفذت من جهتين عندهم جائفتان، وفيها من الدية الثلثان. قال أشهب: وقد قضى أبو بكر الصديق -﵁- في جائفة نافذة من الجنب الآخر. بدية جائفتين. وقال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي كلهم يقولون: لا قصاص في الجائفة. قال ابن المنذر: وبه نقول. السادسة والعشرون - واختلفوا في القود من اللطمة وشبهها؛ فذكر البخاري عن أبي بكر وعلي وابن الزبير وسويد بن مقرن ﵃ أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها. وروي عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك؛ وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث. وقال الليث: إن كانت اللطمة في العين فلا قود فيها؛ للخوف على العين ويعاقبه السلطان. وإن كانت على الخد ففيها القود. وقالت طائفة: لا قصاص في اللطمة؛ روي هذا عن الحسن وقتادة، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي؛ واحتج مالك في ذلك فقال: ليس لطمة المريض الضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل ذي الحالة والهيئة؛ وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة. السابعة والعشرون - واختلفوا في القود من ضرب السوط؛ فقال الليث والحسن: يقاد منه، ويزاد عليه للتعدي. وقال ابن القاسم: يقاد منه. ولا يقاد منه عند الكوفيين والشافعي إلا أن يجرح؛ قال الشافعي إن جرح السوط ففيه حكومة. وقال ابن المنذر: =
[ ٨ / ٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وما أصيب به من سوط أو عصًا أو حجر فكان دون النفس فهو عمد، وفيه القود؛ وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاري وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي بن أبي طالب من ثلاثة أسواط. واقتص شريح من سوط وخموش. وقال ابن بطال: وحديث لد النبي -ﷺ- لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم وإن لم يكن جرح. الثامنة والعشرون - واختلفوا في عقل جراحات النساء؛ ففي "الموطأ" عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل، إصبعها كإصبعه وسنها كسنه، وموضحتها كموضحته، ومنقلتها كمنقلته. قال ابن بكير، قال مالك: فإذا بلغت ثلث دية الرجل كانت على النصف من دية الرجل. قال ابن المنذر: روينا هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وقتادة وابن هرمز ومالك وأحمد بن حنبل وعبد الملك بن الماجشون. وقالت طائفة: دية المرأة على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر؛ روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور والنعمان وصاحباه؛ واحتجوا بأنهم لما أجمعوا على الكثير وهو الدية كان القليل مثله، وبه نقول. التاسعة والعشرون - قال القاضي عبد الوهاب: وكل ما فيه جمال منفرد عن منفعة أصلًا ففيه حكومة؛ كالحاجبين وذهاب شعر اللحية وشعر الرأس وثديي الرجل وأليته. وصفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدًا سليمًا، ثم يقوم مع الجناية فما نقص من ثمنه جعل جزءًا من ديته بالغًا ما بلغ، وحكاه ابن المنذر عن كل من يحفظ عنه من أهل العلم؛ قال: ويقبل فيه قول رجلين ثقتين من أهل المعرفة. وقيل: بل يقبل قول عدل واحد. واللَّه سبحانه أعلم. فهذه جمل من أحكام الجراحات والأعضاء تضمنها معنى هذه الآية، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، واللَّه الموفق للهداية بمنه وكرمه. الموفية ثلاثين - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ شرط وجوابه؛ أي تصدق بالقصاص فعفا فهو كفارة له، أي لذلك المتصدق. وقيل: هو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة؛ لأنه يقوم مقام أخذ الحق منه، وأجر المتصدق عليه. وقد ذكر ابن عباس القولين، وعلى الأول أكثر الصحابة ومن بعدهم، وروي الثاني عن ابن عباس ومجاهد، وعن إبراهيم النخعي والشعبي بخلاف عنهما؛ والأول أظهر لأن العائد فيه يرجع إلى مذكور، وهو ﴿مِنْ﴾. وعن أبي الدرداء عن النبي -ﷺ-: "ما من مسلم يصاب بثيء من جسده فيهبه إلا رفعه اللَّه به درجة وحط عنه به خطيئة". قال ابن العربي: والذي يقول إنه إذا عفا عنه المجروح عفا اللَّه عنه لم يقم عليه دليل؛ فلا معنى له".
[ ٨ / ٣٦ ]
وإن قتل عبد حرًا أو عبدًا عمدًا، وثبت ذلك عليه ببينة أو إقرار أو قسامه في الحر، كـ: قتلني فلان، أو يقيم عدلًا بالقتل، ويقسم أولياؤه في الصورتين، خير الولي أولًا في قتل العبد أو استحيائه، وإنما خير الولي لأن القاتل غير كفء، فإن اختار قتله فواضح، وإن استحياه فلسيده الخيار ثانيًا في أحد أمرين:
- إسلامه في جنايته.
- أو فداؤه بدية الحر، أو قيمة العبد المقتول.
[القتل الموجب للقصاص:]
ولما فرغ من الكلام على ما يتعلق بالركن الثاني، تكلم على الركن الثالث، وهو القتل الموجب للقصاص، وهو ضربان:
- مباشرة.
- وتسبب.
[أولًا - المباشرة:]
وبدأ بالأول فقال: إن قصد -أي: تعمد- القاتل ضربًا للمضروب، وإن لم يقصد قتله به، سواء ضربه بما يقتل غالبًا أو لا، ولذا بالغ عليه بقوله: وإن بقضيب، وهو خلاف قول صاحب الجواهر: العمد هو الذي يقصد إتلاف نفس الشخص (١)، وكان ما يقصد به مما يقتل بمثله من محدود ومثقل.
_________________
(١) وهذا الكلام هو نحو قول القانونيين المعاصرين: مع سبق الإصرار والترصد، ففرقوا بين القتل العمد من الإصرار، والقتل العمد من دونه، وهذا نحو تقسيم مذهبنا القتل ثلاثة أقسام: عمد، وشبه العمد، وخطأ، وعرف علماؤنا شبه العمد بقولهم: هو ما أشكل، هل يريد به القتل أو لا؟ واختلف فيه هل له حكم يخصه من رفع القصاص وتغليظ الدية وهو قول أكثر الفقهاء وسموه شبه العمد ولم ير ذلك مالك إلا في الآباء مع أبنائهم وهو قول أكثر أصحابه وفي المدونة شبه العمد باطل لا أعرفه وإنما هو عمد أو خطأ ولا تغليظ الدية إلا في مثل فعل المدلجي بابنه فان الأب إذا قتل ابنه =
[ ٨ / ٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = بحديدة حذفه بها أو بغيرها مما يقاد فيه فان الأدب يدرأ عنه القود وتغلظ عليه الدية وتكون في ماله اهـ. وممن قال بإثبات شبه العمد ابن شهاب وربيعة وأبو الزناد حكاه عنهم ابن حبيب ورواه العراقيون عن مالك أيضًا، قال ابن عبد البر في الاستذكار (٨/ ٤٣، وما بعدها): "قال أبو عمر ليس عند مالك في قتل العمد دية معلومة وإنما فيه القود إلا في عهد الرجل إلى ابنه بالضرب والأدب في حين الغضب كما صنع المدلجي بابنه فإن فيه عنده الدية المغلظة ولا قود وسنذكر ذلك في ما بعد إن شاء اللَّه ﷿. فإن اصطلح القاتل عمدًا وولي المقتول على الدية وأبهموا ذلك ولم يذكروا شيئًا من ذلك بعينه أو عفي عن القاتل عمدًا على الدية، وكان من أهل الإبل فإن الدية تكون عليه حينئذ حالة في ماله أرباعا كما قال بن شهاب خمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وإن كان من أهل الذهب فألف دينار وإن كان من أهل الورق فاثنا عشر ألف درهم حالة في ماله لا يزاد على ذلك ولا ينقص منه إلا أن يصطلحا على شيء فيلزمهما ما اصطلحا عليه. وقد روي عن مالك أن الدية في العمد إذا قبلت تكون مؤجلة كدية الخطأ في ثلاثه سنين والأول قول بن القاسم وروايته وهو تحصيل المذهب. والدية في مذهب مالك ثلاث إحداها دية العمد إذا قبلت أرباعًا وهي كما وصفنا. وهو قول بن شهاب وربيعة والثانية دية الخطأ أخماسًا وسيأتي ذكرها -كما وصفنا- في بابها إن شاء اللَّه ﷿. والثالثة الدية المغلظة أثلاثًا ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وهي الحوامل وليست عنده إلا في قتل الرجل ابنه على الوصف الذي ذكرنا. وأما لو أضجع الرجل ابنه فذبحه أو جلله بالسيف أو أثر الضرب عليه بالعصا أو غيرها حتى قتله عامدا فإنه يقتل عنده به. وستأتي هذه المسألة وما للعلماء فيها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء اللَّه ﷿. وليس يعرف مالك شبه العمد إلا في الأب يفعل بابنه ما وصفنا خاصة. وإنما تجب الدية المغلظة المذكورة من الإبل على الأب إذا كان من أهل الإبل فإن كان من أهل الأمصار فالذهب أو الورق. واختلف قوله في تغليظ دية الذهب والورق في ذلك. فروي عنه أن تغليظها أن تقوم الثلاثون حقة والثلاثون جذعة والأربعون الخلفة بالدنانير أو الدراهم بالغًا ما بلغت وإن زادت على ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم. وروي عنه أن التغليظ في ذلك أن ينظر إلى قيمة دية الخطأ أخماسًا في أسنان الإبل ثم ينظر إذا ما زادت قيمة دية التغليظ من الإبل على قيمة دية الخطأ فيزاد مثل ذلك =
[ ٨ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = من الذهب والورق، وهذا مذهب بن القاسم، وروي عنه أيضًا أنها تغلظ بأن تبلغ دية وثلثا يزاد في الدية ثلثها. رواه أهل المدينة عنه، وقد روي عن مالك أن الدية لا تغلظ على أهل الذهب ولا على أهل الورق وإنما تغلظ في الإبل خاصة على أهل الإبل. قال أبو عمر روى سفيان عن معمر عن رجل عن عكرمة قال ليس في دية الدنانير والدراهم مغلظة إنما المغلظة في الإبل خاصة على أهل الإبل. وروى بن المبارك عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال لا يكون التغليظ في شيء من الدية إلا في الإبل والتغليظ في إناث الإبل. وأما الشافعي فالدية عنده اثنتان لا ثالثة لهما مخففة ومغلظة فالمخففة دية الخطأ أخماسًا والمغلظة في شبه العمد وفي ما لا قصاص فيه كالأب ومن جرى مجراه عنده وفي العمد إذا قبلت الدية فيه وعفي عن القاتل عليها وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وهو قول سفيان ومحمد بن الحسن في أسنان دية شبه العمد، وهذه الأسنان في ذلك مذهب عمر بن الخطاب وأبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت على اختلاف عنه، وبه قال عطاء، وروي عن النبي -ﷺ- ما دل على ذلك. ذكر أبو بكر قال حدثني وكيع قال حدثني سفيان عن بن أبي نجيح عن مجاهد عن عمر أنه قال في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة ما بين ثنية إلى باذل عامها كلها خلفة. قال وحدثني جرير عن مغيرة عن الشعبي قال كان أبو موسى والمغيرة يقولان في الدية المغلظة ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة. قال وحدثني وكيع قال حدثني بن أبي خالد عن عامر الشعبي قال كان زيد بن ثابت يقول في شبه العمد ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة ما بين ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة. وأما الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- أنه قال ألا إن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا والحجر ديته مغلظة مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها، فهو حديث مضطرب لا يثبت من جهة الإسناد رواه بن عيينة عن علي بن زيد عن القاسم بن ربيعة عن بن عمر عن النبي -ﷺ-. ورواه سفيان الثوري وهشيم عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-. ورواه حماد بن زيد عن خالد الحذاء عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن النبي -ﷺ-. والقاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني ثقة بصري يروي عن عمر وعبد الرحمن بن =
[ ٨ / ٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عوف وبن عمر وروى عنه أيوب وقتادة وحميد الطويل وعلي بن زيد. وأما عقبة بن أوس فرجل مجهول لم يرو عنه إلا القاسم بن ربيعة فيما علمت يقال فيه الدوسي ويقال فيه السدوسي. وقد قيل فيه يعقوب بن أوس. وقال يحيى بن معين عقبة بن أوس هو يعقوب بن أوس. وأما أبو حنيفة وأصحابه فليس في العمد عندهم دية فإن اصطلح القاتل وولي المقتول على شيء فهو حال إلا أن يشترطوا أجلًا. والديات عندهم اثنتان دية الخطأ أخماسًا على ما يأتي ذكره في بابه بعد هذا لم يختلفوا فيها. ودية شبه العمد عند أبي حنيفة وأبي يوسف تكون أرباعًا خمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة. وهو مذهب عبد اللَّه بن مسعود. ذكره وكيع قال وحدثني بن أبي خالد عن عامر قال كان بن مسعود يقول في شبه العمد أرباعًا فذكر ما تقدم. وقال أبو بكر حدثني أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود بن عبد اللَّه قال شبه العمد أرباعًا خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون. وأما محمد بن الحسن فذهب إلى ما روى عن عمر وأبي موسى وزيد والمغيرة وقد تقدم ذكره وأما أحمد بن حنبل فقال دية الحر المسلم مائة من الإبل فإن كان القتل عمدًا وارتفع القصاص أو قبلت الدية فهي في مال القاتل حالة أرباعًا خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة. قال وإن كان القتل شبه العمد فكما وصفنا في أسنان الإبل. قال وهي على العاقلة في ثلاث سنين في كل سنة ثلثها. ذهب في ذلك مذهب بن مسعود وهذا يدل على أنه لم يصح عنده الحديث المرفوع لما ذكرنا فيه من الاضطراب وجهل عقبة بن أوس - واللَّه الموفق للصواب. وأما أبو ثور فقال الدية في العمد الذي لا قصاص فيه أو عفي عن القاتل علي الدية وفي شبه العمد كل ذلك كدية الخطأ أخماسًا أنه بدل لأنه أقل ما قيل فيه. وقال عامر الشعبي وإبراهيم النخعي دية شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون خلفة من ثنية إلى بازل عامها، وهو مذهب علي بن أبي طالب -﵁-. ذكر أبو بكر قال حدثني أبو الأحوص عن إبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي =
[ ٨ / ٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال في شبه العمد ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة، وروى الثوري وغيره عن أبي إسحاق مثله. وقال الحسن البصري وابن شهاب الزهري وطاوس اليماني دية شبه العمد ثلاثون بنت لبون وثلاثون حقة وأربعون خلفة. وهذا مذهب عثمان بن عفان -﵁- ورواية عن زيد بن ثابت. ذكر أبو بكر قال حدثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب وعن عبد ربه عن أبي عياض أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت قالا في المغلظة أربعون جذعة خلفة وثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون. وقال معمر عن الزهري إن الدية التي غلظها النبي -ﷺ- هكذا وذكر طاوس أن ذلك عنده في كتاب النبي -ﷺ-. فهذا ما بلغنا في أسنان دية العمد وأسنان دية شبه العمد وسنذكرها عن الفقهاء وأئمة الفتوى فهي صفة شبه العمد وكيفيته ومن نفاه منهم ومن أثبته فيه في باب ما يجب فيه العمد من هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى. ويأتي ما للعلماء في دية الخطأ في الباب بعد هذا بعون اللَّه تعالى وإنما ذكرنا في هذا الباب شبه العمد مع دية العمد إذا قبلت لأن مذاهب أكثر العلماء في ذلك متقاربة متداخلة وجمهورهم يجعلها سواء. وقد أتينا في ذلك بالروايات عن السلف وما ذهب إليه من ذلك أئمة الأمصار. والحمد للَّه كثيرا. وقد اختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد فقال مالك في رواية بن القاسم عنه -وهو الأشهر من مذهبه- وأبو حنيفة والثوري وأصحابه وبن شبرمة والحسن بن حي ليس لولي المقتول عمدًا إلا القصاص ولا يأخذ الدية إلا برضى القاتل. وقال الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود. وهو قول ربيعة وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيرهم. وروى أشهب عن مالك ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية رضي القاتل أو لم يرض. وذكر بن عبد الحكم الروايتين جميعًا عن مالك. وحجة من لم ير لولي المقتول إلا القصاص حديث أنس في قصة سن الربيع أن رسول اللَّه -ﷺ- قال كتاب اللَّه القصاص. وحجة من أوجب له التخيير بين القصاص وأخذ الدية حديث أبي شريح الكعبي وأبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "من قتل له قتيل فهو بين خيرتين" وقال أبو هريرة بخير نظرين بين أن يأخذ وبين أن يعفو، وهما حديثان لا يختلف أهل العلم بالحديث في =
[ ٨ / ٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = صحتهما. حدثني عبد الوارث قال حدثني قاسم قال حدثني بكر بن حماد قال حدثني مسدد قال حدثني يحيى بن سعيد قال حدثني بن أبي ذئب قال حدثني سعيد بن أبي سعيد قال سمعت أبا شريح الكعبي يقول قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فهو بالخيار بين خيرتين بين أن يأخذ العقل وبين أن يقتل". وحديث أبي هريرة عند يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رواه جماعة أصحاب يحيى عنه. وقد ذكرنا طرق الحديثين في مسألة أفردنا لها جزءًا في معنى قول اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة ١٧٨] ". وبهذا يتبين خطأ من قال من أهل هذا العصر -التي ظهرت علينا فيه جماعات نسأل اللَّه تعالى السلامة فيه في المعتقد والمنهج- غير مميز بين القوانين التي سنت سياسة للأمة دون مخالفة لأحكام الشريعة، وبين تلك القوانين المستوردة من الغرب الكافر مما كانت مخالفة للشرع: "ثم أجرمت هذه القوانين في حق الأمة والدين أكبر الجرائم. . فأبيحت الأعراض وسُفكت الدماء، ولم تنه فاسقًا، ولم تزجر مجرمًا، حتى اكتظت السجون، وصارت مدارس لإخراج زعماء المجرمين، ونزعت من الناس الغيرة والرجولة. .، ومع ذلك فإن هذه القوانين التي تحكمون بها شرطت في القصاص شرطًا لم يشرطه اللَّه، ولم يقل به أحد من المسلمين، لا من المجتهدين ولا المقلدين، ولا موضع له في النظر السليم؛ فأباحت به الدم الحلال، وكان له الأثر الكبير فيما نرى من كثرة جرائم القتل، وذلك أن المادة ٢٣٠ من قانون العقوبات شرطت في عقاب القاتل بالإعدام: العمدَ مع سبق الإصرار والترصُّد. وأكدت ذلك المادة ٢٣٤؛ فنصت على أن من قتل عمدًا من غير سبق إصرار ولا ترصُّد يعاقب بالأشغال الشاقة، المؤبدة أو المؤقتة، ولكننا ننكر المصدر الذي أخذت منه وهو مصدر لا يجوز للمسلم أن يجعله إمامه في التشريع، وقد أمر أن يتحاكم إلى اللَّه ورسوله، ولكنا نسخط على الروح الذي يملى هذه القوانين، ويوحي بها، روح الإلحاد والتمرد على الإسلام، في المسائل الخطيرة والقواعد الأساسية، فلا يبالي واضعوها أن يخرجوا على القرآن وعلى البديهي من قواعد الإسلام وأن يصبغوها صبغة أوربية مسيحية أو وثنية، إذا ما أرضوا عنهم أعداءهم، ونالوا ثناءهم، ولم يخرجوا على مبادئ التشريع الحديث! ! ". فغاب على قائل هذا القول تقسيم العلماء القتل التقسيم الذي مضى، وجعلهم قتل العمد ليس كقتل شبه العمد في العقوبة، على التفصيل الذي رأيت، ورأوا أن ما كان =
[ ٨ / ٤٢ ]
ولا يشترط كون القتل بآلة مخصوصة بل حصوله بقضيب أو غيره كخنق ومنع طعام حتى مات، واقتصاره على القصاص في منع الطعام يفهم منه أن لا قصاص في منع الماء، ففي حريم البئر من المدونة في منع الماء أنه من الخطأ لا قصاص فيه، لكن تأولها بعض القرويين على أنهم لم يقصدوا القتل، وإنما تأولوا أن لهم منع ما بهم، ولو قصدوا منعهم الشرب بعد علمهم حرمته، وأنهم إن لم يسقوهم ماتوا عطشًا لأمكن أن يقتلوا بهم.
وكضرب بشيء مثقل، كـ: حجر أو خشبة، ولا قسامة في ذلك إن أنفذ الفعل مقتله، أو مات منه مغمورًا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم ولم يفق حتى مات.
ومفهومه: إن لم ينفذ مقتله أو لم يمت مغمورًا بل أكل وشرب وعاش حياة تعرف ثم مات فالقسامة، أما المسألة الأولى من كلام المصنف فنحوها قول المدونة: أما إن شفت حشوته وتكلم وأكل وعاش يومين أو ثلاثة فإنه يقتل قاتله بغير قسامة، إذا كان قد أنفذ مقتله.
وأما الثانية فكقولها: ومن ضرب فمات تحت الضرب، أو بقي مغمورًا لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم، ولم يفق حتى مات فلا قسامة فيه.
_________________
(١) = شبه عمد غلظت فيه العقوبة، والإمام إذا رأى للمصلحة العامة تغليظ عقوبة ما فإن له ذلك سياسة للأمة، ورعاية لها، وقد كان عمر بن الخطاب يفعل ذلك، السياسة الشرعية للعباد بتصريف شؤون حياتهم وفق القواعد العامة للشريعة الإسلامية هي من أهم مسؤوليات الحاكم المسلم أو من ينوب عنه في تصريف شؤون العباد، وليس كل المسائل التي تعرض على ولي الأمر تعرضت لها نصوص الكتاب والسنة على وجه التفصيل، فقد يطرأ طارئ على الأمة لم يكن موجودًا من قبل فلا بد للحاكم أن يحكم بالمسألة بما يوافق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية. وقد وقعت مسألة زوجة المفقود في زمن عمر فاجتهد بها في إمهال الزوج أربعة أعوام ثم التفريق بعد ذلك بينهما واعتداد الزوجة عدة الوفاة، فهذه المسألة هي من مسائل السياسة الشرعية التي ترك للحاكم الفصل فيها والاجتهاد في حلها بما فيه مصلحة المسلمين.
[ ٨ / ٤٣ ]
تنبيه:
إذا علمت هذا ظهر لك أن قول الشارح تبعًا للتوضيح: (إن الذي في أصل المدونة أن في المغمور القسامة، وهو خلاف ما هنا) غير ظاهر.
وشبه بما فيه القصاص بلا قسامة بقوله: وكطرح غير محسن للعوم في نهر عداوة ومات، ففي آخر ديات التهذيب: وإن طرح رجلًا في نهر ولم يدر أنه لا يحسن العوم فمات فإن كان على العداوة والقتال قتل به.
قال ابن ناجي: ظاهرها أنه لو لم يعلم أنه يحسن العوم لم يقتل به، وإن كان على وجه العداوة.
وإلا بأن طرح محسنًا للعوم أو كان الطرح على غير وجه العداوة بل للعب وشهده، فلا يقتل به، وإذا لم يقتل به فدية، وإذا قتل فيما تقدم فظاهره كالمدونة بغير قسامة.
تنبيهات:
الأول: قول ابن الحاجب: (بقسامة) أنكره المؤلف قائلًا: لم أره.
الثاني: أجمل في قوله: (فدية)؛ إذ يحتمل أنها دية خطأ محمسة، وهو ظاهر المدونة، وقول مالك وابن القاسم، واختاره اللخمي إن كان على الوجه المعتاد، ويحتمل أنها مغلظة، وهو قول ابن وهب، واختار اللخمي الأول إن كان على الوجه المعتاد، والثاني إن خرج عن المعتاد، واختلف أيضًا هل على العاقلة أو لا؟ (١).
_________________
(١) قال في المنح (٩/ ٢٠ - ٢١): "تت أجمل في قوله دية، إذ يحتمل أنها دية خطأ مخمسة وهو ظاهر المدونة، وقول مالك وابن القاسم رضي اللَّه تعالى عنهما، واختاره اللخمي إن كان على الوجه المعتاد، ويحتمل أنها مغلظة وهو قول ابن وهب، واختاره اللخمي إن خرج عن المعتاد، واختلف أيضًا هل على العاقلة أو لا. طفي لا إجمال لأن المصنف عين فيما يأتي مواضع التغليظ، وهذا ليس منها، فيعلم من كلامه أنها دية خطأ مخمسة وكلامه يبين بعضه بعضًا ونص أيضًا على أن المغلظة هي التي تكون في مال الجاني، وما عداها على العاقلة، فكلامه محرر لمن أحاط بأطرافه قوله إن كان أي اللعب على الوجه المعتاد كما صرح به غيره. اهـ. =
[ ٨ / ٤٤ ]
الثالث: قال بعض من تكلم على هذا المحل: وإلا فالدية، لا يقال في مثله استثناء.
[القتل بالتسبب:]
ولما فرغ من الكلام على المباشرة أتبعه بالتسبب، وهو أن يفعل فعلا يكون سببًا للإتلاف، ومثل له بأمثلة، فقال مشبها في الحكمين السابقين:
- وكحفر بئر إن لم تكن ببيته، بل بموضع لا يجوز له كطريق المسلمين قصدًا لإهلاك معين.
قال مالك: من حفر بئر اللص ليهلك فيها، فهلك فيها، فإنه يقتل به، وإن لم يقصد إهلاك معين، فالدية ولا قتل.
ثم بالغ على ما فيه القتل بقوله: وإن ببيته، وقصد إهلاك معين، فوقع فيه، وأما إن لم يقصد ضرر أحد، بل حفره لضرورة عرضت له، فوقع فيها إنسان أو غيره، فلا ضمان عليه.
- أو وضع مزلق بطريق، كرش قناة يريد أن يزلق به من مر من إنسان أو غيره فضامن.
- أو ربط دابة بطريق فيضمن، قال الشارح: إذا جعل ذلك ديدنًا، وأما لو فعل من ذلك ما يجوز له، كأن يترك ويدخل لحاجة وهي واقفة بالطريق فلا يضمن.
- أو اتخاذ كلب عقور ببيته لإهلاك سارق ونحوه، فيهلك، فالقود، إذا تقدم لصاحبه فيه إنذارًا، فإن لم يتقدم فلا ضمان.
_________________
(١) = أقول الإخفاء في إجمال كلامه هنا خصوصًا، وفي المسألة الخلاف. البناني يتحصل من كلامهم أنه إن تحقق أنه يحسن العوم فلا قصاص ألقاه لعبًا وعداوة، وإن تحقق أنه لا يحسن العوم فالقصاص مطلقًا وإذا جهل ففي العداوة القصاص، وفي اللعب لا قصاص فالدية فقوله غير محسن العوم، أي في نفس الأمر والملقى جاهل زاد بعضهم ما إذا علم أنه يحسن العوم، لكن ظن أنه لا ينجو لشدة برد أو طول مسافة".
[ ٨ / ٤٥ ]
[شرطا قود التسبب:]
ثم أفاد أن القود في هذه المسائل كلها إذا فعل واحدًا منها بشرطين:
أشار لأحدهما بقوله: قصد الضرر، فإن لم يقصده فلا قود إذا فعله بمكان يجوز له (١).
وأشار للثاني بقوله: وهلك المقصود بعينه، وإلا بأن لم يفعل ذلك قصد الضرر، أو فعله لقصده، لكن هلك غير المقصود، فالدية.
قال الشارح: الاستثناء راجع لقوله: (هلك المقصود) لا له، ولما قبله، وإلا لزم عليه أنه إذا حفرها بموضع يجوز له من ملك لا لقصد الضرر بل لأمر عرض له فوقع فيها إنسان أو غيره أنه يضمن، وليس كذلك.
[الإكراه:]
ثم أشار لنوع آخر من التسبب بقوله: وكالإكراه وهو نسبة تصدر من شخص على آخر، والمراد كل من المتسببين، فيقتل المكره اسم فاعل؛ لتسببه، والمكره اسم مفعول إذا لم تمكنه مخالفة الأمر خوف قتله، أو إجراء مكروه عليه، فيقتل لمباشرته (٢).
_________________
(١) قال في المنح (٤/ ٤٥٣): "ابن ناجي على قول الرسالة: (ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر) ما نصه: ما لم يضطر لحفظه فيتخذ حتى يزول المانع وقد اتخذ الشيخ ابن أبي زيد كلبًا في داره حين وقع حائط منها وخاف على نفسه من الشيعة، فقيل له في ذلك، فقال: لو أدرك مالك -﵁- عنه زمننا لاتخذ أسدا ضاريا".
(٢) على الرغم من أن الإكراه عذر للمرء في أن يكفر باللَّه ظاهرًا، إلا أنه ليس كذلك في مسألة القتل، قال القرطبي في جامعه (١٠/ ١٨٠، وما بعدها) في تفسير آية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾: "الثانية: - قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، في قول أهل التفسير؛ لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عباس: أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمه سمية وصهيبًا وبلالًا وخبابًا وسالمًا فعذبوهم، وربطت سمية بين بعيرين ووجئ قبلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال؛ فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهًا، فشكا ذلك إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فإن =
[ ٨ / ٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = عادوا فعد". وروى منصور بن المعتمر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام أم عمار، قتلها أبو جهل، وأول شهيد من الرجال مهجع مولى عمر. وروى منصور أيضًا عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر، وبلال، وخباب، وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار. فأما رسول اللَّه -ﷺ- فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدرع الحديد، ثم صهروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشي أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، وأتى سمية فجعل يسبها ويرفث، ثم طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها؛ -﵄-. قال: وقال الآخرون ما سئلوا إلا بلالًا فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، فجعلوا يعذبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أحد أحد؛ حتى ملوه، ثم كتفوه وجعلوا في عنقه حبلًا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة حتى ملوه وتركوه، قال فقال عمار: كلنا تكلم بالذي قالوا -لولا أن اللَّه تداركنا- غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في اللَّه، فهان على قومه حتى ملوه وتركوه. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالًا فأعتقه. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناسًا من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمد -ﷺ- بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيل بن إسحاق. وروى الترمذي عن عائشة قالت قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما" هذا حديث حسن غريب. وروي عن أنس بن مالك قال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان بن ربيعة". قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح. الثالثة: - لما سمح اللَّه ﷿ بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم؛ وبه جاء الأثر المشهور عن النبي -ﷺ-: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربي. وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع. الرابعة: - أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر؛ هذا قول مالك والكوفيين والشافعي؛ غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدًا في الظاهر، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى على الإسلام، وتبين =
[ ٨ / ٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا. وهذا قول يرده الكباب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ الآية. وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٧] الآية. وقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية. فعذر اللَّه المستضعفين الذين يمتنعون من ترك ما أمر اللَّه به، والمكره لا يكون إلا مستضعفًا غير ممتنع من فعل ما أمر به؛ قاله البخاري. الخامسة: - ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول، وأما في الفعل فلا رخصة فيه، مثل أن يكرهوا على السجود لغير اللَّه أو الصلاة لغير القبلة، أو قتل مسلم أو ضربه أو أكل ماله، أو الزنى وشرب الخمر وأكل الربا؛ يروى هذا عن الحسن البصري، -﵁-. وهو قول الأوزاعي وسحنون من علمائنا. وقال محمد بن الحسن: إذا قيل للأسير: اسجد لهذا الصنم وإلا قتلتك. فقال: إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد ويكون نيته للَّه تعالى، وإن كان لغير القبلة فلا يسجد وإن قتلوه. والصحيح أنه يسجد وإن كان لغير القبلة، وما أحراه بالسجود حينئذ؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] في رواية: ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. فإذا كان هذا مباحًا في السفر في حالة الأمن لتعب النزول عن الدابة للتنفل فكيف بهذا. واحتج من قصر الرخصة على القول بقول ابن مسعود: ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان إلا كنت متكلمًا به. فقصر الرخصة على القول ولم يذكر الفعل، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يجعل للكلام مثالًا وهو يريد أن الفعل في حكمه. وقالت طائفة: الإكراه في الفعل والقول سواء إذا أسر الإيمان. روي ذلك عن عمر بن الخطاب ومكحول، وهو قول مالك وطائفة من أهل العراق. روى ابن القاسم عن مالك أن من أكره على شرب الخمر وترك الصلاة أو الإفطار في رمضان، أن الإثم عنه مرفوع. السادسة: - أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل اللَّه العافية في الدنيا والآخرة. واختلف في الزنى، فقال مطرف وأصبغ وابن عبد الحكم وابن الماجشون: لا يفعل أحد ذلك، وإن قتل لم يفعله، فإن فعله فهو آثم ويلزمه الحد؛ وبه قال أبو ثور والحسن. قال ابن العربي: الصحيح أنه يجوز الإقدام على الزنى ولا حد عليه، خلافًا لمن ألزمه ذلك؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور الإكراه عليها، وغفل عن السبب في باعث الشهوة وهو الإلجاء إلى ذلك، وهو الذي أسقط حكمه، وإنما يجب =
[ ٨ / ٤٨ ]
ويقتص في تقديم شيء مسموم، عممه ليشمل الطعام والشراب واللباس، وأصله قصة اليهودية التي سممت الشاة بخيبر للنبي -ﷺ- (١).
واختلف في قتله لها على قولين (٢)، وورد أنه قتلها ببشر بن
_________________
(١) = الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري، فقاس الشيء على ضده، فلم يحل بصواب من عنده. وقال ابن خويز منداد في أحكامه: اختلف أصحابنا متى أكره الرجل على الزنى؛ فقال بعضهم: عليه الحد؛ لأنه إنما يفعل ذلك باختياره. وقال بعضهم: لا حد عليه. قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح. وقال أبو حنيفة: إن أكرهه غير السلطان حد، وإن أكرهه السلطان فالقياس أن يحد، ولكن استحسن ألا يحد. وخالفه صاحباه فقالا: لا حد عليه في الوجهين، ولم يراعوا الانتشار وقالوا: متى علم أنه يتخلص من القتل بفعل الزنى جاز أن ينتشر. قال ابن المنذر: لا حد عليه، ولا فرق بين السلطان في ذلك وغير السلطان".
(٢) قال البخاري في صحيحه (٣/ ١١٥٦، رقم: ٢٩٩٨): "حدثنا عبد اللَّه بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني سعيد عن أبي هريرة -﵁- قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي -ﷺ- شاة فيها سم فقال النبي -ﷺ- "اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود". فجمعوا له فقال "إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه". فقالوا نعم قال لهم النبي -ﷺ- "من أبوكم". قالوا فلان فقال "كذبتم بل أبوكم فلان". قالوا صدقت قال "فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه". فقالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا فقال لهم "من أهل النار؟ ". قالوا نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها فقال النبي -ﷺ- "اخسووا فيها واللَّه لا نخلفكم فيها أبدا". ثم قال "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه". فقالوا نعم يا أبا القاسم قال "هل جعلتم في هذه الشاة سما". قالوا نعم قال "ما حملكم على ذلك". قالوا أردنا إن كنت كاذبًا نستريح وإن كنت نبيًا لم يضرك".
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٩): "قال ابن إسحاق: لما اطمأن النبي -ﷺ- بعد فتح خيبر أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية وكانت سألت أي عضو من الشاة أحب إليه قيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم فلما تناول الذراع لاك منها مضغة ولم يسغها وأكل معه بشر بن البراء فأساغ لقمته فذكر القصة وأنه صفح عنها وأن بشر بن البراء مات منها وروى البيهقي من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن امرأة من اليهود أهدت لرسول اللَّه -ﷺ- شاة مسمومة فأكل فقال لأصحابه أمسكوا فإنها مسمومة وقال لها ما حملك على ذلك قالت أردت إن كنت نبيًا فيطلعك اللَّه وإن كنت كاذبًا فأريح الناس منك قال فما عرض لها ومن طريق أبي نضرة عن جابر نحوه فقال فلم يعاقبها وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن أبي بن كعب مثله وزاد فاحتجم على =
[ ٨ / ٤٩ ]
البراء (١)، لموته من أكله منها.
_________________
(١) = الكاهل قال قال الزهري فأسلمت فتركها قال معمر والناس يقولون قتلها وأخرج بن سعد عن شيخه الواقدي باسانيد متعددة له هذه القصة مطولة وفي آخره قال فدفعها إلى ولاة بشر بن البراء فقتلوها قال الواقدي وهو الثبت وأخرج أبو داود من طريق يونس عن الزهري عن جابر نحو رواية معمر عنه وهذا منقطع لأن الزهري لم يسمع من جابر ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة نحوه مرسلًا قال البيهقي وصله حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال البيهقي يحتمل أن يكون تركها أولًا ثم لما مات بشر بن البراء من الأكلة قتلها وبذلك أجاب السهيلي وزاد إنه كان تركها لأنه كان لا ينتقم لنفسه ثم قتلها ببشر قصاصًا قلت ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت وإنما أخر قتلها حتى مات بشر لأن بموته تحقق وجوب القصاص بشرطه ووافق موسى بن عقبة على تسميتها زينب بنت الحارث وأخرج الواقدي بسند له عن الزهري أن النبي -ﷺ- قال لها: "ما حملك على ما فعلت" قالت قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي قال فسألت إبراهيم بن جعفر فقال عمها يسار وكان من أجبن الناس وهو الذي أنزل من الرف وأخوها زبير وزوجها سلام بن مشكم ووقع في سنن أبي داود أخت مرحب وبه جزم السهيلي وعند البيهقي في الدلائل بنت أخي مرحب ولم ينفرد الزهري بدعواه أنها أسلمت فقد جزم بذلك سليمان التيمي في مغازيه ولفظه بعد قولها وإن كنت كاذبًا أرحت الناس منك وقد استبان لي الآن أنك صادق وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله قال فانصرف عنها حين أسلمت وقد اشتملت قصة خيبر على أحكام كثيرة منها جواز قتال الكفار في أشهر الحرم والإغارة على من بلغته الدعوة بغير إنذار وقسمة الغنيمة على السهام وأكل الطعام الذي يصاب من المشركين قبل القسمة لمن يحتاج إليه بشرط أن لا يدخره ولا يحوله وأن مدد الجيش إذا حضر بعد انقضاء الحرب يسهم له إن رضي الجماعة كما وقع لجعفر والأشعريين ولا يسهم لهم إذا لم يرضوا كما وقع لأبان بن سعيد وأصحابه وبذلك يجمع بين الأخبار ومنها تحريم لحوم الحمر الأهلية وأن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة وتحريم متعة النساء وجواز المساقاة والمزارعة ويثبت عقد الصلح والتوثق من أرباب التهم وأن من خالف من أهل الذمة ما شرط عليه انتقض عهده وهدر دمه وأن من أخذ شيئًا من الغنيمة قبل القسمة لم يملكه ولو كان دون حقه وأن الإمام مخير في أرض العنوة بين قسمتها وتركها وجواز إجلاء أهل الذمة إذا استغنى عنهم وجواز البناء بالأهل بالسفر والأكل من طعام أهل الكتاب وقبول هديتهم وقد ذكرت غالب هذه الأحكام في أبوابها واللَّه الهادي للصواب".
(٢) قال الحافظ في الإصابة (١/ ٢٩٤): "بشر بن البراء بن معرور تقدم ذكر نسبه في =
[ ٨ / ٥٠ ]
ويقتص منه في رميه حية حية عليه فلذغته، وقيده ابن الحاجب بكونه يعلم أنها قاتلة، ولا يقبل قوله: لم أرد قتله، وترك المؤلف التقييد، ولعله نحا لقوله في توضيحه: لو قيل بالقصاص في الحيات، وإن لم يعرف أنها قاتلة ما بعد.
وأشار لمثال آخر من التسبب بقوله: وكإشارته على شخص بسيف فهرب وطلبه وبينهما عداوة حتى مات فالقصاص، قاله ابن القاسم.
وإن أشار عليه بالسيف ليضربه فهرب منه واستمر يجري حتى سقط ومات أو حتى عثر ومات قبل أن يدرك فبقسامة، يقسم ولاته خوفًا منه، ويقتلونه به، قاله ابن القاسم.
وإشارته عليه فقط بالسيف وبينهما عداوة فهو خطأ، ديته على العاقلة، فيه إجمال.
_________________
(١) = ترجمة أبيه قريبًا وأنه كان أحد النقباء ومات قبل الهجرة وأما بشر فشهد العقبة مع أبيه وشهد بدرًا وما بعدها ومات بعد خيبر من أكلة أكلها مع النبي -ﷺ- من الشاة التي سم فيها قاله بن إسحاق وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه وأبو الشيخ في الأمثال والوليد بن أبان في كتاب الجود من طريق صالح بن كيسان عن بن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك أن النبي -ﷺ- قال: "من سيدكم يا يني نضلة" قالوا: جد بن قيس قال: "لم تسودونه" فقالوا إنه أكثرنا ما لا وإنا على ذلك لنزنه بالبخل قال: "وأي داء ادوأ من البخل ليس ذا سيدكم" قالوا فمن سيدنا يا رسول اللَّه قال: "بشر بن البراء بن معرور" تابعه بن إسحاق عن الزهري وقال في روايته بل سيدكم الأبيض الجعد بشر بن البراء وهكذا رواه يونس وإبراهيم بن سعد عن الزهري من رواية الأويسي عنه وخالفه يعقوب بن إبراهيم بن سعد فرواه عن أبيه مرسلًا أخرجه بن أبي عاصم وكذا أرسله معمر وهو في مصنف عبد الرزاق في مساوي الأخلاق للخرائطي وابن أخي الزهري عن عمه وهو في الأمثال لأبي عروبة وشعيب عن الزهري في نسخة بن أبي اليمان وله شاهد من حديث عبد الملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد اللَّه في المعرفة وآخر من حديث أبي هريرة في المستدرك والأمثال لأبي عروبة وكامل بن عدي أورده بن عدي في ترجمة سعيد بن محمد الوراق رواية عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه ولم ينفرد به سعيد بل تابعه النضر بن شميل عند الوليد بن أبان وأبي الشيخ ومحمد بن يعلى عند الحاكم أيضًا وأخرجه أبو الشيخ أيضًا من حديث بن عمر بإسناد ضعيف".
[ ٨ / ٥١ ]
قال ابن القاسم: مخمسة.
ورأى اللخمي أنها مغلظة.
تنبيه:
تلخص من كلامه أن المسألة على ثلاثة أوجه، وقد علم حكم كل منها، وأن الوجه الثاني يشتمل على وجهين.
وكالإمساك -وهو: أن يمسكه لآخر- للقتل فيقتله، يقتلان معًا:
أحدهما: لتسببه.
والآخر: لمباشرته.
وظاهره: سواء علم الممسك أن الطالب يقدر على قتله أو لا، وهو كذلك، وصدر به ابن الحاجب.
وقيل: يشترط أن يعلم أنه لولا هو لم يقدر على قتله.
وظاهره أيضًا: علم المكره بالفتح أنه يقتله ظلمًا أو لا.
وقال ابن القصار: إنما يقتل إذا علم أنه يقتله ظلمًا؛ إذ لا خلاف أن الإكراه لا يبيح له قتل مسلم ظلمًا، ويقتل المكره أيضًا لأن القاتل كآلة له.
[قتل الجماعة بالواحد:]
ويقتل الجمع بواحد (١)، إذا اجتمعوا على قتله عمدًا ونحوه في المدونة.
_________________
(١) قال في المنتقى: "قوله إن عمر قتل جماعة برجل قتلوه قتل غيلة فيه بابان أحدهما في قتل الجماعة بالواحد والثاني في معنى الغيلة. (الباب الأول في قتل الجماعة بالواحد) فأما قتل الجماعة بالواحد يجتمعون في قتله فإنهم يقتلون به، وعليه جماعة العلماء، وبه قال عمر وعلي وابن عباس، وغيرهم، وعليه فقهاء الأمصار إلا ما يروى عن أهل الظاهر، والدليل على ما يقوله خبر عمر هذا، وصارت قضيته بذلك، ولم يعلم له مخالف فثبت أنه إجماع، ودليلنا من جهة القياس أن هذا حد وجب للواحد على الواحد فوجب للواحد على الجماعة كحد القذف. =
[ ٨ / ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (مسألة) قال مالك في الموازية والمجموعة يقتل الرجلان وأكثر بالرجل الحر، والنساء بالمرأة والإماء والعبيد كذلك قال ابن القاسم وأشهب وإن اجتمع نفر على قتل امرأة أو صبي قتلوا به. (فرع) وهذا إذا اجتمع النفر على ضربه يضربونه حتى يموت تحت أيديهم فقد قال مالك يقتلون به، وقال ابن القاسم وابن الماجشون في النفر يجتمعون على ضرب رجل، ثم ينكشفون عنه، وقد مات فإنهم يقتلون به، وروى ابن القاسم، وعلي بن زياد عن مالك إن ضربه هذا بسلاح، وهذا بعصا، وتمادوا عليه حتى مات قتلوا به إلا أن يعلم أن ضرب بعضهم قتله. (مسألة) وإذا اشترك في قتل عبدهم حر وعبد ففي الموازية، والمجموعة عن مالك يقتل العبد، وعلى الحر نصف قيمته، وإذا قتله صغير وكبير قتل الكبير وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، وروى ابن حبيب أن ابن القاسم اختلف فيها قوله فمرة قال هذا، ومرة قال إن كانت ضربة الصغير عمدًا قتل الكبير، وإن كانت خطأ لم يقتل، وعليهما الدية قال أشهب في الموازية يقتل الكبير قال ابن المواز، وهو أحب إلى قاله أشهب، ومن فرق بين عمد الصبي وخطئه فقد أخطأ، وحجته أنه لا يدري من أيهما مات، وكذلك في عمد الصبي لا يدري من أيهما مات، وهو يرى عمده كالخطإ. (فرع) فإذا قلنا بذلك وجب على الصغير حصته من الدية فقد قال ابن المواز ما يقع من الدية على الصغير في ماله، وإنما يكون عليه ما يقع على العاقلة إذا كان القتل كله خطأ، وهذا ظاهر قول ابن القاسم، وقال أشهب ذلك على العاقلة، وإن قل ذلك، وأما إذا اشترك العامد والمخطىء فقد قال ابن القاسم لا يقتل العامد إذا شاركه المخطىء، وقال أشهب في المجموعة لو أن قومًا في قتال العدو ضربوا مسلمًا فقتلوه منهم من ظنه من العدو، ومنهم من تعمده لعداوة، وقتل به المتعمد، وعلى الآخرين ما يصيبهم من الدية. (الباب الثاني في قتل الغيلة) أصحابنا يوردوه على وجهين أحدهما القتل على وجه التحيل والخديعة، والثاني على وجه القصد الذي لا يجوز عليه الخطأ فأما الأول ففي العتبية والموازية قتل الغيلة من المحاربة إلا أن يغتال رجلًا أو صبيًا فيخدعه حتى يدخله موضعًا فيأخذ ما معه فهو كالمحاربة فهذا بين في أحد الوجهين". وقال ابن بطال في شرح البخاري (٨/ ٥٢٥، وما بعدها): "باب إذا أصاب قوم من رجل، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم؟ وقال مطرف، عن الشعبى في رجلين شهدا على رجل أنه سرق فقطعه علي، ثم جاءا بآخر، وقالا: أخطأنا، فأبطل شهادتهما، وأخذهما بدية الأول، وقال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما. =
[ ٨ / ٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٣٠ - فيه: ابن عمر، ﵄، أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم.
(٢) وفيه: مغيرة بن حكيم، عن أبيه: أن أربعة قتلوا صبيًا، فقال عمر مثله. وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة، وأقاد عمر من ضربة بالدرة، وأقاد علي من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش.
(٣) فيه: عائشة: (لددنا رسول اللَّه (ﷺ) في مرضه، وجعل يشير إلينا لا تلدوني، قال: فقلنا: كراهية المريض بالدواء، فلما أفاق، قال: "ألم أنهكم أن تلدوني" قال: قلنا: كراهية للدواء، فقال رسول اللَّه (ﷺ): "لا يبقى منكم أحد إلا لد، وأنا أنظر إلا العباس، فإنه لم يشهدكم". ذهب جمهور العلماء إلى أن الجماعة إذا قتلوا واحدًا به كلهم على نحو ما فعل عمر بن الخطاب ورى مثله عن على بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والنخعي والشعبي وجماعة أئمة الأمصار. وفيها قول آخر: روى عن عبد اللَّه والزبير ومعاذ بن جبل: أن لولى المقتول أن يقتل واحدًا من الجماعة، ويأخذ بقية الدية من الباقين، مثل أن يقتله عشرة أنفس، فله أن يقتل واحدًا منهم ويأخذ من التسعة تسعة أعشار الدية. وبه قال ابن سيرين والزهري. وقال أهل الظاهر: لا قود على واحد منهم أصلًا وعليهم الدية. وهذا خلاف ما أجمعت عليه الصحابة، وحجة الجماعة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ﴾ [الإسراء: ٣٣] فلا فرق بين أن يكون القاتل واحدًا أو جماعة، لوقوع اسم القتلة عليهم، ولأن اللَّه تعالى جعل الحجة لولي المقتول عليهم، وعلى مثل هذا يدل حديث عائشة أن النبي (ﷺ) أمر أن يلد كل من في البيت لشهودهم للدده الذي نهاهم عنه وما ذاق من الألم واشتراكهم في ذلك، وهو حجة في قصاص الواحد من الجماعة، ولو لم تقتل الجماعة بالواحد لأدى ذلك إلى رفع الحياة في القصاص الذي جعله اللَّه حياة ولم يشأ أحد أن يقتل أحدًا ثم لا يقتل به إلا دعا من يقتله معه لسقط عنه القتل، وأيضًا فإن النفس لا تتبعض في الإتلاف، بدليل أنه لا يقال: قاتل بعض نفس؛ لأن كل واحد قد حصل من جهته فعل ما يتعلق به خروج الروح عنده، وهذا لا يتبعض لامتناع أن يكون بعض الروح خرج بفعل أحدهم، وبعضها بفعل الباقين، فكان كل واحد منهم قاتل نفس، ومثل هذا لو أن جماعة دفعوا حجرًا، لكان كل واحد منهم دافعًا له؛ لأن الحجر لا يتبعض كما أن النفس لا تتبعض. فإن قيل: إنما قال لكل واحد منهم قاتل نفس كما يقال في الجماعة: أكلت الرغيف، وليس كل واحد منهم أكل الرغيف كله. قيل: إنما كان هذا؛ لأن الرغيف يتبعض، فصح أن يقال لكل واحد منهم: أكل بعض الرغيف، ولما لم يصح التبعيض في النفس لم =
[ ٨ / ٥٤ ]
ويقتل المتمالئون على القتل، دان بسوط سوط من كل واحد، لخبر الموطأ عن عمر في الصبي: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء [على قتل صبي] لقتلتهم به" (١).
فرع:
قال في الجواهر: لو اجتمع جماعة على رجل يضربونه، فقطع رجل يده، وفقأ آخر عينه، وجذع آخر أنفه، وقتله آخر، وقد اجتمعوا على قتله، فمات مكانه قتلوا به كلهم، وإن كان جرح بعضهم أنكأ من جرح بعض.
ولا قصاص له في الجراح ما لم يتعمدوا المثلة، وإن لم يريدوا قتله، اقتص من كل واحد بجرحه، وقتل قاتله انتهى.
فقوله: (ومات مكانه) أي: وأما لو مات بعد ذلك ففيه القسامة.
_________________
(١) = يصح أن يقال قاتل بعض نفس، وقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الألف واللام للجنس فتقديره: الأنفس بالأنفس، وكذلك قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] تقديره: الأحرار بالأحرار. فلا فرق بين جماعة قتلوا واحدًا أو جماعة، وأما القود من اللطمة وشبهها، فذكر البخاري عن أبي بكر الصديق وعمر وعلي وابن الزبير أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها، وقد روى عن عثمان وخالد بن الوليد مثل ذلك، وهو قول الشعبي وجماعة من أهل الحديث، وقال الليث: إن كانت اللطمة في العين فلا قصاص فيها للخوف على العين ويعاقبه السلطان، وإن كانت على الخد ففيها القود. وقالت طائفة: لا قصاص في اللطمة. فروى هذا عن الحسن وقتادة، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي. واحتج مالك في ذلك، وقال: ليس لطمة المريض والضعيف مثل لطمة القوي، وليس العبد الأسود يلطم مثل الرجل له الحال والهيئة، وإنما في ذلك كله الاجتهاد لجهلنا بمقدار اللطمة. واختلفوا في القود من ضرب السوط، فقال الليث: يقاد من الضرب بالسوط ويزاد عليه للتعدى. وقال ابن القاسم: يقاد من السوط، ولا يقاد منه عند الكوفيين، والشافعي إلا أن يجرح، قال الشافعي: إن جرح السوط ففيه حكومة. وحديث لد النبي (ﷺ) لأهل البيت حجة لمن جعل القود في كل ألم، وإن لم في جرح ولا قصد لأذى، بسوط كان الألم أو بيد أو غيره، وقد تقدم في كتاب الأحكام مذاهب العلماء في الشاهد إذا تعمد الشهادة بالزور، هل يلزمه الضمان، وقد تقدم تفسير قتل الغيلة، في باب من قتل قتيلًا فهو بخير النظرين".
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٨٧١)، والشافعي في الأم (٦/ ٢٢)، والبيهقي (٨/ ٤٠).
[ ٨ / ٥٥ ]
[مسألة:]
ويقتل المتسبب مع المباشر، كحافر بئر ليقع فيه معين، فيهلك، فوقف على شفيرها فرداه فيها غير الحافر فمات.
وقال القاضي أبو عبد اللَّه بن هارون: يقتل المردي تغليبًا للمباشرة، فلو حفرها لنفسه فرداه غيره فالقود على المردي اتفاقًا، ولا شيء على الحافر.
وشبه هذه بقوله: كمكره: بالكسر ومكره بالفتح في كونهما يقتلان معًا.
وأشار لمثال من أمثلة التسبب بقوله: وكأب أو معلم أمر كل منهما ولدًا صغيرًا مراهقًا بقتل شخص، أو سيد بالجر عطفًا على أب أمر عبدًا مطلقًا يحتمل صغيرًا أو كبيرًا، فصيحًا أو أعجميًا، فيقتل الآمر وحده عند ابن القاسم في المسائل الثلاث، وعلى عاقلة الصغير نصف الدية، فإن كثر الصبيان فعلى عواقلهم، وإن لم يجب على عاقلة كل إلا أقل من الثلث، فإنها تحمله، قاله ابن يونس.
ويلغز بها، وفهم من قوله: (صغيرًا) أن الكبير يقتل دون الآمر في المسألتين، وهو كذلك، ولا قتل على الآمر ولا على عاقلته، وعليه العقوبة.
وإن لم يخف المأمور من الآمر وقتل اقتص منه فقط، ويضرب الآمر مائة ويحبس عامًا.
وعلى المكلف شريك الصبي في القتل القصاص دون الصبي، إن تمالآ على قتله، قال في المدونة: وعلى عاقلة الصبي نصف الدية.
ومفهوم كلامه: لو تعمد من غير تمالىء لم يقتل المكلف؛ لاحتمال كون رمي الصبي هو القاتل، ولو كانا مخطئين، أو المكلف مخطئًا، لم يقتل الكبير، وكذا لو كانت رمية المكلف عمدًا والصبي خطأ عند ابن القاسم.
لا شريك مخطئ، تعمد الشريك، ولا شريك مجنون، فلا يقتص من واحد من شريكهما؛ إذ لا يدري القاتل منهما، ولا قتل بشك.
[ ٨ / ٥٦ ]
واختلف هل يقتص من شريك سبع ونحوه، افترس شخصًا، ثم ضربه آخر حالة الافتراس، قاصدًا قتله، فمات بعد الجرح، ومن شريك جارح نفسه، ضربه آخر قاصدًا قتله، ومات، ومن شريك حربي، ومن شريك مرض بعد الجرح، حصل للمجروح يموت منه غالبًا ومات، أو لا يقتص من الشريك في هذه الأربع، أو إنما عليه نصف الدية، ويضرب مائة، ويحبس عامًا (١)، قولان لابن القاسم.
_________________
(١) الحبس في اللغة كما في معجم مقاييس اللغة (٢/ ١٢٨): "الحاء والباء والسين. يقال حَبَسْتُه حَبْسًا. والحَبْس: ما وُقِف، يقال: أَحْبَسْتُ فرسًا في سبيل اللَّه، والحِبْسُ: مَصنعةٌ للماء، والجمع أحباس". والسجن كما في المصدر السابق (٣/ ١٣٧): "السين والجيم والنون أصل واحد، وهو الحَبْس. يقال سجنته سَجنًا. والسِّجن: المكان يُسجَن فيه الإنسان. قال اللَّه جلَّ ثناؤه في قصّة يوسف ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. فيقرأ فتحًا على المصدر، وكسرًا على الموضع (٢٠)، وأما قولُ ابنِ مُقْبل: ضربًا تَوَاصَى به الأبطالُ سِجِّينًا فقيل إنَّهُ أراد سِجِّيلًا. أي شديدًا. وقد مضى ذِكرُهُ. وإِنَّما أبدل اللام نونًا. والوجه في هذا أنَّهُ قياس الأوَّل من السَّجن، وهو الحبس؛ لأنَّه إذا كان ضربًا شديدًا ثبت المضروب، كأنَّه قد حبسه". قال القرطبي في جامعه (٦/ ٣٥٢، وما بعدها) في تفسير آية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾: "التاسعة - قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ قال أبو علي: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ صفة لـ ﴿آخَرَانِ﴾ واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾. وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حق؛ والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجلًا؛ ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلًا؛ فإن خلي من عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوي فلم يكن بد من التوثق منه فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهنًا؛ وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل؛ وهو دون الأول؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره؛ ولكن لا يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعًا لم يبق إلا التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق؛ أو تبين عسرته. العاشرة - فإن كان الحق بدنيًا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجلًا؛ لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه؛ ولأجل هذه الحكمة شرع السجن روى أبو =
[ ٨ / ٥٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = داود والترمذي وغيرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي -ﷺ- حبس رجلًا في تهمة. وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. قال الخطابي: الحبس على ضربين؛ حبس عقوبة، وحبس استظهار، فالعقوبة لا تكون إلا في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه؛ وقد روي أنه حبس رجلًا في تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه. وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن". وقال ابن القيم في الطرق الحكمية: "فصل في التهم، القسم الثاني من الدعاوى، دعاوى التهم، وهي: دعوى الجناية والأفعال المحرمة كدعوى القتل، وقطع الطريق، والسرقة، والقذف، والعدوان. فهذا ينقسم المدعى عليه فيه إلى ثلاثة أقسام، فإن المتهم إما أن يكون بريئًا ليس من أهل تلك التهمة، أو فاجرًا من أهلها، أو مجهول الحال لا يعرف الوالي والحاكم. فإن كان بريئًا لم تجز عقوبته اتفاقًا، واختلفوا في عقوبة المتهم له على قولين أصحهما: أنه يعاقب صيانة لتسلط أهل الشر والعدوان على أعراض البرآء. قال مالك وأشهب رحمهما اللَّه: لا أدب على المدعي إلا أن يقصد أذية المدعى عليه وعيبه وشتمه، فيؤدب. وقال أصبغ: يؤدب، قصد أذيته أو لم يقصد، وهل يحلف في هذه الصورة؟ فإن كان المدعى حدًا للَّه لم يحلف عليه، وإن كان حقًا لآدمي ففيه قولان، مبنيان على سماع الدعوى، فإن سمع الدعوى حلف له، وإلا لم يحلف. والصحيح: أنه لا تسمع الدعوى في هذه الصورة، ولا يحلف المتهم لئلا يتطرق الأراذل والأشرار إلى الاستهانة بأولي الفضل والأخطار، كما تقدم من أن المسلمين يرون ذلك قبيحًا.
(٢) (فصل) القسم الثاني: أن يكون المتهم مجهول الحال، لا يعرف ببر ولا فجور، فهذا يحبس حتى ينكشف حاله عند عامة علماء الإسلام، والمنصوص عليه عند أكثر الأئمة: أنه يحبسه القاضي والوالي، هكذا نص عليه مالك وأصحابه، وهو منصوص الإمام أحمد ومحققي أصحابه، وذكره أصحاب أبي حنيفة. وقال الإمام أحمد: قد حبس النبي -ﷺ- في تهمة، قال أحمد: وذلك حتى يتبين للحاكم أمره، وقد روى أبو داود في سننه" وأحمد وغيرهما من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده: "أن النبي حبس في تهمة" وفي "جامع الخلال" عن أبي هريرة -﵁-: "أن النبي حبس في تهمة يومًا وليلة". =
[ ٨ / ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = والأصول المتفق عليها بين الأئمة توافق ذلك، فإنهم متفقون على أن المدعي إذا طلب المدعى عليه، الذي يسوغ إحضاره: وجب على الحاكم إحضاره إلى مجلس الحكم، حتى يفصل بينهما، ويحضره من مسافة العدوى -التي هي عند بعضهم بريد- وهو ما لا يمكن الذهاب إليه والعود في يومه، كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، وهو رواية عن أحمد، وعن بعضهم يحضره من مسافة القصر، وهي مسيرة يومين، كما هي الرواية الأخرى عن أحمد. ثم إن الحاكم قد يكون مشغولًا عن تعجيل الفصل، وقد تكون عنده حكومات سابقة، فيكون المطلوب محبوسًا معوقًا من حين يطلب إلى أن يفصل بينه وبين خصمه، وهذا حبس بدون التهمة، ففي التهمة أولى، فإن الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفص الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ولهذا سماه النبي -ﷺ- "أسيرا" كما روى أبو داود وابن ماجه، عن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده، قال: "أتيت النبي بغريم لي، فقال: "ألزمه"، ثم قال لي: "يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك" وفي رواية ابن ماجه: "ثم مر بي آخر النهار، فقال: "ما فعل أسيرك يما أخا بضي تميم" وكان هذا هو الحبس على عهد النبي -ﷺ- وأبي بكر الصديق -﵁- ولم يكن له محبس معد لحبس الخصوم ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ابتاع بمكة دارًا وجعلها سجنًا يحبس فيها، ولهذا تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم: هل يتخذ الإمام حبسًا؟ على قولين: فمن قال: لا يتخذ حبسًا، قال: لم يكن لرسول اللَّه -ﷺ- ولا لخليفته بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ -وهو الذي يسمى الترسيم أو يأمر غريمه بملازمته كما فعل النبي -ﷺ-. ومن قال: له أن يتخذ حبسًا، قال: قد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف، وجعلها حبسًا. ولما كان حضور مجلس الحاكم من جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر الخصم المطلوب بمجرد الدعوى أو لا يحضر حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلًا، على قولين، هما روايتان عن أحمد، والأول: قول أبي حنيفة والشافعي، والثاني: قول مالك.
(٢) (فصل) ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي الحرب، دون القاضي، وقد ذكر هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد اللَّه الزبيري، والماوردي وغيرهما وطائفة من أصحاب أحمد المصنفين في أدب القضاة وغيرهم، واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة، هل هو مقدر؛ أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم -على =
[ ٨ / ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قولين: ذكرهما الماوردي وأبو يعلى وغيرهما- فقال الزبيري: هو مقدر بشهر، وقال الماوردي: غير مقدر.
(٢) (فصل) القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفًا بالفجور، كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى. قال شيخنا ابن تيمية ﵀: وما علمت أحدًا من أئمة المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف، ويرسل بلا حبس ولا غيره فليس هذا -على إطلاقه- مذهبا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة، ومن زعم أن هذا -على إطلاقه وعمومه- هو الشرع: فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا لنصوص رسول اللَّه -ﷺ- ولإجماع الأمة. وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود اللَّه، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة، جعلها هؤلاء من الشرع، وجعلها هؤلاء قسيمة ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما شهدت به الشواهد والعلامات الصحيحة. والطائفتان مخطئتان في الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزل اللَّه على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط، ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقًا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكامًا، وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام.
(٣) (فصل) ويسوغ ضرب هذا النوع من المتهمين، كما أمر النبي -ﷺ- الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق. قال شيخنا: واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما أو لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي. وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم، منهم أشهب بن عبد العزيز قاضي مصر، فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ويضرب بالسوط مجردًا. والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، حكاه القاضيان. =
[ ٨ / ٦٠ ]
تنبيه:
القول بالقصاص إنما هو مع القسامة.
تنكيت:
قول البساطي: (إنما قيد المرض بكونه بعد البرء؛ لأنه لولا هذا القيد
_________________
(١) = ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات، وذلك إنما يكون بعد ثبوت أسبابها وتحققها. والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب، وهذا قول أصبغ وكثير من الطوائف الثلاثة، بل قول أكثرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول. ثم قالت طائفة، منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف، وابن الماجشون: إنه يحبس حتى يموت. ونص عليه الإمام أحمد في المبتدع الذي لم ينته عن بدعته: أنه يحبس حتى يموت، وقال مالك: لا يحبس إلى الموت.
(٢) (فصل) والذين جعلوا عقوبته للوالي، دون القاضي، قالوا: ولاية أمير الحرب معتمدها المنع من الفساد في الأرض، وقمع أهل الشر والعدوان. وذلك لا يتم إلا بالعقوبة للمتهمين المعروفين بالإجرام، بخلاف ولاية الحكم، فإن مقصودها إيصال الحقوق إلى أربابها وإثباتها. قال شيخنا: وهذا القول هو في الحقيقة قول بجواز ذلك في الشريعة، لكن كل ولي أمر يفعل ما فوض إليه، فكما أن والي الصدقات يملك من أمر القبض والصرف ما لا يملكه والي الخراج وعكسه، كذلك والي الحرب ووالي الحكم يفعل كل منهما ما اقتضته ولايته الشرعية، مع رعاية العدل والتقيد بالشريعة.
(٣) (فصل) وأما عقوبة من عرف أن الحق عنده، وقد جحده، فمتفق عليها بين العلماء، لا نزاع بينهم أن من وجب عليه حق من عين أو دين -وهو قادر على أدائه- وامتنع منه، أنه يعاقب حتى يؤديه، ونصوا على عقوبته بالضرب، ذكر ذلك الفقهاء من الطوائف الأربعة. وقال أصحاب أحمد: إذا أسلم وتحته أختان، أو أكثر من أربع، أمر أن يختار إحدى الأختين، أو أربعًا، فإن أبي؛ حبس، وضرب حتى يختار، قالوا: وهكذا كل من وجب عليه حق هو قادر على أدائه فامتنع منه؛ فإنه يضرب حتى يؤديه. وفي "السنن" عنه -ﷺ- أنه قال: "مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته"، والعقوبة لا تختص بالحبس، بل هي في الضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه -ﷺ- أنه قال: "مطل الغني ظلم" والظالم يستحق العقوبة شرعًا".
[ ٨ / ٦١ ]
لكان شريكًا في الجرح، لا شريك المرض) سبق قلم، صوابه: بعد الجرح كما في المتن، فتأمله.
وإن تصادما بأن صدم كل واحد من المكلفين الآخر قصدًا، أو تجاذبًا حبلًا مثلًا مطلقًا، فارسين كانا أو ماشيين أو مختلفين، بصيرين أو ضريرين أو مختلفين، قصدًا: تعمدًا، فماتا معًا في المسألتين، فلا قود؛ لفوات محله؛ لأن من وجب له القصاص بطل بموت المقتص منه، أو مات أحدهما فقط فالقود، أي: أحكامه، فهو على حذف مضاف.
ويستفاد منه عدمه مع موتهما، كما تقدم، ويستفاد منه القصاص من الحي، وإن قصد أحدهما فقط حكم فيه بالقود وحده.
وفهم من التقييد بالقصد أنه لو كان المراد بتجاذبهما للحبل إصلاحه وغير ذلك مما فيه مصلحة لم يدل على العدوان.
وإن جهل أمر تصادمهما، أو ادعيا الإلجاء وعدم القدرة على الصرف حملا عليه، أي: على القصد حتى يعلم غيره، عكس تصادم السفينتين إذا تلفتا أو إحداهما، وجهل أمر أصحابهما في القصد وعدمه، حملوا على عدم القصد؛ فلا ضمان، بخلاف الفارسين إذا جهل أمرهما فالضمان.
تنبيه:
قد ظهر لك أن المسألتين فيما عدا ما ذكر من جهل الأمر متساو في الضمان.
إلا في حال اصطدامها لعجز حقيقي، لا يستطيع أصحابهما صرفهما عنه لغلبة الريح ونحوه، فلا ضمان حينئذ على أربابهما، نحوه لابن الحاجب، وتبعه هنا مع أنه ناقشه في توضيحه (١)، فانظره في الكبير.
_________________
(١) قال في منح الجليل (٩/ ٣٢): "تت إلا لعجز حقيقي نحوه لابن الحاجب وتبعه هنا مع أنه ناقشه في توضيحه فقال في قول ابن الحاجب فلو اصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن الصرف والمعتبر العجز حقيقة يناقش المصنف في قوله بشرط العجز لأنه يقتضي أنه لا بد من تحققه ولا يشترط تحقق العجز فالأولى أن يقال فلا ضمان =
[ ٨ / ٦٢ ]
لا إن قدروا على الصرف فلم يصرفوها لكخوف غرق أو نهب أو أسر أو حرق إن صرفوهما ولم يفعلوا حتى تلفتا أو إحداهما أو ما فيهما من آدمي وغيره فالضمان؛ لقدرتهم على الصرف؛ إذ ليس لهم أن يسلموا أنفسهم بهلاك غيرهم.
أو كان اصطدامهما بسبب ظلمة، فلم يشعرا حتى اصطدمتا، فإن ذلك لا يسقط الضمان، وهو مشكل إذا كان سببه الظلمة كمصطدمين البر، وفي تقرير هذه كلام، ذكرناه في الكبير.
تنبيه:
فرق بين اصطدام السفينتين والفارسين بأن جريهما بالريح وليس من عملهم بخلاف الفارسين.
وإلا يكن اصطدام المصطدمين من سفينتين أو غيرهما أو تجاذب المتجاذبين مقصودًا بل خطأ وحصل منه الموت فدية كل من الآدميين على عاقلة الآخر؛ لأنه جناية خطأ، وفرسه قيمتها في مال المصادم الآخر، ولا خصوصية لفرسه، بل ما تلف من سبب التصادم حكمه كالفرس، ولو تصادم حر وعبد فماتا لكانت دية الحر في رقبة العبد، ولا شيء على السيد، كما أنه لا شيء على العاقلة من الفرسين، كثمن العبد، أي: قيمته في مال الحر.
تنبيه:
تبع لفظ المدونة في التعبير عن القيمة بالثمن.
_________________
(١) = إلا أن يعلم أن النواتين قادرتين على صرفها اهـ. طفى: وأنت إذا تأملت علمت أن المناقشة لا ترد على المصنف إذ حاصلها أنه لا يشترط تحققه بل كذلك إذا جهل الأمر وهذا أخذ من قوله عكس السفينتين فالمصنف لم يتبع ابن الحاجب وغايته أنه زاد هذا وإن كان يفهم سقوط الضمان فيه بالأولى من قوله عكس السفينتين لإخراج الظلمة وخوف الغرق وأنه لا يعتبر في العجز مطلق العذر بل العجز الحقيقي وهو الذي لا قدرة معه أصلا واللَّه أعلم".
[ ٨ / ٦٣ ]
تنكيت:
ما ذكره المؤلف في المتصادمين والسفينتين هو مقتضى كلام ابن الحاجب.
قال بعض المحققين (١): وليس في المدونة ولا غيرها من الروايات
_________________
(١) قال في المنح (٩/ ٣٣ - ٣٤): "تت تنكيت ما ذكره المصنف في المتصادمين والسفينتين هو كلام ابن الحاجب، وقال بعض المحققين ليس في المدونة ولا غيرها من الروايات ما يقتضي القصاص في ذلك، وساق كلام دياتها في ذلك فانظره. طفى: بعض المحققين هو العلامة ابن مرزوق فإنه قال في شرحه لم أره لغير ابن الحاجب وابن شاس، وأطال في ذلك، واعتراضه لا يرد عليهما، إذ لم يذكرا في تصادم السفينتين قصاصا، وإنما عبرا بالضمان، ونص الأول وأما لو اصطدمت سفينتان فلا ضمان على أصحابهما إلا أن يتعمدوا ذلك ولو كان الملاحون قادرين على صرفهما فلم يصرفوهما ضمنوا وسواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر من خوفهم على أنفسهم من الغرق أو غيره أو من أجل الظلمة وهم لو رأوهم قدروا على صرفها وغير ذلك، ونص الثاني تقدم وتبعهما المصنف فلم ينص على القصاص فيحمل كلامه على الضمان ككلامهما وهو الموافق لقول دياتها لو كان ذلك من ريح غلبتهم أو من شيء لا يستطيعون حبسها معه فلا شيء عليهم، وإن كانوا قادرين على صرفها فلم يفعلوا ضمنوا. ابن يونس يريد في أموالهم، وأما التصادم فنص ابن شاس وابن الحاجب على القصاص فيه وتبعهما المصنف وأقره ابن عرفة وغيره ونصوص أهل المذهب تدل عليه ولا سيما أن العمد الموجب للقصاص على مذهب الكتاب وهو المعتمد ما كان على وجه العدوان ولو كان مثله لا يقتل كلطمة فالتصادم أحرى، ففيها من تعمد ضرب رجل بلطمة أو لكزة أو حجر أو بندقة أو قضيب أو عصًا أو غير ذلك ففيه القود، وفيها أيضًا في المتصارعين إن كان على وجه القتال فصرعه فمات أو أخذ برجله فسقط فمات ففيه القود، وأما قول دياتها ومثله في رواحلها إذا اصطدم الفارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر فهو في الخطأ بدليل ذكر العاقلة، وعلى ذلك حملها ابن عرفة، ونصه فلو اصطدم فارسان حران خطأ فماتا هما وفرساهما ففي لزوم دية كل منهما عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل منهما في مال الآخر أو نصفيهما فقط قولان لها ولعيون مسائل ابن القصار عن أشهب مع تخريجه اللخمي على قول أشهب في حافري بئر انهارت عليهما على عاقلة كل منهما نصف دية الآخر، وإن مات أحدهما فقط فعلى عاقلة الباقي نصف ديته اهـ، فلا حجة فيه لابن مرزوق، فقد ظهر سقوط اعتراضه لمن تأمل وأنصف، واللَّه تعالى أعلم".
[ ٨ / ٦٤ ]
وكلام المتقدمين ما يقتضي القصاص في ذلك، وساق كلام دياتها في ذلك، فانظره.
وإن تعدد المباشر للقتل، ظاهره: في زمن واحد، أو واحد بعد آخر؛ ففي قتل الممالأة يقتل الجميع بقتل واحد: كبير أو صغير، ذكر أو أنثى، ولم يحصل من أحدهم ضرب أصلًا.
تنبيه:
أطلق هنا وقيد في توضيحه بأن يموت مكانه، وأما لو عاش وأكل وشرب فلا يقسم في العمد، إلا على واحد، ولا قصاص في الجراح إذا تميزت الضربات، وكل ضارب كل واحدة فلا قصاص في تلك الجراحات، أو جرح جراحات ثم قتل لم يقتص منه في تلك الجراحات والقتل؛ لأنه لما وجب القتل على جميعهم صاروا كرجل واحد، والواحد لو جرح جراحات ثم قتل لم يقتص منه في تلك الجراحات؛ لأن القتل يأتي على جميعها، إلا أن يقصد الجارح المثلة، فيجرح أولًا، ثم يقتل.
وإلا بأن لم يتمالؤوا على قتله، يحتمل بأن قصد كل واحد القتل بانفراده، ولم يتفق مع غيره، ويحتمل أن كل واحد منهم قصد الضرب لا القتل، وجرحه كل، ومات، ولم يدر من أيها مات، والاحتمال الأول لبعض من شرحه، والثاني لشارحه تبعًا للتوضيح، قدم الأقوى فعلًا على غيره، ويتعين للقتل وحده، ويقتص من جرح غيره، إن عرفت الضربات، والقصاص في الجرح.
تنبيه:
في قوله: "إن تعدد المباشر. . إلى آخره" نوع تكرار مع قوله فيما سبق: "ويقتل الجمع بواحد والمتمالئون".
ولا يسقط القتل عند المساواة بزوالها بعده بعتق حصل لعبد بعد قتله لعبد مثله، أو إسلام من كافر وجد بعد قتله لمثله؛ إذ العبرة بالتكافؤ حال القتل.
[ ٨ / ٦٥ ]
وضمن الجاني دية الحرية وقيمة العبد وقت الإصابة والموت عند ابن القاسم؛ لأنه يعتبر ذلك إلى حصول المسبب، كمن رمى صيدًا ثم أحرم ثم أصابه السهم فعليه جزاؤه.
[الجناية على ما دون النفس:]
ولما أنهى الكلام على الجناية على النفس، شرع على الكلام فيما دونها، وهو إبانة طرف، وكسر وجرح ومنفعة، وعبر عنه المؤلف هنا بالجرح، ولعله لكونه هو الغالب، وأركانه ثلاثة كالنفس، إلا ما استثنى.
وأشار لذلك بقوله: والجرح كالنفس في الفعل، وهو: الجرح، والفاعل، وهو: الجارح، والمفعول، وهو: المجروح، والمستثنى هو قوله: إلا ناقصًا كعبد أو كافر جرح كاملًا، بأن جنى على عضو لحر مسلم، فقطع يده مثلًا، فلا يقتص من العبد ولا من الكافر على المشهور عن مالك، وبه أفتى الفقهاء السبعة (١)، وعليه على أهل المدينة.
_________________
(١) الفقهاء السبعة المراد بهم:
(٢) سعيد بن المسيب، وهو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد، (١٣ - ٩٤ هـ = ٦٣٤ - ٧١٣ م): سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يأخذ عطاء. وكان أحفظ الناس لأحكام عمر ابن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر. توفي بالمدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ١٠٢).
(٣) والقاسم بن محمد، وهو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد، ٣٧١ - ١٠٧ هـ = ٦٥٧ - ٧٢٥ م): أحد الفقهاء السبعة في المدينة. ولد فيها، وتوفي بقديد (بين مكة والمدينة) حاجًا أو معتمرًا. وكان صالحًا ثقة من سادات التابعين، عمي في أواخر أيامه. قال ابن عيينة: كان القاسم أفضل أهل زمانه. ينظر: الأعلام (٥/ ١٨١).
(٤) وعروة بن الزبير، وهو: عروة بن الزبير بن العوام الاسدي القرشي أبو عبد اللَّه، (٢٢ - ٩٣ هـ = ٦٤٣ - ٧١٢ م): أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. كان عالمًا بالدين، صالحًا كريمًا، لم يدخل في شيء من الفتن. وانتقل إلى البصرة، ثم إلى مصر فتزوج وأقام بها سبع سنين. وعاد إلى المدينة فتوفي فيها. وهو أخو عبد اللَّه بن البير لأبيه وأمه. و"بئر عروة "بالمدينة" منسوبة إليه. ينظر: الأعلام (٤/ ٢٢٦). =
[ ٨ / ٦٦ ]
وقال ابن عبد الحكم: المسلم مخير في القصاص أو الدية.
_________________
(١) = ٤ - وخارجة بن زيد بن ثابت، وقد مضت ترجمته.
(٢) وسليمان بن يسار، وهو: (٣٤ - ١٠٧ هـ = ٦٥٤ - ٧٢٥ م) سليمان بن يسار، أبو أيوب، مولى ميمونة أم المؤمنين: أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (انظر ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن) كان سعيد بن المسيب إذا أتاه مستفت يقول له: اذهب إلى سليمان فإنه أعلم من بقي اليوم. ولد في خلافة عثمان. وكان أبوه فارسيًا. قال ابن سعد في وصفه: ثقة عالم فقيه كثير الحديث. ينظر: الأعلام (٣/ ١٣٨).
(٣) وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وهو: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد اللَّه، (٠٠٠ - ٩٨ هـ = ٠٠٠ - ٧١٦ م): مفتي المدينة، وأحد الفقهاء السبعة فيها. من أعلام التابعين. له شعر جيد، أورد أبو تمام قطعة منه في "الحماسة"، وأبو الفرج كثيرًا منه في "الأغاني"، وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز. قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا فقيها كثير الحديث والعلم بالشعر، وقد ذهب بصره. مات بالمدينة. ينظر: الأعلام (٤/ ١٩٥).
(٤) السابع فيه اختلاف، على ثلاثة أقوال، هي: أ- هو: سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وهو: سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي، (٠٠٠ - ١٠٦ هـ = ٠٠٠ - ٧٢٥ م): أحد فقهاء المدينة السبعة، ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. دخل على سليمان بن عبد الملك فما زال سليمان يرحب به ويرفعه حتى أقعده معه على سريره. توفي في المدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ٧١). ب- هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي القرشي، (٠٠٠ - ٩٤ هـ = ٠٠٠ - ٧١٣ م): أحد الفقهاء السبعة بالمدينة (والبقية: سعيد بن المسيب، وعروة، والقاسم، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وخارجة بن زيد، وسليمان ابن يسار) كان من سادات التابعين ويلقب براهب قريش. توفي في المدينة. وكان مكفوفًا. ولد في خلافة عمر. ينظر: الأعلام (٢/ ٦٥). ج- هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو: قال السيوطي في طبقات الحفاظ: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. قيل: اسمه كنيته. وقيل: عبد اللَّه. فقيه كثير الحديث، إمام من العلماء، مات سنة أربع وتسعين عن اثنتين وسبعين سنة.
[ ٨ / ٦٧ ]
وقيل: بالقصاص.
وصحح.
وإن تميزت جنايات من اثنين فأكثر على شخص واحد بلا تمالؤ منهم كقطع أحدهم بعد اليد ويبينها الآخر، فلا قصاص على واحد منهما في جميع اليد، ولذا قال فمن كل كفعله.
ومفهوم: (تميزت) لو لم تتميز مع التمالؤ أمكن أن يقال: هم بجملتهم فاعلون؛ لاستواء نسبة الفعل إليهم، ففي ديات المدونة: إن قطع جماعة يد رجل عمدًا فله قطع أيديهم كلهم كالقتل، والعين كذلك.
[ما يقتص وما لا يقتص من الجراح:]
ثم شرع في ذكر ما يقتص منه من الجراح، وما لا يقتص منه، وهو ما قبل الهاشمة.
[أولًا - ما يقتص منه:]
وبدأ بالأول، فقال:
[١] واقتص من موضحة: بكسر الضاد، وذكر مع بيان حكمها موضعها اصطلاحًا، بقوله: وهي ما أوضحت -أي: أظهرت- عظم الرأس، وحد ذلك منتهى الجمجمة لا ما تحتها؛ لأنه من العنق وعظم الجبهة وعظم الخدين، وإن كان ما أظهر به من كل واحد منها كإبرة -أي: مغرزها- في موضع من الثلاثة المذكورة.
قال الشارح: الواو من الجبهة للتقسيم؛ إذ ليس المراد أنها لا تكون موضحة إلا بعد حصولها في المواضع الثلاثة، بل المراد أن كل موضع منها إذا حصلت فيه ضربة أوضحت شيئًا من عظمه سميت موضحة؛ ولذا عطف ابن شاس الجبهة بـ (أو)، وليس الأنف واللحي الأسفل من الرأس في جراحها؛ لأنهما عظمان منفردان، وليست المبالغة مختصة بالموضحة، بل كل مسمى ثبت فيه اسمه بهذا القدر، كان مما يقتص منه أو لا.
[ ٨ / ٦٨ ]
[٢] وسابقها -أي: سابق الموضحة- وهو ما يوجد قبلها، وهو ستة: ثلاثة متعلقة بالجلد، وثلاثة متعلقة باللحم، وبينها بقوله: [أ] من دامية، وتسمى أيضًا دامعة، بعين مهملة، وهي التي يسيل منها الدم كالدمع.
[ب] وحارصة: بحاء مهملة فألف وتحذف فصاد مهملة، وهي: التي شقت الجلد، أي: فرقت أجزاء، سواء وصلت نهايته أو لا، وجعلها في الشبهات مرادفة للدامية على قول.
[ج] وسمحاق كشطته، أي: أزالته عن محله، ويقال لتلك الجلدة: السمحاق، وهي: الحارصة.
وأشار للثلاثة المتعلقة باللحم بقوله:
[أ] وباضعة شقت اللحم، أي: بضعته.
[ب] ومتلاحمة غاصت فيه بتعدد، فأخذت يمينًا وشمالًا، ولم تقرب من العظم.
[ج] وملطأة بهاء في آخرها، وبإسقاطها، بكسر الميم وبالمد والقصر، قربت للعظم، وبقي بينها وبينه ستر رقيق كضربة السوط، فيها القصاص.
وقيل: كاللطمة.
وقول الشارح: (يعسر الفرق بينهما) أجاب البساطي بأنه قد يقال: السوط جارح، يحصل من الضرب به الجراح، بخلاف اللطم.
وقال بعضهم: المشهور أن ضرب العصا لا قود فيه.
[٣] ويقتص من جراح الجسد، وهي ما عدا جراح الرأس المعدودة أولًا، وسواء كانت من المذكورات الموضحة وما قبلها، أو من غيرها كهاشمة ونحوها، وإن كانت جراح الجسد منقلة، ويأتي تفسيرها، وحيث اقتص في هذه الأمور فيعتبر عند ابن القاسم بالمساحة، فتقاس طولًا وعرضًا وعمقًا، فقد تكون الجراحة نصف عضو المجني عليه، وهي جل عضو الجاني أو كله.
[ ٨ / ٦٩ ]
[شرط ذلك:]
وأشار لشرط ذلك بقوله: إن اتحد المحل، فلو زادت على عضو الجاني لم ينتقل لعضو آخر، وإن كانت أكبر لم يزد على المساحة من عضو آخر، كطبيب زاد عمدًا على ما أذن فيه، فيقتص منه بقدر مساحة الزائد.
وقول الشارح تبعًا للمؤلف في توضيحه تبعًا لابن عبد السلام: (كذا قال الشيوخ، إلا أن المماثلة في حقه متعذرة؛ إذ هي زيادة بعد قطع المأذون فيه، فإذا اقتص منه لم يتوصل إلى ذلك، إلا بعد تقدم قطع يكون متصلًا به) تعقبه البساطي قائلًا: لم تظهر لي صحة هذا الكلام؛ لأنه إذا قطع الطبيب دائرة مثلًا، والموضع المأذون فيه تدويره دائرة في ضمن هذه الدائرة، فبين محيط الدائرتين قدر مساحة كذا، فيكسر ويقتص معه دائرة بقدره مثلًا من بعد.
فإن قلت: الدائرة التي اقتصت منه مثلًا لم تكن على كيفية التي تعدى فيها.
قلت: إنما يعتبر قدر المساحة، وأما كونها مثلثة أو مربعة إلى غير ذلك فقدر زائد على قدر المساحة.
وما أورده الشارح نحوه للمصنف في توضيحه تبعًا لابن عبد السلام، وهذا التعقيب وارد على المؤلف أيضًا.
وفي جواب البساطي نظر؛ لأن ما ذكره لا يتأتى في العمق، بل الإيراد باق، فتأمله، واللَّه أعلم.
وإلا يتعمد الطبيب بل أخطأ فالعقل على الجاني الذي هو الطبيب، وما نقص عن الثلث ففي ماله، وما زاد فعلى العاقلة، كيد -أي: جان صاحب يد- شلاء عدمت النفع لا يقتص منها بصحيحة.
ظاهره: ولو كان بها نفع لقطعت بالصحيحة، وهو كذلك في ابن شاس.
ومفهومه: ولو كان بها نفع لقطعت بالصحيحة.
[ ٨ / ٧٠ ]
وبالعكس، لا يقتص لصاحب الشلاء من صاحب اليد الصحيحة.
ولا يقتص من عين أعمى جنى على عين صحيحة، وفي عكسه حكومة.
ولا يقتص من لسان أبكم، لا يستطيع النطق لأجل خرسه، ويتعين العقل في ذلك كله.
[عود على ما فيه العقل:]
وعطف على ما يتعين فيه العقل وينتفي فيه القصاص من شجاج الرأس، وهو مجملًا:
ما بعد الموضحة، وبينه مفصلًا:
[أ] من منقلة: بكسر القاف، وحكي فتحها، وفسرها بقوله: طار فراش العظم، وهو أطرافه وخفيفه وإن صغر، من الدواء؛ لأن ما يداوى مثلها يعفن من العظم ما ليس بصحيح، فيطير.
وفراش: بفتح الفاء وكسرها.
[ب] ولا يقتص من آمة بمد الهمزة، ويقال لها أيضًا: مأمومة، وهي تلي المنقلة، وفسرها بقوله: أفضت للدماغ، أي: باشرته.
[ج] ولا من دامعة خرقت خريطته المحيطة به، ووصلت للدماغ، وهي بالغين المعجمة: آخر جراح الرأس الثمانية، وأولها الدامعة بالعين المهملة.
ابن عبد السلام: الأظهر أنهما مترادفان، أو كالمترادفين.
[د] ولطمة لا قصاص فيها.
[هـ] ولا في شفر عين، وهو: الشعر النابت بأطراف الجفن فوق وأسفل بغير جلد ولا لحم.
[و] ولا في شعر حاجب.
[ ٨ / ٧١ ]
[ز] ولا لحية إذا لم ينبت على المشهور: كله أو بعضه.
[استواء الخطأ والعمد فيما مضى:]
وعمده حكمه كالخطأ، لا يختلف، إلا في الأدب للمتعمد بالاجتهاد.
أشهب: والحاجبان من الرجل والمرأة سواء، فيهما حكومة.
وإلا أن يعظم الخطر في غيرها، أي: غير الجراح التي بعد الموضحة، ومثله بمثال من ذلك بقوله: كعظم الصدر.
تنبيهان:
الأول: جزم بالمثال الأول كما في المقدمات، وشكك فيه في المدونة، فقال: إن كسر الضلع عمدًا فهو كعظام الصدر، إن كان مجوفًا كالفخد فلا قود فيه، وإن كان مثل اليد والساق ففيه القصاص.
الثاني: اختلف في عطف (إلا) وموضعها مع أنه قدم (وإلا فالعقل)، فقال الشارح: إنما كرر أداة الحصر خشية أن يتوهم عطفه على ما قبله، على أنه لو قال: وكذلك إن عظم الخطر في غيرها ونحوه لكان أحسن.
وقال البساطي: فإن قلت ما موضع (إلا) وعطفها، مع أنه قدم (إلا)، وليس الحكم هنا مخالفًا لما بعد حكم (إلا) الأولى؟
قلت: جميع ما قدمه له أسماء مخصوصة كان في الرأس أو غيرها.
[قاعدة الكلية:]
ولما بين ما فيه القصاص من غيره منها أعطى قانونًا كليًا في غيرها، وهو أن ما عظم الخطر فيه لا يقاد منه، والآخر يقاد منه، وهذا وإن كان لك أن تبحث فيه فهو أنسب من غيره.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: الذي رأيناه في النسخ: (وإلا)، ولعله إنما قال: وكان كعظم، بكاف التشبيه فالتبس على الناسخ، وأما جعله معطوفا على قوله: (وإلا فالعقل) فعجمة لا تليق بالمؤلف؛ لأن (إلا) الثانية استثنائية، والأولى من (إن) الشرطية و(لا) النافية.
[ ٨ / ٧٢ ]
تنبيه:
الخطر: بالخاء المعجمة والطاء المهمة، وبالتحريك: الإشراف على الهلاك.
وفيها أخاف في رمض الأنثيين أن يتلف، هو قول التهذيب: في الأنثيين إذا أخرجهما أو رضهما الدية كاملة.
قيل: فإن أخرجهما أو رضهما عمدا.
قال: قال مالك: في إخراج الأنثيين القصاص.
ولا أدري ما قول مالك في الرض، إلا أني أخاف أن يكون رضهما متلفًا، فإن كان متلفًا فلا قود فيهما.
[ذهاب البصر والسمع:]
وإن ذهب كبصر وسمع مثلًا ونحوهما من المعاني بجرح -أي: بسببه- كما لو أوضحه، فذهب مع الموضحة معنى من هذه المعاني أو أكثر، كأن ذهب سمعه فقط أو هو مع عقله، اقتص منه -أي: من الجاني- بعد البرء.
فإن حصل للجاني مثل جنايته أو زاد عليها، فقد استوفى جنايته، ولم يعتبروا الزائد؛ لأن الظالم أحق أن يحمل عليه، وإلا بأن لم يحصل مثلها فدية ما لم يذهب على الجاني، وإن ذهب البصر المفهوم من كبصر مثلًا بضربة عمدًا والعين قائمة لم تخسف، فإن استطيع أن يفعل بالجاني كذلك فعل، فقد جيء لعثمان -﵁- برجل لطم رجلًا وأصابه بشيء، فأذهب بصره وعينه قائمة، فأمر بالمصيب فجعل على عينه كرسغًا، ثم استقبل به عين الشمس فالتمس بصره، وعينه قائمة.
وإلا يستطاع ذلك فالعقل متعين.
[القصاص أو الدية في اليد:]
كأن شلت يده مثلًا، بأن ذهب منفعتها بضربه ضرب الجاني مثلها قصاصًا، فإن شلت برضها وإلا فالعقل في ماله.
[ ٨ / ٧٣ ]
وإن تعذر محل القصاص كان قطعت يد قماطع ليد غيره قبل أن يقتص منه بسماوي من اللَّه كسقوطها بآكلة من اللَّه مثلًا أو قطعت بسبب سرقة أو قصاص لغيره -أي: غير المجني عليه- كقطعه يد آخر، فاقتص منه، فلا شيء للمجني عليه من قصاص، ولا دية كموت القاتل.
وإن قطع أقطع الكف اليمنى يمين آخر من المرفق، فللمجني عليه القصاص، فنقطع الناقصة من المرفق، ولا شيء له، أو الدية، أي أيهما اختار فهو له، وإنما كان مخيرًا لأن الجاني جنى وهو ناقص في ذلك العضو، ولا جائز أن ينتقل إلى عضو غيره، ولا أن يتعين القصاص؛ لأنه أقل من حقه، ولا تتعين الدية لأنه جنى عمدًا على المعصم، والخيار جائز له.
كمقطوع الحشفة يقطع ذكرًا كاملا، فيخير صاحب الكامل بين القصاص والدية، وتقطع اليد -أي: يد الجاني- الناقصة أصبعًا بالكاملة؛ إذ هو نقص لا يمنع المماثلة، ولا خيار لصاحب الكاملة بلا غرم على الجاني في أحد قولي مالك.
وخير المجني عليه إن نقصت يد الجاني أكثر من أصبع كاثنين أو ثلاثة على المشهور فيه -أي: في القصاص- وفي الدية.
تنكيت:
قوله كابن لحاجب وصاحب البيان: (أكثر) يدخل فيه أربع أصابع، والمنقوص هنا أصبعان أو ثلاثة.
تتمة:
قال البساطي: ليس له أن يقتص ويأخذ أرش الناقص.
وإن نقصت يد المجني عليه أصبعًا بأمر من اللَّه أو بجناية فالقود على الجاني الكامل اليد، إن لم يكن الأصبع الناقص من يد المجني عليه إبهامًا، بل ولو كان إبهامًا لا أكثر.
وبالغ عليه لأنه مذهب المدونة، وفهم منه أن النقص لو كان أكثر من
[ ٨ / ٧٤ ]
أصبع كاثنين فصاعدًا فلا قود، وهو كذلك.
ولا يجوز أن يؤخذ بكوع من جان لذي -أي: لمجني عليه صاحب- مرفق وإن رضيا بذلك، أي: لا يقتص لمن قطعت يده بأخف من ذلك، فتقطع له يد الجاني من الكوع، ويترك الباقي؛ لأن المماثلة في المحل شرط.
[القصاص أو الدية في العين:]
وتؤخذ العين السليمة إبصارًا بالضعيفة خلقة وإبصارًا، أو بضعيفة من كبر كما يقتص للمريض من الصحيح؛ إذ لو شرط تساوي العضوين لتعذر القصاص غالبًا، وكان ضعفها لجدري طرأ عليها، وهو بجيم مضمومة فدال مهملة مفتوحة، وبفتحها لغتان، قال في القاموس: وقد جدر وجدر، كعني، وقد تخفف العين وتشد. انتهى.
ويستفاد منه أن في عنى لغتين.
أو لكرمية فالقود منه إن تعمد، ظاهره: ولو أخذ بها أولًا عقلًا، وهو كذلك، وإلا بأن لم يتعمد، بل كان خطأ، فبحسابه ولا قود.
وظاهره: كان النقص فاحشًا أو يسيرًا، وهو أحد قولي مالك، وقيد عبد الحق (١) نفي القود بما إذا كان النقص فاحشًا، وله القصاص في اليسيرة، وهو لمالك أيضًا، وهو قول ابن القاسم.
وإن فقأ سالم عين أعور عمدًا فله -أي: الأعور- القود، فيأخذ نظيرها من عيني السالم، أو أخذ ديتها -أي: دية عين الأعور- كاملة عند مالك وجميع أصحابه، وبه قال الخلفاء الأربعة.
وإن فقأ أعور من سالم صحيح العينين مماثلته عمدًا، فله -أي: الصحيح- القصاص أو دية ما ترك للأعور، وهو جميع بصره، وفيه ألف دينار (٢)، وإلى هذا رجع مالك، وكان يقول: للصحيح أن يقتص أو دية عينه.
_________________
(١) في "ن ٣": عبد الملك.
(٢) أي: ستمائة جرام ذهبًا، وذلك بالدينار الليبي نحو: أربعين ألفًا.
[ ٨ / ٧٥ ]
وإذا فقأ الأعور من السالم غيرها -أي: غير مماثلة عينه- عمدًا فنصف دية فقط، اتفاقًا في ماله؛ لتعذر القصاص بانعدام محله.
وإن فقأ عيني السالم عمدًا فالقود من المماثلة له، ونصف الدية.
وظاهره: فقأهما معًا دفعة واحدة، أو واحدة بعد أخرى، وسواء فقأ التي له مثلها أو لا، وهو كذلك.
[القصاص أو الدية في السن:]
وإن قلعت سن وأعيدت فنبتت أو لم تعد وثبت مكانها أخرى فالقود في العمد اتفاقًا، وفي جناية الخطأ إن أعيدت فثبتت قبل أخذ عقلها لم يسقط عقلها بثبوتها، وحكمها كدية الخطأ في غيرها مما له عقل مسمى، كموضحة ومنقلة ومأمومة وجائفة، يؤخذ عقلها، ثم يعود الموضع كما كان قبل، فلا يسقط العقل اتفاقًا، حكاه اللخمي، وإن أخذ الدية فردت وثبتت لم يزد الأخذ شيئًا.
تنبيه:
ظهر لك مما قررنا معنى الكاف في كدية الخطأ، فإن الشارح قال: انظره؛ فإن الواجب إنما هو دية الخطأ.
[الاستيفاء في القصاص للعاصب:]
والاستيفاء في قصاص النفس للعاصب، لا لغيره، كـ: جد الأم وأخ لها، ولا لزوج، إلا أن يكون ابن عم، وترتيبهم في هذا كالولاء في ميراثه، فيختص بالذكور الأقريب فالأقرب، ولا يخرج عن ذلك شيء، إلا الجد والأخوة فسيان عند ابن القاسم في القتل والعفو، ويحلف الجد من الأب الثلث.
واختلف شيوخ المدونة في فهمها: هل يحلف الثلث مطلقًا عمدًا أو خطأ، وهو ظاهرها عند ابن رشد، لكنه قال: أما في الخطأ فصواب، وأما في العمد فالقياس على مذهب ابن القاسم أن تقسم الأيمان بينهم على عددهم، وإنما يحلف الثلث في الخطأ، إلا في العمد؛ ولذا قال المؤلف:
[ ٨ / ٧٦ ]
وهل إلا في العمد فكأخ؟ قاله بعض أشياخ عبد الحق، تأويلان.
وانتظر غائب له استحقاق في الاستيفاء إن لم تبعد غيبته، فإن بعدت لم ينتظر، ولمن حضر القتل، وظاهر المدونة عند أبي عمران: انتظاره مطلقًا، وقيدها ابن يونس بالقريبة، وعليه درج المؤلف.
وانتظر مغمى عليه لقرب إفاقته، ومبرسم: اسم مفعول لقصر مدته غالبًا، إما بموت أو صحة.
الجوهري: وهو ورم في الرأس، يعتل منه الدماغ.
لا مجنون مطبق، وصغير لم يتوقف الثبوت عليه في القتل، فإن توقف عليه بأن لا يكون مع الكبير غيره حلف الكبير، وانتظر بلوغ الصغير ليحلف حينئذ، ويستحق الدم.
ومفهوم (مطبق) انتظار من يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا لوقت إفاقته.
وللنساء الاستيفاء بشرطين:
أشار لأحدهما بقوله: إن ورثن المقتول بأن يكن من جملة ورثته، فتخرج العمة والخالة وبنت الأخ وبنت العم وما أشبههن.
وأشار للشرط الثاني بقوله: ولم يساوهن عاصب في درجتهن، كبنات ليس معهن ولد، أو أخوات ليس معهن أخ على أشهر الروايتين، فإن ساواهن عاصب فلا دخول لهن في قود ولا عفو اتفاقًا.
وإذا كان لهن الاستيفاء مع العاصب غير المساوي كان لكل من النساء والعاصب غير المساوي القتل، ولا عبرة بعفو غيره إن عفا، ولا عفو إلا باجتماعهم.
ثم شبه في الحكم فقال: كأن حزن الميراث بأن استغرقهن كبنت وأخت وأعمام، وثبت قتل مورثهم بقسامة من الأعمام فلكل القتل، ومن قام به فهو أولى من غيره، ولا عفو إلا باجتماع الرجال والنساء عليه.
[ ٨ / ٧٧ ]
وفهم منه لو ثبت القتل ببينة والنساء حائزات للميراث لم يكن للأعمام مدخل في قتل ولا عفو اتفاقًا.
والوارث واحد فأكثر ممن له ولاية الاستيفاء كمورثه، فإن كان له حق في القتل أو العفو فوارثه كذلك، وإن لم يكن له حق في العفو كبنت مع ابن فورثتهما كذلك لا حق لهم إلا في المال إن عفى الابن، بخلاف ما لو كانت مع بنت فإنها تساويها في القصاص والعفو وورثتها كذلك.
وللصغير مع كبار من ورثة مستحقين للاستيفاء إن عفى عن القتل نصيبه من الدية، ولم يسر عفوهم عليه، ولو صالح القاتل على دية خطأ فأقل لم يلزم الصغير ذلك.
وإذا استحق صغير قصاصًا بمفرده كان لوليه: أب أو وصى أو غيرهما النظر في القتل للقاتل، أو الدية كاملة، وترك القتل، فأيهما كان أصلح له فعله، كقطع يده في القصاص أو أخذ الدية كاملة وليس له العفو على أقل منها كما في النفس، إلا لعسر الجاني، فيجوز صلحه بأقل من الدية فيهما، بخلاف قتله، أي: الصغير من إضافة المصدر لمفعوله، فلعاصبه النظر لا لوصيه؛ إذ بموته انقطع نظر الوصي.
تنبيه:
ذكر العاصب لينبه على أن التفصيل السابق في ولاية الاستيفاء يأتي هذا للرجال والنساء، فلا مدخل للزوجة فيه.
والأحب -أي: الأولى- عند ابن القاسم، كذا في المدونة أخذ المال في قتل عبده عمدًا، فيأخذ قيمته من قاتله، ولا يقتص له منه؛ إذ لا نفع للصغير في القصاص.
ويقتص بأن يباشر القصاص من يعرف ذلك بأجره على المستحق لذلك، فيدفع أجرة من ماله على المشهور، وللحاكم رد القتل فقط للولي، فيسلم له القاتل ليستوفي منه، وإذا ألمه له نهى عن العبث بالجاني لبرد أو حر مفرطين فيما دون النفس خوف الموت على الجاني كلبرء، فيؤخذ
[ ٨ / ٧٨ ]
القصاص من الجاني لبرء المجني عليه، فهو غاية للتأخير، سواء حصل ذلك قبل السنة، وعليه الأكثر، أو زاد عليها، وهو في المدونة.
وقال ابن شاس: لا بد من الاستيفاء سنة.
كديته -أي: الجرح- خطأ؛ فإنها تؤخر للبرء خوف سريانه للنفس فيكون الواجب ديتها، وتسقط دية الجرح أو إلى ما تحمله العاقلة، ولو كان فيه شيء مقدر كجائفة ومأمومة مثلًا، وتؤخر الحامل في القصاص منها إن قتلت مكافئًا لها؛ لئلا يؤخذ نفسين في نفس، وإن كان القصاص منها بجرح مخيف لعذر الحمل عند ظهور أماراته.
تذييل:
لم يقيد ابن المواز الجرح بالمخيف، بل أطلق، وقيده أبو محمد بالمخيف، فدرج عليه المصنف، وفي المدونة: إن شهد عليها بالزنا فقالت: أنا حامل؛ فإنه ينظرها النساء، فإن صدقنها لم يعجل عليها.
لا بدعواها الحمل فلا تؤخر، وحبست إذا أخرجت لأجل حملها، كالحد الواجب عليها، ولا كفالة في ذلك، وتؤخر المرضع في القصاص منها لوجود مرضع لولدها؛ لئلا يؤدي لهلاكه؛ لخبر الغامدية (١).
وتؤخر الموالاة في قطع الأطراف كحدين وجبًا للَّه لم يقدر عليهما من وجبًا عليه، بأن خيف عليه الموت من موالاتهما بوقت واحد، وحيث لم يوال بينهما بدئ بأشد لم يخف عليه منه الموت.
ومفهومه: لو خيف منه الموت بدئ بالأخف.
لا بدخول الحرم، فلا يؤخر القصاص بذلك عن الجاني، ظاهره: ولو كان محرمًا بحج، وهو كذلك، ولا ينتظر تمام حجه، بل يخرج للقصاص.
_________________
(١) فضلا عن مالك، أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٩، رقم ١٩٨٧٤)، ومسلم (٣/ ١٣٢٤، رقم ١٦٩٦)، وأبو داود (٤/ ١٥١، رقم ٤٤٤٠)، والنسائي (٤/ ٦٣، رقم ١٩٥٧).
[ ٨ / ٧٩ ]
[القائمون بالدم:]
ولما كان القائم بالدم إما رجال فقط، أو نساء فقط، أو هما معًا، تكلم على الثلاثة على هذا الترتيب.
وأشار للأول منها بقوله: وسقط لقصاص إن عفا رجل من مستحقيه كالباقي، أو مساو له في درجته، كانوا بنين فقط، أو بنيهم فقط، أو أخوة، أو غيرهم كـ: الأعمام والموالي.
وجوز البساطي في قوله: (كالباقي) احتمالين آخرين، انظرهما.
وأشار للقسم الثاني وهو ما إذا كن نساء فقط بقوله: والبنت إن اجتمعت مع أخت أولى من الأخت في عفو عن القتل وضده، وهو القتل، ولا يلزم من مساواتهما في الميراث تساويهما في العفو وضده عند ابن القاسم.
وقال أشهب: لا عفو إلا باجتماعهن.
وإن عفت بنت من بنات وطلب باقيهن القتل نظر الحاكم فيه باجتهاده، فإن رأى العفو مصلحة أجاب من دعا له، أو القتل مصلحة أجاب من دعا له؛ لأنه بمنزلة العصبة لإرثه لبيت المال ما بقي.
وأشار للقسم الثالث بقوله: وفي اجتماع رجال ونساء لم يسقط إلا بهما على العفو، أو ببعضهما -أي: ببعض كل صنف منهما- وأحرى إذا اجتمع جمع من صنف مع بعض آخر.
وفهم من الحصر أنه لو عفى أحد الصنفين، وأراد الصنف الآخر القتل، لم يتم العفو، وكان القول لمريد القتل.
ومهما أسقط البعض القود فلمن بقي غيره من الورثة نصيبه من دية عمد؛ لأنها مال الجاني، كإرثه قصاص نفسه، فيسقط عنه القصاص؛ إذ لا يباح له قتل نفسه، كقاتل أبيه وله أخ واحد، ومات أخوه عنه فقط، فورث القاتل دم نفسه، فإرثه كالعفو عنه، ويسقط القصاص أيضًا ولو ورث قسطًا من نفسه؛ ففي المدونة: من قتل رجلًا عمدًا فلم يقتل حتى مات أحد ورثة
[ ٨ / ٨٠ ]
المقتول، وكان القاتل وارثه بطل القصاص؛ لأنه ملك حصته من دمه؛ فهو كالعفو، ولبقية أصحابه عليه حصتهم من الدية.
وإرثه -أي: القصاص- كالمال، فيرثه القاتل عن من يرث عنه المال، كذا للشارح.
وقال البساطي: معناه أن من ورث قسطًا وسقط القصاص عنه بميراثه ووجب عليه المال للبقية فإن أخته مثلًا تدخل فيه، وإن كان لا دخل لها في الاستيفاء، ومثاله إذا قتل أباه، وللأب ذكران وأنثى لا دخل لها في الاستيفاء، فإذا مات أحد الذكرين وورثه الابن القاتل والبنت والابن الباقيان، فالمال الذي يعطيه القاتل تأخذ البنت نصف حظ الآخر.
وقيل: لا تأخذ منه شيئًا؛ لأنها لا تستحق في الاستيفاء، وهذا عكس منه انتهى.
[صلح الجاني في عمد:]
وجاز صلحه -أي: الجاني- في عمد بأقل وأكثر، إذ ليس في العمد عقل مسمى، فيجوز حالًا ومؤجلًا، وأبعده منه في المؤجل يذهب مع أهل الورق وعكسه، وبآئل فيهما، أو في أحدهما.
[حكم الخطأ في الصلح:]
والخطأ حكمه في الصلح كبيع الدين؛ إذ الدية فيه مال، وهي دين، وما صالح به مأخوذ عنها فقط، فقد باع المستحق دينًا بدين، فإن صالح فيه بنقد جاز، سواء كان ورقًا بورق، أو بذهب، أو بآئل، أو عكسه.
وإذا كان بأقل جاء فيه ضع وتعجل، وبأبعد لأكثر من أجلها سلف بزيادة وبدنانير مؤخرة عن آئل فسخ دين في دين.
[مضي صلح الجاني:]
ولا يمضي صلح الجاني على عاقلة له بغير رضاها؛ لأنها تدفع الدية من مالها، ولا ترجع به عليه، فلا يلزمها صلحه عنها، كعكسه: لا يمضي
[ ٨ / ٨١ ]
صلح العاقلة لولي الدم على الجاني، إذا لم يرض به، فإن عفا المجني عليه عن الجاني فوصية -أي: ينزل عفوه منزلة وصيته بالدية- للعاقلة، فيكون في ثلثه، فإن خرجت منه فواضح، وإن زادت عليه وقف الزائد على إجازة الورثة، وإن كان له مال غيره ضمت لما له.
ودخلت الوصايا في ثلث الجميع، وتدخل الوصايا التي أوصى بها المجني عليه فيه -أي: الثلث- وإن أوصى به بعد سببها، أي: سبب الدية، وهو الجرح وإنفاذ المقاتل.
تنبيه:
اختلف الشارحان في المبالغة:
- فقال بهرام: تدخل الوصايا بعد طروء سبب الدية، وهو الجرح أو إنفاذ المقاتل، وأحرى إن كانت قبل ذلك؛ ولذا حسنت المبالغة.
- وقال البساطي: إن أوصى بعد سببها فدخول الوصية فيها ظاهر، وليس كذلك ما أوصى به قبل السبب، فقوله: (وإن بعد سببها) ليس بظاهر، ولا قول الشارح، وأحرى قبل السبب، إلا أن يكون أراد أوصى لأحد من أهل الجاني على بحث فيه انتهى.
ومثله لبعض من تكلم على هذا المحل حيث قال: المبالغة معكوسة، وصوابه: قبل سببه فيه، تستقيم المبلغة.
[مسألة:]
أو أوصى لشخص بثلثه قبل السبب فتدخل الوصية بالثلث؛ لأنه عند الموت يعتبر الثلث، وبعد الموت الدية مال موروث عنه، أو أوصى بشيء بعينه كدابة أو عبد قبل السبب ولم يعين ثلثا ولا غيره، ثم جني عليه، إذا عاش بعدها -أي: بعد الجناية- ما -أي: مدة- يمكنه فيها التغيير لوصيته، وهو ثابت الذهن، فلم يغير دخلت وصيته في الدية، بخلاف دية العمد، لا تدخل فيها الوصايا، وإن عاش بعد الضرب؛ لأنها مال لم يعلم به.
[ ٨ / ٨٢ ]
إلا أن ينفذ مقتله، كقطع نخاعه، أو ثقب مصيره، ويقبل وارثه الدية وعلم به، وأوصى فيها، فيدخل فيها الوصية؛ لأنه مال علم به قبل موته.
[مسألة:]
وإن عفا مجروح عن جرحه مجانًا، أو صالح عنه بمال، سواء كان عمدًا أو خطأ، فمات بعد ذلك، فلأوليائه القسامة والقتل في العمد والدية في الخطأ؛ لأن لهم رد عفوه ونقض صلحه، والرجوع لحقهم في النفس؛ لسريان الجناية لها، وليس للجاني أن يقول للأولياء: صارت الجراحة نفسًا فردوا المال واقتلوني، ولهم إمضاء الصلح.
وإن نقضوه رجع الجاني فيما دفع للمجروح، إن كان دفع له شيئًا، ثم هو في العقل كرجل من قومه فيما أخذ منه، وللقاتل إن ادعى العفو عنه وأنكر الولي الاستخلاف على عدم العفو على المشهود، فإن حلف ولي الدم على عدم العفو فواضح، وإن نكل ردت اليمين على القاتل، وحلف يمينًا واحدة لا خمسين؛ لأن الولي إنما كان يحلف واحدة، وإذا حلفها برئ، وإن نكل قتل، وتلوم له الإمام في دعوى بينته الغائبة الشاهدة له بالعفو، ونحوه في المدونة.
وقتل القاتل بما -أي: بمثل الآلة التي- قتل به، ولو كان المقتول به نارًا على المشهور، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١).
_________________
(١) قال القرطبي في جامعه (١٠/ ٢٠١، وما بعدها): "فيه أربع مسائل: الأولى: أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية، نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير. وذهب النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها من المكي اتصالًا حسنًا؛ لأنها تتدرج الرتب من الذي يُدعى ويُوعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازى على فعله. ولكن ما روى الجمهور أثبت. روى الدارقطني عن ابن عباس قال: لما انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول اللَّه -ﷺ- فرأى منظرًا ساءه رأى حمزة قد شُق بطنه، واصطلم أنفه، وجدعت أذناه، فقال: "لولا أن يحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه اللَّه من بطون السباع والطير لأمثلن مكانه بسبعين رجلًا" ثم دعا ببردة وغطى بها =
[ ٨ / ٨٣ ]
وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١).
_________________
(١) = وجهه، فخرجت رجلاه فغطى رسول اللَّه -ﷺ- وجهه وجعل على رجليه من الإذخر، ثم قدمه فكبر عليه عشرًا، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه، حتى صلى عليه سبعين صلاة، وكان القتلى سبعين، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ فصبر رسول اللَّه -ﷺ- ولم يمثل بأحد. خرجه إسماعيل بن إسحاق من حديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس أكمل. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: إنما نزلت هذه الآية فيمن أصيب بظلامة ألا ينال من ظالمه إذا تمكن إلا مثل ظلامته لا يتعداه إلى غيره. وحكاه الماوردي عن ابن سيرين ومجاهد. الثانية: واختلف أهل العلم فيمن ظلمه رجل في أخذ مال ثم ائتمن الظالم المظلوم على مال، هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فقالت فرقة: له ذلك؛ منهم ابن سيرين وإبراهيم النخعي وسفيان ومجاهد؛ واحتجت بهذه الآية وعموم لفظها. وقال مالك وفرقة معه: لا يجوز له ذلك؛ واحتجوا بقول رسول اللَّه -ﷺ-: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". رواه الدارقطني وقد تقدم هذا في البقرة مستوفى. ووقع في مسند ابن إسحاق أن هذا الحديث إنما ورد في رجل زنى بامرأة آخر، ثم تمكن الآخر من زوجة الثاني بأن تركها عنده وسافر؛ فاستشار ذلك الرجل رسول اللَّه -ﷺ- في الأمر فقال له: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك". وعلى هذا يتقوى قول مالك في أمر المال؛ لأن الخيانة لاحقة في ذلك، وهي رذيلة لا انفكاك عنها، فينبغي أن يتجنبها لنفسه؛ فإن تمكن من الانتصاف من مال لم يأتمنه عليه فيشبه أن ذلك جائز وكأن اللَّه حكم له؛ كما لو تمكن الأخذ بالحكم من الحاكم. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة، نسختها ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. الثالثة: في هذه الآية دليل على جواز التماثل في القصاص؛ فمن قتل بحديدة قتل بها. ومن قتل بحجر قتل به، ولا يتعدى قدر الواجب، وقد تقدم هذا في البقرة مستوفى. والحمد للَّه. الرابعة: سمى اللَّه تعالى الإذايات في هذه الآية عقوبة، والعقوبة حقيقة إنما هي الثانية، وإنما فعل ذلك ليستوي اللفظان وتتناسب ديباجة القول، هذا بعكس قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فإن الثاني هنا هو المجاز والأول هو الحقيقة؛ قاله ابن عطية".
(٢) قال القرطبي في جامعه (٢/ ٣٥٦، وما بعدها): "الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ عموم متفق عليه، إما بالمباشرة إن أمكن، وإما بالحكام. واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا، فمن قال: ليس في القرآن مجاز، قال: المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح، كما أن المجاز في كلام =
[ ٨ / ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = العرب كذب مباح؛ لأن قول القائل: فقالت له العينان سمعا وطاعة وكذلك: امتلأ الحوض وقال قطني وكذلك: شكا إلى جملي طول السرى ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق. وحد الكذب: إخبار عن الشيء على خلاف ما هو به. ومن قال في القرآن مجاز سمى هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله، كما قال عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال الآخر: ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ومن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج يريد: أكافع الجاهل والمعوج، لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. السادسة: واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئًا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء: عليه في ذلك المثل، ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]. قالوا: وهذا عموم في جميع الأشياء كلها، وعضدوا هذا بأن النبي -ﷺ- حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال: "إناء بإناء وطعام بطعام" خرجه أبو داود قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول اللَّه -ﷺ- كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام، قال: فضربت بيدها فكسرت القصعة. قال ابن المثنى: فأخذ النبي -ﷺ- الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: "غارت أمكم". زاد ابن المثنى "كلوا" فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها. ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال: "كلوا" وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته. حدثنا أبو داود قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري -قال أبو داود: وهو أفلت بن خليفة- عن جسرة =
[ ٨ / ٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بنت دجاجة قالت قالت عائشة ﵂: ما رأيت صانعًا طعامًا مثل صفية، صنعت لرسول اللَّه -ﷺ- طعامًا فبعثت به، فأخذني أفكل فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول اللَّه، ما كفارة ما صنعت؟ قال: "إناء مثل إناء وطعام مثل طعام". قال مالك وأصحابه: عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل، بدليل تضمين النبي -ﷺ- الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه، ولم يضمنه مثل نصف عبده. ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات، لقوله -﵇-: "طعام بطعام". السابعة: لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص، فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف. وللشافعية قول: إنه يقتل بذلك، فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت، ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت. وقال ابن الماجشون: إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به، لقول النبي -ﷺ-: "لا يعذب بالنار، إلا اللَّه". والسم نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك، لعموم الآية. الثامنة: وأما القَوَد بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين: إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف، رواه عنه ابن وهب، وقاله ابن القاسم. وفي الأخرى: يقتل بها وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعي. وروى أشهب وابن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة، فأما أن يضرب ضربات فلا. وعليه لا يرمى بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب، وقاله عبد الملك. قال ابن العربي: "والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف". واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقأ عينه بقصد التعذيب فعل به ذلك، كما فعل النبي -ﷺ- بقتلة الرعاء. وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف. وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة والشعبي والنخعي. واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي -ﷺ- قال: "لا قود إلا بحديدة"، وبالنهي عن المُثْلة، وقوله: "لا يعذب بالنار إلا رب النار". والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها: من صنع هذا بك! أفلان، أفلان؟ حتى ذكروا يهوديًا فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول اللَّه -ﷺ- أن ترض رأسه بالحجارة. وفي رواية: فقتله رسول اللَّه -ﷺ- بين حجرين. وهذا نص صريح صحيح، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [االنحل: ١٢٦]. وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين، لا يروى عن طريق صحيح، لو صح قلنا بموجبه، وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها، يدل =
[ ٨ / ٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على ذلك حديث أنس: أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول اللَّه -ﷺ- رأسه بين حجرين. وأما النهي عن المثلة فنقول أيضًا بموجبها إذا لم يمثل، فإذا مثل مثلنا به، يدل على ذلك حديث العرنيين، وهو صحيح أخرجه الأئمة. وقوله: "لا يعذب بالنار إلا رب النار" صحيح إذا لم يحرق، فإن حرق حرق، يدل عليه عموم القرآن. قال الشافعي: إن طرحه في النار عمدًا طرحه في النار حتى يموت، وذكره الوقار في مختصره عن مالك، وهو قول محمد بن عبد الحكم. قال ابن المنذر: وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل: عليه القود، وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال: لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات، أو ألقاه من جبل أو سطح فمات، لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية، فإن كان معروفًا بذلك -قد خنق غير واحد- فعليه القتل. قال ابن المنذر: ولما أقاد النبي -ﷺ- من اليهودي الذي رض رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه، فلا معنى لقوله. قلت: وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال: وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة: إنه لا يقتل ولا يقتص منه، إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفًا بالخنق والتردية وكان على عاقلته الدية. وهذا منه رد للكتاب والسنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة، وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه اللَّه للنفوس، فليس عنه مناص. التاسعة: واختلفوا فيمن حبس رجلًا وقتله آخر، فقال عطاء: يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت. وقال مالك: إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعًا، وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس. واختاره ابن المنذر. قلت: قول عطاء صحيح، وهو مقتضى التنزيل. وروى الدارقطني عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: "إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه". رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر، ورواه معمر وابن جريج عن إسماعيل مرسلًا. العاشر: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ الاعتداء هو التجاوز، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أي يتجاوزها، فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه، لا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية، فلو قال لك مثلا: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب يا شاهد زور. ولو قلت له يا زان، كنت كاذبًا وأثمت في الكذب. وإن مطلك وهو غني دون عذر فقال: يا ظالم، يا آكل أموال الناس، قال النبي -ﷺ-: "لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته". أما عرضه =
[ ٨ / ٨٧ ]
[ما يمنع القتل به:]
ثم أخرج مما يقتل بمثله فقال: لا بخمر ولواط وسحر، ونحوه مما فيه معصية، ولا بما يطول، بل يقتل بالسيف.
وهل والسم؟ لا يقتل به من قتل به، وهو تأويل أبي محمد قول المدونة: ومن سقى رجلًا سمًا فقتله، فإنه يقتل بغير السم بقدر ما يرى الإمام، أو يقتل به، ويجتهد الإمام في قدره من قلة وكثرة؛ لاختلاف أمزجة الناس، وعليه حملها ابن رشد: تأويلان.
[المماثلة مطلوبة شرعًا:]
ولما كانت المماثلة مطلوبة شرعا للمساواة في القصاص، قال: فيغرق من غرق، ويخنق من خنق، ويحجر من قتل بحجر، ومن قتل بعصا ضرب بالعصا للموت، واللام للغاية، كذي عصوين بأن ضربه بعصوين، فمات منهما، فيضرب بالعصا أبدأ حتى يموت، ولا نظر لعدد الضربات التي مات بها الأول، ومكن مستحق للقصاص من السيف مطلقًا في كل وجه من الوجوه السابقة؛ لأنه أخف على الجاني من غيره.
[مسألة:]
واندرج في قتل النفس طرف محرك الراء، كـ: عين ويد ورجل، إن تعمده -أي: تعمد الطرف- ثم قتله.
ولما كان لا فرق بين الطرف للمقتول أو لغيره قال: وإن لغيره، أي: لغير المقتول عمدًا كقطع يد شخص، وفقًا عين آخر، وقتل آخر عمدًا، فإنه
_________________
(١) = فبما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه. وقال ابن عباس: نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام، فأمر من أوذي من المسلمين أن يجازي بمثلِ ما أوذي به، أو يصبر أو يعفو، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقيل: نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان. ولا يحل لأحد أن يقتص من أحد إلا بإذن السلطان".
[ ٨ / ٨٨ ]
يندرج في النفس؛ لأنها تأتي على ذلك كله، وهذا إن لم يقصد مثلة؛ فإن قصدها لم تندرج، وفعل به مثل ذلك.
ثم شبه بذلك قوله: كالأصابع؛ فإنها تندرج في اليد، فإذا قطع الأصابع عمدًا ثم الكف عمدًا اندرجت الأصابع في الكف، إن لم يقصد مثلة، فإن قصدها فعل به كذلك، ولو قطع الأصابع أولًا خطأ ثم الكف عمدًا اقتص منه للكف، ولا تسقط دية الأصابع.
[ثاني موجبي الجناية:]
ولما كان موجب الجناية إما قصاص وإما دية، وذكر الأول أتبعه بالثاني.
[دية الخطأ:]
فقال: ودية الخطأ على القاتل البادئ للحر الذكر المسلم إذا كان القاتل من أهل البادية، وهم أهل الإبل: مائة منها مخمسة من خمسة أنواع؛ رفقًا بمؤديها:
- عشرون بنت مخاض.
- وأربعون ولدًا لبون: عشرون إناثًا، وعشرون ذكورًا.
- وعشرون حقة.
- وعشرون جذعه.
وهو مذهب مالك وجميع أصحابه.
[دية العمد:]
وربعت في دية عمد حصل فيها عفو من جميع الأولياء أو بعضهم، أو وقع الصلح عليها مبهمة؛ لأن دية العمد غير محدودة، ولا معلومة حاله في مال الجاني.
وتربيعها: بحذف ابن اللبون الذكر من التي قبلها، وصارت المائة من
[ ٨ / ٨٩ ]
الأنواع الأربعة الباقية من كل نوع خمسة وعشرون (١).
قال مالك: بذلك مضت السنة.
وثلثت -أي: غلظت- في الأب ولو كان مجوسيًا في قتل عمد لم يقتل به، كفعل قتادة المدلجي (٢) بابنه حذفه بسيف أصاب ساقه، فنزي جرحه فمات، فقدم سراقة بن جشعم (٣) على عمر بن الخطاب، فذكر له ذلك، فقال: اعدد لي على ماء قديد عشرون ومائة بعير، حتى أقدم عليك، فلما قدم أخد من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، ثم قال أين أخو المقتول؟ قال: ها أنا ذا. قال: خذها؛ فإن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "ليس لقاتل شيء" (٤).
كذا في الموطأ، وفي غيره: ثم دعى بأم المقتول وأخيه فدفعهما لهما، ثم قال عمر: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا يرث القاتل شيئًا ممن قتله" (٥).
واحترز بقوله: (لم يقتل به) عن الخطأ وعن العمد الذي يقتل به؛ فإن
_________________
(١) كذا في النسخ التي بين يدي، والصواب: خمسة وعشرون.
(٢) قال الحافظ في الإصابة (٥/ ٥٢٤): "قتادة المدلجي له إدراك قال مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب أن رجلًا من بني مدلج يقال له قتادة حذف ابنه بالسيف فأصيب ساقه فنزف دمه فمات فقدم سراقة بن جعشم على عمر فأخبره فقال اعدد لي عشرين ومائة ناقة على ماء قديد فلما قدم عمر أخذ منها مائة فأعطاها لأخي المقتول وقال قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ليس للقاتل شيء" وروى قصته عبد الرزاق من طريق سليمان بن يسار نحوه ولم يسمه قال إن رجلًا من بني مدلج وقال فورث أخاه لأبيه وأمه ولم يورث أباه من ديته شيئًا".
(٣) قال في الإصابة (٣/ ٣٩): هو سراقة بن مالك، وهو كما في الأعلام (٣/ ٨٠): سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني، أبو سفيان، (٠٠٠ - ٢٤ هـ = ٠٠٠ - ٦٤٥ م): صحابي، له شعر. كان ينزل قديدًا. له في كتب الحديث ١٩ حديثًا، وكان في الجاهلية قائفًا، أخرجه أبو سفيان ليقتاف أثر رسول اللَّه -ﷺ- حين خرج إلى الغار مع أبي بكر، وأسلم بعد غزوة الطائف سنة ٨ هـ.
(٤) رواه مالك (٢/ ٨٦٧، رقم: ١٥٥٧)، أخرجه أبو داود (٤/ ١٨٩، رقم ٤٥٦٤).
(٥) رواه بنحوه أحمد (١/ ٤٢٣، رقم: ٣٤٥).
[ ٨ / ٩٠ ]
الدية في الأولى، والقصاص في الثانية.
تنبيه:
شمل قوله: (الأب) الأم والأجداد دون غيرهم، كالأعمام.
[مسألة:]
كجرحه؛ فإن ديته تغلظ بحسبه، ولا فرق فيه بين المسلم والمجوسي، كما غلظت في النفس، وهو قول مالك في المدونة، والتثليت كما تقدم يكون بثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، أي: حوامل، وسواء أول الحمل أو وسطه، بلا حد سن من في الخليفة على المشهور.
تذييل:
قال البساطي: صوروا مسألة التغليظ على المجوسي في الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا، ولو فرضناها في مجوسي قتل ولده المسلم لكان له وجه.
[الدية على أهل الذهب والفضة:]
ولما بين الدية على أهل الإبل شرع في بيانها على أهل الذهب أو الورق، فقال: وعلى الشامي والمصري والمغربي ألف دينار؛ لأنهم أهل ذهب، وعلى العراقي اثنا عشر ألف درهم من الفضة؛ لأنهم أهل ورق.
قال مالك: إنما قوم عمر الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم حين صارت أموالهم ذهبًا وورقًا، وترك دية الإبل على أهلها على حالها، ثم قال: ولا يقبل من أهل صنف من ذلك صنف غيره، ولا يقبل في الدية بقر ولا غنم ولا عرض.
ثم استثنى من الدية المقررة على أهل الذهب والورق، فقال: إلا في الدية المثلثة المغلظة فتغلظ باعتبار الذهب والفضة على المشهور، فيزاد على أهل الذهب والورق بنسبة ما بين الديتين على المشهور، أي: دية الخطأ المخمسة والمثلثة، فيقال: ما قيمة المائة المثلثة؟ وما قيمة أسنان المخمسة؟ فإذا قيل: قيمة المغلظة مائة وعشرون، نظر إلى قدر هذا الزائد من قيمة
[ ٨ / ٩١ ]
المخمس، فيؤخذ سدسًا، فله دية وسدسها، وكذا ما قل أو كثر.
البساطي: الأصل إذا ظهرت زيادة أن تنسب إلى نفس الدية لا إلى المجموع.
وفهم من كلام المصنف أن المربعة لا تغلظ في الذهب والورق، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
[منقصات دية المسلم:]
ولما ذكر دية المسلم ذكر منقصاتها، وهي أربعة:
- كفر.
- وأنوثة.
- ورق.
- وكونه جنينًا.
[أولًا- الكفر:]
فقال: والكتابي الذمي نصرانيًا أو يهوديًا، والمعاهد، جعله قسيمًا للكتابي؛ لأنه قد يكون كتابيًا، فهو من عطف العام على الخاص: نصف ديته، أي: دية المسلم الحر، والمجوسي والمرتد دية كل ثلث خمس، وهو من الذهب ستة وستون دينارًا وثلثا دينار، ومن الورق ثمانمائة درهم.
[ثانيًا- دية الأنثى:]
ودية أنثى كل ممن ذكر كنصفه، ونساء الكتابيين على النصف من ذلك، ودية المجوسية والمرتدة أربعمائة درهم.
[ثالثًا- دية الرقيق:]
وفي الرقيق قيمته وإن زادت على دية الحر؛ لأنه مال كسائر السلع اتفاقًا.
[ ٨ / ٩٢ ]
[رابعًا- دية الجنين:]
وفي الجنين إن لم يكن علقة بأن كان دمًا مجتمعًا لا يذيبه الماء الحار، وإن كان علقة عشر دية أمه: ذكرًا كان أو أنثى، كان عن ضرب أو تخويف يخاف منه، وتشهد البينة أنها منه خوفت لزمت الفراش إلى أن أسقطته، وتشهد على السقط.
وقول الشارح في الكبير: (تصير بذلك أم ولد) غير ظاهر؛ لما يأتي؛ لأن الأمة لا تصير أم ولد إلا إذا ثبت ما ألقته علقة ففوق، وعلى هذا فالمبالغة مقلوبة، وهذا إن لم تكن أم الجنين أمة، بل حرة مسلمة أو كتابية، بل ولو كانت أمة، أي: عشر قيمتها.
وأشار بـ (لو) لقول ابن وهب: في جنينها ما نقصها؛ إذ هي مال كسائر الحيوان نقدًا.
قال الشارح: أي حالة في مال الجاني.
وقال البساطي: نقدًا، فلا تؤخذ من الإبل في هذه المسألة، وهو قول ابن القاسم.
وقال أشهب: تؤخذ.
أو غرة بينها بقوله: عبد أو وليدة تساويه، أي: العشر أي عشر كان من غير نظر لسن ولا لبياض ولا من الخيار والأحسن ولا من الحمر.
وظاهر كلام المؤلف: تخيير الجاني في أحد الأمرين:
- إما العشر.
- وإما الغرة.
[جنين الأمة:]
والأمة جنينها من سيدها الحر المسلم أو كتابي كجنين الحرة؛ لأنه يشترط فيه الحرية، وهي تصير به أم ولد، فهي كالحرة، ولو كان من غير سيدها بزوجية أو زنا لكان فيه عشر قيمتها.
[ ٨ / ٩٣ ]
[جنين الكتابية:]
والنصرانيه أو اليهودية جنينها من العبد المسلم كالحرة المسلمة، وفهم من قوله: (العبد المسلم) أن في جنينها من النصراني أو اليهودي عشر دية أمه، كان زوجها حرًا أو عبدًا، إن زايلها كله، بأن انفصل عنها ميتًا حال كونها حيه، فلو ماتت قبل، أو خرج بعضه في حياتها وبعضه بعد موتها فلا شيء فيه.
وكذا لو انفصل بعد موتها لا شيء فيه على المشهور؛ إذ هو بعض منها، إلا أن يحيا بأن يستهل صارخًا ثم يموت بعد انفصاله قبل موتها أو بعده، والجناية خطأ، فالدية إن أقسموا إن لم يمت عاجلًا، بل تراخى موته؛ لاحتمال أن يكون من غير ضربه، بل ولو مات عاجلًا عند ابن القاسم.
وقال أشهب: لا قسامة؛ لأن محمله أن الموت عن الضربة. واستحسنه اللخمي.
[مسألة:]
وإن تعمده -أي: الجاني- بضرب ظهر أو بطن أو رأس، والمسألة بحالها ألقته حيًا ثم مات، ففي القصاص بقسامة، وهو قول ابن القاسم وعدم القصاص.
الباجي: وهو المشهور.
خلاف، وجوز الشارح في ضمير (تعمده) كونه للفعل، أي: تعمد الفعل بضرب، وكونه للقتل أي تعمد قتل الجنين بضرب ظهر أمه أو بطنها.
[مسألة:]
وتعدد الواجب في الجنين عشرًا أو غرة إن لم يستهل، والدية إن استهل، بتعدده اثنين فأكثر، وورث المأخوذ عن الجنين على الفرائض بين الورثة فرضًا وتعصيبًا، وإليه رجع مالك، وكان يقول: للأبوين على الثلث والثلثين، وأيهما انفرد به أخذها.
[ ٨ / ٩٤ ]
[الحكومة في الجراح:]
وفي الجراح التي ليس فيها شيء حكومة بنسبة نقصان الجناية، أي: ما نقصته الجناية، فيقوم المجني عليه على أنه عبد سالم بمائة مثلًا، وفي الجراحة بتسعين فقد نقصت الجراحة عشرة، وهي عشر المائة، فيعطى بنسبتها من الدية، وهو عشرها، إذا برئ؛ لأنه لو قوم قبل البرء لاحتمل أن تسري الجراحة للنفس، أو لما تحمله العاقلة من قيمته: متعلق بنسبة، أي: نسبة ما نقصته الجناية من القيمة كاملًا عبدًا فرضًا: مفعول مطلق، أي: يفرض عبدًا فرضًا، وإن لم يكن عبدًا حقيقة.
[قال الشارح: (من الدية) متعلق بـ (نقصان) و(عبدًا) حال، وما ذكره المصنف في الحكومة هو المعروف، وفي تفسير ابن مزين أن الحكومة باجتهاد الإمام ومن حضره.
عياض: وظاهره عند بعضهم أنه خلاف الأول. وإلى الخلاف في ذلك، أشار أبو عمران، وقال: هو الذمى، كنا نقول به قبل أن نرى القول الآخر. انتهى] (١).
ثم شبه في التقويم سالمًا ثم ناقصًا، فقال: كجنين البهيمة، أي: فلا شيء فيه، وعلى الجاني ما نقصته الجناية فيما بين القيمتين.
ثم استثنى من حكم الجراح ما ورد فيه تقدير من الشرع بقوله: إلا الجائفة والآمة فثلث من الدية في كل منهما، وإلا الموضحة فنصف عشر من الدية، وإلا المنقلة والهاشمة فعشر ونصفه من الدية في كل منهما، ولا يزاد على هذا التقدير.
وإن حصل البرء بشين -أي: معه- فيهن؛ لأن هذا المقدر هو الذي
_________________
(١) ما بين معكوفين ليس موجودا في "ن ٣".
[ ٨ / ٩٥ ]
ورد في كتابه ﵊ (١). . . . .
_________________
(١) يقول عبد الرحمن الفقيه: "بالنسبة لصحيفة عمرو بن حزم فقد تكلم عليها العلماء كثيرًا، ومن المعاصرين من أطال فيها النفس فمن المصنفات في ذلك كتاب لحمد بن إبراهيم العثمان أسماه (كتاب رسول اللَّه -ﷺ- لعمرو بن حزم -﵁-) نشر مكتبة الإمام الذهبي ويقع في ٨٠ صفحة وقد ذكر طرق الحديث والكلام على كل طريق. وكذلك من المعاصرين أحمد بن عبد الرحمن الصويان في كتابه صحائف الصحابة من صفحة ٩٢ إلى ١٣٢، وكذلك مشهور حسن سلمان في تخريجه للخلافيات للبيهقي في المجلد الأول من صفحة ٤٩٧ إلى ٥٠٨. وبالنسبة لطرق الحديث فكلها ضعيفة ومرسلة ووجادات، ولكن العلماء تلقوه بالقبول وصححوه وعملوا به، وقد صححه الإمام أحمد كما في مسائل البغوي رقم (٣٨). وقال ابن الجوزي (قال أحمد بن حنبل -﵁- كتاب عمرو في الصدقات صحيح) كما في نصب الراية (٢/ ٣٤١). وصححه إسحاق ابن راهويه كما في الأوسط لابن المنذر (٢/ ١٠١). وقال عباس الدوري كما في التاريخ (٦٤٧) سمعت يحيى يقول حديث عمرو ابن حزم أن النبي -ﷺ- كتب لهم كتابًا فقال له رجل هذا مسند قال لا ولكنه صالح). وقال الإمام الشافعي في الرسالة ص ٤٢٢ (لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول اللَّه -ﷺ-). وقال يعقوب بن سفيان الفسوي (لا أعلم في جميع الكتب أصح من كتاب عمرو بن حزم كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يرجعون اليه) ميزان الإعتدال (٢/ ٢٠٢). وقال الحاكم في المستدرك بعد روايته للحديث بطوله (١/ ٣٩٧) (هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وإمام العلماء في عصره محمد بن مسلم بن شهاب بالصحة). وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٣٨) (هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة). والخلاصة: أن الحديث وإن كانت طرقه بمفردها ضعيفه إلا أن كثرة طرقه ووجاداته وتلقي العلماء له بالقبول وكون كل فقرة منه لها شواهد من أحاديث أخرى ورجوع الصحابة إلى ما فيه كما عند عبد الرزاق (١٧٦٩٨) و(١٧٧٠٦) وابن أبي شيبة (٩/ ١٩٤) وابن حزم في المحلى (١٠/ ٥٢٩) باسناد صحيح عن سعيد بن المسيب (أن عمر بن الخطاب -﵁- جعل في الإبهام خمسة عشرة وفي السبابة عشرًا وفي الوسطى عشرًا وفي البنصر تسعًا وفي الخنصر ستًا حتى وجدنا كتابًا عند آل حزم عن رسول اللَّه -ﷺ- أن الأصابع سواء فأخذ به) وسعيد وإن كان سماعه من عمر -﵁- فيه كلام إلا أنه كان =
[ ٨ / ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يرجع الناس إليه في فقه عمر وقد قال الإمام أحمد عندما قيل له سعيد بن المسيب عن عمر حجة قال هو عندنا حجة قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يقبل من سعيد عن عمر فمن يقبل) كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/ ٦١)، فهذا كله يدل على قبول الحديث وصحته". وساق له طرقًا أكتفي منها بثلاثة، وهي: الطريق الأولى: من طريق الحكم بن موسى ثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. أخرجه النسائي في السنن (٨/ ٥٧) وابن حبان في الصحيح (٦٥٥٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٥٩) والدارمي في المسند (في مواضع متعددة منها (٢/ ١٨٨) والدارقطني في السنن (١/ ١٢٢ و٢/ ٢٨٥) وأبو داود في المراسيل (٢٥٩) والخطيب في التاريخ (٨/ ٢٢٨) وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٢٣) وابن أبي عاصم في الديات (٤٢ و٤٨) والطبراني في الكبير كما في تهذيب الكمال (١١/ ٤١٩) والبغوي في مسائل أحمد (٧٣ و٩٩) وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٣٣٩) وهو في مسند الإمام أحمد كما أشار إليه غير واحد من الحفظ ولكنه ساقط من الطبعة الميمنية وكذلك لم يذكر في المستدرك لمسند الأنصار من طبعة مؤسسة الرسالة في (٣٩/ ٤٧٦ - ٤٨٠) وممن عزاه لأحمد ابن عبد الهادي في التنقيح (١/ ٤١٠) وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٢٣) وغيرهم وهذا الإسناد فيه علة قادحة وهي أن الحكم بن موسى أخطأ في الإسناد وقال (سليمان بن داود) والصواب أنه (سليمان بن أرقم) وهو متروك وقد بين هذه العلل الإمام النسائي في السنن وصالح جزره وأبو زرعة الدمشقي وأبو داود وأبو حاتم وابن منده والذهبي والألباني وغيرهم. فيكون هذا الطريق شديد الضعف. الطريق الثاني: عن معمر بن راشد عن عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٧٤٠٨ و١٧٤٥٧ و١٧٦١٩ و١٧٦٧٩) وابن خزيمة في الصحيح (٢٢٦٩) وابن الجارود في المنتقى (٧٨٤ و٧٨٦) والدارقطني في السنن (١/ ١٢١) ويحيى بن آدم في الخراج ص ١١٤ وابن زنجويه في الأموال (١٤٥٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٩٥) وعثمان الدارمي في الرد على المريسي ص ١٣١ والبيهقي في الخلافيات (٢٩٥) وفي الكبرى (١/ ٨٧) وابن المنذر في الأوسط وغيرهم قال الدارقطني بعد روايته للحديث (مرسل ورواته ثقات) وذلك أن محمد بن عمرو بن حزم جد عبد اللَّه ولد في السنة العاشرة من الهجرة ولم يسمع من النبي -ﷺ- فهو صحابي صغير. الطريق الثالث: عن اسماعيل ابن عياش الشامي عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، أخرجه الدارقطني في =
[ ٨ / ٩٧ ]
لعمرو بن حزم (١) حين وجهه إلى نجران، حيث أطلق فيه، ولم يقيد بشين ولا عدمه، مع أنه قد يشين.
ثم ذكر المؤلف شرط ذلك، فقال: إن كن -أي: الجراحات المذكورة غير الجائقة- برأس أو لحي أعلى، وإنما لم ينبه على محل الجائفة لوضوحه؛ إذ لا تكون إلا في البطن والظهر، وإلا بأن كن في غير الرأس واللحي فلا تقدير بثلث ولا غيره، بل يرجع في ذلك للاجتهاد.
والقيمة للعبد في جراحه كالدية للحر، فيعتبر فيها ما ينقص الجرح من قيمته بنسبة ما يجب فيها في حق الحر من ديته، ففي موضحته نصف عشر قيمته، وفسر باقيها على ما فيه، ونحوه في المدونة.
وتعدد الثلث الواجب بجائفة نفذت، وبلغت للجانب الآخر كوصولها من البطن للظهر أو من الجانب الأيسر للأيمن أو عكسه فيها على الأصح.
وقيل: فيها دية واحدة. والقولان في المدونة.
كتعدد الموضحة والمنقلة والآمة إن لم تتصل كل منهما، بل كانت منفصلة عن الأخرى، لم تبلغ غايتها، بأن يكون ما بين المواضح لم يبلغ العظم، وكذا ما بين المنقلات، وما بين المأمومات، لم يبلغ أم الدماغ.
وإلا بأن انفصلت واتسعت بحيث صارت جراحة واحدة كموضحة كشفت من قرنه إلى قرنه فلا يتعدد الواجب فيها حينئذ، وذكر قوله: (وإلا فلا) مع أنه مفهوم الشرط؛ ليرتب عليه قوله: وإن كان ذلك بفور في ضربات متعددة.
_________________
(١) = السنن (٣/ ٢٠٩) وفي إسناده ضعف لأن رواية إسماعيل بن عياش عن غير أهل بلده فيها ضعف لكنه ضعف قابل للإنجبار".
(٢) هو: عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الانصاري، أبو الضحاك، (٠٠٠ - ٥٣ هـ = ٠٠٠ - ٦٧٣ م): وال، من الصحابة. شهد الخندق وما بعدها. واستعمله النبي -ﷺ- على نجران، وكتب له عهدًا مطولًا، فيه توجيه وتشريع. ينظر: الأعلام (٥/ ٧٦).
[ ٨ / ٩٨ ]
[ما تجب فيه الدية كاملة:]
ولما تكلم على النفس والجراح، شرع فيما تجب فيه الدية كاملة بزواله، وهو ضربان:
- منافع.
- وذوات.
[أولًا- المنافع:]
وقدم الكلام على المنافع.
[أ] وبدأ منها بالعقل؛ لأنه أشرف ما في الآدمي، فقال: والدية في زوال العقل كله، فإن نقص بعضه فبحسابه.
[ب] أو السمع في إزالته الدية كاملة.
[ج] أو البصر في إزالته جميعه الدية كاملة.
[د] أو النطق كله فيه الدية كاملة وإن بقي في اللسان فائدة الذوق ومعونة المضغ.
[هـ] أو الصوت في إزالته الدية كاملة.
[و] أو الذوق فيه الدية كاملة.
[ز] أو زوال قوة الجماع بأن يفسد إنعاضه، ففيه الدية كاملة.
[ح] أو قطع نسله فيه الدية، وإن لم يفسد إنعاضه وكان يمني.
[ط] أو تجذيمه أو تبريصه أو تسويده، بأن فعل به ما حصل منه واحد منها، فالدية كاملة فيه.
[ي] أو إزالة قيامه وجلوسه.
قال الشارحان: أتي بالواو لينبه على أنهما شيء واحد؛ ففي مجموعهما الدية.
[ ٨ / ٩٩ ]
[قال الشارح] (١): وظاهره: أنه لا تجب في أحدهما بانفراده (٢). انتهى.
والمعنى على ما قالاه: أنه يصير مستلقيًا، والظاهر: أن الواو بمعنى (أو)، وأن الدية تجب في كل واحد منهما، وقد ذكرنا النقل في الكبير.
[ثانيًا- الذوات المقدرة:]
ولما فرغ من المنافع تكلم على الذوات المقدرة، فقال:
[١] أو الأذنين في إزالة إشرافهما الدية على الأصح، ومقابله: لا تجب فيهما الدية إلا مع السمع، والقولان في المدونة.
[٢] أو الشوى: بفتح الشين المعجمة، وهو جلدة الرأس، في إزالتها الدية.
[٣] أو في زوال العينين معًا الدية، سواء طمستا، أو برزتا، أو ذهب نورهما وبقي جمالهما، وفي ذهاب جمالهما بعد ذلك حكومة.
[٤] أو زوال عين الأعور على الصفة السابقة دية كاملة عند مالك للسنة، وبه قال جماعة، بخلاف كل زوج في البدن كاليدين والرجلين، فإن في ذهاب الباقي من أحدهما نصفه، أي: نصف ما في الزوج.
وأما النصف الذاهب أولًا، فإنما فيه النصف فقط.
[٥] وفي اليدين الدية، سواء قطعتا من المنكب أو المرفق أو الأصابع، أو أزيلت منفعتهما مع بقائهما.
[٦] وفي الرجلين الدية قطعتا من الورك أو الركبة أو الكعبين أو الأصابع، وكذا لو أزيلت منفعتهما مع بقائهما.
[٧] وفي إزالة مارن الأنف، وهو: ما لان منه دون العظم الدية.
[٨] وفي الحشفة -وهي: رأس الذكر- الدية، كما لو قطع من أصله.
_________________
(١) ما بين معكوفين ليس في "ن ٣".
(٢) قلت: بل ظاهره إن كانت الواو على بابها أن في أحدهما نصف الدية، إلا إن أراد لا تجب الدية كاملة.
[ ٨ / ١٠٠ ]
[٩] وفي قطع بعضهما -أي: المارن والحشفة- بحسابها -أي: الدية- منهما، فإذا قطع بعض واحد منهما فغير مما فيه الدية منه، لا من أصله؛ لأن بعض ما فيه الدية إنما تنسب إليه.
[١٠] وفي الأنثيين الدية مطلقًا، سواء سلتًا، أو قطعتا، أو رضتا قبل الذكر أو بعده، كان له ذكر أو لا، وفي أحدهما نصف الدية، وهما عند مالك سواء، وإن قطعتا مع الذكر فديتان.
وهل في ذكر العنين دية كاملة، وهو قول مالك، أو حكومة كما في مختصر الوقار: قولان، وهو الذي له ذكر صغير لا يتأتى به الجماع، وقد يطلق على المعترض، وظاهر كلام بعض الأشياخ: أنه ذو ذكر صغير يأتي به النساء.
فائدة:
قال في الذخيرة: للذكر ستة أحوال:
- الدية في ثلاثة.
- وسقوطها في واحدة.
- وتختلف في اثنين.
فالثلاثة قطعه أو قطع الحشفة وحدها، أو إبطال النسل منه بطعام أو شراب، وإن لم يطل الإنعاظ، وتسقط إذا قطع بعض الحشفة ففيه حكومة، ويختلف إذا قطعه ممن لا يصح منه النسل مع قدرته على الاستمتاع، أو عاجز عنه والشيخ الكبير.
[١١] وفي شفرى المرأة: بضم الشين وسكون الفاء، وهما حافتا الرحم الدية، إن بدا العظم، وقضى بذلك عمر.
[١٢] وفي ثدييها إذا استؤصلا الدية.
[١٣] أو في حلمتيها: بفتح الحاء واللام، وهما رأسهما الدية، إن بطل اللبن.
[ ٨ / ١٠١ ]
ومفهوم الشرط: إن لم يبطل فلا دية، ومفهوم المرأة: أن لا دية في ثديي الرجل، وهو كذلك، وأشعر كلامه بأنه لو بطل اللبن بغير قطع شيء منهما لا دية (١).
وقال عبد الملك: الدية.
ولم ذكر الحكم بالنسبة للكبيرة، قال: واستؤني بالصغيرة إن شك في إبطال اللبن منها، وإن تيقن أنه أبطله بغير عود فالدية.
[حكم الصغير:]
وكذا يستأني في سن الصغير الذي لم يثغر بأخذ عقله في الخطأ للإياس من بناتها، واللام للغاية، كالقود في العمد، ويوقف ذلك تحت يد عدل كما في المدونة.
فائدة:
يثغر، بضم المثناة التحتية وسكون المثلثة: لم تسقط رواضعه، وأما بفتح المثناة وتشديد المثلثة والمثناة الفوقية فهو بناتها بعد سقوطها.
وإلا بأن جاور القدر الذي نبتت فيه ولم يمض له سنة انتظر سنة، أي: بقيتها، ثم وجب العقل أو القصاص.
وسقطًا -أي: العقل والقصاص- إن عادت سنه كهيئتها، وورثا القود والعقل إن مات الصبي قبل لوجودها، وفي عود السن أصغر مما كانت عليه المزالة يؤخذ من الجاني بحسابها، فإن نقص ربع مثلًا سقط بحسابه: خطأ وعمدًا، وسقط القصاص.
تنبيه:
لم يعتمد المؤلف تقييد اللخمي بأن ذلك إذا ثبتت، وصارت بقدر ما
_________________
(١) بل ما يشعر به كلامه أن مدار الدية على اللبن فتامل.
[ ٨ / ١٠٢ ]
ينتفع به، وأما إن عادت قدر ما لا ينتفع به فالقصاص مع ظهوره.
[علامة زوال كل ما فيه الدية:]
ولما كان لزوال كل ما فيه الدية علامة يعرف بها زواله أو بعضه.
[أ] ومن ذلك العقل أشار له بقوله: وجرب العقل بالخلوات؛ لأن الخلوة مظنة جمعه؛ فإن استمر على حاله علم زواله.
تنبيه:
في جمع الخلوات إشارة لتكرر ذلك المرة بعد المرة، ولا يكتفى بالواحدة.
[ب] ثم ذكر الطريق الذي يعرف به نقص السمع، فقال: وجرب السمع لمدعي ذهابه من أحد أذنيه بأن يصاح له من مكان بعيد ووجه الصائح لوجهه، فإن لم يسمع تقرب منه وصيح كذلك، وهكذا إلى أن يسمع فيعرف ذلك الموضع، ثم يحول وجهه لغيره، وهكذا من أماكن مختلفة مع سد الأذن الصحيحة سدًا محكمًا، فإن لم يختلف قوله بأن تساوت الأماكن التي سمع منها سدت تلك الأذن وفتحت الصحيحة وصيح به، ثم نظر أهل المعرفة ما نقص من السمع، ونسب لسمعه الآخر من الدية، ولزم الجاني.
وإلا بأن أصيب في أذنيه معًا أو كانت إحداهما معدومة فسمع وسط، ينسب الناقص إليه، لا إلى غاية من الطرفين، قاله البساطي، وهو واضح.
وأما قول بعض من تكلم على هذا المحل: (قيس له بسمع رجل وسط مثله) فبعيد.
وله نسبته من الدية عند مالك وابن القاسم وأشهب في غير المدونة إن حلف المجني عليه، وسكت عنه في المدونة، وهي يمين تهمة، وهذا حيث لم يختلف قوله اختلافًا بينًا، وإلا بأن اختلف كذلك فهدر؛ لظهور كذبه.
وقيدنا بالبين تبعًا للشارح، وهو خلاف ظاهر كلام المؤلف.
[ ٨ / ١٠٣ ]
[ج] وجرب البصر بإغلاق للعين الصحيحة كذلك، وتبدل عليه الأماكن، ثم تغلق المصابة، وينظر ما تبصر به الصحيحة، ثم تقاس إحداهما بالأخرى، وإذا علم قدر النقص كان له بحسابه.
[د] وجرب الشم برائحة حادة منفرة للطبع لعدم الصبر عليها عادة، لا سيما مع الطول بقدر ما يختبر به، ويعلم ذلك بالطاس أو غيره، وإذا غلبت منه النفرة الدالة على كذبه، أو ظهر ما يدل على صدقه عمل عليه، وقول بعضهم في التوصل لمقدار النقص عسر واضح.
[هـ] وجرب النطق بالكلام اجتهادًا من أهل المعرفة، لا بقدر نقص الحروف، فما قالوا أعطى بقدره، فإن شك بأن لا يدري أربع أو ثلث أعطى الثلث؛ لأن الظالم أحق أن يحمل عليه.
[ز] وجرب الذوق بالمَقِر: بفتح الميم وكسر القاف، وهو الشديد المرارة كالصبر.
[مسألة:]
وصدق مدعي ذهاب الجميع بيمين في جميع الصور السابقة.
قال الشارح: ولم يذكره في الجواهر إلا في البصر خاصة، ولا فرق.
والضعيف من عين ورجل ونحوهما، كـ: يد خلقة من اللَّه كاسترخاء البصر أو قلة إبصار من كبر أو رمد وهو مبصر بها، ويسعى برجله ويبطش بيده كغيره من صحيح ذلك، فتجب فيه الدية أو العقل كاملا.
تنبيه:
أطلق هنا وذكر في توضيحه عن ابن رشد تقييد النقص الذي لا جناية فيه بأن لا يكون أتى على أكثرها، وأما لو أتى على ذلك فليس له إلا بحساب ما بقي من عقلها.
وكذا المجني عليها من عين ورجل كالصحيحة، إن لم يأخذ لها -أي: للجناية- عقلًا، فإن أخذه ثم حلت جناية ثانية فإنما له من العقل
[ ٨ / ١٠٤ ]
بحساب ما بقي، قاله مالك، وعنه: العقل أيضًا كاملًا.
[عود على ما فيه الدية:]
[١٤] وفي قطع لسان الناطق من أصله الدية كاملة، وإن قطع بعضه ولم يمنع ما قطع منه النطق ما قطعه فحكومة، وإن منع بعض الحروف فعليه بقدر ذلك، ولا يحسب في نقص الكلام على عدد الحروف، رب حرف أثقل من حروف في النطق، ولكن بالاجتهاد في قدر ما نقص من كلامه، قاله في المدونة.
فائدة:
قال في الذخيرة: قيل لمالك: اللسان يعود ينبت. قال: ينتظر إلى ما يصير إليه إن منع الكلام فالدية، ولا ينتظر العود.
ثم شبه بما تقدم أشياء فيها الحكومة بقوله: كلسان الأخرس يقطع كله فيه الحكومة فقط.
[ما فيه الحكومة:]
وفي قطع اليد الشلاء حكومة، وكذا قطع الساعد بعد الكف، وفي أليتي المرأة حكومة عند ابن القاسم في المدونة؛ إذ لم يرد فيها نص، وقياسها على أليتي الرجل.
وفي كل أصبع من يد أو رجل خنصر أو إبهام أو غيره عشر للستة.
أشهب: في أليتيها الدية.
والألية بفتح الهمزة: لحم المقعدة.
وفي سن مضطربة جدًا إن قلعت حكومة، واحترز بقوله: (جدًا) عن اضطرابها يسيرًا، ففيه العقل.
وفي عسيب ذكر بعد قطع الحشفة حكومة، البساطي: في إطلاق العسيب على الباقي بعد الحشفة تجوز.
وفي حاجب واحد أو اثنين حكومة، قال الشارح: المراد شعره؛
[ ٨ / ١٠٥ ]
بدليل اقترانه بهدب العين، وهو شعرها.
ثم قال: ويحتمل أن يريد اللحم الذي فيه الشعر.
وقال البساطي: شعره ولحمه.
وفي هدب العين إن لم ينبت، وإن نبت فلا شيء عليه في الخطأ، وفي العمد الأدب.
وفي قلع ظفر خطأ حكومة، وعمدًا فيه القصاص وظاهر كلامه: الحكومة في الخطأ، ولو عاد لهيئته، والذي في المدونة القصاص في الظفر، إلا أن يقلع خطأ فلا شيء فيه إذا برئ وعاد لهيئته، فإن برئ على شين ففيه الاجتهاد.
تتمة:
قال البساطي: فإن قلت: قوله: (وفيه القصاص) هل هو خاص بالظفر، أو عام فيما ذكر.
قلت: في الكل خلاف، فإن جعلته عامًا فيكون تشهيرًا للتسوية، ولكن لم نر من شهره، وإن جعلته خاصًا بالظفر فيكون تشهيرًا للفرق.
وفي إفضاء -وهو: رفع الحاجز بين مخرج البول ومحل الجماع- حكومة، ونحوه للمؤلف وغيره، وتفسير البساطي بأنه (رفع ما بين مسلك البوب ومخرج الغائط، سواء كان طول الذكر أو رأس الحاجز فيه حكومة، وهو مذهب المدونة) لم أره لغيره، وقوله: (هو مذهب المدونة) راجع لقوله: (حكومة)، لا لتفسيره.
ولا يندرج الإفضاء تحت مهر، بحيث لا يجب فيه زيادة عليه، بل فيه زيادة، وروى محمد عن ابن القاسم: إذا بلغ ثلث الدية فعلى العاقلة، وإلا ففي ماله.
بخلاف البكارة؛ فإنها تندرج تحت المهر؛ إذ لا يتمكن من الوطء إلا بإزالتها.
[ ٨ / ١٠٦ ]
إلا أن يزيلها بأصبعه فلا تندرج تحت المهر.
تنكيت:
في معرفة عين الحكم إجمال؛ لأنه يحتمل أنه حكومة، وهو ظاهر قول البساطي: (صار جرحًا لا إفضاء)، ويحتمل سواء استمرت في عصمته أو طلقها، والذي في ابن شاس: إن أزالها بأصبعه ثم طلقها فعليه قدر ما شانها مع نصف الصداق، وينظر إلى ما شانها عند الأزواج في حالها وجمالها.
وقال ابن القاسم: عليه المهر كاملًا.
[دية الأصبع:]
وفي كل أصبع من يد أو رجل: خنصر أو إبهام أو غيره عشر للسنة.
فائدة:
قال في الذخيرة: قال مالك: إذا كانت خلقة يده على أربعة أصابع ففي كل أصبع عشر من الإبل، وكذلك إن كانت ثلاثًا أو أصبعين؛ لأنه ظاهر النص.
وفي الأنملة من كل أصبع ثلثة بضم الثاءين، أي: ثلث الأصابع ثلاثة أبعرة وثلث بعير، إلا الأنملة في الإبهام فنصفه، أي: فنصف العشر؛ إذ ليس فيه غير أنملتين عند مالك، وعنه أيضًا ثلاثة أنامل، والخلاف في أنملة اليد، وأما أنملة الرجل فاثنتان اتفاقًا.
ثم ذكر شرط كون الزائد فيها عشر بقوله: وفي الأصبع الزائدة القوية عشر إن انفردت عن الكف وقطعت وحدها.
ومفهوم (القوية): أن الضعيفة ليست كذلك، وهو كما أفهم؛ إذ فيها حكومة.
ومفهوم (انفردت): لو قطعت مع اليد لم يزد لها شيء على الخمسين، وهو كذلك عند ابن القاسم؛ إعطاء للصورة النادرة حكم الغالب.
[ ٨ / ١٠٧ ]
تنبيه:
تعقب الشارح قوله: (إن انفردت) بأنه يقتضي أنها لو قطعت مع أصبع أو أصبعين لا شيء فيها، وليس كذلك؛ ولذا عدل عنه البساطي قائلًا: كعنى (انفردت) لم تقطع ضمنًا كما لو قطعت اليد انتهى. وهو ظاهر.
وفي كل سن من ثنية أو ناب أو رباعية أو ضرس خمس من الإبل، بفتح الخاء المعجمة.
[ما تجب هذه الدية:]
وتجب هذه الدية بأحد أمور، أشار لأولها بقوله: وإن كانت سوداء خلقة أو بجناية بقلع من أصلها أو من عند اللحم بعد حين من الجنانة.
وأشار لثانيها بقوله: أو اسوداد فقط بعد بياضها بجناية عليها مع بقائها.
وأشار لثالثها بقوله: أو بهما، أي: بالسواد والقلع كذا قال المصنف، وقال ابن عبد السلام بقلع بعضها واسوداد الباقي.
وأشار لرابعها بقوله: أو حمرة أو صفرة بعد بياضها فيهما، إن كان ذلك عرفًا كالسواد أو باضطرابها جدًا، أي: وأما الخفيف بقدره، وإن ثبت من الثبوت بعد قلعها وإعادتها أو بعد اضطرابها جدا لكبير قبل أخذ عقلها أخذه، ولا يرده، سواء قضى له به ثم ردها فثبتت، أو قبل الحكم له بأخذه.
ثم في عدم الرد بالجائفة والموضحة والمنقلة والمأمومة، فقال: كالجراحات الأربع؛ فإنه اتفق على أخذ عقلها، وإن عادت لهيئتها، وإنما لم يذكر الجراحة الخامسة وهي الهاشمة لقول ابن القاسم: إنها لا بد أن تصير منقلة.
ورد المجني عليه دية أخذها لذهاب بصره في عود البصر بها، أخذ ذلك بقضية أو لا.
[ ٨ / ١٠٨ ]
تنبيه:
لم ينبه المؤلف على الرد في عود الكلام والعقل والسمع، أما الأول: فإنه إذا عاد بعد انقطاعه لزمه رد ما أخذه عند مالك وابن القاسم، وأما الثاني، فقيل: الذي يجري على مذهبه من مسألة البصر الرد.
وقال أشهب: لا يرد.
والفرق بين البصر والعقل على قول ابن القاسم هذا أن البصر إذا عاد علم أنه لم يذهب حقيقة، بخلاف العقل، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن العقل إذا زال لم يعد، وإنما حصل له ساتر، ثم انكشف.
وأما الثالث ففي البيان: حكمه إذا عاد قبل الحكم أو بعده كالبصر.
ورد ما أخذ في عود قوة الجماع، وفي عود منفعة اللبن بعد فساده، وفي لزوم عقل الأذن إن ثبتت بعد قطعها.
قال في البيان: وهو مذهب مالك.
وعدم لزومه وهو رأي ابن عبد الحق: إنه مذهب المدونة، تأويلان في فهم هذين الشيخين لها.
وتعددت الدية بتعددها ضميره عائد على متعلق الجناية بتعدد المتلف بالجناية، فلو قطعت يده فجن فديتان.
واستثنى من ذلك ما إذا زال المحل بما فيه، فقال: إلا المنفعة بمحلها فلا يتعدد، كما لو قطعت أذناه فذهب سمعه فدية واحدة، وساوت المرأة من أهل كل دين الرجل، أي: الرجل من أهل دينها في جراحة وتستمر مساواتها له لبلوغ ديتها لثلث ديته فترجع لديتها حينئذ، ففي أصبع المسلمة عشرة أبعرة، وفي اثنين عشرون، وفي ثلاثة ثلاثون، وفي ثلاثة ونصف أنملة إحدى وثلاثون وثلثان، فتساويه وتخالفه في ثلاثة وأنملة، فلها في ذلك ستة عشر بعيرًا وثلثان لبلوغها الثلث.
[ ٨ / ١٠٩ ]
قال ربيعة (١): قلت لابن المسيب (٢): كم في أصبع من أصابع المرأة؟
فقال: عشر من الإبل.
قلت: كم في أصبعين؟
قال: عشرون.
قلت: كم في ثلاث؟
قال: ثلاثون.
قلت: كم في أربع؟
قال: عشرون.
قلت: حين عظم جرحها واشتدت بليتها نقص عقلها.
قال: أعراقي أنت (٣)؟ !
_________________
(١) هو: ربيعة بن فروخ التيمي بالولاء، المدني، أبو عثمان، (٠٠٠ - ١٣٦ هـ = ٠٠٠ - ٧٥٣ م): إمام حافظ فقيه مجتهد، كان بصيرًا بالرأي (وأصحاب الرأي عند أهل الحديث، هم أصحاب القياس، لأنهم يقولون برأيهم فيما لم يجدوا فيه حديثًا أو أثرًا) فلقب (ربيعة الرأي) وكان من الأجواد. أنفق على إخوانه أربعين ألف دينار. ولما قدم السفاح المدينة أمر له بمال فلم يقبله. قال ابن الماجشون: ما رأيت أحد اْحفظ لسنة من ربيعة. وكان صاحب الفتوى بالمدينة وبه تفقه الإمام مالك. توفي بالهاشمية من أرض الأنبار. ينظر: الأعلام (٣/ ١٧).
(٢) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي، أبو محمد، (١٣ - ٩٤ هـ = ٦٣٤ - ٧١٣ م): سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة. جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يأخذ عطاءًا. وكان أحفظ الناس لأحكام عمر ابن الخطاب وأقضيته، حتى سمي راوية عمر. توفي بالمدينة. ينظر: الأعلام (٣/ ١٠٣).
(٣) ذلك لأن أهل العراق في الزمان كانوا لا يرجعون في فقههم إلى الأصلين، بل إلى محض الرأي، قال الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٠١): "وخرج ابن وهب عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: أصبح أهل الرأي أعداء السنن اعيتهم الأحاديث أن يعوها وتفلتت منهم. =
[ ٨ / ١١٠ ]
قلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم.
قال: هي السنة، يا ابن أخي.
[ما يضم في اتحاد الفعل:]
وضم متحد الفعل سواء اتحد المحل أو لا، كضربة واحدة في يد أو يدين أو في رجل أو رجلين أو يد ورجل فقطعت لها أصبعين أو ثلاثة؛ ففي كل عشر، فلو قطعت أربع فعشرون، وسواء كان الفعل من واحد أو جماعة، أو في حكمه، أي: حكم متحد الفعل، كضربات في فور واحد.
أو اتحد المحل في الأصابع يضم متحده، سواء تعدد الفعل أو اتحد، كضربات أو ضربة في يد واحدة فقطع لها أصبع أو أصبعان أو ثلاث، فأخذت لهن ثلاثين، ثم قطع لها بعد ذلك أصبعان أو أصبعين في ضربة أو ضربتين لكان لها في كل أصبع خمس؛ نظرًا لاتحاد المحل، ولو تعدد الفعل والمحل فلا ضم، كما لو ضربها واحدة فقطع من يدها ثلاثة فأخذت ثلاثين، ثم ضربها فقطع من الأخرى ثلاثًا فإنها تأخذ لها ثلاثين، فإن قطع بعد أصبعًا فأكثر من أي يد كانت أو من أي رجل فإن لها في كل أصبع خمس فقط، وهذا في الأصابع كما قدمناه.
فائدة:
قال الجوهري: الأصبع يذكر ويؤنث.
_________________
(١) = قال سحنون: يعني البدع. وفي رواية: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا: بالرأي فضلوا وأضلوا. وفي روايه لابن وهب: إن أصحاب الرأي أعداء السنة اعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين يسألوا أن يقولوا لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم. قال أبو بكر بن أبي داود: أهل الرأي هم أهل البدع".
[ ٨ / ١١١ ]
[ما لا يضم:]
لا الأسنان، فلا يضم بعضها لبعض، بل في كل سن خمس من الإبل، كان ذلك في ضربة أو ضربات على المشهور؛ لاتحاد المحل، وهو أحد قولي ابن القاسم.
ولا يضم المواضح، ولا المناقل، فلا ضم باتفاق، كما لو أوضحها موضحتين، فأخذت عقلهما، ثم أوضحها مواضح متعددة فلها عقلها، ما لم يبلغ ذلك في المرأة الواحدة الثلث.
ولا يضم عمد لخطأ، كما لو قطع لها ثلاث أصابع عمدًا، ثم أصبعًا خطأ، فتأخذ له عشرًا إن لم تعف عن العمد، بل اقتصت فيه أو صالحت عنه، وإن عفت، وإنما يضاف بعض الأصابع إلى بعض في الخطأ.
[من يحمل الدية:]
ولما ذكر الديات في النفس وأجزائها، شرع في بيان من يحملها، فقال: ونجمت ويأتي البيان على التنجيم والمقصود هنا ذكر شروط حمل العاقلة، سواء كانت دية مسلم أو ذمي أو مجوسي أو نساء كل.
[شروط التنجيم:]
وأشار للشرط الأول بقوله: دية الحر، فلا تحمل قيمة عبد، بل هي حالة على قاتله.
وأشار للثاني بقوله: الخطأ، فلا تحمل العمد.
وأشار للثالث بقوله: بلا اعتراف من الجاني، بل بالبينة وما في معناها من اللوت، وإنما لم تحمله لاتهام الجاني على إغناء ورثة المقتول.
ولما كان الجاني يدخل مع العاقلة في غرم جنايته، قال: على العاقلة والجاني.
وأشار للشرط الرابع بقوله: إن بلغ ذلك ثلث دية المجني عليه أو الجاني فأكثر على المشهور، فلو جنى مسلم على مجوسية ما يبلغ ثلث
[ ٨ / ١١٢ ]
ديتها أو ثلث ديته حملته العاقلة، وإن جنى مجوسي أو مجوسية على مسلم ما يبلغ ثلث دية الجاني أو المجني عليه حملته العاقلة.
وبقي شرط خامس: أنها لا تحمل دية قاتل نفسه، كما سيأتي، والأصل في هذا ما رواه ابن عباس: "لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا اعترافًا، ولا صلحًا، ولا ما دون الموضحة" (١).
[مسألة:]
وما لم يبلغ ثلثها من الجراح فحال عليه، لا منجم ولا تحمله العاقلة كعمد ودية غلظت، فلا تحملها العاقلة، بل حالة فيهما على المشهور.
[مسألة:]
ولا تحمل دية عضو ساقط فيه القصاص لعدمه، أي: لعدم مماثلة في الجاني، كقاطع يمين رجل لا يمين له.
[مسألة:]
إلا ما سقط فيه القصاص مع وجود مثله؛ لكونه لا يقتص منه من الجراح، كالجائفة والمأمومة وكسر الفخذ لإتلافه لو اقتص منه فعليها على القول المرجوع إليه.
[أقسام العاقلة:]
ولما جرى ذكر العاقلة بين أنها ثلاثة:
- العصبة.
- ويلحق بها أهل الديوان لعلة التناصر والولاء.
- وبيت المال.
_________________
(١) هذا الأثر رواه عن ابن عباس موقوفا البيهقي في الكبرى (٨/ ١٠٤، رقم: ١٦١٣٩)، وطرفه الأخير لم أره في شيء من كتب الحديث.
[ ٨ / ١١٣ ]
لا الموالاة ولا المحالفة، فقال: وهي العصبة، قال في الجلاب: قربوا أو بعدوا.
تنبيه:
سميت عاقلة لأنها تعقل لسان الطالب، وقيل غير ذلك.
[ترتيب أقسام العاقلة:]
وبدئ بالديوان على العصبة، ثم ذكر شروط أهل الديوان بقوله: إن أعطوا، بأن استمر لهم العطاء عند ابن القاسم وأشهب، ثم إن لم يكن ديوان بدئ بها -أي: العصبة- ويقدم منها الأقرب للجاني فالأقرب، ثم إن لم يكن عصبة نسب قدم المولى الأعلى، وهو: المعتق بالكسر اتفاقًا؛ لأنه من العصبة، غير أن عصبة النسب مقدمة عليه، ثم المولى الأسفل، إن لم يكن أعلى، وفي بعض النسخ (ثم الموالي الأعلون ثم الأسفلون).
ثم بيت المال إن كان الجاني مسلمًا؛ لأنه يرث ماله إن لم يكن وارث، وهذا الشرط في بيت المال فقط؛ لأن ما قبله من الميراث يشترك فيه المسلم والذمي.
ومفهوم الشرط: أن بيت المال لا يعقل عن غير المسلم.
[عاقلة الذمي:]
وأشار لما في المفهوم من التفصيل بقوله: وإلا يكن الجاني مسلمًا فالذمي يعقل عنه ذوو دينه، فلا يتعاقل أهل دينين، وضم إليه أهل كوره ككور مصر، أي: مدنه.
والكَوَر، بفتح الكاف والواو: جمع كُوره بضم الكاف وسكون الواو.
[عاقلة الصلحي]
والصلحي عاقلته أهل صلحه، ولو اختلفت قبائلهم، والحربي أهل ديته الحربيين.
وضرب على كل من العاقلة ما لا يضر بحاله، ويختلف الضرب
[ ٨ / ١١٤ ]
بقدر الغناء والفقر، فيؤخذ من كل بقدره.
[عقل غير القادر:]
وعقل عن صبي ومجنون وامرأة وفقير لا شيء معه وغارم، اللخمي: إذا كان عليه من الدين بقدر ما في يده ويفضل له ما يكون به في عداد الفقراء. انتهى.
وهذا مخالف لتفسير البساطي له: (هو الذي عليه دين يستغرق ما في يده)، فإنه غير ظاهر باتحاده مع الفقير حينئذ.
وهذا إذا حصلت الجناية لواحد منهم ولا يعقلون، فلا يغرمون مع العاقلة، كذا قال اللخمي؛ لأن الصبي والمرأة لا يناصر بهما، والمجنون غير مكلف، وهي إنما تدفع للإعانة، والفقير ينبغي أن يعان، والغارم إن كان لا يفضل عن دينه إلا ما يكون به في عداد الفقراء فلا يلزمه شيء.
والمعتبر من حال من يضرب عليه من العاقلة من لزوم وإسقاط وقت الضرب لا يوم القتل ولا يوم الأداء، فلو بلغ الصبي أو عقل المجنون أو اغتنى الفقير بعد الضرب لم يدخل.
ولا إن قدم غائب بعد الضرب لم يدخل، وأطلق المؤلف في الغيبة فشمل من غاب لحج أو غيره ليعود، وهو قول عبد الملك، وهو خلاف قول اللخمي: لا يدخل مع العاقلة منقطع الغيبة، وأما من خرج لحج أو غيره ليعود فإنه يدخل معهم إذا قدم.
[من لا تسقط عنهم:]
ولا يسقط من ضربت عليه بعسره بعد الضرب عليه أو موته أو جنه.
[مسألة:]
ولا دخول لبدوي من عاقلة القاتل مع حضري منها، ولا عكسه، ونحوه في المدونة، ولا يكون في دية واحدة: إبل وذهب ودراهم.
ولا شامي مع مصري وعكسه مطلقًا.
[ ٨ / ١١٥ ]
قال الشارح: قربوا أو بعدوا.
ويحتمل اتحد ما يؤخذ منهما أو اختلف، وفسر البساطي الإطلاق بهما معًا.
[مدة التنجيم وصفته:]
ولما قدم أن الدية تنجم ذكر مدة التنجيم وصفته بقوله: الكاملة من الديات السابقة في قوله: (دية الحر. . إلى آخره) سواء كانت دية مسلم أو مسلمة أو غيرهما، إبلًا كانت أو ذهبًا أو دراهم، في ثلاث سنين كل سنة ثلثها تحل النجوم الثلاث بأواخرها كل نجم بآخر ستة، وأول التنجيم من يوم الحكم به، لا ما قبله من يوم القتل، خلافًا للأبهري، ولا يوم الخصام أو صدور البينة، ونجم الثلث إن وجب ثلث، والثلثان على المشهور بالنسبة للكاملة، فالثلث في سنة والثلثان في سنتين، ومقابل المشهور حلول غير الكاملة، والقولان لمالك.
ونجم في النصف باعتبار الثلث في الكاملة، فالثلث في سنة، ثم للزائد، وهو ثلث سنة ثانية، فحكم النصف والثلثين واحد، ونجم الثلاثة الأرباع بالتثليث لكل ثلث سنة، ثم للزائد وهو نصف سدس سنة.
تنبيه:
تبع هنا ما شهره ابن الحاجب مع قوله في توضيحه: إنه لم يره، فضلًا عن كونه مشهورًا.
لكنه قال: لعل ابن الحاجب أخذه مما في المدونة: إن للثلاثة الأرباع ثلاث سنين.
فائدة:
قال عياض: من اتبع غيره في أمر يتعقب هو بمنجاة منه، والتعقب خاص بالأول.
[ ٨ / ١١٦ ]
[مسألة:]
وحكم ما وجب على عواقل متعددة كثلاثة رجال من قبائل شتى قتلوا رجلًا بجناية واحدة حكم الواحد، بأن حملوا صخرة فسقطت منهم عليه خطأ فالدية تنجم كل ثلث في ثلاث سنين، كتعدد الجناية عليها، أي: على العاقلة الواحدة، كأن يقتل رجل رجلين خطأ، فالديتان على عاقلته في ثلاث سنين.
ونبه على ذلك لئلا يتوهم أن الدية الثانية تنجم على العاقلة بعد وفاء الأولى.
[مسألة:]
وهل حدها -أي: العاقلة التي لا يضم إليها أحد من أقرب القبائل- سبعمائة، لا ينتمون لأب واحد، أو الزائد على الألف، وأما الألف فيضم إليه غيره؟ قولان لسحنون.
[الموجب الثالث من موجبات القتل:]
ثم شرع في الموجب الثالث من موجبات القتل، وهو: الكفارة، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، فقال: ويجب على القاتل الحر، لا العبد؛ لأنه لا يصح فيه ذلك، المسلم لا الكافر؛ إذ ليس فيه أهلية التقرب، ويجب دان كان القاتل صبيًا أو مجنونًا في مالهما من باب خطاب الوضع (١)، لما كانت عوضًا عن النفس، فأشبهت أعواض المتلفات.
_________________
(١) خطاب التكليف يشترط فيه قدرة المكلف على فعل ما كلف به، وأما خطاب الوضع فليس من شرطه ذلك، قال الفروق (١/ ٢٩١): " (الفرق السادس والعشرون بين قاعدة خطاب التكليف وقاعدة خطاب الوضع) وهذا الفرق أيضًا عظيم القدر جليل الخطر وبتحقيقه تنفرج أمور عظيمة من الإشكالات وترد إشكالات عظيمة أيضًا في بعض الفروع وسأبين لك ذلك في هذا الفرق إن شاء اللَّه تعالى وتحرير القاعدتين أن خطاب التكليف في اصطلاح العلماء هو الأحكام الخمسة الوجوب والتحريم والندب والكراهة =
[ ٨ / ١١٧ ]
أو كان القاتل شريكًا للصبي أو غيره، فيجب على كل واحد كفارة واحدة؛ لأنها لا تتبعض، إذا قتل مثله: حرًا مسلمًا، فلا تجب في قتل عبد.
معصومًا: لا من أبيح قتله، كزان محصن ونحوه.
خطأ: لا متعمدًا:
[١] عتق رقبة هي الكفارة مؤمنة سليمة من العيوب محررة لها.
[٢] ولعجزها -وهو: عدم القدرة عليها- شهران يصومهما كالظهار، تشبيه في العتق والصيام، وأنه يطلب في ذلك ما يطلب هناك من التتابع وغيره، وما يبطله هناك يبطله هنا.
وفي قول الشارح: (عتق رقبة خبر عن قوله: "على القاتل") تجوز؛ لأنه كثيرًا ما يطلق الخبر على ما تتم به الفائدة (١).
_________________
(١) = والإباحة مع أن أصل هذه اللفظة أن لا تطلق إلا على التحريم والوجوب لأنها مشتقة من الكلفة، والكلفة لم توجد إلا فيهما لأجل الحمل على الفعل أو الترك خوف العقاب وأما ما عداهما فالمكلف في سعة لعدم المؤاخذة فلا كلفة حينئذ غير أن جماعة يتوسعون في إطلاق اللفظ على الجميع تغليبًا للبعض على البعض فهذا خطاب التكليف وأما خطاب الوضع فهو خطاب بنصب الأسباب كالزوال ورؤية الهلاك ونصب الشروط كالحول في الزكاة والطهارة في الصلاة ونصب الموانع كالحيض مانع من الصلاة والقتل مانع من الميراث ونصب التقادير الشرعية وهي إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو المعدوم حكم الموجود كما نقدر رفع الإباحة بالرد بالعيب بعد ثبوتها قبل الرد".
(٢) هذا الحد للخبر لابن مالك صاحب الألفية، فقد قال في ألفيته: والخبر الجزء المتم الفائدة كـ: "اللَّه بر، والأيادي شاهدة". وقد أخذ عليه ابن عقيل شارح ألفيته عليه هذا الحد، فقال (١/ ٢٠٢ - ٢٠٣): "عرف المصنف الخبر بأنه الجزء المكمل للفائدة ويرد عليه الفاعل نحو قام زيد فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتم للفائدة وقيل في تعريفه إنه الجزء المنتظم منه مع المبتدأ جملة ولا يرد الفاعل على هذا التعريف لأنه لا ينتظم منه مع المبتدأ جملة بل ينتظم منه مع الفعل جملة وخلاصة هذا أنه عرف الخبر بما يوجد فيه وفي غيره والتعريف =
[ ٨ / ١١٨ ]
[من لا تجب عليهم الكفارة:]
ثم عطف على (معصومًا):
لا صائلًا، فلا تجب الكفارة على قاتل الصائل؛ لأنه ليس بقتل خطأ، ولا معصوم الدم.
وفي نسخة الشارح: (صائل) بالجر عطفًا على الحر المسلم.
ولا كفارة على قاتل نفسه؛ لأنه لا يتأتى خطابه بها؛ لأنها مشروطة بتقدم القتل، وإذا حصل القتل امتنع الخطاب بها وغيرها.
كديته، فلا تجب عليه؛ ولذا لا تنقل على العاقلة.
_________________
(١) = ينبغي أن يكون مختصًا بالمعرف دون غيره". وابن مالك وإن اعتذر له ابن أم قاسم بقوله (١/ ٤٧٤): "ثم شرع في تعريف الخبر فقال: والخبر الجزء المتم الفائدة والخبر يشمل المبتدأ والخبر، والمتم الفائدة: أخرج المبتدأ. فإن قلت: هذا ليس بحد صحيح لأنه صادق على الفعل وعلى الفاعل والحرف أيضًا. قلت: ليس مراده بالجزء جزء الكلام مطلقًا فيلزمه ما ذكرت، وإنما المراد جزء الجملة الاسمية. ويدل على ذلك أمران: أحدهما أن الباب موضوع لها، والثاني تمثيله بقوله: كاللَّه بر والأيادي شاهده فلم يدخل تحت كلامه الفعل والفاعل، ولا الحرف أيضًا؛ لأنه لا يكون أحد جزءي الجملة الاسمية. فإن قلت: إخراج المبتدأ بقوله: "المتم الفائدة" غير واضح لأن المبتدأ أيضًا يتم الفائدة، فإن الفائدة بهما حصلت. قلت: الخبر هو ثاني الجزءين ولا إشكال في أن ثانيهما هو الذي به تتم الفائدة. وأيضًا، فإن الخبر هو المستفاد من الجملة؛ ولذلك كان أصله أن يكون نكرة، ولهذا قال أبو موسى: المبتدأ معتمد البيان والخبر معتمد الفائدة". فإن هذا الاعتذار لا ينسحب على قول التتائي كما هو واضح.
[ ٨ / ١١٩ ]
[ما تندب فيه الكفارة:]
وندبت كفارة القتل في إجهاز (١) جنين، كما استحسنها مالك فيه.
أبو الحسن: معناه استحبها، ولم يرد الاستحسان الذي هو أحد الأدلة.
وندبت في رقيق قتله حر مسلم مع غرم قيمته، وفي عمد وفي عبد للقاتل، فالرقيق الأول وإن سقط فيه القصاص لم يسقط الغرم، والرقيق الثاني مسقط (٢)، وكأنه قال: الغرم في العبد لا ينافي استحسان الكفارة، كذا قرره البساطي.
وقال الشارح: انظر قوله: (عبد)، هل هو تكرار أو يحمل الأول على الخطأ، والثاني على العمد، أو يحمل الأول على أن الرقيق مقتول، والثاني على أنه قاتل، [وفي قتل عمد عفي عنه.
ابن عبد السلام: استحسان مالك الكفارة في قتل العمد مستعر بأن القاتل عنده في المشيئة، وإن كان له ما يدل على خلاف ذلك، وهو أنه لا يصلى خلفه وإن تاب، وقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في قبول توبته وعدمها (٣) (٤).
_________________
(١) في "ن ٣": إخراج.
(٢) في "ن ٣": سقطا معا.
(٣) ما بين معكوفين غير موجد في "ن ٣".
(٤) قال في البيان (١٧/ ٧٩ - ٨٠): "قال محمد بن رشد: قول عبد اللَّه بن عمر للحجاج فيما كان هم به من قتل عبد اللَّه بن عمر إذًا لسقرك اللَّه به في جهنم على رأسك، يدل على ما هو معلوم من مذهب عبد اللَّه بن عمر أن القاتل لا توبة له وأن الوعيد لاحق به، لأنه أخبر أنه لو فعل لسقره اللَّه به في جهنم على رأسه، ولم يستتن توبة ولا غيرها. وقد روي أنه سئل عن القاتل عمدًا هل له من توبة؟ قال ليستكثر من شرب الماء البارد، يريد أنه لا توبة له، وهو مذهب ابن عباس، وأبي هريرة وزيد بن ثابت، روي أن سائلًا سأل ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة عمن قتل مؤمنًا متعمدًا أهل له من توبة؟ فكلهم قال: هل يستطيع أن يحييه؟ هل يستطيع أن ينبغي نفقًا في الأرض أو سلمأ في السماء؟ وإلى هذا ذهب مالك -﵀-، لأنه روي عنه أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب، ويؤيد هذا المذهب، ما روي من أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "كل =
[ ٨ / ١٢٠ ]
وعليه -أي: القاتل- مطلقًا: رجلًا أو امرأة، حرًا أو عبدًا، جلد مائة وحبس سنة.
ابن الحاجب: على الأشهر.
وإن بقتل مجوسي أو قتل عبده نفسه أو نكول المدعي عن يمين وجبت عليه في بلوث لم يثبت به قتل بعد دعواه على القاتل ذي اللوث -أي: الذي قام عليه اللوث- وحلفه، أي: حلفه ذي اللوث وبرأته.
وفهم من قوله: (مجوسي) أن الجلد والحبس في قاتل الذمي أحرى، ومن وجوب ذلك في (عبد نفسه) أنه في عبد غيره أولى، ومن (ذي اللوث) أن اللطخ الذي لا تجب به القسامة لا يوجب هذا الحكم، بل يطال سجنه السنون عند مالك.
وقال أشهب: يجلد مائة، ويحبس عامًا.
والقسامه -أي: مما يجب به القتل أو الدية- والمراد بها هنا الأيمان المذكورة في دعوى القتل.
_________________
(١) = ذنب عسى اللَّه أن يعفو عنه إلا من مات كافرًا أو قتل مومنًا متعمدًا" وذلك واللَّه أعلم لأن القتل يجتمع فيه حق للَّه تعالى وحق للمقتول المظلوم. ومن شروط صحة التوبة من مظالم العباد تحللهم أورد التباعات عليهم. وهذا ما لا سبيل للقاتل إليه إلا بإذن يدرك المقتول قبل موته، فيعفو عنه ويحلله من قتله إياه طيبة بذلك نفسه. وذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى أن القاتل في المشيئة توبته مقبولة فممن روي ذلك عنه: ابن عباس، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب ومجاهد وغيرهم ولكلي القولين وجه من النظر باختلاف أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- في ذلك، فقل ما تجدهم يختلفون، إلا فيما تتعارض فيه الحجج وتتكافأ فيه الأدلة، فينبغي لمن لم يواقع هذا الذنب العظيم، أن ينتهي عنه ويستعيذ باللَّه منه مخافة ألا يصح له منه متاب، فيحق عليه سوء العذاب ويناله شديد العقاب. ولمن أوقعه أن يتوب إلى اللَّه ويستغفره، ولا ييأس من رحمة اللَّه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ".
[ ٨ / ١٢١ ]
أشهب: هي سنة، لا رأي لأحد فيها، وكانت في الجاهلية، فأقرها رسول اللَّه -ﷺ- (١).
ابن عرفة: هي حلف خمسين يمينًا أو جزئها على إثبات الدم.
[سبب القسامة:]
ولم يعرفها المصنف، بل قال: سببها الذي لا تصح بدونه مركبة من أربعة قيود:
أحدها وثانيها: قتل الحر، فلا قسامة في جرح وطرف على المذهب،
_________________
(١) روى البخاري (٣/ ١٣٩٦، رقم: ٣٦٣٢): "عن عكرمة عن ابن عباس -﵄- قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في إبله فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنقر الإبل فأعطاه عقالًا فشد به عروة جوالقه فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرًا واحدًا فقال الذي استأجره ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال ليس له عقال قال فأين عقاله؟ قال فحذفه بعصًا كان فيها أجله فمر به رجل من أهل اليمن فقال أتشهد الموسم؟ قال ما أشهد وربما شهدته قال هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال نعم قال فكنت إذا أنت شهدت الموسم فناد يا آل قريش فإذا أجابوك فناد يا آل بني هاشم فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال ومات المستأجر فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال ما فعل صاحبنا؟ قال مرض فأحسنت القيام عليه فوليت دفنه قال قد كان أهل ذاك منك فمكث حينا ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال يا آل قريش قالوا هذه قريش قال يا آل بني هاشم؟ قالوا هذه بنو هاشم قال أين أبو طالب؟ قالوا هذا أبو طالب قال أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانًا قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له اختر منا إحدى ثلاث إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فقالوا نحلف فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له فقالت يا أبا طالب أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ففعل فأتاه رجل منهم فقال يا أبا طالب أردت خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل يصيب كل رجل بعيران هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان فقبلهما وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا قال ابن عباس فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف".
[ ٨ / ١٢٢ ]
ولا في عبده، وهو من إضافة المصدر لمفعوله.
ثم وصف المقتول بقوله: المسلم، وهو ثالث الأسباب، فلا قسامة في قتل كافر، سواء قتله مسلم أو كافر.
وأشار لرابعها بقوله: في محل اللوث بالمثلثة، وهو اللطخ وفسر المصنف اللوث بأنه أمر نشأ عنه غلبة صدق المدعي، فلا قسامة بمجرد الدعوى.
وذكر للقسامة خمسة أمثلة (١):
أشار لأحدها بقوله: كأن يقول بالغ لا صبي ولا مراهق على المشهور، حر لا عبد؛ لأنه مدع لغيره، مسلم فلا عبرة بقول كافر: قتلني فلان عمدًا، بل ولو قال: خطأ على المشهور.
ولا فرق بين كون القاتل حرًا أو عبدًا، مسلمًا أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، ويقبل قول المقتول.
أو كان مسخوطًا وادعى ذلك على ورع، ولو كان أورع أهل زمانه على المشهور.
فائدة:
قال في الذخيرة: خولفت قاعدة الدعاوى في قبول قول المدعي في خمس مسائل:
- الأمناء.
- واللعان.
- والقسامة.
- والغصب.
- والحاكم في التعديل والتجريح وغيرهما. انتهى بتقديم وتأخير.
_________________
(١) في "ن ٣": أمور.
[ ٨ / ١٢٣ ]
قوله: (وغيرهما) أي: كالشهرة عنده من عدالة الشاهد أو جرحته، فيعتمد على علمه بذلك، وكذا على إقرار الخصم بعدالة من شهد عليه، ونظمت الخمسة، فقلت:
أمين لعان والقسامة غاصب كذا حاكم في العدل والجرح يقبل
كغيرهما في الكل يقبل مدع بلا شاهد والنظم للحفظ يسهل
أو ادعى ولد على والده إنه أضجعه وذبحه، أو بقر بطنه ونحو ذلك، فقال ابن القاسم: يقسم أولياؤه ويقتلون الأب، وأما لو قال: رماني بحديدة ونحوها مما لا يقتل به الأب، أو قال: قتلني، ولم يزد، أو قتلني عمدًا أو خطأ، فالقسامة.
ودية الخطأ في الخطأ لو ادعت زوجة على زوجها فالقسامة على ظاهر المذهب، خلافًا لابن مزين؛ لأنه مأذون له في ضربها، وقد يتصل بالموت، وهذا إن كان في المدعي جرح، وهو قول ابن القاسم.
المتيطي: وبه العمل والحكم.
أو أطلق، وقال: قتلني فلان، ولم يبين عمدًا أو خطأ، ومات، وبينوا، أي: الأولياء بكونه عمدًا أو خطأ، فقال ابن القاسم: يقسمون ويستحقون الدية على العاقلة في الخطأ، والقصاص في العمد، وهو المشهور، وهذه والتي قبلها داخلتان في المبالغة.
لا خالفوا قول المدعي، بأن قال: خطأ، وقال أولياؤه: عمدًا، أو عكسه، فلا قسامة؛ لأنه في الأول إبراء القاتل، وهم في الثاني أبرؤوا العاقلة.
تنبيه:
لا يصح حمل كلام المصنف على قول ابن القاسم في المجموعة: إذا خالفوا فلا يقسموا، إلا على قوله؛ لأنه يصير مخالفًا لقوله: ولا يقبل رجوعهم لقوله بعد مخالفتهم له: على الصحيح؛ لأنهم أكذبوا أنفسهم،
[ ٨ / ١٢٤ ]
وتعلق لخصمهم حق بقولهم: أو لا على الصحيح، قاله أشهب.
ولا إن أطلق وقال بعض: عمدًا، وبعض: لا نعلم، هل عمدًا أو خطأ، ونكلوا، أو قالوا كلهم: عمدًا، ونكلوا، فلا قسامة، ويبطل الدم في المسألتين، بخلاف ذي الخطأ، أي: مدعيه إذا خالف غيره من الأولياء، وقالوا: لا نعلم خطأ أو عمدًا، أو قالوا: عمدًا، فله -أي: مدعي الخطأ- الحلف بجميع الأيمان، وأخذ نصيبه من الدية؛ لأنه مال أمكن توزيعه، بخلاف العمد فيسقط نصيبه، وليس لناكل حلف بعد نكوله؛ لأنه أسقط حقه، وإن نكل مدعو الدم، وردوا الأيمان على المدعي عليهم، لم يكن لهم الحلف بعد ذلك، قاله في الذخيرة.
وإن اختلفا ضمير التثنية للورثة فيهما -أي: في العمد والخطأ، فقال بعض: عمدًا، وقال بعض: خطأ- واستووا أي في الدرجة والقعدد، بأن كانوا كلهم بنين أو أخوة أو أعمامًا حلف كل منهم، وللجميع دية خطأ، ويسقط القتل.
وثنى المؤلف ضمير (اختلفا) باعتبار كونهما طائفتين:
إحداهما: تدعي الخطأ.
والأخرى: العمد.
وجمع ضمير (استووا) باعتبار الجميع عند تعددهم.
ومفهوم (استووا) أنهم لو اختلفوا لم يكن الحكم كذلك؛ ففي الموازية: لو قالت ابنته: خطأ، وعصبته: عمدًا، أن ذلك هدر، ولا قسامة، ولا قود، ولا دية؛ لأنه إن كان عمدًا فذلك للعصبة، ولم يثبت الميت لهم ذلك، وإن كان خطأ فالدية، ولم يثبت أنه خطأ، ويحلف المدعى عليه ما قتله عمدًا، ويحرز دمه.
[مسألة:]
وإذا مات المدعي ولم يبين، فقال بعض ورثته: عمدًا، وبعض: خطأ، بطل حق ذي العمد بنكول غيرهم ممن ادعى الخطأ، ولا قسامة لهم
[ ٨ / ١٢٥ ]
ولا دية؛ لأن الدية إنما تجب لهم تبعًا لحلف مدعي الخطأ؛ لأنهم إنما يدعون الدم.
[مثال ثان للوث:]
وأشار لمثال ثان من أمثلة اللوث بقوله: وكشاهدين بجرح أو ضرب عيانًا من شخص لآخر مطلقًا، سواء شهد أنه جرحه أو ضربه عمدًا أو خطأ، أو شهد على إقرار المقتول أن فلانًا جرحه أو ضربه، وبه ذلك الجرح أو الضرب، ويصرح في إقراره لهما بأنه ذلك كان عمدًا أو خطأ ثم يتأخر الموت من معاينة الجرح أو الضرب أو عن إقراره بذلك يومًا فأكثر، ولو أكل أو شرب، يقسم أولياؤه لمن جرحه أو ضربه مات.
وإنما قال: (بجرح أو ضرب) ليفارق المثال الأول، وهو قوله: (قتلني).
تنكيت:
تقرير الشارح لقوله: (أو إقرار) بأنه أقر أن فلانًا قتله يوجب التكرار مع المثال الأول.
[مثال ثالث من أمثلة القسامة:]
وأشار لمثال ثالث مما يقسم فيه الأولياء شامل لصور بقوله: أو بشاهد بذلك الجرح أو الضرب مطلقًا عمدًا أو خطأ، ولو أكل وشرب وتكلم، وهو مذهب المدونة، ويقسم الأولياء معه يمينًا واحدة ليثبت اللوث ثم يقسمون إن ثبت الموت.
ومفهوم الشرط راجع لهذه والتي قبلها؛ إذ هو قبل ثبوته يحتمل أنه حي، ولا قسامة في حي، ونحوه للشارح.
وفي نسخة البساطي بدل (الموت): (اللوث)؛ فلذا قال: إن ثبت اللوث فهو عام في جميع مسائل القسامة.
أو بشاهد واحد بإقرار المقتول بالجرح أو الضرب فيقسمون معه
[ ٨ / ١٢٦ ]
بشرط أن يقول: عمدًا؛ لأن الدماء يعمل فيها باللوث، والعمد لوث محض، بخلاف الخطأ؛ فإنه جار مجرى الشهادة؛ إذ هو شاهد على العاقلة، فلا ينقل عنه إلا الاثنان، نص عليه أشهب.
كإقراره -أي: المقتول- أن دمه عند فلان، مع شاهد شهد أن فلانًا قتله مطلقًا -أي: عمدًا أو خطأ- فلا يكتفى بذلك، ولا بد من قسامة هذا كقول المدونة.
ولو قال المقتول: دمي عند فلان، وشهد أنه قتله، لم يجبر بذلك، ولا بد من القسامة.
أو إقرار القاتل في الخطأ فقط بشاهد ما تقدم إقرار المقتول، وهذا إقرار القاتل، وقرره الشارحان على ظاهره: أنه قتل فلانًا خطأ، فيقسم عليه مع الشاهد الواحد. انتهى.
وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: إن في بعض النسخ (العبد) بدل (الخطأ)، وأنه هو صواب، وغيره خطأ صراح.
قال: وهذا التفصيل هو الأظهر عند ابن رشد؛ لأن في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: إيجاب القسامة مع الشاهد الواحد على إقرار القاتل عمدًا أو خطأ.
والثاني: لا قسامة في ذلك لا في العمد ولا في الخطأ.
والثالث: الفرق القسامة في العمد لا في الخطأ، وعلى هذا اقتصر سحنون، وعليه أصلح المدونة، وهو الأظهر؛ إذ قيل: إن إقرار القاتل بالقتل خطأ ليس بلوث يوجب القسامة، فكيف إذا لم يثبت قوله، وإنما شهد به شاهد واحد.
وإن اختلف شاهداه في صفة مثله، فشهد أحدهما أنه ذبحه، وقال الآخر: أقر عندي أنه حرقه بالنار، أو قال أحدهما: قتله بسيف، وقال الآخر: بحجر، بطل الحق.
[ ٨ / ١٢٧ ]
[المثال الرابع:]
وأشار لمثال رابع بقوله: وكالعدل الواحد فقط يشهد في معاينة القتل، فيقسم الأولياء معه، ويستحقون الدم، وهو المشهور، وهو مذهب المدونة.
ومفهوم (فقط): أن غير العدل كالعبد والصبي والذمي لا يكون لوثًا، وهو كذلك، لم يختلف فيه قول مالك وأصحابه.
أو رآه -أي: العدل المقتول- يتشحط في دمه والمتهم بقربه وعليه من دليل آثاره، كسيف بيده وهو ملطخ بالدم، أو يراه خارجًا من موضعه وهو كذلك، وليس هناك غيره، وفي هذه لم يعاين القتل، وفي التي قبلها عاينه.
ووجبت قسامة الأولياء وإن تعدد اللوث، كشاهد على القتل مع شاهد آخر أنه رآه يقتله.
وذكر وجوبها بتعدد اللوث مع أنها تجب بانفراده لئلا يتوهم الاكتفاء بتعدده عن القسامة، فأفاد أنه لا يلفق لوث مع لوث آخر، ويقتل بغير قسامة.
وليس منه -أي: اللوث- عند مالك وجماعة من أهل الحجاز وجوده: المقتول مطروحًا بقريه قوم أو دارهم؛ لأن الغالب أن من قتله لا يتركه بموضع يتهم هو به، وذهب جماعة من أهل العراق إلى أنه لوث.
[مسألة:]
ولو شهد [اثنان] على شخص أنه قتل، ودخل في جماعة، ولم يعرف، استحلف كل منهم خمسين يمينًا؛ لأن يمين الدم لا يكون إلا خمسين، والقاتل واحد، فيحتمل كل أنه هو القاتل، والدية عليهم بعد أيمانهم بغير قسامة؛ لأن البينة شهدت بالقتل، وكان الغرم على جميعهم للقطع بكذب أحدهم، وهو غير معين، وهذا مذهب ابن القاسم.
وحاصله: أنه جعل يمين الحالف تارةً تسقط عنه الغرم، وهو إذا حلف ونكل غيره، وتارةً لا تسقط عنه شيئًا، وهو إذا حلف الجميع.
[ ٨ / ١٢٨ ]
أو حلف بعض ونكل الباقون، فالدية على من نكل دون غيره، بلا قسام، ولم يحتج هنا ليمين المدعي مع نكول المدعي عليه، كما هو القاعدة؛ لثبوت الحق بالبينة، وإنما وجبت البينة لأجل الاحتمال لدفع التهمة، ولم يقتل الناكل لعدم القطع بصدق الحالف.
[مسألة:]
وإن انفصلت بغاة خارجة عن طاعة الإمام لغارة أو عداوة بينهم عن قتلى من الطائفتين أو من غيرهما، ولم يعلم القاتل لهم من الفريقين، فهل لا قسام بينهم ولا قود -أي: قصاص- وهو لمالك في المدونة، وأبقاه لبعضهم على ظاهره، وهو معنى قوله: مطلقًا -أي: سواء ادعى المقتول أن دمه عند أحد أو قام له به شاهد.
أو لا قسامة ولا قود إن تجرد القتل عن تدمية من المقتول وعن شاهد، وأما إن دمي أو قام له شاهد فالقسامة، وبه فسر ابن القاسم قول مالك، وبه قال جماعة من أصحابه.
تنبيه:
أطلق المصنف في الشاهد، وقيده في البيان بكونه من غير إحدى الطائفتين.
أو لا قسامة إن تجرد قوله عن الشاهد فقط، ولو قال: دمي عند فلان؛ لأنه لما كان قادمًا على قتله لا يستنكر كذبه عليه، وتأولها على هذا بعضهم: تأويلات ثلاثة.
وفهم من قوله: (ولم يعلم القاتل) أنه لو علم ببينة لاقتص منه، قاله مالك، وكذا في المدونة، وصدر ابن الحاجب بما في الموطأ من أن العقل على كل فرقة للمصاب في الأخرى.
وإن لم يكن منهما فالعقل عليهما، أي: على كل فرقة في أموالهم.
قال في التوضيح: وهذا أظهر؛ لأن الغالب أن ما كان من طائفة منهما أن القاتل له من غيرها، وإن كان من غيرها فيحتمل أن يقتله الطائفتان أو
[ ٨ / ١٢٩ ]
أحداهما، ولا ترجيح، وعلى كل تقدير فديته عليهما؛ لتظافرهما عليه.
وقوله: (على كل فرقة)، أي: إذا لم يعلم قاتله ببينة، وأما إن علم اقتص منه.
[مسألة:]
وإن تأولوا -أي: جماعة الطائفتين- تأويلًا مسموعًا فهدر دم المقتول أو المجروح من كل منهما، لا قصاص فيه ولا دية.
وفهم منه: لو كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة لكان دم الباغية هدرًا، والمتأولة قصاصًا، قاله اللخمي، وهو مفهوم من الحكمين السابقين.
ثم شبه في الهدر فقال: كزاحفة على دافعة، فدم الزاحفة هدر لتعديها، ودم الدافعة قصاص، وإن كان القاتل والمقتول معًا من طائفة واحدة غلطًا فالدية عليها؛ لأنه خطأ، قاله اللخمي.
[تفسير القسامة:]
ولما قدم سبب القسامة ذكر تفسيرها بقوله: وهي خمسون يمينًا، قال مالك: باللَّه الذي لا إله إلا هو، ولا يقتصر على: واللَّه، ولا يزيد: الرحمن الرحيم، التحديد تعيد، فلا يزاد على الخمسين، وإن كثر الأولياء، متوالية؛ لأنه أرهب وأوقع في النفس، بتًا -أي: قطعًا- لا على الظن.
ولما كان هذا الشرط لا يمنع الأعمى والغائب من الحلف بالغ عليه بقوله: وإن أعمى أو غائبًا حين القتل.
[يمين الوارث على قدر الميراث:]
ثم ميز بين الحالتين في الخطأ والعمد بقوله: يحلفها في الخطأ من يرث المقتول من المكلفين.
وأشعر قوله: (من يرث) بتوزيعها على قدر الميراث، وهو كذلك اتفاقًا، إذا وجد متعدد، وكذا إذا انفرد واستوعب، كابن وأخ مثلًا، وكذا
[ ٨ / ١٣٠ ]
يحلفها من انفرد، وإن لم يستوعب الميراث كبنت أو أخ، وعلم حكم الأخ للأم من قوله: وإن واحدًا أو امرأة.
[جبر اليمين:]
ولما قدم أن اليمين في الخطأ على قدر الميراث ويلزم منه انكسار بعضها على بعض الأنصباء، والانكسار قد يكون بأجزاء مختلفة أو متساوية، وعين كلًّا منهما بقوله: وجبرت اليمين على الحاصل فيها كسر على أكثر كسرها، ولو كان صاحب الكسر الكثير يمينًا وثلث، وعلى البنت ستة عشر وثلثان، فيجبر كسر البنت؛ لأنه أكثر، فتحلف سبعة عشر يمينًا.
واحترز بقوله: (على أكثر كسرها) عن قول صاحب المقدمات: (يجبرها أكثرهم نصيبًا).
وإلا يكن الكسر أكثر بل مساويًا كثلاثة بنين على كل ستة عشر وثلثان فعلى كل من الجميع تكميل ما انكسر من نصيبه، فيحلف كل من الثلاثة سبعة عشر يمينًا، وقس على ذلك.
ولا يأخذ أحد شيئًا من الدية إن غاب غيره أو صغر إلا بعدها، أي: بعد حلف جميعها، إذ لا يلزم العاقلة شيء من الدية، إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميعها، ثم حلف من حضر من الغائبين أو بلغ حصته منها، وأخذ نصيبه، وإن نكلوا -أي: الورثة كلهم- عن أيمان القسامة، أو نكل بعض فقط ردت الأيمان على العاقلة على عدتها، وحلفت العاقلة كل واحد يمينًا، ولو كانت عشرة آلاف، والقاتل كأحدهم، ويلغز بها.
فمن حلف فلا غرم عليه، ومن نكل منها فحصته عليه، يغرمها على الأظهر من أقوال خمسة، حكاها في البيان والمقدمات، قال: وهو أحد قولي ابن القاسم، وأبين الأقوال وأوضحها في النظر، وهذا مخالف لما في ابن الحاجب أن من نكل حلف غيره وأخذ حصته.
ولا يحلف في العمد أقل من رجلين، مالك: هو الأمر المجمع عليه
[ ٨ / ١٣١ ]
عندنا، عصبة للمقتول من النسب، سواء ورثا أم لا، أو ورث أحدهما دون الآخر، وإلا يكن له عصبة من النسب فموالي أعلون؛ إذ عصوبتهم أبعد من عصوبة النسب؛ فلا يقسم الموالي الأسفلون.
وللولي الواحد فأكثر الاستعانه عن الحلف بعاصبه الذي يلتقي معه في أب معروف، وللولي فقط إذا استعان بغيره حلف الأكثر من الأيمان، إن لم تزد على نصفها، وهي خمسة وعشرون يمينًا، ووزعت أيمان القسامة على مستحق الدم، وتقدم أنهم إذا زادوا على خمسين لا يزاد عليها؛ لأنه خلاف سنة القسامة، واجتزئ في حلف جميعها باثنين طاعا من أكثر من غير علم ما عند غيرهما عند ابن القاسم، ولا يعد من لم يحلف ناكلًا، إلا أن يصرح بالنكول، ويستحق البقية مما يسحقون.
ونكول المعين غير معتبر؛ إذ لا حق له في الدم، وقد يرشى لينكل، وللولي أن ينظر معينًا غيره، فإن لم يجد بطل الدم، بخلاف نكول غيره من مستحقي الدم، إن لم يبعدوا، بل ولو بعدوا كأولاد مع أبيهم، فالسقوط أيضًا على المشهور، كما صرح بها الباجي، وإذا نكل بعض الأولياء وسقط الدم فترد الأيمان على المدعى عليهم بالقتل، فيحلف كل منهم خمسين يمينًا إن تعددوا؛ لأن كل واحد منهم مرتهن القتل، وإن كان واحدًا حلفها.
ومن نكل عنها ممن وجبت عليه من المدعى عليهم حبس حتى يحلف خمسين يمينًا أو يموت؛ لأن من طلب منه أمر سجن بسببه، فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب.
وقيل: حتى يحلف أو يطول.
ولا استعانة لمن ردت عليه اليمين بغيره في بعضها، بخلاف العاصب، وهو مذهب المدونة.
وفرق بأن الأيمان المسببة موجب، وقد يحلف فيها من يوجب لغيره، وأيمان الرد دافعة، وليس لأحد أن يدفع بيمينه ما تعلق بغيره.
وإن اكذب بعض من العصبة الحالفين نفسه بعد حلفه، بأن قال: إنه
[ ٨ / ١٣٢ ]
كاذب فيما ادعاه، بطل القود والدية؛ لأنه كالشاهد بالظلم على غيره، وإن كانوا قبضوا الدية ردوها.
بخلاف عفوه بعد ثبوته بالبينة، فللباقي نصيبه من الدية، ويسقط نصيب العافي.
ولا ينتظر ببعض أيمان القسامة صغير إذا كان هناك كبار، بل يحلف الكبار جميع الأيمان ويقتلون، بخلاف المغمي عليه والمبرسم، فإن كلًا منهما ينتظر لقرب زوال زمن مرضه، إلَّا ألَّا يوجد غيره: الضمير للكبير، ويحتمل عوده للصغير، فيحلف الكبير حصته والصغير معه حال حلفه؛ لأنه أرهب في النفس، ولا يؤخر الكبير لاحتمال موته أو غيبته قبل بلوغ الصغير فيبطل الدم، وإذا حلف الكبير انتظر بلوغ الصغير ليحلف حصته، وإن عفا الكبير اعتبر عفوه، وللصغير نصيبه من دية عمد.
[ما يترتب على القسامة:]
ولما ذكر القسامة ذكر ما يترتب عليها، فقال: ووجب بها الدية في الخطأ والقود في العمد، أما العمد فللنص، وأما الدية في الخطأ فقياسًا على العمد من باب أولى، من واحد متعلق بالقود، فلا يقتل بها أكثر من واحد على المشهور، لضعفها عن الإقرار والبينة، تعين لها، وإن كانت التدمية على جماعة، ويقولون: لمن ضربه مات، ولا يقولون: من ضربهم.
وفهم من تعيين القسم عليه: أن القسامة في الخطأ على جميعهم، وهو كذلك، وتوزع الدية على عواقلهم في ثلاث سنين، كما في المدونة.
[مسألة:]
ولما قدم أن القسامة مسببة عن قتل الحر المسلم، وهو مقتض لعدمها في الجرح، وكان حكم قتل الكافر والعبد والجنين حكم الجرح، قال: ومن أقام شاهدًا واحدًا على جرح أو قتل كافر أو عبد: عمدًا أو خطأ، أو على جنين حلف مع شاهده يمينًا واحدة في كل من المسائل الأربع، وأخذ الدية في كل منهما في الخطأ، واقتص في العمد.
[ ٨ / ١٣٣ ]
قيل لابن القاسم: لم قال ذلك مالك في جراح العبد، وليست بمال؟ فقال: كلمته في ذلك، فقال: إنه لشيء استحسناه، وما سمعت فيه شيئًا.
وإن نكل ردت اليمين الواحدة على المدعى عليه برئ الجارح ومن معه إن حلف، وإلا بأن نكل الآخر في كل الصور حبس حتى يحلف، ولو طال، ولابن القاسم: إن طال عوقب وأطلق، إلا أن يكون متمردًا، فيخلد في الحبس.
[فرع:]
ثم فرع على كون القسامة في النفس فقط، فقال: فلو قالت دمي وجنيني عند فلان وماتت، ففيها هي القسامة؛ لأن قولها لوث يقسم فيها الأولياء، ولا شيء في الجنين؛ لأنه بمنزلة الجرح، والجرح لا يثبت باللوث، ولو استهل صارخًا.
وأفهم قوله: (قالت) لو ثبت موتها (١) وخرج جنينها حيًا ببينة أو عدل لكان فيها القسامة؛ لأنه نفس.
ويحلف ولي الجنين واحدة، ويستحق ديته؛ لأنه كالجرح، ولو استهل ففيه القسامة أيضًا.
ابن يونس: يحلف كل وارث ممن يرث الغرة يمينًا أنه قتله. واللَّه تعالى أعلم.
باب ذكر فيه حكم البغي، وما يتعلق به.
[تعريف الفرقة الباغية:]
وعرف الفرقة الباغية المستلزمة لتعريف البغي بقوله: الباغية فرقة خالفت الإمام الأعظم أو نائبه:
_________________
(١) في "ن ٣": ضربها، وهو الصواب.
[ ٨ / ١٣٤ ]
لمنع حق عليها للَّه أو للعباد.
أو لخلعه من الإمامة.
[حكم هذه الفرقة:]
وإذا كان كذلك فللعدل من الأئمة قتالهم، لا لغيره؛ لاحتمال كون سبب خروجهم عليه فسقه وجوره (١)، وإن تأولوا في خروجهم عليه، فقد
_________________
(١) هذا الكلام يحتمل أمرين: الأول: أن الإمام الجائر إذا خرجت عليه فرقة من الأمة أن ينظر في حاله وحالهم، فإن كان الخارجون طلاب حق أدى إليهم حقهم، ولكن هذه الصورة بها شقان: أحدهما: حق، وهو أن لا يقاتلهم الجائر، بل عليه النظر في سبب خروجهم، ويعمل على إزالته. والشق الآخر باطل، وهو أن في هذا الخروج الذي لأجل المطالبة بالحقوق مخالفة للسنة، قال في الفتح (١٣/ ٥ - ٦): " (قوله باب قول النبي -ﷺ-: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها" هذا اللفظ بعض المتن المذكور في ثاني أحاديث الباب وهي ستة أحاديث الأول قوله وقال عبد اللَّه بن زيد الخ هو طرف من حديث وصله المصنف في غزوة حنين من كتاب المغازي وفيه أنه -ﷺ- قال للأنصار: "أنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" وتقدم شرحه هناك الحديث الثاني. قوله حدثنا زيد بن وهب للأعمش فيه شيخ آخر أخرجه الطبراني في الأوسط من رواية يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة مثل رواية زيد بن وهب قوله عبد اللَّه هو بن مسعود وصرح به في رواية الثوري عن الأعمش في علامات النبوة قوله أنكم سترون بعدي أثرة في رواية الثوري أثرة وتقدم ضبط الأثرة وشرحها في شرح الحديث الذي قبله وحاصلها الاختصاص بحظ دنيوى قوله وأمورًا تنكرونها يعني من أمور الدين وسقطت الواو من بعض الروايات فهذا بدل من أثرة وفي حديث أبي هريرة الماضي في ذكر بني إسرائيل عن منصور هنا زيادة في أوله قال كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما مات نبي قام بعده نبي وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فيكثرون الحديث وفيه معنى ما في حديث بن مسعود قوله قالوا فما تأمرنا أي أن نفعل إذا وقع ذلك قوله أدوا إليهم أي إلى الأمراء حقهم أي الذي وجب لهم المطالبة به وقبضه سواء كان يختص بهم أو يعم ووقع في رواية الثوري تؤدون الحق الذي عليكم أي بذل المال الواجب في الزكاة والنفس في الخروج إلى الجهاد عند التعيين ونحو ذلك قوله وسلوا اللَّه حقكم في رواية الثوري وتسألون اللَّه الذي لكم أي بأن يلهمهم انصافكم أو يبدلكم خيرًا منهم وهذا ظاهره العموم في المخاطبين ونقل ابن =
[ ٨ / ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = التين عن الداودي انه خاص بالأنصار وكأنه أخذه من حديث عبد اللَّه بن زيد الذي قبله ولا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختص بهم فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض فالمستأثر من يلي الأمر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه. ولما كان الأمر يختص بقريش ولا حظ للأنصار فيه خوطب الأنصار بأنكم ستلقون أثرة وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الأمر فقد ورد ما يدل على التعميم ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني أنه قال يا رسول اللَّه ان كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم قال: "لا عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم". وأخرج مسلم من حديث أم سلمة مرفوعا سيكون أمراء فيعرفون وينكرون فمن كره بريء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع قالوا أفلا نقاتلهم قال: "لا ما صلوا" ومن حديث عوف بن مالك رفعه في حديث في هذا المعنى قلنا يا رسول اللَّه أفلا ننابذهم عند ذلك قال: "لا أقاموا الصلاة" وفي رواية له بالسيف وزاد: "وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة" وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة من بعدك فقلت: من أين قال من قبل أمرائهم وقرائهم يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون ويتبع القراء هؤلاء الأمراء فيفتنون قلت: "فكيف يسلم من سلم منهم" قال بالكف والصبر أن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه" اهـ. ومن لم يهده اللَّه فما له من هاد. والأمر الآخر: أن فيه تجويز الخروج على ولاة الجور، قال في الاستذكار (٣/ ٤٨١): "وأما قوله: (ألا ننازع الأمر أهله) فقد اختلف الناس في ذلك: فقال القائلون منهم: أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين مع القوة على القيام بذلك، فهؤلاء لا ينازعون لأنهم أهله وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا بأهل له، واحتجوا بقول اللَّه ﷿ لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. ذهب إلى هذا طائفة من السلف الصالح واتبعهم بذلك خلف من الفضلاء والقراء والعلماء من أهل المدينة والعراق، وبهذا خرج ابن الزبير والحسين على يزيد، وخرج خيار أهل العراق وعلمائهم على الحجاج؛ ولهذا أخرج أهل المدينة بني أمية عنهم، وقاموا عليهم، فكانت الحرة. وبهذه اللفظة وما كان مثلها في معناها مذهب تعلقت به طائفة من المعتزلة وهو مذهب جماعة الخوارج. =
[ ٨ / ١٣٦ ]
قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، وكان بعضهم متأولًا انقضاء الوجوب بموته ﵊؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
ونقاتلهم بجميع أنواع القتال كالكفار بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتفريق، ولا يمنعه من ذلك وجود النساء والذرية.
[ما يمتاز به قتال البغاة:]
ولما كان قتالهم يمتاز عن قتال المشركين بأمور ذكرها ابن بشير وغيره، ذكر المؤلف بعضها، فقال:
- ولا يسترقوا؛ لأنهم أحرار مسلمون.
- ولا يحرق شجرهم ولا مساكنهم؛ لأنها من أموال المسلمين.
- ولا ترفع رؤوسهم -أي: من قتل منهم- بأرماح؛ لأنه مثلة، قاله في الذخيرة، وتقدم في باب الجهاد أن المشركين لا تحمل رؤوسهم من بلد إلى بلد، ولا إلى وال آخر، فيحتمل افتراق البابين بكون ما في الجهاد إن حملت رؤوسهم بأرماح ففي محلهم فقط، ولا تحمل من بلد إلى آخر، وما هنا لا تحمل بأرماح جملة.
- ولا يدعوهم بفتح الدال المهملة، أي: لا يتركون قتالهم لمدة سألوا التأخير إليها، كأيام وأشهر في قتالهم بمال، يدفعونه إلى الأمام، وهو المهادنة.
_________________
(١) = وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلًا عالمًا عدلًا محسنًا قويًا على القيام كما يلزمه في الإمامة، فإن لم يكن فالصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي الدهماء وتبييت الغارات على المسلمين والفساد في الأرض وهذا أعظم من الصبر على جور الجائر. روى عبد الرحمن بن هدي عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر قال قال بن عمر حين بويع ليزيد بن معاوية إن كان خير رضينًا وإن كان بلاء صبرنا. وقد ذكرنا في (التمهيد) آثارًا كثيرة تشهد لهذا المعنى، وباللَّه التوفيق".
[ ٨ / ١٣٧ ]
- واستعين في قتالهم بمالهم من كراع وسلاح عليهم إن احتيح له، كان المحتاج الإمام أو غيره، ثم رد إليهم ما استعين به عليهم من ذلك بعد فراغ الحرب.
وما ذكرناه من الاقتصار على الكراع والسلاح فقط هو الذي في النوادر عن ابن حبيب عن ابن الماجشون، ولم يذكره غيره، ونحوه لابن الحاجب والشارح، وأبقاه البساطي على ظاهره.
كغيره من أموالهم، فإنه يرده إليهم من أخذه؛ لأنه مال مسلم، لم يزل ملكه عنه.
- وإن أمنوا بالبناء للمفعول مخفف الميم لم يتبع منهزمهم، وإنما يقاتلون مقبلين لا مدبرين.
- وإن أمنوا لم يذفف على جريحهم، أي: لا يجهز بالزاي المنقوطة، وفي [نسخة] دال: يدفف، الإعجام والإهمال.
ومفهوم الشرط: إن لم يؤمنوا اتبع منهزمهم، ودفف على جريحهم، ووقع الأمران لعلي -﵁-، فقيل له في ذلك، فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها دون الأولين.
وزاد ابن بشير أمورًا يمتازون بها عن قتال المشركين، انظرها في الكبير.
[ما يكره في قتال البغاة:]
وكره للرجل قتل أبيه عمدًا مبارزة أو غيرها، وفهم من (أبيه) أن أمه أولى، وأنه لا يكره له قتل أخيه ولا عمه ولا جده ولأبيه ولا لأمه، وهو كذلك.
[مسألة:]
ومن قتل أباه أو أخاه من البغاة ورثه، قال في الذخيرة: لأنه لم يستعجل ما أجله اللَّه له، ويلغز بها.
[ ٨ / ١٣٨ ]
[مسألة:]
ولم يضمن باغ متأولًا أتلف حال بغيه نفسًا أو مالًا؛ لأن الصحابة أهدرت الدماء التي كانت في حروبهم.
وفهم من قوله (أتلف) أنه لو كان موجودًا لرده لربه، وهو كذلك؛ ترغيبًا لهم إلى الرجوع للحق.
[مسألة:]
ومضى حكم قاضيه وحد أقامه عند عبد الملك؛ للضرورة ولشبهة التأويل؛ لئلا يزهد الناس في الإمام، فتضيع الحقوق، وردها ابن القاسم كلها لعدم صحة الولاية.
ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك.
البساطي: الضمير في (قاضيه) والمرفوع في (أقامه) يرجعان إلى المتأول. وانظر بقية كلامه والكلام معه في الكبير.
[مسألة:]
ورد ذمي قاتل معه -أي: مع المتأول- لذمته، ووضع عنه ما يوضع عن المتأول الذي قاتل معه، وقيد المعية مخرج لمن قاتل مع أهل العصبية المخالفين للإمام العدل، فإنه نقض لعهده، موجب لاستحلاله.
[مسألة:]
وضمن الباغي المعاند غير المتأول النفس فيقتص منه، وضمن المال: قائمًا كان أو فائتًا؛ لأن خروجه مخالفة، والذمي معه -أي: مع المعاند- ناقض لعهده، فيباح دمه، وقاله ابن شاس.
[مسألة:]
والمرأة المقاتلة مع البغاة كالرجل في التأويل والعناد من القتل وعدم قتل الأسير والتدفيف على الجريح ونحو ذلك، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٨ / ١٣٩ ]
باب ذكر فيه الردة والسب، وأحكامهما، وما يتعلق بذلك
[تعريف الردة:]
وعرفها المؤلف بقوله: الردة كفر المسلم، بأن يخرج عن الإسلام لأي ملة كانت: نصرانية أو غيرها، لا من كفر لآخر، فلا يكون مرتدًا.
[أمور تعرف بها الردة:]
ابن عبد السلام: ولما كان لا قدرة للناس على معرفة إيمان بعضهم بعضًا، إنما يعلمون إسلام بعضهم بعضًا، احتاجوا للأمور التي تعرف بها ردة المرتد، فقالوا: إنها تكون: بصرج من اللفظ، كقوله: أشرك باللَّه، أو كفر به، أو بمحمد؛ ولوضوح هذا لم يصرح به، ومثل له البساطي بأن يقول: المسيح هو اللَّه، أو: العزير ابن اللَّه، أو: السبعة السيارة (١) هي الآلهة.
أو لفظ يقتضيه كجحد شيء علم من الدين ضرورة، كصلاة مثلًا، وبأن يقول: اللَّه تعالى جسم متحيز.
أو فعل يتضمنه، أي: الكفر، كإلقاء مصحف بقذر، أي: فيه، أو تلطخه به، أو يلطخ به الكعبة.
تنبيه:
قال البساطي: فإن قلت: لم قالوا في القول: يقتضي، وفي الفعل: يتضمن.
قلت: الفقهاء يطلقون التضمن على الالتزام، وهذا الفعل يلزمه إما تعظيم ما تعظيمه كفر، وإما إهانة ما إهانته كفر، وأما القول فلا جزء له
_________________
(١) المراد بها: الشمس والقمر وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة وزحل.
[ ٨ / ١٤٠ ]
يدل، فدلالته إما مطابقة أو التزام، وكلاهما دلالة اقتضاء، -وشد زنار وهذا فعل فقط.
- وسحر.
قال الشارح: هو من القول المقتضي للكفر.
وقال البساطي: هو مما اجتمع فيه الأمران القول والفعل. انتهى.
ابن العربي: هو كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه، وتنسب إليه الكائنات والمقادير.
[ما هو كفر في الاعتقاد:]
ثم ذكر المؤلف ما هو إخبار عن اعتقاد، فقال عاطفًا على المجرور:
- وقول بقدم العالم، وهو ما سوى اللَّه؛ لأنه يؤدي إلى أن صانع العالم غيره، أو بقائه أبدًا.
قال البساطي: وهو لازم للقول بقدمه، فلا حاجة له؛ لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. انتهى.
وقد يقال: إنه بين به حكم ما لم يدع إلا الأول فقط.
- أو شك في ذلك، أي: في قدم العالم وحدوثه أو بقائه وقيامه، هذا مقتضى الإشارة في كلام المؤلف، فهما مسألتان، وجعلهما البساطي واحدة، أي: شك في قدمه وحدوثه.
- أو قال بتناسخ الأرواح، فإذا كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها التي هي فيه، وألبست قالبًا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو نحوه، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد منه، وإن لم تأخذ انتقلت إلى فرد أشر منه، وهكذا حتى تستوفي جزاء الشر، وفي الخير تنتقل إلى أعلى، وكذلك، ولا حشر ولا نشر، ولا جنة ولا نار.
- أو أخبر في كل جنس من الحيوان نذير؛ لأنه يؤدي لتكليف جميعها، وهو خلاف الإجماع فيها، وفي التي قبلها، واحتجاج قائله بقوله
[ ٨ / ١٤١ ]
تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ مردود بأنه يؤدي إلى اتصاف النبي بتلك الأوصاف الذميمة كالكلبية مثلًا، وفيه إزراء بالمنصب الشريف.
- أو ادعى شركًا مع نبوته ﵊، كدعوى مشاركة علي (١) له، وأنه يوحى إليهما معًا، وأن عليًا هو النبي، وأن جبريل ﵇ غلط (٢)، فكفر لمخالفة الإجماع والمحسوس؛ فإن عليا حين نزول جبرئيل على النبي -ﷺ- كان صبيًا لم يبلغ، وهذا قول أخبر به عن فعل.
- أو لمحاربة نبي، بأن قال: بجوازها؛ لاستلزام محاربة البارئ، وهو كفر.
- أو جوز اكتساب النبوة؛ لأنه يؤدي للخلل، ولتوهين ما جاء به النبي.
- أو ادعى أنه يصعد للسماء أو أنه يعانق الحور العين؛ لأن هذا الجزاء في الآخرة، فدعواه له في الدنيا كذب وتكذيب.
وفي (الذخيرة) و(الشفا) أشياء كثيرة، ذكرنا منها جملًا في الشرح الكبير.
- أو استحل محرمًا كالشرب.
[مسألة:]
ثم أخرج من قوله (بصريح): لا قوله لآخر داعيًا عليه: أماته اللَّه كافرًا، نحوه في الذخيرة، وصوبه تلميذه ابن راشد.
وأشار له بقوله: على الأصح، ومقابله فتوى الكركي (٣) بكفره؛ لأنه
_________________
(١) وهذا القول تقول به الشيعة الإمامية في خاص مجالسها.
(٢) في "ن ٣": كذاب.
(٣) هو: محمد بن عمران بن موسى بن عبد العزيز بن محمد بن حزم الشريف الحسيني، يكنى أبا محمد بن أبي عبد اللَّه، ويعرف بالشريف الكركي، ويلقب شرف الدين: الإمام العلامة المتفنن ذو العلوم، شيخ المالكية والشافعية بالديار المصرية والشامية في وقته، يقال: إنه أتقن ثلاثين فنًا من العلوم، وأكثر من ذلك، بل قال الإمام العلامة شهاب =
[ ٨ / ١٤٢ ]
أراد أن يكفر باللَّه، وما قررناه نحوه للشارح.
وقول البساطي: (عندي في كلام المؤلف أنه نسب ذلك لنفسه، وعوض عن الياء الهاء، لما جرى به العرف في الحكايات، وحينئذ لا يبعد فتوى من أفتى بالكفر، وإلا فوجهه بعيد على التصوير الأول) غير ظاهر؛ يبين ذلك قول الذخيرة عطفا على ما يكفر به، ومنه تأخير إسلام من أتى يسلم، ولا يندرج في ذلك الدعاء بسوء الخاتمة للعدو، وإن كان أراد الكفر؛ لأنه ليس مقصودًا فيه حرمة اللَّه، بل أذية المدعو عليه. انتهى.
وفرع تأخير الإسلام الذي أشار إليه أن الخطيب إن جاءه من يريد النطق بكلمتي الشهادة فقال له اصبر حتى أفرغ من خطبتي فإنه بحكم الخطيب؛ لأنه يقتضي أنه أراد بقاءه على الكفر زمنًا ما.
[مسألة:]
وفصلت الشهادة فيه، فلا يكتفي القاضي بقول الشاهد: أشهد أنه مرتد أو كافر، حتى يتبين وجهه؛ لاختلاف الناس فيه، فقد يرى الشاهد تكفيره بما ليس كفر.
أو ظاهر كلامه: وجوب التفصيل، ونحوه في توضيحه.
[استتابة المرتد:]
واستتيب -أي: عرضت عليه التوبة- وجوبًا على المشهور، لا استحبابًا، وأمهل ثلاثة أيام، وقال: أيام؛ لأنه لو لم يذكرها لتوهم ثلاث مرات، كما هو قول ابن القاسم، ولو أسقط (ثلاثة) أيضًا لتوهم أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل، وهو لمالك، بلا جوع وعطش.
_________________
(١) = الدين القرافي: إنه تفرد بمعرفة ثلاثين علمًا وحده، وشارك الناس في علومهم. قدم من المغرب فقيهًا بمذهب مالك، وصحب الشيخ عز الدين بن عبد السلام وتفقه عليه في مذهب الشافعي، وتفقه في مذهب مالك على الشيخ الإمام أبي محمد صالح فقيه المغرب في وقته، واشتغل عليه الشهاب القرافي. ومولده بمدينة فاس من بلاد المغرب، وتوفي بمصر سنة ثمان أو تسع وثمانين وستمائة.
[ ٨ / ١٤٣ ]
مالك: ما علمت في استتابته تجويع ولا تعطيش، وأرى أن يقات من الطعام ما لا ضرر معه.
تتمة:
قال في النوادر: عن ابن القاسم يطعم من ماله زمن ردته، ثم قال: لا ينفق من ماله على ولده ولا عياله؛ لأنه معسر بالردة.
وبلا معاقبة في الثلاث إن تاب، وإن لم يتب حرًا كان أو عبدًا ذكرًا كان أو أنثى ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ، تكرر ذلك منه أو لا، فإن مات في أثناء أيام استتابته فواضح، وإلا بأن استمر على ردته قتل ذكرًا كان أو أنثى حرة أو أمة، ولا يقر على كفره بالجزية.
[مسألة:]
واستبرئت مرتدة متزوجة أو مطلقة رجعية أو سرية بحيضة قبل قتلها خشية حملها، وكان استبراء الحرة هنا حيضة؛ لأن ما عداها تعبد، وكذا تؤخر المرضعة إذا لم يجد من يرضعه، أو وجد ولم يقبل.
[مسألة:]
ومال العبد إذا قتل مرتدًا لسيده يأخذه بالملك، وإلا يكن المقتول بالردة عبدًا بل حرًا ففيء لبيت المال اتفاقًا؛ لأنه وارث من لا وارث له، ولا يلزمه حكم الوارث، أو لأنه حائز، ولا يرثه ورثته المسلمين؛ لأنه غير مسلم، ولا المرتد إليهم؛ لأنه لا يقر على ذلك.
[مسألة:]
وإذا قتل المرتد وله ولد صغير بقي ولده مسلمًا، ولا يتبعه؛ إذ بتبعيته له إنما تكون في دين يقر عليه، ويجبر على الإسلام إن أظهر غيره، كأن ترك حتى يبلغ، وأظهر خلاف الإسلام، فإنه يجبر عليه، ويحتمل أنه إذا ترك حتى بلغ ولم يظهر منه خلاف الإسلام فله حكم الإسلام.
وأخذ منه -أي: من مال المرتد- أرش ما جنى قبل ردته أو بعدها
[ ٨ / ١٤٤ ]
عمدًا على عبد لغيره أو على ذمي؛ لأنه لا يقتل به، فتعين المال لترتبه عليه، فلا يسقط عنه، وهو مذهب ابن القاسم في الموازية.
لا إن جنى عمدًا على حر مسلم، فلا يؤخذ أرش ذلك من ماله، بل سقط؛ لأن الواجب فيه القصاص، والقتل يأتي على ذلك كله.
كأن هرب المرتد لبلد الحرب بعد قتله للحر المسلم، ثم أسر سقط عنه القود؛ لأنه يقتل بردته، فالتشبيه فيما قبله تام، ويحتمل أنه هرب ولم نأسره، فلا يؤخذ من ماله أرش ولا دية.
قال في الجواهر: ولا ينفق على ولده وعياله منه، بل يوقف، فإن مات ففيء، وإن تاب ثم مات فلورثته.
والاحتمال الأول أظهر؛ لقوله: إلا حد الفرية، أي: القذف، فلا يسقط إذا أسرناه، ولو قتل لما يلحق المقذوف فيه من المعرة.
[مسألة:]
والخطأ الحاصل من جناية المرتد إذا لم يتب مغرمها على بيت المال؛ لأنه يرثه، وأطلق ليعم ما إذا كانت على مسلم أو عبد أو ذمي، وتعقب في توضيحه تقييد ابن الحاجب بالمسلم بأنه لو قتل ذميًا لكان الحكم كذلك، نص عليه أصبغ.
ويرد هذا التعقيب على البساطي، لاقتصاره على المسلم.
كأخذه -أي: بيت المال- جناية عليه -أي: على المرتد- إذا لم يتب، وحاصله: أن بيت المال كما يغرم عنه يأخذ ماله فعليه ما عليه، وله ماله.
[مسألة:]
وإن تاب ورجع له فماله له على المشهور، لا فيئًا، وقدر بعد توبته كالمسلم فيهما، أي: في الخطأ والعمد، أو في الجناية له وعليه، أو في النفس والجرح.
[ ٨ / ١٤٥ ]
قال الشارح: إلا أن هذا بعيد من كلامه دون الأولين.
[حكم مستسر الكفر:]
وقتل المستسر بالكفر المظهر للإسلام وقتله حدًا بلا استتابه؛ إذ لا تعرف توبته، إلا أن يجيء تائبًا، قبل الظهور عليه، فلا يقتل، وتقبل توبته، وماله لوارثه المسلم عند ابن القاسم، وعليه أكثر أصحاب مالك لا بيت المال، بخلاف مال المرتد.
[مسألة:]
وقبل عذر من أسلم من الكفار ثم ارتد، وقال في عذره: أسلمت عن ضيق، كإكراه أو اضطرار جزية أو ظلم، إن ظهر عند ابن القاسم.
ومفهومه: إن لم يظهر لم يقبل منه.
وظاهر كلام المصنف: وإن طال بقاؤه على الإسلام بعد زوال عذره.
كأن توضأ وصلى، ولو إماما، ثم لما أمن قال: إنه نصراني مثلًا، واعتذر بأنه فعل ذلك خوفًا على نفسه أو ماله، فلا يقتل، وأعاد مأمومه صلاته أبدًا.
وظاهره: ولو أسلم، وهو كذلك، وتقدمت إعادة مأمومه في الصلاة، فهي مكررة.
[مسألة:]
وأدب من تشهد، بأن نطق الشهادتين، ولم يقف على بقية الدعائم من: صلاة وصوم وزكاة وحج ثم رجع، وكذا لو وقف عليها وأبى من التزامها ثم رجع، كساحر ذمي يؤدب إن لم يدخل بسحره ضررًا على مسلم، ظاهره: أي ضرر كان، فإن أدخله قتل؛ لنقض عهده، إلا أن يسلم.
تكميل:
قال الباجي: وكذا يؤدب إن سحر أهل دينه، إلا أن يقتل أحدًا بسحره فيقتل.
[ ٨ / ١٤٦ ]
فائدة:
قال سحنون: إن ذهب مسلم لمن يعمل له السحر أدب أدبًا موجعًا، ومن أدخل السكاكين في جوف نفسه فإن كان سحرًا قتل، وإن كان خلافه فيؤدب (١).
[ما تسقطه الردة:]
وأسقطت ردة صلاة وصيامًا وزكاة فرط فيها قبل ردته، فلا يطالب بقضائها إذا رجع للإسلام.
وأسقطت حجًا تقدم فعله قبل ردته، فيجب عليه الحج إذا تاب على المشهور.
وأسقطت نذرًا أو يمينًا باللَّه أو بعتق أو بظهار عقد كل واحد من الأربعة قبل ردته، ثم رجع للإسلام.
تنبيه:
أطلق في العتق، وقيده ابن الحاجب بكونه في غير معين، وأما المعين فقد انعقد في ماله حق معين، فلا يسقط، كالمدبر، ولم يعتبر المؤلف التقييد.
وظاهر كلام المؤلف كالمدونة: أن الساقط بالردة نفس اليمين باللَّه تعالى، ونفس اليمين بالعتق، ونفس اليمين بالظهار.
ابن ناجي: وهو ظاهر اختصار أبي محمد، وتسقط أيمانه بالعتق والظهار.
ابن ناجي: وغيرهما من الأيمان. انتهى.
ويدل عليه قول عياض: وأما الظهار، فقال بعض مشايخي: معناه أنه حنث فيه، ووجبت فيه الكفارة، وأما لو لم يحنث فيه لم يسقطه ارتداده، كبينونته الطلاق.
وقال غيره: لا فرق بين مجرد الظهار واليمين، والردة تسقط ذلك.
_________________
(١) وهذا كحال بعض المنتسبين إلى الصوفية كأهل الطريقة العيساوية ونحوها، وهم يدعون أنهم ينتسبون إلى مذهب الإمام مالك، فإن كانوا حقًّا مالكية لا خداعًا للناس فهذا رأي المذهب فيهم، فأين هم منه؟
[ ٨ / ١٤٧ ]
ابن ناجي: والخلاف موجود فيها.
وإذا علمت ما قلناه فحمل البساطي كلام المؤلف على أن الساقط الكفارة عن اليمين باللَّه، والكفارة في الظهار والعتق في اليمين بالعتق، لا أنه نفس اليمين؛ ليوافق المنقول: غير ظاهر؛ لأنه يقتضي أن لا منقول غيره، وليس كذلك، بل هو منقول، وهو ظاهر المدونة.
وأسقطت إحصانًا -أي: أبطلته- على المشهور، فإذا ارتدا أو أحدهما ثم رجعا إلى الإسلام صار حكمه لو زنا كالبكر.
وأسقطت وصية تقدمت عليها أو بعدها إن قتل على ردته أو تاب أو مات.
[ما لا تسقطه الردة:]
لا طلاقًا تقدمها، لا تسقطه، فلو طلق ثلاثًا ثم ارتد ثم رجع لم تحل له حتى تتزوج غيره، فإن تزوجت زمن ردته حلت له.
ولا تسقط ردة محلل تحليله لمطلقته ثلاثًا، تزوجها ثم ارتد فإن ردتها لا تسقط إحلالها لمطلقها أولًا؛ لأن أثر الإحلال في غيره، بخلاف ردة المرأة إذا تزوجت بعد طلاقها ثلاثًا، ثم طلقها الثاني وحلت للأول، ثم ارتدت ثم رجعت للإسلام، فإن إحلالها يسقط على المشهور كالإحصان، ولا تحل لمطلقها أولًا إلا بعد زوج.
تنبيه:
قال الشارح في عبارته في هذين الفرعين: (قلت لقوله: "أولًا وأسقطت صلاة. . إلى آخره"، ثم قال: "لا طلاقًا"، أي: فلا تسقطه، ثم عطف عليه قوله: "وردة محلل بخلاف ردة المرأة فإنها يسقطها"، فهو معقد، ومراده ما تقدم.
البساطي: وقد يجاب بالعناية أن فاعل (تسقط): (ردة) مضافة، أي: وأسقطت ردة مكلف كذا وكذا، لا طلاقًا، ورده محلل لا تسقط تحليله، بخلاف ردة المحللة.
[ ٨ / ١٤٨ ]
[مسألة:]
وأقر كافر انتقل من كفره لكفر آخر، كيهودي تنصر مثلًا، وعكسه؛ لأن حقيقته غير متعددة، وكله ملة واحدة، فليس المنتقل مبدلًا حتى يشمله خبر: "من بدل دينه فاقتلوه" (١).
[أولاد المسلمين تبع لآبائهم:]
ولما قدم أن الإسلام قد يحصل لشخص بسبب قام به، ذكر أنه قد يحصل له بسبب قام بغيره، فقال: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون بإسلام أبيع فقط على المشهور، لا أمه، كأن ميز، ولم يراهق، يحتمل فيحكم بإسلامه تبعًا لأبيه، ويحتمل أنه أسلم، لا تابعًا لأبيه، والمسألتان منصوصتان، وعبر ابن الحاجب في الثانية بالأصح، وابن راشد بالمشهور، وابن رشد بظاهر المذهب.
إلا الوالد المراهق، فلا يحكم بإسلامه تبعًا، فهو مستثنى من قوله: (وحكم بإسلام من لم يميز)، وإلا المتروك لها، أي: للمراهقة، بأن أسلم أبوه وهو صغير، وعقل عنه حتى راهق، وبلغ اثني عشر سنة ونحوها، فلا يجبر على الإسلام بقتل إن امتنع منه، بل يجبر غيره ويوقف إرثه لبلوغه. قال الشارح: ولما كان المرتب على إيقاف المال واضحًا لم يحتج إلى بيانه.
[أطفال السبي:]
وحكم بإسلام صبي لم يميز لصغره أو جنون تبعًا لإسلام سابيه، إن
_________________
(١) رواه من حديث ابن عباس: الطيالسي (ص ٣٥٠، رقم ٢٦٨٩)، وأحمد (١/ ٢٨٢، رقم ٢٥٥٢)، وابن أبي شيبة (٥/ ٥٦٣، رقم ٢٨٩٩٢)، والبخاري (٣/ ١٠٩٨، رقم ٢٨٥٤)، وأبو داود (٤/ ١٢٦، رقم ٤٣٥١)، والترمذي (٤/ ٥٩، رقم ١٤٥٨) وقال: صحيح حسن. والنسائي (٧/ ١٠٤، رقم ٤٠٥٩)، وابن حبان (١٠/ ٣٢٧، رقم ٤٤٧٥)، وابن ماجه (٢/ ٨٤٨، رقم ٢٥٣٥)، وابن الجارود (ص ٢١٤، رقم ٨٤٣)، والدارقطني (٣/ ١١٣، رقم ١٠٨)، والبيهقي (٨/ ١٩٥، رقم ١٦٥٩٧). ومن حديث معاذ: عبد الرزاق (١٠/ ١٦٨، رقم ١٨٧٠٥)، وأحمد (٥/ ٢٣١، رقم ٢٢٠٦٨).
[ ٨ / ١٤٩ ]
لم يكن معه أبوه، كانت أمه تبعًا أو لا، وهو كذلك، أما لو كان معه أبوه لم يحكم بإسلامه؛ لأنه تابع له.
تنبيه:
سكت هنا عن بيان حكم إسلام اللقيط؛ لأنه قدم في باب اللقطة أنه يحكم بإسلامه تبعًا للدار، وتلخص أن للتبعية ثلاثة أسباب:
- إسلام الأب.
- وإسلام السابي.
-وإسلام الدار.
[مسألة:]
والولد المتنصر ونحوه من كأسير محمول على الطوع، ويصير مرتدًا تجري عليه أحكامه، إن لم يثبت إكراهه على المشهور؛ لأن أفعال المكلف محمولة على الاختيار.
[حكم ساب الرسول -ﷺ-:]
وإن سب -أي: شتم- نبيًا أجمع على نبوته بقرآن أو نحوه مما في معناه، أو ملكًا كذلك، والنبي أهم من الرسول، ولازم الأعم لازم الأخص.
أو عرض بالسب، كأن يقول قولًا في شخص وهو يريد خلافه، إيجابًا أو سلبًا، كقوله في القذف: أما أنا فإني معروف، أو لست بزان، أو لوح، وهو الإشارة البعيدة في الكل، ككثير الرماد المنتقل منه لكثرة الطبخ، ثم لكثرة الضيوف، ومنه للكرم، أو رمز وهو الإشارة لشيء يخفى مع القرب، كعريض القفا، إشارة للبلادة.
أو لعنه بصيغة الفعل أو غيرها، وكالدعاء عليه، أو تمنى مضرته، أو عابه نسبه للعيب، وهو خلاف المستحسن عقلًا أو شرعًا أو عرفًا في خُلُق أو خَلْق أو دين، أو قذفه بأن نسبه للزنا، أو نفاه عن أبيه، أو استخف
[ ٨ / ١٥٠ ]
بحقه، فأتى بما لا يقتضي تعظيمه تصريحًا أو تلويحًا، كما لو قيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه، ونحوه.
أو غير صفته كأسود أو قصير أو مات قبل أن يلتحي ونحوه.
أو ألحق به نقصًا، بأن ذكر ما يدل على نقصه، إن لم يكن في بدنه، وإن كان في بدنه عمدًا أو سهوًا أو نسيانًا.
وفي بعض النسخ: وإن في دينه، ومثله في الشفا.
أو في خصلته أو نسبه، أو غض من مرتبته، أو من وفور علمه، أو من زهده، وقد أفتى الأندلسيون على ابن أبي حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه -ﷺ-.
أو أضاف له ما لا يجوز عليه من سحر ونحوه، قال ربيع ابن حبيب القروي (١): مذهب مالك وأصحابه: من قال فيه: ما فيه نقص، يقتل من غير استتابه.
وجعل من أمثلته ميله لبعض نسائه.
أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه الشريف كمداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس على طريق الذم له، وهو قيد فيما تقدم، أو قيل له بحق رسول اللَّه فلعن، كمن قيل له: بحق رسول اللَّه. فقال: فعل اللَّه برسول اللَّه كذا، وذكر كلامًا قبيحًا. فقيل له: ما تقول؟ يا عدو اللَّه. فقال أشد من الأول.
وقال: أردت برسول اللَّه العقرب، قتل، ولم يستتب، وقتل: جواب الشرط في قوله: (وإن سب)، حدًا على المشهور؛ لأنه زنديق، لا تعرف توبته إن كان مسلمًا أو كافرًا، إلا أن يسلم الكافر لخبر: "الإسلام يجب ما قبله" (٢).
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة.
(٢) أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥١). وأخرجه أيضًا: أحمد (٤/ ٢٠٤ رقم ١٧٨٤٦) قال الهيثمي (٩/ ٣٥١): رجالهما ثقات. والبيهقي (٩/ ١٢٣، رقم ١٨٠٦٩).
[ ٨ / ١٥١ ]
ولا يقال له: أسلم ولا لا تسلم، لكن إن أسلم فذلك له توبة، والقتل في المسلم والكافر.
[مسألة:]
وإن ظهر من دليل حاله أنه لم يرد ذمه بذلك، ولا قصد سبه، بل إما لجهل حمله على ذلك أو سكر اضطره إليه، وأفتى أبو الحسن القابسي بقتل من شتم في سكره للظن به أنه يعتقد هذا أو يفعله في صحوه، وأيضًا هو حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود من قذف وقتل وغيرهما.
أو تهور في كلامه، أو قلة مراقبة، أو ضبط للسانه، وعجمه؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهاد، ولا بدعوى زلل في اللسان.
[مسائل فيها قولان بالقتل وعدمه:]
وهل لا قتل فيمن قال: لا صلى اللَّه على من صلى عليه جوابًا لصل، وهو قول سحنون ومن وافقه، أو القتل وهو قول الحارث بن مسكين وغيره قولان.
[المسألة الثانية:]
أو قال الأنبياء يتهمون، جوابًا لتتهمني، أفتى فيه قاضي قرطبة أبو عبد اللَّه بن الحاج بعدم القتل، وأما القاضي محمد بن منصور فإنه توقف عن القتل لاحتمال اللفظ عنده لأن يكون خبرًا عمن اتهمهم من الكفار، وشدد في تصفيده وإطالة سجنه، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه.
وقال عياض: كان اختلف شيوخنا في ذلك، فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله لبشاعة هذا اللفظ.
ففي المسألة أيضًا قولان.
[المسألة الثالثة:]
أو قال: جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﵊، فأفتى فيه القاضي أبو محمد بن منصور بإطالة سجنه وإيجاع أدبه،
[ ٨ / ١٥٢ ]
إذا لم يقصد السب، وأفتى بعض الفقهاء بقتله، قولان في كل فرع من الثلاثة السابقة، وحذفه من الأولين لدلالة هذا عليه.
تنبيه:
وإذا لم يكن في هذين الفرعين الآخرين إلا النقل عمن ذكر، فكان الجاري على اصطلاح المؤلف أن يقول تردد.
[ما يستتاب منه:]
ولما أسلف ما حده القتل، وما اختلف فيه هل حده القتل أو لا، أتبعه بما هو ردة يستتاب فيها، وما يؤدب فيه، فقال:
- واستتيب في قوله: هزم، فإن تاب وإلا قتل؛ لأن ذلك غير جائز عليه؛ لأنه على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته.
وقال ربيع بن حبيب: يقتل دون استتابة عند مالك وأصحابه.
- أو أعلن بتكذيبه فإنه يستتاب، وأطلق التكذيب ليشمل دعوى الرسالة وغيرها، ونحوه في الشفا.
- أو تنبأ، أي: ادعى النبوة، وأنه يوحى إليه، يستتاب فإن تاب وإلا قتل لتكذيبه القرآن والسنة: الأول قوله: (وخاتم النبيين). والثاني قوله -ﷺ-: "لا نبي بعدي" (١)، أي: لا يتنبأ أحد بعده، وأما نزول عيسى بعد فنبوته سابقة، وإنما ينزل على أنه واحد من أمته، ويحكم بشريعته لا بشريعته هو؛ لأنها منسوخة.
إلا أن يسر بأن يدعو إليه سرًا على الأظهر عند ابن رشد فزنديق، لا تقبل توبته إن ظهر عليه، إلا أن يأتي ثانيًا قبل ظهوره، وفي النوادر يقتل، سواء أظهر ذلك أو أسره.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٧، رقم ٧٩٤٧)، والبخاري (٣/ ١٢٧٣، رقم ٣٢٦٨)، ومسلم (٣/ ١٤٧١، رقم ١٨٤٢)، وابن ماجه (٢/ ٩٥٨، رقم ٢٨٧١).
[ ٨ / ١٥٣ ]
[مسائل يؤدب فيها:]
- وأدب اجتهادا في أد واشك للنبي -ﷺ-، قال الشارح: وقعت المسألة في عشار طلب من شخص شيئًا، فقال له: أشكوك للنبي -ﷺ-، فقال له العشار: أد واشك للنبي، فأفتى بعض الأشياخ بالأدب، وأفتى غيره بالقتل، ووافقه ابن عتاب.
- وأدب في قوله لو سبني ملك لسببته، أي: لما فيه من تنقيص الملك، وإن لم يقع ما وعد به.
- أو قال لآخر: يا ابن ألف كلب، ابن أبي زيد: أو يا ابن ألف خنزير ممن يجري في كلام السفهاء؛ لدخول بعض الأنبياء في هذا العدد، وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل.
- أو عير بالفقر فقال لمن يعيره: تعيرني به والنبي قد رعى الغنم، قال مالك: قد عرض بذكره -ﷺ- في غير موضعه، أرى أن يؤدب.
- أو قال لغضبان كأنه وجه منكر أحد فتاني القبر، أو قال: وجه مالك الغضبان خازن النار أدب، ولو قصد ذم الملك قتل.
- أو استشهد ببعض شيء جائز عليه -أي: على النبي -ﷺ- في الدنيا من حيث هو بشر على طريق ضرب المثل حجة له أو حجة لغيره أدب.
- أو شبه نفسه به ﵊ لنقص لحقه، أو لمصيبة نالته ليدفع بذلك عن نفسه، لا على طريق التأسي به أو التحقير بل على قصد الترفيع لنفسه أو لغيره، أو على سبيل التمثيل وعدم الوقير لنبيه ﵊، ولم يقصد بذلك تنقيصًا ولا عيبًا ولا سبًا أدب.
كـ: إن كذبت -بالبناء للمفعول مشدد- فقد كذبوا، أراد إن أوذيت فقد أوذوا، أو أنا أسلم من ألسنة الناس، ولم يسلم منها أنبياء اللَّه ورسله.
- أو لعن العرب أو لعن بني هاشم، وقال: أردت الظالمين منهم أو الكفار، أدب باجتهاد السلطان، قاله ابن أبي زيد، لكنه قال في الثاني: يضيق القول على من قاله.
[ ٨ / ١٥٤ ]
[مسائل يشدد عليه فيها:]
- وشدد عليه في قوله: كل صاحب فندق قرنان، ولو كان نبيًا، توقف أبو الحسن الفاسي في قتله، وأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جملة ألفاظه، ولم يدل على مقصده، وهل أراد أصحاب الفنادق اليوم، ومعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل، فيكون أمره أخف.
قال: ولكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين، وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء من اكتسب المال، ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين، وما ترد إليه التأويلات لا بد من إمعان النظر فيه.
- وشدد الأدب في نسبه قبيح قول أو فعل لأحد ذريته ﵊ مع العلم به أنه منهم.
ونظر الشارح بأنه لا خصوصية للأدب بذريته، بل يؤدب في حق غيرهم أيضًا.
وأجاب بأنه يزاد في الأدب بالنسبة لهم دون غيرهم، وبأن القبيح الذي لا يوجب أدبا في حق غيرهم يوجبه في حقهم. انتهى. ويحتاج هذا الثاني لنقل.
فائدة:
الذرية، مثلثه: النسل، وفي الشفا بعد أن ذكر شدة الأدب فيمن قال لآخر: يا ابن ألف كلب، وقد يضيق القول في مثل هذا لو قال لرجل هاشمي لعن اللَّه بني هاشم، وقال أردت الظالمين منهم، أو قال لرجل من ذريته -ﷺ- قولًا قبيحًا في ذريته، وأحرى في آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي -ﷺ-، ولم تكن قرينة في المسألتين تقتضي خصوص بعض آبائهم، وإخراج النبي -ﷺ- من سبه منهم.
كأن انتسب له، -ﷺ- بغير حق صريح، أو احتمل كجوابه لمن قال له: أنت شريف النفس، أو ذو نفس، أو من أشرف نفسًا، أو أحسن نفسًا من ذريته -ﷺ-، روى أبو مصعب عن مالك: من انتسب إلى بيت
[ ٨ / ١٥٥ ]
رسول اللَّه -ﷺ- يضرب ضربًا وجيعًا، ويشهر، ويحبس طويلًا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخف بحقه -ﷺ-.
ويحتمل أنه يريد بقوله: (أو احتمل) وما بعده من قوله: أو شهد عليه عدل أو لفيف فعاق عن القتل عائق ما، قال في الشفا بعد الكلام على قتل الساب: فصل هذا حكم من ثبت عليه، وذلك مما يجب ثبوته من بينة أو عدول لم يدفع فيهم، فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس، أو ثبت بقوله، ولكن احتمل ولم يكن صريحًا، وكذلك إن تاب على القول بقبول توبته، فهذا يدرأ عنه القتل، ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله وقوة الشهادة عليه وكثرة السماع عنه وصورة حاله من التهمة في الدين، والنبز بالسفه والمجون، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته، ولا يقعده عن صلاته، وهو حكم كل من وجب عليه القتل، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به؛ لإشكال وعائق اقتضاه أمره، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله.
تنبيه:
وقع في نسخة بعض من تكلم على هذا المحل: (أو احتمل قوله أو شهد عليه عدل أو لفيف أو عاق عن القتل عائق)، قال: فهذه أربع صور، وكلها في الشفا، كما قدمنا.
ثم قال: وفي كثير من نسخ هذا المختصر: (فعاق) بعطفه بالفاء، وإضمار فاعله، أي: فعاق الاحتمال أو كون الشاهد واحدًا أو لفيفًا، فهي ثلاث مسائل فقط. انتهى.
واللفيف: اختلاط الناس، وفي الصحاح: ما اجتمع من الناس من قبائل شتى، يقال: جاءوا بلفهم ولفيفهم، أي: واختلاطهم، وقوله تعالى: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾، أي: مجتمعين مختلفين، وطعام لفيف إذا كان مخلوطًا من جنسين فصاعدًا، وفلان لفيف فلان، أي: صديقه، وباب من العربية
[ ٨ / ١٥٦ ]
يقال له: اللفيف؛ لاجتماع الحرفين المعتلين في ثلاثيه، نحو: ذوي وجي.
- أو سب من لم يجمع على نبوته، مما يقتل به من أجمع على نبوته، كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان ونحوهم، وكذا سب من لم يجمع على كونه ملكًا، كهاروت وماروت، فيؤدب متنقصهم ومؤذيهم بقدر حال المقول فيه، أو سب صحابيًا: مشهور مذهب مالك أدبه الأدب الوجيع.
وظاهره: العموم في كل صحابي وكل سب، وظاهر كلام غيره: أن من رمى عائشة -﵂- بما برأها اللَّه به كفر.
وظاهر كلام بعضهم: كفر من كفر أحدًا من العشرة، وعن سحنون: من كفر واحدًا من الأربعة قتل، وينكل في غيرهم.
[حكم سب اللَّه تعالى:]
ولما قدم حكم سابه -ﷺ- من قتل وغيره، قال: وسب اللَّه كذلك.
قال الشارح: يحتمل الإشارة إن اقتضى اللفظ التنقيص أو الإزدراء ونحوه قتل، وإن كان خفيفًا فلا، ويحتمل أن يفرق فيه بين المسلم والكافر، وأن الكافر يقتل إلا أن يسلم. انتهى.
وفي استتابة المسلم هنا دون سبه للنبي -ﷺ-، وهو أحد قولي ابن القاسم، والمشهور عدم استتابته، وهو لابن القاسم أيضًا خلاف.
ثم شبه في مطلق الخلاف بقطع النظر عن التشهير فرعًا من هذه القاعدة بقوله: كمن قال: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه، فاختلف فيها فقهاء قرطبة في قائل ذلك، وهو هارون ابن حبيبة (١) أخو عبد الملك (٢) الفقيه:
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة.
(٢) لم أقف له على ترجمة.
[ ٨ / ١٥٧ ]
- فأفتى أخوه عبد الملك وإبراهيم بن حسين بن عاصم (١) وسعد بن سليمان القاضي (٢) بطرح القتل عنه، إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل بالحبس والشدة في الأدب.
- وأفتى إبراهيم بن حسين بن خالد (٣) بقتله، وأن قوله تضمن تحوير اللَّه تعالى، وتظلم منه، والتعريض فيه كالتصريح، ولم يقر واحد من الشارحين القولين، فإن كانا منقولين عن غير من ذكرنا فواضح، وإن لم يكونا إلا عنهم فكان ينبغي للمصنف أن يقول: (تردد)، على اصطلاحه، اللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه حد الزنا، وحكمه، وما يتعلق به، ويقصر ويمد للحجاز ونجد.
_________________
(١) هو: إبراهيمُ بن حُسينِ بن عاصم بن كعب بن محمد بن عَلْقمةَ بن جَناب بن مسلم بن عدي بن مرّة بن عوف الثَّقَفِيُّ: من أَهلِ قُرْطُبَة؛ يُكَنَّى: أبَا إسحاق. سَمِع من أبيه وغيرِه. وله رحلةٌ سمع فيها، وتَصَرَّف في أحكام الشُّرطة والسُّوقِ أيّام الأمير محمدٍ. وتُوفّي ﵀: يومَ الثُّلاثاءِ في رجب سنةَ ست وخمسين ومائتين، ينظر: تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٦).
(٢) لم أقف له على ترجمة.
(٣) هو: إبراهيم بن حسين بن خالد بن مرتنيل يكنى أبا إسحاق، كان خيرًا فقيهًا يكنى أبا إسحاق عالمًا بالتفسير - له رحلة لقي فيها علي بن معبد وعبد الملك هشام ومطرف بن عبد اللَّه ولقي سحنونا وروى عنه، مذكور في المالكية، عالم بالفقه بصير بطرق الحجة، كان يناظر يحيى بن مزين ويحيى بن يحيى كان صلبًا في حكمه عدلًا وله تأليف في تفسير القرآن وكان يذهب في الشاة إذا بقر بطنها ولم يطمع في حياتها وأدركت ذكاتها أنها تؤكل وحاج في ذلك سحنونًا وأعجب بن لبابة ذلك وحكى أنه مذهب إسماعيل القاضي. وكان يذهب إلى النظر وترك التقليد، وحكى إبراهيم عن مطرف بن عبد اللَّه: ليس في الكرسنة زكاة؛ لأنها علف. وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين في رمضان. ينظر: تاريخ علماء الأندلس (١/ ١٦).
[ ٨ / ١٥٨ ]
[تعريف الزنا:]
وحده المصنف بقوله: الزنا وطء، وهو كالجنس، فدونه ليس زنا لغة ولا شرعًا.
وأضافه إلى مكلف ليخرج الصبي والمجنون؛ فوطؤهما وإن كان زنا لغة لا يسمى زنا شرعًا.
ومخرج للمرأة؛ لأنها موطوءة لا واطئة، وأجيب بأن المصدر وإن كان مضافًا للفاعل قد يتكلف لدخول المفعول فيه؛ فإذا وطىء المجنون عاقلة بقيوده صدق عليه أنه وطء مكلف.
مسلم: وصف لـ (مكلف)، مخرج لوطء الكافر الكافرة، أو للمسلمة؛ إذ لا حد عليه في الصورتين، وتحد المسلمة في الثانية؛ لصدقه أنه وطء مسلم، ولا يضر كون اللفظة الواحدة مدخلة مخرجة.
فرج: معمول (وطء)، مخرج للوطء بين الفخدين ونحوه، آدمي: مضاف إليه مخرج لوطء البهيمة، ومدخل للواطئ.
لا ملك له -أي: للمسلم- فيه -أي: الفرج- مخرج للزوجة والأمة، وإن حرم وطؤهما لعارض حيض أو نفاس أو صوم أو إحرام؛ فلا يسمى زنا، ولا حد فيه.
ومخرج للمملوك الذكر؛ إذ المراد بالملك التسلط الشرعي، وشرط في هذا الملك المنفي كونه باتفاق؛ ليخرج وطء نكاح مختلف فيه، كوقوعه بغير ولي أو شهود، وقيد هذا الوطء بكونه تعمدًا؛ ليخرج الناسي والغافل والجاهل بالعين والحكم.
ولما ذكر القيود السابقة، وهي شاملة لأمور داخلة فيها، لكن يحتاج في دخولها لنظر، أفادها بالمبالغة، وعطف باقيها بـ (أو)، فقال: وإن لواطًا؛ لدخوله في قوله: (فرج آدمي)؛ لشموله الذكر والأنثى، أو إتيان أجنبية بدبر فإنه زنا على المشهور.
وقال ابن القصار: لواطًا.
[ ٨ / ١٥٩ ]
أو إتيان ميتة على المشهور، لدخوله في: (فرج آدمي)، غير زوج -أي: زوجة- لأنه شبهة، ولا خصوصية للزوجة، بل وكذلك الأمة.
أو صغيرة يمكن وطؤها؛ لحصول اللذة كالكبيرة، وأما من لا يمكن وطؤها فكالجرح لا يحد واطئها.
فائدة:
هذه إحدى المسائل الخمس التي لا حد عليها إن وطئت، وموطوءة الصبي، والمكرهة، والنائمة، والمجنونة، ونظمتها، فقلت:
موطؤة لصبي ثم مكرهة وذات جن وذات النوم فاتئد
لا حد إن وطئت منهم واحدة كذا الصبية فاحفظهن واعتمد
أو وطء مستأجرة لوطء أو غيره، كخدمة، أو وطء مملوكة تعتق على الواطىء، ولا يستقر ملكه عليها، كأمه وإن علت، وابنته وإن سفلت، وأخته من كل جهة؛ إذ ليس ملك هؤلاء شبهة تدرأ الحد.
أو وطء مملوكة يعلم حريتها في نفس الأمر، كوطئه من ليست بزوجة ولا ملك يمين، أو تزوج امرأة محرمة عليه بصهر مؤبد، كابنة زوجته المدخول بها، أو أم زوجته المدخول بها، فيحد بوطء الثانية لتأبيد تحريمها.
أو وطء خامسة عالمًا بالتحريم، ودخل بها، فيحد، أو وطء مرهونة أو مودعة؛ لأنهما عندنا كالمستأجرتين، وليس تسليط المرتهن على بيع المرهونة في الجملة شبهة تدرأ الحد.
تنبيه:
وهذا ما لم يأذن الراهن في وطئها؛ لأن الإذن في الوطء كالتحليل، ووإنما لم يذكره هنا اعتمادًا على ما قدمه في الرهن.
أو وطء ذات مغنم له فيها نصيب قبل القسم، خلافًا لعبد الملك، وأطلق مع أن ذلك مقيد بالجيش الكبير، وأما سرية يسيرة فلا حد اتفاقًا.
أو وطء حربية إذا وطئها بدار الحرب، وأما إن أخرجها من دار
[ ٨ / ١٦٠ ]
الحرب لبلاد الإسلام ثم وطئها فلا حد اتفاقًا.
أو وطء مبتوتة قبل زوج عالمًا بالتحريم، وإن كان وطؤه بعدة من طلاقه الذي طلقها فيه، فيحد.
وهل الحد إن لم يبت في مرة، بل في مرات متفرقات، أو وإن أبت في مرة بلفظ البت، أو الثلاث؛ لضعف من قال بإلزام الواحدة في الثلاث، وإنما يحد في المفترقات، وأما في مرة فلا عالمًا أو جاهلًا لقوة الخلاف في البتة، هل هي واحدة أو لا، وهو قول أصبغ تأويلان.
وظاهر المدونة خلاف تأويل أصبغ.
أو وطء مطلقة منه واحدة أو اثنتين قبل البناء ظنًا منه أنه لا يبينها إلا الثلاث فيحد، زاد في المدونة: إلا أن يعذر بجهل.
أو وطء معتقة له بلا عقد فيحد، والقيد راجع لها وللمطلقة قبل البناء، كأن يطأهما مملوكها فيحد؛ إذ لا ملك له فيها باتفاق، قاله اللخمي.
أو مكنت عاقلة مجنونًا من وطئها فتحد، وعكسه يحد هو، بخلاف وطء الصغيرة فلا حد، إلا أن يجهل الواطئ في جميع هذه المسائل العين الموطوءة بأن يجد امرأة نائمة بمنزله فيظنها زوجته أو أمته فلا حد، أو الحكم بأن يعلم عين الموطوءة، لكن جاهل للحرمة، فلا يحد إن جهل مثله ذلك؛ لقرب عهده بالإسلام.
[لا العذر بالجهل:]
ثم استثنى من صور الجهل، فقال: إلا الزنا الواضح الذي لا يجهلما إلا النادر فيحد، ولا يعذر به كدعوى المرتهن حل وطء المرهونة.
[السحاق:]
ثم أخرج من مقدر قبل قوله: (وإن لواطًا) الداخل في الزنا بقوله: لا فعل مساحقة: بكسر الحاء وفتحها، إذ ليس فيه إيلاج، فليس بوطء لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، وأدب فاعله اجتهادًا عند ابن القاسم كسائر العقوبات، فقد
[ ٨ / ١٦١ ]
يقع ذلك من واحدة فلتة، ومن أخرى عادة، كبهيمة يؤدب واطئها اجتهادًا، وهي كغيرها ممن لم يفعل بها ذلك في الذبح والأكل للحمها.
وللشافعي قول بقتلها، وهو لخوف الإتيان بولد مشوه، أو لأن بقاءها يذكر الفاحشة، فيعير بها قولان: أصحهما الثاني.
[ما لا يدخل في الزنا:]
ولا يدخل في حد الزنا من حرم وطئه من زوجة أو أمة لعارض، كحيض ونفاس وصيام، أو مشتركة لا حد على شريك وطئها؛ لشبهة الملك، أو مملوكة معتدة لا حد عليه في وطئها، ونحوه لابن الحاجب والمدونة أو مملوكة لا تعتق، كعمته أو خالته، والأدب في ذلك كله بحسب اجتهاد الحاكم.
أو وطئ بنتًا على أم لم يدخل بها، أي: بالأم، فلا يحد بوطء البنت، وإن كان العقد عليها بعد العقد على أمها حرام مفسوخ، لكنه حلال في الجملة.
وكذا وطء امرأة على خالتها؛ لأنه يشبه التحريم لعارض، أو وطىء أختًا تزوجها على أختها، لا يحد؛ لوصف كل منهما بالحل في الجملة.
وهل عدم الحد في وطء الأخت على أختها مطلقًا سواء كانت من رضاع أو نسب وهو لأصبغ والتونسي وإنما عليه الأدب فقط، أو إلا أخت النسب ففيها الحد فقط؛ لتحريمها بالكتاب، وأما أخت الرضاع فبالسنة، وتحريم الكتاب أقوى؟ تأويلان، والثاني ذكره عبد الحق عن بعض شيوخه.
فائدة:
قال بعض الأشياخ: كل ما كان تحريمه بالكتاب ففيه الحد، وبالسنة لا حد فيه.
أو كأمه محللة أحلها له قريب أو أجنبي أو زوجته، فوطئها فلا حد عليه لشبهة الملك بالتحليل جاهلًا كان أو عالمًا على المشهور، ومراعاة لقول عطاء.
[ ٨ / ١٦٢ ]
وقومت عليه، سواء حملت أو لا؛ لتتم له الشبهة، ويقدر أنه وطىء ملكه، ويلزم التقويم وإن أبيا: المحلل والمحلل له لما يلزمه على تركه من صحة ما قصداه من عارية الفروج، وتؤخذ قيمتها من الواطىء إن كان مليئًا، وإن كان عديمًا بيعت عليه إن لم تحمل، وله الفضل، وعليه النقص، وإن حملت فالقيمة في ذمته.
أو مكرهة لا حد عليها اتفاقًا، أو مبيعة بغلاء بالمد لجوع ووطئت لا حد عليها.
مالك: وهي وزوجها معذوران.
والأظهر كأن ادعى شراء أمة، وأنكر البائع البيع، ونكل البائع عن اليمين، وحلف الواطئ أنه اشتراها، فلا حد عليه؛ لتبين أنه وطئ ملكه، وهو قول ابن القاسم، واختاره ابن راشد.
تنبيه:
ما ذكرناه هو الذي في أكثر النسخ، وفي نسخة البساطي: (وإن ظهر) بدل (الأظهر)، أي: وإن ظهر الملك، كأن ادعى شراء. . إلى آخره، وعلى هذه النسخة لا يعلم ما لابن رشد في المسألتين من الاختلاف.
والمختار عند اللخمي من الخلاف أن الزاني المكرَه بفتح الراء كذلك، لا حد عليه، وعليه المحققون.
عياض: والأكثر من أهل المذهب على خلافه، فيحد، أكرهه السلطان أو غيره المزني بها أو غيرها.
تتمة:
إن كان المكره بالكسر هي الزانية فلا مهر، وإن كان غيرها فمهرها على الزاني.
ابن عرفة: ويرجع هو على من أكرهه.
[ ٨ / ١٦٣ ]
[ما يثبت به الزنا:]
ولما تكلم على ما هو زنا وما ليس بزنا، أتبعه بالكلام على الأسباب التي تعرف بها تلك الحقيقة، وهي ثلاثة ذكرها في الموطأ.
وأشار لأحدها بقوله: وثبت الزنا: بإقراره من الزاني على نفسه رجلًا أو امرأة مرة واحدة، إذا لم يرجع عنه اتفاقًا، واشترط أحمد وأبو حنيفة أربعًا، إلا أن يرجع عن إقراره، فتقبله، ولا حد عليه مطلقًا، سواء رجع شبهة أو لا كتكذيبه نفسه.
أو إلا أن يهرب وإن في أثناء الحد؛ لأن هروبه كرجوعه، ولا فرق بين كونه في أوائل الحد أو بعد مضي أكثره.
وأشار لثاني الأسباب بقوله: وبالبينة، وتقدم كونها أربعة، وما يتعلق بذلك في باب الشهادة، وإذا قامت البينة به على امرأة وادعت البكارة أو الرتق، فلا يسقط الحد عنها بشهادة أربع نسوة ببكارتها أو رتقها، وهو مذهب المدونة.
وأشار للسبب الثالث بقوله: أو ظهر بحمل في غير متزوجة: حرة أو أمة، وفي غير ذات سيد مقر به، أي: بالوطء، وأما إن كان منكرًا له حدت.
ولو ادعت من ظهر حملها أنها مغصوبة لم يقبل دعواهما الغصب بلا بقرينة تدل على صدقها، كما لو جاءت تدمى عند النازلة مستغيثة على المشهور.
[أنواع الحد:]
ولما كان الحد ثلاثة أنواع:
- رجم فقط لا جلد معه.
- وجلد مع تغريب.
- وجلد فقط.
[ ٨ / ١٦٤ ]
[أولًا- الرجم فقط:]
ذكرها بادئًا بالأول، فقال: يرجم المكلف: لا المجنون والصبي، ولو مراهقًا على المشهور.
الحر: لا العبد.
المسلم: لا الكافر على المشهور، ولو زنى بمسلمة.
إن أصاب: أي وطئ.
وعبر بالإصابة لأنه لا يشترط كمال الوطء، بل يكفي مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها.
بعدهن: أي أصاب زوجته بعد اتصافه بأنه مكلف حر مسلم، ثم زنا بعد ذلك ولا يكون بالإصابة.
بنكاح: لا بملك.
ثم وصف النكاح بقوله؛ لازم، لا بما فيه خيار حكمي، كنكاح العبد وذي العيب.
تنكيت:
تعقب البساطي قول الشارح: (كنكاح العبد بغير إذن سيده) بأنه هو هنا انتهى.
وبيانه أن من شرط الإحصان الحرية والعبد، وإن لم يتعد في نكاحه، بل كان بإذن سيده، لا يكون محصنًا.
وقد يجاب عن الشارح بأن هذا إنما يتمشى على قول ابن القاسم بأنه لا يحصن واحد منهما، وأما على قول أشهب أن السيد إن أجازه كان إحصانًا، وإلا فلا.
ثم وصف النكاح بقوله: صح على ما قرره الشارحان من أن فاعله النكاح.
[ ٨ / ١٦٥ ]
وقال غيرهما: هو الوطء المعبر عنه بالإصابة؛ لأن لفظ اللزوم يستلزم الصحة، فلو عاد له لزم التكرار، ولزم الإحلال أيضًا، بشرط من شروط الإحصان، وهو كون الإصابة مباحة، لا في الحيض؛ لأن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا عند ابن القاسم، وهو المشهور.
[صورة الرجم:]
بحجارة متعلق بـ (يرجم) معتدلة على المشهور، خلافًا لابن شعبان في قوله: يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، وهو خلاف للمشهور، كما حمله ابن عبد السلام، أو وفاق كما حمله ابن عرفة، قائلًا: لأن مراده سرعة الإجهاز عليه، ولا يختص الرمي بالظهر، بل بمواضع المقاتل: الظهر وغيره، ومن السرة إلى فوق، ويجتنب الوجه واليدان والرجلان؛ إذ هو من التعذيب.
ولم يعرف مالك بداءة البينة بالرجم، ثم الإمام يليها، ثم الناس، كلائط يرجم مطلقًا فاعلًا ومفعولًا أحصنا أم لا، وإن كانا عبدين، أو حرين، أو حرًا وعبدًا، أو كافرين، أو مسلمًا وكافرًا.
تنبيه:
الإطلاق في كلامه مخصوص بغير المكره والصغير، فلا رجم على واحد منهما.
[ثانيًا- الجلد:]
وأشار للنوع الثاني بقوله: وجلد البكر الحر المسلم البالغ العاقل مائة.
اللخمي: بسوط بين سوطين: لا جديد ولا بال، وضرب بين ضربين في زمن بين زمنين من رجل بين رجلين لا بالقوي ولا بالضعيف، ولا يضع سوطًا فوق سوط.
وتشطر الجلد للرق ذكرًا كان أو أنثى، وإن قل جزء رقه، كالمبعض والمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق لأجل؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ﴾، والعبد في معنى الأمة من باب أولى، ولا فرق.
[ ٨ / ١٦٦ ]
وتحصن كل من الزوجين دون صاحبه بالعتق والوطء بعده [فيه دون صاحبه الذي لم يعتق إذا وطىء بعد العتق، ويقع ذلك في بعض النسخ، ونصها: والوطء والإحصان أخص من التحليل، لكثرة شروطه؛ إذ يشترط فيه الحرية، وقال (كل) لأن التحصين قد يكون في أحد الجانبين دون الآخر، وهو أربع نظائر، ذكرها في الإرشاد الجلاب، وذكرت في الكبير نظمًا ونثرًا] (١).
[ثالثا - الجلد والتغريب:]
وأشار للنوع الثالث من أنواع الحد بقوله: وغرب الذكر لينقطع عن معاشه وتلحقه الذلة بغير بلده، لا الأنثى؛ إذ في تغربها إعانة على الفساد، أو تعريضها له، وإن غربت مع محرم غرب من ليس بزان، أو مع غيره خولف، لخبر: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم" (٢).
الحر فقط، لا الرقيق: ذكرًا كان أو أنثى؛ لحق السيد في الخدمة، فيتأذى بالتغريب غير الجاني، ويستمر محل التغريب عامًا كاملًا، وأجره في حمله ومؤنته لموضع تغريبه عليه في ماله؛ لأنه من متعلق جنايته، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال، وانظر إن لم يكن بيت مال، أو كان ولم يتوصل إليه، ولا يبعد في تغريبه، بحيث يتعذر منفعة ماله إليه، بل كفدك وخيبر من المدينة الشريفة.
وفدك: بدال مهملة، وهل هي مدينة أو قرية من قرى خيبر، الأول لعياض، والثاني للجوهري.
وهل بينها وبين المدينة يومان أو ثلاث مراحل؟ خلاف، ونفى رسول اللَّه -ﷺ- من خيبر، ونفى عمر لكل منهما، وعلي من الكوفة للبصرة.
_________________
(١) ما بين معكوفين ليس في "ن ٣".
(٢) أخرجه الطيالسي (ص ٣٥٧، رقم ٢٧٣٢)، وأحمد (١/ ٢٢٢، رقم ١٩٣٤)، والبخاري (٢/ ٦٥٨، رقم ١٧٦٣)، ومسلم (٢/ ٩٧٨، رقم ١٣٤١). وأخرجه أيضًا: الطحاوي (٢/ ١٢ ١)، والطبراني (١١/ ٤٢٥، رقم ١٢٢٠٣)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٣٦٩، رقم ٥٤٤٠).
[ ٨ / ١٦٧ ]
وإذا غرب فيسجن سنة بموضع تغريبه، ابن القاسم: ويحسب من يوم يسجن.
تتمة:
ظاهره: أنه يخلى بعد العام إن لم تظهر توبته، وهو كذلك، بخلاف المحارب حتى تظهر توبته.
وظاهره كابن الحاجب: أن من لا يغرب لا يسجن، فلا يسجن المرأة ولا الرقيق، فإن عاد المغرب إلى بلده قبل تمام السنة أخرج ثانيًا.
قال في التوضيح: وهو الذي يؤخذ من الجواهر.
تنبيه:
قال: (أخرج) ولم يقل: (أعيد)؛ لأن الإعادة تقتضي تعيين موضعه الذي كان فيه أولًا، وأخرج لا تقتضي ذلك، ويحتمل أن يريد إن عاد إلى الزنا ثانيًا حد وجلد وغرب، وعليه اقتصر ابن راشد.
تنبيهات:
الأول: قال في التوضيح: انظر إذا أعيد: هل يبني على ما تقدم، أو يستأنف، والظاهر البناء. انتهى.
وما استظهره من البناء سبقه إليه ابن عسكر في معتمده، وحكاه صاحب الشامل ترددًا.
الثاني: قال ابن عبد السلام: انظر لو زنى في المكان الذي نفي إليه، أو زنى الغريب بغير بلده، هل يكون سجنه في المكان الذي فيه تغريب؟
الثالث: ظاهر كلامه: أنه يخرج حين عوده، ولو بقى من السنة قليل.
[مسألة:]
وتؤخر الزانية المتزوجة لحيضة استبراء، ولا ترجم عقب زناها؛ لاحتمال كونها حاملًا، إن لم يقل الزوج كنت استبرأتها.
[ ٨ / ١٦٨ ]
[مسألة:]
ويؤخر بالجلد من هو حده، وينتظر به اعتدال الهواء بالمد، ولا يجلد في برد وحر مفرطين؛ خوف الهلاك، والتأخير للبرد نص عليه مالك، وألحق به ابن القاسم في المدونة الحر.
[من له إقامة الحد:]
وأقامه الحاكم، أي: الحد مطلقًا في حر أو عبد، وأقامه السيد في رقيقه: ذكرًا أو أنثى؛ لخبر: "أقيموا الحدود على ما ملكت إيمانكم" (١).
تنبيه:
أطلق في الحد، وفي ابن الحاجب حد الزنا والخمر والقذف، قال في التوضيح: ولا يقيمه في السرقة وغيرها إلا الوالي، وهذا إن لم يتزوج رقيق السيد بغير ملكه -أي: ملك السيد- حرًا أو عبدًا، فإن تزوج بغير علمه لم يقمه عليه حينئذ إلا الإمام؛ لحق الآخر من الزوجين، وحق سيده.
وإذا كان رقيقًا في الفراش وما يحدث فيه من الولد، وإلى كونه بالطريقة المذكورة قال: بغير علمه، وهو مذهب المدونة، وأحد الروايتين، والأخرى: يقيمه بعلمه.
[مسألة:]
وإن أنكرت امرأة الوطء بعد إقامتها مع زوجها عشرين سنة، ثم زنت ولم يكن منها إنكار لترك الوطء قبل ذلك، وخالفها الزوج، وأقر بوطئها، فالحد واجب عليها، لا يزيله إنكارها؛ لأنها محصنة، وهذه مسألة نكاح المدونة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٨٠، رقم ٣٦٠٨٨)، والبيهقي (٨/ ٢٢٩، رقم ١٦٧٨٢). وأخرجه أيضًا: أحمد (١/ ٩٥ رقم ٧٣٦)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٩٩، رقم ٧٢٣٩)، والدارقطني (٣/ ١٥٨)، والبزار (٣/ ١٦، رقم ٧٦٢)، والبغوي في الجعديات (١/ ٣٢٦، رقم ٢٢٣٧).
[ ٨ / ١٦٩ ]
[مسألة:]
وعنه -أي: الإمام- في كتاب الرجم منها في الرجل من تزوج امرأة وطال سكنه معها بعد الدخول، فشهد عليه بالزنا، فقال: لم أطأها منذ دخلت بها، يسقط عنه الحد؛ للشبهة ما لم يقر به، أي: بالوطء، أو ما لم يولد له، فيرجم حينئذ.
وأولًا ما في الموضعين على الخلاف -أي: بالوطء- لاختلاف الجواب، والمسألة واحدة، واختلف: هل تقييد مسألة النكاح بما في الرجم، ويطرح ما في النكاح، وهو قول يحيى بن عمر؛ لقوله: إن مسألة الرجم خير من مسألة النكاح، أو بالعكس، وإليه ذهب سحنون، أو ما في الموضعين وفاق، وهما مسألتان، وإليه ذهب جماعة، ولهم في كيفية التوفيق أوجه، أشار لأحدها بقوله: إنما حدث لخلاف الزوج في الأولى فقط دون الثانية، حيث ادعى الوطء فضعف إنكارها، ومسألة الزوج لم تخالفه الزوجة، فقوي إنكاره، ولو خادعته لاتفقت المسألتان في عدم القبول، كإنفاقهما في القبول لو وافقها الزوج، واختار ابن يونس هذا الوجه.
وأشار لثانيها بقوله: أو إنما حدت لأنه -أي: الزوج- إذا حصل له مانع الوطء يسكت غالبًا، أو يخفيه؛ لأنه عيب، وهي لا تسكت عن عيبه لو كان، ورد بأنه لو لم يكن وطأها لم تسكت.
ولثالثها بقوله: أو لأن الثانية التي قبل فيها قول الزوج مدتها قصيرة لم تبلغ عشرين سنة كالأولى، ولو بلغها لم يقبل قول الزوج كالزوجة: تأويلات أربع.
[مسألة:]
وإن وجدت امرأة مع رجل وقالت: زنيت معه، وادعى هو الوطء، والزوجية، ولا بينة، حُدَّا، أو وجدا ببيت وأقرا به -أي: بالوطء- وادعيا النكاح، ولا بينة ولا فشو يقوم مقامها، حُدا؛ لأن الأصل عدم السبب المبيح، وقيده بعض الشيوخ بغير الطارئين.
[ ٨ / ١٧٠ ]
أو ادعاه -أي: الرجل النكاح- وصدقته هي ووليها، وقالا لم نشهد إذ ذاك ونحن نشهد الآن، حُدَّا؛ لإرادتهما إسقاط حد قد وجب، إلا أن يكون أمر قد عرف وسمع، فيجوز، ولا يثبتان على ذلك حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا بعد الاستبراء.
وحذف (حُدَّا) من الأوليين لدلالة الثالثة عليهما، وهذه المسائل الثلاث في المدونة.
* * *
باب ذكر فيه حد القذف، وحكمه، وما يتعلق به
[تعريفه:]
وهو بالذال المعجمة، وأصله: الرمي بالحجارة ونحوها، ثم استعمل مجازًا في الرمي بالمكاره، وسماه اللَّه تعالى رميًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وسمي فرية؛ لأنه من الافتراء والكذب، وهو من الكبائر والموبقات؛ ولعظمه أوجب الحد، ولو نسب شخص غيره للكفر لم يحد.
وحده المؤلف بقوله: قذف المكلف من إضافة المصدر لفاعله، شرط مركب من شرطين:
- العقل.
- والبلوغ.
فلا حد على صبي ولا على مجنون قذف غيره.
[شروط المقذوف:]
ثم ذكر شروط المقذوف بقوله:
- حرًا، فلا حد على مكلف رمى رقيقًا.
[ ٨ / ١٧١ ]
- مسلمًا، فلا يحد قاذف كافر.
[نوعا القذف: أولًا- قطع النسب:]
ثم ذكر المقذوف به كونه بنفي نسب: صريحًا أو ما يقوم مقامه، كـ: الإشارة في حق الأخرس، ومثل له البساطي بغير الصريح بقوله: يا ابن فلان، لمن لا ينسب إليه.
عن أب أو جد لأب، كـ: لست ابن فلان، أو ليس فلان جدك؛ لثبوت الأبوة بالحكم وغلبة الظن، أو للتنويع لا للتشكيك؛ لأن الحد لا يقبل الشك.
لا بنفي عن أم لتيقن الأمومة، فعلم كذبه بنفيه عنها، ولا حد بنفي نسب إن نبذ به ما دام منبوذًا، فإن استلحقه أحد ولحق به انتفى كونه منبوذًا، وحد قاذفه حينئذ، سواء نفاه عن أبيه فقط، أو عن أمه أو عنهما.
وأما إذا قال له: يا ولد زنا، حد؛ لاحتمال كونه لرشدة، بكسر أوله، خلاف الزانية.
[النوع الثاني من القذف:]
ولما كان القذف نوعين:
أحدهما: قطع النسب، وقدمه.
- والثاني: الرمي بالزنا عطفه على قوله: (بنفي)، فقال: أو بزنا، ويدخل فيه اللواط؛ لأنه أحد نوعيه.
[شروط متعلقة بالمقذوف:]
ثم ذكر شروط حد المقذوف بقوله: إن كلف، فلا حد على قاذف صبي أو مجنون، وعف عن ما قذفه به، وعفته تحصل عن وطء يوجب الحد، فمن رمى رجلًا بوطء خيمة أدب أدبًا وجيعًا؛ إذ لا حد على من أتاها.
[ ٨ / ١٧٢ ]
فائدة:
كل ما لا يقام فيه الحد ليس على من رمى به رجلًا حد الفرية.
بآلة، فقاذف المجبوب قبل بلوغه والعنين لا حد عليه؛ لتبين كذبه، فلا معرة.
وبلغ المقذوف الذكر بلوغ التكليف، فهو معطوف على (كلف)، وكرره ليرتب عليه قوله: كان بلغت الأنثى الوطء، فيحد قاذفها حينئذ، ولا يشترط بلوغها حد التكليف.
تنبيه:
قال في التوضيح: إن اشتراط البلوغ في اللواط إنما هو في حق الفاعل لا المفعول به، وهو أولى من البنت في ذلك؛ للحوق المعرة.
أو مجهولًا: معطوفا على (نبذ)، أي: منسيًا، وفي بعض النسخ (محمولًا) موضع (مجهولًا)؛ إذ لا يعلم صحة انتسابهم إلى آبائهم، بدليل أنهم لا يتوارثون، فمن نفاهم عن آبائهم لم يتحقق بذلك قطعه عن نسبهم.
تنبيه:
تلخص من كلامه أنه يراعى في القذف سبع خصال: اثنان في القاذف:
- البلوغ.
- والعقل.
وخمسة في المقذوف:
- البلوغ.
- والعقل.
- والإسلام.
- والحرية.
[ ٨ / ١٧٣ ]
- والعفة عما رمي به.
واثنان في المقذوف به:
- كونه وطءًا يلزم به الحد.
- أو نفي نسب المقذوف عن أب أو جد.
وإن ملاعنة وابنها داخلان في حيز الإثبات، فمن رماها بالزنا فيما لوعنت بسببه، أو قال لابنها: إنه ولد زنا بسبب نفي النسب حد؛ لأنه لم يثبت قطعًا، ولو ثبت لرجمت.
أو عرض بالقذف غير أب حد إن أفهم القذف بتعريضه لقرائن خصام ونحوه.
وظاهره: ولو زوجًا لزوجته، وهو كذلك.
[حد الحر:]
يوجب ثمانين جلدة، هذا خبر قوله: (قذف المكلف)، ولا يتكرر الجلد على القاذف.
[حكم تكرر القذف:]
ولو كرر مرة فأكثر لواحد أو جماعة قبل الحد أو في أثنائه قذفهم مجتمعين أو متفرقين في مجلس أو مجالس قاموا مجتمعين أو مفترقين، وهو كذلك، خلافًا لبعض الأصحاب، انظر الكبير.
إلا بعده، أي: إلا أن يكون تكراره بعد الحد، فيعاد الحد عليه على الأصح، ولا فرق في التكرير بين التصريح به أو لا، كأن يقول بعد الحد: ما كذبت عليه، ولقد صدقت؛ لأنه قذف مؤتنف.
[حد الحر:]
ويوجب القذف على العبد نصفه -أي: الحد- وهو أربعون على المشهور.
[ ٨ / ١٧٤ ]
[أمثلة القذف غير الصريح:]
ولما قدم أنه لا فرق بين التصريح والتعريض، ذكر أمثلة غير صريحة في القذف، وفي الحد فيها خلاف، ذكرها لبيان الراجح فيها، فقال: كلست بزان، أو رنا فرجك أو يدك أو رجلك ونحوه، أو زنت عينك.
وقال أشهب: لا حد عليه.
أو قال لامرأة: زنيت، وذكر مع ذلك ما يدفع الحد، فقال: مكرهة حد في الأجنبية ولاعن في زوجته.
ابن القاسم: لو قال لزوجته: زنيت، وأنت صبية أو نصرانية أو مكرهة لاعن؛ لأنه قاذف أو معرض.
أو أنا وأنت عفيف الفرج، فالمثال الأول على أنه معطوف على (لست بزان)، والثاني على (زنت عينك)، أو قال لعربي ما أنت بحر، أو قال له: يا رومي، أو يا نبطي، أو يا بربري، أو يا قبطي، حد؛ لأنه قطع نسبه، كان نسب لعمه، أو زوج أمه، فقال له: يا بن فلان، وفلان عمه حد؛ إذ لا بنوة له عليه حقيقة ولا مجازًا، بخلاف ما لو نسبه إلى جده، فلا حد، وسواء جد الأب أو الأم؛ لأنه كالأب يحرم عليه ما نكح، وسواء كان ذلك في مشاتمة أو غيرها، وهو كذلك عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يحد في المشاتمة.
وكأن قال شخص في حق نفسه: أنا نَغِل بفتح النون وكسر الغين المعجمة، والعامة تسكن الغين، الجوهري: هو فاسد النسب.
وقال الزبيدي: هو ولد الزانية.
أو قال: إنه ولد زنا حد لقذف أمه، ولو قال لغيره: يا نغل، حد.
أو قال: كيا قحبة، أو يا فاجرة أو يا عاهرة، حد.
أو قال لرجل: يا قرنان حد لزوجته، إن طلبته؛ لأنه عند الناس زوج الفاعلة.
[ ٨ / ١٧٥ ]
اللخمي: إن لم يكن له زوجة عوقب، وحد لها.
أو قال لآخر: يا ابن منزلة الركبان أو ذات الراية، حد؛ لأن المرأة كانت في الجاهلية إذا أرادت الفاحشة أنزلت الركبان.
البساطي: وكأنه قال: يا ابن الخائنة.
فائدة:
قال في الذخيرة: ضابط هذا الباب الاشتهارات العرفية، والقرائن الحالية، فمتى فقدا حلف، أو وجد أحدهما حد، وإن انتقل العرف وبطل بطل الحد، ويختلف ذلك بحسب الأعصار والأمصار، وبهذا يظهر أن يا ابن ذات الراية ومنزلة الركبان لا يوجب في هذا الزمان حدًا، وأنه لو اشتهر لفظ مما لا يوجب الحد الآن في القذف أوجب الحد.
أو قال: فعلت بها، واعتذر لإرادة دفع الحد بقوله: في عكنها حد عند ابن القاسم، خلافًا لأشهب.
[ما لا يوجب الحد:]
لا إن نسب جنسًا لغيره، وإن أبيض لأسود، فلا حد، كقوله لفارسي: يا رومي، أو يا حبشي، أو لبربري: يا فارسي، أو يا حبشي، قاله في المدونة.
إن لم يكن من نسبه لغير جنسه من العرب، كقوله لعربي: لست من العرب، إلا أن يكون له أب أو جد من ذلك الجنس في الصفة فلا حد.
أو قال مولى لغيره: أنا خير منك، لا حد؛ لأن وجوه الخيرية كثيرة في الدين والخلق وغيرهما.
أو قال لآخر: ما لك أصل ولا فصل، لا حد، ولو في مشاتمة، خلافًا لابن الماشجون: يحد في المشاتمة.
تنبيه:
كذا قرره البساطي، وأجاز الشارح فيه وجهين:
[ ٨ / ١٧٦ ]
- نفي الحد لمالك.
- والحد لأصبغ.
أو قال لجماعة: أحدكم زان، فلا حد، سواء قاموا جميعًا أو واحد منهم، وقاله ابن المواز.
وظاهره: ولو ادعى إرادته، وفي الجواهر: إلا أن يتبين أنه أراد.
[عود على ما يحد به من القول:]
وحد في مأبون، إن كان المقول له لا يتأنث في كلامه، وحد في قوله لمسلم: يا ابن النصراني أو الأزرق أو الأسود أو الأعور أو الأقطع أو الأحمر عند ابن القاسم، إن لم يكن في آبائه أحد كذلك متصف بذلك الوصف، أما لو كان فيهم فلا حد؛ لأنه لم يرد نفيه.
وحد في قوله: مخنث بكسر النون وفتحها إن لم يحلف أنه ما أراد قذفه، فإن حلف لم يحد وبطل، ونحوه في المدونة.
[ما فيه الأدب:]
وأدب في قوله لآخر: يا ابن الفاسقة أو الفاجرة، نحوه في المدونة، أو قال لآخر: يا حمار ابن الحمار أدب.
البساطي: الذي في المدونة وكلام المؤلف اتفقا بالنسبة إلى يا فاسق يا فاجر، فهل لا بد من جمعهما، أو يكفي أحدهما، ووقع هكذا اتفاقًا.
قلت: يكفي أحدهما في النكال؛ لأنه إذا كفى في يا ابن، فمن غير ابن أحرى.
وفي المدونة: يا حمار ابن الحمار إنه يكفي في النكال كل واحد، بخلاف كلام المؤلف.
أو أنا عفيف، أو إنك عفيفة أدب، أو قال لآخر: يا فاسق أو يا فاجر أدب.
[ ٨ / ١٧٧ ]
[اجتماع حدي الزنا والقذف:]
وإن قالت زوجة أو غيرها: بك جوابا لزنيت حدت للزنا؛ لاعترافها، والقذف، إلا أن ترجع فتحد للقذف، ولأصبغ يحدان، وليس لأحدهما الرجوع.
[حد الولد أباه:]
والمولود المقذوف من أبيه له حد أبيه إن صرح بقذفه، وفسق الولد، أي: حكم بفسقه إن حده، وله ترك وذلك.
واستشكل الحد؛ لأن إباحة القيام تقتضي عسر المصيبة، وأجيب بأن التفسيق لا يلزم كونه من معصية بحصوله بالمباح.
[ما فيه الخيار:]
ثم عطف على ما فيه الخيار بقوله: وللمقذوف القيام به على من قذفه، وإن علمه من نفسه، أي: علم منها صدور ما رمي به، وليس للقاذف أن يحلف المقذوف أنه لم يصدر منه ما رمي به، كوارثه له القيام بحد مورثه إن مات قبل استيفائه، ولم يعف ولم يوص لآخر بالقيام دون غيره.
اللخمي: وليس للموصي العفو وأراد بالوارث من يرث في الجملة، وإن لم يرث الآن، وهو قول ابن القاسم.
وإن قذف بعد الموت فلوارثه القيام بحده.
[الوارث الذي له القيام:]
ثم بين الوارث الذي له القيام دون غيره بقوله: من ولد وولده وإن سفل، وأب وأبيه وإن علا، فلا قيام لزوج ولا زوجة، وإن كانا وارثين، ولا لغيرهم من الأخوة والأخوات والعصبة والنساء، ونحوه في كتاب محمد.
وفهم من قوله: (وارث) أن القريب لا يقوم مقامه بحد الغائب، وإن بعدت غيبته، وهو كذلك، ونحوه في المدونة.
[ ٨ / ١٧٨ ]
ولكل القيام به، وإن حصل من هو أقرب، أي: ولكل القيام بالحد ومن قام فيهم به كان له ذلك؛ لأنه عيب ومعرة يلحق الجميع.
[محل العفو:]
وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام أو صاحب الشرطة والحرس، كما قال في المدونة؛ إذ ليس في الحد عفو إن بلغ واحد منهم.
أو بعده -أي: بعد بلوغ الإمام - إن أراد المقذوف سترًا على نفسه، وإن قذف القاذف أيضًا في أثناء حده المحدود [له] (١) أو [لـ] (٢) ـغيره ابتدئ الحد لهما، أي: للمقذوفين، إلا أن يبقى من الحد شيء يسير فيكمل الحد الأول، ثم يستأنف الحد الثاني.
محمد: واليسير كالعشرة أسواط والخمسة عشر.
* * *
باب ذكر فيه السرقة ولم يعرفها
[حكم السرقة:]
وهي محرمة كتابًا وسنة وإجماعًا.
[حد السرقة:]
وبدأ بما يترتب عليها فقال: تقطع يد السارق اليمنى من كوعها، وتركه لشهرته.
وظاهره: ولو كان السارق أعسر، وهو كذلك، وبدأ باليمنى لأنها المباشرة للمسروق غالبًا.
_________________
(١) ما بين معكوفين مضروب عليه في "ن ٣".
(٢) ما بين معكوفين ليس في "ن ٣".
[ ٨ / ١٧٩ ]
وتحسم بالنار لينقطع الدم، وعلل لخوف الهلاك؛ لأن الحسم من حق السارق، لا من تمام الحد، وحكى بعض الشافعية أنه من تمامه (١).
تنبيه:
ما في العمدة لابن عسكر تحسم بالزيت ليس مخالفًا لما هنا؛ لأنه يغلى في النار، ثم تجعل فيه، وروي أن سارقًا سرق شملة، فقال ﵊: "اقطعوه واحسموه" (٢).
إلا لشلل -أي: فساد في اليمنى- قال الشارح: ولا يكون إلا في اليدين.
أو نقص أكثر الأصابع، كثلاث منها، فرجله اليسرى، أي: ينتقل إلى قطعها، ظاهره: ولو كانت الشلاء منتفعًا بها، وهو كذلك، خلافًا لابن وهب في قوله: تقطع الشلاء إن انتفع بها، ولأبي مصعب في قطعها مطلقًا.
وظاهر كلامه: كان النقص خلقة أو قطعًا، وفهم من قوله: (أكثر) قطع الناقصة أصبعًا أو أصبعين، وهو كذلك.
ومحي قطع رجله اليسرى ليده اليسرى، أي: لأجل قطع يده اليسرى،
_________________
(١) قال في تحفة المحتاج في شرح المنهاج: " (ويغمس) ندبًا (محل قطعه بزيت) خص كأنه لكونه أبلغ (أو دهن) آخر (مغلي) بضم الميم لصحة الأمر به ولأنه يسد أفواه العروق فينحسم الدم واقتصر جمع على الحسم بالنار وخير الشاشي بينهما واعتبر الماوردي عادة المقطوع الغالبة فللحضري نحو الزيت وللبدوي الحسم بالنار. ثم (قيل هو) أي الحسم (تتمة للحد) فيلزم الإمام فعله هنا لا في القود لأن فيه مزيد إيلام يحمل المقطوع على تركه. (والأصح أنه حق المقطوع)؛ لأنه تداو يدفع الهلاك بنزف الدم ومن ثم لم يجبر على فعله (فمؤنته عليه) هنا وكذا على الأول ما لم يجعله الإمام من بيت المال كأجرة الجلاد (وللإمام إهماله) ما لم يؤد تركه لتلفه لتعذر فعله من المقطوع بنحو إغماء كما بحثه البلقيني وجزم به الزركشي وهو ظاهر وعليه إن تركه الإمام لزم كل من علم به وقدر عليه أن يفعله به كما هو ظاهر".
(٢) رواه الحاكم (٤/ ٤٢٢، رقم: ٨١٥٠)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
[ ٨ / ١٨٠ ]
وإنما قلنا ذلك لأن ظاهر كلامه أن مالكًا كان يقول أولًا: إذا كانت يد السارق اليمنى شلاء قطعت يده الشلاء، ثم رجع فقال: تقطع رجله اليسرى، وليس كذلك، بل الأمر كما قلنا.
ثم إن سرق السالم الأعضاء الذي قطعت يده اليمنى ثانيًا قطعت رجله اليسرى ثم إن سرق مرة ثالثة قطعت يده اليسرى، ثم إن سرق مرة رابعة قطعت رجله اليمنى، والقطع في الرجل من مفصل الكعبين كالحرابة، وقاله الأئمة؛ لأنه الذي مضى به العمل، وعن علي من معقد الشراك في الرجل ليبقى عقبه ليمشي عليه، ثم إن سرق بعد الرابعة عزر وحبس ولا يقتل خلافًا لأبي مصعب (١).
_________________
(١) قال في سبل السلام (٤/ ٢٧ - ٢٨): "عن جابر -﵁- قال جيء بسارق إلى النبي -ﷺ- فقال: "اقتلوه" فقال إنما سرق يا رسول اللَّه قال: "اقطعوه" فقطع ثم جيء به الثانية فقال: "اقتلوه" فذكر مثله ثم جيء به الثالثة فذكر مثله ثم جيء به الرابعة كذلك ثم جيء به الخامسة فقال: "اقتلوه" أخرجه أبو داود والنسائي تمامه ثمهما فقال جابر فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة واستنكره أي النسائي فإنه قال الحديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بقوي في الحديث قيل لكن يشهد له الحديث الآتي، وهو قوله: وأخرج؛ أي النسائي من حديث الحارث بن حاطب نحوه وأخرج حديث الحرث الحاكم وأخرج في الحلية لأبي نعيم عن عبد اللَّه بن زيد الجهني قال ابن عبد البر حيث القتل منكر لا أصل له وذكر الشافعي أن القتل في الخامسة منسوخ وزاد ابن عبد البر في كلام الشافعي لا خلاف فيه بين أهل العلم وفي النجم الوهاج إن ناسخه حديث لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث تقدم قال ابن عبد البر وهذا يدل على أن حكاية أبي مصعب عن عثمان وعمر بن عبد العزيز أنه يقتل لا أصل له وجاء في رواية النسائي بعد قطع قوائمه الأربع ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر -﵁- فقال أبو بكر كان رسول اللَّه -ﷺ- أعلم بهذا حين قال اقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش فقال اقتلوه فقتلوه قال النسائي لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا والحديث دليل على قتل السارق في الخامسة وأن قوائمه الأربع تقطع في الأربع المرات والواجب قطع اليمين في السرقة الأولى إجماعًا وقراءة ابن مسعود مبينة لإجمال الآية فإنه قرأ فاقطعوا أيمانهما وفي الثانية الرجل اليسرى عند الأكثر لفعل الصحابة وعند طاووس اليد اليسرى لقربها من اليمنى وفي الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وهذا عند الشافعي ومالك وأخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال في السارق =
[ ٨ / ١٨١ ]
[مسألة:]
وإن تعمد إمام أو غيره كجلاد قطع يسراه -أي: يد السارق اليسرى- أولًا مع علمه أن السنة قطع اليمنى فالقود ثابت للسارق على المتعمد، وللمقطوع العفو والدية في ماله، والحد باق إذا لم يقع القطع عن السرقة، ولو دلس السارق على الإمام أو على الجلاد فقولان بالإجزاء وعدمه.
[مسألة:]
وإن قطع الإمام أو غيره اليسرى خطأ أجزأ، ورجع إليه مالك.
ابن الماجشون: لا يجزئ، وتقطع اليمنى أيضًا.
_________________
(١) = إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله وفي إسناده الواقدي وأخرجه الشافعي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعًا وأخرج الطبراني والدارقطني نحوه في عصمة بن مالك وإسناده ضعيف وخالفت الهادوية والحنفية فقالوا يحبس في الثالثة لما رواه البيهقي من حديث علي -﵁- أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي به في الثالثة بأي شيء يتمسح وبأي شيء يأكل لما قيل له تقطع يده اليسرى ثم قال أقطع رجله على أي شيء يمشي إني لأستحي من اللَّه ثم ضربه وخلد في السجن وأجاب الأولون بأن هذا رأي لا يقاوم النصوص وإن كان المنصوص فيه ضعف فقد عاضدته الروايات الأخرى. وأما محل القطع فيكون من مفصل الكف إذ هو أقل ما يسمى يدا ولفعله -ﷺ- فيما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب أتي النبي -ﷺ- بسارق فقطع يده من مفصل الكف وفي إسناده مجهول وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة أن النبي -ﷺ- قطع من المفصل وأخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه وعن جابر رفعه وأخرجه سعيد بن منصور عن عمر وقالت الإمامية ويروى عن علي ﵇ أنه يقطع من أصول الأصابع إذ هو أقل ما يسمى يدًا ورد ذلك بأنه لا يقال لمن قطعت أصابعه مقطوع اليد لا لغة ولا عرفًا وإنما يقال مقطوع الأصابع وقد اختلفت الرواية عن علي ﵇ فروي أنه كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى وقال الزهري والخوارج إنه يقطع من الإبط إذ هو اليد حقيقة والأقوى الأول لدليله المأثور وأما محل قطع الرجل فتقطع من مفصل القدم وروي عن علي ﵇ أنه كان يقطع الرجل من الكعب وروي عنه وهو للإمامية أنه من معقد الشراك".
[ ٨ / ١٨٢ ]
تنبيه:
ما ذكره من الإجزاء مبني على أن البداءة باليمني مستحبة، ولا يتأتى على قول ابن الماجشون أنها واجبة.
وعلى إجزاء قطع اليسرى خطأ لو [قطع ثانيا] (١) فرجله اليمنى عند ابن القاسم ليقع القطع من خلاف، خلافًا لابن نافع: تقطع اليسرى؛ لأن قطع اليد اليسرى كان خطأ.
[سرقة الطفل من الحرز:]
ولا يختص القطع بسبب سرقة المال فقط، بل يكون أيضًا بسرقة طفل حر لا يعقل ما يراد منه.
ولما كان حرزه مخالفًا لحرز المال قال: من حرز مثله، كدار أهله، وبه قال الفقهاء السبعة، وكذا لو كان مع خادمه الحافظ له، وقيدنا الطفل بالحر لأنه سيذكر سرقة العبد.
[مقدار ما يقطع به:]
وإن كان المسروق عينًا قطع فيه أو ربع دينار من الذهب (٢)، لا بدونه، وإن لم يساو الربع فما دونه ثلاثة دراهم فضة، أو بسرقة ثلاثة دراهم فضة، سواء ساوت ربع دينار أو لا، وسواء كانت لواحد أو اثنين؛ لأنها نصاب، ويلغز بها.
خالصة من غش، وتبع في اشتراط الخلوص ابن رشد، إلا أن يكون النحاس الذي فيه يسيرًا.
وظاهر المؤلف وشارحيه: أن الخلوص يختص بالدراهم، ولم يشترط الجلاب وابن الحاجب وصاحب الإرشاد وكثير خلوصها، وهو ظاهر قول ابن المواز.
_________________
(١) ما بين معكوفين في "ن ٣": سرق ثانية.
(٢) وذلك يعادل الآن: ٣٧٨ دينارًا ليبيًا.
[ ٨ / ١٨٣ ]
ونبه المؤلف بقوله: (ثلاثة دراهم) على خلاف الشافعي في أن النصاب ربع دينار، وعلى خلاف أبي حنيفة في أنه عشرة دراهم.
أو كان المسروق غير الدراهم والدنانير فالمشهور اعتبار ما يساويها -أي: الثلاثة دراهم الخالصة- وإن لم تساو ربع دينار؛ لأنها أعم، إذ يقوم لها القليل والكثير، وتكون المساواة بالبلد المسروق منها، سواء كانت معاملتهم بالدراهم أو الدنانير أو العرض أو بهما، كان أحدهما أغلب أم لا، كذا قال معظم شيوخ أهل المذهب، وهو نص المدونة.
تتمة:
قال في المدونة: يقومها أهل العدل والنظر.
قيل: فإن اختلف المقومون؟
قال: إن اجتمع عدلان بصيران على أن قيمتها ثلاثة دراهم قطع، ولا يقطع بتقويم رجل واحد.
ابن رشد: معناه في الاختيار، لا أنه لا يجوز إلا ذلك؛ لأن كل ما يبتدئ فيه القاضي بالسؤال فالواحد يجزي؛ لأنه من باب الخبر، لا الشهادة.
ولمالك: إن قومت بثلاثة دراهم وبدونها لم يقطع.
وقد سأل المعري (١) عن الفرق بين إلزام الجاني عليها خمسمائة دينار وقطعها في ربع دينار، حيث قال:
يد بخمس مبين عسجد فديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له فنستعيذ ببارينا من النار (٢)
فأجابه القاضي عبد الوهاب بجواب بديع فقال:
وقاية النفس أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري
_________________
(١) في "ن ٣": المغربي.
(٢) في "ن ٣" قلب البيتين، فجعل الأول الثاني، والثاني الأول.
[ ٨ / ١٨٤ ]
[وروي عنه بيت غير هذا:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمه البارئ] (١)
شرعًا؛ لأن التقويم إنما يعتبر بالمنفعة الشرعية، فلا قطع في آلة اللهو لمنفعتها، إلا أن يساوي خشبها بعد كسرها ثلاثة دراهم، ولا فرق في المنفعة الشرعية بين ما أصله الإباحة ثم ملك أو غيره؛ ولذا قال: وإن كماء وحطب وملح، إذا حيزت، وفاكهة خضراء، خلافًا لأبي حنيفة في عدم القطع فيما أصله الإباحة، وفي الأشياء الرطبة المأكولة، كفاكهة.
[مسألة:]
ويقطع في سرقة جارح قيمته ثلاثة دراهم لتعليمه -أي: لأجل تعليمه المسك لصاحبه- لا قيمته في نفسه؛ لأن التعليم ليس من الباطل.
وأشار بذلك إلى دخول المعاني في التقويم، ويلزم عليه القطع بموضع دون آخر.
أشهب: يقوم على أنه غير معلم.
اللخمي: والأول أحسن.
[مسألة:]
ثم عطف على قوله: (لتعليمه) أو جلده -أي: يقطع فيه- بعد ذبحه، أي: لا يساوي ذلك لنفسه، بل إما لتعليمه، وإما لجلده عند ابن القاسم، إذا كانت قيمته نصابًا.
أشهب: يعتبر قبل ذبحه.
وما درج عليه المؤلف نحوه في المدونة، وظاهر هذا: أن اعتبار التقويم إنما يكون بعد الذبح، وظاهرها كالمصنف وابن الحاجب أنه لا فرق بين العادية غيرها، وقيدها أبو عمران بالعادية التي تراد لجلودها، وأما غير
_________________
(١) ما بين معكوفين ليس في "ن ٣".
[ ٨ / ١٨٥ ]
العادية كالهر فيقطع سارقها، ولم يعتبره المصنف.
[مسألة:]
أو جلد ميتة مأكول أو غيره يقطع سارقه بعد الربع، إن زاد دبغه نصابًا على قيمته يوم دبغه، كما لو كان جميعه يساوي خمسة دراهم: درهمين قبل دبغه لو كان يباع للانتفاع به، وخمسة بعد دبغه، وفهم منه: أنه لا قطع فيه قبل دبغه، وهو كذلك في المدونة.
تنبيه:
تأمل قول البساطي: (أنت إذا تأملته وجدت التقويم إنما يقع على جملته الآن؛ لأن الأصل من غير دبغ كالعدم).
[مسألة:]
أو ظنا أن الدراهم أو الذهب المسروقين فلوسًا لا تبلغ نصابًا، ثم تبين أنه أحدهما، أو الثوب المسروق الذي لا يساوي ثلاثة دراهم ظن فارغًا فإذا فيه نصاب فضة أو ذهب مصرور مثلًا قطع.
[مسألة:]
ثم ذكر حكم ما إذا اشترك اثنان مثلًا في سرقة نصاب كمجنون شارك مكلفًا، أو شركة صبي في سرقة النصاب قطع المكلف وحده، لا إن شارك المكلف أب سارق أو أم (١) فلا قطع على من شاركهما لدخوله مع من له
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، عطفًا على (لا أب)، وهو في الأصل مجرور على الإضافة؛ إذ التقدير: (ولا شركة أب)، فلما حل شارحنا اللفظ على ما قد علمت من جعل (أب) منصوبًا لقوله: شارك، كان ينبغي على اللغة العالية أن يقول: (أما)، وتخريج ما قال على تقدير وجود المضاف إليه، وذلك نحو قول العرب: (قطع اللَّه يد ورجل من قالها)، قال ابن عقيل في شرح قول ابن مالك (٣/ ٧٩ - ٨١): ويحذف الثاني فيبقى الأول كحاله إذا به يتصل بشرط عطف وإضافة إلى مثل الذي له أضفت الأول: "يحذف المضاف إليه ويبقى المضاف كحاله لو كان مضافًا فيحذف تنوينه، وأكثر ما يكون ذلك إذا عطف على المضاف اسم مضاف إلى مثل المحذوف من الاسم الأول =
[ ٨ / ١٨٦ ]
شبهة في المال، والمراد بالأب هنا المباشر؛ لأنه سيذكر الجد.
تنبيه:
ما قررناه من أن الأب مشارك لغيره في السرقة نحوه للشارح في الكبير، وقرره في الصغير بما إذا انفرد وسرق من مال ابنه فلا قطع عليه، والأول هو الصواب.
[مسألة:]
ولا طير لا يساوي ثلاثة دراهم إلا لإجابته إذ ادعى كبعض البلابل أو العصافير؛ إذ ليس غرضًا شرعيًا.
[مسألة:]
ولا قطع إن تكمل إخراج النصاب بمرار في ليلة أو يوم عند ابن القاسم، سواء كان المسروق طعاما أو غيره، توالى إخراجه في فور أو لا،
_________________
(١) = كقولهم قطع اللَّه يد ورجل من قالها التقدير قطع اللَّه يد من قالها ورجل من قالها فحذف ما أضيف إليه يد وهو من قالها لدلالة ما أضيف إليه رجل عليه ومثله قوله: سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها التقدير سهلها وحزنها فحذف ما أضيف إليه سهل لدلالة ما أضيف إليه حزن عليه، هذا تقرير كلام المصنف، وقد يفعل ذلك وإن لم يعطف مضاف إلى مثل المحذوف من الأول كقوله: ومن قبل نادى كل مولى قرابة فما عطفت مولى عليه العواطف فحذف ما أضيف إليه قبل وأبقاه على حاله لو كان مضافًا ولم يعطف عليه مضاف إلى مثل المحذوف والتقدير ومن قبل ذلك ومثله قراءة من قرأ شذوذا (فلا خوف عليهم) أي فلا خوف شيء عليهم. وهذا الذي ذكره المصنف من أن الحذف من الأول وأن الثاني هو المضاف إلى المذكور هو مذهب المبرد، ومذهب سيبويه أن الأصل قطع اللَّه يد من قالها ورجل من قالها فحذف ما أضيف إليه رجل فصار قطع اللَّه يد من قالها ورجل ثم أقحم قوله ورجل بين المضاف وهو يد، والمضاف إليه الذي هو من قالها، فصار قطع اللَّه يد ورجل من قالها، فعلى هذا يكون الحذف من الثاني لا من الأول، وعلى مذهب المبرد بالعكس، قال بعض شراح الكتاب: وعند الفراء يكون الاسمان مضافين إلى من قالها، ولا حذف في الكلام لا من الأول ولا من الثاني".
[ ٨ / ١٨٧ ]
طال زمان ذلك أو قصر، فهي ست صور.
[مسألة:]
أو اشتركا -أي: السارقان- في حمل لنصاب، وأخرجاه من حرزه لم يقطع واحد منهما بشرط مركب أو شرطين:
أحدهما: ثبوتي.
والآخر: عدمي.
وأشار لأحدهما بقوله: إن استقل كل منهما بحمله.
ولثانيهما بقوله: ولم ينبه نصاب، فإن كان كل منهما لا يستقل بحمله قطعًا؛ لأنها حينئذ كالسارق الواحد، ومع القدرة كسارقين، ولو ناب كلا (١) منهما نصاب قطعًا، وكذا لو كانوا جماعة، والمسروق كله نصاب قطعوا كلهم.
[بقية شروط القطع:]
ولما قدم أن شرط المسروق الذي يقطع سارقه كونه نصابًا أفاد بقية الشروط عاطفًا لها بالجر على طفل أو ربع دينار، فقال: ملك غير، فلا قطع على سارق ملكه، سواء تعلق به حق لغيره كمرهون، أو لا كـ: موروث أو موهوب قبل خروجه من الحوز.
تنبيه:
يدخل في ملك غير السارق من سرق من سارق؛ فإنه لا يقطع، وهو كذلك في المدونة.
ويقطع من أقر بسرقة نصاب أو ثبت ذلك عليه ولو كذبه ربه، بأن قال: لم يسرقه، وإنما هو له، أو أودعته إياه.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، فيكون الفاعل (نصاب).
[ ٨ / ١٨٨ ]
قال في الذخيرة: لأن الإقرار سبب لا يسقطه إلا سبب شرعي، وقوله ذلك ليس سببًا شرعيًا (١).
تتمة:
يبقى المسروق في هذه المسألة بيد السارق، فإن عاد المقر له به وصدقه قُبِلَ.
[مسألة:]
أو أخذ السارق ليلًا ومعه مال من بيت شخص، وادعى الإرسال لأخذه قطع، ولو صدقه ربه، ويحمل تصديق ربه على الرحمة، وصدق السارق إن أشبه ما ادعاه من الإرسال، ولم يقطع، كان عرف منه انقطاع إليه، ودخل من مدخل الناس، وخرج من مخرجهم غير مستتر.
لا بسرقة ملكه من مرتهن عنده، ولا من مستأجر له، فلا قطع، ولا في كملكه للمسروق قبل خروجه به من الحرز، بأن ورثه مثلًا.
ومفهوم الظرف القطع إن تجدد ملكه له بعد خروجه من الحرز؛ لأن الحد قد ترتب، فلا يرتفع.
[وصف المسروق الموجب القطع:]
ثم وصف الملك المسروق بقوله: محترم، ولذا:
[سرقة الخمر:]
لا قطع على سارق خمر، ولو لذمي، لكن للذمي قيمتها.
[سرقة الملاهي:]
ولا قطع في آلة لهو كعود ومزمار وطنبور إلا أن يساوي خشبه بعد
_________________
(١) ولعل من معنى هذا قول القانونيين: الاعتراف سيد الأدلة.
[ ٨ / ١٨٩ ]
كسره نصابًا عند ابن القاسم، وعنه القطع في قيمة الدف والكبر صحيحًا؛ لأنه أرخص في اللعب بهما (١).
[سرقة الكلب:]
ثم عطف على: (لا خمر)، فقال: وكلب مطلقًا، أذن في اتخاذه أو لا، وهو مذهب ابن القاسم، خلافًا لأشهب في المأذون.
[سرقة الأضحية:]
ولا قطع في سرقة أضحية بعد ذبحها؛ إذ لا تورث مالًا، لكن للأكل ولا تباع في فلس، بخلاف سرقتها بعد تعيينها فيقطع اتفاقًا، وبخلاف سرقة لحمها من فقير تصدق بها عليه فالقطع اتفاقًا، فلو أهدي لغني وسرق منه فمفهوم كلامه لا قطع.
[شرط المسروق المحترم:]
ثم نعت المسروق المحترم بكونه تام الملك لا شبهة له -أي: السارق- فيه، فلا قطع على ذي الشبهة القوية كالسيد من مكاتبه، وأما الشبهة الحقيرة فيقطع معها.
وأشار لذلك بقوله: وإن من بيت مال أو من الغنيمة التي هو من أهلها، إذا حيزت؛ لأنها إنما تستحق بالقسمة.
وبالغ على بيان الخلاف، وتقدم كلام عبد الملك في الغنيمة.
[السرقة من الشركة:]
أو سرق من مال شركت بينه وبين غيره فيقطع بشرطين: الأول: إن
_________________
(١) قال في المنتقى: "ومن سرق مزمارًا أو عودًا أو دفًا أو كبرًا أو غير ذلك من الملاهي ففي العتبية من رواية عيسى عن ابن القاسم: إن كانت قيمته بعد الكسر ربع دينار، وكان فيها فضة زنة ثلاثة دراهم، قال ابن حبيب: علم بها السارق أو لم يعلم قطع سرقه من مسلم أو ذمي؛ لأن على الإمام كسرها عليهم إذا أظهروها، وأما الدف والكبر فإنه يراعى قيمتهما صحيحين؛ لأنه أرخص في اللعب بهما".
[ ٨ / ١٩٠ ]
حجب عنه المال، كما لو كان بيد غيرهما، أو بيد غير السارق، وحجر عن السارق، فلو لم يحجب عنه كما لو كانا يتصرفان فلا قطع، ولو غلقا عليه.
والثاني: أن يكون قد سرق فوق حقه نصابًا، كتسعة من اثني عشر مثلًا، لا ثمانية فما دونها، خلافًا لابن الماجشون ومن وافقه في قطعه إن سرق ستة؛ لأنه إنما أخذها على أن نصيبه باق في الستة الأخرى، لا على وجه المقاسمة.
لا الجد؛ فإنه لا يقطع في سرقته من مال ولد ولده، ولو كان جدًا لأم، والمراد الجنس، وسواء انفرد واحد بها أو اشترك اثنان منهم فيها.
[السرقة من جاحد حق عليه أو من مماطل:]
ولا يقطع من سرق من جاحد لحق قدره فدون، أو من غريم مقر به مماطل لحقه؛ لأن له شبهة في مالهما، وظاهره كان ما سرقه من جنس حقه أم لا، وَقَيْدُ بعضِ الشيوخ كونه من جنس حقه، ومن غير جنسه يقطع، نظر فيه المصنف؛ ولذا لم يعتبره.
[شرطا القطع:]
ويجب القطع بسرقة نصاب خرج من حرز، لا بنقله من موضع منه لآخر.
[معنى الحرز:]
وبيّن الحرز بقوله: بأن لا يعد الواضع فيه مضيعًا لما وضع فيه عرفًا.
وإن أخرجه السارق من الحرز ولم يخرج هو وأخذه داخل الحرز قطع، وشهره ابن الحاجب، وشك مالك في المدونة في قطعه بعد أن قال: يقطع.
وأبرز الضمير؛ لأن الصفة إذا جرت على غير من هي له وجب إبرازه مع الإلباس اتفاقًا، ومع غيره عند البصريين.
[ ٨ / ١٩١ ]
[لا قطع في المستهلك:]
أو ابتلع السارق درًا يساوي نصابًا، أو مالًا يتغير ذهبًا أو دراهم، وخرج من الحرز قطع؛ إذ يصدق عليه أنه أخرج نصابًا من حرزه، وليس ابتلاعه استهلاكًا له.
وفهم من تمثيله بالدر أنه لو أكل طعامًا في الحرز نصابًا لم يقطع، وهو كذلك، بل يؤدب ويضمنه.
[الإدهان:]
أو أدهن في الحرز بما يحصل منه ما قيمته نصابًا (١)، لو سلت (٢) قطع.
[مسألة:]
أو أشار إلى شاة بالعلف فخرجت فأخذها قطع؛ لأنه في معنى من أخرجها، وهو قول مالك وابن القاسم.
[القبر حرز:]
أو اللحد، البساطي: الظاهر أنه معطوف على تفسير الحرز، أي: الحرز مما لا يعد الواضع فيه مضيعًا، أو ما وضع فيه ميت.
والحاصل: أن القبر حرز للميت وما عليه، وإن كان في الصحراء، وعبر باللحد عن القبر، ولبعض من تكلم على هذا المحل كلام ذكرناه في الكبير.
[الخباء حرز:]
أو الخباء: واحد الأخبية، وهو المراد في عرفنا بالخيمة، أو سرق ما فيه؛ لأنه لما ضربه صار منزلًا، فهو حرز لنفسه ولما فيه، كان أهله فيه أو لا.
_________________
(١) كذا في سائر النسخ، والوجه الرفع، وهذا دأب شارحنا أحيانًا، لا يعير في حله ألفاظ المختصر رغم امتزاج كلامه به قواعد العربية، ولذا أعرضت عن ذكر ذلك.
(٢) إذا أخرجه بيده.
[ ٨ / ١٩٢ ]
[الحانوت حرز:]
أو سرق من حانوت يقطع.
[فناء الخباء والحانوت حرز:]
أو من فنائهما -أي: الخباء والحانوت- وكذا من تابوت صيرفي، يقوم عنه ويتركه ليلًا أو نهارًا، مبنيًا كان أو غير مبني، إلا أن ينقلب به في كل ليلة، فلا قطع، قاله ابن القاسم.
[المحمل حرز:]
أو سرق من [على] (١) محمل قيمته نصابًا (٢)؛ لأنه حرز لنفسه ولما فيه.
[ظهر الدابة حرز:]
أو سرق من ظهر دابة غرارة، أو ما فيها أو ثوب، ونحوه في المدونة، وسواء كانت واقفة أو سائرة، ليلًا أو نهارًا، إن لم يغب عنهن أصحابهن، بل وإن غيب عنهن.
[الجرين حرز:]
أو بسرقة تمر بجرين فيقطع، والجرين: موضع التمر الذي يجف فيه.
[ساحة الدار حرز:]
أو سرق من ساحة دار، أي: قاعتها، وتسمى أيضًا: عرصة، إذا أخذ سارق منها شيئًا قطع؛ لأنها حرز بالنسبة لأجنبي، والمراد به من ليس له
_________________
(١) كذا في "ن ٣" بخلاف سائر النسخ، والصواب حذف ما بين معكوفين، لقوله: (لأنه حرز لنفسه ولما فيه)، ولعل الناسخ اعتبر كلام ابن رشد الآتي في الهامش التالي.
(٢) كذا في سائر النسخ، والوجه الرفع، ومع ذلك فالكلام ناقص؛ لأن المعنى: ابن رشد: المحمل على البعير كسرج الدابة، فمن سرق ما عليه أو شيئًا منه قطع، إلا أن يكون في غير حرز ولا حارز فلا قطع فيه، كما لو سرقه بمحمله نقله ابن عرفة والمصنف وظاهرهما اعتماده.
[ ٨ / ١٩٣ ]
سكنى بالأصالة أو التبعية، إن حجر عليه في دخولها، وجعل ابن رشد الدور ستة أقسام، والمصنف يشير إليها، وعبارته هذه تشمل دارين:
- منها دار سكناه وحده، لم يأذن فيها لأحد، فهذه كل من سرق منها نصابًا وإخراجه منها قطع اتفاقًا.
- ودار مشتركة بين ساكنيها، محجرة على الناس، فمن سرق من سكانها من بيت صاحبه قطع، إذا أخذ وقد خرج بسرقته إلى قاعتها اتفاقًا، وإن لم يخرج بها عن الدار، ولا أدخلها بيته، ولا خلاف في عدم قطع من سرق منهم من قاعتها نصابًا، وإن أدخله بيته، أو أخرج به عن الدار، إلا أن يكون الذي سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف لها، وما أشبه ذلك من الأحكام فحكمه حكم السارق من بيت من بيوتها، وسيأتي الكلام على بقية الدور.
[السرقة من السفينة:]
ولما قيد القطع في السارق من الساحة، وعلم منه أن غيره لا يقطع، شبه السفينة به في الوجهين، فقال: كالسفينة يقطع أجنبي سرق منها وخرج به، كان رب المسروق على متاعه أو غائبا عنه، وكذا إن لم يخرج به منها وربه معه، وإن سرق منها ما هو بها من أحد، وهو على متاعه قطع، وإن لم يخرج به منها، وإن سرقه في غيبة ربه لم يقطع.
[السرقة من الخان (١):]
أو ساحة خان يقطع من سرق منها؛ لأنه حرز بالنسبة للأثقال كالإعدال دون ما خف، فلا قطع فيه؛ لأنه غير حرز بالنسبة له، وأما بيوت الخان فمن سرق منها وأخذ قبل أن يخرج من بابه قطع.
[بيت الزوجية:]
وأشار للدار الثالثة بقوله: أو زوج ذكر أو أنثى يقطع كل منهما بسرقته
_________________
(١) وهو المسمى في زماننا: فندقًا، أي: المكان المعد لسكنى الأغراب ونحوهم.
[ ٨ / ١٩٤ ]
من مال الآخر، فيما حجر عنه من بيوت الدار، وعبد الزوج كهو، وأمة المرأة كهي، وأتى بضمير زوج مذكرًا مراعاة للفظة.
[الموقف حرز:]
أو موقف دابة يقطع سارقها منه، سواء وقفت لبيع أو غيره للحفظ، ونحوه في المدونة.
[القبر حرز:] (١)
أو قبر حرز للكفن، فيقطع سارقه منه، قريبًا كان أو في الصحراء، وبه صرح ابن الحاجب.
وقال الشارح: إنها مكررة.
[البحر حرز:]
أو بحر حرز لمن رمي به لكفن، فيقطع سارقه؛ لأنه إنما رمي به على وجه الحفظ، فأشبه القبر، فلو أخذ من القبر غير الكفن كمال دفن معه، فظاهر كلامه عدم القطع، والتزمه القرافي في الذخيرة لمن أورد على المذهب، قائلًا: لأن القبر ليس حرزًا معتادًا للمال.
قال: وكذا لو كفن في زائد على المعتاد لا قطع على سارقه.
[حكم سرقة السفينة:]
ولما قدم حكم سرقه ما في السفينة ذكر حكم سرقتها نفسها، فقال: أو سفينة بمرساة واقفة يقطع سارقها.
[حضرة الصاحب حرز:]
أو سرقة كل شيء بحضرة صاحبه يقطع؛ لأن حضرته حرز له، كان صاحبه نائمًا أو لا، كان المسروق فوقه أو تحته أو في كمه أو جيبه أو بازائه.
_________________
(١) هذا المسألة مكررة؛ لقوله آنفًا: أو اللحد، فانظر لما كررها هنا.
[ ٨ / ١٩٥ ]
وأصل ذلك سارق رداء صفوان بن أمية (١)، لما قيل له من لم يهاجر هلك، فقدم المدينة، ونام في المسجد، وتوسد رداءه، فأخذه سارق، فأخذه صفوان، وجاء به إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فأمر بقطع يده.
فقال صفوان: لم أرد هذا يا رسول اللَّه، هو عليه صدقة.
فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "فهلا قبل أن تأتيني به" (٢).
[المطمر ونحوه حرز:]
أو سرق طعامًا من مطمر، وهو: حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام، وهال عليه التراب حتى يساوى الأرض، فيقطع إن قرب، لا إن بعد على المنقول، وتعقب قول ابن الحاجب: (والمطامير في الجبال وغيرها حرز) بأنه غير منقول.
[الربط حرز:]
أو سرق بعيرًا أو غيره من قطار، وهو: ربط الإبل أو غيرها بعضها ببعض، فيقطع السارق إن حل منها شيئًا، ولو لم يبن، وقول المدونة (٣): (وبان به) لا مفهوم له (٤).
_________________
(١) هو: صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي المكي، أبو وهب، (٠٠٠ - ٤١ هـ = ٠٠٠ - ٦٦١ م): صحابي، فصيح جواد، كان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام. قال أبو عبيدة: إن صفوان (قنطر في الجاهلية، وقنطر أبوه) أي صار له قنطار ذهبًا. أسلم بعد الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم. وشهد اليرموك، ومات بمكة. له في كتب الحديث ١٣ حديثًا. ينظر: الأعلام (٣/ ٢٠٥).
(٢) رواه مالك (٢/ ٨٣٤، رقم: ١٥٢٤).
(٣) ليس للمدونة، وإنما لتهذيب البرادعي.
(٤) هذا الكلام لابن ناجي، قال عليش (٩/ ٣١٨): "البناني قوله وبان به ذكره في مختصر البرادعي، ومثله في الأمهات كما في أبي الحسن ونصه قوله وبان به في الأمهات. قال ابن القاسم لم يحد لنا الإمام مالك رضي اللَّه تعالى عنه في هذا حدًا إلا أنه قال إن احتلها من ربطها وسار بها قطع فيظهر منه أنه لا يقطع إذا احتلها وقبضها حتى يبين بها خلاف ما في سماع محمد ابن خالد من ابن القاسم في المصلي يجعل ثوبه =
[ ٨ / ١٩٦ ]
[ما في حكم القطار حرز:]
ونحوه، نحو القطار: سوقها مجموعة.
[مسائل متفرقة توجب القطع:]
أو أزال باب المسجد عن موضعه، ولو لم يخرجه، أو أزال سقفه عن محله قطع فيهما.
أو أخرج قناديله منه قطع، كان عليها غلق أو لا، ليلًا أو نهارًا، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ، خلافًا لأشهب؛ للإذن له في دخوله.
أو أخرج حصرة عند مالك وابن القاسم.
أو أخرج بسطه إن تركت به قطع، إن تركت به قيد في البسط فقط.
أو حمام يقطع السارق منها، إن دخل للسرقة، لا ليتحمم.
أو نقب الحمام وسرق منها.
أو تسور حائطًا وسرق منها.
أو بحارس لم يأذن له في تقليب؛ لما سرقه من الثياب، وسواء أقام الحارس صاحب الحمام أو صاحب الثياب، وأما لو أوهم الحارس أن له ثيابًا فأذن له في التقليب فلا قطع عليه فيما أخذه؛ لأنه خائن.
ابن رشد: وحيث قلنا يقطع صدق مدعي الخطأ فيما ادعي عليه أنه سرقه.
أو حمل عبدًا لم يميز وسرقه قطع.
_________________
(١) = قريبًا منه وهو في المسجد، ثم يقوم يصلي فيسرق الثوب أنه يقطع إذا قبضه، وإن لم يتوجه به. اهـ. فقول ابن ناجي لا مفهوم له إنما استند فيه، واللَّه أعلم لما ذكره أبو الحسن عن السماع، وقال ابن مرزوق قوله وبان به ليس في الأمهات، وبنى عليه المتأخرون عنه أنه لا مفهوم له وأنه يقطع بمجرد الحل، وقد تبين أنه خلاف النقل، واللَّه أعلم".
[ ٨ / ١٩٧ ]
أو ميز، لكنه خدعه، كما لو كان أعجميًا فراطنه، وقال: اشتريتك مثلًا، وأما إن كان كبيرًا لا يخدع فلا قطع.
أو أخرجه -أي: النصاب- في ذي الإذن العام لمحله، أي: لآخر الإذن العام، فاللام للغاية، أي: إخراجه إلى منتهى الإذن العام فيقطع.
وهذه إحدى الدور الستة التي نص ابن رشد على عدم القطع فيها، كدار العالم والطبيب المأذون للناس في دخولها، ويقطع من سرق من بيوتها المحجورة، وما حملناه عليه من كلام ابن رشد نحوه للبساطي.
وأعاد الشارح في الكبير ضمير (محله) للسارق، وفي الأوسط والصغير لمحل الموضع المأذون فيه على العموم، قال: لأنه أخرج من حرز إلى غير حرز.
قال: وفيه نظر، ونحوه في الصغير من غير تنظير.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن في بعض النسخ: (أو أخرجه في ذي الإذن العام عن محله)، وهذه هي الصواب. انتهى. ولم نر هذه النسخة، ولعلها اصطلاح.
[مسائل لا قطع فيها:]
لا دار ذات إذن خاص لبعض الناس، كـ: ضيف، أو داخل في صنيع، أو مرسل لأخذ حاجة منها فسرق مما -أي: من بيت- حجر عليه في دخوله، وإن خرج به من جميعه، أي: من جميع البيت فلا قطع عليه، وهو مذهب المدونة والموازية؛ لأنه خائن، لا سارق.
وأشار بالمبالغة لمخالفة ما حكاه عبد الحق، وتأوله على المدونة، ونسبه لمالك القطع إن خرج به من جميع الدار.
ولا إن نقله من موضع لآخر في حرزه ولم يخرجه، فلا قطع، وتقدمت.
[ ٨ / ١٩٨ ]
ولا قطع سارق فيما على صبي أو معه من حلي أو ثياب ونحوه، أي: نحو الصبي من مجنون.
وقيد ابن الحاجب مسألة الصبي بما إذا لم يكن معه حافظ؛ لأنه لو كان معه لكان حرزًا، زاد في التوضيح: وأن لا يضبط ما معه، وأن لا يكون بدار أبيه التي لم يؤذن للسارق في دخولها، وأهمل هذه القيود هنا.
ولا قطع على داخل في حرز، تناول منه الخارج؛ لأن معونته في الحرز، ويقطع الخارج إن أدخل يده في الحرز.
قال ابن القاسم: وإن أخرجه الداخل قطع وحده.
ولا يقطع إن اختلس، بأن أخذ على غير وجه الاختيار، بل مغافلة، أي: يأتيه بما يشغله.
أو كابر، بأن تناوله من صاحبه، ثم ادعى أنه ملكه؛ إذ ليس سرقة ولا حرابة ولا غصب.
أو هرب به بعد أخذه في الحرز؛ لأنه لم يخرج به على وجه السرقة، وكذا لو رآه معه في الحرز، وذهب ليأتي بمن يشهد عليه، ولو ليأتي من أخذه فلم يأت حتى ذهبت لم يقطع عند ابن القاسم.
أو أخذ دابة أوقفها صاحبها بباب مسجد أو أوقفها في سوق بغير حافظ.
وسكت عن التقييد به للعلم به مما سبق في قوله: (وكل شيء بحضرة صاحبه)، ويحتمل أنها واقفة بباب السوق، وحذف باب من الأول لدلالة الثاني عليه، وقرره البساطي على الأول.
أو أخذ ثوبا منشورًا على حائط دار بعضه داخلها وبعضه بالطريق، فلا قطع؛ تغليبًا لجانب درء الحد بالشبهة، وظاهره: جذبه من الطريق أو من الدار.
ثم عطف بالجر على (ما) من قوله أو: (ما على صبي)، فقال: أو
[ ٨ / ١٩٩ ]
ثمر بمثلثة من نخل أو غيره معلق على رؤوس الشجر من أصل خلقته.
قال مالك: لا قطع عليه.
إلا بغلق عليه للحفظ، ففي قطعه كما ألزمه اللخمي لقول ابن المواز: (لو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق على رؤوس النخل أو كان مجذوذًا في منزله لقطعت يده) يلزم على هذا إذا كان النخل أو الكرم أو غيره من الثمار عليه غلق احتيط به من السارق أو كان لا غلق عليه وعليه حارس أن يقطع، وعدم قطعه وهو لابن الماجشون قولان.
البساطي: وفي إلزام اللخمي لابن المواز ما فيه، فالخلاف ليس بين ابن المواز وابن الماجشون؛ لأنهما قالا بعدم القطع، وإنما الخلاف بين ما ألزم به اللخمي ابن المواز وبين ابن الماجشون، فتأمل انتهى.
ثم عطف على قوله: (لا قطع في ثمر إلا بغلق فقولان) وإلا بعد حصده يقطع إن كدس، أي: جمع في مكان لشبهه بما في الجرين، فإن لم يكدس بل بقيت ثمرة كل شجرة تحتها فلا قطع؛ لشبهه بما فوقها، والأول القطع مطلقًا، كدس أو لا، والثاني عدم القطع كدس أو لا.
تنبيه:
تلخص من كلامه -منطوقًا، ومفهومًا- أن للثمرة أربعة أحوال:
- على رؤوس الشجر من غير غلق.
- أو على رؤوسها بغلق.
- أو تجذ وتوضع بمكان لتنقل إلى الجرين.
- أو تنقل إلى الحرس.
وعلم حكم كل منها.
ولا يقطع إن نقب فقط، ولم يخرج شيئًا من الحرز؛ لأن غايته أنه هتكه، أما لو أخرج منه شيئًا ولو بعود قطع، قاله في الذخيرة.
وإن التقيا بأيديهما في المناولة وسط النقب قطعًا، أو ربطه الداخل
[ ٨ / ٢٠٠ ]
بحبل أو غيره فجبذه الخارج وأخرجه من الحرز قطعا عند ابن القاسم.
تنبيه:
أشعر كلامه بأن الداخل لو قربه للنقب وأخرجه الخارج لم يكن الحكم كذلك، وهو كما أشعر، والحكم قطع الخارج وحده.
[شرط القطع:]
وشرطه -أي: القطع أو السارق-:
[١] التكليف، والمراد به: العقل والبلوغ، فلا يقطع صبي، ولو مراهقًا، ولا مجنون مطبق، ولا من يفيق أحيانًا، إذا سرق في حال جنونه، وفي حال إفاقته يقطع، إذا أفاق.
وإذا وجد التكليف فيقطع الحر والعبد والذمي والحربي والمعاهد، والذكر والأنثى، وإن لم يترافعا إلينا؛ لأنه من رفع المظالم، وإن سرقوا لمثلهم، أو كل منهم للآخر؛ لأن السرقة من الفساد في الأرض، فلا يقر عليها، والحد حق للَّه فقط، لا حق فيه للمسروق منه.
إلا الرقيق يسرق لسيده فلا قطع عليه؛ لخبر: "عبدكم سرق متاعكم" (١).
[٢] وثبتت السرقة بـ:
[أ] إقرر إن طاع في الإقرار اتفاقًا، وإلا بأن أكره على الإقرار بوعيد أو سجن أو قيد أو ضرب فلا يلزمه شيء، ولو أخرج سرقة أو عين القتيل، إلا أن يقر بذلك بعد الإكراه أمنًا، ونحوه في المدونة.
وقبل رجوعه عن الإقرار إن كان الرجوع لشبهة، كـ: أخذت مالي المودع، أو من الغاصب، ونحوه، أو ظننت ذلك سرقة، ولو رجع بلا شبهة، كـ: كذبت في إقراري.
_________________
(١) موقوفا على عمر، ورواه مالك (٢/ ٨٣٩، رقم: ١٥٢٩).
[ ٨ / ٢٠١ ]
وفي نسخة الشارحين: (بلا بينة) موضع (بلا شبهة) فصورها الشارح على أن مراده قبل رجوعه مطلقًا، سواء كان مؤاخذًا بإقرار أو بينة، ويحتمل كان رجوعه بحضرة بينة أم لا، وفيه نظر. انتهى.
وفي الشارح في الكبير بعد أن ذكر الاحتمال الثاني قال: إلا أن إطلاق الرجوع عليه إذا كان مع البينة مجازا؛ إذ لم يصدر منه قبل ذلك شيء حتى يقال: إنه رجع عنه، لكنه لو قال: يقبل عذره، لكان أحسن. انتهى.
وقرره البساطي بأنه أقر بالسرقة، ثم قال: سرقت وديعتي أو مالي الذي اغتصبه مني، ولم أسرق له شيئًا، قبل رجوعه عن السرقة، وانقطع عنه القطع، انظر بقية كلامه في الكبير.
وإن قال شخص لآخر: سرقت لي مالا، فأنكر والمدعى عليه متهم ورد اليمين المتوجهة عليه على الطالب، فحلف الطالب.
[ب] أو شهد على السارق بالسرقة رجل وامرأتان.
[ج] أو شهده بها شاهد واحد وحلف معه المدعي.
[د] أو أقر السيد معه.
فالغرم بلا قطع في المسائل الأربع، وكذا قرر البساطي الرابعة قائلًا: ينظر من نقلها كذلك.
ثم قال: وقد يتحمل له تحملًا بعيدًا، وذكره، فانظره، وقررها الشارح على أن العبد أقر من غير إشهاد عليه بذلك، واستشكل غرمه بإقراره؛ لأنه إنما عليه القطع.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على هذا المحل إن الذي في أكثر النسخ التي وقفت عليها: (أو أقر السيد بالغرم، بلا قطع، وإن أقر العبد فالعكس). انتهى.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
ولم نر شيئًا من هذه النسخ التي ذكر.
[مسألة:]
وإذا عاق عن القطع عائق مما سبق أو غيره وجب على السارق رد المال المسروق إن لم يقطع مطلقًا، باقيًا كان أو تالفًا، باختياره أو بغيره، نصابًا كان الباقي أو دونه، سرقه من حرز أو غيره، أو قطع رد إن أيسر -أي: استمر يساره- إليه -أي: إلى أن يقطع- من الأخذ.
فلو أعسر فيما بين الأخذ والقطع وقتا ما سقط وجوب الغرم، وسقط الحد للسرقة، وهو القطع، إن سقط العضو بعد وجوب قطعه بسماوي.
وفهم من قوله: (بسماوي) أنه لو قطع بجناية منه على غيره لم يسقط، وهو كذلك.
تنكيت:
ما حكاه الشارح في الأوسط والصغير عن ابن شاس أنه لو سرق ولا يمين له سقط الحد مشكل، وأما ما في الكبير عن الجواهر فلا إشكال فيه، ونصه: "فلو سرق فسقطت يمناه سقط الحد"، قال مالك وغيره: ولا يقطع منه شيء؛ لأن القطع قد كان وجب فيها.
[التوبة لا تسقط الحد:]
لا بتوبة وعدالة وجدا بعد حصول موجب الحد، فإنهما لا يسقطان.
[التقادم لا يسقط الحد:]
وإن طال زمانهما، ونبه به على خلاف.
[تداخل الحدود:]
وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجب، أي: قدر ما يوجب كل منهما، كقذف وشرب؛ إذ موجب كل منهما ثمانون، فيدخل كل في الآخر، ويحدهما حدًا واحدًا، وكذا لو سرق وقطع يمين آخر.
أو تكررت موجباتها، كسرقة مرارًا قبل الحد، أو شربه مرارًا كذلك،
[ ٨ / ٢٠٣ ]
ونحوه في المدونة، وإن ضرب في شرب خمر، أو أقيم عليه حد الزنا، فهو لما كان قبل من ذلك، فإن فعل شيئًا بعد ذلك أقيم عليه حده، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الحرابة، وما يتعلق بها، واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية هل سبب نزولها في المشركين الحربيين، أو قوم من أهل الذمة نقضوا عهدا بينهم وبين رسول اللَّه -ﷺ-، أو الغرينين المرتدين، أو قطاع الطريق من المسلمين، أقوال، والأخير منها لمالك وغيره من فقهاء الأمصار، وعليه المحققون، وهو الصحيح والمستحسن؛ لاتفاق الكل على أن حكم المرتد والكافر القتل لا القطع والنفي، وعلى أن الناقض للعهد ليس حكمه القطع.
[تعريف المحارب:]
وعرف المصنف المحارب المفهوم منه الحرابة بقوله: المحارب قاطع طريق، وهو جنس يشمل المحارب وغيره.
ولما كان الطريق أعم بين أحد فرديه بقوله لمنع سلوك، سواء كان الممنوع خاصًا، كفلان الشامي أو المصري مثلًا، أو عامًا كلا أدع أحدًا يمر للشام أو لمكة مثلًا، وهو فصل مخرج لمن منع من بينه وبينه عداوة مثلًا، فلا يسمى محاربًا.
وأشار للفرد الثاني بقوله: أو قطعها لأجل أخذ مال مسلم، وكذمي أو معاهد؛ لعصمه مالهما، وهو أحرى بالنسبة لما قبله، على وجه يتعذر معه الغوث؛ ككونه بفلاة المار بها قليل، ومشهر السلاح لأخذ المال [محارب] (١)، وإن انفرد بمدينة، ففي المدونة: من كابر رجلًا على ماله
_________________
(١) ما بين معكوفين مضروب عليه في "ن ٣"، وهو الصواب، فينبغي حذفه.
[ ٨ / ٢٠٤ ]
بسلاح أو غيره في زقاق أو دخل على حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة.
كمسقي السـ[ـيـ]ـكران لذلك، أي: لأخذ المال، وهو نبت دائم الخضرة، يؤكل حبه لتغييب العقل، ورقه يسمى (البنج) يشبه ورق البقل، وأشد منه نبت يسمى داتورة.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن المصنف عرف المحارب مثله لابن هارون في كلام ابن الحاجب، ويحتمل أنه لم يرد تعريفًا، بل أراد به كلية يلزم اطرادها دون انعكاسها.
[أفعال المحاربين:]
ومخادع الصبي وغيره من البالغين بأن يتحيل على كل حتى يصل به لموضع يتعذر فيه الإغاثة ليأخذ ما معه: محارب؛ لأنه من الغيلة.
وظاهره: سواء قتله أو لا، والذي في الجواهر والمستخرجة: (وقتله).
والداخل في ليل أو نهار في زقاق أو دار قَاتَلَ ليأخذ المال مكابرة، ومنع الاستغاثة بقوته، أو بوكيل على قتل من يستغيث: محارب عند مالك، خلافًا لابن الماجشون.
ومفهوم (ليأخذ المال) لو علم به بعد أن أخذه وخرج به وقاتل لخلاص نفسه وما أخذه ليس بمحارب، قاله اللخمي.
[مقاتلة المغدور المحارب:]
وإذا قاتل لذلك فيقاتل بعد المناشدة جوازًا إن أمكن ذلك، بأن لا يعاجله، وأما إن عاجل بالقتال فلا يناشده.
وإطلاق أخذ المال يشمل القليل، وهو قول سحنون.
[عقوبة المحارب:]
ثم أشار إلى عقوبة المحارب إذا قدر عليه قبل توبته بقوله: ثم يصلب حيًا، فيقتل مصلوبًا.
[ ٨ / ٢٠٥ ]
تتمة:
لو حبسه الإمام ليصلبه فمات لم يصلبه، ولو قتله إنسان في السجن فله صلبه؛ لأن بقية حده، وسكت المصنف عن كونه ينزل بعد ثلاثة أيام، أو من ساعته، أو ينزل إلى أن يفنى، أو تأكله الكلاب، وعن الصلاة عليه وعدمها، وهل ينزل لها، أو يصلى عليه مصلوبًا، وعلى أنه ينزل هل يعاد للصلب أو لا، وفي الكل خلاف.
أو ينفى الحر لمثل فدك وخيبر كالزنا، ويحبس بها إلى أن تظهر توبته أو يموت؛ لأنه يجيء بعد سنة، وسكت عن كون الحر بالغًا عاقلًا لوضوحه.
أو تقطع يده [اليمنى] ورجله اليسرى ليكون القطع من خلاف، ولاء بكسر الواو والمد -أي: في فور واحد- فإن عاد ثانيًا فالباقيتان كذلك، ولو كانت يمينه شلاء أو ذهبت بقود أو جناية فيده اليسرى ورجله اليمنى فقط.
وبالقتل يجب قتله ولا يشترط المكافأة فيقتل، ولو بكافر أو عبد؛ لتناهي فساده على المشهور، ولا يشترط في وجوب القتل أيضًا مباشرته له، بل يقتل.
أو شارك فيه بإعانة، كـ: ضرب أو إمساك، ولو لم يعن بهما، بل بممالأة، كما في المدونة وغيرها.
ولا يسقط عنه القتل إذا قتل ولو جاء تائبًا على المشهور؛ لأن توبته لا تسقط عنه حقوق الآدميين، وليس للولي العفو؛ لأن قتله ليس قصاصًا، وإنما النظر للإمام؛ إذ لو أراد قطعه أو نفيه لم يكن للولي قصاص.
اللخمي: يقتل المحارب بالسيف وبالرمح، لا بصفة تعذيب، ولا يرمى من مكان مرتفع، والصلب قائمًا لا مكنوسًا، ويطلق يداه.
[ما يندب للإمام مع المحارب:]
وندب للإمام مراعاة حال المحارب الذي لم يقتل فيعين لذي التدبير في الحروب والخلاص من شدائدها بحيث يصير مرجعًا في ذلك القتل،
[ ٨ / ٢٠٦ ]
ولذي البطش والشجاعة القطع من خلاف؛ لدفع ضرره بذلك.
وتعين لغيرهما -أي: لغير من اتصف بأحدهما- ولمن وقعت منه فلتة مخالفة لظاهر حاله بل موافقة لغيره نادمًا على ذلك النفي والضرب؛ لكفاية ذلك في ردعه، والواو لا تقتضي ترتيبًا فيضربه وينفيه.
والتعيين في أحد العقوبات المتقدمة للإمام، فيفعل ما يرى أنه أقرب للصواب، لا بالهوى.
[مسألة:]
لا لمن قطعت يده ونحوها ممن فقئت عينه أو جذع أنفه، وغرم كل -أي: كل واحد من المحاربين إذا ظفر به- عن الجميع جميع ما أخذوه؛ لأن كل واحد إنما قوي بأصحابه مطلقًا، أي: يغرم سواء جاء تائبًا أو لا.
[مسألة:]
واتبع إن كان موسرًا من يوم حرابته ليوم أخذه بجميع ما جنى من أخذ مال أو صداق امرأة أكرهها أو قيمة عبد أو دية ذمي، وإن كان معسرًا وقت الحرابة أو موسرًا ثم أعسر ولم يتصل ملاؤه فلا يتبع، كالسارق.
وإن جاء تائبًا اتبع موسرًا أو معسرًا ودفع ما وجد بأيديهم من المال لمن طلبه إن ثبت أنه له، وإن لم يثبت دفع له بعد الاستيناء واليمين بغير حميل، لكن يضمنهم الإمام إياها إن جاء لها طالب، ويشهد عليهم.
أو دفع لمن ادعاه بشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين؛ إذ لا سبيل إليـ[ـه] غير ذلك، فيشهد بعضهم لبعض، ما لم يشهد شخص لابنه.
تنبيه:
قال المصنف: هذه الشهادة خارجة عن الأصل؛ إذ فيها العداوة، وفيها اشهد لي واشهد لك، وإنما جازت للضرورة؛ ولما فيها من حق اللَّه تعالى، والأموال تبع لها.
[ ٨ / ٢٠٧ ]
[مسألة:]
لا إن شهد اثنان لأنفسهما، فلا تقبل لاتهامها، أما لو قالوا كلهم عند الحاكم قتل منا كذا كذا رجلًا، وسلب منا كذا كذا رجلًا وكذا كذا جارية، والأحمال لفلان، والثياب لفلان، والجواري لفلان، فذلك جائز، ويجب به حد الحرابة، قاله مالك وابن القاسم وأشهب.
[مسألة:]
ولو شهد اثنان على شخص يعرفان عينه أنه فلان المشتهر بها -أي: بالحرابة- أقام الإمام عليه حدها، وإن لم يشهدا عليه بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق، وسقط حدها بإتيان المحارب إلى الإمام طائعًا قبل الظفر به، أو ترك ما هو عليه من الفساد وإلقاء السلاح، وإن لم يأت الإمام، وهذا مذهب ابن القاسم.
وفهم من كلامه أن فراره ليس توبة، وهو كذلك.
خاتمة:
قال الباجي عن سحنون: لا يجوز أن يؤمن المحارب إن سأل الإمام، بخلاف المشرك؛ لأن المشرك يقر إذا أمن على حاله وبيده أموال المسلمين، ولا يجوز تأمين المحارب على ذلك، ولا أمان له، واللَّه أعلم.
* * *
باب ذكر فيه حد الشرب، وأشياء توجب الضمان، ودفع الصائل
[أولًا - حد الشرب:]
فقال: يجب بشرب المسلم، لا الكافر: ذميًا أو حربيًا.
المكلف: لا الصبي والمجنون.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
ما: أي شيئًا أو الذي.
يسكر جنسه، كـ: خمر، وهو ما خامر العقل من عصير عنب أو فضيخ تمر أو زبيب أو عسل، وهو: النقيع أو حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة.
طوعًا بلا عذر: لا إكراهًا.
وبلا ضرورة، كإساعة.
وسكت هنا عن جواز الإساعة أو حرمتها؛ لأنه قدم الإباحة في باب الأطعمة.
وقال أصبغ: يحرم.
وقال ابن عبد السلام: لا يبعد الوجوب.
وبلا ظنه غيرًا، أي: مغايرًا للمسكر، كأنه ظنه لبنًا أو ماء أو عسلًا، فشربه، ثم ظهر أنه مسكر، وسكر منه، فلا حد عليه، زاد أبو عمران: إذا كان مأمونًا لا يتهم.
ولم يذكره المؤلف، وأما عكسه وهو أن يشرب حلالًا كلبن يظنه خمرًا فحكى ابن عرفة عن عز الدين لا حد عليه، وتسقط عدالته، ومثل هذه الثلاثة وهي شربها مكرهًا أو لضرورة أو ظنها مباحًا داخل تحت قوله: (بلا عذر)، ولكنه عددها لنص بعض الأشياخ عليها.
وإن قل متعلق بقوله: (ما يسكر)، أي: إذا أسكر جنسه حد بشرب ما قل منه، ولا يشترط ظهور السكر منه، ولا علمه بوجوب الحد فيه؛ ولذا قال: أو جهل وجوب الحد مع علمه بالتحريم.
ولا يشترط أيضًا علمه بالتحريم، ولذا قال: وحرمة، أي: جهلها؛ لقرب عهد منه بالإسلام، أو كونه بدويًا لم يقرأ الكتاب ولم يعلمه، ويحمل مثل ذلك، فلا يرفع عنه الحد بذلك، قاله مالك؛ لأن الإسلام فشا، ولا
[ ٨ / ٢٠٩ ]
أحد يجهل شيئًا من الحدود، وأما لو علم التحريم وجهل وجوب الحد لحد اتفاقًا.
ويحد شارب ما أسكر جنسه وإن لم يسكر به ولو حنفيًا يشرب نبيذ؛ لأنه يرى إباحته.
قال مالك: أحده، ولا أقبل شهادته.
وقال الشافعي: أحده، وأقبلها.
وصوب الباجي عدم حده، وصححه غير واحد من المتأخرين، وأشار إليه المؤلف بقوله: وصحح نفيه، أي: نفي الحد.
[مقدار حد الشرب ووقته:]
ثم بين فاعل يجب المحذوف بقوله: ثمانون، ثم بين وقت ضربه الحد بقوله بعد صحوه اتفاقًا، لا قبله، فإن أخطأ الإمام فحده قبله أعاده.
[مسألة:]
وتشطر حد الشارب بالرق أو ذا شائبة.
[شرط إقامة الحد على من مضى:]
ثم أشار إلى شرط الحد على من اجتمعت فيه الشروط السابقة بقوله:
إن أقر بشرب.
أو شهدا، أي: اثنان عليه بشرب لما يسكر جنسه معاينة اتفاقًا فيهما، فإن رجع عن إقراره لشبهة فكالزنا.
أو شهد على شم للمسكر منه، وهو قول مالك وجمهور أهل الحجاز: إذا شهد اثنان بالشم عمل بشهادتهما وإن خولفا.
ابن عبد السلام: وهي تشبه ما لو اختلفوا في قيمة المسروق: هل يساوي ربع دينار أو أقل، فمذهب المدونة إعمال شهادة من شهد أنها ربع دينار، والشهادة على الفيء كالشهادة على الشرب، بل هي أقوى.
[ ٨ / ٢١٠ ]
[الشرب للإكراه:]
وجاز الشرب للمسكر لإكراه؛ لقوله ﵊: "وما استكرهوا عليه" (١)؛ لصراحته في نفي الإثم، وكل فعل نفي عن فاعله الإثم استلزم الجواز.
[الإساغة:]
وجاز إساغة لغصة صونًا لإحياء النفس، لا دواء، فلا يجوز بالمسكر، ولو طلاء لظاهر الجسد على الأصح عند ابن الحاجب، وعبر عنه ابن شاس بالمشهور.
تنبيه:
أشار بلو للخلاف في الطلاء، وللاتفاق على منعه في الباطن، وهو كذلك.
[كيفية إقامة الحد:]
والحدود كلها بسوط لا عصى، وضرب البساطي: لا رمي ولا حذف انتهى. وهو واضح، لكن في غير رجم الزاني.
معتدلين على المشهور، كما تقدم في الزنا، قاعدًا لا قائمًا، ولا يمد.
بلا ربط وشديد، إلا أن يضطرب اضطرابًا لا يصل الضرب معه لموضعه، ويكون الضرب بظهره، أي: المحدود وكتفيه دون غيرهما، واستحسنه اللخمي.
وجرد الرجل والمرأة مما يقي الضرب من الثياب، وظاهره:
_________________
(١) قال ابن العربي في أحكامه (٣/ ١٦٣ - ١٦٤): "لما سمح اللَّه تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به، ولا يترتب حكم عليه، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". والخبر، وإن لم يصح سنده، فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء، ولكنهم اختلفوا في تفاصيل. . ".
[ ٨ / ٢١١ ]
تساويهما، وظاهر المدونة أن الرجل لا يترك عليه شيء.
وإذا حدث المرأة ندب جعلها في قفة حين الضرب، ولما بلغ مالكًا أن بعض الأمراء فعله أعجبه ذلك، زاد اللخمي: ويجعل تحتها تراب للستر.
تنبيه:
إذا حد الشارب خلي سبيله، ولو كان مشهورًا بفسق.
وقيل: يطاف بالمشهور، ويسجن.
[ما ليس فيه عقوبة محدودة من الجنايات:]
ولما فرغ من الجنايات التي رتب فيها الشارع عقوبة معلومة مع تساوي الناس فيها، شرع في بيان ما ليس فيه عقوبة محدودة، بل مختلفة باختلاف الناس وعزر الإمام لمعصية اللَّه التي لا يتعلق بها حق لآدمي، كتعمد الفطر برمضان لغير ضرورة، وكالتفريط في الطهارة، وترك شيء مما يتعلق بالصلاة.
أو لحق آدمي، كشتمه أو ضربه، ولا يخلو عن حق اللَّه تعالى؛ إذ من حقه تعالى على كل مكلف ترك أذاه لغيره، لكن لما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسيما للأول، فمن صدر منه شيء من ذلك عزره الإمام باجتهاده في أمرين:
أحدهما: حبسه، فلا يختص بسوط، وقضيب، ودرة، وحبل، ويد، ولو بقفا.
وثانيهما: أنه لا يقتصر على ما دون الحد، ولا ينتهي للقتل.
[الحبس:]
وأشار للأول الأمرين بقوله: حبسًا -أي: يحبسه حبسًا- ويلوم لومًا بتوبيخ، فهما منصوبان على المصدرية، أو على نزع الخافض، أي: عزر بالحبس واللوم.
[ ٨ / ٢١٢ ]
وبالإقامة واقفًا على قدميه في الملأ، ويضرب ضربًا بالسوط أو غيره، كدرة ونحوها.
[التلوم:]
وأشار لثانيهما بقوله وهو اجتهاده بحسب الوقائع بما يراه: وإن زاد على الحد على المشهور عند مالك وابن القاسم، أو أتى على النفس، قاله مطرف وغيره، وهذا مع ظن السلامة.
[ثانيا - أشياء توجب الضمان:]
وإلا بأن لم يظن السلامة ضمن ما سرى إليه التعزير كطبيب جهل فداوى بغير علم، وأتلف بمداواته، فإنه يضمن، أو لم يجهل، ولكنه قصر عن القدر المطلوب في ذلك، فيقتص منه.
أو زاد عليه أو أخطأ فقلع سنًا مثلًا غير المأذون فيه أو قدم على فعل بلا إذن فأتلف، فإنه يضمن، ولو أصاب وجه العلم أو الصفة، أو فعل بغير إذن معتبر من صبي أو مجنون، ولو أذن له عبد بفصد أو حجامة أو ختان، الباء بمعنى في، فيضمن لعدم إفادة الإذن، قاله في الموازية.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف: أن الطبيب يضمن ذلك من ماله، وهو لمالك في العتبية.
وقيل: على العاقلة.
تتمة:
لو ادعى الطبيب الخطأ وذو الجناية العمد فالقول قول الطبيب، ولو فقأ الزوج عين زوجته والسيد عين عبده وادعت الزوجة والرقيق العمد والزوج والسيد الأدب، فرجع سحنون إلى أن القول قول مدعي الأدب.
وكتأجيج نار -أي: إهاجتها- في يوم وقت ريح عاصف فالضمان.
ظاهره: ولو مع البعد، وفي حرز البئر من المدونة: من أرسل في
[ ٨ / ٢١٣ ]
أرضه ماء أو نارًا فوصل إلى أرض جاره فأفسدت زرعه فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو غيرها فأحرقته فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك إليها لقربها فهو ضامن، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها، وكذلك الماء.
قال المصنف: فالعبرة على هذا إنما هي بالأمن وعدمه، ولم يقيد كلامه هنا بالأمن كما أنه المعتبر.
وكسقوط جدار -أي: حائط- يضمن صاحبه ما تلف بسببه بشروط ثلاثة:
أشار لأحدها بقوله: مال بعد بنائه مستقيمًا، وفهم ذلك من قوله مال؛ إذ هو محل الخلاف في الضمان وعدمه؛ إذ لو بناه مائلًا لضمن من غير تفصيل.
ولثانيها بقوله: وأنذر صاحبه بالإشهاد عليه، فإن لم يشهد عليه لم يضمن، ولو كان مخوفًا، قاله ابن عبد السلام، والمعنى بالإشهاد عند القاضي أو من له النظر.
وفهم من قوله: (صاحبه) أن الإشهاد على المرتهن أو المستأجر لا يفيد؛ إذ ليس له هدمه.
وأشار لثالثها بقوله: وأمكن تداركه بهدم أو تدعيم، فتراخى حتى سقط، أما لو بادر فسقط قبل التمكن من إزالته لم يضمن، ولو تقدم إليه.
أو عضه شخص في يده فسل المعضوض يده من العاض فقلع أسنانه أو بعضها ضمن ديتها على المشهور.
ومن اطلع على عورة شخص من شق باب أو نظر من كوة فقصد المنظور إليه عينه -أي: عين الناظر- ورماه متعمدًا ففقأها فالقود على الأصح؛ لإمكان الدفع بدونه.
وقال الشافعي والجمهور: لا ضمان.
[ ٨ / ٢١٤ ]
وإلا بأن لم يقصد عينه بل قصد زجره بحصاة ونحوها فصادفت عينه فلا ضمان، ولا شيء عليه.
وهذا مفهوم قصد عينه، وصرح به لئلا يفهم أنه إن لم يقتص منه فالدية، فدفع ذلك.
كسقوط ميزاب على شخص أو مال فلا شيء عليه؛ لأنه اتخذه حيث يجوز له.
قال المصنف: وينبغي أن تقيد هذه المسألة بما في مسألة الجدار.
أو بغت ريح بالغين المعجمة، أي: فجاؤها لنار أوقدها إنسان في وقت لا تسري فيه؛ لعدم الريح فعصفت الريح، وأتلفت نفسًا أو مالًا فلا ضمان؛ لأنه غير متعد، كحرقها شيئًا حال كونها قائمًا لطيفها خوفًا على نفسه أو داره فهدر.
[ثالثا - دفع الصائل]
وجاز دفع صائل مكلف أو صبي أو مجنون أو بهيمة، بعد الإنذار بالتخويف للفاهم منه، وأما غيره فلا يمكن إنذاره، ولا يفيد، والمدفوع عنه كل معصوم من نفس وأهل وبضع مما ليس بمال، وإن عن مال، ويدفع بالأخف فالأخف، ولا يقصد قتله ابتداء، فإن أدى للقتل فذلك.
وجاز قصد قتله أولًا، إن علم أنه لا يندفع إلا به، قاله القاضي أبو بكر.
تنبيه:
علم من هذا أن المراد بالجواز كونه مشروعًا؛ ليشمل الواجب؛ لأن الدفع قد يكون واجبًا، وإن كان الصائل بهيمة قبل قول قاتلها: إنها صالت عليه عند ابن القاسم.
ابن رشد: يريد مع يمينه.
لا جرح فلا يفعله الموصول عليه في الصائل إن قدر على الهرب منه
[ ٨ / ٢١٥ ]
بلا مضرة؛ ارتكابًا لأخف الضررين، وما أتلفته البهائم المأكولة اللحم وغيرها من الحوائط والزرع المأكولة الثمار وغيرها ليلًا فعلى ربها ضمانه، إن لم يزد على قيمتها بأن نقص عنها، أو ساواها، بل وإن زاد على قيمتها بقيمته على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
ويقوم الرجاء والخوف أن لا يتم، وإن لم يبد صلاحه، ابن القاسم: ولا يستأنى بالزرع هل ينبت أو لا، كما يستأنى في سن الصغير، وعلى قول سحنون يستأنى.
لا ما أتلفته البهائم نهارًا، فلا يضمنه ربها، إن لم يكن معها راع يحفظها، والحال أنها سرحت بعد موضع المزارع، بأن أخرجها ربها عن مزارع القرية تركها بالمسرح، فلا ضمان عليه.
فلو أطلقها قبل خروجها عن مزارع القرية فضامن، وإن كان معها راع، وإلا بأن كان معها راع فعلى الراعي الضمان إن فرط.
ابن رشد: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث الوارد في ناقة البراء بن عازب دخلت حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه -ﷺ- على أهل الحوائط بحفظها نهارًا، وما أفسدته ليلًا فعلى ربها (١).
* * *
باب
بين فيه العتق وأحكامه، وما يتعلق به، وهو لغة: الخلوص، وأجمعت الأمة على منع عتق غير الآدمي من الحيوان؛ لأنه السائبة المحرمة بالقرآن، وهو من أفضل الأعمال؛ ولذا شرع في كفارة القتل، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ- قال: "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه بكل
_________________
(١) رواه مالك (٢/ ٧٤٧، رقم: ١٤٣٥).
[ ٨ / ٢١٦ ]
إرب منها إربا منه من النار" (١).
زاد البخاري: "حتى الفرج بالفرج" (٢).
[تعريف العتق:]
وعرفه ابن عرفة بأنه: رفع ملك حقيقي لا بسبي محرم عن آدمي حي.
خرج بـ (حقيقي) استحقاق عبد بحرية.
و(بسبي محرم) فداء المسلم من حربي سباه، أو ممن صار له منه. وبـ (آدمي) حيوان غير آدمي.
وبـ (حي) رفعه عنه بموته.
ولم يحده المؤلف.
[أركان العتق:]
ولما كان له ثلاثة أركان:
- معتق.
- ومعتق بالكسر والفتح.
- وصيغة.
أشار الركن الأول بقوله: إنما يصح إعتاق مكلف، ولو سكرانًا على المشهور، لا صبي ومجنون، وإنما صح عتق السكران دون هبته؛ لتشوف الشارع للحرية.
ووصف المكلف بقوله: بلا حجر عليه بالنسبة لما حجر عليه فيه، فالزوجة والمريض محجور عليهما فيما زاد على الثلث، فيصح عتقهما في الثلث لا فيما زاد عليه.
_________________
(١) رواه مسلم كما قال الشارح (٤/ ٢١٧، رقم: ٣٨٦٨).
(٢) كذا في التتائي نسبته للبخاري، ولم أجده عنده، وإنما هو لأبي عوانة في مسنده (٣/ ٢٤٣، رقم: ٤٨٢٧).
[ ٨ / ٢١٧ ]
وبلا إحاطة دين بماله لما أعتق أو لبعضه، ودخل في المحجور عليه السفيه، فلا يصح عتقه، ولو أعتق فلم يرده الولي حتى خرج من الحجر لكان له رده.
وكذا لو حلف ثم حنث بعد خروجه من الولاية، وهو كذلك على أحد القولين، وأما عتقه لأم ولده فجائز، نص عليه في المدونة؛ إذ ليس له فيها إلا المتعة.
ولغريمه -أي: غريم من أحاط الدين بمال- رده لعتقه إن استغرق جمعه، أو بعضه إن لم يستغرقه، كعبد يساوي عشرين، والدين خمسة عشر، فيباع بقدره إن وجد من يشتريه كذلك، وإلا بيع جميعه.
إلا أن يعلم الغريم بالعتق ويطول ذلك مع سكوته، فلا رد له، وهل الطول أن يشتهر بالحرية وتثبت له أحكامها بالموارثة وقبول الشهادات لقاضي أربع سنين قولان لابن القاسم وابن عبد الحكم، أو إلا أن يفيد السيد مالًا يفي بالدين، ولم يرد العتق حتى أعسر، قال مالك: لا رد.
وأما لو تيقن بشهادة قاطعة أنه لم يزل عديما متصل العدم مع غيبة الغريم وعدم علمه لرد عتقه.
ولو رد العتق وأفاد السيد مالًا قبل بيع العبد أو أفاده بعد بيع السلطان على الخيار وهو معنى قوله: قبل نفوذ البيع لنفذ العتق؛ لأن بيع السلطان بيع خيار؛ لأنه منحل، قاله مالك.
وقال ابن نافع: يمضي البيع. واختاره اللخمي.
وأشار للركن الثاني، وهو: المعتق بالفتح بقوله: رقيقًا محضًا أو ذا شائبة حرية، مكاتب أو مدبر أو مبعض أو معتق لأجل أو أم ولده، لم يتعلق به حق لازم لمرتهن أو لمجني عليه أو لدين، وانظر تعريفه لابن عرفة في الكبير.
وأشار للركن الثالث، وهو: الصيغة الدالة على العتق بصريح أو كناية، وهي ضربان: ظاهرة وخفية بقوله: به -أي: الإعتاق- أو بفك الرقبة عن
[ ٨ / ٢١٨ ]
العبودية والتحرير وإن قيده بزمان، كـ: أنت حر في هذا اليوم، عتق أبدًا.
وعبر بالمصدر ليشعر بأن ما اشتق من هذه المصادر بمنزلتها، بلا قرينة مدح تصرف البيان الصريح عن ظاهره، فإن وجدت صرفته فلا يلزم به عتق، كمن عجب من عمل عبده أو من شيء رآه منه، فقال: ما أنت إلا حر، فلا شيء عليه في القضاء ولا في الفتيا.
أو بلا قرينة حلف بفتح الحاء المهملة وكسر اللام، كما قال اللخمي، أو قال العشار: لا أدعك إلا أن تقول: إن كانت أمة فهي حرة، فإن كان بغير نية العتق لم يلزمه شيء (١)، وإن نوى العتق وهو ذاكر أن له أن لا ينويه كانت حرة؛ لأنه لم يكره على النية.
أو قرينة دفع مكس؛ لقولها: من مر بعبده على عشار، فقال: هو حر، ولم يرد بذلك الحرية فلا عتق عليه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وإن قامت بينة لم يعتق أيضًا إذا علم أن السيد دفع عن نفسه ظلمًا؛ لأنه لم يكره على النية انتهى.
والفرق بين هذه ومسألة الحلف: أن هذه لا حلف فيها.
وبلا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليك، فيعتق بأحد هذين اللفظين، فهما معطوفان على قوله: (فك الرقبة)، إلا أن يكون ذلك لجواب عن كلام قبله، وقال: لم أرد به العتق فيصدق.
[قسما الكناية:]
وأشار لقسمي الكناية فللأول بقوله: وبكوهبت لك نفسك، أو أعطيتك نفسك، فيعتق بالبنية.
وللخفية بقوله: أو بكاسقني الماء بالنية، أو اذهب بالنية، أو اغرب
_________________
(١) ولعل يمكن تخريج القول بعدم وقوع طلاق التعليق عند بعض مشايخي كالشيخ علي ونيس بوزغيبة على هذا الفرع، واللَّه تعالى أعلم، أي: لا بد من توافر نية الطلاق في التعليق؛ لأن كلا البابين يشتركان في أمور عدة، فيمكن حمل بعضهما على بعض.
[ ٨ / ٢١٩ ]
بالنية، أي: صاحبًا لها، وحذفها من الأولين لدلالة هذه عليه، وانظر التعقب على المؤلف في المسألتين في الكبير.
[مسألة:]
وعتق الرقيق على البائع دون المشتري ويرد ثمنه، إن علق هو، أي: مريد البيع، والمشتري -أي: مريد الشراء- فعلق البائع عتقه على البيع، فقال: إن بعته فهو حر، وعلق المشتري على الشراء، فقال: إن اشتريته فهو حر، فباعه له، ونحوه في المدونة، وهو المشهور، واختار ابن رشد.
واللخمي: عتقه على الأول.
والقول بعتقه على المشتري لأن العتق إنما يقع بعد حصول العبد في ملك المشتري.
[مسألة:]
وعتق بالاشتراء الفاسد في قوله لعبد: إن اشتريتك فأنت حر، فاشتراه، كذلك في المدونة، وأفهم كلام المؤلف العتق بالاشتراء الصحيح، وهو كذلك من باب أولى، وشراء بعضه فاسد ككل، وهو كذلك في المدونة.
كأن اشترى العبد نفسه شراء فاسدًا، فيعتق ولا ينتقض البيع؛ لتشوف الشارع للحرية.
[مسألة:]
وعتق على السيد الشقص، وقوم عليه باقيه، وعتق عليه المدبر وأم الولد، أي: ينجز عتقهما، وعتق عليه ولد عبده من أمته، أي: أمة العبد إن ولدوا قبل انعقاد اليمين، بل وإن ولدوا بعد انعقاد يمينه، كل ذلك إذا علق إن فعل كذا، فكل من يملكه حر، قال في توضيحه: بناءً على أن المضارع ظاهر في الحال.
قال الشارح وتبعه البساطي: لكن ظاهر كلامه كان على بر أو حنث، وهو خلاف ظاهر المدونة.
[ ٨ / ٢٢٠ ]
[مسألة:]
والإنشاء كالتعليق، فإذا قال في إنشائه: كل من يملكه حر عتق عليه الشقص، والمدبر وأم الولد وولد عبيده من إمائهم، وإن ولدوا بعد يمينه.
تنبيه:
جعل بعض من حشاه موضع الإنشاء الإماء، أي: وكذا تدخل الإماء في لفظ من يملك وما بعده.
وفي بعض النسخ: (والأنثى)، والمعنى: واحد.
وأما الإنشاء بالنون والشين فهو هنا ضلال مبين. انتهى.
[مسألة:]
أو قال في تعليقه أو إنشائه: كل مملوك لي حر أو قال: رقيقي أو عبيدي أو ممالكي أحرار، فالحكم كذلك.
عياض: رقيقي يشمل الذكور والإناث، والمذهب أن عبيدي تختص بالذكر.
وقال فضل: يشملهما. وصوبه اللخمي مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، وأما مماليكي فالذي رجع إليه سحنون شمولهما، وهو مذهب المدونة.
تنبيه:
قول البساطي: (ومما ينظر إذا جرى التخصيص غلبة لفظ المماليك على البيض، والعبيد على السود، كما هو عندنا، واختلف المفتون بها في وصية من أمير لمماليكه) انتهى.
وفيه نظر؛ وقد يقال: لا يحتاج لنظر؛ لأن الفتوى والحكم يدوران مع العرف كما صرح به القرافي وغيره.
[ ٨ / ٢٢١ ]
[مسألة:]
لا عبيد عبيده، لا يدخلون في هذا التعليق، ولا هذا الإنشاء؛ لأن العبد عندنا يملك، ولا يملك السيد ملك العبد، إلا بعد الانتزاع.
ثم شبه فيما تقدم من عدم اللزوم فقال: كأملكه -أي: كل مملوك أملكه- أبدًا لما يستقبل فمقوم لم يلزمه شيء فيمن عنده ولا في غيره؛ لأنه لا يصدق عليه الآن أنه في ملكه بوجه، وسواء كان في غير يمين أو في يمين حنث بها، لما في تعميمه من الحرج والمشقة، إلا أن يعين زمنًا، كعشرين سنة، أو شخصًا كناصح، أو بلدًا كدمشق مثلًا، أو جنسًا كالصقالبة فيلزمه في المستقبل لعدم التعميم، ونحوه في المدونة.
[مسألة:]
ووجب العتق بالنذر، معلقًا كإن فعلت كذا فعلى عتق رقبة، أو غير معلق عتق رقبة، ولم يقض عليه فيهما إلا ببت مين، كـ: عبدي هذا حر، وعبدي فلان حر، فيقضى عليه إن امتنع، وخرج به معين غير بت على عتق عبدي هذا إن فعلت كذا، فيؤمر له، ولا يقضى عليه.
[مساواة العتق الطلاق:]
ولما كان العتق مساويًا للإطلاق في الخصوص والعموم بالنسبة للتعليق، فيلزم مع التخصيص، كـ: إن ملكت مرزوقًا فهو حر، أو: كل من أملكه من الحبش فحر، أو: من قرية كذا، أو: إلى عشرين سنة، ولا يلزم مع التعميم، كـ: كل مملوك أملكه حر، وكذلك الطلاق، قال: وهو في خصوصه وعمومه كالطلاق، ومساويًا له في منع لسيد أو زوج من وطء وبيع إن حلف بعتق أو طلاق، في صيغة حنث، كـ: إن لم يفعل كذا أو يصدق فأمته حرة، أو زوجته طالق، فيمنع من وطئها ومن بيع الأمة.
وفهم منه أن صيغة البر ليست كذلك، ونحوه في المدونة، ومساو للطلاق أيضًا في عتق عضو، كـ: يدك حرة مثلًا، فتعتق كلها، كـ: يدك طالق.
[ ٨ / ٢٢٢ ]
تنبيهان:
الأول: هل يتوقف عتق الباقي على حكم، وهو مذهب المدونة.
اللخمي: وهو معروف المذهب.
أو لا؟ وهو ظاهر قولها: (وعتق عليه جميعه)، ولم يقيده بحكم ولا غيره.
الثاني: سكت عن مساواته له في تعليقه على الكلام والشعر ونحوهما مما تبين منه، ويجزي اللزوم وعدمه في ذلك على قولي أصبغ وسحنون السابق في الطلاق، وهو اللزوم عند أصبغ، ودرج عليه المصنف هناك، وعدمه وهو قول سحنون.
ومساو له في تمليكه العبد أمر نفسه أو تفويضه، كتمليك الزوجة أمر نفسها، وفي جوابه كالطلاق، ففي المدونة: من ملك عبده العتق أو فوض إليه، فقال العبد: اخترت نفسي. وقال: نويت به العتق، صدق وعتق؛ لأن هذا من أحرف الطلاق، وإن لم يرد العتق فلا عتق عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يعتق، وإن لم ينو به العتق، كما يكون ذلك للمملكة طلاقا، وإن لم ترد الطلاق.
وحذف الطلاق من المسائل السابقة لدلالة هذا الأخير عليه.
[ما لا يساوي العتق فيه الطلاق:]
إلا العتق لأجل فلا يساوي الطلاق لصحة الأجل فيه دون الطلاق؛ لأنه مع الأجل يشبه نكاح المتعة، فإن كانت أمة حرم وطؤها، وجاز له خدمتها؛ لإنهاء الأجل.
وإلا في قوله لأمتيه إحداكما حرة، ولا نية له فله الاختيار في عتق إحداهما عند المصريين، وكذا: رأس من رقيقي، بخلاف قوله لزوجتيه: إحداكما طالق ولا نية له، أو نسيها طلقتا معًا، وخيره المدنيون كالعتق.
[ ٨ / ٢٢٣ ]
وفرق ابن المواز بأن العتق يتبعض ويجمع في أحدهم بالسهم، بخلاف الطلاق.
وكذا يخالف العتق والطلاق في قوله لأمته: إن حملت فأنت حرة فله وطؤها في كل طهر مرة حتى تحمل، وإذا حملت عتقت، وإذا قاله لزوجته حنث بوطئها أول مرة.
وإن جعل المالك عتقه لرقيقه مفوضًا لاثنين معًا لم يستقل أحدهما بعتقه، بل لا بد من اجتماعها عليه إن لم يكونا رسولين، فإن كانا رسولين عتق بعتق أحدهما، وكذلك الطلاق، وللبساطي هنا كلام ذكرناه في الكبير، انظره.
وإن قال لأمتيه: إن دخلتما الدار فأنتما حرتان، أو لزوجتيه: فأنتما طالقتان، فدخلت واحدة فقط، فلا شيء عليه فيهما، حتى يدخلا معًا جميعًا، لا في الداخلة؛ لاحتمال أن يريد إن اجتمعتا في الدخول، ولا في الأخرى لعدم دخولها عند ابن القاسم.
وقال أشهب: تعتق الداخلة فقط؛ لاحتمال إن دخلت أنت، وإن دخلت أنت، فجمع في اللفظ.
[مسألة:]
وعتق على الشخص من أقاربه بنفس الملك بغير حكم على المشهور الأبوان وإن علوا مطلقًا من قبل الأب والأم، وكذا الولد ذكرًا كان أو أنثى أو خنثى وإن سفل مطلقًا كبنت وإن سفل ولدها.
وفي بعض النسخ: (لبنت) باللام بدل الكاف.
وكذا يعتق بالملك أخ أو أخت مطلقًا: شقيقًا أو لأب أو لأم دون أولادهم، ولا يعتق الأعمام والعمات، ولا الأخوال والخالات على المشهور، ونحوه في أوائل العتق الثاني من المدونة، وسواء كان ملك جميع جميع كل أو بعضهم.
ولما لم يتشرط في حصول الملك كونه بعوض، بالغ عليه بقوله: وإن
[ ٨ / ٢٢٤ ]
حصل الملك بهبة أو صدقة أو وصيه، فإنه يعتق، إن علم المعطي، وهو الواهب ومن بعده أن المعطى له يعتق عليه، ولو لم يقبل ذلك، والولاء له عند ابن القاسم قبل أو لم يقبل، وكان يقول: إذا لم يقبل فالولاء لسيده.
ومفهوم الشرط: أن الواهب وما بعده إن لم يعلم أنه ممن يعتق عليه فإنه يباع، وهو كذلك، وهذا إذا حصل أحد الأمور الثلاثة في جميعه، فإن حصل في بعضه، فأشار له بقوله: ولا يكمل في جزء لم يقبله كبير لأمر نفسه، وإنما يعتق عليه ذلك الجزء فقط، ولم يسر في باقيه، وكان الباقي للواهب أو غيره.
ومفهومه: أنه يكمل عليه إن قبله، وهو كذلك.
أو قبله ولي صغير أو لم يقبله لم يكمل عليه في الحالين، أي: يعتق وإن لم يقبل الهبة والصدقة، والوصية وسط.
لا إن ملكه كله أو بعضه بإرث أو شراء وعليه دين فيباع في الدين؛ إذ لا يستقر على ملكه حتى يعتق عليه عند ابن القاسم.
[مسألة:]
ثم عطف على قوله: (بنفس الملك)، فقال: وعتق على السيد وجوبًا بالحكم عند مالك وابن القاسم، واختاره اللخمي، وعند أشهب بنفس المثلة من غير حكم إن عمد لشين، وخرج بالعمد لشين الخطأ، والعمد على وجه المداواة، والعمد لا على قصد الشين؛ لأن الغالب من الإنسان الشقة على ماله.
وظاهر كلام ابن الحاجب كظاهر المدونة: أن مطلق العمد كاف في العتق بالمثلة.
برقيقه متعلق بحصول مقدر إن عمد حصول شين برقيقه القن أو من فيه شابة، أو رقيق رقيقه، ويدخل في ذلك معتقه لأجل، أو برقيق ولده الصغير، ويقوم عليه رقيق ولده إن كان موسرًا، وإلا لم يقوم عليه.
ابن القاسم: وهو كما لو أعتقه.
[ ٨ / ٢٢٥ ]
[مسألة:]
وولده السفيه كالصغير غير سفيه فاعل (عمد)، وغير عبد وذمي بعبده الكافر، فإن مثل واحد من الثلاثة برقيقه لم يعتق عليه عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يعتق عليه.
واحترزنا بالذمي عن المعاهد، فلا يعتق عليه، إلا أن يسلم العبد، فيمثل به بمثلة بضم الميم وسكون المثلثة وفتح وضم المثلثة وضمهما، وهي من أسباب العتق عند مالك وكثير.
وغير زوجة ومريض مثل برقيقهما أو رقيق رقيقهما لا يعتق بمثلتهما زائد الثلث، بل في ثلثها، ومدين لا يعتق رقيقه الذي مثل به.
[أمثلة المثلة:]
ثم ذكر أمثلة تحصل بها المثلة، فقال: كقلع ظفر؛ لأنه مما لا يخلف غالبًا.
عياض: اتفاقًا.
أو قطع بعض أذن عمدًا قصد لشين، أو قطع بعض جسد، ظاهره: من أي موضع كان، أو قلع سن واحدة فأكثر، أو سحلها، أي: يردها بالمبرد لزوال منفعتها بذلك، أو خرم أنف نص مالك على العتق به.
أو حلق شعر أمة رفيعة أو حلق لحية عبد تاجر، وأما غير الرفيعة وغير التاجر، فقال مالك: لا يعتقان بذلك؛ لسرعة عود ذلك.
أو وسم وجه بنار بأن كتب فيه أبق مثلًا، لا غيره، أي: الوجه بالنار، كفعل ذلك بذراعه، أو داخل جسده، فلا يعتق بذلك، وفي غيرهما، أي: غير النار فيه، أي في الوجه كوسمه في وجهه بمداد أو إبرة على ما يفعله الناس دتولان: بالعتق لابن وهب، وعدمه لأشهب؛ لأنه قد يفعله على وجه الجمال، وألمه قليل.
[ ٨ / ٢٢٦ ]
[مسألة:]
والقول للسيد في دعوى نفي العمد الموجب للعتق بالمثلة على الأصح عند ابن الحاجب، واستحسنه اللخمي.
وقال أشهب: القول للعبد.
فائدة:
قال ابن بشير: شروط العتق بالمثلة ستة:
- كون الممثل عاقلًا.
- بالغًا.
- مسلمًا.
- حرًا.
- رشيدًا.
- غير مديان.
ونظمتها، فقلت:
شروط الممثل ست (١) أتت عن ابن بشير فخذ موثقا
بلوغ وعقل وحرية ورابعها مسلم مرتقا
ورثه ولا دين في ذمة متى اختل شرط فلا يعتقا
لا في دعوى السيد عتق بمال، وقال العبد: مجانًا؛ فالقول للعبد بيمينه، وهو لابن القاسم في المدونة.
أشهب: قول السيد، ويحلف.
[مسألة:]
ولما تكلم فيما إذا اعتق عليه ذكر ما إذا أعتق وأعتق عليه، فقال: وبالحكم على السيد جميعه، أي: العبد إن عتق جزءًا منه.
_________________
(١) كذا بالأصل، والصواب: ستة، والنظم غير موزون.
[ ٨ / ٢٢٧ ]
ظاهره: ولو قل، وسواء كان كربع مثلًا، أو كيد أو رجل، والباقي له ويوقف حكم الباقي على الحكم على المشهور، وهو مذهب المدونة.
وقيل: لا يوقف على حكم، وهو ظاهرها.
كأن بقي الجزء الآخر لغيره، وقيل: إن كان الباقى لغيره فلابد من الحكم.
[شروط عتق الباقي:]
ثم ذكر شروط عتق الباقي على الشريك المعتق فقال: إن دفع القيمة لشريكه يومه، أي: يوم الحكم المفهوم مما قال، وبالحكم وهو قول مطرف وجماعة، وعلى الرواية التي فيها العتق بالسراية، فيقوم يوم العتق على كل حال.
قال في الجواهر: الخاصة الأولى من خواص العتق السراية، فمن أعتق بعض عبده سرى إلى الباقي، وفي عتقه بالسراية أو بالحكم روايتان. انتهى.
تنكيت:
إذا علمت هذا ظهر لك أن قول البساطي: (يوم العتق) غير ظاهر.
ثم أشار للشرط الثاني بقوله: إن كان المعتق مسلمًا والشريك والعبد كذلك، أو الشريكان مسلمين والعبد كافرًا، والمعتق مسلمًا والشريك كافر، والعبد مسلم أو كافر، فهذه أربع صور.
أو العبد يكون مسلمًا والسيدان ذميين، أو المعتق وحده ذمي، وهاتان صورتان.
وتلخص من المنطوق ست صور، والتقويم في جميعها، وفهم من تقييد المعتق والعبد بالإسلام أنهما لو كانا كافرين فلا تقويم، سواء كان الشريك ذميًا أو مسلمًا عند ابن القاسم، وهاتان صورتان، ولا تقويم فيهما، إلا أن يترافعوا إلينا في أولاهما، وبهاتين الصورتين صارت الصور ثمانية.
[ ٨ / ٢٢٨ ]
وأشار للشرط الثالث بقوله: أو أيسر ببعضهما، أي: ببعض القيمة، وأعسر بباقيها، فمقابلها من حصة الشريك، يعتق ويرق للشريك باقيها.
ومفهوم الشرط: أنه لا يلزم التقويم على المعسر، وهو كذلك، وسيأتي.
ويعتبر في تلك القيمة الموسر بها أو بعضها أن تكون فصلت عن متروك المفلس، أي: عما يترك له شرعًا، ككسوة لا بد له منها، وعيشه الأيام، كما في المدونة، وفسرت في الواضحة بالشهر ونحوه، ويدخل فيها ما له من دين على حاضر مليء أو قريب كالحاضر، ويدخل عبده الآبق وتمرة لم تطب إن قرب أمدها.
وأشار للشرط الرابع بقوله: إن حصل عتقه باختياره، لا جبرًا كإرثه من يعتق عليه.
وأشار للشرط الخامس بقوله: إن ابتدأ العتق لإفساده الرقبة بإحداثه فيها، لا إن كان العبد حر البعض، كما لو كان ثلثه حرًا، وثلثاه لاثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فلا تقويم عليه.
وإن كان معتق الجزء متعددًا موسرًا كثلاثة مثلًا أعتق الأول نصيبه، ثم الثاني قوم نصيب الثالث على الأول خاصة؛ لأنه المبتدئ للتبعيض.
وإلا بأن أعتقا دفعة واحدة قوم عليهما اتفاقًا، وإذا قوم عليهما فعلى قدر حصصهما على المشهور، لا على عددهما إن أيسر، وإلا بأن كان أحدهما معسرًا فعلى الموسر، يقوم الجميع، كما لو انفرد.
وعجل عتق الجزء وقوم في ثلث مريض أعتق شقصًا من قن باقيه له أو لغيره.
ثم وصف الثلث بكونه مالًا مأمونًا بقوله: أمن، ونحوه في المدونة، ولم يقوم على ميت باقي رقيق عتق جزؤه في صحته، ولم يعلم بذلك حتى مات؛ لانتقال المال لوارثه، ولا تقويم عليه؛ لأنه لم يعتقه، وهذا حيث لم يوص بتكميل العتق، وأما إن أوصى كمل عليه في ثلثه.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
وفي وصايا المدونة: لا يقوم ميت، ولا على ميت، ومثاله: إذا أعتق أحد الشريكين حصة من عبد فمات العبد أو المعتق قبل التقويم.
وقولنا: (لم يوص بتكميل العتق) تحرزًا عما لو أوصى بعتق نصيبه بعد موته، فإنه لا يكمل عليه في ثلث ولا غيره.
قال ابن الحاجب: على الأصح.
وقوم المعتق بعضه كاملًا؛ لأن تقويم البعض ضرر بالشريك، ويقوم بماله على ربه قن لا عتق فيه؛ لأن العتق عيب فيه، وهو قد أدخله بعتقه، فعليه قيمة نصيب شريكه سالمًا بماله، إذ بعتق بعضه امتنع انتزاعه؛ لأنه يتبعه ما لم يستثنه السيد، وإنما يكمل عليه بعد امتناع شريكه من عتق نصيبه، ونقض له -أي: لأجل التقويم- على المعتق الموسر بيع حصل منه، أي: من الشريك الآخر في نصيبه، وسواء باع عالمًا بالعتق، أو جاهلًا به.
وأجاز الشارح عود ضمير (منه) للعبد المعتق، أو الجزء الباقي.
وإذا أعتق الموسر مثلًا وأعتق الشريك الآخر بعده لأجل أو دبر أو كاتب نقض تأجيل الثاني أو تدبيره أو كتابته، وقوم على المبتل ذلك.
الشيخ أبو إسحق: ولو كان الأول معسرًا جاز ذلك.
وخير الشريك الذي لم يعتق بين عتق نصيبه وتقويمه على شريكه، وإذا خير فإنه لا ينتقل بعد اختياره أحدهما.
ظاهره: سواء كان اختياره من نفسه أو تخيير المعتق أو الحاكم.
كذا حكم ببيعه -أي: بجواز بيع حصة شريك المعتق- لعسره -أي: عسر المعتق- مضي، ولا يقوم عليه إن أيسر بعد ذلك.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن الذي في النسخة الصحيحة: (وإذا حكم بمنعه) ضد إجازته، والضمير المضاف إليه عائد على التقويم، فهو مختصر قول ابن الحاجب.
[ ٨ / ٢٣٠ ]
وإذا حكم بسقوط التقويم لإعساره فلا تقويم بعد كقبله -أي: كعسره قبل العتق- ثم أيسر، فقام شريكه عليه حين أيسر لم يقوم عليه بشرطين:
أشار لأحدهما بقوله: إن كان بين العسر حين العتق، والناس يعلمون ذلك، وأن شريكه إنما ترك التقويم عليه؛ لأنه لو خاصم لم يقوم عليه لعسره.
وأشار للشرط الثاني بقوله: وحضر العبد، أما لو كان غائبًا ولم يقدم حتى أيسر المعتق لقوم عليه.
وظاهره: عدم التقويم ولو علم موضعه وصفته؛ لأنه لا بد من انتقاد قيمته، والنقد في بيع الغائب لا يجوز.
ابن الكاتب: وكذلك العبد المفقود.
[أحكام المعتق بعضه قبل التقويم:]
وأحكامه -أي: العبد المعتق بعضه- قبله -أي: قبل التقويم- كالقن في شهادته وجنايته وحدوده وغلته، ولا يلزم استسعاء العبد المعتق بعضه لعتق بقية نفسه.
قال مالك: وعليه العمل. خلافًا لأبي حنيفة في قوله: يستسعي غير مشفوق عليه.
والمعتق بعضه لا يلزمه قبول مال الغير على الأصح، ولا يلزمه تخليد القيمة في ذمة المعتق المعسر برضا الشريك إلى حصول اليسار على الأصح عند ابن الحاجب.
[مسألة:]
ومن أعتق حصته لأجل كشهر مثلًا من قن مشترك قوم عليه الآن ليعتق جميعه عنده -أي: عند الأجل- لأن المقصود تساوي الحصتين، فلا يعجل عتق نصيب المعتق الآن؛ لأنه خلاف الواقع، ولا نصيب شريكه؛ لأنه تابع.
[ ٨ / ٢٣١ ]
وظاهره: قرب الأجل أم بعد، ولأصبغ عن ابن القاسم وأشهب: إلا أن يكون الأجل بعيدًا فيؤخر التقويم إلى حلوله.
إلا أن يبت الثاني عتق نصيبه فنصيب الأول باق على حاله، وإلى هذا رجع ابن القاسم.
[مسألة:]
وإن دبر شريك حصته تقاوياه، أي: المدبر بالكسر وشريكه، ولا يكمل على المدبر على المشهور، وفسر مطرف المقاواة بأن يقوم قيمة عبد، ثم يقال للمتمسك: أتسلمه بهذه القيمة أم تزيد، فإن زاد قيل للمدبر: أتسلمه بهذه القيمة أم تزيد، وهكذا حتى يقف على أحدهما؛ ليرق كله إن وقف على الشريك أو يدبر كله إن أوقف على المدبر.
وعن مالك: يقوم على المدبر، ويكون كله مدبرًا، تنزيلًا للتدبير منزلة العتق.
وظاهره: دبر بإذن شريكه أو بغير إذنه، كان المدبر موسرًا أم لا.
[مسألة:]
وإن ادعى المعتق عيبه، أي: عيب العبد المعتق عيبًا خفيًا كالسرقة والإباق لتقل قيمته، ولا بينة له على ذلك، وقال شريكي: يعلم ذلك، ولم يصدقه، فله -أي: للمعتق- استحلافه، واختاره أصبغ.
[مسألة:]
وإن أذن السيد أن يعتق جزءًا من عبد مشترك بين العبد وغيره، أو لم يأذن له، ولكن أجاز السيد عتق عبده جزءًا قوم نصيب الشريك في مال السيد، الأعلى؛ لأنه المعتق حقيقة؛ لأن الولاء له، فإن كان عند السيد ما يوفي بقيمة الجزء فواضح، وإن احتيج لبيع العبد المعتق بكسر التاء إذا لم يكن عند السيد ما يوفي القيمة سع العبد؛ ليكمل منه الجزء الباقي، وهذه المسألة يلغز بها، فيقال: بيع السيد في قيمة عبده، وذكرنا المسألة في الكبير نظما.
[ ٨ / ٢٣٢ ]
[مسألة:]
وإن أعتق شخص أول ولد تلده أمته فولدت ولدين في بطن غلامين أو جاريتين أو غلامًا وجارية عتق أولهما خروجًا، حيًا كان أو ميتًا، ولم يعتق الثاني ولو مات الأول؛ لأنه لا يقع على الثاني أول، ونحوه في المدونة.
[مسألة:]
وإن أعتق جنينا في بطن أمته، أو دبره وهي حامل فماتت به من ذلك الحمل فحر في الأولى، ومدبر في الثانية.
وفي بعض النسخ: (أو مدبر) فيكون لفًا ونشرًا مرتبًا، وإن تأخر وضعه لأكثر الحمل، وتقدم الخلاف في أكثره: هل هو أربع سنين أو خمس، وهما مشهوران.
إلا لزوج مرسل عليها، ولا يعلم هل هي حامل أم لا، فلأقله، فلا يخرج حرًا أو مدبرًا إلا ما وضعته لأقل من أقل مدة الحمل، وهو ما دون ستة أشهر، ونحوه في المدونة، زاد فيها: كالمواريث إذا مات رجل فولدت أمه بعد موته من غير أبيه ولدًا فهو أخوه لأمه، وإن وضعته في ستة أشهر من يوم موته لم يرثه، وإن كان لأقل ورث.
[مسألة:]
وبيعت من أعتق السيد جنينها إن سبق العتق في جنينها دين على سيدها؛ لأنها حينئذ كالأمة التي أعتقت مع تقدم الدين على عتقها؛ ففي المدونة: والذي يعتق ما في بطنها في صحة السيد لا تباع وهي حامل إلا في قيام دين استحدثه قبل عتقه أو بعده فتباع، إذا لم يكن له غيرها.
ورق جنينها؛ إذ لا يجوز استثناؤه، البساطي: فإن قلت: قول المؤلف: (إن سبق العتق دين) ظاهر في مخالفة قوله في المدونة: (إلا في قيام دين استحدثه قبل عتقه أو بعده)، في الجواب؟
قلت: المقتضي لجواز بيعها هو سبق الدين على العتق، لكن عتق ما
[ ٨ / ٢٣٣ ]
في بطنها قبل تعلق الدين بالسيد مساو لتعلق الدين الذي بعد ما في بطنها قبل الولادة، فنبه المؤلف على الأصل، وفي المدونة على توهم من عساه أن يخرج.
وأما قوله ولا يستثنى ببيع أو عتق الظاهر أنه قصد اختصار ما في المدونة، فإنه لما ذكر فيها أن جنينها يرق، استدل عليه بأنه لا يجوز استثناؤه من بيع ولا عتق، أي: لا يجوز أن يبيع الأم، دون الجنين ولا عتقها دونه. انتهي، أي: كلام البساطي.
[مسألة:]
ولم يجز اشتراء ولي: أب أو غيره من يعتق على ولد صغير تحت ولايته بماله، أي: بمال الصغير؛ لأن فيه إتلاف ماله، وإن فعل لم يعتق عليه.
وفي نسخة الشارح إسقاط ولد، وكذا عند البساطي، وهو ثابت بخط الأقفهسي من أصل المؤلف، وكأن الشارحين فهما أن الولد للولي، وليس كذلك، بل المراد ما قررناه من أنه تحت حجره وولايته.
[مسألة:]
ولا يجوز شراء عبد لم يوذن له من يعتق على سيده، ومفهومه: أن المأذون له يجوز شراؤه من يعتق على سيده، وهو كذلك، وإن دفع عبد مالًا عبد لمن يشتريه به، فان قال اشترني لنفسك، وفعل فلا شيء عليه، أي: على المشتري من الثمن ثانية، إن استثنى مالي، أي: مال العبد؛ لأن البيع صحيح، وصار المال للمشتري، وإلا بأن لم يستثن ماله غرمه، أي: الثمن للبائع مرة ثانية.
وبيع فيه -أي: في الثمن- ولا رجوع له -أي: للمشتري- على العبد بما غرمه لسيده؛ لأنه إنما اشتراه لنفسه، والولاء له، أي للمشتري.
قال الشارح: أي إذا خرج حرًا.
[ ٨ / ٢٣٤ ]
[مسألة:]
وإن دفع العبد المال لمن يشتريه، وقمال: اشترني لنفسي وفعل فحر بمجرد الشراء لملكه لنفسه بالعقد الصحيح، وولاؤه للبائع، ولا شيء لمشتريه منه، وهذا بشرط إن استثنى المشتري ماله، قاله محمد ابن المواز؛ لأنه إذا لم يستثنه فهو للبائع، ولا يمكن أن يعتق بمال البائع، ولهذا قال: وإلا بأن لم يستثنه رق، أي: بقي على رقه لبائعه.
وهذا تقرير المتن على ما رأيناه في نسخة تلامذة المؤلف.
[أوجه القرعة:]
وإن أعتق عبيدًا ستة مثلًا، أي بتل عتقهم في مرضه، ولم يحملهم الثلث أفرع بينهم إذا رد الزائد على الثلث؛ لخبر عمران بن حصين في صحيح مسلم أن رجلًا أعتق ستة مملوكين، ولم يكن له غيرهم، فدعا بهم رسول اللَّه -ﷺ- فجزأهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة (١)، وقال له قولًا شديدًا؛ لتصرفه في غير الثلث، وهو غير جائز.
فائدة:
في العتق بالقرعة أمران:
أحدهما: دفع ضرر الورثة؛ إذ لو أعتق من كل واحد ثلثه لنقصت لثمانهم.
ثانيهما: لحق العبيد؛ إذ لو أعتق ثلثهم بغير قرعة لسقط حق بعضهم.
تتمة:
اختلفت الرواية في القول الشديد، ففي النسائي عن عمران أيضًا في القضية أنه -ﷺ- قال: "لقد هممت أن لا أصلي عليه".
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥/ ٩٧، رقم: ٤٤٢٥)، وعبد الرزاق (٩/ ١٥٩، رقم ١٦٧٥١)، وابن أبي شيبة (٧/ ٢٨٠، رقم ٣٦٠٨٦).
[ ٨ / ٢٣٥ ]
وفي أبي داود أنه قال: لو حضرت قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين.
قال المصنف: ويحتمل أن يريد الوجهين.
وأشار إلى أن القرعة تكون على أربعة أوجه، هذا أحدها، وأشار لثانيها بقوله: أو أوصى بعتقهم إن لم يسهم، بل قال: عبيدي، ولو سماهم، كفلان وفلان، ولم يحملهم الثلث في الصورتين أقرع بينهم.
وأشار لثالثها بقوله: أو أوصى بعتق ثلثهم، والثلث لا يحملهم أقرع بينهم، قال المصنف: وكذا إذ ابتل عتق الثلث.
وأشار لرابعها: أو أوصوا بعدد سماه من كثر، كخمسة من عشرين مثلًا، والعدد الذي سماه يحمله الثلث أقرع بينهم، كالقسمة السابقة في بابها.
ابن عرفة: القسمة هنا لقب لتعيين مبهم في العتق له بخروج اسم من مختلط به ممتنع، فيه قصد عينه.
وما ذكره المصنف من جريان القرعة في هذه الوجوه الأربعة قال: نص عليها ابن القاسم في الموازية.
إلا أن يرتب فلا قرعة، والترتيب بأحد وجهين:
- أما بالزمان، كـ: اعتقوا فلانًا قبل فلان.
- أو في وقت كذا، والآخر في وقت كذا.
وأما بأداة من أدوات الترتيب، كـ: فلان ثم فلان، فيتبع ذلك، ويقدم السابق، ثم الذي يليه إلى أن ينتهي ما سمى الثلث، أو يقول في وصيته: اعتق ثلث كل، يحتمل كل واحد، أو كلهم، أو يقول: أنصافهم أو أثلاثهم فيتبع، ونحوه في المدونة، وللشارحين فيه كلام، انظره في الكبير.
[مسألة:]
ومن أعتق عبده أو أعتق عليه وللعبد دين على سيده تبع سيده بدين له
[ ٨ / ٢٣٦ ]
عليه إن لم يستثن السيد ماله، ولو مجملًا.
ابن يونس: بأن يقول حين العتق: اشهدوا أني قد انتزعت الدين الذي لعبدي، أو أني أعتقته على أن ماله لي، فيبقى المال لسيده، ويكون ذلك انتزاعًا لما في ملك العبد.
[مسألة:]
ورق إن ادعى شخص أنه عبده إن شهد للمدعي شاهد واحد برقه، وحلف المدعي على ذلك؛ لأن العبد مال، فيثبت بالشاهد واليمين، أو شهد شاهد واحد على تقدم دين على العتق وحلف المشهود له على ذلك رق العتيق مع الشاهد واليمين، قاله مالك.
فإن لم يأت بشاهد فليس له تحليف المدعي عليه، قاله ابن القاسم.
وحذف (حلف) من الأول لدلالة الثاني.
[مسألة:]
وإذا ادعى شخص إرث آخر بالولاء أو النسب استؤني بالمال إن شهد له بالولاء أو النسب واحد شهادة بت، وحلف مع الشاهد، فإنه يقتضي له بالمال، إن لم يأت من هو أولى منه، وإنما قبل الواحد مع اليمين لرجوع ذلك إلى المال، وإن كان أصله وهو الولاء هنا لا يثبت إلا بشاهدين.
أو اثنان بالسماع أنهما لم يزالا يسمعا أنه مولاه، أو أنهما لم يزالا يسمعان أنه وارثه، وحلف بدفع المال له مع شهادتهما، فإن لم يأت للمال مستحق بعد الاستثناء قضي له به، ومذهب ابن القاسم ثبوت المال دون النسب والولاء؛ لاحتمال كون الأصل واحدًا في شهادة السماع.
[مسألة:]
وإن شهد أحد الورثة ولدًا أو غيره أقر الولد أن أباه أعتق عبدًا، وأنكر ذلك بقية الورثة في المسألتين، وشهادة الشاهد، ولا إقرار، لم يجز هذا العبد ولم يقوم عليه، أي: على الشاهد، ولا على المقر؛ لأنه إقرار
[ ٨ / ٢٣٧ ]
على الغير، ولا يقبل في العتق واحد، وإنما قبل في الولاء باعتبار الفرع، وهو المال، وهنا ليس كذلك.
تنبيه:
لو كان في التركة عبيد فقسموا، أو وقع العبد المشهود بعتقه للشاهد بعتقه، قالوا: يعتق عليه.
البساطي: فيه نظر إن قلنا إن القسمة بيع.
[مسألة:]
وإن شهد على شريكه في رقيق بعتق نصيبه، أي: نصيب المشهود عليه، فنصيب الشاهد في الرقيق المشهود بحريته حر، بعد تقويمه على شريكه، إن أيسر شريكه؛ لاعتراف الشاهد أنه لا يستحق غير القيمة.
والأكثر من الروايات على نفيه، أي: نفي العتق على الشريك الموسر.
ثم شبه ذلك بما هو متفق عليه في أنه لا يعتق نصيب الشاهد عليه فقال: كعسره، أي: عسر المشهود عليه بالعتق، وهو لأشهب، ولا فرق بين يسره وعسره، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه التدبير وما يتعلق به، ورسمه المصنف بقوله: تعليق مكلف، فخرج بتعليق التنجيز، وبالمكلف المجنون والصغير، ولو ميز، وهو كذلك، وشمل السكران.
قال المصنف: الأقرب لزومه كعتقه.
رشيد به خرج السفيه المولى عليه؛ فإن تدبيره غير نافذ، اتسع ماله أو لا، وخرج المهمل أيضًا على المشهور، والمشهور عن ابن القاسم جوازه.
[ ٨ / ٢٣٨ ]
والمرأة غير ذات الزوج كالرجل وأشار لذات الزوج بقوله: وإن كان زوجة في زايد الثلث مع الحجر عليها فيها عند مالك في أحد قوليه، وبه قال ابن القاسم، ولو لم يكن لها مال غيره.
العتق: مفعول (تعليق) بموته -أي: المعلق بالكسر- وخرج به العتق لأجل.
ولما كان هذا شاملًا للوصية أخرجها بقوله: لا على وصية، أي: لا على وجه يفهم منه الوصية.
ولما قدم أن التدبير على وجه الوصية غير لازم، وله الرجوع عنه، بيّن أن هذا ما لم يفهم منه إرادة التدبير، كما يأتي، فيصرف له، فمن الأول: كإن مت من مرضي هذا فأنت مدبر، أو إن مت من سفري هذا، أو أنت مدبر بعد موتي؛ لأن كلامه يقتضي أن له الرجوع إن لم يحصل ذلك، فكان ذلك قرينة صارفة عن التدبير في أحد قولي ابن القاسم.
ولما كانت هذه الألفاظ ظاهرة في الوصية قيدها بقوله: إن لم يرده، أي: إن لم تصحبه قرينة تدل عليه، كـ: إن مت فعبدي حر، لا يغير عن حاله، ولا رجوع لي فيه.
ووقع في نسخة الشارح زيادة: (ولم يعلقه)، يعني: فإن وقع معلقًا فحكمه حكم التدبير.
قال ابن القاسم: إن قال: إن كلمت فلانًا فأنت حر بعد موتي، فكلمه، لزمه عتقه بعد موته.
أو قال: هو حر بعد موتي بيوم أو شهر أو أكثر فوصية من الثلث؛ لمخالفته للتدبير بكونه غير معلق على الموت، إلا أن يريد التدبير فيصرف له؛ فهو معطوف على المسائل السابقة.
ثم ذكر صريحه بقوله: بدبرتك، أو أنت مدبر، أو حر، أو عن دبر مني، وهذه الصيغ الثلاثة متعلفة بقوله: (تعليق)، وإن اقترن بها ما يصرفها للوصية، كقوله: ما لم أرجع عن ذلك، أو أفسخه، أو غيره صارت وصية.
[ ٨ / ٢٣٩ ]
ونفذ تدبير نصراني لمسلم؛ لأنه نوع من العتق، وسواء أسلم بعد التدبير أو قبله، أو اشتراه مسلمًا ثم دبره، وحكى اللخمي خلافًا في الأوجه الثلاثة.
وإذا قلنا بصحة تدبيره أوجر له عليه عند مسلم، حذرًا من استعلائه عليه بالخدمة، وله غلته.
تنبيه:
لو قال موضع (نصراني): (ذمي) ليشمل اليهودي لكان أحسن، ولكنه تبع لفظ المدونة.
وتناول التدبير للأمة الحمل معها، وقول الشارح: (يريد إن حملت به بعد التدبير) غير ظاهر.
كولد مدبر من أمته، أي: أمة العبد المدبر، التي حملت به بعده -أي: بعد تدبير أبيه- فيدخل في تدبير أبيه، فلو حملت به قبله كان رقًا لسيده.
قال الشارح: أو يوم التدبير.
وصارت أمة المدبر به -أي: بحملها الحاصل بعد تدبير أبيه- أم ولد للمدبر بالفتح، إن عتق الأب بموت سيده عنده مالك وابن القاسم، وأما قبله فلا، وإنما دخل ولد المدبرة قبل تدبيرها دون حملها من أبيه قبل تدبير أبيه؛ لأنه كجزء منها، حتى تضع، فإذا دبرها فقد دبره، وإذا دبر الأب لم يدخل تدبير الأم ولا حملها حتى تحمل بعد تدبير الأب.
قال ابن يونس: ما في ظهر المدبر من ولد قبل التدبير بمنزلة ما في بطن المدبرة قبل التدبير، فخروج النطفة من المدبر كولادة المدبرة، وولادة المدبرة كحمل أبيه المدبر.
وإذا قلنا ولد المدبر من أمته بمنزلة أبيه وضاق الثلث عليهما قدم الأب عليه في الضيق لتقدم تدبيره عليه.
[ ٨ / ٢٤٠ ]
وقيل: يتحاصصان. وهو كالمشهور في مدبرين في كلمة واحدة.
وللسيد نزع ماله لنفسه ولغرمائه في الفلس لقوة الرق فيه، ومحل انتزاعه مما لم يمرض سيده فليس له انتزاعه في المسألتين، وله رهنه، وهو أحق به من الغرماء بعد موت السيد.
وظاهره: ولو كان التدبير سابقًا على الدين، وهو كذلك، وجازت كتابته؛ لأنها وإن كانت بيعا فمرجعها للعتق، وهي أقرب له من التدبير بدليل حرمة الوطء.
لا إخراجه لغير حرية؛ فلا يجوز، كرجوعه عن تدبيره أو بيعه على المشهور، ولو تخلق عن سيده.
وإن بيع فسخ بيعه إن لم يعتق، فإن نجز المشتري عتقه مضى بيعه وعتقه، وكان الولاء له، أي: لمعتقه، ولمالك: يفسخ البيع لانتقال الولاء للمدبر.
ثم شبه في منع البيع وفسخه إن وقع، ومضيه إن عتق، وانتقال الولاء بقوله: كالمكاتب، فلا يجوز بيع رقيقه؛ لثبوت الولاء للمكاتب، وإن بيع من غير عجز فسخ ما لم يفت بالعتق فيمضي، وولاؤه لمن أعتقه.
وإن جنى المدبر خير سيده في فدائه أو إسلامه فإن فداه بأرش جنايته بقي مدبر الحالة، وإلا بأن لم يفده أسلم خدمته للمجني عليه؛ ليستوفي منه الإرش تقاضيًا شيئًا فشيئًا، ولا يملك المجني عليه جميعها على المشهور.
وحاصه - أي: حاص المجني عليه الأول الذي أسلمت له الخدمة شخص آخر مجني عليه ثانيًا بعد إسلامه للأول بجميع إرش جنايته إن كان استخدمه، وإلا فكل منهما يحاصص بجميع جنايته، ورجع مدبرًا على حاله إن وفى الجناية أو الجنايتين، وإن عتق بموت سيده أتبع بالباقي من الإرش، أو عتق بعضه بحصته ورق باقيه لضيق الثلث اتبع في عتق منه بحصته.
وخير الوارث في إسلام ما رق منه للمجني عليه، أو فكه بقدر ما
[ ٨ / ٢٤١ ]
يخصه مما بقي من الإرش، وقاله الفقهاء السبعة.
تنبيه:
قال ابن المواز: إنما خير الوارث فيما بقي وكان السيد أسلمه لأنه إنما أسلم خدمته، فلما رق بعضه فهو غير ما أسلمه السيد، وقوم المدبر بماله، أي: معه يوم النظر، لا يوم موت سيده، فيقال: كم يساوي على أن من المال كذا عينًا أو عرضًا، أو كان قبل كذا نظر، فإن حمله ثلث السدس عتق، يتحمله ماله.
وإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق، أي: عتق ذلك البعض ورق باقيه، وأقر ما له بيده، وبقي المال كله بيده، وإن كان لسيده دين مؤجل كخمسة عشر مثلًا على حاضر مليء، وفي بعض النسخ موضع (مليء): (موسر) بيع الدين بالنقد، أي: معجلًا لا مؤجلًا، فإن ساوي الدين عشرة، وقيمة المدبر عشرة، وسيد المدبر عشرة عتق كله، لخروجه من الثلث، وظهر لك أن مراده بالنقد المعجل لا العين؛ لأن الدين إذا كان عينًا إنما يقوم بالعروض.
ثم ذكر قسيم قوله حاضر، فقال: وإن كان الدين على غائب قربت غيبته استؤني، أي: انتظر قبضه ممن هو عليه، وإلا بأن لم يكن للسيد مال، أو له ولكنه على غائب بعيد الغيبة، أو على معسر بيع منه القدر الذي لم يحمله الثلث، فإن حضر المدين الغائب أو أيسر المعدم بعد بيعه عتق منه، أي: من المدبر بنسبة ذلك حيث كان بيد الورثة أو بيد مشتر، ولو تداولته الأملاك، وهو المعروف من قول مالك وأصحابه.
ومن قال لعبده: أنت حر قبل موتى بسنة، فهو عتق معتبر، وموته غير معلوم، وأول السنة غير معلوم، والحيلة في الخروج من ذلك أن ينظر: إن كان السيد مليئًا خدمه العبد، ولم يوقف من خدمته شيء، فإذا مات سيده نظر إلى حاله قبل موته بسنة، فإن صح في ذلك اتبع بالخدمة عن كل السنة؛ لأنه تبين أنه كان حرًا من أولها، وعتق من رأس المال؛ لأنه الآن تبين أنه معتق في الصحة، وإلا بأن كان السيد مريضًا من أول السنة فمن
[ ٨ / ٢٤٢ ]
الثلث يكون عتقه؛ لأنه تبين أنه أعتقه في المرض، ولم يتبع سيده بشيء، وغلته لسيده؛ لأن كل من يخرج من الثلث فغلته لسيده، وإن كان السيد غير مليء وقف خراج سنة من أجرته، وحيز عن السيد والعبد، ثم بعد السنة إذا خدم العبد يومًا أو جمعة أو شهرًا يعطى السيد مما وقف من خراج أول السنة مما خدم نظيره من السنة الثانية عند ابن القاسم.
وبطل التدبير بقتل العبد المدبر سيده عمدًا؛ لاستعجاله ذلك قبل أوانه، فعوقب بحرمانه، ويقتل، فإن استحياه الورثة رق لهم، ولو قتله خطأ عتق في ماله، ولم يعتق في دينه، وكانت الدية عليه دينًا، ليس على عاقلته منها شيء؛ لأنه إنما فعل ذلك وهو رقيق.
تنكيت:
قول الشارح: (يعتق في المال، لا في الدية التي تؤخذ من عاقلته) سهو.
وبطل التدبير باستغراق الدين له، أي: لقيمته، وللتركة، كما لو ترك السيد عشرة، وقيمة المدبر خمسة، وعليه دين خمسة عشر؛ لأن القاعدة: إن ما خرج من الثلث فالدين مقدم.
وإن لم يستغرق الدين ذلك، أو لا دين، ولم يحمله بطل بعضه، أي: التدبير بمجاوزة الثلث؛ لأنه إنما يخرج منه كما لو كانت تركة سيده خمسة، وقيمته خمسة، ولا دين، فثلث التركة ثلاثة وثلث، وهي قيمة ثلثي المدبر، فيعتق ثلثاه، ويرق ثلثه.
والمدبر له حكم الرق يعتق فيما وجد من ماله حينئذ في خدمته وحدوده، ولا يقتل قاتله الحر.
ثم بالغ بأن هذا الحكم يستمر وإن مات سيده حتى يعتق فيما وجد من ماله حينئذ؛ لما تقدم؛ لأنه إنما ينظر لقيمته يوم النظر فيه، لا يوم الموت، ولا نظر إلى ما هلك من التركة قبل التقويم، ونحوه في المدونة.
وإن جمع شخص لعبده بين لفظين يكون بأحدهما مدبرًا وبالآخر معتقًا
[ ٨ / ٢٤٣ ]
لأجل، فقال: أنت حر بعد موتي وموت فلان عتق من الثلث أيضًا، كالذي قبله، إن حمله الثلث، وإلا فمحمله، ولا يبطل حكم التدبير بجعله معتقًا لأجل، ونحوه في المدونة، وزاد: وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي، وإن مت أنا فأنت حر بعد موت فلان.
زاد ابن يونس: ولا الرجوع له فيه.
وإن قال في صحته لعبده: أنت حر بعد موت فلان بشهر مثلًا، فمعتق لأجل، وحكم المعتق لأجل أنه يخرج من رأس المال، يريد إذا قال ذلك السيد في صحته، أما إن قاله في مرضه فإنما يعتق بعد موت فلان من الثلث.
البساطي: وأطلق المؤلف اتكالًا على ما اشتهر من أن التبرعات في المرض مخرجها الثلث، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه المكاتب والكتابة، وما يتعلق بذلك، ولم يعرفها المؤلف، وانظر تعريف ابن عرفة في الكبير.
[حكمها:]
وابتدأ المصنف بذكر حكمها، فقال: ندب مكاتبه أهل التبرع، خرج الصبي والمجنون والمحجور عليه.
[أركانها:]
وأركانها أربعة:
- السيد.
- والعبد.
[ ٨ / ٢٤٤ ]
- والصيغة.
- والعوض.
وأشار للأول بما ذكر، وقيل: حكمها الإباحة؛ ففي الموطأ: سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك يتلو: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فحملها على الإباحة.
[مسألة:]
وندب للسيد حط جزء آخرًا من نجومها لينسب إليه الولاء حقيقة، وخص الندب بالأخير وإن كان كل جزء كذلك لأنه بدليل مخصوص، وغيره بعموم: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، وإطلاق الجزء يدل على عدم تحديده.
[مسألة:]
ولا يجبر العبد عليها على المشهور، والمأخوذ منها -أي: من المدونة- الجبر، أخذه أبو اسحق من قولها: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى العبد للسيد غائب لزم العبد الغائب، وإن أكره؛ لأن هذا يؤدي عنه، ويتبعه إن لم يكن ذا قرابة ممن يعتق على الحر بالملك.
[الركن الثاني:]
وأشار للركن الثاني وهو الصيغة بقوله: بكاتبتك ونحوه، كـ: أنت مكاتب، و: بعتك نفسك بكذا لشيء يسميه، والمدونة ظاهرها عند عياض وغيره اشتراط التنجيم في العوض؛ لقولها: وإن كاتبه على ألف درهم ولم يضرب لها أجلًا نجمت.
وقولها: ولا تكون حالة وإن كره السيد، والكتابة عند الناس منجمة، وهو يعني بالناس الصحابة والتابعين.
وصحح خلاف، وأطلق في التنجيم؛ ليشمل ما قل، وما كثر.
[ضربا الغرر في العوض:]
[ ٨ / ٢٤٥ ]
ولما كان الغرر في الركن الثالث، وهو العوض على ضربين: جائزًا وممنوعًا، أشار لذلك بقوله: وجاز عند ابن القاسم بغرر كآبق وبعير شارد وثمر لم يبد صلاحه.
وعلى جنين من أجنة سائر الحيوان، وأجاز فيها الكتابة على وصف الحمران، وإن لم يصفهم، وله الوسط من الجنس كالنكاح.
وجاز على عبد فلان وعليه تحصيله، لا على لؤلؤ لم يوصف لكثرة التفاوت في أفراده.
ولا على عوض غير متمول شرعا كخمر وخنزير ونحوهما، فإن وقع مضي، ورجع لكتابة مثله عند ابن الماجشون.
وجاز للسيد فسخ ما عليه في شيء موخر، والتعجيل على إسقاط بض ما عليه، وهو ضع وتعجل، وسواء حل ما عليه أم لا، ففي الأول بيع بدين، وفي الثاني فسخ دين في دين؛ لتشوف الشارع للحرية.
أو كذهب يفسخه في ورق وعكسه؛ لأن الكتابة ليست كالديون الثابتة، ولا المعاوضة المحصنة عند مالك وابن القاسم.
وجاز مكاتبة ولي ما -أي: رقيق- لمحجوره: صبي أو مجنون أو سفيه بالغ بالمصلحة.
قال الشارح: لو قال (من) بدل (ما) لكان أحسن، فإن أكثر استعمال (ما) لغير العاقل، و(من) للعاقل.
وجاز للسيد عند ابن القاسم مكاتبة أمة وصغير، قالوا: والحد الذي يجوز كتابتها إليه بلوغ كل عشر سنين في فوقها، وإن كان بلا مال لهما، وبلا قوة على كسب، ومنع ذلك أشهب، وجاز عند مالك وأصحابه بيع كتابة جميعها.
وظاهر كلامه: جوازها للعبد أو للأجنبي.
أو بيع جزء منها كثمن وثلث ونحوهما، وهو قول ابن القاسم،
[ ٨ / ٢٤٦ ]
واختاره جماعة من الأشياخ؛ إذ لا فرق بين كلها أو جزء منها، لا بيع نجم معين منها.
قال ابن عسكر: للجهالة. انتهى.
ولعل المعنى شراء النجم الرابع أو الخامس مثلًا، ولم يعلم قدره، وحيث جاز بيع كلها أو جزء منها. فإن وفى المكاتب ذلك للمشتري فالولاء للأول، وهو البائع؛ لانعقاده له، والمشتري قد استوفى ما اشتراه.
والا بأن عجز قبل الوفاء رق للمشتري، وجاز عند ابن القاسم وغيره إقرار مريض بقبضها في مرضه من مكاتبه إذا كاتبه في صحته.
[شرط صحة الإقرار:]
وأشار إلى شرط صحة إقراره بقوله: إن ورث السيد غير كلالة، لا ولد له، ولا والد؛ لأنه لا يتهم حينئذ، فإن ورث كلالة (١) والثلث لا يحمله
_________________
(١) قال السهيلي ص ٦٩: "فصل في معنى الكلالة، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾. . الآية) لفظ الكلالة من الإكليل المحيط بالرأس لأن الكلالة وراثة من لا أب له ولا ولد فتكللت العصبة أي أحاطت بالميت من كلا الطرفين وأصل هذه الكلمة مصدر مثل القرابة والصحابة إلا ترى أنها لما كانت في معنى القرابة جاءت على وزنها ثم سمى الورثة، الذين هم أقرباء الميت دون الولد والأب كلالة بالمصدر كما تقول هم قرابة أي ذوو قرابة وهم صحابة أي ذوو صحابة وأما صحبة بغير ألف فجمع صاحب مثل الكتبة جمع كاتب فإذا عنيت المصدر قلت ورثوه عن كلالة كما تقول فعلت ذلك عن كراهة قال الشاعر: ورثتم قناة المجد لا عن كلال عن ابن مناف عبد شمس وهاشم وإذا جعلت الكلالة عبارة عن الورثة فهو مجاز مستحسن في القياس والاستعمال قال الشاعر: والمرء بجمع في الحيا ة وفي الكلالة ما يسيم أي الورثة الذين هم ذوو كلالة ما يسيم من المال أي يرعاه وقد روي أن جابرًا قال للنبي -﵇- كيف أصنع في مالي وليس يرثني إلا كلالة، فهذه حقيقة الكلالة ومجازها ولا يصح قول من قال الكلالة المال ولا قول من قال: إنها الميت وإن كان قد قال =
[ ٨ / ٢٤٧ ]
لم يصدق إلا ببينة، وإن حمله صدق؛ إذ لو أعتقه لجاز عتقه، وإن كاتبه في مرضه وأقر بقبضها فيه فإن حمله الثلث عتق ورث كلالة، أو لا كمبتدئ عتقه، وإن لم يحمله الثلث خير ورثته في إمضاء الكتابة، فإن أمضوا وإلا عتق منه محمل الثلث، كذا في المدونة.
تنبيه:
قد علمت أن في كلام المؤلف إجمالًا، حيث لم يفصل كون الكتابة في الصحة أو المرض، كما في المدونة.
وإذا كاتب المريض عبده في مرضه وقبض الكتابة ثم مات السيد جازت مكاتبة إن كانت بلا محاباة، وإلا بأن حابى كانت محاباته في ثلثه، فإن حملها مضت، وإلا مضي ما حمله، وإن لم يحمل منها شيئًا بطلت، ونحوه في المدونة.
وجازت مكاتبة جماعة أرقاء إذا كانوا لمالك واحد، وأما جماعة لملاك فلا يجوز؛ إذ لو عجز أحدهم أو مات أخذ سيده من مال صاحبه باطلًا، وإذا كان المالك واحدًا فتوزع الكتابة عليهم على قدر قوتهم وخدمتهم واجتهادهم على الأداء يوم العقد بينهم، لا على قدر قيمة كل واحد، ولا على عددهم، ولا على قوتهم من حيث القوة نفسها؛ إذ لا يلزم
_________________
(١) = القدماء من المفسرين الكلالة من لا والد له ولا ولد ولكن لا حجة في هذا لأن القوم أشاروا إلى المعنى دون تفسير اللفظ ففهم عنهم أن من مات ولا ولد له فهو الموروث بالكلالة لا سيما وهم إنما فسروا قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة فقالوا هو من لا والد له ولا ولد يعنون الرجل الذي يورث كلالة واللَّه أعلم فعلى هذا يكون إعراب الكلمة إما مفعولًا ثانيًا إن عنيت به الورثة والمفعول الأول مضمر في يورث كما تقول هو يلبس ثوبًا ويطعم طعامًا وإما حالًا إن عنيت به المصدر فيكون التقدير يورث وراثة كلالة فلما حذف ذكر الورثة وصارت مضمرة معرفة عند المخاطب بما تقدم من اللفظ المشتق منها صارت صفتها حالًا منها كما تقول سار به رويدًا فرويدًا حال من السير قاله سيبويه وضعفاء من النحويين يعربون مثل هذا نعتًا لمصدر محذوف والذي قدمناه هو الصواب وحسبك أنه مذهب صاحب الكتاب ووجه الحجة يطول".
[ ٨ / ٢٤٨ ]
من ذلك القوة على التكسب، ولا تعتبر القوة بعد يوم العقد إن حصل تغيير بعده، وإن انعقد على صغير معهم عاجز عن الكسب من يوم الكتابة إلى انقضائها لم يتبع بشيء، قاله اللخمي.
وهم وإن زمن أحدهم حملاء بعضهم عن بعض مطلقًا اشترط ذلك عليهم أو لا، على المعروف من المذهب.
مالك: هي سنة الكتابة عندنا، بخلاف حمالة الديون، لا تلزم الحمالة فيها إلا بالشرط، وبسبب كونهم حملاء، فيؤخذ من المليء منهم الجميع؛ لأنه حكم الحمالة، وهو لا يعتق أحدًا منهم إلا بتمام أداء الجميع.
وأفهم قوله: (المليء) لو كانوا كلهم أملياء لم يكن للسيد أخذ أحدهم بما على حملتهم، وهو ظاهر المدونة، ومن أبي منهم فإنه يرجع على من أدي عنه بحكم التوزيع، وهو مذهب المدونة.
[شرط الرجوع:]
وأشار لشرط الرجوع بقوله: إن لم يعتق على الدافع لو ملكه كالآباء والأمهات والأولاد والأخوات، وإن لم يكن زوجًا ملك، ولا يسقط عنهم لشيء بموت واحد منهم أو عجزه، ويرجع على من لم يعتق عليه من الأقارب لو ملكه كالعم ونحوه مما بينه وبينه توارث، وأحرى ذوا الأرحام.
[مسألة:]
وجاز للسيد عتق قوي منهم على السعي إن رضي الجميع بذلك وقووا على الوفاء، فإن لم يقووا لم يفده رضاهم، وظاهره: ساواهم في القوة أو كان أقوى منهم أو أقل، وهو قول ابن القاسم.
فإن رد عتق قوي لعدم رضاهم بذلك ثم عجزوا عن الوفاء ورقوا صح عتقه؛ لأنه إنما رد لحقه، فإذا سقط حقهم نفذ عتقه، ونحوه في المدونة.
وجاز الخيار فيها للسيد أو العبد أو هما، وأطلق المؤلف، وقال في المدونة: يومًا أو شهرًا.
[ ٨ / ٢٤٩ ]
وجازت مكاتبة شريكين عبدًا لهما اتفق ما لكل منهما، أو اختلف بمال واحد قدرًا وأجلًا واقتضاء على الشركة، فلو شرطا أن لكل أن يقتضي دون شريكه فسد الشرط، ورفعًا أخذ وكان بينه وبين شريكه رقبة العبد، سواء قبض الكتابة كلها أو بعضها، لا أحدهما لا يجوز كتابته دون شريكه، ولو أذن له، أو كاتباه على مالين مختلفين قدرًا وجنسًا، أو صفة أو أجلًا؛ لأنه يؤدي لعتق البعض دون تقويم، أو كاتباه على مال متحد قدرًا وجنسًا وصفة وأجلًا بعقدين فيفسخ عند ابن القاسم.
قال: وإن لم يعلم أحدهما بعقد الآخر.
وجاز رضا أحدهما بتقديم الآخر في قبض نجم حل ليأخذ الآخر النجم الذي بعده؛ إذ هو كالسلف، فإن وفى المكاتب فواضح، وإلا رجع الآخر لعجز من المكاتب بحصته على شريكه، وكان العبد بينهما كما كان، وهذا إذا رضي بتقديمة في نجم فقط، وأما إن رضي بتقديمه في حقه جميعه فتارة يكون بعد محله، وتارةً قبله.
والمسائل الثلاث في المدونة، ولنذكرها، قال في التهذيب: إن حل نجم من نجومها فقال أحدهما: بديني به وخذا لك النجم المستقبل ففعل ثم عجز العبد عن النجم الثاني فليرد المقتضي نصف ما قبض إلى شريكه لأن ذلك سلف منه له ويبقي العبد بينهم ولا خيار للمقتضي بخلاف القطاعة وهو كدين لهما على رجل منجمًا قيدًا أحدهما صاحبه ينجم على أن يأخذ هو النجم الثاني ثم فلس الغريم في النجم الثاني فليرجع صاحبه منه لأنه سلف منه وإن أخذ أحدهما من المكاتب جميع حقه بعد محلمه بإذن صاحبه وآخره صاحبه ثم عجز المكاتب فلا رجوع للذي أخر على المقتضي ويعود العبد بينهما وهو كغريم لهما قبض أحدهما حقه منه بعد محلمه وأخره الآخر ثم فلس الغريم فلا يرجع الذي آخره على المقتضي بشيء لأنه لم يسلف المقتضي شيئًا فيتبعه ولكنه تأخير لغريمه وإن تعجل أحدهما جميع حقه من النجوم قبل محلها بإذن شريكه ثم عجز المكاتب عن نصيب شريكه فهذا يشبه القطاعة وقيل ليس كالقطاعة وبعد ذلك إن عجز سلفًا من
[ ٨ / ٢٥٠ ]
المكاتب فللمتعجل ومن القطاعة التي أذن فيها أحد الشريكين لصاحبه كالبيع لأنه. . سلفه في العبد إن عجز قال وبيعه. . لشريكه بخلاف عتقه أنه بيعه في العبد ولكنه كشراء العبد. . انتهى.
وفي كلام المصنف إجمال بالنسبة لهذا، فتأمله.
كإن قاطعه -أي: قاطع أحد الشريكين المكاتب بإذنه، أي: أذن شريكه من عشرين مؤجلة هي حصته في الكتابة على عشرة يأخذها معجلة عن عشرينه المؤجلة، فإن عجز المكاتب قبل قبض شريكه مثل ما قبض خير المقاطع بالكسر بين أمرين:
- رد ما -أي: الزائد الذي- قضى به شريكه ليتساويا، ويصير العبد مشتركًا بينهما، كما كان.
- وبين إسلام حصته رقا لشريكه، ولا رجوع له -أي: للمقاطع- على الآذن، وإن قبض الأكثر.
البساطي: ظاهره كالمدونة أن الإذن لا يرجع عليه بشيء مما أخذ، وأن المقاطع يدفع له نصف ما قبض.
فإن مات المكاتب عن مال أخذ الآذن مالى الذي كاتبه به جميعه، بلا نقص إن تركه -أي: المال- حلت بالكتابة أم لم تحل؛ لأنها تحل بالموت، ثم يكون ما بقي بين الذي قاطعه وبين شريكه على قدر حصصها في المكاتب.
وإلا بأن لم يترك مالًا فلا شيء له -أي: للآذن- على المقاطع، سواء قبض المقاطع كلها أو بعضها، قبض الآذن شيئًا أم لا، وعتق أحدهما نصيبه من المكاتبة وضع لما له، فإن كان بينهما نصفين سقط عنه نصف كل نجم، ولا يقوم عليه، إلا إن قصد بالوضع العتق تصريحًا، أو يفهم عنه ذلك، فيعتق الآن ويقوم عليه.
ثم شبه في المسابقة في وضع المال فقال: كـ: إن فعلت بفتح التاء أو ضمها فنصفك حر مكتابة.
[ ٨ / ٢٥١ ]
ثم فعل وضع النصف، ولا يمنع من وجوب التعليق على صفة ممكنة الكتابة، ورق كله إن عجز، وللمكاتب بلا إذن من سيده بيع واشتراء ومشاركة ومفاوضة؛ لما في كل منها من تنمية المال المؤدي لخلاصه من الرق.
وفي بعض النسخ: (ومفاوضة) وفي بعضها: (ومعاوضة)، والتي قررناه عليها أحسن منهما للاستغناء عنهما بالبيع والمشاركة.
وله مكاتبته لرقيقه لابتغاء الفضل، وإلا لم يجز، كما في المدونة.
تذييل:
لو عجز بعد كتابته لرقيقه أخذ السيد الأعلى من المكاتب الأسفل، وعتق إن وفي، وولاؤه للسيد الأعلي، وإن عتق السيد الأدنى بعد عجزه لم يرجع إليه الولاء.
وعليه استخلاف عاقد لأمته؛ لأنه لا يباشر ذلك لشائبة الرق، وربما أشعر استخلافه في الأمة بأن له تزويج عبده بغير إذن سيده، وهو كذلك إذا كان نظرًا عند ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يزوجه إلا بإذنه.
وله إسلامها في جنايتها أو فداؤها إن جنت بالنظر، راجع لجميع ما قدمه.
وله سفر بغير إذنه، إذا كان لا يحل فيه نجم من كتابته، وليس له منعه منه، ولو كان صانعًا، خلافًا للخمي في منع الصانع من السفر.
وله إقرار بشيء في رقبته كقتل عمد، ولهم أن يقتصوا، فإن لم يقتصوا فلا شيء لهم في ماله ولا في رقبته إن عجز، كذا في جنياتها.
وله إسقاط شفعته، قال الشارح: يريد إذا كان نظرًا.
[ما لا يجوز فعله للمكاتب:]
ولما بين ما يجوز للمكاتب فعله شرع في بيان ما لا يجوز له فعله من
[ ٨ / ٢٥٢ ]
التبرعات، فقال: لا عتق بغير إذن سيده، فإن فعل رده.
ولما كان لا فرق بين عتق القريب والأجنبي بالغ بقوله: وإن قريبًا، ولفظ المدونة: لا ينبغي للمكاتب أن يشتري ولده أو أباه إلا بإذن سيده، ولا يبيعهم في عجزه، فإن عجز وعجزوا رقوا كلهم للسيد، وإن ابتاعهم بغير إذن لم يفسخ بيعهم، ولا يدخلون في كتابته، ولا يبيعهم، إلا أن يخشى عجزًا.
وليس له هبة من ماله ولا صدقة، وللسيد رد ذلك، وليس له تزويج، ظاهره: وإن رأى ذلك نظرًا؛ لأنه يعيبه إن عجز، ونحوه في المدونة، فإن تزوج بغير إذنه فإن أجازه جاز، وإن رده فسخ وترك لها ثلاثة دراهم.
وربما أشعر قوله: (تزويج) بجواز تسريه، وهو كذلك؛ إذ لا يعيبه ذلك كالنكاح.
وليس له إقرار بجناية خطأ، قال الشارح: لعله لمن يتهم عليه.
وليس له سفر بعد إلا بإذن عند ابن القاسم، وله تعجيز نفسه إن اتفقا هو وسيده على ذلك، ولم يظهر له مال فيرق بسبب جواز التعجيز إذا لم يكن له مال ظاهر دون إذن السلطان، ويمضي على المشهور.
المتيطي: وبه الحكم، وعليه العمل.
وبالغ على رقه بقوله ولو ظهر له مال صامت أخفاه، أو طرأ له، ولا يرجع عما كان رضي به، أو العكس، ونحوه في المدونة.
ومفهوم (اتفقا) أنهما لو اختلفا فطلب السيد تعجيزه وأبي هو أو العكس فليس تعجيز نفسه دون السلطان.
كأن عجز عن شيء مما كتب عليه عند المحل؛ لأن عجزه عن البعض كالجميع.
أو غاب عند المحل ولا مال له، ثم قدم، فإن ذلك تعجيز.
وحذف (عند المحل) من التي قبلها؛ لدلالة هذا عليه.
[ ٨ / ٢٥٣ ]
وفسخ الحاكم كتابته حينئذ، وتلوم لمن يرجوه قبل الفسخ باجتهاده، ولا يتلوم لغيره ألبتة، كالقطاعة يتلوم فيها لمن يرجوه لا لغيره، والتلوم ثابت ولو شرط السيد على المكاتب عند عقد الكتابة خلافه -أي: خلاف التلوم- كشرطه إن عجز على نجم من نجومه فهو رقيق، وإن لم يؤد نجومه، ولا يعجزه إلا السلطان بعد اجتهاده له في التلوم.
وقبض الحاكم الكتابة إن غاب سيده، ولا وكيل له، ويخرج حرًا.
ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن أراد المكاتب تعجيلها قبل محلها، وفسخت إن مات المكاتب وإن عن مال فيه وفاء بما عليه بموته قبل حصول حريته، ولذلك يأخذ السيد ماله بالرق، إلا الولد أو غيره كأجنبي دخل معه في الكتابة بشرط أو غيره عائد على الأجنبي.
والولد إما مع الشرط في الأجنبي، كما لو كانت أمته حاملًا لم يدخل حملها إلا بالشرط كما في المدونة، وفي العتبية يدخل، علم به أم لا، وإما بغير شرط، بل بمقتضي العقد، فكحدوث الولد بعد الكتابة، وأما دخول غير الولد بالشرط فواضح، وبمقتضى العقد كشراء المكاتب من يعتق عليه، فتؤدى حالة مما مات عنه، ولا يفسخ، ويعتق جميعه هو ومن معه في الكتابة.
وإذا فضل مما تركه شيء عن قدر الكتابة ورثه من معه فيها فقط دون من ليس معه فيها، فلا يرثه: حرًا كان أو عبدًا، وفي كتابة أخرى ولدًا أو غيره ممن يعتق عليه من آبائه وأبنائه وأخوته وأخواته على المشهور، فيتخرج الزوجة المكاتبة معه كما في المدونة، وإن مات المكاتب ولم يترك وفاء بالكتابة بأن لم يترك شيئًا أصلًا، وقوي ولده الذي معه في الكتابة على السعي على أدائها سعوا، وأدوها نجوما، وإن ترك شيئًا لا يوفي بها ترك متروكه للولد إن أمن وقوي على السعي.
ومفهوم الشروط: إن لم يؤمن ولم يقو لم يدفع له شيء، وهو كذلك، ثم إن كان معه في الكتابة أم ولد للمكاتب لها أمانة وقويت على السعي دفع لها ذلك تؤديه على النجوم.
[ ٨ / ٢٥٤ ]
وإلى هذا أشار بقوله: كأم ولده، فإن لم يكن لها قوة، ولا هي مأمونة، أخذه السيد، فإن كان فيه ما يؤدي من النجوم إلى أن يبلغ الولد السعي لم يعجز الولد، وإن لم يكن فيه ما يؤدي إلى أن يبلغ السعي، وكان في ثمن أم ولد ما يؤدي إلى أن يبلغ السعي بيعت، ولم يعجز الولد، وإن كان لا يوفي بجميع ذلك كان الولد رقيقًا، حكاه اللخمي.
وإن وجد العوض الذي قبضه السيد عن الكتابة أو عن بعضها معيبا رده، ورجع عليه بمثله إن كان له مال، ولا يرجع قنا.
وقال بعض شراح هذا الكتاب: نحوه في المدونة، وزاد فيها: إن قدر، وإلا كان دينًا، ولا يرد العتق، ومثله للمصنف؛ لأن الكتابة إنما تكون بغير المعين، والأعواض غير العينة إذا اطلع فيها على عيب قضي بمثلها.
أو استحق العوض الذي دفعه المكاتب وقد كان كوتب عليه موصوفًا في ذمة المكاتب رجع السيد بقيمته إن كان له مال، وإلا رد مكاتبًا كما كان لا قنا، فنائب فاعل (استحق): (العوض في الكتابة). قال في التوضيح: إنما فرضها في المدونة وغيرها في القطاعة، ثم حكاه فيها عن أشهب، وابن نافع عن مالك.
ثم أفاد حكم هاتين المسألتين، وهما: إذا وجد العوض معيبًا أو استحق وهو موصوف بتشبيههما بقوله: كمعين من عبد أو ثياب أو غيرهما كاتبه عليه، ثم استحق، فإنه إن لم يكن للمكاتب ملك في المعين حقيقة ولا شبهة، بل غر سيده به، كما لو كان مودعًا عنده مثلًا فاستحق، فإنه يرجع مكاتبًا.
قال ابن رشد: اتفاقًا.
وإن لم يغر، بل كان مملوكًا له بشبهه، واستحق فإنه يرجع مكاتبا كما كان، إن لم يكن له مال، فإن كان له مال مضى عتقه، وأخذ منه قيمة المعين، ولا يرجع قنا، فقوله: (إن لم يكن له مال) راجع للمسائل الثلاث؛ ففي الأولى كما ذكرناه عن المدونة، وفي الثانية كما قال ابن نافع، والتشبيه في أنه لا يرجع قنا، وهذا التقرير منزل على ما في توضيحه لمن تأمله، وبه
[ ٨ / ٢٥٥ ]
يندفع قول الشارح: (إنه أجمل في الجواب عن المسألة الأولى بالمثل والثانية القيمة)، وقول البساطي: (وبالجمة فإن كلامه غير مقيد).
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: إن هذه المسألة من مشكلات هذا المختصر.
قال: وقد كتب لي بعض الثقات كلام ابن مرزوق، ثم ذكره، وفيه طول واعتراض، فتركته لذلك.
ثم حكي عنه أنه رأى في بعض النسخ ما صورته: وإن وجد العوض معيبًا فمثله، أو استحق موصوفًا فقيمته، كمعين وإن بشبهة، وإن لم يكن له مال أتبع به دينًا.
قال: وهذا أقرب للاستقامة وموافقة النقل. انتهى. وإذا تأملت ما ذكره عن هذه النسخة رأيته موافقًا لما قررناه، وباللَّه تعالى التوفيق.
ومضت كتابة كافر نصراني أو غيره لمسلم ابتاعه كذلك، أو أسلم عنده، وهو أحد قولي مالك؛ لأنها نوع من العته، وله أيضًا يبطل.
وحيث مضت بيعت من مسلم، فإن عجز رق لمشتريه، وإن أدي عتق، وكان ولاؤه للمسلمين دون مسلمي ولد سيده، ولا يرجع لمعتقه إن أسلم، كأن كانت الكافر عبدًا كافرًا، ثم أسلم العبد، فإن كتابته تمضي اتفاقًا، إن بقي السيد على إلزام نفسه الكتابة، ولو طلب الرجوع عنها فظاهر المدونة منعه من ذلك، وإذا مضت فإنها تباع لمسلم.
وبيع معه -أي: مع كتابة المسلم- من دخل معه في عقده، فإن عجز رق لمشتريها، وإن أدعى عتق، وكان ولاؤه له، لثبوته له حين عقدها هو على دينه.
وكفّر المكاتب بالصوم إن وجبت عليه كفارة فيها صوم، ولا يطعم، ولا يعتق؛ لمنعه من إخراجه المال بغير عوض.
واشتراط السيد وطء المكاتبة عند العقد أو بعده ما دامت مكاتبة، وكذا المعتق لأجل.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
واستثناء حملها بأن يقول: حملها أو ما تلده زمن كتابتها رق لي لغو، وهو مذهب المدونة.
أو يشترط أن ما يولد لها من أمتها يكون له لغو، أو ما يولد لمكاتبه من أمته بعد الكتابة يكون رقًا له: ذكرًا كان المولود أو أنثى لغو، وهو مذهب المدونة.
أو اشتراط قليل كخدمة عليه للسيد إن وفى كتابته لغو، أي: يلغي الشرط في المسائل الخمس، وتبقى الكتابة على حالها، فـ (لغو) محذوف من المسائل الأربع قبله؛ لدلالة هذا عليه.
ومفهوم كلامه: لو كاتبه على مال وخدمة كثيرة لزمته.
وإن عجز المكاتب عن شيء مما كوتب عليه رق، وأعاد هذه ليرتب عليها قوله: أو عجز عن دفع أرش جناية منه على أجنبي رق ولا ينجم عليه الأرش، ويخير سيده بين إسلامه فيها أو فدائه بأرشها، وإن لم يعجز لم يرق، وإن جاوزت جناية قيمة رقبته، أو كانت دية فأكثر، ويبقى على كتابته.
ثم بالغ على عجزه عن الجناية بقوله: وإن كانت على سيده ولم يعجل الأرش رق كالقن إذا جني، يخير سيده، وأدب السيد أو وطىء مكاتبته، إلا أن يجهل فلا أدب ولا حد عليهما وإن طاوعته، للشبهة، بلا مهر، ولا يلزمه ما نقصها إن طاوعته ولو بكرًا، وعليه نقص لمكرهة، وقيده ابن يونس بالبكر، وأما وطء الأجنبي فعليه ما نقصها بكل حال؛ إذ قد تعجز فترجع للسيد معيبة، وهي بعد وطء السيد لها طائعة أو مكرهة على كتابتها.
وإن حملت خيرت عند مالك في البقاء على كتابتها على السيد، وتصير مستولدة ومكاتبة، ونفقتها في زمن كتابتها على السيد على الأرجح، ثم إن أدت نجومها عتقت، وإلا عتقت بموت السيد.
وبين انتقالها إلى أمومة الولد إلا الضعفاء معها أو أقوياء لم يرضوا، فلا خيار لها في المسألتين.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
وإن كان معها أقوياء رضوا حط عنهم حصتها إن اختارت الأمومة من المكتابة وكانت أم ولد، وإن قتل المكاتب وجبت قيمته فالقيمة للسيد، لا لورثته؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم.
واختلف في كيفية تقويمه: هل يقوم قنا، وهو مذهب المدونة عند جماعة؛ لأن الكتابة بطلت بقتله، بخلاف الجناية عليه فيما دون النفس فالأرش على أنه مكانه؛ لأن الكتابة لم تعطل لبقاء ذاته، أو يقوم مكاتبًا، وهو مذهب المدونة عند أبي عمران تأويلان، وهما روايتان عن مالك.
وإن اشترى المكاتب من أي قريبًا يعتق على سيده كأبيه مثلًا صح شراؤه، ولا يعتق على سيده؛ لأنه أحرز نفسه وماله، وعتق على سيده إن عجز، ورُقّ، والقول للسيد إن اختلف مع رقيقه في الكتابة بأن قال له: كاتبتني، وأنكر؛ لأن الأصل عدمها.
وكذا القول للسيد إن اختلفا في الأداء لجميع الكتابة أو بعضها؛ إذ الأصل عمارة الذمة مما عقدا عليه، إلا القدر والأجل والجنس فالقول للعبد في كل من الثلاثة إن اختلفا.
وإن أعانه جماعة بشيء يؤدي منه كتابته ففعل وفضلت فضلة فإن لم يقصدوا الصدقة عليه بما أعانوا به رجعوا بالفضلة إن شاءوا، وتحاصوا، وحللوه منها، ورجعوا على السيد أيضًا بما قبضه في الوجه الذي يكون لهم فيه الفضلة، إن عجز المكاتب، وإلا بأن قصدوا الصدقة عليه فلا رجوع لهم بالفضلة، ولا إن عجز، وعاد قنا.
وإن أوصى مريض لعبده بمكاتبة فكتابه المثل على قدر قوته وأدائه إن حملها، أي: حمل الكتابة أو رقبته الثلث، وإن لم يحملهما خير الوارث بين إجازة كتابة أو عتق محمل الثلث بتلا كما في بين إجازة كاتبته أو عتق محمل الثلث بتلاء كما في المدونة، وإن أوصى له مريض لمكاتبة بنجم معين من أولى نجومها أو وسطها أو آخرها قوم ذلك النجم وسائر النجوم بالنقد بقدر أجلها.
فإن حمل الثلث قيمته -أي: النجوم- جازت وصيته، وعتق منه ما
[ ٨ / ٢٥٨ ]
كان بقدره، ويضع النجم بعينه، وإلا يحمل الثلث قيمته فعلى الوارث الإجازة للوصية له، أو عتق محمل الثلث من المكاتب، ويحظ عنه من كل نجم بقدر ما يعتق منه، لا من النجم المعين خاصة؛ لأن الوصية قد حالت عن وجهها لما لم يجزها الورثة.
وحذف تخيير الوارث من التي قبلها لدلالة هذا عليه.
وإن أوصى لرجل مثلًا بمكاتبة، فقال: اعطوا فلانًا المكاتب لزيد، أو أوصى له بما عليه من نجوم الكتابة، أو أوصى بعتقه زاد في المدونة أو بوضع ما عليه جازت وصيته إن حمل الثلث أقل الأمرين قيمة كتابته أو قيمة الرقبة على أنه مكاتب في خراجه وأدائه، قال في المدونة: جعل في الثلث أقل منهما.
أو إذا قال شخص لعبده: أنت حر على أن عليك ألفًا، ولم يقيد بالساعة ولا باليوم بل أطلق، أو قال له: أنت حر وعليك ألف لزم العتق معجلًا، ولزم المال للعبد معجلًا في المسألتين إن كان موسرًا، أو دينًا إن كان معسرًا، وهو قول مالك وأشهب.
وخير العبد في الالتزام في المال، ولا يعتق إلا بأدائه، والرد ويبقى قنا في قول السيد: أنت حر على أن تدفع إليّ ألفا مثلًا، وهو قول مالك وابن القاسم في المدونة.
أو: حر على أن تؤدي إليّ كذا، فلا يعتق إلا بالأداء اتفاقًا، وله الرد، ويبقى قنا.
أو: حر إن أعطيت ألفا أو نحوه، كـ: متى ما جئت، أو إن جئت، أو إذا ما جئت، أو متى ما، فالعبد مخير، لا يلزمه العتق إلا برضاه، ودفع المال، اللَّه ﷾ أعلم.
* * *
[ ٨ / ٢٥٩ ]
باب ذكر فيه أحكام أم الولد وما يتعلق بها
[ما تصير به الأمة أم ولد:]
وتصير الأمة أم ولد باجتماع أمرين:
أشار لأحدهما بقوله: إن أقر السيد بوطيء لها، لا إن إدعته ولم يصدقها، ولا يمين عليه إن أنكر؛ لأنه من دعوى العتق.
ثم شبه بما لا يمين فيه فقال كأن استبرأ بحيضة ولم يطأ بعده، وأتت بعد الاستبراء بولد، ونفاه والحال أنها ولدت لستة أشهر فصاعدًا من يوم الاستبراء، فنص مالك على عدم اليمين، والاستبراء حيضة على المشهور.
وإلا بأن لم يدع الاستبراء من وطئه ولم تلد لستة أشهر لحق به ما أتت به من ولد، وكاتب به أم ولد، ولو [أتت،] لأكثرة، قال في المدونة: لأقصى ما تلد النساء.
وأشار للأمر الثاني بقوله: إن ثبت إلقاؤه علقة ففوق ذلك عند ابن أشهب.
وقال ابن القاسم: تكون أم ولد بدم مجتمع إذا صب عليه الماء الساخن لا يذوب.
وهذا بخلاف ما قدمه في باب العدة أن العدة تنقضي بالدم المجتمع الذي إذا صب عليه الماء الساخن لا يذوب، ولو ثبت إلقاؤه بامرأتين شهدتا بذلك، فتكون به أم ولد عند ابن القاسم، ولو لم يكن معها، ومنعه سحنون وربيعة إن لم يكن معها، وأشار بـ (لو) لخلافهما.
ثم شبه في لحوق الولد ما لو أقر بالوطء ولم يستبرئ وأتت بسقط،
[ ٨ / ٢٦٠ ]
وأنكر كونها أسقطته، وقالت: بل هو منك، أو رأى النساء أثر ذلك، فقال: كادعائها سقطًا علقه في فوقها رأين -أي: رأى النساء- أثره؛ لأنه لا يخفي، وإذا ثبت أنها ولدت بإقرار السيد بالوطء أو بثبوت إلقاء علقة فما فوقها أو سقطا رأى النساء أثره عتقت بموت سيدها من رأس المال وهذا جواب إن أقر.
تنكيت:
قول البساطي: (إنه لا يصلح جوابًا؛ لكونه وما بعده من أحكام أم الولد) غير ظاهر؛ إذ لا يمنع كونه حكما كونه جوابًا.
وكذا ولدها بعد الاستيلاد من غيره -أي: من غير السيد- يعتق من رأس المال؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ ولذا كانت له خدمتهم، والجناية عليهم وإجارتهم.
تنبيه:
قول البساطي: (لا حاجة للتقييد بكون الولد بعد الاستيلاد؛ لأن الضمير في ولدها لأم الولد) غير ظاهر؛ لصدقه على ولدها قبل الاستيلاد؛ ولذا قيد به ابن الحاجب.
ولا يرد عتقها دين سبق استيلادها، وأحرى اللاحق له، كاشتراء زوجته حاملًا، فإنها تصير بحملها منه أم ولد على المشهور، لا بولد من زوجها سبق، فلا تكون به أم ولد.
أو ولد حملت به من وطء شبهة بنكاح أو غلط، ثم اشتراها واطئها لم تكن به أم ولد، وأحرى إن سبق الشراء.
إلا أمة مكاتبة إذا حملت من سيد المكاتب فإنها تصير به أم ولد، وعليه قيمتها يوم حملت، ولا يحد للشبهة؛ إذ لا يجتمع الحد والنسب؛ فهو مخرج من قوله: (ولو وطء شبهة).
أو أمه ولده صغيرًا أو كبيرًا، إذا وطئها وحملت فإنها تكون به أم ولد، وتقوم عليه يوم الوطء موسرًا كان أو معسرًا، ولا قيمة عليه لولدها
[ ٨ / ٢٦١ ]
ولا حد، وكذا تقوم عليه إن لم تحمل.
وإذا وطىء الرجل أمته فأتت بولد لا يدفعه دعوى عزل للمني عن الفرج؛ لأن الماء سباق.
أو وطء بدبر أو بين فخذين إن أنزل، فلا يندفع لحوق الولد بدعواه ذلك.
وقيل: يندفع لفاسد المني بمباشرة الهواء.
وجاز لسيدها برضاها إجارتها رفيعة كانت أو لا، وهو كذلك، فإن أجارها بغير رضاها ففي الجلاب: يفسخ ما لم تنقض، فإن انقضت فاتت، ولا رجوع للمستأجر على السيد.
وجاز له عتق على مال يتعجله، وكذا في ذمتها برضاها، وإن من غيرها.
وله قليل خدمة وكثيرها في ولدها من غيره بعد الاستيلاد.
وله أرش جناية عليها، وفي بعض النسخ (عليهما)، أي: عليها وعلى ولدها من غيره.
وإن مات السيد قبل أخذ الأرش فلوارثه أخذه، وهو أحد قولي مالك وابن القاسم، ثم رجع إلى أنه لها، واستحسن.
وله الاستمتاع بها كالأمة، وله انتزاع مالها ما لم يمرض مرضًا مخوفًا؛ لأنه حينئذ انتزاعه للورثة.
وكره له تزويجها من غيره وإن برضاهما على هذا حملها الأكثر؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، واتفق على منع بيعها، بل نقل سحنون الإجماع عليه، ومصيبتها بموت أو غيره، إن بيعت ماتت من بائعها لا من مشتريها.
ورد عتقها إن أعتقها، ويرد الثمن ويتبع به إن أعدم، وتعود أم ولد، فإن أولدها المبتاع لحقه الولد، ولا قيمة فيه، ولو زوجها المبتاع من عبده ردت مع ولدها على الأصح، ونفقتها لغو على الأظهر كخدمتها.
[ ٨ / ٢٦٢ ]
وفديت وجوبًا على السيد؛ لتعذر إسلامها إن جئت بأقل الأمرين القيمة يوم الحكم على المشهور، زادت أو نقصت، وهل تقوم بمالها أو دونه قولان.
ولا يقوم ولدها معها، وإن ولدته بعد الجناية، والأرش أيهما أقل لزمه، ولا سبيل إلى رقها.
وإن قال رجل في رضه: هذه الأمة ولدت مني، ولم يعلم ذلك إلا من قوله، ولا ولد لها موجود صدق إن ورثه ولد وارث من غيرها.
ابن الحاجب: على الأصح.
وظاهره: كان الولد ذكرًا أو أنثى، وصارت أم ولد، وعتقت من رأس المال.
ومفهوم: (لا ولد لها) مفهوم موافقة.
وإن أقر مريض بإيلاد أمته لأمته في صحته، أو أقر بحصول عتق منه لها في صحته لم يعتق من ثلث؛ لأنه لم يقصد الوصية، ولا من رأس مال؛ لأن المريض لا يتصرف إلا في الثلث، وهذا قد أقر بما لا يعلم إلا منه.
وإن وطئ شريك أمة مشتركة فحملت غرم نصيب شريكه الآخر إن كان موسرًا؛ لأنه أفاتها عليه، فإن أعسر خير شريكه في إتباعه بالقيمة عن نصيبه في ذمته يوم الوطء، وهو مذهب المدونة، لا يوم الحكم، ولا يوم الحمل، واختار ابن المواز إن شاء يوم الحمل أو يوم الحكم.
أو بيعها -أي: بيع جزئها المقوم- لذلك، أي: لأجل القيمة، فإن كان فيه فضل لم يبع منها إلا ما يفي بقيمتها، أو يبقى باقيها بحساب أم ولد، ونحوه لابن الحاجب.
وإن لم يف نصف ثمنها بما لزم الواطىء من القيمة أتبعه بما يفي ونصف قيمة الولد؛ لأنه حر، وهذا هو المشهور، وإن لم تحمل خير
[ ٨ / ٢٦٣ ]
شريكه الذي لم يطأها بين تقويمها على الواطيء وإبقائها للشركة، ولا شيء عليه لشريكه.
وقيل: يجبران على التقويم؛ لتتم له الشبهة، وهذا إذ وطئها أحدهما فقط.
وإن وطئاهما معًا حران أو عبدان، مسلمان أو كافران، أو أحدهما عبد أو ذمي والآخر حر [أو] مسلم بطهر واحد، وأتت بولد لستة أشهر فصاعدًا وادعاه كل منهما، فالقافة تدعى لهما، ولو كان أحد الشريكين ذميًا أو عبدًا، فمن ألحقته به منهما لحق به، مسلمًا كان أو ذميًا أو عبدًا، فان أشركتهما فيه فقالت: هو ابن المسلم والذمي فمسلم -أي: يحكم بإسلامه- وإلا إذا بلغ أحدهما عند ابن القاسم.
قال أصبغ: حد الموالاة الإثغار.
وإنما قلنا يوالي أحدهما لأنه لا يكون مشتركًا بينهما على المشهور، خلافًا لسحنون، ولا يكون إلا مسلمًا، وإن والى الذمي، وعلى قول ابن القاسم إذا قلنا يوالي من شاء فاختلف في نفقته وكسوته قبل الموالاة، فقال ابن القاسم وعيسى ومحمد بن عبد الحكم: ينفقان عليه جميعًا، فإن مات أحدهما أنفق عليه مما وقف له من ميراثه نصف نفقته.
فإن لم توجد فاقة فيترك إلى أن يبلغ فيوالي من شاء، ويحكم بإسلامه.
وقيل: يصبر إلى أن توجد الفاقة.
وورثاه معًا ميراث أب واحد، إن مات أولًا قبل لحوقه بأحدهما، كما لو تنازعه اثنان فيقسم بينهما، وإن ماتا قبل لم يرثهما.
ومفهوم: (بطهر) لو وطئها أحدهما بطهر بعده وأتت بولد ففي المدونة هو للآخر، إن وضعته لستة أشهر من مسيسه، وعليه لشريكه إن كان مليئًا نصف قيمتها فقط يوم الوطء أو يوم الحمل كيف شاء شريكه ولا صداق
[ ٨ / ٢٦٤ ]
عليه ولا قيمة ولد في ملائه، وإن كان عديما أتبع بنصف قيمتها مع نصف قيمة الولد.
وحرمت على مرتد أم ولده زمان ردته حتى يسلم، فتعود تزول الحرمة، ويعود إليه رقيقه وماله، وإن قتل على ردته عتقت من رأس ماله، وهو مذهب المدونة، خلافًا لأشهب في عتقها بالردة، كما تطلق زوجته بذلك.
ووقعت أم ولده كمدبره إن فر لدار الحرب، نص عليها وعلى التي قبلها في المدونة.
ولا تجوز للسيد كتابتها، ويجوز له عتقها على مال يتعجله، فإن كاتبها فسخت الكتابة.
وعتقت إن أدت ما كوتبت به، وفات الفسخ، ولا ترجع فيما أدت إذا كان له انتزاع مالها، ما لم يمرض، وصرح في المدونة بأنها لا ترجع.
* * *
فصل
ذكر فيه الولاء، وهو أحد خواص العتق، فقال: الولاء ثابت لمعتق شرعًا، سببه زوال الملك بالحرية عن رقيق أعتقه بغير عوض تنجيزًا أو تعليقًا أو تدبيرًا أو استيلادًا أو عتقًا في فرض كالكفارة، أو أعتق عليه بقرابة أو سراية أو مثلة.
وإن كان ببيع للعبد من نفسه بعوض، بأن كاتبه أو قاطعه أو نحوه، أو بسبب عتق غير عنه بلا إذن منه على المشهور؛ إذ هو من التقديرات الشرعية التي أعطي فيها المعدوم حكم الموجود؛ لأنه يقدر دخوله في ملك المعتق عنه، وأنه أعتقه عنه بطريق التوكيل، وسواء كان ذلك في واجب كالكفارة أو تطوع.
[ ٨ / ٢٦٥ ]
وقوله: (بلا إذن) داخل في حيز المبالغة، وبه يندفع قول البساطي تبعًا للشارح: ("بلا إذن" ليس بجيد، والأحسن لو قال: وإن بلا إذن، وأما مع الإذن فالولاء للمعتق عنه اتفاقًا).
أو أعتق العبد عبده ولم يعلم سيده بعتقه لعبده حتى عتق فالولاء للسيد دون المعتق إن كان استثني ماله، وأما إن لم يستثنه فالولاء للعبد دون سيده، وقرره الشارحان تبعًا لما في التوضيح من أن الولاء للعبد. انتهى. ويقيد ما ذكراه بما إذا لم يستثن ماله.
ثم استثني المؤلف من قوله: (الولاء لمعتق) قوله: إلا كافرًا أعتق عبدًا له مسلمًا، سواء ملكه مسلمًا، أو أسلم عنده ثم عتقه فالولاء له، ولو أسلم السيد الكافر بعد ذلك لم يرجع له الولاء على المعروف من المذهب؛ إذ لا سبيل لكافر على مسلم.
وإلا رقيقًا قنا أو ذا شائبة أعتق رقيقه فلا يكون عتقه سببًا للولاء، ولو عتق بعد ذلك أعتق بإذن سيده أولًا، إن كان السيد الأعلى ينتزع ماله، أي: مال عبده المعتق بكسر التاء.
واحترز بذلك عما ليس له انتزاع ماله، كالمدبر وأم الولد إذا مرض السيد، والمعتق إلى أجل إن قرب الأجل، والمعتق بعضه.
ومن قال لرقيقه: أنت حر عن المسلمين جاز عتقه اتفاقًا، والولاء لهم، ولو قال: وولاء لي.
وقيل: لمعتقه.
كسائبة، أي: قال له: أنت سائبة، وأراد به العتق، فإنه يعتق، وولاؤه للمسلمين عند مالك وعامة أصحابه.
وكره عتق السائبة؛ لأنه من فعل الجاهلية، وإن أعتق كافر عبده الكافر ثم أسلم العبد الذي أعتقه الكافر فولاؤه للمسلمين، ولا شيء لسيده الكافر، ما دام كافرًا؛ إذ لا يرث المسلم الكافر، فإن أسلم سيده عاد الولاء بإسلام السيد له، كذا في الموطأ والمدونة.
[ ٨ / ٢٦٦ ]
وجر العتق -أي: سحب ولاء- ولد العبد المعتق بفتح التاء، وأولاد أولاده لمعتقه بالكسر وإن سفلوا: ذكورهم وإناثهم، كأولاد المعتقة بالفتح، وأولاد أولادها، فمن أعتق أمة في ولدته بعد العتق ينجر، وولاؤه لمعتقها، إن لم يكن لهم نسب من حر.
ثم استثنى من قوله: (جر ولد المعتق وولد المعتقة) بقوله: إلا لرق من الولد في بطن أمه لآخر، فلا يجر ولاء ولده، كمن زوج عبده لأمة آخر، ثم أعتقه والأمة حامل، ثم أعتقها سيدها فولدت لأقل من ستة أشهر من عتقها، فإن الأب لا يجر ولاء الولد؛ لأنه قد مسه الرق في بطن أمه لآخر.
أو إلا أن يمسه عتق لآخر، كمن أعتق عبدًا، وأعتق آخر ولد هذا العبد، فإن الأب لا يجر ولاء ولده لمعتقه، وجر الولاء معتقهما بالفتح، ومعتق معتقهما، أي: يسترسل عليهم وإن بعدوا، وأولادهم كذلك؛ لأن كل من أعتق رقيقًا ثبت ولاؤه عليه وعلى أولاده وأولاد أولاده ولمن سفلوا وعلى عتقائه وعتقاء عتقائه وإن بعدوا، وتبع المصنف الأكثر في تسمية ولاء الجر، والشافعية تسميه ولاء السراية، والخلف لفظي.
والتثنية في قوله: (معتقهما) باعتبار المعتق والمعتقة، وهو معطوف على ولد المعمول لحر.
وإن كانت الأم معتقة بالفتح وأبوها وجدها رقيقين فولاء ولدها لمعتقها وهو مولي أمه ما دام آباؤها أرقاء، ولكن لا يستقر فإن أعتق الجد بعد ذلك اتجر ولاؤه عن موالي أمه لموالي أبيه، ولكن لا يستقر.
وإن أعتق الأب بعد عتق الجد أو استلحق الأب من كان نفاه بلعان وكان المستلحق معتقًا رجع -أي: انجر الولاء لمعتقه من معتق لجد والأم.
وإذا تنازع معتق الأب ومعتق الأم في حمل الأم المعتقة هل كانت حاملًا يوم العتق أم لا القول لمعتق الأب أنها حملت بعد العتق؛ لأن الأصل عدم الحمل، فيكون الولاء له لا لمعتقها؛ لأنه عالم أنها كانت حاملًا قبل عتقها.
[ ٨ / ٢٦٧ ]
واحترز بقوله: (دون ستة أشهر) عما لو وضعته لستة أشهر فأكثر، فإن ولاءه يكون لمعتق الأب.
تنبيهان:
الأول: قيده أبو محمد بما إذا لم تكن ظاهرة الحمل يوم العتق، فإن كانت ظاهرته فكما لو وضعته لأقل من ستة أشهر.
الثاني: قال اللخمي: اختلف إذا عتقت: هل يوقف الزوج عنها ليعرف أبها حمل أم لا؟ ففي المدونة: لا يوقف.
وفي المختصر: يكف حتى يتبين، واستحسن الوقف.
وإن شهد واحد لشخص بالولاء شهادة بنت أو اثنان شهدا بالجماع أنهما لم يزالا يسمعان أن مولاه أو ابن عمه لم يثبت له الولاء بذلك في المسألتين، لكنه يحلف في كل منهما ويأخذ المال بعد الاستيناء؛ لاحتمال أن يأتي له طالب، وهذا مذهب المدونة.
وزاد: ولا ينجر بذلك الولاء، وبه أخذ أصبغ.
وقدم عاصب النسب على عاصب الولاء، كابن العتيق وأبيه وأخيه وعمه وأبنائهم، ثم إن لم يكن له عاصب نسب ورثه المعتق بالولاء.
ثم إن لم يكن له مولى ورثه عصبته، أي: عصبة المعتق بالكسر، كالصلاة عليه إذا مات، ثم إن لم تكن للمعتق عصبة ورثه معتق معتقه، ثم عصبته، والولاء له ترثه أنثى مطلقًا إجماعًا، فإن ترك المعتق بالكسر أبناء وبنات ورث الابن الولاء دونها.
وهذا إن تباشره الأنثى بعتق منها أو جره إليها ولاء بولادة، بأن يكون ولدًا لمن أعتقه وإن سفل من ولد المذكور خاصة.
ولم ينبه على هذا هنا؛ لأنه قدم قريبا أن المرأة إنما تجر ولاء أولادها إذا لم يكن لهم نسب من حر.
[ ٨ / ٢٦٨ ]
وإن اشترى ابن وبنت أباهما على السواء عتق عليهما بنفس الملك، ثم اشترى الأب عبدًا وأعتقه، فمات العبد بعد موت الأب ورث الابن والبنت أباهما بالنسب: (للذكر مثل حظ الأنثيين).
ثم بين ميراث العبد الذي أعتقه الأب بقوله: ورثه الابن خاصة بعصوبة النسب؛ لما تقدم أن عاصب النسب مقدم على معتق المعتق، وإن مات الابن أولًا -أي: قبل العبد، ثم مات العبد، وقد كان الأب مات قبل الابن- فللبنت النصف من ميراث العبد الذي أعتقه أبوها لعتقها -أي: لأجل عتقها- نصف المعتق بالكسر، وهو الأب، ولها أيضًا نصف النصف، وهو الربع لأنها معتقة نصف أبيه، أي: أب معتق النصف، فيصير لها ثلاثة أرباع المال.
ابن يونس: والربع الباقي لموال أم أخيها، إن كانت أمة معتقة، وإن كانت عارية فلبيت المال.
وإن مات الابن أولًا ثم مات الأب بعده فللبنت سبعة أثمان المال من أبيها النصف بالرحم، وهو النسب؛ إذ هو ميراثها منه، ولها أيضًا الربع بالولاء الذي لها في أبيها؛ لأنها أعتقت نصفه، ولها أيضًا نصف الربع الباقي، وهو الثمن بجره -أي: بجر الولاء- لأن الربع الباقي لأخيها، والحال أن أخاها مات قبل أبيها، فينتقل ما ثبت له لموالي أمه ومواليه هو وأخته، فلها نصف الربع، وهو الثمن، وبه كمل لها سبعة أثمان المال، ونصف الربع الباقي -وهو الثمن- لموالي أم أخيها إن كانت معتقة، أو لبيت المال إن كانت حرة، وهذه المسألة مشهورة في كتب الفرائض وغيرها، وتعرف بمسألة القضاة؛ لأنه غلط فيها أربعمائة قاض، فورثوا البنت فيها بالولاء، وميراث النسب مقدم على عصوبة الولاء، واللَّه أعلم.
* * *
[ ٨ / ٢٦٩ ]
باب ذكر فيه الوصايا وما يتعلق بها
ابن عبد السلام أشبه ما يقال في رسمها بحسب عرف الفقهاء ما ذكره بعض الحنفية: أنها تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع.
ابن عرفة: هي في عرف الفقهاء لا الفرضيين عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته أو بنيابة عنه بعده.
وأما حكمها فقسمه اللخمي وابن رشد للأحكام الخمسة:
- فتجب إن كان عليه دين ونحوه.
- وتندب إن كان بقربة في غير الواجب.
- وتحرم لمحرم كالنياحة ونحوها.
- وتكره إن كانت بمكروه أو في مال فقير.
- وتباح إذا كانت بمباح من بيع أو شراء ونحو ذلك.
زاد ابن رشد: وكذلك ينقسم إنفاذها على الخمسة المذكورة.
[أركان الوصية:]
ولها أركان أربعة:
- الموصي.
- والموصى له.
- والموصى به.
- والصيغة.
[الركن الأول: الموصي]
وأشار لأولها بقوله: صح إيصاء:
[ ٨ / ٢٧٠ ]
[١] حر لا رقيق ولو بشائبة.
[٢] مميز: لا مجنون وصغير وسكران غير مميز كل حين الإيصاء.
[٣] مالك للموصى به ولأمر نفسه؛ فلا تصح من غيره، ويدخل فيه من أحاط الدين بماله.
إن لم يكن من اجتمعت فيه الشروط سفيهًا، بل وإن كان سفيهًا بالغًا مبذرًا، أو كان صغيرًا، قال مالك: كابن عشر سنين. وله: تسع. وله أيضًا: إذا أثغر وأمر بالصلاة وأدب عليها، وهذا أقل ما قيل.
ولابن الماجشون: إذا كان يافعًا مراهقًا، وهذا أكثر ما قيل.
البساطي: (وإن سفيهًا) متعلق بـ (حر) و(صغيرًا) متعلق بـ (مميز).
[وصية الصغير:]
وهل محل صحة وصية الصغير إن لم يتناقض بتخليط في كلامهم مما يتعين به أنه لم يعرف ما ابتدأ به، وهو تأويل أبي عمران، أو محل إن أوصى بقربة أو صلة رحم، وأما إن جعلها فيما لا يحل كشرب خمر أو غيره فلا تصح، وهو تأويل اللخمي: تأويلان في فهم قولها: وتجوز وصية ابن عشر سنين فأقل مما يقاربها إذا أصاب وجه الوصية، ولم يكن فيه اختلاط.
[وصية الكافر:]
وتصح الوصية ولو كان الموصي كافرًا جامعًا للشروط: حرًا مميزًا مالكًا.
ولما ذكر أن وصيته تصح خشي أن يتوهم عموم ذلك، فقال إلا أن يوصي بكخمر أو خنزير لمسلم مما لا يصح تملكه للموصى له.
ومفهومه: لو أوصى له لمن يصح تملكه له لصح، قال في التوضيح: وهو ظاهر المذهب.
[ ٨ / ٢٧١ ]
[الركن الثاني: الموصى له]
وأشار للركن الثاني، وهو الموصى له بقوله: لمن يصح تملكه للموصى له به شرعًا: بالغًا كان أو صبيًا أو مجنونًا، مسلمًا أو كافرًا، موجودًا أو غير بموجود، كمن سيكون من حمل ثابت، أو سيوجد.
قال بعضهم: وهو ظاهر إطلاق القاضي أبي محمد، فيوقف إلى أن يوضع، فيكون له إن استهل، وإن لم يستهل بطلت.
وإن وجد من ذلك الحمل متعدد وزع الموصى به لعدده؛ لصدق لفظ الحمل عليه، والذكر والأنثى في ذلك سواء.
[الركن الثالث: الصيغة]
وأشار للركن الثالث وهو الصيغة بقوله: بلفظ قصد به ذلك، لا بصيغة مخصوصة كما في بعض العقود والالتزامات.
ولما كان ذلك لا ينحصر في اللفظ قال: أو إشارة مفهمة، نحوه لابن الحاجب.
[مسألة]
وقبول الموصى له المعين شرط في وجوبها له، إن كان قبوله بعد الموت.
واحترز بـ (المعين) عن الفقراء أو المساكين أو المجاهدين.
واحترز بـ (بعد الموت) الموت عما قبله؛ فإنه وإن تم العقد وصح كان للموصي الرجوع، ولا يشترط فورية القبول.
فالملك ثابت له -أي: للموصى له- بالموت، والقبول كاشف لثبوته بالموت، في حدث بعد الموت وقبل القبول من غلة فللموصى له على المشهور من المذهب، وعبر عنه الشارح بالأصح، ومقابله: أنه لا يملكه إلا حين القبول، فالملك قبله لورثه الموصي.
[ ٨ / ٢٧٢ ]
[مسألة:]
وقوم الموصى به بغلة حصلت بعده، أي: بعد الموت عند أكثر الرواة.
سحنون: هو أعدل أقوال الأصحاب.
وهو قول ابن القاسم في المدونة، واختاره التونسي، ولابن القاسم أيضًا أنه يقوم بغير غله، ثم تتبعه، فلو أوصى لزيد بحائط يساوي مائة، وهو يساوي مقدار ثلث الموصي، وزاد بعد موته لأجل ثمرته عشرين، فعلى المشهور يكون له خمسة أسداس الحائط.
تنبيه:
قال الشارح: فيه نظر؛ لأن الأولى أن يكون له خمسة أسداس ومقدار ثلث العشرين الحاصلة من الغلة.
البساطي: وفيه نظر؛ لأنها تقوم على ملك الموصي، فليس له إلا ما يقابل المائة، وعلى مقابل المشهور يكون كله، وتتبعه غلته.
ولم يحتج رق -أي: ذو رق- في قبول ما أوصي به له لإذن من سيده، بل يقبله من غير إذنه، ويملكه الرقيق، ولسيده انتزاعه، إلا أن يعلم أن الموصي قصد به التوسعة على العبد كإيصاء بعتقه، أي: الرقيق، فلا يحتاج في نفوذه لقبوله، بل يعتق، ولو لم يقبل، إن حمله الثلث، أو ما حمل منه.
[مسألة:]
وخيرت جارية أوصي بعتقها، وهي من جواري الوطء بين العتق عملًا بالوصية، والبقاء على الرق؛ لأن الغالب على جواري الوطيء الضياع بالعتق.
وإذا خيرت فاختارت أحد الأمرين العتق أو البقاء كان لها الانتقال عما اختارته للآخر، قاله ابن القاسم، لكنه قال: ما لم ينفذ فيها الذي
[ ٨ / ٢٧٣ ]
اختارته، أو يكون ذلك بتنفيذ من السلطان، ولم يذكر المؤلف هذا، بل أطلق.
ولو أعتقها الورثة قبل أن تختار، فقال مالك: ليس لهم ذلك إن أحبت البيع، وكذلك إن قال: بيعوها ممن أحبت فأعتقوها، وأحبت البيع، رد عتقها أيضًا.
[مسألة:]
وصح إيصاء لعبد وارثه -أي: وارث الموصي كابنه مثلًا- بتافه أو بكثير إن اتحد الوارث، بأن لم يكن معه وارث غيره؛ إذ الوصية له حينئذ غير ممنوعة، فعبده كهو، وليس للوارث انتزاعه من العبد.
ابن يونس: لأنه إن انتزعه لم تنفذ الوصية، ولو باعه كان للمشتري انتزاعه.
أو لم يتحد الوارث، ولكنه أوصى للعبد بتافه لا تلتفت إليه النفوس مما يظهر أنه أريد به العبد، ومفهومه: أنه لو تعدد الوارث أو لم يرد به العبد لم يصح في المسألتين، وهو كذلك، وللبساطي هنا مع الشارح كلام، انظره في الكبير.
تنكيت:
في قوله: (عبد وارثه) شيء؛ لأنه إن أراد به من فيه شائبة خرج المدبر والمكاتب، وإن أريد ولو بشائبة دخلًا، والمنقول: أن المدبر لا يجوز الإيصاء له بالكثير، ويجوز للمكاتب.
[مسألة:]
وصح إيصاء لمسجد، نكره ليعم المسجد الحرام وغيره من المساجد.
قال الشارح: لما كان هذا كالمناقض لقوله أولًا لمن يصح تملكه، وكان المسجد لا يتصور فيه ذلك قال: وصرف الموصى به في مصالحه كوقوده وعمارته؛ لأنه مقصود الناس بالوصية بذلك، ولو أدخل الكاف على
[ ٨ / ٢٧٤ ]
المسجد ليشمل القنطرة والصور ونحوهما لكان أحسن.
تنبيه:
قال ابن عبد السلام: اللام الداخلة على (مسجد) هي التي يزعم الفقهاء أنها لام الصرف، وليست لام الملك، والمال الموصى به لم يزل على ملك ربه.
[مسألة:]
وصح إيصاء لميت علم الموصي بموته على المشهور، وصرف ذلك في دينه أو وارثه.
ظاهره: التخيير، وقول ابن الحاجب: (في دينه وإلا فلوارثه) ظاهره أنه لا يصرف للوارث إلا حيث لا دين، وما في النوادر عن أشهب: من أوصى لرجل قد مات وعلم بموته فذلك لورثته ولدين عليه، يقتضي مساواتهما، وبين العبارات الثلاث بون.
وفهم من قوله: (علم الموصي بموته) بطلانها إن لم يعلم، وقاله في المدونة؛ لأن الميت لا يصح تملكه.
[مسألة:]
وصح إيصاء لذمي لصحة تملكه، وإطلاقه يشمل من له عليه يد أو جور أو غيره، قريبًا كان أو بعيدًا، وأجازها ابن القاسم على وجه الصلة، وأشهب للقرابة والأجنبيين بغير كراهة.
تنبيه:
نحو عبارة المؤلف لابن الحاجب، قال في التوضيح: يحتمل اعتبار المفهوم فيمنع للحربي، ولا يصح له، وهو قول أصبغ، ويحتمل أن لا يكون له مفهوم مخالفة لمساوات المسكوت عنه للمنطوق، وهو مقتضى كلام عبد الوهاب في الإشراف.
[ ٨ / ٢٧٥ ]
[مسألة:]
وصح إيصاء لقاتل علم الموصي بالسبب، أي: بسبب القتل كضربه ضربًا أدى لقتله، وعلم أنه هو الذي ضربه، ونحوه لابن الحاجب.
قال في التوضيح: بالسبب على حذف مضاف، أي: بذي السبب، أو على حذف معطوف، أي: بالسبب وصاحبه، وليس المراد تعلق السبب بنفس السبب.
وإلا بأن لم يعلم بالسبب بأن قال: اعطوا من قتلني بكذا فتأويلان في صحتها وبطلانها.
قال في المدونة: وإن أوصى له بعد أن ضربه وعلم به فإن كانت الضربة خطأ جازت الوصية في المال والدية، وأما في العمد فتجوز في ماله دون الدية؛ لأن قبول الدية فيه كما لم يعلم به.
فمفهوم قولها: (علم به) أن لو لم يعلم به بطلت، وقال محمد: تصح؛ لأن الوصية بعد الضرب، فلا يتهم على الاستعجال.
واختلف: هل ما قاله محمد خلاف لها، وهو حمل اللخمي وغيره، أو وفاق، وهو حمل ابن أبي زيد وغيره، فإذا علمت هذا ظهر لك معنى التأويلين في كلامه.
قال البساطي: لا أدري معنى التأويلين هنا.
[ما تبطل به الوصية:]
وبطلت وصية بردة، وظاهره: وصية الموصي أو الموصي له، وهو كذلك.
وقال ابن مرزوق: وصية الموصي ظاهره كانت بعتق أو غيره غير ظاهر؛ لبطلان ما للوصي له بردته في حياة الموصي، كما ذكر ذلك صاحب الخصال.
ونكر المصنف ليعمهما، وظاهره البطلان ولو رجع للإسلام، وقال
[ ٨ / ٢٧٦ ]
أصبغ: إن رجع للإسلام وكانت مكتوبة جازت، وإلا لم تجز. وكذلك لو أوصى بها وهو مرتد، وقيد الشارح كلام المؤلف بما إذا مات على ردته.
[الركن الرابع: الموصى به]
وأشار للركن الرابع -وهو الموصى به- بقوله: وبطلت في إيصاء بمعصية، كإيصاء بشراء خمر لمن يشربها، وكذلك لمن يقتل شخصا تعديا ونحوه، ويرجع المال للوارث.
قال بعض العلماء: ومن ذلك وصايا مستغرق الذمة.
[مسألة:]
وبطلت لوارث كغيره؛ لخبر: "إن اللَّه أعطى لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث" (١).
وإطلاقه يشمل ثلاث صور:
- إيصاؤه لجميع الورثة بما يخالف حقوقهم.
- أو لبعض حقوق بعض. وهاتان باطلتان.
- أو أوصى لكل بقدر حقه من التركة، وهذه لا بطلان فيها؛ إذ لا معنى لوصيته، وقد يكون معنى بطلانها أنها غير مفيدة.
[مسألة:]
وبطلت بزائد الثلث لأجنبي، والمعتبر في كون الموصى به زائدًا على الثلث أو قدره أو أنقص منه يوم التنفيذ.
وقول البساطي: (المذهب أن الوصية للوارث وبزائد الثلث صحيحتان
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٠٦، رقم ٢٧١٤)، قال البوصيري (٣/ ١٤٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، والبيهقي (٦/ ٢٦٤، رقم ١٢٣٢١)، وابن عساكر من طريق الحسن بن سفيان (٢١/ ٢٨٠)، والضياء من طريق الحسن بن سفيان (٦/ ١٤٩، رقم ٢١٤٤)، والدارقطني (٤/ ٧٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٣٦٠، رقم ٦٢١).
[ ٨ / ٢٧٧ ]
متوقفتان على إجازة الوارث) غير ظاهر؛ لقول المؤلف: وإن أجيز ما أوصى به لوارث أو بزائد على الثلث فعطية، أي: ابتداء عطية من الوارث، تفتقر للحوز، قاله أبو الحسن، لا تنفيذ لما فعله الموصي.
ولو أوصى لوارث كابنه مثلًا بشيء دون بقية ورثته وقال: إن لم يجيزوا له فللمساكين مثلا بطلت؛ لأنه من باب الضرر، وظاهره: سواء أجازوا أم لا، وهو قول ابن القاسم، بخلاف العكس في المسألة، وهو أن يقول: ثلث مالي مثلا للمساكين، إلا أن يجيزه الورثة لابني فصحيحة على المشهور.
[مسألة:]
وتبطل برجوع فيها، ووسواء كانت بعتق أو غيره، في صحة أو سقم، وإن كان رجوعه بمرض، أي: فيه.
وظاهره: وإن اشترط عدم رجوعه، وهو كذلك، وصرح بعض الأشياخ بأنه المشهور.
ابن ناجي في شرحه للمدونة: وعليه العمل، وحكى بعض طلبة ابن علوان اختلاف فتوى متأخري التونسيين، إذ قال: مهما رجع كان رجوعه عنها تأكيدًا لها، وليس فيها نص لمالك، ولا لمتقدمي أصحابه، وأول من وقع النص عليها أبو إسحاق التونسي، وتبعه المازري، وتبعه تلميذه ابن مشكى، ونقلها عن ابن عبد الواحد الموثق.
والرجوع قد يكون صريحًا بقول، كأبطلتها، أو رجعت عنها، أو لا تنفذوها، أو لا تعملوا بها.
وبفعل مثل بيع لمعين أوصي له، إلا أن يسترده، وعتق وكتابة لعبد أوصى به، وإيلاد لموصى بها رجوع فالوطء ليس برجوع، وحصد زرع أوصى به ثم حصده.
وتعقب هذا الشراح جميعًا بأنه مخالف للمدونة، ففي المجموعة عن ابن القاسم: إذا أوصى بزرع فحصده أو بتمر فجذه أو صوف فجزه، فليس
[ ٨ / ٢٧٨ ]
برجوع إلا أن يدرس القمح ويكتاله يدخله بيته، فهذا رجوع.
قال الباجي: يعني بالدرس والتصفية، انتقل اسمه عن الزرع إلى اسم القمح والشعير، فكان رجوعا.
وقوله: (اكتاله) تأكيد لقصده، وكذا إذا أدخله بيته، إنما يريد بلغ حد الاكتيال. انتهى.
وأشار المؤلف إلى أن الاكتيال يحصل بأحد أمرين:
- ما ينقل الملك كالبيع ونحوه.
- وما ينقل اسم الموصى به.
ولما قدم الأول شرع في الثاني، فقال: ونسج غزل عند ابن القاسم، وصوغ فضة خاتمًا أو سوارًا أو نحوهما، وحشو قطن، أطلق كابن الحاجب، وقال في التوضيح: ينبغي أن يقيد بما إذا حشي في الثياب، وأما في مخدة ونحوها فلا.
وذبح شاة ونحوها، وتفصيل شقة قميصا أو سراويل.
[قسما الإيصاء:]
والإيصاء على قسمين: مقيد ومطلق، وأشار للأول: وإيصاء وقيده بمرض أو سفر انتفيا بأن زالا، قال: إن مت فيهما، أي: في مرض هذا، فصح فيه، أو قدم من ذلك السفر؛ لأن كلامه يفهم منه الرجوع، إن لم يكن بكتاب، بل وإن كان بكتاب، ومات يخرجه مزيده حتى صح أو قدم ومات من غير ذلك المرض أو غير ذلك السفر، أو أخرجه مزيده من يده ثم استرده بعدهما، أي: بعد صحته وقدومه، فهو رجوع تبطل به وصيته.
وظاهره: سواء شهد فيه أم لا، وهو كذلك على أحد القولين.
واحترز بقوله: (في مرضه) عما لو أوصى في صحته.
وأشار للقسم الثاني بقوله: ولو أطلقها واختلف الشارحان في فهمه:
- فقال بهرام: لم يقيد بمرض ولا سفر، بل قال: اعطوا فلانا كذا،
[ ٨ / ٢٧٩ ]
أو له من عبيدي كذا، أو كتبه في كتاب، وأخرجه ثم استرده بطلت.
قال في البيان: اتفاقًا.
وأما إن كتبه ولم يشهد ومات وشهد أنه خطه لم يجز حتى يشهدهم عليها، فذو يكتب ولا يعزم.
- وقال البساطي عقب كلام الشارح: عندي أنه قيد، وأطلق في تقييد، فقال: إن مت في سفري أو مرضي، وهو مريض فلفلان كذا، ثم إلى ذلك المرض، أو قدم فاسترجع الكتاب فإنها تبطل.
[مسائل لا تبطل فيها الوصية:]
ثم ذكر المؤلف مسائل لا تبطل فيها الوصية، ولا يدل الفعل فيها على الرجوع فقال: إلا إن لم يسترده، أي: كتاب وصيته بعد صحته وقدومه حتى مات لم تبطل.
أو أطلق وقال: متى حدث الموت، أو إذا مت، أو متى مت، ولم يقيد بمرض ولا سفر، وليست بكتاب أو به واسترده أو لم يسترده فصحيحة.
البساطي: والفرق بين هذه والتي قبلها أنه قال في تلك لأجل المرض أو السفر، وقد زال.
أو بعرصة ثم بنى العرصة لموصى بها دارًا مثلًا لم تبطل، واشتركا الموصى له بقيمة العرصة والآخر بقيمة البناء قائمًا عند ابن القاسم.
وقال أشهب: رجوع.
كإيصائه بشيء: دار أو فرس لزيد ثم أوصى به لعمرو، فلا تبطل، واشتركا فيه نصفين، كذا أطلق، ونحوه لابن الحاجب، ونحوه للمدونة.
وفيها أيضًا: لو قال: العبد الذي كنت أوصيت به لفلان فهو لفلان، كان رجوعًا، كان جميعه للآخر.
ولا تبطل برهن للشيء الموصى به، وعلى الوارث تخليصه، ولا بتزويج رقيق أوصى به، ونحوه لابن الحاجب.
[ ٨ / ٢٨٠ ]
ولا تعليم صنعة، ويشاركه الورثة بما زاد التعليم، ولا وطء للأمة الموطأ بها؛ لأن هذه الأشياء لا تنقل الملك ولا تغير الاسم.
ولا تبطل إن أوصى بثلث ماله لواحد أو متعدد فباعه، أي: باع جميع ماله؛ لأن الثلث المعتبر هو ما بملكه وقت الموت، زاد أو نقص.
كثيابه مثلًا إذا أوصى بها لمعين أو للمساكين، واستخلف ثيابًا غيرها نفذت فيما يملكه يوم موته، زاد في الجلاب: إلا أن يبين تلك الثياب الأولى بأعيانها فلا يكون للموصى له شيء مما استخلفه.
أو أقصى لزيد بثوب معين أو عبد فباعه واشتراه لم تبطل، بخلاف بيعه وشرائه مثله فلا يعود للوصية اتفاقًا.
ولا إن جصص الدار الموصى بها، أي: ينصها بالجص، أو صبغ الثوب، أو لت السويق بما يزيد في الموصى به، فللموصى له بزيادته، وليس رجوعًا عند ابن القاسم.
ولو أقصى بداره أو حانوته مثلًا لزيد ثم نقضها وصارت عرصة كان في نقض العرصة قولان:
قال أشهب: ليس رجوعًا؛ لأنه أوصى له بعرصة وبنائها، فأزال البناء، وأبقى العرصة.
وفي العتبية: رجوع.
وفي التوضيح: يحتمل أن تكون نون (نقضت) مضمومة، أي: ما نقض، والخلاف إنما هو في النقض، وأما في العرصة فللموصى له، والمعنى صحيح.
وإن أوصى لشخص واحد بوصية بعد أن أوصى له بوصية أخرى فالوصيتان له معًا، إن كانتا من جنسين: كعبدي مبارك وداري الفلانية، أو كانتا من جنس واحد، ونوعهما مختلف، كقمح وشعير؛ ولذا قال: كنوعين، أو كانتا من نوع واحد، ولا صفتهما مختلفة، مثل دراهم وسبائك، وذهب وفضة، وإلا بأن لم يختلف شيء من ذلك، بل كانت
[ ٨ / ٢٨١ ]
دراهم أو دنانير من سكة واحدة مماثلة، أو أفراس أو عبيد، ولكن اختلف القدر فقط، كما لو أوصى بثلاثين ثم بعشرين مثلًا فأكثرهما له عند ابن القاسم في المدونة، وإن تقدم الأكثر أو تأخر.
وإن أوصى لعبد بثلثه مثلًا عتق جميعه إن حمله الثلث، كما لو كان العبد يساوي مائة وبيده مائة، وترك السيد مائة عند ابن القاسم، ولو ترك السيد مائتين عتق كله، وأخذ العبد باقيه، أي: باقى الثلث، وهو ثلاثة وثلاثون وثلث.
وإلا بأن لم يحمله الثلث قوم في ماله، أي: مال العبد، وعتق كله كما لو ترك السيد مائة والعبد يساوي عشرين وبيده ثلاثون عتق كله، وفي المسألة خلاف.
ولو أوصى لمساكين دخل الفقير في لفظ المساكين كعكسه، ظاهره: ولو قلنا بعدم الترادف، وهو كذلك؛ تغليبًا للعرف هنا في الاستعمال.
ولو أوصى لأقارب فلان الأجنبي أو لذي رحمه أو لأهله دخل في لفظ الأقارب وفي لفظ الأرحام وفي لفظ الأهل أقاربه لأمه، فيدخل العم للأب والأم؛ لأن الموصى به ليس هو الموروث، ومحل دخولهم إن لم يكن له هناك أقارب لأب أيضًا.
ومفهوم الشرط: عدم دخول أحد من أقارب الأم مطلقًا، وهو كذلك عند ابن القاسم، وهو الأصح.
والوارث من أقارب فلان، إذا قلنا بدخول أقاربه لأبيه أو لأمه إن لم يكن أقارب للأب كغيره ممن لم يورث، فيدخلون كلهم، بخلاف ما لو أوصى الموصي لذوي رحمه وأهله أو أقاربه هو، فلا يدخل وارثه في لفظ من هذه الألفاظ على المنصوص لمالك في الموازية بحكم الشرع بأن: "لا وصية لوارث"، وحيث دخل أقارب فلان أو رحمه أو أهله أو أقاربه هو أو أهله ورحمه أوثر المحتاج الأبعد، بأن يزاد على غيره، لا بالجميع.
وإذا أوثر الأبعد فالأقرب أولى بالإيثار على غيره ممن ليس كذلك،
[ ٨ / ٢٨٢ ]
وبهذا يندفع قول من قال: (لو قال: "ولو كان أبعد" لكان أحسن).
إلا لبيان، كـ: اعطوا الأقرب فالأقرب، فيقدم وإن لم يكن أحوج، فيقدم الأخ وابنه على الجد لأدلايهما بالبنوة، والجد فالأبوة والبنوة أقوى، ويقدم الشقيق على غيره، والأخ لأب على الأخ لأم، ولكن لا يخص بإعطاء الجميع؛ لئلا يؤدي إلى إبطال الوصية، نص عليه ابن القاسم في العتبية في الأخ والجد.
وإن لجيرانه فقال عبد الملك تدخل الزوجة التي لجار الموصى في إيصائه لجيرانه، لا زوجة الموصي؛ لأنها وارثة، وفي كلام الشارح إيهام دخول زوجة الموصي، لعلهم اتكلوا على وضوح ذلك، ويعطى الجار الذي اسم الجار له وولده الكبير البائن منه بنفقته، ولا يعطى عبده الساكن معه، وإليه أشار بقوله: لا عبد ساكن مع سيده، ويعطى إن سكن بيتًا على حدة، ولا يعطى ضيف ولا خادم ولا تبع.
وفي إعطاء ولد صغير للجار ذكرًا أو أنثى وبكر كبيرة كما في كتاب محمد وعدم إعطائهما وهو قول عبد الملك قولان، والمعتبر في الجار يوم القسم، فلو انتقل بعضهم أو كلهم وحدث غيرهم، وبلغ صغير، فذلك لمن حضر، ولو كانوا يوم الوصية قليلًا، ثم كثروا، أعطوا جميعهم.
تنبيه:
الجار هو الملاصق من جميع الجهات، فأي جهة لاصق فهو جار، والمقابل، وبينهما شارع خفيف، فلو كان سوقًا أو نهرًا لم يكن جارًا.
وإذا أوصي بجارية لشخص دخل الحمل في الجارية إن وضعته بعد موت سيدها؛ لأنه كجزء منها، إن لم يستثنيه في الوصية بها فهو لسيده، فلا يدخل كما لو أوضعته في حياته.
تنبيه:
الفرق بين عدم دخول الحمل هذا مع استثنائه دون استثنائه مع عتقها أن الشرع كمل عليه العتق إذا أعتق جزءًا ولم يكمله في الهبة.
[ ٨ / ٢٨٣ ]
وإذا صدق الاسم في الوصية بوجه اعتبروه، فإذا أوصي لمواليه أو لموالي غيره دخل الأسفلون الذين جرى عليهم العتق في الموالي مع الأعلون.
أشهب: ويكون بينهما نصفين، ولو اختلف العدد.
وإذا أوصى بأولاد أمته لزيد ولها أولاد وهي حامل يوم الوصية دخل الحمل -أي: حملها- في الولد؛ لأن لفظ الولد يتناوله، وإن أوصى لعبيده المسلمين وله عبيد مسلمون وغيرهم دخل المسلم يوم الوصية في عبيده المسلمين.
مفهومه: أن من أسلم من عبيده بعد ذلك لا يدخل، واستشكله المؤلف بما علم من أصلهم أن المعتبر في الوصية يوم التنفيذ فيما ينطلق عليه الاسم من الخروج من الثلث، وإذا أوصى لقبيلة كثيرة كأسد وتميم لا يدخل الموالي في تميم أو بنيهم، ولا في أسد عند مالك وابن القاسم.
وقال أشهب: يدخلون.
ولا يدخل الكافر في ابن السبيل وإن كان ابن السبيل؛ لأن المسلم لا يقصده.
وإذا أوصي بثلثه مثلًا لغزاة مما يتعذر فيه التعميم لم يلزم تعميم كغزاة أو فقراء مثلًا.
تنبيه:
عدم القدرة على التعميم قرينة دالة على أن الموصى لم يرد العموم، فهو حينئذ من قبيل العموم الذي أريد به الخصوص، وبهذا يندفع قول البساطي: (قوله: "لا يلزم" لم يقع في محله، بل لا يجوز أن يعمم لفوات الغرض.
واجتهد الوصي في إعطائه بعضًا دون غيره بحسب الحاجة، كزيد معهم، أي: مع المحصورين كالغزاة، فيعطى زيد معهم بالاجتهاد، لا أثلاثًا ولا أنصافًا، وكأنه صار واحدًا منهم، ونحوه في المدونة.
[ ٨ / ٢٨٤ ]
ولا شيء لوارثه، أي: وارث زيد إن مات قبل القسم، وصار الموصى به كله للغزاة، وظاهر كلام المؤلف كالمدونة، كان زيد غنيًا أو فقيرًا.
وإذا كان في الوصية معلوم ومجهول كإيصائه لزيد بخمسة وسبعين، ولبكر بمثلها أو لمجهول كوقود مصباح على الدوام بكذا، أو لأكثر من مجهول كتسبيل ماء على الدوام بكذا، وتفريقه خبزًا على الدوام بكذا، أو كان ماله كله تسعمائة ولم يجر الورثة الوصايا، وتعينت في الثلث وهو ثلثمائة، ضرب لمجهول إن انفرد فأكثر إن تعدد مع وصية زيد وبكر بالثلث جميعه، ويحاص للمجهول المنفرد، أو للمجاهيل جميعها بالثلثمائة مع المائة والخمسين الموصى بها لزيد وبكر، فالموصى به معينًا ومجهولًا أربعمائة وخمسون، فتوقف حصة المجهول أو المجاهيل، هي مائتان، ويعطى لزيد وبكر بقدر حصتهما، ولكل واحد منهما خمسون، فالحاصل لهما مائة، وهي ثلث الثلث وللمجهول أو المجاهيل ثلث الثلث مائتان.
وهل يقسم على الحصة، وهو ظاهر ما في الموازية، واختيار التونسي أو على العدد وهو اختيار ابن الماجشون قولان، وقال أشهب: يضرب للمجهول مع غيره بجميع المال لاحتمال الإجازة.
وإذا أوصى بشراء عبد فلان بالعتق طلب العبد الموصى بشرائه للعتق، فإن باعد مالكه بقدر ثمنه فواضح، وإن أبي فإنه يزاد على ذلك لثلث قيمته، أي: قيمة العبد على المشهور، لا ثلث المائة، خلافًا لأصبغ.
وإنما اقتصر على زيادة الثلث لأنه حد بين القليل والكثير، ثم إن أبي ربه أن يبيعه بزيادة الثلث استؤني بذلك، ولا يعجل برده للورثة على المشهور، ثم ورث بعد الاستيناء، قاله في الذخيرة، والإستناء سنة خاصة، ومثله لابن القاسم في العتبية.
وإن أوصى ببيع -أي: بيع العبد نفسه- ممن أحب العبد لا من شخص بعينه على المشهور، فإذا أحب أن يباع لفلان وأعطي فلان مثل ثمنه
[ ٨ / ٢٨٥ ]
فواضح، وإن أبي من شرائه بعد النقص كان ذلك كالإباية في المسألة السابقة، وهو أنه يورث.
وقررنا بعد بالباء الموحدة وهو قريب من تقرير الشارح بعد بالمثناة التحتية.
وقال بعض من تكلم على هذا المحل: في بعض النسخ: (وبيع ممن أحب النقض والإباية)، أي: وإن أوصى سيده ببيعه ممن أحب استؤني، ثم ورث بعد النقض والإباية، فلفظ الإباية معطوف بالواو على النقص.
قال: وفي بعضها بالكاف مكان الواو، ولا معنى له، ومعلوم أن النقص فيها على قدر الزيادة في التي قبلها.
وإن أوصى على اشتراء، أي: قال: اشتروا عبد فلان من مالي، واعطوه لفلان، فإن أبي أن يبيعه بمثل ثمنه زيد ثلث ثمنه، وإن أبي بخلًا به بطلت وصيته وعاد ميراثًا.
وإن أبي لزيادة فللموصى له الثمن بزيادته عند ابن القاسم، وفرق له بأن الممتنع لزيادة الثمن في معرض الثبوت إذا لم يمتنع سيده من بيعه، بل لزيادة، بخلاف الممتنع بخلًا.
وإن أوصى ببيعه لعتق بأن يعتقه من يشتريه نقص ثلثه، أي: ثلث قيمته إن وجد من يشتريه كذلك، وإلا يوجد من يشتريه بوضيعة ثلث قيمته خير الوارث في أحد أمرين:
- بيعه بما طلب المشتري.
- أو عتق ثلث العبد بتلا، لم يختلف في ذلك قول مالك.
أو القضاء به -أي: بثلث العبد- لفلان في قول الموصي: بيعوه له، فإن اشتراه نقص ثلث منه، وإن لم يشتره خير الوارث بين البيع له بما قال، أو يعطوه ثلث العبد، والتخيير في السابقة بين بيع العبد له بما قال، أو عتق ثلث العبد، وفي هذه بين بيعه له بما قال، أو يعطوه ثلث العبد، ولا يرجع في هذه ميراثًا، خلافًا لأشهب.
[ ٨ / ٢٨٦ ]
وإن أوصي بعتق عبد معين وله مال حاضر ومال غائب لو حضر الجميع لخرج العبد حرًا من ثلثه، ولكنه لا يخرج من ثلث المال الحاضر، ويخرج من ثلث الجميع، وقف عتقه إن كان يرجى اجتماع المال لأشهر يسيرة، وعتق العبد كله، قاله ابن القاسم.
قال في المدونة: وليس للعبد أن يقول: اعتقوا منى ثلث الحاضر الآن، وإلا بأن لم يرجى اجتماعه إلا لأشهر كثيرة، ولم يحدها مالك، وحدها ابن المواز بسنة عجل عتق ثلث الحاضر ثم تمم منه عتقه من المال الغائب، فكل ما حضر من شيء عتق من العبد مقدار ثلثه، ولزم إجارة الوارث وصية مورثه قبل موته فيما لهم رده، كما لو كانت لوارث أو بأكثر من الثلث، كما يلزمه إذا جاز بعد الموت، وهو مذهب المدونة والموطأ وغيرهما.
وإجازة الوارث للوصية على ثلاثة أوجه: لزومها في وجه، وعدمها في وجهين، وللزوم شروط، وهو جريان سببها، أشار لأولها بقوله: بمرض، وقيده عبد الوهاب بالمخوف، وبه قيد الشارح إطلاق المؤلف.
وأشار لثانيها بقوله: لم يصح بعده، أي: بعد مرضه الذي أجازوا فيه، فلو صح منه صحة بينة لم يلزمهم، نص عليه ابن القاسم.
وأشار للوجه الثالث، وهو محل اللزوم أن لا يكون للوارث عذر في الإجازة بقوله: إلا لتبين عذر من الوارث في إجازته بكونه في نفقته، أي: في نفقة الموصي، كأن يقول: خفت أن يقطع نفقته عني إن صح.
أو لأجل دينه الذي علي فيطالبني به إن امتنع، أو خوف سلطانه أو جاهه، إلا أن يحلف من يجهل مثله لزوم الإجازة أنه جهل أن له الرد لوصية مورثه، كالعامي البعيد عن الفقهاء؛ فإنه إذا حلف لا يلزمه الإجازة.
وظاهره: أنه لا فرق بين من تبرع بالإجازة وبين سأله الموصي في ذلك، وإليه ذهب غير واحد من شيوخ عبد الحق، لا إن كانت إجازة الوارث للوصية من غير سبب حرًا لها، بل كان الموصي بصحة، أي: فيها، فإن إجازة الوارث لا تلزمه لعدم جريان سببها.
[ ٨ / ٢٨٧ ]
وأشار للوجه الرابع، وهو إن يجيز في الصحة لسبب جرى، مشيرًا للخلاف فيه بقوله: ولو لكسفر أو حج أو غزو؛ نظرًا لصحة الوصي، وقاله محمد وأصبغ، وهو الصواب، وللتصويب اقتصر عليه، فلا يعترض لمخالفته لقول ابن القاسم وروايته اللزوم عن مالك، والوارث يوصي له مورثه ثم يصير عند الموت غير وارث، كموص لعمه ولا وارث له غيره، ثم حدث للموصي ولد، فصار العم غير وارث، وعكسه كوصية لأجنبي ثم تزوجته بعد صحتها ثم ماتت المعتبر ماله، أي: ما يؤول إليه حال الموصي له في الصورتين، فإذا مات الموصي صحت وصيته في المسألة الأولى لا الثانية.
تنكيت:
تمثيل البساطي للأولى بمن أوصى لجده، ثم ولد له ولد غير صحيح؛ لأن الجد للأب وارث في الحالتين، كان هناك ولد أو لا، يتأتي ذلك في الجد للأم أيضًا، فإنه غير وارث، وتمثيل الشارح للثانية بمن أوصت لزوجها ثم ابنها سبق قلم، واللَّه أعلم.
فإن علم الموصي بحدث الولد ولم يغيرها فهي على حالها، وكذا لو لم يعلم بصيرورة وارثه غير وارث.
وأشار بـ (لو) لتصويب اللخمي له، وإن كان خلاف قول المدونة.
وإن أوصى لوارث ثم حدث له من يحجبه جازت إن مات؛ لأن تركه لها بعد علمه بمن يحجبه إجازة لها.
واجتهد الموصي في قدر ثمن عبد مشتري لظهار على الموصي أو في تطوع بقدر فله المال أو كثرته على المشهور.
أشهب: يشتري وسطًا من الرقاب، واستحسنه اللخمي، ولكن هذا حيث لا وصايا، وأما إن كانت وضاق الثلث رجع لأدنى الرقاب، وهذا إن لم يسم ما يشتري به.
فإن سمى في شراء رقبة تطوع شيئًا يسيرًا لا يبلغ ثمن عبد، أو سمى كثيرًا، ولكن قل الثلث بحيث نقص ما سمى عن شراء عبد كامل شورك به
[ ٨ / ٢٨٨ ]
-أي: بالمسمى أو بالثلث- في شراء عبد للعتق إن وجد من يشاركه.
وإلا يوجد فآخر نجم مكاتب يعان به؛ لأنه أقرب لقصد الموصي، وأراد بقوله وإن سمي في تطوع تقييد ابن يونس وغيره قول المدونة: وإن سمى ثمنًا فيه كفاف الثلث فاشتراها الوصي فاعتقها عنه ثم لحق الميت دين يعتبر جميع ماله رد العبد رقًا، وإن لم يغترق جميع ماله رد العبد، وأعطي صاحب الدين دينه، ثم من عتق من العبد مقدار ثلث ما يفي من مال الميت بعد قضاء الدين، ولا يضمن الوصي إذا لم يعلم بالدين.
قال ابن يونس وغيره: هذا خاص برقبة التطوع.
وإن سمى ما فيه كفاف ثمن عبد فاشتراه وعتق عن الموصي فظهر عليه دين يرده كله رد جميعه، وبطلت الوصية.
أو يرد بعضه رق المقابل للمدين، وعتق ما بقي منه بعد قضاء الدين.
البساطي: فإن قلت: قوله في المدونة: (رد العبد. . إلى آخره) هل بينه وبين قول المؤلف: (رق المقابل) فرق؟ .
قلت: ظاهر كلام المدونة أنه يفسخ حكم عتقه الأول، ويعتق منه بعد عتق آخر، بخلاف كلام المؤلف. انتهى.
وقد يقال في قول المدونة: رد العبد تجوز، أي: رد مقابل الدين من العبد؛ إذ لا فائدة في فسخ العتق في الجزء الباقي بعد الدين ثم يعتق ثانيًا، واللَّه أعلم.
وإن مات العبد الموصى بشرائه للعتق بعد اشترائه كذلك، ولم يعتق اشترى غيره؛ لأنه لا يكون حرًا بنفس الشراء، وإذا اشترى غيره فمات اشترى آخر، وهكذا، ولو تعدد لمبلغ الثلث على المشهور ومذهب المدونة.
وظاهره: ولو قسمت التركة، وهو كذلك على المشهور، ولابن القاسم أنه على التركة، والثلث باق بكماله.
البساطي: أعني ثلث ما بقي بعد إخراج ما اشتري به، وكان ما اشتراه
[ ٨ / ٢٨٩ ]
به كالعدم، إلا أن يقول إن اشتريتموه فهو حر بنفس الشراء.
وإن أوصى لشخص بشاة واحدة مثلًا من ماله أو عدد سماه من الشياه مثلًا من ماله، وله شياه عشرة مثلًا، كان شريكا بالعشر، وهو معنى قوله: شارك الموصي له الورثة بالجزء أي: بتلك النسبة، وإن كان حال الوصية له عدد يشاركه فيه فمات ما سمي له منه، ولم يبق إلا ما سمى فقط، فهو له -أي: للموصي له خاصة- إن حمله الثلث.
البساطي: فإن قلت: (جعله شريك مختصًا متناقضان)، قلت: أنا أفهم هذه المسألة على أنه إذا أوصى فجعله حال الوصية شريكًا فماتت قبل موت الموصي ثم مات الموصي على العدد الذي سماه، وحينئذ لا تنافي.
لا إن قال له: ثلث غنمي مثلًا فتموت، فليس له إلا ثلث ما بقي، وإن لم يبق له شيء فلا شيء له؛ لأنها شركة صريحة، والاستحقاق كالموت، وإذا أوصى له بشاة من ماله، وله غنم، فكما تقدم.
وإن لم يكن له غنم فله شاة وسط، لا علية ولا دنية، تشترى له من ماله؛ لأنه قال: من مالي، وإن قال: أوصيت له بشاة من غنمي ولا غنم له حال الإيصاء بطلت وصيته؛ لأن مراد الموصي أن يعطي له شاة بشرط أن يكون له غنم عند موته، وقد فات شرطه، كعتق عبد أوصى بعتقه من عبيده فماتوا في حياته أو بعد موته قبل النظر في ثلثه، أو استحقوا، وكذا إن لم يكن له عبيد البتة حين الإيصاء، وكذا إن مات ولم يبق غير واحد، فإنه يعتق تنفيذ الغرضه وإعمالا بوصيته.
ثم أخذ في بيان حكم ما إذا ضاق الثلث على الوصايا ما الذي يقدم منها على غيره أو يستوي معه فقال: وقدم لضيق الثلث عما يجب إخراجه فك أسير مسلم، قاله أبو عمران الإشبيلي.
ابن عات: وعليه إجماع الشيوخ.
ثم مدبر صحة يقدم على العتق الواجب وغيره ثم صداق مريض لمنكوحته في المرض، ثم زكاة العين أوصى بها على المشهور، إلا أن
[ ٨ / ٢٩٠ ]
يعترف بحلولها عليه، ويوصي بإخراجها فمن رأس المال عند ابن القاسم.
أشهب: تخرج من رأس المال، وإن لم يوص بها.
كالحرث والماشية يخرجان من رأس المال، وإن لم يوص بها، ثم زكاة الفطرة على المشهور.
ابن الماجشون: وزكاة المال والفطر سواء.
ابن عبد السلام: والأول ظاهر المدونة.
ثم عتق ظهار وعتق قتل في رتبة واحدة عند ابن القاسم، لكن في قتل الخطأ لا العمد.
الباجي: لعدم وجوبها في العمد.
ولذا أقرع بينهما إذا لم يحمل الثلث إلا أحدهما، ثم كفارة يمين باللَّه تعالى، ثم الكفارة لفطر رمضان ثم الكفارة لتفريطه في قضائه حتى دخل رمضان عليه رمضان آخر، ثم النذر، ظاهره: في الصحة أو المرض علم ذلك من جهته أو أشهد عليه.
ثم المعتق المبتل في المرض ومدبر المرض متسويان على ظاهر المذهب، ثم الموصي بعتقه معينًا عنده كعبدي فلان أو معينًا كناصح عبد زيد يشترى ليعتق، أو أوصى بعتقه لكشهر أو أوصى بعتقه على مال فعجله.
وهذه الأربعة في رتبة واحدة يتحاصون، ثم الموصي بكتابته والمعتق بمال يؤديه، والمعتق لأجل بعد عن الشهر، وهذه الثلاثة في رتبة واحدة، ثم المعتق لسنة مقدم على العتق إلى أكثر منها، نقله البساطي عن ابن رشد.
وحمل الشارح قوله لأجل بعد على دون الستة لئلا يتنافر مع العتق لسنة، قال على الأكثر، أي: في قول الأكثر.
ثم عتق لم يعين ثم حج إلا لصيرورة فيتحاصان، أي: عتق غير المعين والصيرورة، فلا يبدأ أحدهما على الآخر.
ثم شبه في المحاصة قوله: كعتق في عبد لم يعين كاعتقوا عبدًا،
[ ٨ / ٢٩١ ]
ومعين غيره، كعشرة دنانير لزيد وجزء، وهذه الثلاثة في رتبة فتقع المحاصة فيها.
تنبيه:
اختلف الشارحان في معنى الجزء:
- فقال الشارح: كوصية بالثلث أو الربع أو نحوه.
- وقال البساطي: الجزء من عتق رقبة معينة، وألف الناس فيما تقدم نظمًا ونثرًا، ذكرنا شيئًا من ذلك في الشرح الكبير، فراجعه، إن شئت.
ويجوز للمريض اشتراء من يعتق عليه كأبيه وأخيه بثلثه فأقل، ويعتق عليه ويرث باقي المال إن انفرد أو حصته مع غيره عند ابن القاسم؛ لحصول العتق بنفس الشراء لعدم الحجر فيه دون ترقب، ولو تلف بقية ماله قبل موته لم ينقض حكم عتقه، وفي هذه المسألة إشكال، وجوابه ذكرناه في الكبير.
ثم أخرج من قوله: (ويرث)، فقال: لا إن أوصى بشراء ابنه بعد موته، فاشترى عملًا بالإيصاء، وعتق من ثلثه، وإن لم يقل: واعتقوا؛ إذ هو مدلول الوصية عرفًا، ولا يرث اتفاقًا.
وإن أوصى بشراء أبيه مع غيره كأبيه، فإن اتسع الثلث خرج الجميع، وإن ضاق قدم الابن على غيره، ولا خصوصية لابنه، بل من يعتق عليه.
وإن أوصى لشخص بمنفعة شيء معين كغلة داره مثلًا سنين ولا يحمل الثلث ذلك، أو أوصى بشراء ما -أي: شيء ليس ذلك الشيء فيها -أي: في التركة- كاشتروا عبد زيد مثلًا، والثلث لا يحمله، أو أوصى بعتق عبده فلان بعد موته بشهر ولا يحمل ذلك الثلث الموصى به في صورة من الثلاث، وحذفه من الأولين، لدلالة هذا عليه.
خير الوارث بين أن يجيز ذلك أو يخلع ثلث الجميع، أي: جميع ما في التركة، ووجهه: أنه يقال: للورثه كم لم تمكنوا الموصي من بخس حقوقكم فلا تبخسوا أنتم حقه فإما أجزتم وإلا فادفعوا له جميع ماله، وهو
[ ٨ / ٢٩٢ ]
الثلث، فإن أجازوا خدمهم العبد شهرا في المسألة الثالثة، ثم خرج كله حرًا.
تنبيه:
أشار بقوله: (بمنفعة معين) إلى قصر ذلك على المنافع، ابن عبد السلام: وهو المشهور.
وقيل: الحكم عام في الوصية بالأعمال والمنافع، وهو الذي في ابن الحاجب وغيره.
والمسألة تلقب عند أهل المذهب بمسألة (خلع الثلث).
[مسألة:]
وإن أوصى لشخص بنصيب ابنه أو مثله، أي: مثل نصيب ابنه، فلا فرق بين اللفظين، وله ابن واحد، وأجاز الوصية، فبالجميع قدره بعضهم بجميع المال، فإن ردها نفذت في الثلث.
قال في الجلاب: فإن كان له ابنان فقد أوصى له بنصف ماله، فإن أجاز ذلك ولداه، وإلا كان له ثلث، وإن كان له ثلاثة فقد أوصى له بثلث ماله، وإن كان له أربعة بنين فقد أوصى له بربع ماله، أو خمسة فالوصية بالخمس، وفسر على ذلك.
وقال الفرضيون: إذا أوصى له بمثل نصيب ابنه، فإن كان له ابن واحد فالوصية له بالنصف، وإن كان له ابنان فالوصية بالثلث، ويقدر زائدًا، وإن أوصى له بنصيب ولد فلا يقدر زائدًا اتفاقًا، وهذا التقرير بناءً على أن المراد بالجميع جميع المال، ليس إلا.
وقرره بعضهم أن المراد بالجميع جميع نصيب الابن، وهو كل المال، أو الباقي بعد ذوي الفروض، إن كان الابن واحدا، وبنصف المال أو بنصف الباقي إذا كانا اثنين، وثلث المال أو ثلث الباقي إن كانوا ثلاثة، وهكذا.
[ ٨ / ٢٩٣ ]
لا إن قال: اجعلوه وارثًا معه -أي: مع ولده- أو قال: ألحقوه به فزائدًا، أو إن أوصى بنصيب أحد ورثته فبجزء من عدد رؤوسهم: ذكورًا كانوا أو إناثًا، فإن كان عدد ورثته عشرة فله العشر، أو خمسة فله الخمس، وهكذا، ولا نظر لما يستحقه كل واحد.
[مسألة:]
وإن أوصى له بجزء من ماله أو سهم منه فيسهم من أصل فريضته إن كانت من ستة، فيسهم منها، وإن عالت فيسهم منها، وإن كانت أربعة وعشرين فيسهم منها.
تنبيه:
هذا إذا كان له وارث، فإن لم يكن له وارث فهل له سهم من ستة؛ لأنه أدنى ما تقوم منه الفرائض، أو من ثمانية؛ لأنه أقل سهم فرضه اللَّه تعالى قولان.
[مسألة:]
وفي كون ضعفه -أي: النصيب- فيما إذا أوصى بضعف نصيب ابنه مثله -أي: مثل النصف- حكاه أبو الحسن بن القصار عن بعض شيوخه بعد أن قال: لا أحفظ فيها نصًا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه.
أو مثليه، وحكاه ابن القصار عن ابن حبيب والشافعي، قائلًا: وهذا في نفسي أقوى من جهة اللغة.
وأشار المؤلف لما حكاه عن بعض شيوخه وعما قوي في نفسه بقوله: تردد، وحكاهما ابن الحاجب قولين.
وإذا علمت هذا ظهر لك أن قول البساطى متعقبًا على المؤلف: (لا أعرف التردد الذي ذكره) غير ظاهر.
[مسألة:]
وإن أوصى بمنافع عبد لفلان، وأطلق ولم يقيدها بأجل ولا بحياة
[ ٨ / ٢٩٤ ]
الموصي له ولا بحياة العبد فحمله ابن القاسم في المدونة على ظاهره على حياة العبد، فلذلك ورثت منافعه على الموصى له بموته، فكان لورثته ما بقي منها إلى موت العبد.
لكن زاد ابن القاسم على ما فيها: إلا أن يستدل على أنه إنما أراد المخدم.
وأسقط المؤلف هذه الزيادة، واقتصر على ظاهر المدونة.
وإن حددها -أي: المنافع- بزمن كما لو أوصى بها شهرًا أو سنة مثلًا، فكالمستأجر، يحتمل بفتح الجيم، ويحتمل بكسرها، واحترز بقوله: (حددها) عما لو وقته بزمن غير محدود، كما لو أخدم رجلًا حياته عبدًا.
قال في المدونة: ليس له أن يبيع من خدمته إلا مدة قريبة كسنة أو سنتين، قال: أو أمدًا مأمونًا.
فإن قتل العبد الموصى بخدمته عمدًا عدوانًا فللوارث القصاص، إن كان قاتله عبدًا، أو القيمة، وقد تتعين إن كان القاتل حرًا، وبطل حق الموصى له؛ لأن حقه إنما كان في المنفعة، وقد ذهبت.
ثم شبه فيما قبله من انقطاع الخدمة، فقال: كأن جنى العبد المخدوم على غيره، فتنقطع الخدمة، إلا أن يفديه المخدم أو الوارث، فلا تنقطع في الوجهين، وحينئذ يخير وارث الموصي بين فدائه وإسلامه، فإذا أفداه بأرش جنايته فتستمر الخدمة للموصى له إلى انقضاء الأجل، وإن أسلمه في جنايته خير الموصى له أو وارثه في الوجه الذي يكون فيه الخدمة بين إمضاء ما فعله وارث الموصي ويبطل حقه من الخدمة وبين فدائه وتبقي الخدمة وتستمر له، وإلى هذا رجع مالك، واختاره أصبغ.
وهي -أي: الوصية- ومدبر عقد تدبيره إن كان العقد بمرض إذا قومًا لينظر هل يخرجان من الثلث أم لا، إنما يقومان فيما علم السيد من ماله، لا فيما لم يعلم على المعلوم من المذهب، وعلى هذا ثبت ابن القاسم.
[ ٨ / ٢٩٥ ]
ومفهوم (بمرض) أن مدبر الصحة يدخل فيما علم وما لم يعلم، وإليه رجع مالك.
ودخلت وصية فيه -أي: في المدبر- إذا لم يخرج من الثلث، ورق بعضه، ودخلت في الراجع إليه من العمرى والحبس، وهل تدخل في سفينة أو عبد شهر تلفهما، كغرق السفينة وموت العبد قبل الإيصاء، ثم ظهرت السلامة وعدم دخولها فيهما قولان، رواهما أشهب عن مالك.
لا فيما أقر به في مرضه لأحد، أو أوصى به لوارث، فإنهما لا يدخلان فيما رد من ذلك على المعروف من المذهب، وإن وجدت وصية مكتوبة وثبت عند القاضي أن عقدها -أي وثيقتها- خطه، ولم يشهد عليها لم تنفذ عند مالك؛ لأنه قد يكتب ولا يعزم، وقيد ذلك عياض بما إذا لم يقل أنفذوها، أما لو كتبها بخطه، وقال: أنفدوها، فإنها تنفد.
أو أتى الشهود بها وقرأها ولم يشهد، أو لم يقل: أنفذوها لم تنفذ، نقله في النوادر، أما لو قال: أنفذوها لأفادت إن عرف أنها خطه، كما لو أشهد.
وندب فيه -أي: الإيصاء- تقديم ذكر التشهد، فيقول قبل إيصائه: أنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله، قاله مالك، وفي الذخيرة عن الكتاب: لم يذكر مالك كيف هو.
ولهم -أي: الشهود- الشهادة إذا كتبها بغير محضرهم، وإن لم يقرأه، ولا قراءة عليهم.
وفي المدونة: إن عرفوا الكتاب بعينه فليشهدوا بما فيه.
وإنما لم يذكر المؤلف معرفة الكتاب كما فيها لوضوحه؛ إذ لو لم يعرفوه فما الذي يشهدون به.
تنبيه:
قول المدونة: (فليشهدوا) ظاهره الوجوب، والذي في كلام المؤلف
[ ٨ / ٢٩٦ ]
الجواز، وتجوز شهادتهم على الكتاب ولو لم يطلعهم على ما فيه، بل مختومًا عليه.
ولا فتح وأمر ألا ينظر حتى يموت فلهم أن يشهدوا بما فيه، ونفذت وصيته، ولو كانت وثيقته عنده، ونحوه في المدونة، وإن شهد إنما فيها له وعليه وهي مختومة، وقال: وما بقي من ثلثي فلفلان ثم مات ففتحت، فإذا فيها: وما بقي فللمساكين قسم ما بقي بينهما: نصفه لفلان، ونصفه للمساكين.
وإن قال: كتبتها، وجعلتها عند فلان فصدقوه، فإنه يصدق وينفذ قوله، وإن لم يقل: أنفذوها، أو قال: أوصيت بثلثي فصدقوه، فإنه
يصدق، وينفذ إن لم يقل: لابني، فإن قال: لابني، لم يصدق عند ابن القاسم، وعند أشهب يصدق، وحذف (يصدق) من التي قبلها لدلالة هذا عليه.
تنبيه:
قاسها ابن القاسم على قول مالك: (يجعل فلان ثلثي حيث يراه) أنه إن أعطاه لولد نفسه أو لقرابة له لم يجز، إلا أن يكون لذلك وجه يظهر صوابه.
قال أبو الحسن: لدينه أو علمه مع حاجته.
وظاهر كلام المؤلف تصديقه، عدلًا كان أو لا، وهو قول مالك، وأحد قولي ابن القاسم، وبه قال سحنون، واختاره التونسي واللخمي، وظاهر المدونة، ولابن القاسم أيضًا اشتراط عدالته.
[مسألة:]
وإن قال وصيي فقط يعم جميع الأشياء، قال في المدونة: وإنكاح صغار بناته ومن بلغ من أبكار بناته بإذنهن، ولا تجبر اتفاقًا، والثيب بإذنها.
وإن قال: وصيي على كذا يخص به، ولا يعده لغيره على المشهور، وروي يعم.
[ ٨ / ٢٩٧ ]
تنبيه:
قال ابن رشد: الوكالة والوصية إن قصرًا طالا، وإن طالا قصرًا.
كوصيي حتى يقدم فلان فجائز، وعم في جميع الأشياء، وخص في الزمان، فلو مات فلان قبل قدومه فقال ابن يونس: ينبغي أن يكون هذا وصيًا؛ لأنه إنما جعله لقدوم الغائب.
وظاهره: أنه يعزل بمجرد قدومه، وإن قدم وامتنع، واستظهره ابن يونس، إلا أن يفهم عنه إن جاء فلان فقبل، ولو لم يقبل وجب أن يبقى.
أو قال: وصيي إلى أن تتزوج زوجتي، أي: فإذا تزوجت انعزل عن الإيصاء وصارت وصية.
وفي بعض النسخ: (إلا أن تزوج زوجتي)، أي: جعلها وصية ما دامت عزباء، فإذا تزوجت انعزلت.
وإن زوج وصيي موصى على بيع تركته وقبض ديونه فقط صح تزويجه؛ لأن حق اللَّه -تعالى- في مطلق الولاية، وهو حاصل.
[من له الوصية على المحجور عليه:]
ثم شرع المصنف فيما يتعلق بالوصية على الأولاد وإقامة من ينظر في حالهم، ومذهب مالك أن ذلك خاص بالأب دون غيره من الأقارب، فلا يوصي الجد ولا الأخ ولا العم ونحوهم، ولذا قال: وإنما يوصي على المحجور عليه أب أو وصيه، أو وصي وصيه.
[شروط إيصاء الأم:]
وليس للأم أن توصي على ولدها، إلا بشروط ثلاثة: أشار لأولها بقوله: كأم إن قل المال -أي: الذي توصي فيه- قال في المدونة: كستين دينارًا.
ولا ولى لهم، أبًا ولا وصيًا وورث المال الموصى به عنها، وظاهر كلام المؤلف: أن مقدم القاضي لا يوصي على الصغير، وهو كذلك، نص
[ ٨ / ٢٩٨ ]
عليه ابن الهندي وابن أبي زمنين وغير واحد، وحكى ابن رشد عن بعض الأندلسيين أن الذي مضي به الحكم أن حكم مقدم القاضي حكم الوصي في جميع أموره؛ لأن القاضي أقامه مقام الوصي.
تنبيهان:
الأول: ما ذكره في الأب إنما هو إذا كان رشيدًا، وأما المحجور عليه فلا نظر له في ولده، ولا إن يوصي عليه.
الثاني: كل ما تقدم إنما هو في الوصية بما صار له من ميراثه، وأما ما تطوع به الميت بالوصية به فجائز أن يجعله على يد الصبي، وإن كان له أب أو وصي، نص عليه اللخمي وغيره.
[شروط الوصية:]
ثم ذكر شروط الوصية، وهي أربعة، فقال:
- لمكلف، لا مجنون ومعتوه وصبي.
- مسلم، لا كافر، ولو قريبًا على المشهور، ورجع إليه مالك.
- عدل، لا فاسق، وأطلقه كغيره.
وقال البساطي: بالجوارح، ولا أعلم في الفاسق بالاعتقاد نصًا شافيًا. انتهى.
- كاف، لا عاجز عن التصرف.
وإذا وجدت هذه الشروط صحت، وإن كان من أسند إليه الإيصاء أعمى اتفاقًا؛ إذ لا يشترط كونه بصيرًا، ولا يشترط الذكورية فيصح كونه امرأة، ولا الحرية فيصح كونه عبدًا للموصي أو غيره، وتصرف عبد الغير بإذن سيده.
ويدخل في عبده مدبره ومكاتبه والمبعض والمعتق إلى أجل، وإن أوصى إلى عبده أراد الأكابر بيع عبد موصى إليه اشترى للأصاغر حصة الأكابر، إن كان لهم مال يحملها، فإن لم يحمل ذلك حصتهم وأضربهم باع
[ ٨ / ٢٩٩ ]
الأكابر حصتهم منه فقط إلا أن يضر ذلك بالأكابر ويأبوا فيقضي على الأصاغر بالبيع معهم.
وطروء الفسق على الوصي يعزله؛ لأن العدالة تشترط ابتداء ودوامًا على المشهور.
وقال المخزومي: يجعل معه آخر.
[ما لا يبيعه الوصي على الأصاغر:]
ولا يبيع الوصي على الأصاغر عبدًا يحسن القيام بهم؛ لأنه ليس بمصلحة، وهو إنما يتصرف بالمصلحة.
ولا يبيع الوصي على الأصاغر التركة إلا بحضرة الكبير؛ إذ لا نظر له عليه، فإن غاب غيبة بعيدة والتركة حيوان أو عرض رفع ذلك للإمام، فينظر من يلي معه ذلك عن الغائب.
ولا يقسم الوصي على غائب حقًا له بلا حاكم، وهي إحدى المسائل التي تقدم أنها مختصة بالقضاء.
وإذا أوصي لاثنين بلفظ واحد ومتعاقبين في زمن واحد أو زمنين من تقييد باجتماع أو افتراق حمل على قصد التعاون، فليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا نكاح ولا غيره دون صاحبه إلا بالتوكيل منه، وأما إن قيد فلا إشكال.
فإن مات أحدهما فالحاكم ينظر في ذلك، فيقر الآخر إن رأى لذلك وجها، أو أشرك معه غيره، وليس له النظر وحده، أو اختلفا في بيع أو شراء أو ترشيد المحجور عليه أو تزويجه أو غير ذلك فالحاكم ينظر في فعلهما.
اللخمي: فما رآه صوابًا أثبته، وإن كان غير ما قالاه أمرها به، ومنعهما مما عداه.
ولا يجوز لأحدهما إيصاء في حياته دون أمر صاحبه، ولا عند
[ ٨ / ٣٠٠ ]
الموت، وهو قول مالك وابن القاسم.
وفهم من قوله: (أحدهما) أنهما لو أوصيا معًا لجاز اجتماعهما على ذلك، كما لو اجتمعا على شيء في الحياة.
ولا يجوز لهما قسم المال بينهما؛ لأنه قد يريد اجتماعهما؛ لأمانة أحدهما وكفاية الآخر، ولرأي الآخر، وإلا بأن اقتسماه ضمنا ما تلف منه.
وظاهره: ضمان الجميع ما تلف عنده لاستبداده فيه، وما تلف عند صاحبه عند عبد الملك، وله أيضًا يضمن ما هلك عند صاحبه دون ما هلك بيده، ودرج عليه ابن الحاجب، وعليه ففي كلامه هنا إجمال.
[مسألة:]
وجاز للوصي اقتضاء الدين، وله تأخيره على من هو عليه؛ لنظر كخوف تلف إن اقتضاه أو صاغه، ومن هو عليه مليء مأمون، وله النفقة على الطفل والسفيه حال احتياجه بالمعروف.
اللخمي: وبحسب قلة المال وكثرته فلا يضيق على صاحب المال الكثير دون نفقة مثله، ولا يسرف ولا يوسع على قليله.
ويزيد للمحجور عليه فيما جرت العادة به من زيادة النفقة في ختنه وعرسه، ولا حرج على من دعي وأكل منه، وفي عبيده وأضحيته وغيرها.
[مسألة:]
ويجوز له دفع نفقة له قلت، كنفقة شهر ونحوه، فإن علم منه إتلاف ذلك فنصف شهر، فإن خاف فجمعة أو يوم بيوم، وربما أشعر قوله بأنه لا يدفع للمحجور نفقة أم ولده ورقيقه، وأقامه ابن الهندي من المدونة، وخالفه ابن العطار.
[إخراج زكاة الفطر:]
ويجوز له إخراج زكاة فطرته وفطر عبيده، وإخراج زكاته ورفع ذلك للحاكم ليأمره به إن كان -أي: وجد بموضعه- حاكم حنفي يرى عدم
[ ٨ / ٣٠١ ]
الزكاة عليه؛ لئلا يضمنه إن أخرجها بغير أمر حاكم، وفهم منه: أنه لو لم يكن حاكم حنفي فلا معنى للرفع.
ويجوز له دفع ماله لمن يعمل فيه قراضا؛ لقول عليه -ﷺ-: "اتجروا في أموال اليتامى؛ لئلا تأكلها الزكاة" (١).
ودفعه بضاعة لما في كل منهما من التنمية ويسلم له ويداين له، ولا يعلم هو -أي: الموصي- به قراضًا؛ لاحتياجه في العقد لنفسه مع نفسه، وهو لا يجوز، وظاهره: ولو كان بجزء من الربح يشبه قراض غيره.
ولا يجوز له اشتراء من التركة بنفسه، ولا يداين له، ولا يوكل من يشتري له، وإن وقع ذلك تعقب بالنظر -أي: ينظر الحاكم- فإن كان فيه فضل كان لليتامى، وإلا مضى.
واختلف هل ينظر فيه يوم الشراء أو يوم يرفع إليه قولان لابن كنانة وابن الماجشون.
ثم استثنى من منع شرائه من التركة قوله: إلا كحمارين قل ثمنهما، كثلاثة دنانير، وتسوق الوصي بهما الحضر والسفر -أي: شهرهما في السوق للبيع في المدينة والبادية- واجتهد في ذلك، فيجوز له حينئذ أخذهما بذلك، واستحسنه مالك حين سئل عن ذلك؛ لقلة الثمن.
وله عزل نفسه عن الإيصاء في حياة الموصي إن لم يكن قبل، بل ولو قبل، وهو الأصح.
تنبيه:
في تسمية امتناعه من القبول عزلًا تسامح.
[مسألة:]
لا بعدهما -أي: القبول والموت- فليس له عزل نفسه على الأصح،
_________________
(١) أخرجه من حديث أنس الطبراني في الأوسط (٤/ ٢٦٤، رقم ٤١٥٢). قال الهيثمي (٣/ ٦٧): سنده صحيح.
[ ٨ / ٣٠٢ ]
وظاهره: سواء قبلها في حياة الموصي أو بعد موته، نص على الأول في المدونة، وأشهب على الثاني.
[مسألة:]
وإن أبي القبول -أي: امتنع منه- وأراده بعد الموت فلا قبول له بعد؛ لأن قبوله بعد رده يحتاج لإيصاء، وقد فقد الموصي، والقول له -أي: للوصي- في قدر النفقة، إذا نازعه المنفق عليه؛ لأن الوصي ائتمنه، فكان أمين الموصي عليه، لا إن اختلفا في تاريخ الموت: فقال الوصي مات الموصي منذ سنتين، وقال الموصي عليه: منذ سنة، فالقول قول الموصي عليه، ولا يقبل قول الوصي إلا ببينة.
قال في التوضيح: وهذا وإن كان يرجع إلى تكثير النفقة لأن الأمانة لم تتناول الزمان المتنازع فيه.
ولا إن اختلفا في دفع ماله إليه بعد البلوغ والرشد، فلا يقبل قول الوصي على المشهور، خلافًا لعبد الملك، ومنشأ الخلاف قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾
﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، وهل لئلا يغرموا، وهو المشهور، أو لئلا يحلفوا، وهو مقابله، وصحح، واللَّه أعلم.
* * *
باب
ذكر فيه الفرائض، وهو علم الميراث، وبيان من يرث، ومن لا يرث، ومقدار ما لكل وارث، وأصول المسائل، والمناسخات، والحجب، والإقرار، وقسمة التركات، وما يتعلق بذلك كله.
ابن عرفة عن ابن خروف: الميراث مفعال من ورث ورثا ووراثة، والإرث: اسم للشيء الموروث، وهمزته منقلبة عن واو، كإشاح ووشاح،
[ ٨ / ٣٠٣ ]
وقيل للمال المتروك: إرث وميراث؛ لأنه يبقى بعد صاحبه، وكذلك الورثة لبقائهم بعد الميت ولأخذهم الإرث. انتهى.
وعلم الفرائض علم قرآني عظيم القدر جليل الأمر (١)، روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إن اللَّه -تعالى- لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرب، ولا إلى نبي مرسل، ولكن تولى قسمتها أبين قسمة: لا وصية لوارث" (٢).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم، وهي أول ما ينسى، وهي نصف العلم" (٣).
واستشكل أجيب بأنه لجلالته نصف ما يتعلم: "وهو أول علم ينزع من أمتي وينسى" (٤).
قال في التوضيح: يترك.
وقد بينا معنى كونها نصفا في الكبير.
_________________
(١) قال السهيلي في شرح آيات الوصية، ص ٢٥ - ٢٦: "علم الفرائض علم شريف قرآني لا يشتغل به إلا عالم رباني قال ابن عباس -﵁- حين مات زيد بن ثابت -﵀- اليوم مات رباني هذه الأمة لأن رسول اللَّه -ﷺ- قال في زيد بن ثابت وأفرضهم زيد بن ثابت وقال -﵇- العلم ثلاثة آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة فجعل علم الفرائض ثلث علم الدين، وكال عمر بن الخطاب -﵁- أيام كان بالشام يكتب إلى زيد بن ثابت وهو بالمدينة استخلفه عليها فيبدأ باسمه على نفسه لمكانه من العلم والفقه في الدين وحين أشكلت عليه مسألة الجد مشى بنفسه إلى منزل زيد بن ثابت يستفهمه عن رأيه فيها فانتهى إلى قوله واستحسن ما سمع من قياسه فيها ونظره -﵃- أجمعين".
(٢) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٦٤، رقم ١٢٣٢١)، وابن عساكر من طريق الحسن بن سفيان (٢١/ ٢٨٠)، وابن ماجه (٢/ ٩٠٦، رقم ٢٧١٤)، قال البوصيري (٣/ ١٤٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وأخرجه أيضًا: الضياء من طريق الحسن بن سفيان (٦/ ١٤٩، رقم ٢١٤٤)، والدارقطني (٤/ ٧٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٣٦٠، رقم ٦٢١).
(٣) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٠٨، رقم ١١٩٥٥) ثم قال: تفرد به حفص بن عمر وليس بالقوي. وأورده ابن طاهر المقدسي في تذكرة الموضوعات (ص ٦٩، رقم ٣٨٨).
(٤) هو بقية الحديث السابق.
[ ٨ / ٣٠٤ ]
[قبل تقسيم الميراث:]
يخرج من تركة الميت من رأس ماله مبدأ على غيره وجوبًا، وإن أتى على جميعها حق تعلق بعين كالمرهون، فالمرتهن أحق به، ولو كفن الميت الذي ليس له ما يكفن فيه غيره، وحكى ابن عرفة عن مختصر الشيخ أول ما يخرج من التركة أم الولد والرهن. انتهى. ونحوه لابن رشد في المقدمات.
تنبيه:
دخل بالكاف الزكاة الحالة عليه قبل موته، وزكاة الحب والتمر والماشية، إذا كان فيها السن الواجب، وإن لم يوص بها.
وعبد جنى لتعلق أرش الجناية برقبته إن لم يفد بالأرش، ثم يخرج من رأس ماله حق غير معين مؤن تجهيزه من كفن وحفر وحمل إن كان لا يفعل إلا بأجرة بالمعروف مما يناسبه فقرا وغنى.
فائدة:
قال العصنوني (١): وانظر هل لا ينتقل ملك الورثة للتركة إلا بعد تجهيز الميت، أم ينتقل ملكهم لها حين الموت، وإنما يجهز مما ملكوه، والظاهر الأول. انتهى.
وما استظهره هو الذي قال البساطي في باب الطلاق عند قول المؤلف: (ولو علق طلاق زوجته المملوكة لأبيه على موت أبيه لم ينفذ)، والمذهب أن التركة تنتقل بمجرد الموت إلى الوارث، وقضاء الدين لازم له شرعًا إن كان في التركة ما يوفي. انتهى.
وقد يستظهر الأول أيضًا من تحنيثهم من حلف ألا يأكل طعام زيد فأكل من تركته بعد موته قبل قسمها إن أوصى أو كان مدينا.
_________________
(١) قال في معجم المؤلفين (٥/ ١٩٨): "عبد الرحمن المغيلي (كان حيًا ٨١٦ هـ) (١٤١٣ م) عبد الرحمن بن يحيى بن محمد بن صالح العصنوني، المغيلي، فقيه، له شرح على التلمسانية".
[ ٨ / ٣٠٥ ]
ثم تقضى ديونه الثابتة عليه لآدمي، ثم حقوق اللَّه تعالى كالكفارات والنذور، وهذا كله من رأس المال، ثم تخرج وصاياه من ثلث الباقي إن وسع جميعًا، والأقدم منها: الآكد فالآكد على ما تقدم في بابها.
تنبيه:
إنما قدم الدين على الوصية (١) لأنه حق واجب على الميت بخلافها، وقدمت في قوله: (من بعد وصية يوصي بها أو دين)؛ لأنها تشبه الميراث
_________________
(١) قال السهيلي ص ٤٨ - ٥٠: "فصل في سر تقديم الوصية على الدين، وقوله من بعد وصية يوصي بها أو دين وإخراج الدين لا شك قبل إخراج الوصية وبعد الكفن لأن الغرماء في حياته لم يكن لهم سبيل على كفنه وما يجهز به وبدئ به في العمل قبل الوصية لأن أداءه فرض والفرض مقدم على الندب. فإن قيل: لم بدأ اللَّه بالوصية قبل ذكر الدين؟ قلنا: في حكم البلاغة أن يقدم ما يجب الاعتناء بشرحه وبيانه وأداء الدين معلوم وأمره بين لأنه حق للغرماء ومنعهم منه ظلم ظاهر فبدأ بما يحتاج إلى بيانه وقد قال سيبويه إنه يقدم في كلامهم ما هم به أهم وببيانه أعني وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم. ووجه آخر وهو أن الوصية طاعة وخير وبر يفعله الميت والدين إنما هو لمنفعة نفسه وهو مذموم في غالب أحواله وقد تعوذ رسول اللَّه -ﷺ- من الكفر والدين فبدأ بالأفضل وما يقدم في ترتيب الكلام فقد يكون لقبلية الفضل نحو قوله وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ونحو قوله ٦ من النبيين والصديقيين وقد يكون لقبلية الزمان نحو قوله: نوحًا وإبراهيم وقد يكون لقبلية الترتيب نحو تقديم اليهود على النصارى في الذكر لأنهم كانوا مجاورين للمسلمين في الدار وقد يكون تقديمهم في اللفظ لقبلية الزمان لأن التوراة قبل الإنجيل وموسى قبل عيسى وقد يكون تقديم الصلاة قبل الزكاة من قبلية الرتبة لأنها حق البدن والزكاة حق المال والبدن في الرتبة قبل المال. ومن وجوه القبليات أيضًا السبب والمسبب كالمرض والموت في حكم البلاغة كما روي أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ واللَّه حكيم عزيز والأعرابي لا يحفظ القرآن فقال الأعرابي ما أراها أنزلت كما تقول فقال القارئ واللَّه عزيز حكيم فقال الأعرابي نعم عز فلما عز حكم. فاجعل هذه القبليات أصلًا في معرفة الحكمة والإعجاز في كتاب اللَّه فإنه لا تقدم فيه صفة على أخرى ولا شيء على شيء إلا بقبلية من هذه القبليات فترتب الألفاظ في اللسان على حسب ترتيب المعاني في الجنان فتدبره واللَّه المستعان".
[ ٨ / ٣٠٦ ]
من حيث أخذها بغير عوض، ومشقتها على الورثة والدين نفوسهم مطمئنة بأدائه فقدمت حثًا على وجوبها والمسارعة على إخراجها.
ثم يخرج الباقي لوارثه فرضًا أو تعصيبًا، أو هما.
[عدة الفروض:]
والفروض ستة، والفرض اصطلاحًا: النصيب المقدر شرعًا للوارث لا يزيد إلا بالرد عند قائله، ولا ينقص إلا بالعول، وسلك المصنف -رضي اللَّه تعالى عنه، ورحمه، ونشر على ألسنة القلوب علمه- في بيان من يرث ومن لا يرث أخصر الطرق.
وحاصلها أن الفروض ستة:
- النصف.
- ونصفه.
- ونصف نصفه.
- والثلثان.
- ونصفهما.
ونصف نصفهما.
ثم بين ما يطرأ على كل واحد من مشاركة وحجب واختصاص، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى.
[أولا - فرض النصف:]
ولما جرت عادة الفرضيين بالبداية بالنصف؛ إذ هو أول مقامات الكسور تبعهم المصنف بقوله: من ذي، أي: من الوارث صاحب النصف.
[ ٨ / ٣٠٧ ]
[أصحاب النصف:]
وأتى بـ (من) البيانية؛ لأن أصحاب النصف خمسة: (١)
_________________
(١) وفي تأمل هذا الركن يتبين زيف ما اتهم به الإسلام من قبل الغرب وأذنابه، وأنى يكون ما ذكروه من ثلب الإسلام وتشريع الفرائض من اللَّه تعالى الخبير بعباده، والحكيم في أمره، يقول السهيلي ص ٢٧ - ٣٠: "فصل الحكمة في الوصية بالأولاد: ثم إني نظرت فيما بينه اللَّه سبحانه في كتابه من حلال وحرام وحدود وأحكام فلم نجده افتتح شيئًا من ذلك بما افتتح به آية الفرائض ولا ختم شيئًا من ذلك بما ختمها به فإنه قال في أولها يوصيكم اللَّه في أولادكم فأخبر تعالى عن نفسه أنه موص تنبيهًا على حكمته فيما أوصى به وعلى عدله ورحمته أما حكمته فإنه علم سبحانه ما تضمنه أمره من المصلحة لعباده وما كان في فعلهم قبل هذا الأمر من الفساد حيث كانوا يورثون الكبار ولا يورثون الصغار ويورثون الذكور ولا يورثون الإناث ويقولون أنورث أموالنا من لا يركب الفرس ولا يضرب بالسيف ويسوق الغنم فلو وكلهم اللَّه إلى آرائهم وتركهم مع أهوائهم لمالت بهم الأهواء عند الموت مع بعض البنين دون بعض فأدى ذلك إلى التشاجر والتباغض والجور وقلة النصفة فانتزع الوصية منهم وردها على نفسه دونهم ليرضي بعلمه وحكمه ولذلك قال تعالى حين ختم الآية وصية من اللَّه واللَّه عليم حليم وقال قبل ذلك فريضة إن اللَّه عن اللَّه كان عليمًا حكيمًا. وأما عدله فإنه سبحانه سوى بين الذكور لأنهم سواء في أحكام الديات والعقول ورجاء المنفعة وأن صغر السن لا يبطل حق الولادة ولا معنى النسب وأن كلًا منهم فلق الأكباد وشجا الحساد ولذلك قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ ولم يقل بأولادكم لأنه أراد العدل فيهم والتحذير من الجور عليهم وجاء باللفظ عامًا غير مقصور على الميراث أو غيره ولذلك قال النبي -﵇-: "إني لا أشهد على جور" وذلك أيضًا قاله في هبة فضل بها بشير بن سعد بعض ولده على بعض لأنه رأى اللَّه تعالى قد أمر بالعدل فيهم أمرًا غير مقصور على باب دون باب ولذلك رأى كثير من العلماء أن لا يفضل في الهبة والصدقة ابن على بنت إلا بما فضله اللَّه به للذكر مثل حظ الأنثيين وهو قول أحمد ابن حنبل، وكانوا يستحبون العدل في البنين حتى في القبلة ورأى رسول اللَّه -ﷺ- رجلًا قاعدًا فجاء طفل له فأقعده في حجره وجاءت بنت له صغيرة فأقعدها على الأرض فقال له ﵊ أليست بولدك أو كما قال قال بلي قال فاعدل فيهما وهذا كله منتزع من قوله سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وأما ما تضمنته وصيته من الرحمة إلى ما ذكرنا من العدل والحكمة فإنه جعل للبنات حظًا في أموال آبائهن رحمة منه لضعفهن وترغيبًا في نكاحهن لأن المرأة تنكح لمالها وجمالها ولدينها فعليك بذات الدين قال -ﷺ-: "اتقوا اللَّه في الضعيفين" =
[ ٨ / ٣٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = يعني المرأة واليتيم فكان من رأفته بهن أن قسم لهن مع الذكور وكان من عدله أن جعل للذكر مثل حظ الأنثيين لما يلزم الذكور من الإنفاق والصداق إذا بلغوا النكاح ولما أوجب عليهم من الجهاد للأعداء والذب عن النساء وجعل حظهم مثنى حظ الإناث كما جعل حظ الرجل مثل حظي الأنثى في الشهادات والديات لأنهن ناقصات عقل ودين للحيض المانع لهن في بعض الأوقات من الصيام والصلوات فجمع بين العدل والرحمة ونبه على العلم والحكمة. وانتبه أيها التالي لكتاب اللَّه المأمور بتدبره كيف قال يوصيكم اللَّه في أولادكم بلفظ الأولاد دون لفظ الأبناء لما سنذكره من الفرق بينهما إن شاء اللَّه. ثم أضاف الأولاد إليهم بقوله أولادكم ومعلوم أن الولد فلذة الكبد وذلك موجب للرحمة الشديدة فمع أنه أضاف الأولاد إليهم جعل الوصية لنفسه دونهم ليدل على أنه أرأف وأرحم بالأولاد من آبائهم ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول العبد لأخيه أوصيك في أولادك لأن أبا الولد أرحم بهم فكيف يوصيه غيره بهم وإنما المعروف أن يقول أوصيك بولدي خيرًا فلما قال اللَّه ﵎ يوصيكم اللَّه في أولادكم علم أن رب الأولاد أرحم بالأولاد من الوالدين لهم حيث أوصى بهم وفيهم ولذلك قال ﵊ في امرأة رآها قد ألقت نفسها على ابنها في بعض المغانم: "اللَّه أرحم بعبده المؤمن من هذه بولدها" وكذلك قال في الحمرة التي أخذ فراخها فألقت نفسها عليهم حتى أطبق عليها الكساء معهم فقال ﵊: "أتعجبون من رحمة هذه بفراخها فاللَّه أرحم بعبده المؤمن منها" وحسبك بقوله سبحانه وهو أرحم الراحمين فالأبوان من الراحمين فاللَّه تعالى أرحم منهما فلذلك أوصى الآباء بأولادهم وإن كان المعروف ألا يوصي والد بولده وإنما يوصي الإنسان غيره بولد نفسه إذا غاب عنه وأما أن يوصى والد بولد نفسه فغير معروف في العادة لأن للولد أن يقول أنا أرحم بولدي منك فكيف توصيني بهم فسبحان من هو أرحم الراحمين وأعدل الحاكمين. فصل في أسرار قوله يوصيكم اللَّه، وقال سبحانه يوصيكم بلفظ الفعل الدائم لا بلفظ الماضي كما قال في غير آية نحو قوله تعالى أنزلناها وفرضناها ونحو قوله فرض عليك القرآن ونحو قوله ذلكم وصاكم به ونحو قوله كتب عليكم الصيام وكتب عليكم القتال ولم يقل ههنا كذلك وإنما قال يوصيكم والحكمة في ذلك واللَّه أعلم أن الآية ناسخة للوصية المكتوبة عليهم في قوله كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الآية فلما نسخ الوصية الماضية واستأنف حكما آخر جاء بلفظ الفعل المستأنف تنبيها على نسخ ما مضى والشروع في حكم آخر فقال (يوصيكم اللَّه)، وجاء بالاسم الظاهر ولم يقل أوصيكم ولا نوصيكم كما قال نتلو عليك ونقص عليك لأنه أراد تعظيم هذه الوصية والترهيب من إضاعتها كما قال يعظكم اللَّه ويحذركم اللَّه نفسه فمتى أراد تعظيم =
[ ٨ / ٣٠٩ ]
الأول: الزوج حيث لا ولد لزوجته: ذكرا أو أنثى، ولا ولد ولد منه أو من غيره، وإن من زنا، إن لم يقم به مانع من كفر أو رق أو قتل عمد أو شك أو لعان، وأما ولد البنت فلا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾؛ لأن من لا يرث لا يحجب إلا الأخوة للأم؛ فإنهم يحجبون الأم إلى السدس، ولا يرثون مع الأب، كما سيأتي.
والثاني: بنت لصلب إن انفردت قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.
والثالث: بنت ابن إجماعا إن لم تكن بنت للصلب، وانفردت بنت الابن.
والرابع: أخت شقيقة إن انفردت، ولم تكن بنت صلب، ولا بنات ابن، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾.
_________________
(١) = الأمر جاء بهذا الاسم ظاهرًا لأنه أهيب أسمائه وأحقها بالتعظيم واللَّه أعلم. فصل في سر اختيار لفظ الولد دون الابن: وقال في أولادكم ولم يقل في أبنائكم لأن لفظ الولادة هو الذي يليق بمسألة الميراث ففي تخصيص هذا اللفظ فقه وتنبيه أما الفقه فإن الأبناء من الرضاعة لا يرثون لأنهم ليسوا بأولاد وكذلك الابن المتبنى فقد كان رسول اللَّه -ﷺ- تبنى زيدًا قبل النسخ للتبني فكان يقول أنا ابن محمد، ولا يقول أنا ولد محمد ولذلك قال سبحانه وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم لأن الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن غير أن لفظ الأولاد يقع على الذكور والإناث حقيقة فلذلك عدل عنه إلى لفظ الأبناء في آية التحريم وأما في آية المواريث فجاء بلفظ الأولاد تنبيهًا على المعنى الذي يتعلق به حكم الميراث وهو التولد فالماء حياة البشر كما أن الماء حياة الشجر ولذلك عبر في الرؤيا بالماء عن المال وهو يسري من الأصل إلى الفرع المتولد منه أشد من سريان الماء من الفرع إلى الأصل ولذلك كان سبب الولد في الميراث أقوى من سبب الوالد لأن الولد فرع متولد فإليه يسري المال أقوى من سريانه إلى الأب وهذا المعنى بعينه مروي عن زيد بن ثابت حيث كلمه عمر -﵁- في ميراث الجد مع الإخوة فضرب له المثل في الشجرة لها فرعان وفي الفرع الواحد غصنان فإن قطع أحد الغصنين سرت القوة والماء إلى الغصن الباقي".
[ ٨ / ٣١٠ ]
تنبيه:
لفظ أخت شامل للأخوات الأشقاء ولأب ولأم، لكن خرجت التي للأم بدليل خاص، فبقى من عداها، وكان لها النصف؛ لأن الابن إذا انفرد (١) كان له الكل، والأنثى لها نصف الذكر.
وأشار الخامس بقوله: أو أخت لأب إن لم تكن معها شقيقة، ولا من يعصبها إجماعًا.
[عاصب النسوة:]
وعصب كلًا من النسوة الأربع واحدة كانت أو أكثر، أخ فأكثر يساويها في درجتها شقيقتين أو لأب، فيقسم المال بينهما أو بينهم: (للذكر مثل حظ الأنثيين)، واحترز بقوله: (يساويها) عن أخ لأب مع شقيقه؛ فإنه لا يعصبها، بل يأخذ ما فضل عن فرضها.
تنكيت:
قول الشارح: (احترز بقوله: "عن درجتها" عما لو كان أسفل منها، فإن الحكم لا يكون كذلك) غير ظاهر؛ إذ الأسفل منها لا يسمى أخًا، بل ابن أخ، وقد يجاب بالعناية، بأن يقال: الأخ للأب أسفل من الأخ الشقيق.
وعصب الجد بالرفع، ظاهره: أنه يعصب كلا من الأربع، وليس كذلك؛ ولذا تعقبه الشارح في الكبير بأنه لا يعصب غير الأخت أو الأخوات، أي: في بعض حالاته الثلاثة الآتية، وتبعه على ذلك بعض الشراح.
وعصب الأخريين، وهما: الأخت الشقيقة والتي للأب، الأوليان،
_________________
(١) قال السهيلي ص ٥٠ - ٥١: "فصل في نصيب الذكر إذا انفرد، وقوله وإن كانت واحدة فلها النصف فيه نص ودليل أما النص فثبوت النصف للبنت الواحدة مع عدم الأخ وأما الدليل فلأن الذكر إذا انفرد ورث المال كله لأنه قال للذكر مثل حظ الأنثيين وللأنثى النصف إذا كانت وحدها فللذكر النصفان وهو الكل إذا كان وحده".
[ ٨ / ٣١١ ]
وهما البنت وبنت الابن، أي: يصيران الأخت لشقيقة والتي للأب بعد أن كانتا ترثان بالفرض، فيأخذان ما فضل عن أرباب الفروض.
تنبيه:
تلخص من كلامه على هذا التقرير أن الأخوات يعصبهن أربعة:
- الأخ في درجتهن معهن.
- والجد (١).
_________________
(١) قال السهيلي ص ٣٥ - ٣٧: "فصل في الموازنة بين الجد والأخ وفي دلالة الولد: وإذا ثبت هذا فالجد إذا الأصل والأخ أقوى سببًا لأنه يدلي بولادة الأب له وقد تقدم أن الولادة أقوى الأسباب فإن قال الجد وأنا أيضًا ولدت الميت قيل له إنما ولدت والده وولده قد ولد الإخوة فصار سببهم قويا وإنما لم يحجبوا الجد بهذه القوة لأن الجد أصل وولد الولد ولد غير أن الولد أحق منه ما دام حيًا. وقد اختلف هل يقع على ولد الولد اسم الولد حقيقة أو مجازًا والذي عندي أنه حقيقة ولكن الولد أقرب من ولد الولد وإن شاركه في الاسم لأن ولد الولد لم يكن ولدا للجد إلا بواسطة الوالد. فإن قيل: فإن تصدق بصدقة على ولده أكان يشاركهم فيها ولد الولد؟ قلنا: أما الصدقة فالغرض بها التمليك فلا يتناول ولد الولد إلا بتبيان من المتصدق مخصص عموم اللفظ بقرينة الغرض والمقصد بخلاف التحبيس فإن المقصد به التعقيب دون التمليك فتناول الولد وولد الولد ما تعاقبوا. فإذا فهمت هذا علمت أن لفظ البنوة أوسع من لفظ الولادة لأن المقصود بها الدعوة والنسب فإذا نسبت فقد تنسب إلى والد وغير والد ألا ترى إلى قوله تعالى وابن السبيل فنسب إلى السبيل وليس بوالده وكذلك قولهم ابن آوى وابن عرس وبنات أوبر للكمأة وبنات نعش في النجوم ولا يحسن في شيء من هذا لفظ الولد فمن هذا لم ير زيد -﵀- حجة لمن قال من الصحابة إن الجد كالأب كما أن ابن الابن كالابن لقوله سبحانه يا بني آدم ويا بني إسرائيل ولقوله ملة أبيكم إبراهيم لأن هذا نسب وتعريف ولو ذكر الولادة لكان لهم فيها حجة ومتعلق لما قدمناه من المقصود بلفظ الولد ولفظ الابن وفرق ما بينهما والولد يقع على الذكر والأنثى والواحد والجمع بخلاف الابن لأنه على وزن فعل كالقبض والنفض والخلف وهو قابل لصورة الفعل من المفعولات فالولد مولود قابل لصورة الفعل الذي هو الولادة كما أن النفض من الورق قد قبل صورة الفعل الذي هو النفض فوقع على الواحد والجميع من أجل ذلك، غير أنه قال =
[ ٨ / ٣١٢ ]
- وبنات الصلب.
- وبنات الابن.
ونحو هذا للشارح في الأوسط فإنه قال: يريد أن جميع ما تقدم من النساء إذا كان مع كل منهن أخ يساويها في درجتها فإنه يعصبها، فيأخذان المال أو ما بقي منه: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١).
_________________
(١) = في الآية في أولادكم فجمع الولد لإضافته إلى ضمير الجمع ولو كان مضافًا إلى ضمير الواحد لجاء بلفظ الإفراد وإن عنى الجمع لقوله -﵇-: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" ولم يقل أولاد آدم، فافهمه. ومن الفوائد لفظ الولد دلالته على أن الجنين والسقط المستهل يرث لأنه ولد قد تولد وقلما يقال في مثله ابن فلان حتى يكبر فينسب إلى الأب لأن لفظ البنوة كما قدمنا موضوع للنسب بخلاف لفظ الولد ألا ترى أنهم يقولون في الأنساب ابن فلان بن فلان ابن فلان".
(٢) قال السهيلي ص ٣٨ - ٤١: "فصل في استنباط حكم العبد والكافر من الآية، وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ. . .﴾ تضمن أن لا يرث الولد العبد الأب الحر لقوله في أولادكم بإضافة التعريف ولم يقل يوصيكم اللَّه فيما ولدتم وعرف الأولاد بالإضافة إلى والديهم والعبد لا يعرف بالإضافة إلى والده إنما يقال فيه عبد فلان ومملوك فلان فيعرف بالإضافة إلى سيده ويقال في ولد الحر ولد فلان وابن فلان فدل ذلك على انقطاع الميراث بينهما. وتضمن هذا الفقه أيضًا قوله للذكر بلام التمليك لأن لام الإضافة ههنا إنما هي لإضافة الملك والعبد لا يملك ملكًا مطلقًا لأن السيد له أن ينتزع ماله منه وأكثر العلماء يقولون لا يملك بحال من الأحوال فعلى كلا الوجهين لا يصح أن يدخل العبد في عموم هذا اللفظ أعني قوله للذكر ولا في قوله ولأبويه لكل واحد منهما السدس. وإذا منع الرق من الميراث فأحرى أن يمنع الكفر لأن الرق أثر الكفر والسباء الذي أوجبه الكفر فخرج من هذا أن لا يرث الكافر المسلم. فصل في استنباط حكم الذكر مطلقًا: وقوله: (للذكر) بالألف واللام التي للجنس مع اللفظ المشتق من الذكورة يدل على العموم وعلى تعليق الحكم بالصفحة التي من الذكورة فلو قال للذكر منهم مثل حظ الأنثيين لكان هذا الحكم مقصورًا على الأولاد دون غيرهم فلما لم يقله دخل فيه الإخوة فكان للذكر منهم حظ الأنثيين إذا ورثوا وكذلك الأبوان للأم الثلث وللأب الثلثان إذا ورثا لعموم قوله للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قيل قد تقدم ذكر الأولاد فمن هناك استغنى عن أن يقول منهم. =
[ ٨ / ٣١٣ ]
ولعل مراده بالأخ الجنس ليشمل الواحد والأكثر، واحترز بـ (يساويها) عما لو كان أسفل منها، فإن الحكم ليس كذلك، ولو كان أعلى درجة منها لحجبها، كما سيذكره، ثم قال: والجد أيضًا يعصمهن. انتهى.
ويحتمل أن (الجد) منصوب، و(الآخريين) عطف عليه، و(الأوليان) فاعل (عصب)، والمعنى: وعصب البنت وبنت الابن الأخت الشقيقة والأخت للأب والجد.
تنبيه:
ظاهر كلام المصنف: أن البنات هن اللاتي عصبن الأخوات، أي يصيرن يرثن بالتعصيب بعد أن كن يرثن بالفرض، وهو نص الحوفي، وخلاف ظاهر قول الرسالة: (والأخوات مع البنات كالعصبة لهم يرثن ما فضل عنهن ولا يربى لهن معهن) انتهى.
وهو مقتضى إطلاقهم أن الأخوات عصبن البنات، قال حلولو -
_________________
(١) = قلنا لو قال منهم لكان لفظًا يخصص العموم تخصيصًا أقوى من تخصيص ذلك المعنى لأن دليل اللفظ أقوى من دليل المعنى لأنه ليس من لفظ إلا وهو متضمن لمعنى فصار أقوى من معنى دون لفظ كما في صناعة النحو العامل اللفظي أقوى من المعنوي فافهم هذا في صناعة الأصول. واعلم أن خصوص أول الكلام لا يمنع من عموم آخره إذا كانت صيغته صيغة العموم مثل ما في هذا الموضع وهو قوله للذكر مثل حظ الأنثيين. فصل في نصيب البنتين: وقوله: (مثل حظ الأنثيين) بلام التعريف التي للجنس دل على أن الأنثيين قد استحقتا الثلثين إذ الأنثى الواحدة لها مع الذكر الثلث فإذا لم يكن ثم ذكر وكانت اثنتان فلهما الثلثان بهذا اللفظ القرآني فإذا ثبت هذا فمن ثم قال فإن كن نساء فوق اثنتين مبينًا لحكم الثلاث وما هو أكثر منهن مستغنيًا عن بيان حكم الاثنتين لأنه قد بينه بدلالة اللفظ كما تقدم. وظن كثير من الناس أن توريث الثلثين للبنتين إنما هو بالقياس على الأختين وقال بعضهم إنما عرف ذلك بالنسبة الواردة وقال بعضهم إنما عرف من الفحوى لا من اللفظ لأن الواحدة إذا كان لها الثلث مع الذكر فأحرى أن يكون لها الثلث مع عدم الذكر، والذي عندي أن اللفظ مغن عن هذا وكاف شاف لما قدمناه والحمد للَّه".
[ ٨ / ٣١٤ ]
رحمه اللَّه تعالى- والذي يظهر لي أن يصح الإطلاقان، لكن باعتبارين:
- إما كون البنات عصبن الأخوات فباعتبار كونهن انتقلن عن النصف إلى ما فضل، وهو ظاهر كما يفعله الأخ بالأخت.
- وإما كون الأخوات عصبن البنات فلأن لهن ما فضل عنهن، واللَّه أعلم. انتهى.
ولتعددهن -أي: تعدد كل من النساء الأربع صاحبات النصف- الثلثان، وتعدد كل زيادتها على واحدة، وأتى بنون الجمع ليخرج الزوج قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (١).
_________________
(١) قال السهيلي ص ٤١: "فصل في مرجع الضمير في كن، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾. قد يقال: لم كنى بضمير الجمع المؤنث ولم يتقدم ما يعود عليه في اللفظ؟ قلنا: لو تقدم ذكر جمع مؤنث في اللفظ لاستغنى أن يقول نساء ولقال فإن كن فوق اثنتين كما قال في الأخوات فإن كانتا اثنتين لأنه قد تقدم ذكر أخت ولم يتقدم هنا إلا ذكر الأولاد فقال الطبري حاكيًا عن الكوفيين بعود الضمير على المتروكات كأنه قال المتروكات واختار هذا القول وضعف قول من قال يعود على الولد لأن الولد يجمع المذكر والمؤنث والمذكر يغلب على المؤنث في الجمع، والذي اختاره عندي غير صحيح لأنه فيه عود الضمير على ما ليس في اللفظ وترك اللفظ الظاهر وإنما كان يلزم تغليب المؤنث على المذكر لو عاد الضمير على جملة الأولاد وإنما يعود على البعض وذلك البعض هم النساء والاسم المضمر هو الظاهر والمتكلم لا يريد سوى ذلك الاسم وعنه يخبر وحكمه يريد أن يبين فلذلك قال كن كما قال وإن كانت واحدة فجاء بضمير الواحدة التي يريد أن يبين حكمها وهي ولد كما أن النساء ولد وهذا بين، وقد حكى سيبويه من كانت أمك بالنصب فأنث الاسم الأول لأنه هو الأخير في المعنى وأعجب من هذا قولهم إنه قام زيد وإذا أخبروا عن المؤنث قالوا إنها قامت هند فأنثوا ليشاكل أول الكلام آخره وإن لم يكن الاسم الأول هو الثاني. فإن قلت: إنما هو ضمير القصة! قلنا: وإن كان ضمير القصة فقد اختاروه على ضمير الأمر في هذا الموضع للمشاكلة قال اللَّه سبحانه: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ ولم يقل إنه وقال: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ ونحو من الأول قولهم بحسبك زيد فأدخلوا الباء على حسب وهم يريدون زيدًا لأنه هو ويعضد هذا قول الشاعر: =
[ ٨ / ٣١٥ ]
وللثانية وهي بنت الابن واحدة فأكثر مع الأولى وهي بنت الصلب الواحدة السدس إن لم تكثر بنات الابن، بل وإن كثرن روى البخاري عن آدم بن أبي إياس، عن أبي قبيص، قال: سمعت هذيل ابن شرحبيل يقول: سئل أبو موسى الأشعري عن بنت وبنت ابن وأخت، فقال:
- للبنت النصف.
- وللأخت النصف.
وأتينا ابن مسعود فإنه سيتابعني، فسأل ابن مسعود، وأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بما قضى رسول اللَّه -ﷺ- للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى فللأخت، فأتيا أبا موسى فأخبراه، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (١).
حجبها -أي: بنت الابن- عن السدس ابن فوقها، كبنت ابن ابن وابن ابن، وحجبها عنه أيضًا بنتان فوقها -أي: أقرب منها للميت- كبنت ابن ابن وبنتي ابن، فلا شيء لها؛ لأنها محجوبة بهما، إلا لابن معها في درجتها كابن ابن مع بنت ابن، أو ابن ابن مع بنتي ابن فمعصب مطلقًا، أي: سواء كان أخاها أو ابن عمها، فيأخذان ما فضل عن البنت: (للذكر مثل حظ الأنثيين)، أو كان الذكر أسفل منها بدرجة فمعصب لها إن لم يكن
_________________
(١) = أليس عجيبا بأن الفتى يصاب ببعض الذي في يديه فأدخل الباء على اسم ليس وإنما موضعها الخبر؛ لأنه هو وقول الراجز: عن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما على من يتكل وكان حقه أن يقول من يتكل عليه فأدخل الحرف على الأول لأنه هو الثاني وكذلك جاء بضمير جماعة المؤنث عائدًا على الأولاد لأنه لم يرد منهم إلا النساء والذي أضمر هو الذي أظهر ولا معنى لإنكار من أنكر".
(٢) أخرجه وعبد الرزاق (١٠/ ٢٣٧، رقم ١٩٠٣٢)، وأحمد (١/ ٤٤٠، رقم ٤١٩٥)، والبخاري (٦/ ٢٤٧٧، رقم ٦٣٥٥)، وأبو داود (٣/ ١٢٠، رقم ٢٨٩٠)، الطيالسي (١/ ٤٩، رقم ٣٧٥)، وسعيد بن منصور (١/ ٥٩، رقم ٢٩).
[ ٨ / ٣١٦ ]
لها في الثلثين شيء، وأما إن فضل لها من الثلثين شيء كبنت وبنت ابن وابن ابن ابن فإنها تأخذ السدس تكملة الثلثين، ويأخذ هو الباقي تعصيبًا.
وتلخص من هذا أن من في درجتها يعصبها حيث لا شيء لها من الثلثين، وهذا خلاف ظاهر إطلاق المؤلف، وأشار الشارح إلى تقييد هذا الظاهر بقوله: يريد أو بنتي ابن فوقها.
وأخت لأب واحدة فأكثر مع الشقيقة الواحدة فأكثر كذلك، أي: لها أو لهما أو لهن، أي: الأخت للأب فأكثر ما لبنت الابن مع بنت الصلب فيما سبق، فتأخذ التي للأب واحدة فأكثر مع الشقيقة الواحدة السدس من غير زيادة، ويحجب الأخت للأب الواحدة فأكثر عن السدس أخ فوقها، أي: شقيق وأختان فوقها كذلك.
ولما ذكر أن حكم الأخت أو الأخوات للأب مع الشقيقة أو الشقيق مساو لحكم بنات الابن مع بنات الصلب، وكان ابن الأخ هذا مخالفًا لابن الابن هناك، استثنى فقال: إلا أنه إنما يعصب الأخت أو الأخوات للأب الأخ المساوي في الدرجة لا ابن الأخ؛ لأن ابن الأخ لا يعصب من في درجته، فلا يعصب من فوقه، بل يأخذ ما بقي دون عماته، وابن الابن وإن سفل يعصب من في درجته، فجاز أن يعصب من فوقه.
[فرض الربع:]
والربع فرض اثنين: فرض الزوج من زوجته بفرع، الباء بمعنى مع، والفرع الولد وولد الابن الذكر وإن سفل، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾، كان ولدها ذكرًا أو أنثى من الزوج أو غيره، وقد يدخل عليه النقص في مسائل العول.
والثاني فرض زوجة فأكثر لها أو لهما أو لهن الربع مع عدم الولد أو ولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾، وقد يدخل عليهن النقص في مسائل العول.
[ ٨ / ٣١٧ ]
[فرض الثمن:]
والثمن فرض لها إن انفردت، أو لهما، أو لهن، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾، أو لهن بفرع لاحق: ولد أو ولد ابن منها أو من غيرها، وقيده باللاحق في الزوج دون الزوجة للحوقه بها في الزنا دونه (١)، وحيث كان لها أو لهن الربع أو الثمن فلا تتميز فيه واحدة عن الأخرى إلا في صورة نادرة ذكرناها في الكبير.
وفرض الثلثين لأربعه لذي النصف إن تعدد، قال الشارح: مكرر مع قوله: (لتعددهن الثلثان)، وقد يقال: أعاده مع الشرط لبيان أن الزوج لا يتعدد (٢).
[فرض الثلث:]
وفرض الثلث لاثنين:
- فرض لأم عند عدم الولد وولد الابن واثنين من الأخوة والأخوات،
_________________
(١) قال في المنح (٩/ ٦٠٦): "تت: قيد فرع الزوج بلاحق دون فرع الزوجة؛ لأنه لا يكون إلا لاحقا بها ولو من زنا، بخلاف فرع الزوج، فقد ينتفي عنه بلعانه فيه. طفى: يحتاج لقيد لاحق في فرع الزوجة أيضًا ليخرج ولد ابنها الذي نفاه بلعان، فإنه لا يحجب زوجها من النصف إلى الربع، ولا يخفاك أن الأولى التعبير بوارث بدل لاحق، إذ لا يلزم من اللحوق الإرث، والمعتبر في الحجب والإرث الذي هو أخص من اللحوق، وانظر مواهب القدير".
(٢) قال في المنح (٩/ ٦٠٦): " (و) من ذي (الثلثين) وهو فرض (لذي) أي صاحب (النصف إن تعدد) كبنتين فأكثر أو بنتي ابن كذلك أو شقيقتين كذلك أو أختين لأب كذلك. الشارح: هذا مكرر مع قوله: (ولتعددهن الثلثان)، وقد يقال: أعاده مع شرطه لبيان أن الزوج لا يتعدد، قاله تت. طفى: فيه نظر؛ لأن قوله: (ولتعددهن الثلثان) أغنى عنه، والظاهر أنه إنما أعاده؛ لأنه مقصود هنا لبيان الثلثين ثم نصفهما ثم نصف نصفهما، وذكره أولًا استطرادًا".
[ ٨ / ٣١٨ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١).
_________________
(١) قال السهيلي ص ٥٦ - ٥٨: "فصل في ميراث الأم الثلث: قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، لم يجعل اللَّه لها الثلث إلا بشرطين أحدهما عدم الولد والآخر إحاطة الأبوين بالميراث ولذلك دخلت الواو ليعطف الشرط الثاني على الأول ولو لم تدخل الواو لأحاط الأبوان بالميراث عند عدم الولد ولم يرث معهما أحد هذا مقتضى قوله وورثه أبواه وافهم هذه النكتة من ألفاظ القرآن فإنك ستجد فائدة ما إذا ذكرنا ميراث الكلالة إن شاء اللَّه؛ وذلك أن لفظ ورث إذا وقع مطلقًا اقتضى حوز الميراث عمومًا مثل أن تقول ورثت زيدا إذا ورثت ماله كله فإن كان معك وارث آخر لم يحسن أن تقول ورثته إنما تقول ورثت منه كذا تعني نصفًا أو ثلثًا لأن معنى ورثته ورثت ماله ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ولما قام مقامه في الإعراب قام مقامه في العموم من قولك ورثت ماله لسر من العربية لطيف ليس هذا موضع ذكره قال اللَّه سبحانه ونرثه ما يقول وقال يرثني ويرث من آل يعقوب ألا تراه قال من آل يعقوب بزيادة حرف التبعيض وقال يرثني بغير حرف لإحاطة الولد بميراث الأب وقال وورث سليمان داود وقال وهو يرثها عن لم يكن له ولد أي يحيط بميراثها، وإذا ثبت هذا فمعنى الكلام إذا إن لم يكن له ولد وأحاط الأبوان بميراثه فلأمه الثلث وسكت عن حظ الأب استغناء عن ذكره لأنه لا يبقى بعد الثلث إلا الثلثان ولا وارث إلا الأبوان، وهذا بالغ في البيان، وتذكر ههنا الفريضتان الغراوان وهما امرأة تركت زوجها وأبويها ورجل ترك امرأته وأبويه فللأم ههنا الثلث ما بقي وذلك السدس من رأس المال مع الزوج والربع من رأس المال مع الزوجة، وقد أبي من ذلك ابن عباس وقال لا أجعل لها إلا الثلث من رأس المال والزوج النصف ويبقى السدس للأب فأبى عليه زيد ابن ثابت وقال ليقسم هو كما رأى وأقسم أنا كما رأيت وهي إحدى المسائل الخمسة التي خالف فيها ابن عباس الصحابة. والعجب أن اللَّه جعل لها الثلث كما جعل للزوج النصف وزيد ابن ثابت يقول بالعول خلافًا لابن عباس ولم يجعلها عائلة ولا حط الأب فيكون خلافًا لقوله للذكر مثل حظ الأنثيين فلا هو نقص الزوج مما جعل لها ولا هو سوى الأم معه فيعطيها من رأس المال كما أعطاه، ولكن قوله منتزع من كتاب اللَّه انتزاعًا تعضده الأصول وذلك أن الأم تقول لم حططتموني عن الثلث الذي جعل اللَّه لي، فيقال لها: ما أخرجت عن الثلث لأن ميراثك مع أحد الزوجين الثلث مما يبقى فلم تخرجي عن الثلث. فتقول الأم: هلا أعطيتموني الثلث من رأس المال فيكون للزوج نصف ما بقي أو هلا جعلتموها عائلة فيدخل النقص عليه وعلى الأب كما دخل علي. فيقال لها: إنما قال اللَّه سبحانه فلأمه الثلث ولم يقل مما ترك كما قال في الزوجين وفي الأخت والأختين وفي الأبوين مع وجود الولد ولفظ ما صيغة من صيغ العموم =
[ ٨ / ٣١٩ ]
والثاني فرض ولديها اثنين فأكثر، ولا يفضل ذكرهم على أنثاهم، ولا يعصب الذكر الأنثى، ويرثون مع من يدلون به، ولواحدهم السدس.
_________________
(١) = فأعطى الزوج فرضه من كل ما ترك الميت ولم تكوني أنت كذلك إلا مع عدم الزوجين وعند إحاطة الأبوين بالميراث. فتقول الأم: أليس قوله سبحانه فلأمه الثلث معناه مما ترك الولد؟ ! فيقال لها: صيغة العموم لا تؤخذ من المعنى وإنما تؤخذ من اللفظ وقد تقدم أن الدليل اللفظي أقوى من المعنوي لأنه معقول ومسموع فله مزية على المعقول غير المسموع وهذا أصل متفق عليه عند حذاق الأصوليين. وقد وفق اللَّه زيد بن ثابت وفهمه عن اللَّه وصدق رسول اللَّه -ﷺ- حيث قال وأفرضهم زيد بن ثابت، فتأمل هذا الأصل فقل من يفطن له وإنما المسألة عند الناس تقليدية لا برهانية وقد أوضحناها برهانيًا والحمد للَّه. فهذا ما في المسألة من لفظ القرآن وأما ما فيها من الحكمة وبيان السر فإن الأب بعل الأم وقد قال -﵇-: "لو أمرت أحدًا بالسجود لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لبعلها" وهو قوام عليها قال اللَّه -﷿-: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فكيف يكون فوقها عقلًا وشرعًا ثم يكون تحتها في الميراث ولم يكن أيضًا ليعال لها معه فيدخل عليه النقص في حظه وهو قيمها والمنفق عليها وإليها يؤول نفع حظه من الميراث. فإن قيل: قد عيل لها معه في مسألة الولد إذا اجتمع أبوان وبنتان وزوج. قلت: إن اللَّه تعالى قال هناك لكل واحد منهما السدس مما ترك ولم يقل هنا مما ترك وقد بينا هناك الحكمة التي أوجبت المساواة لها مع الأب. فإن قيل فقد قال فإن كان له إخوة فلأمه السدس ولم يقل مما ترك وهي يعال لها مع الأختين والزوج. قلنا قد قال مما ترك في سدسه مع الابن والأب والابن أحق بالميراث من الأخ فكيف يكون لها السدس من كل ما ترك مع الابن الذي هو أحق ولا يكون ذلك لها مع الأخ فلذلك استغنى الكلام عن أن يقول فيه مما ترك أعني عند ذكر الأخوة اكتفاء بما قاله عند ذكر الولد. فإن قيل: فإن الأخوة للأم لهم الثلث ولم يقل في مسألتهم مما ترك. فالجواب أن قوله يورث كلالة يقتضي العموم في جميع المال لما قدمنا في معنى ورث وإذا كان كذلك لم يحتج إلى إعاده لفظ آخر للعموم فإن الأخ للأم من جملة الكلالة وقد قال يورث كلالة أي يحاط بجميع ماله فلإخوته لأمه الثلث ولا يحتاج إلى أن يقال مما ترك لتقدم العموم في قوله يورث وقد بينا شرح هذا فيما تقدم عند قوله وورث أبواه فافهمه وباللَّه التوفيق".
[ ٨ / ٣٢٠ ]
قال الفاكهاني: وليس لهم نظير، وفيهم كليات ستأتي.
وحجبها من الثلث للسدس ولد للميت ذكرًا أو أنثى، وإن سفل، فيدخل ولد الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وحجبها للسدس أيضًا أخوان أو أختان فأكثر مطلقًا ذكورًا أو إناثًا أو خناثًا أو مختلفين: أشقاء أو لأب أو لأم أو بعض وبعض، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾.
وإنما اقتصر المؤلف على الأخوين والأختين لأن الاثنين منهما بمنزلة الثلاثة، وهذا مذهب الجمهور، وأخذ ابن عباس -﵁- بظاهر الآية فلم يحجبها بالاثنين، محتجًا على عثمان -﵁- بأن الأخوين ليسا أخوة، فقال له عثمان -﵁-: حجبها قومك يا غلام.
أي: إن قومه -وهم قريش- أقل الجمع عندهم اثنان، وقال ابن الأنباري: ليس كذلك؛ لأن أقل الجمع اثنان، بل لما استقر من قاعدة المواريث: أن حكم الابن مساو لحكم الثلاثة. انتهى.
فائدتان:
الأولى: اتفق على أن الأخوات من ولد الأم فصاعدا لهم الثلث مع عدم من يحجبهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١)، وانعقد الإجماع على أن الآية في الأخوة
_________________
(١) قال السهيلي بعد كلامه عن معنى الكلالة ص ٧٢: "وإذا ثبت هذا فالأخوة في هذه الآية هم الأخوة لأم بلا خلاف وقد روي أن بعض الصحابة كان يقرؤها وهو أبي وله أخ أو أخت لأم إما أنه قالها على التفسير وإما أنها كانت قراءة فنسخت على عهد النبي -ﷺ- وبقي حكمها كما قيل في قراءة عائشة وحفصة -﵄- والصلاة الوسطى وصلاة العصر. وأما الكلالة المذكورة في آخر السورة وهي قوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ فهي الشقيقة أو التي للأب إن عدمت الشقيقة بلا خلاف أيضًا ففرض اللَّه سبحانه للإخوة للأم الثلث وإن كثروا وللواحد منهم السدس. =
[ ٨ / ٣٢١ ]
للأم، والآية التي في آخر السورة في الأخوة للأب، ويتقدم الأشقاء على
_________________
(١) = وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ يدل على تساوي الذكر والأنثى في الحظ لأن لفظ الشركة إذا أطلق فإنما يتضمن التساوي حتى يقيد بنصيب مخصوص لو أن رجلًا ابتاع سلعة فسأله رجل آخر أن يشركه فيها فقال له قد أشركتك فيها ثم قال بعد ذلك لم أرد نصفًا وإنما أردت ثلثًا أو ربعًا لم ينفعه ذلك إلا أن يقيد لفظه في حين الشركة وإنما أخذ الفقهاء هذا من قوله تعالى فهم شركاء في الثلث أي للذكر مثل حظ الأنثى. ونكتة المسألة واللَّه أعلم أن الأخوة للأم إنما ورثوا الميت بالرحم وحرمة الأم وأن الأم تحب لولدها ما تحب لنفسها ويشق عليها أن يحرموا من أخيهم وقد ارتكضوا معه في رحم واحدة فأعطوا الثلث ولم يزادوا عليه لأن الأم التي بها ورثوا لا تزاد عن الثلث وكأن هذه الفريضة من باب الصلة والبر والصدقة فمن ثم سوي الذكر مع الأنثى كما لو وصى بصدقة أو صلة لأهل بيت لشركوا فيها على السواء ذكورهم وإناثهم ألا ترى أن الثلث مشروع في الوصية التي يبتغي فيها ثواب اللَّه العظيم قال النبي -﵇- لسعد حين أراد أن يوصي بأكثر من الثلث الثلث والثلث كثير الحديث كأنه نظر -﵇- إلى فرض اللَّه تعالى للأخوة بسبب الرحم وحرمة الأم وأنه لم يزدهم على الثلث وإن كثروا فكيف يزاد من هو أبعد منهم في حكم الوصية بل الثلث في حقهم كثير والقرآن والسنة نوران من مشكاة واحدة فينظر بعضه إلى بعض ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. فصل في ميراث الأخوة مع الكلالة: ومن العجائب أن الكلالة في هذه الآية لا يرث فيها الأخوة مع البنت وهو لم يقل فيها ليس له ولد كما قال في الآية الأخرى ألا ترى إلى قوله فيها إن امرؤ هلك ليس له ولد ثم ورثت فيها الأخوات مع البنت والبنت ولد وهذه التي لم يذكر فيها الولد لا يرث الأخوة مع ولد أصلًا لا ذكرًا ولا أنثى ويتعين الاعتناء بهذا السؤال والكشف عنه. والجواب فيه من وجهين أحدهما أن الأخت الشقيقة والتي للأب ليس لها مع البنت فرض معلوم وإنما يرثن بالتعصب فيكون معنى قوله فلها نصف ما ترك فلأخته النصف فريضة إذا لم يكن ولد ذكر ولا أنثى فإن كانت بنتًا فليس للأخت فريضة وإنما لها ما بقي والذي يبقى بعد البنت الواحدة نصف وبعد البنات ثلث وإن كان مع البنات من له فرض مسمى يحيط بالمال مع سهم البنات لم يكن للأخوة سهم فليس في توريث الأخوات مع البنت ما يعارض نص الآية على هذا. والجواب الثاني وهو التحقيق أن فرض الأخوة للأم إنما شرط فيه عدم البنت والابن جميعا لقوله وإن كان رجل يورث ولم يقل في الكلالة الثانية يورث هذا اللفظ وقد قدمنا عند قوله وورثه أبواه أنه يقتضي الإحاطة بجميع المال ما لم يقيد بجزء =
[ ٨ / ٣٢٢ ]
الذين من قبل الأب فقط، كما بينا إن شاء اللَّه تعالى.
الفائدة الثانية: قوة كلام المصنف تعطي كمال الأخوين أو الأختين، فلو تبعضا لم يكن الحكم كذلك، وصورتها ما قال بعض شيوخ مشايخي: من ترك أما ونصف أخت ونصف أخت أخرى فاختلف في ذلك، فمن العلماء من أعطى الأم السدس، وأعطى الأختين نصيب أخت واحدة.
واستشكل جعلهما في الحجب اثنين، وفي الميراث واحدة، فإن ترك أما وأختًا ونصف أخ، فقيل: لها السدس.
وقيل: لها الثلث.
وهذا منصوص عليه في الفقه. انتهى.
[مسألة الغراوين:]
ولما قدم للأم حالتين ترث في إحداهما الثلث وفي الأخرى السدس، ذكر لها حالة ثالثة ترث فيها ثلث الباقي، وذلك في مسألة الغراوين، فقال: ولها ثلث الباقي في زوج وأبوين، أصلها من ستة؛ لأن للزوج ثلاثة، وللأم سهم، هو ثلث الباقي، وهو سدس جميع المال وما بقي، وهو الثلث للأب، فيأخذ مثلها، كما لو انفرد.
وقال حلولو: هذه غير منقسمة؛ لأن أصلها من اثنين، للزوج النصف واحد، وللأم ثلث الباقي، ولا ثلث له، فانكسر على مخرج الثلث على عدد رؤوس المنكسر عليهم، فتضرب الثلاثة في أصل الفريضة، وهي اثنان، يحصل ستة، للزوج نصفها، وهو ثلاثة، وللأم ثلث الباقي، وهو واحد، وما بقي فهو للأب. انتهى. وهذا على رأي المتقدمين، واللَّه أعلم.
_________________
(١) = مخصوص فتأمل الشواهد عليه هناك ثم تدبر قوله يورث كلالة تجد لفظًا مغنيًا عن أن يقول ليس له ولد كما قال في الكلالة الأخرى فمن هنا أجمعوا واللَّه أعلم أنه لا ميراث لهم مع بنت ولا بنت ابن لأنه لا يقال من ترك بنتًا يورث كلالة لأن الكلالة لم ترث إلا نصف المال ولا يقال ورثته إلا أن ترث المال كله في جيد الكلام وفصيحه ألا تراه يقول وهو يرثها إن لم يكن لها ولد أي يحيط بميراثها".
[ ٨ / ٣٢٣ ]
وفي زوجة وأبوين لها ثلث الباقي، وهو ربع جميع المال، وما بقي -وهو النصف- للأب، فيأخذ مثليها، وهو مذهب الجمهور، وهذه منقسمة.
وقال ابن عباس لها الثلث في المسألتين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ورأى الجمهور أن أخذها الثلث فيهما يؤدي إلى مخالفة القواعد؛ لأنها إذا أخذت في مسألة الزوج الثلث من رأس المال تكون قد أخذت مثلي الأب، وليس له نظير في اجتماع ذكر وأنثى يدليان بجهة واحدة، وتأخذ الأنثى مثليه.
[فرض السدس:]
وفرض السدس لواحد من ولد الأم مطلقًا ذكرًا أو أنثى اتفاقًا، وسقط ولد الأم -أي: حجب حرمانًا- بواحد من عمودي النسب، فيسقط بابن ذكرًا أو أنثى، واحدًا كان أو متعددًا، ولو قال: (بولد) لكان أحسن؛ لأن الابن إنما يقع على الذكر فقط إجماعًا، والولد يقع على الذكر والأنثى، ويسقط أيضًا مع ابنه -أي: ابن الابن- وإن سفل، ذكرًا أو أنثى.
وعبارته أصوب من عبارة غيره (بالولد)؛ لشموله ابنة البنت، وهي لا تحجب؛ لأن كل من لا يحجب لا يرث وارثًا إلا الأخوة للأم، فإنهم يرثون ويحجبون الأم.
ويسقط مع بنت للصلب وبنت ابن وإن سفلت درجتها: بضم الفاء وفتحها، والفتح أشهر، ومعناه: نزلت، ومع أب ومع جد وإن علا.
فهؤلاء ستة، وعدهم بعضهم أربعة، فجعل الابن وابنه واحدا، والبنت وبنت الابن واحدًا، والأب واحدًا، والجد واحدًا، وعدهم بعضهم ثلاثة: الولد الوارث، والأب، والجد، وبعضهم اثنين: الأولاد والآباء.
والسدس فرض كل واحد من:
- الأب والأم مع ولد للميت وإن سفل، كولد ولد، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
- وفرض الجدة: أم الأم وأم الأب، وإن علتا، وهو مراده بقوله:
[ ٨ / ٣٢٤ ]
فأكثر؛ إذ لا يرث عند مالك أكثر من جدتين؛ لقوله: "لا أعلم أحدا ورث أكثر من جدتين مذ كان الإسلام إلى اليوم"، وكأنه لم يصح عنده توريث زيد وعلي وابن عباس ومن وافقهم أم أب الأب، أو لم يبلغه.
وروى مالك عن ابن شهاب، عن ابن عثمان بن إسحاق، عن قبيصة بن ذويب، أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق -﵁- تسأله عن ميراثها، فقال لها: ما لكِ في كتاب اللَّه من شيء، وما علمت لك في سنة رسول اللَّه -ﷺ- شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس.
قال له المغيرة بن شعبة: حضرت رسول اللَّه -ﷺ- أعطاها السدس.
فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟
فقام محمد بن سلمة الأنصاري، فقال مثل قول المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر.
ثم جاءت الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأل عن ميراثها، فقال لها: مالك في كتاب اللَّه من شيء، وما كان القضاء الذي قضي به أبو بكر إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض شيئًا، ولكن هو السدس، فإن اجتمعتا فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها (١).
قال في التوضيح: قال عبد الحق: وهذا الحديث مشهور، إلا أنه غير متصل السماع (٢).
_________________
(١) رواه مالك (٢/ ٥١٣، رقم: ١٠٧٦).
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد (١١/ ٩٥ - ٩٦): "وأما رواية مالك لهذا الحديث عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب فلم يتابعه أحد على ذلك إلا أبو أويس ولم يجوده وجاء به على وجهه غيرهما من بين أصحاب ابن شهاب. قال محمد بن يحيى الذهلي حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق حدثنا أبو أويس قال أخبرني محمد بن شهاب أن عثمان بن إسحاق بن خرشة حدثه عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر الصديق ورواه معمر ويونس بن يزيد وأسامة بن زيد وسفيان بن عيينة فيما روى عنه ابن أبي شيبة كلهم عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تطلب ميراثها من ابن ابنها أو ابن ابنتها =
[ ٨ / ٣٢٥ ]
وروى ابن وهب أن التي أعطاها رسول اللَّه -ﷺ- السدس هي أم الأم، وهي التي جاءت للصديق، والتي جاءت عمر هي أم الأب.
تنبيه:
قررنا قوله: (والسدس) لواحد من ولد الأم، وقوله: (وللأب والأم والجدة) بالجر في المواضع الثلاثة، بناء على أن ما قررنا أولًا في قوله: (والثلث للأم) كما في نسخة بعض طلبة المؤلف المكتوبة من خط
_________________
(١) = لم يدخلوا بين ابن شهاب وبين قبيصة أحدًا وقال محمد بن يحيى رواه ابن عيينة عن الزهري عمن حدثه عن قبيصة ومرة قال سمعت الزهري يحدث عن رجل عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر فذكره. قال محمد بن يحيى والحديث حديث مالك وأبي أويس لإدخالهما بين ابن شهاب وقبيصة عثمان بن إسحاق بن خرشة قال وقد حدثني أبو صالح قال حدثني الليث قال حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن عثمان بن إسحاق ابن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب كان أول من ورث الجدتين وجمع بينهما في الميراث قال وهذا مختصر من حديث معمر ومالك وأبي أويس. قال أبو عمر: أما حديث معمر فحدثنا خلف بن سعيد قال حدثنا عبد اللَّه بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال جاءت الجدة إلى أبو بكر الصديق تطلب ميراثها من ابن ابنها أو ابن ابنتها لا أدري أيتهما هي فقال أبو بكر لا أجد لك في الكتاب شيئًا وما سمعت من رسول اللَّه -ﷺ- يقضي لك بشيء وسأسأل الناس العشية فلما صلى الظهر أقبل على الناس فقال إن الجدة أتتني تسألني ميراثها من ابن ابنها أو ابن ابنتها وإني لم أجد لها في الكتاب شيئًا ولم أسمع النبي -ﷺ- يقضي لها بشيء فهل سمع أحد من رسول اللَّه -ﷺ- فيها شيئًا فقام المغيرة بن شعبة فقال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقضي لها بالسدس فقال هل سمع ذلك معك أحد فقام محمد بن مسلمة فقال سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقضي لها بالسدس فأعطاها أبو بكر السدس فلما كانت خلافة عمر جاءت الجدة التي تخالفها فقال عمر إنما كان القضاء في غيرك ولكن إذا اجتمعتما فالسدس بينكما وأيكما خلت به فهو لها. وكذلك رواه ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن قبيصة وابن المبارك أيضًا عن أسامة بن زيد عن الزهري عن قبيصة وابن وهب عن يونس بن يزيد وأسامة بن زيد أنهما أخبراه عن ابن شهاب أنه أخبرهم عن قبيصة بن ذؤيب الكعبي هذا الحديث بمعنى حديث مالك سواء".
[ ٨ / ٣٢٦ ]
المصنف، وفي نسخة بهرام: (وولداها) بالرفع. انتهى. وتقديره: والأم فرضها الثلث، وولداها كذلك، ويصح الرفع في كل منهما، وهو أخصر، واللَّه أعلم.
وأسقطتها -أي: الجدة، أي: حجبها- حرمانًا الأم مطلقًا، أي: سواء كانت من قبلها أو من قبل الأب، قريبة كانت أو بعيدة، ولو قدم (مطلقًا) على الأم لكان أحسن.
وأسقط الأب الجدة التي من جهته؛ لأن كل من أدلى بشخص لا يرث مع وجوده إلا أخوة للأم.
وأسقطت الجدة القربى من جهة الأم الجدة البعيدى من جهة الأب؛ لأنها التي ورد فيها النص، وأسقطت القربى من كل جهة البعدى من جهتها، وتركه لوضوحه.
وإلا بأن كانت التي من جهة الأب هي القربى بدرجة فأكثر أو استوت درجتهما اشتركتا في السدس.
[الجد:]
والسدس أحد فروض الجد أيضًا في بعض أحواله، بأن يكون مع ابن، أو ابن ابن، أو مع ذي فرض مستغرق، أو مع الأخوة في بعض المسائل، فيرث السدس بالفرض المحض، فإن كان مع بنت فأكثر فرض له السدس، ثم إن فضل له شيء أخذه تعصيبًا.
واحترز بقوله: غير المدلى بأنثى عن المدلي بالأم، فإنه لا يرث شيئًا.
وأشار إلى حالة ثانية من أحوال الجد بقوله: وله مع الأخوة والأخوات الأشقاء أو لأب في عدم الأشقاء، إذا لم يكن معهم ذو فرض، سواء كانوا الأخوة كلهم ذكورًا أو إناثًا أو مختلفين الخير -أي: الأفضل- من أحد أمرين:
[ ٨ / ٣٢٧ ]
- الثلث من جميع المال، ويأتي بيانه.
- أو المقاسمة، فيصير معهم كأخ، فيقاسم إذا كان الأخوة أو الأخوات أقل من مثليه، كأخ أو أختين أو ثلاث أخوات أو أخ وأخت، وأما مع أخوين أو أربع أخوات أو أخ وأختين فتستوي له المقاسمة، وثلث جميع المال، إذ هم مثلاه، فإن زادوا على ذلك فالثلث من جميع المال خير له، وما بقى من المال بين الأخوة بقدر ميراثهم.
تنبيه:
هذه الحالة يفترق فيها الجد من الأب؛ لأن الأب يحجب الأخوة (١) مطلقًا، والجد إنما يحجب الأخوة للأم.
وأشار لحالة أخرى للجد وهي ما إذا كان معه أشقاء أو لأب بقوله: وعاد الشقيق الجد عند المقاسمة بغيره من الأخوة للأب، فيعدهم عليه؛ ليمنعه بهم كثرة الميراث، سواء كان معهم ذو سهم أو لا.
ثم إذا أخذ الشقيق نصيبه رجع على الذين للأب، فيأخذ ما صار لهم؛ لأنه يحجبهم، وسواء كان الشقيق واحدًا أو أكثر، ذكورًا فقط أو إناثًا فقط.
ثم شبه في الرجوع بعد المقاسمة، فقال: كالشقيقة فأكثر، فترجه بعد عدها الأخوة للأب على الجد، وكذا الشقيقان فأكثر، بمالهما لو لم يكن جد، وهو النصف للواحدة، أو الثلثان للأكثر، وما بقي للأخوة للأب.
قال الجعدي: الأخوة والأخوات الشقائق إذا اجتمعوا مع الأخوة للأب والجد وحاصوه بهم لم يصر للأخ للأب شيء، إلا في أربعة مواضع:
الأول: أن يترك جدًا وأختًا شقيقة وأخًا لأب، فللأخ للأب بعد
_________________
(١) قال السهيلي ص ٦٧: "فصل في حجب الأب للإخوة: ذكر عبد بن حميد الكشي عن بعض التابعين أن الأب حجب الأخوة وأخذ سهامهم لأنه يتولى نكاحهم والإنفاق عليهم دون الأم وذكره الطبري أيضًا وقال محتمل أن تكون الحكمة فيه هذا أو يحتمل أن يكون هذا تعبدًا من اللَّه تعالى استأثر بعلم السر فيه والمصلحة دون العبادة".
[ ٨ / ٣٢٨ ]
المحاسبة سهم من عشرة، وتلقب بالعشرية، وبيانها: أنهم يقتسمون المال على خمسة: للجد سهمان، وللأخ سهمان، وللأخت سهم، ترجع الشقيقة فتستكمل نصفها، ولا نصف للخمسة، فتضرب الخمسة في مقام النصف، وهو اثنان بعشرة، ثم تقول: من له شيء من خمسة أخذة مضروبًا في اثنين، فللجد اثنان في اثنين بأربعة، وكذلك الأخ، وللأخت واحد في اثنين باثنين، فتستكمل الأخت الشقيقة نصفها خمسة، فيبقى بيد الأخ واحد، وهو العشر.
الثاني: أن يترك جدًا وأختًا شقيقة وأختين لأب، فلكل واحدة منهما نصف العشر، وتسمى العشرينية، وبيانه أن أصلها من خمسة: للجد سهمان، ويفضل ثلاثة، تأخذ الشقيقة فرضها النصف سهمين ونصفًا، يبقى نصف سهم بين الأختين، لكل ربع، فتضرب أربعة مخرج الربع في خمسة تصح من عشرين.
الثالث: جد وشقيقة وثلاث أخوات فصاعدًا، فلهن السدس.
الرابع: أم أو جدة وشقيقة وثلاث أخوات فصاعدًا لأب أو أخ وأخت لأب، لهن نصف تسع المال، وبيانها أنه يفرض للجد ثلث الباقي بعد السدس، وللشقيقة النصف، فأصلها من ثمانية عشر: للأم أو الجدة ثلاثة، وللجد خمسة، وللشقيقة تسعة، يفضل سهم لولد الأب، وهم ذكران وأنثى مثلًا على خمسة، تصح من تسعين خارج ضرب ثمانية عشر في خمسة عدد رؤوس أولاد الأب للانكسار عليهم، فللأم السدس من ذلك خمسة عشر، وثلث الباقي بعد ذلك للجد خمسة وعشرون، وللشقيقة خمسة وأربعون، ولأولاد الأب خمسة، لكل ذكر سهمان، وللأنثى سهم، ويعايا بها، فيقال: جماعة ورثوا تسعين دينارًا بالقرابة، فحظ واحد منهم دينار واحد.
وأشار لحالة ثالثة للجد فيها الأفضل من ثلاثة أشياء وجوبًا، وهي أن يكون الفاضل عن الفروض أكثر من سدس جميع المال، فقال: وله مع ذي فرض معها -أي: مع الأخوة والأخوات- بعد أخذ صاحب الفرض فرضه الخير من أحد أمور ثلاثة:
[ ٨ / ٣٢٩ ]
- السدس من رأس الفريضة، كبنتين وجد وأخوين أو ثلاث أخوات.
- أو ثلث الباقي بعد فرض السدس، كأم وجد وثلاثة أخوات أو شقيقة وأخ وأخت لأب، أصلها من ستة عند المتقدمين؛ لأن أصول المسائل التي تنشأ عنها مسائل الفرائض عندهم سبعة، وعند من زاد أصلين آخرين وهما ثمانية عشر وستة وثلاثون كالجعدي وجماعة، وصححه النووي من الشافعية، فأصلها ثمانية عشر، للأم السدس ثلاثة، وللجد ثلاث ما بقي خمسة، وتبقى عشرة لا تنقسم على ثلاثة، ولا توافق، فتضرب ثلاثة في ثمانية عشر بأربعة وخمسين، للأم السدس: ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وللجد: خمسة في ثلاثة بخمسة عشر، وللأخوة: عشرة في ثلاثة بثلاثين، لكل واحد عشرة، وتسمى مختصرة زيد.
والمقاسمة فيما بقي بعد الفروض، كزوجة وجد وأخ، تصح من ثمانية، أو كأم وأخ وأخت وجد من ستة، للأم السدس، وما بقي بين الجد والأخ والأخت على خمسة، للجد سهمان، وللأخ كذلك، وللأخت سهم.
أو جد وأم وأخت لأبوين أو لأب، للأم الثلث، والباقي بين الجد والأخت مقاسمة، تصح من تسعة، للأم ثلاثة، وللجد أربعة، وللأخت سهمان، وتسمى الخرقاء؛ لتخريق أقوال الصحابة فيها لستة أقوال.
وقد تستوي المقاسمة والسدس وثلث الباقي، كزوج أو بنت وجد وأخوين، أصلها من اثنين، للزوج أو البنت النصف واحد، ويبقي واحد، لا يصح على ثلاثة، ولا يوافق، فتضرب ثلاثة في اثنين، أصل المسألة بستة، ومنها تصح، للزوج أو البنت ثلاثة، وللجد سهم، ولكل أخ سهم، فإن زاد الأخوة استوى السدس وثلث ما بقي.
وقد يستوي الثلث والمقاسمة، كزوج أو بنت وجد وأخت واحدة، وقد يستوي ثلث ما بقي والمقاسمة، كأخ وأختين وجد من ستة، للأم السدس واحد، تبقى خمسة بين الجد والأخوة على ستة، لا يصح، ولا يوافق، تضرب ستة في ستة بستة وثلاثين.
[ ٨ / ٣٣٠ ]
[مسألة الأكدرية:]
ولا يفرض لأخت معه -أي: مع الجد- أي لا يقاسم الأخت، ولا يقدر أخا إلا في المسألة الأكدرية والغراء، فيفرض لها وله، ولها صورتان:
أشار لإحداهما بقوله: زوج وجد وأم وأخت شقيقة.
وأشار للثانية بقوله: أو لأب فيفرض لها، أي: للشقيقة في الصورة الأولى أو التي للأب في الصورة الثانية النصف ثلاثة، ويفرض له -أي: للجد- السدس واحد؛ لأن أصلها ستة، وللزوج النصف، وللأم الثلث اثنان، وهما ثلثا الباقي، فقد عالت إلى تسعة.
قال في الجلاب: ولا يعول في مسائل الجد غيرها، وهو قول مالك وزيد ومن وافقهما، ولا يفرض للأم في مسائل العول إلا في الأكدرية والمباهلة أم وزوج وأخت لأبوين، وفي أم وزجة وأخت لغير، ثم لجمع نصيب الأخت والجد وهو أربعة، ويقاسمها (للذكر مثل حظ الأنثيين)، والأربعة لا تصح على ثلاثة، ولا توافقها، فتضرب المسألة بعولها في ثلاثة، عدة الرؤوس المنكسر عليها، يحصل سبعة وعشرون، ومن له شيء من تسعة أخذه مضروبًا في ثلاثة، فللزوج ثلاثة في ثلاثة بتسعة، وللأم ستة؛ لأن لها اثنين مضروبين في ثلاثة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة.
قال في المعونة: وإنما كان كذلك لأن الجد لا ينقص عن السدس، والأخت لا تسقط، ولو لم تعل الفريضة لأدى لبطلان أحد الأصلين، ونحوه للجعدي وغيره.
ويلغز بهذه المسألة، فيقال: أربعة ورثوا ميتًا، أخذ أحدهم ثلث ماله، والثاني ثلث الباقي، والثالث ثلث باقي الباقي، والرابع جميع الباقي.
ابن عرفة: ويلغز بها من وجه آخر، فيقال: ما فريضة آخر قسمها الحمل، فإن كان أنثى ورثت، وإن كان ذكرًا لم يرث، قال: وفيها كنت قلت:
[ ٨ / ٣٣١ ]
ولا ييأس المفضول من فضله علي مزيد عليه فضله بالضرورة
فرب مقام أنتج الأمر عكسه كحمل بأنثى جاء في الأكدرية
لها إرثها فيها وزادت لجدها وللذكر الحرمان دون زيادة
وصورتها: ماتت الموروثة عن أم وجد وزوج، والأم حامل، فإن وضعت أنثى فهي الأكدرية، وإن وضعت ذكرًا فعاصب، لا يفضل له شيء بعد أصحاب الفروض، ولو كان مكانها أختان من أي جهة، فلا عول لرجوع الأم للسدس باثنين من الأخوة فصاعدًا، ويكون للزوج النصف ثلاثة، وللأم السدس، وللجد السدس واحد، وهو والمقاسمة هنا سواء.
وإن زاد الأخوة على اثنين، كان السدس أفضل له من المقاسمة، وثلث ما بقى، فيبقى واحد على اثنين، لا يصح انقسامه عليهما، فتضرب الاثنين بعدد رؤوس الأختين في ستة باثني عشر، ومنها تصح.
وللفاكهاني هنا إشكال، انظره في الكبير، وكذا لشيخنا سبط المارديني تغمده اللَّه تعالى برحمته، تعقب على الفرضيين والفقهاء في قولهم: (لا يفرض للأخت مع الجد، إلا في الأكدرية)، بأنه يفرض لها معه في ثلاث مسائل، ولنا معه بحث، انظره في الكبير، واللَّه أعلم.
تنبيه:
قال بعض من تكلم على هذا المحل: فائدة الواو في: (والغراء) نفي توهم جريان الثاني على الأول، حتى يظن أن الأكدرية تكون غراء وغير غراء، وأنه احترز من الأكدرية غير الغراء، وأفهم مثله في قوله بعد: (إلا في الحمارية والمشتركة) انتهى. وبيانه أن الغراء خبر مبتدأ المحذوف، واللَّه أعلم.
وإن كان محلها -أي: الأخت في الأكدرية- أخ لأب، فتصير هكذا: زوج وجد وأم وأخ لأب ومعه أخوة لأم اثنان فأكثر سقط الأخ للأب بالجد؛ إذ يقول له: الجد لو كنت دوني لم يكن لك شيء، وكان الثلث الباقي للأخوة للأم، وأنا حجبتهم، فآخُذُ الثلث الذي كان لهم، وليس
[ ٨ / ٣٣٢ ]
حضوري بموجب لك شيئًا، لم يكن هذا هو المعروف لمالك.
وقال زيد: للأخ للأب السدس.
قيل: ولم يخالف مالك زيدًا إلا في هذه؛ ولذا سُمِّيَت المالكية.
[أقسام الورثة:]
ولما كان الورثة أقسام، منهم من يرث بالفرض فقط، ومنهم من يرث بالتعصيب فقط، ومنهم من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب أخرى، ومنهم من يجمع بينهما معًا.
[بيان العاصب بالحد:]
شرع المصنف في بيان ذلك بتعريف العاصب، فقال عطفًا على قوله: (لوارثه): ولعاصب ورث المال كله إن انفرد أو الباقي بعد ذوي الفرض، وزيد عليه، ويسقط إذا استغرقوا، إلا أن ينقلب كالأشقاء في الحمارية، والأخت في الأكدرية.
وعرفه ابن عرفة بأنه: من له مال لم يتعلق به فرض. قال في الذخيرة: وهم ثلاثة أقسام:
- عصبة بنفسه.
- وعصبة بغيره.
- وعصبة مع غيره.
فالأول كل ذكر لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى، والعصبة بغيره النسوة الأربع اللاتي فرضهن النصف، والعصبة مع غيره كل أنثى تصير عصبة مع أنثى أخرى. انتهى. ولهذا مزيد بيان ذكرناه في الكبير.
[بيان العاصب بالعد:]
ولما بين المصنف العاصب بالحد بينه بالعد، وهو:
- الابن وابنه وإن سفل، والأقرب من ولد الابن يحجب الأبعد،
[ ٨ / ٣٣٣ ]
وعصب كل من الابن وابنه أخته مكرر مع قوله قبل: (وعصب كالأخ يساويها)، وقد يقال: إنما كرره هنا لأنه لما حصر العاصب بالعد فتعذر تركه لذلك.
- ثم الأب عاصب في بعض أحواله الثلاثة.
- ثم الجد كذلك، وإن علا في عدم الأب.
- والأخوة كما تقدم حكمهم على الانفراد ومع الجد.
- ثم الشقيق الذكر عند انفراده.
- ثم لأب وهو كالشقيق عند عدمه، وأعاد الشقيق لأنه يعدد العاصب، ويستثنى كونهما قد يصيران صاحبي فرض، ولذا قال: إلا في الحمارية والمشتركة.
قال شيخنا بدر الدين المارديني -برد اللَّه مضجعه-: المالكية يقولونها بالتاء، والشافعية بتركها مع فتح الراء وكسرها.
وصورتها زوج وأم أو جدة وأخوان لأم اثنان فصاعدًا لأم وشقيق وحده أو مع أشقاء غيره ذكورًا فقط، أو ذكورًا وإناثًا، أصلها من ستة، للزوج النصف ثلاثة، والأم السدس واحد، وللأخوة للأم الثلث اثنان، فيشاركون -أي: الأشقاء- الأخوة للأم في الثلث الذكر كالأنثى؛ لاشتراكهم في ولادة الأم، فيرثون بالفرض لا بالتعصيب، ويختلف التصحيح بقلتهم وكثرتهم، وإلى هذا رجع عمر -﵁- في ثاني عام من خلافته، وقد كان قضى فيها في أول عام من خلافته بأن لا شيء للأشقاء، فاحتج عليه الأشقاء بقولهم: هؤلاء إنما ورثوا الثلث بأمهم، وهي أمنا، هبك أبانا إنه كان حمارًا أو حجرًا ملقى في اليم، أليس الأم تجمعنا، فأشرك بينهم.
فقيل له: إنك قضيت فيها عام أول بخلاف هذا.
فقال: تلك على ما قضينا، وهذه على ما قضينا.
ولكونها مشتركة شروط أربعة، مأخوذة من كلامه، بيناها في الكبير.
[ ٨ / ٣٣٤ ]
ولو كان موضع الشقيق أنثى فقط فرض لها النصف وعالت لتسعة أو اثنين فالثلثان، وعالت لعشرة.
ابن يونس: وتسمى البلجاء.
قال شيخنا المارديني: بالجيم.
ولو كان في المشتركة جد لسقط جميع الأخوة، وكان ما بقي بعد فرض الزوج والأم للزوج وحده؛ لأنه يسقط الأخوة للأم، والأشقاء إنما يرثون فيها بالأم، والجد يسقط كل من لم يرث بالأم، وتلقب هذه بشبهة المالكية للجد الثلث الباقي بعد فرض الزوج والأم، وتسقط الأشقاء؛ لأن الجد يقول: لو لم أكن لم ترثوا شيئًا بأبيكم، وإنما ترجعون للاشتراك بسبب أمكم، وأنا حاجب كل من يرث بأمه، ومذهب زيد: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، وللأخوة الأشقاء كذلك، وبه قال بعض المالكية.
وكما أسقط الشقيق الأخ للأب في الحمارية أسقطته أيضًا الشقيقة التي صارت كالعاصب لبنت -أي: معها- كبنت وأخت شقيقة وأخ لأب، فاللام بمعنى مع، وقرره بعضهم على أنها تعليلية، أي: لأجلها، والأول أوضح، ومن مجيئها بمعنى اللام قول الشاعر:
فلما تفرقنا كأني ومالكًا لطول اجتماع لم نبت ليلة معًا
وكذلك يسقط الأخ للأب مع بنت أو مع بنت ابن فأكثر، أي: كل منهما كبنات أو بنات ابن، وكذا شقيقة مع بنت أو بنت ابن، فإذا ترك بنتًا وأختًا شقيقة وأخا لأب فلا شيء للأخ؛ لتعصيب الأخت البنت، القاعدة: في تعدد العصبة تقديم الأقرب، والشقيق أقرب، فيقدم، ووهم الشارح في الكبير في موضعين، انظرهما في الكبير.
ثم بنوهما -أي: أبناء الأشقاء وللأب- عصابة حيث لا حاجب، فيأخذون المال أو ما بقي منه، وينزلون منزلة آبائهم، فإذا مات شقيقان مثلًا أو لأب أحدهما عن ولد واحد، والآخر عن أربعة مثلًا، ثم مات سيدهم عن مال اقتسموه على خمسة أسهم بالسواء؛ لاستواء درجتهم، ولا يرث كل
[ ٨ / ٣٣٥ ]
فريق منهما ما كان يرثه أبوه؛ لأنهم إنما يرثون بأنفسهم لآبائهم، ووقعت في عصرنا فأفتى بعض القضاة بأن يرث كل فريق منهما ما كان لأبيه، فيقسم المال نصفين، وغلطه شيخنا المارديني.
ثم العم الشقيق ثم العم لأب ثم عم الجد ويقدم الأقرب منهم فالأقرب، فيقدم الابن على ابن الابن، وابن الابن على ابن ابن الابن، والأخ على ابن الأخ، وعصبة الابن على عصبة الأب، وعصبة الأب على عصبة الجد، ويقدم الأقرب.
وإن كان غير شقيق فالأخ للأب مقدم على ابن الأخ الشقيق، وابن الأخ على ابن ابن الأخ.
ويقدم مع التساوي في الدرجة الشقيق، فالأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب؛ لأن الشقيق يدلي بقرابتين، والذي للأب بقرابة واحدة، مطلقًا -أي: في كل من الدرجات- ثم المعتق ذكرًا أو أنثى يكون عاصبًا؛ لخبر: "الولاء لحمة كلحمة النسب" (١) عند عدم الحاجب من النسب، كما تقدم.
قال الشارح: أي في أخذ جميع المال أو ما بقي بعد أصحاب الفروض. انتهى.
والظاهر في فصل الولاء وحده، ويحتملهما معًا، وفي إطلاق الميراث على الولاء تسامح، إلا أنه لما كان يؤول أمره إلى قسمة المال ووجود جزئيات من مسائل المواريث فيه أطلق عليه الإرث بسبب المجاورة، وقاله القلتاوي.
[بيت المال عاصب:]
ثم بيت المال عاصب على المشهور، وهو الوارث بالإسلام عند مالك، وهو أصح الروايتين عن زيد، ولم يشترط المصنف انتظامه، واشترطه الطرطوشي، وهو المعتمد في الفتوى عند الشافعية، والشاذ أنه حائز لا وارث.
_________________
(١) رواه ابن حبان (١١/ ٣٢٦، رقم ٤٩٥٠)، والحاكم (٤/ ٣٧٩، رقم ٧٩٩٠).
[ ٨ / ٣٣٦ ]
ولا يرد على ذوي السهام ما فضل عنهم عند مالك وزيد وأهل المدينة والشافعي وجمهور قدماء أصحابه، وقال على: يرد على كل واحد بقدر ما ورث سوى الزوج والزوجة، فلا يرد عليهما إجماعًا، ولا يدفع ما فضل عن ذوي السهام لذوي الأرحام.
قال الأستاذ: هذا إن كان الإمام عدلًا، فإن كان غير عدل فينبغي أن يورث ذوي الأرحام، وأن يرد ما فضل عن ذوي السهام عليهم. انتهى.
ودعي -ﷺ- بجنازة، فقالوا: ترك عمة وخالة، فقال: "أخبرني جبريل ﵊ أن لا شيء لهما"، وعليه عمل أهل المدينة، ونقله في الاستذكار عن فقهاء الحجاز والفقهاء السبعة.
وبرث بفرض وعصوبة أشخاص الأول:
- الأب مع بنت وبنت ابن، وإن سفلت، أو ابنتين فصاعدًا.
- وأشار للثاني بقوله ثم الجد مع بنت، وإن سفلتا، أي: أو ابنتين، أو بنتي ابن فصاعدًا.
- وأشار للثالث بقوله: كمابن عم أخ لأم أخ بالجر بدل من ابن عم ويصح رفعه خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هو ابن عم فيرث بعد السدس ببنوة الأم ما بقي بالتعصيب.
ورابع -لم يذكره المصنف-: زوج معتق أو ابن عم زوج، فإن كلًا منهما يأخذ فرضه، والباقي تعصيبًا حيث لا شريك في التعصيب.
وإنما أفرد ابن العم لأنهما لو كانا ابني عم: أحدهما أخ لأم لأخذ الذي للأم السدس، وأقتسما الباقي بينهما، فالأخ للأم وارث في هذه السدس أيضًا فرضًا ونصف الباقي تعصيبًا.
وكلام المصنف شامل لها والتي قبلها، وقَصْرُ الشيخ حلولو كلام المصنف على هذه الثانية غير ظاهر.
[ ٨ / ٣٣٧ ]
وما درج عليه المصنف فيها هو قول علي وزيد وابن عباس ومن وافقهم.
وقال عمر وابن مسعود: المال كله للأخ للأم كالشقيق مع الأخ للأب.
وبه قال أشهب، وما ذكره المؤلف هو قاعدة الشرع في أن ما تماثلت أسبابه تداخل كالأحداث والحدود، وما اختلفت يترتب على كل ما اقتضاه كالزنا والقذف، لكن في المتماثلين الأخيرين يرثان بجهتين، بخلاف الأب والجد يأخذان فيهما باتحاد الجهة، وهو الأبوة أو الجدودة.
فائدة:
هنا كليات لا بأس بذكرها:
- كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من الذكور فلا يرث منهم إلا الأب والابن.
- كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من النساء فلا يرثه منهن غير خمسة: الأم والبنت وبنت الابن والزوجة والأخت الشقيقة.
- كل ذكر مات وخلف جميع من يرثه من الرجال والنساء فلا يرثه منهم إلا خمسة: الابن وابن الابن والأم والزوجة والبنت.
- كل امرأة ماتت وتركت جميع من يرثها من الذكور لم يرثها إلا ثلاثة: الابن والأب والزوج.
- كل امرأة ماتت وتركت جميع من يرثها من النساء فلا يرثها إلا أربع: البنت وبنت الابن والأخت غير الأم والأم.
- كل امرأة ماتت وتركت جميع من يرثها من الذكور والإناث فلا يرثها منهم إلا خمسة: الأب والأم والابن والبنت والزوج.
فإن قيل: مات شخص وترك جميع من يرثه من الذكور والإناث.
قيل: هذا لا يتصور إلا في الخنثى المشكل إذا ولد له من ظهره وبطنه، واللَّه أعلم.
[ ٨ / ٣٣٨ ]
[من اجتمع له سببًا فرض:]
ولما بين أن من اجتمع به سببان فرض وعصوبة ورث بهما، ذكر من اجتمع له سببًا فرض، فقال: وورث ذو فرضين مقدرين يرث بكل منهما بالأقوى عند مالك، وإن كان أقل حظًا، وسقط الأضعف.
وإن اتفق ذلك في المسلمين خطأ بأن تزوجها جاهلًا، وأما لو وطئها جاهلًا بغير تزويج فليس الحكم كذلك، واللَّه أعلم، أو تزوج المجوسي كذلك أو عمدًا، ومثل المصنف كذلك بقوله: كأم أو بنت أخت، أي: فإن تزوج ابنته فولدت له بنتًا فهي أخت أمها لأبيها وبنتها أيضًا، فإذا ماتت الكبرى بعد موت أبيها ورثها الصغرى بأقوى السببين، وهو البنوة؛ لأنها لا تسقط بحال، والأخوة قد تسقط، فلها النصف بالبنوة، ولا ترث بالأخوة، ومن ورثها بالجهتين، قال: لها نصف الباقي بالتعصيب.
وإن ماتت الصغرى أولًا فالكبرى أم وأخت لأب، فترث بالأمومة؛ لأنها لا تسقط، والأخت للأب قد تسقط فلها الثلث بالأمومة، وأما ميراثهما من الأب فالثلثان؛ لأنه أباهما، ولا أثر للزوجية لفسخها، سواء كانت بين مسلمين أو مجوسين أسلما.
ومفهوم ذو فرضين مفهوم موافقة لنص الغماري شيخ الفاكهاني في مقدمة له على أن العاصب بجهتين يرث بأقواهما.
تتمة:
ما ذكره المصنف هو ميراث كل منهما من الآخر، وأما ميراثهما من الرجل فليس من هذا الفصل، فهو أب لهما فيرثان منه الثلثين، ولا أثر للزوجية؛ لأن النكاح مفسوخ، سواء كان بين مسلمين أو مجوسيين أسلما.
ولو تزوج أمه فولدت منه بنتًا فإذا مات فللأم السدس بالأمومة، وورثت البنت النصف بالبنوة، ولا ترث بالأخوة للأم، كما تقدم.
ولو تزوج أخته لأمه فولد له منها وماتت، فلابنته النصف، وللعاصب ما بقي، وليس للأخت للأم -وهي الزوجة- شيء؛ لأنها محجوبة بالبنت.
[ ٨ / ٣٣٩ ]
ومسائل هذا الباب في المجوسي كثيرة، ذكره ابن يونس وغيره، واللَّه أعلم.
[أمثلة من يرث بتعصيبين:]
ومن أمثلة من يرث بتعصيبين: عم هو معتق، أقوى الجهتين العمومة؛ لأن النسب أقوى، وكأخ شقيق أو لأب، وهو معتق.
ومال الكتابي الحر المؤدي للجزية ولا وارث له لأهل دينه من كورته التي جمعه هو وإياهم ما وضع عليهم من الجزية.
واحترز بـ (الكتابي) من الصلحي؛ فإن ميراثه لمن جمعه وإياهم ذلك الصلح، أو من بقي من أعقابهم الموجودين.
وبـ (الحر) من العبد؛ فإن ماله لسيده، لا إرثًا، ولو كان مسلمًا.
[أصول المسائل:]
والأصول لمسائل الفرائض المبينة على الأصول الستة عند الجمهور سبعة: اثنان، وأربعة، وثمانية، وثلاثة، وستة، واثنا عشر، وأربعة وعشرون.
[المراد بالأصول:]
والمراد بالأصول العدد الذي يخرج منه سهام الفريضة، ومقصود الفرضيين بتحديد هذه المخارج شيئان:
- أحدهما: قسمة السهام على أعداد صحاح بغير كسر.
- والثاني: طلب أقل عدد يصح منه، فيعملون عليه.
وزاد المتأخرون أصلين آخرين في مسائل الجد والأخوة حيث كان له ثلث الباقي خير له، وهما: ثمانية عشر، وستة وثلاثون.
فالأول: كل مسألة فيها سدس وثلث وما بقي، كأم وجد وأخوة وقدمنا أنها مختصرة زيد.
[ ٨ / ٣٤٠ ]
والثاني: كل مسألة فيها ربع وسدس وثلث ما بقي وما بقي، كزوجة وأم وجد وأخوة، وإنما لم يزدهما الجمهور لأنهما يصحان بالضرب.
فالأولى من ستة للأم سهم، يبقى خمسة، ليس لها ثلث صحيح، فتضرب مخرج الثلث في الستة تبلغ ثمانية عشر.
والثانية: من اثني عشر يخرج بالفرضين خمسة، ثم تضرب مخرج الثلث في اثني عشر، تبلغ ستة وثلاثين.
وأشار المصنف لتمثيل ما قدمه بقوله: فالنصف أو النصف وما بقي من اثنين للتماثل في الأولى، والإفراد في الثانية، وصورة الأولى: بنت أو زوج وأخت شقيقة أو لأب.
وصور الثانية: خمسة: زوج وعصبة بنت وعصبة بنت ابن وعصبة أخت شقيقة وعصبة أخت لأب وعصبة.
والربع من أربعة، وله صور:
- منها: ربع ما بقى كزوج وابن أو زوج وابن ابن أو زوجة وعصبة.
- ومنها: ربع ونصف، وما بقي، وله صور، منها:
- زوج وبنت وعصبة.
- وزوجة ولا أخت لأبوين وعصبة.
- وزوجة وجد وأخت، وتسمى مربعة الجماعة.
والثمن من ثمانية، وله صور، منها:
- ثمن وما بقي زوجة وابن زوجة وابن ابن.
- ومنها: ثمن ونصف وما بقي زوجة، وبنت وعصبة زوجة، وبنت ابن وعصبة، والثلث من ثلاثة.
والسدس من ستة، وله صور، منها:
[ ٨ / ٣٤١ ]
سدس وما بقي أب، وعصبة كابن أو ابن ابن وأم، وعصبة كذلك، كابن أو ابن ابن وأم وأخوات.
ومنها: سدسان، وما بقي، وله صور:
منها: أبوان وعصبة ابن أو ابن ابن وجد وجدة وعصبة وأب وجدة وعصبة كذلك، وأم وجد وعصبة.
ومنها: سدس وثلثان، وما بقي، وله صور:
منها: أب وبنتان وعصبة، كابن ابن وأب وبنت ابن وعصبة، وأم وبنتان وعصبة.
ومنها: سدس وثلث، وما بقي، وله صور:
منها: أم وولد أم وعم وجدة وولد أم أو وعم.
ومنها: سدسان ونصف وما بقي، وله صور، منها: أبوان وبنت ابن وعصبة وجد وجدة وابنتا ابن.
ومنها: سدس وثلث ونصف، وله صور، منها: أم وأولاد أم وأخت لأبوين وأم وجد وأولاد أم وأخت لأب، وهذه تلقب بالناقضة؛ لنقضها أحد أصلي ابن عباس؛ فإنه إن أعطى الأم الثلث لزم العول، وإن أعطاها السدس لزم حجبها من الثلث أو السدس بأخوين، ولم يقل بواحد منهما.
ومنها: ثلاثة أسداس ونصف، وله صور، منها: أبوان وبنت وبنت ابن وجد وجدة، وبنت وبنت ابن وأب وجدة، وبنت وبنت ابن.
ومنها: نصف وثلث وما بقي، وله صورتان: زوج وأم وأب وزوج وجد وثلاثة أخوة.
[ومنها: ثلث ونصف وما بقي، ولها صورتان: زوج وأبوان، زوج وجد وأخوة] (١).
_________________
(١) ما بين معكوفين غير موجود في "ن ٣"؛ لأنه عين ما قبله.
[ ٨ / ٣٤٢ ]
تنبيه:
لم يذكر المؤلف من الأصول الستة الثلث من الثلاثة، وله صور: ثلث وما بقي: أم وعصبته وولد أم وعصبته وأخوات، ومنها ثلثان وما بقي، وله صور، منها: بنتان وعصبة وبنتا ابن وعصبة وأختان لأبوين وعصبة، ومنها: ثلث وثلثان، وله صور، منها: ولد أم وأختان لأبوين وعصبة، ومنها ثلث وثلثان: ابنا أم وأختان لأب لأب وجد، وخمس أخوات لأبوين.
والربع والثلث، أو الربع والسدس، يصح كل واحد منهما من اثني عشر، ومسائله ست:
- منها: ثلث وربع وما بقي، وله صورتان، منها: أم وزوجة وعصبة وولد أم وزوجة وعصبة.
وسدس وربع وما بقي، وله صورتان، منها: أب وزوج وابن وأب وزوج وابن ابن، ومنها: سدس وربع وثلث وما بقي، وصوره ثلاث أم وزوجة وولد أم وعصبة وجدة وزوجة وأم وعم وولد أم وزوجة وأم وعصبة، ومنها سدسان وربع وما بقي، وله صور: أبوان وزوج وابن وأبوان وزوج وابن ابن وجد وجدة وزوج وابن، ومنها: سدس وربع ونصف وما بقي، وله صور، منها: أب وزوج وبنت وعصبة وأب وزوج وبنت ابن وعصبة وأم وزوج وبنت وعصبة.
والثمن والسدس أو الثمن والثلث يصح كل منهما من أربعة وعشرين، ومسائله ست، وله صور، منها: ثمن وسدس: زوجة وأب وابن زوجة وأب وابن ابن زوجة وأم وابن، ومنها: ثمن وسدسان وما بقي، وله صور منها: زوجة وأبوان وابن وزوجة وأبوان وابن ابن وزوجة وجدة وابن، ومنها: ثمن وثلثان وما بقي، وله صورتان: زوجة وبنتان وعصبة وزوجة وبنتا ابن وعصبة، ومنها: ثمن وسدس ونصف وما بقي، وفيه صور، منها: زوجة [وأبوان وابن وزوجة وأبوان وابن ابن وزوجة وجد وابن] (١)، ومنها:
_________________
(١) ما بين معكوفين مضروب عليه في النسخة (م ١).
[ ٨ / ٣٤٣ ]
ثمن وثلثان وما بقي، وله صورتان: زوجة وبنتان وعصبة، وزوجة وبنتا ابن وعصبة، ومنها: ثمن وسدس ونصف وما بقي، وفيه صور:
منها: زوجة وأب وبنت ابن وعصبة، وزوجة وجدة وبنتان وعصبة.
ومنها: ثمن وسدسان وثلث وما بقي، وفيه صور:
منها: زوجة وابن وبنت وعصبة، وزوجة وأم وبنتان وأخت وعصبة، هم اثنا عشر أخًا، وهي الدينارية الكبرى، أصلها من أربعة وعشرين، وتصح من ستمائة خارج من ضرب رؤوس المنكرة عليهم، وهم الأخوة خمسة وعشرون في أصل المسألة، فللأم أربعة في خمسة وعشرين بمائة، وللزوجة ثلاثة في خمسة وعشرين بخمسة وعشرين لكل أخ سهمان، وللأخت سهم واحد، وسميت بذلك لقضاء شريح فيها، فجاءت الأخت إلى علي -﵁- وقد وضع رجله في الركاب، وقالت: يا أمير المؤمنين، إن شريحًا ظلمني، ترك أخي ستمائة دينار فلم يعطني غير دينار واحد، فقال لعل أخاك ترك زوجة وأما وابنتين واثني عشر أخًا وأختًا هي أنت، فقالت: نعم، فقال: ما ظلمك.
وكذا تسمى الركابية والعامرية، ونظمتها، فقلت:
وصائحة جاءت عليّا تشتكي شريحًا تنادي الظلم سرًا وإجهارًا
فقالت أخي عن نصف ألف ومائة توفي فأعطاني من الكل دينارًا
قال علي: مات عنك وزوجة وبنتين مع أم أبي الخير مدرارًا
ومثل شهور العام خلف أخوة فحظك ما أعطى شريح وما جارًا
تنبيه:
قد علم من مسائل الأربعة والعشرين أنه ليس منها اجتماع ثمن وثلث، وبيان عدم اجتماعهما: أن الثمن لا يكون إلا للزوجة، أو الزوجات مع الولد، وإذ وجد الولد لا يوجد الثلث؛ لأنه إنما هو للأم مع عدم الولد، والأخوة للأم لا يرثون مع الولد: ذكرًا كان أو أنثى.
وقد يجاب بالمراد بالثلث مخرجه، وهو حاصل في الثلثين، أو بأنهما
[ ٨ / ٣٤٤ ]
قد يجتمعان في الوصية، أو باجتماعهما في ثلاثية ابن مسعود في باب الربعة والعشرين، كما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
ومما لا فرض فيها من المسائل والوارث متعدد: ذكور فقط، أو إناث فقط أعتقن رقبة بالسواء، فأصلها عدد رؤوس عصبتها، وإذا كان فيها ذكور وإناث كأولاد أو أخوة وأخوات ضعف للذكر على الأنثى، بأن يجعل برأسين؛ لأنه في التعصيب باثنين.
وإن زادت الفروض، وهي: سهام الورثة على سهاء المسألة أعيلت.
[معنى العول:]
والعول الزيادة على أصل المسألة بما بقي من سهام ذوي الفروض، فيجعل الفريضة على قدر السهام، ويدخل النقص على كل منهم بالمحاصة، كأرباب الديون إذا لم يف بها مال المفلس.
والمسائل ثلاثة: عادلة وناقصة وعائلة، فالعادلة هي التي ساوت فروضها أصلها، كزوج وأم وأخ لأم.
والناقصة: هي التي نقصت فروضها عن أصلها، كزوج وأم.
والعائلة: هي التي زادت فروضها عن أصلها كزوج وأخت شقيقة أو لأب وأم، ولم يقع ذلك في زمنه -ﷺ- ولا في زمن أبي بكر -﵁-، وأول من نزل به ذلك عمر -﵁-، فقال: لا أدري من قدمه الكتاب فأقدمه، ومن أخره فأوخره، ولكن قد رأيت رأيًا، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمن [عمر]، وهو أن يدخل الضرر على جميعهم.
ابن يونس: وهو الصواب.
ويقال: إن الذي أشار عليه بذلك العباس، ولم يخالفه أحد من الصحابة، إلا ابن عباس، لكنه لم يظهر ذلك، إلا يعد موت عمر.
[الفرائض التي تعول:]
وأشار المؤلف إلى أن الفرائض التي تعول ثلاثة بقوله: فالعائل الستة تعول لسبعة، وفيها مسائل:
[ ٨ / ٣٤٥ ]
الأولى: سدس ونصفان: زوج وشقيقة وولد أم وزوج وشقيقة وأخت لأب وولد أم وزوج وشقيقة وجدة وزوج وشقيقة وأخت لأب.
المسألة الثانية: سدس وثلث وثلثان، صورها: أم وأولاد أم وشقيقتان وأم وأولاد أم وأختان لأب وجدة وأولاد أم وأختان شقيقتان وجدة وأولاد أم وأختان.
المسألة الثالثة: سدسان ونصف وثلث، كأم وأخت لأب وولد أم وأخت لأبوين وجدة وأخت لأب وولد أم وشقيقة.
المسألة الرابعة: نصف وثلثان، كزوج وأختين شقيقتين، وكزوج وأختين لأب.
وتعول إلى ثمانية، وفيها ثلاث مسائل:
الأولى: سدسان ونصفان، كأم وولد أم وزوج وشقيقة وجدة وولد أم وزوج وأخت شقيقة زوج وأخت شقيقة وأخت لأب وجدة وولد أم.
المسألة الثانية: كسدس ونصف وثلثان، كأم وزوج وشقيقتين وجدة وزوج وشقيقتان وولد أم وزوج وأختان لأبوين.
المسألة الثالثة: ثلث ونصفان، كأم وزوج وشقيقة، وتسمى المباهلة؛ لقول ابن العباس من باهلني باهلته، ويعايا بها، فيقال: امرأة ورثت الربع، وليست زوجة أم وزوجة وأخت لأب وولد أم وزوجة وأخت شقيقة.
وتعول إلى تسعة، ومسائلها أربع:
الأولى: ثلاثة أسداس ونصفان، كأم وولد أم وأخت لأب وأخت شقيقة وزوج جدة وولد أم وأخت لأب وزوج وشقيقتين.
الثانية: سدسان ونصف وثلثان، كأم وولدي أم وزوج وشقيقتين أم وولد أم وزوج وأختين لأب جدة وولد أم وزوج وشقيتين، وتلقب بالغراء؛ لاشتهارها، وكثرة سؤال الزوج عنها.
وقيل: هي اسم المرأة؛ لأن الزوج من بني مروان.
[ ٨ / ٣٤٦ ]
الثالثة: سدس وثلث نصفان، كأم وولدي أم وزوج وأخت لأب.
وتعول إلى عشرة في مسألتين، ولها صور:
الأولى: سدس ونصف وثلث وثلثان، كأم وزوج وولدي أم وشقيقتين، وتلقب أم الفروخ، بالخاء المعجمة، وسميت بذلك لكثرة عولها، وتسمى أيضًا بالشريحية (١)؛ لقضاء شريح فيها بذلك، أم وزوج وولدي أم وأختين لأب جدة وزوج وولدي أم وشقيقتين.
والاثنا عشر بغير عول لعدم استغراق الفرائض، ولها ست مسائل:
الأولى: سدس وربع وما بقي، كأم وزوج وابن ابن.
الثانية: ثلث وربع وما بقي، كأم وزوجة وعصبة، وولد أم وزوجة.
الثالثة: ثلثان وربع وما بقي كبنتين وزوج وعصبة.
الرابعة: سدس وربع وثلث وما بقي كأم وزوجة وولدي أم وعصبة.
الخامسة: سدسان وربع وما بقي كأبوين وزوج وابن.
السادسة: سدس وربع ونصف وما بقي كأب وزوج وبنت وعصبة أب وزوج وبنت ابن وعصبة.
وتعول لثلاثة عشر مع أرباب الفروض، وفيها ثلاث مسائل:
الأولى: سدس وربع وثلثان كأب وزوج وبنتين.
الثانية: سدسان وربع ونصف كأبوين وزوج وبنت.
الثالثة: بنت وربع ونصف كأم وزوجته وشقيقة.
وتعول إلى خمسة عشر، ومسائلها أربع:
_________________
(١) وقيل: السريجية بدل الشريحية، فاللَّه أعلم بالصواب.
[ ٨ / ٣٤٧ ]
الأولى: ربع وثلث وثلثان كزوجة وولدي أم وشقيقتين وكأربع زوجات وأختين لأب وأختين لأم والتركة عشرون دينارًا وعشرون درهمًا أصلها اثنا عشر.
وتعول إلى خمسة عشر وتصح من ستين للزوجات الربع عائلًا وهو خمس المال أربعة دنانير وأربعة دراهم لكل واحدة دينار ودرهم.
الثانية: سدسان وربع وثلثان كأبوين وزوج وبنت.
الثالثة: ثلاثة أسداس وربع ونصف كأبوين وبنت ابن وزوج وبنت.
الرابعة: سدس وربع وثلث ونصف كأم وزوجة وولدي أم وأخت لأب.
ويعول إلى سبعة عشر، وهي مسألة واحدة: سدس وربع وثلث وثلثان ولها وصور منها أم وزوجة وولدا أم وأختان لأب ومن صورها ثلاث زوجات وجدتان وأربع أخوات لأم وثمان أخوات لأبوين أو لأب وتلقب أم الأرامل وأم الفروج (١) والدينارية الصغرى والمنبرية والسبعة عشرية.
والأربعة وعشرون مسائلها اثنتان، وتعول لسبعة وعشرين، مع استغراق الفروض، ولها صور منها ثمن وسدسان وثلثان كزوجة وأبوين وبنتي ابن.
ومنها: زوجة وأبوان وابنتان وهي المنبرية لقول علي -﵁- وهو يخطب على المنبر صار ثمنها تسعًا.
وبيانه: أن للزوجة الثمن ثلاثة، وللبنتين الثلثان ستة عشر، ولكل
_________________
(١) قال السهيلي ص ٦٩: "مسألة يقال لها: ذات الفروج، وهي: امرأة ورثت ميتًا له سبعة عشر دينارًا فجاءت لتأخذ فرضها فإذا ستة عشر امرأة سواها قد أخذن دينارًا دينارًا فلم يبق لها إلا واحد. شرح ذلك أن الميت له ثمان أخوات شقائق لهن الثلثان وأربع أخوات لأم لهن الثلث وله جدتان لهما السدس بينهما وله ثلاث زوجات لهن الربع أصل الفريضة من اثني عشر عالت إلى سبعة عشر أخذن دينارًا دينارًا والحمد للَّه".
[ ٨ / ٣٤٨ ]
واحد من الأبوين (١) السدس أربعة، عيل فيها بمثل ثمنها، ونقص لكل وارث تسع ما لفظ له به.
_________________
(١) قال السهيلي ص ٥١ - ٥٢: "فصل في حكمة نصيب الأبوين مع الولد، وقوله: (ولأبويه) ذكرهما بلفظ الأبوة دون لفظ الولادة كما قال وبالوالدين إحسانًا لأن هذه الآية معرضها ومقصودها غير ذلك ولفظ الوالدين أوفى وأجلب للرحمة وأشكل بالوضع الذي يراد به الرفق بهما لأن لفظ الولادة يشعر بحال المولود وبرحمتهما له إذا ذاك ألا تراه يقول في آية الوالدين ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ولفظ الأبوين أوقر وإن كان الآخر أرق ألا تراهم لا يقولون في الكنية إلا يا أبا فلان ولا يقولون يا والد فلان فكان لفظ الأبوين ها هنا أشكل بهذا المقام الذي هو إعلام بحظ هذين اللذين ينسب إليهما الميت والأبوة في مقابلة البنوة والوالد في مقابلة الولد مع أن لفظ الأبوة هنا فقها وهو سريان الميراث من الأب إلى أبيه إذا عدم الأب لأن لفظ الأبوة يتناوله وقد قرنت معه ههنا الأم بلفظ الأبوة ولا يقال لها أب ولا أبة إذا انفردت ولا يقال لها إلا والدة فلو ذكر بلفظ الولادة لسرى أيضًا حق الميراث منها إلى والدها إذا عدمت هي كما سرى ذلك في الأب إلى الجد إذا عدم الأب وهذا دقيق فافهمه. وقد تقدم اللفظ بين حالتي اللفظين وما يشاكله من مقامات الكلام كل واحد من الاسمين وتنزيل الألفاظ في مواطنها وهو معنى البلاغة وهي الفصاحة ومن هنا يعلم الإعجاز في كلام اللَّه العزيز والحمد للَّه. وقوله لكل واحد منهما السدس مما ترك أن كان له ولد سوى اللَّه بين الأبوين في هذه المسألة إذا كان للميت ولد ولم يفضلهما على الولد لأنه يقال للأب كما كنت تحب لابنك من الغني والخير أكثر مما تحب لأبيك فكذلك حال ابنك مع ولده كحالك مع ولدك لأن الوالد أحب الناس غنى لابنه وأعزهم فقرًا عليه كم قال الصديق لابنته عائشة -﵄- عند موته وكان أبوه حيًا فقال لها ما من أحد أحب إلى غنى منك ولا أعز فقرًا علي بعدي منك ولم يستثن أباه ولا غيره ثم إن الولد يؤملون من النكاح والحياة وغيره بحداثة سنهم ما لا يؤمله الأبوان ثم قال الأب إن فريضتك لا تنقص بكثرة الورثة وإن كان الولد عشرين وفريضة ولد ابنك الهالك قد تنقص بكثرة الأولاد حتى تكون أقل من العشر فيرضى الأبوان بقسم اللَّه تعالى لهما ويريان العدل من اللَّه بينا فيما قسم فإنه لم يحجب بالبنين فيعطي الأب نصفًا ولا ثلثًا ولا حجب بالأب فأعطاه عشرًا ولا تسعًا بل جعل له أوسط الفرائض وهو السدس ولا يزاد بقلة الولد ولا بنقص بكثرتهم والحمد للَّه. فصل في حكمة التسوية بين الأبوين مع وجود الولد: وسوى اللَّه بين الأب والأم في هذا الموضع لأن الأب وإن كان يستوجب التفضيل بما كان ينفقه على الابن وبنصرته له وانتهاضه بالذب عنه صغيرًا فالأم أيضًا حملته كرهًا =
[ ٨ / ٣٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ووضعته كرهًا وكان بطنها له وعاء وثديها له سقاء وحجرها له قباء فتكافأت الحجتان من الأبوين فسوى اللَّه بينهما فأعطاهما سدسًا وذلك الثلث أبقى للبنتين الثلثين لما تقدم من الحكمة الموجبة لتفضيل الولد في الميراث على الأبوين. فصل في بيان حالات الأم مع الأب: وللأم ثلاث حالات حالة تسوى فيها مع الأب وهي هذه وحالة يفضل الأب عليها فيكون له مثلًا حظها وذلك مع عدم الولد لأنه حينئذ صاحب فرض وعاصب والمرأة لا تكون عاصبة فيزيد عليها حينئذ بالتعصيب فيكون لها الثلث وله الثلثان والحالة الثالثة تفضل فيها الأم على الأب وذلك ما دام حيًا فإنه يؤمر بالبر بها والصلة لها بأكثر مما يلزمه الأب قال رسول اللَّه -ﷺ- لمعاوية بن حيدة القشيري وقد قال له من أبر يا رسول اللَّه؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك" ففضل الأم على الأب في البر. وقيل لشهاب بن خراش ما جعلت لأبيك من دعائك قال الثلثين ولأمي الثلث قيل له أليس كما يقال للأم ثلثا البر قال بلى ولكن أبي كان صابح شرطة لأنه كان على شرطة ابن هبيرة وإنما استوجبت هذا ما دام الولد حيًا من وجوه أحدها أنها أضعف والأضعف أحق بأن يرحم والثاني أنها أرق قلبًا وأشد رحمة للابن والثالث أنها تحمل من مؤنة الحمل والنفاس والتربية ما لا يحمله الأب والرابع أن الأم تمت بسببين والأب بسبب واحد وهو الأبوة. وشرح هذا أن آدم يمت علينا بالأبوة وحواء تمت علينا بالأمومة والأخوة لأنها خلقت من ضلع آدم فخرجت منه فصارت أم البشر وأختًا لهم. والخامس أن الرحم التي هي شجنة من الرحمن اشتق لها من اسمه وقال من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته هي في الأم حيث يتصور الولد قال اللَّه سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فقرابة الأب تسمى رحمًا مجازًا لأن الأب سبب وجود الابن في الرحم والشيء سمي بالشيء إذا كان سببًا له، والرحم التي عاذت بالرحمن حين فرغ من الخلق وقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة كانت لها حينئذ حجنه كحجنة المغزل كما جاء في الحديث وكأنها إشارة إلى الحنو والعطف وذلك في معنى الرحمة ثم في تخصيص اللَّه إياها بأن وضعها في الأم بعد أن اشتق لها اسمًا من الرحمة سر لطيف وحكمة بالغة وذلك أن الولد قبل أن يقع في الرحم نطفة جماد ولا يتصور رحمة للجمادات ونعني بالجماد ما لا روح له وإنما تقع الرحمة على من فيه الروح وأما النطفة والدم فلو وقع في الأرض وطىء بالرجل ما وجد في قلب أحد رحمة له فإذا صور ونفخ فيه الروح توجهت إليه الرحمة من الأبوين وغيرهما وذلك لا يكون إلا في بطن الأم فوضعت الرحم المشتقة =
[ ٨ / ٣٥٠ ]
قال الشعبي: ما رأيت أحسب من علي -﵁-، وتسمى أيضًا العينية؛ لأن خطبته كانت على حرف العين، وتسمى أيضًا البخيلية لقلة عولها، ومن صورها: ثمن وثلاثة أسداس ونصف وله صور منها زوجة وأبوان وبنت ابن وبنت تصح أيضًا من سبعة وعشرين مع عدم استغراق الفرائض.
ومسائلها ست:
الأولى: ثمن وسدس وما بقي كزوجة وأب وابن.
الثانية: ثمن وسدسان وما بقي كزوجة وأبوين وابن.
الثالثة: ثمن وثلثان وما بقي كزوجة وبنتين وعصبة.
الرابعة: ثمن وسدس وثلثان وما بقي كزوجة وأب وبنتين وعصبة ومن صورها المسألة المعروفة بالامتحان على غير المذهب.
قال الفاكهاني أربع زوجات وسبع جدات وخمس بنات وتسعة أخوة لأبوين أو لأب أو تسعة أعمام جزء سهمها ألف ومائتان وستون، وتصح من ثلاثين ألفًا ومائتين وأربعين هو خارج ضرب المرتفع من ضرب رؤوس المنكسر عليهم بعضها في بعض وهو ألف ومائتان وستون للزوجات الثمن ثلاث آلاف وتسعمائة وثمانون لكل واحدة تسعمائة وخمسة وأربعون وللبنات الخمس الثلثان عشرون ألف ومائة وستون لكل واحدة أربعة آلاف واثنان وثلاثون وللجدات السبع السدس خمس آلاف وأربعون لكل واحدة سبعمائة وعشرون وللتسع أخوة الأشقاء أو لأب أو الأعمام ما بقي ألف ومائتان وستون لكل واحد مائة وأربعون، السادسة ثمن وسدسان ونصف وما بقي كزوجة وأبوين وبنت وعصبة الفائدة الأولى.
_________________
(١) = من اسم الرحمن في الأم لهذه الحكمة دون الأب وقيل للقرابة من هذا الوجه ذوو رحم ولم يقل ذلك لقرابة الأب إلا مجازًا كما تقدم وإن سمي الأعمام وبنو الأعمام ذوي رحم فجائز على المجاز وتسمية الشيء بما يؤل إليه ويكون سببًا له واللَّه المستعان".
[ ٨ / ٣٥١ ]
تتميم:
ما تقدم بذكر أمثلة تتعلق بالأصلين الزائدين هما ثمانية عشر وستة وثلاثون:
الأولى: كل مسألة فيها سدس وثلث ما بقي كأم وجد وخمسة أخوة للأب أو لأبوين فاصلهما من ثمانية عشر.
الثانية: كل مسألة فيها ربع وسدس وثلث وما بقي؛ لأنه المقام الجامع لفروضها كزوجة وأم وجد وثلاثة أخوة فأكثر للزوجة الربع تسعة وللأم السدس وللأم السدس ستة وللجد ثلث الباقي أربعة عشر ويلقبان بمسألة الاجتهاد.
الفائدة الثانية: لا يقع العول في مسائل الاثنين والثلاثة والأربعة والثمانية والستة والثلاثين.
الفائدة الثالثة: تلخص من أن الستة تعول أربع مرات على توالي الأعداد، والأثني عشر ثلاث مرات على توالي الأفراد، والأربعة وعشرون مرة واحدة على رأي الجمهور، ومرة ثانية عند ابن مسعود.
الفائدة الرابعة: لا يعال لأحد من الرجال إلا أربعة الأب والجد والزوج والأخ للأم ويعال للنساء جميعًا.
الفائدة الخامسة: قال بعض شيوخ شيوخي اعلم أن في أصل ثمانية وأصل لسبعة وعشرين وعول سبعة عشر وعول سبعة وعشرين لا يكون الميت إلا ذكرًا وفي عول ثمانية وتسعة وعشرة لا يكون الميت إلا امرأة وما عدا ذلك يجوز أن يكون الميت رجلًا أو امرأة وعول ستة جميعه وعول سبعة وعشرين لا يكون فيها إلا إناث وليس في الأصول ما يتم بالفرض إلا الاثنان والثلاثة والستة وباقيها لا بد فيه من عصبة.
الفائدة السادسة: في معرفة ما نقص لكل وارث في الأصول وجهان: أحدهما: أن ينسب عدد ما عالت به الفريضة من الفريضة بعولها وبتلك النسبة ينقص لكل وارث.
[ ٨ / ٣٥٢ ]
مثاله: ماتت زوجة عن زوج وشقيقة وأم تعول بثلثها اثنين ونسبتها من الثمانية ربع هو مما ينقص لكل وارث منهم ثانيهما أن تضرب الفريضة بغير عولها فيها بعولها وتقسم الخارج على سهام الفريضة عائلة وغير عائلة فما بينهما من تفاضل هو الذي ينقص لكل واحد، مثاله في الفرض المذكور إذا ضربت ستة في ثمانية مقامي الفريضة حصل ثمانية وأربعون أن قسمتها على ستة خرج ثمانية وعلى ثمانية أصلها بعولها خرج ستة فالتفاوت بينهما اثنان، وهما: ربع وهو الذي نقص لكل وارث.
وإن أردت معرفة مقدار ما عالت به الفريضة بأن تنسب الزائد للفريضة بغير عولها، وتلك النسبة هي التي عالت به، ففي المسألة عالت باثنين، فإذا نسبتهما إلى ستة كانا ثلثًا، وهو الذي عالت به الفريضة.
[انكسار السهام:]
ولما كانت السهام تارةً تنكسر على صنف واحد، ويعبر عن المصنف بالجنس أيضًا وبالحيز وبالفريق وبالفرقة وبالرؤوس، وتارة على صنفين فأكثر، شرع في بيان ذلك، فقال: ورد الحاسب الناظر في المسألة كل صنف انكسرت عليه سهامه إلى وفقه إن وافق، وضرب الجزء الذي وافق به ذلك المصنف سهامه في أصل المسألة إن لم تكن عائله.
مثال ذلك في الانكسار على صنف واحد: أربع بنات وأخت، المسألة من ثلاثة، سهمان للبنات لا ينقسمان عليهن، لكن يوافقانهن بالنصف، فتضرب وفقهما، وهو اثنان في أصل المسألة، إن لم تعل، وهو ثلاثة، يجتمع ستة: أربعة للبنات لكل واحدة منهن سهم، وللأخت سهمان.
ومثالها عائلة في التباين زوج وثلاث أخوات شقائق أو لأب، أصلها من ستة، وتعول لسبعة، للأخوات أربعة منكسرة على ثلاثة مباينة، فتضرب ثلاثة في سبعة بإحدى وعشرين، فمن له شيء من سبعة أخذه مضروبًا في ثلاثة.
وإلا بأن لم توافق السهام الرؤوس، بل باينتهم، ترك وضرب رؤوس الفريقين في أصل المسألة، إن لم تعل، وفي مبلغه بالعول إن عالت فما
[ ٨ / ٣٥٣ ]
حصل فمنه تصح ففي ربع هو خمس بنين سهامهم ثلثة تباين عددهم فأضربه في أصلها في أربعة تصح من عشرين وفي زوج وثلاث أخوات لهن أربع سهام تباين عددهن أضربه في أصلها بالعول وهو سبعة تصح من أحد وعشرين، وقابل الحاسب بين اثنين إن انكسرت السهام عليهما وأخذ أحد المثلين، واكتفى به عن المثل الآخر، وكأن المسألة لم تنكسر إلا على فريق وحد.
ومثالها غير عائلة أم وأربعة أخوة الأم وستة أخوة لأب أصلها من ستة للأم سهم ولأولادها الأربع سهمان لا ينقسمان عليهم لكن يوافقان عددهم بالنصف وللأخوة للأب الستة ثلاثة توافق عددهم بالثلث فنصف الأخوة للأم اثنان وثلث الأخوة للأب اثنان يكتفي بأحدهما وهو اثنان وتضربه في ستة أصل المسألة باثني عشر ومنها تصح للأم سهمان ولأولادها الأربعة أربعة علاوة للأب ستة لكل واحد منهم.
أو أخذ أكثر المتداخلين إن تداخلا، كأم وثمانية أخوة لأم وستة لأب وهي من ستة للأم سهم وللأخوة سهمان لا ينقسمان لكن يوافقان عدده بالنصف فللأخوة للأب ثلاثة لا تنقسم عليهم لكن توافق عددهم بالثلث وهو اثنان داخل في الأربعة فتكفي بالأربعة وتضربها في ستة.
أصل المسألة بأربعة وعشرين للأم أربعة وللأخوة ثمانية لكل واحد سهم وللأخوة للأب اثنا عشر لكل واحد سهمان.
وأخذ حاصل ضرب وفق أحدهما في كامل الآخر إن توافقا، كأم وثمانية أخوة لأم وثمانية عشر أخا لأب وهي من ستة للأم واحد وللأخوة للأم اثنان لا ينقسمان عليهم لكن يوافق عددهم بالثلث، وثلثهم ستة، توافق الأربعة وفق الأخوة للأب بالنصف، فتضرب وفق أحدهما في كامل الآخر اثنان في ستة أو أربعة في ثلاث، وذلك اثنا عشر ثم في ستة.
أصل المسألة يحصل اثنان وسبعون من له شيء من أصل المسألة أخذه مضروبًا في اثني عشر.
[ ٨ / ٣٥٤ ]
وفي نسخة بهرام وابن الفرات تلميذ المؤلف: وحاصل ضرب أحدهما في وفق الآخران توافقا انتهى.
وصورة ذلك أم وستة أخوة لأم وعم للأم السدس واحد وللأخوة للأم الثلث اثنان غير منقسمين على الستة، لكن موافق لها بالنصف، فاضرب وفق عدد الرؤوس وهو ثلاثة في أصل المسألة وهو ستة يحصل ثمانية عشر ومنها تصح ثم تقول من له شيء من أصل الفريضة أحده مضروبًا فيما ضربت فيه الفريضة فللأم واحد في ثلاثة بثلاثة وللأخوة للأم في ثلاثة بستة لكل واحد سهم ولو ضرب عدد رؤوسهم في أصل المسألة لحصل المقصود، لكن المقصود الاختصار ما أمكن، وهذا العمل أخصر مما في النسخة الأولى، واللَّه أعلم.
وإلا بأن لم يتماثلا ولا تداخلا ولا توافقا ففي كله يضرب كل الآخر إن تباينا، ثم في أصل المسألة، كأم وأربعة أخوة لأم وست أخوات أصلها من ستة، وتعول إلى سبعة للأم سهم، وللأخوة للأم اثنان لمباين لوفق الأخوات الستة، وهي ثلاثة، فتضرب ثلاثة في اثنين يحصل ستة، ثم في أصل المسألة بعولها، وهي سبعة، يحصل اثنان وأربعون، من له شيء من سبعة أخذه مضروبًا، وباقي ستة، وإن وقع الانكسار في المسألة على ثلاثة أصناف وهي غاية ما تنكسر عليه الفرائض عند مالك لأنه لا يورث أكثر من جدتيت عمل الحاسب في صنفين منهما ما تقدم.
ثم نظر بين الحاصل من ضرب الصنفين وبين المصنف الثالث بالموافقة والمباينة، ثم ما حصل نظر فيه كذلك بالوجوه الأربعة المماثلة والموافقة والمداخلة والمباينة، فإن تماثلت كلها رجعت لصنف واحد، وكذلك إن دخل اثنان منها في واحد، وإن تماثل اثنان منها أو تداخل أحدهما في الآخر رجعت للصنفين، وضرب في العول أيضًا، إن كان، وفي الصنفين إن انكسرت عليهما سهامهما اثنتا عشر صورة؛ وذلك لأن كل صنف إما أن يوافق سهامه أو يباينها أو يوافق أحدهما ويباين الآخر، ثم ما حصل بعد ذلك ينظر فيه نظرًا ثانيًا، وهو: إما أن يتماثل ما حصل من كل واحد من
[ ٨ / ٣٥٥ ]
الصنفين، أو يداخل أحدهما في الآخر أو يوافقه أو يباينه، وإذا ضربت ثلاثة في أربعة كان الحال اثنتا عشرة صورة، وتقدم في الأمثلة ما يغني.
[تفسير المداخلة والموافقة والمباينة:]
ثم شرع في تفسير هذه الأنواع، فقال: فالتداخل أن يفني أحدهما الآخر، بأن يخرج الأقل من الأكثر في مرتين فأكثر، ويسمى أيضًا التناسب، وكل متداخل متوافق، ولا عكس، فتوافق الأربعة الستة، ولا تداخلها.
وقوله: أولًا أي: حيث لا يبقى من الأكثر إلا أفناه الأقل، فالاثنان يفنيان الأربعة في مرتين، والستة في ثلاثة، والثمانية في أربعة، ولا يشترط كون الأقل أصغر من العشر، بل ولو كان نصف العشر، كالاثنين مع العشرين، وربما عرف التداخل بأنه ضعف القليل، أو يكون القليل جزء من الكثير.
وإلا فإن لم يقع الإفناء أولًا، بل بقي من الأكثر واحد فمتباين، كالاثنين مع الخمسة، وإلا بأن بقي بعد الفناء أكثر من واحد فالموافقة، وتسمى أيضًا المشاركة، وتكون بينهما بنسبة الواحد المفرد للعدد المفنِي بكسر النون آخرًا، والمعتبر في الموافقة أدنى الأجزاء، فالأربعة والستة متوافقان بالنصف، والستة والتسعة متوافقان بالثلث، والاثنان والعشرون والثلاثة والثلاثون بجزء من إحدى عشر، فالأربعة مع العشرة نسبة المفرد معها النصف؛ لأنك إذا سلطتها على العشرة لا تقنيها أو لإبل بعد إسقاط الأربعة مرتين لا تبقى أربعة حتى يسقط بل يبقى اثنان فإذا سلطتهما على الثمانية أفنياها في أربع مرات فقد حصل الإفناء بالاثنين ونسبة المعدة لهما نصف فالموافقة بينهما بالنصف وقس على ذلك عدد يقع به الإفناء ولا فرق فيما يقع الإفناء به بين أن يكون الواحد بالنسبة إليه جزءًا أصم أو لا، كما تقدم، ولم يذكر المؤلف المتماثلين لوضوحهما.
[طرق قسمة التركات المعلومة القدر:]
وفي قسمة التركات المعلومة القدر طرق، ذكر منها طريقين تبعًا لابن الحاجب.
[ ٨ / ٣٥٦ ]
وأشار لأحدهما بقوله: ولكل من الورثة من التركة بنسبة حظه من المسألة، بأن كان حظه منها الربع أعطيه، أو الثمن كذلك، أو الثلث أعطيه، ونحو ذلك.
ابن الحاجب: وهذا أقرب الطرق.
قال ابن عبد السلام وتبعه المصنف: إنما هو أقرب إذا قلت سهام الفريضة، وأما إن كثرت فهو أصعبها؛ لأنها مبنية على النسبة التي هي قسمة القليل على الكثير.
وأشار للطريق الثاني بقوله: أو تقسم التركة على ما صحت منه المسألة، كزوج بلا حاجب، وأم كذلك، وأخت شقيقة أو لأب، أصلها من ستة، وتعول إلى ثمانية، للزوج ثلاثة، والتركة عشرون درهمًا مثلًا، فالثلاثة من الثمانية ربع وثمن، فيأخذ الزوج من العشرين سبعة ونصفًا، وهو ربعها وثمنها، والأخت كذلك، وللأم الربع: اثنان من ثمانية، فتأخذ ربع العشرين، وهي الخمسة، وهذا العمل على الطريق الأول.
وأما على الطريق الثاني فتقسم العشرين على ما صحت منه المسألة بعولها، وهو ثمانية، فيخرج جزء السهم اثنين ونصفًا، فمن له شيء من أصل المسألة أخذه مضروبًا في اثنين ونصف، فللزوج ثلاثة في اثنين ونصف بسبعة ونصف، وللأخت كذلك، وللأم اثنان في اثنين ونصف الخمسة.
ثم أخذ في بيان العمل إذا كانت التركة مجهولة القدر، فقال: وإن أخذ أحدهم -أي: الورثة- عرضًا مش التركة في المسألة السابقة فأخذه بسهم من التركة أو الحصة جميعها من غير تعيين القيمة وأخذ باقيهم العين وأردت معرفة قيمته -أي: قيمة جميع حصته- فاجعل المسألة سهام غير الأخذ، وأسقط سهامه منها، ثم اجعل لسهامه -أي: الآخذ- من تلك النسبة الخارجة من القسمة، فما حصل فهو قيمة العرض فإذا أخذ الزوج العرض في المسألة فأسقط نصيبه وكان المسألة ليس فيها غير الأم والأخت فأقسم العشرين على سهامهما الخمسة يخرج لها بسهام أربعة هي جزء السهم الذي تضرب فيه المسألة.
[ ٨ / ٣٥٧ ]
ونصيب الزوج ثلاثة اضربها في الأربعة الخارجة تكن اثني عشر هي قيمة العرض والتركة اثنان وثلاثون وكذا لو أخذته الأخت وإن أخذت الأم كان الباقي بعد إسقاط سهمها ستة فاقسم العشرين عليها يخرج ثلاثة وثلث هي جزء السهم اضرب في سهمها مخرج وثلثان هي قيمة العرض فالتركة ستة وعشرون وثلثان.
قال المصنف ما معناه: إن المراد بقيمة العرض ما أنفق عليه الورثة لا ما يساويه في السوق.
فإن زاد من أخذ العرض خمسة من ماله ليأخذ العرض بنصيبه من التركة والمسألة بحالها فزدها -أي: الخمسة- على العشرين، تصير العين خمسة وعشرين، ثم اقسم -أي: الخمسة والعشرين- على سهام غير الأخذ، فإن كان الزوج هو الدافع للخمسة قسمت الخمسة والعشرين على الخمسة سهام: الأم والأخت، تخرج خمسة، هي جزء السهم، اضربها في سهام الزوج، وهي ثلاثة بخمسة عشر زد عليها خمسة تكون عشرين هي قيمة العرض.
وكذا لو كان الدافع هو الأخت، وإن كان الدافع هو الأم قسمت الخمسة والعشرين على ستة سهام، الزوج والأخت يخرج جزء السهم أربعة وسدسًا، فيكون للأم ثمانية وثلثان، فإن أضفتها لما بيد الورثة كانت التركة ثلاثة وثلاثين وثلثًا، فإذا زادت خمسة على ما يجب للأم كان ذلك قيمة العرض، وهو ثلاثة عشر وثلث.
[المناسخات:]
ولما فرغ من قسمة التركة شرع فيما يسمى عند الفرضيين بالمناسخات، ويريدون جنسها لاستعمالهم هذا للفظ في الفريضة التي مات فيها اثنان فأكثر، واحدًا بعد واحد قبل قسم التركة.
وقولنا (يريدون الجنس) لأنه لو اقتصر على صيغة الجمع لخرج عن ذلك الفريضة التي فيها الاثنان فقط.
[ ٨ / ٣٥٨ ]
وقولهم: (واحدًا بعد واحد) تحرزًا عما لو كان موتهم في وقت واحد كالغرقاء ونحوهم، وبـ (موتهم قبل القسمة) عما إذا مات الثاني بعدها؛ فإنه ليس من هذا الباب؛ لأن حكم هذا الثاني مستقل بنفسه من غير نظر لمن مات قبله، ولهذا كله أشار المؤلف بقوله: وإذا مات بعض من ورثة الأول قبل القسمة لتركته وورثه الباقون كثلاثة بنين مات أبوهم فورثوه، ثم مات أحدهم قبل القسمة ولا وارث له غير الباقين، فالميت الثاني وهو الولد كأنه لم يكن، وتقسم التركة على أخوته الباقين، وكذا لو كانوا أربعة فأكثر ولم يبق غير اثنين، أو كان مع البنين العصبة بعض يرث بالفرض من الأولى ولا إرث له من الثانية، كزوج معهم، ماتت زوجته عنه وعن بنيها الثلاثة في المسألة السابقة من غيره؛ ولذا قال: وليس الزوج أباهم، أو عكسها، كموت زوجها عنها وعن ثلاثة بنين من غيرها ثم أحد البنين عن أخويه في المسألتين، فكالعدم، وكأنها ماتت ابتداء عن زوج وابنين، فيأخذ الربع، ولو كان الذي مات حيًا؛ إذ لا فرق بين موته وحياته.
وإلا بأن خلف ورثة غير ورثة الأول، ولكن اختلف قدر استحقاقهم، فالعمل واحد، وسنذكر مثال الثاني عند قول المؤلف: (وإن لم يتوافقا).
وأشار لطريق العمل بقوله: صحح مسألة الميت الأولى، وخذ منها سهام الميت الثاني، ثم صحح الثانية، واقسم سهام الميت الثاني على مسألته، فإن انقسم نصيب الثاني على ورثته فقد تم العمل، كابن وبنت ورثا أباهما، المسألة من ثلاثة: للابن سهمان، وللبنت سهم، مات الابن وترك أختا وعاصبا كعم صحتا معًا الأولى والثانية:
الأولى: من ثلاثة: للابن سهمان مات عنهما، وهما منقسمان على فريضته، لأخته سهم، ولعمه سهم، فقد حصل للبنت سهمان من الفريضتين، وللعم سهم.
وإلا بأن لم ينقسم نصيب الميت الثاني على ورثته وفق بين نصيبه -أي: الميت الثاني- وبين ما صحت منه مسألته، واضرب وفق المسألة الثانية في كل المسألة الأولى إن توافقتا، فما اجتمعتا فمنه تصح، وتقول:
[ ٨ / ٣٥٩ ]
من له شيء من الأولى أخذه مضروبًا في وفق الثانية، ومن له شيء من الثانية أخذه مضروبًا في وفق سهام مورثه، كابنين وابنتين مات أحدهما -أي: الابنين- قبل القسم، وترك زوجًا وبنتًا وثلاثة بني ابن، فالأولى من ستة، لكل ذكر سهمان، ولكل أنثى سهم.
والثانية من ثمانية، للزوجة سهم، وللبنت أربعة، ولكل ابن ابن سهم، فللابن الميت من الأولى اثنان، وفريضته من ثمانية متفقان بالنصف، فتضرب نصف فريضته، وهو أربعة في الفريضة الأولى، وهو ستة بأربعة وعشرين، ومنها تصح من له شيء من الأولى أخذه مضروبًا في وفق الثانية، وهو أربعة، ومن له شيء من الثانية أخذه مضروبًا في وفق سهام الميت الثاني، وهو واحد، فللابن من الأولى اثنان مضروبان في أربعة بثمانية، ولكل واحدة من البنتين واحد في أربعة، وللزوجة من الثانية واحد مضروبًا في وفق سهام مورثها، وهو واحد بواحد، وكذلك لكل ابن ابن، وللبنت من الثانية أربعة مضروبة في واحد وفق السهام بأربعة.
وإن لم يتوافقا -أي: لم يتوافق سهام الميت الثاني فريضته، بل باينتها- ضربت ما صحت منه مسألته -أي: الميت الثاني- فيما صحت منه الأولى كموت أحدهما -أي: الابنين المذكورين عن ابن وبنت، والفريضة الأولى من ستة، والثانية من ثلاثة، وللميت الثاني من الأولى سهمان مباينان لفريضته، فتضرب ثلاثة مجموع سهام الثانية في ستة مجموع سهام الأولى بثمانية عشر، ومنها تصح، فمن له شيء من الأولى أخذه مضروبًا في الثانية، ومن له شيء من الثانية أخذه مضروبًا في سهام مورثه، فللابن الحي من الأولى اثنان مضروبان في الثانية، وهي ثلاثة لستة، ولكل من البنتين في الأولى سهم مضروب في ثلاثة بثلاثة، وللابن من الثانية سهمان مضروبان في سهام مورثه، وهو اثنان بأربعة، وللبنت واحد في اثنين باثنين، ومجموع ذلك ثمانية عشر، وكذلك العمل لو انحصر إرث الميت الثاني في بقية ورثة الميت الأول، لكن اختلف قدر الاستحقاق، كبنت عن أم وزوج وأخت لأب وأخت شقيقة، ثم نكح الزوج الشقيقة، وماتت عنهم، فالمسألة الأولى
[ ٨ / ٣٦٠ ]
من ستة، وتعول إلى ثمانية، للأم واحد، وللزوج ثلاثة، وللأخت للأب واحد، وللشقيقة ثلاثة.
والمسألة الثانية من ستة، وتعول إلى ثمانية أيضًا، للأم اثنان، وللزوج ثلاثة، وللأخت للأب ثلاثة، وسهام الشقيقة من الأولى ثلاثة غير منقسمة على مسألتها ولا توافقها، فاضرب مسألتها وهي ثمانية في المسألة الأولى، وهي ثمانية أيضًا، يحصل أربعة وستون، من له شيء من الأولى أخذه مضروبًا في ثلاثة، فيحصل للزوج من الأولى أربعة وعشرون، ومن الثانية تسعة، وذكرنا في الكبير مخالطات خفيه تقع في المناسخات، وهي من آفاتها، فينبغي للفرضي أن يتنبه لها.
[مسائل الإقرار:]
ولما فرغ من المناسخات شرع في مسائل الإقرار، فقال: وإن أقر أحد الورثة فقط بوارث منفرد، وأنكره بقيتهم، ولم يثبت الإقرار له؛ لعدم عدالة المقر، ولعدم بلوغ النصاب، فله -أي: للمقوله من حصة المقر- ما -أي: الذي- نقصه الإقرار، لو صح.
واحترز بقوله: (فقط) عما لو تعدد المقر والمقوله، كما يأتي، وأما لو تعدد المقر واتحد المقوله فالعمل كما لو اتحد، مثاله: أخ وأختان أشقاء أقر الأخ، والأخرى الأختين بأخ شقيق، وأنكرته الأخرى ففريضة الإنكار أربعة، وفريضة الإقرار ستة، متفقتان بالنصف، تضربه في كل الأخرى، تبلغ اثني عشر، فللأخ من فريضة الإنكار أربعة، وفريضة الإقرار ستة، فيفضل عنه سهمان يدفعان للأخ المقر به، وللأخت المقرة من فريضة سهم في اثنين وفق فريضة الإنكار، يفضل بيدها سهم تدفعه للأخ المقر به.
وأحترز بقوله: (ما نقصه الإقرار) عما لو أقر زوج أو زوجة مثلًا بأخ للميت، فإنه لاشيء للمقوله، إذ لا ينقصه كونه معها شيئًا.
تنبيه:
قال العصنوني: اعلم أن هذا النقصان لا يأخذ المقر به على أنه ميراث، بل على أنه إقرار كالإقرار بالدين.
[ ٨ / ٣٦١ ]
وأفاد المؤلف طريقة العمل في ذلك بقوله: تعمل فريضة المنكر في الإنكار ثم تعمل فريضة المقر في الإقرار، كأنه ليس ثم وارث غيره؛ لأنك إنما تريد معرفة سهامه في الإقرار وأخذه، ثم انظر مما بينهما -أي: فريضتي الإقرار والإنكار- من تداخل وتوافق وتباين وتماثل، وتركه؛ لوضوحه.
ومثل للثلاثة التي ذكرها لفًا ونشرًا مرتبًا، فقال: الأول: وهو التداخل، والثاني: وهو التباين كشقيقتين وعاصب أقرت واحدة من الشقيقتين بشقيقة، وأنكر باقيهم ففريضة الإنكار من ثلاثة، ومنها تصح، وفريضة الإقرار من ثلاثة أيضًا، وتصح أيضًا من تسعة لانكسار السهمين على الأخوات الثلاثة، فتضرب ثلاثة عدد رؤوسهن في أصل الفريضة، وهي ثلاثة، يحصل تسعة، فتستغني بها عن الثلاثة لدخولها فيه، وتقسم على الإنكار، لكل أخت ثلاثة، وللعاصب ثلاثة، ويقسم على الإقرار لكل أخت سهمان، وللعاصب ثلاثة، يفضل عن المقرة سهم، تدفعه للمقر بها.
وأشار للثاني وهو التباين بقوله: أو أقرت إحدى الشقيقتين بشقيق، أي: والمسألة بحالها شقيقتان وعاصب، وأنكره غيرها، فمسألة الإنكار من ثلاثة أيضًا، ومسألة الإقرار من أربعة، وهما متباينان، فتضرب إحداهما في الأخرى باثني عشر وجزء سهم، كل واحدة هو عين الأخرى؛ لأن الخارج من ضرب أحد عددين في الآخر إذا قسم على أحدهما خرج الآخر، فلكل أخت في الإنكار أربعة، وفي الإقرار ثلاثة، فقد نقصت المقرة سهما، فيأخذه المقر له.
والثالث: وهو التوافق كابنتين وابن أقر الابن بابن واحد، وأنكره الابنتان، فالإنكار من أربعة، والإقرار من ستة، والفريضتان متفقتان بالنصف، فتضرب نصف أحدهما في كامل الآخر باثني عشر وجزء سهم، كل فريضة وفق الأخرى، فجزء السهم الستة اثنان، وهو لخارج من قسمة الاثني عشر عليها، وجزء سهم الأربعة ثلاثة، وهو خارج قسمها أيضًا.
تنكيت:
قول الشارح: (تضرب الوفق في الوفق) سبق قلم، صوابه: الوفق في الكامل.
[ ٨ / ٣٦٢ ]
ومثال التماثل الذي تركه المؤلف: أم وأخت لأب وعم أقرت الأخت للأب بشقيقة للميت، وأنكرتها الأم، فالفريضة في الإنكار والإقرار في ستة، يكتفى بإحداهما، للأم في الإنكار الثلث سهمان، وللأخت النصف ثلاثة، وللعم الباقي سهم، وللأخت للأب في الإقرار السدس، تتميمة الثلثين، يفضل عنهما سهمان تدفعهما للشقيقة، ولو أقرت بها الأم دفعت لها سهمًا، فكملت فريضتها، ولا يلتفت للعم في الإقرار والإنكار؛ لاستواء نصيبه فيهما.
وأشار لما احتز عنه كما سبق وهو تعدد المقوله، فقال: وإن أقر ابن ببنت، وكذبته أخته الأخرى، وأقرت بنت بابن آخر وكذبها أخوها والمستلحقان بفتح الحاء كل منهما منكر لصاحبه، فالإنكار من الجانبين من ثلاثة، للابن سهمان، وللبنت سهم، وإقراره -أي: الابن- وإنكار أخته من أربعة؛ لأن الورثة ابن وبنت، للابن سهمان، ولكل بنت سهم.
وعلى إقرارها هي وإنكاره الفريضة من خمسة؛ لأن فيها ابنين وبنت، للبنت سهم، ولكل ابن سهمان، والفرائض الثلاثة متباينة، فتضرب أربعة فريضة إقراره في خمسة فريضة إقرارها بعشرين، ثم تضرب العشرين في ثلاثة فريضة الإنكار بستين إن قسمتها على الإنكار أخذ الابن أربعين، والبنت عشرين، وعلى إقرار الابن يأخذ الابن ثلاثين، ويرد الابن عشرة، وهي التي فضلت عنه، يدفعها للتي أقر بها، وعلى إقرار البنت يأخذ الابن أربعة وعشرين، وتأخذ هي اثني عشر، يفضل عنها ثمانية، تدفعها للتي أقرت به، وهو معنى قوله: وهي ترد ثمانية، ونحو هذا الطريق في العمل سلك ابن الحاجب، وفي الذخيرة طريق آخر، تبعًا لما في الجواهر، ذكرناها في الكبير.
وإن أقرت زوجة حامل مات زوجها عنها وعن أخويه شقيقيه أو لأبيه، وصدقها أحد أخويه أنها ولدت من ذلك الحمل ابنًا حيًا استهل، ثم مات، وأنكره أخوه الآخر، وقال: بل وضعته ميتا، فالإنكار من أربعة، للزوجة واحد، ويبقى ثلاثة للأخوين، لا يصلحان عليهما، ولا يوافقان،
[ ٨ / ٣٦٣ ]
فتضرب اثنين في أربعة، تصح من ثمانية، للزوجة اثنان، ولكل أخ ثلاثة، كالإقرار تشبيه فيما صحت منه مسألة الإنكار، لها الثمن واحد، والباقي لابنها، وتحجب عمه، وفريضة الإنكار بعد تصحيحها تماثل فريضة الإقرار، فتستغني بإحداهما، وفريضة الابن على الإقرار أصلها من ثلاثة؛ لأنه ترك أمه وعمه، وسهامه من الأولى سبعة، لا تصح على فريضته، وهي ثلاثة، ولا توافقها، تضرب الثلاثة في ثمانية بأربعة وعشرين للزوجة في الإنكار، الربع ستة، الباقي ثمانية عشر، لكل أخ تسعة، ولها في الإقرار الثمن ثلاثة، وللابن إحدى وعشرون، توفي عنها، لأمه ثلثها سبعة، ولكل أخ سبعة، يفضل عن المصدق سهمان، يدفعهما للأم، ولها في الإنكار ستة، يجتمع لها ثمانية، وللأخ المصدق سبعة، وللأخ المنكر تسعة، كذا قسمها أصبغ حين سئل عنها، ولا تأخذ الأم من فريضة الإقرار ولا من فريضة الإنكار شيئًا؛ لإنكار الأخ الآخر، وكان الواجب لها لو أقر الأخ الآخر عشرة: ثلاثة من زوجها، وسبعة من ولدها، فنصفها اثنان.
تنبيه:
تلخص أن عمل هذه الفريضة مؤلف من عمل الإقرار والإنكار ومن عمل المناسخات.
[طريق الحساب:]
ثم شرع في بيان طريق الحساب في كيفية استخراج الجزء الموصى به من فريضة الموصي ليخرج الجميع من عمل واحد، فقال: وإن أوصى بشائع من التركة لا يتميز، واحترزب (شائع) من المعين؛ فإنه لا يحتاج للعمل، وسواء كان الجزء الشائع منقطعا كربع أو ثلث مثلًا أو أصم مثلًا جزء من أحد عشر واثنا عشر ونحوه إذا قل أو أكثر، أخذ مخرج الوصية بعد تصحيح الفريضة أولًا من غير وصية من أي عدد فيه ذلك الجزء الموصى، كثلاثة في الوصية بالثلث، وخمسة في الوصية بالخمس، وإحدى عشرة أو ثلاثة عشر مثلًا في الوصية بجزء من إحدى عشرة، ثم يجعل جزء الوصية من حيث تنقسم على أرباب الوصايا فريضة برأسها، فتخرج منه
[ ٨ / ٣٦٤ ]
الوصية، ثم ينظر إن انقسم الباقي من فريضة الوصية على أصحاب الفريضة كابنين وأوصى بالثلث لزيد فواضح؛ لأن مخرج الوصية من ثلاثة، واحد للموصى له، والباقي اثنان، ينقسمان على الاثنين.
وإلا بأن لم ينقسم الباقي من مقام الوصية على أصحاب الفريضة وفق بين الباقي والمسألة وبين ما صحت منه، واضرب الوفق -أي: الجزء الموافق من فريضة الميراث- في مخرج فريضة الوصية، وما بلغ فمنه تصح، كأربعة أولاد ذكورًا وأوصى بالثلث فالفريضة من أربعة، ومخرج الوصية من ثلاثة، يخرج جزؤها، وهو واحد، يبقى اثنان، لا ينقسمان على البنين الأربعة، لكن يوافقان رؤوسهم بالنصف، فاضرب اثنين وفق الأولاد في ثلاثة مخرج الوصية بستة، يخرج منها جزء الوصية اثنان، ويبقى أربعة منقسمة على الأولاد، ولك طريق آخر ذكرناه في الكبير.
وإلا بأن لم يوافق باقي المسألة ما صحت منه بل تباينا فكاملها -أي: كامل الفريضة- يضرب في مخرج الوصية، ومنه تصح، كثلاثة من الذكور، والمسألة بحالها للموصى له سهم، وللذكور اثنان لا ينقسمان عليهم ولا يوافقان رؤوسهم، فتضرب ثلاثة في ثلاثة بتسعة، للموصى له ثلاثة، ولكل ابن اثنان.
[مسألة:]
ولما ذكر كيفية العمل إذا أوصى بجزء واحد شرع في ذكر ما إذا أوصى بجزئين فأكثر، فقال: وإن أوصى لزيد بسدس من ماله وسبع منه لبكر، وترك ثلاثة بنين ذكورًا مثلًا، ضربت مخرج الوصيتين جميعًا: إحداهما ستة في سبعة مخرج للأخرى لتباينهما باثنين وأربعين، هو مخرج الوصيتين جميعًا، أخرج منه جزء الوصية ثلاثة عشر، سدسها سبعة، وسبعها ستة، ثم أقسم الباقي وهو تسعة وعشرون فلا ينقسم، ولا يوافق، فاضرب الاثنين والأربعين المجتمعة من مخرج الوصيتين في أصل المسألة، وهو ثلاثة، يحصل مائة وستة وعشرون، من ذلك جزء الوصية تسعة وثلاثون، ويبقى سبعة وثمانون، لكل سهم تسعة وعشرون، من له شيء من اثنين
[ ٨ / ٣٦٥ ]
أخذه مضروبًا في ثلاثة، ومن له شيء من ثلاثة أخذه في تسعة وعشرين.
أو لم يباين بل وافق ضربت في وفقها، أي: أن ما ذكره من ضرب الباقي في أصل المسألة مشروط بأن يكون مباينًا لها، وأما إن كان بينهما موافقة فتضرب وفق أحدهما في كامل الآخر.
[موانع الميراث:]
ثم شرع في ذكر موانع الميراث، وعدها خسمة كابن الحاجب:
- فأولها قوله: ولا يرث ملاعن من ملاعنته، ولا ترث ملاعنة من ملاعنها، وتؤماها من حمل ملاعنها شقيقان على المشهور.
- ولا يرث رقيق، ولا يورث، بل ماله لسيده، ولسيد الرقيق المعتق بعضه، كمكاتب ومدبر جميع إرثه، أي: ما يورث عنه بالملك لو ورث، وتسميته إرثًا مجاز، إلا ابن المكاتب في بعض أحواله، وهو: ما إذا مات عن مال زائد على قدر كتابته، ومعه في الكتابة من يعتق عليه، فإن ذلك لمن معه، لا لسيده.
- ولا يرث قاتل قتل مورثه عمدًا عدوانًا من مال مقتوله ولا من ديته، ثم بالغ على ذلك بقوله: وإن أتى القاتل بشبهة تدرأ عنه القتل.
ثم شبه في عدم الإرث قوله: كمخطئ، لا يرث من الدية، ويرث من المال.
تنبيه:
أطلق هنا كابن الحاجب، على أنه قال في توضيحه: إلا الولاء؛ فإن المذهب: إن قاتل العمد وقاتل الخطأ يرثان الولاء، ويورث عنهما لمن يرثهما.
وقد يقال: إنما سكت عنه لأنه إنما تكلم على إرث المال.
[ ٨ / ٣٦٦ ]
- ولا يرث مخالف في دين، فلا يرث مسلم كافرًا، ولا العكس؛ لخبر: "لا توارث بين ملتين شتى" (١)، ولا فرق في الكفر بين الطارئ والأصلي؛ ولذا قال: كمسلم مع مرتد قتل على ردته، أو مات عليها، فإنه لا يرث إن مات له قريب مسلم، ولا يورث، بل ماله فيء للمسلمين.
أو لد مسلم مع أب غيره -أي: غير مسلم- كيهودي أو نصراني أو غيره، ولا يدخل في غيره الزنديق ولا الساحر، كما أسر المسلم اليهودية أو النصرانية مثلًا، وأظهر الإسلام، فإنه يقتل بعد الاستتابة، وميراثه لوارثه المسلم.
وكيهودي لا يتوارث مع نصراني إذا تحاكموا إلينا، لاختلاف ملتهما، وأما إن لم يتحاكموا إلينا لم نتعرض لهم، وسواهما من الكفر كله ملة، قاله مالك.
وَحُكِمَ بَيْنَ الْكُفَّارِ إذا تحاكموا إلينا في إرثهم بِحُكْمِ الْمُسْلِمِ -أي: الإسلام- إِنْ لَمْ يَأْبَ -أي: يمتنع- بَعْضٌ منهم عن حكمنا، ولا بد من رضي جميعهم دون أساقفتهم.
إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ بَعْضُهُمْ -أي: بعض الورثة الكفار- بعد موت مورثوهم، والبعض الآخر باق على كفره، وهو ممتنع، فَكَذَلِكَ، يحكم بينهم بحكم الإسلام؛ لأجل من أسلم منهم، ولا يلتفت للأب.
وهذا إِنْ لَمْ يَكُونُوا -أي: الذين أسلم بعضهم- كِتَابِيِينَ، وَإِلَّا فَبِحُكْمِهِمْ، أي: يقسم بينهم على مواريث أهل الكتاب في رواية ابن القاسم.
وقال ابن نافع وسحنون: أهل الإسلام وغيرهم سواء، يحكم بينهم بحكم الإسلام.
ثم أشار لمانع آخر وهو إيهام تقدم الموت أو تأخر بقوله: وَلَا ميراث
_________________
(١) هذا اللفظ رواه: أحمد (٢/ ١٧٨ رقم ٦٦٦٤)، وأبو داود (٣/ ١٢٥ رقم ٢٩١١)، وابن ماجه (٢/ ٩١٢، رقم ٢٧٣١)، والبيهقي (٦/ ٢١٨، رقم ١٢٠٠٩).
[ ٨ / ٣٦٧ ]
بين مَنْ جُهِلَ تَأَخُّرُ مَوْتِهِ أو تقدمه كموت جماعة يرث بعضهم بعضًا بغرق أو تحت هدم مثلًا، ويدخل في كلامه من علم تقدم موته أو تأخره ولم يرث نسي؛ لأنه من الميراث بالشك، فلو مات رجل وزوجته وثلاث بنين له منها تحت هدم، وجهل موت السابق منهم وترك الأب زوجة أخرى، وتركت الزوجة ابنًا لها من غير زوجها الميت فللزوجة الربع، وما بقى للعاصب، ومال الزوجة لابنها الحي، وسدس مال البنين لأخيهم لأمهم، وباقيه للعاصب.
تنبيه:
في تسمية هذا مانعًا تسامح؛ لأن موجب عدم الميراث إنما هو الشك في الشرط، وهو التقدم أو التأخر، وهذه الموانع الخمسة تمنع الميراث حالًا ومالًا.
[وقف القسم:]
ولما كان وقف القسم للحمل والعقد والكشف عن حال الخنثى داخلًا في الاستيهام أتبع الكلام على الثلاثة له، وفي عد بعضهم وقف القسم للحمل مانعًا سادسًا تجوز، قال:
[الحمل:]
ووقف القسم لمال الميت بين ورثته إذا أرادوا تعجيله للحمل من زوجة الميت أو أمته متحدة أو متعددة، وكذا زوجة أخيه، أو الابن المنتسب لهذا الميت الأخير؛ وكذا حمل الأم التي هي زوجة لغير هذا الميت ونحو ذلك، فإن جميع ماله يوقف حتى تضع الحامل، أو للإياس من وضعها، فللأم في الحمل للغاية، وإنما لم يعجل القسم بين الورثة الموجودين للشك: هل يوجد للحمل وارث أو لا؟ وعلى وجوده: هل هو متحد أو متعدد عليهما؟ هل هو ذكر أو أنثى أو مختلف؟ وهذا هو المشهور، ولأشهب يعجل القسم في المحقق، فَتُعْطَى الزوجة أدنى سهميها.
قال: وهذا الذي لا شك فيه.
[ ٨ / ٣٦٨ ]
قال ابن شعبان: يوقف ميراث أربع ذكور.
وقيل: خمس.
وقيل: اثني عشر.
وقيل: أربعين.
[مال المفقود:]
ومال المفقود يوقف قسمه بين ورثته للحكم بموته، وتقدم تقديره في المفقود: هل هو سبعون سنة؟ وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب، أو خمس وسبعون؟ وبه أفتى ابن عات.
الباجي في سجلاته: وبه القضاء.
أو ثمانون؟ وهو لمالك أيضًا، واختاره الشيخان: ابن أبي زيد والقابسي، وبه كان يفتى القاضي ابن القاسم السليم، وبه أخذ ابن القاسم ومطرف.
وإذا انقضت مدة التعمير ورثه من وجد حيًا من ورثته لا الحي منهم يوم فقد.
تنبيه:
هذا حيث لم يثبت موته ببينة، فإن ثبت بها ورثه حينئذ ورثته.
[مسألة:]
وإن مات مورثه -أي: مورث المفقود- فلا يرث هو منه أيضًا، كما لا يرث منه للشك في حياته فيهما، وقدر المفقود حيًا إذا حصل للزوج في الفرض الأدنى زيادة، وللأم نقص، وللأخت منع من الميراث، وقدر أيضًا ميتًا، فينقلب الحال، ويزاد للأم، وينقص للزوج، وترث الأخت، ويعطى من يرث غير المفقود أقل نصيبه.
[ ٨ / ٣٦٩ ]
[المشكوك في حياته:]
ووقف المشكوك فيه، فإن تبينت حياته أو موته ببينة فواضح، وإذا لم يتبين ذلك فإن مضت مدة التعمير السابقة فكالمجهول تأخر موته أو تقدمه، فيرثه أحياء ورثته غير المفقود.
ومثل ذلك بقوله: كذات زوج ماتت عنه وعن أم وأخت شقيقة أو لأب وأب مفقود فعلى تقدير حيته -أي: الأب المفقود حين وفاة هذه المرأة- فمسألته من ستة، وهي إحدى الغراوين، للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث ما بقي واحد، وهو السدس، وللأب الباقي، وهو الثلث.
وعلى تقدير موته -أي: الأب- قبل موت هذه المرأة كذلك من ستة أيضًا، للزوج ثلاثة، وللأخت كذلك، وتعول: من أجل ثلث الأم لثمانية؛ لاستغراق الأخت والزوج جميع السهام، والفريضتان متفقتان بالنصف، ولذلك تضرب الوفق من أحدهما في كامل الآخر بأربعة وعشرين، وتقول: من له شيء من ستة أخذه مضروبًا في أربعة، ومن له شيء من ثمانية أخذه مضروبًا في ثلاثة.
فعلى تقدير موت الأب للزوج تسعة من أربعة وعشرين، هي أقل نصيبه؛ لأن العول نقصه الربع ثلاثة، وعلى تقدير حياته للأم أربعة، هي أقل نصيبها، ومجموع ما أخذت الأم والزوج ثلاثة عشر، ووقف الباقي من الأربعة والعشرين، وهو أحد عشر، فإن ظهر أنه -أي: الأب- حي بعد موت ابنته فللزوج من الموقوف ثلاثة مضافة للتسعة التي أخذها أولا، فيكمل له نصف الأربعة والعشرين، ويأخذ الأب ثمانية، وهي الباقية، ولا شيء للأم؛ لأنها أخذت ما كان يخصها على هذا التقدير.
أو ظهر موته قبل ابنته التي هي أخت الزوجة الميتة أو مضى التعمير، فللأخت تسعة كالزوج، ويرد للأم اثنان تمام الربع، أو لم تظهر حياته ولا موته، ولكن موته لأجل مضي مدة التعمير للأخت تسعة كالزوج، ويرد للأم اثنان على الأربعة التي أخذتها أولًا تمام الربع، وأما الزوج فقد أخذ حصته على هذا التقدير، وهي تسعة.
[ ٨ / ٣٧٠ ]
[الخنثى:]
وختم استهام الميراث بمسألة الخنثى، وأخره عن ميراث الذكورة والأنوثة المحققين لتوقف معرفة ميراثه على معرفة مقدار ميراثهما، وهو بالثاء المثلثة مأخوذ من قولهم: "تخنث الطعام"، إذا اشتبه أمره، فلم يخلص طعمه المفقود منه، وشاركه طعم غيره، وسمي بذلك لاشتراك الشبهين فيه، وألفه للتأنيث؛ فهو غير منصرف، والضمائر العائدة عليه يؤتى بها مذكرة، وإن اتضحت أنوثته؛ لأن مدلوله شخص صفته كذا وكذا، وله أحكام كثيرة، ذكرنا منها جملًا في الشرح الكبير مفيدة، منها أحكامه في الميراث، وهي المقصودة هنا، وهي أربعة:
أحدها: وقف ميراثه حتى يختبر.
ثانيها: قدر ميراثه.
ثالثها: بيان طريقة العمل فيه.
رابعها: ما يختبر به حال ذكورته أو أنوثته.
[قدر ميراث الخنثى:]
ثم شرع في بيان قدر ميراثه، فقال: وللخنثى المشكل نصف نصيبي ذكر وأنثى إذا كانا مختلفين، وكان يورث بالجهتين، وذلك أن له أربعة أحوال:
- حال يرث على أنه ذكر، ويرث على أنه أنثى، إلا أن ميراثه بالذكورة أكثر.
- وحال يرث على أنه ذكر، ولا يرث على أنه أنثى.
- وحال عكس هذه، يرث على أنه أنثى، ولا يرث على أنه ذكر.
- وحال مساواة إرثه ذكورة وأنوثة.
[أمثلة ذلك:]
فالأولى كما إذا كان ابنًا أو ابن ابن، والثانية كما إذا كان عما أو ابن
[ ٨ / ٣٧١ ]
عم، أو ابن أخ، أو لو كان عمة أو ابنة عم أو ابنة أخ لم يرث؛ لأن هؤلاء لا مدخل لهم في الميراث، والثالثة إذا كان في مسائل العول كالأكدرية؛ فإنه لا يعال فيها إذا كان ذكرًا، فلا يرث، وإذا كان أنثى يعال لها؛ لميراثها بالفرض، والرابع كما إذا كان أخًا لأم، والحكم في الثاني والثالث إعطاؤه نصف نصيبي الوجه الذي يرث، ذكرًا كان أو أنثى، وأما الرابع فيعطى فرضه كاملا؛ لاستواء الحالين.
وعلى الحال الذي ذكر المصنف، وهو ميراثه بالجهتين المختلفين، وهو الحكم الأول.
[بيان طريقة العمل فيه:]
وإلى بيان طريق العمل أشار بقوله: تصحح المسألة على التقديرات، إن كان فيها أكثر من خنثى، أو على التقديرين إن كان واحدًا، بأن تقدر كل خنثى ذكرًا، أو تصحح المسألة على ذلك، ثم تقدره أنثى وتصححها على ذلك أيضًا، وإن كانا خنثيين فالتقادير أربعة، وإذا صححت المسألة على التقادير الممكنة رجعت كلها إلى مسألة واحدة كما يفعل في الأحياز المتعددة.
ثم تضرب الوفق من إحدى المسألتين في كل أخرى عند التوافق، أو الكل في الكل عند التباين، ثم ما اجتمع تضربه في حالتي تذكير الخنثى وتأنيثه إن كان واحدًا، أو في أحواله إن تعدد، وتأخذ من كل نصيب يحصل من الاثنين الذين اشتمل عليهما التقديران كان الخنثى واحدًا النصف؛ إذ هو نسبة الواحد إلى الاثنين، وتأخذ من كل نصيب في كل مسألة اشتملت على أربعة من التقدير الربع؛ لأن فيها خنثيين، إذ هو نسبة الواحد إلى الأربعة، وتأخذ من كل مسألة على ثمانية من التقادير الثمن؛ لأن فيها ثلاثة خناثًا؛ إذ هو نسبة الواحد إلى الثمانية، فما اجتمع مما أخذته وهو النصف في الحالين أو الربع في الأربعة أو الثمن في الثمانية فنصيب كل، أي: كل واحد من الورثة، فيعطي كل وارث نصف أو ربع أو ثمن ما حصل من المجموع، ونسبة كل واحد إلى مجموع الأحوال هو المسمى بمنفرد التقديرات.
[ ٨ / ٣٧٢ ]
[أمثلة:]
ولما كان ما قدمه هو قاعدة العمل في هذا الباب أوضح ذلك بالتمثيل، فقال: كذكر واحد وخنثى واحد فالتذكير، أي: تقدير الخنثى ذكر المسألة من اثنين، وإذا قدر فيه التأنيث، فهي من ثلاثة فتضرب الاثنين مسألة التذكير فيها -أي: الثلاثة- مسألة التأنيث (١) لتباينها بستة، ثم تضرب الستة في حالتي الخنثى باثني عشر، تقسمها على اثنين مسألة التذكير، يخرج جزء السهم ستة، وعلى مسألة التأنيث ثلاثة يخرج جزء السهم أربعة له، أي: للخنثى في الذكورة ستة، وله في الأنوثة أربعة، مجموعها عشرة، فنصفها خمسة، يأخذها الخنثى؛ لأن له تقديرين، نسبة الواحد منهما النصف، وكذلك غيره، أي: غير الأنثى من باقي الورثة، يأخذ نصف ما حصل معه؛ لأن الذكر له من الأولى ستة، ومن الثانية ثمانية، ومجموعهما أربعة عشر، فيدفع له نصفها سبعة.
وفي الجواهر وجه العمل أن يؤخذ مخرج التذكير ومخرج التأنيث، ويضرب أحدهما في الآخر إن تباينا، وتستغني بأحدهما على الآخر، إن كان مثله، أو داخلًا فيه فما حصل من ذلك ضربته في حالتي الخنثى، أو عدد أحوال الخناث، إن زادوا على الواحد، وعدد الأحوال يعرف بالتضعيف، فكل ما زدت خنثى ضعفت الأحوال كلها، فللواحد حالان، وللاثنين أربعة، وللثالثة ثمانية، وللأربعة ستة عشر، وللخمسة اثنان وثلاثون، وعلى هذا الترتيب، فما انتهى إليه الضرب في الأحوال فمنه تكون القسمة.
ثم لها طريقان:
الأولى: أن تنظر بين المجتمعين من الضرب، كمن يخص الخنثى منه على تقدير الذكورة، وكم يخصه منها على تقدير الأنوثة، فتضم أحدهما للآخر، ثم تقسمه نصفين، فتعطيه نصفه، وكذلك سائر الورثة، ثم ذكر المثال الثاني، فانظره فيه إن شئت.
_________________
(١) في "ن ٣": الثانية.
[ ٨ / ٣٧٣ ]
[مثال آخر:]
ومثال ثان كخنثيين وعاصب، فعلى تقديرهما ذكرين المسألة من اثنين، ولا شيء للعاصب، وعلى تقديرهما اثنين المسألة من ثلاثة، لهما اثنان، وللعاصب واحد.
وعلى تقدير الأكبر ذكرًا، والآخر أنثى من ثلاثة، والعكس في التذكير التأنيث من ثلاثة أيضًا، لا شيء للعاصب على هذين التقديرين.
فأربعة أحوال، فيها ثلاثة فرائض متماثلة، تكتفي منها بواحدة، وتضربها في فريضة التذكير لتابينهما بستة، وتضرب الستة في أربعة أحوال، تنتهي لأربعة وعشرين، تقسمها على التذكير لكل واحد اثني عشر، وعلى التأنيث لكل واحد منهما ثمانية، وللعاصب ثمانية، وعلى التذكير لأحدهما، والتأنيث للآخر، للذكر ستة عشر، وللأنثى ثمانية، وكذلك العكس، ثم يجمع ما لكل واحد منهما، وهو اثنا عشر في تذكيره، وفي تأنيثه ثمانية، ثم ثمانية على تقدير كون الآخر ذكرًا، ثم ستة عشر على تقدير كونه ذكرًا، والآخر أنثى.
وإذا اجتمع ذلك كان أربعة وأربعين، للعاصب من الثانية ثمانية، فترد كل واحد إلى ربع ما بيده؛ لأن الأحوال أربعة، كما سبق، فيحصل لكل -أي: لكل خنثى- أحد عشر وللعاصب اثنين، هما ربع ما حصل له من الثمانية، ومجموع ذلك أربعة وعشرون.
[علامات الذكورة والأنوثة:]
ثم شرع في بيان العلامات التي يتبين بها ذكورته وأنوثته، ويتضح معها إشكاله، وهو الحكم الرابع، فقال: فإن بال من واحد من فرجيه دون الآخر فالحكم للذي بال منه، وحكي عليه إجماع الصحابة، أو كان بوله من أحدهما أكثر أو أسبق من الآخر فالحكم لصاحب الأكثر أو الأسبق، فإن سبق من الذكر فذكر، أو من الفرج فأنثى، وإن اندفع منهما معًا قضي لصاحب الأكثر عند الأكثر، وهذا في حال الصغر، بحيث يجوز النظر للعورة، وأما في حال الكبر فيختبر، بأن يبول إلى حائط أو عليه فإن ضرب
[ ٨ / ٣٧٤ ]
بوله الحائط أو شرف عليه فذكر، وإلا فأنثى.
وقيل: تنصب له مرآة، وينظر فيها قبله بأن يجلس أمامه وينظر منها له.
وتعقب هذا بأنه لا يجوز النظر إلى صورة العورة، كما لا يجوز النظر لها.
وظاهر إطلاقهم: أنه لا يشترط التكرار، فلو تحققت حياته وبال من أحدهما مرة واحدة ثم مات فالحكم لصاحب المبال.
وظاهره: جواز نظر الصغير، وصرح به ابن يونس، ولو تساوى بوله منهما، ولو تساوى بوله منهما انتظر بلوغه، فإن احتلم من ذكره فذكر.
أو نبتت له لحية دون ثدي فذكر، قال محمد بن سحنون: لأن الأصل نبات الشعر من البيضة اليسرى.
أو نبت له ثدي دون لحية فأنثى، والمراد كبره، وشبهه لثدي النساء، كما قال ابن شاس، فإن نبتا معًا أو لم ينبتا فمشكل.
قال في الصحاح: الثدي يذكر ويؤنث، وهو للمرأة والرجل أيضًا، وجمعه أثد ووثدي على وزن فعول، وثدي أيضًا بكسر الثاء لما بعدها من الكسر.
وقيل: ينظر إلى عدد أضلاعه؛ لأن أضلاع المرأة ثمانية عشر من كل جانب، وأضلاع الرجل من الجانب الأيمن كذلك، ومن الأيسر سبعة عشر؛ لأن اللَّه لما خلق آدم ألقى عليه النوم، ثم أنسل من جانبه الأيسر ضلعًا، فخلق منه حواء.
أو حصل حيض من الفرج فأنثى، أو خرج منه مني وبول فذكر.
[ ٨ / ٣٧٥ ]
ابن هارون: فإذا احتلم وحاض نظر، فإن نبت له لحية فذكر، أو ثدي فأنثى، وإذا حصل شيء من هذه العلامات فلا إشكال، بل هو ذكر محقق أو أنثى.
ويقال (١): أول من حكم في الخنثى عامر بن ضرب العدواني كانت العرب في الجاهلية لا يقع لهم معضلة إلا اختصموا إليه ورضوا بحكمه، فسألوه يومًا عن الخنثى: أيجعله ذكرًا أو أنثى.
فقال: أخروني حتى انظر في أمركم، فواللَّه يا معاشر العرب ما نزل في مثل هذا بينكم.
فبات ليلته ساهرًا منكرًا، فلم يتوجه فيها أمر، وكانت له جارية، يقال لها: سخيلة ترعى له غنما، وكانت تؤخر الصراح والرواح، حتى يسبقها بعض الناس، وكان يعاتبها في ذلك، ويقول: أصبحت يا سخيلة، أمسيت يا سخيلة، فلما رأت سمره وقلقه، قالت له: مالك، لا أبا لك، ما عراك في ليلتك.
فقال: ويلك، دعيني، أمر ليس من شأنك.
ثم عادت له بمثل ذلك، فقال في نفسه: وعسى أن تأتي بفرج، فقال لها: اختصم إليّ في ميراث خنثى: آجعله ذكرًا أم أنثى؟ فواللَّه ما أدري ما أصنع.
فقال: سبحان اللَّه، لا أبا لك، اتبع القضاء.
فقال: فرجتها واللَّه يا سخيلة، أمسي بعدها أو أضحي.
ثم خرج حين أصبح فقضى بذلك، واللَّه سبحانه، وهو الموفق بمنه وكرمه، وختمناه بكليات تزيد على مائة، ذكرناها في الكبير.
وأقول كما قال مؤلف أصله: أسأل اللَّه أن ينفع به من كتبه، أو قرأه،
_________________
(١) هذه القصة كأني بها مختلقة.
[ ٨ / ٣٧٦ ]
أو حصله، أو سعى في شيء منه، ولنختم هنا بالدعاء المأثور عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ-: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، أعوذ بك رب من شر هؤلاء الأربع" (١).
* * *
والحمد للَّه وحده، وصلاته وسلامه على أشرف الخلائق النبي الأمي الصادق المصدق -ﷺ-، وعلى أصحابه وعترته، والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وحسبنا اللَّه ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. قال مؤلفه: وافق الفراغ من اختصاره من الشرح الكبير في اليوم المبارك: العاشر من شهر اللَّه المحرم عام ثلاثة وثلاثين وتسعمائة من الهجرة النبوية على مشرفها الصلاة والسلام
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ١٧، رقم ٢٩١٢٦)، وأحمد (٢/ ٣٤٠، رقم ٨٤٦٩)، وأبو داود (٢/ ٩٢، رقم ١٥٤٨)، والنسائي (٨/ ٢٦٣، رقم ٥٤٦٧)، وابن ماجه (٢/ ١٢٦١، رقم ٣٨٣٧)، والحاكم (١/ ١٨٥، رقم ٣٥٤) وقال: صحيح.
[ ٨ / ٣٧٧ ]