في أحكام ابن زياد يبعث القاضي وفقه الله رجلين عدلين إلى أمشاقة يجتمع أهلها ويقفوا على الأرض التي حلف عيها ابن الحرافي أنها هي التي أقر بها المنصور، وتقوم على قيمتها عندهم، فإذا عرف قيمة القفيز فيها أخذ الحرافي قيمة أربعة أقفزة، وفيها يستبرئ القاضي - رضي الله - عنه أمر التابوت الذي قالت أم الوليد أنه وديعة ويستبحث خبره فإذا تظاهر له أنه كما قالت أمر بإخراجه من العقلة ويبعث في ذلك من يثق بصدقه وأمانته ومن لا يظن به أنه رسول القاضي.
فإذا تبين ذلك أمضاه بالوديعة، ولا يطلب في ذلكالعدول لأنها أسباب لا يقدر على العدول فها وإنما يعمل فيها على ما يرجى به البلوغ إلى فهمه عند الكشف والبحث، وما كان فيه من غير ذلك مما عقد فيه إقرار أم الولد وزوجها بقولهما فهو ما عقد عليهما، فإن رجعا عن ذلك إلى دعوى غيرهما فهما فهما مبطلان. قال بذلك محمد ابن لبابة وأيوب بن سليمان وممد بن وليد.
وقال محمد بن غالب: الذي عقد الزوج على نفسه في قوله لا حق لي في الدار ولا في شيء منها موجب ما فيها لولد الميت، إلا ما صح لغيره بوديعة، وقد أفتى أصحابنا وللقاضي أن يأخذ بالأسهل ولا يحلم فيه ما يحمل في الدعويات من البينة العدلة، وكل ذلك حسن إن شاء الله وبه أقول؛ لأنه قد تبين له عند الامتحان ما يظهر له به الحق في دعوى مدعي الوديعة فيسقط العقل كما قالوا، ويكون صوابًا إن شاء الله. وقال بذلك عبيد الله بن يحيى وسعيد بن معاذ وأحمد بن يحيى ومحمد بن وليد.
واعلم أن الخلطة أصل في مذهب مال وأصحابه وبه جرى العمل بالمدينة، ذكر مالك في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كان لا يحلف المدعي عليه لمدعي حتى تكون بينهما مخالطة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا، فإن نكل المطلوب عن اليمين حلف الطالب وأخذ حقه، وهو قو جماعة أهل المدينة: المشيخة السبعة وغيرهم.
وكان المشيخة السبعة يقولون: لا تعلق اليمين على كل من ادعى عليه، ولا تعلق اليمين إلا بالشبهة أو باللطخ أو بالخلطة بين الرجلين. هذا قولهم في كتابهم. وهو أكمل من الذي ذلك عنهم في كتاب الشهادات (أ - ١٦) من المدونة.
[ ٧٤ ]
وقال القاسم بن محمد: إذا ادعى الفاجر على الصالح شيئًا يعلم الله أنه كاذب، ولم يعلم بينهما أخذ ولا إعطاء؛ لم يستحلف ذكره إسماعيل وهو حسن من القول، صواب من النظر.
وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وابن راهوية: من ادعى حقًا على غيره ولا بينة له؛ استحلف له المطلوب في الحقوق كلها، وحجتهم حديث حبيب ابن مليكة عن ابن عباس أن رسول الله (ﷺ) قال: "لو أعطى قوم بدعواهم لا دعى قوم دماء آخرين وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه" وليس فيه ولا غير من الآثار ذلك خلطه.
وفي المدونة في رجلين ابتاعا سلعة من رجل فق٤ضى أحدهما نصف الحق، ثم لقي الآخر فقال له: اقض ما عليك، فقال: قد فدته إلى صاحبي الذي اشترى معي، ثم سافر هذا المطلوب وبقي الطالب وهذا الباقي، فقال له: ادفع إلي ما دفع إليك فلان فقال: ما دفع إلي شيئًا، قال: قال: فاحلف لي، فأتيا مالكًا وسألاه، فاقل: لا أرى هذا خلطة ولا أرى عليه اليمين.
وقاس ابن القاسم عليها من ادعى على رجل كفالة ولا خلطة بينهما، فقال: أيمين عليه؟، قال: ومن ادعى عليه دين أو استهلاك متاع أو غصب نظر السلطانن فإن كانت بينهما مخالطة في دين أو تهمة فيما ادعى، فإما أحلفه وإما أخذ له كفيلا حتى يأتي ببينة، وعنه في كتاب الكفالة في أخذ الكفيل خلاف.
هذا وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم في المخالطة التي تستوجب بها ليمني قال: يسالفه ويبيعه ويشتري منه، وليس أن يشتري منه ويقبض السلعة ويدفع الثمن ويتفاضلا حتى يكون قد باعه مرة ومرة مرارا، فتكون مخالطة وإن تناجز في ذلك كله وفاضلا.
وقال أصبغ: وقال سحنون: ولا تكون المخالطة إلا في البيع والاشتراء بينهما، ولو ادعى أهل السوق بعضهم على بع لم تكن مخالطة حتى يتبايعها ولا كونهما أهل منزل واحد ومسجد واحد مخالطة.
وقال في كتاب ابنه: وإن كان الرجل متهمًا ليس مأمونًا فيما ادعى عليه، علقت به اليمين كالخلطة.
وقال يحيى بن عمر: أما الصناع فعليهم اليمين لمن ادعى في صناعتهم وإن لم يأت
[ ٧٥ ]
بخلطة، لأنهم منصوبون للناس.
قال ابن أبي زمين: قال أصبغ: خمسة تجب عليهم الأيمان بلا خلطة: الصانع، والمتهم بالسرقة، والقاتل عند موته: لي على فلان دين، والذي يمرض في الرفعة فيدعي أنه بري بماله إلى رجال وإن كان المدعي عليه عدلا غير متهم، وكذلك الغريب ينزل مدينة فيدعي أنه استودع رجلا مالًا.
وقال مطرف: من اتهم بسرقة وهو ممن يرضى بعارها حلف، وإن أبى سجن حتى يرى السلطان فيه رأيه، وإن كان ممن لا يرضى بعارها لا يرع في أخذ مال غيره إذا قدر فلا يميني عليه في دعوى السرقة.
قال أبو عبد الله بن أبي زمنين: من ادعى عليه استهلاك متاع بغصب أو جناية أو أمر اتهم فيه، فاليمن لا تجب في هذا بالخلط، وإنما تجب بكون المدعي عليه معروفا بالغصب أو ينسب إليه وإن لم يثبت عليه، وإذا لم يحقق المدعي دعواه عليه وإنما اتهمه بجناية وشبهها ولم يقطع عليه بها؛ فلا تجب أيضًا في مثل هذا، إلا أن يكون ممن يتهم في دينا باستحلال ما لا يحل، ويمين التهمة لا ترد، ويرى السلطان في ذلك رأيه أن نكل المدعي عليه عنها.
وبهذا جت الفتوى، وقد وقع في المدونة ما يد على هذا، وقد جاء لمالك وابن القاسم في ذلك خلاف تركت اجتنابه كراهة التطويل، وكذلك أفعل في كثير من المسائل التي أورد من الأمهات؛ أترك ما فيه تمامها وبه كمالها تخفيفًا واختصارًا إذ الغرض ذلك ما تفقهته عن الشيوخ، مما فيه تميم لما في الأصول أو تفريع له وبسط لمعاينة، وقد فعلت ذلك فيما تقدم – أعني ترك استقصاء ما أورده – والله تعالى يمن بفضله على ما يقرب منه.
وقال ابن المواز في كتابه: من أقام بالخلط شاهدًا واحدًا أحلف معه وثبتت الخلطة، ثم يحلف المطلوب حينئذ، وقاله ابن نافع وابن كنانة.
وفي سماع أصبغ فيمن أقام شاهدًا واحدًا أن فلانًا خليط له هل يستحل أو حتى يقوم له شاهدان أنه خليط، قال ابن القاسم: شاهد في هذا أو امرأة واحدة توجب اليمين بين الرجلين أنه خليط، وقاله ابن كنانة في المجموعة.
وقال غير واحد من المتأخرين: إنما تداعى الخلط (ب – ١٦) فيما يعلق بالذمة في الحقوق، وأما الأشياء المعينة يقع التداعي فيما بينهما فاليمين لاحقة فيها من غير خلطة،
[ ٧٦ ]
واحتجوا بمسائل الشفعة وغيرها، وقيل: لا تجب اليمين إلا بخلطة في الأشياء المعينة وغيرها، قال عبد الحق: وهذا أبين عندي؛ لأن الخلطة غنما رآها العلماء للمضرة الداخلة لو سمع من كل مدع.
وادعت امرأة أن محمد بن إسماعيل بن المقريطي صار في دارها وهدمها وأخذ بعض أنقاضها، وقيمة ما أخذ كذا، وأنه قلع أسسها، وزرعها مدة من خمس أوام، وأنكر ابن المقربطي دعواه.
فجاوب أبو محمد عبد الله بن دحون: لا يخفى مثل هذه الحال من النقض والزراعة على الجيران، فإن شبهت في دعواها بشبهة وجبت اليمين على محمد المقربطي.
وجاوب أبو المطرف بن جرح: قال النبي (ﷺ): "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" فإن أقامت المرأة البينة على ما ادعت وإلا حلف محمد بن المقربطي على إنكار دعواها.
وقال الشيخ أبو عبد الله بن عتاب: مذهب مالك ﵀ فيمن ادعى عليه بمال من مبايعة أو غيرها: االيمين لا تجب عليه إلا بخلطة وملابسة، ومن ادعى عليه غصب أو سرقة لم تجب عليه اليمين إلا أن يكون متهمًا بذلك، وإن ادعى عليه أنه قذفه لم تجب عليه اليمين إلا أن تشهد بينة بمنازعة كانت بينهما وتشاجر فتحب اليمين حينئذ.
وإذا ادعت المرأة الطلاق أو العبد العتق لم يحلف الزوج ولا السيد، إلا أن يقيما شاهدًا واحدًا، وأمثال هذا كثير، هذا مذهبه ومذهب أصحابه.
وقد أوجب بعضهم اليمين بنفس الدعوى ومجردها، وذلك قليل، منه قوله في القاتل يدعي أن ولي المقتول عفا عنه قالك يحلف وأنكره أشهب، وقال: أرايت إن حلف فلما قرب للقتل قال: قد عفا عني ثانية [ترى أن يحلف له]
قال ابن عتاب في جواب له: آخر مذهب مالك أن كل دعوى لا تلحق اليمين فيها بمجردها حتى يقارنها سبب، فإذا قارنها سبب لحقت اليمين، والأسباب تختلف وبعضها أقوى من بعض. هذا تحصيل المذهب، وفي بعض فروع هذه المسألة اختلاف بين أصحاب مالك.
وما روى عن النبي (ﷺ) أنه قال: "البينة على المدعي واليمني على من أنكر" فقد زاد فيه بعض الناقلين له من أهل المدينة "إذا كانت بينهما خلطة" وهذه الزيادة مقوية
[ ٧٧ ]
لمذهب مالك، لكن هذا الحديث مع هذه الزيادة دونها لا يثبت عن النبي (ﷺ) على هذا اللفظ، والثابت عنه (ﷺ) قوله لأشعث بن قيس وقد خاصم إليه رجلًا: "شاهداك أو يمنه"، وفي رواية أخرى "بينتك أو يمينه" وهذه الرواية تثبت عند بعض أصحابنا، وأما أهل الحديث فيثبتونه جميعًا.
وأجمع أهل العلم على أن قوله: "البينة على المدعي" هو على العموم، وأن على كل مدع إقامة البينة إلا أشياء يسيرة لم يكن فيها إلى البينة سبيل فحكم فيها [بالدليل] كاللقطة يأخذها طالبها إذا عرف عفاصها ووكاءها، وكالستر يرخى بين الزوجين ثم يطلق وينكر الوطء وتدعيه المرأة فتحلف وتأخذ جميع الصداق، وغير ذلك.
قال: واختلفوا في قوله: "واليمين على من أنكر" فقالت طائفة: هذا عام في جميع الأشياء، وقالت طائفة أخرى – وهذا مذهبنا -: أن ذلك على الخصوص، ودليلهم على مخالفيهم لو ادعى نكاح امرأة أو ادعت المرأة على الرجل ولا بينة على الدعوى: أنه لا يمين على المنكر؛ إذ لا يقضي فيها بالنكول، وأن لا ينعقد النكاح بالأيمان.
وسئل عمن وجبت عليه يمين فردها على طالبه بها بمحضره، فسكت الذي ردت عليه حينئذ ومضى زمانًا، ثم ذهب أن يحلف فقال الراد: ى أمكنك الآن من اليمين وأنا أحلف على إنكار دعواك، وإنما ملكتك حينئذ فإذا لم تحلف وطال الزمان فاليمين إنما تعينت على لا عليك.
فجاوب: إذا رد اليمين فلا رجوع له فيها طال الزمان أو قصر.
ويحلف الذي ردت عليه، ويستحق بيمينه ما يحلف عليه، وهو قول مالك ﵀ عامة أصحابه، ولا أعلم بينهم فيه اختلافًا.
قال القاضي: هذا الذي جاوب به الشيخ هو في سماع أصبغ في الدعوى وفي التفليس، وفي رسم الجواب في سماع عيسى، وفي ديات المختلطة، وفي كتاب ابن سحنون: من قال فلان على مائة درهم إن حلف أو إذا حلف أو متى حلف أو حي يحلف أو مع يمينه؛ فحلف يمينًا على ذلك نكل المقر، وقال: ما ظننت أنه يحلف، فلا يؤخذ بذلك المقر في إجماعنا، ولمحمد بن عبد الحكم نحوه. فتدبره.
وفي أحكام ابن زياد: تقرأ رحمك الله هذه الشهادات المدرجة في كتابي، ولست أعرف أحدًا من الشهود، وهل تجب اليمين بشهادة الذين لا أعرف أم لا؟
[ ٧٨ ]
فجاوب عبد الله بن يحيى: زاد الله في توفيقك، وأكمل نعتك، لست أعرف أن اليمين تجب عند مالك وأصحابه حتى تثبت الخلطة، والخلطة لا تثبت إلا بشهادة أهل العدل، وأسهل ما يعرف في هذا عند أصحابنا أن يحلف مع الشاهد العدل واللفيف، وأسأل الله توفيقك وحسن عونك.
وقال محمد بن الوليد: جواب عبيد الله بن يحيى الذي أجاب به في هذه المسألة هو جوابي، وقولي في ذلك مثل قوله حبطة واجتهادًا، والله أسأله التوفيق لك فيما يحب ويرضى.
وقال أيوب بن سليمان بمثل ذلك، ثم قال للذي قاله ربيعة. تحدث للنا أقشية بما يحدثون، وقد أحدثت أشياء أوجبت القول بهذا والاجتهاد به. وقال محمد بن وليد: [وجواب] اليمين مع ثبوت الخلطة إجماع، وقال أحمد بن يحيى بن أبي عيسى: إذا ثبت الخلطة وجبت الأيمان. وقال محمد بن عمر بن لبابة: مذهب مالك والذي روي عن عمر بن عبد العزيز: أنه لا يمين إلا بخلطة. وهو الذي جرى في بلدنا وحكمت به القضاة، ورأيتك تستعمله منذ وليت. والذي أذهب أنا إليه في خاصتي وأفتي به من قلدني: اليمين بالدعوى لقول رسول الله (ﷺ): "اليمين على المدعى عليه"
وقال عبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد وابن لبابة: الإقرار بالخلطة يوجب الحلف في أهل المخالطة في أسباب المعاملات والأخذ والإعطاء، فإذا كانت الدعوى في تعد ينسبه أحدهما إلى صاحبه فإن اليمين لا تجب، في هذا بالخلطة، وإنما تجب في مثله إذا كان المدعي عليه بالتعدي ممن يتهم بذلك وينسب إليه ويكون معروفًا به. زاد ابن بابة: فيمن نسب إليه الغصب وكان معروفًا به، ثبت الغصب عليه أو لم يثبت، إلا أنه ادعى عليه.
وفي فصل آخر في اليمين في تهمة الذي ذهبنا إليه في الفتيا أنه إن كان عند القاضي – وفقه الله – من أهل الريب وسوء الدعة، عليه اليمين [في التهمة] فكذلك يقول مالك وأصحابه، وإن لم يكن عند القاضي من أهل الريب والتهم، فلا يمين عليه، واعتلال صاحبه بأن قال: قد أنكر صداق ابنتي وأثبته بعد ذلك، فإن لم يكن من زلته غير هذا فليست بزلة يبلغ بها الريب التي تلزمه اليمين بالتهمة. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة.
وإن كان القاضي لا يعرف فليكشف عنه سرًا وجهرًا حتى يصح عنده حاله. وقال عبيد الله بن يحيى: إن كان عند القاضي من أهل التهم، فاليمين عليه واجبة، وإن لم يكن
[ ٧٩ ]
من أهل التهم، فما أرى عليه يمينًا.
وقال يحيى بن عبد العزيز ومحمد بن وليد يمثل قول ابن لبابة، وقالوا في مريض وجبت عليه يمين: يحلف هاشم بن الغليظ في بيته – إذ مثله لا يحتمل أن يخرج به إلى مقطع الحق - بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كتبت بيني وبين بنات خالد كتاب مراضاة، قطعنا فه كل علقة وكل طلبة كانت بيننا، ولست أحفظ نص المراضاة فإذا حلف معًا، ثم حل بنات خالد بالله الذي لا إله إلا هو في مقطع الحق: ما عقدنا هذا الكتاب الذي كتب هاشم أنا تراضينا فيه، ولا جرى بيننا تراض قاطع لطلبات بعضنا بعضًا، فإذا حلفن عادوا إلى الخصومة في جميع تداعيهم، قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد.
وقالوا ثلاثتهم في مسألة أخرى: فهمنا وفق الله القاضي ما طلب عبد الوهاب بن عبد الله بن يسيل من يمين أخته عائشة فيما ادعاه عليها من تركه أبيها من ناض ومال، وما قال القاضي حفظه الله من أنه ثبتت عنده موت أبيها وعدة ورثته بشهادة سعيد بن عثمان وأحمد بن بيطير، فالذي نقول في ذلك: إن عليها اليمين في ذلك واجبة، إلا أن تأتي بما يسقطها من براءة جرت بينهم، أو تفاضل ثبت.
وقال ابن لبابة في مسألة أخرى: فهمنا وفق الله القاضي ما أمر به من استخراج اليمين كيف يكون، وقد فسرناها وفسرها أبو صالح في جوابه، وذلك أن تحلف بالله: لقد حلفت في مقطع الحق لسقط مني الكتاب الذي كان فيه ذلك الرهن، وأنه لم يكن فيه رهن غير ما أقررت به من ارتهان الحقلين اللذين وجهت لحيازتهما، ووافقت البينة عليهما، ولقد حلفت في الخمسة والخمسين دينار (ب – ١٧)، فإذا حلف سقط عن فلان ما طلب به من الرهن، وصارا في تداعيهما إلى ما قد وفقا عليه.
وقال ابن لبابة وأيوب ومحمد بن وليد فيمن حلف لخصمه قبل أن يكلفه ذلك: فهمنا – وفق الله القاضي – ما أدعاه ابن غالب رملة من أن يمينها أن عمها هشامًا سكن الدار لها ست عشرة سنة، كان برضا عممها هشام وإحلافه إياها على سكنى ست عشرة سنة، فليكشف الشهيدان فإن قالا: إن عمها أحلفها على ذلك وجب لها عليه ما حلفت عليه، ثم تحلف له أنه ما أسلفها شيئًا إن لمتكن له بينة على السلف ولا كافأهما، إلا أن تكون له بينة على المكافأة، وإن قالا: إنها بدرت باليمين بغير رضا عما ولا إحلافه إياهما على ست عشرة سنة ولا رضي بذلك بعد أن حلفت؛ وجب لها كراء عشر سنين كل
[ ٨٠ ]
سنة بمثقال إن كان يشبه ذلك كراء الدار، وإلا فيمين هشام على ما ادعاه من الكراء عشرة دراهم كل سنة، إن كان يشبه ذلك كراء مثلها. فإن لم يشبه أيضًا ردت إلى كراء مثلها في موضعها ونفاقها وكسادها.
قال القاضي: انظر قولهم: إن كانت بدرت باليمني بغير رضا عمها على الست عشرة سنة، وجب لها كراء عشرة سنين كل سنة بمثقال إن أشبه كراء الدار، والمعنى: أنها ادعت ذلك، وإلا فمين هشام على ما ادعاه عشرة دراهم في السنة، فبدوءا المدعية بالتصديق، ولم يذكروا أنها تحلف، وإنما وجه الحكم في هذا إذا اختلفا في عدد الكراء أن يكون القول قول الساكن في الكراء، إذا كان أمد الكراء قد انقضى، وأشبه ما ادعى مع يمينه على هذا.
ولا أعلم خلافا في ذلك، وقد نص عليه في الواضحة، وكتاب الوقار وغيرهما، وهو معنى ما في المدونة، وهو كاختلاف المبايعين في مبلغ الثمن، وقد قبض السلعة مشتريها وفاتت عنده، في يقول مالك الذي أخذ به ابن القاسم، وقد روي هو وابن وهب عنه أن القول قول المشتري إذا قبض السلعة المشتراه، وإن لم تفت عنده.
وأما على ظاهر قولهم: إنها تعطي كراء عشر سنين كل سنة بمثقالن وإلا فيمين هشام على ما ادعاه عشرة دراهم في السنة؛ فيدل على اختلافهما في النوع، وإذا اختلفا في نوع الكراء ولم يكن عرف صدق أحدهما وكان أمد الكراء قد مضى بعضه أو انقضى – ففيه قولان: أحدهما: أن يرد إلى كراء المثلا بعد أيمانهم وهو الأظهر في المذهب والأصح إن شاء الله، وهو مطرد في البيوع وغيرها، والقول الآخر: أن القول قول الساكن مع يمينه إن أشبه ما قال، ويؤدي ما حلف عليه، أو يجب منه لما سكن إن كان الأمر لم ينقض بعد، ويتفاسخان فيما بقي، ذكره ابن حبيب وغيره عن ابن القاسم.
وهذا كله خلاف ما في هذه المسألة في أحكام ابن زياد على ما نقلناه والله الموفق للصواب الهادي إلى سبيل الرشاد، وما ذكروه خطا إلا أن كان ما ادعت رملة من الكراء بالذهب، كان العرف عندهم حينئذ في أكرية الدور وأفتوا على ذلك، فجوابهم عليه صحيح إلا أنهم لم يذكروا ذلك ولا أنها تحلف وهو تقصير. والذهب والدراهم في هذا الأصل نوعان كالقمح والشعير في الاختلاف في السلم، وكذلك الرواية في ذلك.
وقال عبيد الله بن يحيى في نزاع بين ورثة: فهمنا – وفق الله القاضي – ما سأله
[ ٨١ ]
ابن بهلول من إحلاف من شركة في وراثة زوجة عائشة وبريهة بمثل ما حلفتاه به، فنرى أن ذلك له فإن اليمين عليهما بمثل ما كان لهما عليه، فمن نكل منهما عنها لم يقطع به مما اتهمنا فيه؛ حلفتاه على ذلك، فإن نكلتا شدد القاضي عليهما بما رواه الحيس وغيره، وقال ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد، وفي قولهم إن الثياب المعتقلة يؤدي من ثمنها في الكفن إذا ثبت ما بقي كان على يد أمين حتى يفض بينهم، لأنه لا يؤمن على الثياب أن تستأنس، فبيعها من النظر إن شاء الله تعالى.
وقالوا في دعوى وتهمة بسبب ميراث: فهمنا ما ذكره القاضي – وفقه الله – أنه ثبت عنه موت عائشة وعدة ورثتها وأن أخاها منهم ادعى عندك على محمد أن عنده لعياشة ثيابًا نوعها، وأنكر محمد أن يكون عنده شيء لعائشة أو يكون خليطًا لها في أخد أو إعطاء وشهد لأحمد جماعة بأن محمدًا خليط لعائشة في الأخذ والإعطاء.
وقال القاضي [إنه] قبل من الشهود واحدًا وطلب أحمد يمين محمد فيما ادعاه عنه لعائشة، وأحب القاضي – وفق الله – أن يعرف إن كانت تجب اليمين على محمد فالذي نقول في ذلك إن كان أحمد ادعى الثياب عند محمد من بيع أو وديعة أو عارية؛ فاليمين تجب عليه له وله ردها إذا وصف المدعي الثياب ونعتها، وإن ادعاها من طريق غصب وعداء، فإن كان المدعى عليه من أهل العداء والتهم لزمته اليمين، وإلا فلا يمين عليه، قال بذلك محمد بن وليد، وقال محمد بن لبابة بمثل ذلك، وقال: ليس محمد بمن يحلف بالتهمة، ولكن اليمين عليه في الدعوى للمعاملة أو يردها، وقال أيوب ابن سليمان بمثل قول ابن وليد كله، وقال عبيد الله بن يحيى بمثل قول ابن وليد.
وقالوا في هذا المعنى: اليمين واجبة لجشم بن نمر الجهني على ختنه عمر وعلي زوجته حزمة فيما ادعاه قبلهما من وثائق ابنتهما كندة التي كانت زوجته وتوفيت عنه، وفي صداقها الذي كان على زوجها المتقدم قبله في مقاطع الحقوق – بالله الذي لا إله إلا هو: أن تلك الوثائق وذلك الصداق ليست عندهما ولا أودعاه، ولا يعرفان لها موضعًان ولا عاملا فيها أحد بشيء، قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان، إلا أن يريد عمر رد اليمين على جشم عما في الوثائق التي يدعيها عند عمر، وكان الذي ينص من ذلك تحت يد عمر وزوجته: وجب لهما رد اليمين عليه في ذلك، فإن حلف وجب له الدخول بحقه في ذلك المنصوص، وإن نكل فلا شيء له، قال بجميع هذه الفتيا عبيد الله بن يحيى ومحمد بن عمر
[ ٨٢ ]
بن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن يحيى بن أبي عيسى.
وفي دعوى وتهمة في وثائق وغيرها ورد يمين على الأب: يحلف ابن مسونة وزوجته في مقطع الحق بالله الذي لا إله إلا هو ما أخذ لمسونة التي ذلك أنها زالت عنه، ولا فتحا لها تابوتا ولا استعار منها رداءًا، ولا أسلفا مثاقيل، ولمحمد بن مسونة أن يرد اليمين على أبيه في الرداء والمثاقيل أو فيما شاء منها، وأما الوثائق فإن حلفا فيها وإلا حبسا، ومن حلف منهما برئ قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد ومحمد بن أيمن.
وفي المدونة قال مالك: ومن وجبت عليه يمين أو له في شيء له بال فإنما يحلف فيه في المسجد الجامع. قيل له: عند المبر، قال: لا أعرف المبر إلا منبر النبي ﵇، فأما مساجد الآفاق فلا أعرف المبر فها، لكن يحلف في أعظم موضع منها، ولا يستحلف في المدينة عندنا عند المنبر إلا في ربع دينار فصاعدًا، ويستحلف في القسامة في المساجد في دبر الصلوات وعلى رءوس الناس، وفي اللعان في المسجد أيضًا وعند الإمام.
وقال في الموطأ: لا يحلف على المبر في اقل من ربع دينار وذلك ثلاثة دراهم، وجملة مذهبه أن اليمين لا تكون عند المبر من كل جامع إلا في هذا المقدار الذي ذلك، وما كان دون ذلك حلف فيه في مجلس الحاكم أو سوق أو غيره. قال ابن القاسم: وليس عليه أن يستقبل القبلة. وفي سماعه: ويحلف قائمًا.
وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون عن مالك: يحلف في كل أمر له بال أو بلغ ربع دينار فصاعدًا مستقبل القبلة في المدينة عند منبر رسول الله (ﷺ)، وفي غيرها من البلدان في مسجدهم الأعظم حيث يعظمون منه [عند منيرهم] أو تلقاء قبلتهم، والرجال والنساء في ذلك سواء.
قالا عنه: ويحلف الحالف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يؤمر بأكثر منه في الحقوق والدماء واللعان، وكل ما يقع فيه اليمين على المسلمين والنصارى أو اليهود أو المجوس، غير أن هؤلاء غنما يحلفون حيث يعظمون من كنائسهم ومواضع عباداتهم، ويرسل القاضي رسولًا من المسلمين يجلفهم، وهكذا سمعنا مالكًا يقول في ذلك ومشايخنا بالمدينة. قال ابن حبيب وابن عبد الحكم وأصبغ عن ابن وهب، وابن القاسم وأشهب عن مالك مثل ذلك كله.
وفي أقضية المدونة وغيرها قال مالك: يستحلف من وبجت عليه يمني بالله الذي لا
[ ٨٣ ]
الله إلا هو ولا يزيد على هذا، وبه مضى أمر الناس، وفي هذا عنه وعن أصحابه تنازع يطول الكتاب باجتلابه.
وفي أقضية كتاب ابن المواز: ويمين العبد [والحر] والنصراني في الحقوق سواء، ويحلف النصراني مع شاهده العدل كان حقه على مسلم أو نصراني (ب – ١٨). وكذلك المسلم وغيره، ويحلف المسلم الحر والعبد مع شاهده في المسجد الجامع في ربع دينار فأكثر، فأما ما قل فيحلف في مقامه ولا يحلف في مساجد القبائل في قليل ولا كثير.
وروى ابن القاسم عن مالك في الموازية وكتاب ابن سحنون فيمن باع ثوبًا فرد عليه بعيب، فادعى أنه بينة له فأنكره، فأراد يمينه عند المبر – قال: إنا لنقول لا يستحلفه عند المبر إلا في ربع دينار فصاعدًا قال ابن المواز عن أصبغ: فإن كان نقصان الخرق أكثر من ربع دينار لم يحلف إلا في الجامع.
قال القاضي: ذكرت هذه المسائل في الأصول بينًا أن اليمين لا تكون عند المبر إلا في ربع دينار فصاعدًا، إذا كان بعض من يفتي معنا بقرطبة يرى اليمين عند المبر فيما له بال واء لم يبلغ ربع دينار طيب.
وقد سألت ابن عتاب وابن مالك عن الحلف عند المبر في ربع دينار من الذهب القرمونية، وكان فيها من الذهب نحو السبع، فقالا: لا يحلف فيه عند المبر، وسألت عنه ابن القطان فقال: بمثله، وقال إنما هو الذهب الطيب. وقال ابن أبي أويس عن مالك: لا يحلف في القسامة واللعان وفي ثلاث دراهم فصاعدًا عند منبر إلا منبر النبي ﵇، وأما سائر المساجد فيحفون فيها ولا يحفون عند منابرها. وفي سماع ابن وهب نحوه.
قال مالك: ويحلف عند منبر النبي (ﷺ) بالله الذي لا إله إلا هو، ورب هذا المنبر. قلت: ويقول: ورب هذا المنبر، قال: نعم. قال: ويحلف عنده قائمًا إلا أن يكون ضعيفًا، ورأيت بمكنة يحلفون عند الركن.
وذكر الجرجاني وغيره عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن: أنه لا تجب اليمين عند منبر النبي (ﷺ)، ولا بين الركن والمقام في قسامة ولا في شيء من الأشياء، لكن الحكام يحلفون من لزمته يمين في مجالسهم.
وقال مالك: من أبى أن يحلف عند المنبر فهو كالناكل عن اليمين، ومذهب الشافعي ألا يحلف في المدينة عند منبرها ولا بمكة بين الركن والمقام، إلا في قسامة أو لعان أو في
[ ٨٤ ]
عشرين دينارًا فصاعدًا، وكذلك عنده في سائر البلدان عند منابرها، ولأشهب في يالنوادر: إن حلف والذي لا إله إلا هو أو والله فقط لم يجزه ذلك: ودليلنا على ذلك أن يربع دينار قد تعلق به القطع في السرقة كالعشرين دينارًا.
وفي مسائل القاضي ابن زرب: سأله أبو الأصبغ عمن طلب بدين فقال للطالب: قد وصل إليك وأدفع إليك حقك على سبيل المكافأة فأراد أن يحلفه بعد ذلك بالله تعالى. ففكر ساعة ثم قال: إن طلب يمينه بالله عند يمينه بالطلاق فله ذلك، وإن كان بعد ذلك وبعد نفوذ يمينه بالطلاق ورضاه بها بعد نفوذها، فلا قيام له ولا سبيل إلى تحليفه لأنه بعد ذلك منه رضى والتزامًا، كمن قال: إن شهد على فلان بكذا فأنا ألتزمه، فشهد عليه فلان، فإن أنكر ذلك حين شهد أو رجع عن رضاه قبل أن يشهد كان ذلك له، وإن شهد عليه فرضى وسكت ثم أراد بعد ذلك أن يرجع عنه؛ لم يكن له ذلك، وهذا الأصل في كل من التزم مالا يلزم بحكم.
وفي الأحكام لابن حبيب: من ادعى حفًا من بيع على من بينه وبينه خلطة فلزمته اليمين قبلي فقال: أحلف أنه لا حق لك قبلي، فقال مالك: بل يحلف ما يعتني ذلك ولا لك حق منه قبلي، وقال: هذا يريد أن يورك، أي يلغز ويحرف، وكأنه يريد ابتعت منك وقضيتك الثمن، ويخاف إذا ذلك هذا ألا يصدق في دفع الثمن وأن يحلف البائع ويأخذه.
وفي شهادات المدونة مثله. وروى ابن القاسم عن مالك في كتاب سر فيمن جحد رجلًا حقًا له، وأراد طلب الحق أن يستحلف: ما أسلفته [شيئًا] وقال الآخر: أحف مالك على شيء. قال: أرى أن يحلف مالك عندي شيء، وما الذي ادعيت على إلا باطل، فإن أبى أن يحلف حلف صاحب الحق واستحق حقه، وقال: هذا يورك. وقال أصبغ: حضرت ابن القاسم وقد حكم بأن يحلف ما أسلفه شيئًا. والله أعلم بالصواب.
باب وفي أحكام ابن زياد في امرأة وكلت على خصامها وسألها طالبها أن تأتيه بحميل لئلا تتغيب إن لزمتها يمين. قال أبو صالح: فهمت ما ذكره القاضي أكرمه الله أن امرأة وجبت عليها يمين على التنحي، وسأل خصمها أن يتخذ عليها حميلًا، ولم يثبت ما يريده من اليمين ولا وجبت عليها بعدولها وكيل، فما بال حميل يؤخذ منها، فإذا خاف الطالب توركها وتغيبها عنه عند وجوب اليمين عليها وجاء من ذلك ما لا يؤمن من فعل المتورك؛ وجب (أ – ١٩) عليها حميل، وليس الوكيل المتكلم عنها بجميل إلا أن يتحمل
[ ٨٥ ]
ويشهد، فإن أبت في اتخاذ جميل عليها فاحبس حميل من لا حميل له، وقال محمد بن غالب: وقال لبابة ألا حبس عليها لعجزها عن الحميل، إلا أن يأتي بسبب طاهر.
وقالوا فيمن حلف وسأل القاضي أن يشهد له بثبوت يمينه عنده: فهمنا – وفق الله القاضي – ما أراد عبد العزيز بن حريش القنوى من إشهاد القاضي حفظه الله على ثبوت يمينه عنده، وقرأنا الكتاب الذي نسخة القاضي في ذلك ونسخ فيه نسخة كتاب يمينه الذي حلف بها: أنه ما أخ من جميع ما هلكت عنه زينب بنت حريش وتركته ميراثًا لورثتها قليلا ولا كثيرًا، ولا أحال منه عليها، ولا حال بين ورثتها وبين شيء من تركتها، ولا يعلم لها موضعًاز وذلك بحضور عروة بن شعيب عاصب زينب، وبمحضر حفص بن عبد الله بن مرزبان وكيل زوجة أمة الرحمن أخت زينب، وشهد على جميع ذلك أحمد بن زيد الغافقي وأحمد بن بيطير. وأعذر القاضي إلى من وجب الإعذار إليه بما وجب أن يعر به. فرأينا نسخة تامة صحيحة يجب إشهاد القاضي له عليها، قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة ومحمد بن وليد وعبيد الله بن يحيى وأيوب بن سليمان ومحمد بن غالب.
وقالوا فيمن أراد أن يحلف أمه: فهمنا – وفق الله القاضي – ما طلبه ابن عبيدون من يمين أمه بعد أن أقام بينة على كينونته عندها وعند زوجها ابن عفان، وهذا – وفق الله القاضي – أمر مختلف فيه، ونرى أن اليمين واجبة له عليها لأنها حقوق تلزم فيما بينهم. وقال بعض المدينين: إنه عقوق إن أحلفها، قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وكذلك تجب اليمين على ربيبة ابن عفان إذا وصف دعواه عليه وعلى أمه؛ إذ قد أقام البينة على كينونته عنده وعند أمه.
وقال يحيى بن عبد العزيز وسعيد بن معاذ ومحمد بن وليد، وقال عبيد الله بن يحيى: قد اختلف في هذا؛ فأما مالك فإنه يرى ألا يحلف الأب ولا الأم للولد لأنه عقوق، وغيره من أهل العلمي يرى أنه يحلف.
وفي كتاب المدينان في المدونة: قال ابن القاسم: لا يحبس الأب في دين الابن ولا يظلم له الابن، وإنما رأيت ألا يحبس الأبوان له لأن مالكًا قال: فما بلغني في الابن يريد أن يستحلف أباه في الشيء – قال: لا أرى أن يحلف. فإذا لم يحلف له فالحلف أيسر من السجن.
وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن رجل بينه وبين أبيه خصومة فأراد أن يحلفه،
[ ٨٦ ]
فكره ذلك. ونحوه في ديات المختلطة.
وف سماع أصبغ: عن ابن القاسم، فيمن يقضي له على أبيه باستحلافه أو الحد يقع له عليه فيريد أخذه، فيقال له: إن ذلك عقوق فيستحلفه أو يحده. قال: لا تجوز شهادته وإن كان جاهلًا؛ لأنه عقوق ولا يعذر في ذلك بجهالة.
وفي النوادر قال ابن القاسم: إن شح الابن في يمين أبيه أحلف، وكانت جرحه في الابن. وكذلك في كتاب ابن حبيب، وهو معنى رواية أصبغ، وهو معنى ما في المختلطة وسماع ابن القاسم.
ولابن الماجشون في سادس الثمانية: له أن يحلف أباه في الحقوق، وليس هذا من العقوق.
قال القاضي: أخرجت هذه الروايات من الأصول وذكرت مواضعها ليستدل بها على قلة علم المفتي في المسألة فوق هذا بمواضع المسائل وقائلها، وإلا فلم قالوا: قال بعض المدنيين هو عقوق، وتركوا حكاية ذلك عن ابن القاسم وهو مصري، وابن الماجشون قال: ليس بعقوق وهو مدني، فقبوا ذلك، وإن كان قد قال بعض المدنيين: هو عقوق، وكانت حكايتهم ذلك عن ابن القاسم أولى لتعديلهم في فتواهم عليه، ولتكرر قوله في العتبية.
وقول عبيد الله: اختلف فيه فمالك يرى ألا يحلف الأبوان لابن، وغيره يرى أن يحلف له. كان يلزمه أن يبين أن غيره ابن القاسم، وهو دليل روايته عن مالك في سماعه وفي الديات، وابن الماجشون إذ هو من أصحابه. ولو قال: اختلف فيه قول مالك؛ لكان أدل على علمه، أو قال: اختلف فيه رواية ابن القاسم وقوله؛ كان شاهدًا على فهمه. والله ولي التوفيق برحمته.
[ ٨٧ ]
وقال ابن حبيب: حدثني ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن يونس بن يزيد عنس ليمان بن قيس أن رسول الله (ﷺ) استشار جبريل ﵇ في القضاء باليمين مع المشاهد، فأمره الله بذلك.
وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله (ﷺ) قضى به في الحقوق، وقضى بذلك علي وشريح. وقال مالك: مضت السنة بحلف الطالب مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل حلف المطلوب، وإلا غرم. وذلك في الأموال خاصة، لا في الحدود ولا في النكاح والطلاق والعتاقة والسرقة والفرية. وأجمع عليه مذهب الشافعي وأصحابه وابن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود.
قال مالك: يقضي به في كل بلد ويحملون عليه وليس للمالكيين في خلاف حيث كانوا، إلا يحيى بن يحيى بالأندلس فإنه تركه وزعم أنه لم ير الليث يقول به.
وقد افتى جماعة من جلة علماء العراق باليمين اتباعًا لسنة، وقضى به ريح ويحيى بن يعمر وغيرهما. وقالت جماعة منهم – وهو مذهب أبي حنيفة -: لا يقضي به، وقد روي عن الزهري عن اختلاف عنه فيه.
وقال محمد بن الحسن: يفسخ القاضي ما حكم فيه بالميمين مع الشاهد لأنه خلاف القران. وهذا جهل وعناد للسنة، وليس بخلاف للقرآن، لكنه زيادة بيان كالمنع من نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها، مع قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ ومثله كثير.
وفي أحكام ابن زياد:
الذي كشفنا عنه القاضي وفقه الله من الحكم في اليمين مع الشاهد؛ فالذي نقول به: اليمين مع الشاهد مما اختلف فيه أهل العلم، فأما مالك فإنه كان يرى ذلك، وأما الليث فإنه كان يرى أن كل حق لم يشهد فيه عدلان فلم يرد الله إتمامه.
قال عبيد الله بن يحيى: وكان أبي رحمه يجنح إلى قول الليث، ويحكي عن محمد بن بشير أنه لم يحكم في ولايته جميعًا باليمين مع الشاهد إلا حكمًا واحدًا، وأنا – رحمك الله – لست أؤثر على ما تخبره أبي شيئًان إلا أني كنت أعرفه كان يذهب إلى التخيير إلى القاضي، إن كان الذي يشهد فيه الشاهد المبرز في الأمور التي لا يمكن أن يكون الإشهاد عليها مباحًا، مثل أن يكون في الأمور التي لا يوصل إلى الإكثار فيها من الشهداء، وكان ذلك الأمر الذي شهد فيه الشاهد مشهورًا عند الناس إن كان كتابًا قديمًا قد مات
[ ٨٨ ]
شهود إلا هذا؛ فكان يرى أن يحكم باليمني مع الشاهد وإنما هذا إلى اختيار الحاكم.
وقال محمد بن عمر بن لبابة: قد علم القاضي – وفقه الله – اختلاف أهل العلم، وما ذهب إليه مالك وأصحابه من اليمين مع الشاهد، وما ذهب إليه قضاة بلدنا منذ دخلته العرب من أنهم لا يرون اليمين مع الشاهد ولا يقضون به، فليتخير القاضي ما أراه الله، وإني لمتوقف عن الاختيار في هذا؛ لما ظهر من فيساد الناس وقلة الدعة في الشهادة، فإن انتقل القاضي – وفقه الله – إلى اليمين مع الشاهد فليكن قضاؤه بذلك عامًا في الناس ماضيًا في أحكامه. وقال محمد بن وليد مثل ذلك.
وقال محمد بن غالب: اليمين مع الشاهد سنة قائمة وأمر معمول به. وقال أيوب ابن سليمان: القضاء باليمين مع الشاهد ما لا يصح خلافه ولا يجوز تركه لأنه سنة من رسول الله (ﷺ)
[ ٨٩ ]