قال القاضي أبو بكر بن زرب في مسألة نزلت بقرطبة؛ مسألة تخيير، وهي: رجل قال لزوجه: قد خيرتك فقالت: قد اخترت الطلاق، فقال لها: أواحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، فقالت: لم أنو شيئًا؛ فتوقف عنها قوم وأفتى آخرون، وتأملتها وتثبت فيها، فأفتيت لها مثلا في سماع عيسى عن ابن القاسم إذا حلف من عليه حق بالطلاق ولصاحبه ليوفينه إلى أجل يسميه فيحنث فيقول صاحب الحق: أردت البتة إذا أحلفتك وقال الحالف: لم أحلف إلا ونيتي واحدة، فقال ابن القاسم: القول قول صاحب الحق، وروي زونان عن ابن وهب أن القول قول الغريم الذي عليه الحق.
ففي قول ابن القاسم دليل على أن الطلاق هكذا ليس يقع على جميع الطلاق؛ إذ جعل القول قول صاحب الحق، ودل قوله إن صاحب الحق لو قال: أردت واحدة لكان ما قاله. وقول ابن وهب أظهر في التبيين إذ جعل القول قول الحالف باليمين إنه ما أراد إلا واحدة؛ وفي القولتين بيان أن لفظ الطلاق لا يقتضي جميعه لما قاله ابن القاسم بتنوية صاحب الحق، ولما صدق ابن وهب الحالف وبيان ذلك في كتاب الله ﷿ قوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، فقد عرفنا الله تعالى أن الطلاق واحدة ثم ثانية والتسريح هي الثالثة.
قال القاضي:
هكذا وقعت في كتاب مسائله جمع أبي بكر عبد الرحمن بن محمد التجيي المعروف بابن حربيل ولم يعط فيها جوابًا بينًا في مسألة التخيير التي ذكر نزولها إلا أنها جرت عند أبي عبد الله بن عتاب في موضع سماعنا عليه بجامع قرطبة في أول زيادة الحكم في الجهة الغربية منه يوم الجمعة منسلخ رجب سنة أربعين وأربع ومائة، فقال لنا: سألنا عنها أبو محمد بن الشقاق منذ خمسة وعشرين عامًا في ذلك الموضع وأشار لنا إلى ناحية القبلة مما يلي المغرب فتعاييت له فيها وكان قد أخبرني بها أبو بكر التجيي وقلت له: ما ترى أنت فقال: نزلت واختلف فيها أبو بكر ابن زرب وأبو عمر الأشبيلي فرأى ابن زرب أنها ثلاث، ورأى الأشبيلي أنها واحدة ثم لا تلزم. وكأن أبا عبد الله مرض هذا، أعني جواب الأشبيلي وهكذا كتبتها عنه حينئذ.
والصواب عندي أن تطلق منه بثلاث لأنها فيها خيرت أو في المقام فإذا اختارت
[ ٢٤٢ ]
الطلاق وأبهمته وقالت إنها لم تكن لها نية بلغ به أقصاه وألزمت منتهاه ويؤيده قول أصبغ: إنها إذا قالت في التخيير أو التمليك: اخترت أمري فذلك فراق لأنه عندي جواب له وجوابهن في مثله وغيره على الفراغ، فلا أرى أن تسأل هذه عما أرادت (ب-٥٩) ولا تصدق إن ادعت عنده، ولا تحل له إلا بعد زوج في هذا قالت بعد الخيار أردت صلحًا أو تقله.
وقال ابن المواز: قول عبد الملك أحب إلي أنها إن قالت أردت دون الثلاث قبل منها في التمليك، ويسقط الطلاق في الخيار ولو تورع الزوج في التي يشبه أن تكون عارفة بالفراق بين اخترت أمري واخترت نفسي لكان أحب إلي، فقد لزمه أصبغ في هذه الثلاث بعد قولها اخترت أمري وادعائها أنها أرادت طلاق صلح أو أقل من ثلاث؛ فكيف في مسألة ابن زرب وقد صرحت باختيار الثلاث وانتفت من النية؟ وقد قال أصبغ: لا تسأل عما أرادت في قولها: اخترت أمري، ولا تصدق فيما ادعت من غيره. ولو استدل ابن زرب من هذه لكان أولى بالصواب وأقرب إلى الحق، لأن التي استدل منها التي في سماع عيسى وسماع ابن الحسن: الحالف والمحلوف له، كل واحد منهما يدعي نية قصدها باليمين، ومسألة التخيير: اختارت الطلاق ولم تدع نية.
وفي المدونة لمالك في التي كانت تكثير الخروج إلى الحمام فقال لها زوجها: اختاريني أو اختاري الحمام. إن أراد به الطلاق فهو الطلاق. قال ابن المواز: هنا لا ينوي في الطلاق لأنه خيار، ومسألة ابن زرب مثلها. وفي المدونة: إذا خيرت فقالت: قد طلقت نفسي. سئلت فإن قالت: أردت واحدة أو اثنتين لم يكن شيئًا، وإن قالت: أردت ثلاثًا لزمهما ولم يكن له مناكرتها.
وفي غير المدونة روي عن ابن القاسم: أنها لا تسأل وهي في التمليك طلقة، وفي الخيار تسأل في المجلس، فإن قالت: أردت واحدة سقط خيارها. قال ابن المواز: أحب إلي أن تكون طلقة في التمليك ولا تسأل في الخيار بعد جوابها؛ لأنه هو الجواب. يريد وتلزمها ثلاث، وهذا كقول أصبغ في: اخترت أمري وهذا كله تدعي فيه نية وإرادة، ومسألة ابن زرب قد اختارت الطلاق ووقفت عن نفسها اعتقاد نية في ذلك
وقد قال ابن القاسم في هذه الرواية: لا تسأل في التمليك وهي طلقة وظاهر ألفاظهم في هذه المسائل أنه إن عري قوله من نية أن الثلاث تلزمها في الخيار، كما في
[ ٢٤٣ ]
المدونة إذا خيرها وهي مدخول بها فقالت: قد خليت سبيلك، ولا نية لها فهي ثلاث البتة، كما إذا قال هو لها بعد الدخول: خليت سبيلك ولا نية لها كانت ثلاثًا، وهذا يؤيد أن الثلاث تلزم في التي خيرت فاختارت الطلاق، ولا نية لها.
ولسحنون في كتاب ابنه: إن قال لغير مدخول بها: أنت مخيرة، فقالت: قد خليت سبيلك، سئلت فإن أرادت ثلاثًا أو لم تنو شيئًا ولا نية للزوج فهي ثلاث، وهذا نص في ذلك، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله.
وسئل ابن عتاب عمن خير امرأته فاختارت طلقة وقد كان طلقها قبل ذلك طلقتين فقال: قد بانت منه بالبتة ولا تحل له إلا بعد زوج، وفي كتاب ابن المواز ما يدل على ذلك. وهذا عندي جواب صحيح ولا يتوجه فيه خلاف والله أعلم.
وفي أحكام ابن زياد في امرأة أخذت بشرطها في الضرر واختارت نفسها فهمنا -وفقك الله- ما ذكره محمد بن غالب وكيل أحمد بن طوريل عنه أن أحمد بن العاصي كان قد أنكح ابنته أحمد بن طوريل وأنه لم يبن بها حتى زعم أنها اختارت نفسها بشرط اضرر، فالذي نرى في ذلك أن على أحمد إثبات ما ذكره من اختيار ابنته وأن زوجها قد كان بنى بها فإن أثبت ذلك نفذ الطلاق بينهما على ما تثبته من اختيارها بواحدة أو أكثر من ذلك وإذ قد دعاه الزوج ابن طوريل إلى إخراج صداق ابنته فذلك يوجب أن يؤخذ به حتى يثبت ما ادعى من اختيارها بشرطها بثبوت الصداق. قاله ابن لبابة، وأيوب بن سليمان، وابن وليد، ويحيى بن سليمان وغيرهم.
قال القاضي: إن كانت مصدقة في الضرر وهو منكر لهذا الشرط فالجواب صحيح إذا ثبت الصداق الذي فيه الشرط وأعذر إلى الزوج أو وكيله فلم يكن عنده مدفع، وأما إن لم تكن مصدقة (أ-٦٠) فلابد من إثبات الضرر على ما يجب وإثبات الشرط فيه ثم يعذر إلى الزوج في ذلك كله إن أنكره أو فيما ينكره منه.
فإن لم يكن عنده مدفع أخذت حينئذ بشرطها وطلقت نفسها بواحدة أو أكثر وله مناكرتها إن كان طاع لها بشرطها ذلك ولم ينكره إذا طلب به وإن كان الشرط في العقد أو أنكره أولا ثم ثبت عليه فلا مناكرة له فيما قضت به من الزيادة على طلقة، ولم يبين في المسألة إن كان بني بالزوجة وثبت ذلك أولا وبه تمام المسألة أيضًا وفي شرحه طول وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٢٤٤ ]
ومن هذا المعنى: وقف بي-أكرم الله القاضي- رجلان بيبد أحدهما كتاب صداق وكتاب اختيار، وبيد الثاني وهو الزوج شهادات وذكر أنك امرتهما بالوقوف بي لأنظر في كتبهما وأعلمك بالواجب فيها، فقرأت الصداق والشهادات الواقعة على الزوج بعد إنكار الزوج الصداق والإعذار إليه فلم يكن عنده مدفع، فوجب انتساخ الصداق وإشهادك على ثبوته عندك.
ونظرت في الاختيار فرأيت اختيار الأمر، ورأيت بيد أبي المرأة كتابًا فيه وقت مغيبة وكتاب الاختيار فيه وقت اختيارها، وشهادة قوم على أنهم وجدوا الزوج بحرارة لتاريخ ذكروه سائرًا إلى مكة ثم رجعوا من مكة فوجدوا بالقيروان وهو في فاقة وقلة ذات يد، ووجدت اختيارها بعد وجودهم إياه بحراوة إلى شهر فإذا قبلت من شهوده أنه كان بالمشرق كما ذلك شاهديه، وجب كشف شهود المرأة باختيارها، فإن قالوا: كان اختيارها في مغيب زوجها بالأندلس لم يخرج عنها في علمهم، حتى اختارت كانت أولى لأنهم شهدوا على حكم قد حكم به من الاختيار.
وإن قالوا: لا ندري اتصل مغيبة بالأندلس أم لم يتصل، كانت شهادة الذين وجدوه بحراوة أولى وسقط اختيارها لأنه ظهر كذبها بالبينة إلا أن يكون في شهادتهم مدفع، وإذ قد ثبت عندك عدمه فلابد من إحلافه أنه ما له عرض ولا ناض ولئن رزقه الله ليؤدين؛ قاله ابن لبابة.
وقال محمد بن وليد: الذي أقول به أنك إن قبلت الشاهدين أنه كان بحراوة في الحين الذي وقع فيه اختيار المرأة وهي قد قالت: إنه كان حينئذ بالأندلس سقط اختيارها؛ لأنه لم يكن لها ذلك في حين لا يجب لها؛ لأن شهود حراوة مكذبون لها في قولها إنه كان حينئذ بالأندلس إلا إن كان لها فيهم مدفع وإن لم تقبل شهود الزوج وثبت الشرط عنده واختيار المرأة لزم ذلك الزوج.
في مبارأة أخذت نفقة ولدها ثم ماتت:
بارأ محمد بن عيسى زوجة هند بنت أحمد بن غالب، وقبضت لابنها سعيد الصغير نفقة من أبيه لثماني سنين بعد رضاع الحوين، ثم ماتت وثبت موتها وعدة ورثتها، وطب أبوه من مالها ما بقي من نفقة السنين.
فالذي نقول: إن ذلك من حق الصبي بعد الإعذار إلى من شركة في وراثة أمه في
[ ٢٤٥ ]
ذلك وما ذكره حامد الرعيني في شهادته: أن المرأة كانت عن ضرر ولا يعرف ممن كان الضرر، أمنها أم من الزوج، فشهادة ناقصة لا توجب ضررًا يحل به شيء مما في المبرأة، ويؤخذ من مالها ما بقي من النفقة التي ثبت قبضها لها إلى إنقضاء الثماني سنين. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وسعد بن معاذ، وابن وليد، وأحمد بن يحيى، ومحمد بن أيمن.
وفي مبارأة ودعويات: بارأ عبد الله بن محمد بن عبد ربه زوجه سيدة بنت هود، وأمها آمنة حاضرة راضية وأنكرتا ذلك: وشهد أيوب بن سليمان وأحمد بن محمد بن يزيد بذلك، وطعن خصم سيدة وآمنة في الشهادة بأنهما لم يشهدا على معرفة تامة لقولهما في شهادتهما: أنهما يعرفانهما.
وهذا-وفقك الله- محمول على التمام لمعنيين: أحدهما أنهما قد سميا آمنة وسيدة وقالا نعرفهما وهذه شهادة تامة، وقول آمنة وسيدة: لسنا مسماتين بهذين الاسمين، والأسماء (ب-٦٠) تتشاكل غير نافع، ويقال لهما: أنتما هما حتى يثبت أنكما غير هاتين، فإن أثبتما نظر القاضي حينئذ بأن يوقف الشاهدين عليهما فإن قالا: هما هاتان العينان لزمهما ولم يضر عبد الله شهادة من شهد هما بخلاف الشاهدين أثبتا العين أو لم يثبتا. قاله ابن لبابة، وأيوب، وعبيد الله بن يحيى، وغيرهم.
وفي إيقاع لفظ الطلاق في عدم النفقة أو غيره ممن يكون، أمن المرأة أم من الحاكم:
شاورني في ذلك بعض حكام قرطبة: وقفت على ما راجعتموني به عما خاطبتكم فيه مما أدرته طي كتابي هذا من المغيب الثابت عندي وأنا أكرر مخاطبتكم فيه إذ وردين من قبلكم خلاف في أمر الطلاق؛ فمنكم من يشير بإباحته للقائمة وتطلق نفسها، ومنكم من يشير بأن يكون ذلك من قبل الحاكم، وفريق منكم يضرب عن شرح رأيه في ذلك ولا يبين الحقيقة في جوابه فراجعتكم في أني شرح كل واحد منكم رأيه فيه والحجة عليه وإيجاب الجواب عنه إن شاء الله.
فجاوب القاضي أبو القاسم بن سراج وكان أحد المشاورين: الذي عيه كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ، أن الطلاق للرجال والعدة للنساء، إلا ما وقع فيه تخيير أو تمليك فذلك بيد المرأة بما جعله الزوج إليها ووضعه بيدها، وما سوى ذلك مما فيه حكم الحاكم فالطلاق إليه، قال الله جل ذكره: (فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) فالطلاق إليهما وقال تبارك اسمه (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) فالطلاق إليه عند
[ ٢٤٦ ]
الوقف وعدم النفقة مثله وغير ذلك مما فيه حكم الحاكم إن شاء الله تعالى.
وجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
سيدي ووليي: تصفحت خطابك، وهذا الذي سألت عنه قدر تكرر جوابي عليه بشرحه وتفصيله وأنه إذا ثبت عندك أصل الزوجية ومغيب الزوج بحيث لا يعذر إليه وضربت الآجال وحلفت المرأة؛ فتكتب في العقد: أباح لها فلان أن تطلق نفسها طلقة واحدة بملك الغائب فيها رجعتها إن قدم مؤسرًا في عدتها وثبت ذلك عنده من طلاقها وأمرها بالاعتداء من هذه الطلقة، وأشهدوا على ذلك، وكتب بعضهم: وطلقت فلانه نفسها .. إلى آخر الكلام، وهما واحد.
وهذا الذي عقده المتقدمون وسلك سبيلهم فيه المتأخرون، وشاهدت عقده ورسمه أبو عبد الله بن العطار في وثائقه وهو الموثق الذي أشار إليه بعض من خاطبك محذرًا عن اتباعه بقوله في كتابه إليك: ولا تلتفت إلى ما قاله بعض الموثقين، ومحل أبي عبد الله في العلم معروف وهو به موصوف، ولقد كان فقيهًا موثقًا حسنًا لم يحفظ عنه أنه أخذ عليها أجرًا إذ أخذ من لا يحسن إحسانه ولا يقوم مقامه، ولا عيب على الأخذ إذا تحرى الصواب والصداق وقصد الحق وأحكم العقد وكتب بالعدل، ولكن التارك أفضل بإجماع من الأئمة لقول الله تعالى: (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق).
وأنت أرشدك الله في صحة منيرك وثاقب فهمك كما خالف مخالف يريد به ما الله به عالم توقفت، فلو صرت ما قال ذلك الموثق في موافقته لترجع ذلك القول على ما قاله من خالفه إذ في الاتباع والاقتداء لمن تقدم أعظم الحجج ولاسيما لمن ذكرته ولا مخالف له فيما أعلم، كيف والحجة فيه قائمة باهرة والسنة فيه ظاهرة وهي الحديث الثابت الذي لم يختلف في ثبوته، ذكره مالك وغيره أن رسول الله صىل الله عليه وسلم خير بريرة في زوجها، وأجمع العلماء على القول به إذا كان الزوج عبدًا فعتقت.
ووقع صفة تخيير النبي ﷺ في المدونة قالت عائشة ﵂ قال له رسول اله ﷺ "أنت أمك بنفسك إن شئت أقمت مع زوجك وإن شئت فارقت" والمعنى الذي ذكرته مأخوذ من هذا، وراجع إليه مستنبط منه أن الحكم يقول لها بعد كمال نظره بما يجب: إن شئت أن تطلقي نفسك وإن شئت التربص عليه، فإن طلقت أشهد على
[ ٢٤٧ ]
ذلك.
وأما أمرها (أ-٦١) بالعدة فلما روي ابن عباس في هذا الخبر فقال: كان عبدًا أسود فخيرها يعني النبي ﷺ وأمرها أن تعتد. وهذا ما ذكرته وهو واضح بين الأمر إلا من عاند السنة وخالف الأئمة.
وفي هذا الحديث معنى كبير دل على فقه كثير منه أن النبي ﷺ جعل الفراق إلى المرأة وفارقت فإن زعم زاعم أن خبر بريرة مخالف؛ لزمه بيان زعمه وتصحيح قوله بنص مثل ما ذكرناه.
وفي المدونة قيل لابن القاسم لم جعل مالك خيار الأمة تطليقة بائنة وهو لا يعرف بائنة؟ قال: لأن كونها فرقة من قبل السلطان فهي تطليقة بائنة عند مالك وإن لم يؤخذ عليها مالك ألا ترى أن الزوج إذا لم يستطع وطء امرأته فضرت له أجل سنة ففرق بينهما أنها تطليقة بائنة؟
والمعنى المقصود إليه من هذه المسألة أن المرأة هي المفارقة وأضافه إلى السلطان ونظر ذلك بالتعريض عن امرأته فدل ذلك على اتفاقهما في الحكم.
ومن هذا المعنى: الحر يتزوج الأمة على الحرة، والعنين يضرب له الأجل، وإنما جاوبتك فيما سألت عنه من عدم النفقة والمغيب فأشاركه في المعنى، فله حكمه وما خرج من ذلك سلك فيه طريقة وسأذكر الحكم في المولى بعد هذا إن شاء الله.
وجملة القول فيما تقدم أن الحق إذا كان للمرأة خالصًا فإنفاذ الطلاق إليها مع إباحة الحكم فيما على ما جاء في خبر بريرة وينسب ذلك الطلاق إليه إذ هو منفذه والحاكم به، فيقال فرق السلطان بينهما كما يقال قطع الأمير يد السارق ورجم وجلد؛ وهو لم يفعل ذلك وإنما أمر به، وما جاء في كتبنا من تفريق السلطان وشبهه فهو على ما ذكرناه وقد تقدم في غير هذا الخطاب أن السلطان لو أراد إنفاذ الطلاق في ذلك وفي العنين وفي الأمة تعتق وفي الحر يتزوج الأمة وقالت المرأة أنا أقيم ولا أريد الفراق كان ذلك لها.
وقد روي أبو زيد عن ابن القاسم فيمن اعترض عن امرأته بأجل سنة فما انقضت قالت: لا تطلقوني وأنا أتركه إلى أجل آخر، قال: ذلك لها ثم تطلق متى شائت بغير أشهر قيل له: فرق وإلا طلقنا عليك، فتقول امرأته: أنا أنظره شهرين أو ثلاثة، قال: فذلك لها،
[ ٢٤٨ ]
ثم تطلق متى شائت بغير أمر السلطان.
وهذه الرواية ظاهرة أن المرأة تطلق نفسها ولا اعتراض له بما في السؤال من قول المرأة لا تطلقوني لأنها جهلت أن ذلك لها ولأنه في السؤال ثم أعقبه البيان بأنها هي المطلقة بعد التأخير فكذلك تكون هي المطلقة أولا إن أحببت، وكذلك قوله وإلا طلقنا عليك، معناه: أن تجعل ذلك للمرأة وتنفذ هي طلاقها إن طلقت.
وقد شاهدت من يحتج لما ذكرته بما رواه أشهب قال: سئل مالك عن الرجل يولي من امرأته فيوقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر ليفي أو يطلق، فيقول: أنا أفي فيخلي بينه وبينها ولا تطلق عليه، ويقال له: اذهب قف، فيقيم معها ما شاء الله، ثم تأتي فتقول لم يف ويقول أجل سأفعل، أترى لذلك حدًا ينتهي إليه أم إذا جاءت العام الثانية فرق السلطان بينهما أو كلفه أن يفارق هو بنفسه؛ لأنه قد ترك الفيئة وهو يقدر عليها؟
فقال: أرى أنه إن لم يف حتى تنقض عدتها من يوم وقف على أن يفي أو يطلق، أن تطلق عليه.
وسأل عن الرواية كيف هي في اللفظة الأخرى أتطلق أو يطلق عليه؟ ولا أتقلد أنا فيها رواية إذا لم أوقف شيوخنا على ذلك فإن كانت الرواية بالتاء فذلك راجع إلى المرأة وإن كانت بالياء فذلك راجع إلى ما وصفنا وفي المسألة طول تركتها لذلك.
والطلاق على المولي ينقسم على وجهين:
وجه على ما ذكرنا إذا لحق فيه للمرأة، ووجه آخر يطلق السلطان عليه، فما ورد من مسائل الإيلاء صرف كل وجه إلى شكله، فهنا مسألة أذكرها لك اجتمع فيها الوجهان وهي في المدونة في الرجل يقول لامرأته: إن وطئت فأنت طالق البتة.
قال ابن القاسم: ففعله فيها وبره فيها لا يكون إلا حنثًا، فرأى مالك أنه مول وكان من حجته أو من حجة من احتج عنه، وأنا أشك في قوله؛ أرأيت إن رضيت بالإقامة أكنت أطلقها.
وفي هذه المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أن الطلاق يكون إلى المرأة إن أحببت وهو الوجه الذي نصصته عن ابن القاسم، ألا ترى إلى قوله: أرأيت إن رضيت بالإقامة أكنت أطلقها؟ والمعنى كنت ألزمه الطلاق وأجبرها عليه وما دخل في هذا المعنى من الأقوال (ب-٦١) الأربعة فالحكم فيه ما
[ ٢٤٩ ]
ذكرته، وما فارق منها هذا المعنى قال السلطان الطلاق في ذلك لمعنى أوجبه، والطلاق في الإيلاء طلقة واحدة يملك الزوج رجعتها إن فاء في العدة، وكذلك الطلاق في عدم النفقة.
وأما أمر الحكمين فليس الحق للمرأة وحدها ولا للزوج وحده، بل الحق لهما جميعًا؛ لأن كل واحد منهما يزعم أن صاحبه هو المضر به المشاق له، فيجعل الحاكم الأمر إلى الحكمين فيفرقان بينهما على حسب اجتهادهما في ذلك بما رأياه وينسب ذلك إيهما وأن الحاكم الموجه لهما.
فإن اصطلحا قبل الفرقة، أو فعلا أمرًا يدل على اتفاقهما، فلا مدخل للحكمين في ذلك ولا نظر لهما فيه، وهذا المعنى يروى عن ابن عباس ومعاوية ﵄ وبالله التوفيق.
قال القاضي: سمعت أبا مروان بن مالك يستحسن هذه المسألة للشيخ أبي عبد الله بن عتاب ويقول: لو كانت لأحد المتقدمين لعدت في فضائله، أو كلامًا هذا معناه، رحمنا الله وإياه.
وفي سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن تزوج حرة على أنه حر فإذا هو عبد قال لها أن تختار قبل أن ترفع ذلك إلى السلطان فما طلقت به نفسها جاز عليه، وأما الذي يجز فلا خيار لها حتى ترفع ذلك إلى السلطان إذا كرهته وأرادت فراقه أن يفرق بواحدة إذا يئس من برئه وكذلك المجنون إلا أنه يضرب له أجل سنة كان موسوسًا أو يغيب مرة ويفيق أخرى.
وهذه بينة في المعنى الذي قصد إليه أبو عبد الله من تقسيم الطلاق المحكوم به أن قسمًامنه إلى المرأة خاصة توقعه دون الحكم، وقسمًا منه آخر ينفذه الحاكم إذا طلبته. وأظن الشيخ لو ذكرها حينئذ لأتى بها في جوابه.
وفي تفسير ابن مزين عن أصبغ بن الفرج، قال: ورأيي في الإمام إن طلق في الإيلاء والنفقة والإضرار والجنون والجذام بأكثر من واحدة؛ ألا يلزم منه إلا واحدة لأنه ليس بمحكم في التطليق دون غيره؛ لأن المرأة لو شاءت في جميع هذا ألا تطلق ما طلق فإنما هو شيء يكون إليه بتفويض المرأة فليس بمحكم.
شكوى ابنة تمام الوزير بزوجها أحمد بن غانم ومسائل الحكمين:
شكت ابنة تمام بزوجها ابن غانم وأرسل القاضي إليها من عرفها وسألها عن
[ ٢٥٠ ]
شكواها بزوجها فأقرت به، ووكلت على مطالبته وعاودت الشكوى فيجب في هذا -وفقك الله- ما قد أنزله الله ﷿ في محكم كتابه على نبيه محمد ﷺ حيث يقول تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها) وعملت الخلفاء به بعد النبي ﷺ.
ولقد سئل مالك عن الحكمين إذا لم يوجد في أهل الزوجين من يرضى التحكيم بينهما، فقال: يبعث السلطان برجلين من صالحي المسلمين، ووجه التحكم أن ينظر الحكمان بينهما فمن رأياه منهما ظالمًا حملا عليه ورجعاه عن ظلمه، وإن رأيا الفرق بينهما إذا أشكل أمرهما عليه كذا بأن يأخذ للزوج منها أو يضعا عنه من حقوقها ما يريانه فذلك إليهما، ثم يلزمهما ما حكما به من فراق على ما أحبا أو كرها؛ هذا وجه النظر بينهما إن شاء الله قاله ابن لبابة ومحمد بن وليد.
وقال عبيد الله بن يحيى: إلا أني أرى أن يكون ذلك بعد تلوم واستقصاء نظر فإن الخبر عندنا من الجيران أنها الناشزة الراغبة في الفراق من غير ضرر وصل إليها. والله أسأل توفيق القاضي وجزل الثواب له، وهكذا في أحكام ابن زياد.
وفيها أيضًا: إذا أشكل على القاضي أمر الزوجين حتى لا يتوصل إلى معرفة المضار منهما؛ أرسل الحكمين: حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فإن لم يكن في أهلهما؛ بعث من يثق به من خيار المسلمين فيحكمان بما يريانه من تفريق بفدية من مالها على ما يريان. قال ابن لبابة: وإن رأيا من ضرره أكثر من ضررها ورأيا التفرقة بغير فدية فذلك إليهما، وإن تكافيا في الشكوى عندها وفرقا بينهما فلابد أني أخذ له منهما. وقاله أيوب وابن وليد.
وفيها أيضًا ترددت على شكية ابنة تمام بإضرار زوجها إليها وأذاه لها، فهل ترون أن أرسل حكمين إليها أم أخرجها إلى دار أمين حتى أقيم، كما كانت القضاة تفعل، فهمنا ما سأل القاضي عنه زاد الله في توفيقه (أ-٦٢) والذي نراه أن يرسل إليهما حكمين كما قال الله ﷿ في محكم كتابه لا يجوز غير ذلك؛ لقول الله ﷿: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وآية الحكمين محكمة لا نعلم لها ناسخًا فالعمل بها أمر فرض واجب وأمر لازم. قال بجميعه محمد بن وليد.
[ ٢٥١ ]
وقال أيوب بن سليمان: قول أهل العلم في هذا أن يكشف الحاكم أهل الخبرة بهما والجوار لهما من أهل الثقة والأمانة فإذا أشكل الأمر واشتبه الخبر ولم يجد له بيانًا ولا معرفة ظالم من مظلوم؛ أرسل الحكمين، وإن انكشف الظالم منهما رد عن ظلمه وأخذ للمظلوم بحقه منه إن شاء الله، مع أني قد حضرت لهذين الزوجين مقاولة فما رأيتهما اختلفا إلا في دعوى يسرة قريبة وبالله التوفيق.
وقال محمد بن لبابة: لا يجوز لأحد الحكم بغير الحكمين لقول الله ﷿. وقد فعله أصحاب النبي ﷺ والتابعون بعدهم إلى مالك إلى هلم جرا.
وفيها أيضًا في الحكمين:
كتب لي عبيد الله بن يحيى: قلت لي رحمك الله: إن أبي وعمي لم يحكما بإرسال الحكمين في أيامهما وإنه لم يجر العمل ههنا بذلك، وإنما كان الذي ينظر به القضاة إخراج الرجل وامرأته إذا اشتكت ضررًا إلى دار أمين حتى يفهم به الحال، فما رأيك رضي اله عنك، أترى أن أمضي على الحكمين أو بما كانت القضاة تفعله من إخراجهما إلى دار أمين؟
قال عبيد الله بن يحي: أما أمر الحكمين فلا أراه؛ لأنك تنفرد بحكم لم يحكم به من كان قبلك من أئمة العدول مثل والدك وعمك ﵄، وأما إخراجهما إلى دار أمين أو إسكان أمين معهما فهذا الأمر لم تزل القضاة تعمل به.
قال ابن لبابة: لست أقول بهذا، والقول بالحكمين مما لا يجوز الحكم بغيره عندي؛ لأن الله تعالى حكم به وأصحاب النبي ﷺ والعلماء إلى مالك هلم جرا.
قال القاضي: أجوبتهم في هذه المسألة مختلفة غير محصلة، ومضطربة غير متفقة؛ هذا عبيد الله في جوابه هذا قد أنكر أمر الحكمين جملة، وقال للقاضي الذي سأله: لا أرى أمر الحكمين لانفرادك بحكم لم يحكم به من كان قبلك من أئمة العدل مثل والدك وعمك. ونسي قوله بهما في مسألة ابن تمام وقد مرت.
وقال هنا: إنه لم يره لانفرادك بحكم لم يحكم به من كان قبله من أئمة العدل، وجهل أن عمر بن الخطاب ﵁ حكم بذلك على ما حكاه ابن حبيب ﵀ وأن عثمان بن عفان ﵁ بعث في حكمين؛ علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ جميعهم كذلك رواه ابن وهب عن ربيعة وهو في المدونة وأن علي بن أبي طالب ﵁
[ ٢٥٢ ]
حكم بذلك في خلافته.
قال عبيدة: شهدت علي بن أبي طالب ﵁ وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس فأخرج هؤلاء حكمًا الحديث وهو ثابت عنه ذكره عبد الرازق بإسناد وذكره مالك في الموطأ عنه مختصرًا.
فغاب عن عبيد الله هذا كله وأتى بمنكر من القول هبك لم يحكم به قبله حاكم أذلك يوجب ترك العمل بآية من كتاب الله ﷿ محكمة قبل وقوعها فلم يتقدم حكم بها.
من ذلك أن الله تعالى حد في شهادة الزنا أربعة شهداء ولم يؤثر لنا أن حكم بهم على أحد، ونزلت في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ في خبر المغيرة بن شعبة فلم يتموا الشهادة كلهم فحد الذي أتموها حد القذف، فلو نزل في وقت عبيد الله بن يحيى وشهد الأربعة العدول بالزنا علىأحد وأدوا شهادتهم على ما ينبغي أكان يحل مسلم أن يقول: أن يحكم بهم، ولا يحد الزاني بشهادتهم لأنه لم يتقدم به حكم لإمام عدل فكيف والحكمان قد حكم بهما الخلفاء المرضيون وأجمع عليه المسلمون.
ولو اعتبر سؤال الذي سأله وتدبره وأتقن فهمه لم يحتج إلى إنكاره ما لا يجوز إنكاره لأنه سئل عن امرأة اشتكت ضررًا لا غير، ليس في السؤال إلا هذا فكان جوابه أن يقول: آمرها بإثبات ما ذكرته وإقامة البينة على ما ادعته بعد تبيينها الضرر ما هو، وكيف هو، فلعل الضرر كان عندها منعها من الحمامات وتأديبها على تعطيل الصلوات.
فإذا أثبت ضررًا ألا يجوز فعله بها؛ وقف عليه زوجها فربما أقر به (ب-٦٢) فأسقط كلفة الإثبات عنها، وإن أنكر دعواها أمرها حينئذ بإحضار بينة إن كانت معها، فإن عجزت عنها وكررت شكواها كشف القاضي عن أمرها حينئذ جيرانها إن كان فيهم عدول، فإن لم يكن فيهم عدول بأمر القاضي زوجها بإسكانها في موضع حوله الجيران العدول، فإن بان له من ضررها ما يوجب تأديبها زوجها عليه أدبه ونهاه عن العودة إلى مثله، وإن كان لها شرط في الضرر أباح لها الأخذ به وإن عمي عليه خبرها ورأى إسكانها مع ثقة يعتقد أمرها أو إسكان ثقة معهما فعل. هذا جواب ما سئل عنه وهو معنى ما ذكره ابن حبيب عن مطرف وأصبغ.
وفي كتاب الجوار لعيسى بن دينار ما يقرب منه، وإنما الحكمان إذا اشتكى الزوجان بعضهما ببعض وادعى كل واحد منهما أن صاحبه يضر به وانتفى هو من
[ ٢٥٣ ]
الإضرار بالآخر وتكرر ذلك من شكيهما على الحكم ولم يبن إليه أمرهما وخاف شقاقًا بينهما؛ فحينئذ يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها وهو معنى ما رواه عن مالك في المدونة.
وقد روى ابن سحنون عن أبيه في المرأة تأتي إلى الحكم فتدعي الضرر من زوجها ويدعي الزوج إضرارها به وسوء صحبتها ولا يعلم ذلك إلا بقولهما؛ فقال: إذا لم يظهر ما ادعيا اختبر ذلك الحكم بأن يجعل معهما أو يجعلهما مع من يفسر له أمرهما ثم يعمل على ذلك فيما يتبين له.
وهذا كله قريب بعضه من بعض ويؤيد بعضه بعضًا أن الحكمين إنما يبعثان عند إشكال أمر الزوجين فيما يدعيانه من إضرار كل واحد منهما بصاحبه وبعد طول شكايتهما والكشف عن أمورهما.
وأما أن يسألوا عن المرأة تشتكي بزوجها فيفتى واحد بإرسال الحكمين ويفتي آخر بألا يحكم بحكمين لأنهما لم يحكم بهما فذلك كله جهل وجواب عن غير تدبر ولا نظر. والله ولي التوفيق. وما أشبه هذا وشبهه بقول ابن عباس: ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة حتى تحيى البدع وتموت السنن.
وقال ابن مسعود: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يشيب فيها الصغير ويهرم الكبير وتتخذ سنة يجري عليها الناس فإذا غير منها شيء قيل غيرت السنة؟
وقول ابن لبابة وغيره في الحكمين: إن رأيا من ضرر الزوج أكثر من ضررها ورأيا التفرقة بغير فدية فذلك إليهما، كلام غير مهذب، وقولهم بعد ذلك: وإن تكافيا في الشكوى عندهما وفرقا بينهما فلابد من أن يأخذ له منها؛ خطأ.
والصواب ما قاله ابن المواز: وإذا وجداهما كلاهما يسيء الدعة فيما أمره الله ﷿ من الصحبة لصاحبه فرقا بينهما على بعض ما كان أصدقها وإن كرهت، ولا يؤمن أحدهما على صاحبه بعد ذلك، وإن ألفياه ظالمًا فرقا بينهما بغير شيء، وإن كانت هي الظالمة دون أقراها عنده وأئتمناه عليها، قاله محمد وحكى مثله عن أشهب ونحوه لربيعة في المدونة فأوجب ابن المواز، ومن ذكرنا معه، الفراق إذا وجد الحكمان كل واحد من الزوجين يسيء صحبة الآخر ولم يجعلوا سبيلا إلى إبقاء العصمة بينهما مع اليقين بإضرار كل منهما بالآخر وأفتوهما بأخذ البعض للزوج منها إذا لم ينفرد بالإضرار وحده.
[ ٢٥٤ ]
قال ابن لبابه وأصحابه: إن تكافأ في الشكوى عندهما فلابد من الأخذ منهما فصحفوا الروايات لأن تكافؤهما في الشكوى لا يعطي ثبوت الإضرار عندها الموجب للأخذ له منها؛ لأنهما قد يكونان مبطلين في التشكي، فإن أراد محتج لهم حمل ذلك على أن الضرر منهما قد تحقق عند الحكمين، قيل له: إن كان كذلك فالخطأ فيه من وجه آخر وهو قولهن: وفرقا بينهم.
وهو كلام يعطي أنهما إن رأيا ترك الفراق بينهما بعد ثبوت الإضرار منهما، كان ذلك لهما، وهذا لا يجوز؛ لأنه قد قال في الرواية: ولا يؤمن أحدهما على صاحبه بعد ذلك ولم يجعلوا لهما سبيلا إلى إبقاء العصمة وقول أيوب بن سليمان أشبه بما في الأصول مما قد ذكرناه، وإن كان ليس فيه تعرف ما عند الزوج ولا في السؤال عن الزوج أنه ادعى أيضًا ضررًا ليس فيه أكثر من تردد ابنة تمام بالشكوى، وقد بينا وجه الحكم في ذلك موعبًا والحمد لله.
وقد أسرف أيضًا أبو عبد الله بن العطار في الوجه الذي ذهب إليه عبيد الله بن يحيى فقال: ولا يقضي بما تقوله العامة عندنا من إسكان (أ-٦٣) أمينة معها يتعرف بها الضرر وليس ذلك في كتاب ولا سنة.
وقد أشار بذلك سحنون في مسألته التي كتبناها عنه فوق هذا ونحو في كتاب الجدار وهو حسن إذا طمع بذلك الوقوف على حقيقة ما يتشكيانه فإن لم يرتفع الإشكال وتماديا في التداعي للإضرار على الإضرار رجع إلى التحكم حينئذ إن شاء الله تعالى.
مسألة ابن الغاسل في الحكم عليه لزوجته بطلاق الأخرى تزوجها عليها في غير موضعها وقد كان بارًا هذه القائمة بشرطها والمحكوم لها:
نزت بطليطلة، وكمل الحكم بها في سنة خمس وخمسين وأربع ومائة.
تزوج محمد بن يوسف بن الغاسل بطليطلة امرأة اسمها عيزة وشرط لها في صداقها أن أمر الداخلة عليها بنكاح تطلقها إن شاءت، وكان ينظر في أحباس قلعة رباح وبينها وبين طليطلة ستون ميلًا فكان يسير إليها ويقيم بها مدة ثم ينصرف إلى طليطلة فباري عزيزة في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة وكتب بذلك عقدًا كتمها إياه ثم نهض إلى قلعة رباح ونكح بها امرأة اسمها شمس في نصف المحرم سنة ثلاث وخمسين وأربع مائة فبلغ ذلك التي بطليطلة فقامت عند قاضيها أبي زيد ابن الحشا وأثبتت عنده صداقها
[ ٢٥٥ ]
بالشروط المذكورة ثم طلقت على زوجها التي نكح بقلعة رباح ثلاثًا.
وخاطب بذلك أبو زيد قاضي قلعة رباح محمد بن بكير ففرق بين ابن الغاسل وشمس التي نكحها بقلعة رباح بما ورد عليه من خطاب ابن الحشا من أخذ عزيزة بشرطها وتطليق هذه عليه ثلاثًا بعد أن أعذر إليه.
فاعترض الزوج عنده بمبرأته التي بارأ بها القائمة بشرطها ثم أتى إلى طليلطلة وأثبتت المبارأة عند قاضيها أبي زيد، وشاور الفقهاء فيها.
ومضت في ذلك مدة وأفتى بعضهم أنه يحلف ما راجع تلك المباراة بعد مبارأته إياها على سبيل الاستظهار وحلف الزوج عن أمر القاضي في انسلاخ جمادى الأخيرة سنة ثلاث وخمسين وثبتت يمينه عنده، وبقي بطليطلة بعد يمينه نحو شهرين فقامت شمس بقلعة رباح عند قاضيها ابن بكير بعقد استرعاء أنه شرط لها متى غاب عنها طائعًا أو مكرهًا أكثر من ستة أشهر فأمرها بيدها تطلق نفسها بأي الطلاق شاءت وأنه غاب عنها من المحرم المذكور وأثبتت ذلك عنده وأخذت بشرطها وطلقت نفسها ثلاثًا.
وخاطب ابن بكير بذلك قاضي طليطلة وأعذر إلى الزوج فقال إنه لم يلتزم لها الشرط المذكور في طلاقها على هذه الصفة الواقعة في عقد الاسترعاء ولا فيه طائعًا أو مكرهًا ولا أن تطلق نفسها بأي الطلاق شاءت، وأظهر الصداق على ما قال، وزعم أن مغيبه عنها لم يكن إلا لمنع ابن بكير إياه منها بتطليق الطليطلة إياها عليه إلى أن أثبت المبارأة وحلف، ووكلت شمس عند قاضي طليطلة وكيلًا على الإقرار والإنكار وغير ذلك وأقر عنده بصداقها الذي أظهره ابن الغاسل وزوجها وطلب منه الزوج صرف شمس هذه عليه فكلفه إثبات مغيبه عنها أنها إنما كان للفراق المذكور مدة الخصام في ذلك إذا كان القاضي قد نسي ما جرى عنده من ذلك فكتب الزوج استرعاء بصورة الحال الموصوفة من تردده في الخصام بطليطلة وغيره من تفريق قاضي قلعة رباح بينه وبينها بما خاطبه وتماديه في ذلك إلى حين اليمين.
وشهد عند أبي زيد في هذا العقد محمد بن قاسم بن مسعود ثم لم يأت بشاهد آخر حتى انصرمت الآجال المضروبة عليه في ذلك وعجز، ثم ألفى شاهدًا آخر بعد التعجيز وشهد بعقد الاسترعاء الموصوف، وشرور في ذلك فقهاء طليطلة فأفتى أبو جعفر ابن مغيث بأن لا يسمع من شاهده وبإمضاء ما حكم به عليه للتي تزوج بقلعة رباح، وأفتى أبو
[ ٢٥٦ ]
مطرف ابن سلمة بالسماع من هذا الشاهد بعد التعجيز ويبطل ما أخذت به شمس من شرطها في المغيب وكتب إلى الفقهاء بقرطبة.
فجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
أما ما نظر به القاضي أبو زيد فيما أثبته عنده محمد بن الغاسل عن مبارأته لعزيزة بنت يحيى قبل نكاحه لشمس (ب-٦٣) واستحلافه إياه ما ذهب إليه من إمساك شمس فقد كان يوجب له ذلك النظر المذكور لكن ما أوقعت شمس من الطلاق للمغيب الذي غابه عنها يمنع من ذلك على ما أذكره بعد هذا.
وتأملت عقد الاسترعاء الذي قامت به شمس في شرط المغيب أنهم يعرفون الناكح محمد قد شرط لزوجه في عقد نكاحها معه ألا يغيب عنها فلم يبين الشهود كيفية علمهم والواجب في ذلك أن يقولوا إن عمهم له بإشهاد الناكح لهم عليه إلا أن يكونوا من أهل التبريز والعدالة البينة واليقظة والعلم. وإثبات الصداق كان أولى ليثبت به الشرط والنكاح.
ومن المغمز أيضًا أن اليمين كانت على شمس ولم يذكر أنها حلفت بما يجب به احلف عليها، فإن ثبت فقد بانت بالثلاث التي أوقعتها، ولا سبيل له إليها إلا بعد زوج، هذا إن كان العقد في الصداق بعد أن تحلف لغاب عنها أكثر مما شرطه لها.
وإن كان لم ينعقد-أعني أكثر مما شرطه لها- فأمرها بيدها، وكان ما قضت به وأوقعته من الطلاق عند انقضاء الأجل وفوره فالطلاق نافذ وإن كانت لم تحلف، ولا دخول للإكراه فيها ولا مكره، وهذا نص الرواية فيه وما شهد به الفقيه محمد بن قاسم بن مسعود ولو شهد به معه عشرة، وسائر القصة لا يحتاج إليه وفضل مستغنى عنه لا يلتفت إليه ولا نشتغل بالجواب عنه لذلك.
وجاوب أبو عمر بن القطان:
إذ قد طلقت شمس نفسها بشرطها الذي ذكرت وأعذرت حسبما وصفت، فذلك نافذ على محمد بن يوسف ولازم له ولا يسمع منه ولا من شهوده المذكورين ما ذكرت عنهم ولا يخل بشيء مما ذكرت ووصفت في سؤالك بالطلاق المذكور ولا يبطله.
ولما كان غرضك معرفة الجواب فيما سألت عنه ونفذ الأمر كما وصفت تركت الكلام فيما سوى ذلك لطوله.
ورأيت بخط يده في سؤال آخر في هذه المسألة ولم يكن يجب للقاضي الذي ذكرت
[ ٢٥٧ ]
أن يكلف الطالب المذكور ما ذكرت؛ إذ لم يكن في إثبات منتفع؛ كان في الشرط ذكر إكراه أو لم يكن.
وكتبت إليهم فيمن قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا إن كنت لي بزوجة قبل زوج أو بعد زوج هل تحرم للأبد وكيف إن طلقت عليه ثلاثًا فتزوجها بعد زوج؟
فكتب ابن عتاب: لا تحرم عليه للأبد، وله نكاحها بعد زوج إن شاء إلا من يكون أراد بقوله: أو بعد زوج؛ إن تزوجها بعد زوج فهي طالق ثلاثًا، فإن أراد هذا وعقد عليه قوله وحلفه فلا سبيل له إليها والله الموفق للصواب.
وقال ابن القطان: هي طلقت منه بالبتة فلا تحرم عليه إن تزوجها بعد زوج وله ذلك إن شاء الله ﷿، وقال ابن مالك: إذا طلقت الزوجة بعد زوج ثلاثًا ثم تزوجها بقيت له زوجة إن شاء الله تعالى.
شورى في رجل طلق في عشية اعترته:
شاور الوزير صاحب الأحكام بقرطبة ابن حريش في رجل حضر مجلس نظره وتسمى بأحمد بن عبادة، وذكر أنه تعتريه غشيات يفارق فيها عقله، ويزول عنه بها حسه، حتى لا يعلم ما يأتيه ولا يعقل ما يقع فيه وأنه لما أفاق من بعضها أنبأه من حضره فيها أنه طلق امرأته التي في عصمته ثلاثًا وزعم أنه لم يعلم بذلك وأظهر عقدًا تضمن معرفة شهدائه أنه يغيب أحيانًا على عقله أنهم سمعوه عندما اعتراه هذا قد طلق زوجته ثلاثًا في نسق واحد، وثبت عنده العقد وأعذر إلى الزوجة فصدقت زوجها فيما حكاه من تطليقه إياها في الحالة التي غشي عليه فيها وثبت ذلك عنه من قولها.
فجاوب ابن عتاب:
يلزم أحمد بن عبادة اليمين أنه لم يكن عالمًا بالطلاق الذي أعلم به بعد تفوهه ولا نواه ولا قصده ولا أراده إن كان الأمر كما حكى له، وأنه كان في ذلك الوقت في غمرة من ذهاب عقله من العلة التي تطيف به وتقدم لتقاضي يمينه من تراه ثم يبقى مع زوجته على ما كان عليه. هذا نص الرواية.
وجاوب ابن القطان بما وافق ذلك في المعنى إلا أنه لم يذكر تقديم مقتضى اليمين.
وجاوب ابن مالك:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (أ-٦٤) سيدي ووليي من وفقه الله وعصمه ولقاه الرشد
[ ٢٥٨ ]
فيما ألهمه: قال ابن القاسم عن مالك أرى أن يحلف ما كان يعقل الذي صنع ولا كان يع لم منه شيئًا ويخلي بينه وبين أهله. قال عنه زياد: هذا إن شك الشهود أنه كان حينئذ يعقل، حملنا الله وإياك على الصواب برحمته.
قال القاضي:
رواية ابن القاسم هذه التي ذكر في سماعه في كتاب طلاق السنة وغيره، وفي التفسير ليحيى بن يحيى قلت لابن القاسم: أيريد مالك أنه يصدق مع يمينه وإن لم يعرف منه تغيير عقل، فقال: لا إنما أراد إذا عرف العدول أنه كان يهذي ويتخبل عليه عقله فإن شهدوا أنه لم يستنكر منه شيء في صحة عقله لم يقبل قوله ومضى طلاقه، وفي سماع عيسى من وسوسته نفسه في الطلاق فلا شيء عليه ونحوه في المدونة.
امرأة قامت على زوجها في امرأة أخرى:
في عصمته وقالت: إنه كان قد التزم أنه متى راجعها فهي طالق البتة وأنكر هو أن تكون هذه تلك وشاورهم أيضًا ابن حريش فقالت: قامت عندي مريم بنت محمد بن أصبغ وذكرت أنها تدعى أيضًا سلوة وأن أباها يكنى أبا الوليد، وأظهرت الآن كتاب صداقها مع علي بن طاهر وتاريخه صفر سنة سبع وخمسين وأربع مائة وعلى ظهره عقد مراجعته إياها من طلقة بارأها بها وتاريخه مستهل ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين.
وفيه إشهاد المراجع على أنه متى راجع عزيزة بنت نعم الخلف التي كانت زوجته وفارقها فهي طالق البتة، وزعمت مريم أنه راجع عزيزة هذه وأنها في عصمته وحضر مجلس نظري علي وأقر بما في عقد المراجعة عنه، وقال: إن عزيزة بنت نعم الخلف المذكورة فيه ليست التي في عصمته وإنما هي امرأة كانت له بطليطلة وتقيد ذلك عندي من قوله وقول مريم في فصل متصل بعقد المراجعة وأظهر إلى عقد مبارأته لعزيزة بنت أصبغ بن قلسال التي هي الآن في عصمته وتاريخه لثلاث خلون لجمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وثبت عندي إقراره وأظهر إلى كتاب مراجعته إياها وتاريخه جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثبت عندي.
وفيه أنه أشهد أن سلوة بنت أبي الوليد طالق منه ثلاثًا البتة وأقر به عندي، وقال: إن سلوة بنت أبي الوليد المسماة فيه هي مريم بنت محمد القائمة عليه وصدقته هي في ذلك وتقيد ذلك عنهما وثبت عندي واحتج بما في عقد مبارأة عزيزة بنت أصبغ وعقد مراجعته
[ ٢٥٩ ]
إياها من إضافتها إلى أبيها أصبغ أنها ليست عزيزة بنت نعم الخلف التي التزم فيها لمريم بنت محمد الطلاق الموصوف وقد أدرجت إليكم في كتاب صداق مريم ومبارأة عزيزة ومراجعتها راغبًا جوابكم في ذلك بما يلزم الزوج علي بن طاهر، وهل يصدق في دعواه الموصوفة؟
فجاوب ابن عتاب:
تصفحت ما خاطبت به وقد تسارع كثير من الناس إلى الاستخفاف بحدود الله وترك إقامتها بالتخييل وتزخرف الأباطيل وما احتج به المحتج عندك فحجته داحئة لا يلتفت إليها ولا تعارض حدود الله بالاحتجاج والاحتمال ولا يحكم فيها إلا بالأمور الثابتة الواضحة فأنفذ عليه ما التزم في المراجعة المذكورة ولا يصدق فيما قاله وزخرفه. هذا اعتقادي الذي أرجو به الخلاص، والله أعلم بحقيقة الصواب. وما قلته بعد ذلك فبعد وقوفي على ما جاء في هذا مما رواه أصبغ عن أشهب وما قاله غيره: ولا حاجة بنا إلى استحلابه. والله أسأل التوفيق برحمته.
وجاوب ابن القطان:
قرأت ما خطبتنا به ووقفت عليه، وما ادعت مريم فعليها إثباته إذ هي المدعية، وعلى المنكر، وعليها أن تبين ذلك ببينة تبين أن المرتجعة هي المحلوف بطلاقها لا أعلم في دلالة قول مالك وأصحابه اختلافًا في ذلك إلا أني أرى على علي اليمين في مقطع الحق أن التي تحته ليست المذكورة في كتاب المراجعة، ثم يقلد ما تقلد، والله تعالى حسبه.
وهذا على المذهب الذي يؤخذ به بطلاق المحلوف بطلاقها إن تزوجت، وهو مذهب المدونة، وقد روي عن ابن القاسم في هذه المسألة ونزلت أنها لا تطلق عليه وإن عينت، وروي هذا عن عدد من الصحابة والتابعين، فهذا، وإن كان القضاء عندنا بغيره فهو (ب-٦٥) يقوي ما قلته؛ لأن من أصلنا مراعاة الخلاف، وأما مريم المتسمية سلوة فمطلقة بالبتة.
وجاوب ابن مالك:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سيدي ووليي ومن وفقه الله وسدده: هذا رجل قد لبس على الحكام وأدخل الإشكال في الدين فالله الله في عقابه وردع مثله عن هذا وضربه ثم يحلف على زعمه، ويحمل من ذلك ما تحمل والله على كل شيء رقيب، تخلصنا الله وإياك
[ ٢٦٠ ]
برحمته والسلام على سيدي ورحمة الله وبركاته.
قال القاضي:
مسألة أصبغ عن أشهب التي أشار إليها ابن عتاب في جوابه في نكاح العتبية في سماع أصبغ قال: قلت لأشهب: من تزوج امرأة وله امرأتان سواها قد عرفت إحداهما فيشترط لها أن امرأته طالق ثم قال: أردت بإحداهما فلانة لغير التي تعرف، قال: ذلك له، ويحف أنه إنما أراد الأخرى، يعني التي لم تعرفها، ويكون القول قوله، وقاله أصبغ. ولقد قلت له وجرى بيني وبينه الكلام فيها. هذا الذي ذكرته عن أشهب وأصبغ قد رواه أشهب وابن نافع عن مالك فكأنه عز عليه.
والتي في سماع أشهب: سئل مالك عمن خطب امرأة وله امرأة كانت أم ولد له، فسألوه أن يطلقها فأبى وأبوا إلا ذلك فتركهم وأضرب عنهم ثم تزوج امرأة أخرى فصارت له امرأتان ثم رجع إليهم فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا أن تطلق عني امرأتك، تعني الأولى التي كانت سألته طلاقها، فقال لها: فأنا أفعل، فلما قعدوا للطلاق قال: اشهدوا أن ارمأتي طالق البتة إذا ملكت عقد نكاح هذه، وهو ينوي بذلك المرأة التي نكح آخرًا، ولا يظنون هم إلا الأولى التي كانوا سألوا طلاقها، فلما بلغ القوم أنه لم يطلق عنهم التي سألوه، وإنما طلق التي كان آخرًا تزوجها ناكروه ذلك.
فقال مالك: أما النكاح فلا أرى أن يفسخ ولا أرى ما أراد إلا على ما أراد وأرى عليه اليمين بالله الذي لا إله إلا هو ما طلق إلا هذه الآخرة، الناس ينوون في مثل هذا، وإنما مثل هذه مثل رجل كانت له امرأة ليس له غيرها قد علم ذلك قوم ثم تزوج أخرى، ولم يعلموا بها فسألوه طلاق امرأته ولا يعلمون له إلا الأولى فقال امرأتي طالق البتة فهو ما أراد وهذا لا مرية عندي فيه؛ كانت أولى بأن يشير الشيخ إليها لبيان معناها وبسط ألفاظها، وإذ هي من قول مالك ﵁ وهو الأصل وإن كانت المسألتان سواء والجوابان واحدًا، وقد يغلب النسيان على الإنسان فيما هو في علمه حاصل وعند تذكره حاضر لو بذل مجهوده وشحذ ذهنه. والله ولي التوفيق.
وفي الواضحة في كتاب النذور وغيره:
قال ابن حبيب: سألت مطرفًا عن رجل عوتب في امرأة فقيل له: لم فعلت بفلانة كذا؟ فقال: امرأته طالق ورقيقه أحرار إن كنت فعلت بها شيئًا، وهو يريد بقوله هذا امرأة
[ ٢٦١ ]
أخرى، هل تنفع نيته فيما بينه وبين الله تعالى، فقال لي: لا تنفعه نيته ولو قال: إن كنت فعلت بفلانه شيئًا فسمي اسمها وهو يريد امرأة أخرى سمية التي عوتب فيها نفعته نيته فيما بينه وبين الله.
وكذلك قال مالك فيمن قال: فلانة طالق وزعم أنه إنما نوى امرأة أخرى سمية امرأته له نيته فيما بينه وبين الله ﷿ ولو قال: امرأته طالق فزعم أنه إنما نوى امرأة له أخرى قد ماتت أو طلقها لم تنفعه نيته لا فيما بينه وبين الله ولا في الحكم عليه.
قال ابن حبيب:
وسألت عن ذلك أصبغ فقال لي مثل قول مطرف. وهذا خلاف التي ذكرنا من سماع أشهب ومن سماع أصبغ، وبما في الواضحة أفتى ابن عتاب، وقد ذكر قول أشهب وأصبغ فوقف على القولين وإن كان لم يصرح عن القولة التي مال إليها وعول في جوابه واختياره عليها.
وأما ابن القطان:
فسقط عن ذكره ما في الواضحة وغيرها من الخلاف، وقال: القول قول الزوج ويحلف، فجاء بما في سماع أشهب وسماع أصبغ في العتبية، ثم قال: لا أعلم في دلالة قول مالك وأصحابه اختلافًا في ذلك والخلاف فيه ظاهر صريح غني ببيانه عن الأيضاح، وصار في المسألة قولتان ولأصبغ كذلك قولان.
وفي سماع سحنون: سئل أشهب عمن حلف لرجل بالطلاق فقال: غزيل طالق إن لم أقضك حقك، وامرأته غزيل ونوى غزيلا أخرى لجارية له ثم لا يقضيه (أ-٦٥) قال: هو حانث ولا تنفعه نيته، وهذا ظاهره خلاف قوله الذي رواه عنه أصبغ وجعل فيمن سأله رجل أن يحلف له بالطلاق، فقال: الحلال على حرام وحاشا امرأته: أنه لا شيء عليه، وفي رواية أصبغ أنها البتة وفي الواضحة فيها تفريق وهذا كله اختلاف من القول.
وفي كتاب التخيير من المدونة:
قلت: أرأيت لو أن رجلا قال: حكمة طالق، وامرأته تسمى حكمة، وله جارية يقال لها حكمة، فقال: إياها أردت لا زوجتي، قال: سألنا مالكًا عمن حلف للسلطان طائًا فقال: امرأتي طالق إن كان كذا لأمر يكون فيه ثم أتى مستفتيًا، وقال: أردت بذلك امرأة كانت لي قبل ذلك وألغزت عليه، قال مالك: لا أرى ذلك ينفعه وإن أتى مستفتيًا،
[ ٢٦٢ ]
وامرأته طالق، فأما مسألتك فإن أتى مستفتيًا صدق؛ لأنه قال: حكمة وأراد جاريته وليست عليه بينة، ولم يقل: امرأتي.
فقول مالك في الحالف للسلطان: امرأتي طالق لا ينوي، وقد طلقت عليه كقوله ابن الماجشون وأصبغ في الواضحة، وكرواية مطرف فيها عن مالك وهي جواب ابن عتاب، وذلك خلاف ما في سماع أشهب واصبغ الذي قال ابن قطان فيه: إنه لا خلاف له في قول مالك وأصحابه، ولولا كراهة التطويل لأوردت أضعاف هذا من الدليل والتمثيل، وأما ما أوردناه فخلاف لائح، والحمد لله رب العالمين.
وقولي في الحجة التي احتج لقوله بها: وهذا على المذهب الذي يؤخذ به بطلاق المحلوف بطلاقها إن تزوجت وهو مذهب المدونة فأوقف ذلك على المدونة وهو معروف المذهب، ومشهور في المدونة والواضحة والموازية وفي العتبية وغيرها، فوقف ذلك على المدونة غير صحيح لأنه يوهم أن في غيرها خلاف ما فيها.
وليس كذلك بل في كل كتاب مؤلف على المذهب مثل ما فيها إلا ما رواه أبو زيد عن ابن القاسم ألا يفرق بينهما إذا وقع نكاحها، وهو خلاف شاذ لا يلتفت إليه ولا يعمل به، أعني عند جماعة المالكيين، والله الموفق المعين. وأما ابن مالك فلا اعتراض عليه في جوابه لأنه أفتى باختيار لأحد القولين، ولم يحتج إلى ذكر الروايتين.
جميع ما أملك حرام:
كتب من أشبيلية إلى القيروان، الجواب رحمك الله في رجل قال: جميع ما أملك فعلي حرام. هل يكون كقوله الحلال على حرام وتدخل الزوجة في التحريم إلا أن يحاشيها بلسانه أو نيته على الاختلاف في ذلك إذا قامت بينة أو لم تقم أو يكون قوله جميع ما أملك كقوله الحل على حرام لا تدخل الزوجة فيه فقد اختلف فيها عندنا ولم توجد رواية فأفتنا -رحمك الله- في ذلك.
فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن:
الجواب عندي- والله الموفق للصواب برحمته: أن قوله: جميع ما أملك علي حرام لا تدخل الزوجة في ذلك إلا أن يدخلها ابنيه أو قول وقد قال ابن القاسم في الذي قال: الحلال علي حرام إن الزوجة لا تدخل في ذلك.
وقال ابن المواز: إن نوى عموم الأشياء دخلت الزوجة فيها كالقائل الحلال علي
[ ٢٦٣ ]
حرام، وبالله التوفيق.
وجاوب ابو عمران الفاسي: الزوجة ليست ملكًا للأزواج، وإنما الأملاك: الأموال، والإماء من الأملاك، وأما قوله: الحلال علي حرام فلو قال في ذلك من جميع ما أملك لم يكن عليه شيء، وإذا قال الحلال علي حرام سرى التحريم إلى الزوجة إذا لم يعزلهن بنيته، وأما الذي لفظ بتحريم ما يملك فلم تدخل في يمينه الزوجات اللاتي لا يملكن فاستغنى عن أن يستثنيهن بالنية.
وصي أنكح يتيمة من ابنته وله ابنتان فخرجت إحديهما حاملًا:
الجواب رحمك الله في رجل في حجرة يتيم فزوجه بعد بلوغه من ابنته، وعينها وسماها وأشهد على ذلك، وله ابنة أخرى، فلما كان بعد مدة خرجت الصغرى منهما حاملا، فقال المحجور: هي زوجتي ومنها وزوجتني - وكان ساكنا مع الوصي في داره وحضانته قال الأب: ما زوجته إلا من الكبرى واسم الكبرى واسم الصغرى سواء.
فسئل الشهود عن ذلك، فقالوا: إنما أشهدنا الأب على تزويج ابنته فاطمة، ولم يعرف إن كانت الصغرى أو الكبرى ولا عرفا إن كانت له ابنتان ولم يعينا الزوجة منهم ولم يدخل الزوج بالزوجة دون ابنتيها وإنما وطئها لما زوجه منها، وبسبب سكناه معها، فما يلوم لهذه التي أقر بوطئها على أنها (ب-٦٥) زوجته وهو يعينها والأب يناكره فهل يلزمه الصداق المسمى أم الأكثر منه، أو من المثل؟ وهل يثبت النكاح أو يفسخ؟ وهل يرتفع الحد عنه للشبهة؟ وهل يلزمه الولد باللعان، وهل يكون فيه اللعان والزوجة لم تثبت؟ فبين لنا هذه الفضول أو هل يكون في روايات إذ قد وجدنا في بعضها رواية؟
فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن: لا حد على الزوج للشبهة التي قامت له وعليه الأكثر من المسمى أو صداق المثل، ويلزمه الولد وليس فيه لعان، ويفسخ نكاحه ويثبت له ذلك على الكبرى.
وقد اختلف أصحابنا في عقد الوصي على الكبير البالغ إذا كان سفيهًا بغير أمره فوق في كتاب الخلع من المدونة وما يدل على أنه لا يزوجه إلا برضاه ووقع في كتاب الجنايات من العتبية أن له أن يزوجه بغير مؤامرته وأنه بمنزلة الصغير، وكذلك ذكر ابن المواز في كتاب الإقرار الثاني أن له أن يزوجه ويخالع عنه.
وقال ابن الماجشون: إنه لا يجوز له أن يزوجه إلا بإذنه، ذكره ابن حبيب عنه
[ ٢٦٤ ]
فيجوز أن يثبت نكاح الكبرى عند من يكرهه على النكاح، وبالله التوفيق.
قال القاضي: قد مر هذا المعنى في باب المحجور مستوفي، وتقدم بعض فصول هذه المسألة في آخر باب النكاح، والحمد لله.
وجاوب أبو عمران: أما النكاح فهو غير منعقد ويفسخ، وأما الوطء ففيه للزوج شبهة يدرأ بها عنه الحد وعليه الصداق المسمى إذا كانت الموطوءة ظنت ما ظنه الزوج من أنه زوجها، فأما إن لم تظن ذلك وأكرهها، فهذا موضع الأكثر من صداق المثل أو المسمى، والولد لا حق إذ درئ الحد، فإن أقر بالوطء لو يقع فيه اللعان عندنا وإن كان لا يقام عليه.
من تحمل بنفقة حمل إن ظهر فإذا هي قد ولدت وأنكر الزوج الولد:
الجواب-وفقك الله- في رجل طلق زوجته وأراد السفر فقال له والدها: هي حامل فاجعل النفقة لها أو أقم بها حميلا حتى يظهر الحمل، فقال رجل حاضر: أنا الحميل بها إن ظهر حمل، فوجدت المرأة قد وضعت فأنكر الزوج أن يكون منه، فاحتج عليه القاضي بتطوع الضامن بالنفقة عن الحمل بحضرته وسكوته هو عن إنكاره حينئذ ورضاه بالحمالة.
فهل ترى الحمل له لازما مع الحد؟ ويكون رضاه بالحمالة إقرارًا منه بالحمل أم لا يكون إقرارا ويلاعن الآن ولا فرض عليه؟ فقد أفتى بعض من عندنا أن الولد يلزمه ولا حد عليه لقوله ﵊: "ادرءوا الحدود بالشبهات" فهل هذا من جوابه صواب أم لا؟ وهل استشهاده ههنا بالحديث في موضعه أم لا؟
فجاوب أبو بكر بن عبد الرحمن: الولد له لازم لأنه لم ينفه عندما ادعته الزوجة فهو ولده، وإذا لزمه وهو ينكره فالحد يلزمه هذا هو القياس بعينه، فإن استحسن أحد دراءة الحد لهذه الشبهة فما هو ببعيد وبالله التوفيق.
وجاوب أبو عمران إذا رضي بحمالة الحميل بنفقة ما يظهر من الحمل فظهر حمل يمكن أن يكون من وطء قبل الحمالة بأقرب الأوقات التي يمكن فيها الوطء لزمه الحمل وحد بإنكاره الولد وليس هذا الموضع مما تدرأ فيه الحدود بالشبهات لأن هذا حد قد وجب للمرأة طلبه، فأي شبهة فيه للزوج لأنه إن لم يكن الولد منه فهي زانية، وهذا قذف بين وصريح القذف والتعريض عندنا سواء في وجوب الحد.
[ ٢٦٥ ]
شوري في نفي حمل قامت عند ابن حريش بقرطبة فاطمة بنت الزبير تطلب زوجها عبد الرحمن بن محمد بنفقة حملها منه بعد مبارأته وشهدت عند الحكم امرأتان على عينها أنها حامل حملا متحركًا ظاهرًا في صدر رجب من سنة سبع وخمسين وأربع مائة.
وحضر مجلس نظره الزوج عبد الرحمن مع فاطمة، وقال إنه بارأها بطلقة واحدة لثلاث عشرة ليلة بقيت لربيع الأول سنة تسع وخمسين بعد طلقة تقدمت له فيها وصدقته فاطمة ذلك وطلبته بنفقة حملها وأنكر هو أن يكون الحمل منه، وقال إنه اعتزلها قبل تطليقه إياها بنحو سبعة أشهر إلا أنه لا يدري هل حاضت بعد اعتزاله إياها أم لم تحض.
وثبت مقالة هذا عند الحكم ثم قال إن اعتزاله إياها كان وهي (أ-٦٦) في حيضتها ثم لم يطأها بعد ذلك في المدة المذكورة، وأنه استبرأها قبل هذه الحيضة بثلاث حيض لم يطأها بعد وثبت ذلك من مقالة وثبت عنده نكاحها منذ خمسة أعوام أو نحوها وبناؤه ومقامه معها إلى أن بارأها وشاور في ذلك الفقهاء.
فجاوب ابن عتاب:
قول عبد الرحمن في مقاله الأول إنه اعتزلها قبل المبارأة بنحو سبعة أشهر قد حصل به نافيا للحمل غير مدع للاستبراء، وما استدركه في مقاله الثاني فلم يكن على الظاهر إلا عن تلقين أراد به بيان الاعتزال، وأصحاب مالك مختلفون فيمن نفي الحمل ولم يدع استبراء.
فقال المخزومي وابن دينار وابن القاسم: يحد ويلحق به الولد، وقال ابن القاسم أيضًا: من قذف أو نفي حملا لاعن ولم يكشف عن شيء. قاله ابن نافع. إلا أن قول عبد الرحمن في المدة التي ذكر اعتزاله إياها فيها واستبرأها لابد أن يتعرف معه ما تقوله فاطمة إن كانت لها بينة أنه إذا علم بحملها لم ينكره، فإن ثبت لها هذا ألحق به الولد وإلا تلاعنا.
وصفته- على ما ذكره ابن المواز في كتابه عن ابن القاسم، إذ هو أكمل مما في المدونة، أن يحلف عبد الرحمن في الجامع إثر صلاة، واستحب أن تكون إثر صلاة العصر، يقول: أشهد بالله إنه لمن الصادقين ما هذا الحمل مني، ويشير إليه وإني اعتزلتها في المدة التي ذكرت واستبرأتها فيها بثلاث حيض، قال أصبغ: وأحب إلي أن يزيد في يمينه لزنت، وهو لابن القاسم في المدونة، ثم يثني ويثلث ويربع كذلك.
ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في شيء من ذلك، قال ابن
[ ٢٦٦ ]
القاسم: وتقول هي إنكار الحمل: اشهد بالله إنه لمن الكاذبين وما زنيت، هكذا في الأربع، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم تقع الفرقة بينهما ولا تحل له أبدًا، ولها السكنى إلى أن تضع حملها، ولا نفقة لها.
والذي قاله ابن القاسم في نفيه الحمل: أشهد بالله لزنت، وتقول هي: أشهد بالله ما زنيت، وقال عنه سحنون في غير المدونة: يقول: أشهد بالله ما هذا الحمل مني. قال سحنون: وهو أحب إلي فهذا ما في كتاب ابن المواز والمدونة وغيرهما؛ وأنا استحب أن يزيد أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إني لمن الصادقين، في الأيمان كلها، وكذلك المرأة وإنما قلت يتعرف هل للمرأة بينة بعلمه أو بإقراره به إذ قد تحمل المرأة ذلك وبالله التوفيق.
قال القاضي هذا الذي استحسنه أبو عبد الله أن يزاد في اليمين مروي عن مالك وابن القاسم في الموازية وغيرها، وروي ابن كنانة عن مالك أنه يحلف في اللعان والقسامة وفيما بلغ من الحقوق ربع دينار فأكثر عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم وما وردت فيه الإيمان رددت، هكذا ذكره ابن سحنون في كتابه، وقد ذكرت له هذا أنه رواية في مسألة قسامة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى إذا ذكر استحبابه لهذه الزيادة، ولم يذكرها رواية لأنها لم تقع في كتاب اللعان وإنما أدخلها ابن أبي زيد في كتاب الأحكام.
وجاوب ابن القطان الذي قاله أولًا لازم له وقد أسقط به الاستبراء، والذي قاله أكثر أصحاب مالك مع مالك أنه لا يمكن من اللعان والولد لازم له ولا يسمع منه مقاله آخرًا من دعوى الاستبراء. هكذا كتب بخط الاستبراء. هكذا كتب بخط يده، وهو غير صواب عند أرباب الإعراب؛ لأنه من الممدود فمحال نصره بكل حال.
وقال ابن أبي عبد الصمد: أي القولين قادك الاجتهاد إليه وأخذت به بعد الاستخارة كان لك الحكم به سائغًا، وهذه المسألة هي مسألة عبد الرحمن بن محمد مع زوجة فاطمة، والله ولي التوفيق والإرشاد.
وجاوب ابن مالك: سيدي ووليي، ومن وفقه الله وسدده: قال الله ﷿ (والذين يرمون أزواجهم) الآية. وقال: (والذين يرمون المحصنات) الآية فما كان به الأجنبي في هذه الآية راميًا كان به الزوج في هذه الآية الأخرى لزوجته راميًا. قال أبو عبيد: ونفي الحمل أشد الرمي ومن أبلغ القذف، فاللعان في هذه القصة واجب وإن ألقينا
[ ٢٦٧ ]
دعواه الاستبراء، وهذا بين في كتاب الله ﷿ لما ذكرت لك من تساوي الرمي في الآيتين.
وكل ما كان به راميًا لها فقد أفتانا فيه القرآن وكفى فيه النظر وهذا (ب-٦٦) أحسن [قول] مالك وابن القاسم، ولقد كان من يصغي إلى قوله من سلف هذه الأمة يقولون: إنه ينفي اللد عنه باللعان متى شاء وإن كان قد أقر به قبل ذلك، وإن كنا لا نقوله ولكن نراعي الخلاف، فهذا يؤكد وجوب اللعان في مسألتك حملنا الله وإياك على الصواب منه والسلام.
قال القاضي: أبو حنيفة يقول إذا ولدته فنفاه يوم يولد أو بعد يومين لا يلزمه وإن انتفى الولد، وإن لم ينفه إلا بعد سنتين لاعن ولزمه الولد.
وقال أبو يوسف: إن قدم من مغيب فله نفيه ما بينه وبين مقدار النفاس أربعين ليلة من يوم قدم ما كان في الحولين فإن قدم بعد الحولين لم ينتف أبدًا عنه.
وقال شريح ومجاهد: ينتفي الرجل ولده متى شاء، وقال الحسن: إذا أقر به ثم نفاه لاعن ما دامت أمه عنده وانتفى عنه، وكذلك قال قتادة. وإلى هؤلاء أشار ابن مالك في جوابه.
وقال الشعبي وعمر بن عبد العزيز والنخعي: إذا أقر به فليس له أن ينفيه، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور.
وفي كتاب ابن المواز: ومن عرض لامرأته بما يحد به للأجنبية فقد قيل يحد ولا يلاعن إلا في صريح القذف أو في تعريض يشبه القذف، فأما في قوله وجدتها مع رجل في حاف عريانين أو وجدتها تحته ونحوه فلا يلاعن في هذا ويؤدب، ولو قاله لأجنبية لحد إلا في قوله: رأيتها تقبل رجلًا.
وفي أحكام ابن زياد في اللعان قال محمد بن عمر بن لبابة: يحلف عند المنبر في المسجد الجامع بالله الذي لا إله إلا هو قد زنت سماجة التي كانت زوجتي، وفارقها، وأما الولد الذي ولدته بعد طلاقها منه إذا استبرأها أربع مرات ما زنت وأن الولد منه ثم يخمس بأن يقول لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تحلف سماجة أربع مرات ما زنت وأن
[ ٢٦٨ ]
الولد منه ثم تخمس بأن تقول غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وعدة الملاعنة كعدة المطلقة ثلاث حيض.
ولا تجب الملاعنة إذا كان الزوج والمرأة من أهل المصر إلا بع ثبوت الزوجية، وإن لم تثبت الزوجية لزم الحد الزوج وإن لم يكونا من أهل المضر وجبت الملاعنة وإن لم تثبت الزوجية.
وقال ابن لبابة فيمن قال لامرأته: إن هذا الحمل الظاهر لها ليس مني، ثم قال: إن كانت حاملا فليس مني: ليس يضره هذا الاختلاف لأنه في كلا القولين منتف من حملها ويلاعن إن شاء الله، ومن طلق فزعمت أنها حبلى وقال هو: استبرأتها قبل طلاقها أمر القاضي بالنظر إليها فإن ثبت حملها وجب اللعان بينهما، وإن لم يتبين أخرت إلى أن يتبين، ولا نفقة لها حتى يتبين فإن لاعن برئ من النفقة والولد، وإن لم يلاعن أنفق. قاله أيوب بن سليمان وغيره.
وفي مسألة أخرى: فهمنا ما قاله قاسم بن طالب من أنه رأى زوجة سعدونة بنت سعيد تزني فقام إذ رآها يريد ملاعنتها، وذكر أنه قد استبرأها قبل ذلك، واعتزلها منذ أربعة أشهر فالذي يجب أن تدعي المرأة، فإن أقرت بما قال زوجها رجمت وإن أنكرت ذلك لاعتها. قاله ابن لبابة وابن وليد وسعد بن معاذ.
[ ٢٦٩ ]