باع أمة فظهر بها حمل وثبت بها كي:
أقر عند القاضي - وفقه الله - عبد الله وكيل سكن أن سكنا قال: إن الخادم التي اشترى أحمد من عمر عندنا حبلت، وقال أحمد: لست أعرف إن كان الحبل عندي أو عند البائع، وقال البائع عمر: لم أبع خادمًا حبلى منهم، وشهد على ذلك كله.
والجواب: إذا ثبت عيب الكي الذي قام به مشتري الجارية وجب ردها مع رد قيمة الحبل، أو يمسكها ويرجع بقيمة عيب الكي، وإن قال أهل البصر: إن هذا العيب يحدث ويقدم في مثل أمر التبايع؛ حلف البائع بالله: ما أعلم أنه كان عندي، أو يرد اليمين على المشتري فيحلف بالله: ما أعلمه حدث عندي، وقال ذلك أهل العلم.
هكذا وقعت في أحكام ابن زياد.
وقال ابن حبيب في عاشر بيوع الواضحة: من ابتاع عبدًا فوجد به عيبين: عبيًا قديمًا، وعيبًا مثله؛ يحدث ويقدم؛ فإنه يحلف في العيب الذي يحدث ويقدم بالله: لما يعلمه حدث عنده، إن كان خفيًا، وإلا حلف على البت إن كان ظاهرًا، ثميرده بالعيب القديم، إن شاء الله، ينزل المبتاع في حلفه على العيب الذي مثله يحدث ويقدم، إذا وجد معه عيبًا قديمًا؛ منزلة البائع في حلفه فيه، إذا لم يجد معه عيبًا قديمًا، وكذلك قال مالك فيهما جميعًا.
مملوكة ادعت في العهدة أنها حرة:
وفي أحكام ابن زياد: نظرنا - وفقك الله - فيما قام به مشتري الجارية من ابن ثعلبة من شهادة بينة في عهدة الثلاث أنها حرة، وقال: الشهادة في العهدة أنها حرة: عيب حادث في العهدة أردها به وأفسخ البيع؟
فالجواب: إنه كما قاله المشتري؛ لأن هذا عيب حادث يفسخ به البيع ويرد الثمن ويمضي النظر فيها، فإن ثبت حريتها حكم لها بها وإلا ردت إلى بائعها، وإن ادعى البائع أن المبتاع وطئها؛ حلف أنه ما وطئها، وإن نكل عن اليمين وقف الثمن حتى تستبرئ ثم يفسخ البيع.
قاله ابن لبابة، وعبيد الله بن يحيى، ويحيى بن عبد العزيز، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب، وأحمد بن أبي عيسى، ومحمد بن عبد الملك بن أيمن.
[ ٣٢٣ ]
قال القاضي:
هذا الجواب إنما يصح إذا ادعى البائع أو وطئ المبتاع إياها كان قبل دعواها الحرية، وقيل أن تشهد بذلك البينة. وإن كان بين في دعواه أنه إنما وطئها بعد دعوى حريتها والشهادة لها بها ونكل المبتاع عن اليمين - فالجواب حينئذ: أن توقف وينظر في حريتها؛ فإن ثبتت انتقض البيع، وإن لم تثبت صح البع فيها، ولم تكن للمبتاع حجة فيما ادعت من الحرية؛ لأنه قد رضي بذلك لوطئه إياها بعد شهادة البينة بحريتها، ولا فرق بين هذا وبين وطئه إياها، أو تقليبه إياها وتلذذه بها بعد ظهور عيب قديم بها يبطل قيامه بذلك، ولا خلاف في هذا أعلمه.
ورأيت في غير أحكام ابن زياد سئل ابن لبابة عن الأمة تدعي الحرية في العهدة؛ فقال: روي ابن كنانة وغيره عن مالك أنه ليس بعيب، ولا ترد، ومن يقبل ذلك منها؛ قال: وقد نزلت فسئل ابن مزين وغيره عن ذلك فرأوه عيبًا ترد به، فردت وأخذ فيها بقولهم قال ابن لبابة: وهو عندي عيب.
قال القاضي: وقد شاهدت أنا الحكم بذلك عند بعض القضاة.
وفي سماع ابن القاسم عن مالك فيمن ابتاع عبدًا فأبق، ثم وجد من يشهد له أنه كان ىبقًا عند الذي باعه، فقال البائع: لم يأبق منك، ولكنه غيبته أو بعته - قال: يحلف بالله ما بعته، ولقد أبق منني، ثم يأخذ ثمنه من البائع.
ولسحنون في المغرب: إن ادعى في العهدة أنه أبق في العهدة حلف، ولم يلزمه شيء، وإن ادعى ذلك بعد انقضاء العهدة. لم يصدق إلا بينة.
ابتاع صبية فألفاها مجموعة، وقال: اشتريتها أمس على أنها صحية
قال ابن لبابة: تعرض على قابلة يثق القاضي بها؛ فإن ألفتها مجموعة طرية الجمع حلف المشتري ما مسها؛ لأنه قد يمكن أن يفعله غيره وهي في عهدة الثلاث، فإذا حلف ردت؛ وإن كان ذلك باليًا ردت بلا يمين.
وفي سماع عيسى: من ابتاع أمة على أنها بكر، فزعم أنه لم يجدها بكرًا؛ نظر النساء إليها، فإن قلن: افتضاضها لمثل ما قبلها المشتري؛ فهي منه، وليس يخفى أثرها وإنما هي فرحة نكتت، وإن قلن: هو شيء قديم قبل التبايع، ردها ولا يمين في ذلك؛ إنما يقطع في هذا النساء.
[ ٣٢٤ ]
وفي سماع أشهب وابن نافع عن مالك: إن قلن: هو قديم، حلف المبتاع وردها، وإن قلن: نرى أثرًا طريًا: حلف البائع: ما كان عنه، ولزمت المشتري.
قال القاضي:
كتب إلي بمسائل منها: رجل ابتاع جارية وشرط أنها ثيب فألفاها بكرًا فأراد ردها، هل في ذلك؟
فأفتيت: إن كان شرطه أنها ثيب لوجه يذكره معروف من يمين عليه لا يملك بكرًا أو لأنه لا يستطيع افتضاض الأبكار، وشبهه ذلك من العذر الظاهر المعروف؛ فله ردها، وإلا فلا رد له كما في الواضحة.
وفي رسم الجواب عن ابن القاسم: فيمن ابتاع جارية وشرط أنها نصرانية فوجدها مسلمة؛ فأراد ردها، وذلك معروف من أمره فله ردها.
قال أصبغ في رسم الجواب: أو ليمين عليه أنه لا يملك مسلمة. وذكرها ابن المواز عن أصبغ ولم يذكر ابن القاسم. قال ابن حبيب: وكذلك العبد. وهذا أحسن ما سمعت فيه.
ومن هذا في كتاب ابن حبيب وابن المواز، وفي المدونة: فيمن ابتاع جارية على أنها من جنس كذا فألفاها من جنس آخر أرفع من شرطه فلا رد له، إلا أن يكون له عذر، وإن خرجت من جنس آخر دون الذي شرطه، فله الرد فتأمله.
وقال السائل: إنه أخبرني الذي وجدها برًا أن له أن يردها عن أبي عمر بن القطان.
والعمل فيها على ما ذكرناه، والله الموفق للصواب وذلك في سنة أربع وسبعين وأربع ومائة.
العيب بوجد بمملوكة تداولها الملك:
من أحكام ابن زياد: قام عندي رجل على قوم من النخاسين في خادم باعوها منه، وظهرت بها عيوب، فأمرت من وثقت بها من النساء لتنظر إلى تلك العيوب، فاستبان بشهادة المرأة أن العيب قديم، بمثله ترد، فرددتها إلى النخاسين.
ثم قام النخاسون على رجل من الشقاقين فأقر لهم بالبيع منهم، فأمرتهم بقبضها منهم، ورد الثمن إليهم، ثم قام الشقاق على سعيد بن منتيل، فقال سعيد: هذه الخادم إنما
[ ٣٢٥ ]
صحيحة، وهي الآن مضروبة الظهر بزعم ابن منتيل والشقاق، وأنكر ابن منتيل أن يكون قبض ثمنها من الشقاق إلى هذا الوقت.
قال ابن لبابة: يجب للشقاق القيام على الذي ردها عليه في مرضها، فإذا كان هذا من فعله وحدث عنده عرضت على أهل البصر فقوموها صحيحة، وتقوم بالعيب القديم، ثم تقوم بالعيب الذي بها من مرضها وضربها إذا كان ذلك مفسدًا، ثم يكون الذي ردها على الشقاق بالخيار، إن شاء أمسكها وأخذ من الشقاق قيمة العيب القديم، وإن شاء ردها ورد معها قيمة العيب الذي حدث عنده من المرض.
فإن أمسكها وأخذ من الشقاق قيمة العيب القديم رجع الشقاق على سعيد بذلك أيضًا، وإن ردها عليه فالشقاق أيضًا بالخيار في الإمساك والرجوع بقيمة العيب، أو الرد، ورد قيمة العيب المحدث.
قال القاضي: انظر قول القاضي في سؤاله فاستبانه بشهادة المرأة أن العيب قدمي، بمثله ترد أعمل قول المرأة الواحدة في العيب وقدمه، ولم يتعرض ابن لبابة فيه وأفتى عليه.
وقد سألت أبا عبد الله بن عتاب هل يحكم بقول النساء فيما شهدن به من عيوب الإماء أنه قديم قبل تاريخ التبايع، أم لا يسمع منهن في ذلك ويشهد فيه الحكماء وهذا هو الصحيح.
وكذلك قول القاضي أيضًا حكاية عن المرأة: بمثله ترد؛ جهل لا خفاء به صارت المرأة عنده الشاهدة والطيبة والمفتية، ولبس إليها شيء من ذلك على ما بينا إلا إن كانت ماهرة بالطلب على ما قاله أبو عبد الله، فيسمع منها في قدمه وحدوثه.
وأما أن تقول هي: يجب، أو لا يجب؛ فلس ذلك إليها، فلا تسأل عنه، وإنما الحكم إذا ثبت العيب وقدمه بشهادة من تحوز شهادته فيه أن يسأل تجار الرقيق هل هو عيب؟ فإذا شهد أهل البصر منهم بأنه عيب يحط من الثمن كثيرًا؛ أفتى الفقهاء حينئذ بالرجوع بالرد، وستأتي إن شاء الله ﷿ مسائل في بيان هذا المعنى.
[ ٣٢٦ ]
وقال عن ابن منتيل: إنه قال: إنما صحيحة، ثم ذلك في الجواب أن للشقاق: الرجوع عليه، ولم يذكر لمقاله جوابًا، وفيه غير هذا تركناه والكلام عليه كراهة التطويل.
مسألة أخرى في هذا المعنى:
فهمنا - وفقك الله - ما ادعاه مبتاع الجارية من الحفر والشقاق والآثار، والذي عندنا في ذلك أن ينظر رجل من أهل الطب إلى ما يجوز أن ينظروا إليه من الحفر والشقاق الذي برجليها، وينظر النساء إلى الآثار الباطنة، فإن قالوا: إنه عيب؛ أعلموا بقوت التبايع وكشفوا أيحدث مثله في مثل هذه الأمد أم لا؟ فإن قالوا: لا يحدث مثله؛ وجب الرد، وإن قالوا: يحدث ويقدم؛ وجبت اليمين على البائع في الظاهر على البت، وفي الباطن على العلم. وقاله ابن لبابة، وأيوب، وعبيد الله وغيرهم.
مسألة أخرى في هذا المعنى:
قام عندي - رحمكم الله - رجل يسمى عبد الملك، وذكر أنه ابتاع خادمًا من رجل من أهل جراوة، وأقر الجراوي بالبيع منه، وذكر عبد الملك أن بالخادم آثارًا يجب بها ردها لم يبين لها بها، وأقر الجراوي بذلك قوال: لم أعلم بها عيبًا، وشهد عندي الطبيبان يحيى بن اسحقا وسلخ أن الآثار التي بساقيها من مدة سوداء دلت أن ذلك من قروح غليظة قديمة كانت بها منذ سنة أو نحوها، وإنه عيب يجب به الرد في علمهما، وأمرت بردها على الجراوي، وأتاني الجراوي بالبائع منه فأقر أنه باع منه، فأمرته أن يرد على الجراوي ماله، فقال: إن البائع متى غائب، فقلت له: أشاور لكل الفقيه أبا عبد الله - حفظه الله - فما رأى أنه يجب لكل من الوثيقة في الغائب فعلت لك إن شاء الله.
قال ابن لبابة:
فهمت ما ذكرت مما قيم به عندك في عيب الخادم، وثبوت العيب عندك بشهادة يحيى بن إسحاق وسلخ، وما قاله المتبايعون من أنهم لم يعلموا أنه عيب، وقول البائع منن الجراوي أنه بين له ذلك الآثار، فقال: لم أعلم أنها عيب، ولكني قد عرضتها على الجراوي، فقال الجراوي: نعم عرضها علي، ولم أعلم أنها عيب، فلما قام المشتري وشهد عندك أن بها عيبًا؛ وجب التراد بينهم وترجئ الحجة للغائب، وليس في هذا يمين على واحد منهم؛ لأنهم قد تقاروا أنهم لم يتباينوا بينهم على أن ذلك عيب عندهم، ويجب للبائع من الجراوي أن تكتب كتابًا بما ثبت عندك، وبترادهم الثمن فيما بينهم؛ ليرجع بذلك على بائعه إن
[ ٣٢٧ ]
رجع يومًا ما أو أثبت له مالا فتعديه به عليه، وهذه الخادم إذا ردت بيعت على الغائب فيقضي من ثمنها هذا البائع الأول إذا ثبت عندك أنه نقده الثمن وأثبت عدته، وأسأل الله توفيقك وتسديك.
قال القاضي:
في هذا السؤال من الإغفال مثل ما تقدم لقوله في الطبيبين: إنهما شهدا في الشقاق أنه من مدة سوداء كانت بها منذ سنة، وأنه عيب يجب به الرد في علمهما؛ فصارا هما المفتيين بالرد، وهذا خطأ من العمل.
إنما عليهما أن يشهدا بأنه من داء قديم بها لقبل أمد التبايع، ثم يشهد أهل البصر من تجار الرقيق ونخاسيهم بأنه عيب يحط من ثمنها كثيرًا، ثم يفتي الفقيه بعد ذلك بوجوب الرد إذا لم يكن عند المطلوب حجةولا مدفع.
والخطأ المعدود في هذا علي ابن لبابة أقبح منه على القاضي، لكن كان عليه أن يرشده وينبه على ذلك، ولا يتعرض له عنه، وقد أنكر ذلك أبو عبد الله بن عتاب من شهادة شهود وصولا به شهاداتهم في عيب حوانيت شهدوا به، وقد أنكرته أنا أيضًا من شهادة شهود شهدواح في عقد حائط وقمطة ادعاه رجلان، فشهدا أنه لفلان منهما، وقلت: ليس ذلك إليهم ولا يسمع فيه منهم، غنما يؤدون الشهادة الحاكم أنهم نظروا إلى الحائط وأراوا عقده من ناحية دار فلان، أو رأوا عليه خشب سقف بيت فلان، ثم يفتي الفقيه على ذلك، كما أنهم إذا شهدوا أنهم يعرفون هذا العبد وهذا البغل ملكًا لفلان ابن فلان، ومن ماله وبيده ولا يعلمونه خرج عن ملكه ببيع ولا غيره إلى حين شهادتهم هذه، لا يجوز لهم أن يقولوا؛ فيجب أن يحلف صاحبه في مقطع الحق أنه ما باعه ولا وهبه ولا خرج عن ملكه بوجه ثم يأخذه.
وهذا أبين من أن يحتاج فيه إلى هذا التطويل، لكني رأيت هذا المعنى قد كثر عند الحكام ولا ينكرونه، بل قد بلغني عن بعضهم أنه قال: لم تزل الشهادات تؤدى في هذا المعنى هكذا. والشيوخ متوافرون ولا ينكرون، وقد رأيت في جواب جاهل أهل بالاعتناء للفتوى قد أفتى في قناة ظهرت في دار مبيعة بقرب بئرها، قال: يقال للشهود: هل يجب بذلك الرد؟ فإن قالوا: يجب، ردت فليت شعري ما الذي استفتى هو فيه؛ إذا كان الشهود يسألون هل يجب الرد أم لا؟ وهذا نهاية في الغباوة، وإذا فشت الجهالة في الناس ظنت حقًا
[ ٣٢٨ ]
وحسبت سنة.
وفي جواب ابن لبابة: في مسألة الخادم من الغفلة والاختلال نحو ما تقدم في الشهادة من المحال؛ لأنه أوجب رد بعض المبايعين لها بعض شهادة الطبيبين للمبتاع الآخر؛ أن للعيب نحو عام، وقد يكون لابتياع الجراوي لها المقوم عليها أزيد من عام، ويكون لابتياع بائعها منه على الغائب عامين؛ فكان من تمام جوابه بيان هذا والكشف عنه حتى يقف على حقيقة من أوقات وقوع البياعات؛ إذ قد يكون قديمًا في بعضها حديثًا في بعضها، وهذا لا خفاء به.
وكذلك أسقط ذكر ثبوت مغيب البائع الأول الذي باع الخادم من بائعها من الجراوي، ولم يذكر هل يتلوم له قبل الحكم بالرد عليه أم لا؟
ولا بد من ذلك على ما نص في المدونة وغيرها، وهو مختلف باختلاف قرب الغيبة من بعدها، ولا ذلك أن اليمين على المبتاع من الغائب أنه ما تبرأ إليه من ذلك العيب، ولا أعلمه، ولابد منها، كذلك في الواضحة.
وقال فضل بن سلامة استقصاء لحجة الغائب: هذا إن كان الابتياع منه في داخل السنة المشهود فيها، ولا ذكر ما يفعل ببقية ثمن الخادم إن بيعت على الغائب بأكثر مما باع، وقد نص في المدونة أن السلطان يحسب عليه حتى يدفع إذا قدم إليه مثل هذا الجواب ليس بجواب، والله الموفق للصواب.
ولولا الرجاء بان يكون في هذا ومثله من تبيننا تنبيه وتعلم لمن طالع هذه المسائل ودرس هذه النوازل لكان الإعراض عنه أولى، والله تعالى ولي الإرشاد والهدى.
مسائل من هذا المعنى:
نزلت بقرطبة وأفتينا فيها في ضرر ببصر خادم بيعت خاطبنا بها صاحب ابن أدهم يا سادتي، وأكابر عددين ومن أبقاهم الله وسلمهم، قام عندي أحمد بن عبد الرحمن بن عيسى فذكر أنه ابتاع خادمًا صفراء من محمد بن الفضل، وأنه ألفى فيها عيوبًا لم يتبرأ محمد منها إليه عند بيعه إياها منه، وسألني النظر له في ذلك.
فأبحت له إثبات ما يوجب له النظر، فأظهر لي عقدًا لي عقدًا تاريخه لخمس خلون من رمضان من سنة أربع وستين تضمن ابتياعه لخادم صفراء صفتها كذا، ومعها ولد صغير بثمن كذا قبضه محمد منه، وحضر محمد بن الفضل مجس نظري ووقفته على هذا
[ ٣٢٩ ]
العقد فأقر به حاشا تاريخه؛ فإنه قال: في أول سبعين من العام المذكور، وثبت ذلك من أقراره وقوله عندي بمن قبلت من شهدائه، وأعذرت في ذلك إلى عبد الرحمن بن سعيد فزعم أن عنده ما يحل به ما شهد به الأطباء، فأجلته فيما ادعاه من ذلك أجلا قاطعًا من ثمانية أيام، فأتاني في خلالها بحسين بن هشام ومحمد بن خليل وأحمد بن خلف المتطيبين؛ فشهدوا عندي بما ترونه مما قد أدرجته اليكم، وقبلت شهادتهم لمعرفتي بهم، وثبت ذلك عندي، ورأيت استطلاع رأيكم فيه فجاوبوني عنه موفقين مرشدين إن شاء الله.
فأفتى محمد بن فرج: سيدي تصفحت ما خاطبتنا، وإذ قد أعذرت إلى الخصم عبد الرحمن وكيل ابن فضيل فقال: إنه لا مدفع عنده في تاريخ العهدة أنها كانت أول شهر رمضان، ولم يحل ما شهد به المطيبون الذين قالوا: إن العيب أقدم من أمد التبايع، وزاد أحدهم إن فيها مع هذا العيب القديم عيبًا آخر مثله يحدث ويقدم؛ فالقضاء برد الخادم بالعيب واجب ولا يمنع من الرد بشهادة أحد المتطببين الآخرين أنه عيب حديث، وقول الآخر: إنه يقدم ويحدث؛ إذا لم يجتمعا على شيء واحد، ولا يضاف إلى شهادة أحدهما شهادة أحمد بن خلف أنه نظر إلى عيني الخادم وقبلها ولم ير فيها عيبًا ولا نكتة ولا أثرًا؛ فإن أمكن إصلاح هذه المسألة وقطعها بالصلح فهو حس؛ وإن تعذر؛ فالرد واجب والسلام.
وجاوبت أنا سيد وقع تاريخ تشاهد تبايع المملوكة وابنها لخمس خلون من شهر رمضان من سنة أربع وستين واتصل به، وكان عقد التبايع مستهل شهر رمضان، ولفظ مستهل لا يستعمل إلا في أول ليلة من الشهر؛ كذلك ذكره أرباب البيان وأهل المعرفة بباسان؛ فصار بين تاريخ التبايع وتاريخ التشاهد نحو أربعة أيام، وفي فصل تقييد شهادات الأطباء ابن فتوح وصاحبيه في النكتة التي بعيني المملوكة، وأنها أقدم من تبايعهما الذي تاريخه لست خلون من شهر رمضان، فدل على ما اتصل بالتاريخ في عقد التبايع من قوله: وكان عقد التبايع مستهل شهر رمضان، غاب عن العين أو سقط عن التحصيل.
كما أن قوله: في فصل شهادات الأطباء لست خلون وهم؛ إذ ليس في العقد إلا لخمس خلون، وكذلك الخطاب فوق هذا الخمس مصلح، وإنما نحن بشر؛ فينبغي أن يعود الحكماء إليك ويشهدوا بين يديك بأن تلك النكتة أقدم من مستهل شهر رمضان الذي أشهد المتبايعان أحمد ومحمد بوقوع البيع فيه، لابد من هذا، ولا يصح الحكم فيه دونه؛
[ ٣٣٠ ]
لاحتمال أن تكون النكتة عندهم مما تحدث بعد المستهل وقبل الخمس الخالية من الشهر.
فإن شهدوا عندك بذلك أعذرت فيه إلى أحمد البائع أو وكيله، فإن ادعى مدفعًا أجلته فيه أجل التهم الثلاثة الأيام أو نحوها لا آجالًا مستأنفة، وإذ قد عجز في الأعذار الأول عن حل الشهادة بالأمد الأقل؛ فهو أعجز عن حل الشهادة بالأمد الأطول، فإن أتى بشيء نظرت له وإلا عجزته وقطعت حجته وحكمت عليه بصرف المملوكة وابنها إليه، ويصرف الثمن إلى مبتاعها، ولا يجوز للمبتاع حبس ابنها إذ ذهب إليه بما ينويه من الثمن إذ هو في سن من لا تجوز التفرقة بينه وبين أمه فيه لصغره. هذا قول ابن القاسم وغيره.
وقيدت في فصل الإعذار إلى عبد الرحمن وكيل البائع أنك أعذرت إليه بمثل ما أعذرت به إلى أحمد بن عبد الرحمن في الفصل الواقع في أسفل الظهر، ثم لم يظهر إلينا هذا الفصل فيما أدرجته طي خطابك إلينا، ولم يكن ذلك الإعذار لاشك إلى أحمد في شهادة هؤلاء الأطباء؛ لأنهم شهوده وهو القائم بهم؛ فمحال أن يعذر إليه فيهم، وإذا كان هذا هكذا فلا يصح أن يقال إنك أعذرت إلى وكيل البائع بمثل ما أعذرت فيه إلى المبتاع لانفراد كل واحد منهما بالمعنى الذي أعذرت إليه فيه. وإنما يصح أن يكتب مثل هذا في مطلوبين بمطلب واحد، أو طالبين لشيء واحد شهد عليهما بشهادة ينكرانها؛ فيحضر أحدهما فيعذر إليه، ثم يحضر الآخر فيعذر إليه في ذلك المعنى، وفي أولئك الشهود، وأما في معنيين متضادين وشهود مختلفين فلا.
وأما شهادة يحيى بن أحمد المتطبب بالإهالة وشهادة ابن خليل بالبشرة، وقول كل واحد منهما: إن ذلك مما يقدم ويحدث؛ فساقطه لا توجب شيئًا؛ لانفراد كل واحد منهما ذلك لم يحدث عنده في علمه، ثم يرد حينئذ بعيب النكتة القديمة، ولم يكن عليه شيء في الإهالة والبثرة، ولنكوله عن هذه اليمين شرح يطول ذكره، وليس يحتاج إليه في هذه المسألة، وكذلك شهادة حسين غير عاملة لانفراده بها، وما شهد به أحمد بن خلف لا معنى له بوجه من الوجوه.
وإن قال الشهود عند رجوعهم إليك: إن النكتة التي يعين المملوكة ليست أقدم من مستهل شهر رمضان وإنها مما يحدث بعده؛ لم يكن للمبتاع قيام بذلك، ونفذ البيع بينهما، وإن قالوا: إنها قد تحدث بعد تاريخ الابتياع، الذي هو مستهل شهر رمضان، وقد يكون أقدم منه؛ حلف البائع في مقطع الحق بالله ما كان بها هذا العيب عنده في علمه، إن كان
[ ٣٣١ ]
مما يخفى مثله، وإن كان ظاهرًا أسقط من يمينه في علمه، وحلف على البت ومضى البيع، وإن نكل عن اليمين حلف المبتاع حلف حلف المبتاع ما حدث بها هذا العيب عنده في عمله، ثم ردها على البائع وأخذ ثمنه، وإن نكل أمسكها ولا شيء له.
هذا جواب ما سألتنا عنه ملخصًا موعبًا، ولم نورد إلا ما قد تدعوه إليه ضرورة، وبالله التوفيق.
مسألة أخرى في مثل هذا المعنى:
وفيها تنازع في الاستبراء، وفي قبض بعض ثمنها من أحكام ابن زياد، فهمنا - وفقك الله - ما ذكره القائم عندك بعيب حفر أصابه بجارية ابتاعها من رجل، واقر ذلك الرجل ببيعها منه؛ بتاريخ مذكور في كتاب عهدتهما وأنه قبض الثمن غير دينارين عينًا، وأثبت القائم عندك العيب، وقدمه قبل تاريخ الابتياع، ورضي المبتاع بيمين البائع في الدينارين أنه لم يقبضهما فحلف، وأنه لما حكمت برد الجارية عليه؛ قال: إنما أخرجها المبتاع مستبرأة، وقال المبتاع لم اقضها مستبرأة ولا وطئتها بعد شرائي لها ولا اشتريتها للوطء، ولا هي من جواري المتعة. والجواب في ذلك/ أن المبتاع إذا حلف بالله في مقطع الحق، أنه ما وطئها؛ أوجب له ردها بعيب الحفر وأخذ ثمنها، ولا يجب أن تواضع عليه في الاستبراء قبل أن يوافقها. قاله محمد بن وليد، وأيوب بن سليمان.
وقال ابن لبابة: إذا كانت الجارية وخشًا (١) من خدم الخدمة؛ لا يجب فيها استبراء، فالقول في ذلك ما قاله أصحابنا، ولا يجب على المشتري يمين في وطئها، إلا أن يكون من أهل التهم ممن لا يدع، فحينئذ تجب اليمين، وإن كانت من عليه الرقيق فلابد من الاستبراء لأنه وإن لم يطأ فقد تحمل من غيره.
قال القاضي:
الذي قاله ابن لبابة في يمينه في الوطء إن كان متهمًا، هو قول ابن القاسم في سماع عيسى في قائم بعيب برص في جارية ابتاعها وغاب بائعها، ووصل بها في العيوب من العتبية.
وسئل عنها سحنون فقال: أخبرني أشهب وابن نافع عن مالك أنه سئل عمن رد
_________________
(١) الوخش: رذالة الناس. انظر لسان العرب ج ٦، ص ٣٧١ (مادة، وخش).
[ ٣٣٢ ]
جارية بعيب على بائعها منه، فأراد أن يستحلفه أنه ما وطئها منذ رأي العيب بها؟.
فقال: لا يمين له عليه. قال سحنون: جيدة.
فقد اسقط مالك وسحنون اليمين هنا عنه والبائع يدعو إليها باتهامه إياه في الجارية بوطئها، وأما في مسألة ابن لبابة وأصحابه فلا يمين فهيا على حال؛ إذ ليس في مسألتهم أن البائع دعا إلى ذلك، وأظهر اتهام المبتاع بالوطء بعد المعرفة بالعيب، فلمن يحلف إذا لم يطلبه البائع بذلك وهذا بين الصواب.
وأما استبراء المردود بالعيب وقد خرجت من الحيضة؛ ففيه روايتان: قال ابن القاسم في المدونة: على البائع الاستبراء، وضمانها من المشتري.
وقال أشهب: لا يكون على الرد بالعيب مواضعه خرجت من الحيضة أو لم تخرج؛ لأن الرد بالعيب نقض بيع لا ابتداء بيع.
وروي هو وابن نافع مثل ذلك أنها لا مواضعة فيها؛ لكن ينتظر بها الحيضة، وإن كانت رفيعة ليعلم أحامل هي أم لا؟ فإن تلفت في ذلك قبل الحيضة فضمانها من البائع الذي ردت عليه. وفي هذا بيان أشهب في المدونة.
ابتاع أمة سوداء فلم تحض، وكان ثمنها مائة مثقال واحدة وستين مثقالًا قرمونية، وقام بعد سبعين يومًا مدعيا أنها لم تحض في شيء من هذه المدة، وكان بها في بطنها عقدة وأراد ردها بارتفاع حيضتها.
فأفتى ابن عاب وابن مالك بأن له ذلك مع يمينه أنها ما حضت منذ ابتاعها وأفتى ابن القطان بأن توقف ويتربص بها ليستبين أذلك الامتلاء حمل أم غيره؟
وفي العيوب من المدونة: من اشترى أمة حديثة السن وهو ممن تحيض؛ فرجعتها حيضها شهرين أو ثلاثة، قال مالك: هو عيب إن أحب أن يردها ردها، وإن أراد ردها بعد مضي أيام حيضتها، فالأيام اليسيرة؛ لم يكن له ذلك؛ لأن الحيض يتقدم ويتأخر إلا أن يطول ذلك ويكون عيبًا، وينظر فيه السلطان فإن رأى ضررًا فسخه، ولا أخره ما لم يقع الضرر.
ولا ينتفع البائع أن يقول: أقيم البينة أنها حاضت عندي قبل بيعها بيومين أو نحوهما؛ لأنها في ضمان البائع حتى تخرج من الحيضة. فهي وإن حدث بها هذا الداء في الاستبراء فإنها حدث وهي في ضمان البائع، ألا ترى أن ما حدث من العيوب في الاستبراء
[ ٣٣٣ ]
إذا كانت بتواضع مثلها؛ فهي من البائع حتى تخرج من الحيضة إلا أن تكون من الجواري اللائي يجوز بيعهن على غير الاستبراء، وتباع على ذلك فتكون من المشتري كما لو كانت بعد استبرائه إياها كانت مصيبتها منه؟ فكذلك ما حدث من العيوب بها.
فالذي في المدونة في ارتفاع الحيض إنما هو عيب في المرتفعة التي فيه المواضعة لا في الوخش التي لا مواضعة فيها، وكذلك في المغرب والمختصر واحتججت بذلك على ابن عتاب في جوابه المتقدم، إذا كانت تلك الأمة من الوخش التي لا مواضعة فيها؛ فقال لي: الرواية كما أفتيت به، وبه جرى العمل، واحتج بأن قال: للمبتاع مقال في ذلك بأن يقول ارتفاع حيضتها لا أصبر عليه كما أن الحبل فيها عيب وإن كانت وخشًا، والى هذا ذهب ابن العطار. والله أعلم.
وقد رأيت لأصبغ عن ابن القاسم ما قاله أبو عبد الله بن عتاب، قال أصبغ: سئل ابن القاسم عمن اشترى جارية فارهة لا تحيض هل هو عيب؟.
فقال: هو عيب في جميع الرقيق إذا علم أنها لا تحيض إذا كانت قد بلغت سن من تحيض ب - ٨٤ عشرين سنة أو نحوها، وقاله أصبغ، وكذلك المستحاضة في الوخش والفارهة جميعًا.
وكذلك رأيت لابن عبد الحكم أن الاستحاضة عيب فهيا، وتأمل مسألة الاستحاضة في الواضحة والمدونة والموازية ففيها اختلاف ين هذه الدواوين.
مسألة أخرى في هذا المعنى من أحكام ابن زياد:
قام عندي رجل فذكر أنه ابتاع جارية من أحمد، وقال لهل: إن حاضت إلى ثلاثة أيام وإلا أنت فيها مصدق، وأنكر أحمد ذلك، وقال: لم أبع هذه الجارية منك، فقال له، المبتاع: فاحلف لي أنك لم تبعها مني، فقال: حتى أنظر إليها، فمضى، مع المشتري حتى نظر إليها، ثم أقبل فأقر عندي أنه نظر إليها.
فهمت رحمك الله - ما قال الرجل من زعم المشتري أنه اشتراها من صاحبه بثماينة وعشرين مثقالا ونقده، وقال سألته عن استبرائها، فقال: إلى ثلاثة أيام تأتيها حيضتها، فقال: فانتظرت عشرة أيام، فلما لم تحض رجعت إليه فأعلمته، فقال لي لعله ينزل، فأمسكتها إلى ثلاثين يومًا فلما لم تحض رجعت إليه، فقال: تثبت إلى شهرين، فتثبت إلى هذا الوقت وذلك ثلاثة أشهر.
[ ٣٣٤ ]
فلما لم تحض وأنكر صاحبه جميع ذلك، فاليمين تجب على البائع، فإن رد اليمين على المشتري، حلف بالله أنه كما ذكر، ويحلف انهه ما وئها، فإذا حلف؛ ردها على البائع وأخذ منه الثمن. قاله محمد بن عمر بن لبابة وأصحابه.
قال القاضي: هذا في ارتفاع الحيضة في الوخش نحو التي قبلها عن شيوخنا، وفيها وفي سؤالها اعتراض تركنا الكلام عليه كراهة تطويل الكتاب، وأفتوا فيها باليمين في الوطء كما تقدم لهم، وقد تكلمنا فيه بما فيه مقنع.
ابتاع جارية وادعى أنها تبول في الفراش:
قال الشيخ: اشتريت من هذا الفتى صبية بخادم، فبالت في السرير بقرب ابتياعي، فقال ابن لبابة: وقد سألاني منذ يومين عن هذه المسألة فقلت: البول، لا يحدث في هذا القرب، ولكن تضعانها على يدي منن ترضيانه تختبر؛ فإن بالت وجب ردها.
فقال الفتى أرضى أن تكون عند ختنته، فقلت الآن للفتى: أما كنت رضيت أن تكون عند ختنته؟ فقال: نعم، ولكنه لم يفعل. فقال الشيخ: الختنة معي ساكنة وقد تركتها عندها، وأن أطلب بذلك، ولكنه زاغ عني، فإذا كان كما قال الشيخ إنها ساكنة معه؛ وقفت الفتى، فإن مضى على الرضي بالختنة، وضعت عندها حتى تختبر، وإن كره ذلك أمرت - حفظك الله - أن توضع على يدي من يرتضي به من الرجال أو من النساء.
فإن صح عند الأمين بولها ردت على البائع، وفسخ البيع في الخادم التي أخذها الفتى من الشيخ، إلا أن الفتى قال: قد بعتها، وقال الشيخ: إنما بعتها بعد قيامي، وتراضيا بإيقافها، فيجب أن يحلف الفتى: ما بعتها إلا قبل قيامك على وتراضيا بالمرأة.
فإذا حلف؟ وجبت عليه قيمتها يوم قبضها منه، وإن نكل؛ حلف الشيخ: لقد باعها بعد أن وجب إيقاف الصبية لاختبار بولها، فإن حلف؛ خير في قيمتها، أو الثمن الذي باعها به إن كان أكثر، وإن باعها بأقل من القيمة؛ لم يكن بينهما في ذلك أيمان، ووجب له القيمة إلا أن يثبت بعدول من البينة أن بيعه إياها بعد توقيفه الصبية؛ فيفسخ بيعها، وترد إلى الشيخ؛ لأن وقت القيام لم يكن فائتًا لقرب قيام الشيخ من البيع.
قال القاضي: في هذا الجواب نظر، وفي سماع أشهب؛ قيل: أفترى البول مما يحدث؟ قال: لا، ويسأل عن ذلك أصحاب الرقيق، وهم أعرف بهذا، وفي الواضحة خلاف، وهناك بيانها لمن أراد تأملها.
[ ٣٣٥ ]
كسر في ظهر صبية شهد به الأطباء:
شهد عند القاضي أحمد بن بن محمد تلميخ بن أود الناس أنه نظر إلى الصبية الموقفة بين يدي القاضي التي قام فيها محمد على سليمان بعيب، فنظر إليها تلميخ فوجد كسرًا في ظهرها قديمًا، قد انعقد، وأنه عيب ترد به، ومثله لا يحدث في أشهر، وشهد يحيى بن إسحاق بن عبد الله بمثل ذلك.
فقال ابن لبابة: وجب رد الصبية بهذا العيب، وقول البائع: إن لي بينة على أني باينته بالعيب أو البراءة من العيوب؛ فإن أتى بالبقينة؛ نظرت في ذلك بما يريك الله من الحق، وقاله ابن وليد.
قال القاضي: في هذا التفسير من ذلك قول الطيب أنه يجب به الرد مثل ما تقدم مما قد أنكرناه، وإذا استمر مثل هذا الجهل في ذلك الوقت، وكان بقية من صلاح الزمان، ووفر الفقهاء والأعيان فيما نرتجي في وقتنا هذا، وقد انسلخت تلك البقية، ودرجة تلك الطبقة وحسبنا الله ونعم الوكيل؟!
وكان صواب ذلك التقييد أن يكون مسافة شهد عند القاضي فلان بن فلان قاضي الجماعة بقرطبة - وفه الله - تمليخ ابن فلان الطبيب على عين الصبية المبيعة فلانة المنعوتة في عقد التبايع الواقع فوق هذا في يهذا الكتاب أنه نظر إلى ظهرها فألفى به كسرًا قد برئ وتعقد، وقال: إنه أقدم من تاريخ تبايعهما المذكور، وكانت شهادته بذلك عنده في تاريخ كذا، وشهد الطبيب فلان بمثل ذلك.
فإن قبل شهادتهما؛ أعذر إلى البائع، فإن لم يكن عنده، مدفع قيد ذلك من قوله وكلف المبتاع أيضًا أن يثبت عنده، أنه عيب يحط من ثمنها كثيرًا بشهادة تجارة الرقي العارفين بذلك، وتقييد ذلك شهد عند القاضي فلان بن فلان قاضي موضع كذا فإن بن فلان وفلان بن فلان أن الكسر الموصوف في التقييد فوق هذا عيب يحط من ثمن المملوكة كثيرًا، وكانت شهادتهما بذلك عنده في تاريخ كذا.
ثم يكتب القاضي بخط يده شهدا عندي، وكذلك بعلم متصلا بشهادة الطبيبين، ثم تعذر في ذلك أيضًا إلى البائع أو تجمع الأعذار في شهادة هذين وفي شهادة الطبيبين فتجعله إعذارا واحدًا إلى البائع، فإن لم يكن عنده مدفع شاور حينئذ، ويكون الجواب إذا قد ثبت عندك من عيب المملوكة ما ذكرت، ولم يكن عند بائعها مدفع عند الإعذار إليه كما
[ ٣٣٦ ]
وصفت؛ فالحكم بصرفها عليه واجب ورد الثمن إلى مبتاعها لازم، والله تعالى يحملك الصواب، ويجزل لنا ولك جزيل الثواب.
قال القاضي: تمثلت هذا رغبة في التعليم وحرصًا على الزيادة في التفهيم ولما خيرت من طموس هذا المعنى، ودروس هذا الفن، والله ولي التوفيق فيما نحاوله برحمته.
باع وصيفًا وادعى أنه باعه بالبراءة إذ ظهر به عيب:
قام عندي رضي الله عنك - رجل ذلك أنه اشترى وصيفًا خماسيًا من رجل، وقال البائع: بعته بالبراءة، وجردته بين يدي المشتري، وقال المبتاع: إنما عرضت على الطبيب فقال: به غديدة لا تضره، فقال لي البائع: هذه الغديدة إنما صارت من حناء حملها على رأسه، وقال المبتاع: به عيوب غيرها، فملا قيل لي يجب بها الرد عليك، وقد باعه من غيرك فرد عليه بهذا العيب. فاكتب إلي بما يجب في ذلك لأحملها على الحق إن شاء الله.
قال ابن لبابة: فهمت - وفقك الله - ما ذكرته، وبيع المسلمين على لعهدة ممن ادعى الابتياع على البراءة فعليه البينة، وإن عجز حلف المشتري وله رد اليمين وعلى المبتاع إثبات العيوب التي ادعاها، فإن كانت قديمة ولم تصح البراءة، وجب الرد، وإن صح بيع البراءة فعلى البائع اليمين أنه ما علم بهذا العيب؛ فإن نكل رد عليه، وإن حلف لزم المشتري، والله الموفق للصواب.
ما يجب من الكسوة للخدام المبيعة:
فهمنا - وفقك الله - ما ذكره ابن أيمن من السكوة للخادم التي ابتاعها من عائشة بثمانية وعشرين مثقالا، وأخرجتها إليه بغير كسوى إلا قميصين خلقين، والذي نرى في ذلك أن على البائعة أن تكسوها كسوة مثلها من الفرو والقميص والمغنم على نحو ما يكسي به مثلها. قاله ابن لبابة، ومحمد بن وليد.
قال القاضي: وفي سماع ابن القاسم عن مالك في الجارية تباع وعليها حلي وثياب: ذلك للبائع، ما يكون لها مما لا تتزين به فهو لها.
وقال ابن وهب عنه: إن كانت فارهة وعليها الثوب اليسير وهو نحو بذالتها عند أهلها فلا أرى لبائع قزعة.
وقال علي بن زياد عنه: ما عرف من ذلك أنه هيئتها، ولباسها فهو للمشتري.
وفي سماع أشهب وابن نافع عن مالك: إن وقفها البائع، وقال: إنما أبيعها عريانة
[ ٣٣٧ ]
أنزع عنها هذا الإزار الذي عليها. واشتريت على ذلك؛ فالبيع جائز، ويعطيهم إياها بما يواريها ذلك الإزار الذي عليها. واشتريت على ذلك؛ فالبيع جائز، ويعطيهم إياها بما يواريها ذلك الإزار أو غيره. وإن أبى من ذلك؛ كلفه فإن أبى فالسوط.
وإن باعها على أن الثياب التي عليها عارية وأن لها في البيت ثوبين خلقين، فجاء بهما؛ فإذا هما لا يواريانها فالبيع جائز، وليأت بثوب يواريها؛ إزارا أو غيره. قيل: فالقميص؟ قال: لا أرى ذلك عيه، ويكلف أن يواريها غير ذينك.
وهذه المسائل في الأصل أكمل، فمن أراد الوقوف عليها تأملها في يمواضعها إن شاء الله تعالى.
عيب يحدث في عهدة الثلاث يموت منه بعدها:
وفي مسائل القاضي أبي بكر بن زرب، جمع القاضي ابن الصغار أبي الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث: من ابتاع عبدًا فعرض له داء في عهدة الثلاث، ومات منه بعد الثلاث؛ رجع بقيمة ذلك العيب لا بجميع الثمن، وهو كمن باع عبدًا وبه عبيب لم يدلس فيه؛ فمات منه فإنما يرجع بما بين الصحة والداء، لا بجميع الثمن.
عيب حسن في رمكة:
قال ابن لبابة: فهمنا - وفقك الله - ما قاله سهل بن فهد وخل بن عمر المتبايعان للرمكة الوردة، وما ادعى المبتاع خلف من أنه ألفى بالرمكة حسًّا لم يعلمه البائع به، وقال البائع: إنه باعها صحيحة وأن العيب حدث عند المبتاع، فالواجب في ذلك أن يكشف أهل البصر بعيوب الدواب فإن قالوا: إنه يحدث في مثل هذا الأمد وقبله؛ حلف البائع بالله؛ لما كان العيب عنده، ولقد حدث عند المبتاع، وهذا في العيوب الظاهرة.
عيوب في بغلة اختلفت الشهادات فيها:
كتب إلى شيوخنا بقرطبة في شعبان سنة ست وخمسين وأربع مائة يرجل اشترى بغلة بطلليطة في ربيع الأول، وسار بها إلى بلنسية، واطلع فيها على عيوب بعد شهرين، وأثبت عند القاضي بها أنها قديمة بالبغلة قبل أمد التبايع، وخاطب بذلك القاضي قاضي طليلطلة مع وكيل المشتري، وصرف البلغة مع نفسه وأعذر إلى بائعها، فأتى بشاهدين من البياطرة حضرا بيعها وشهدا عند القاضي أنها كانت سليمة من هذا العيوب بوم عقد الصفقة، أي الشهادتين أعمل وأولى بالقبول؟.
[ ٣٣٨ ]
فجاوب ابن عتاب:
تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك، وشهادة اللذين شهدا بالسلامة عند البيع أعمل إذا كانا عدلين عالمين بما شهدا به، وفي هذا الأصل اختلاف بين أصحاب مالك ﵏.
وجاوب ابن القطان:
دليل قول مالك وأصحابه أن فيها مذهبين، إلا أن دليل المدونة أن البينة التي شهدت بالقدم هي العاملة.
وجاوب ابن مالك:
الشهادة بقدم العيب أولى، وإن كان القائمون بها أقل عدالة من الآخرين، إلا أنهم عدول إذا كانت الشهادتان من باب واحد، يشهد كل فريق بعلمه لمعرفته فيه بالدابة وحالها، ويشهد كل فريق بالدليل، وأما إن شهد فريق بعلم قاطع، والفريق الآخر على الدليل فلا؛ والشهادة بالقطع أولى.
شورى في رد فرس بعيوب على غائب:
شاور صاحب أحكام الشرطة والسوق بقرطبة أبو بكر بن حريش الفقهاء في رجل قام عنده على بحري بن فلان الظلمي بعيوب في فرس ورد قارح ابتاعه منه على السلامة بأربعة وعشرين مثقالا قرمونية قبضها بحري منه.
وأثبت القائم عنده العقد المشتمل على ذلك المنعقد بينهما في التبايع الموصوف، وتاريخه عقب شهر رمضان سنة تسع وخمسين وأربع ومائة، وأثبت عنده بشهيدين أن بالفرس فتلا في ذراعيه وحسوسا في يديه وتقويس ولينًا في رسغية، وأن ذلك له أقدم من أمد التبايع، وأنه عيب يحط من ثمنه كثيرًا، وشهد بذلك عنده على عين الفرس لأربع عشرة ليلة خلت نم ذي القعدة من السنة المذكورة.
وشهد عنده شهود أنهم يعرفون بحريا بالظلمى بعينه واسمه وأنه غاب عن قرطبة بحيث لا يعلمون له مستقرًا منذ شهر أو نحوه متقدم لشهادتهم وأنهم لا يعلمون أب إلى حين أدائهم لها لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة المذكورة، وأدرح هذه الثلاثة عقود في خطابهم إليه.
فجاوب الشيخ أبو عبد الله ابن عتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:- سيدي ووليي
[ ٣٣٩ ]
ومن وفقه الله وسدده وأحسن عونه على ما قلده - تصفحت خطابك وما أدرجت طيه، وإذ قد ثبت عندك ما ذكرت على حسب ما وصفت من العيوب والمغيب بحيث لا يعلم الغائب؛ فيحلف القائم عندك بالله ﷿: ما تبرأ إليه البائع بحري بها ولا بشيء منها ولا رضي بها بعد اطلاعه عليها؛ فإذا حلف أمرت بتسويق الفرس وقدمت بيعه من تراه.
فإذا ثبت عندك السداد في يثمهة؛ أمرت المقدم ببيعه وقضاء القائم من ثمنه، فإن قصر ثمنه عن العدد الذي ابتاعه من بحري اتبع بحريًا بما نقصه عند ظفره به، إذ لبحري ما زاد وعليه ما نقص، وإن زاد الثمن وقفته لبحري، وأرجأت الحجة له في ذلك إن شاء الله ﷿ والسلام عليك سيدي ووليي ورحمة الله.
وجاوب ابن القطان: سيد ووليي ومن أيده الله بطاعته وعصمه بتوفيقه - قرأت ما خاطبت به ووقفت عليه ورأيت شهود المغيب قد قالوا: إنه غاب عن قرطبة منذ شهر أو نحوه بحيث لا يعلمون له مستقرًا، وقد يكون بهذه الشهادة قريب الغيبة ولا يعلمون حيث هو ولا يحكم على الغائب في قريب الغيبة، وكذلك نص الراوية، وزاد في الرواية أيضًا أنه إن ثبت أنه بعيد الغيبة تلو عليه، وفي التلوم على الغائب البعيد الغيبة، إذا ثبت بعد مغيبة؛ اختلاف في كتبنا فكيف إذا لم يعلم الغائب حيث هو؟!
فوجه الحكم في ذلك وتمامه أن تقول: البينة أنه بعيد الغيبة ثم يتلوم عليه ثم يحلف المبتاع بما يجب الحلف به في مقطع الحق ثم يأمر ببيعه، وهذا كله إذا شهد في العيب ومعرفة حط الثمن كثيرًا أهل البصر بمعرفة العيو، وأهل البصر بمعرفة القيم؛ إذ قد يبصر العيوب من لا يبصر القيم.
فإذا أكمل هذا كله؛ نفذ البيع وقضي الثمن المبتاع إن كان كفافا وإن بقي على البائع شيء؛ اتبعه المبتاع إذا لقيه إلا أن يجد له شيئًا يباع عليه، وإن كان في فضل وقف للغائب، وترجى له الحجة في ذلك إن شاء الله ﷿، وأسأل الله لنا ولك خلاصًا جميلا وعونًا على طاعته وتأييدًا، والسلام عليك ورحمة الله.
وجاوب أبو محمد موسى بن هذيل بن ماجس البكري المعروف بابن عبد الصمد بنو ما تقدم فاختصرته.
وجاوب أبو مروان بن مالك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سيدي ووليي ومن وفقه الله وسدده وأكثر من التوفيق مدده: إن المدونة وغيرها لتنبيء بأن جهل موضع الغائب
[ ٣٤٠ ]
كالمعرفة بتفاحش بعده أو أشد؛ فأرى إذ قد ثبت عندك ما ذكرته أن يحلف القائم عندك ما تبرأ إليه بائعه بشيء من تلك العيوب وتقدم لليمين مقتضيًا، ثم يبيع الفرس المعيبة مأمورك بذلك بما يصح فيه السداد عندك ويقضي القائم من الثمن ما كان ابتاع به، والفضل للغائب توقفه له كما أنه إن نقص فعليه يتبعه القائم، ويكتب بما انبرم من ذلك كتابًا حاويًا للأمر كله يكون منه عندك نسخة وترجى فيه الحجة للغائب، وفقنا الله وإياك وسددك فيما ولاك والسلام عليك ورحمة الله.
قال القاضي: في المدونة في كتاب العيوب، قال ابن القاسم عن مالك فيمن ابتاع عبدًا فوجد به عيبًا قديمًا فأتى به السلطان، وقد غاب بائعه: إن كانت غيبته بعيدة وأقام المشتري البينة أنه اشتراه بيع الإسلام وعهدته وتلوم السلطان للبائع، فإن طمع بقدومه وإلا باعه، فقضى الرجل. وساق المسألة إلى آخرها وقد تقدم ذكرها.
وقال ابن لبابة: وتؤرخ البينة يوم الشراء لقدم العيب وحدوثه، ابن حبيب: ويحلف أنه لم يبرأ إليه البائع من العيب.
وقاله فضل بن سلمة استقصاء للغائب وقد ذكرناه قبل هذا أيضًا، فقال في هذه المسألة: إنه يتلوم للغائب وإن كان بعيد الغيبة. وقال في كتاب التجارة إلى أرض الحرب فيمن أسلم عبده النصراني وهو غائب والسيد الغائب أيضًا نصراني: إن كان قريبًا نظر السلطان فيه وكتب في ذلك، وإن كان بعيدًا بيع عليه ولم ينتظر؛ لأن مالكًا قال في النصرانية تسلم وزوجها غائب: إن كان قريبًا نظر السلطان في ذلك؛ خوفًا أن يكون قد أسلم قبلها، وإن كان بعيدًا وكان لم يدخل بها تزوجت مكانها، ولم ينتظر قدومه، ولا عدة عليها.
فأسقط في هاتين المسألتين التلوم في البعيد الغيبة، وإلى هذا الخلاف أشار أبو عمر بن القطان في جوابه في التلوم للبعيد الغيبة.
وأما قوله: إن البينة تزيد في شهادتها أنه غاب غيبة بعيدة بحيث لا يعلمون؛ فلا معنى له وهو محال في النظر؛ لأنه لا يجوز أن يكلف من يقول: لا أعلم حيث غاب أن يزيد غاب مغيبًا بعيدًا، فيحصل عالمًا ما قد انتفى من عمله، وهو تناقض!.
وكان ﵀ قد لج في هذا فكان يؤكده في أجوبته، وقد ذكرناه عنه في الحكم بشرط المغيب للزوجة.
[ ٣٤١ ]
والصواب ما قاله أبو مروان في جوابه: إن المجهول المكان في مغيبه كالبعيد الغيبة أو أشد، وعليه تدل المدونة وسواها في مسائل المفقود وغيرها.
قال في سماع عيسى في رسم الجواب فيمن تحمل عن ابنه لامرأته بصداقها، أو تحمل به أجنبي فغاب الزوج قبل البناء بها، فطلب أهلها الحميل بصداقها - قال ابن القاسم: إن كانت غيبته قريبة الأيام اليسيرة وشبه ذلك، مما لا ضرر فيه، بعث في الزوج وأتى به، فإن جاء وأعطاها؛ ولا أخذ الحميل، وإن كانت غيبته بعيدة أو لا يدري حيث هو ولا يعرف موضعه أخذ من الحميل صداقها، ولم يضرب له في ذلك أجل، يريد للغائب في انتظاره. وهذا نص في المجهول المكان أنه كالبعيد الغيبة.
وفي سماع حسين بن عصام نحو ذلك، وكراهة التطويل منعت من نقل المسألة على وجهها ليستبين المراد منها وموضع الحجة بها.
وفي كتاب التفليس في رسم الجواب، قال ابن القاسم فيمن قام عليه غرماؤه وهو غائب: إن كانت غيبته قريبة الأيام اليسيرة ولا يعرف ملاؤه، كتب في ذلك وكشف عنه حتى يفلس، فيأخذ أصحاب السلع سلعهم أولا يفلس.
وإن كانت غيبته بعيدة ولا يعرف عدمه فيها ولا ملأه، أو عرف ولا يدري أين هو، ولا يعرف موضعه، فهو بمنزلة التفليس< يأخذ من وجد سلعته بعينها، ويتحاص جميع غرمائه في ماله من حل دينه ومن لم يحل. وهذا نص آخر، وكله يرد ما ذهب إليه أبو عمر في ذلك وقاله؛ فتقدره.
وفي عاشر بيوع الواضحة:
قال ابن حبيبك من ابتاع عرضًا له حمولة أو ثوبًا أو جارية أو دابة؛ وسار بذلك إلى بلد آخر، وأصاب به عيبًا يرد منه، وإن تكلف صرفه إلى موضع البائع لزم غرم كثير في الكراء والمؤنة؛ فإنه إن وجد هنالك بينة باشترائه إياه شراء الإسلام وعهدته؛ فحق على سلطان ذلك الموضع أن يسمع من بينته ثم يحلف لما تبرأ إليه من ذلك العيب، ثم يأمر ببيعه على البائع فيكون له فضله وعليه نقصانه.
وإن لم يجد بينة هنالك لم يكن له وجه إلا الرجوع إلى بائعه ليرده عيه أو الرضى به، فإن ذهب إلى الخروج لرده فلا يلبسه إن كان ثوبًا، ولا يطأ الجارية ولا بأس أن يركب الدابة أو يستخدم العبد حتى يبلغ موضع البائع، فإن بلغه وذلك حاله لم يغيره
[ ٣٤٢ ]
السفر؛ رده بالعيب إن شاء، وإن تغير بنقصان في بدنه رجع بقيمة العيب الأول، والمصيبة في ذلك كله منه حتى يرده عليه الحكم.
وفي الأول من عيوب المدونة من اشترى عبدًا فسافر به ثم وجد به عيبًا فأشهد عليه ثم باعه ثم خاصم فيه، فإن لم يرفعه إلى السلطان حتى يحكم له برده وبيعه على صاحبه؛ فلا شيء له.
قال محمد: ونرى إن كان ببلد لا سلطان فيه، أو فيه سلطان لا يحكم على غائب، أو بعد تناول السلطان فيه؛ أن يشهد على ذلك ويبيع ويرجع ببقية الثمن إن شاء الله.
وفي آخر كتاب الرواحل من المدونة وفي النذور يظهر هذا المعنى في الحكم لنفسه، فتأمل ذلك.
باع بغلًا بين بعيوبه فظهر به مشش:
في أحكام ابن زياد قام ابن حزم بكتاب على مسلمة بستين دينارًا ثمن بغل وفي الكتاب أنه قد بين له جميع العيوب وعرضها عليه عرضًا، وقال المبتاع: به عيوب ليست مما بين له به، وسأل وكيله ابن حزم هذا هل بين له المشش أم لا؟ فقال ابن حزك/ ما علمت به مششًا.
الجواب: قوله هذا يدل على أنه لم يبين له المشش، فإن ثبت أن به مششًا كشف أهل البصر عنه؛ فإن قالوا: هو قديم؛ رده، وإن كان حديثًا فهو من المبتاع، وإن كان يحدث ويقدم؛ حلف ابن حزم لباعه وما (أ - ٨٧) علم به هذا العيب إن كان خفيًا، وإن كان ظاهرًا؛ فعلى البت.
وقد كان يجب أن يكون القول قول ابن حزم أنه مما بين لولا قوله في المشش أنه لم يعلمه به. قاله ابن لبابة وعبيد الله بن يحيى وابن غالب وأبو وليد.
قال القاضي:
انظر قولهم: يحلف فيما يحدث ويقدم مما يخفي لباعة وما علم به هذا العيب، فهو نحو ما في المدونة وفي سماع ابن القاسم وغيره، وقال في كتاب ابن المواز: لا يحلف هكذا إنما يحلف أنه ما باعه حين باعه وبه هذا العيب في علمه، وهو الصحيح في المعنى، والصواب في النظر، والله أعلم.
[ ٣٤٣ ]
الإعذار فيما ثبت من عيوب مملوكة:
من قيم عليه بعيوب قديمة بمملوكة باعها وثبتت؛ أعذر إليه؛ فإن ادعى مدفعًا أجل ثمانية أيام؛ فإن انصرمت زيد في الأجل ثمانية أيام قاطعة، وعليه حميل بالثمن. قاله ابن القطان، وقال: هكذا الرواية.
وسألت ابن عتاب عن ذلك فقال مثله أن عليه ضامنًا بالثمن؛ كاعتقال الدار المستحقة في الإعذار إلى المستحق منه، فلما لم يكن في العيوب ما يعتقل على المطلوب توثق منه في الثمن الذي عليه بحميل يعطيه به، وهذا من حسن الفقه.
قلت له: أين تكون المملوكة في الأجل المضروب؟ قال: عند مشتريها إلا أن تكون رائعة ولا يكون موثقًا به فها فتخرج عنه إلى غيره. قلت له: هل الأجل في هذا كالأجل في غير ذلك؟ فقيل لي: هو في هذا أقصر مدة. قال لي: وقد يجوز أيضًا أن يكون الضامن المذكور بالوجه، ويعرف بما على المضمون.
وسألت ابن مالك: عن الدار يثبت من ابتاعها عيبًا قديمًا كبيرًا؛ يجب ردها به، وحيزت وأعذر إلى بائعها، فادعى مدفعًا، هل يلزمه ضامن بالمال؟ فقال: نعم، عليه حميل بالمال، وتعتقل الدار في مدة الإعذار.
وقال ابن عتاب مثله في الحميل، ولا تعتقل الدار ولا يخرج القائم عنها؛ لأنه هو الطالب وله ترك طلبه متى شاء، وإسقاط اتباع البائع بهذه العيوب متى أحب؛ فلا معنى لعقلة ما هذا سبيله، وهو خلاف عقلتها في الاستحقاق ونحوه.
ثم أعدت الكلام فيها مع ابن مالك فقال لي: لا عقلة فيها. فقلت له: قد قلت لي قبل هذا: إنها تعتقل؟ فقال لي: يمكن، ولكن هذا الذي أرى الآن أنها لا تعتقل. وأخبرت عن ابن القطان أنه قال: لابد من عقلتها؛ لأن الحكم مترقب فيها ويطلب مبتاعها صرفها.
والخروج عنها.
اختلاف الشهادة في عيوب دار:
قامت عند صاحب الأحكام محمد بن الليث حبور في دار بداخل مدينة قرطبة بحومة مسجد عبادل، ابتاعتها من فاطمة بمائتين وثمانية مثقالًا ذهبًا قرمونية، وقبضت فاطمة من الثمن الثمانين مثقالا، وتبرأت إلى حبو رم قدم البنيان ووهي الأسس، وذكرت حبور أنها اطلعت على تشقق حيطان الدار وتعفنها.
[ ٣٤٤ ]
وأقرت عنده فاطمة، فكلفت حبورًا إثبات دعواها فأتته بشاهدين فشهدا عنده أنهما نظرا إلى الدار ورأيا حيطانها رثة جدًا مشققة متهيئة للسقوط، وأن ذلكعيب يحط من ثمن الدار كثيرًا، وأنه أقدم من أد التبايع، وأنه إنما يظهر إلى من نظر الدار من خارجها لا إلى من عاينها من داخلها، وحازا ذلك، وثبتت عنده الحيازة، وأعذر إلى وكيل فاطمة بعد أن ثبتت عنده الوكالة، وأجله فيما ادعاه من حل ذلك آجالا أظهر إليه عند انقضائها عقدًا تضمن معرفة شهدائه أن الدار سالمة، فما ادعته مأمونة السقوط لاعتدال حيطانها وسآمتها في الميل الذي هو سبب الهدم، وأن التشقق غير ظاهر لها مع أنه لا يخفى على من نظر إليها وقبلها، وثبت عنده ذلك.
وأشار عليه ابن عتاب بالنهوض بنفسه مع عدول من أهل الميز، فنهض الحكم وجماعة إلى الدار ونظروا إليها من داخلها وخارجها، وشهدوا عنده بتشقق حيطانها وأنها خلقة رثة جدًا مملوحة لا يثبت عليها طر ولا تلبيس، ويتهدم أساسها الغرب من خارجه وأنه والمملوحة عيب كبير يحط من الثمن كثيرًا، وأن المملوحة تخفى على من لا بصر له بعيوب الدور، وأن تهدم الأسس لا يظهر إلا من نظر إليه من خارجه، وأن ذلك كله أقدم من تاريخ ابتياعها، وثبت ذلك كله عنده.
وأجل وكيل فاطمة فيما ادعاه من حل ذلك ثلاثة أيام بفتوى ابن عتاب وانصرفت هذه الأيام، ولم يأت بشيء وعجزه ثم شاور في ذلك الفقهاء.
فأفتى ابن عتاب: أن القضاء في ذلك بأعدل البينتين مما له بصر بعيوب الدور، قال: وإن أمكن الإصلاح بينهما دون إلحاح عليهما أو ما يشبه الإلزام لهما، فذلك حسن إن شاء الله.
وأفتى بن القطان: الذي أثبتته حبور من العيوب المذكورة هو الذي يجب القضاء به على معنى دليل المدونة والمستخرجة: أن البينة التي توجب الحكم إذا قبلت أعمل من التي تنفيه، وفي هذا غير هذا، مع أني رأيت الشهود الذي استنهضتهم معك ممن لا يدفع في ثقتهم لشهرتهم، فلحبور صرف الدار بما ثبت لها إذا لم يكن عند فاطمة مدفع غير ما أظهرته.
وأفتى أبو محمد بعده وجه الشأن في مثل هذا تكرير النظر إليه حتى يرتفع الإشكال، وقد أفتى بهذا وحكم به ونفذ الحكم في ذلك بصرف الدار على البائعة.
[ ٣٤٥ ]
وأفتى ابن عتاب بتاجيلها شهرين في الثمانية مثالا التي كانت قبضتها لتحضرها، وانعقد ذلك في التسجيل.
وتدبر إن حطت المشترية من ذلك المؤجل فيه بعضه قبل انقضاء الشهرين، واستعجلت سائره هل يجوز أم وضع على تعجيل؟ والنظر أنه لا يجوز، لأن التأجيل قد استقر ولزم، وبالله التوفيق.
قال القاضي: الذي أشار إليه ابن القطان في جوابه أن دلي المدونة والعتبية أن شهادة من أثبت الحق والحم أولى من شهادة من نفاه؛ إنما أراد من المدونة قوله: في اختلاف المقومين للسرقة إذا قال بعضهم: لا يبلغ قيمتها ثلاثة دراهم، وقال غيرهم: قيمتها ثلاثة دراهم.
قال: إذا اجتمع منهم عدلان من أهل البصر قيمتها ثلاثة دراهم قطع، وكذلك قال مالك في سماع عيسى في رسم العرية: إذا اجتمع على القيمة رجلان لم يلتفت إلى من خالفهما، ثم قال في آخر المسألة: فإن دعا أربعة فاجتمع رجلان، قال: ينر إلى أقرب التقويم إلى السداد.
وفي الشهادات في نوازل سحنون:
فيمن شهد له بدم على رجل أصابه عمدًا، فجاء المشهود عليه بقوم يشهدون أن القاتل كان ببلدة نائية عن موضع القتيل يوم قتل؛ فقال سحنون: إذا حق الحق لأهله؛ فلا يخرج من شهادة الشهود إلا بجرحه.
وقال أصبغ مثله: وتكرر ذلك أيضًا في نوازل أصبغ، ومثله لابن الماجشون في المجموعة وغيرها، وحكاه أيضًا أبو الفرج في كتابه عنه، وقال عن إسماعيل القاضي: بل ذلك مانع من قبول شهادتهم. وفي هذا الأصل تفسير غير هذا في كتاب ابن مزين وغيره.
وفي كتاب ابن المواز: اختلاف الشهود في العيب، فقال بعضهم: هو قديم، وقال آخرون: هو حديث، أو قال بعضهم: هو عيب يجب به الرد، وقال آخرون: يس بعيب يجب به الرد؛ فذلك تكاذب ولا يرد بالعيب.
قال: ومن كان عليه دينار لرجل فأحضره ليقضيه، فقال شاهدان: هو رديء وقال آخرون: هو جيد؛ لم يلزم الذي هو له قبضه إلا أن يشاء حتى يتفق على جودته، ولو
[ ٣٤٦ ]
قبضه الذي هو له فلما قلبه ألفاه رديئًا بزعمه، وشهد له بذلك شاهدان وشهد غيرهما أنه جيد؛ لم يجب له رد إلا باتفاق الشهادة على رداءته.
اختلاف المتبايعين في عين المبيع:
قال القاضي: إذا قال المبتاع: ابتعت منك هذا الثوب، أو هذه الدابة، أو هذا العبد، وأصبت به هذا العيب، فقال البائع: ليس هو الذي بعت منك؛ فالقول قوله، ويحلف، إلا أن قامت للمبتاع بينة على عينه أنه هو.
قلت لابن عتاب: أرأيت إن قال البائع: لا أعلم هو الذي بعت منك أو غيره، هل للمشتري رده؟ فقال: له رده إذا لم يحقق البائع إنكاره فيه.
قلت له: فإن قال الرجل: ليس عليك عشرة دنانير. فقال المطلوب: لا أدري أعشرة هي أم خمسة. فقال لي: تلزمه العشرة.
وسألت ابن مالك عن مسألة الرد بالعيب إذا قال البائع لا أعلم أهو الذي بعت منكم؟ فقال لي: يحلف المشتري ويرد.
قال القاضي: هذا أصل مختلف فيه في الواضحة والموازية وغيرها، لم أجتلب مسائله كراهة التطويل.
القيام في جنة مبيعة بعفن في شجرها ويبس بعضها وخمج عروقها مع تنازل في ثمنها:
شاور ابن حريش الفقهاء فقال: قام عندي عبد العزيز علي على عبد الله ومحمد بن هود في جنة ابتاعها منهما في رمضان في سنة سبع وخمسين وأربع مائة مثقال وأربعين مثقالا ذهبًا قرمونية، والجنة بحاضرة قرطبة بشرقي مدينتها بربض حوانيت الريحاني بحومة مسجد اسلم، وأظهر إلي عقد ابتياعه إياها منهما، وفيه: أنهما قبضا منه الثمن خمسة وتسعين مثقالا، وذكر أنه دفع إليهما باقي الثمن ويمتنعان من الإشهاد له؛ إذ بلغهما أنه يريد القيام عليهما بعيب في الجنة، فأحضرتهما مجلس نظري، وأنكر عبد الله منهما أن يكون قبض هو وأخوه من باقي الثمن شيئًا، فوعظ في ذلك حتى انصرف إلى الإقرار وتقيد إقراره ذلك عندي، وبما في عقد الابتياع، وثبت عندي واقر أخوه بجميع ذلك ولم ينكر منه شيئًا،
[ ٣٤٧ ]
وثبت عندي إقراره، ثم اثبت عندي عبد العزيز أن في شجرة الجنة تعفنًا وخمجصا وتسويسًا قديمًا قد يبس كثير منه لذلك، وأنه عيب قديم كبير يحط من الثمن كثيرًا، وقد يعلمه بعض الناس دون بعض، وقال الشاهدان بذلك: أنهما كشفا لهما عن كثير من عروق شجرها ورأياها متعفنة وحازا الجنة.
وثبت عندي حيازتهما لهما بمن وجهتهما لحضورها، واعذرت إلى البائعين في ذلك وأجلتهما فيما ادعياه من جله أجلا شهدا عندي في انصرامه شاهد قبلته أنه سمع المبتاع يقول: إنما أريد من البائعين المذكورين أن يشهدا لي بقبض بقية الثمن لا أني أطلبهما بعفن شجر الجنة أو خمجه، وشهد لهما شاهدان قبلت أحدهما أنهما سمعاه يقول: لو أشهد لي البائعان بقبضها لبقية الثمن لم اطلبهما بخمج شجر الجنة التي ابتعتها منهما، وقالا: إنهما كانا مع الشاهد الأول في مجلس واحد إذ قال المبتاع ذلك، ولم يسمعا منه إلا ما شهدا به، وشهدا شاهد رابع قبلته بمثل شهادتهما فيما سمعا من المبتاع، وأعذرت في ذلك إلى المبتاع، فلم يكن عنده مدفع إلا ما توجبه السنة.
فأفتى ابن عتاب:
إنكار المنكر لما أنكر ثم رجوعه إلى الإقرار، عذر للمبتاع فيما شهد عليه أنه مسقط للقيام بالعيوب التي ثبتت في الجنة بعد أن يحلف بالله ﷿ أنه ما قال ما شهد به عليه إلا من أجل الإنكار، فإن حلف كان له القيام وصرف الجنة بالعيوب الثابتة إن شاء الله ﷿.
وأفتى بان القطان:
الذي شهد به للبائعين ألا يبطل قيام عبد العزيز بن محمد فيما تقدم به من أمر العيوب التي أثبتها لوجوه يطول اجتلابها في ترك أعمالها، وإنما القصد معرفة الجواب، حملك الله على الرشاد بمنه.
وقال ابن مالك:
أمثل ما رأيت في هذا: الوقوف عن الجواب، والله ﷿ برحمته يحملك على الرشد ويقضي لنا ولك بالحسنة بعزته والسلام.
القيام بعيب في دار عبد إحداث بناء فيها:
ابتاع موفق مولى ابن حزام دارًا بقرطبة وبلط مجلسها بالرخام، وبني فيها غرفة
[ ٣٤٨ ]
وركب أبوابا في بعضها وطر بعضها، ثم أصاب فيها عيبًا قام فيه على بائعها منه عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي، وأثبت عنده العيب والبناء الموصوف وحيز، وأعذر إلى البائع في العيب وما ثبت، وقال: إنه لا مدفع عنده في ذلك إلا ما توجبه السنة، وكان بائعها من قد ابتاعها من آخر فأعذر إليه، فقال: إن القائم موفقًا إنما بني ما بني في الدار من أنقاض كانت فيها، وأنه هدم منها ما بني بعد معرفته بالعيب وشاور القاضي في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
إن رفع البائع الأول قبل إكمال الحكم بين الآخر وموفق خطأ من الصل، وإنما كان الواجب أن يحكم بالرد على بائعها من موفق، ثم يقوم هو إن شاء على باشعها منه.
قال: وليس بناء موفق فيها ما ذكر مفتيًا لها، وله ردها بالعيب الثابت، ويقال له: أقلع رخامك وخذ أبوابك ونقضك وما فيه منقعة لك، وليس ما أحدثه فيها من ذلك يوجب اشتراكًا له إذا رد، ولا له إمساكها من أجله والرجوع بقيمة العيب.
وأفتى ابن القطان:
أن اليمين تلزم موفقًا أنه ما علم بالعيب قبل بنائه لادعاء البائع الأول عليه ذلك، فإذا حلف كان مخيرًا في حبس الدار وأخذ قيمة العيب من بائعها منه ويردها ويكون شريكًا بما زاده البنيان. قال: وإن نكل موفق عن اليمين، أعدت السؤال عن ذلك، ولم يكن في خطابك فيلزم الجواب عنه، وأخبرني بعض أصحابي أنه قال: إن نكل موفق؛ لم يكن له رجوع على البائع منه بشيء.
وأفتى ابن مالك:
أنه اليمين على موفق في دعوى البائع الأول؛ إذ قد قال بائعها منه إذ قد أعذر إليه: أنه لا مدفع عنده فيما أعذر فيه إليه إلا ما توجبه السنة، قال: ولموفق حبس الدار إن شاء والرجوع بقيمة العيب من ثمنها، وإن شاء ردها وأخذ ثمنها وكان شريكًا فيها بما زاد البنيان في قيمتها، إن كان نقصها ذلك واختار ردها بالعيب؛ فعليه قيمة ما نقصها من ذلك يقتطعه البائع من ثمنها ويدفع إليه باقيه.
وأصل هذا من ابتاع ثوبًا فصبغه ثم اطلع على عيب فيه. فتأمل في كتاب العيوب من المدونة وغيرها. قال: وإنما لم تلحق موفقًا اليمين لأن خصمه قد برأه منها، كما لو قال: نعم، بني ما ادعى بنيانه، وقال الأول: لم يبين فيها شيئًا.
[ ٣٤٩ ]
وتكلمت مع ابن عتاب في جوابه أن ذلك البنيان غير مفيت لها، فاحتج بالتي في كتاب الشفعة فيمن ابتاعا درًا ابتياعًا فسادًا لم يفتها حوالة سوق ولا تغير بناء.
قال بن القاسم: وإنما اعرف الفوت فيها الهدم أو يكون المشتري قد بني فيها بنيان البيوت والقصور فهذا فوت أيضًا؛ فلم ير البناء اليسير فوتًا حتى يكون قصورًا أو بيوتًا.
ولما ذكره ابن القاسم هنا نظائر في الواضحة والعتبية فتأملها هناك.
مقدار العيوب التي ترد بها الدور وغيرها:
اعلم أن عيوبها تنقسم ثلاث أقسام:
قسم لا ترد به الدار، ولا يرجع المبتاع من أجله بشيء ليسارته.
والثاني: عيب لا ترد به الدار، لكنه يرجع على البائع بقيمة العيب، كصدع الحائط ونحوه.
والثالث: ما ترد به الدار، كالعيب الكبير وما يخشى منه سقوطها أو سقوط الحائط من الصداع الذي فيه وسألت أبا عبد الله بن عتاب عما يحط ربع قيمتها؛ هل هو عيب يسير أو كثير. فقال لي: بل هو كثير ترد به. قلت: له: فإن كان ماء بئرها زعافًا، أو مرًا؛ هل ترد بذلك.
فقال لي: هو عيب ترد به الدار إذا لم يكن مستجازًا لمرارته غير مشروب ولا شريب. قلت له: فإن كان طي البئر قد تهيأ للانكفاء لتعفن المائدة التي يقوم الطي عليها، ولا يوجد إلى إصلاحه سبيل إلا بنقض الطي كله؟
فقال: هو عيب ترد به إذ لا يقوم إلا بمؤنة ونفقة وفي طول مدة، مع أنه لا يؤمن انكفاء جوانبها عند نقض طيها، وربما تضعضع بعض بنيان الدار لذلك إن كان الدار صغيرة، أو كانت البئر من بعض جدرانها قريبة، وللمبتاع أن يحتج بأن هذه مؤنة لا صبر عليها واستئناف مشقة لا تتكلف.
قلت له: فإن قدر أهل المعرفة والبصر بذلك؛ لأن النفقة في ذلك تنتهي عشرين مثقالا قرمونية أو نحوها؟ فقال: لا يلتفت هذا ولا يصغي إلى قولهم فيه.
وأفتى ابن القطان:
إن كانت قيمة عيب الدار المثقالين أو نحوهما؛ فهو عيب يسير لا ترد به ويرجع المبتاع بذلك على البائع، وإن كانت قيمة العيب عشرة مثاقيل فأزيد فله الرد للدار وأخذ
[ ٣٥٠ ]
الثمن إن شاء الله.
وفي الكتاب الجامع لقول مالك المؤلف للحكم بن عبد الرحمن أمير المؤمنين: روي زياد عن مالك فيمن ابتاع ثوبًا فإذا فيه خرق يسير يخرج في القطع أو نحوه من العيوب لم يرد به، ووضع عنه قدر العيب وكذلك هو في جميع الأشياء.
وفي المختصر الكبير: ولا يرد من العيوب إلا من عيب كبير ينقض ثمنه ويخاف عاقبته ولا ينظر في ذلك إلى ما يرده التجار.
وفي المدونة: قال ابن القاسم: ما كان عيبًا عند الناس فهو عيب يرد به إذا كان ينقص من الثمن، وقال مالك: قد يكون العيب الخفيف بالعبد أو الجارية؛ كالكي الخفيف؛ لا ينقص من ثمنه فلا يرد به، وإن كان عند النخاسين عيبًا (١).
ابتاع دارًا فأصاب بها عيوبًا يخفى بعضها ويظهر باقيها:
شهد عند أحمد بن محمد بن بقي لرجل في عيوب دار بعضها لا تخفى على مقلب الدار الناظر إليها، وأن بعضها قد يخفى مع التقليب، وأنها كلها قديمة قبل تاريخ الابتياع، وأراد المبتاع الرد وشاور القاضي في ذلك.
فأفتى ابن عتاب:
ينظر إلى ما يخفى فإن حطت من ثمن الدار ما له بال؛ فللمبتاع صرفها بذلك على بائعها، وإن كان الذي يحطه من ثمن الدار يسيرًا؛ رجع بقيمة ذلك على البائع وأمسك الدار.
وأفتى ابن القطان:
أن المبتاع يحلف في التي لا تخفى أنه ما رآها إلا عند قيامه بها، ويصرف الدار بذلك على بائعها، واستدل بما ذكره أب حبيب عن مطرف وأصبغ فيمن ابتاع عبدًا أو غيره، وأشهد أنه قد قلبه ورضى، ثم قام بعيب فيه: أنه إن كان مما يخفى عند التقليب؛ حلف أنه لم يره ورده به، وإن كان مما لا يخفى لزمه به.
ولو لم يشهد على نفسه بالتقليب والرضى لكان له أن يرد في الوجهين، وبما رواه أبو زيد عن ابن القاسم في النوادر أنه لا يمين على من رد بعيب إلا أن يكون ظاهرًا لا
_________________
(١) انظر المدونة ج ١٠، ص ٣٣٠.
[ ٣٥١ ]
يشك فيه كالعمى وقطع اليد والرجل.
قال القاضي: جواب ابن عتاب أصح في يالنظر من هذا، وما احتج به ابن القطان هو الحجة لابن عتاب فتدبره.
ابتاع حانوتًا فأصاب فيه حفرة مرحاض دار البائع ومنع البائع في تنقيتها:
نزلت هذه المسألة بقرطبة سنة سبعين وثلاث مائة؛ باع رجل حانوتًا من رجل، وللبائع دار تلصق هذا الحانوت، وفي الحانوت حفرة مرحاض، ولم يعلم المبتاع بها حين التبايع، فأراد البائع تنقيتها فمنعه المبتاع، وقال: بيعك لحانون بجميع حقوقه ومنافعه يقطع حقك من الحفرة.
فأفتى أبو عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوي أن المبتاع بالخيار في التزام الحانون بعيبه أو تركه، وقاسها على المسألة التي في كتاب الكفالة في عبد: يكون لسيده عليه دين فيبيعه السيد على أن يتبعه بالدين، فيريد المشتري إسقاطه عنه؟
فقال مالك: الدين له لازم، وللمشتري رد العبد بذلك إن لم يرد أن يتمسك به وأخذ الثمن.
وأفتى القاضي ابن زرب وجميع الفقهاء:
أن يبيعه للحانوت قاطع حقه في الحفرة، وقاسها القاضي بمسألة أصبغ في جامع البيوت فيمن باع عرصته السفلى وكان يجري عليها ماء عرصته العليا، فلم يبين ذلك فمنعه المشتري؟
فقال أصبغ: ذلك له، ويصرف عنه، ولا يلزمه إلا أن يكون من الأمور الظاهرة التي تعرف ويعرفها المشتري ألا معدل لها وأن الماء منصب إليها لابد له منها، ولا مصرف له على الوجوه كلها بأبابها، وفأراه إذا كان ذلك كذلك كالمشتري عليها وكالشرط وإلا فلا.
قال القاضي: جواب القاضي ومن وافقه أصح في النظر، وقيساه على مسالة أصبغ أبين في الاستدلال من التي نظر الإشبيلي جوابه بها من مسألة العبد، والله أعلم.
ونقلت مسألة العبد في جوابه على ما ألفيتها فيه، وفيها لفظ لم يقطع في المدونة، ونصها في المدونة: قال مالك في عبده باعه سيده وعلى العبد دين لسيده فأراد سيده أن يتبعه به، فقال المشتري: ليس ذلك لك لأنه دينك وقد بعتنيه فلم تبينه لي: فذلك للبائع،
[ ٣٥٢ ]
والدين لازم للعبد.
والمشتري مخير في إمساك العبد وعليه الدين، وإن كره رده وأخذ ثمنه. وأدخل فيها في جواب الإشبيلي: فيبيعه السيد على أن يتبعه بالدين ولو كان هذا هكذا؛ لم يكن للمشتري كلام إذا كان شرط عليه، وفي مسالة أصبغ زيادة كلام تركته لطوله.
اختلاف الفقهاء في رد الضحية توجد عجفاء:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن موسى الشارقي بطليطلة عن الفقيه الحافظ أبي عبد الله ابن الفخار أنه قال فيمن ابتاع شاه ليضحي بها فألفاها عجفاء لا تنفي: إنه يس له صرفها ولا القيام على بائعها. قال: فإن سمح بائعها بقبضها منه مذبوحة وصرف ثمنها عليه لم يجز؛ لأنه بيع الحيوان باللحم.
وحكي لي عن ابن دحون أنه قال: يجوز قبضه إياها منه مذبوحة؛ لأنها شاته (ب - ٨٩) بعينها، وليست بغيرها.
والحجة لكل واحد منهما اختلاف قول مالك في سماع أشه وابن نافع فيمن باع ثمر حائطه بمائة وعشرين دينارًا فقضاه المبتاع بخمسة عشرة دينارًا منها رطبًا وتمرًا من حائطه، فما استجدت الثمرة في رؤوس النحل اشتراها البائع منه بسبعين دينارًا مما له عليه ويتبعه بباقي الثمن، فقال له مالك - وهو المبتاع:- اشتريت جزافًا في رؤوس النخل وبعته كذلك تمرًا في رؤوس النخل؟ فقال: نعم. فأطرق فيها طويلًا، ثم قال: لا أرى بذلك بأسًا إذا كان التمر الآن قد استجد ويبس، وإلا فلا خير فيه؛ لأنه دين في دين.
فهذه القولة حج دحون في جواز أخذ الضحية مذبوحة، ثم قال في المتباع متصلًا بجوابه المذكور: وسأتله عمن باع تمر حائطه رطبًا بعشرين ومائة، فيبس في رؤوس النخل ثم يشتريه منه بسبعين دينارًا مما له عليه؟
فقال: أنا أكرهه؛ لأنه باعه رطبًا وأخذ تمرًا، والرطبة بالتمر لا يصلح. قلت له: إنه لم يأخذ تمرًا ن غر حائطه الذي باعه؛ إنما أخذ من حائطه بعينه تمرًا؟ فسكت وكأنه كرهه، ثم أعادها بالمعنى، وقال: لا خير فيه.
واختار ابن المواز، وهذه الرواية لقول ابن الفخار في مسألة الضحية.
وأخبرني أبو محمد الشارقي أن أبا محمد المعروف بابن العساري الطليطلي كان يرى رد الضحية بالعجف إذا علم بائعها أنه إنما يشتريها ليضحي بها؛ كالمدلس بعيب في ثوب
[ ٣٥٣ ]
يطلع عليه المشتري بعد قطعه يرده ولا شيء عليه في القطع.
وفي هذه التنظير نظر؛ لأن بائع الضحية قد لا يكون مدلسًا.
وسألت ابن عتاب عن ذلك، وقلت: مبتاع الضحية يجدها عجفاء لا تنفي؟ فقال لي: له القيام بعيب هزالها.
اعترضته بالتي في العتبية في سماع أشهب وابن نافع عن مالك فيمن ابتاع شاة فوجد جوفها فاسدًا، فظن أنه من ضربة ضربت الشاة، أترى له أن يردها؟
قال مالك والله ما أظن ذلك، قد يشتري ويقال: هات الثمن؟! ما أرى له عليه شيئًا. قيل له: فيحلف؟ قال: إن جاء بوجه حلف.
فلم يأت ابن عتاب على ذلك بحجة، واعلمته بما أعلمني به أبو محمد الشارقي عن ابن الفخار وابن دحون أنهما لم يريا له رجوعًا بقيمة عيبه، ولا ردًا؛ لأنه مما يستوي فيه علم البائع والمشتري من العيوب الباطنة؛ كالسوس في الخشب، والعفن في الجوز، والنارنج والمراة في القشاء، فلم يعطني جوابًا.
وتكلمت مع ابن مالك فيها، فقال: له الرجوع؛ لأنه إنما اشترى منه ضحية. قال: وهكذا هي في كتاب ابن شعبان فالتفتها فيه فلم أجدا.
وقال لي ابن القطان: يخالف ذلك ويقول لا رجوع له بشيء، واحتج بالتي تقدم ذكرى لها في سماع أشهب وابن نافع، واحتج ابن مالك لقوله في الرجوع على البائع بالتي في كتاب التجارة إلى ارض الحرب، فيمن اشترى شاة لبن في أيام اللبن وشأنها الحلاب، ولم يخبره البائع بحلابها، وهو قد علمه.
قال: هو كبائع طعامًا جزافًا، وقد علم كيله فكتمه المشتري، فبيعه مردود إلا أن يرضى المبتاع أن يحبس كالشاة التي ترتفع لمكان لبنها، ولا يبلغ لحمها ولا شحمها ذلك الثمن، وإنما يبلغ ذلك الثمن للبنها.
وإن كان البائع لا يعرف حلابها إنما اشتراها فباعها؛ فلا شيء عليه، وإن باعها في غير إبان اللبن فلم يرض المشتري حلابها في إبانه؛ فلا رد له، والبقرة للبن، والناقة في هذا كالشاة.
وكتب شجرة إلى سحنون فيمن اشترى ثورًا فألفاه لا يحرث؟ قال: إن شرط حراثًا فله الرد.
[ ٣٥٤ ]
ومنن هذا الأصل من اشترى سمنًا فألفاه سمن بقر، فقال: إنما أردت سمن غنم، قال مالك في سماع أشهب في كتاب العيوب: له رده ويعارضها مسألة المصلي التي في سماعه في جامع البيوع، وفي الواضحة من ابتاع عبدًا فألفاه روميًا فكرهه ليس له رده.
وقال فضل: هي خلاف مسألة السمن في أول سماع أصبغ في كتاب الضحايا: من أصاب بالضحية عيبًا بع ذبحها أخذ قيمتها وأبدلها إن كانت العيب مما لا يجوز في الضحايا، ويضع بالقيمة ما شاء وإن فاتت أيام الذبح فله الأرش، وهو كمن لم يضح وإن كان عيبًا تجزي به الضحية، تصدق بقيمة العيب؛ لأنه قد أوجبها وسماها ضحية.
وفي سماع سحنون في الظهار في عيب هدي التطوع: إنه كعيب العبد المعتق توعًا يصنع به ما شاء. ورواه أشهب عن مالك في الموازية، وهو خلاف ما آخر ثاني الحج من المدونة في عيب هدي التطوع إذ لا يتطوع بهدي معيب، وفي الجهاد في رسم نذر سنة من حمل على فرس في سبيل الله ثم وجد به عيبًا رجع بقميته إن كان قد خرج ومضى به، وإلا فله الرد.
وفي سماع أصبغ: إن أبدل فرسًا حبيسًا بفرس حبيس فوجد بأحدهما عيبًا. فتأمله.
وقال ابن أبي زمنين في الحادي عشر من المغرب: سئل بعض مشايخنا عمن اشترى شاة فذبحها فوجد بلحمها جدريًا؟ قال: رأى هذا بعض من سمعنا من أهل العلم كالعيوب التي يفهمها الجزارون.
وبعض الناس قبل الذبح، وجعلوه قديمًا يرجع فيه بقية العيب بعد الذبح، ويرد به قبل الذبح بخلاف ما هو أصلي مما لا يعلمه أحد إلا بعد الكسر.
وقولنا وقول أصحابنا فيه: إنه كالخشبة ويجد فيها العيب بعد قطعها لا قيام له فيه، وهذا الأصل في عاشر بيوع الواضحة، وفي عيوب المدونة، وفي سماع ابن خالد والموازية.
ابتاع دارًا فيها بئر ينصب فيه ماء حفرة بقرب الدار:
قام المبتاع عند بعض قضاة قرطبة بعقد استرعاء تضمن معرفة شهوده للدار المحدودة بكذا وهو بحومة مسجد كذا، وأنهم يعرفون الحفرة التي في الرحبة المجاورة لها عند نزول الغيث واجتماع الماء في الحفرة يجري الماء منها في بئر هذه الدار، ويشهدون أن ذلك عيب يحط من ثمنها كثيرًا وأثبت عنده هذا العقد وشاور فيه.
[ ٣٥٥ ]
فجاوب ابن عتاب:
قرأت خطابك ووقفت على عقد الاسترعاء، وهو ضعيف معتل لا يوجب نظرًا؛ لأنه ذلك فيه أنهم يعرفون الدار المحدودة ويعرفونها عند نزول الغيث واجتماع الماء في الحفرة يجري في بئر هذه الدار، وقد تكون هذه المعرفة قديمة ثم أزيل هذا العيب قبل اشتراء المبتاع لها، وزال العيب عنها، وارتفع عنها.
وإنما تصح الشهادة بأنهم دخلوا الدار بعد البيع لها وعاينوا ذلك وتكرر عليه المرة بعد المرة وأن الماء الذي يجري فيها لا ينشكون أنه ماء الحفرة لتغيره ورائحته فيعود إليه ممن قبلته من يشهد به وبتاريخ دخولهم للنظر إليه؛ فإذا صحت الشهادة، وتيقن العيب صح الجواب عند ذلك، بتوفيق الله وتسديده.
وثيقة في عيب بئر:
يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون فلانًا بعينه واسمه، وأنه أوقفهم في شهر كذا من سنة كذا إلى الدار التي بحومة مسجد كذا، وحدها كذا، ليروها تشكاه في بئر هذه الدار التي ابتاعها فيما ذلك لهم في شهر كذا.
فنزلوا البئر المذكورة وقلبوا بنيانها وتعرفوا موضع الوهي منها، فوجدوا المائدة والتابوت اللذين قام عليهما طي البئر المذكورة قد أشرع فيهما التعفن، ووهيت بذلك البر المذكورة، وتداعى طيها للسقوط، ويعرفون بدليل العيان أن هذا أقدم بالبشرة من تاريخ الابتياع الذي ذلك لهم.
ويعرفون أن هذا العيب يحط من ثمن هذه الدار؛ إذ لا يمكن إصلاح ذلك إلا بنقض جميع بناء البئر المذكورة وإعادته، شهد بذلك ممن عرفه على حسب نصه، ويحوز موضع العيب المذكورة وأوقع على ذلك شهادته في هذا لكتاب في الشهر المؤرخ فيه.
قال القاضي: هذه الوثيقة من وضع أبي مروان بن مالك، ولحسن عقدها أثبتها في هذا الموضع، وهي أيضًا من الباب الذي نحن فيه، وقد تقدم بعضه قبل هذا، والحمد لله.
من استأجر طبيبًا ليكويه ثم بدا له، وهل يجوز الكي:
سئل ابن عتاب عن رجل شكى إلى طبيب ألمًا بركبته، فقال له الطبيب: أكويك في الركبة وتفيق إن شاء الله، فاتفق معه على أجرة ودفعها إلى الطبيب، وانصرف عنه ليرجع إليه الشاكي ويكويه.
[ ٣٥٦ ]
ثم بدا له وسأل الطبيب الأجرة ليردها إليه فأبى من ذلك الطبيب، واحتج الشاكي بأنه الكي لا يجوز.
فأجاب: الكي جائز غير ممنوع منه، وقد كوى النبي (ﷺ) ابن زرارة، واكتوى ابن عمر من اللغوة، ولا يصح عن النبي (ﷺ) النهي عنه، وإنما جاء عنه، وقد ذلك العدد الذين يدخلون الجنة من أمته بغير حساب، فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال "هم الذي لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (١) "وليس هذا بنهي، إنما أخبر أنهم أخذوا أنفسهم بأشد الأمور.
إلا أن الكي الذي سألت عنه لم تذكر عدده، ولا آلته التي بها يكوى، وقد يكوى بحديد مصنوع، وبمنجل الحصاد، وبعود، فإن كان وصفا الكي وعدده وآلته فالأرة لازمة له، وإن كانا أهملا ذلك ولم يصفاه وهو مختلف الهيئة والصفة فذلك غير جائز، ولا يلزم فيه الأجرة، وبالله التوفيق.
اختلاف الطبيب والمداوي في الأجرة:
من أحكام ابن زياد كشفنا القاضي (﵁) في امرأتين اختفتا في مداوات صبيتين لإحديهما، فقال صاحبة الصبيتين: عاملتك باثنى عشر درهما، وقالت الطبيبة: بأربعة دنانير ولم تبرأ الصبيتان بعد.
فالذي عندنا في ذلك: أن تحلف الطبيبة بالله في مقطع الحق، لما جعت عمل يدها إلا بأربعة دنانير، ثم تحلف المرأة الثانية: ما عامتها إلا باثنى عشر درهمًا، ثم تفسخ الإجارة فيما بينهما، ولا شيء للطبيبة فيما عملت؛ لأن الطبيب عندنا لا يجب له شيء إلا بعد البرء إذا كانت المعاملة على البرء.
فإن كان الطبيبة أخذت شيئًا؛ ردته، وأيتهما نكلت عن اليمين فالقول قول الحالفة منهما، وإن نكلتا جميعًا انفسخ ما بينهما، وكذلك إن حلفتا جميعًا.
قال القاضي: في هذا الجواب عندي نظر فتدبره.
مسألة في قبالة حصة من أرحاء الحناء بقرطبة:
عقد الفقيه ابن دحون وثيقة قبالة في حصة من أرحاء الحناء على نهر قرطبة، فقال:
_________________
(١) الحديث أخرجه البخاري ج ٥، ص ٢١٥٧ برقم ٥٣٧٨، ومسلم ج ١، ص ١٩٨ برقم ٢١٨.
[ ٣٥٧ ]
تقبل فلان بن فلان من سليمان بن أحمد بن عبد الرحمن الناصر المقبل على نفسه وعلى بنيه الأصاغر في حجرة وولايته؛ فلان وفلانة، جميع حصته وحصتهم من الرحى المنسوبة إلى ملك لعامين: أولهما كذا بكذا وكذا، على أن تطوع المتقبل أحمد بأن يحضر من هذه العدة كذا.
وذكر في آخر العقد: وعلم المتقبل أحمد أن هذه الرحى تتعذر في مدة الشتاء، وتمتنع من الطحن وإنما طحنها باستقامة زمن الصيف ومدته فرضى أحمد بذلك والتزمه، فقام المتقبل أحمد عند صاحب السوق أبي علي ابن ذكوان يذهب إلى استغلال أشهر الشتاء لما وقع في هذا الفضل، فشاور في ذلك واختلف الفقهاء فيها.
فأفتى القرشي: إن الرحى غير مأمونة، وإن القبالة لا تجوز.
وأفتى ابن جريح: إن القالة جائزة، وإن الرحى مأمونة، وللمتقبل استغلال أشهر الشتاء والصيف.
وجاوب ابن عتاب:
سيدي، ووليي، ومن أدام الله نفعه، قرأت ما خاطبتنا به وفهمته، وتأملت ما وقع في عقد القبالة من أن انعقادها كان على أن تطوع المتقبل أحمد بإحضار العدة المذكورة في العقد المذكورة، فخرج ذلك بهذا اللفظ الواقع في العقد عن حد الطوع إلى حد الشرط المصرح، وصار ذلك شرطًا في نفس العقد.
واشتراط تعجيل النقد في قبالة الإرجاء لا يجوز إلا فيما كان منها مأمونًا، وأما غير المأمون، وما يخاف نضوب الماء من أنهارها؛ فلا يجوز لما يدخله من الغرر والكراء والسلف.
والذي أقوله: إنه إن أثبت القائم عند أن هذه الأرحى غير مأمونة؛ وجب فسخ الكراء فيما بقي من المدة؛ لاشتراط تعجيل النقد فيما هو غير مأمون، وما لم يثبت ذلك عندك؛ فالكراء جائز، وللمتقبل أحمد استغلال أشهر الشتاء والصيف إلى انقضاء مدة القبالة إن شاء الله.
قال القاضي: هذه أجوبة مختلفة، ولها تفسير، والله الموفق للصواب برحمته.
مسألة التنازع في ثمن الطعام:
في آخر عاشر بيوع الواضحة ما اشترى من الحنطة والزيت واللحم وشبهه مما يبتاع
[ ٣٥٨ ]
في السوق من معاش الناس وحوائجهم، واختلف متبايعاه في قبض الثمن؛ فالقول قول البائع ما لم يفترقا مع يمينه.
فإن تفرقا وفاز المبتاع بما ابتاع من ذلك؛ فالقول قوله مع يمينه، ولا قول للبائع، وإن جاء يطلب الثمن من يومه، وكذلك الصرف.
ولمالك في سماع أشهب وابن نافع في جامع البيوع مثل ذلك أن القول قول البائع مع يمينه أنه لم يقبض الثمن، وإن قبض المبتاع الطعام، ما لم يفارقه.
ولابن القاسم في كتاب ابن المواز: القول قول المبتاع إذا كان قد قبض ما ابتاع، وإن لم يفارق البائع.
قال أصبغ في كتاب المجالس: وهذا في يسير الطعام، مما وجهه المناقدة، وأما الحمل الكبير وما تعظم فيه الصفقة فليس من ذلك، وهذا لا يبرأ منه المشتري إن ادعى ثمنه وهو كالعروض والأرض والدواب والبزوز - قال: وما دق من بياعات الناس في الأسواق؛ كالسوط، والمهامز، والشراك، والنعال، والخف، وسبيله المناقدة؛ فهو كالأطعمة المصارفة.
وقال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: القول قول المشتري في الطعام وإن كثر إذا كان قد بان به. وأباه يحيى بن يحيى وقال: إنما هذا فيما قل.
قال ابن حبيب: والقول قول البائع في الرقيق والدواب والدور الرباع والعقار وشبهها، وإن تفرقا ما لم يطل السنة والسنتين ونحوه، فيكون القول قول المبتاع لأنه قد دفع، لأن هذه الأشياء ليس لها أصل في التبايع على الدين والتقاضي، ولو كان ذلك بزًا وتجارات مما يتبايع على التقاضي وإلى الآجال فيصدق البائع أنه لم يتقاض مع يمنه إذا لم يطل سكوته جدًا العشري سنين أو أقل منها، وما لا يجري بين الناس التبايع إلى مثله من الآجال فيصدق المبتاع مع يمينه أنه قد قضاه.
وهذا أوضح لي مطرف وابن الماجشون وأخبراني أنه قول مالك لهما، وغير مالك من علماء المدينة لا يعلمان غيره. قال: ولم يكن ابن القاسم يميزه هذا التمييز؛ كان يجعل ما عدا الحنطة والزيت، في الدور والعقار بمنزلة البت والتجارات؛ القول فيه أبدًا قول البائع، ولو بعد عشرين سنة حتى يجوز الوقت الذي لا يجوز التبايع إليه، وهو قول شاذ غير مضبوط ولا متبوع. والأول أحب إلي.
[ ٣٥٩ ]
وفي ثاني سلم المدونة: قلت: أرأيت ما اشتريت وانقلبت به من جميع السلع والطعام وغيره من دار أو حيوان فبنت به وزعمت أني قد دفعت الثمن، وقال البائع: لم تدفع إلي الثمن؟
قال مالك: أرى ما كان يبتاع على الانتقاد شبه الصرف كالحنطة والزيت واللحم والخضر، وكلها، وما يشبه هذه الأشياء فهو كالصرف يصدق فيه المشتري ويحلف.
وما كان مثل الدور والأرضين والبز والرقيق والعروض؛ فالقول في الثمن قول البائع، ويحلف إن قبضه المبتاع، ولا يخرجه من الثمن قبضه وبينونته به إلا بينة له تقوم له على دفعه، وإلا حلف البائع وأخذ.
قال القاضي: كتبت هذه المسألة لنازلة نزلت من معناها وذلك أن إنسانًا طلب بثمن ثلاثة أرباع دقيق باعها منه منذ ثلاثة أعوام متقدمة لتاريخ طلبه، فقال المشتري: قد دفعته إليك عند شرائي الدقيق منك. وأنكره البائع.
فكتب السؤال على هذا النص إلى أبي مروان ابن مالك؛ إذ كانا قد نقلا عنه أنه أفتاهما أن القول قول البائع، فجاوبني على السؤال ذلك السائلان الآن عن هذه السمألة أن المبتاع كان غائبًا في هذا الأمد؛ فأجبناهما أن القول قول البائع مع يمينه، وهو الحق إن شاء الله لائحًا في أمهات الفقه لمن تدبر واعتبر، وبالله التوفيق.
هذا نص جوابه، ولا أعلم له وجهًا، ولا أراه صوابًا، ولا يزيد الغائب المبتاع مغيبه إلا قوة في تصديقه في دفع الثمن، والله أعلم بالصواب.
تم كتاب البيوع بحمد الله وعنه وصلى الله على سيدنا محمد.
[ ٣٦٠ ]