[تعريف الإقرار]
بَابٌ
فِي الْإِقْرَارِ وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِمَا يُوجِبُ حَقًّا عَلَى قَائِلِهِ بِشَرْطِهِ.
(يُؤَاخِذُ مُكَلَّفٌ) لَا صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ (غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ): أَيْ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ لَا سَفِيهٌ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا سَكْرَانُ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِيهَا. وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ الرَّقِيقُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالْمُكَاتَبُ وَالسَّفِيهُ الْمُهْمَلُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالزَّوْجَةُ وَالسَّكْرَانُ وَالرَّقِيقُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِي غَيْرِ الْمَالِ (وَ) غَيْرُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [بَابٌ فِي الْإِقْرَارِ] [تَعْرِيف الْإِقْرَار] اعْلَمْ أَنَّ الْإِقْرَارَ خَبَرٌ كَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ إيجَابِهِ حُكْمًا عَلَى الْمُقِرِّ أَنَّهُ كَبِعْتُ، بَلْ هُوَ خَبَرٌ كَالدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ: أَنَّ الْإِخْبَارَ إنْ كَانَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلَى قَائِلِهِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ لَمْ يُقْصَرْ عَلَى قَائِلِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْمُخْبَرِ فِيهِ نَفْعٌ وَهُوَ الدَّعْوَى أَوْ لَا يَكُونُ فِيهِ نَفْعٌ وَهُوَ الشَّهَادَةُ، وَلَمَّا كَانَ إقْرَارُ الْوَكِيلِ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إنْ كَانَ مُفَوِّضًا، أَوْ جَعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ، نَاسَبَ ذِكْرَ الْإِقْرَارِ عَقِبَهُ. قَوْلُهُ: [بِشَرْطِهِ]: مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الشُّرُوطُ الْآتِيَةُ فِي قَوْلِهِ: " مُكَلَّفٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ وَمُتَّهَمٍ " إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَمُكْرَهٍ]: أَيْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ. قَوْلُهُ: [حُجِرَ عَلَيْهِ]: هَذَا الْقَيْدُ لَهُ مَفْهُومٌ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَالسَّفِيهُ الْمُهْمَلُ وَالْمَحْجُورُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمُعَامَلَاتِ. قَوْلُهُ: [وَالزَّوْجَةُ]: أَيْ فَيَصِحُّ إقْرَارُهَا فِي غَيْرِ الْمَالِ وَفِي الْمَالِ لِغَيْرِ مُتَّهَمٍ عَلَيْهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى ثُلُثِهَا وَفِي ثُلُثِهَا إنْ اُتُّهِمَتْ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي غَيْرِ الْمَالِ رَاجِعٌ لِلسَّكْرَانِ وَالرَّقِيقِ فَقَطْ.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
(مُتَّهَمٍ): خَرَجَ الْمَرِيضُ فِيمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ كَابْنِهِ الْبَارِّ وَزَوْجَتِهِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْهَا وَالصَّحِيحُ الْمُفْلِسُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فَلِسَ فِيهِ إلَّا بِمَا تَجَدَّدَ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (بِإِقْرَارِهِ): مُتَعَلِّقٌ بِيُؤَاخِذُ.
(لِأَهْلٍ) أَيْ: لِقَابِلٍ لِلْإِقْرَارِ لَهُ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ أَوْ الْحَالِ كَحَمْلٍ وَكَمَسْجِدٍ وَحَبْسٍ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ لَهُ يُصْرَفُ فِي إصْلَاحِهِ وَبَقَاءِ عَيْنِهِ كَأَنْ يَقُولَ نَاظِرٌ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ حَبْسٍ: تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِي مَثَلًا لِلْمَسْجِدِ أَوْ لِلْحَبْسِ كَذَا. وَخَرَجَ غَيْرُ الْأَهْلِ كَالدَّابَّةِ وَالْحَجَرِ (لَمْ يُكَذِّبْهُ) صِفَةٌ لِ " أَهْلِ ": أَيْ لِأَهْلٍ غَيْرِ مُكَذِّبٍ لِلْمُقِرِّ فِي إقْرَارِهِ بِأَنْ قَالَ لِلْمُقِرِّ: لَيْسَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ: لَا عِلْمَ لِي وَاسْتَمَرَّ التَّكْذِيبُ فَلَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّكْذِيبُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [خَرَجَ الْمَرِيضُ فِيمَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ]: أَيْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، زَوْجَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَأَمَّا إقْرَارُهُ لِغَيْرِ مُتَّهَمٍ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ وَلَوْ بِأَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ. قَوْلُهُ: [وَالصَّحِيحُ الْمُفْلِسُ]: أَيْ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِأَحَدٍ حَيْثُ كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي فَلَّسَ فِيهِ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى ضَيَاعِ مَالِ الْغُرَمَاءِ. قَوْلُهُ: [إلَّا بِمَا تَجَدَّدَ لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ]: أَيْ لِتَعَلُّقِ الْإِقْرَارِ بِذِمَّتِهِ. قَوْلُهُ: [كَحَمْلٍ]: مِثَالٌ لِمَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ كَمَا إذَا قَالَ: إنَّ لِهَذَا الْحَمْلِ عِنْدِي الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ مَثَلًا، فَالْحَمْلُ قَابِلٌ لِمِلْكِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ. وَقَوْلُهُ: [وَكَمَسْجِدٍ وَحَبْسٍ] مِثَالٌ: لِلْقَابِلِ فِي الْمَآلِ، لِأَنَّ الْمَسْجِدَ قَابِلٌ لِمِلْكِ الْمُقِرِّ بِهِ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْإِصْلَاحِ وَالْحَبْسِ قَابِلٌ لِمِلْكِ الْمُقِرِّ بِهِ مِنْ حَيْثُ أَخْذِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ. قَوْلُهُ: [كَالدَّابَّةِ وَالْحَجَرِ]: أَيْ فَلَا يُؤَاخِذُ بِإِقْرَارِهِ لَهُمَا، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ لِلْحَجْرِ مِنْ أَجْلِ وَضْعِهِ فِي كَسَبِيلٍ أَوْ لِلدَّابَّةِ مِنْ حَيْثُ عَلَفُهَا فِي جِهَادٍ، وَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ لِلْحَبْسِ. قَوْلُهُ: [وَاسْتَمَرَّ التَّكْذِيبُ]: أَيْ وَأَمَّا إنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ لَهُ إلَى تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ وَيَلْزَمُ، مَا لَمْ يَرْجِعْ الْمُقِرُّ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي الْأُولَى عَقِبَ تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ لَهُ فَهَلْ يَلْزَمُ إقْرَارُهُ أَوْ يَبْطُلُ؟ قَوْلَانِ. وَأَمَّا إنْكَارُ الْمُقِرِّ عَقِبَ تَصْدِيقِ الْمُقِرِّ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ
[ ٣ / ٥٢٦ ]
مِنْ بَالِغٍ رَشِيدٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَمْثِلَةِ مَنْ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ فَقَالَ: (كَرَقِيقٍ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَقَرَّ (بِغَيْرِ مَالٍ) كَجُرْحٍ أَوْ قَتْلٍ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ وَكَذَا السَّرِقَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَطْعِ فَقَطْ دُونَ الْمَالِ.
(وَمَرِيضٌ) أَقَرَّ (لِمُلَاطِفٍ، أَوْ) أَقَرَّ (بِقَرِيبٍ) أَيْ لِقَرِيبٍ (لَمْ يَرِثْ؛ كَخَالٍ، أَوْ) أَقَرَّ (لِمَجْهُولٍ حَالُهُ) هَلْ هُوَ قَرِيبٌ أَوْ مُلَاطِفٌ أَوْ لَا، فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ لِمَنْ ذَكَرَ (إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ) ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى. (أَوْ) أَقَرَّ (لِأَبْعَدَ) كَعَمٍّ (مَعَ) وُجُودِ (أَقْرَبَ) كَوَلَدٍ أَوْ أَبٍ أَوْ أَخٍ فَيَلْزَمُ الْإِقْرَارُ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ لِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ مُلَاطِفٍ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا، كَإِقْرَارِ الصَّحِيحِ. (أَوْ) أَقَرَّ مَرِيضٌ (لِزَوْجَتِهِ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا) فَيُؤَاخِذُ بِهِ. وَإِنْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ وَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِ الْمُقِرِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ. قَوْلُهُ: [مِنْ بَالِغٍ رَشِيدٍ]: أَيْ وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالسَّفِيهُ فَلَا يُعْتَبَرُ تَكْذِيبُهُمَا مَا لَمْ يَرْشُدَا وَيَسْتَمِرَّا عَلَى التَّكْذِيبِ. قَوْلُهُ: [أَقَرَّ بِغَيْرِ مَالٍ]: أَيْ وَأَمَّا إقْرَارُهُ بِالْمَالِ، فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ. قَوْلُهُ: [دُونَ الْمَالِ]: أَيْ الْمَسْرُوقِ فَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ إنْ تَلِفَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا مَا لَمْ تَشْهَدْ لِصَاحِبِ الْحَقِّ بَيِّنَةٌ. قَوْلُهُ: [وَمَرِيضٌ أَقَرَّ لِمُلَاطِفٍ]: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَقَرَّ إمَّا أَنْ يُقِرَّ لِوَارِثٍ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، أَوْ لِقَرِيبٍ غَيْرِ وَارِثٍ أَصْلًا أَوْ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ أَوْ لِمَجْهُولٍ حَالُهُ لَا يُدْرَى هَلْ هُوَ قَرِيبٌ أَوْ مُلَاطِفٌ أَوْ أَجْنَبِيٌّ أَوْ يُقِرُّ لِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ صَدِيقٍ، فَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ قَرِيبٍ مَعَ وُجُودِ الْأَبْعَدِ أَوْ الْمُسَاوِي كَانَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ بَاطِلًا، وَإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ بَعِيدٍ كَانَ صَحِيحًا إنْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ أَقْرَبُ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْأَقْرَبُ حَائِزًا لِلْمَالِ أَمْ لَا، وَإِنْ أَقَرَّ لِقَرِيبٍ غَيْرِ وَارِثٍ كَالْخَالِ أَوْ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ أَوْ مَجْهُولٍ حَالُهُ صَحَّ الْإِقْرَارُ إنْ كَانَ لِذَلِكَ الْمُقِرِّ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ صِدِّيقٍ كَانَ الْإِقْرَارُ لَازِمًا كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: [أَوْ أَقَرَّ مَرِيضٌ لِزَوْجَتِهِ]: مِنْ فُرُوعِ إقْرَارِ الزَّوْجِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ
[ ٣ / ٥٢٧ ]
لَمْ يَرِثْهُ وَلَدٌ أَوْ انْفَرَدَتْ بِالصَّغِيرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمِثْلُهُ زَوْجَةٌ مَرِيضَةٌ أَقَرَّتْ لِمَنْ عَلِمَ بُغْضَهَا لَهُ، وَأَمَّا الصَّحِيحُ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا (أَوْ جَهِلَ) بُغْضُهُ لَهَا فَلَمْ يَعْلَمْ (وَوَرِثَهُ وَابْنٌ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا انْفَرَدَ الِابْنُ أَوْ تَعَدَّدَ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا (إلَّا أَنْ تَنْفَرِدَ) مَنْ جَهِلَ حَالُهُ مَعَهَا (بِالصَّغِيرِ) مِنْ أَوْلَادِهِ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَإِنْ انْفَرَدَتْ بِهِ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لَهَا لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ كَبِيرٌ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا أَمْ لَا.
(وَ) فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ لِمَنْ جَهِلَ مَعَهَا (مَعَ بَنَاتٍ) كِبَارٍ لَهُ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ صِغَارٍ مِنْ غَيْرِ (وَعَصَبَتِهِ) كَأَبٍ وَأَخٍ (قَوْلَانِ) بِالصِّحَّةِ، نَظَرًا إلَى أَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ الْبِنْتِ وَعَدِمِهَا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا أَقْرَبُ مِنْ الْعَاصِبِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهَا لَمْ تَنْفَرِدْ بِصَغِيرٍ، وَإِلَّا مُنِعَ قَطْعًا، وَشَبَّهَ فِي الْقَوْلَيْنِ: (كَإِقْرَارِهِ): أَيْ الْمَرِيضِ (لِعَاقٍّ): أَيْ لِوَلَدٍ عَاقٍّ (مَعَ) وُجُودِ وَلَدٍ (بَارٍّ) فِيهِ قَوْلَانِ، هَلْ يَصِحُّ لِلْعَاقِّ نَظَرًا لِعُقُوقِهِ، فَكَأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَخِيهِ الْبَارِّ، أَوْ لَا نَظَرًا لِمُسَاوَاتِهِ لِأَخِيهِ فِي الْوَلَدِيَّةِ.
(أَوْ) إقْرَارُهُ (لِوَارِثٍ) لَهُ كَأُخْتٍ (مَعَ) وُجُودِ وَارِثٍ (أَقْرَبَ) مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ كَأُمٍّ (وَأَبْعَدَ) مِنْهُ، كَعَمٍّ؛ فَهَلْ يَصِحُّ لِلْأُخْتِ مَثَلًا نَظَرًا لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ الْأُمِّ أَوْ لَا يَصِحُّ نَظَرًا لِبُعْدِ الْعَمِّ، قَوْلَانِ.
(لَا) يَصِحُّ إقْرَارٌ (لِلْمُسَاوِي) مَعَ وُجُودِ مُسَاوِيه؛ كَوَلَدَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] جَمِيعَ مَا تَحْتَ يَدِهَا مِلْكٌ لَهَا، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا جَرَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا كَانَ إقْرَارُهُ لَازِمًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلِلْوَارِثِ تَحْلِيفُهَا إنْ ادَّعَى تَجَدُّدَ شَيْءٍ كَمَا فِي (ح) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ وَلَدٌ كَبِيرٌ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا]: أَيْ كَمَا اعْتَمَدَهُ اللَّقَانِيِّ. قَوْلُهُ: [أَوْ صِغَارٌ مِنْ غَيْرٍ]: هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلَّفِ فَيَكُونُ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: [نَظَرًا إلَى أَنَّهَا]: أَيْ الزَّوْجَةَ الْمَجْهُولَ حَالُهُ مَعَهَا.
[ ٣ / ٥٢٨ ]
[صيغة الإقرار]
أَوْ عَمَّيْنِ فَأَوْلَى أَقْرَبُ مَعَ أَبْعَدَ لِظُهُورِ التُّهْمَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ صِيغَتِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ.
وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِهِ الْأَرْبَعَةِ: مُقِرٌّ، وَمُقَرٌّ لَهُ وَبِهِ، وَصِيغَةُ. فَقَالَ: (بِعَلَيَّ) كَذَا أَوْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: عَلَيْك لِي كَذَا، فَقَالَ: عَلَيَّ (وَفِي ذِمَّتِي) لَهُ كَذَا (وَعِنْدِي، وَأَخَذْت مِنْك) كَذَا (وَأَعْطَيْتنِي كَذَا، أَوْ) قَالَ لِمَنْ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي وَنَحْوَهُ: (اصْبِرْ عَلَيَّ بِهِ) فَإِنَّهُ إقْرَارٌ (أَوْ) قَالَ لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ: أَنْتَ (وَهَبْته لِي، أَوْ: بِعْته) لِي، فَإِقْرَارٌ، وَعَلَيْهِ إثْبَاتُ الْهِبَةِ أَوْ الْبَيْعِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ لَهُ وَاسْتَحَقَّهُ، وَقِيلَ: لَا يَحْلِفُ فِي الْهِبَةِ (أَوْ) قَالَ لِمَنْ طَالَبَهُ بِشَيْءٍ: (وَفَّيْته
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [صِيغَةُ الْإِقْرَارِ] قَوْلُهُ: [مُقِرٌّ]: أَيْ وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ: " يُؤَاخِذُ الْمُكَلَّفُ " إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [وَمُقَرٌّ لَهُ]: هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ بِقَوْلِهِ: " لِأَهْلِ " إلَخْ. وَالْمُقَرُّ بِهِ الْمَالُ أَوْ غَيْرُهُ كَالْجِنَايَاتِ. قَوْلُهُ: [بِعَلَيَّ كَذَا]: الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ، وَكَذَا كِنَايَةٌ عَنْ الْعَدَدِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٍ أَوْ: فِي ذِمَّتِي أَلْفٌ أَوْ: لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ أَوْ: أَخَذْت مِنْك أَلْفًا. قَوْلُهُ: [اصْبِرْ عَلَيَّ بِهِ]: أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَخِّرْنِي سَنَةً وَأَنَا أُقِرُّ؛ فَلَا يُعَدُّ إقْرَارًا. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا يَحْلِفُ فِي الْهِبَةِ]: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْيَمِينِ، هَلْ تَتَوَجَّهُ فِي دَعْوَى الْمَعْرُوفِ أَمْ لَا؟ وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي ادَّعَيْت فِيهِ الْهِبَةَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَمْ لَا؟ وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ تُوَجَّهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إنْ كَانَ الْمُدَّعِي حَائِزًا وَإِلَّا فَلَا، وَمَحَلُّ كَوْنِ دَعْوَى الْهِبَةِ أَوْ الْبَيْعِ إقْرَارًا بِالشَّيْءِ إنْ لَمْ تَحْصُلْ الْحِيَازَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّهُ بَاعَهُ لِي أَوْ وَهَبَهُ لِي، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا إقْرَارًا بِالْمِلْكِ. فَفِي (ح) فِي آخِرِ الشَّهَادَاتِ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا حَازَ الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ فِي وَجْهِهِ مُدَّةً تَكُونُ الْحِيَازَةُ فِيهَا حَاصِلَةٌ وَادَّعَاهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ - بِابْتِيَاعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ
[ ٣ / ٥٢٩ ]
[ما لا يثبت به الإقرار]
لَك) فَإِقْرَارٌ وَعَلَيْهِ بَيَانُ الْوَفَاءِ (أَوْ) قَالَ لَهُ: (لَيْسَتْ لِي) عَلَى الْوَفَاءِ (مَيْسَرَةٌ) فَإِنَّهُ مِثْلُ اصْبِرْ عَلَيَّ بِهِ (أَوْ) قَالَ: (نَعَمْ، أَوْ: بَلَى أَوْ: أَجَلْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بِمَعْنَى: نَعَمْ (جَوَابًا) فِي الثَّلَاثَةِ (لِأَلَيْسَ لِي عِنْدَك كَذَا)، وَكَذَا كُلُّ مَا دَلَّ بِوَضْعٍ أَوْ عُرْفٍ أَوْ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ.
(لَا) يَثْبُتُ إقْرَارٌ (بِأُقِرُّ): بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ بِقَوْلِهِ لِلْمُدَّعِي: أُقِرُّ، لِأَنَّهُ وَعْدٌ (أَوْ) بِقَوْلِهِ: (عَلَيَّ وَعَلَى فُلَانٍ) لِأَنَّهُ تَهَكُّمٌ أَوْ اسْتِفْهَامٌ (أَوْ) بِقَوْلِهِ: (مِنْ أَيِّ ضَرْبٍ تَأْخُذُهَا؟ مَا أَبْعَدَك مِنْهَا،) لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّهَكُّمِ، فَلَوْ حَذَفَ مَا أَبْعَدَك مِنْهَا فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا أَيْضًا لَكِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْإِقْرَارَ - قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(أَوْ) عَلَّقَ إقْرَارَهُ عَلَى شَرْطٍ كَقَوْلِهِ (لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ اسْتَحَلَّهَا) فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] صَدَقَةٍ - كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ. قَالَ (ح) عَقِبَهُ: وَسَوَاءٌ ادَّعَى صَيْرُورَةَ ذَلِكَ مِلْكًا مِنْ غَيْرِ الْمُدَّعِي أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِلْكًا مِنْ الْمُدَّعِي، أَمَّا فِي الْبَيْعِ فَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَأَمَّا فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ (اهـ. بْن) . قَوْلُهُ: [وَكَذَا كُلُّ مَا دَلَّ بِوَضْعٍ]: أَيْ مِنْ بَاقِي أَحْرُفِ الْجَوَابِ كَجَيْرِ وَأَيْوَهْ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ عُرْفٍ]: كَقَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: حَاضِرٌ أَوْ: عَلَى رَأْسِي أَوْ: خُذْ مِنْ عَيْنِي أَوْ وَصَلَ جَمِيلُك. قَوْلُهُ: [أَوْ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ]: أَيْ كَقَوْلِهِ فِي الْجَوَابِ: جَزَاك اللَّهُ عَنَّا فِي صَبْرِك عَلَيْنَا خَيْرًا، وَمَا فِي مَعْنَاهُ. [مَا لَا يَثْبُت بِهِ الْإِقْرَار] قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ وَعَدَ]: أَيْ بِالْإِقْرَارِ وَكَذَا إذَا قَالَ: لَا أَقْرَبُهَا، فَلَيْسَ إقْرَارًا وَلَا وَعْدًا بِهِ. وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ: لِي عَلَيْك مِائَةٌ، فَسَكَتَ فَحَكَى (ح) الْخِلَافَ فِي كَوْنِ السُّكُوتِ إقْرَارًا أَوْ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ إنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَذَكَرَ أَيْضًا: أَنْ مِمَّا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ إذَا قَالَ لَهُ: لِي عِنْدَك عَشَرَةٌ، فَقَالَ: وَأَنَا الْآخَرُ لِي عِنْدَك عَشَرَةٌ، وَهُوَ مُسْتَغْرَبٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ وَأَنَا أَكْذِبُ عَلَيْهِ بِأَنَّ لِي عِنْدَك عَشَرَةً كَمَا كَذَبْت عَلَيَّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ تَهَكُّمٌ أَوْ اسْتِفْهَامٌ]: أَيْ لَا يَخْلُو مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ: [لَكِنَّهُ يَحْلِفُ]: أَيْ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي التَّهَكُّمِ.
[ ٣ / ٥٣٠ ]
(أَوْ) إنْ (أَعَارَنِي كَذَا) فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
(أَوْ) قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ (إنْ حَلَفَ) فَحَلَفَ فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ ظَنَنْت أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ بَاطِلًا وَهَذَا إذَا كَانَ (فِي غَيْرِ دَعْوَى) عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ وَإِلَّا لَزِمَهُ.
(أَوْ) قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا (إنْ شَهِدَ فُلَانٌ) فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا لَكِنَّهُ إنْ شَهِدَ وَكَانَ عَدْلًا عُمِلَ بِشَهَادَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثَانٍ أَوْ يَمِينٍ (أَوْ): لَهُ عَلَيَّ كَذَا (إنْ شَاءَ) فُلَانٌ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
(أَوْ) قَالَ: (اشْتَرَيْت مِنْهُ خَمْرًا بِأَلْفٍ) فَلَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ فِي ذِمَّتِهِ.
(أَوْ): اشْتَرَيْت مِنْهُ (عَبْدًا) بِكَذَا (لَمْ أَقْبِضْهُ) مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يُوجِبُ عِمَارَةَ الذِّمَّةِ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ: بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَأُجِيبَ: بِحَمْلِهِ عَلَى عَبْدٍ غَائِبٍ بِيعَ عَلَى الصِّفَةِ، أَيْ فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إلَّا بِالْقَبْضِ وَفِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ عِبَارَتَهُمْ مُطْلَقَةٌ. وَأَجَابَ بَعْضٌ: بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُشْتَرِي
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ ظَنَنْت أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ]: وَيُقَالُ مِثْلُ هَذَا التَّعْلِيلِ فِي الِاسْتِحْلَالِ وَالْعَارِيَّةِ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ دَعْوَى]: الْمُرَادُ بِالدَّعْوَى الْمُطَالَبَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ كَذَا إنْ حَكَمَ بِهَا فُلَانٌ لِرَجُلٍ سَمَّاهُ فَحَكَمَ بِهَا عَلَيْهِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَيَّدَ بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ فَشَاءَ فَلَا يَلْزَمُهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [لَكِنَّهُ إنْ شَهِدَ]: إنْ قِيلَ إذَا كَانَ عَدْلًا فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِذَلِكَ أَمْ لَا فَمَا فَائِدَةُ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَفَادَ تَسْلِيمَهُ لِشَهَادَتِهِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِإِعْذَارٍ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ الْإِعْذَارُ لِأَنَّهُ يَقُولُ ظَنَنْت أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ. قَوْلُهُ: [بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ]: أَيْ اللَّازِمِ الَّذِي لَيْسَ لِي فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ عِبَارَتَهُمْ] إلَخْ: عِلَّةٌ لِلْبُعْدِ. قَوْلُهُ: [وَأَجَابَ بَعْضٌ]: الْمُرَادُ بِهِ (ح) كَمَا قَالَ (بْن) .
[ ٣ / ٥٣١ ]
يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوَّلًا عِنْدَ التَّنَازُعِ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالتَّسْلِيمِ اقْتَضَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: حَقُّ الْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ لِي حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ مِنِّي، وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ، أَوْ: فِي ذِمَّتِي كَذَا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَقَالَ الْمُدَّعِي: بَلْ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ مَثَلًا فَيَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِعِمَارَةِ ذِمَّتِهِ، وَيُعَدُّ قَوْلُهُ مِنْ خَمْرٍ نَدَمًا لَا يَنْفَعُهُ.
(أَوْ) قَالَ لِمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِكَذَا لِيَأْخُذَهُ مِنْهُ: (أَقْرَرْت بِهِ) لَك (وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ) وَأَنَا (مُبَرْسَمٌ) وَالْبِرْسَامُ: نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (إنْ عَلِمَ تَقَدُّمَهُ): أَيْ الْبِرْسَامِ (لَهُ) . وَعَلَى الْمُدَّعِي إثْبَاتُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ حَالَ عَقْلِهِ.
(أَوْ أَقَرَّ) لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ شَيْئًا. إعَارَةً أَوْ شِرَاءً (اعْتِذَارًا) بِأَنَّهُ لِابْنِي أَوْ زَوْجَتِي أَوْ لِفُلَانٍ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ إعْطَائِهِ لِلطَّالِبِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُعْتَذَرُ لَهُ كَكَوْنِهِ ذَا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوْ لَا] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا وَالْمُثَمَّنُ عَرَضًا كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ. قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي كَذَا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ] إلَخْ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْمَتْنِ أَنَّ هَذَا إقْرَارٌ عُرْفًا بِسَبَبِ تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي. بِخِلَافِ قَوْلِهِ اشْتَرَيْت عَبْدًا لَمْ أَقْبِضْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَيْت لَا يَقْتَضِي قَبْضًا بِخِلَافِ عَلَيَّ وَفِي ذِمَّتِي فَإِنَّهُ مُقْتَضٍ لِلْقَبْضِ. قَوْلُهُ: [وَيُعَدُّ قَوْلُهُ مِنْ خَمْرٍ نَدَمًا]: أَيْ كَمَا يُعَدُّ قَوْلُهُ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ نَدَمًا لَا يَنْفَعُهُ. قَوْلُهُ: [أَقْرَرْت بِهِ لَك وَأَنَا صَبِيٌّ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ قَالَ ذَلِكَ نَسَقًا وَلَمْ تُكَذِّبْهُ الْبَيِّنَةُ، وَمِثْلُهُ، لَوْ قَالَ: أَقْرَرْت بِكَذَا قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، لِأَنَّهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِهْزَاءِ. فَلَوْ قَالَ: أَقْرَرْت وَلَمْ أَدْرِ أَكُنْت صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ بُلُوغُهُ حِينَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْبُلُوغِ بِخِلَافِ لَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي أَكُنْت عَاقِلًا أَمْ لَا، فَيَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَقْلُ. قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ مِثْلُهُ يُعْتَذَرُ لَهُ]: هَذَا الْقَيْدُ لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ، وَاعْتَرَضَهُ
[ ٣ / ٥٣٢ ]
وَجَاهَةٍ أَوْ صَاحِبَ وِلَايَةٍ وَإِلَّا لَزِمَهُ.
(أَوْ) أَقَرَّ (شُكْرًا) كَمَا لَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي فُلَانٌ مِائَةً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَقَضَيْته لَهُ (أَوْ ذَمًّا) كَمَا لَوْ قَالَ: أَقْرَضَنِي فُلَانٌ كَذَا ثُمَّ ضَايَقَنِي حَتَّى قَضَيْته لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.
(وَقِيلَ) عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ (أَجَلُ مِثْلِهِ): وَهُوَ الَّذِي لَا يُتَّهَمُ فِيهِ الْمُبْتَاعُ عَادَةً لِجَرَيَانِهَا فِي مِثْلِهِ (فِي بَيْعٍ) وَفَاتَتْ فِيهِ السِّلْعَةُ، وَإِلَّا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يُنْظَرُ لِشَبَهٍ. فَإِنْ اُتُّهِمَ الْمُبْتَاعُ فَالْقَوْلُ لِلْبَائِعِ بِيَمِينِهِ.
(لَا) فِي (قَرْضٍ) بَلْ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُقْرِضِ أَنَّهُ عَلَى الْحُلُولِ بِيَمِينِهِ، حَصَلَ فَوْتٌ أَوْ لَا حَيْثُ لَا شَرْطٌ وَلَا عُرْفٌ، وَإِلَّا عَمِلَ بِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي
_________________
(١) [حاشية الصاوي] ر): بِأَنَّ الَّذِي فِي السَّمَاعِ الْإِطْلَاقُ، فَمَتَى أَقَرَّ اعْتِذَارًا فَلَا يَأْخُذُهُ الْمُقَرُّ لَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَانَ السَّائِلُ مِمَّنْ يُعْتَذَرُ لَهُ أَمْ لَا، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ الِاعْتِذَارِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يَدَعْهُ بِأَنْ مَاتَ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقُ (اهـ بْن) قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِلسُّلْطَانِ: هَذِهِ الْأَمَةُ وَلَدَتْ مِنِّي وَهَذَا الْعَبْدُ مُدَبَّرٌ، لِئَلَّا يَأْخُذَهُمَا، فَلَا يَلْزَمُهُ وَلَا شَهَادَةَ فِيهِ، وَمِثْلُهُ مَا يَقُولُهُ الْإِنْسَانُ حِمَايَةً كَأَنْ يَقُولَ صَاحِبُ سَفِينَةٍ أَوْ فَرَسٍ، عِنْدَ إرَادَةِ ذِي شَوْكَةٍ أَخْذَهَا: أَنَّهَا لِفُلَانٍ، وَيُرِيدُ شَخْصًا يَحْمِي مَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا لَهُ. قَوْلُهُ: [أَجَلُ مِثْلِهِ]: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِمَالٍ حَالٍّ مِنْ بَيْعٍ فَأَجَابَ بِالِاعْتِرَافِ، وَأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ، فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ جَارِيَةً بِالتَّأْجِيلِ لَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ عَدَمَ التَّأْجِيلِ أَصْلًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرِفَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُقِرُّ أَجَلًا قَرِيبًا يُشْبِهُ أَنْ تُبَاعَ السِّلْعَةُ لَهُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا لَا يُشْبِهُ التَّأْجِيلَ لَهُ عَادَةً، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينٍ. هَذَا إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً تَحَالُفًا وَتَفَاسُخًا وَلَا يُنْظَرُ لِشَبَهٍ وَلَا لِعَدَمِهِ، وَأَمَّا الْقَرْضُ فَالْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ لَهُ بِيَمِينِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ بِالتَّأْجِيلِ وَلَا عَادَةً وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. قَوْلُهُ: [فَإِنْ اتَّهَمَ الْمُبْتَاعَ]: أَيْ بِأَنْ ادَّعَى أَجَلًا لَا يُشْبِهُ. قَوْلُهُ: [بَلْ الْقَوْلُ فِيهِ لِلْمُقْرِضِ]: أَيْ وَلَوْ ادَّعَى الْمُقْتَرَضُ فِيهِ أَجَلًا قَرِيبًا.
[ ٣ / ٥٣٣ ]
[تفسير الإقرار]
الْقَرْضِ الْحُلُولُ أَيْ بَعْدَ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي ذِمَّتِهِ وَادَّعَى تَأْجِيلَهُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ وَأَشْبَهَ فِي دَعْوَى الْأَجَلِ بِيَمِينِهِ. وَإِلَّا يُشْبِهُ - أَوْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ - فَالْقَوْلُ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينِهِ، هَذَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ. وَلَا الْتِفَاتَ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ: إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ فِي أَنَّ الْقَوْلَ لِرَبِّ الْمَالِ فَإِنَّهُ غَفْلَةٌ عَمَّا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَ) قُبِلَ (تَفْسِيرُ الْأَلْفِ فِي) قَوْلِهِ لَهُ: عَلَيَّ (أَلْفٍ وَدِرْهَمٍ) بِأَيِّ شَيْءٍ يَذْكُرُهُ وَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُهُ عَلَى مَا فُسِّرَ بِهِ أَلْفٌ إنْ اتَّهَمَهُ أَوْ خَالَفَهُ. وَلَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مُعَيِّنًا لِكَوْنِ الْأَلْفِ مِنْ الدَّرَاهِمِ. وَقَوْلُهُ: " أَلْفٌ وَدِرْهَمُ " أَيْ مَثَلًا فِيهِمَا.
(وَ) قُبِلَ تَفْسِيرُ (الشَّيْءِ وَ) تَفْسِيرِ (كَذَا) فِي قَوْلِهِ لَهُ: عَلَيَّ شَيْءٌ، أَوْ: لَهُ عَلَيَّ كَذَا (وَسُجِنَ لَهُ) أَيْ لِلتَّفْسِيرِ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ.
(لَا) يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ (بِجِذْعٍ أَوْ بَابٍ فِي) قَوْلِهِ: (مِنْ هَذِهِ الدَّارِ) شَيْءٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ كَذَا (أَوْ): لَهُ مِنْ هَذِهِ (الْأَرْضِ) شَيْءٌ أَوْ حَقٌّ بِ " مِنْ " (كَ: فِي): أَيْ كَمَا لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالْجِذْعِ أَوْ الْبَابِ إذَا قَالَ: لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، أَوْ: فِي هَذِهِ الْأَرْضِ شَيْءٌ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ الشَّيْخِ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ " مِنْ " وَ" فِي "، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْسِيرِ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَرُبْعِهَا أَوْ قِيرَاطٍ مِنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالْجِذْعِ وَالْبَابِ فِي " فِي " دُونَ " مِنْ " لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ " وَفِي " لِلظَّرْفِيَّةِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْهَا]: أَيْ لَا بُدَّ مِنْ زَمَنٍ يَمْضِي يَتَمَكَّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْقَرْضِ فِيهِ. [تَفْسِيرُ الْإِقْرَارِ] قَوْلُهُ: [عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ أَلْفٌ]: هَكَذَا بِالتَّنْكِيرِ وَالرَّفْعِ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى سَبِيلِ حِكَايَةِ لَفْظِ الْمَتْنِ، وَإِلَّا فَحَقُّ التَّعْبِيرِ: عَلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْأَلْفُ. قَوْلُهُ: [وَلَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مَثَلًا مُعَيَّنًا]: أَيْ عَطَفَ الدِّرْهَمَ عَلَى الْأَلْفِ بَلْ لَهُ أَنْ يُفَسِّرَ الْأَلْفَ بِعَبِيدٍ أَوْ دَنَانِيرَ مَثَلًا. قَوْلُهُ: [وَسُجِنَ لَهُ]: أَيْ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُقِرَّ قَبْلَ قَوْلِ الْمُقَرِّ لَهُ إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ. قَوْلُهُ: [وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ]: مُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْآتِي.
[ ٣ / ٥٣٤ ]
(وَلَزِمَ فِي مَالٍ): أَيْ قَوْلُهُ: لَهُ عِنْدِي أَوْ فِي ذِمَّتِي مَالٌ (نِصَابٌ): أَيْ نِصَابُ زَكَاةٍ مِنْ مَالِ الْمُقِرِّ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ وَقِيلَ: يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ كَالشَّيْءِ وَلَوْ بِدِرْهَمٍ أَوْ أَقَلَّ.
(وَ) لَزِمَهُ فِي (بِضْعٍ أَوْ دَرَاهِمَ): أَيْ فِي قَوْلِهِ: لَهُ فِي ذِمَّتِي بِضْعٌ، أَوْ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ (ثَلَاثَةٌ) وَلَزِمَهُ فِي قَوْلِهِ: بِضْعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ (وَ) فِي قَوْلِهِ: لَهُ عِنْدِي (دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ) لَزِمَهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَبَادِئِ الْكَثْرَةِ بَعْدَ مُطْلَقِ الْجَمْعِ (أَوْ) قَالَ: (لَا كَثِيرَةٌ وَلَا قَلِيلَةٌ) لَزِمَهُ (أَرْبَعَةٌ وَ) لَزِمَهُ فِي قَوْلِهِ:
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ فِي مَالٍ]: أَيْ وَسَوَاءٌ قَالَ عَظِيمٌ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ: وَلَهُ عَلَيَّ مَالٌ قِيلَ: نِصَابٌ وَقِيلَ: رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ. دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: تَفْسِيرُهُ وَمَالٌ عَظِيمٌ قَبْلَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: مَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ وَقِيلَ: قَدْرُ الدِّيَةِ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [مِنْ مَالِ الْمُقِرِّ]: أَيْ وَلَا يُنْظَرُ لِمَالِ الْمُقَرِّ لَهُ عِنْدَ التَّخَالُفِ، فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ لَزِمَهُ نِصَابٌ مِنْ الذَّهَبِ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفِضَّةِ لَزِمَهُ نِصَابٌ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَاشِيَةِ لَزِمَهُ نِصَابٌ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَبِّ لَزِمَهُ نِصَابٌ مِنْهُ، فَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُلِّ لَزِمَهُ أَقَلُّ الْأَنْصِبَاءِ قِيمَةً لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا تَلْزَمُ بِمَشْكُوكٍ فِيهِ، وَلِذَا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ نِصَابٌ لَزِمَهُ نِصَابُ السَّرِقَةِ لِأَنَّهُ الْمُحَقَّقُ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ الْعُرْفُ بِنِصَابِ الزَّكَاةِ وَإِلَّا لَزِمَهُ. قَوْلُهُ: [وَلَزِمَهُ فِي بِضْعٍ] إلَخْ: إنَّمَا لَزِمَهُ الثَّلَاثَةُ فِي الْبِضْعِ لِأَنَّ الْبِضْعَ أَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ فَيَلْزَمُهُ الْمُحَقَّقُ. قَوْلُهُ: [بَعْدَ مُطْلَقِ الْجَمْعِ]: أَيْ لِأَنَّ الصَّحِيحَ مُسَاوَاةُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ لِلْقِلَّةِ فِي الْمَبْدَأِ وَالذِّمَّةِ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِمُحَقَّقٍ وَالْمُحَقَّقُ مِنْ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَأَيْضًا مَحَلُّ افْتِرَاقِ مَبْدَئِهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ حَيْثُ كَانَ لِكُلٍّ صِيغَةٌ وَإِلَّا اُسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ. قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ لَا كَثِيرَةً وَلَا قَلِيلَةً]: إنَّمَا لَزِمَهُ الْأَرْبَعَةُ فِي هَذَا لِحَمْلِ الْكَثْرَةِ الْمَنْفِيَّةِ عَلَى ثَانِي مَرَاتِبِهَا وَهُوَ الْخَمْسَةُ، وَحَمْلِ الْقِلَّةِ الْمَنْفِيَّةِ عَلَى أَوَّلِ مَرَاتِبِهَا وَإِلَّا لَزِمَ التَّنَاقُضُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ نَافِيًا لَهَا بِقَوْلِهِ لَا كَثِيرَةً وَمُثْبِتًا لَهَا بِقَوْلِهِ وَلَا قَلِيلَةً.
[ ٣ / ٥٣٥ ]
[الاستثناء في الإقرار]
لَهُ عِنْدِي (دَرَاهِمُ): الدِّرْهَمُ (الْمُتَعَارَفُ) بَيْنَهُمْ وَلَوْ نُحَاسًا كَمَا فِي عُرْفِ مِصْرَ (وَإِلَّا) يَكُنْ بَيْنَهُمْ دِرْهَمٌ مُتَعَارَفٌ (فَالشَّرْعِيُّ): أَيْ يَلْزَمُهُ الدِّرْهَمُ الشَّرْعِيُّ، لَكِنَّهُ إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِالشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ مَا فَسَّرَ بِهِ الْمُقِرُّ مَعَ يَمِينِهِ (وَقُبِلَ غِشُّهُ وَنَقْصُهُ إنْ وَصَلَ) ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ بِأَنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مَغْشُوشٌ أَوْ نَاقِصٌ. فَإِنْ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ وَلَزِمَهُ دِرْهَمٌ خَالِصٌ كَامِلٌ وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِسُعَالٍ أَوْ عُطَاسٍ بِخِلَافِ سَلَامٍ أَوْ رَدَّهُ.
(وَ) لَزِمَهُ (الْأَلْفُ فِي) قَوْلِهِ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ (مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ): لِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، مِنْ بَابِ رَفْعِ الْوَاقِعِ فَيُعَدُّ نَدَمًا فَلَا يُعْتَبَرُ. بِخِلَافِ: اشْتَرَيْت مِنْهُ خَمْرًا بِأَلْفٍ كَمَا تَقَدَّمَ (وَنَحْوِهِ): أَيْ الْخَمْرِ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِنَجَاسَتِهِ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ (عَبْدٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ وَإِنْ نُوكِرَ) فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ الْمُدَّعِي فِي الْأَوَّلِ: بَلْ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ، أَوْ قَالَ فِي الثَّانِي: بَلْ قَبَضْته.
(كَدَعْوَى أَنَّهَا): أَيْ الْأَلْفَ الَّذِي عَلَيْهِ (مِنْ رِبَا): وَقَالَ الْمُدَّعِي: بَلْ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ (وَأَقَامَ) الْمُقِرُّ (بَيِّنَةً) تَشْهَدُ لَهُ (بِأَنَّهُ): أَيْ الْمُقَرُّ لَهُ (رَابَاهُ بِأَلْفٍ) فَيَلْزَمُهُ وَلَا تَنْفَعُهُ بَيِّنَتُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رَابَاهُ فِي غَيْرِ مَا أَقَرَّ بِهِ (إلَّا أَنْ يُقِيمَهَا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي) وَهُوَ الْمُقَرُّ لَهُ (أَنَّهُ لَمْ يُعَامِلْهُ إلَّا بِالرِّبَا، فَرَأْسُ الْمَالِ) يَلْزَمُهُ لَا مَا زَادَ عَلَيْهِ.
(وَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا): أَيْ فِي الْإِقْرَارِ (كَغَيْرِهِ) فَيُفِيدُ؛ فَإِذَا قَالَ: لَهُ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [كَمَا فِي عُرْفِ مِصْرَ]: أَيْ فَإِنَّ الْمُتَعَارَفَ فِي بَعْضِ الْقُرَى وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ أَنَّهُ الْفَلْسُ مِنْ النُّحَاسِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ بَيْنَهُمْ دِرْهَمٌ مُتَعَارَفٌ فَالشَّرْعِيُّ]: إنَّمَا أَخَّرَ الشَّرْعِيَّ لِأَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ مُقَدَّمٌ فِي بَابِ الْيَمِينِ وَبَابِ الْإِقْرَارِ. قَوْلُهُ: [وَقَبْلَ غِشِّهِ وَنَقْصِهِ]: أَيْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَغْشُوشٌ وَنَاقِصٌ سَوَاءٌ جَمَعَهُمَا أَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ كَامِلٌ أَوْ خَالِصٌ. وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ فِي قَدْرِ النَّقْصِ أَوْ الْغِشِّ. [الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ] قَوْلُهُ: [كَغَيْرِهِ]: أَيْ مِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءُ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ
[ ٣ / ٥٣٦ ]
أَلْفٌ إلَّا مِائَةً لَزِمَهُ تِسْعُمِائَةٍ. وَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَمَانِيَةً لَزِمَهُ اثْنَانِ (وَصَحَّ) هُنَا الِاسْتِثْنَاءُ الْمَعْنَوِيُّ نَحْوَ قَوْلِهِ: (لَهُ الدَّارُ وَالْبَيْتُ لِي. أَوْ): لَهُ (الْخَاتَمُ وَفَصُّهُ لِي إنْ وَصَلَ) ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ، لَا إنْ لَمْ يَصِلْهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ أَشْهَدَ فِي ذُكْرٍ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْوَثِيقَةُ (بِمِائَةٍ، وَفِي أُخْرَى بِمِائَةٍ) وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَتَى بِوَثِيقَتَيْنِ، كُلٌّ فِيهَا مِائَةٌ، وَأَشْهَدَ بِهِمَا (فَالْمِائَتَانِ): لِأَنَّ الْأَذْكَارَ أَمْوَالٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْكِتَابَةِ فَمَالٌ وَاحِدٌ عَلَى التَّحْقِيقِ؛ كَمَا إذَا أَقَرَّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ بِأَنَّ عَلَيْهِ لِفُلَانٍ مِائَةً ثُمَّ أَقَرَّ عِنْدَ آخَرِينَ بِأَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] بِشَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ يَتَّصِلَ الْمُسْتَثْنَى بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إلَّا لِعَارِضٍ، وَأَنْ يَنْطِقَ بِهِ وَلَوْ سِرًّا فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْمَعَ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ، وَأَلَّا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا وَلَا مُسَاوِيًا فَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي بَاطِلٌ، وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِبْقَاءُ أَقَلِّهِ نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً خِلَافًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِذَا تَعَدَّدَ الِاسْتِثْنَاءُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مُخَرَّجٌ مِمَّا قَبْلَهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا وَاحِدًا فَالْوَاحِدُ مُسْتَثْنًى مِنْ الِاثْنَيْنِ يَبْقَى مِنْهُمَا وَاحِدٌ مُسْتَثْنًى مِنْ الْأَرْبَعَةِ يَبْقَى مِنْهَا ثَلَاثَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْعَشَرَةِ يَبْقَى سَبْعَةٌ هِيَ الْمُقَرُّ بِهَا. قَوْلُهُ: [نَحْوُ قَوْلِهِ لَهُ الدَّارُ وَالْبَيْتُ لِي]: أَيْ فَهُوَ فِي رَاجِعِ جَمِيعِ الدَّارِ لَهُ إلَّا الْبَيْتَ، فَإِنْ تَعَدَّدَتْ بُيُوتُهَا وَلَمْ يُعَيَّنْ أَمَرَ بِتَعْيِينِهِ وَقُبِلَ مِنْهُ. قَوْلُهُ: [وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: بِمَعْنَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ إلَخْ لِأَنَّ شَأْنَ الْحَاصِلِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَتْمِيمِ الْكَلَامِ لَا فِي أَثْنَاءِ الْحَلِّ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْأَذْكَارَ أَمْوَالٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] إلَخْ: حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَنَّ الْمُقِرَّ إذَا كَتَبَ الْوَثِيقَتَيْنِ أَوْ أَمَرَ بِكَتْبِهِمَا وَأَشْهَدَ عَلَى مَا فِيهِمَا وَلَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ أَوْ بَيَّنَهُ فِيهِمَا وَكَانَ مُتَّحِدًا فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا فِي الْوَثِيقَتَيْنِ، سَوَاءٌ اتَّحِدْ الْقَدْرُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْكِتَابَةِ أَوْ الْمُصَاحِبِ لِكِتَابَةِ الْمُقَرِّ لَهُ إذَا تَعَدَّدَ فَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ أَوَّلًا وَثَانِيًا مُتَّحِدَ الْقَدْرِ لَزِمَهُ أَحَدُ الْإِقْرَارَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفَ الْقَدْرِ لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ مِنْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
[ ٣ / ٥٣٧ ]
مِائَةً، فَمِائَةٌ فَقَطْ؛ وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَ السَّبَبِ وَاتَّفَقَا قَدْرًا وَصِفَةً وَإِلَّا فَالْمِائَتَانِ، نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ مِنْ بَيْعٍ، ثُمَّ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ قَالَ: مِائَةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ، ثُمَّ: مِائَةٌ يَزِيدِيَّةٌ.
(وَإِنْ أَبْرَأَ) إنْسَانٌ (شَخْصًا مِمَّا لَهُ قِبَلَهُ، أَوْ) أَبْرَأَهُ (مِنْ كُلِّ حَقٍّ) لَهُ عَلَيْهِ (أَوْ أَبْرَأهُ) وَأَطْلَقَ، (بَرِئَ مُطْلَقًا) مِمَّا فِي الذِّمَّةِ وَغَيْرِهَا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا.
(حَتَّى مِنْ السَّرِقَةِ) مِنْ (حَدِّ الْقَذْفِ): إنْ كَانَ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ قَذَفَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامُ. وَأَمَّا قَطْعُ الْيَدِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، وَحِينَئِذٍ: (فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ) عَلَيْهِ (بِشَيْءٍ، وَإِنْ) كَانَ حَقًّا مَكْتُوبًا (بِصَكٍّ)، أَيْ وَثِيقَةٍ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ (أَنَّهُ): أَيْ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ وَقَعَ (بَعْدَ الْإِبْرَاءِ)
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْمِائَتَانِ]: أَيْ بِأَنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ أَوْ اخْتَلَفَ الْقَدْرُ أَوْ الصِّفَةُ. قَوْلُهُ: [نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ مِنْ بَيْعٍ]: مِثَالٌ لِاخْتِلَافِ السَّبَبِ. وَقَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ مِائَةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ]: مِثَالٌ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُمَثِّلْ لِاخْتِلَافِ الْقَدْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا إذَا قَالَ: مِائَةٌ، وَفِي مَجْلِسٍ آخَرَ قَالَ: مِائَتَانِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ. قَوْلُهُ: [بَرِئَ مُطْلَقًا]: أَيْ حَيْثُ كَانَتْ الْبَرَاءَةُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الصِّيَغِ الثَّلَاثِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامُ]: أَيْ فَإِنْ بَلَغَهُ فَلَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ السِّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ إبْرَاؤُهُ وَلَوْ بَلَغَ الْإِمَامُ. تَتِمَّةً: ظَاهِرُ النُّصُوصِ أَنَّ الْبَرَاءَةَ تَنْفَعُ حَتَّى فِي الْآخِرَةِ فَلَا يُؤَاخِذُ الْعَبْدُ عِنْدَ اللَّهِ بِحَقٍّ جَحَدَهُ وَأَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مُطَالَبَةُ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ بِحَقِّ خَصْمِهِ. وَلَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُبْرِئَ النَّاسَ مِنْ حَقِّ الْمَحْجُورِ الْبَرَاءَةَ الْعَامَّةَ، وَإِنَّمَا يُبْرِئُ عَنْهُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ. وَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ بِقُرْبِ رُشْدِهِ، وَلَا يُبْرِئُ وَصِيُّهُ إلَّا مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ وَلَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ الْعَامَّةُ حَتَّى يَطُولَ رُشْدُهُ كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ. وَكَذَلِكَ لَا يُبْرِئُ الْقَاضِي النَّاظِرُ فِي الْأَحْبَاسِ وَالْمُبَارَاةِ الْعَامَّةَ وَإِنَّمَا يُبْرِئُهُ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ. وَإِبْرَاؤُهُ عُمُومًا جَهْلٌ مِنْ الْقُضَاةِ.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
فَلَهُ الْقِيَامُ حِينَئِذٍ بِهِ.
(وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِمَّا مَعَهُ، بَرِئَ مِنْ الْأَمَانَةِ) الَّتِي عِنْدَهُ كَالْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ (لَا) مِنْ (الدَّيْنِ) الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ.
(وَ) إنْ أَبْرَأَ (مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ فَالْعَكْسُ): أَيْ فَيَبْرَأُ مِنْ الدَّيْنِ لَا الْأَمَانَةِ، لِأَنَّ الْأَمَانَةَ لَيْسَتْ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِمَّا عِنْدَهُ بَرِئَ مِنْهُمَا عِنْدَ الْمَازِرِيِّ وَمِنْ الْأَمَانَةِ فَقَطْ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَعِنْدَهُ أَمَانَةٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا أَحَدُهُمَا بَرِئَ مِنْهُ.
(وَعَمِلَ بِالْعُرْفِ وَقُوَّةِ الْقَرَائِنِ): فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ مُسَاوَاةً " مَعَ " ل " عَلَيَّ " وَ" عِنْدِي "، بَرِئَ مُطْلَقًا. كَمَا لَوْ قَامَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ تَخْصِيصٍ أَوْ إطْلَاقٍ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٣ / ٥٣٩ ]
[فصل في الاستلحاق وأحكامه]
[تعريف الاستلحاق]
فَصْلٌ فِي الِاسْتِلْحَاقِ وَأَحْكَامِهِ (الِاسْتِلْحَاقُ) فِي الْعُرْفِ (إقْرَارُ ذَكَرٍ) لَا أُنْثَى فَلَا اسْتِلْحَاقَ لِأُمِّ (مُكَلَّفٍ) وَلَوْ سَفِيهًا خَرَجَ الْمَجْنُونُ وَالْمُكْرَهُ كَالصَّبِيِّ (أَنَّهُ أَبٌ لِمَجْهُولٍ نَسَبُهُ): وَلَوْ كَذَّبَتْهُ أُمُّهُ لَتَشَوَّفَ الشَّارِعُ لِلُحُوقِ النَّسَبِ. لَا لِمَقْطُوعٍ نَسَبُهُ كَوَلَدِ الزِّنَا الْمَعْلُومِ أَنَّهُ مِنْ زَنَى، وَلَا لِمَعْلُومٍ نَسَبُهُ. وَيُحَدُّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَبُوهُ حَدَّ الْقَذْفِ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالزِّنَا، فَحَدُّ الزِّنَا أَيْضًا.
وَإِذَا أَقَرَّ أَنَّ مَجْهُولَ النَّسَبِ ابْنُهُ لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ. (إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ عَقْلٌ لِصِغَرِهِ): أَيْ مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ (أَوْ عَادَةٌ):
_________________
(١) [حاشية الصاوي] [فَصْلٌ فِي الِاسْتِلْحَاقِ وَأَحْكَامِهِ] [تَعْرِيف الِاسْتِلْحَاق] أُتْبِعَ الِاسْتِلْحَاقُ بِالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ لِشَبَهِهِ بِهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَقَوْلُهُ: [فِي الِاسْتِلْحَاقِ]: أَيْ فِي تَعْرِيفِهِ، وَالْمُرَادُ بِأَحْكَامِهِ: مَسَائِلُهُ. قَوْلُهُ: [فَلَا اسْتِلْحَاقَ لِأُمٍّ]: أَيْ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَبِ دِنْيَةً وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ الِاسْتِلْحَاقُ مِنْ الْجَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْتَلْحِقُ الْجَدُّ. وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ عَلَى مَا إذَا قَالَ: أَبُو هَذَا وَلَدِي، لَا إنْ قَالَ: هَذَا ابْن وَلَدِي، فَلَا يَصْدُقُ. قَوْلُهُ: [لِمَجْهُولٍ نَسَبُهُ]: يُسْتَثْنَى مِنْهُ اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِوَجْهٍ كَمَا يَأْتِي فِي اللُّقَطَةِ. قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَذَبَتْهُ أُمُّهُ]: أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ تَقَدُّمَ مِلْكِ أُمِّ هَذَا الْوَلَدِ أَوْ نِكَاحِهَا لِهَذَا الْمُسْتَلْحِقِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ سَحْنُونَ: يَشْتَرِطُ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ قَوْلٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ اكْتَفَوْا فِي هَذَا الْبَابِ بِالْإِمْكَانِ فَقَطْ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلُحُوقِ النَّسَبِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِ الْمُقِرِّ. قَوْلُهُ: [لِصِغَرِهِ]: أَيْ فَلَوْ كَانَ صَغِيرَ السِّنِّ وَالْمُسْتَلْحَقُ بِالْفَتْحِ كَبِيرًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُحِيلُهُ الْعَقْلُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقَدُّمِ الْمَعْلُولِ عَلَى عِلَّتِهِ.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
كَاسْتِلْحَاقِهِ مِنْ وَلَدٍ بِبَلَدٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا أَوْ شَرَعَ. (فَلَوْ كَانَ) مَجْهُولُ النَّسَبِ الْمُسْتَلْحَقُ - بِالْفَتْحِ (رِقًّا، أَوْ مَوْلًى): أَيْ عَتِيقًا (لِمُكَذِّبِهِ): أَيْ لِشَخْصٍ كَذَّبَ الْأَبَ الْمُسْتَلْحِقَ لَهُ (لَمْ يُصَدَّقْ) مُدَّعِي أُبُوَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى نَزْعِهِ مِنْ مَالِكِهِ أَوْ الْحَائِزِ لِوَلَائِهِ؛ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَلْحَقَ صَبِيًّا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ إذَا كَذَّبَهُ الْحَائِزُ (اهـ) . وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ أَصْلًا لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا. وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: مَنْ بَاعَ صَبِيًّا ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَ بِهِ وَيَنْقُصُ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ ثَالِثٍ مِنْهَا: مَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَلْحَقَهُ الْبَائِعُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ إنْ لَمْ يَقَعْ عِتْقٌ، وَإِلَّا مَضَى الْعِتْقُ وَالْوَلَاءُ لِلْمُبْتَاعِ (اهـ) فَكَلَامُهُ يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا]: فَإِنْ شَكَّ فِي دُخُولِهِ فَمُقْتَضَى ابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَمُقْتَضَى الْبَرَاذِعِيِّ صِحَّةُ اسْتِلْحَاقِهِ، وَمِنْ الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً اسْتِلْحَاقُ مَنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ نِكَاحٌ وَلَا تَسَرٍّ أَصْلًا فَإِنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْوَلَدِ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ وَلِذَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] إنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ عُرْفِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ. قَوْلُهُ: [فَلَوْ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ] إلَخْ: مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ شَرَعَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الرُّقْيَةُ وَالْمُوَلِّيَةُ مَانِعًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى نَزْعِهِ مِنْ مَالِكِهِ أَوْ مَوْلَاهُ كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى نَزْعِهِ] إلَخْ: اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اللُّحُوقِ نَزْعُهُ مِنْ الرُّقْيَةِ، إذْ قَدْ يَتَزَوَّجُ الْحُرُّ الْأَمَةَ وَيُولِدُهَا، فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِأَبِيهِ وَرَقِيقٌ لِسَيِّدِ أُمِّهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ قَوْلُ أَشْهَبَ بِاللُّحُوقِ، بَلَى وَقَعَ مِثْلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى، فَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي قَوْلِهِ الْمَشْهُورِ - وَهُوَ عَدَمُ اللُّحُوقِ - رَأَى أَنَّ السَّيِّدَ قَدْ تَلْحَقُهُ مَضَرَّةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَوْ ثَبَتَ اللُّحُوقُ، إذْ قَدْ يَعْتِقُ هَذَا الْعَبْدُ وَيَمُوتُ عَنْ مَالٍ فَتُقَدَّمُ عَصَبَةُ نَسَبِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، فَلِتِلْكَ الْمَضَرَّةِ قِيلَ بِعَدَمِ اللُّحُوقِ (اهـ - بْن) . قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُهُ] إلَخْ: لَكِنَّ هَذَا الظَّاهِرَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا يَأْتِي.
[ ٣ / ٥٤١ ]
الثَّلَاثَةِ مَوَاضِعَ؛ فَفَهِمَ الشَّيْخُ - ﵀ - أَنَّ الْأَوَّلَ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَاعَ الْوَلَدَ وَلَا الْأُمَّ وَقَوْلُهُ: لَا يَلْحَقُ بِهِ؛ أَيْ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْ الْمَالِكِ الْمُكَذِّبِ لَهُ، فَمَعْنَى: لَا يَلْحَقُ بِهِ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي اسْتِلْحَاقِهِ حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْ مَالِكِهِ أَوْ مُعْتِقِهِ بِنَقْضِ الْبَيْعِ أَوْ الْعِتْقِ.
(لَكِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ) بَاطِنًا؛ (فَيَحْرُمُ فَرْعُ كُلٍّ) مِنْهُمَا (عَلَى الْآخَرِ) عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ.
(وَإِنْ مَلَكَهُ) مُسْتَلْحِقُهُ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (عَتَقَ) الِابْنُ عَلَيْهِ (وَتَوَارَثَا) تَوَارُثَ النَّسَبِ.
(فَإِنْ صَدَّقَهُ) الْمَالِكُ أَوْ مَنْ أَعْتَقَهُ نُقِضَ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ وَتَمَّ الِاسْتِلْحَاقُ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إذَا كَذَّبَهُ الْحَائِزُ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الثَّانِي: مَنْ بَاعَ صَبِيًّا إلَخْ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ بَاعَهُ فَيَكُونُ غَيْرَ الْأَوَّلِ فَلَا يُنَاقِضُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَفِيهَا أَيْضًا إلَخْ. وَأَشَرْنَا لَهُ بِقَوْلِنَا: (أَوْ عُلِمَ) عَطْفٌ عَلَى " صَدَّقَهُ " أَيْ وَإِنْ عُلِمَ (تَقَدُّمُ مِلْكِهِ لَهُ): أَيْ مِلْكِ الْمُسْتَلْحِقِ بِالْكَسْرِ لِلْمُسْتَلْحَقِ بِالْفَتْحِ، كَأَنْ بَاعَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ أُمِّهِ لَحِقَ بِهِ، صَدَّقَهُ الْمَالِكُ أَوْ كَذَّبَهُ، وَ(نُقِضَ الْبَيْعُ) وَرُدَّ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي - وَكَذَا الْعِتْقُ عَلَى الرَّاجِحِ - كَمَا بَالَغَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ أَعْتَقَهُ؛ عَمَلًا بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي، فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ رَجَّحَهُ وَضَعَّفَ الثَّالِثَ فِي الْعِتْقِ. وَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرَ بِ " أَوْ " بَدَلَ " إنْ " جَرَيَا عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي الرَّدِّ بِ " لَوْ "، فَقَوْلُنَا: " نُقِضَ الْبَيْعُ "، أَيْ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [حَتَّى يَنْزِعَهُ مِنْ مَالِكِهِ]: مُفَرَّعٌ عَلَى نَفْيِ التَّصْدِيقِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي اسْتِلْحَاقِهِ تَصْدِيقًا يُوجِبُ نَزْعُهُ مِنْ مَالِكِهِ إلَخْ. قَوْلُهُ: [وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ]: أَيْ مُوَافِقٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مَفْهُومُ قَوْلُ الْمَتْنِ: فَلَوْ كَانَ رِقًّا أَوْ مَوْلًى لِمُكَذِّبِهِ إلَخْ. قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى صَدَّقَهُ]: أَيْ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ فَلِذَلِكَ كَانَ يُنْقَضُ فِي هَذِهِ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ صَدَّقَهُ الْمَالِكُ أَوْ كَذَّبَهُ. قَوْلُهُ: [وَضَعُفَ الثَّالِثُ فِي الْعِتْقِ]: إنَّمَا خَصَّ الْعِتْقَ بِالتَّضْعِيفِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَأَمَّا نَقْضُ الْبَيْعِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
[ ٣ / ٥٤٢ ]
الْعِتْقُ، وَهُوَ جَوَابُ " إنْ " فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَاسْتَلْزَمَ النَّقْضُ الِاسْتِلْحَاقَ.
(وَ) إذَا لَحِقَ الْوَلَدُ وَنُقِضَ الْبَيْعُ أَوْ الْعِتْقُ (رَجَعَ) الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ الْمُسْتَلْحِقِ (بِنَفَقَتِهِ) عَلَيْهِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ عِنْدَهُ (كَالثَّمَنِ): أَيْ كَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِدْمَةٌ) فَإِنْ اسْتَخْدَمَهُ فَلَا رُجُوعَ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي نَظِيرِ الْخِدْمَةِ. وَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ إنْ زَادَتْ الْخِدْمَةُ عَلَى النَّفَقَةِ، وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ الْمَذْكُورُ وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ فَيُرَدُّ الثَّمَنُ وَيَرْجِعُ مُشْتَرِيه بِالنَّفَقَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِدْمَةٌ (وَلَوْ مَاتَ): أَيْ الْوَلَدُ: أَيْ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (وَوَرِثَهُ) أَبُوهُ الْمُسْتَلْحِقُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ (إنْ وَرِثَهُ وَلَوْ وَلَدًا) أُنْثَى فَلَهُ مِنْهُ السُّدُسُ، إنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، وَلَهُ النِّصْفُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَلَا يَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَلْحَقَهُ لِيَأْخُذَ مَالَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ قَلِيلًا لَا بَالَ لَهُ فَإِنَّهُ يَرِثُهُ أَيْضًا. فَقَوْلُهُ: " إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ " أَيْ أَوْ قَلَّ الْمَالُ. وَمِثْلُ الِاسْتِلْحَاقِ بَعْدَ الْمَوْتِ: الِاسْتِلْحَاقُ فِي مَرَضِهِ، وَإِلَّا فَالْإِرْثُ ثَابِتٌ
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ]: أَيْ جَوَابٌ عَنْهُمَا وَهُمَا إذَا صَدَّقَهُ سَيِّدُهُ فِي عَدَمِ عِلْمِ تَقَدُّمِ مِلْكِهِ لَهُ أَوْ عَلِمَ تَقَدُّمَ مِلْكِهِ لَهُ صَدَّقَهُ أَوْ كَذَّبَهُ. قَوْلُهُ: [فَلَا رُجُوعَ بِالنَّفَقَةِ]: أَيْ قَلَّتْ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ عَلَى النَّفَقَةِ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: [وَلَا رُجُوعَ لِلْبَائِعِ إنْ زَادَتْ الْخِدْمَةُ]: أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ. وَمُقَابِلُهُ: الرُّجُوعُ بِالنَّفَقَةِ مُطْلَقًا عَدَمُهُ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ]: مُبَالَغَةٌ فِي مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ الْمَذْكُورُ " إلَخْ. وَقَوْلُهُ: [وَوَرِثَهُ أَبُوهُ]: مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَوْ مَاتَ. وَالْمَعْنَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِلْحَاقَ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَحَيْثُ قُلْتُمْ بِاسْتِلْحَاقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَأَبُوهُ الْمُسْتَلْحَقُ يَرِثُهُ إنْ وَرِثَهُ وَلَدٌ أَوْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا، وَمَا قِيلَ فِي الِاسْتِلْحَاقِ بَعْدَ الْمَوْتِ يُقَالُ فِي الِاسْتِلْحَاقِ فِي الْمَرَضِ كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْإِرْثُ ثَابِتٌ]: أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الِاسْتِلْحَاقُ فِي حَيَاةِ الْمُسْتَلْحَقِ بِالْفَتْحِ، وَصِحَّتِهِ.
[ ٣ / ٥٤٣ ]
[استلحق أخا أو عما أو أبا]
[تنبيه الإقرار بالإعتاق]
فِي كُلِّ حَالٍ.
(وَإِنْ بَاعَ أَمَةً) حَامِلًا (فَوَلَدَتْ) عِنْدَ الْمُشْتَرِي (فَاسْتَلْحَقَهُ) بَائِعُهُ (لَحِقَ) الْوَلَدُ لَهُ مُطْلَقًا، كَذَّبَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَا، أَعْتَقَهُ أَوْ لَا اُتُّهِمَ الْبَائِعُ فِيهَا بِمَحَبَّةٍ أَوْ لَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي أُمِّهِ، أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُصَدَّقُ فِيهَا): أَيْ فِي الْأُمِّ فَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ فِيهَا (إنْ اُتُّهِمَ) الْبَائِعُ فِيهَا (بِمَحَبَّةٍ أَوْ وَجَاهَةٍ): أَيْ عَظَمَةٍ وَجَمَالٍ (أَوْ عَدَمِ ثَمَنٍ) عِنْدَ بَائِعِهَا - بِأَنْ كَانَ عَدِيمًا - فَيُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَبَضَ ثَمَنَهَا وَصَرَفَهُ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا بِدَعْوَى الِاسْتِلْحَاقِ وَلَا يَرُدُّ الثَّمَنَ لِعَدَمِهِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيهَا.
(وَ) إذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ فِيهَا فِيمَا إذَا اُتُّهِمَ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (لَا يَرُدُّ الثَّمَنَ) أَيْ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ لِلْمُشْتَرِي، وَقِيلَ: يَرُدُّهُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ وَإِنْ لَمْ يُصَدَّقْ، وَمَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ.
(كَأَنْ) بَاعَهَا بِلَا وَلَدٍ وَ(ادَّعَى اسْتِيلَادَهَا بِهِ بِسَابِقٍ): أَيْ بِوَلَدٍ سَابِقٍ عَلَى الْبَيْعِ، فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ عَلَى رَدِّهِ، وَقِيلَ: يُصَدَّقُ فَيُرَدُّ الْبَيْعُ إذْ لَمْ يُتَّهَمْ بِنَحْوِ مَحَبَّةٍ، وَهُمَا قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ.
(وَإِنْ اسْتَلْحَقَ) إنْسَانٌ (غَيْرَ وَلَدٍ): بِأَنْ اسْتَلْحَقَ أَخًا أَوْ عَمًّا أَوْ أَبًا: بِأَنَّ فُلَانَ أَخِي، أَوْ، أَبِي، أَوْ عَمِّي، أَوْ ابْنِ عَمِّي، وَتَسْمِيَةُ هَذَا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] وَقَوْلُهُ: [فِي كُلِّ حَالٍ]: أَيْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَمْ لَا، كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ]: أَيْ مِنْ تَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ. قَوْلُهُ: [وَأَنْ يُصَدَّقَ]: صَوَابُهُ وَإِنْ لَمْ يُصَدَّقْ. قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُصَدَّقُ]: هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالْأَصْلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَصْدِيقِهِ فَيَرُدُّ الثَّمَنَ إنْ رُدَّتْ لَهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ مَاتَتْ أَوْ أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ (اهـ خَرَشِيٌّ) . قَوْلُهُ: [وَهُمَا قَوْلَانِ]: أَيْ فِي الْمُدَوَّنَةِ. [اسْتَلْحَقَ أَخًا أَوْ عَمًّا أَوْ أَبًا] [تَنْبِيه الْإِقْرَار بِالْإِعْتَاقِ] قَوْلُهُ: [بِأَنَّ فُلَانَ أَخِي]: هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وَالْمُنَاسِبُ تَنْوِينُهُ بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ اسْمًا لِأَنَّ لَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ مِنْ الصَّرْفِ.
[ ٣ / ٥٤٤ ]
اسْتِلْحَاقًا مَجَازٌ - لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إقْرَارٍ لِمَا عَلِمْت - (لَمْ يَرِثْهُ): أَيْ لَمْ يَرِثْ الْمُقَرُّ بِهِ الْمُسْتَلْحِقَ بِالْكَسْرِ (إنْ كَانَ) هُنَاكَ (وَارِثٌ) لِلْمُقِرِّ كَأَخٍ أَوْ أَبٍ أَوْ عَمٍّ مَعْلُومٍ. (وَإِلَّا) يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ (وَرِثَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْإِقْرَارُ) قَالَ: وَخَصَّهُ الْمُخْتَارُ بِمَا إذَا لَمْ يَطُلْ الْإِقْرَارُ، أَيْ: خَصَّ الْخِلَافَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَطُلْ. أَمَّا إنْ طَالَ فَلَا خِلَافَ فِي الْإِرْثِ. وَالرَّاجِحُ الْإِرْثُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ.
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [لِمَا عَلِمْت]: أَيْ مِنْ أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مَخْصُوصٌ بِالْوَلَدِ. قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ]: أَيْ حَائِزٌ لِجَمِيعِ الْمَالِ وَإِنَّمَا لَمْ يَرِثْ الْمُقَرُّ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يَتَّهِمُ عَلَى خُرُوجِ الْإِرْثِ لِغَيْرِ مَنْ كَانَ يَرِثُ وَلَا يُعَكَّرُ، عَلَى هَذَا اعْتِبَارُ الْوَارِثِ يَوْمَ الْمَوْتِ لَا يَوْمَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَتَرَقَّبُ يَوْمَ مَوْتِهِ فَيُعْمَلُ عَلَيْهِ بِالِاحْتِيَاطِ. قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ]: أَيْ حَائِزٌ كَالْأَخِ وَمَا مَعَهُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ أَصْلًا أَوْ وَارِثٌ غَيْرُ حَائِزٍ كَأَصْحَابِ الْفُرُوضِ. قَوْلُهُ: [وَرِثَ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْإِقْرَارُ]: أَيْ فَيَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ أَوْ الْبَاقِيَ إنْ كَانَ هُنَاكَ ذُو فَرْضٍ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَيْسَ كَالْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ، وَمُقَابِلُ الرَّاجِحِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ كَالْوَارِثِ الْحَائِزِ لِجَمِيعِ الْمَالِ، فَعَلَيْهِ لَا يَتَأَتَّى إرْثُ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ وَارِثٌ حَائِزٌ دَائِمًا وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي إرْثِ الْمُسْتَلْحِقِ بِالْكَسْرِ مِنْ الْمُسْتَلْحَقِ بِالْفَتْحِ حَيْثُ صَدَّقَهُ عَلَى اسْتِلْحَاقِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حِينَئِذٍ مُقِرٌّ بِصَاحِبِهِ فَلَوْ كَذَّبَهُ فَلَا إرْثَ، وَإِنْ سَكَتَ فَهَلْ هُوَ كَالتَّصْدِيقِ أَوْ يَرِثُ الْمُسْتَلْحَقُ بِالْفَتْحِ فَقَطْ عَلَى تَفْصِيلِ الْمُصَنِّفِ تَرَدُّدٌ. قَوْلُهُ: [أَمَّا إنْ طَالَ] إلَخْ: الطَّوِيلُ مُعْتَبَرٌ بِالسَّنَتَيْنِ. تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ شَخْصٌ بِمُعْتِقِهِ بِأَنْ قَالَ: أَعْتَقَنِي فُلَانٌ، فَإِنَّهُ كَالْإِقْرَارِ بِالْبُنُوَّةِ فَيَرِثُ الْمُقَرُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ حَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوقَ يُورِثُ غَيْرَهُ وَلَا يَرِثُ هُوَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " يُؤَاخِذُ الْمُكَلَّفُ بِإِقْرَارِهِ ". بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِنَحْوِ الْأُخُوَّةِ فَهُوَ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْغَيْرِ فِي الْمَعْنَى دَعْوَى.
[ ٣ / ٥٤٥ ]
(وَإِنْ أَقَرَّ عَدْلَانِ) مَاتَ أَبُوهُمَا مَثَلًا (بِثَالِثٍ ثَبَتَ النَّسَبُ) لِلثَّالِثِ (وَإِلَّا) يَكُونَا عَدْلَيْنِ بَلْ مَجْرُوحَيْنِ، أَوْ كَانَ عَدْلٌ وَاحِدٌ، لَمْ يَثْبُتْ نَسَبٌ وَ(وَرِثَ) الْمُقَرَّ بِهِ (مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ مَا نَقَصَهُ الْإِقْرَارُ) مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ، كَانَ عَدْلًا أَمْ لَا، وَلَا يَمِينَ. وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ. (فَلَوْ تَرَكَ شَخْصٌ أُمًّا وَأَخًا فَأَقَرَّتْ) الْأُمُّ (بِأَخٍ) ثَانٍ لِلْمَيِّتِ وَأَنْكَرَهُ الْأَخُ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُقَرِّ بِهِ (مِنْهُمَا السُّدُسُ) لِحَجْبِهَا بِهِمَا مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ، فَلَوْ تَعَدَّدَ الْأَخُ الثَّابِتُ النَّسَبِ فَلَا شَيْءَ لِلْمُقِرِّ بِهِ إذْ لَا تَنْقُصُ الْأُمُّ عَنْ السُّدُسِ.
بَابٌ فِي الْوَدِيعَةِ وَأَحْكَامِهَا
_________________
(١) [حاشية الصاوي] قَوْلُهُ: [بِثَالِثٍ]: أَيْ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا. قَوْلُهُ: [ثَبَتَ النَّسَبُ]: أَيْ وَيَأْخُذُ مِنْ التَّرِكَةِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ أُمِّ الْمَيِّتِ وَابْنَتِهِ إنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ ابْنًا أَوْ أَخًا لِلْمَيِّتِ. قَوْلُهُ: [لَمْ يَثْبُتْ نَسَبٌ]: أَيْ وَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبٌ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُقَرِّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَخٌ لِلْمَيِّتِ أَوْ ابْنٌ تَزَوَّجَ بِبِنْتِهِ أَوْ أُمِّهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِغَيْرِ الْعُدُولِ، وَلَوْ كَانُوا حَائِزِينَ لِلْمِيرَاثِ كَمَا لِابْنِ يُونُسَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ بِثُبُوتِ النَّسَبِ بِإِقْرَارِ غَيْرِ الْعُدُولِ إذَا كَانُوا ذُكُورًا وَحَازُوا الْمِيرَاثَ كُلَّهُ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. قَوْلُهُ: [وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ]: أَيْ حَيْثُ قَالَ وَعَدْلٌ يَحْلِفُ مَعَهُ وَيَرِثُ وَلَا نَسَبَ وَإِلَّا فَحِصَّةُ الْمُقِرِّ كَالْمَالِ. قَوْلُهُ: [فَلَوْ تَرَكَ شَخْصٌ أُمًّا وَأَخًا]: مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ أَوْلَادٍ أَقَرَّ اثْنَانِ مِنْهُمْ غَيْرُ عَدْلَيْنِ بِأَخٍ آخَرَ وَأَنْكَرَهُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَعَلَى الْإِقْرَارِ، فَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَةٌ، وَمُسَطَّحُهُمَا اثْنَا عَشَرَ لِتَبَايُنِهِمَا؛ فَاقْسِمْهَا عَلَى الْإِنْكَارِ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ أَرْبَعَةٌ وَعَلَى الْإِقْرَارِ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ، فَاَلَّذِي نَقَصَهُ إقْرَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُقِرَّيْنِ وَاحِدٌ فَيُعْطَى الِاثْنَانِ لِلْمُقَرِّ بِهِ. قَوْلُهُ: [فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ بِهِ]: أَيْ فَقَوْلُهُمْ لِلْمُقَرِّ بِهِ مَا نَقَصَهُ الْإِقْرَارُ إنْ كَانَ الْإِقْرَارُ مُنْقِصًا. تَتِمَّةٌ: إنْ قَالَ رَجُلٌ: أَحَدُ أَوْلَادِ الْأَمَةِ الثَّلَاثَةِ وَلَدِي، وَمَاتَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ؛ عَتَقَ
[ ٣ / ٥٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [حاشية الصاوي] الْأَصْغَرُ كُلُّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ وَلَدَهُ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُ غَيْرِهِ فَهُوَ وَلَدُ أُمِّ وَلَدٍ عَتَقَتْ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا فَيَعْتِقُ مَعَهَا، وَثُلُثَا الْأَوْسَطِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ بِتَقْدِيرَيْنِ، وَهُمَا كَوْنُهُ الْمُقَرَّ بِهِ أَوْ الْأَكْبَرَ وَرَقِيقٌ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ الْأَصْغَرَ، وَثُلُثُ الْأَكْبَرِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ كَوْنُهُ الْمُقَرَّ بِهِ وَرَقَّ بِتَقْدِيرَيْنِ وَهُمَا كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ الْأَوْسَطَ أَوْ الْأَصْغَرَ وَإِنْ افْتَرَقَتْ أُمَّهَاتُهُمْ فَوَاحِد يَعْتِقُ بِالْقُرْعَةِ وَلَا إرْثَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ افْتَرَقَتْ أُمَّهَاتُهُمْ أَمْ لَا. مَسْأَلَةٌ: إنْ أَقَرَّ شَخْصٌ، عِنْدَ مَوْتِهِ بِأَنَّ فُلَانَةَ جَارِيَتُهُ وَلَدَتْ مِنْهُ فُلَانَةُ وَلَهَا ابْنَتَانِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِ وَنَسِيَتْهَا الْوَرَثَةُ وَالْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَعْلَمُوا اسْمَهَا الَّذِي سَمَّاهُ لَهُمْ؛ فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ مَعَ نِسْيَانِهِمْ اسْمَهَا فَهُنَّ أَحْرَارٌ وَلَهُنَّ مِيرَاثُ بِنْتٍ يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ وَلَا نَسَبَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ بِذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حِينَئِذٍ كَالْعَدَمِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَنْسَ الْبَيِّنَةُ اسْمَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، أَنْكَرَتْ الْوَرَثَةُ أَوْ اعْتَرَفَتْ. مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: لَوْ اسْتَلْحَقَ رَجُلٌ وَلَدًا وَلَحِقَ بِهِ شَرْعًا ثُمَّ أَنْكَرَهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ فَلَا يَرِثُهُ أَبُو الْمُنْكِرِ وَوَقَفَ مَالُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ فَلِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ إنْكَارَهُ لَا يَقْطَعُ حَقَّهُمْ وَقُضِيَ بِهِ دَيْنُهُ إنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ قَامَ غُرَمَاؤُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ أَخَذُوهُ فِي دَيْنِهِمْ، وَأَمَّا لَوْ مَاتَ الْأَبُ أَوَّلًا فَإِنَّ الْوَلَدَ يَرِثُهُ وَلَا يَضُرُّ إنْكَارُ أَبِيهِ، وَيُلْغَزُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ابْنٌ وَرِثَ أَبَاهُ وَلَا عَكْسَ وَلَيْسَ بِالْأَبِ مَانِعٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا: مَالٌ يَرِثُهُ الْوَارِثُ وَلَا يَمْلِكُهُ مُوَرِّثُهُ، وَيُقَالُ أَيْضًا: مَالٌ يُوقَفُ لِوَارِثِ الْوَارِثِ دُونَ الْوَارِثِ وَيُقَالُ أَيْضًا: مَالٌ يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُ الشَّخْصِ وَلَا يَأْخُذُهُ هُوَ.
[ ٣ / ٥٤٧ ]