طَلَاقَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّهَا لَهُ وَيُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا وَلَوْ خَصِيًّا قَائِمَ الذَّكَرِ مَقْطُوعَ الْخُصْيَتَيْنِ، تَزَوَّجَهَا تَزَوُّجًا لَازِمًا احْتِرَازًا مِنْ نِكَاحِ الْخِيَارِ كَنِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَأَنْ يُولِجَ حَشَفَتَهُ أَوْ مِثْلَهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي قُبُلِهَا احْتِرَازًا مِنْ الْإِيلَاجِ بِغَيْرِ انْتِشَارٍ، فَإِنَّهُ لَا عُسَيْلَةَ مَعَهُ إيلَاجًا مُبَاحًا احْتِرَازًا مِنْ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ أَوْ الْعِدَّةِ أَوْ وَطْء الْمُحَلِّلِ مِنْ غَيْرِ تَنَاكُرٍ فِيهِ، وَأَنْ تُعْلَمَ الْخَلْوَةُ الْمُعْتَادَةُ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ تَكُونَ عَالِمَةً بِالْوَطْءِ احْتِرَازًا مِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهَا وَالْمَجْنُونَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَهُوَ لُغَةً: الْإِرْسَالُ مِنْ قَوْلِك أَطْلَقْت النَّاقَةَ فَانْطَلَقَتْ إذَا أَرْسَلْتهَا مِنْ عِقَالٍ
_________________
(١) [حاشية العدوي] عُسَيْلَتَك» وَالْمُرَادُ بِالْعُسَيْلَةِ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِنْزَالُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْعَسَلُ يَذَّكَّرُ، وَيُؤَنَّثُ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَيُصَغَّرُ عَلَى عُسَيْلَةٍ عَلَى لُغَةِ التَّأْنِيثِ، ذَهَابًا إلَى أَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ الْجِنْسِ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ لَطِيفَةٌ فَإِنَّهُ شَبَّهَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ بِحَلَاوَةِ الْعَسَلِ، وَسُمِّيَ الْجِمَاعُ عَسَلًا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَا تَسْتَحْلِيهِ عَسَلًا، وَأَشَارَ بِالتَّصْغِيرِ إلَى تَقْلِيلِ الْقَدْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حُصُولِ الِاكْتِفَاءِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ. اهـ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي عِبَارَتِهِ يُعْرَفُ بِالتَّأَمُّلِ وَفِي بَعْضِ مَنْ كَتَبَ عَلَى مُسْلِمٍ مَا نَصُّهُ عُسَيْلَةٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ السِّينِ تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ شَبَّهَ لَذَّتَهُ بِلَذَّةِ الْعَسَلِ وَحَلَاوَتِهِ. اهـ. وَالْأَحْسَنُ الْمُوَافِقُ لِصَدْرِ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْمِفْتَاحِ أَنْ يُقَالَ شَبَّهَ وَضْعَ الْحَشَفَةِ بِالْعَسَلِ بِجَامِعِ اللَّذَّةِ وَاسْتَعَارَ اسْمَهُ لَهُ، وَقَوْلُهُ تَذُوقِي تَرْشِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُلَائِمَاتِ الْعَسَلِ. [قَوْلُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا] أَيْ فَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ مُتَزَوِّجًا يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً وَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا فَلَا تَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: بَالِغًا] احْتِرَازًا مِنْ الصَّبِيِّ فَوَطْؤُهُ كَالْعَدَمِ فَلَا تَحِلُّ، وَيُعْتَبَرُ الْبُلُوغُ عِنْدَ الْوَطْءِ فَإِذَا عَقَدَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى بَلَغَ حَلَّتْ قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ خَصِيًّا] أَيْ؛ لِأَنَّ ذَوَاقَ الْعُسَيْلَةِ يَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ الْإِنْزَالَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلِيمِ، وَهَذَا مَعَ عِلْمِ الزَّوْجَةِ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ نِكَاحُ مَعِيبٍ فَلَا يُحِلُّهَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ [قَوْلُهُ: كَنِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إلَخْ] أَيْ أَوْ نِكَاحِ ذَاتِ الْعَيْبِ أَوْ الْمَغْرُورَةِ بَهْرَامُ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُجِزْ السَّيِّدُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، فَإِنْ أَجَازَ السَّيِّدُ أَوْ رَضِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ وَوَطِئَ الزَّوْجُ بَعْدَ لُزُومِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِذَلِكَ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ يُولِجَ حَشَفَتَهُ إلَخْ]، وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِيلَاجِ أَنْ يُوجِبَ الْغُسْلَ فَلَوْ غَيَّبَهَا فِي هَوَى الْفَرْجِ أَوْ لَفَّ خِرْقَةً كَثِيفَةً فَلَا تَحِلُّ لَهُ. [قَوْلُهُ: بِانْتِشَارٍ إلَخْ]، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِانْتِشَارُ تَامًّا، وَلَوْ حَصَلَ الِانْتِشَارُ بَعْدَ إيلَاجِهِ، وَلَوْ لَمْ يُنْزِلْ كَمَا قَدَّمْنَا، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ أَنَّ وَطْءَ الْعِنِّينِ وَالْخُنْثَى لَا يُحِلُّهَا. [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ] أَوْ النِّفَاسِ أَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا، وَقَبْلَ الْغُسْلِ مِنْهُمَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الْمَسْجِدِ. [قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَنَاكُرٍ فِيهِ] أَيْ فَلَوْ حَصَلَتْ نُكْرَةٌ فِي الْإِيلَاجِ فَلَا تَحِلُّ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، طَالَ الْأَمْرُ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَمْ لَا مَا لَمْ يَحْصُلْ تَصَادُقٌ عَلَيْهِ، وَحَيْثُ كَانَ الشَّرْطُ عَدَمَ الْإِنْكَارِ فَهُوَ صَادِقٌ بِالتَّصَادُقِ، وَعَدَمُ عِلْمِ الْحَالِ بِغَيْبَةٍ أَوْ مَوْتٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضٌ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ تُعْلَمَ الْخَلْوَةُ الْمُعْتَادَةُ بَيْنَهُمَا] وَتَثْبُتُ بِامْرَأَتَيْنِ أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ، وَإِلَّا لَمْ تَحِلَّ. قَالَ أَشْهَبُ فِي مُدَوَّنَتِهِ، وَلَوْ صَدَّقَهَا الثَّانِي عَلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا تُتَّهَمُ عَلَى الْوَطْءِ لِتَمْلِكَ الرَّجْعَةَ لِمَنْ طَلَّقَهَا، وَيُتَّهَمُ الثَّانِي لِيَمْلِكَ الرَّجْعَةَ فَلَوْ عُلِمَتْ الْخَلْوَةُ وَتَصَادَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْوَطْءِ، أَوْ غَابَ الْمُحَلِّلُ أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْلَمَ مِنْهُ إقْرَارٌ أَوْ إنْكَارٌ صُدِّقَتْ. [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ عَالِمَةً إلَخْ]، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ فَإِذَا وَطِئَهَا مَجْنُونًا فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِأَنْ طَرَأَ لَهُ الْجُنُونُ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْحِلِّيَّةَ وَعَدَمَهَا مِنْ صِفَاتِهَا هِيَ فَاعْتُبِرَتْ فَقَطْ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَذُوقِي إلَخْ. . [الطَّلَاقِ وَمَا يَتَعَلَّق بِهِ] [قَوْلُهُ: مِنْ قَوْلِك] فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ، وَهُوَ لُغَةُ الْإِرْسَالِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِك إلَخْ، وَقَوْلُهُ إذَا أَرْسَلْتهَا بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ تَقُولُ ذَلِكَ إذَا أَرْسَلْتهَا، وَقَوْلُهُ، وَقَيْدٍ أَيْ أَوْ قَيْدٍ، وَقَوْلُهُ حَلُّ الْعِصْمَةِ: الْعِصْمَةُ وَصْفٌ اعْتِبَارِيٌّ نَاشِئٌ مِنْ الْعَقْدِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقَوْلُهُ الْمُنْعَقِدَةِ أَيْ
[ ٢ / ٧٨ ]
[أقسام الطلاق باعتبار أنواعه]
وَقَيْدٍ، وَاصْطِلَاحًا: حَلُّ الْعِصْمَةِ الْمُنْعَقِدَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ وَالْقَصْدُ فَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الطَّلَاقِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَكَذَا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ بَعْضُهُمْ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ التَّوْرِيَةَ، مَعَ الْعِلْمِ وَالِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ لَمْ يُدْهَشْ بِالْإِكْرَاهِ عَنْهَا، وَظَاهِرُ الْمُخْتَصَرِ كَاللَّخْمِيِّ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ وَكَذَا الْأَعْجَمِيُّ إذَا لُقِّنَ لَفْظَ الطَّلَاقِ، وَهُوَ لَا يَفْقَهُهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ، وَالرَّابِعُ الصِّيغَةُ وَتَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ، وَهُوَ مَا فِيهِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَإِلَى كِنَايَةٍ وَهِيَ قِسْمَانِ: ظَاهِرَةٌ وَسَتَأْتِي وَمُحْتَمِلَةٌ نَحْوَ اذْهَبِي وَانْصَرِفِي فَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي نِيَّتِهِ وَعَدَدِهِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الشَّيْخُ الطَّلَاقَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: بِدْعِيٍّ وَسُنِّيٍّ. فَالْأَوَّلُ قَوْلُهُ؟ (وَطَلَاقُ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِدْعَةٌ) أَيْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْمُتَقَرِّرَةِ الثَّابِتَةِ. [قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا إلَخْ] عَرَّفَهَا ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تَرْفَعُ حِلِّيَّةَ مُتْعَةِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، مُوجِبًا تَكَرُّرَهَا مَرَّتَيْنِ لِلْحُرِّ وَمَرَّةً لِذِي رِقٍّ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجٍ. [قَوْلُهُ: وَالزَّوْجَةُ] أَيْ الْمَمْلُوكَةُ عِصْمَتُهَا لِلزَّوْجِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا كَقَوْلِهِ لِامْرَأَةٍ عِنْدَ خِطْبَتِهَا أَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ. [قَوْلُهُ: وَالْقَصْدُ] الْمُرَادُ بِالْقَصْدِ أَنْ يَقْصِدَ اللَّفْظَ فِي الصَّرِيحِ أَوْ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ حَلَّ الْعِصْمَةِ أَوْ قَصَدَ حَلَّ الْعِصْمَةِ فِي الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ. [قَوْلُهُ: فَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الطَّلَاقِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ] يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ فَالْتَوَى لِسَانُهُ فَتَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ سَبْقُ لِسَانِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى، وَيَلْزَمُ فِي الْقَضَاءِ وَمَنْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ طَارِقًا فَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ لَهَا يَا طَارِقُ فَالْتَفَتَ لِسَانُهُ، وَقَالَ يَا طَالِقُ، وَادَّعَى أَنَّهُ الْتَفَتَ لِسَانُهُ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الْفَتْوَى لَا فِي الْقَضَاءِ، فَإِنْ أَسْقَطَ حَرْفَ النِّدَاءِ مَعَ إبْدَالِ الرَّاءِ لَامًا، وَادَّعَى الْتِفَاتَ لِسَانِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ لِحُصُولِ شَيْئَيْنِ الْحَذْفُ وَالِالْتِفَاتُ. [قَوْلُهُ: وَكَذَا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ] الْإِكْرَاهُ يَكُونُ بِخَوْفِ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ، وَلَوْ قَلَّ أَوْ سَجْنٍ أَوْ قَيْدٍ ظَاهِرُهُ فِيهِمَا، وَإِنْ قَلَّ أَوْ صَفْعٍ فِي الْقَفَا لِذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَأٍ أَوْ بِجَمْعٍ، وَلَوْ غَيْرَ أَشْرَافٍ، فَإِنْ فُعِلَ بِهِ فِي الْخَلَاءِ فَلَيْسَ إكْرَاهًا لَا فِي ذِي الْمُرُوءَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ، أَيْ إذَا كَانَ يَسِيرًا، وَأَمَّا كَثِيرُهُ فَإِكْرَاهٌ، وَلَوْ فِي الْخَلَاءِ، وَالْمُرَادُ التَّخْوِيفُ بِذَلِكَ لَا حُصُولُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ التَّهْدِيدِ بِهِ، الْخَوْفُ لِذِي الْمُرُوءَةِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَلَأِ وَالْخَلَاءِ وَالْيَسِيرِ مَا يَحْصُلُ بِالتَّهْدِيدِ بِهِ، الْخَوْفُ لِذِي الْمُرُوءَةِ فِي الْمَلَأِ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِكْرَاهِ كَوْنُ الْخَوْفِ بِهِ يَقَعُ نَاجِزًا، فَلَوْ قَالَ لَهُ إنْ لَمْ تُطَلِّقْ زَوْجَتَك فَعَلْت كَذَا بِك بَعْدَ شَهْرٍ وَحَصَلَ الْخَوْفُ بِذَلِكَ كَانَ إكْرَاهًا، وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ طَلْقَةً فَطَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ عَلَى أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا فَأَعْتَقَ أَكْثَرَ أَوْ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ عَكْسَهُ، فَاسْتُظْهِرَ عَدَمُ لُزُومِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ. [قَوْلُهُ: عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ] وَمُقَابِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَتْرُكَ التَّوْرِيَةَ إلَخْ] التَّوْرِيَةُ: أَنْ يَأْتِيَ الْحَالِفُ بِلَفْظٍ فِيهِ إيهَامٌ عَلَى السَّامِعِ لَهُ مَعْنَيَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ، وَيُرِيدُ الْبَعِيدَ كَقَوْلِهِ هِيَ طَالِقٌ، وَيُرِيدُ مِنْ وَثَاقٍ أَوْ يُرِيدُ وَجَعَهَا بِالطَّلْقِ، وَمَعْنَاهُ الْقَرِيبُ إبَانَةُ الْعِصْمَةِ. [قَوْلُهُ: مَعَ الْعِلْمِ] أَيْ بِهَا، وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِرَافِ وَبَعْدُ فَهَذَا التَّقْيِيدُ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ تَرَكَهَا مَعَ مَعْرِفَتِهَا. [قَوْلُهُ: لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ] أَيْ لَا فِي الْفَتْوَى، وَلَا فِي الْقَضَاءِ. [قَوْلُهُ: إلَى صَرِيحٍ] أَيْ لَفْظٍ صَرِيحٍ، وَقَوْلُهُ وَمُحْتَمِلَةٌ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ ظَاهِرَةٌ أَنْ يَقُولَ وَخَفِيَّةٌ. [قَوْلُهُ: فَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي نِيَّتِهِ وَعَدَدِهِ] فَإِذَا قَالَ لَهَا اذْهَبِي وَانْصَرِفِي مَثَلًا وَقَالَ لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ طَلَاقًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحِلَّ الْحَلِفِ إذَا كَانَ فِي وَقْتِ غَضَبٍ بِحَيْثُ يَقَعُ فِي الْوَهْمِ أَنَّهُ قَصَدَ الطَّلَاقَ، وَإِنْ قَالَ نَوَيْت بِذَلِكَ الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ بِطَلْقَةٍ أَوْ أَكْثَرَ عُمِلَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي عَدَدٍ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ هَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَفْتَى بِوَاحِدَةٍ إلَى أَنْ مَاتَ، وَالظَّاهِرُ رَجْعِيَّةٌ فِي الدُّخُولِ بِهَا بَائِنَةٌ فِي غَيْرِهَا وَانْظُرْ هَلْ يَحْلِفُ فِي دَعْوَاهُ عَدَدًا دُونَ الثَّلَاثِ. [أَقْسَام الطَّلَاقَ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ] [قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ
[ ٢ / ٧٩ ]
[الرجعة]
مُحْدَثَةٌ لِمَا فِي النَّسَائِيّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - أَخْبَرَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَلْعَبُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» (وَ) مَعَ ذَلِكَ (يَلْزَمُهُ) الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ (إنْ وَقَعَ) فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَ) أَمَّا الثَّانِي فَهُوَ (طَلَاقُ السُّنَّةِ) أَيْ الَّذِي أَذِنَتْ فِيهِ السُّنَّةُ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (مُبَاحٌ) ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَقْرَبْهَا) أَيْ لَمْ يُجَامِعْهَا (فِيهِ طَلْقَةً) وَاحِدَةً (ثُمَّ لَا يُتْبِعُهَا طَلَاقًا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ) فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ قُيُودٍ مَتَى فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ سُنِّيًّا، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي طُهْرٍ مِمَّا إذَا طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ، وَلَمْ يَقْرَبْهَا فِيهِ مِمَّا إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَبِطَلْقَةٍ مِمَّا إذَا طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَبِلَا يُتْبِعُهَا إلَخْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] أَنْوَاعِهِ] أَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِيَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ غَيْرِهَا مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ. [قَوْلُهُ: وَطَلَاقُ الثَّلَاثِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ] أَوْ فِي حُكْمِ الْكَلِمَةِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَأْكِيدٍ. [قَوْلُهُ: أَيْ مُحْدَثَةٌ] أَيْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا بَلْ أُمِرَ بِخِلَافِهَا فَلَا يُنَافِي وُقُوعَهَا فِي زَمَنِهِ - ﷺ -. [قَوْلُهُ: تَطْلِيقَاتٍ] جَمْعُ تَطْلِيقَةٍ مَصْدَرُ طَلَّقَ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقًا. اهـ. فَتَطْلِيقَةٌ مَصْدَرٌ دَالٌّ عَلَى الْوَحْدَةِ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ] ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ. [قَوْلُهُ: «أَتَلْعَبُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ»] أَيْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَكُلِّ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ [قَوْلُهُ: «وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»] أَيْ بَيْنَكُمْ وَفَائِدَةُ إدْخَالِهِ فِي الْكَلَامِ أَنَّ إقَامَتَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ بِهِمْ وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهِمْ، وَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُمْ قُدَّامَهُ وَظَهْرًا وَرَاءَهُ فَكَأَنَّهُ مَكْتُوفٌ مِنْ جَانِبَيْهِ هَذَا أَصْلُهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اُسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَكْتُوفٍ فِيهِمْ. قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ. [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ]، وَقِيلَ وَاحِدَةٌ. [قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ] أَيْ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الطَّلَاقَ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ»، وَإِضَافَتُهُ إلَى السُّنَّةِ، وَإِنْ جَاءَ الْإِذْنُ فِيهِ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]؛ لِأَنَّ قُيُودَهُ مِنْ السُّنَّةِ [قَوْلُهُ: فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ قُيُودٍ] وَزِيدَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّلْقَةُ كَامِلَةً، وَأَنْ يُوقِعَهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَرْأَةِ، وَالْبِدْعِيُّ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِ الْحَيْضِ حَرَامٌ فِي زَمَنِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ إنْ طَلَّقَهَا فِيهِ، كَمَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا إذَا طَلَّقَهَا بَيْنَ دَمَيْنِ يُلَفَّقُ ثَانِيهِمَا لِمَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ غَيْرَ حَرَامٍ بِعَدَمِ عِلْمِهِ بِمُعَاوَدَةِ الدَّمِ، وَزَادَ فِي الْإِرْشَادِ أَنْ يَكُونَ تَالِيًا لِحَيْضٍ لَمْ يُطَلِّقْ فِيهِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ وَجُبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَطَلَّقَ فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ كَمَنْ لَمْ يُرَاجِعْ فِي طَلَاقِ الْحَيْضِ، إذْ الرَّجْعَةُ لَا تَكْمُلُ إلَّا بِالْوَطْءِ، وَإِذَا وَطِئَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ طَلَاقَ السُّنَّةِ، وَزِيدَ آخَرُ، وَهُوَ كَوْنُ الطَّلَاقِ بِلَا عِوَضٍ، وَإِلَّا كُرِهَ تت. [قَوْلُهُ: مِمَّا إذَا طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ] أَيْ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ إجْمَاعًا، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ، فَقِيلَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَيَكُونُ تَطْوِيلًا عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ، وَقِيلَ تَعَبُّدٌ. [قَوْلُهُ: مِمَّا إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ] أَيْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ: لِلُبْسِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا بِمَاذَا تَكُونُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي هَلْ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ لَزِمَهُ وَاعْتَدَّتْ بِهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِرَجْعَتِهَا كَمَا فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: وَبِلَا يُتْبِعَهَا إلَخْ] وَضَّحَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا أَتْبَعَهَا طَلَاقًا قَبْلَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ فَلَيْسَ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ سُنِّيًّا هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. قَالَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ إذَا نَوَى ذَلِكَ عِنْدَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ أَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِهِ، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ دَاخِلَ الْعِدَّةِ أَوْ الثَّلَاثَ كَانَ الْأَوَّلُ سُنِّيًّا وَالثَّانِي بِدْعَةٌ، بَلْ مَتَى نَوَى عِنْدَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ أَنْ يُتْبِعَهَا بِأُخْرَى كَانَ الْأَوَّلُ بِدْعِيًّا، وَإِنْ لَمْ يُتْبِعْهَا. تَتِمَّةٌ: الطَّلَاقُ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْإِبَاحَةُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْحُرْمَةُ وَالْوُجُوبُ. أَمَّا الْوُجُوبُ: بِأَنْ يَلْزَمَ عَلَى عَدَمِهِ الْإِضْرَارُ بِالْمَرْأَةِ كَأَنْ لَا يَجِدَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَعْجِزَ عَنْ الْوَطْءِ مَعَ عَدَمِ رِضَاهَا بِذَلِكَ. وَأَمَّا النَّدْبُ: بِأَنْ تَكُونَ زَانِيَةً أَوْ تَارِكَةَ الصَّلَاةِ، وَلَا تَنْزَجِرُ عَنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِحُبِّهَا فَلَهُ مَسْكُهَا وَعُلِمَ بَقِيَّةُ الْأَقْسَامِ مِمَّا تَقَدَّمَ. [الرَّجْعَةِ] [قَوْلُهُ:
[ ٢ / ٨٠ ]
مِمَّا إذَا طَلَّقَ الرَّجْعِيَّةَ قَبْلَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرَّجْعَةِ فَقَالَ: (وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي الَّتِي تَحِيضُ مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فِي) حَقِّ (الْحُرَّةِ أَوْ) فِي الْحَيْضَةِ (الثَّانِيَةِ فِي) حَقِّ (الْأَمَةِ)؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ بَيْنَهُمَا مَا عَدَا الْوَطْءَ وَالرَّجْعَةُ تَكُونُ بِالنِّيَّةِ، مَعَ الْقَوْلِ كَرَاجَعْتُهَا، وَأَمْسَكْتهَا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ كَالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَفِي رَجْعَتِهِ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ قَوْلَانِ، وَلَوْ انْفَرَدَ الْقَوْلُ دُونَ النِّيَّةِ فَرَجْعَةٌ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَالْوَطْءُ دُونَ النِّيَّةِ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ لَا ظَاهِرًا وَلَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَلَهُ الرَّجْعَةُ] الرَّجْعَةُ تَعْتَرِيهَا أَحْكَامٌ خَمْسَةٌ كَمَا تَعْتَرِي النِّكَاحَ، وَأَمْثِلَتُهَا تُعْرَفُ مِنْ أَمْثِلَةِ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ الْجَوَازَ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ، وَلَهُ الرَّجْعَةُ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مُفْلِسًا أَوْ سَفِيهًا أَوْ عَبْدًا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ، لِقَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خَمْسَةٌ تَجُوزُ رَجْعَتُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهُمْ. [قَوْلُهُ: فِي الَّتِي تَحِيضُ] أَيْ وَطَلُقَتْ دُونَ الثَّلَاثِ فِي غَيْرِ زَمَنِ حَيْضٍ، وَأَمَّا الَّتِي طَلُقَتْ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَيُرَاجِعُهَا مَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الرَّابِعَةِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً، أَوْ الثَّالِثَةِ إنْ كَانَتْ أَمَةً فَإِنْ دَخَلَتْ الْحُرَّةُ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْأَمَةُ فِي الثَّالِثَةِ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تُعَجِّلَ الزَّوَاجَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ حُصُولِ مَا بَعْدَ حَيْضَةٍ فِي بَابِ الْعِدَّةِ، وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ. [قَوْلُهُ: فِي حَقِّ الْحُرَّةِ]، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، وَقَوْلُهُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالزَّوْجَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ الْحُرَّةُ فِي الثَّالِثَةِ وَالْأَمَةُ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ تَصِحَّ رَجْعَتُهَا، فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِهِ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا قَالُوهُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِدَّةِ، هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ فَالْجَوَابُ إذَا رَأَتْ دَمَ الْحَيْضِ الْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهُ وَانْقِطَاعُهُ قَبْلَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ أَيُّ بَعْضٍ لَهُ بَالٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى سَاعَةٍ نَادِرٌ، كَمَا يُفِيدُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنْ فُرِضَ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ يَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَلَا تَصِحُّ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَا يَثْبُتُ بِالدُّخُولِ. ثَانِيهَا أَنْ يَطَأهَا وَطْئًا صَحِيحًا فَلَا تَصِحُّ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَمْ يَطَأْ فِيهِ أَوْ وَطِئَ فِيهِ وَطْئًا حَرَامًا فِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صِيَامٍ؛ لِأَنَّهُ كَلَا وَطْءٍ إذْ الْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. [قَوْلُهُ: كَرَاجَعْتهَا، وَأَمْسَكْتهَا] كَذَا فِي النُّسَخِ رَاجَعْتهَا إلَخْ، وَلَا يُؤْخَذُ عَلَى إطْلَاقِهِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ إنْ رَاجَعْتهَا صَرِيحَةً وَكَذَا ارْتَجَعْتهَا فَلَا تَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ، وَكَذَا رَجَعْتهَا عِنْدَ الزَّرْقَانِيِّ، وَأَمَّا أَمْسَكْتهَا فَهِيَ مِنْ الْمُحْتَمَلِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَمْسَكْتهَا تَعْذِيبًا لَهَا، وَكَذَا رَجَعْتهَا عِنْدَ غَيْرِ الزَّرْقَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ رَجَعْت عَنْ صُحْبَتِهَا. [قَوْلُهُ: كَالْوَطْءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ] أَيْ مَعَ النِّيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. [قَوْلُهُ: وَفِي رَجَعْته بِالنِّيَّةِ فَقَطْ قَوْلَانِ إلَخْ] قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الصَّحِيحُ أَنَّ الرَّجْعَةَ تَصِحُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا فِي النَّفْسِ، فَإِذَا نَوَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَقَدْ صَحَّتْ رَجْعَتُهَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَظْهَرَ لَنَا مَا أَضْمَرَ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ أَيْ بِأَنْ يُجْرِيَ عَلَى قَلْبِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ هِيَ طَالِقٌ لَا أَنَّهُ يَنْوِي طَلَاقَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ رَدَّ عَلَى ابْنِ رُشْدٍ بِقَوْلِهِ، وَيَعِزُّ وُجُودُ هَذَا الْقَوْلِ مَنْصُوصًا فِي الْمَذْهَبِ، إنَّمَا هُوَ تَخْرِيجٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ وَصُحِّحَ خِلَافُهُ أَيْ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَعَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ. فَلَوْ نَوَى ثُمَّ أَصَابَ فَإِنْ بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ بِرَجْعَةٍ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةَ بِيَسِيرٍ، فَقَوْلَانِ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ كَوْنِ الرَّجْعَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَقَطْ فِيمَا إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَعَاشَرَهَا مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ وَرُفِعَ لِلْقَاضِي بِسَبَبِ ذَلِكَ فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالنِّيَّةِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَمْنَعُهُ مِنْهَا وَإِذَا مَاتَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِرَجْعَتِهِ، فِيهَا بِالنِّيَّةِ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ إرْثُهَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِذَا رَفَعَ لِلْقَاضِي فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ. [قَوْلُهُ: وَلَوْ انْفَرَدَ الْقَوْلُ دُونَ النِّيَّةِ] أَيْ: بِأَنْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ هَازِلًا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ هَازِلًا فَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ، وَهُوَ رَجْعَةٌ
[ ٢ / ٨١ ]
بَاطِنًا (فَإِنْ كَانَتْ) الْمُطَلَّقَةُ (مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ) لِصِغَرٍ (أَوْ مِمَّنْ يَئِسَتْ مِنْ الْحَيْضِ) ج أَرَادَ بِهَا مَنْ أَيِسَ الْحَيْضُ مِنْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَنْ جَاوَزَ سِنُّهَا الْخَمْسِينَ أَوْ السِّتِّينَ أَوْ السَّبْعِينَ سَنَةً، كَمَا قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (طَلَّقَهَا مَتَى شَاءَ، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ) يُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ وَلَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَهُ الرَّجْعَةُ إلَخْ لَكَانَ أَنْسَبَ.
(وَتَرْجِعُ الْحَامِلُ مَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَفَائِدَةُ كَوْنٌ الْهَزْلِ رَجْعَةً فِي الظَّاهِرِ لَا الْبَاطِنِ لَزِمَ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، وَبَقِيَّةُ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ قَسْمٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَخْفَى حِلُّهَا فِي النِّكَاحِ بِالْهَزْلِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ نِيَّةٌ بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ، فَقَدْ اُشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْمُحْتَمَلُ الْخَالِي عَنْ النِّيَّةِ كَأَعَدْت الْحِلَّ أَوْ رَفَعْت التَّحْرِيمَ، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ الْمُرْجَعَةَ وَغَيْرَهَا إذْ يَحْتَمِلُ لِي أَوْ لِلنَّاسِ وَرَفَعْت التَّحْرِيمَ عَنِّي أَوْ عَنْ النَّاسِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ رَجْعَةٌ، حَيْثُ لَا نِيَّةَ، وَلَا دَلَالَةَ ظَاهِرَةً بِخِلَافِ أَعَدْت حِلَّهَا أَوْ رَفَعْت تَحْرِيمَهَا فَرَجْعَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى الرَّجْعَةِ، وَإِنْ احْتَمَلَ أَعَدْت حِلَّهَا لِلنَّاسِ بِسَبَبِ الطَّلَاقِ إلَّا أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ دَلَالَتُهُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَإِمَّا بِقَوْلٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ مَعَ نِيَّةٍ كَاسْقِينِي الْمَاءَ نَاوِيًا بِهِ الرَّجْعَةَ فَتَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ عَلَى ظَاهِرِ ابْنِ رُشْدٍ. [قَوْلُهُ: وَالْوَطْءُ دُونَ النِّيَّةِ إلَخْ] فَعَلَيْهِ لَوْ وَطِئَهَا، وَلَمْ يَنْوِ رَجْعَتَهَا وَاسْتَرْسَلَ عَلَى ذَلِكَ وَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ الْعِدَّةِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ وَاللَّيْثِ فِي أَنَّ الْوَطْءَ لَا يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ. قَالَ ابْنُ نَاجِي، وَهُوَ الصَّوَابُ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ وَبِهِ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِي. اهـ. وَمَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لِانْعِقَادِهَا بِصِيغَةِ النِّكَاحِ إنْ نَوَاهَا. [قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ إلَخْ] أَيْ، وَيَكُونُ بِدْعِيًّا إذَا أَوْقَعَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، أَوْ يُوقِعُ وَاحِدَةً مَعَ نِيَّةِ وُقُوعِ أُخْرَى. فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: مِنْ الْمَحِيضِ] الْمَحِيضُ لُغَةً فِي الْحَيْضِ. [قَوْلُهُ: أَرَادَ بِهَا مَنْ أَيِسَ الْحَيْضُ مِنْهَا] أَيْ فَيَصْدُقُ بِبِنْتِ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَيِسَ مِنْ حَيْضِهَا لِأَمْرٍ مَا، وَالْحَيْضُ نَائِبُ فَاعِلِ أَيِسَ، وَأَيِسَ أَيَسًا مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَكَسْرُ الْمُضَارِعِ لُغَةٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، ثُمَّ فِي الْمَقَامِ أُمُورٌ. الْأَوَّلُ: أَنَّ أَيِسَ لَازِمٌ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَهُوَ مِنْ فَلَا يُصَاغُ مِنْهُ فُعِلَ يَتَعَدَّى لِلْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ عَدَّاهُ الشَّارِحُ لِلْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ وَجَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ حَقُّهُ أَنْ يُسْنَدَ لِلْفَاعِلِ لَا لِلْحَيْضِ وَارْتِكَابُ التَّجَوُّزِ مِمَّا لَا يُجْدِي شَيْئًا. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ أَرَادَ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُتَبَادِرًا مِنْ اللَّفْظِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي نَفَاهُ مُتَبَادِرٌ، مَعَ أَنَّ هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ مُرَادًا عَيْنُ الْمُصَنِّفِ لَا فَرْقَ إلَّا مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ شَيْءٌ، نَعَمْ لَوْ قَالَ أَرَادَ مَنْ انْقَطَعَ عَنْهَا الْحَيْضُ، وَلَوْ لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْإِيَاسِ كَبِنْتِ عِشْرِينَ سَنَةً مَثَلًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا إلَخْ لَظَهَرَ التَّعْبِيرُ بِهَذِهِ الْمَادَّةِ فَتَدَبَّرْ. الثَّالِثُ أَنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لَا دَاعِيَ لَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيَاسِ هُنَا كَوْنُ الدَّمِ انْقَطَعَ عَنْهَا مُدَّةً يُوجِبُ لَهَا أَنْ لَوْ طَلُقَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِالْأَشْهُرِ. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الدَّمَ إذَا انْقَطَعَ لَا لِسَبَبٍ أَوْ لِمَرَضٍ، وَلَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْإِيَاسِ كَبِنْتِ عِشْرِينَ أَنْ تَتَرَبَّصَ سَنَةً تِسْعَةً لِلِاسْتِبْرَاءِ وَثَلَاثَةً لِلْعِدَّةِ، وَهَلْ تِلْكَ السَّنَةُ مَحْسُوبَةٌ مِنْ يَوْمِ انْقِطَاعِ الدَّمِ عَنْهَا أَوْ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، قَوْلَانِ أَيْ فَهُوَ أَمْرٌ مَضْبُوطٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ لِمَعْرِفَةِ أَحَدٍ وَحَرَّرَ. [قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ] أَيْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَنْ جَاوَزَ سِنُّهَا خَمْسِينَ إلَخْ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَوَاضِعُ ثَلَاثَةً. مَوْضِعٌ قَالَ فِيهِ مَنْ جَاوَزَ سِنُّهَا الْخَمْسِينَ. وَمَوْضِعٌ قَالَ مَنْ جَاوَزَ سِنُّهَا السِّتِّينَ إلَخْ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ وَاحِدًا عَبَّرَ فِيهِ بِأَوْ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَأَنْ تَكُونَ لِحِكَايَةِ أَقْوَالٍ وَلِلتَّرَدُّدِ، ثُمَّ مَا الْمُرَادُ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ أَوْ الْمَوْضِعِ يُرَاجَعُ بَقِيَّةُ كُتُبِهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَيْ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: طَلَّقَهَا مَتَى شَاءَ] أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ قَالَ تت: وَلَوْ بَعْدَ وَطْئِهَا اهـ. لِأَنَّ طَلَاقَ ذَوَاتِ الْأَشْهُرِ لَا يُوجِبُ تَطْوِيلَ عِدَّةٍ، وَقَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ أَيْ لِلْأَمْنِ مِنْ التَّطْوِيلِ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِالْحَيْضِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَوْ فِي حَالِ حَيْضِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ. [قَوْلُهُ: لَكَانَ أَنْسَبَ] أَيْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ
[ ٢ / ٨٢ ]
لَمْ تَضَعْ وَالْمُعْتَدَّةُ بِالشُّهُورِ)، وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ وَالْيَائِسَةُ تَرْجِعُ (مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ) وَعِدَّةُ الْأُولَى سَنَةٌ وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ تَسْتَقْبِلُهَا بِالْأَهِلَّةِ. (وَالْأَقْرَاءُ) جَمْعُ قُرْءٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (هِيَ الْأَطْهَارُ) وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ الْحَيْضُ (سُؤَالٌ) أَوْرَدَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ تَعْتَدُّ بِقُرْأَيْنِ وَبَعْضِ قُرْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُهَا فِي آخِرِ الطُّهْرِ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ عَلَى قُرْأَيْنِ وَبَعْضِ قُرْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ شَهْرَانِ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ.
(وَيُنْهَى) بِمَعْنَى وَنُهِيَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ (أَنْ يُطَلِّقَ) الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ، وَهِيَ (فِي الْحَيْضِ فَإِنْ طَلَّقَ لَزِمَهُ) لِمَا صَحَّ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - عَنْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الطَّلَاقِ لَا الرَّجْعَةِ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَضَعْ] أَيْ حَمْلَهَا كُلَّهُ فَتَرْجِعُ بَعْدَ وَضْعِ بَعْضِهِ فَإِنْ وَضَعَتْ جَمِيعَهُ انْقَضَتْ، وَلَا رَجْعَةَ، وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِمَا أَسْقَطَتْهُ مِمَّا يَعْلَمُ النِّسَاءُ أَنَّهُ وُلِدَ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ دَمٌ مُنْعَقِدٌ، فَإِذَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ هَلْ هُوَ وَلَدٌ أَوْ دَمٌ اُخْتُبِرَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ، فَإِنْ كَانَ دَمًا انْحَلَّ، وَإِنْ كَانَ وَلَدًا لَا يَزِيدُ ذَلِكَ إلَّا شِدَّةً قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ. تَتِمَّةٌ: لَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ بِمَوْتِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ مَوْتِ الزَّوْجِ، ثُمَّ خَرَجَ الْبَعْضُ الْآخَرُ بَعْدَ الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ خَلِيلٍ مِنْ قَوْلِهِ إنْ زَايَلَهَا كُلُّهُ حَيَّةً انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ بَقِيَّتِهِ ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ] أَيْ الَّتِي لَمْ تُمَيِّزْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّ الَّتِي تُمَيِّزُ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي عِبَارَتِهِ مِنْ الْقُصُورِ، إذْ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ وَاَلَّتِي تَأَخَّرَ حَيْضُهَا بِمَرَضٍ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ مِنْ إرْضَاعٍ أَوْ مَرَضٍ. [قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ] أَيْ مُدَّةُ عَدَمِ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. [قَوْلُهُ: وَعِدَّةُ الْأُولَى سَنَةٌ إلَخْ] فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا إنَّمَا هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَالتِّسْعَةُ أَشْهُرٍ الَّتِي قَبْلَهَا إنَّمَا هِيَ اسْتِبْرَاءٌ، لِزَوَالِ الرِّيبَةِ، وَمِثْلَ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الَّتِي تَأَخَّرَ حَيْضُهَا لِمَرَضٍ أَوْ تَأَخَّرَ بِلَا سَبَبٍ. [قَوْلُهُ: وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ] وَمِثْلُهَا الصَّغِيرَةُ الَّتِي تُطِيقُ الْوَطْءَ وَلَا فَرْقَ فِي الِاعْتِدَادِ بِالشُّهُورِ بَيْنَ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، كَالِاعْتِدَادِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ بِالْأَقْرَاءِ. [قَوْلُهُ: تَسْتَقْبِلُهَا بِالْأَهِلَّةِ] هَذَا إذَا طَلُقَتْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَأَمَّا إنْ طَلُقَتْ فِي بَعْضِ شَهْرٍ، فَإِنَّهُ يُكَمَّلُ بِالْعَدَدِ، وَيُلْغَى يَوْمُ الطَّلَاقِ. [قَوْلُهُ: وَالْأَقْرَاءُ] أَيْ فِي الْآيَةِ لَا فِي الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ. [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ إلَخْ] أَيْ وَعَلَى الضَّمِّ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ جُمْهُورُ اللُّغَةِ عَلَى الْفَتْحِ فَالضَّمُّ مَرْجُوحٌ أَفَادَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. [قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَخْ] وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ حِلُّهَا بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ الْأَخِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَطْهَارُ وَعَدَمُ حِلِّهَا حَتَّى تَتِمَّ الْحَيْضَةُ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ الْحَيْضُ. [قَوْلُهُ: أَوْرَدَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ]، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يُطَلِّقُهَا فِي آخِرِ الطُّهْرِ] بَلْ مَتَى طَلَّقَهَا فِي أَثْنَاءِ الطُّهْرِ تَحَقَّقَتْ الْبَعْضِيَّةُ، فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْآخَرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَدْ نَصَّ - ﵀ - عَلَى الصُّورَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ. [قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ إلَخْ] أَيْ فَهُوَ مَجَازٌ، وَهُوَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ، وَأَيْنَ الْقَرِينَةُ وَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ عَلَى نِزَاعٍ، وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ إلَخْ، بِقَرِينَةِ «أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ: فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ: فِي عِدَّتِهِنَّ» بِأَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى وَنَهَى إلَخْ] إنَّمَا قَدَرَهُ بِنَهَى لِتَقَدُّمِ النَّهْيِ مِنْ الشَّارِعِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ إلَّا أَنَّ النَّهْيَ الَّذِي كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مُتَعَلِّقٌ بِابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا نَهْيٌ عَامٌّ، وَيُجَابُ بِأَنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ بِابْنِ عُمَرَ نَهْيٌ لِغَيْرِهِ. [قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الْحَيْضِ] أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا غَيْرُ حَامِلٍ يُرِيدُ وَكَذَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، وَقَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ إنْ عَدِمَتْ الْمَاءَ إلَّا أَنَّهُ إنْ طَلَّقَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ. [قَوْلُهُ: لِمَا صَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إلَخْ] قَالَ فِي التَّحْقِيقِ وَالنَّهْيُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵄ - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، إلَخْ أَيْ فَالنَّهْيُ مِنْ الْحَدِيثِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ وَاسْمُ الْمَرْأَةِ
[ ٢ / ٨٣ ]
ذَلِكَ فَقَالَ - ﵌ -: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ بِهَا النِّسَاءُ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ.
تَنْبِيهٌ: مِثْلُ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ الطَّلَاقُ فِي النِّفَاسِ وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ مَنْعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ (وَ) إنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا (أُجْبِرَ عَلَى الرَّجْعَةِ) وَصْفُهُ الْجَبْرَ أَنْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] آمِنَةُ بِنْتُ غِفَارٍ بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مُخَفَّفَةً. قَالَ الشَّيْخُ عَلِيُّ السَّمْرَاسِيُّ وَالظَّاهِرُ مِنْ عَدَالَةِ ابْنِ عُمَرَ وَحَالِهِ أَنَّهُ حِينَ طَلَّقَهَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِحَيْضِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ حُرْمَةُ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ شُرِعَ التَّحْرِيمُ. [قَوْلُهُ: فَسَأَلَ عُمَرُ إلَخْ] الظَّاهِرُ أَنَّ السُّؤَالَ مِنْ ابْنِهِ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - اسْتِحْيَاءً مِنْ سُؤَالِهِ لَهُ. [قَوْلُهُ: مُرْهُ] أَصْلُهُ اُأْمُرْهُ بِهَمْزَتَيْنِ الْأُولَى لِلْوَصْلِ مَضْمُومَةٌ تَبَعًا لِلْعَيْنِ مِثْلُ اُقْتُلْ. وَالثَّانِي فَاءُ الْكَلِمَةِ سَاكِنَةٌ تُبَدَّلُ تَخْفِيفًا مِنْ جِنْسِ حَرَكَةِ سَابِقَتِهَا، فَتَقُولُ أُومَرْ فَإِذَا وُصِلَ الْفِعْلُ بِمَا قَبْلَهُ زَالَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ وَسَكَنَتْ الْهَمْزَةُ الْأَصْلِيَّةُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه: ١٣٢] لَكِنْ اسْتَعْمَلَهَا الْعَرَبُ بِلَا هَمْزٍ، فَقَالُوا: مُرْ لِكَثْرَةِ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّهُمْ حَذَفُوا أَوَّلًا الْهَمْزَةَ الثَّانِيَةَ تَخْفِيفًا ثُمَّ حَذَفُوا هَمْزَةَ الْوَصْلِ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا لِتَحَرُّكِ مَا بَعْدَهَا، وَكَذَا حُكْمُ خُذْ وَكُلْ أَيْ مُرْ ابْنَك عَبْدَ اللَّهِ قَالَهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ أَيْ مُرْهُ بِالْمُرَاجَعَةِ. [قَوْلُهُ: فَلْيُرَاجِعْهَا] الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَنَا كَمَا أَفَادَهُ شَارِحُ الْحَدِيثِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اسْتِئْنَافُ أَمْرٍ مِنْهُ - ﷺ - لِابْنِ عُمَرَ بِالْمُرَاجَعَةِ مُبَاشَرَةً بَعْدَ أَمْرِهِ لَهُ بِوَاسِطَةٍ تَأْكِيدًا، وَتَقْرِيرًا لِذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ كَتْبِي هَذَا رَأَيْت شَارِحَ الْمُوَطَّأِ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلْيُرَاجِعْهَا، الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالنَّدْبُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالرَّجْعَةِ أَبُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَ الشَّرْعَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ مُبَلِّغٌ عَنْهُ اهـ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا] بِإِعَادَةِ اللَّامِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا، فَالْكَسْرُ عَلَى الْأَصْلِ فِي لَامِ الْأَمْرِ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ لَامِ التَّوْكِيدِ وَالسُّكُونُ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِاسْتِمْرَارِ الْإِمْسَاكِ، وَإِلَّا فَالرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ لَهَا. " تَتِمَّةٌ ": اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إذَا لَمْ يَرْتَجِعْهَا الَّذِي طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ حَتَّى جَاءَ الطُّهْرُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الطَّلَاقُ فِيهِ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ لَا يَزُولُ بِزَوَالِ، وَقْتِهِ أَمْ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ فَلَا مَعْنَى لِلِارْتِجَاعِ ذَكَرَهُ الْفَاكِهَانِيُّ. [قَوْلُهُ: بَعْدُ] أَيْ بَعْدَ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ الثَّانِي، وَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ أَيْ يَمَسَّهَا أَيْ يُجَامِعَهَا. [قَوْلُهُ: فَتِلْكَ الْعِدَّةُ] أَيْ فَتِلْكَ زَمَنُ الْعِدَّةِ، وَهِيَ حَالَةُ الطُّهْرِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ، أَيْ أَذِنَ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ بِهَا النِّسَاءُ هَكَذَا فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ نُسَخِ هَذَا الشَّارِحِ وَالصَّوَابُ مَا فِي التَّحْقِيقِ، وَهُوَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي رَأَيْته فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ بِتَطْلِيقِ النِّسَاءِ فِيهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ فِي زَمَنِ عِدَّتِهِنَّ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ وَفُهِمَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَ الْمُطَلَّقِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ لِلْإِصْلَاحِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْوَطْءِ وَبِالْوَطْءِ يُكْرَهُ لَهُ الطَّلَاقُ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِمَسْكِهَا حَتَّى تَحِيضَ أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُرَ فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ الْأَوَّلِ كُرِهَ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَةٍ أُخْرَى غَيْرِ حَيْضَةِ الطَّلَاقِ. [قَوْلُهُ: حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ] قَالَ شَارِحُ الْحَدِيثِ حُسِبَتْ بِضَمِّ الْحَاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ الطَّلْقَةُ الَّتِي طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ، بِتَطْلِيقَةٍ وَاَلَّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ بِتَطْلِيقٍ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ابْنُ عُمَرَ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ وَالْمُرَاجَعَةُ بِدُونِ الطَّلَاقِ مُحَالٌ، وَلَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِالرَّجْعَةِ الرَّجْعَةُ اللُّغَوِيَّةِ، وَهِيَ الرَّدُّ إلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ هَذَا غَلَطٌ إذْ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، مُقَدَّمٌ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. بَلْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ «فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَيَحْتَسِبُ بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ قَالَ نَعَمْ» . [قَوْلُهُ: وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ إلَخْ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ لَا يَقُولُ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ بَلْ تَعَبُّدٌ. [قَوْلُهُ: أَنَّهُ] أَيْ الْمَنْعُ إلَخْ
[ ٢ / ٨٤ ]
[الخلع]
يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِهَا فَإِنْ أَبَى هَدَّدَهُ بِالسَّجْنِ فَإِنْ أَبَى سُجِنَ فَإِنْ أَبَى هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَرِيبًا بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ فِي مَجْلِسٍ، وَهَذَا الْجَبْرُ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَا بَائِنًا، وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ فَإِنْ انْقَضَتْ فَلَا رَجْعَةَ وَلَا جَبْرَ.
(وَاَلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) يُبَاحُ لَهُ أَنْ (يُطَلِّقَهَا مَتَى شَاءَ) فِي طُهْرٍ أَوْ حَيْضٍ عَلَى الْمَشْهُورِ إذْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا (وَالْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا) أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا (وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] .
(وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ) أَيْ يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ (حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ وَشَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ إلَى الْخُلْعِ، وَهُوَ لُغَةً: الْإِزَالَةُ وَمِنْهُ خَلْعُ الْوَالِي عَزْلُهُ. وَشَرْعًا: إزَالَةُ الْعِصْمَةِ بِعِوَضٍ مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] فَلَيْسَ جَارِيًا عَلَى الْمُحَدَّثِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ عِلَّةُ التَّطْوِيلِ، وَلَوْ جَرَى عَلَيْهِ، لَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهَا أَيْ الْعِلَّةَ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ، وَوَجْهُ التَّطْوِيلِ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْحَيْضَةِ لَا تَعْتَدُّ بِهِ فِي أَقْرَائِهَا، وَالْمَرْأَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ كَالْمُعَلَّقَةِ لَا مُعْتَدَّةٌ، وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، وَلَا فَارِغَةٌ مِنْ زَوْجٍ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ أَبَى هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ] فَإِنْ أَبَى ضُرِبَ وَتَرَكَ الشَّارِحُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ وَحِينَئِذٍ فَالْمَرَاتِبُ خَمْسٌ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الضَّرْبِ بِظَنِّ الْإِفَادَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ الْحَطَّابُ فِي التَّهْدِيدِ فَالْأُولَى الضَّرْبُ فَإِنْ ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ قَبْلَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، صَحَّ. إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَرْتَجِعُ مَعَ فِعْلِهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ فَإِنْ فَعَلَهَا كُلَّهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ ثُمَّ ارْتَجَعَ مَعَ إبَانَةِ الْمُطَلِّقِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ امْتَثَلَ بِالضَّرْبِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا ارْتَجَعَهَا لَهُ الْحَاكِمُ بِأَنْ يَقُولَ: ارْتَجَعْت لَك زَوْجَتَك وَتَصِحُّ تِلْكَ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الزَّوْجِ قَوْلٌ، وَلَا نِيَّةٌ، وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا بِرَجْعَةِ الْحَاكِمِ وَيَتَوَارَثَانِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْحَاكِمِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ. تَنْبِيهٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ: طَلَّقْتهَا فِي الطُّهْرِ. وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: بَلْ فِي الْحَيْضِ. فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ، وَهَلْ بِيَمِينٍ أَوْ لَا، وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ إلَّا أَنْ يَتَرَافَعَا ظَاهِرًا، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَهَلْ بِيَمِينٍ أَوْ لَا. [قَوْلُهُ: فِي طُهْرٍ أَوْ حَيْضٍ عَلَى الْمَشْهُورِ] وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ مَحْضُ التَّعَبُّدِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ مَنْعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مُعَلَّلٌ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: بِمَحْضِ التَّعَبُّدِ، فَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَا يَمْتَنِعُ طَلَاقُهُ، وَعَلَى كَلَامِ أَشْهَبَ يَمْتَنِعُ. [قَوْلُهُ: وَالْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا] سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ إعْسَارٍ بِنَفَقَةٍ أَوْ لَا، وَمِثْلُ طَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، مَا إذَا دَخَلَ بِهَا وَوَطِئَهَا وَطْئًا غَيْرَ مُبَاحٍ كَمَا لَوْ كَانَ فِي حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ مَثَلًا فَإِنَّهَا بَائِنَةٌ أَيْضًا. [قَوْلُهُ: وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ] أَيْ الثَّلَاثُ فِي كَلِمَةٍ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالْبَتَّةِ أَوْ بِتَكَرُّرِ لَفْظِ الطَّلَاقِ نَسَقًا. [قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ] أَوْ أَنَا طَالِقٌ مِنْك أَوْ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ حَلَّ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ، وَلَوْ هَزْلًا، وَأَمَّا أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ أَوْ مَطْلُوقَةٌ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْخَبَرُ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ نَقَلَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوَهُ لِلْإِنْشَاءِ، وَاسْتَمَرَّ غَيْرُهُ عَلَى الْخَبَرِ، وَيَقَعُ، وَلَوْ لَاحِنًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقًا مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ عَلَى فَرْضِ عِلْمِهِ بِالنَّحْوِ هَازِلٌ، وَهُوَ يَلْزَمُهُ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يَنْوِيَ إلَخْ] أَيْ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ عِنْدَ نِيَّتِهَا أَوْ عَدَمِ نِيَّةِ شَيْءٍ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ] هَذَانِ الْقَوْلَانِ كَمَا فِي تت مَبْنِيَّانِ عَلَى يَمِينِ التُّهْمَةِ هَلْ تَتَوَجَّهُ أَوْ لَا، وَالْمُعْتَمَدُ تَوَجُّهُهَا قَالَ عج: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ. [الْخُلْعِ] [قَوْلُهُ: خَلْعُ الْوَالِي] أَيْ السُّلْطَانُ خَلَعَ الْوَالِيَ [قَوْلُهُ: إزَالَةُ الْعِصْمَةِ بِعِوَضٍ مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْ غَيْرِهَا] كَوَلِيٍّ أَوْ أَجْنَبِيٍّ لَكِنْ لَا يَتِمُّ لِلزَّوْجِ الْعِوَضُ إلَّا إذَا كَانَ الدَّافِعُ رَشِيدًا، لَا إنْ كَانَ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ رَقِيقًا فَلَا يَتِمُّ لَهُ، وَإِنْ أُبِينَتْ،
[ ٢ / ٨٥ ]
[ألفاظ الكناية في الطلاق]
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَالْخُلْعُ طَلْقَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا إذَا أَعْطَتْهُ شَيْئًا فَخَلَعَهَا بِهِ مِنْ نَفْسِهِ) فَقَوْلُهُ: طَلْقَةٌ إشَارَةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الْخُلْعِ طَلْقَتَيْنِ لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَعَلَى الثَّانِي لَهُ مُرَاجَعَتُهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَقَوْلُهُ: لَا رَجْعَةَ فِيهَا إشَارَةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّهُ رَجْعِيٌّ لَا بَائِنٌ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا إشَارَةٌ لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا إذَا سَمَّى طَلَاقًا، أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا فَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَقَوْلُهُ: أَعْطَتْهُ شَيْئًا يُرِيدُ مِمَّا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ وَبَيْعُهُ، احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، وَيُكْسَرُ الْخَمْرُ، وَيُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ وَلَيْسَ لَهُ قِبَلَ الْمَرْأَةِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ شَيْءٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضِرًّا لَهَا، فَتَبْذُلُ الْعِوَضَ لِتَتَخَلَّصَ مِنْ ظُلْمِهِ فَيَحْرُمُ أَخْذُهُ، وَيَرُدُّهُ وَيَنْفُذُ طَلَاقُهُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ الْمَوْعُودِ بِمَجِيئِهَا فَقَالَ: (وَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَشَرْطُ الزَّوْجِ التَّكْلِيفُ، وَلَوْ سَفِيهًا لَا صَبِيَّ أَوْ مَجْنُونَ، وَلَا يَبْرَأُ الدَّافِعُ بِدَفْعِ الْعِوَضِ لِلسَّفِيهِ، إنَّمَا يَبْرَأُ بِدَفْعِهِ لِلْوَلِيِّ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ، وَقَوْلُهُ بِعِوَضٍ لَيْسَ بِشَرْطٍ إذْ مِنْ أَفْرَادِ مَا إذَا أَتَى بِلَفْظِ الْخُلْعِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا تَفْسِيرٌ لِأَحَدِ نَوْعَيْ الْخُلْعِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إذَا أَعْطَتْهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِالْخُلْعِ، وَمِثْلُ دَفْعِ الْعِوَضِ، وَلَوْ وَقَعَ مِنْ الْمَرْأَةِ إبْرَاءٌ، وَلَوْ جَهِلَتْ مَا أَبْرَأَتْ. تَنْبِيهٌ: إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ هُنَا لِمُنَاسَبَتِهَا لِمَا قَبْلَهَا فِي الْبَيْنُونَةِ. [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا فَلَا يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ] فَرَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إلَخْ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا وَانْقَلَبَ بِهِ، فَقَالَ ذَا بِذَاكَ، وَلَمْ يُسَمِّيَا طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقُ الْخُلْعِ. اهـ. وَقَوْلُهُ فَلَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ عِبَارَةُ تت قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ طَلَاقًا إشَارَةً لِمَنْ يَقُولُ لَيْسَ طَلَاقًا، إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ طَلَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَمْ يَلْزَمْ، وَهُوَ فَسْخٌ. اهـ. الْمُرَادُ مِنْهُ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَيْنَ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ آخِرًا هُوَ عَيْنُ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ طَلْقَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا، وَهُوَ طَلَاقُ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ فَسْخٌ، وَإِنْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ عِبَارَةُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ. [قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ الْخِنْزِيرُ] وَقِيلَ يُسَرَّحُ فَهُمَا قَوْلَانِ، وَقَوْلُهُ: وَيُكْسَرُ الْخَمْرُ أَيْ نَكْسِرُ أَوَانِيَ الْخَمْرِ، وَيُرَاقُ الْخَمْرُ، وَقِيلَ لَا تُكْسَرُ بَلْ يُرَاقُ. وَانْظُرْ مَا وَجْهُ الْأَوَّلِ حَيْثُ كَانَتْ نَفِيسَةً، وَلَا يَغُوصُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْخَمْرِ كَالصِّينِيِّ وَالنُّحَاسِ. [قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهُ قِبَلِ الْمَرْأَةِ إلَخْ] أَيْ حَيْثُ عَلِمَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهَا أَوْ كَانَا جَاهِلَيْنِ فَإِنْ عَلِمَتْ دُونَهُ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ، فَإِنْ تَخَلَّلَتْ الْخَمْرُ فَلِلزَّوْجِ. وَانْظُرْ إذَا وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى قُلَّةِ خَلٍّ، فَإِذَا هِيَ خَمْرٌ فَهَلْ لَهُ مِثْلُهُ كَالنِّكَاحِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ أَوْ لَا شَيْءَ لَهُ كَذَا فِي الزَّرْقَانِيِّ [قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ]، وَقِيلَ بِخُلْعِ الْمِثْلِ، وَقَوْلُهُ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ أَيْ حُكْمُ الْخُلْعِ الْجَوَازُ أَيْ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، فَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ لَا يُقَالُ الْجَائِزُ يَصْدُقُ بِالْمَكْرُوهِ فَلَيْسَ فِيهِ رَدٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْجَائِزُ إذَا أُطْلِقَ فِي الْأُصُولِ يَنْصَرِفُ إلَى الْجَائِزِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ كَذَا قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ الْفِيشِيُّ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضِرًّا لَهَا] أَيْ ضَرَرًا لَهَا التَّطْلِيقُ بِهِ فَلَيْسَ مِنْ الضَّرَرِ تَأْدِيبُهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَأَدَّبَهَا، وَإِنْ شَاءَ فَارَقَهَا وَحَلَّ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ. [قَوْلُهُ: وَيَرُدُّهُ إلَخْ] حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَقَامَتْ عَلَى الضَّرَرِ شَاهِدًا يَشْهَدُ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِأَنَّهُ يَضُرُّهَا وَحَلَفَتْ مَعَهُ، فَإِنَّهَا تَرُدُّ الْمَالَ مِنْهُ وَمِثْلُ الشَّاهِدِ الْمَرْأَتَانِ أَيْ شَهَادَةُ الْقَطْعِ، وَأَمَّا شَهَادَةُ السَّمَاعِ فَسَتَأْتِي، وَكَذَا إذَا ادَّعَتْ بَعْدَ الْمُخَالَعَةِ أَنَّهَا مَا خَالَعَتْ إلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ، وَأَقَامَتْ بَيِّنَةَ سَمَاعٍ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرُدُّ مَا خَالَعَهَا بِهِ وَبَانَتْ مِنْهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ السَّمَاعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، بَلْ لَوْ ذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَالْخَدَمِ وَنَحْوِهِمْ عَمِلَ عَلَى شَهَادَتِهَا، وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَالَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى السَّمَاعِ مَعَ الْيَمِينِ، وَقِيلَ لَا يَكْفِي وَرَدُّ الْمَالِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَلَى السَّمَاعِ ضَعِيفٌ. [أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ فِي الطَّلَاقِ] [قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ] لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الطَّلَاقِ مَعَ أَلْبَتَّةَ، وَأَلْبَتَّةَ
[ ٢ / ٨٦ ]
يَدْخُلْ) وَلَا يَنْوِي مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَشَهَرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَقِيلَ يَنْوِي إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهَا، وَفِي سَائِرِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ (فَإِنْ قَالَ) لَهَا أَنْتِ (بَرِيَّةٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الَّتِي دَخَلَ بِهَا، وَيَنْوِي) فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ لَا فِي إرَادَةِ غَيْرِ الطَّلَاقِ (فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْأَصْلِ مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ.
(وَالْمُطَلَّقَةُ) الَّتِي سَمَّى لَهَا الزَّوْجُ صَدَاقًا جَائِزًا (قَبْلَ الْبِنَاءِ) يَجِبُ (لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ) الَّذِي سَمَّاهُ لَهَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]
_________________
(١) [حاشية العدوي] بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ الْبَتِّ، وَهُوَ الْقَطْعُ وَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ، كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ فَكَأَنَّ الزَّوْجَ قَطَعَ الْعِصْمَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَلَمْ يُبْقِ مِنْهَا شَيْئًا. [قَوْلُهُ: وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ] فَقَدْ قَالَ - ﵀ - وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ فَجَاءَ ثَلَاثٌ فِيهِمَا، أَيْ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، وَلَا يَنْوِي وَجَاءَ يَنْوِي فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ: مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّهُ يَنْوِي فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ فَإِنَّ فِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَنْوِي فِي أَلْبَتَّةَ مُطْلَقًا مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا، وَإِنَّمَا يَنْوِي فِيمَا عَدَاهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا شَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ضَعِيفٌ وَالْمَشْهُورُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ كَمَا قَرَّرَهُ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ بَرِيَّةٌ] أَيْ أَوْ أَنْتِ كَالدَّمِ الْمَيْتَةِ أَوْ وَهَبْتُك أَوْ رَدَدْتُك لِأَهْلِك، أَوْ مَا انْقَلَبَ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ حَرَامٍ أَوْ أَنَا بَائِنٌ، أَوْ أَنْتِ بَائِنٌ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةً؛ لِأَنَّ الْمَدْخُولَ بِهَا لَا يُبِينُهَا إلَّا الثَّلَاثُ أَوْ الْخُلْعُ. [قَوْلُهُ: أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك] خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَا يَلْزَمُهُ فِيهِ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا، وَلَا يَنْوِي، وَذَلِكَ فِي بَتَّةٌ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ ابْتِدَاءً حَتَّى يَدَّعِيَ نِيَّةَ أَقَلَّ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ ابْتِدَاءً حَتَّى يَدَّعِيَ نِيَّةَ أَقَلَّ حَتَّى فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَيُقْبَلُ كَمَا إذَا قَالَ لَهَا خَلَّيْت سَبِيلَك. تَنْبِيهٌ: جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ حَيْثُ لَا بِسَاطَ، وَأَمَّا لَوْ رَفَعَتْهُ بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَ عِنْدَ الْمُفْتِي، وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الطَّلَاقَ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَى نَفْيِ الطَّلَاقِ، لَكِنْ عِنْدَ الْقَاضِي حَيْثُ رَفَعَتْهُ بَيِّنَةٌ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَفْتِيًا صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ قَالَ لِمَنْ طَلَّقَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَهُ يَا مُطَلَّقَةُ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ بِمَا حَصَلَ لَهُ أَوْ أَكْثَرَتْ فِي مُرَاجَعَتِهِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهَا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ: يَا مُطَلَّقَةُ وَادَّعَى إنَّمَا أَرَادَ يَا مِثْلَ الْمُطَلَّقَةِ فِي طُولِ اللِّسَانِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ أَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ كَالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي الرَّائِحَةِ أَوْ قَالَ أَرَدْت بِبَائِنٍ مُنْفَصِلٍ، إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ أَوْ أَنْتِ كَالدَّمِ فِي الِاسْتِقْذَارِ إذَا كَانَتْ رَائِحَتُهَا قَذِرَةً أَوْ كَرِيهَةً. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُ بِهِ، وَلَوْ هَازِلًا مَا لَمْ يَكُنْ بِسَاطٌ، وَإِلَّا فَيُصَدَّقُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُوثَقَةً، وَقَالَتْ: أَطْلِقْنِي فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ مَحِلَّ لُزُومِ الطَّلَاقِ فِي نَحْوِ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك إذَا كَانَ الْعُرْفُ يَسْتَعْمِلُهَا فِي الطَّلَاقِ، وَإِلَّا كَانَتْ كِنَايَةً خَفِيَّةً، فَإِنْ اعْتَادَ ذَلِكَ أَوْ اعْتَادَهُ أَهْلُ بَلَدِهِ، وَأَوْلَى لَوْ كَانَ عَادَةَ الْجَمِيعِ لَزِمَ الطَّلَاقُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يَنْوِيَ الطَّلَاقَ. [قَوْلُهُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْأَصْلِ مَعَانِيَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ] أَيْ بَرِيَّةٌ مِنْ الْبَرَاءَةِ أَيْ بَرِيَّةٌ مِنْ الزَّوْجِ وَخَلِيَّةٌ أَيْ خَلَّى الْجِسْمُ مِنْ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، وَحَرَامٌ أَيْ مَمْنُوعَةٌ مِنِّي لِلْفُرْقَةِ، وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك، أَصْلُهُ أَنْ يَفْسَخَ خِطَامَ الْبَعِيرِ عَنْ أَنْفِهِ، وَيُلْقِيَ عَلَى غَارِبِهِ، وَهُوَ مُقَدَّمُ سَنَامِهِ، وَيُسَيَّبُ لِلرَّعْيِ، فَكَأَنَّ الزَّوْجَ يَقُولُ لَهَا: قَدْ سَيَّبْتُك وَصِرْت مُسْتَقِلَّةً لَا زَوْجَ لَك. [قَوْلُهُ: وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ] الْمُرَادُ بِهَا الْوَطْءُ لَا مُجَرَّدُ الِاخْتِلَاءِ بِهَا. [قَوْلُهُ: إذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا] لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِقَوْلِهِ صَدَاقًا جَائِزًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الصَّدَاقُ جَائِزًا، وَيَكُونُ النِّكَاحُ فَاسِدًا لِوَجْهٍ آخَرَ، وَخُلَاصَةُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ جَوَازَ الصَّدَاقِ أَعَمُّ
[ ٢ / ٨٧ ]
أَيْ الثَّيِّبَاتُ الرَّشِيدَاتُ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وَهُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَقَيَّدْنَا بِسَمَّى لَهَا احْتِرَازًا مِمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ لَهَا شَيْئًا، وَذَلِكَ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ وَبِجَائِزٍ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا سَمَّى لَهَا مَا لَا يَجُوزُ، وَبِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَ فَاسِدًا فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهَا.
ج: ظَاهِرُ قَوْلِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بِهَا لَكَانَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ، وَلَوْ وَكَانَ صَبِيًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الصَّبِيَّ إذَا دَخَلَ بِهَا لَيْسَ لَهَا إلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ كَلَا دُخُولٍ، وَقَدْ عُلِمَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ تَعْفُوَ) أَيْ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ (هِيَ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا) رَشِيدَةً (وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَذَلِكَ) أَيْ الْعَفْوُ رَاجِعٌ (إلَى أَبِيهَا وَكَذَلِكَ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَمَنْ طَلَّقَ) امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً أَوْ الْأَمَةَ الْمُسْلِمَةَ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، لَمْ يُسَمِّ لَهَا طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا كَانَ الْمُطَلِّقُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ (فَيَنْبَغِي) بِمَعْنَى يُسْتَحَبُّ (لَهُ أَنْ يُمَتِّعَهَا) أَيْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا يَجْرِي مَجْرَى الْهِبَةِ بِحَسَبِ مَا يَحْسُنُ مِنْ مِثْلِهِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ مِنْ عُسْرٍ، وَيُسْرٍ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ:
_________________
(١) [حاشية العدوي] مِنْ كَوْنِ النِّكَاحِ صَحِيحًا، فَكُلُّ نِكَاحٍ صَحِيحٍ الصَّدَاقُ فِيهِ جَائِزٌ، وَلَا الْعَكْسُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ نَقِيضَ الْأَعَمِّ أَخَصُّ وَنَقِيضَ الْأَخَصِّ أَعَمُّ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَغْنَى بِمُحْتَرَزِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ صَحِيحًا عَنْ مُحْتَرَزِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ جَائِزٌ تَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]] الْمُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ. [قَوْلُهُ: الرَّشِيدَاتُ] أَيْ لَا السَّفِيهَاتُ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ الْأَبُ] أَيْ لَا غَيْرُهُ، وَلَوْ وَصِيًّا مُجْبِرًا، وَقَوْلُهُ الْبِكْرِ أَيْ أَوْ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَبَعْدَ الطَّلَاقِ وَكَذَا قَبْلَ الطَّلَاقِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِ الْأَبِ لَهَا حَمْلُهَا عَلَى الْمَصْلَحَةِ، لَا عِنْدَ مَالِكٍ حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِسْقَاطِ عَدَمُ الْمَصْلَحَةِ، وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا يَقُولُ: إنَّ عَفْوَهُ حَالَ الْجَهْلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَيُحْمَلُ قَوْلُ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ عَفْوُهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ عَلَى مَا إذَا تَحَقَّقَ عَدَمُ الْمَصْلَحَةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ الْعَفْوُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ ثَيِّبًا صَارَ لَهَا الْكَلَامُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً، وَإِلَّا فَالْكَلَامُ لِلْأَبِ. [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا عَمَّا إذَا سَمَّى مَا لَا يَجُوزُ] لَا يَخْفَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِمَا لَا يَجُوزُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَإِنْ أُرِيدَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ دَخَلَ الصَّدَاقُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ يَلْزَمُهُ نِصْفُ ذَلِكَ. [قَوْلُهُ: فَإِنَّ الصَّبِيَّ إذَا دَخَلَ بِهَا أَيْ وَطِئَهَا إلَخْ] أَيْ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا يَتَقَرَّرُ إلَّا بِوَطْءِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ مَعَ إطَاقَةِ الزَّوْجَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا كَوَطْءٍ فِي حَيْضٍ أَوْ دُبُرٍ، وَكَذَلِكَ يَتَقَرَّرُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ مَوْتِهِمَا، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ صَبِيًّا، وَهِيَ غَيْرُ مُطِيقَةٍ، وَلَوْ كَانَ مَوْتُهَا بِقَتْلِهَا نَفْسَهَا كَرَاهِيَةً فِي زَوْجِهَا، أَوْ بِقَتْلِ سَيِّدِهَا لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً. وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، وَيَظْهَرُ أَلَّا يَتَكَمَّلَ لَهَا بِذَلِكَ لِاتِّهَامِهَا، وَلِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِقَتْلِ النِّسَاءِ أَزْوَاجَهُنَّ وَكَذَا يَتَقَرَّرُ بِإِقَامَةِ سَنَةٍ بَعْدَ الِاخْتِلَاءِ بِهَا حَيْثُ كَانَ الزَّوْجُ بَالِغًا، وَهِيَ مُطِيقَةٌ لِتَنْزِلَ إقَامَةَ سَنَةِ الْوَطْءِ هَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ بَعْضٌ: إذَا كَانَ عَبْدًا أَنْ يَعْتَبِرَ إقَامَةَ نِصْفِ سَنَةٍ وَإِذَا أَزَالَ الزَّوْجُ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِهِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ وَطْئِهَا فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ وَبَعْدَهُ فَلَهَا الصَّدَاقُ فَقَطْ. [قَوْلُهُ: كَانَ الْمُطَلِّقُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا] أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لِلْعَبْدِ فِي النِّكَاحِ إذْنٌ فِي تَوَابِعِهِ. [قَوْلُهُ: يَجْرِي مَجْرَى الْهِبَةِ] أَيْ فَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ يُمَتِّعَهَا، سَقَطَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً. قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ: وَانْظُرْ هَلْ مَرَضُ الزَّوْجِ كَالْمَوْتِ يُسْقِطُ أَيْضًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لَمْ تُقْبَضْ أَمْ لَا فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُمَتَّعَ فَإِنَّ الْمُتْعَةَ تُدْفَعُ إلَى وَرَثَتِهَا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً، قَالَ الْخَرَشِيُّ وَحُكْمُ الْإِعْطَاءِ لِلْوَرَثَةِ كَحُكْمِ الْأَصْلِ، وَهُوَ النَّدْبُ؛ لِأَنَّ الْكَسْرَ الْحَاصِلَ لَهَا حَاصِلٌ لِوَرَثَتِهَا، وَمَحِلُّ الْإِعْطَاءِ لِوَرَثَتِهَا حَيْثُ مَاتَتْ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. أَمَّا لَوْ مَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ فَلَا مُتْعَةَ لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا مُتْعَةَ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. [قَوْلُهُ: بِحَسَبِ مَا يَحْسُنُ] لَوْ قَالَ وَبِحَسَبِ مَا يَحْسُنُ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّهَا فِي ذَاتِهَا مَنْدُوبَةٌ وَبِحَسَبِ حَالِهِ مَنْدُوبٌ آخَرُ [قَوْلُهُ: عَلَى قَدْرِ حَالِهِ] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ بِحَسَبِ مَا يَحْسُنُ، وَإِنَّمَا رُوعِيَ حَالُهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ كَسْرَهَا جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ.
[ ٢ / ٨٨ ]
أَعْلَاهَا خَادِمٌ أَوْ نَفَقَةٌ، وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ بَعْضُهُمْ يَعْنِي بِالنَّفَقَةِ مَا يَقْرَبُ مِنْ ثَمَنِ الْخَادِمِ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُجْبَرُ) إذْ الْمُسْتَحَبُّ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ مَنْ أَبَاهُ وَقَيَّدْنَا بِلَازِمٍ احْتِرَازًا مِنْ ذَاتِ الْعَيْبِ. إذَا رُدَّتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا غَارَّةٌ وَوَقْتُ الْمُتْعَةِ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ زَوْجَةٌ، وَفِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِإِثْرِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ مُسْتَحَبَّةً بَعْدَهُ تَسْلِيَةً لِلْفِرَاقِ وَتَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا، وَيَدُلُّ لِلِاسْتِحْبَابِ تَقْيِيدُهُ تَعَالَى الْآيَةَ مَرَّةً بِالْإِحْسَانِ وَمَرَّةً بِالتَّقْوَى.
وَلَمَّا كَانَ كَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ طَلَّقَ يُمَتِّعُ وَكَانَ لَهُمْ مَسَائِلُ لَا مُتْعَةَ فِيهَا رَفَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى بَعْضِ ذَلِكَ فَقَالَ: (وَاَلَّتِي) أَيْ الْمُطَلَّقَةُ الَّتِي (لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَ) الْحَالُ أَنَّهُ كَانَ (قَدْ فَرَضَ لَهَا) صَدَاقًا (فَ) إنَّهُ (لَا مُتْعَةَ لَا)؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ نِصْفَ الصَّدَاقِ مَعَ بَقَاءِ سِلْعَتِهَا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ يَفْرِضْ لَهَا فَإِنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَا (وَ) كَذَلِكَ (لَا) مُتْعَةَ (لِلْمُخْتَلِعَةِ)؛ لِأَنَّهَا قَدْ دَفَعَتْ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا لِأَجْلِ فِرَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا كَرَاهِيَةً فِيهِ، فَلَا أَلَمَ عِنْدَهَا الْمَطْلُوبُ رَفْعُهُ بِإِعْطَاءِ الْمُتْعَةِ، وَبَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا مُتْعَةَ فِيهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهَا عَقِبَ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَهِيَ (وَإِنْ مَاتَ) الزَّوْجُ (عَنْ) زَوْجَتِهِ (الَّتِي لَمْ يَفْرِضْ لَهَا) صَدَاقًا (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَبْنِ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ مِنْهُ) اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ صَحَّ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا (وَ) لَكِنْ (لَا صَدَاقَ لَهَا) عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ فَرَضَ لَهَا كَانَ لَهَا الصَّدَاقُ أَيْضًا، وَهَذَا إذَا فَرَضَ لَهَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] قَوْلُهُ: وَأَدْنَاهَا كِسْوَةٌ] هَذَا فِي الَّذِي لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِحَالِهِ، وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِي كَوْنِ الزَّوْجِ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا مَرَضًا مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِهَا فِي مُقَابَلَةِ كَسْرِ الْمُطَلَّقَةِ لَمْ يَكُنْ تَبَرُّعًا وَلِمُرَاعَاةِ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا. وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْكِسْوَةِ هَلْ قَمِيصٌ وَخِمَارٌ أَوْ قَمِيصٌ فَقَطْ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. [قَوْلُهُ: مَا يَقْرَبُ مِنْ ثَمَنِ الْخَادِمِ] وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ كَوْنِهَا مِنْ أَوْسَطِ الرَّقِيقِ وَانْظُرْ مَا أَرَادَ بِالْقُرْبِ. وَالظَّاهِرُ مَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، وَفِي الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُرَادَ نَفَقَةٌ تُسَاوِي قِيمَةَ خَادِمٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَانُهَا مَعَ الْخَادِمِ. اهـ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُجْبَرُ تَأْكِيدٌ إلَخْ] وَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ اسْتِعْمَالٍ يَنْبَغِي فِي الْوُجُوبِ، كَمَا اتَّفَقَ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ، وَيَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ، أَوْ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مَسْلَمَةَ وَابْنِ حَبِيبٍ وَالْأَبْهَرِيِّ فِي قَوْلِهِمْ بِفَرْضِيَّتِهَا كَالشَّافِعِيِّ. [قَوْلُهُ: احْتِرَازًا مِنْ ذَاتِ الْعَيْبِ]، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِهِ الْعَيْبُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا مُتْعَةَ لَهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّدَّ مِنْ جِهَتِهَا قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: وَفِي الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِإِثْرِ الطَّلَاقِ] فَلَوْ رَدَّهَا لِعِصْمَتِهِ قَبْلَ دَفْعِهَا لَهَا فَإِنَّهَا تَسْقُطُ، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا. [قَوْلُهُ: تَقْيِيدُهُ]؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَقَالَ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِحْسَانِ صَرَفَ الْحَقَّ عَنْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُحْسِنِينَ، وَلَا بِالْمُتَّقِينَ، وَأَيْضًا الْحَقُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الثَّابِتُ الْمُقَابِلُ لِلْبَاطِلِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا قَدْ دَفَعَتْ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا] أَيْ أَوْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِهَا وَرَضِيَتْ بِهِ، وَإِلَّا فَلَهَا الْمُتْعَةُ قَالَهُ عج. [قَوْلُهُ: وَبَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا مُتْعَةَ فِيهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ] فَمِنْ الَّذِي لَا مُتْعَةَ فِيهِ الْمُخَيَّرَةُ وَالْمُمَلَّكَةُ وَالْمُعْتَقَةُ تَحْتَ الْعَبْدِ تَخْتَارُ الْفِرَاقَ أَوْ الَّتِي مَلَكَتْ زَوْجَهَا أَوْ مَلَكَهَا، بِخِلَافِ الَّتِي اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ لِتَزْوِيجٍ عَلَيْهَا أَوْ لِعِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَأَلْفَتْ أَكْثَرَ، فَإِنَّ لَهَا الْمُتْعَةَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِسَبَبِهِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْأَصْلِ الْكَبِيرَ؛ لِأَنَّهُ أَحَالَهَا فِي التَّحْقِيقِ عَلَيْهِ. [قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ صَحَّ التَّوَارُثُ] أَيْ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي الصِّحَّةِ، وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ فِي مَرَضِهِ وَفَرَضَ فِيهِ فَلِزَوْجَتِهِ الْمُسَمَّى الَّذِي فَرَضَهُ سَوَاءٌ دَخَلَ أَمْ لَا، زَادَ عَلَى صَدَاقِ الْمِثْلِ أَمْ لَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ. وَمَحِلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحُرِّ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّ مَا فَرَضَهُ فِي مَرَضِهِ صَحِيحٌ لَازِمٌ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ بَلْ هُوَ صَدَاقٌ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مُسْتَنِدٌ لِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ عَنْ تَقْرِيرِهِ. [قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَا صَدَاقَ لَهَا عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ]، وَقِيلَ لَهَا الصَّدَاقُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ. [قَوْلُهُ:
[ ٢ / ٨٩ ]
فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَمَّا إذَا فَرَضَ لَهَا فِي الْمَرَضِ وَكَانَتْ مُسْلِمَةً حُرَّةً فَلَا شَيْءَ لَهَا. ثُمَّ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ لَمْ يَبْنِ لَهَا فَقَالَ: (وَلَوْ دَخَلَ بِهَا) أَيْ الَّتِي مَاتَ عَنْهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا (كَانَ لَهَا) مَعَ الْمِيرَاثِ (صَدَاقُ الْمِثْلِ)؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّتَ عَلَيْهَا سِلْعَتَهَا، وَالسِّلْعَةُ الْفَائِتَةُ إنَّمَا تَجِبُ فِيهَا الْقِيمَةُ، وَهِيَ هُنَا صَدَاقُ الْمِثْلِ (إنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ) ع أَرَادَ إنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إلَّا أَنَّ فِي تَنْزِيلِهِ عَلَى اللَّفْظِ صُعُوبَةً.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى عُيُوبٍ تُوجَدُ فِي الْمَرْأَةِ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ رَدُّ الْمَرْأَةِ بِهَا، فَقَالَ: (وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ) بِالْفَتْحِ بَيَاضٌ مَعْرُوفٌ وَعَلَامَتُهُ أَنْ يُعْصَرَ فَلَا يَحْمَرَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ ثُبُوتُ الرَّدِّ بِهِ، وَلَوْ قَلَّ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) تُرَدُّ الْمَرْأَةُ بِ (دَاءِ الْفَرْجِ)، وَهُوَ مَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ أَوْ لَذَّتَهُ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ. الْقَرْنُ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَفَتْحِهَا لَحْمَةٌ تَكُونُ فِي فَمِ الْفَرْجِ، وَالرَّتَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ، وَهُوَ الْتِحَامُ الْفَرْجِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَكَانَتْ مُسْلِمَةً حُرَّةً] أَيْ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً فَقِيلَ لَهَا ذَلِكَ فِي الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ فَتُحَاصِصُ بِهِ أَهْلَ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَقِيلَ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا فُرِضَ لِأَجْلِ الْوَطْءِ وَلَمْ يَحْصُلْ؛ فَلَيْسَ مَا وَقَعَ مِنْهُ وَصِيَّةً بَلْ صَدَاقٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يُونُسَ، وَهُوَ أَحْسَنُ. [قَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ لَهَا] أَيْ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ فَتَبْطُلُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ فَتَكُونُ مِنْهُمْ لِلْمُوصَى لَهُ، وَلَا وَصِيَّةَ. [قَوْلُهُ: أَرَادَ إنْ لَمْ تَكُنْ إلَخْ] أَيْ حَيْثُ كَانَتْ رَشِيدَةً فَيَجُوزُ لَهَا الرِّضَا بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ كَمَا فِي الْمَحْجُورَةِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا بَعْدَهُ، حَيْثُ كَانَ الرِّضَا قَبْلُ لِمَصْلَحَةٍ، وَأَمَّا الْمُهْمَلَةُ وَمُحَقَّقَةُ السَّفَهِ فَلَيْسَ لَهُمَا الرِّضَا بِهِ مُطْلَقًا، وَلَا يَلْزَمُهُمَا إنْ رَضِيَا بِهِ، وَلَهُمَا الرَّدُّ بَعْدَ الرُّشْدِ كَالْحَاكِمِ قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ فِي تَنْزِيلِهِ عَلَى اللَّفْظِ صُعُوبَةً] وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ ظَاهِرُهُ، إنْ لَمْ تَكُنْ رَضِيَتْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ سَمَّاهُ لَهَا مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لَا فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ، فَالْمُرَادُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ تَرْضَ بِدُونِهِ حَيْثُ كَانَتْ رَشِيدَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا. [قَوْلُهُ: وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ مِنْ الْجُنُونِ] مُطْبِقًا أَمْ لَا أَيْ جُنُونٍ سَابِقٍ عَلَى الْعَقْدِ، إلَّا أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْجُنُونِ فَيَسْقُطُ خِيَارُهُ، وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِالْخِيَارِ، أَوْ بِأَنَّ التَّلَذُّذَ يَقْطَعُ الْخِيَارَ وَغَرِمَ نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ فَارَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ كَانَ السَّالِمُ صَغِيرًا. [قَوْلُهُ: وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ] أَيْ الْمُحَقَّقِينَ لَا إنْ شَكَّ فَلَا فُرْقَةَ. [قَوْلُهُ: بَيَاضٌ مَعْرُوفٌ] ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ لَا رَدَّ بِالْبَرَصِ الْأَسْوَدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ إلَّا رَدًّا مِنْ الْأَبْيَضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجُذَامِ، وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ، وَلَا خِيَارَ بِالْبَهَقِ. [قَوْلُهُ: فَلَا يَحْمَرُّ] بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ لَا يَحْمَرُّ؛ لِكَوْنِ الدَّمِ قَدْ ذَهَبَ، وَلِذَا قَالَ بَعْضٌ، وَإِذَا نُخِسَ الْبَرَصُ بِإِبْرَةٍ خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ وَمِنْ الْبَهَقِ دَمٌ. اهـ. [قَوْلُهُ: وَعَلَامَتُهُ أَنْ يُعْصَرَ] وَعَلَامَةُ الْأَسْوَدِ التَّفْلِيسُ أَيْ يُشْبِهُ قِشْرَهُ لِكَوْنِهِ مُدَوَّرًا الْفُلُوسَ. [قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ] حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْبَرَصَ إذَا كَانَ فِي الْمَرْأَةِ فَهُوَ اتِّفَاقٌ كَانَ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، فَانْظُرْ قَوْلَ الشَّارِحِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمُفِيدِ أَنَّهَا ذَاتُ خِلَافٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي جُذَامٍ وَبَرَصٍ، وَمِثْلُهُمَا جُنُونٌ، بِالْمَرْأَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ لَا بَعْدَهُ، وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْجُذَامَ وَالْبَرَصَ وَمِثْلُهُمَا الْجُنُونُ إذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهَا بِالْمَرْأَةِ فَلَا تَرُدُّ إلَّا إذَا كَانَ سَابِقًا عَلَى تَمَامِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ حِينَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، بِشَرْطِ التَّحَقُّقِ لَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا رَدَّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهَا بِالرَّجُلِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَيُرَدُّ مُطْلَقًا قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْجُذَامِ مُطْلَقًا وَفِي الْبَرَصِ قَبْلَ الْعَقْدِ لَا إنْ حَدَثَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُتَفَاحِشًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِ الرَّجُلِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْفِرَاقِ دُونَهَا. [قَوْلُهُ: لَحْمَةٌ تَكُون فِي فَمِ الْفَرْجِ] بِفَتْحِ اللَّامِ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَالْقَرَابَةُ اُنْظُرْ الْقَامُوسَ أَيْ لَحْمَةٌ تُشْبِهُ قَرْنَ الشَّاةِ فَيَسْهُلُ عِلَاجُهَا
[ ٢ / ٩٠ ]
دُخُولُ الذَّكَرِ، وَالْإِفْضَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ وَمَسْلَكُ الْجِمَاعِ وَاحِدًا.
وَالِاسْتِحَاضَةُ، وَهِيَ كَمَا تَقَدَّمَ جَرَيَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ، وَهِيَ تَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ الْجِمَاعِ، وَالْبَخَرُ، وَهُوَ نَتْنُ الْفَرْجِ وَإِذَا أَنْكَرَتْ دَعْوَى عَيْبِهَا فَمَا كَانَ ظَاهِرًا كَالْجُذَامِ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا أُثْبِتَ بِالرِّجَالِ، وَمَا كَانَ بِسَائِرِ جَسَدِهَا غَيْرِ الْفَرْجِ أُثْبِتَ بِالنِّسَاءِ، وَمَا كَانَ بِالْفَرْجِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: تُصَدَّقُ وَعَنْ مَالِكٍ يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ (فَإِنْ دَخَلَ الزَّوْجُ) بِاَلَّتِي (بِهَا) شَيْءٌ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَمْ يَعْلَمْ بِهِ) عِنْدَ الدُّخُولِ (وَدَى) أَيْ دَفَعَ (صَدَاقَهَا وَرَجَعَ بِهِ) مَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ جَمِيعَ الصَّدَاقِ ثُمَّ يَرْجِعَ بِهِ (عَلَى أَبِيهَا) إنْ كَانَ زَوَّجَهَا لَهُ، ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَلَا يَرْجِعُ الْأَبُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا كَانَتْ غَائِبَةً حِينَ التَّزْوِيجِ أَمَّا إذَا زَوَّجَهَا بِحُضُورِهَا، وَكَتَمَا الْعَيْبَ فَيُخَيَّرُ الزَّوْجُ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ عَلَيْهَا فَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَى الْوَلِيِّ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْوَلِيِّ رَجَعَ الْوَلِيُّ عَلَيْهَا.
(وَكَذَلِكَ) مِثْلُ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَى الْأَبِ فِي الْحُكْمِ (إنْ كَانَ الَّذِي زَوَّجَهَا أَخُوهَا) فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ
_________________
(١) [حاشية العدوي] وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ تَكُونُ عَظْمًا فَيَعْسُرُ عِلَاجُهَا. [قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَسْلَكُ الْبَوْلِ إلَخْ]، وَأَوْلَى اخْتِلَاطُ مَسْلَكِ الْبَوْلِ وَمَخْرَجِ الْغَائِطِ إلَّا أَنْ لَا يُقَالَ لَهُ إفْضَاءٌ. [قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحَاضَةُ] هَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ، وَلَوْ أَتَى بَدَلَهَا بِالْفِعْلِ لَكَانَ صَوَابًا، وَهُوَ لَحْمٌ يَبْرُزُ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ يُشْبِهُ أُدْرَةَ الرَّجُلِ، وَلَا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ رَشْحٍ، وَقِيلَ رَغْوَةٌ فِي الْفَرْجِ تَحْدُثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ. فَإِنْ قُلْت هَذِهِ الْأُمُورُ إنَّمَا تُدْرَكُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا قُلْت الْوَطْءُ الدَّالُ عَلَى الرِّضَا هُوَ الْحَاصِلُ بَعْدَ عِلْمٍ مُوجِبٍ الْخِيَارَ لَا الْحَاصِلِ قَبْلَهُ. [قَوْلُهُ: وَالْبَخَرُ، وَهُوَ نَتْنُ الْفَرْجِ] . وَأَمَّا نَتْنُ الْفَمِ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ عَلَى الْمَذْهَبِ بِخِلَافِ بَابِ الْبَيْعِ فَهُوَ عَيْبٌ كَانَ بِالْفَمِ أَوْ بِالْفَرْجِ وَلَا رَدَّ بِحَرْقِ الْفَرْجِ وَالسَّوَادِ وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ الْفَادِحِ وَالْعَمَى وَالثُّيُوبَةِ، وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ يَظُنُّهَا بِضِدِّ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ شَرَطَ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ عَيَّنَ مَا شَرَطَ السَّلَامَةَ مِنْهُ أَوْ قَالَ مِنْ الْعُيُوبِ أَوْ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ شَرْطِ السَّلَامَةِ إذَا ادَّعَاهُ الزَّوْجُ وَالْعُرْفُ لَيْسَ كَالشَّرْطِ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَإِذَا شَرَطَ الزَّوْجُ السَّلَامَةَ مِنْ تِلْكَ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تُرَدُّ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا شَرَطَهُ، فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَإِمَّا أَنْ يَرْضَى وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الصَّدَاقِ أَوْ يُفَارِقَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ رُدَّتْ لِصَدَاقِ مِثْلِهَا مَا لَمْ يَكُنْ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَمَّى، فَلَيْسَ لَهَا إلَّا الْمُسَمَّى فَلَيْسَ كَالْعَيْبِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ. [قَوْلُهُ: فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ تُصَدَّقُ] أَيْ بِيَمِينٍ، وَلَهَا أَنْ تَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، إلَّا إذَا أَتَى الزَّوْجُ بِامْرَأَةٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ تَشْهَدَانِ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَرَضِيَتْ فَيُعْمَلُ بِذَلِكَ، وَلَا تُصَدَّقُ حِينَئِذٍ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ بَعْدَ حَلِفِهَا عَلَى مَا ادَّعَتْ، وَلَا يَكُونُ تَعَمُّدُهُمَا النَّظَرَ جُرْحَةً، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَلَوْ رَضِيَتْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَفْعٍ شَرْعِيٍّ فَعَلَى، هَذَا قَوْلُ الشَّارِحِ وَعَنْ مَالِكٍ تَنْظُرُهَا النِّسَاءُ أَيْ جَبْرًا وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ لِسَحْنُونٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ الْعَيْبِ يَكُونُ بِالرَّجُلِ كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ النِّسَاءَ الْجِنْسَ فَيُصَدَّقُ بِالْوَاحِدَةِ. [قَوْلُهُ: فَإِنْ دَخَلَ الزَّوْجُ] أَيْ الزَّوْجُ الْبَالِغُ بِهَا أَيْ بِزَوْجَتِهِ الْمُطِيقَةِ. [قَوْلُهُ: وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ] أَيْ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ بَعْدَ عِلْمِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ وَرَدَّهَا فَلَا صَدَاقَ، إذَا كَانَ الرَّدُّ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَأَمَّا بِهِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ. [قَوْلُهُ: مَعْنَى كَلَامِهِ] إنَّمَا احْتَاجَ لِذَلِكَ لِكَوْنِ وَدَى فِعْلًا مَاضِيًا فِي مَعْنَى يُؤَدِّي وَلَيْسَ صَرِيحًا فِي اللُّزُومِ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَبِيهَا] أَيْ يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِجَمِيعِهِ عَلَى أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَرَّهُ وَدَلَّسَ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ النِّكَاحِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا. [قَوْلُهُ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا]، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ، وَلَوْ مَاتَ، وَلَمْ يُخْلِفْ شَيْئًا. [قَوْلُهُ: وَكَتَمَا الْعَيْبَ] أَيْ لَمْ يُخْبِرَا بِهِ. [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ] أَيْ أَوْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَجَعَ عَلَيْهَا فَلَا رُجُوعَ لَهَا عَلَى الْوَلِيِّ لَكِنْ إذَا رَجَعَ عَلَيْهَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْجَمِيعِ إلَّا رُبُعَ
[ ٢ / ٩١ ]
وَتَنْصِيصُهُ عَلَى الْأَبِ وَالْأَخِ لَيْسَ لِلِاخْتِصَاصِ بَلْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ كُلُّ وَلِيٍّ قَرِيبٍ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَيْبُ الْمَرْأَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ غَائِبًا غَيْبَةً بَعِيدَةً بِحَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ خَبَرُهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَشْهَبَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَحْلِفُ مَا عَلِمَ بِهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْغُرْمُ، وَيَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَيَتْرُكُ لَهَا رُبُعَ دِينَارٍ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذِكْرِ الْأَبِ وَالْأَخِ الِاخْتِصَاصَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ زَوَّجَهَا وَلِيٌّ لَيْسَ بِقَرِيبِ الْقَرَابَةِ) أَيْ بَعِيدٍ كَابْنِ الْعَمِّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ وَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ رَجَعَ عَلَيْهِ كَالْقَرِيبِ وَحَيْثُ قُلْنَا لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَعِيدِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ (وَلَا يَكُونُ لَهَا) مِنْهُ (إلَّا رُبُعُ دِينَارٍ) لِئَلَّا يُعَرَّى الْبُضْعُ عَنْ بَدَلٍ.
وَ(تَتْمِيمٌ) . وَكَذَلِكَ يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ الرَّدُّ إذَا وَجَدَتْ بِالرَّجُلِ الْجُنُونَ وَالْجُذَامَ وَالْبَرَصَ وَدَاءَ الْفَرْجِ، وَهُوَ جَبُّهُ وَخِصَاؤُهُ وَعُنَّتُهُ وَاعْتِرَاضُهُ، فَالْجَبُّ قَطْعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَالْخِصَاءُ قَطْعُ أَحَدِهِمَا وَالْعُنَّةُ فَرْطُ صِغَرِ الذَّكَرِ وَالِاعْتِرَاضُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَطْءِ لِعِلَّةٍ.
وَإِلَى حُكْمِهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَيُؤَجَّلُ الْمُعْتَرَضُ سَنَةً) مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ ظَاهِرُهُ حُرًّا كَانَ أَوْ
_________________
(١) [حاشية العدوي] دِينَارٍ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْوَلِيِّ رَجَعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ لِمَنْ أَخَذَ مِنْهُ رُبُعَ دِينَارٍ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ الزَّوْجَةُ أَوْ الْوَلِيُّ لِئَلَّا يُعَرِّيَ الْبُضْعَ عَنْ صَدَاقٍ، وَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَعْنِي مَا إذَا زَوَّجَهَا أَبُوهَا مَثَلًا، وَلَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً الْعَقْدَ. [قَوْلُهُ: بَلْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ كُلُّ وَلِيٍّ قَرِيبٍ] أَيْ كَالْجَدِّ إذْ قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْجَدَّ مِنْ قَرِيبِ الْقَرَابَةِ. [قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ] هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِيمَا ذَكَرَ تَقْيِيدًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ. [قَوْلُهُ: كَابْنِ الْعَمِّ]، وَأَمَّا الْعَمُّ فَكَالْأَخِ [قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ] يَعْنِي أَنَّ الْوَلِيَّ الْبَعِيدَ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَكَتَمَهُ عَنْ الزَّوْجِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَلِيِّ الْقَرِيبِ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ، فَقَطْ إنْ كَانَتْ غَائِبَةً وَعَلَيْهِ وَعَلَيْهَا إنْ زَوَّجَهَا بِحُضُورِهَا كَاتِمِينَ وَلِ عج هُنَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْعُيُوبِ مِمَّا يُعْلَمُ بِالدُّخُولِ كَالْعَقْلِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْوَلِيِّ الْقَرِيبِ فِيهِ كَالْبَعِيدِ وَتَأَمَّلْهُ فَإِنْ تَنَازَعَ الزَّوْجُ مَعَ الْوَلِيِّ الْبَعِيدِ فِي الْعِلْمِ وَعَدَمِهِ، فَالْقَوْلُ لِلْوَلِيِّ الْبَعِيدِ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ عَيْبَهَا فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ لِلزَّوْجِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ فِي دَعْوَى الْإِتْهَامِ، وَبَعْدَ حَلِفِهِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ، وَإِذَا بَرِئَ الْوَلِيُّ إمَّا بِحَلِفِهِ أَوْ بِنُكُولِ الزَّوْجِ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ فَإِنَّهُ يُضَيِّعُ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا إذَا لَمْ يَبْرَأْ الْوَلِيُّ، وَأَعْسَرَ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهَا. [قَوْلُهُ: وَالْخِصَاءُ قَطْعُ أَحَدِهِمَا] لَكِنْ إذَا كَانَ مَقْطُوعَ الْأُنْثَيَيْنِ قَائِمَ الذَّكَرِ فَيُشْتَرَطُ، أَنْ يَكُونَ لَا يُمْنِي فَإِنْ أَمْنَى فَلَا رَدَّ، وَلَا تُرَدُّ الْعَقِيمُ، وَسَلُّ الْأُنْثَيَيْنِ كَقَطْعِهِمَا، وَقَطْعُ الْحَشَفَةِ كَقَطْعِ الذَّكَرِ وَمِمَّا يَرُدُّ بِهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ الْعِذْبَطَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهِيَ الْحَدَثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا، وَلَا رَدَّ بِالرِّيحِ وَفِي الْبَوْلِ فِي الْفُرُشِ قَوْلَانِ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْحَطَّابِ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ الْبَرَصُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَزِيدُ بِسَبَبِ الْجِمَاعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ جُنُونَ كُلٍّ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ الْعَذْيَطَةُ فِيمَا يَظْهَرُ كَذَا فِي بَعْضُ الشُّرَّاحِ. [قَوْلُهُ: فَرْطُ] أَيْ شِدَّةُ صِغَرِ الذَّكَرِ. تَتِمَّةٌ: لَا رَدَّ بِجُذَامٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأُصُولِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَإِذَا تَنَازَعَا فِي الْعِلْمِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ فِي الرِّضَا بِهِ فَإِنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمَ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنْ حَلَفَ ثَبَتَ الْخِيَارُ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَسَقَطَ الْخِيَارُ وَانْظُرْ لَوْ نَكَلَا. [قَوْلُهُ: وَيُؤَجَّلُ الْمُعْتَرَضُ سَنَةً] أَيْ إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ وَطْءٌ لَهَا كَانَ الِاعْتِرَاضُ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ أَوْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، فَإِنْ سَبَقَ مِنْهُ وَطْءٌ لَهَا ثُمَّ اعْتَرَضَ فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهَا وَكَذَا خِصَاءٌ أَوْ جَبٌّ أَوْ كِبَرُ أُدْرَةٍ أَوْ هَرَمٌ حَدَثَ بَعْدَ الْوَطْءِ حَيْثُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ، وَأَمَّا لَوْ تَزَوَّجَتْهُ فَوَجَدَتْهُ كَبِيرَ الْأُدْرَةِ فَإِنْ مَنَعَتْ الْوَطْءَ فَلَهَا
[ ٢ / ٩٢ ]
عَبْدًا، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَحَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ يُؤَجَّلُ الْعَبْدُ نِصْفَ سَنَةٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ (فَإِنْ وَطِئَ) فِي الْأَجَلِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْ فِيهِ (فُرِّقَ بَيْنَهُمَا) إذَا تَقَارَرَا عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ فِي الْأَجَلِ (إنْ شَاءَتْ) بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَلَاقٍ مِنْ الْقَاضِي بَائِنٌ إلَّا طَلَاقَ الْمُعْسِرِ بِالنَّفَقَةِ وَالْمَوْلَى.
(وَالْمَفْقُودُ) الَّذِي فُقِدَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَوْضِعٌ فِي غَيْرِ مَجَاعَةٍ وَلَا وَبَاءَ، إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْخِيَارُ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لَا رَدَّ لَهَا بِالْحَادِثِ مِنْ جَبٍّ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْوَطْءِ حَيْثُ لَمْ تَخْشَ عَلَى نَفْسِهَا الزِّنَا، وَإِلَّا فَلَهَا التَّطْلِيقُ؛ لِأَنَّ لِلْمَرْأَةِ التَّطْلِيقَ بِالضَّرَرِ الثَّابِتِ، وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَقَوْلُهُ سَنَةً أَيْ سَنَةً بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ فَلَا يُؤَجَّلُ، وَهُوَ بِالْمَرَضِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَرَضِ الطَّارِئِ بَعْدَ ضَرْبِ الْأَجَلِ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ السَّنَةِ أَوْ بَعْضَهَا، وَهَذَا إذَا تَرَافَعَا لِلْحَاكِمِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَرَافَعَا وَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ فَمِنْ يَوْمِ التَّرَاضِي كَمَا قَالَهُ بَهْرَامُ. [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ]، وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَيْ يُؤَجَّلُ نِصْفَ سَنَةٍ بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ كَانَ ذَا شَائِبَةٍ أَوْ لَا، إلَّا أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي ذَكَرُوهَا لِلتَّأْجِيلِ، وَهِيَ إمْرَارُ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ إذْ رُبَّمَا أَثَّرَ الدَّوَاءُ فِي فَصْلٍ مَوْجُودَةٍ فِي الْعَبْدِ [قَوْلُهُ: إذَا تَقَارَرَا عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ] أَيْ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ، وَأَنْكَرَتْهُ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَ الْأَجَلِ أَنَّهُ وَطِئَ فِي الْأَجَلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: بِيَمِينِهِ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا فَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ بَقِيَتْ زَوْجَةً، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ بَعْدَهَا لَمْ يُصَدَّقْ قَطْعًا وَلِلْمُوَازِيَةِ كَلَامٌ آخَرُ لَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضٌ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ] اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَتَبَيَّنُ إلَّا بِمَعْرِفَةِ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمُعْتَرَضُ الْوَطْءَ بِأَنْ صَدَّقَ عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ أَوْ سَكَتَ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ وَطِئَ بَعْدَ السَّنَةِ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ إنْ اخْتَارَتْهُ الزَّوْجَةُ، فَإِنْ طَلَّقَ فَوَاضِحٌ، وَلَهُ أَنْ يُوقِعَ مَا شَاءَ، وَإِنْ أَبَى فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: أَوَّلُهُمَا أَنَّ الْحَاكِمَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، وَإِنْ زَادَ لَمْ يَلْزَمْ الزَّائِدُ، وَقِيلَ يَأْمُرُ الْحَاكِمُ الزَّوْجَةَ بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ فَتُوقِعُهُ، كَأَنْ تَقُولَ طَلَّقْتُك أَوْ أَنَا طَالِقٌ مِنْك ثُمَّ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ وَفَائِدَةُ حُكْمِ الْحَاكِمِ مَعَ كَوْنِ الطَّلَاقِ بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِيَرْفَعَ خِلَافَ مَنْ لَا يَرَى أَمْرَ الْقَاضِي لَهَا بِذَلِكَ إذَا انْتَقَشَ فِي ذِهْنِك، هَذَا يُظْهِرُ لَك عَدَمَ صِحَّةِ تَعْلِيلِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَائِنٌ، وَلَوْ وَقَعَ مِنْ الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ. تَنْبِيهٌ: كَمَا يُؤَجَّلُ الْمُعْتَرَضُ الْحُرُّ سَنَةً وَالْعَبْدُ نِصْفَهَا كَذَلِكَ يُؤَجَّلُ الْمَجْنُونُ وَالْمَجْذُومُ وَالْمُبْرَصُ إنْ رُجِيَ بُرْؤُهُمْ سَنَةً فِي الْحُرِّ وَنِصْفَهَا فِي الرِّقِّ وَالتَّأْجِيلُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ، لَا فَرْقَ فِيمَا كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَهُ وَتُعْتَبَرُ السَّنَةُ قَمَرِيَّةً وَسَكَتَ عَنْ النَّفَقَةِ وَانْظُرْهَا فِي شُرُوحِ خَلِيلٍ. [قَوْلُهُ: الَّذِي فُقِدَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ]، وَأَمَّا مَفْقُودُ أَرْضِ الشِّرْكِ وَمِثْلُهَا زَوْجَةُ الْأَسِيرِ فَإِنَّهُمَا يَبْقَيَانِ كَمَا هُمَا لِانْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ؛ لِتَعَذُّرِ الْكَشْفِ عَنْ زَوْجَيْهِمَا إنْ دَامَتْ نَفَقَتُهُمَا، وَإِلَّا فَلَهُمَا التَّطْلِيقُ، كَمَا إذَا خَشِيَا عَلَى نَفْسَيْهِمَا الزِّنَا فَإِذَا مَضَتْ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ حُكِمَ بِمَوْتِ مَنْ ذُكِرَ وَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ عِدَّةَ وَفَاةٍ، وَيُقَسَّمُ مَالُهُ عَلَى وَرَثَتِهِ حِينَئِذٍ لَا عَلَى وَرَثَتِهِ حِينَ الْفَقْدِ مَا لَمْ يَثْبُتْ مَوْتُهُ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فَالْمُعْتَبَرُ وَرَثَتُهُ يَوْمَ الْمَوْتِ فَإِنْ جَاءَ بَعْدَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ فَإِنَّ الْقَسْمَ لَا يَمْضِي وَتَرْجِعُ لَهُ أَمْتِعَتُهُ، وَأَمَّا الْمَفْقُودُ فِي مُعْتَرَكِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَنَّهُ حَضَرَ الْمُعْتَرَكَ فَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ، وَيُقَسَّمُ مَالُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ، وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي الْكَشْفِ عَنْهُ، وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ فَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ الْجَيْشِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْمَفْقُودُ فِي الْقِتَالِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ كَائِنَةٍ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْ حَالِهِ، وَيُورَثُ مَالُهُ حِينَئِذٍ وَبَقِيَ مَنْ شُكَّ فِي حَالِهِ هَلْ فُقِدَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ الْكُفَّارِ. قَالَ عج يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِالْأَحْوَطِ فَتُعَامَلُ زَوْجَتُهُ مُعَامَلَةَ زَوْجِ مَفْقُودِ أَرْضِ الشِّرْكِ [قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَجَاعَةٍ، وَلَا وَبَاءٍ] الْوَبَاءُ كُلُّ
[ ٢ / ٩٣ ]
فَإِنَّهَا تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ لِيَكْشِفَ لَهَا عَنْ خَبَرِهِ فَإِنْ كَانَ حُرًّا (يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ) أَيْ مُدَّةٌ (أَرْبَعُ سِنِينَ) وَإِنْ كَانَ عَبْدًا يُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ سَنَتَيْنِ وَابْتِدَاءُ ضَرْبِ الْأَجَلِ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ عِنْدَ ابْنِ الْحَكَمِ ك، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّيْخِ (مِنْ يَوْمَ تَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ) قُلْت: وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ مُشْكِلَةٌ وَلِهَذَا أَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْلَهُ: مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَيَنْتَهِي الْكَشْفُ عَنْهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَكُونُ الْوَاوُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] مَرَضٍ عَامٍّ، وَقَالَ بَعْضٌ هُوَ مَرَضُ الْكَثِيرِ مِنْ النَّاسِ فِي جِهَةٍ دُونَ سَائِرِ الْجِهَاتِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَنَقُولُ مَفْهُومُ فِي غَيْرِ مَجَاعَةٍ أَنَّ مَنْ فُقِدَ فِي مَجَاعَةٍ أَوْ وَبَاءٍ الَّذِي مِنْهُ الطَّاعُونُ وَالسُّعَالُ وَنَحْوُهُمَا، فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَهَابِ ذَلِكَ وَوُرِثَ مَالُهُ حِينَئِذٍ [قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا تَرْفَعُ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ] الْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ الْقَاضِي كَانَ قَاضِي أَنْكِحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَوْلَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَالْوَالِي، وَهُوَ قَاضِي الشُّرْطَةِ أَيْ السِّيَاسَةِ وَوَالِي الْمَاءِ أَيْ الَّذِي يَأْخُذُ الزَّكَاةَ، وَسُمُّوا وُلَاةَ الْمِيَاهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى الْمِيَاهِ، وَالثَّلَاثَةُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَحْوَطُ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَرْأَةُ وَاحِدًا مِمَّنْ ذُكِرَ، فَتَرْفَعُ أَمْرَهَا لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَافٍ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَاعْتَمَدَهُ وَالسُّلْطَانُ مِثْلُ الْقَاضِي بَلْ قَدَّمَهُ فِي التَّحْقِيقِ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَتَرْفَعُ لِلسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي إلَخْ، وَقَرَّرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَاضِي مَوْجُودًا، فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ لِلْوَالِي وَوَالِي الْمَاءِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ، فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ فِي الرَّفْعِ إمَّا لِلْوَالِي أَوْ وَالِي الْمَاءِ، لَكِنْ لَوْ رَفَعَتْ لَهُمَا مَعَ وُجُودِ الْقَاضِي أَجْزَأَ، وَأَمَّا جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ الرَّفْعُ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مَوْجُودًا فَلَا يُجْزِئُ. وَأَمَّا لَوْ رَفَعَتْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ وُجُودِ الْوَالِي وَوَالِي الْمَاءِ فَيُجْزِئُ، وَوُجُودُ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ يَجُوزُ أَوْ يَأْخُذُ الْمَالَ الْكَثِيرَ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهِ فَتَرْفَعُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاعْتَمَدَ عج أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْبَلَدِ أَوْ مُعْظَمُهُمْ، وَقِيلَ يَكْفِي اثْنَانِ قَالَ الشَّيْخُ كَرِيمُ الدِّينِ: وَلَا بُدَّ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدَالَةِ [قَوْلُهُ: لِيَكْشِفَ لَهَا عَنْ خَبَرِهِ] حَاصِلُهُ أَنَّهَا تَثْبُتُ الزَّوْجِيَّةُ وَغَيْبَةُ الزَّوْجِ وَالْبَقَاءُ فِي الْعِصْمَةِ إلَى الْآنَ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَتَبَ كِتَابًا مُشْتَمِلًا عَلَى اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَتِهِ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي يَظُنُّ وُجُودَهُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ وُجُودَهُ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ كَتَبَ إلَى الْبَلَدِ الْجَامِعِ، وَأُجْرَةُ الْبَعْثِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا الطَّالِبَةُ كَمَا صَوَّبَهُ ابْنُ نَاجِي وَاخْتَارَ شَيْخُهُ الْغُبْرِينِيُّ أَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ إنْ كَانَ لَهَا مَالٌ وَالثَّانِي إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالٌ فَإِذَا عَادَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ مَوْضِعِهِ ضُرِبَ لَهَا الْأَجَلُ أَرْبَعٌ أَوْ سَنَتَانِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَالرَّاجِحُ أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ تَعَبُّدٌ وَمَحِلُّ التَّأْجِيلِ الْمَذْكُورِ مَعَ دَوَامِ النَّفَقَةِ، بِأَنْ يَكُونَ لِلْمَفْقُودِ مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ، وَلَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَغَيْرَ دَاعِيَةٍ لَهُ قَبْلَ غَيْبَتِهِ، وَمَا فِي النَّفَقَاتِ مِنْ الدُّخُولِ أَوْ اشْتِرَاطِ الدُّعَاءِ لَهُ فَفِي الْحَاضِرَةِ فَقَطْ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ طُلِّقَ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ لَكِنْ بَعْدَ إثْبَاتِ مَا تَقَدَّمَ، وَتَزِيدُ إثْبَاتَ الْعَدَمِ وَاسْتِحْقَاقَهَا لِلنَّفَقَةِ، وَتَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ مِنْهُ نَفَقَةَ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَلَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُمَكِّنُهَا الْحَاكِمُ مِنْ تَطْلِيقِ نَفْسِهَا بِأَنْ تُوقِعَهُ، وَيَحْكُمُ بِهِ أَوْ يُوقِعَهُ الْحَاكِمُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَكْفِي فِي الْأَجَلِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَجَلِ بَعْدَ فَرَاغِ مَالِهِ [قَوْلُهُ: مُدَّةٌ أَرْبَعُ] أَيْ مُدَّةٌ هِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَالْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ مُدَّةُ سَنَتَيْنِ [قَوْلُهُ: وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّيْخِ] أَيْ لِصَدْرِ كَلَامِهِ [قَوْلُهُ: مِنْ يَوْمِ تَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ] أَيْ أَوْ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ سَلْطَنَةٌ فَلَا حَذْفَ، وَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: قُلْت وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ مُشْكِلَةٌ] وَجَّهَهُ تت وَذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ انْتِهَاءَ الْكَشْفِ يَتَضَمَّنُ الرَّفْعَ، وَالرَّفْعُ لَا يَتَضَمَّنُ الْكَشْفَ. اهـ. حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الرَّفْعُ لَا يَتَضَمَّنُ الْكَشْفَ فَيَكُونُ يَوْمُ الرَّفْعِ غَيْرَ يَوْمِ الْكَشْفِ فَيَلْزَمُ التَّنَافِي [قَوْلُهُ: وَلِهَذَا أَوَّلَهَا إلَخْ] وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّ الْوَاوَ فِي، وَيَنْتَهِي بِمَعْنَى مَعَ أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْأَمْرَيْنِ وَالْكَشْفُ عَنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الرَّفْعَ وَعَكْسَهُ، فَلِذَا ذَكَرَهُمَا وَحِينَئِذٍ فَلَا غُبَارَ عَلَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ [قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ]، وَهُوَ الرَّاجِحُ. [قَوْلُهُ: فَتَعْتَدُّ زَوْجَتُهُ
[ ٢ / ٩٤ ]
بِمَعْنَى أَوْ.
(ثُمَّ) إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ، وَلَمْ يَأْتِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ فَ (تَعْتَدُّ) زَوْجَتُهُ (كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ) وَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِمَوْتِ زَوْجِهَا وَنَفَقَتُهَا فِي الْأَجَلِ مِنْ مَالِهِ، وَفِي الْعِدَّةِ مِنْ مَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا (ثُمَّ) بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ (تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ) وَلَا تَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ حَصَلَ بِضَرْبِ الْأَجَلِ أَوَّلًا.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى حُكْمِ زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَالِهِ فَقَالَ: (وَلَا يُوَرَّثُ مَالُهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يَعِيشُ إلَى مِثْلِهِ) غَالِبًا، وَهُوَ ثَمَانُونَ سَنَةً عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَالْقَابِسِيُّ وَسَبْعُونَ سَنَةً عَلَى مَا اخْتَارَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي سِنِّهِ وَوَقْتِ مَغِيبِهِ حُكِمَ بِالْأَقَلِّ احْتِيَاطًا.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبِ ذِكْرُهَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى حُكْمِ الْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ، وَهِيَ (وَلَا تُخْطَبُ) بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ أَنْ تُخْطَبَ (الْمَرْأَةُ) الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا
_________________
(١) [حاشية العدوي] كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ] أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لِلْحُرَّةِ وَشَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ مَعَ أَيَّامِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً، وَقَوْلُهُ كَعِدَّةِ الْمَيِّتِ أَيْ الْمُحَقَّقِ مَوْتُهُ [قَوْلُهُ: وَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ عَلَى الْمَشْهُورِ] مُلَخَّصُهُ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا تَعْتَدُّ كَالْوَفَاةِ بَنَى بِهَا أَوْ لَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَنْ أَلْزَمَ فِيهَا أَقْصَى الْأَجَلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى لُزُومِ الْإِحْدَادِ، فَيَرْجِعُ قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِهِ اعْتَدَّتْ كَالْوَفَاةِ وَلِقَوْلِهِ وَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ أَيْ اعْتَدَّتْ كَالْوَفَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهَا الْإِحْدَادُ عَلَى الْمَشْهُورِ. [قَوْلُهُ: وَنَفَقَتُهَا فِي الْأَجَلِ مِنْ مَالِهِ] فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ طَلُقَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ [قَوْلُهُ: وَفِي الْعِدَّةِ مِنْ مَالِهَا]، وَلَوْ حَامِلًا فَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَأَرَادَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ أَنْ تَبْقَى زَوْجَةً، فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ فَإِنْ تَبَيَّنَ تَقَدُّمُ مَوْتِهِ رَدَّتْ مَا أَنْفَقَتْ بَعْدَ الْوَفَاةِ فَإِنْ جَاءَ الْمَفْقُودُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ، وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَقَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَكِنْ عَلِمَ الْمُتَزَوِّجُ بِهَا بِأَنَّ زَوْجَهَا الْمَفْقُودَ جَاءَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، لَكِنْ كَانَ عَقْدُهُ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَلَا تَفُوتُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ تَلَذُّذِ الثَّانِي بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ يَفُوتُ بِالدُّخُولِ فَإِنَّهَا تَفُوتُ عَلَى الْمَفْقُودِ [قَوْلُهُ: تَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَتْ إلَخْ] فِيهِ إشَارَةٌ لِمَنْ يَقُولُ إنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ بِهَذَا الْأَجَلِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَالِ. [قَوْلُهُ: وَلَا يُورَثُ مَالُهُ] أَيْ مَالُ الْمَفْقُودِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَأُمُّ وَلَدِ الْمَفْقُودِ كَمَالِهِ فِي الْوَقْفِ إلَى انْقِضَاءِ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ، حَيْثُ كَانَ لِسَيِّدِهَا مَالٌ تُنْفِقُ مِنْهُ، وَإِلَّا نُجِّزَ عِتْقُهَا، وَتَتَزَوَّجُ بَعْدَ حَيْضَةٍ؛ لِأَنَّهَا عِدَّتُهَا مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنْ لَمْ تَحِضْ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ [قَوْلُهُ: وَسَبْعُونَ سَنَةً عَلَى مَا اخْتَارَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ إلَخْ] قَالَ الشَّيْخُ الدَّمِيرِيُّ، وَلَعَلَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ خَلِيلٍ وَتَرْكِ الشَّارِحِ. ثَالِثًا، وَهُوَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً عَلَى مَا قَضَى بِهِ ابْنُ زَرْبٍ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ [قَوْلُهُ: فِي سِنِّهِ وَوَقْتِ مَغِيبِهِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ فَتَكُونُ مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى اخْتَلَفُوا فِي السِّنِّ، وَوَقْتُ الْمَغِيبِ مَعْلُومٌ. الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الْمَغِيبِ وَالسِّنُّ مَعْلُومٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وَقْتِ الْمَغِيبِ مَعَ الْعِلْمِ بِالسِّنِّ ثَمَرَةٌ. فَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ قَوْلِهِ وَوَقْتِ مَغِيبِهِ بَقِيَتْ الْوَاوُ عَلَى حَالِهَا أَوْ جُعِلَتْ بِمَعْنَى أَوْ [قَوْلُهُ: حُكِمَ بِالْأَقَلِّ إلَخْ] فَإِذَا قَالَتْ بَيِّنَةٌ فُقِدَ وَسِنَّهُ كَذَا، وَقَالَتْ أُخْرَى فُقِدَ وَسِنَّهُ كَذَا، لَا أَزْيَدَ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ قَالَ تت: وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى التَّقْدِيرِ أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّحْقِيقُ بَلْ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَهَذَا لَيْسَ شَأْنَ الشَّهَادَةِ بَلْ شَأْنُهَا التَّحْقِيقُ لَكِنْ اُغْتُفِرَ لِلتَّعَذُّرِ بِأَنْ يَقُولُوا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ فُقِدَ وَسِنَّهُ كَذَا، وَإِذَا شَهِدَتْ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَأَرَادَ الْوَارِثُ قَسْمَ مَالِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِهِ عَلَى طِبْقِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْقَطْعِ، حَيْثُ ظَنَّ بِهِ الْعِلْمَ أَمَّا لَوْ شَهِدَتْ بِتَارِيخِ الْوِلَادَةِ فَلَا يَمِينَ. [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ] أَيْ يَحْرُمُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ غَيْرِ الْمُطَلِّقِ، وَأَمَّا مِنْهُ فَأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِالثَّلَاثِ، وَكَذَا يَحْرُمُ مُوَاعَدَةٌ بِالنِّكَاحِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ يَتَوَثَّقَ كُلٌّ مِنْ صَاحِبِهِ أَنْ لَا يَأْخُذَ غَيْرَهُ، وَكَذَا يَحْرُمُ صَرِيحُ الْخِطْبَةِ إلَى وَلِيِّهَا الْمُجْبِرِ وَمُوَاعَدَتُهُ هُوَ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ، وَالْأَبُ فِي ابْنَتِهِ
[ ٢ / ٩٥ ]
وَهِيَ (فِي عِدَّتِهَا) بِصَرِيحِ اللَّفْظِ (وَلَا بَأْسَ) بِمَعْنًى، وَيُبَاحُ خِطْبَةُ الْمُعْتَدَّةِ (بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ) أَيْ الْحَسَنِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِثْلُ إنِّي فِيك لَرَاغِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ مَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَالتَّصْرِيحِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَسْأَلَةٍ كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَهِيَ (وَمَنْ نَكَحَ) أَيْ تَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ نِسَائِهِ سَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا (بِكْرًا) صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً (فَ) يُبَاحُ (لَهُ)، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ فَلَهَا بِالتَّأْنِيثِ (أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا) أَيْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ (دُونَ سَائِرِ نِسَائِهِ) ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَتُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْقَدِيمَةِ (وَ) أَمَّا الْحُكْمُ (فِي الثَّيِّبِ) إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى نِسَائِهِ فَلَا يُقِيمُ عِنْدَهَا إلَّا (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) مُتَوَالِيَاتٍ ثُمَّ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ وَظَاهِرُ النُّسْخَةِ الْأُولَى أَنَّ الْحَقَّ لِلزَّوْجِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْمُقَامِ إلَّا بِإِذْنِهَا، وَعَلَى الْأُولَى يَكُونُ الْخِيَارُ لَهُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَالْأَصْلُ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - ﷺ -: «لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ» .
(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ فِي الْوَطْءِ) كَلَامُهُ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْبِكْرِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمَكْرُوهٌ، وَلَا يَحْرُمُ كَمُوَاعَدَةٍ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ دُونَ أَنْ يَعِدَهُ الْآخَرُ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْ زِنًا مِنْهُ، وَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ غَصْبٍ أَوْ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَيْ فِي تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ لَهَا فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَفِي تَحْرِيمِ الْمُوَاعَدَةِ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا بِالنِّكَاحِ، وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ [قَوْلُهُ: بِمَعْنَى وَيُبَاحُ] أَيْ فَهُوَ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ تت [قَوْلُهُ: بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ] ظَاهِرُهُ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْفِعْلِ كَالْإِهْدَاءِ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ جَوَازُهُ. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي الْهَدِيَّةُ فِي زَمَانِنَا أَقْوَى مِنْ الْمُوَاعَدَةِ، فَالصَّوَابُ حُرْمَتُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى مِثْلُهَا قَبْلُ، وَأَمَّا إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا، فَإِنْ أَنْفَقَ أَوْ أَهْدَى ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وَمِثْلُهُ لَوْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ لِمَخْطُوبَةٍ غَيْرِ مُعْتَدَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ بَعْدَ الْعَقْدِ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَهَلْ كَذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ [قَوْلُهُ: أَيْ الْحَسَنِ] لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَسَنَ شَرْعِيٌّ أَيْ يَكُونُ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ تَصْرِيحًا، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْمَعْرُوفُ وَصْفًا مُؤَكَّدًا؛ لِأَنَّ مَوْصُوفَهُ مُتَعَلِّقُ التَّعْرِيضِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ تَصْرِيحًا. [قَوْلُهُ: بِهِ] أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ مِنْهُ أَيْ بِدُونِ صَرَاحَةٍ [قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ مَنْ يُمَيِّزُ] كَأَهْلِ الْعِلْمِ [قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ] أَيْ كَمَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَفْهَمُ مِنْهُ التَّصْرِيحَ بِحَسَبِ زَعْمِهَا، وَيَنْتِجُ مِنْ ذَلِكَ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ: إحْدَاهَا أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ التَّصْرِيحِ وَالتَّعْرِيضِ فَالْجَوَازِ، ثَانِيهَا جَاهِلَيْنِ، ثَالِثُهَا هُوَ جَاهِلٌ، رَابِعُهَا عَكْسُهُ، فَالْمَنْعُ فِي الثَّلَاثِ وَمَحِلُّ جَوَازِ التَّعْرِيضِ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ إذَا كَانَتْ فِي عِدَّةِ مُتَوَفَّى عَنْهَا أَوْ مُطَلَّقَةً مِنْ غَيْرِهِ طَلَاقًا بَائِنًا لَا رَجْعِيًّا فَيَحْرُمُ التَّعْرِيضُ إجْمَاعًا. [قَوْلُهُ: عَلَى امْرَأَتِهِ أَوْ نِسَائِهِ] أَرَادَ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا الَّتِي تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِقَامَةُ عِنْدَهَا، وَلَا الْبَيَاتُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ إضْرَارَهَا، فَعَلَيْهِ إزَالَتُهُ بِالْبَيَاتِ عِنْدَهَا أَوْ لِمُؤَانَسَةٍ أَيْ إلَّا أَنْ يَجْرِيَ عُرْفٌ بِبَيَاتِهِ عِنْدَهَا حَالَ يَحْرُسُهَا فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ [قَوْلُهُ: سَبْعَةَ أَيَّامٍ] أَيْ بِلَيَالِيِهَا فَإِنْ قُلْت كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَنِّفُ بِالتَّاءِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مُذَكَّرٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي حَالَةِ ذِكْرِ الْمَعْدُودِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْحَذْفِ فَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ، وَإِنَّمَا مُيِّزَتْ الْبِكْرُ عَنْ الثَّيِّبِ لِمَا عِنْدَهَا مِنْ الْوَحْشَةِ بِفِرَاقِ أَهْلِهَا، وَالْإِقَامَةُ الْمَذْكُورَةُ لَا تُنَافِي الْخُرُوجَ لِقَضَاءِ مَصَالِحِهِ، وَصَلَاتِهِ الْجُمُعَةَ وَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي لَيْلَةٍ فَيَبْدَأُ بِالسَّابِقَةِ فِي الدَّعْوَةِ لِلدُّخُولِ أَوْ بِالْعَقْدِ إنْ تَسَاوَتْ فِي الدَّعْوَةِ، وَإِلَّا قُرِعَ [قَوْلُهُ: عَلَى نِسَائِهِ] أَيْ جِنْسِ نِسَائِهِ أَوْ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ حَقُّ الزَّوْجَةِ]، وَهُوَ الْمَذْهَبُ فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ. [قَوْلُهُ: بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ] لَا مَفْهُومَ لَهُمَا بَلْ كُلٌّ مُحَرَّمَتَيْ
[ ٢ / ٩٦ ]
مُحْتَمِلٌ لِلْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فِي النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: فِي الْوَطْءِ عَنْ جَمْعِهِمَا فِي الْمِلْكِ لِغَيْرِ الْوَطْءِ، وَإِذَا جُمِعَا فِي الْمِلْكِ فَلَهُ أَنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، وَالْكَفُّ عَنْ الْأُخْرَى مَوْكُولٌ إلَى أَمَانَتِهِ (فَإِنْ شَاءَ) أَيْ إذَا أَرَادَ (وَطْءَ الْأُخْرَى فَلْيُحَرِّمْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى نَفْسِهِ (فَرْجَ الْأُولَى) الَّتِي وَطِئَهَا إمَّا (بِبَيْعٍ) بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بَيْعًا نَاجِزًا لِمَنْ لَا يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ وَاحْتَرَزْنَا بِ " نَاجِزًا " مِنْ نَحْوِ بَيْعِ الْخِيَارِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُ فَرْجَ الْأُولَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ أَيَّامِ الْخِيَارِ، وَبِمَنْ لَا يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ عَمَّا إذَا بَاعَهَا لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ كَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَعَبْدِهِ، إلَّا أَنْ تَفُوتَ عِنْدَ الْمُعْتَصِرِ مِنْهُ فَتَحِلُّ لَهُ.
(أَوْ) بِ (كِتَابَةٍ)؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَةَ أَحْرَزَتْ نَفْسَهَا وَمَالَهَا (أَوْ) بِ (عِتْقٍ) نَاجِزٍ أَوْ مُؤَجَّلٍ (وَشَبَهُهُ مِمَّا يُحَرِّمُ بِهِ) كَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ لِمَنْ لَا يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ إذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ، وَإِنْ كَانَتْ لِلثَّوَابِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُعَوَّضَ عَلَيْهَا أَوْ تَفُوتَ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ فَتَحِلُّ لَهُ أُخْتُهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
(وَمَنْ وَطِئَ) مِنْ الْبَالِغِينَ (أَمَةً بِمِلْكٍ) صَحِيحٍ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْجَمْعِ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: فِي الْوَطْءِ] أَيْ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ [قَوْلُهُ: عَنْ جَمْعِهِمَا فِي الْمِلْكِ لِغَيْرِ الْوَطْءِ] أَيْ أَوْ وَاحِدَةٌ لِلْمِلْكِ، وَأُخْرَى لِلْوَطْءِ [قَوْلُهُ: بَيْعًا نَاجِزًا] أَيْ، وَلَوْ دُلِّسَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي التَّمَاسُكَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ أُخْتَهَا تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ بَيْعِهَا النَّاجِزِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يُقَيَّدُ بِأَلَّا يَكُونَ فِيهَا مُوَاضَعَةٌ، وَلَا عُهْدَةُ ثَلَاثٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا وَاحِدٌ مِمَّا ذُكِرَ فَلَا تَحِلُّ إلَّا بِمُضِيِّهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِنْ الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ، وَلَك أَنْ تَقُولَ احْتَرَزَ الشَّارِحُ بِنَاجِزًا أَيْضًا عَنْ عُهْدَةِ الثَّلَاثِ، وَالْمُوَاضَعَةِ كَمَا فَعَلَ فِي التَّحْقِيقِ وَاحْتَرَزَ بِعُهْدَةِ الثَّلَاثِ مِنْ السُّنَّةِ فَإِنَّهَا كَافِيَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْمَبِيعَةِ وَحِلِّيَّةِ الْأُخْرَى [قَوْلُهُ: كَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَعَبْدِهِ] أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الِاعْتِصَارَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ بَلْ وَمِثْلُهُ الْكَبِيرُ، وَأَنَّ الِاعْتِصَارَ هُوَ ارْتِجَاعُ عَطِيَّةٍ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطِي، وَهَذَا بَيْعٌ لَا عَطِيَّةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ بِالِاعْتِصَارِ مُطْلَقَ الِارْتِجَاعِ مِنْ الْمَالِكِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ، وَلَوْ بِالْعِوَضِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَخُصُّ الصَّغِيرَ بَلْ وَالْكَبِيرَ السَّفِيهَ؛ لِأَنَّ وَلِيَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُ، وَيَكُونُ مُفَادُهُ أَنَّهُ إذَا بَاعَهَا لِوَلَدِهِ الْكَبِيرِ الرَّشِيدِ كَالْبَيْعِ لِأَجْنَبِيٍّ فَيَحِلُّ لَهُ وَطْءٌ كَأُخْتِهَا. [قَوْلُهُ: أَوْ كِتَابَةٍ إلَخْ]، وَلَوْ عَجَزَتْ عَنْ النُّجُومِ فَلَا تَعُودُ الْحُرْمَةُ [قَوْلُهُ: أَوْ مُؤَجَّلٍ] يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: كَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ] أَيْ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا إذَا أَخْدَمَهَا زَمَنًا طَوِيلًا كَأَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ أُسِرَتْ أَوْ أَبِقَتْ إبَاقًا أَيِسَ مِنْ عَوْدِهَا مِنْهُ، وَلَوْ رَجَعَتْ لَا تَعُودُ الْحُرْمَةُ، وَلَا تَحِلُّ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ تَزْوِيجٍ لَمْ يَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ فَأَعْلَى فِي الْبَيْعِ، أَوْ دُخُولٍ فِي التَّزْوِيجِ أَوْ إخْدَامِ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ إظْهَارٍ. [قَوْلُهُ: لِمَنْ لَا يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ]، وَأَمَّا لَوْ وَهَبَهَا لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ أَيْ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الرُّجُوعِ فِيهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، كَمَا إذَا وَهَبَهَا لِوَالِدِهِ قَبْلَ حُصُولِ مُفَوِّتِ الِاعْتِصَارِ، وَإِمَّا بِشِرَاءٍ مِنْ الْمَوْهُوبِ كَمَا إذَا وَهَبَهَا لِمَحْجُورِهِ مِنْ يَتِيمٍ أَوْ وَلَدٍ، وَأَرَادَ أَخْذَهَا بَعْدَ حُصُولِ مُفَوِّتِ الِاعْتِصَارِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْهِبَةِ لِمَنْ يَعْتَصِرُهَا مِنْهُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِثَوَابٍ، وَقَبَضَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ ثَوَابٌ إلَّا أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ فَغَيْرُ نِكَاحٍ لِوَطْءِ الْأَبِ لَهَا قَبْلُ بَلْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَتَحِلُّ أُخْتُهَا لِلْوَاهِبِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ كَبِيرًا رَشِيدًا، وَأَمَّا إذَا تَصَدَّقَ بِالْمَوْطُوءَةِ عَلَى مَنْ هُوَ فِي حِجْرِهِ، وَحَازَهَا غَيْرُ الْمُتَصَدِّقِ بِكَسْرِ الدَّالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَافِيًا فِي حِلِّيَّةِ وَطْءٍ كَأُخْتِهَا فَلَوْ لَمْ تُحَزْ فَلَا تَحِلُّ الْأُخْتُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ، وَهَبَهَا قَبْلَ الْحَوْزِ مَضَى فِعْلُهُ. [قَوْلُهُ: حَتَّى يُعَوَّضَ إلَخْ] أَيْ فَلَوْ انْتَفَى التَّعْوِيضُ وَالْفَوْتُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءٌ كَأُخْتِهَا، وَلَوْ قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ الثَّوَابُ مُعَيَّنًا وَحَصَلَ عَقْدُ الْهِبَةِ فَيَحِلُّ وَطْءٌ كَأُخْتِهَا، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ حِينَئِذٍ [قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ] أَيْ عَقْدًا صَحِيحًا لَازِمًا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ الزَّوْجُ بِهَا أَوْ فَاسِدًا يَمْضِي بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ، أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ كَنِكَاحِ عَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ بِغَيْرِ إذْنٍ ثُمَّ أُجِيزَ وَكَنِكَاحِ ذِي عَيْبٍ أَوْ غَرَرٍ ثُمَّ رَضِيَ الْآخَرُ فَتَحِلُّ بِوَطْءٍ ثَانٍ وَفِي الْأَوَّلِ تَرَدُّدٌ. [قَوْلُهُ: مِنْ الْبَالِغِينَ] إذْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ لَا يُحَرِّمُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضٌ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي وَطْءِ الصَّبِيِّ
[ ٢ / ٩٧ ]
أَوْ فَاسِدٍ أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ بَاشَرَهَا (لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا) قِيَاسًا عَلَى أُمِّ الزَّوْجَةِ (وَلَا) تَحِلُّ لَهُ (ابْنَتُهَا) قِيَاسًا عَلَى الرَّبِيبَةِ (وَتَحْرُمُ عَلَى آبَائِهِ) قِيَاسًا عَلَى حَلِيلَةِ الِابْنِ (وَ) تَحْرُمُ عَلَى (أَبْنَائِهِ) قِيَاسًا عَلَى زَوْجَةِ الْأَبِ فَتَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، يَجْرِي فِي الْمِلْكِ (كَتَحْرِيمِ) الْمُصَاهَرَةِ فِي (النِّكَاحِ)؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةُ.
(وَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ دُونَ السَّيِّدِ) لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ -: «إنَّمَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ» كِنَايَةٌ عَنْ الزَّوْجِ، وَهَذَا إذَا تَزَوَّجَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ أَمَّا إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ فَسْخُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَا طَلَاقَ لِصَبِيٍّ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ مُرَاهِقًا لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ» .
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى
_________________
(١) [حاشية العدوي] إذَا كَانَ يَقْوَى عَلَى الْجِمَاعِ أَوْ بَلَغَ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِالْجَوَارِي، وَإِلَّا فَوَطْؤُهُ كَالْعَدَمِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَا مُقَدِّمَاتُهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَهَذَا كَمَا قَرَّرْنَا فِي الْوَاطِئِ وَاللَّامِسِ، وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ وَالْمَلْمُوسَةُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا. [قَوْلُهُ: أَوْ فَاسِدٍ] أَيْ مُخْتَلَفٍ فِي فَسَادِهِ، وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى فَسَادِهِ إنْ دَرَأَ الْحَدَّ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَدْرَأْ فَلَا وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَ الْوَطْءُ غَيْرَ جَائِزٍ، كَمَا إذَا كَانَتْ مَجُوسِيَّةً وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُهُمْ وَفِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ مَا يُفِيدُهُ [قَوْلُهُ: أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ بَاشَرَهَا] بِلَذَّةٍ مَعَ قَصْدٍ وَبِدُونِهِ وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ لَذَّةً، وَلَوْ بِقُبْلَةٍ بِفَمٍ أَوْ بِلَمْسٍ وَنَحْوِهِ، بَلْ، وَلَوْ بِنَظَرٍ وَوَجَدَهَا حَرُمَ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ انْتَفَيَا فَلَا، وَإِنْ قَصَدَهَا فَقَطْ أَوْ وَجَدَهَا فَقَطْ فَقَوْلَانِ فِي كُلٍّ أَقْوَاهُمَا فِي الثَّانِي التَّحْرِيمُ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ، وَهُوَ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ، وَأَمَّا هُمَا فَلَا تَحْرِيمَ بِالنَّظَرِ مُطْلَقًا كَبَاطِنِ الْجَسَدِ مَعَ انْتِفَائِهِمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّلَذُّذَ، وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالنَّظَرِ لِبَاطِنِ الْجَسَدِ يَحْرُمُ وَشُبْهَةُ الْمِلْكِ كَالْمِلْكِ، وَأَمَّا الزِّنَا فَلَا يَحْرُمُ فَتَدَبَّرْ. [قَوْلُهُ: وَتَحْرُمُ] أَيْ تِلْكَ الْمَوْطُوءَةُ أَيْ أَوْ الْمُتَلَذَّذُ بِهَا [قَوْلُهُ: عَلَى آبَائِهِ] أَيْ أُصُولِهِ، وَإِنْ عَلَوْا، وَقَوْلُهُ عَلَى أَبْنَائِهِ أَيْ فُرُوعِهِ، وَأَنْ سَفَلُوا [قَوْلُهُ: فَتَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ] أَيْ الْحَاصِلُ بِالْوَطْءِ أَوْ التَّلَذُّذِ، وَلَوْ قَالَ فَتَحْرِيمُ مُصَاهَرَةِ الْمِلْكِ كَتَحْرِيمِ مُصَاهَرَةِ النِّكَاحِ، لَكَانَ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ كَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِالنِّكَاحِ أَيْ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ بَعْضِ الْمُصَاهَرَةِ بِالنِّكَاحِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَطْءِ. [قَوْلُهُ: بِيَدِ الْعَبْدِ] أَيْ الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَزَوَّجَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ. [قَوْلُهُ: كِنَايَةٌ عَنْ الزَّوْجِ] وَجْهُهُ أَنَّ مَدْلُولَ مَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ ذَاتٌ كُلِّيَّةٌ تَصْدُقُ عَلَى أَفْرَادٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُسْتَلْزِمَةٍ شَرْعًا، مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِهَا لِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ، وَهُوَ الزَّوْجُ فَقَدْ أُطْلِقَ اسْمُ الْمَلْزُومِ وَأُرِيدَ اللَّازِمُ [قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَهُ فَسْخُهُ]، وَلَهُ إمْضَاؤُهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْإِمْضَاءِ، وَإِذَا فَسَخَهُ يَكُونُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ بَائِنَةٌ لَا أَكْثَرُ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ أَوْقَعَ اثْنَيْنِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْعَبْدِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قِنًّا أَوْ ذَا شَائِبَةٍ، وَوَارِثُ السَّيِّدِ كَهُوَ، وَلَوْ اخْتَلَفَ وَارِثُوهُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ فَالْقَوْلُ لِذِي الْفَسْخِ. [قَوْلُهُ: وَلَا طَلَاقَ لِصَبِيٍّ] حُرًّا أَوْ عَبْدًا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ طَلَاقُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ. وَلَوْ سَكِرَ حَرَامًا، بِحَيْثُ صَارَ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ، وَلَوْ بِأَكْلِ حَشِيشَةٍ، وَلَا يَصِحُّ طَلَاقُ السَّكْرَانِ بِحَلَالٍ، وَلَا لِكَافِرٍ. تَنْبِيهٌ: حَيْثُ قُلْنَا لَا طَلَاقَ عَلَى الصَّبِيِّ إنَّمَا يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجَتِهِ، وَأَمَّا إذَا طَلَّقَ الصَّبِيُّ أَوْ الْكَافِرُ زَوْجَةَ غَيْرِهِ فَتَصِحُّ إجَازَةُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ حَقِيقَةً الزَّوْجُ، وَلِذَلِكَ تَعْتَدُّ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ يَوْمِ إجَازَتِهِ لَا مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ. [قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ مُرَاهِقًا] أَيْ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ قَرُبَ مِنْ الْبُلُوغِ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ مُعَلَّقًا وَحَنِثَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَهُوَ كَذَلِكَ [قَوْلُهُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ» إلَخْ] التَّعْبِيرُ بِالرَّفْعِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الَّذِي لَا يُكْتَبُ الْمَعْصِيَةُ، فَلَا يُنَافِي كَتْبَ الطَّاعَةِ وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ مِنْ مَعْنَى كَتْبِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَوْلُهُ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ فِي التَّهْذِيبِ الْمَعْتُوهُ الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ أَوْ جُنُونٍ. [قَوْلُهُ: ثُمَّ انْتَقَلَ إلَخْ] أَيْ فَقَدْ تَبَرَّعَ بِهِمَا، وَقِيلَ لَا بَلْ هُمَا دَاخِلَتَانِ فِي الطَّلَاقِ فَلَا تَبَرُّعَ [قَوْلُهُ: مَثَلًا] الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ بَعْدَ
[ ٢ / ٩٨ ]
مَسْأَلَتَيْنِ غَيْرِ دَاخِلَتَيْنِ تَحْتَ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ: (وَالْمُمَلَّكَةُ)، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ لَهَا زَوْجُهَا مَثَلًا: مَلَّكْتُك نَفْسَك أَوْ أَمْرَك أَوْ طَلَاقُك بِيَدِك أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت (وَالْمُخَيَّرَةُ)، وَهِيَ الَّتِي يُخَيِّرُهَا فِي النَّفْسِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا: اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك أَوْ فِي عَدَدٍ يُعَيِّنُهُ مِنْ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ مِثْلَ اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ حُكْمُهُمَا أَنَّ (لَهُمَا أَنْ يَقْضِيَا مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ) فَالْمُمَلَّكَةُ تُجِيبُ بِصَرِيحٍ يُفْهِمُ عَنْهَا مُرَادَهَا مِنْهُ فَيُعْمَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَطْلُقَ وَاحِدَةً أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهَا فَفِي الْوَاحِدَةِ لَا مُنَاكَرَةَ لَهُ، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهَا لَهُ الْمُنَاكَرَةُ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَهُ) أَيْ لِزَوْجِ الْمُمَلَّكَةِ (أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ خَاصَّةً) دُونَ الْمُخَيَّرَةِ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ (فِيمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةُ) بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ، وَهِيَ أَنْ يُنْكِرَ حِينَ سَمَاعِهِ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ، وَلَا إهْمَالٍ، وَأَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِتَمْلِيكِهِ الطَّلَاقَ، وَأَنْ تَكُونَ مُنَاكَرَتُهُ فِي عَدَدِهِ، وَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فِي حَالِ تَمْلِيكِهِ، وَأَنْ يَكُونَ
_________________
(١) [حاشية العدوي] الْأَمْثِلَةِ لِيَدْخُلَ أَمْرُك بِيَدِك أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك أَوْ وَلَّيْتُك أَمْرَك أَوْ مَلَّكْتُك، وَضَابِطُ التَّمْلِيكِ جَعْلُ إنْشَائِهِ حَقًّا لَهَا وَكَذَا لِغَيْرِهَا رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يُخَصُّ بِمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَزْلُ [قَوْلُهُ: وَالْمُخَيَّرَةُ] ضَابِطُهُ جَعْلُ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لَهَا وَكَذَا لِغَيْرِهَا. [قَوْلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهَا إلَخْ] أَيْ أَوْ اخْتَارِي أَمْرَك أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك فَقَطْ، أَيْ بِدُونِ اخْتَارِينِي [قَوْلُهُ: اخْتَارِي طَلْقَةً إلَخْ]، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَعَدَّى ذَلِكَ [قَوْلُهُ: مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ] أَيْ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ أَرَادَ قَطْعَ ذَلِكَ عَنْهَا حِينَ مَلَكَهَا لَمْ يَنْفَعْهُ وَحَدُّ ذَلِكَ، إذَا قَعَدَ مَعَهَا قَدْرَ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا تَخْتَارُ فِي مِثْلِهِ، وَلَمْ تَقُمْ فِرَارًا، وَإِنْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ وَعُلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ تَرَكَا ذَلِكَ وَخَرَجَا إلَى غَيْرِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَهَذَا فِي التَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ الْعَارِي عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَإِذَا قُيِّدَ بِزَمَانٍ كَخَيَّرْتُك أَوْ مَلَّكْتُك فِي هَذَا الْيَوْمِ مَثَلًا، أَوْ فِي هَذَا الْمَكَانِ أَوْ الْمَجْلِسِ تَعَيَّنَ ذَلِكَ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ مَا لَمْ يُوقِفْهَا الْحَاكِمُ. [قَوْلُهُ: فَالْمُمَلَّكَةُ إلَخْ] وَكَذَا الْمُخَيَّرَةُ فَلَوْ خَيَّرَهَا أَوْ مَلَّكَهَا فَقَالَتْ قَوْلًا مُحْتَمِلًا نَحْوَ قَبِلْت أَمْرِي أَوْ قَبِلْت نَفْسِي أَوْ مَا مَلَّكْتنِي، فَإِنَّهَا تُؤْمَرُ بِتَفْسِيرٍ بِذَلِكَ، وَيُقْبَلُ مِنْهَا مَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ، فَإِنْ قَالَتْ أَرَدْت بِهِ رَدَّ مَا جَعَلَهُ لِي وَأَبْقَى عَلَى الْعِصْمَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ، أَوْ قَالَتْ أَرَدْت الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَإِنْ قَالَتْ أَرَدْت الْبَقَاءَ عَلَى التَّرَوِّي، فَإِنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهَا، وَلَوْ لَمْ تُفَسِّرْ حَتَّى حَاضَتْ الْحَيْضَةَ الَّتِي انْقَضَتْ بِهَا الْعِدَّةُ أَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا، فَقَالَتْ: أَرَدْت طَلْقَةً وَاحِدَةً قُبِلَ مِنْهَا بِلَا يَمِينٍ، وَلَا رَجْعَةً لَهُ لِتَفْرِيطِ الزَّوْجِ بِكَوْنِهِ لَمْ يُوقِفْهَا، وَلَمْ يَسْتَفْسِرْهَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ تُجِيبُ بِصَرِيحٍ أَيْ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ مِمَّا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهَا، وَأَرَادَ بِالصَّرِيحِ مَا يَشْمَلُ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ الْخَفِيَّةُ كَاسْقِينِي الْمَاءَ فَيُسْقِطُ مَا بِيَدِهَا، وَلَوْ نَوَتْ بِهَا الطَّلَاقَ، وَقَوْلُهُ يُفْهِمُ عَنْهَا مُرَادَهَا مِنْهُ إمَّا بِطَلَاقٍ كَمَا قَرَّرْنَا كَأَنْ تَقُولَ أَنَا طَالِقٌ مِنْك أَوْ طَلَّقْت أَوْ رَدَّهُ، كَأَنْ تَقُولَ رَدَدْت مَا مَلَّكْتنِي أَوْ لَا أَقْبَلُ مِنْك أَوْ تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا، وَلَوْ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ، وَهِيَ طَائِعَةٌ عَالِمَةٌ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ مَا بِيَدِهَا إلَّا أَنْ أَمْكَنَتْ مِنْ نَفْسِهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ بِمَا جَعَلَهُ لَهَا فَلَا يَبْطُلُ، وَلَوْ وَطِئَهَا بِالْفِعْلِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي عَدَمِ الْعِلْمِ [قَوْلُهُ: أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ خَاصَّةً إلَخْ] هَذَا إذَا بَقِيَتْ لَهُ طَلْقَةٌ أَوْ طَلْقَتَانِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ آخِرَ الثَّلَاثِ فَإِنَّهُ لَا يُنَاكِرُهَا [قَوْلُهُ: أَنْ يُنْكِرَ حِينَ سَمَاعِهِ] فَلَوْ لَمْ يُبَادِرْ، وَأَرَادَ الْمُنَاكَرَةَ، وَادَّعَى الْجَهْلَ فِي ذَلِكَ، لَمْ يُعْذَرْ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ، وَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِتَمْلِيكِهِ الطَّلَاقَ] فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا فَإِنَّهُ يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، أَرَدْت بِمَا جَعَلْته لَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ قَصَدَ طَلْقَةً وَاحِدَةً [قَوْلُهُ: وَأَنْ تَكُونَ مُنَاكَرَتُهُ فِي عَدَدِهِ] أَيْ لَا فِي أَصْلِهِ يَسْتَغْنِي عَنْهُ بِاَلَّذِي قَبْلَهُ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَوَى إلَخْ] فَلَوْ لَمْ يَنْوِهَا عِنْدَهُ بَلْ بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَزِمَ مَا أَوْقَعَتْهُ، وَسَكَتَ عَنْ شَرْطَيْنِ: أَوَّلُهُمَا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَقَعَ مَا أَوْقَعَتْهُ، وَلَا تُرَدُّ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَمَحِلُّ يَمِينِهِ وَقْتَ الْمُنَاكَرَةِ إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ لِيُحْكَمَ لَهُ الْآنَ بِالرَّجْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عِنْدَ
[ ٢ / ٩٩ ]
تَمْلِيكُهُ طَوْعًا وَاحْتَرَزَ بِمَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ مِنْ الْوَاحِدَةِ فَإِنَّهُ لَا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِيهَا.
وَأَمَّا الْمُخَيَّرَةُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُخَيَّرَ فِي الْعَدَدِ أَوْ النَّفْسِ فَإِنْ خُيِّرَتْ فِي الْعَدَدِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ زِيَادَةً عَلَى مَا جُعِلَ لَهَا، وَإِنْ خُيِّرَتْ فِي النَّفْسِ فَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ، وَبَطَلَ خِيَارُهَا، وَإِنْ قَالَتْ: اخْتَرْت نَفْسِي كَانَ ثَلَاثًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا إنْ فَسَّرَتْهُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَلَيْسَ لَهَا فِي التَّخْيِيرِ أَنْ تَقْضِيَ إلَّا بِالثَّلَاثِ ثُمَّ لَا نُكْرَةَ لَهُ فِيهَا)، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ مُنَاكَرَةُ الْمُمَلَّكَةِ دُونَ الْمُخَيَّرَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك اخْتِيَارُ مَا تَنْقَطِعُ بِهِ الْعِصْمَةُ، وَهِيَ لَا تَنْقَطِعُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا بِأَقَلَّ مِنْ الثَّلَاثِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهَا الثَّلَاثَ فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ عَلَيْهَا بَعْدَ جَعْلِهِ ذَلِكَ لَهَا، بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ طَلْقَةً أَوْ أَزْيَدَ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدَةِ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ، وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ.
_________________
(١) [حاشية العدوي] إرَادَةِ تَزْوِيجِهَا لَا قَبْلَهُ إذْ لَعَلَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا. ثَانِيهمَا أَنْ لَا يُكَرِّرَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا أَمَّا إنْ كَرَّرَهُ بِأَنْ قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك، أَمْرُك بِيَدِك أَمْرُك بِيَدِك، فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِيمَا زَادَ، وَيَقَعُ مَا أَوْقَعَتْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ التَّأْكِيدَ بِاللَّفْظِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لِتَأْكِيدٍ أَوْ نَوَى التَّأْسِيسَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ [قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ تَمْلِيكُهُ طَوْعًا] احْتِرَازًا مِمَّا إذَا شَرَطَ لَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا مُنَاكَرَةَ لَهُ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَمْ يَدْخُلْ، وَأَمَّا إذَا مَلَّكَهَا فِيهِ طَائِعًا فَلَهُ الْمُنَاكَرَةُ نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ شَرْطٌ، وَلَا تَنْصِيصٌ عَلَى طَوْعٍ، فَقِيلَ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الطَّوْعِ، وَقِيلَ عَلَى الشَّرْطِ كَمَا قَالَهُ فِي التَّحْقِيقِ [قَوْلُهُ: فَإِنْ خُيِّرَتْ فِي الْعَدَدِ] كَأَنْ يَقُولَ لَهَا اخْتَارِي وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ [قَوْلُهُ: فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ إلَخْ] فَإِنْ أَوْقَعَتْ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الَّذِي سَمَّاهُ فَإِنَّمَا يَبْطُلُ مَا قَضَتْ بِهِ، وَتَسْتَمِرُّ عَلَى تَخْيِيرِهَا [قَوْلُهُ: كَانَ ثَلَاثًا] أَيْ ثَلَاثًا قَطْعًا. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا إنْ فَسَّرَتْهُ أَيْ إذَا خَيَّرَهَا فِي النَّفْسِ، فَقَالَتْ: اخْتَرْت وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَبَطَلَ التَّخْيِيرُ مِنْ أَصْلِهِ. وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ لَهَا التَّخْيِيرُ أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا فَوَّضَ الطَّلَاقَ لِزَوْجَتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَأَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، بِأَنْ يَقُولَ مَا أَرَدْت إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُمَلَّكَةَ يُنَاكِرُهَا مُطْلَقًا وَالْمُخَيَّرَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَيْسَتْ شُرُوطًا فِي مُنَاكَرَةِ الْمُمَلَّكَةِ فَقَطْ بَلْ مِثْلُهَا الْمُخَيَّرَةُ قَبْلَ الْبِنَاءِ. تَتِمَّةٌ: لَيْسَ لِلزَّوْجِ عَزْلُ الْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَكَّلَهَا فِي طَلَاقِهَا فَلَهُ عَزْلُهَا قَبْلَ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ لَهَا بِذَلِكَ حَقٌّ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَقَدْ جَعَلْت أَمْرَك بِيَدِك تَوْكِيلًا، فَلَا عَزْلَ لَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوْكِيلِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْوَكِيلَ يَفْعَلُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ الْمُخَيَّرِ أَوْ الْمُمَلَّكِ فَإِنَّمَا يَفْعَلُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ الزَّوْجِ فِي التَّخْيِيرِ، وَالتَّمْلِيكِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، فَالشَّرْطُ تَمْيِيزُهَا، وَإِنْ لَمْ تُطِقْ الْوَطْءَ [قَوْلُهُ: وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ إلَخْ] الْأَوَّلُ ق قَوْلُهُ: لَهَا ظَاهِرُهُ بَالِغَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَالِغَةٍ إذَا كَانَتْ تَعْقِلُ. وَأَمَّا الزَّوْجُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْبُلُوغُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَالزَّوْجُ كَذَلِكَ، الثَّانِي مِنْهُ قَوْلُهُ: مَا دَامَتَا فِي الْمَجْلِسِ هَذَا إذَا مَلَّكَهَا التَّمْلِيكَ الْمُطْلَقَ وَلَوْ قَالَ لَهَا فِي التَّمْلِيكِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت أَوْ إذَا شِئْت، فَذَلِكَ بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوطَأْ الثَّالِثُ ق التَّمْلِيكُ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّوْكِيلِ عَلَى الطَّلَاقِ، ثُمَّ حَكَى قَوْلَيْنِ فِي التَّخْيِيرِ بِالْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ ثُمَّ قَالَ الرَّابِعُ يُحَالُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ دُونَ التَّوْكِيلِ حَتَّى تُجِيبَ قَالَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ. اهـ. وَالْأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَفَادَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِي التَّخْيِيرِ جَارٍ فِي التَّمْلِيكِ إذَا قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُبَاحٌ وَالتَّوْكِيلُ مَكْرُوهٌ إنْ قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ، وَإِلَّا فَالْجَوَازُ وَالْخِلَافُ فِي التَّخْيِيرِ جَازَ فِي الزَّوْجَةِ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا.
[ ٢ / ١٠٠ ]