ودعوى الساكن فيه دفع غلته إلى مكرية:
اعلم أن الحبس من شروط صحته حوزه عن محبسه في صحته، كالصدقة والهبة وغيرهما، مما هو في معنى عطية، وقد تقدم هذا، ولا خلاف فيه بين مالك وأصحابه.
وفي أحكام ابن زياد القاضي:
كشفنا سعيد الساكن في دار زبلون المحبسة وحوانيته وقرنه عما استقر عنده من خراج ذلك، فقال: قبالته علي للسنة بسبعين دينارًا، وقد انقضت السنة وغرمت إلى صاحب السوق ابن زبلون النجامامات لمحلها، وليس عندي منها شيء.
الجواب: فهمنا - رضي الله عنك - إقرار سعيد فرأينا إقراره يجب عليه إثباته، فإن أثبته ولم يكن لورثته زبلون في ذلك مدفع؛ كان القول قول سعيد فيما مضى من النجوم، وما كان منها بقرب إقراره فعليه البينة، على أدائه، وإن لم يثبت الاكتراء لزمه غرم جميع القبالة، إلا أن يكون قبالة مثلها أكثر؛ فيؤخذ بالأكثر. قاله ابن لبابة وابن وليد.
حبس في وصيته ضيعة على ضعفاء أهله:
كتب بها إلى أبي عبد الله بن عتاب من المرية: الجواب - رضي الله عنك - في رجل حبس في وصيته ضيعة له حبسًا، صدقة على ضعفاء أهله من قبل أبيه وأمه، يبدأ في ذلك أهل الحاجة منهم، على ألصق القرابة منهم إليه، وأقعدهم به، فيعطي كل واحد منهم من ذلك قوته وكسوته. هذا نص ما عقد فيه، وتوفي المحبس وحمل الثلث الحبس، ولهذا الحبس من القرابة بنو خالته أخت أمه، وبنو عمته، وبنو عم أمه، وبنو عم أبي أمه، وبنو بنت عم أمه، ولهؤلاء ذلك بنون صغار وكبار، فتنازع جميع المسلمين وبنوهم في الدخول في هذه الحباسة؛ فبين - رضي الله عنك -: هل يدخل جميعهم فيها أم بعضهم أولى من بعض؟، وفسر الرتبة في ذلك بالواجب، ومن أولى منهم بالمستغل؟ وهل يدخل الأبناء مع الآباء في ذلك وكيف إن جعل الموصي إلى أوصيائه معرفة أعيان المحبس عليهم؟ مأجورًا إن شاء الله تعالى.
فجاوب: تصفحت هذه المسألة فرأيت في لفظها التباسًا، تولد من قبل العاقد، والذي يدل عليه عندي ظاهرها - والله أعلم - أن الموصي إنما أراد تبدية الأضعف من قرابته على قدر لصوقه به وقرابته منه، فإن كانوا كلهم محاويج فأقرب القرابة إيه منه ممن
[ ٥٦٢ ]
سمت بنو خالته وبنو عمته، يعطي كل واحد منهم ما ذكره الموصي من قوته وكسوته على حسب ما ذلك، فإن فضلت فضلة فأقرب من بقي من قرابته إليه ممن ذكرت بنو عم أمه، ثم بنو عم أبي أمه، وبنو بنت عم أمه بمنزلة سواء، وبنو بني خالته وبنو بني عمته في فعدد واحد مع بني عم أمه، وبنو بين عم أمه مع بني عم أبي أمه وبني بنت عم أمه بمنزلة سواء.
وإن كان الموصي جعل إلى الأوصياء معرفة الأعيان المحبس عليهم، فإن ذك يغني الأعيان عن إثبات أعيانهم، أن شاء الله ﷿.
مسألة من وهب لابنته الصغيرة ثيابًا وحليبًا ثم باع منها بذلك دارًان ثم ابتاع الدار لنفسه بثمن نزر، ثم نكحت الابنة، وذهب إلى طلب أبيها بالدور للغبن الظاهر في ابتياعه إياها، وإذا كانت منتزلا فيما أغفلت ذكرها في باب الصدقة والهبة قبل هذا:
ما تقول – رحمك الله – فيمن وهب لابنته وهي صغيرة في حجره ثيابًا وجوارهًا وحليًا، وعقد على نفسه بذلك عقدًا ببينة عدل، ثم باع بعد ذلك من ابنته المذكورة دورًا بالحي والجواهر والثياب الموهوب لها، لما رآه من حسن النظر لها والغبطة والسداد، وعقد به وثيقة فيها عدول الشهود، ثم رأى بسوء نظره بيع هذه الدور من نفسه على ابنته بنزر يسير وثمن قليل، وانعقدت عليه بذلك وثيقة أنه باع على نفسه، وكانت الدور يومئذ منتزلا فيها، ثم نكحت الابنة وبني بها زوجها، ورشدت وعرفت قدر المال وزيادته ونقصانه، ووصلت إلى وثيقة الهبة وابتياع الدور، ووقفت على الغبن المحوز عليها، وأحبت القيام فيها، وكان الغبن فيها – يوم بيع أبيها لها – أزيد من ثلثي قيمتها، وكان أيضًا في الهبة ناض يسير احتازه الأب مع جملة الهبة، وهو تبع لها، وطبع عليه مع ذلك الشهود حين أبرزه إليهم مع سائر الهبة، ووقفوا على جميع ذلك، وكانت الدور قد قوموها وقت الابتياع بقيمة الهبة سواء، ورأي الشهود بعضها مساويا لبعض، فهل ترى – وفقك الله – للابنة قيامًا في الدور إن ثبت الغبن أم لا؟
فجاوب ابن عتاب"
قرأ – رحمنا الله وإياك – خطابك، وفهمت ما سألت عنه، وذكرت أن في الهبة ناضًا هو أقل الهبة، وأن الأب احتازه مع سائر الهبة بعد ختم الشهود عليه، وقد اختلف فيما لا يعرف من الحلي والجواهر، إذا غيب عليه، ووهبه الأب واحتازه، ولم يخرجه عن يده إلى غيره.
[ ٥٦٣ ]
وفي المدونة لابن القاسم ﵀ ما يدل على جوازهن والاختلاف من أصحاب مالك المدنيين والمصريين في حيازة الناض، إذا ختم عليه الشهود، واستقر بيد الواهب – معلوم، إلا أنه إذا كان أقل الهبة كما ذكرت، فهو جائز نافذ، وبيع الأب الدور من ابنته بالهبة جائز صحيح، إذا كانت الدور التي باعها خالية من سكناه أو ثقله، فإن كانت في سكناه حين البيع فلا يجوز ذلك إن كان البيع بحدثان الهبة وبقربها، حتى تستكمل الحيازة بانقطاع من حين الهبة٠
وبهذا كان يفتي كثير من فقهاء بلدنا، وهو قول صحيح على مذهب ابن القاسم، فإذا صحت الحيازة وانقضت السنة؛ جاز التصيير في الدور وصح، ولا خلاف أعلمه إن بيع ما فيه منتزل أو من يمنع مالكه من تملكه؛ لا يجوز، وأن البيع فيه مفسوخ ما كان المبيع بحالة لم يدخله فوت، ويرد إلى ربه. وإن دخله فوت؛ فكان الشيوخ عندنا يختلفون فيه فمنهم: من كان يحمله محمل البيع الفاسد، ومنهم من كان يفسخه على كل حال.
والى هذا كان يذهب أحمد بن خالد وغيره، وكان اختلافهم على غير رواية عندهم في ذلك، وكنت أذهب إلى قول أحمد بن خالد لدليل يؤيده، حتى ودت لمالك ﵀ في بعض الروايات ما أوجب الاختيار له والمصير إليه.
وأما بيع الأب على ابنته، وفيه غبن وقت البيع أزيد من الثلثين، فقد قال مالك في المدونة وغيرها: إنما يجوز بيع الب مال ابنه على وجه انظر وابتغاء الفضل، فإذا كان على غير ذلك لم يجز ورد، ولم يحد في ذلك حدًا. وقال في المأمور ببيع السلعة ببيعها بما لا يشبه أو بما لا يتغابن الناس في مثله: إن ذلك لا يجوز على الأمر. قال ابن القاسم: مثل أن يبيع الجارية بخمسة دنانير أو بأربعة، وهي ذات ثمن كثير، أو يبيع الغلام أو الدابة بدينار أو بدينارين؛ فهذا لا يجوز.
وفسخ البيع الذي سألت عنه بالغبن الذي ذكرت واجب، وصرف الدور على الابنة لازم، وقد كان بعض أصحابنا البغداديين يحد في الغبن الذي يرد البيع به الثلث، ويذكره عن مالك، وهو حسن في ذلك إن شاء الله ﷿.
وللابنة القيام بالغبن أو بالتنزل، أو بهما جميعًا، فإن ثبت أو ثبت أحدهما؛ وجب الفسخ، على حسب ما ذكرت هذا الواجب فيما سألت عنه، والله الموفق للصواب، وإليه ﷿ ارغب في التوفيق.
[ ٥٦٤ ]
نحل ابنه عند نكاحه ثلث اله وعليه دين:
كتب إلى شيوخنا بقرطبة سنة اربع وخمسين وأربعمائة: فيمن نحل ابنه نحلة انعقد عليها النكاح، فقال: ثلث مالي له نحلة، وكان ماله ثلاث مائة دينار، وأصولًا قيمتها ذلك، ولعيه دين مائة، ثم مات الناحل، فقال ورثته لمنحول: إنما لك الثلث بعد دينه، وقال المنحول: بل ثلث ماله كله لي، وفي الثلثين متسع لدينه.
وكان ذاكرني بها أبو محمد يوسف بن عبد القاهر بن الغلاس البطليوسي، فكتب إلى ابن عتاب: إن كان الدين قبل النحلة فالدين مبدأ واللمنحول ثلث ما يبقى، وإن كان بعد النحلة فله ثلث الجميع، والدين بعدها في الثلثين الباقيين، إلا أن يقصرا عن الدين، فستحسن أن يستتم الدين من ثلث النحلة، لأن الدين فرض واجب، والنحلة وإن كانت قد انعقد عليها النكاح، فقد كان كثير من الفقهاء يقول: لا تصح إلا بحيازة كسائر العطيات، والله أعلم بالصواب.
وكتب ابن القطان:
إذا كان معلوم المال في وقت عقد النحلة، فثلث ماله لمنحول، ويخرج الدين بعد ذلك؛ لأن المال ماله حتى يخرج الدين، هذا مذهب مالك.
وكتب ابن مالك:
إنما للمنحول ثلث مال الناحل بعد الدين؛ لأن الدين ليس من ماله.
فيمن حبس على ولده وأعقابهم فإن انقرضوا رجع إلى المحبس، وإن كان لهم عقب رجع عليهم:
كتب بها إلى القيروان من أشبيلية: الجواب – رحمك الله – فيمن حبس حبسًا على ولده وأعقابهم وأعقاب أعقابهم، فإن ماتوا رجع إلى المحبس إذا لم يكن لهم عقب، وإن كان لهم عقب رجع عليهم؛ هل يجوز هذا الشرط وينفذ الحبس للعقب من رأس المال، وقد حيز في صحة المحبس، ولا يرد هذا الحبس الدين الحديث، أو يكون بمنزلة ما رواه يحيى في الذي يعطي العطية لأخيه، فقال: تكون في الثلث. وعرفني هل الحبس بمنزلة العمري التي ذكرها أشهب عن مالك، فيمن شرط في العمرى إن مات المعمر رجعت إليه، وإن مات هو بقيت للمعمر، وحازها المعمر في صحة المعمر؟
فقال: الشرط جائز، وكذلك سنة العمري، شرط ذلك أو لم يشترط، فهل يكون
[ ٥٦٥ ]
الحبس إذا وقع فيه الشرط كما تقدم مثل العمرى ينفذ الحبس من رأس المال للأعقاب، بخلاف العطية يشترط فيها الشرط، ولأي شيء اختلف الجواب في العطية. وأجاز ذلك مالك في العمرى بين لنا ذلك حسنًا، فقد فرق ابن القاسم بين الصدقة والحبس، إذا تصدق على رجل بخادم، واشترط لنفسه خمسة أيام في الشهر، فقال: إن كان ذلك على الحبس، فلا بأس به، وإن كانت الرقبة بتلًا فلا خير فيه، وأجازه ابن كنانة. اكتب إلي بفضلك ما عندك في ذلك. مأجورًا إن شاء الله.
فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن:
الجواب عندي: أن المحبس على شرطه، ويرجع ذلك إليه، أو إلى ورثته، فيكون مالًا لهم، وترجع فيها الديون، وذلك كالعمرى، وكذلك مسألة أشهب، غير أن مسألة أشهب تكون من ثلث المعمر بعد موته؛ لأنها لم تصح له، إلا بعد موت المعمر، وهذا قول أشهب في غير موضع، ولابن القاسم مثل هذا في غير مسألة من هذا المعنى.
وأما الحبس المعقب فمن رأس المال، وأما تفرقة ابن القاسم بين الصدقة والحبس فقال: إذا تصدق على رجل بخادم واشترط عليه لنفسه خمسة أيام من الشهر، فقال: إن كان ذلك على الحبس فلا بأس، وإن كان بتل الرقبة فلا خير فيه. وخالفه ابن كنانة وأجازه؛ فالقول قول ابن القاسم، والفرق بينهما بين، وذلك أنه إذا تصدق وبتل، وشرط لنفسه خمسة أيام من كل شهر؛ فقد منعه من التصرف في صدقته من البيع، والهبة، والسفر، والوطء.
ومن تصدق بصدقة وشرط عليه ألا يبيع ولا يهب؛ لم تجز الصدقة عند مالك ولابن القاسم، وقد أبى منها عبد الله بن عمر، فلهذا لم يجر شرطه في الصدقة، وأما الحبس فذلك فيه جائز؛ لأنه لا يباع ولا يوهب ولا يغير عن حالته، فكان مذهب ابن القاسم في هذا أحسن من مذهب ابن كنانة، والله ولي التوفيق.
وجاوب أبو عمران الفاسي:
الحبس على الولد وعلى أعقابهم إذا حيز في الصحة، ولا يبطله ما شرطه المحبس، إذا لم يكن عقب؛ لأنه كعمري بعد عمري، كما لو قال: هذه الدار يسكنها فلان، ثم فلان ثان، ثم فلان ثالث، فإن مات فلان الثاني وفلان الثالث في حياة فلان الأول، ثم مات فلان الأول رجعت إلي، وكذلك إذا لم يوجد عقب في مسألتك، وأما المسألة التي في سماع يحيى
[ ٥٦٦ ]
فإنما هي عمري، شرط المعمر فيها أنه إن مات هو قبل المعمر كانت هبة للمعمر، فصارت هبة الرقبة وصية، لأن المعمر قيد الهبة بصفة موته، فكان مالا ينفذ إلا بموت الواهب فهو وصية.
ومسألة سماع أشهب هي عمري محضة ينتفع بها المعمر حياة نفسه فقط، ثم مرجعها إلى ربها، شرط ذلك أم لا؛ لأن قول المعمر أعمرتك حياتك يغني عن قوله، فإذا مت رجعت العمرى إلي؛ لم يجعل للمعمر منها إلا الانتفاع بها حياة المعمر.
فخالفت مسألة سماع يحيى المقيدة بوصفين: أحدهما عمري ما لم يمت ربها المعطين فتعود عطية وتبطل العمري، فإذا آل الآمر إلى كونها بموت المعطي عطية لا عمري، لم تصح إلا على وجه الوصية.
قال القاضي:
كاد لا يكون في جواب هذين المفتيين إلا حكاية السؤال؛ لأن السائل قد ذلك الروايات التي أعادها هما في جوابهما، وإنما الوجه الذي توهمه السائل إبطالًا للحبس، أو يخرج من الثلث كمسألة الإعمال التي في سماع يحيى.
وفي رواية أشهب: إذا قال المحبس: هذه الدار أو القرية حبس على فلان وفلان أو بينهما، فإذا انقرضوا من آخرهم، فمرجع ذل المحبس، إن كان حيا، فإن لم يدركه حيًا، فإلى ولده دون سائر ورثته، فهذا إذا وقع لم يكن لولده منه شيء في غيره ميراثه، وكان بين جميع ورثته؛ لأنها وصية لوارث، إلا أن أجاز الورثة ذلك للولد، فيكون له، وإذا لم يجيزوا له شاركوه في الأصل ميراثًا.
وإن قال: إن لم يدر كوني حيا رجع إلى ولدي وولد ولدي، أو قال: إلى ولدي، وإلى بني فلان، ولم يجز الورثة ذلك للولد؛ فإنه يقسم بين الولد وولده أو بينه وبين بني فلان بالسواء إذا استوت حاجتهم، فما ناب الولد دخل معه فيه الورثة فانتفعوا به على مواريثهم حياته، فإذا انقرض رجع إلى ولد الولد، أو إلى بني فلان، وخرج الورثة عنه، وإن قال: رجع إلى ولدي ثم من بعده في سبيل الله، أو على المرضى بموضع كذا أو على مسجد كذا، فإن وسعه الثلث دخل الورثة مع الولد في المنافع، لا في الأصل، فانتفعوا به على حسب مواريثهم، ما دام الولد حيًا، فإذا مات صار إلى الوجه الذي سبله فيه من مسجد أو غيره، وإن لم يسبله بعد الولد في وجه، شركة الورثة في أصله واقتسموا ميراثًا
[ ٥٦٧ ]
مالًا من مالهم.
ولو قال: فإن لم يدركني حيًا رجع حبسًا على ابني فلان، ولا وارث له غيره، ولم يجعل له بعده مرجعًا؛ فإنه يبطل حبسه إذا رجع إلى الابن؛ لأنه ليس للأب أن يوصي بتحبيس ما تخلفه على الابن؛ لأنه لا يجوز أن بحبس على أحد ماله، ولو لم يجز المحبس عليه هذا الحبس حتى مات المحبس، لنفذ للمرجع من الثلث، إذا كان مرجع لغير وارث؛ لأنه وصية، ولم يضره ترك الأول حيازته. والله أعلم.
ولو قال: فإن لم يدرك المحبس حيًا، فالمرجع إلى فلان لأجنبي، أو في سبيل الله، فإن لم يدرك المحبس هذا؛ نفذ للأجنبي أو السبيل من ثلث المحبس، وكان وصية علي ما في سماع يحيى وابن الحسن وأصبغ وغيرهم.
وكان الأمير عبد الرحمن بن الحكم قد حبس على ابنتيه من أم عبد الله فلانة وفلانة في سنة اثنتين وعشرين ومائتين – جميع أملاكه بقرية فلانة من إقليم كذا، وكلف عقد ذلك يحيى بن يحيى، ومحمد بن خالد، فعقدا حبس الأمير على ابنتيه فلانة وفلانة اللتين في حجره جميع أملاكه بقرية كذا من إقليم كذا، فإن انقرضتا رجعت حبسًا على ابنتيه فلانًا وفلانة، فإن انقرضتا فمرجع ذلك إلى الأمير إن كان حيًا فإن لم يكن حيًا، فإلى ولده دون جميع ورثته من نسائه.
ثم عرض الأمير النسخة على عبد الملك بن حبيب بمحضرهما، فأعلمه أن الذي وصفا لا يجوز؛ لأنهما وصية لوارث؛ إذ جعلا المرجع إلى الأمير إن أدركه حيًا فقد صار له بذلك مالًا فليس له أن يجعله بعد موته إلى ولده؛ لأنهما وصية لوارث، فأقرا بما قال، وقالا: هو الحق.
ثم قال عبد الملك: فإن أحب الأمير أن يكون المرجع لولده دون نسائه وجدت له السبيل إلى ذلك بطريقة الصواب، فقال، له: وكيف ذلك؟ فقال: بأن تجعل المرجع بعد بنات أم عبد الله إلى ولده أو إلى من أحب حيًا كان الأمير أو ميتًا، ولا يكون إليه من المرجع شيء، فيكون كشيء بتله الآن من ماله في حياته، فيمضي. قال له: فضعه على هذا، فلم أرد غيره، فوضع ابن حبيب عند ذلك نسخة التحبيس، ولولا طول الكتاب لنقلتها بكمالها.
ثم دعا الأمير بجميع أحباسه التي حبس على بناته فعرضها على ابن حبيب بمحضر
[ ٥٦٨ ]
يحيى وابن خالد، فألفاها كلها لا تجوز؛ إذ كانا قد شرطا فيها المرجع إلى الأمير إن كان حيًا، على ما تقدم، فنسخها، وأمر بصرفها على ما وضع ابن حبيب، وكانت أربعة أحباس: حبس أم المطرف شفاء وولدها، وحبس أم المغيرة اهتزاز وولدها، وحبس أم المنذر موشدة وولدها، وحبس أم عبد الله طروب وولدها، ولأم الأمير الرجلين في خطئهما في وضعهما فقالا: اجتهدنا.
وقال ابن حبيب في الوضاحة:
سألت مطرفًا عمن حبس شيئًا من ماله مما مرجعه إليه أو مما لا يكون مرجعه إليه، واستثنى أن مرجعه إليه يجعله حيث شاء، فرجع وهو مريض أو لم يرجع، إلا أنه مرض، فجعل مرجعه لوارث فقال: لا يجوز ذلك للوارث لا من الثلث ولا من غيره، إلا أن يجيزه له الورثة؛ لأني سمعت مالكًا قال فيمن أخدم عبده رجلًا حياته، ثم جعله في مرضه لآخره بتلًا بعد مرجعه: إنه من الثلث للمبتول له، فلما جعله مالك من الثلث كان ما جعله في مرضه للوارث باطلًا؛ لأنه مال من ماله بعد المرجع يورث عنه.
قال ابن حبيب: وأخبرني أصبغ عن ابن القاسم مثله سواء. قال أصبغ: وأنا أقوله إذا استثنى مرجع رقبة الحبس، كما قال ابن القاسم ومطرف، وأما إن كان استثنى المرجع لتولى إنفاذه على جهة التسبيل، فيما رأى لا مرجع الرقبة، وبين ذلك فرجع في مرضه فسبله فيما رأى على غير وارث، فهو خارج من رأس المال، وإن سبله على وارث كان ميراثًا، إلا أن تمضيه له الورثة.
وقال فضل: قول أصبغ على أصل أشهب، لا على أصل قول ابن القاسم، وذكر قول ابن القاسم في مسألة أوردها تركتها اختصارًا. وبهذا كله كان يتم ما سأل عنه ذلك السائل لو أثره به. فعلم.
ومسألة ابن القاسم وابن كنانة في مستنثى خمسة أيام من الشهر في سماع أبي زيد، وفي سماع أصبغ يومين في كل جمعة، وأما التي في أول سماع يحيى، ونحوها في سماع ابن الحسن، فأشاروا إليها ولم ينصوها، ولا أبانوا وجه العمل فيها، فرأيت ذكرها وبسط معانيها بما تكلم به بعض شيوخنا عليها.
قال يحيى: قال ابن القاسم: من أعطى أخاه منزلًا في صحته، وكتب في عقد عطيته إن مات أخوه المعطي في حياة المعطي، رجع المنزل على المعطي ولا حق فيه لورثة
[ ٥٦٩ ]
المعطي، ولا يورث على هذا الشرط أعطاه، فحاز المعطي عطيته في حياة المعطي أو لم يجزه، ثم مات المعطي قبل المعطي؛ فذلك كالوصية تكون للمعطي من الثلث، ألا ترى أنه أنفذ العطية إن مات قبل المعطي، فكأنه إنما أوصى له بها وعجل له قبضها، فهي وصية على كل حال؛ عجل قبضها في صحة المعطي أو ترك. وقال مالك ما يشبه هذا. قال أصبغ: وليس للمعطي فيها بيع ولا تحويل عن حال، فإن مات المعطي رجعت إلى المعطي كالعمري، وإن مات المعطي كانت كالوصية في ثلثه، ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها وكذلك مسألته.
قال القاضي: نقص من سؤال هذه المسألة ذلك شرط المعطي أنه إن مات قبل المعطي، فالعطية له ماضية، وقد نظرتها في أصل العشرة فودتها ينقص ذلك منها، كما نقلها العتبي في المستخرجة، ووقعت هذه الزيادة في سماع ابن الحسن، ولا غنى بالمسألة عنها فيها، يبين كونها كالوصية، وكأنه قال: هذا المنزل لأخي حياته، عشت أو مت، فعلى هذا ينفذ له، حازه في صحة المعطي أو لم يحزه فاعلم.
وقال بعض شيوخنا عليها: إن كان الموصي له قبض المنزل في حياة الموصي، ثم مات الموصي له، رجع المنزل إلى الموصي، وإن مات الموصي قبل، قوم مرجع الدار في ثلثه، وللموصي الرجوع في المرجع، وليس له الرجوع في السكنى حياته، إذا قبضه الموصي له، فإن كان الموصي له لم يقبض المنزل كان للموصي الرجوع في المرجع، وللموصي له أخذ المنزل حياة الموصي، فإن مات الموصي قبل قبض الموصي له المنزل، فله المنزل في الثلث؛ لأنه وصية.
وإذا قبض الموصي له المنزل في حياة الموصي ومات الموصي، فإنما يقوم له في الثلث المرجع خاصة، وإذا لم يقبض شيئًا قوم له المنزل كله في الثلث، ومعنى ت قويم المرجع أن يقال: كم يساوي هذا المنزل بعد سكنى له بقية عمره؛ يعمر على الاجتهاد، فتكون تلك القيمة في الثلث؛ لأن السكنى شيء قد قبضه الموصي له في صحة الموصي، فوجب له سكنى بقية عمره من رأس المال، والمرجع من الثلث، وإذا لم يقبض حتى مات الموصي، فيقوم له المنزل كله في الثلث؛ لأنه لم يقبض شيئًا في حياة الموصي، والسكنى أبدًا لا رجوع له فيه، لأنه عطية في الصحة قد قبضها المعطي.
والمرجع هو شيء يكون بعد موت الموصي فهو في الثلث، وما كان في الثلث فله
[ ٥٧٠ ]
الرجوع فيه غير المدير، وللمعطي قبض المنزل متى شاء في حياة المعطي، فإذا قبضه فقد وجب له سكناه بقية عمره من رأس المال؛ لأنه نفذ في الصحة.
وقول أصبغ: كانت كالوصية في ثلثه – يريد المرجع – وقوله: ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها – يريد السكنى – لا رجوع له فيها، وله الرجوع في المرجع.
قال القاضي:
هذا فقه هذه المسألة وبيانها وعلمها وتمامها، والعجيب من الأشبيلي المتكلف لطلب علمها بالقيروان وتركه لطلب ذلك بقرطبة عند أصحاب هذا البيان، ولي سبينه وبينها إلا يومان، والله الموفق وهو المستعان.
أوصى بتحسين شيء عنه من أصوله، وشرط إن احتاجت ابنته إلى غلة ذلك رجع إليها، وهي مصدقة فيما تدعيه من الحاجة: كتب أبو عبد الله الباجي من أشبيليه إلى القيروان فيمن حبس موضعًا من ماله مؤبدًا على المساكين في وصيته، وشرط إن احتاجت ابنته إلى غلة الحبس انصرف ذلك الموضع إليها صدقة بتلة، أو أراد على معنى الحبس عليها، وشرط أنها مصدقة فيما ادعت من الحاجة؛ هل ينفذ شرطه في التصديق، وتكون في الصدقة المبتولة وصية لوارث، فيبطل الحبس ولا ينفذ شرطه في التصديق؟ وهل عليها يمين إذا شرط تصديقها؟
وقد علمت ما فيه من الاختلاف، وأرأيت إن كانت ذات زوج مليء هل يسوغ لها دعوى الحاجة؟ ويصرف إليها غلة الحبس أو الصدقة إن جاز ذلك، وهل يكون لجميع الورثة إذا صرف ذلك إليها بمعنى الحبس حتى تموت الابنة، ثم ينصرف الحبس إلى ما سبله.
وآخر أوصى بتحبيس أصل على مسجد معين، إلا أن يولد له ذلك أو أنثى أو احتاج أحدهما فيصرف إليه وإن احتاجت الابنة يريد ابنة له أولى فيصرف ذلك إليها، فلم يولد له ولد، هل ينصرف إلى الابنة إذا لم يصرف إليها، إلا أن كان معها أو ينصرف إليها إن كان أراد بمعنى الحبس، ويدخل فيه الورثة، وكيف إن كانت ظاهرة الغنى، وزعمت أنها محتاجة، هل تصدق؟
فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن:
الجواب: أن هذه وصية لوارث، ويدخل سائر الورثة معها إن رجع لذلك إليها على وجه التبتيل، أو رجع مرجع الحبس لا يبطل ذلك؛ لأنه من أوصى لوارث بسكنى،
[ ٥٧١ ]
وأوصى بوصايا دخل سائر الورثة في ذلك السكنى، وكذلك الخدمة، وأما ما كان يأخذه بتلًا، فإنه يكون بين سائر الورثة، وهذا إذا كان مع ذلك وصايا وقعت المحاصة، فإن لسائر الورثة الدخول مع الوارث الموصي له، ولو لم تكن وصايا؛ بطل ذلك كله ورجع ميراثًا بين جميع الورثة.
وقد قال مالك فيمن حبس على ولده حبسًا وشرط لهم إن احتاجوا باعوا ذلك فلحقهم دين: أن لأصحاب الدين بيع الحبس من أجل ما شرطه المحبس لهم من البيع عند حاجتهم، والذي اشترط أن ولد له ولد واحتاجوا وله ابنة متى صحت حاجتها؛ صرف إليها وإلى من معها من الورثة فيكونون معها فيه؛ كان بمعنى الحبس أو بمعنى الصدقة البتلة. وبالله التوفيق.
وجاوب أبو عمران: شرطه في تصديقها نافذ، لأنه ماله شرط فيه ما أحب، والناس عند شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا، ولا يمين على الابنة إذا لم يفهم عن الميت مراد وجوب اليمين، وإذا كانت تحت رجل مليء فليست محتاجة، إلا إن كان الميت قصد حاجتها إلى شيء ولا يلزم الزوج من تجمل يفهم عنه أنه قصده وشبه ذلك، وإذا انصرف الحبس إليها والنفع بها شاركها الورثة فيه، إن لم يجيزوا لها الانفراد به؛ إذ لا تجوز وصية لوارث، فإذا ماتت فاعمل فيه على المفهوم عن الميت.
وعن نص الوثيقة: هل قصد الميت إبطال الحبس على المساكين بحاجة ابنته أم قصد نفعها به حياته، ثم يرجع إلى التحبيس أو إلى ورثته هو، فيعمل على ما يفهم من ذلك، وإذا جمع الميت الوصفين ولادة ولد غير ابنته وحاجة ابنته في شرط وما انصرف إلى بعض الورثة اشترك فيه جميع الورثة، وإن لم يجيزوا، وإذا كانت ظاهرة الغنى لم يلتفت إلى دعواها فقرًا يعلم فيه كذبها، حتى يصح دعواها، والله ولي التوفيق.
قال القاضي:
قول مالك الذي ذكره أبو بكر في جوابه: وأدرك المحبس عليه دني وكان المحبس قد شرط إن شاء باع وإن شاء امسك، وقع في حبس العتبية فيمن حبس على ابنتيه دارًا، وكتب: إن شاءتا باعتا، وإن شاءتا أمسكتا فرهقهما دين كثير داينتا به الناس، فقال الغرماء: نحن نبيع الدار، قد كتب أبوكما في صدقته إن شئتما بعتما.
قال مالك: صدقوا، ذلك لهم أن يبيعوها حتى يستوفوا حقوقهم، ويعارض هذه
[ ٥٧٢ ]
المسألة قوله في تفليس المدونة: إنه ليس للغرماء أن يجبروا الغريم على انتزاع مال أم ولده أو مال مدبره، ويقضيهم عنه، وكذلك ينبغي أن يكون في مسألة الحبس، فتدبر ذلك.
وفي رسم سلعة سماها يمن حبس دارًا حبسًا صدقة على ولده، لا تباع إلا إن احتاجوا، فإن احتاجوا واجتمع ملاءهم على ذلك؛ باعوا واقتسموا ثمنها، ذكرهم وأنثاهم، فهلكوا إلا رجلًا واحدًا فأراد بيعها.
قال مالك: له ذلك، إن احتاج: قيل له: ثم امرأة بنت أخت الباقي الذي يريد البيع، وهي من بنات المحبس. قالت: إن بعت أنا آخذ ميراثي من أمي. قال: لا أرى لها شيئًا.
قال ابن القاسم: ولو اجتمع ملاؤهم على بيعها قسموا ثمنها على الذكر والأنثى سواء؛ لأنهما صدقة حازوها، وليست ترجع بما يرجع به المواريث إلى عصبة المتصدق.
قال في كتاب ابن المواز: ولا حق فيها لولد بنات المتصدق، وإذا باعها الواحد الباقي فله الثمن كله، ولا حق فيه لورثة من قد مات؛ لأن من انقرض سقط حقه، وإن انقرض قبل أن يحتاج؛ فليس لورثته ولا غيرهم فيها حق، ورجعت كما يرجع غيرها من الأحباس.
القاضي يأمر بضم دار إلى نظر صاحب الأحباس:
القاضي يأمر بضم دار إلى نظر صاحب الأحباس:
قرأنا – زاد الله في توفيقك - الشهادات الواقعة عندك في الدار التي ذلك الشهود أنهم يعرفونها ملكًا لمحمد بن زهير، وأنه توفي فورثه ابنه عبد الله وابنته فاطمة، لا يعلمون له وارثًا غيرهما، وأن عبد الله غاب بالمشرق وغابت فاطمة بوادي الحجارة، وشهدوا أن الدار بحاضرة قرطبة بربض باب اليهود في الدروب المنسوب إلى اللباد، وأنهم يحوزونها في شهادتهم أنهم لا يعرفون أن واحدًا منهما باع حصته فيها إلى شهادتهم فيها عند القاضي أحمد بن محمد، في ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين.
وفي شهادتهم: أن أمر هذه الدار رفع إلى سليمان بن أسود، إذ كان قاضيًا بقرطبة فضمها إلى الأموال المحبسة، وصارت بيد أصحاب أحباسه موقوفة ويعرفون أصحاب أحباس القضاة يكرونها لا يعلمون أحدًا يدعى فيها بدعوى ولا حجة، وفي شهادتهم أنه إذا أمر الخزان بنقض دار حفص الذي كان يخدم الوزراء، شهد عندهم أنهم لقوم غيب، وإن ذكرها في ديوان القضاة فأمروا بالكف عنها، وفي شهادتهم: أن هذه الدار تسور فيها غلام حفص وزوجته على التعدي.
[ ٥٧٣ ]
وذكرت – أكرمك الله – قبلت من البينة رجلين وأحببت معرفة ما يجب به النظر في هذه الدار.
فالذي يجب في ذلك: أن تأمر اللذين قبلتهما من شهودهما بحيازتهما، فإذا حازاها أخرجت المشهود عليهما بالتسور فيها بالتعدي ووقفتها على يد الناظر في أحباسك، كما ثبت عند أن من قبلت من القضاة نظر به وفعله فيها، وهذا بعد إعذارك إلى المشهود عليهما بالتعدي فيها، فإذا أعذرت إليهما بما يجب ولم يكن عندهم مدفع، أنفذت عليهما ما قلناه، إن شاء الله تعالى. قاله عبيد الله بن يحيى، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبيد الله.
قال القاضي:
في هذه المسألة نظر؛ لأن الدار شهد فيها أولًا بالملك لابن زهير وابنته الوارثين له، ثم ألغي ذكرهما. فتدبر ذلك.
الشهادة في الحبس القديم على السماع من أحكام ابن زياد:
فهمنا – وفقك الله – ما شهد به الشهود في حبس الوليد بن عبد الملك بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن معاوية على سماع فاش لبعد موته؛ فيجب أن يشهد القاضي على هذه الشهادات القائمة بالسماع بعد الإعذار فيها إلى المطلوب. قاله محمد بن غالب، وقال: إن هذه الأحباس من حقوق الله ﷿، وهو فيما أنعم به، وأحسن فيه أحق من أخذ له بحقه، ولله قبلك نعمة، وأنت بحمد الله ممن يعرف حقها ويشكرها، وقد نفذت جميع أحكامك بحق واضح ونور ساطع؛ فاجعل نظرك هذا من النظر الذي تقدم لك، فإن الله يملك ولا يملك عليه، وأنت إن تلومت حتى يجتمع رضا طالب ومطلوب لم ينفذ لك فصل، فقدم بين يدي نظرك العدل والإنصاف، كما لم تزل تفعله، فإن الله يمنعك من الطالب لك، ويدفع عنك إذا أثرته، وصدعت بالحق له وفيه، إن شاء الله. وقاله محمد بن وليد، ومحمد بن لبابة.
ومن هذا المعنى فدان حبس شهد فيه على السماع:
فهمنا – وفقك الله – الشهادات في حبس ابن عبد المؤمن قطيعًا في فدان بمقبرة السقايين بغربي حاضرة قرطبة، وشهادة الجوازي على السماع الفاشي أنه حبس للمقبرة، وقوله: إن عتبة الملفي بيده هذا القطيع في العسكر، فيجب أن تأمر هذا الشاهد ومن شهد
[ ٥٧٤ ]
معه بحيازة هذا القطيع، ثم تأمرهم أن يأمروا من جاور الفدان ألا يحدث في هذا القطيع حدثًا حتى يستتم النظر فيه بواجب الحقن إن شاء الله. قاله ابن لبابة، ومحمد بن غالب، ومحمد بن وليد.
ومثله في السماع الفاشي في الحبس:
فهمنا – وفقك الله وسددك – ما قامت هب القرشية من ابتياع نصيب زوجها فلان من المال، الذي قد ثبت عندك تحبيس والد زوجها فلان بن فلان له بشهادة السماع الفاشي، الذي بمثله تثبت الأحباس المتقادم عهدها، والطويل أمدها، فرأيناها قامت بأمر لا يوجب لها حقًا؛ إذ زوجها البائع منها أحد الذين حبس المال عليهم، فلو ثبت بيعه لمصابه منه كان قد باع محرمًا بيعه، وغير حلال ابتياعه، إلا أنها قد رجعت شهادة الشهود إلى القول بأنها لا تطلب في المال المحبس شيئًا، غر أن يجري عليها من نصيب ولدها الذي هو واحد من أهل الحبس نفقة لضعفها، وقلت: هل رأيناك أبقيت لها حقًا في نظرن أو قصرت بها عن الواجب فيما قامت به عندك، فتراجع النظر لها حتى تبلغهما إلى ما يجب لها في الحق والسنة؟. فالذي نقول: - وفقك الله وأرشدك – أنك نظرت لها بالحق الذي يجب النظر به والقصد إليه، وهي سبيلك التي رأيناك منذ قلدك الله عباده إليها قاصدًا، وبها عاملًا ولها مؤثرً، فثبتك الله على ذلك.
ونقول:- وفق الله القاضي – إنا نرى أن من خرج إلى الشكية بغير حق كفعل هذه القرشية أن تؤدب، وأقل ذلك الحبس؛ ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد عن ذلك من فعلهم. قال محمد بن وليد، ومحمد بن لبابة.
قال القاضي:
لم يفسر الشيوخ ﵏ في هذه المسائل كيفية شهادة السماع، ولا المدة التي تجوز فيها، وتلك عادتهم في أكثر أجوبتهم، ولذلك بسط وبيان به تتم هذه المعاني، فأما كيفية الشهادة به في الأحباس، فأن يشهد الشاهد أنه يعرف الدار التي بم وضع كذا وحدها كذا، وأنه لم يزل يسمع منذ ثلاثين عامًا أو عشرين عامًا متقدمة لتاريخ شهادته هذه سماعًا فاشيًا من أهل العدل وغيرهم: أن هذه الدار أو هذه الملك حبس على مسجد كذا أو على المرضى بحاضرة كذا، أو على فلان وعقبه أو حب لا غير، إن لم يشهدوا بتسبيله، وأنها كانت محترمة بحرمة الأحباس، ويجوزونها بالوقوف إليها والتعيين لها.
[ ٥٧٥ ]
بهذا جرى العمل في أداء هذه الشهادة، فإذا أديت هكذا، وكان الشهود بها شاهدين فصاعدًا؛ حكم بها بعد حيازة الشهود بتحبيسه والإعذار إلى من يعترض فيه ويدعيه.
قال ابن القاسم في سماع عيسى في حبس العتبية: إذا شهد رجلان أنهما كانا يسمعان أن هذه الدار حبس جازت شهادتهما، وكانت حبسًا على المساكين إن كان لم يسم أحدًا، قيل له: فإذا شهدا وفي القبيل مائة رجل من أسنانهما لا يعرفون ذلك.
قال: إذا كان كذلك فلا تقبل شهادتهما إلا بأمر يفشوا أو يشهد به أكثر من اثنين، وإذا شهد شيخان قديمان قد أدركا الناس وباد جيلهما أنهما سمعا أنها حبس؛ جازت شهادتهما.
وقال مطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: وأحب إلينا أن يكثر الشهود في السماع، فإن لم يكن إلا شاهدان إن جازا، وقال ابن الماجشون في ثاني الثمانية: لا يقطع في ذلك بأقل من أربعة شهداء؛ لأنه شبه الشهادة على الشهادة، لأن أقل ما يجوز في الزنا أربعة، فاحتيط في شهادة السماع فجعل أقل ما يجوز فيه أربعة شهداء.
وفي سماع ابن القاسم في رسم المتاع من هذا، وفي الشهادات في نوازل سحنون: تجوز شهادة السماع في النكاح وفي الموت، وإن لم تحضره وفي النسب وولاية القاضي، ومثله في سماع أبي زيد في النسب، وفي شهادات المدونة في الأشربة المتقادم عهدها فيما كثر من السنين وتطاول من الزمان.
قال في كتاب ابن حبيب: مطرف وابن الماجشون وأصبغ: تنفع شهادة السماع في الخمس عشرة سنة ونحوها، لأن الأعمال قد تقاصرت.
وروي ابن القاسم عن مالك في الموازية: أن الخمس عشرة سنة ليست بطول تجوز فيه شهادة السماع، وقيل: تجوز في كثرة الوباء في مدة لو لم يكن وباء لم تجز فيها؛ لأن كثرة الوباء كطول السنين واندراس الأمر.
في المغرب: أن شهادة السماع جائزة في العدالة والتجريح لمن لم يدركه الشاهد، وفي الإسلام والكفر والحمل والولادة وترشيد السفيه، قال أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم، ومسائل هذا كله مبسوطة في الأصول من أراد الوقوف عليها تأملها في مواضعها.
[ ٥٧٦ ]
شهادة سماع أيضًا في دار محبسة بيعت:
شهد عند القاضي أحمد بن محمد صالح بن معافي: أنه يعرف الدار التي بقرطبة بربض كذا ويجوزها، وسماع سماعًا فاشيًا من تاريخ سنة خمس وخمسين ومائتين إلى تاريخ سنة اثنتين وتسعين ومائتين من العدول وغيرهم: أنها محبسة على وليد بن موفق، وأم الكنوز بنت موفق، وفلان وفلانة ابنتي حارث، وعلى أبنائهم، وفي شهادته أنه يعرف هؤلاء المحبس عليهم بأعيانهم وأسمائهم، ويعرفهم يسكنون هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب بالحبس، إلى أن ماتوا، ويعرف أبنائهم يسكنونها بعدهم باسم الحبس.
بعد أن مات وليد بن موفق، فانتقل نصيبه إلى ولده محمد، وماتت أم الكنوز وانتقل نصيبها إلى ابنها حاتم، وهو قت شهادته غائب، وماتت خليدة فصار نصيبها إلى ابنتها أمة الرحيم، وماتت عالية فصار نصيبها إلى ابنها قاسم، ثم مات قاسم فصار نصيبه إلى ولده يبكر، وماتت زين فصار نصيبها إلى ابنها مرثد، ثم مات مرثد فصار نصيبه إلى ولده يحيى، وماتت سميعة فصار نصيبها إلى ولدها هاشم، ثم مات هاشم فصار نصيبها إلى ولده حارث، لا يعرف لواحد من هؤلاء ولدًا يجوز له انتقال نصيبه إليه غير هؤلاء المسمين، وشهد فلان بمثل ذلك.
الجواب:
إذ قد قبل القاضي – وفقه الله – شهادة الشاهدين في حبس الدار المذكورة في هذه الصورة، وأنه تحبيس معقب، فيجب إحضار متبايعي الدار وكشفهما عن ذلك، فإن ذلك باشعهما أنه ملكه أعلم بثبوت تحبيسها، وأنه معقب، فإن ادعى مدفعًا أجلته فيه، فإن أثبت ما يسقط الحس أسقطته بعد الإعذار إلى المحبس عليهم إن عرفت بهم، وإن لم تعرف بهم نظرت في إسقاط الحبس بما يجب به إسقاطه، وإن عجز عن المدفع فسخت البيع فيها، وأعديت المشتري بالثمن على البائع، ووفقتها للحبس، فمن اثبت عينه أنه من أهل الحبس أدخلته في الحبس. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ومحمد بن وليد، ويحيى بن عبد العزيز، وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى.
قال القاضي:
لم يبين في هذه المسألة أعلم شهود التحبيس ببيع الدار وسكتوا، أو لم يعلموا، أو قاموا بالشهادة حين علموا بالبيع، ولا كلف القاضي طالب الحبس إثبات عدة ورثة من
[ ٥٧٧ ]
مات على ما يجب في ذلك، ليعذر إلى من لا حظ له في الحبس من الورثة، ولا هل يقضي على المتبايعين بغلة الحبس، إن لم يكن عندهم مدفع، ولذلك كله تفصيل وشرح يطول.
قطيع محبس من جنس باعته بعد التحبيس المحبسة:
قام عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي محمد بن عبد الله على خلف بن أحمد في قطيع من جنة بيده معين محبس، وأظهر إليه عقدا أشهد به على أنفهسما: أن محمدًا منهما قام على خلف في القطيع، وطلب أخذه بالتحبس، وأثبت عند أبي بكر يحيى بن محمد ابن زرب أن عائشة بنت فلان حبسته على زوجها عبد الله والده، وعلى عقبة وعقب عقبة، ثم على المرضى بقرطبة، وملك المحبسة للقطيع، وموت المحبس عليه عبد الله، وأن المحيطين بميراثه في علم شهوده به زوجته عائشة المحبسة، وابنه القائم محمد، وأعذر إلى عائشة في التحبيس فأقرت به، ولم يكن عندها فيه مدفع.
وأعذر إلى المقوم عليه خلف فاستظهر بعقد ابتياعه القطيع من عائشة المحبسة، وأثبتته وأقرت به، ولم تبين تاريخ التحبيس، ثم أكرى محمد القطيع من خلف لاثني عشر عامًا، وأمضى ابن زرب ذلك مختارًا لقول من أجاز عقد الكراء في الحبس لمثل هذه المدة، وغرس المكتري في القطيع شجرًا، وأشهد ابن زرب في هذا الكتاب بما ثبت فيه عنده، وانقضت مدة الكراء، فقام المحبس عليه محمد عند ابن زرب على ورثة خلف، يطلب أخذ القطيع بالتحبيس واثبت عنده موت خلف ووراثته، وأعذر إلى الورثة فلم يكن عندهم مدفع، وشاور الفقهاء في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
الحكم لمحمد بالحبس واجب، وصرف القطيع إليه لازم، وله كراؤه من ورثة خلف إن شاء، والمدة المستأنفة، وما كان فيه من شجر غرسة المكتري يثبت في أرض أخرى إذا قلع من القطيع، فلهم قلعة، وإلا بقي ولورثته على محمد قيمته قائمًا:
وأفتى ابن القطان بنحو ذلك إلا في قمية الغرس، فقال لهم: قيمته مقلوعًا لا قائمًا.
وأفتى ابن مالك:
أن ما حكم به ابن زرب في ذلك غلط لا يجوز إمضاؤه، ولا يجب للقائم محمد حكم بالحبس لنقصان ما أثبته عما يصل به إلى وجوب أخذه للقطيع، إن شاء الله.
[ ٥٧٨ ]
قال القاضي:
وتكلم معي في ذلك، وقال: وجه نقصانه أن القائم محمد أثبت موت أبيه المحبس عليه وراثته، ولم يثبت أنه لا عقب له غيره، ومحتمل أن يكون له عقب فيكونوا شركاء هذا القائم في الحبس، فلا غنى به عن إثبات ذلك، كما أثبت وراثته للإعذار إلى الورثة، فكذلك يثبت عقبه ليعلم الحكم الجزء الذي يحكم به للقائم، ألا ترى أن من طلب حقًا وجب له ميراثه له عن موروث أنه لا يصح له حكم حتى يثبت عدد الورثة، وإلا لم يحكم له القاضي بشيء، وهو بين في شهادات المدونة، فكذلك العقب في التحبيس، وهذا هو الصواب إن شاء الله.
قلت له: ولم لا يلزم الإعذار إلى المرضي، ومرجع الحبس إليهم؟ فقال: لقول المحبس: ثم على المرضي فإنما يتعين لهم حق في الحبس بعد انقراض العقب، وأما عقب العقب فلهم الدخول مع آبائهم في الحبس، قوله: وعلى عقب عقبه. والواو للاشتراك فاعلم.
وقال لي بعد ذلك: إن القاضي كشف عن العقب فألفى منهم من يشرك القائم في الحبس، وكنت أعلمت ابن عتاب بقول ابن مالك في ذلك، فقال لي في هذا شيء مستغني عنه، وما أظن سكوته - أي ابن عتاب - وسكوت ابن القطان عنه إلا إغفالا، والله أعلم.
وأفتى ابن القطان في جنة بجهة الزاهرة شرقي قرطبة محبسة على بني برطان تقبلت لثلاثة عشرة عامًا، وكان سوادها تبعًا لبياضها بفسخ القبالة فيها لطول هذه المدة، وطول المدة في كراء الأحباس.
فيه تنازع، وقال اصبغ في الثمانية: من حبست عليه دار وعلى ولده من بعده فأكراها المحبس عليه سنة أو سنتين وقبض الكراء، ثم مات بعد أشهر؛ فلولده فسخ الكراء؛ لأنه قد انقضى ما كان لأبيهم من الحبس، وصار لهم، ويرجع المكتري في مال الميت فيأخذ ما بقي له من الكراء، وسواء كان ولده صغارًا أو كبارصا، وهو كمن أكرى داره ثم استحقها مستحق؛ فله فسخ الكراء.
وقال ابن الماجشون في النوادر: يجوز كراء ولي الصدقة لما يجوز من النظر والحظ، السنة والسنتين، وما يجوز مثله للوكيل، ولا يجوز له التطويل، لأنه إنما يليها ما دام حيًا، وقد يتعرض حكمه فيها بعد الموت، وإن أمكن ذلك في القليل، فليس مما دخل فيه مدخل
[ ٥٧٩ ]
الآخر في الأغلب، ولا يجوز أن يكربها بنقد؛ لأنه قد يضع في ذلك.
والكراء لا يقسم عليهم قبل سكنى المكتري؛ لأنه إنما يقسم على من حضر يوم القسم، فمن ولد قبله ثبت حقه، ومن مات قبله سقط، وإن قسم قبل وجوبه بالسكن؛ فقد يموت من أخذ منه قبل أن يجب له ويحرم من جاء ممن يولد، وإن أكرى ما مرجع الرقبة لآخر بعده فلا يلزم ما بقي من المدة بعد موته، وإن قل بخلاف ولي الحبس الذي ذكرنا أنه يلزم ما قل من عقده؛ لأن الذي لغيره المرجع ليس له أن يعقد على غيره، وليس بيده من ولاية الصدقة ما بيد الولي الآخر، وهو إنما يكري لنفسه؛ ليس بولي على غيره، فهو يجوز له أن يعقد كراء مثل الأربع سنين والخمس.
وقد أكرى مالك منزله لعشرة سنين وهو صدقة على هذه الحال، واستكثر المغيرة وغيره عشر سنين، فما أبيح له فيه الوجيبة فهو جائز له فيه السلفة؛ لأنه إنما تسلف لنفسه، وإنما الخطر فيه لكثرة السنين لطول عمره، أو قصره، فهو إذا مات يرد ما بقي فصار سلفًا، ولا يدخل من الحظر في القرب ما يدخل في البعد.
وهذه المسألة في المبسوط لإسماعيل بن إسحاق القاضي عن عبد الملك بن الماجشون، وفي الصدقة من العتبية، وفي سماع أشهب وابن نافع عن مالك: فيمن تصدق بدار له على مواليه وأولاد أولادهم، فإذا انقرضوا رجعت إلى ولده، فكانت كذلك حتى بقي منهم واحد فأكراها من بعض ولد المحبس عشرين سنة، فأنكر ذلك باقي ولد المتصدق، وقالوا: نخاف أن يموت المولي في العشرين سنة فتقوم علينا بحيازتك.
قال مالك: إذا مات هذا المولي انفسخ الكراء، ولقد أكثر في السنين فليكتبوا عيه بذلك كتابًا، ويتوثقوا عليه فيه.
وقال ابن العطار في وثائقه:؛ ولا تجوز القبالة عند ابن القاسم في روايتاه عن مالك في الأحباس على قوم بأعيانهم، إلا لعامين ونحوهما، وبه القضاء للغرر الذي فيه بانتقاض قبالة من مات منهم، وقد تستأنف أيضًا لمن ولد منهم ممن له الدخول فيه.
قال: واستحسن القضاة عقد قبالة أحباس المرضي والمساكين والمساجد لأربعة أعوام خوفًا أن تدرس الأحباس بطول مكثها بيد متقبليها.
ورأى أهل البصر هذه المدة أقصى ما تبقى منفعة الزبل في الأرض، والمتقبل يزيل ويعمر. وبما ذلك ابن العطار شاهدت العمل بقرطبة، إلا قبالة الدور والحوانيت والفنادق.
[ ٥٨٠ ]
المحبسة على المساجد وغيرها، فإنها تعقد في كل عام يجتمع لها عند القاضي في ذي الحجة من كل عام بعد عيد الأضحى بثمانية أيام، وينادي عليها ويعقد للعام الداخل.
وقد خوطبت من بطليوس وأنا بأشبيلية في أرض ذلك أهها محسبة ولم تحز، وأكراها من كانت بيده وكن نساء لخمسين عامًا، وغرسها المكترون وكانوا جماعة، فلما مضى من الأمد نحو ثمانية أعوام فمن يطلبن فسخ الكراء؛ لأن الأرض محبسة عليهن، وأفتايت بنقض الكراء في الحبس وغيره إذا انعقد لهذه المدة لطولها وخروجها عن المعروف، وذكرت أنه لا حجة لمن جوز هذا في التي في نوازل سحنون، واستشهد على ذلك بالكالئ يؤجل إلى مثل هذا الأجل، وبتأجيل ثمن البيع إلى مثله: أن ذلك مما يفسخ به النكاح والبيع، وعلى ما في الواضحة وغيرها.
وتركت نقل ذلك على حسب ما أفيت به كراهة التطويل، وفيما ذكرناه مقنع، وكذلك اختصرت بعض ألفاظ الروايات تخفيفًا دون إخلال بالمعنى الذي قصدناه، وقد تقدم هذا المعنى في باب الشفعة، والله الموفق للصواب.
نقل شهادة شاهد لمرضه في حبس:
من أحكام ابن زياد: فهمنا - وفقك الله - ما كشفتما عنه من شهادة محمد بن مسور ومحمد بن عبد الملك بن أيمن الناقلين إليكما شهادة إبراهيم بن عيسى، وأنهما قالا في شهادتهما: أن إبراهيم في وقت إشهاده بحال لا يقدر على الخروج لأدائها في الكتاب الذي هو الصك مفرط منه، فرأيناه شهادة تامة، فإذا أشهد بمثل شهادة إبراهيم شاهد آخر ممن تقبله نمت الشهادة، ووجب الحكم لمن شهد له به بعد الإعذار إلى من شهد عليه في الشاهدين، وفيما شهدا به، فإن لم يكن عنده مدفع أمضى عليه الحكم وأشهدتما على ثبوت الكتاب بشهادة الشاهدين بعد ثبوت عدة ورثة المحبس عندكما أيضًا، والإعذار إلى من لم يقم عندكما طالبًا لنفاذ الحبس من الورثة، وإن كان في الورثة من لم يدخل في الحبس، أعذر إليه أيضًا. قال ابن لبابة، وأيو، وعبيد الله، وغيرهم.
قال القاضي:
وبقي من المسألة يسير كان درس في الكتاب الذي كتبت منه فتركته، وحكم في هذه المسألة حكمان، ولا أعلم من هذا إذا لم يسميا في الكتاب والله أعلم.
وقد تقدمت في أول الكتاب مسألة حسنة في الشهادة على الخط في الأحباس.
[ ٥٨١ ]
ثبوت حبس ابنة حيون عند القاضي عمرو بن عبد الله، ونظر القاضي بعده فيه:
فالذي يجب في ذلك أن يثبت عندك إشهاد عمرو بن عبد الله على ثبوت الحسن وحوزه عنده، فإذا ثبت أعذرت إلى ورثة أمة الرحمن ابنة حيون في ذلك، فإن أتوا بمدفع نظرت فيه، وإن لم يأتوا بمدفع أشهدت على ثبوت ما ثبت عند عمرو بن عبد الله، ثم تأمر بإحضار سلطان ويقرأ عليها تبرؤها، بعد أن يثبت عندك عينها، فإن أقرت به أشهدت على كتاب إشهادهما على التبرؤ، ثم تأمر ببيع الدار بعد حيازتها، وإن أنكرته وثبت عندك أعذرت إليها، ثم تعمل في ذلك على حسب ما يظهر لك إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد.
قسمة الحبس للاغتلال إذا طلب أربابه ذلك:
فهمنا - وفقك الله - ما سأله عبد الملك بن عبد السلام وكيل هند وعزيزة عنهما، وما سأله عبد الله بن خليفة وابن زيد عن بنيهما من قسمة الحبس الذي ثبت عندك أن محمد ابن سلمة؛ إذ كان قاضيًا أشهد عليه، وما ذلك في ذلك الكتاب من الحبس الثابت عندك، على حسب ما اجتلب فيه، ورأينا الحبس الذي بقرية أوسيناته، وبلاط أم عاصم، محوزة مزرعة بشهادة من قبلهم محمد بن سلمة؛ إذ كان قاضيًا بقرطبة، وثبوت ذلك عندك من إشهاد ابن سلمة عليه ولم نر لقرية سنسانة حوزًا في أرض غير تحبس عبيد الله جميع ملكه بها.
فالذي يجب - وفقك الله - أن تأمر المشتركين في الحبس أن يقسموه بينهم قسمة اعتمار واغتلال، إلى أن يحدث من الولادة أو الموت ما يفيد ذلك بزيادة أو نقصان، على ما تجري عليه أحباس المسلمين، ويؤمر عبد الله بن محمد بالخروج عن قرية سنسانة والبراءة بما كان تحت يده منها إلى أولاده المحبس عليهم فيقسمونه، على مثل هذه القسمة، أو إلى غيرهم ممن يحوزه لأولاده ولمن بعدهم، فإن أبي شددت عليه بالحبس وألزم ذلك؛ أحب إلى غيرهم ممن يحوزه لأولاده ولمن بعدهم، فإن أبى شددت عليه بالحبس وألزم ذلك؛ أحب أو كره؛ لأن ذلك ينتقل إلى غير بنيه من بني بنيه، ثم إلى فقراء المسلمين بعد انقراض تسبيله، وإن تمنع أحدًا ممن له في الحبس نصيب من القسم، ألزم ذلك على ما أحب أو
[ ٥٨٢ ]
كره. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، ومحمد بن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد.
قال القاضي:
قال لنا الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب: في قسمة الحبس اختلاف. وذلك موجود في مسائل المدونة، وغيرها.
قال ابن القاسم عن مالك فيمن حبس أو تصدق على بنيه الصغار والكبار، فلم يجز الكبار جميع ذلك حتى مات المحبس أو المتصدق: إنه يبطل ولا يجوز منه شيء. قال ابن القاسم: والهبة كذلك.
وروي علي وابن نافع عن مالك: أن الصدقة تجوز منها حظ الصغار؛ لأنها تقسم ويبطل الحبس كله؛ لأنه لا يقسم، فقد صرح هنا أن الحبس لا يقسم. وقد تقدم هذا المعنى أكمل في حيازة الأب لبنيه الصغار.
وقال مالك في المدونة وسماع يحيى وسماع عيسى فيمن حبس في مرضه على ولده وولد ولده دارًا ومات: إنها تقسم على الولد، وعلى عدد ولد الولد، فما صار لولد الولد أخذوه، وما صرا للولد دخل فيه سائر الورثة من أم الزوجة وغيرهما، فإن انقرض واحد من ولد الأعيان قسم نصيبه على من بقي من ولد الأعيان، وعلى ولد الولد، وتدخل الأم والزوجة وسائر ورثة الميت الأول فيما صار منه للولد.
وفي المسألة طول وغموض واختلاف، تركنا ذلك كله لطوله وإذ هو مبسوط في الأصول: العتبية وغيرها، وقد رأيت لابن أبي زيد فيها كتابًا، وفي المغرب وغيره فيها بيان، وإنما قصدت منها ذلك القسمة الواقع فيها، وهي في حبس.
وظاهره خلاف ما قاله أكثر أصحاب مالك في مسألة التي قبلها: أن الحبس لا يقسم. وقال محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة في منتخبه: اختلف ابن أيمن وابن الأغبس في قسمة الحبس، فقال ابن أيمن: يقسم، وكانت قد نزلت وكتب بالقسم وثيقة، وقال ابن الأغبس: لا يقسم ويفسخ القسم إن وقع. واحتج برواية علي ومن وافقه في المسألة المتقدمة.
قال محمد بن يحيى: وهو خطأ ومن اختلافهما؛ لأن معنى القسمة في مسألة الحبس في مرضه على ولده وولد ولده: إنما هو قسمة انتفاع، لا على أنه قسم يلزم من يأتي، والقسمة الممنوع منها في المسألة الثانية قسمة البنات.
[ ٥٨٣ ]
قال القاضي:
احتل بقرطبة مرضى من غيرها، وطلبوا الدخول مع مرضاها في أحباسها المحبسة على المرضى بقرطبة، فاختلف بها في الوقت الذي يجب لهم فيه الدخول مع مرضاها فيما يقسم عليه من غلة أحباسهم، وكان رأيي أن ذلك لهم بعد مقام أربعة أيام؛ إذ قالوا أنهم يريدون الاستيطان بها.
وذكر لي أبو عبد الله ابن أبي حنين مثل ذلك عن ابن القطان، وكتبت بذلك إلى ابن أبي سلمة، فكتب: إذا ثبت استيطانهم بها، فمن يوم يثبت ذلك يفرض لهم في الأحباس، إن شاء الله، وانظر في حج الاستذكار، وهذا إن شاء الله حسن، وهو مقتضى ما ذكروه، والله أعلم بالصواب.
وقول عبيد الله وأصحابه به في جوابهم: ومن أبي القسم منهم ألزمه - فيه نظر عندي؛ فتدبره.
دار ادعت التي هي بيدها أنها حبست عليها وعلى فلان، وقال فلان: بل هي لي ابتعتها من التي زعمت تلك أنها حبستها عليهما:
قال ابن لبابة: يجب في المرأة التي ألفيت في دار ذكرت أن أمة الوهاب حبستها عليها وعلى عباس، وقال عباس: بل الدار لي باعتها مني أمة الوهاب، وأدخل على ذلك ببينة أن تخرج المرأة من الدار لإقرارها بأنها فيها بسبب الحبس عليها وعلى عباس، وتكذيب عباس لها في ذلك، فإذا خرجت أمر القاضي - حفظه الله - بعقلها إلى أن يثبت اشتراء عباس أو حبس المرأة وموتها وعدة ورثتها، ثم يعذر إليهم فيما ثبت عند القاضي من ذلك، نفذه على ما يظهر له إن شاء الله. وقال محمد بن وليد.
دار بيعت وحبست ثم ادعى البائع أنه مولى عليه:
كشفنا - وفقك الله - عن حكمك لسمرة على عبد الله بن العاز في دار كان قد باعها منها، وحبستها سمرة بحضرة ذلك على مسكة، ثم على مسجد الغار، وجعلت إلى حجاجة أم عبد الله البائع قبض الحبس لمسكه ولمسجد بعدها، وذلك بعد استقصائك لسمرة ولحبسها، وذكرت أنها اعترضت بإنكار البيع، وادعى البائع أنه في ولاية أمه حجاجة بإيصاء أبيه محمد، وادعت ذلك عندك حجاجة.
وشهدت البينة عندك بالبيع وقبض الثمن، وأن بيعه للدار كان بمحضر أمه، وأقرت
[ ٥٨٤ ]
عندهم أنه إنما باعها في مصالح نفسه وأموره، وشهدوا عندك بالسداد في البيع، وأوقعت عليه القضاء؛ إذ لم يثبت عندك ولاية عليه بعينه، وقالوا: إنهم لا يعرفون عينه، ولا إن كان أولى عليه وهو صغير أو كبير، وفسحت له ولأمه بضرب الآجال استقصاء لمعاذيرهما، فملا لم يأتياك بشيء يوجب لهما نظرًا؛ أنفذت القضاء عليهما، وكل ذلك من فعلك صواب لم تعد فيه السنة، ولا خرجت فيه عن طريق الواجب، وذلك فلعلك في أحكامك، والقضية التي قرأنا بما أف صحت فيه عن نظرك تامة كاملة، ويجب عليك إمضاؤها. والإشهاد عليها. قاله محمد بن غالب، وابن لبابة، وغيرهما.
فدان محبس بيد رجل ادعى أنه قد فرق غلته واضطرب في ذلك قوله:
فهمنا - وفقك الله - ما وقف عليه ابن العاني من تحبيس جده للفدان، وإعلامه بما شهد به عليه في ذلك، وقوله: لا مدفع عندي في شهادتهم، ثم قوله: عندي مدفع فيهم، ومرة قال: إني قد فرقت غلة هذا الحبس عامًا بعام، فإذا كان في قوله وإقراره أنه وليه أخذ بإبراده لإقراره أنه تحت يده، ثم يوقفه القاضي حتى يثبت تحبيس جده له وموته، وعدة ورثته وورثة من مات من ورثته.
فإذا أثبت؛ أشهد القاضي على ذلك، وسجل به قضاء يأخذ ما عقد من ذلك بعد الإعذار إليه، أن شاء الله، ويؤخذ بما اغتل إذا كانت الغلة أراد للحبس أو الكراء، إن كان الكراء أنفع؛ إذ لم يعاقده عليه من تجوز معاملته، ويوقف مع إيقاف الفدان إلى أن يظهر للقاضي فيه نظر فيمضيه بما يظهر له إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وابن وليد، وأحمد بن يحيى، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وعبيد الله، ومحمد بن غالب، ويحيى بن عبيد الله.
المحبس عليه يعمر المحبس ما حبسه عليه:
فهمنا - وفقك الله - ما رفع إليك عن عبيد الله بن محمد بن يزيد من دخول ابنتيه هند وعزيزة عليه في مرضه، وقولهما: قد أعمرنا هذا الحبس كان حقًا أو باطلًا، وظهور كذبه في ذلك ما لا يحتاج معه إلى بينة في طلبه، ولثبوت انتقاله من إنكار إلى إنكار حتى أخذته الحكومة، وتبين عجزه ولرده غير ما مرة.
فالذي نرى: أن يمضي عليه الحكم بما قد أفتيا، ولا يمين على ابنتيه فيما ادعاه لما انكشف من كذبه غير مرة. قاله ابن لبابة، وعبيد الله، وأيوب، وغيرهم.
[ ٥٨٥ ]
دار محسبة على رجلين أكراها أحدهما:
وقفت لي - أكرمك الله - رسولك مع مولى الزاهد الصياد ومولاته، واختلفا في الدار التي حبسها عليهما، وذكرت المولاة أن المولى المحبس عليه معها أكراها لنفسه دونها، ولم يعطها نصيبها، وقال المولى: ما أكريت إلا هذه السنة وعام أول.
فالذي يجب أن يغرم إليهما نصيبهما من كراء السنتين، بعد أن يحلف بالله: ما قبضت منها شيئًا وتحمل المرأة البينة على السنتين الماضيتين، فإن جاءت بالبينة غرم حصتها من كرائهما، وإن لم يثبت ذلك حلف المولى بالله ما اكتريتها، ولا أخذت لها كراء غير هاتين السنتين التين أقررت بهما، وبالله التوفيق، ثم لا يكريها أحدهما إلا برضاء صاحبه. قاله ابن لبابة.
في الحانوتين المحبسين للغساني وفسخ البيع فيهما:
فهمنا - وفقك الله - ما شهد به على زوجة الغساني من بيعها للحانوتين اللذين ثبت تحبسهما، ووجب للمشتري الرجوع على البائعة بالثمن، وقالت عند الإعذار إليهما: إنها باعت مكرهة معروضًا عليها السياط، وعندي في ذلك مدفع بهذا الإكراه، فيجب أن تحمل إثبات ما ذكرت، فإن أثبتت أن بيعها كان مكرهًا، وجب الكراء في مال المشتري المكره، ولزمها رد الثمن، إلا أن تثبت لها أنها ردت الثمن وضمت إلى الإشهاد بالقبض، ولم تقبض في علمهم وما اطلعوا عليه. قاله عبيد الله، وابن لبابة، وسعد بن معاذ، ويحيى بن عبد العزيز، وابن وليد، وابن غالب، وأحمد بن يحيى بن أبي عيسى.
قال القاضي:
وعند آخر حبس الواضحة قال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن منزل حبس على المساكين فرفع إلى قاض، فجهل فباعه، وفرق ثمنه على المساكين، ثم رفع إلى غيره بعده فقال: يفسخ البيع، ويرد المنزل حبسًا كما كان. قال: قلت له: فالثمن ممن يأخذه المشتري، وهل هو على السلطان الذي باعه؟ فقال لي: لا أرى عليه شيئًا، وخطأ الإمام في الأموال هدر إذا اجتهد فأخطأ، ويدفع الثمن إلى المشتري من غلة الحبس.
وسألته عمن بني مسجدًا في قرية فصلى فيه نحو سنتين، ثم باعه ممن نقضه وبناه بيتًا أو دارًا، أو تصدق به على من فعل هذا به. فقال: يفسخ ما فعل، ويرد إلى ما كان عليه مسجدًا وهو كالحبس لله لا يجوز بيعه ولا تحويله عن حاله، وللباني نقض بنيانه، وإن شاء
[ ٥٨٦ ]
فليحتسب في تركه، وإن أراد نقضه فأعطاه محتسب قيمته مقلوعًا ليقره للمسجد أجبر الباني على ذلك إلا ما لا حاجة للمسجد منه، ولابد من نقضه فيترك ذلك .. قلت: فنقض المسجد الأول أيجب على من نقضه أن يعيده كما كان؟ قال: عليه قيمته قائمًا؛ لأنه متعد في ينقضه وهدمه، ثم يبني بتلك القيمة. قال ابن حبيب: وقال لي أصبغ مثله. قال: وقال أصبغ فيمن حبس على بنيه صغار وكبار أو على قوم باعيانهم، ثم هو سبيل بعدهم، فعدا عليه فباعه مغافصة (١) لهم. أو بعد طول زمان: طول زمان: هو سواء، والبيع منقوض على كل حال، ويرد الحبس على حاله، ولا ينظر فيه إلى تواني هؤلاء في قبضة لرجوعه من بعدهم إلى المساكين، وإن كان أعدم بالثمن اتبع به بخلاف الصدقة ببيعها بعد علم المتصدق عليه، وهذا أحب ما فيه إلي، ولولا التطويل لذكرت ما في ذلك في المدونة وغيرها.
وقال ابن العطار في كتاب السجلات من وثائقه: إذا فسخ بيع الحبس، فالغلة فيما سلف قبل ثبوت تحبيسه للمبتاع، لا يرجع عليه بشيء منها، إذا لم يعلم بالحبس بعد أن يحلف أنه لم يعلم به، وما كان في رؤوس الشجر من الثمرة وقت الاستحقاق، فهو للذين ثبت لهم أصل التحبيس، وأما الزرع فهو لزارعه، وإن ثبت التحبيس حين ثباته، وإن كان في أبان الحرث فعليه كراء الأرض.
وإن كان بائع الحبس هو المحبس عليه رجع عليه بالثمن، فإن لم يكن له مال وأثبت عدمه أو حلف، فللمبتاع أخذه من غلة الحبس عامًا بعام، فإن مات المحبس عليه قبل استيفائه الثمن؛ رجع الحبس إلى مرجعه، ولم يكن للمبتاع منه شيء، وإن كان بائع الحبس كبيرًا عالمًا بالتحبيس، عوقب بالأدب والسجن على بيعه وكذا إن لم يكن له عذر.
قال القاضي:
وينبغي إن كان مالكًا لنفسه مع ذلك ألا يكون له طلب المبتاع بشيء من الغلة، وإن علم - أي المبتاع - حين ابتياعه أنه حبس، وقد نزلت بقرطبة في مسألة القرشية ولادة، فأفتيت فيها بذلك، وكان غيري قد خالفني فيه، وخلافه خطأ بحت، والله الموفق للصواب.
وفي مسائل ابن زرب: جمع ابن الصغار يونس بن عبد الله وكان من أصحابه
_________________
(١) أي: معازةً. انظر لسان العرب ج ٧ ص ٦٠ (مادة، غبص).
[ ٥٨٧ ]
فيمن ورث مالا فاستحق بيده حبسًا، قيل للقاضي ابن زرب: هل على هذا الوارث غرم ما اغتل منه؛ إذ لا ضمان عليه فيه؟ قال: أما على قول ابن القاسم فلا خراج عليه، وقد نزلت عندنا بقرطبة فقضى بذلك، وأما على قول سحنون فعليه الخراج.
قال القاضي:
قول ابن القاسم الذي أشار إليه ابن زرب في هذا الجواب، هو قوله في كتاب الاتسحقاق من المدونة، فمن اشترى جارية بكرًا فافتضها أو ثيبًا فوطئها. ثم استحقت حرة فلا شيء عليه في وطئها، ورواه عن مالك. وكذلك لو استحقها مالك أنها أمته.
وقال سحنون: ينبغي أن يكون عليه ما نقصها؛ لأنها منفعة وصلت إليه.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن اشترى عبدًا فخارجه أو كاتبه أو استخدمه، ثم استحق حرًا، أنه لا يرجع على المبتاع بغلة ولا كتابة ولا أجرة خدمة. وفي المسألة طول ولها نظائر في الواضحة، وغيرها.
وقال المغيرة في هذا: له الرجوع بما اغتل منه، وقع في النوادر، وهو قول سحنون، ولابن القاسم ما يعارض هذا الأصل في المدونة، وهذا مثل مسألة بيع الحبس مجتمعًا، إذا وقع كيف يكون الحكم فيه.
وأجمع مالك وأصحابه على المنع من بيع الأصول المحبسة العامرة، وهو المشهور من قولهم فيها، وإن خربت، واحتجوا في المدونة وغيرها ببقائها خرابًا بالمدينة، فدل على أن بيعها غير مستقيم.
وكذلك لمالك في الموازية في المعارضة بها، إلا أنه وقع في كتاب الحاوي لأبي الفرج المالكي: أن قول مالك اختلف في بيع الوقف إذا خرب.
وأما غير الأصول كالعبيد والثياب تبلى ويتخلق العبيد أو تضعف الدواب؛ فروي ابن القاسم وابن وهب عن مالك: جواز البيع والاستبدال في ذلك.
قال في المدونة: وقد رأى غيره أن ما جعل في سبيل الله من العبيد والثياب لا يباع، ولو بيعت لبيع الربع المحبس إذا خيف عليه الخراب، وإن كان قد روي عن ربيعة خلاف لهذا في الرباع والحيوان إذا رأى الإمام ذلك.
وفي موطأ ابن وهب: أن ربيعة أرخص في بيع ربع دثر وتعطل، ويعارض به في ربع نحوه في عمارة، يكون حبسًا.
[ ٥٨٨ ]
وفي النوادر: قال مالك: من باع حبسًا فسخ بيعه، إلا أن يغلبه سلطان، فأدخله في موضع ودفع إليه ثمنًا، فيشتروا به دارًا مكانها، من غير أن يقضي به عليهم، وكذلك إن باع وأدخلت في مسجد. وقاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: يقضي عليه أن يشتري منه مثلها، وأما أن استحق الحبس فأخذ فيه ثمن فليصنع المحبس به ما شاء.
وف رسم طلق بن حبيب لابن القاسم عن مالك: لا يقضي عليهم، إلا أن يتطوعوا. وتمام هذا المعنى في كتاب الرطب باليابس.
وفي رسم طلق بن حبيب لابن القاسم عن مالك: لا يقضي عليهم، إلا أن أن يتطوعوا. وتمام هذا المعنى في كتاب الرطب باليابس.
وفي رسم سن، ونوازل سحنون، وآخر سماع أصبغ، وفي جامع البيوع في سماع أشهب، ولابن الماجشون في آخر كتاب الصدقات من الواضحة: لا يجوز بيع شيء محبس من عبد أو بعير وغيره، وإن فسد، إلا أن يشترط ذلك المحبس.
وكتب القاضي أبو بكر ابن السليم إلى القاضي أبي بكر بن زرب في رجل من أهل الثغر على فرس مرسوم فخذه: - حبس الله – رفع إليه، فلما كشف عن ذلك قال: اشتريته ببلاد البربر، فلما أتيت سجلماسة خفت أن أغرم عليه أو ينزع مني فوسمته بهذا رجاء أن يطلق لي.
فكتب إليه: إن لم يعرف ملكه لهذا الفرس قبل هذه السمة ولا أقام بينة بما ادعاه، فحل بينه وبينه، وأمضيه في سبيل الله، على ما ظهر من وسمه، ولا يصدق الثغري على هذا، إن شاء الله إلا بينة.
بيع نقض الحبس إذا انهدم من أحكام ابن زياد:
فهمنا – وفقك الله – ما ذكره صاحب الأحباس من أنه أفي في المال المحبس بقرية قير تجلش المنسوب تحبسه إلى حارث الدباج خربة، ووجد في القرية نقضًا باليا يسيرًا، أقر من وجد عنده أنه من نقض هذه الخربة المحبسة، فأقره عند هذا المقر، ثم اطلع عيه فوجد قد بلي بلاء خاف عليه الذهاب معه على طول المدة وأحب القاضي معرفة جواز بيعه، وإيقاف ثمنه إلى أن يهيء الله بنيان الخربة، فيستعان به فيه.
فالذي نرى: أن بيعه من النظر المحبس والحطية له، وخير من أن يترك فيتلف جميعه قاله ابن لبابة، وابن وليد.
[ ٥٨٩ ]
ولابن زرب في مسائله:
أنه رفع إليه في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة: أن أبا الوليد ابن أبي عبدة هدم قصبة كانت في داره المحبسة، وباع بعض أنقاضها، فأمر بإخراجه عنها وتسميرها عليه، ثم رغب إلى القاضي أن يعاد إلى الدار، ويوضع النقض في بيت بيني عليه على أن يغطي سقف المجلس الذي كان تحت القصبة.
فقال القاضي لمن معه: ما ترى في هذا؟ فقال له المسئول: ليس يبني من هذا شيء على يديه أبدًا لأنه شديد السفه، وارى أن يباع من النقض بعضه، وينفق من ثمنه في بنيان المجلس، ويدخل باقي النقض في البنيان، ثم كذلك تباح له الدار، فقال: هذا حسن، يفعل هذا. فقال له جماعة من أهل المجلس: أو ليس هذا من بيع الحبس؟ فقال: أو لستم تسمعون ما يقول: إنه إن لم يؤخذ هذا المأخذ لم يبن على يدي الذي هدمه؛ ليس هذا من بيع الحبس، هذا إصلاح له.
قال أبو علي: فقلت له: قد رايت مساجد تباع حصرها، وقد بلغني أن مسجدًاا بيع منه حصر بخمسة وثلاثين دينارًا، فقال: إذا كان يستغني عنها فما يبيعها بأس. قيل له: وكذلك ما يلي من أنقاض المساجد، واستغنى عنه؟ قال: نعم بيعه جائز.
وقال له اب دحون: من حبس حبسًا، وشرط أن تنقد غلته في مصالح حصن من حصون المسلمين في وجوه كرها، فتغلب العدو على ذلك الحصن؟ فقال: تنفذ الغلة في مثل تلك الوجوه في حصن غيره، إن شاء الله تعالى.
وقال: ما كان الله ﷿، والمستغنى عنه فجائز أن يستعمل في غير ذلك الوجه، مما هو لله كالدار المحبسة بلصق المسجد، لا بأس أن يوسع بها المسجد الجامع خاصة؛ لأن الجمعة لا تكون إذا في موضع واحد، وغيرها من المساجد قد ينتقل عن المسجد إذا ضاق إلى غيره، ونحوه ما ذكره القاضي واختاره في كتاب ابن حبيب.
قال ابن الماجشون عن مالك: أدخل في مسجد رسول الله (ﷺ) دور محبسة كانت حوله هدمت وزيدت قال ابن حبيب: قلت لابن الماجشون: فهل ترى مساجد الأمصار في هذا مثل مسجد العشائر فلا. وقاله مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
وقال ابن الماجشون في المقبرة تضيق عن الدفن وينتقل عنها وينتقل عنها إلى غيرها، والى جانبها مسجد قد ضاق بأهله: لا بأس أن يوسع المسجد ببعضها، لأنهما جميعًا المسجد والمقبرة
[ ٥٩٠ ]
حبس للمسلمين لصلاتها وتدافنهم؛ فلا بأس أن يستعان ببعض ذلك في بعض.
وروي أصبغ عن ابن القاسم فيم مقبرة فبني قوم عليها مسجدًا: لا بأس بذلك، وكذلك ما كان لله لا بأس أن يستعان ببعضه في بعض، وينقل بعضه إلى بعض.
وفي حبس العتبية في رسم سن: قال ابن القاسم في اتخاذ المساجد على القبور: إنما أكره من ذلك هذه المساجد تبنى عليها، فإن عفت مقبرة فبني قوم عليها مسجدًا يجتمعون للصلاة فيه فلا أرى به بأسًا.
وشاور بعض القضاة بقرطبة في مسجد أراد جيرانه الزيادة فيه من دار حبس مجاورة له، وعقدوا في ذلك عقدًا تضمن معرفة شهدائه أن مما يصلح به المسجد ويتسع به أن تضاف إليه الدار المحبسة التي عليه.
فجاوب ابن عتاب:
تصفحت عقد الاسترعاء في هذا فرأيته قد حط منه تحديد المسجد بما يلاصقه من الدور، والعقد مفتقر إلى ذلك، لتعرف الدور الملاصقة، ومن أربابها، لا لتعيين المسجد، فتقف بذلك - رحمك الله - على هيئة المسجد، وما يتصل به من حبس أو غير حبس، وهل يشرع بابه، إلى محجة أو درب أو فناء، فقد تلاصقه دار يرغب ربها بيعها، فيكون ذلك أقرب مأخذًا وأسهل تناولًا من أمر الحبس، وما تضمنه عقد الاسترعاء.
أن ذلك مما يصلح به المسجد ويتسع به، أن تضاف إليه الدار المحبسة، وليس هذا وجه العقد في ذلك ولا سبيله، ووجهه غير هذا مما علمك محيط به، وربما صلح أمر المسجد مما هو أفضل من هذا وأولى وأسم، وذلك بأن توجه إيه من تثق به من أهل المعرفة بالبنيان، فإن كان بابه يشرع إلى فناء أو محجة واسعة، لا ضرر على أحد من المسلمين في الأخذ من ذلك، ويوسع به المسجد وتلاصقه دار لملك يرغب في بيعها، ويسارع إلى الخروج عنها دون إكراه على ذلك أو أخذها بالقيمة.
نظرت في ذلك، واحتسبت الثواب فيهن وإن كان لا يجاور المسجد شيء مما ذكرت، ولا يرغب أحد من مجاوريه بيع داره، ولم يكن غير الدار المحبسة المذكورة، تركت النظر في ذلك، إذ لا سبيل على مذهب الإمام مالك (﵁) إلى تغيير شيء من الأحباس لتوسعه مسجد ولا غيره، إلا في المسجد الجامع، أو في طريق للمسلمين، لابد لهم منها، وأما التوسع بها في مسجد من مساجد القبائل فلا، وهكذا نص الرواية.
[ ٥٩١ ]
والفرق بين ذلك واضح بين، لأن الجمعة عنده لا تكون إلا في موضع واحد من المصر، وإن عظم المصر فاستخف ذلك للضرورة في غيره، ولا ضرورة في غيره من المساجد تدعوا إلى ذلك، وإن ضاق المسجد بأهله انتقل إلى غيره أو بنى سواه.
وهذا المسجد المذكور في اعقد يقرب منه مساجد، وبنيان مسجد بالحومة التي هو بها ممكن لمن رغب الثواب، ولا أقول بتغيير الحبس بوجه من الوجوه لما بينت ووصفت، وليس لمحتج أن يحتج بما قاله ربيعة في يالمدونة، ولا بما رواه أبو الفرج عن مالك: إذ ليس هو من باب ذلك، ولا من معناه، وقد كان كبير من شيوخ بلدنا يقول: لا سبيل إلى أن يكره الإمام أحدًا على بيع داره وللزيادة في مسجد الجامع، ولا يخرجه عنها إلا بطيب نفسه، ويحتج في ذلك بحديث كان يرويه وقد رأينا، والله ﷿ أسأله توفيقك.
قال القاضي:
وهذا كان مذهبه ﵀ في نقض مسجد منهدم ولا جيران له، ولا معه ما ينفق في بنيانه وإعادة نقضه فيه: أن يترك ذلك لانقض ولا ينقل إلى مسجد غيره، ولا يصرف في سواه، وبذلك كان أفتى في أنقاض جامع رشتشان من عمل قرطبة: أن تترك في الجامع حتى تعفن، ولا تزال عن موضعها.
ومن الحجة – وإن كنت لم أسمعه يحتج به – ما في سماع أشهب وابن نافع عن مالك فيمن تصدق بنخل بمائها، ثم أصابها الرمال حتى بلغت كرانيعها وغلبت عليها، وفي مائها فضل، قال السائل: وقد أردت بيعها، قال مالك: ما أرى أن تبيعها، وأرى أن تدعها على حالها حتى يغلب عليها الرمال فتستريح منها.
قال القاضي:
فقد رأى مالك ترك هذه النخل حتى تبطل وتذهب، ولم ير بيعها على حال.
وقال ابن وضاح: سألت سحنونًا عن زيت المسجد يكون كثيرًا، أيباع ويدخل في منفعة المسجد؟ قال: تجعل فتائل غلاظ. ولم ير بيعه. قلت: فيوقد في مسجد آخر؟ قال: لا بأس به. قلت: فالخشب كون في المسجد قد عفنت لا يكون فيها كبير منفعة، أتباع ويشتري بثمنها خشب يرم بها المسجد؟ قال: أما أنا فلا أجعل سبيلا إلى بيعها أصلا، إلا أن ثم قولا ضعيفًا. وهذا ما كان يراه أبو عبد الله ابن عتاب في ذلك، وبالله التوفيق.
[ ٥٩٢ ]
عرصة محبسة للتدافن فيها أراد رجل فتح باب دار إليها:
جوابك – رضي الله عنك – في عرصة ابتاعها رجل بلصق مقبرة للمسلمين، وحبسها ليدفن فهيا من يموت من ولده وأهله، ولرجل يلصق هذه العرصة دار بابها إلى الطريق، فحبس منه قطيعًا وفتح باب هذه الدار إلى تلك العرصة، فمنعه ورثة محبسها، وقد تدافن فيها من مات من أهل المحبس، وقالوا: فتحك بابًا إلى مقبرتنا مما يضرنا فيها بالطريق الذي تحدثه لتختلف عليه من دارك، وقد كان لها باب إلى الطريق وتختلف عليه أيضًا لقبورك أنت ومن له قبر، وتكررك بالدخول والخروج لعيها تبديل للحبس وتغيير له، وليست الطريق مباحة على المقابر.
وأفتى بعض الفقهاء: أن الرسول ﵇ كان يشق المقابر، ولو كان المشي عليها من الضرر ما فعله، وإنما كره ابن حبيب المي على أسنمتها لا بينها، واحتج بهذا محدث الباب إليها.
وقال غير هذا المفتي: المشي على المقابر لمن كان له قبر ضرورة، ويؤمر بالتحفظ من المشي عليها لئلا يهدمها، وللضرورة أحكام، وأما من كانت له طريق يمشي عليها فعدل عنها إلى إحداث غيرها، ليسلك إلى مقبرة عليها، ولعلها مع تقادم لاسكنى تنتقل الدار إلى من يعمرها بالخمر وغيرها من المرحمات، فتكون سببًا إلى استعمالها في المقابر، وتصير المقبرة مسلكًا لأهل الشر، ولهذا المعنى يمنع من فتح باب في المسجد للانتفاع به، فعرنا – وفقك الله – بالصواب عندك من هذا، وبالجواب فيه، مأجورًا إن شاء الله.
قال القاضي: كتب بهذا أشبيلية إلى القيروان.
فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن:
الذي يظهر لي من الجواب والله الموفق للصواب – أن لهم منعة من إحداث ذلك عليهم؛ لأن ذلك يضر بهم وبقبورهم، وهو شيء لازمن في كل الأوقات، والمرور في المقابر إلى القبور من نادر الأمور، وبهذا يريد أن يجعله حقًا لازمًا ولمن يسكن الدار معه وبعده من مكتر أو مالك، وقد يتسع ذلك إلى سلوك الدواب وغيرها؛ فيكون ذلك من الضرر، وبالله التوفيق.
وجاوب أبو عمران:
هذه الوجوه التي احتج بها أهل المقبرة إذا كانت طريقًا باقية بينه ظاهرة، وأما لو
[ ٥٩٣ ]
كان التطرف بالمشي على حسب تطرق المجاز قط لجاز؛ إذ لا ضرر فيه، وأما إن سكن الساكن الدار المحدثة بابها إلى المقابر، وخيف أن يكون سكناه سببًا لتطرق الماشية إن اتخذها يومًا، وذريعة إلى إلقاء الأزبال فيها، أو إلى أن يرتفق بسكناها بما يليها من المقبرة، كما يرتفق بالأفنية في وجوه الارتفاق التي قد تؤذي بعضها المقابر بدرس أو تقذير وغيره، فيمنع من ذلك، ويغلق الباب المحدث إلى المقبرة، وحرمة عظام المسلمين موتى كحرمتهم أحياء. وبالله التوفيق.
قال القاضي: هذا الذي جاوبا به صحيح ولا يتجه إلى ذلك خلاف بوجه، لو كانت العرصة باقية على ملك صاحبها ولم يحسبها، لكان له منع صاحب الدار من فتح باب إليها، والسلوك عليها، فكيف وقد تحرمت بحرمة الأحباس التي قد تحمي مما هو مباح في غيرها.
جنة ابتاعها مسلم من بعض أهل الذمة ثم قام ابن أخي بائعها يدعى أنه قد كان حبسها عليه قبل بيعها:
الجواب – ري الله عنك – في مسلم اشترى جنانا من يهوديين، ونزل فيها وحازها عشرة أعوام أو نحوها واعتمرها فيها، ثم حبسها بعد هذه المدة على بنية، فإذا انقرضوا رجعت حبسًا على طلبة العلم، وفي فك الأسرى، وعتق الرقاب، ولتأريخ الحبس ثلاثة عشرة عامًا، وقام الآن يهودي يزعم أن هذه الجنة حبسها عليه عماه، وهما اليهوديان البائعان لها من هذا المسلم، قبل التبايع المذكور، واستظهر بوثيقة تحبيس البائعين لها، قد كتب بخط إسلامي ذلك فيها أن البائعين اليهوديين حبسا الجنة المبيعة على ابن أخيها القائم، وعلى عقبه ما تناسلوا، وذكر يها أن أحد اليهوديين المحبسين حازمًا حبسه من الجنة على ابن أخيه؛ إذ كان صغيرًا.
فهل يجوز إحباس اليهودي، وهل بيعهم لما حبسوا جائز أم غير جائز؟ وهل يجوز حيازة أحد المحبسين البائعين للجنة لما حبسه؟ وهل لحكم المسلمين أن ينظر بينهم في أحباسهم؟ وهل ترى أن ينقض حبس المسلم لحبس اليهودي؟ وهل تجوز شهادة المسلم على خطوط شهادة المسلمين في حبس اليهودي.
فجاوب ابن عتاب:
قرأت – رحمنا الله وإياك – خطابك، وفهمت سؤالك، وأحباس أهل الذمة تخالف
[ ٥٩٤ ]
أحباسهم المسلمين – حماهم الله وكفاهم – وتفارقا لوجوه يطول ذكرها: منها أن المسلم لا رجوع له في حبسه، ولا سبيل له إلى فسخه ونقضه، وواجب على القاضي إذا أنهى إليه تحصينه بالإشهاد عليه، والتسجيل فيه، وعلى هذا جرى أمر القضاء ﵏.
والذمي إذا حبس ثم أراد الرجوع في فعله بنقضه وبيعه أو بما شاء، لم يعرض له ولا يمنع منه ولا يحل لقاضي النظر في تحصينه وإنفاذه؛ لضعفه، والى نحو هذا ذهب أصبغ بن الفرج، ولرواته معنى ليس موضع بيانه.
وقد روى عيسى عن ابن القاسم: أن لأهل الصلح بيع أرض الكنيسة إن أحبوا، وذلك من أحباسهم، وإذا قد باع اليهوديان المحبسان الجنة التي حبساها، فبيعها جائز ونافذ، ولا قيام لهما ولا للمحبس عليه على المبتاع، ولا سبيل لهم إلى الجنان، ولو قام القائم في حين نفوذ البيع وقوعه لم يرد البيع ولا فسخ، فكيف وقد حبس المبتاع ما ابتاع، ومضت المدة التي وصفت.
وتحبيس المسلم لذلك جائز نافذ، ويلزم القاضي إنقاذه وإمضاؤه والحكم به، ولا يسعه غير ذلك، ولا يراعى في حبس اليهودي حيازة ولا غيرها، بعد البيع، كانت الحيازة صحيحة أو ضعيفة.
وكذلك الشهادة على الخط لا يلتفت إليه فيها، ولا يسمع إقرار اليهودي أنه حاز نصيبه منها؛ إذ لا منفعة فيه، إلا أن لليهودي المقر له بذلك القائم بالحبس مطالبة عميه البائعين لما حبساه عليه، أن أحب، ومحاكمتها إلى حكم أهل دينهم، إن شاء الله تعالى.
فدان محبس على مسجد ادعى مدع أنه من مال الجزية:
من أحكام ابن زياد: فهمنا – وفقك الله – ما كشفت عنه من الفدان الذي بحسه طريف الفتى على مسجد بقرية طرجيلة، وما كان من قيام من قام عند القومس أنه من أرض الجزية، وما وقع إليك من ذلك.
فالذي يجب فيه: بقاء الفدان على ما حبس حتى يثبت عندك بالبينة أنه من مال الجزية، فإذا أثبت ذلك عندك نظرت فيه بما يجب إن شاء الله. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، وابن غالب.
شوري في أحباس البوادي:
أتانا – رحمنا الله وإياكم – قوم من قرى شتى يذكرون أن عندهم مساجد خربة،
[ ٥٩٥ ]
ولها أحباس عندهم على المساجد، وعلى ضعفاء القرى التي بها، واجتمع عندي الذين ذكروا أن الأحباس بأيديهم وجيرانهم الذين لم يرفع إلينا أن بأيديهم منها شيئًا؛ فأقر من يده من الأحباس شيء بما بيده منها للمساجد، وما منها للفقراء، وشهد غيرهم بمثل ذلك، وفيهم جماعة ظاهرهم الخير إن شاء الله.
فأتاني هذه الأيام من يسألني من أهل تلك المواضع إرسال عدلين لحضور تفرقة ما للضعفاء من الطعام المرفوع في البطن المحبسة، فأحببت معرفة رأيكم فيما سألوه ووجه النظر في ذلك، وفي مرمة المساجد وإقامة حصرها وزينتها؛ فعرفوني – رحمكم الله – كيف العمل في هذا إن شاء الله.
فجاوبوا:
قرأنا – وفق الله القاضي – هذا السؤال وفهمنا، ومن كان بيده شيء فأقر به فإقراره في ذلك لازم، وقد كان فيما سمعنا أن المقرين يكون الحبس في أيديهم ذكروا أن هذه الأحباس أحباسٌ قديمةٌ، وقليل منها حديث، ولم نزل نسلك بغلتها في مساكين هذه القرى، وفي إصلاح مساجدها مسلك الأحباس، وأحببت أن تعرف إن كان يلزمك تنفيذ ما دعي المقرون إلى أن يكون تنفيذه بمحضر من توجهه لذلك:
فالذي نراه أن إقرارهم بما تحت أيديهم من هذه الأحباس لازم لهم، ويجب تنفيذ ذلك على ما أقروا به وصنفوه مما جرت به الحباسة فيه، إن شاء الله، وهكذا يجب في كل مجهول الأصول لم يثبت إلا بإقرار من الذي بيده، فالمقر يؤخذ بإقراره، وينفذ ذلك، إن شاء الله. قال بذلك محمد بن وليد، وعبيد الله بن يحيى، وأيوب ابن سليمان، وابن لبابة، وابن معاذ، وغيرهم.
من حبس على نسله أو على عقبه أو حبس دارًا لسكنى النساء فتزوجت امرأة ساكنه فيها، أو أوصى ببنيان مسجد في موضع فسبق إلى بنيانه فبناه في ذلك الموضع، وبقيت وصيته حتى مات.
في مسائل ابن زرب القاضي: سأله ابن محسن عمن حبس على نسله، فقال: كمن حبس على عقبه، ثم قال لهم القاضي: ما تقولون في رجل أوصى ببنيان مسجد في موضع، ثم إنه بنى المسجد في ذلك الموضع، وبقيت وصيته إلى أن مات؟ فاختلفوا فيها، ثم قالوا له: ما تقول فيها؟ فقال: ما حضرني فيها حتى الساعة جواب.
[ ٥٩٦ ]
قال القاضي:
شاورنا أصحاب الأحكام والأحباس بقرطبة محمد بن مكي عن امرأة ساكنة في دار محبسة على صالحات النساء أرادت النكاح، أو مراجعة زوج كان طلقها ويسكن معها في تلك الدار.
فأفتيت: أنا وأبو الحسن علي بن محمد: أن لها ذلك، إن كان الزوج عديمًا لا يستطيع على إسكانها، ويكون في ذلك تبعًا لها.
وأفتى أبو عبد الله ابن فرج، وعبد الله بن أدهم: أنها تخرج من الدار إذا نكحت، ولا يجوز بها السكنى معه فيها، وبلغني أن بعضهم زعم أنها نزلت عند القاضي أبي علي ابن ذكوان.
وأفتى ابن عتاب، وابن القطان:
بأنها ليس لها ذلك، فرأيت في المنام سحر ليلة الاثنين في أول ليلة من المحرم سنة خمس وستين أني كأني خرجت من دار داخلية أنا وعيسى بن أبي عمر القطان، فكنت أجد في الدار البرانية منها أبا مروان بن مالك ﵀ جالسًا فجلست إليه وقلت له: كيف أنت؟ وأين غبت؟ ونحو هذا، وقلت له: قد سألت عنك أبا بكر بن الفلجياني وكان يقع في نفسي أنه كان غائبًا، وأن الدار التي خرجت منها له، وأظن أني ذكرت له أني حسبته غائبًا، فكأنه أنكره، فقلت له: كل يوم أتى دارك أناظر فيها، وكان يقع في نفسي أن عيسى بن القطان يقرأ على فيها، فكأنه عز عليه قولي، كل يوم أناظر في دارك.
وقلت له – أو قال هو ذلك لي -: ليتنا لو اجتمعنا نقرأ كتابًا واحدًا، وكان يجرى ببالي كتاب الحبس من المدونة، ثم كان يقوم عن موضعه ناهضًا، ويمشي في مكان مجهول لا أعلمه في الدار، يسير وأنا أتبعه، وفي أثري عيسى، فكنت أسأله عن المسألة المتقدمة، فقال لي: ليس يسكن معها زوج في الدار أو نحو هذا.
فقلت له: قد أفتيت أنا بأن له أن يسكن معها، فقال لي: وأنا قد اعتراني ذلك، حتى وقفت على السطر الذي هي فيه، ثم كان يقول: الناس على شروطهم في صدقاتهم. فكنت أقول أنا متصلا بكلامه: ويقبل منهم قولهم فيما أعطوا.
وكنت أتذكر في ذلك الحين ما في سماع يحيى وعيسى وغيرهما من مسائل من حبس وشرط، أن من تزوج من بناته خرجت من الحبس، فإن ردتها رادة من موت زوج أو
[ ٥٩٧ ]
طلاق رجت فيه، وكأنه كان في لسانه شيء؛ إذ قال لي ذلك.
وكنت أريد أيضًا أن أسأله عن قول مالك: أنه لا يجوز تولية الطعام الغائب؛ لأنه من الدين بالدين، إلا أني كرهت ذلك لحضور عيسى معي، ثم استيقظت.
قال القاضي: وقوله: الناس على شروطهم في صدقاتهم وتتميمي للكلام معناه في الموطأ: قال مالك: قال لي يحيى سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولا الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمري، وما يقول الناس فيها؟ قال القاسم: ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم، وفيما أعطوا.
وأما في سماع عيسى في الوجه الآخر، فإن في رسم أوصى لمكاتبه: قال ابن القاسم: قال مالك في الذي يحبس الحائط على بنيه الذلكور والإناث، فمن تزوج من البنات فلا حق لها، إلا أن تردها رادة، ثم هو بعد ذلك حبس على موالي، فمات البنون كلهم إلا ابنة واحدة متزوجة؛ ما يصنع بالغلة؟ قال: تكون الغلة لموالي حتى ترجع الابنة، ولا تحبس الغلة عليها.
وتكرر هذا المعنى في رسم يع، وفي سماع يحيى، وهو في كتاب ابن حبيب وغيره، وهو بين في مسألة المرأة التي تزوجت، وهي ساكنة في دار محبسة على صالحات النساء: أنه لا يسكن معها فيها.
ولابن القاسم عن مالك في النوادر في الهلاك في دار محبسة لزوجته السكنى فيها في العدة، وكذلك الساكن في دار في سبيل الله قال: وإن كان أهله وولده أهل حاجة، وهم صغار، فلا يخرجوا، وأنكر قول من قال: إنما حبست في السبيل للرجال دون النساء.
وفي هذه دليل لما كنا أفتينا به في تلك، وإن كان الاستدلال بما ذكرنا من سماع عيسى وغيره للمنع من ذلك أبين، وهو الصواب إن شاء الله، وكفى بقول النبي (ﷺ) حجة: "المسلمون عند شروطهم (١) ".
من حبس شقصًا من دار لا تنقسم:
في مسائل ابن زرب قال: اختلف أهل العلم فيمن له حصة دار لا تنقسم فحبسها، فقال بعضهم: لا ينفذ تحبيسه فيها، وأجازه بعضهم، وبإجازته أقول.
_________________
(١) الحديث تقدم تخريجه.
[ ٥٩٨ ]
وفي آخر كتاب الصدقات لابن حبيب قال: سألت ابن الماجشون عن رجل له شرك في دور ونخل مع قوم، فتصدق بحصته في ذلك على ولده وغيرهم صدقة محرمة محبسة، وكل ذلك مشاع غير مقسوم، وبعض الشركاء غيب، وبعضها حضور، ومنه ما ينقسم، ومنه ما لا ينقسم؛ كيف العمل فيه؟
فقال: إن كان من الشركاء من يريد القسم، ومنهم غائب، ضرب السلطان للغائب أجلا على قدر المسافة في غيبته؛ فإما وكل، وإما قسم عليه السلطان ويسند حقه مسند، أو ضرب القسمة بين الشركاء جميعًا، فما أصاب المتصدق عليه فهو على التحبيس، وما كان من ذلك لا يقسم؛ بيع فما أصاب المتصدق من الثمن في حصته اشترى به من سرحه ما يكون صدقة مسبلة محبسة، كما سبلها صاحبها.
[ ٥٩٩ ]