(قال القاضي):
البيع على أربعة (أوجه):
بيع حاضر مرئي.
وبيع (معين) غائب موصوف أو معروف العين، برؤية تقدمت لهما فيه.
وبيع غائب موصوف في الذمة، وهو السلم إلى أجل معلوم في صفة معلومة من طعام أو غيره محصور المقدار بعدد أو كيل، أو وزن ويعجل فيه رأس المال.
وبيع السلفة وهو في بعض وجوهه كالسلم وذلك أن تدفع إلى (صاحب الرطب) دينارا في ربعين أو ثلاثة من رطب طيب مستناهي النضج والطيب ويعطيط كل يوم منه نصف ربع، أو أربعة أرطال (إعطاء) متصلا حتى ينفد.
وكذلك إن دفعت إلى الخباز ربع دينار، أو نصف دينار في ثلاثين قرصا من خبز قمح حسن العمل والطبخ، كل قرص من رطل دقيق على أن تأخذ كل يوم قرصا أو قرصين، حتى يتم العدد الذي تواجبه عليه.
وكذلك إذا أعطيت لبانا عشرين (درهما) في أثمان لبن (الحليب) طيب، وتذكر (الأثمان عدة) ولبن بقر أو غنم أو غيرهما وتأخذ كل يوم من ذلك ما تتفقان عليه، وكذلك ابتياع اللحم من القصاب، ويجوز في هذا النوع تأخير رأس المال بخلاف السلم.
وقد قيل البيوع ثلاثة أضرب وأسقط منها ذكر السلفة والتقسيم الأول أصح، والله الموفق (للصواب).
أخبرني أبو مروان (عبد الله) (بن محمد) بن مالك: أن إنسانا من أهل تاكرنة استسلف مالا وأخذ سلما، وقال: أؤدي إليك من مالي بتاكرنة فمنع من (ماله)، وحيل بينه (وبينه)، وقام المسلم يطلبه بدينه فأفتى صاحب المظالم؛ أبو عبد الله بن عبد الرؤوف، وأبو محمد (عبد الله) بن الشقاق، وأبو محمد بن دحون وغيرهم: أنه (يلزمهم) أداء دينه، وإن حيل بينه وبين ماله الذي ذكره.
وأفتى القاضي (أبو المطرف) عبد الرحمن بن بشر أنه لا يلزمه أداء دينه إلا من ماله بتاكرنة قال لي: فعرض جوابه هذا على الفقهاء المذكورين، فرأوه صوابا، ورجعوا إليه
[ ٢٨٤ ]
وتركوا جوابهم الأول، واحتج لجوابه لما رواه أشهب وابن نافع عن مالك، في الرجل يتعين عطاؤه فيحسن العطاء وله مال فيه وفاء بما عليه من تلك العينة. قيل لمالك: أو يأخذ ذلك من ماله؟ قال: لا أرى ذلك.
وذكرت هذه النازلة لأبي عبد الله بن عتاب، فقال لي: لست أذكر أنها جرت عندنا، وينبغي ألا تجوز، كما قال ابن القاسم فيمن ابتاع سلعة بدنانير له معينة غائبة، يريد أنه قبض السلعة، ولم يشترط خلف الدنانير إن ضاعت، على ما في كتاب الرواحل من المدونة.
وفي سماع عيسى (من العتبية) قال لي: وليست مسألة العطاء من ذلك، لأن العطاء كان مأمونًا ولا يخاف (تواه) في الأغلب، وذكر ابن حبيب في كتابه عن أشهب، قال: سئل مالك عمن باع رزقه الذي يخرج له بالجار سنتين ثم مات، فقام الغريم على الورثة في ذلك، أيكون ذلك له عليه حالا، قال: نعم، ذلك لهم عليهم حالا، يعطونه قمحًا مثل القمح الذي باعه من رزقه، وعلى صفته، وكذلك الذي بيبع عطاءه ثم يموت، يؤخذ ذلك من ميراثه، وقال فضل: هذا يدل على أنه إن قطعه السلطان منه بعد ما باعه، فعلى البائع أن يحضر ممثله عند الأجل.
قال (القاضي): وفي المدونة في كتاب البيوع الفاسدة؛ عن نافع عن ابنعمر (أنه كان يبتاع البيع ويشترط على (صاحبه)، أن (يعطيه) إذا خرجت غلته أو إلى إعطائه.
من ابتاع أرضًا أو دارًا فيها شجر قد أبرت ثمرته أو طابت:
قال أبو عبد الله بن عتاب: شاهدت أبا عبد الله محمد بن عمر بن الفخار، (رحمه) الله في سنة أربع مائة، استفتى في رجل باع ملكا بقرية، وفي الملك شجر زيتون قد طاب ثمرها، ولم يشترط المبتاع الثمر، إلا أن في الوثيقة اشترى فلان من فلان جميع ما حوته أملاكه في الأرض والشجر، على نحو ما يجري في العقود، ولم يذكر الثمرة فأراد المبتاع أخذها.
فأفتى أبو عبد الله بن الفخار: بأنها له، واحتج على ذلك بأن الشجر نفسه لو لم يذكر في الابتياع لدخل فيه، وكان تبعا للأرض، فإذا دخلت (الأصول) في الشراء، فالثمرة المتولدة (فيها) هي فرع منها، أحق بالدخول فيه. قال ابن عتاب: ولم يذكر أبو عبد الله هل جوابه عن رواية، ولم يسأل عن ذلك إذا كان لا يجترئ عليه بالسؤال عنه،
[ ٢٨٥ ]
لاسيما من صغرت سنه، وكان ابتداء طلبي، ثم انتقل عن قرطبة سنة ثلاث وأربع مائة ولم يمكني استفهام (عنه) فاعتقدت ذلك من فتواه، وكان حافظا ذاكرا للروايات، ولم أزل أطلب ذلك إن كان عن رواية.
فلما امتحنا بالفتوى نزلت هذه المسألة في دار بيعت وفيها نخلة مزهية، فأفتيت فيها بما كنت ضبطه عنه وحفظته منه، إذ حقق ذلك عندي النظر وصحة الخبر في الحجة التي احتج بها؛ أن الأصل تابع للأرض (فثمرته تابعة له) وخولفت في ذلك ولم أزل أطلبها أواصل البحث عنها، وأذاكر أهل الحفظ بها، فمن مستغرب لها مصوب، ومنكر مشعب.
إلى أن ظفرت بها سنة سبع وثلاثن وأربع مائة، لمحمد بن عبد الحكم في كتاب الشروط من تأليفه، قال محمد بن (عبد الحكم): من الناس من يقول (إذا) اشترى دارا بما فيها، وفيها نخل، فالثمرة للمشتري طابت أو لم تطب. فأما نحن فنجعل ذلك للبائع إذا أبرأ، إلا أن يشترطه المبتاع اتباعا للسنة فيه الآثار والذي أقوله في ذلك، ما شاهدت الفتيا به، وبه نفذ الحكم، وبالله التوفيق.
مسألة بيع الحرير التي هي من زي الرجال والذهب المغزول:
سئل ابن عتاب عمن صناعته عمل الحرير، وهل هو في سعة من عمل عمائم منه وشبهها مما لا يلبسه إلا الرجال، وهل بيعها مباح له؟ فقال: لا بأس بيعها وعملها، وإن كانت مما (يلبسه) الرجال؛ لأنه قد يشتريها من لا يلبسها، ومن يصرفها في غير الملبس.
وفي ثمانية أبي زيد هذا المعنى، قال أبو زيد سئل عبد الملك عن بيع ثياب الحرير من الوشي وغيره ممن يلبسها ولا يتحرج لباسها من المسلمين، كقلانس (وشي) الحرير، وجباب الحرير من الوشي، وغير ذلك، هل ترى على بائعه شيئًا؟ قال: لا شيء عليه، وليس هذا مما ينهي من بيعه، قد يشتريه من يلبسه، ومن لا يلبسه، وليس هذا بشيء، (ورأيته) ضعف ذلك. قال: وقال الأصبغ مثله.
وسألت أبا المرطف بن سلمة: عن بيع الذهب المغزول المحمل على الجلد، هل يجوز بيعه بالذهب؟ فقال: لا يجوز لأنه التفاضل بين الذهبين، ويجوز بيعه بالفضة يدًا بيد (إن شاء الله).
[ ٢٨٦ ]
قال القاضي:
وهذا عندي صواب وكان قد حكى لي عن أبي عمران بن القطان فيها شيء لم أتحققه، وبالله التوفيق.
باع دارا أو أسطوان دار، وشرط على المبتاع ألا يجعل فيها طاحونة: ابتاع رجل أسطوان دار، وعقد الوثيقة في ذلك أبو محمد بن الشقاق، فكتب اشترى فلان بن فلان من دراه التي بحاضرة قرطبة، بحومة مسجد كذا وحدها كذا، جمع أسطوان هذا الدار (المكشوف إلا على بقاعة هذا الأسطوان)، وحيطانه (المحدقة به) من جهاته الأربع، مع باب الدار، والعتبة، وما تبقى من حوائز الغرفة التي كانت عليه، والمدخل إلى ذلك كله، والمخرج منه إلى باب الدار، على أن يقلع البائع باب الفصيل الذي كان يفضي منه إلى الدار المحددة، ويبني البائع باب الفصيل بنيانا حسنًا بالطوب، بعد أن يجعل لها أساسًا مما يصلح له.
وشرط البائع على المبتاع؛ ألا يجعل في هذا الأسطوان طاحونة يطحن عليها كما يطحن على المطحونات، وعلى ذلك انعقدت صفقة التبايع، ثم إن المبتاع جعل في الأسطوان طاحونة، فقام عليه البائع في ذلك عند صاحب السوق فشاور فيه.
وجاوب ابن طاحون وأبو على المسيلي:
البيع جائز والشرط ساقط، وللمبتاع إقامتها. زاد المسيلي: ويمنع من الضرر.
وجاوب أبو المطرف (عبد الرحمن) بن جرح:
البيع جائز، والشرط جائز، ويقضي على المبتاع بقطع الطاحونة.
وجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
قرأت ما خاطبتنا به، وفحصته، والعقود المنعقدة في البيوع بالشروط في مددها تنقسم إلى أربعة أقسام:
قسم منها: يصبح فيه البيع والشرط، وقسم ثان: يصبح البيع فيه ويبطل الشرط، وقسم ثالث: يبطل البيع فيه والشرط، ويغلبان على فسخ ذلك.
وما خاطبتنا به ليس من هذه الأقسام الثلاثة ولا من بابها، وهو من القسم الرابع: الذي الشروط فيه مكروهة، فإن وقع البيع بها؛ خير مشترطها إن كان المبيع لم يفت في إسقاطها، ويصح البيع وينفذ، أو التمسك بها ويفسخ البيع بها، وإن فات المبيع سقط
[ ٢٨٧ ]
الشرط ووجبت القيمة في ذلك، فإن كان الأسطوان على حاله يوم التبايع فالبائع مخير، إن أحب إسقاط الشرط نفذ البيع وجاز وإن لم يسقط فسخ البيع فيه، وإن كان الأسوان قد فات بما تفوت به الأصول من الهدم والبناء سقط الشرط ولزم المبتاع في القيمة، إلا أن تكون أقل من الثمن الذي ابتاع به، فلا ينقضي منه؛ لأنه قد رضي بذلك الثمن من الشرط الذي التزمه، فإذا سقط عنه الشرط لم تكن له حجة، فإن أثبت البائع عندك ضررًا بطاحونة نظرت له في ذلك إن شاء الله ﷿.
ابتاع كرم بثمن مؤجل على أن ينفقه في تحصين الكرم وعمارته:
ابتاع فرج من رجل اسمه سليمان نصف كرم، وعقد البيع بينهما أبو محمد بن دحون فلما بلغ موضع ذلك الثمن، قال بعد معرفتهما بقدر ما تبايعاه ومبلغه بخمسة عشر مثقالا عيونًا ذهبًا: صارت هذه العدة لسليمان قبل فرج ذمته وماله منجمة عليه في ثلاثة أعوام.
أولها تاريخ هذا الكتاب، ويضيف إليها من ماله مثلها، ويتولى إنفاق الجميع في تحصين هذا الكرم المحدود، واعتماد جميعه في الثلاث الأعوام المذكورة، وذلك في استقبال أول عام منها مثقالان في قطع الشعراء منه، ثم في أبان الزبر والحفر من هذا العام الأول يحفره ويزبره بثمانية مثاقيل من العدة المجتمعة، ثم في استقبال العام الثاني تحصين جميعه بحائط يحدقه به، ينفق فيه من العدة المجتمعة عشرة مثاقيل، وينفق فيه في هذا العام الثاني لزبره وحفره، مع ما يستزف من غلته في زبر جميعه وحفره في العام الثالث تتمة للعدة المذكورة.
ويكون المبتاع وفرج المذكور متولي النظر في ذلك كله، والتعاهد به في المدة المذكورة، وكله على ذلك يليان توكيلا أقامه فيه مقام نفسه، وقبل فرج ذلك من توكيله والتزمه، وخلص للمبتاع فرج بهذا الابتياع ملك النصف المبيع من الكرم المحدود، وصار جميعهما مشتركا بينهما بالسوية لا فضل لواحد منهما في شيء منه على صاحبه، بيعًا صحيحًا تامًا عرفًا قدره، وبلغ المؤمنة في العمل المذكور، وتواصفاه صفة عرفاها ووقفا عليها وأكمل العقد.
فقال البائع سليمان عند الوزير صاحب السوق أبي علي حسن بن ذكوان فشاور في ذلك، فاختلف فيه.
[ ٢٨٨ ]
جاوب ابن جرح:
تصفحت ما خاطبتنا به، والعقد الذي انعقد بين فرج وسليمان في ابتياع نصف الكرم على الشروط التي تضمنها كتاب الابتياع فاسد من وجوه وعلل كثيرة منها أن فرجا ابتاع نصف الكرم خمسة عشر مثقالا على أن يعتمر جميع الكرم بها وبمثلها من ماله في ثلاثة أعوام، أولها تاريخ الابتياع، فصار لا يمتلك النصف الذي ابتاع إلا بعد مرور الأعوام التي اشترط اعتمار الكرم فيها، ومثل هذا البيع لا يجوز عند مالك، روى ذلك عنه ابن القاسم وأشهب، ومالهما من مخالف عن أصحابهما.
قال مالك فيمن ابتاع من رجل نصف سلعة على أن يبيع المبتاع النصف الثاني لصاحبه في غير البلد الذي باع منه النصف، لا يعجبني هذا البيع.
وقال ابن القاسم: لا يجوز هذا البيع، وكذلك لو قال: أبيعك نصف هذه الأشياء على أن تبيع لي النصف الآخر في موضع كذا لبلد آخر.
وقال أشهب: أنه إن ضرب أجلا لبيعه في البلد الذي ابتاع فيه، فلا يجوز وهو أحرم له.
ومن علل هذا البيع، أنه لم يشترط خلف الخمسة عشر مثقالا نصف ثمن الكرم، ولم يشترط في العقدة خلفها إن تلفت، والذي أقوله أن يقضي بفسخ هذا البيع بينهما، ويكون على فرج قيمة نصف الكرم على هيئة يوم قبضه؛ لأن البيع الفاسد إذا فات لزمت المبتاع قيمة ما ابتاع يوم قبضه.
وجاوب ابن دحون:
بأن البيع جائز ماض على حسب ما وقع، وقال المسيلي: قول في هذه المسألة على قول الشيخ يريد ابن دحون. فله سابقة ورسوخ، وهو كما قال الأول:
إذا ما جرى للمسجد والقوم خلفه تناول أقصى جهدهم وهو وداع.
وجاوب ابن الشقاق:
لم يحضرني في هذا جواب أرتضيه، وقد جاوب الفقيه أبو محمد بما تراه، والله يحملك على الصواب.
وجاوب أبو عبد الله بن عتاب:
سيدي ووليي، قرأت ما خاطبتنا به وتصفحت عقد ابتياع ابن فرج لنصف الكرم
[ ٢٨٩ ]
الذي ابتاعه، فرأيت فيه عللا ووجوها من الفساد، منها: ما ذكر فيه أنه اشترى من سليمان يصف الكرم بخمسة عشر مثقالا، صارت هذه العدة لسليمان قبل فرج في ذمته وماله، منجمة عليه في ثلاثة أعوام، وهذا دين لازم لفرج.
ثم ذكر في العقد أن المبتاع يضيف إليها من ماله مثلها، ويتولى إنفاق الجميع، مع ما يغل الكرم في الأعوام الثلاثة في الوجوه التي ذكرها، وفيه أن سليمان وكل فرجا على الإنفاق المذكور، ثم أعقب هذا اللفظ بما ينقضه، وذلك قوله بيعًا صحيحًا، عرفًا قدره ومبلغه ومبلغ المؤمنة فيه، وتواصفا العمل الموصوف صفة عرفاها ووقفا عليها، ففسخا العدة التي صارت في ذمة فرج المنجمة عليه في ثلاثة أعوام، مع ما يضيف إليها ومع غلة الكرم في الأعوام الثلاثة في عمل تواصفاه ووقف عليه، لا يتعجل البائع سليمان قبضه.
وهذا والله أعلم داخل في حكم الدين بالدين الذي نهى عنه الرسول ﷺ، والذي بالدين عند مالك إنما هو في المضمون جميعًا، قد حكم مالك بما أشبهه، ودخل في معناه بحكم الدين بالدين، وجعله من بابه، كما جعل الذمة بالذمة من وجه الدين بالدين، وحكم لها بحكمه.
ومن وجوه فساد هذا العقد، قوله فيه: أن يضيف فرج إلى الثمن مثله وينفق الجميع في الكرم، فاستجد البائع- بما يضيفه المبتاع من ماله ونفع مال غيره، وقد يحط البائع من الثمن لذلك، وقد كره مالك ما يشبهه، ووقع في كتاب القراض؛ قال مالك: لا يصلح أن تقول: أقارضك بألف أن تخرج من عندك ألفًا، وتعمل بها جميعًا.
قال ابن القاسم: وإنما كررهه الاستغزار الشراء، ولأنه يجز إلى نفسه منفعة مال غيره.
ومما يفسده أيضًا؛ التزامهما لنفقة غلة الكرم في الأعوام الثلاثة، فصار فرج لا يمتلك نصفه ملكًا تامًا، ولا يتصرف في اغتلاله إلا بمرور هذه الأعوام، ولهذا من مسائل مالك يطول ذكرها.
وذكر في العقد أن سليمان وكل فرجًا على نفقة الخمسة عشر مثقالا التي صارت في ذمته في الكرم المذكور، وإنما يصح هذا ويسلم من المكروه فيه؛ إن كان البائع حاضرًا وقت النفقة، وأما إن لم يكن حاضرًا؛ فقد كره مالك ذلك.
قال في كتاب الوكالات، فيمن له على رجل ألف درهم، فيقول: اشتر لي بها سلعة
[ ٢٩٠ ]
أو دابة أو جارية، قال: إن كان الأمر صاحب الدين حاضرًا، حيث يشتريها له المأمور الذي عليه الدين، لم أر بذلك بأسا، وإن كان غير حاضر، لم يعجبني فهذه الوجوه مما تفسد البيع.
وحكم البيع الفاسد إذا لم يكن حرام بينًا؛ الفسخ، إلا أن يفوت، فإن فات وجبت فيه القيمة يوم القبض، واختلف فيما تفوت به الدور والأرضون في البيع الفاسد.
فقال ابن القاسم: لا تفوت إلا ببيع، أو بناء، أو هدم، أو غرس، ولا تفوت بحوالة أسواق، أو طول أزمان. وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد: إن اختلاف الأسواق في البيع الحرام، فوت في الدور والأرضين وكل شيء، فإن كان المبتاع قد فوت النصف بالغرس والعمارة؛ لزمته قيمته يوم قبضه ما بلغت القيمة، وله الغلة، وأما ما أنفقه فرج في نصف سليمان؛ فقد اختلف قول ابن القاسم فيما يشبه هذا، فقال: له ما أنفق، وقال قيمة ما أنفق.
والذي أرى في المسألة: أن له ما أنفق؛ إذا كانت نفقته سدادا؛ لأنه أنفق لسليمان وبإذنه، فيرجع به عليه، ولسليمان النماء، وعليه النقصان، ولأن بنفقة فرج كثرت الغلة، وقد استغل سليمان نصفه. ومن شبه هذه المسألة بقول مالك فيمن باع بدنانير على أن يأخذ فيها دارهم، فقد شبهها بما لا يشبهها، إذ البيع في مسألة مالك إنما وقع بالدراهم، وبها يرجع إن كان استحقاقا، وإياها يرد إن رد بعيب، ولم يجب عليه قط دنانير لا يستطيع البائع أن يأخذها أبدًا في هذه المسألة، وبها احتج ابن القاسم في جوازها.
وفي مسألة بيع نصف الكرم، إنما وجب للبائع في ذمة المبتاع دنانير يصرفها في عمل، وكذلك تشبيه بقول مالك فيمن اكترى دارًا على أن عليه مرمتها من الكراء، أن ذلك جائز، وهذه المسألة لم يذكر فيها أن الكراء وقع بنقد أو دين، ولا يكف عرف أهل البلد في الكراء، وإذا لم يذكر ذلك فيها؛ فكيف يصح له الاحتجاج بها؟ والبيع بتمام عقده يجب على المبتاع دفع الثمن، وعلى البائع إسلام ما باعه، والكراء مخالف له، ليس يجب على المكتري بتمام عقد الكراء إذا لم يكن عرف، ولا شرط في تعجيل دفع الكراء، وإنما يجب عليه بالسكنى.
فالذي وجب على مكتري الدار، واشترط مرمتها، وتعلق بذمته دنانير، لا ما يواها من المرمة، وفي هذا بيان لمن أنصف.
ومن جعل من علل العقد الذي شاورت فيه؛ ترك اشتراط خلف ثمن نصف الكرم
[ ٢٩١ ]
إن تلف، وشبه ذلك بمسألة مالك في الذي يبيع السلعة على أن يتجز له بثمنها سنة، أنه إن لم يشترط الحلف فيها لم يجز.
فشبه شيئًا بما لا يشبهه، وكيف رأى اشتراط خلف ثمن نصف الكرم وهو في ذمة المبتاع، أم كيف يخاف تلف ما في الذمة إلا بعدم يصحبها إلى الموت، فتلف الدين بتلفها، وإنما يحسن اشتراط الخلف في مسألة مالك، لأن الدنانير إذا صرفها في التجر قد يخسر فيها، وينقص بذلك عددها، حتى تتلف السلع المشتريات فيها، لذلك رأى اشتراط خلفها.
وفي مسألة مالك معنى لطيف، ليس هذا موضع ذكره، إذ ليس من المعني الذي شاورت فيه، وبالله التوفيق.
قال القاضي:
الذي أشار إليه ابن عتاب بقوله هذا، والله أعلم، أن في المدونة، في مسألة: من باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر بها المشتري للبائع سنة، جاز، إن اشترط إن ضاع المال أخلفه البائع، فإن ضاع ولم يرد أن يخلفه، قيل له: اذهب بسلام ولا شيء على المشتري، فدل قوله في اشتراط خلف المائة على البائع، أن ضمانها منه إن تلفت، وأنه في أمانة المشتري لا في ذمته، وإنما يصح ذلك بأن يخرج المشتري المائة ويحضرها، وحينئذ يتجر بها في المستقبل، لتنتقل من ذمته إلى أمانته.
فما كان فيها من ربح أو وضيعة، كان من البائع، فإن استحقت السلعة المبيعة من يد المشتري، لم يكن له على البائع إلا المائة دون ربحها، مع أجرة مثله في تجارته بها. وهذا الذي أراد ابن عتاب والله أعلم.
ولهذا بسط وبيان تركته كراهة التطويل، وكذلك في تهذيب أجوبتهم كلام طويل، لاعتراضات فيها، واختلال في بعض معانيها، وأبين ما في ذلك العقد عندي من الفساد؛ أنه باع نصف كرمه بثمن وأجرة مجهولة، لاشتراطه على المتاع-فرج- عمارة الكرم وتحصينه بالثمن، ومثله معه، وبما يأخذ في الأعوام الثلاثة من غلة، والحاصل في الغلة مجهول، وكذلك التصرف في إنفاقه مجهول.
لأن الاشتغال بإنفاق مائة دينار، أكثر من الاشتغال بإنفاق عشرة دنانير أو عشرين في إصلاحه وقد لا يغل، وليس في المخاطرة والغرر أبين من هذا، وكأنه قال له: أبيع منك نصف هذا الكرم بخمسة عشر منجمة في ثلاثة أعوام، على أن تنفقها ومثلها من عندك،
[ ٢٩٢ ]
وما بغلة الكرم في هذه الأعوام. في مصالح الكرم وعمارته، وإن لم يغل شيئًا، نظرت في إنفاق الثمن ومثله معه لا غير.
وأين هذا من قوله، وعرف قدر المؤنة فيه.
وروى عيسى عن ابن القاسم، فيمن قال استأجرك شهرًا بعشرة دراهم، على أن تبيع لي ما جائني، فإن لم يجني شيئًا فلك إجارتك كما هي؛ أنه لا خير فيه، ولا يصح حتى يكون شيئًا ثابتًا، يقول: أستأجرك على أن تبيع لي، فإن جاءه ما يبيع له، باع، وإلا أجره في مثله لا خير فيه، يكون هكذا وراءه من الغرر إذا كان على غير شرط، هذا نص الرواية في العتبية، وهي نفس مسألة الكرم وبالله التوفيق.
وسحنون لا يجيز البيع والأجرة إذا كانت الإجازة في البيع نفسه، فعلى مذهبه لا تجوز مسألة الكرم أيضًا، لأن النظر والإصلاح في المبيع نفسه، وهو الكرم، وهو يجيز مسألة بيع السلعة بمائة، على أن يتجز المشتري بها سنة، وإن لم يشترط خلفها، وكذلك يأتي على مذهب ابن حبيب في هذا الأصل.
السلم وشبهه في الدار المبيعة لمن يكن:
سألت ابن عتاب: عمن باع دارًا فيها مطاحن لم تذكر في التبايع، فأراد البائع أخذها، ومنعه المبتاع منها.
فقال: إن كانت مبنية فهي للمبتاع، وكذلك الدرج المبني، وإنك كانت غير مبنية فهي للبائع، وكذلك السلم الذي ينقل من موضع إلى موضع.
وقال بعض من حضر: اختلف في الحجر الأعلى من المطاحن، وفي وثائق ابن العطار؛ في الحجر الأعلى؛ أنه للبائع، وفي الأسفل أنه للمبتاع، لأنه مبني، فهو كسائر الدار، وقال في السلم، هو للمبتاغع، بخلاف ما قال ابن عتاب.
وقال القاضي أبو بكر بن زرب في مسائله:
مما يؤكد أن السلم يكون في الدار، أنه لمبتاعها؛ ما ينعقد في وثائق أشرية الدور بجميع منافعها ومرافقها، فالسلم من المنافع، ولا يوصل إلى الغرفة إلا به. قال له ابن محسن: قد رأيت لابن حبيب ما ذهبت إليه، أن السلم يدخل في البيع. فقال: ما رأيته، ولكن جئني به لأراه، فقال: نعم، آتيك به إن شاء الله، فقال بعض أصحابه: ينبغي على هذا القول أن يدخل الدلو والحبل والبقرة في البيع، إذ لا يوصل إلى الانتفاع بالبئر إلا
[ ٢٩٣ ]
بذلك، كما لا يوصل إلى الغرفة إلا بالسلم، فقال: ليس هذا مثله، والسلم خلاف ما ذكرت، والسلم عندي من منانفع الدار، وهو داخل في البيع، وليس للبائع أخذه هذا مذهبي.
قال القاضي:
يؤيد ما ذهب إليه القاضي وابن العطار في السلم، وما في سماع عيسى عن ابن القاسم فيمن اكترى منازل سنة، وفيها علي ليس له سلم، فقال لصاحب المنازل: اجعل للعول سلمًا، ولم ينتفع به المكاري، حتى انقضت السنة قال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلي من الكراء، فيطرح على المكاري.
ابتاع دارًا يتصل بها حانوت أو جنة، وادعى دخول ذلك في ابتياعه:
كتبت إلى شيوخنا في قرطبة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة، فيمن باع دارًا ينتظم بها حانوت، له باب يفضي منه إلى الدار، وباب آخر ينجز عليه، وعقد العقد وقيل فيه، بمنافعها، أو لم يعقد. وآخر باع دارًا تتصل بها جنة، محدق عليها، وليس لها باب ولا طرق إلا على الدار، وادعى المبتاع دخولها في صفقته، وخالفه البائع.
فجاوب ابن عتاب:
أما الدار والجنة، فإن حدود المبيع في عقد التبايع، دخل في البيع ما اشتملت عليه الحدود، فإن اشتملت عليه جميعًا، نفذ البيع فيهما، وإلا لم يدخل فيه ما خرج عنهما، وهذا ما ذكرت أنه لا مدخل لها إلا على الدار، والحانوت مخالف للجنة عندي، إذ له باب آخر، ولا يصح الجواب فيه إلا بعد الوقوف على ما يقوله المتبايعان.
وقد يمكن أن يستدل على هذه القصة بما في الواضحة لابن حبيب، في تأويل الحديث الذي وقع أيضًا في المستخرجة من جامع البيوع، أن مروان اشترى من إبراهيم بن نعيم بن النحام نخلًا له، فقال إبراهيم: إنما بعتك النخل وحدها، وقال مروان إنما اشتريت النخل والبقعة. ولا أتقلد الجواب إلا بعد البيان، ولا أحسبها نازلة فتركت الاشتغال بها، ونبهت على موضع الاستدلال لها، والله أسأل التوفيق.
وجاوب أبو عمر أحمد بن محمد بن القطان:
أما الحانوت فلا يدخل في بيع الدار، وإن كان له إليها باب مفتوح، إلا أن تحد وتشتمل عليها الحدود، وإلا فالحانوت غير الدار، وكذلك الجنة، إذا لم يقع تحديد لأنها
[ ٢٩٤ ]
غير الدار.
وجاوب ابن مالك:
إذا كان المتبايعان حد الدار، فيحسب المتبايعان والوقوف عند ذلك، وإن كان لم يحداها ويعرفانها؛ فالحانوت لا يقال له دار في المتعارف، فلا يدخل في البيع والجنة أيضًا لا تدخل في البيع، ولعله يمكنه مدخل يوما ما.
قال القاضي:
الذي نبه عليه أبو عبد الله بن عتاب من خبر بن النحام، ذكره ابن حبيب من آخر العاشر من بيوع الواضحة، عن أبي معاوية المزني عن يزيد بن عياض: أن مروان بن الحكم اشترى من إبراهيم بن نعيم بن عبد الله بن النحام نخلال له، كانت في موضع دار مروان أو في بعضها، فقال إبراهيم إنما بعتك النخل دون البقعة، وقال مروان بل اشتريت النخل والبقعة، فنكل عن اليمين، فسلم المبيع لمروان مع يمينه.
قال ابن حبيب: وتفسيره أن يقول البائع: إنما بعتك النخل وحدها، نصصت ذلك وبينته، ويقول المبتاع: إنما بعتني النخل والأرض جميعًا، نصصته نصًا، فيكون القول قول البائع مع يمينه إن كان انتقد الثمن، فإن نكل؛ حلف المبتاع، وصدق، ولا يتحالفان ويتفاسخان، فأما إن تقارا أن البائع قال: أبيعك هذه الحديقة وهذا الحائز؛ فالأرض والشجر جميعًا يجمعهما البيع، وكذلك إن قال: أبيعك أرضي هذه، أو الأرض التي لي بموضع كذا وفيها شجر، والشجر تبع لها، كما الأرض تبع للشجر، على ما ذكرنا.
وهكذا، أوضح لي مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وقال لي أصبغ: وهو قول ابن القاسم أيضًا.
قال القاضي:
تركت كثيرًا من هذه المسألة اختصارًا، ووقع خبر ابن النحام في نوازل سحنون على ما ذكره ابن حبيب، ولو كان البائع لم ينقد الثمن، وقال: إنما بعت النخل وحدها، وادعى المبتاع أنه اشتراها جميعًا، وبين ذلك؛ تحالفًا وتفاسخا. وكذلك في مسألة الدار والحانوت والجنة، إن ادعيا البيان واختلفا، تحالفا وتفاسخًا.
وبهذا الوجه يتم جوابها، وإنما وقع جواب الشيوخ فيها على أنهما لم يبينا، ووقع التبايع منهما بينهما، وكذلك في هذا الفصل من كتاب القسمة بينهما من المختلطة، ابتاع
[ ٢٩٥ ]
من هذا التسعة الأثواب بدينار، وقال المبتاع: وهذا الثوب العاشر معهما أنهما يتحالفان ويتفاسخان، والله تعالى أعلم بالصواب وهو الهادي إليه بفضله لا شريك له.
وسئل أبو عمر بن القطان:
عمن باع جميع أملاكه بقرية كذا، وقال في عقد الابتياع في الدور والدمن والأفنية والزيتون والكرم، ولم يزد في الوثيقة على هذا، وللبائع في القرية أرجاء لم تذكر في الوثيقة، وما لم أذكر -وهو الأرجاء- لم يدخل في المبيع فكتب بخطه: الأرجاء للمبتاع، وجميع ما بالقرية من العقار.
قال القاضي:
هذا الجواب يوافق ما في سماع أصبغ في كتاب الصدقة، ويخالف قول قاسم بن محمد، هكذا ألفيت هذه المسألة في بعض الكتب، وقد مرت نظيرتها من جواب ابن زرب في الوصايا.
البيع بثمن يحل في شهر كذا:
في مسائل ابن زرب، قال القاضي فيمن باع بيعًا، واشترط محل الحق عليه وكان ابن لبابة يقول: هو أجل مجهول، إلا أن يقول أول الشهر أو آخره أو وسطه، قال: ولست أقول بهذا، وقد رأيت لمالك في المبسوط: أنه أجل معلوم ويكون محل الأجل في وسط الشهر إذا قال في شهر كذا، وفي وسط السنة إذا قال في سنة كذا، واستحسن القاضي هذا، وقال: أليس البيع إلى الجذاذ أو الحصاد جائز، وهذا حق بالجواز.
قال القاضي:
ولمالك في كتاب شك في طوافه نحو ما جاء عنه في المبسوط، سئل عن رجل صالح في دم، على أن يعطي في كل سنة كذا وكذا وكان شرطه أن يعطاها جملة، وقال الذي عليه الإبل: آتيك بها رسلا رسلا يتبع بعضها بعضًا، وقال الذي له الإبل: وأنا على شرطي، ولا آخذا إلا جملة واحدة، قال مالك: ما أرى بأسًا أن يأخذا رسلا رسلًا، فردد عليه، فرأى ذلك أن يعمل به، فقيل له: إنما اشترط عليه في سنة، ولم يسمها في شيء من السنة قال: أرى أن يعطى في وسطها يعني السنة.
قال القاضي:
وسألت أبا عمر ابن القطان عن العقد يؤرخ لصدر شهر كذا من سنة كذا، كم
[ ٢٩٦ ]
الصدر؟ فقال لي: الثلثان والنصف:
واحتج بما في سماع ابن القاسم عن مالك: فيمن له على رجل حق، فقال لغريمه: إن لم يقبض صدرًا من حقي يوم كذا وكذا؛ فعلي المشي إلى بيت الله إن لم ألزمك بحقي كله، قال مالك: إن الصدر ثلثا، ولو قيل النصف، لكان قولا، ولكن الثلثين أحب إلي، إلا أن يكون حين حلف قد أجمع على شيء من أمره؛ فهو على ما أجمع.
وسألت ابن مالك عن ذلك فقال: اليمين يتقي فيها دخول الحنث؛ إن لم يستوف ما حلف عليه، وذهب إلى أن الصدر في العقد أقل من ذلك، وهو الأشبه فيه عندي أن يكون ثلث الشهر أو ما قارب منه، وقد قال ابن حبيب فيمن حلف ليرضين غريمه إلى أجل سماه، فلما حل الأجل أحاله به على غريمه، أو أعطاه به عرضًا، أو رهنًا، أو قضاه منه صدرًا مثل الثلث فما فوقه، أو جميلا أو أرضاه بذلك كله، بره. قاله مالك.
ورواه ابن وهب وغيره، وقاله ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك، لم أعلمهم اختلفوا فيه، فقد أطلق في هذه المسألة صدر على الثلث فأزيد، والله أعلم بالصواب.
بيع أنقاض الحصاد المبنية في أفنية السلطان وفي الأرض المحبسة:
في كتاب الشفعة من المختلطة: من أذن لرجلين أن يبنيا عرضة له فبنياها، فباع أحدهما حصته من النقض؛ فلشريكه الشفعة فيه؛ إن لم يرد رب البقعة أخذه بالقيمة، وفي غيرها عن أشهب وسحنون: أن بيعه لا يجوز؛ لأن رب العرصة له أخذه، فتارة يشتريه بناء، وتارة نقضًا.
وسئل مالك عن قوم حبست عليهم دار، فبنوا فيها، ثم مات أحدهم، فأراد بعض ورثته أن يبيع نصيبه من ذلك البنيان، هل لإخوته شفعة؟ فقال: إذا نزل مثل هذا؛ فلهم فيه الشفعة. قال ابن عبدوس: قال سحنون: هو يقول ما بني في المحبس فليس له أخذه، ولا بيعه، ويكون محبسًا، قيل له: فلعله أراد حبس عمري، قال: فبيع النقض إذًا لا يجوز، وينقض، ولا شفعة فيه؛ لأنه بيع فاسد، وهو قول أشهب. وقال: لا يجوز بيعه إلا لضرورة في دين وشبهه فيجوز، وقال: هو كالشريك يبيع حصته من العبد بعد عتق شريكه، فلذلك غير جائز.
وفي العتبة، في سماع أشهب عن مالك، فيمن ابتاع قصبًا وأبوابًا وكل بنيان في الدار، إلا أن البقعة قطيعة من أمير المؤمنين، على أن أتباعه في كل ما اشترى على البائع إلا
[ ٢٩٧ ]
البقعة، لحق المشتري في شيء مما اشترى سوى البقعة، فهو على البائع قال: هذا البيع ليس بجائز، ولا حسن.
وفي كتاب ابن المواز: ومن ابتنى في أرض من أرض السلطان، ويؤدي إليه الكراء، فبيع الباقي النقض قائمًا، وربما زاد عليهم السلطان في الكراء، فإذا باع النقض ولم يشترك كراء مسمى ولا يقول: أحول اسمك مكان اسمي، جاز. قال محمد: إنما هذا في أرض السلطان التي لا تنزع ممن بني فيها، فأما لغيره فلا يجوز للباقي بيع النقض ولا شيئًا منه على حال.
قال القاضي:
يريد: لأن رب الأرض مقدم في دفع قيمته منقوضًا. وفي وثائق ابن العطار: ولا يجوز بيع حوانيت الحصى، التي قاعتها للسلطان، منالموت وشبهها من المباني المحدثة في الموات، وبطون الأودية المجاورة للعمران، على أن يبقى بنيانها قائما فيها على حسبه وقت التبايع، إذ القاعدة لغير البائع. ولا يدري كم يترك بنيانها فيها فيدخله الغرور والفساد وإن وقع هذا؛ فسخ البيع ورد المبيع إلى بائعه، وإن فات بهدم وشبهه؛ فعلى المتاع قيمته منقوضًا.
وإن باعه على أن ينقضه المبتاع، ووقف على ما فيه من صخر وغيره؛ جاز إن لم يضمر بقاءه قائمًا على حاله، فإن أضمرا ذلك وشرطاه؛ لم يحل، وإن أظهر في العقد أمرًا صحيحًا لأنه يزيد في الثمن لذلك، وهو لا يدري متى يخرجه السلطان، أو يأخذه بقيمته، ويفسد أيضًا من وجه آخر إن شرط إبقاءه، ويؤدي عن القاعة خراجها شهرًا فشهرًا إلى السلطان، فيكون قد أكراه إلى غير مدة معلومة، يخرجه السلطان عنها إن شاء، ولا يمكنه من الانحلال عنها إذا أراد، وإن مات اتبع السلطان ورثته بخراجها، فصار كالمغارم التي يتبرأ بها عن الأملاك المبيعة.
وفي مسائل القاضي أبي بكر بن زرب قال:
لا يجوز بيع أنقاض الحوانيت التي تقام في أفنية السلطان بالحصاة والحساس ونحوها، فإن انعقد البيع فيها دون الأصل لم يجز، إذ المعلوم فيها لولا رجاؤه بتركه فيها لم يعط صاحبها ذلك الثمن بها، قال له ابن دحون: فلو باع هذا النقض صاحبه، واشترط على المبتاع قلعة، فتبسم وقال: هذه حيلة لو سمعها الناس لاحتالوا بها.
[ ٢٩٨ ]
وذهب إلى أن ذلك جائز إذا اشترط أنه بقلعه، قال له ابن دحون: فلو أوصى رجل ببيع نقض حانوت له في هذه المواضع، وأن يفرق ثمنه على المساكين فقال القاضي: أما أنا فما كنت أبيعه، وإذا نزل في مثل هذا، لم أعقد البيع فيه، وقلت لموصي أذهب عني وافعل ما ظهر لك، فيتولى الوصي بيعه، فأفتى بقرطبة ابن عتاب وابن القطان وابن مالك: بنقض بيع الأنقاض المقامة في الأرض المحبسة، وإن كتب في العقد أنه إنما ابتاعها ليهدمها وينقضها، وأنه يعرف قدر المؤنة في قلها ونقضها.
قال القاضي:
وشاهدت الحكم في ذلك بقولهم: هذا إذا كان المعروف من فعلهم إبقاء الأنقاض في مواضعها، وإن اشترطوا قلعها، فقال لي ابن عتاب: فإن فات ذلك بهدم المشتري الأنقاض وقلعها؛ مضى البيع فيها بالثمن ولم يفسخ ولا رد إلى قيمته. وقال ابن مالك مثله، وصوبه إذا أعلمته به، وقال: لأنه إنما فسخ لاتهامها بإضمار إبقائها، إذا هو المتعارف من فعلهم، فإذا هدما ونقضها؛ ارتفعت التهمة عنهما، وصدق فعلهما قولهما، ووجب إمضاء البيع بينهما إن شاء الله ﷿.
قال القاضي:
وهذه مسألة قد جمعت مفترقها، ونظمت مشتبهها، وذكرت قول مالك ومن بعده فيها؛ واجتمع من ذلك؛ أن ما تضمنته المدونة منها لم يجر به عمل، ولا أفتى به المتأخرون، والصحيح فيها ما ذهب إليه سحنون وأشهب، وما احتال به المتأخرون من ابتياعه بشرط القلع؛ غير سالم من الاعتراض، إذ لرب البقعة أخذ النقض بقيمته مقلوعًا، ومنع مشتريه من قلعه.
وقد أشار أبو عبد الله بن أبي زمنين إلى السلامة من هذا في وثائقه، فذكر فيمن أعار رجلا بقعة ليبني فيها، فبنى المعار فيها بنيانا، ثم أراد بيعه من غير صاحب؛ أنه جائز عند ابن القاسم؛ ثم لرب البقعة أن يعطي المشتري الأقل من قيمة نقضه، أو الثمن الذي اشتراه به، قال: وقد ذهب غير ابن القاسم إلى أن ذلك غير جائز إلا أن يباع في دين لحق صاحب النقض، فيجوز حينئذ لضرورة الدين.
قال: فإن بيع في دين، لفوجهه عقد الوثيقة في ذلك أن تقول: اشترى فلان من فلان جميع النقض والبنيان الذي بناه في بقعة، الحانوت الذي بموضع كذا، وحدوده كذا، وكان
[ ٢٩٩ ]
فلان بن فلان قد أذن لفلان أن يبني في هذه البقعة حانوتًا على صفة كذا، فلما بناه فلان وأكمله، لحقه دين لم يجد له قضاء إلا ببيع هذا البنيان والنقض، فعرض جميعه على فلان صاحب البقعة، وخيره بين أن يعطيه قيمته، وبين أن يطلق يده على بيعه، فأذن له في بيعه، وأن يصنع فيه ما أحب، فعند ذلك باعه فلان من فلان بكذا وكذا قبضه منه وأرسل إليه جميع المبيع الموصوف، وأنزله فيه، وصار إليه من عمارة هذا الحانوت وسكناه وإسكانه وإكرائه، مثل الذي كان له هو فيه، وصار إليه من عمارة هذا الحانوت وسكناه وإسكانه وإكرائه، مثل الذي كان له هو فيه، إلى أن يريد صاحب البقعة إخراجه فيصير في ذلك إلى ما توجبه السنة ثم أكمل العقد والله ولي التوفيق.
اشترى وطاع بالثنيا أو باع وتبرأ من وظيف الملك المبيع:
قال ابن في مسائله: منابتاع شيئًا، وذكر في عقد ابتياعه أنه طاع البائع إن أتاه بالثمن إلى عام أو مدة ذكره فالمبيع عليه رد، فانصرمت المدة ولم يأت البائع بالثمن، فأراد المبتاع تملك ذلك، وقطع ما التزمه للبائع؛ إذ ذلك يأتيه بالثمن للمدة، فقال له البيع إنما كان ارتهانًا، وعقدناه بالثنيا، تحيلا في إسقاط الحيازة التي لا يتم الرهن إلا بها.
قال القاضي: أرى اليمين على المبتاع أن ابتياعه كان صحيحًا، وإنما طاع بالثنيا بعد العقد، فإن نكل عن اليمين حلف البائع، وأدى إليه الثمن، ورجع فيما باع، قال: ومثل ذلك الذي يبتاع المال الموظف، ويعقد بالوظيف تبرئة يذكر فيها أنه تبرأ إليه بعد انعقاد صفقة التبايع، ثم ادعى أحدهما أنهما علم بالوظيف قبل البيع، ويدعو إلى يمين صاحبه، فإن اليمين واجبة في هذا، وإن قامت بينة على ما أشهد به على أنفسهما من التبري بعد العقد، قال: وإنما وجبت اليمين في هاتين المسألتين للمتعارف بين الناس أنهم يتحيلون في الارتهانبالثنيا، وأن المبتاع لا يبتاع ملكًا حتى يعرف ما عليه من الوظيفة.
قيل له: فهل ترى الموثق يطلع على معرفتهما بالوظيف قبل انعقاد البيع، أن يعقد لهما عقد التبايع والتبري؟ فقال: لا ومسألة الثنيا في البيع في كتاب الآجال من المدونة، وفي سماع أشهب وابن نافع في العتبية، وفي سماع ابن خالد، وسماع سحنون، وآخر نوازل أصبغ، وفي أول رسم من سماعه.
وقال ابن أبي زمنين: كان فقهاؤنا يقولون: لا يجوز أن تباع الأرض المغرمة، بشرط أن يحتمل المبتاع مغرمها، وأصلهم في ذلك ما رواه سحنون عن ابن القاسم في أصل الصلح، يبيع اتحدهم أرضه ويشترط خراجها على المبتاع، أن ذلك لا يجوز.
[ ٣٠٠ ]
وقال أشهب لا بأس أن تشتري أرض الصلح، على أن يتحمل المبتاع مغرمها، فإذا أسلم البائع سقط الخراج عن المبتاع، قال ابن أبي زمنين: وروي ابن وضاح عن سحنون، أنه كان يقول: لا أرى ببيع أرض العشور بأسًا، والعشور على المشتي، قال سحنون: وقد كنت أكرهه ثم رأيته خفيفًا. وفي وثائق ابن العطار وغيره بيان هذا المعنى.
وقول ابن القاسم وأشهب في المدونة، في كتاب التجارة إلى أرض الحرب، وقد نبهنا على مواضعها لمن أراد مطالعتها في الأصول، وتركنا اجتلابها كراهة التطويل.
وفي أحكم ابن زياد:
البيان في العشور بعد الصفقة براءة، ولا تكون حتى يبين قمحه من شعيره، وأين يورد، وعمن، وكيف، فإنه قد يغلق على قليل فتخف المؤمنة، ويغلق على عدد كثير فيكون ضررًا، وذلك عيب الرد، ولا تكون البراءة بعير ما قلناه.
فإن قال البائع ذلك كله، وأنكره خصمه، حلف المنكر، إلا أن تقوم عليه بينة، وله رد اليمين، قاله ابن لبابة وغيره.
باع نصف غنمه بثمن منجم أعوامًا، والتزم المشتري أنه متى عدي إلى المقاسمة فيها حل الثمن، أو ما نفق منه عليه.
كثيرًا ما تنزل هذه المسألة عندنا بقرطبة، وعملها، وتنعقد وثائقهم بذلك، يبيع الرجل نصف غنمه التي عدتها كذا، بثمن مبلغه كذا، منجم على المبتاع في أعوام يذكرونها، يؤدي من ذلك إلى البائع كل نجم كذا حتى يتم الثمن من آخره.
ونقول في العقد: وقبض المبتاع فلان جميع الغنم المذكورة، وصارت بيده على أن عليه استئجار رعيها، والنظر فيما يعود من لبنها وصوفها وغير ذلك من مصالحها، ويتبع الراعي الخصب بها في الأعوام المذكورة، وعلى البائع خلف ما ضاع من نصيبه في هذه الغنم، أو مات، وانتزع المبتاع فلان طائعًا من غير شرط للبائع فلان، أنه متى أراد قسمة هذه الغنم، أو دعي إلى ذلك، فالثمن أو ما بقي منه حال عليه حينئذ قبض باقي الثمن، وشاور الحكم في ذلك برسول أرسله معهما.
فأفتى ابن عتاب وابن القطان:
أن للبائع المقاسمة، ويؤدي المبتاع إليه الثمن معجلا من نصيبه من الغنم، يريد أو من غيرها، فأنكرت ذلك من جوابهما، وتكلمت فيه مع ابن مالك، فقال لي: لا يلزم المبتاع
[ ٣٠١ ]
تعجيل باقي الثمن، ويبقى عليه إلى أجله إذ لم يدع هو إلى قسمة الغنم، وهذا الذي رأيت أنا فيها، ثم وقفت ابن عتاب على جوابه المنقول الذي نقله عن الرسول؛ فأنكره، قوال: لا يلزم المبتاع تعجيل الثمن إلا إن كان هو الذي دعي إلى القسمة على ما كان التزمه، ووقفت أيضًا ابن القطان على جوابه المذكور، فالتزمه وأقر به وثبت عليه والله الموفق للصواب.
ابتاع أرضًا وسأل الإنزال فيها:
من أحكام ابن زياد: فهمنا وفق الله القاضي. ما ذكره من أن ابن عبدوس قام بكتاب ابتياع عنده لخمسة أمداء من أرض في أحقال بأعيانها، ابتاعها من البهاء بقرية أطرانة، وأن القاضي أشهد على ثبوت ذلك الكتاب عنده، وحكم بما فيه على البهاء بواجب السنة، ثم سأله ابن عبدوس ضم البهاء إلى أن ينزله في تلك الأرض؛ فتكوركت، وأتى ابن عبدوس ببينة إلى القاضي، فشهدوا عنده: أنهم يعرفون الأحقال المذكورة في كتاب الابتياع؛ لملكًا للبهاء، ويحوزونها ولا يعلمون ملك البهاء زال عنها، إلا أن بلغهم أنها باعتها من ابن عبدوس.
وأحب القاضي معرفة الواجب في هذه الشهادات، فالواجب فيها إن كان قبل الشهود في معرفة الأحقال، أو رجلين منهم أن يكلف المقبولين حيازتهما. ويرسل معهم عدلين أو أكثر، إن أحب يشهدان الحيازة، فإذا حيزت وثبت عنده الحيازة، أنزل فيها ابن عبدوس إن كان لخمسة أمداء، وإن كانت أقل بشيء يسير دفع إليه ما ألفى فيها، ورجع على البهاء بقدر الناقص من العدة التي باعت عليها، وإن ألفيت أكثر من خسمة أمداء؛ أنزل ابن عبدوس في خمسة أمداء منها، ويقتسم ذلك من يقدمه الاقضي لقسمة، ويقر الباقي على يد رجل للبهاء لثبوت توركها. قال بذلك محمد بن عمر بن لبابة، وعبيد الله بن يحيى ومحمد بن وليد، وجماعتهم.
مسألة أخرى من هذا المعنى:
قرأنا وفقك الله الكتاب المعقود لمحمد بن عمر على خصمه، فنظرك له، وفيه قول الخصم: أن المال الذي بعته برة ملك له، ولم يقل أنه بيده، فكان على محمد بن عمر أن يقيم البينة على خصمه أن المال الذي ابتاعه من برة بيده، فيقال له: أنزله فيما ثبت له عليك، فأظهر محمد كتابًا بإقرار عبد الله؛ أن الذي باعته أخته برة من محمد بن عمر ما
[ ٣٠٢ ]
ذكر في كتاب ابتياعه منها بيده، وفي ملكه، فوجب على محمد بن عمر إثبات ذلك الكتاب، ثم يعذر إلى عبد الله في الشهادات، فإن لم يأت بمدفع؛ وجب عليه إنزاله في هذه الخصومة لثبوت عدة ورثة عبد الملك، وبثبوت ذلك يعلم أن برة باعت ملكها وما وجب لها بالفرض عن أبيها في الذي هلك عنه بهذه القرية إن كان الموروث معلوم العين، إلا أن يجوز عبد الله شيئًا يصدقه فيه محمد بن عمر، فإن أكذبه؛ وجب على محمد حيازة المال. قال بذلك ابن لبابة، ومحمد بن وليد، ومحمد بن غالب، وأيوب بن سليمان.
وفي هذا المعنى حضرنا-وفقك الله- قول ابن الرعدي:
أن المال الذي ابتاع ابن عمر مصاب أخته بيده، فأوجبت الفتيا عندك، وكتبنا بذلك أن عليه إنزاله في هذه المصابة لثبوت عدة ورثة أبيه عندك وابتياعه من أخيه، فترسل ابن الرعدي، وتأمره بإنزاله في هذه المصابة، وتضمه إلى ذلك بالحق ضمًا، لا تطاول فيه، فقد أنقضت معاذيره إن شاء الله.
قال بذلك عبيد الله بن يحيى وابن لبابة ومحمد بن غالب ومحمد بن وليد ويحيى بن عبد العزيز وسعد بن معاذ.
وفي وثائق ابن الهندي أحمد بن سعيد عقد بإنزال البائع للمتاع، يشهد المسمون في هذا الكتاب من الشهداء: أنهم حضروا في شهر كذا، من سنة كذا، إنزال فلان بن فلان لفلان بن فلان فيما احتيج إلى وصفه، مما باعه منه، بقرية كذا من أقليم كذا، من عمل موضع كذا، وذلك في دمنة كذا، وحدودها كذا وكذا، فإذا أوعيت ذكر الجميع قلت: ورضي المبتاع فلان بما أنزله فيه البائع فلان مما وصف في هذا الكتاب، وأقر أن ذلك جميع ما كان أراه إياه، مما احتيج إلى وصفه، سوى ما استغنى عن ذكره من أبوار القرية المشتركة بين جميع أهلها ومروجها ومسارحها وشربها وشعرائها ومرافقها، ونزل المبتاع فلان في جمع ما ابتاع، مما وصف وغيره، وأبرأ البائع من دركه الإنزال في ذلك، شهد بذلك من حضره ممن أشهده فلان وفلان على أنفسهما بالمدور فيه عنهما إلى أخر العقد.
ثم قال ابن الهندي: وقد مضى العمل بالحكم بالإنزال وإلزامه البائع، والرواية تدل على أنه ليس من الأصول؛ لأنه قد رووا أن ما أصاب المبيع من دار أو أرض، من هدم أو غرق أو غيره، بعد عقد البيع، فهو من المبتاع ولا شيء له على البائع، وهذا مما لم
[ ٣٠٣ ]
يلزم الإنزال، وأنه إذا أقر المتاع بأنه عمر أو ثبت ذلك عليه؛ أن الإنزال سقط عن البائع، وإنما في الإنزال من المنفعة للمبتاع؛ لأنه إن استق عليه يومًا ما شيئًا من المبتاع، ولم يكن البائع أنزله فيما باع منه بمحضر بينة عدل، فيحتاج المبتاع عند الرجوع بقيمة ما استحق من يده على البائع إن كان يسيرًا، أو ينقض الصفقة إن كان كثيرًا، أن يثبت أن ذلك مما باع منه البائع إن أنكره أن يكون من المبيع، فتلحقه في ذلك كلفة ومؤنة.
وإذا كان قد أنزله بمحضر عدول في معروف محدود، واستحق منه شيء استدل بالحدود، وكان أسهل على المبتاع في الرجوع على البائع، وإن احتاج إلى حيازة ذلك، حازه الشهود الذين حضروا الإنزال أو غيرهم، وإذا حدد المبيع في عقد الابتياع، ووصف قرب من معنى الإنزال، وإنما تتأكد حاجة المبيع إلى الإنزال إذا ابتاع جزافًا غير محدود ولا موصوف.
قال القاضي:
وهذا الذي علل ابن الهندي به الحكم بالإنزال حسن، لأن المبتاع لا يخلو أن يكون ابتاع ما يعلم، ابتاع ما لا يعلم، فإن كان ابتاع ما قد رآه وعلمه، فلأي شيء يكلف البائع إنزاله فيه، وإن كان ابتاع ما لم يره ولم يعلمه ولا وصف له؛ فابتياعه فاسد مفسوخ ولا يصححه الإنزال، إلا أن يكون ابتاع على أن ينظر إليه ويراه، فيصح ابتياعه إن شاء الله.
ولسحنون في نوازله في جامع البيوع، فيمن ابتاع دارًا أو أرضًا أو غيرهما، وقد عرفه المبتاع في يد البائع، فلا حوز عليه، وإن دفعه عما اشترى دافع؛ فتلك مصيبة دخلت على المبتاع، وهذا يؤيد ما بيناه.
وقوله: إن دفع عما اشتراه فتلك مصيبة دخلت عليه، فيه تنازع فتأمله في نوازله في
[ ٣٠٤ ]
آخر الدعوى، وفي كتاب الاستحقاق في سماع عيسى، وفي استحقاق المقربة والمختصر.
وبقرب من هذا المعنى:
مسألة كانت جرت بين يدي وحكمت فيها، وهي مسألة الحسن وصلتان ابني تمام بن صلتان، مع ابني بنيدو محمد بن منتيل المعروف بابن الأرملة.
ابتاع الحسن وصلتان من ذونة ابنة أبي حميد بن أبي عيسى ومن خلف بن وزير صاحب الأحباش والمواريث ببياسة وعملها، بعقد قاضيها إسماعيل بن محمد بن الفخار إياه على ذلك، أملاكًا بقرية محاطش من قرية بياسة، بثمن قبضه المتبايعان ذونة وخلف بن وزير منهما، واعتمر الملاك نحو أحد عشر عامًا بعد ابتياعهما، بحضرة أحمد وحزم ابني بنيدو، وبحضرة أحمد بن منتيل، لا يغيرون عليهما في هذه المدة شيئًا.
ثم تسوروا عليهما فيها ومنعوهما منها وقام بذلك عنذي، وكنت حينئذ حاكم ببياسة والشمنتان وكشطر وأعمالها، بتقديم ابن صمادح صاحب المرية، وثبت عندي عقد استرعاء بابنياعهما للأملاك من ذونة وصاحب المواريث وقبضهما للثمن وإيراد صاحب المواريث خط بيت مال المسلمين منه حيث وجب إيراده، وبتحديد الأملاك شيئًا شيئًا وموضعًا موضعًا، واعتمارها لها بحضرة المذكورين المدة المسماة، وبتسورهم عليها بعد هذه المدة، وأنهما لم يفوتا شيئًا منهما في علم شهداء ذلك إلى حين التسور، وحيزت الأملاك وثبت عندي حيازتهما، واعتذرت إلى أحمد وحرم ومحمد، وأحلت لهم في المدفع الذي أدعوه، فلم يأتوا بشيء، فحكمت لهما وسجلت بذلك ويقطع حجة المتسورين المذكورين، وتاريخ السجل عقب ذي الحجة من سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة.
ثم غاب المحكوم لهما عين أبناء صلتان- عن بياسة إلى شرق الأندلس؛ للفتنة التي صارت فيها بياسة إلى باديس بن حبوس، وبقيا عنها نحوًا من عشرين عامًا، ورجع المحكوم عليهم في الأملاك في غيبتهما، ومات صلتان منهما، ورجع الحسن إذ صارت بياسة إلى ابن ذي النون، وطلب الأملاك، واستظر بالسجل، وأثبته عند حكمها- عبد بن بحيى بن أبي رجا وكلفه حيازة الملاك فحازها من لم يزل عنده من الشهود، وكان الحوار ذلك في السجل قد ماتوا، وزعم المحكوم عليهم أنهم لم يعذر إليهم، ولا شرور في حكمهم، وجرحوا جواز السجل عند الحكم المذكور، واستفتى في ذلك الفقهاء.
[ ٣٠٥ ]
فجاوب فقيه طليطلة وما بعدها:
أبو المطرف عبد الرحمن بن سلمة على ظهر نسخة من السجل؛ تصفحت جميع السجل المنتسخ في بطن هذا الكتاب والسؤال الذي على ظهره، قرأيت وبالله التوفيق- أن السجل المذكور عقده صحيح، والحكم به لازم للمحكومين عليهم، ولا يقبل منهم ما يذهبون إليه من تجريح الحائزين ولا غيرهم من الشهداء ولا ما يدعون أنهم لم يعذر إليهم فيه، وقول الحكم مقبول أنه قد أعذر إليهم، والحكم في ذلك عليهم لازم لجميعهم، والوجه في هذا أن يرسل الحكم من يثق به إلى الأملاك المذكورة في السجل، فما وافق حدوده حدود ما في السجل حكم للمحكومين لهم به، فإن أصيبت الحدود وقد غيرت، وثبت أن الأملاك المحكوم عليهم فيها حيث بأيدي المحكومين عليهم فيها؛ وقفت جميع ما بأيديهم حتى يقروا بما حكم عليهم منها، مع إيمانهم أن الذي حازوه هو الذي حكم عليهم به.
فإن أبوا عن الإقرار ولجوا في الإنكار قيدت للمحكومين لهم بما حازوا منها لأنفسهم، بعد إيمانهم أن الذي حازوا الذي قضى لهم به، فإن لم يقفوا على حيازة ذلك لتغيرها؛ وجب إيقاف جميع الأملاك إلى أن يفتي جميع المحكومين عليهم بما في أيديهم من ذلك إن شاء الله.
قال القاضي:
نقلت هذا الجواب، وكان بخط يده على نص ما كتب هو، حرفًا بحرف وكان فيه لحن أعتذر منه، وهو من أهل الفقه إلا أنه غير بصير باللسان.
ومما يشكل هذا المعنى:
مسألة عبد الرحمن وفطيس ابن عيسى بن عبد الرحمن بن فطيس، أثبتا عند صاحب المظالم بقرطبة أبي بكر بن أدهم ﵀ عقد استرعاء بملك أبيهما عيسى الأرض بقرية دوس الجبل في أقليم الجنطان من عمل قرطبة حدها كذا وأنه اغترسها كرما ولم يفوت شيئًا من ذلك في علم شهدائه إلى أن توفى، وأنهما تملكاه بعده ولم يفوتاه، وأن عبد الملك ابن جهور تسور عليهما في قطعة منه تعرف بالسهلة ولم يقدما على التحكم في ذلك لتملكه على قرطبة، وأثبت عنده موت أبيهما ووراثته وانفرادهما بالكرم وحيز الكرم والقطيع وثبتت حيازتهما عنده، وأشهد بذلك كله، ولم يبين في تقييده حد القطيع
[ ٣٠٦ ]
المغصوب.
ثم قاما بما قيد ابن أدهم لهما وأثبتاه عند القاضي محمد بن إبراهيم بن بقي وسألاه إنزالهما في ذلك.
فأفتى محمد بن فرج مولى الطلاع:
أن إنزالهما فيما غصب لهما واجب والحكم بذلك لازم قال: ووجه الإنزال أن ترسل شاهدين ممن حيز عليهما الكرم المغصوب، والذين وجه للحيازة مع غلام من قبلك مع عبد الرحمن وفطيس إلى الكرم وينزلان فيه بأمرك، وتشهد على ذلك من حكمك.
قال القاضي:
وأفتيت أنا أن هذا الحكم نافذ لهما لا يحتجان معه إلى ما سألاه من الإنزال، وأيديهما مطلقة على ما نص في تسجيله لهما، ولو لزمك ذلك للزم غيرك بعدك مثله لهما ولا يصل الحكم إلى غير غاية، وهذا أمر لا معنى له ولا سمع به، إلا إن كان منعهما منه مانع ودفعهما عنه دافع؛ فوجه الحكم حينئذ أن يحضر مجلس نظرك ذلك المعترض أو وكيله، وتقيد قوله بتبين اعتراضه ثم يجري الخصام فيه على وجه بحسب العادة فيه، والإنزال أيضًا لا يكون إلا في معين محدود الأقطار والجهات، والقطيع المغصوب الذي جرى فيه الحكم لم يذكر تحديده ولا زرعه ولا في أي جهة من الكرم هو، وفيما يلزمها لو لزمك ذلك وفي أي قطيع ترجى الحجة للغائب حملنا الله وإياك على ما يقرب منه برحمته.
قال القاضي:
هذه المسألة والتي قبلها كان باب الأقضية والأحكام أليق بهما من هذا الباب، لكنا ذكرناهما هنا لما فيهما من كتاب الإنزال إذ اتصل بذكر الإنزال في الأملاك المبيعة، والله ولي التوفيق.
بيع قطيع من دار ظهر فيها ارتهان من أحكام ابن زياد:
كشفت -وفقك الله- عما يجب للمرأة القائمة عندك بكتاب ابتياع قطيع من دار زوجها ابن حرب وفي الكتاب حدود الدار وموضعها وما شهد به الشهود عندك في ذلك الكتاب وقبولك لشهادتهم وما ألفيت من تقديم تاريخ الابتياع لتاريخ كتاب الارتهان الذي قام به عندك مرتهن الدار من مروان.
[ ٣٠٧ ]
فنقول - ونسأله التوفيق إن التاريخ المتقدم أحق وأولى مما جاء بعده، فإذا جاز الشهود القطيع المبيع قبل الرهن وثبتت حياته عندك كان الرهن في باقي الدار، وكان المبيع من أملاك زوجة ابن حرب مطلقًا من الرهن بعد يمينها أنها ما علمت بارتهان زوجها لجميع الدار، هذا قولنا والله نسأل التوفيق. قال ابن لبابة وابن وليد وابن غالب.
اختلاف المتبايعين في المبيع من دار وفي الثمن:
وقد مر منه اختلاف المتناكحين ويأتي منه فهمنا -وفقك الله- ما ذكرت ضبيعة أنها باعت نم أصبغ دارًا بحاضرة قرطبة وأنها أقبضته الدار ولم تقبض منه الثمن، وقول أصبغ: إنه إنما ابتاع منها ربع الدار بثلاثة دنانير وستة دراهم منذ أربعة عشر سنة، ولم تجر بينه وبينها في ثلاثة أرباع الدار مبايعة وأن الثلاثة الأرباع لم تزل بيد أصبغ وفي ملكه.
فالذي نقول به: إن قبلت البينة التي أقامها أصبغ أخذت له بها بعد الاعتذار وإلا حلفت المرأة أنها إنما باعت منه بستين وكانت أكرت منه قبل ذلك وسكن بالكراء وأنها ما قبضت ثمنًا في الربع الذي أقر بابتياعه.
ثم يحلف المبتاع على ما ادعاه من ابتياع الربع بالثمن الذي ذكر ثم يجب التفاسخ بينهما ولها عليه اليمين في ثلاثة أرباع الدار إن عجزت عن إثباتها. قاله ابن لبابة وأيوب بن سليمان ومحمد بن وليد.
صبي ابتاع رحى وباعها:
نظرنا- وفقك الله- فيما قلت وفهمنا ما أشهد به عليك من القيمة بمحضرنا، وقلنا لا معنى للقيمة وإنما ينظر إلى ما باع به الصبي وما ابتاع به وما دفعه إلى البائع منه:
فإن كان الصبي باع بأكثر مما ابتاع به فليس عليه إلا ما كان ابتاع به.
وإن كان باع بأقل مما ابتاع كان الفضل للصبي، ونقض فعل الصبي في الرحى وفسخ بيعها وردت إليه رحاه قاله عبيد الله بن يحيى وابن لبابة وأيوب بن سليمان ويحيى بن عبد العزيز وسعد بن معاذ ومحمد بن وليد.
قال القاضي:
قد قدمنا قبل هذا في باب النكاح ما عليهم من الاعتراض في مثل هذا الجواب من الواضحة وغيرها، فغنينا بذلك عن إعادته، والله الموفق للصواب.
[ ٣٠٨ ]
في إنكار البائع لبيع مال مرهون:
فهمنا-وفقك الله- ما تنازع فيه ابن مضي والشسي في المال المرهون بيد الشسي وقام به الشسي على ابن مضي فذكر أنه سامه به، ولم ينعقد بينهما زعم الشسي بيع فمد يده ابن مضي واعتمر المال وصار تحت يده.
وأنكر ابن مضي أن يكون تحت يده منه شيء، وأنه عرضه عليه فلم يساومه به إذ كان لغيره، وما عاد إليه يحي من يمينه.
فالذي نرى أن اليمين تجب على ابن مضي فيما ذكره يحيى فإن حلف برئ من طلبه يحيى، وإن نكل حلف يحيى وأخذ ابن مضي برد الأرض التي وصفها يحيى وحلف عليها، فإذا أبرزها أمر القاضي بعقلها حتى ينظر فيها بما يجب إن شاء الله. قاله عبد الله بن يحيى وابن لبابة، وسعد بن معاذ ويحيى بن عبد العزيز وابن وليد.
ابتاع دارًا باسم زوجته ثم أنكر:
فهمنا- وفقك الله- ما سألته فاطمة من إيقافها زوجها على الكتاب المشهود يه عندك بابتياعه للدار المحدودة فيه لها وبمالها، هل هذه الدار بيده، فإن قال: نعم؛ وجب عليه الحكم بها لزوجته بعد الاعذار إليه في الشهود الذين شهدوا عليه بالإقرار بابتياعها، وإن أنكر أن تكون بيده: فإن أتتك فاطمة بشاهدين تعرفهما بأن الدار بيد عبد العزيز وجب إخراجه عنها والحكم عليه فيها بعد الاعتذار إليه في البينة، وإن عجزت عن إثبات كونها بيده وجبت عليه اليمين ثم يؤخذ بثمنها المذكور في كتاب الابتياع. قاله عبيد الله بن يحيى، وابن لبابة، وابن وليد، وغيرهم.
توكيل وبيع وخلع والتنازع في ذلك واليمين بقرب الابتياع أو على بعد منه:
يجب وفقك الله على البهاء بنت تمام إقامة الخلع والبيع أكان في وقت واحد، أم في وقتين شتى متقاربين أو متباعدين، وتعيد البهاء أيضًا البينة التي شهدت على الوكالة المسجلة وتكشف البينة هل كان التوكيل لطلب اليمين قبل ابن عبدوس نصًا أم مجملًا، فإن قالت كان التوكيل لطلب اليمين، وأبانت البهاء أن الخلع والمبيع كانا في وقت واحد أو وقتين شتى متباعدين أو متقاربين نظر حينئذ إلى تاريخ البيع وتاريخ التوكيل، فإن كانا قريبين وجبت اليمين، وإن كانا متباعدين فلا تجب اليمين، وتنزل البينة ما معنى قولها بحدثان ونأي وبقرب.
[ ٣٠٩ ]
فإن تنزلت وقطعت أن ذلك كان بأيام يسيرة وجبت اليمين، وإن لم يتبين أكثر مما قالت وتنازع البائع والمبتاع فيما شهد به الشهود من قرب ونأي وحدثان؛ وجبت اليمين على المبتاع إن أجل التوكيل بعيد من تاريخ الشراء أكثر من يومًا أو نحوها.
فإن حلف على ذلك سقطت عنه اليمين، في الثمن وإن أبى أن يحلف ورد اليمين على البهاء حلفت أن تاريخ التوكيل على طلب الثمن، كان لأقرب من العشرين يومًا، فإن حلفت استحقت أن اليمين على المبتاع في نقض الثمن، فإن نكل عن ذلك حلف البهاء بالله ما انتقدت ووجب لها الثمن، وإن نكلت فلا شيء لها من الثمن ووجب عليها انزال المبتاع فيما باعت منه.
فإن اعترضها- أو كيلها- معترض فيما يزيد إنزال المبتاع فيه؛ رفع المعترض إليك لتكشفه وتعرف خبره وتنظر فيه بما يجب، ولا تنزل هي ولا وكيلها فيما فيه اعتراض، وتنزل فيما لا اعتراض فيه، وترسل -أكرمك الله- في شهود الوكالة فتكشفهم هل كانت الوكالة في طلب الثمن بعينه وفي هذا الخصوم أم مجملا مسجلا؟
فإن قالوا: مجملا لم تكن شهادة، ووجب عليها شهادة ثانية.
وإن قالوا في هذا المطلب الذي على عبدوس: كان التوكيل أسألوا عن عدد الأيام، فإن نصوا؛ نظرت في ذلك على ما تقدم، وإن لم ينصوا وتداعى البائع والمبتاع في القرب والبعد فهو على ما ذكرنا، ويكشف الشهود الذين شهدوا على تاريخ البيع هل كان الاشهاد على البيع والخلع معا أو بقربه؟ وأيهما كان قبل صاحبه فتفهمه عنهما أيضًا إن شاء الله. قال بذلك عبيد الله بن يحيى، وأبو صالح أيوب بن سليمان، ومحمد بن الوليد.
وقال أحمد بيطير حين كشفه القاضي عن شهادته التي شهد بها عنده في بيع زوجه ابن غانم بنت تمام من ابن عبدوس: هل كان الخلع والبيع واحدًا أو متقاربًا؟ فقال: لست أتكلم في هذا الشيء؛ لأن عندي من هذا الأمر ما لا يجوز لي به التكلم في شيء من هذا الأمر فقد فهمته من الطالبة لابن عبدوس.
وقال سعيد بن عثمان حين كشفه القاضي أيضًا عن مثله: ليس عني فيما كشفتني عنه ما يجوز لي التكلم فيه.
وقال يحيى بن إسحاق حين كشفه القاضي عن شهادته: هل كانت على أن ابنة تمام أشهدته على أنها وكلت وكيلها المخاصم عنها في سبب ابن عبدوس أو غير ذلك، فقال
[ ٣١٠ ]
إنما شهدتني بحدثان خلع زوجها لها أنها وكلت وكيلها المخاصم عنها على مطالبة ابن عبدوس وأنه لا يجد في ذلك الحدثان حدًا يقف عليه، غير أنه كان بحدثان ذلك وبقربه وبأثره، ومسألة ابن عبدوس أن يستفهمه: أكانت هذه الوكالة في إنزاله أو في طلبه بالمال؟ فقال في طلبه بالمال.
وقال عثمان بن عيسى الكتاني بمثل ذلك: يحلف ابن عبدوس بالله الذي لا إله إلا هو: لقد نقدت البهاء بنت تمام الثمن المذكور في كتاب ابتياعي منها الأرض بقرية فلانه وقبضته مني على حسب ما ذكر في كتاب ابتياعي، فإن نكل حلفت البهاء بالله ما قبضت منه من الثمن شيئًا، ويغرم الثمن للبهاء، وإن تكلمت سقطت طلبتها عن ابن عبدوس في الثمن ولزمها إنزاله في المال والاشهاد له على ما ثبت من ذلك عندي إن شاء الله ﷿. قال به أهل العلم.
قال القاضي:
هذه المسألة مسألة ابن مضر منثورتان غير منظومتين تكادان لا تؤديان معنى، والعجب من معلقها على هذا المساق.
وكيل باع منارًا بتوكيل ثم غاب:
فقام ربه بعد ذلك على منيرته، وزعم أنه أمره ببيعه، فشاوره في بيعه بثمانية مثاقيل، فقال: لا أبيعه بذلك، فقال المأمور: أنا أبيعه لك من امرأة باثنى عشر مثقالًا مؤخرة، وأنه رضي بذلك، فقال المشتري لا أدري شيئًا من هذا الذي تدعي، إنما اشتريته منه بثمانية مثاقيل قبضها مني.
قال القاضي:
سألت ابن عتاب عن هذه المسألة فقال: لا سبيل للبائع إليه. قلت: فهل على المشتري اليمين أنه دفع إلى المأمور الثمن؟ ففكره ثم قال له ذلك.
والنظر ألا يمين عليه إلا أن يثبت أن المنار كان له وأنه أمر بذلك الإنسان ببيعه ونحوه.
قراض طولب العامل به فادعى مغيب بعضه:
طلب بشر بن فلان بخمسمائة مثقال ونيف من ذهب، أغلبيته دفعت إليه قراضًا، وكتب رب المال عليه به عقدًا أشهد به على نفسه، فقرأت العقد عليه، وقلت له: أعندك
[ ٣١١ ]
هذا المال؟ قال: عندي. قلت له: فأعطه إياه. فقال: منه هنا شيء، ومنه غنم ببطليوس، ينهض معي وأدفع إليه الغنم، وأعطيه الذي هنا. فقيل له: وهذا الذي هنا عندك؟ فقال ثم أشياء. قيل له: ما هي؟ قال: مات كثير من الغنم، وثبت هذا كله من مقاله.
فأفتى ابن عتاب:
أن عليه حميلا بوجهه حتى يثبت ما ادعاه من موت الغنم، وإن لم يقم حميلا فيلازمه الغلام حتى يثبت ذلك عندك، ودعا رب المال إلى اعتقال فرس هذا المطلوب لئلا يغيبه ويدعي العدم.
وأفتى ابن عتاب أيضًا باعتقاله واعتقال جميع ما يوجد في منزله مما يشبه أنه للرجال ويلازمه في ذلك كله الغلام.
وأفتى ابن أبي عبد الصمد:
لا ضامن عليه، ولا يلازمه غلام؛ لأن مال القراض في الأمانة لا في الذمة.
قال القاضي:
والصواب في هذه المسألة عندي أن جميع المال قد لزمه إحضاره وألا يقبل منه ما ادعى موته من الغنم، لقوله: المال عندي إذا وقفه عليه وهذا إقرار بجملته، فلا يقبل منه دعواه في مجلسه أن بعضه ذهب بموت ولا غريه؛ لأنه لو قال بعد هذا الإقرار: قد ذهب جميعه وإنما قلت هو عندي طمعًا في تأخيري حتى أنظر في أمري وشبهه من الكلام لم يسمع منه، وقد لزمه، وإذا ألزمه وبان الردة وزوغانه، وجب عليه ضامن به حتى يحضره، والله الموفق للصواب.
قراض دفع إلى رجلين وانعقد بينهما وبين رب المال فيه عقد نسخته:
دفع عبد الله بن أحمد إلى أحمد ومغيث أربعمائة مثقال ذهبًا نصفيه لتجر بها في صناعة القرافين بسوق قرطبة على سبيل القرض وسنته ويتصرف بها في الصناعة المذكورة خاصة، وقبض أحمد العدد المذكور وصار بيده، وبيده يكون مدة نحوهما به على القراض المذكور، فما أفاء الله به كان بينهما أثلاثًا لعبد الله ثلث الربح بعد قبضه لرأس المال، ولأحمد الثلث، ولمغيث الثلث. ويكون نحو أحمد ومغيث وتصرفهما في المال على السواء وعليهما الاجتهاد في ذلك ما بلغ طاقتهما، وليس لهما أن يصرفا المال المذكور على يد أحمد، وعلى هذا الشرط دفع عبد الله بن أحمد المال، وعليه العقد القراض بينهم شهدا.
[ ٣١٢ ]
فجاوب ابن عتاب حين سئل عنه:
تصفحت هذا العقد وتأملته، إذا رغبت ذلك، وهو عقد صحيح وقراض جائز، لا علة فيه تبطله، ولا شبهة توهنه، قد أحكم عقده وأبرم أمره على مسألة لابن القاسم وقعت في المستخرجة وغيرها، لا تعلم مسألة تعارضها ولا قولا لأحد من أصحاب مالك يخالف قوله فيها فصار ذلك كالإجماع منهم عليها، وهي منصوصة غير محتملة لوجوه التأويل مكشوفة في هذا المعنى مشهورة عند أهل العناية بهذا البيان، وهي: قال ابن القاسم في رجل دفع إلى رجلين قراضًا فاختلف في المال عند من يكون نظر في ذلك إلى قول صاحب المال فأتبع قوله، فإن اختلفا في الاشتراء واليبع فرأى هذا الاشتراء أو البيع وقال: هذا لا أراه فلابد لهما أن يجتمعا وإلا رد المال وهذا ما لم يقبض المال فإذا قبض فهو إلى من دفعه ربه عند مقارضتهما إن كان دفعه إليهما جميعًا فجميعًا، وإن كان أحدهما؛ فأحدهما، وليس للآخر بعد كلام ولا مقال إذا كان يعلمه.
فتأمل-رحمك الله- نص هذا القول، ونص العقد فإنك لا تجد في أحدهما خلافًا للآخر، والله ﷿ أسأله أن يسلك بنا سبيل الإنصاف، ويوفقنا لما يقرب من رحمته.
اكترى دارًا لعشر سنين بدنانير نقدها معلومة ثم أراد ابتياع الدار بعد مضى أمد الكراء، وكتب إلى أبي بكر بن عبد الرحمن وإلى أبي عمران القاسي، اللذين كانا بالقيروان، فيمن اكترى دارًا من رجل لعشر سنين بعدد معلوم دفعه إليه، وسكن الدار شهرًا أو سنة ثم أراد شراءها من ربها أيجوز له ذها؟ بخلاف شراء غيره لها وقد علمت ما في هذا من الاختلاف من قول ابن شهاب وغيره من مخالف مالك، وكيف إن اشتراها المكتري بعد عقد الكراء، ثم انهدمت بعد أمد يسير، ممن مصيبتها وقد انهدمت في مدة الكراء؟ وكيف إن استحقت ثم يرجع المبتاع أبالكراء أم بثمن الشراء أم يرجع بالكراء ولا بثمن الشراء أم يصير الكراء وثمن الشراء شيئًا واحدًا ثمنًا للدار؟
فبين لنا ذلك كله فإن لابن المواز في هذا الأصل بعض ما كتبت به إليك عرفنا بما نراه موفقًا إن شاء الله.
فأفتى أبو بكر:
الجواب أن شراء المكتري لها عندي جائز وهو فسخ لما تقدم من الكراء، ولو قال:
[ ٣١٣ ]
إنما اشتراه على الكراء باق على ما ذهب إليه ابن شهاب، وقال مالك بمثل قول ابن شهاب ذكره ابن المواز في كتاب الجعل والإجازة من ديوانه، وقد أجاز مالك وغيره شراء العبد المخدم حياة الذي أخدم إذا اشتراه الذي له الخدمة، ورأى ذلك نقضًا للخدمة.
ذكره ابن المواز في كتاب الصدقات، وأعرف فيها بعض الاختلاف في العتبية وإذا انهدمت الدار كانت المصيبة على المشتري على قولنا: إن الكراء قد انفسخ، وإذا استحقت الدار رجع بالثمن كله، وإنما عليه من الكراء بقدر ما سكن قبل الشراء. وبالله التوفيق.
وجاوب أبو عمران
أن شراء المكتري إياها جائز، وينزل ذلك منهما فسخًا لما بقي من مدة الكراء، ويكون بقيمة الكراء، وهو ما ينوب مدة السكنى مضافًا إلى ثمن الدار، فيجعل ذلك كله ثمن للدار، ولا يدخل فيه من من الغرر ما يدخل في شراء غير المكتري؛ لأن غير المكتري لا يقدر على القضاء في الدار ببيع يدفع به إلى مشتريها الآن منه، ولا يقدر على هدمها ولا على البناء فيها.
قال القاضي:
الجواب الأول أكمل، وإلى الصواب أميل، وقد أخبرني عبد الله بن موسى الشارقي عن أبي دحون وابن الشقاق فيمن اكترى دارًا بعشرة دنانير لأيام أو لشهرين، ثم ابتاعها بعشرين دينارًا على أن الكراء عند محظوظ أن ذلك لا يجوز، قال ابن دحون هذا إن كان الكراء مشترطًا إسقاطه في العقد، وإن وضعه البائع عنه بعد عقد البيع جاز.
قال الشارقي: وأجابه ابن جريح وهي خطأ؛ يريد لأنه ابتاع الدار والكراء الذي عليه بالعشرين دينارًا التي دفع فصار ذهبًا وعرضًا يذهب بين الفساد، وجواب هؤلاء يدل على أن الكراء لا يفسخه الشراء، وهو خلاف ما فوقه فتدبره.
تنازع في كراء بغلين اكتراهما ابن منتصر من ابن مزين:
من أحكام ابن زياد تكشف -رحمك الله- عن البغلين اللذين اكتراهما من أيوب بن مزين إن كان ردهما أم لا؟ فقال ابن منتصر: إني لم أكتر منك بغلين؛ إنما بعثت رسولا ليكتري لي فأكتري لي منك بغلين، لم أتعد الأمد الذي إليه اكتريت، ولا زدت على العدد الذي حد لي الرسول عنك أنك رضيت بحمله على بغلك فعطب البغل الواحد بمزاحمة الدواب على بئر في بعض الطرق، ورددت البغل الآخر إليك كما أمرني الرسول المكتري
[ ٣١٤ ]
لي منك.
وقال ابن مزين: إنما جاءني الرسول من ابن منتصر في اكتراء بغلين مني فأكريت البغلين من ابن منتصر بعث الرسول بهما إليه على حمولة سبعة أقفزة على كل بغل وحددت له مبيت ليلة لا غير فبات عني ليلتين.
قال ابن لبابة: يحلف المتكري بالله الذي لا إله إلا هو في مقطع الحق، لما زاد علىالحمولة التي شارطه عليها، ولقد عطب البغل بغير تضييع مني ولا تفريط، ولقد رددت إليك الإكفاف والرسن. وقاله محمد بن الوليد.
أكترى حانوت لشهرين ثم أكراه من آخر لذلك الأمد، وتنازع في دفع الكراء:
أكترى حانوت لشهرين، ثم أكراه من آخر لهذين الشهرين؛ كل شهر بكذا وانقضى الشهران، ومضى من الثالث عشرة أيام، ثم طلب المكتري الأول الكراء من هذا الثاني ما أكراه به للشهرين، فقال: قد دفعت ذلك إليك.
فأفتى ابن القطان:
إن المكتري الثاني يصدق مع يمينه في دفع الكراء إلى الأول، وإن كان انقضاء أمد الكراء قريبًا لخروج الحانوت عن يد المكتري، وانقطاع سبب ملكه عنه برجوعه إلى ربه، وكأنه قاسه على ذهاب الرهن عن يدي المرتهن ببينة، أو كان مما لا ضمان فيه مما لا يعاب عليه، ثم يختلف الراهن معه في دفع الدين، فالقول قول الراهن إذا لم يبق بيد المرتهن الذي كان في مبلغه كالشاهد له، على ما في سماع يحيى.
وفي غير العتبية: وسألت ابن عتاب عن ذلك، فقال: إنما يصدق المكتري في كراء الشهر الأول إذا حلف أنه دفعه، وأما الشهر الثاني؛ فالقول فيه قول المكتري الأول الذي أكرى الحانوت منه مع يمينه؛ لقرب انقضاء أمد الكراء ولا فرق بينهما وبين رب الدار والحانوت لو تنازع مع المكتري في قبض الكراء، وتكلمت مع ابن مالك في ذلك فقال مثله، وقال لي: كما لا يختلف خروج الساكن من الدار وبقاؤه فيها في تنازعهما في دفع الكراء. وهو الصواب والله أعلم.
مسألة أخرى فيما يقرب من هذا المعنى في التنازع في الكراء:
اكترى رجل دارًا لعشرة أشهر وسكنها ورحل عنها، ثم قام عليه ربها يطلبه بكراء الشهر العاشر بعد أربعة أشهر من خروج المكتري منها، فقال: كنت شرط التقدم لآخر
[ ٣١٥ ]
الشهر فقدمت كراء إليك، وقال ربها لم أشترط ذلك عليك، ولا قبضته منك
فأفتى ابن عتاب:
إن القول قول بها مع يمينه أنه لم يقبضه منه لا دعاء المكتري تقديمه يردي لإقراره أنه لم يدفعه في محله، كما لو قال: دفعت إليك بعد انقضاء شهرين أو ثلاثة من أنقضاء مدة الكراء.
وأفتى ابن القطان وابن مالك:
أن الساكن مصدق مع يمينه لطول أمد سكوت ربها عنه بعد خروجه منها يريد أن ولأنه، ولو قال دفعته عند انقضاء أمد الكراء؛ لصدق مع يمينه، فكذلك يصدق في تقديمه، ولأن الذي ادعاه كثيرًا ما يشترطه الناس من تقديم بعض الكراء لآخر أمد السكنى.
ويتفرع من هذا:
أن يتشاح مع رب الدار في باق الكراء، فقال ربها: ادفع إلي من الكراء في كل شهر ما ينوبه من الجميع، وقال الساكن: إنما أدفع إليك ما ينوبه من باقي الكراء، وتركنا ذكره كراهة التطويل، وبالله التوفيق.
في قبض القاضي كراء ارض محبسة على حصن الفهمين وتوفيقه إياه حتى يحتاج إليه:
رجل اكترى أرضًا محبسة على حصن الفهمين من حصول طليطلة لسبعة أعوام فأجتمع عليه كراء عامين فأارد القاضي بطليطلة قبض ذلك منه وتوقيفه عندثقة حتى ينفذ في وجهه، فقال فقهاء طليطلة: ليس للقاضي ذلك؛ لأنه يخرجه من ذمة إلى أمانة وذلك تضييع.
واحتجوا بما تأوله الشيوخ في مسألة ابتياع عبدًا ابتياعًا فاسدًا، وفات عنده وغاب البائع، وثبت ذلك كله عند الحاكم وألزمه المبتاع القيمة وكانت القيمة أكثر مما نفذ فيه؛ فإن الحاكم يبقى ذلك الفضل في ذمة المشتري حتى يأتي البائع.
وقلت أنا لهم: للقاضي قبض ذلك الكراء وتوقيفه حتى ينفذ في سبيله الذي سبل فيه، وكتبت في المسألة إلى قرطبة.
فجاوب ابن عتاب:
لا أرى توقيفه، ولينفق في الحصن، فإن كان الحصن عنه في غنى وكان المكتري مليًا، ترك في ذمته بعد أن يوثق منه بعد بالإشهاد عليه، حتى يحتاج إليه إن شاء الله.
***
[ ٣١٦ ]
وأفتى ابن القطان:
للقاضي إخراجه عن المكتري، وتوقيفه وليس لأحد اعتراضه، ولا حجة علي بإخراجه من ذمة إلى أمانة، وللذي وقع في كتاب العيوب إلى تأويل يخرج على مذهبه إن شاء الله.
قال القاضي: هذا الصواب عندي في ذمة والله أعلم.
ادعى أنه ابتاع هذه الدار ولم تقم له بينة هل يؤخذ بكرائها إذا أنكر البيع بها:
قال القاضي أبو بكر بن زرب في مسألة من ادعى أنه ابتاع دارًا من رجل فأنكر بها ذلك، ولم تقم للمدعي حينئذ: فإنه يؤخذ بخراجه ويقضي بذلك. فقال له ابن دحون: ألي العلة بالضمان؟ فقال: ليس في مثل هذا مقر أن الدار كانت للقائم، ويزعمن أنه ابتاعها، ثم ثبت للقائم ملكها، ولم يرجع عليه بالغلة.
قال القاضي:
الذي قاله القاضي قد سمعت بعض شيوخنا بقوله، وهو دليل ما في الشفعة من المختلطة.
اكترى دارًا كل شهر بكذا، فاستحالت السكة، وتمادي في السكنى:
كتب إلي من المرية إلى سبعة بهذه المسألة في جملة سؤالات في رجل اكترى دارًا مشاهرة كل شهر بكذا، فحالت تلك السكة إلى سكة أحسن من التي وقع العقد بها، فسكتا جميعًا حتى مضى أمد.
قال السائل ما الذي يجب للمكري أمن السكة القديمة أمن من الحديثة؟
فجاوبته:
إنما لرب الدار على الساكن وإن أقام ساكنا في الدار أشهرًا بعد حدوث حوالة السكك ما كان أكرى به منه من السكة التي عقدا بها وتعاملا عليها، لا ما حدث بعدها.
ولو أراد أحدهما ذلك لفاسخ الثاني وقت استحالة النقد إلى غير ما كان جاريًا يوم العقد؛ إذ كان لهما ذلك؛ لأن الكراء، إذا وقع وقع مشاهرة أو مسانأة جائزة؛ مثل أن يقول: أكريت كل شهر بدينار، أو قال: الشهر بدينار، أو في كل شهر أو في أشهر، وكذلك في السنة إذا بمثل هذه القطعة، وما سكن فهو على هذا العقد وإن سكن أشهرا أو سنين، إلا من شاء منهما ذلك كان له متى شاء وليس لآخر إلزامه؛ أنهما لم يحضرا مدة
[ ٣١٧ ]
السكنى بزمان سمياه، ولا بحين عنياه، لكنهما إذا (أ - ٨٠) سكنا واتصل السكنى على عقيهما، لا يراعى أنتقال النقد إلى غير ما وقع به العقد، كما لا حجة بعضهما على بعض بغلاء أو رخص إن حدث إذا سكتا ولم ينتقلا إلى غير ما كان عليه اتفقا؛ لأنه عقد لازم لهما ما لم ينقضاه.
لا يحتمل النظر غير هذا ولا يجوز على الأصول سواء، ولوجاء. أن يقال: إنما لرب الدار ما استحال إليه النقد، للزم أن يحكم عليهما بفسخ الكراء الذي كان عقداه بينهما؛ لأنه كان يؤول سكوتهما إلى فساد عملهما بجهل ما يقضي به في السكنى من الكراء بالسكة الحديثة؛ لأنها لا تخلو أن تحال إلى أجود أو إلى أردأ والمجهول في الكراء لا يجوز، كما لا يجوز في البيع، وهذا بين في النظر، مطرد في القياس لمن اعتبر.
وانحال من أراد منهما عن العقد الذي ذكرناه إذا كان على ما بيناه؛ هو مذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة؛ وذكره ابن حبيب عنه في الواضحة، وقال عن مطرف وابن الماجشون عن مالك؛ لأن الشهر الأول المصتل بعقدهما، ليس لأحدهما نقضه؛ لأنه معين، وكأن معنى ما عقداه على هذه الرواية: أكريك هذا الشهر بدرهم وكل شهر بدرهم، وكذلك السنة الأولى إن كان الكراء مسانأة لازمة لهما.
وقال ابن حبيب:
هذه الرواية أحب إلي وهو أقوى، وبها أقول، وهذه الرواية قد توجد في بعض نسخ المدونة لو قال: أكريك كل شهر وكل سنة بدرهم ودفع المكتري إليه كراء سنتين أو أكثر أو كراء شهر أو أزيد للزمتهما التي نقده لها؛ لأنهما قد أفاتا التزامهما لها على الروايتين جميعًا ولم يكن حينئذ فيها اختلاف، والله أعلم. وإذا قال: أكري منك سنة بكذا من يوم العقد كقوله: أكري منك هذه السنة بعينها قاله في كتاب المدبر من المدونة.
وف سماع عيسى ابن دينار في العتبية عن ابن القاسم عن مالك إذا قال له أؤاجرك داري أو إبي كل سنة أو كل شهر بكذا، فهو كراء لا يلزم واحدًا منهما ولكل واحد منهما ترك ذلك متى شاء إلا أن يقول: أكريك سنة بكذا أو شهرًا بكذا فيلزمهما ما ذكر.
قال ابن القاسم:
وأنا أرى في الذي قال: أكريك السنة بكذا؛ أنه كقول مالك في وكل - يريد لا
[ ٣١٨ ]
يلزمهما، وكله موافق لما تقدم إلا ما رواه انب حبيب عن شيوخه عن مالك في الشهر الأول أو في السنة الأولى، ورأيت في حاشية كتاب بعض شيوخنا: إن قال: أكريك السنة بكذا بالنصف؛ كان سنة لازمة، وإن قال: أكريك السنة بكذا؛ كان مثل قوله: كل سنة بكذا، على رواية ابن القاسم، وهو إن شاء الله حسن.
وفي مسائل حبيب بن نصر عن سحنون فيمن اكترى حانوتًا وترك فيه متاعه شهرًا، وعليه فقله قال: عليه كراؤه لهذه الأشهر، ولو كان دكانًا كدكان الخبازين، فهرب وترك فيه فلا كراء عليه بخلاف الحانوت؛ عليه قفله وغلقه.
في رجل فرق بين الأم وابنتها في البيع:
من أحكامابن زياد: وقفت إلينا - رحمنا الله وإياكم - امرأة قد تعلقت برجل تقول: إنها اشترى ابنتها، وليس مثلها يفرق عنها، فكشف الرجل عما قالت، فأنكر قمالتها، وقال: لم أشتر ابنتها، فدعوت المرأة الينة فأتت بجماعة من خيار أهل الحوانيت، فشهدوا أنه ابتاع ابنتها، فلما وقعت الشهادات أقر بابتياعها، وقال: قد فاتت إلى أشبيلية.
فقلت للمشتري: أحشرها، واجمع الفقهاء؛ فإن قالوا: مثلها يفرق بينه وين أمها، نظرت فيها بواجب الحق إن شاء الله، فأبى من إحضارها، فهددته بالسوط والجن من غير أن يناله ذلك، وأمرته بأن يتخذ عليه حميلا حتى يحضر بها، فهل يجب - رحمكم الله - أن اشتد عليه بأكبر من ذلك حتى يحضرها.
فهمنا - وفقك الله - ما كشفت عنه من أمر المرأة وابنتها، فالذي نرى أن يؤخذ بإحضارها ويشتد عليه بالحبس وإن أبى من إحضارها، ويشدد عليه في ذلك إلا أن يقيم البينة أنها أثغرت، فإن أثبت ذلك خلي سبيله، أو يقيم البينة أنه قد باعها وخرج بها إلى أشبيلية، فإن أقامها، وكانت المرأة حرة وأرادت الخروج إلى أشبيلية في طلبها كتبت إلى قاضيها بخبرها وإقرار البائع بذلك مع إقامة البينة عليه، وسئل ذلك القاضي أن يجمع بينهما إلى الإثغار، ثم لا يكون على مشتريها الجمع بينهما، ولكن يؤمر المبتاع أن يعرضها عليها المرة بعد المرة، والله الموفق للصواب، قاله ابن لبابة ومحمد بن وليد.
وقال (ب - ٨٠) إن ثبت أنه باعها وهي غير مثغرة وأبت الأمن من الخروج في طلبها فعلى البائع الخروج فيها واسترجاعها إلى موضع الأم، وتكتب لبائع بما ثبت عندك من حبر الصبية، ويذهب بالكتاب إلى قاضي أشبيلية، والإغلاظ في هذا مما يجب لكثرة
[ ٣١٩ ]
الروايات لنهي رسول الله (ﷺ) عن التفرقة بين الأم وولدها.
وقال أيوب بن سليمان: قال رسول الله (ﷺ) "لا توله والدة عن والدها
فعلى الذي ولها وأحزنهما رد الصبية إلى أمها والعناء فيها لأنه الظالم الموله، والمخالف لما أمر به رسول الله (ﷺ)، وإن أبي من إحضارها إلا بالسوط حمل عليه السوط، ولا ينبغي لمثل هذا أن يفارق الحبس حتى يحضرها، وليس في مثل هذه حمالة، ولكن يؤاجر من يذهب في طلب الصبية بكتابك حتى ترد، لأنه لا يؤمن أن يؤخذ عليه حميل ثم يذهب فلا يرجع، فلا يكون على الحميل شيء، ولكن يستودع الحبس ويمضي رسوله إلا أن يقيم البينة على إثغارها فيبرأ.
وقال سعد بن معاذ: إن كانت الأم مملوكة فبيع الصبية مفسوخ، وهو قول مالك، وينبغي لك أن تكتب إلى قاضي أشبيلية بما ثبت عندك. وقال مثل قوله محمد بن وليد.
وقال سعد: وكذلك قال محمد بن عبد الحكم في الأمن إذا كانت حرة: قيل لها: اتبعي ابنتك، وإن كانت مملوكة فلا يفرق بينهما، وإن أثغرت الصبية، وتتخذ حميلا على المشتري حتى يبلغ أشبلية بكتابك بما ثبت عندك من إقرار المبتاع، وبأن الأم مملوكة.
وقال عبيد الله بن يحيى بمثل قول أيوب بن سليمان: إن على لذي باعها ردها لحديث "لا توله والدة عن ولده".
قال القاضي أبو الأصبغ: ذلك ابن حبيب في الواضحة أنه من باع الأمة دون ولدها أو الولد دون الأم، وذلك قبل الإثغار؛ فسخ البيع، ورد حتى يجتمعا في ملك واحد ويضرب البائع والمبتاع ضربًا وجيعًا إن كانا عالمين قاله مالك وأصحابه.
وكذلك في المدونة والموازية عن ابن القاسم في نقض البيع، قال ابن القاسم: إلا أن يجمعا بينهما في ملك واحد.
قال ابن المواز: أما الفسخ فلا أراه، ولكن إما تقاوما أو باعا، وإنما هو من حقوق الولد وليس بحرام.
وفي العتبية في سماع أصبغ: البيع فاسد، من قول ابن القاسم وأصبغ، وقال أصبغ في كتاب المواز: وجدت لأصحابنا إما أن يبيعهاهما أو يبيع أحدهما من الآخر أو يفسخ.
قال ابن حبيب قيل لمال أرأيت إن أعتق مالكهما أحدهما، أيجوز له بيع الذي لا عتق فيه؟ قال: نعم، ويشترط على المشتري ألا يرق بينهما، فإن أعتق الأم وباع الولد
[ ٣٢٠ ]
اشترط على المشتري أن لا يفرق بينه وبين أمه وبين ابنها ونفقة الأمة على نسها وإن كان الولد هو المعتق، باع الأم اشترط على الشمتري ألا يفرق بينه وبين أمه. قال مالك ونحوه في كتاب ابن المواز، والعجب في هذه القضية من أحكام ابن زياد التي ذكرناها ومن ضعف قضاءه فيها وأجوبة الشيوخ عليها، وسكوت الفريقين عن بائع الصبية، وهو الأول في الخطأ قبل مبتاعها، وإنما كان وجه الحكم فيها إذا رفعت الأم ذلك إيه يسألها أحرة هي أم مملوكة؟ فما ذكرت ذلك فهمه، ثم سألها عن مالكها، إن قالت: إنها مملوكة، أو عن معتقها إن قالت: معتقة.
فإذا سمته له أحضره مجلسه وأسمعه قولها وقيد جوابه عن مقالتها، وسأله: هل هو بائع ابنتها؟ فإن أقر بذلك، وبأن المبيعة صغيرة لم تبلغ حد التفرقة، أمر بإحضار مبتاعها منه؛ فإن أقر بذلك كله؛ كلفه وابائع منه إحضار الصبية، فإن أحضراها وكانت الأم مملوكة أمر بالجمع بينهما في ملك واحد، على ما تقدم عند أحدهما أو عند غيرهما، أو نقض البيع بينهما وصرفها إلى مالك أمها، وأدبهما إن كان ممن لا يجهل قبيح ما فعلاه من تفريقهما عن أمها في تبايعهما.
وإن كان مبتاعها قد أفاتها بالبيع وحضر مبتاعها منه وأقر بمعرفته بأنها مفرقة عن أمه نقض ابتياعه، وأدب إن لم يكن جاهلا، وإن كانت قد أخرجت عن قرطبة إلى أشبيلية أو غيرها وبان ذلك إلى القاضي أمر المتبايعين بإحضارهم بعد الاشتداد عليهما فيها، أو شهدت بينة بخروجها، كتب حينئذ إلى قاضي موضع خروجها وأمر المتبايعين جميعا (أ - ٨١) بالخروج فيها لردها إلى أمها، وجمعها معها في ملك واحد.
ولهما أن يوكلا على طلبهما من يوم مقامها، ولا حميل عليهما إن كانا ممن يؤمن عليهما التغيب والانتقال عن موضع الحكومة أقامها ووكلا أو خرجا في طلبها والبحث عنها، وإن كانا لا يؤمن عليهما الانتقال واللدد بالتغييب أخذهما القاضي أو من كان منهما بهذه الصفة بحميل الوجه، فإن غابا أو غاب أحدهما كلف الكفيل إحضارهما وطلبهما حتى يبرأ بهما عند القاضي ولم يقم منهما حميلا بوجه سجن ووكل من يقوم مقامه.
ولا وجه لقول من لم ير الحمل في ذلك، وهو ضعيف من قوله، هذا كله إذا كانت الأم مملوكة، وأما إذا كانت حرة فوجه القضاء في ذلك حضور المتبايعين وكشفهما عن
[ ٣٢١ ]
تبايعهما هذه المبيعة، فإن أقرا بها وبصغرها، وأن هذه القائمة في أمرها أمها؛ أمرهما بإحضارها، فإن حضرت قيل للمبتاع: لا يفرق بينها وبين أمها ولتكن في مسكن مع أمها، فإن التزم ذلك مضى بيعهما، وإن أبى من ذلك وقال: لا ألتزم هذا، نقض البيع فيها، لأنه كعيب أصابة فيها لم يتبرأ البائع منه إليه، ولأنه فيه تكليف المشتري مؤنة لم يلتزمها لا سيما إن كان لا يعلم بأن لها أمًا.
وإن قال مبتاعها: قد فوتها بالبيع وقد أخرجها مشتريها إلى موضع كذا، لم يصدق في ذلك، واشتد القاضي عليه في إحاضرها بالتوكيل عليه في ذلك، فإن لم يكن يقدر عليها، أو ثبت ما زعمه من نهوض مبتاعها بها عن ذلك البلد إلى غيره أو أقرت أمها بما ذلك من حملها إلى بلدة سواها نفذ بيعها، وزال التكليف عن بائعها، وقيل للأم أخرجي إن شئت إليها، ويكتب لك القاضي إلى قاضي موضع استقرارها بما ثبت عنده من أنك أمها وإن يحملك على مبتاعها على ما يجب لكل من زيارتها وتفقدها والتكرر عليه، وهو معنى قول محمد بن عبد الحكم: ولا أرى أن يكلف بائعها الخروج لاسترجاعها في هذا الوجه إذ أمها حرة تسير حيث شاءت وتقيم أين أحبت، فإن تركت الخروج لطلب ذلك فهي تاركة لحقها لا تكلف غير طلبه لها.
وفي سماع عيسى بن دينار:
قال مالك في العبد: يرد بالزوجة والولد والوالدين، وفي الواضحة: يرد الأبوين، فإذا كان الأبوان - يريد أو أحدهما - عيبًا يرد به العبد، فكذلك الأمة كانت صغيرة أو كبيرة والله أعلم.
ويجب إذا ألحقت الأم بموضع الابنة إن لم يرد مبتاعها إمساكها لظهور الأم لها، وكان لم يعم بها أن يمكن في يردها على بائعها، وهذه حقيقة الحكم ووجهه في هذه المسألة أن شاء الله ﷿، وهو الموفق للصواب برحمته.
[ ٣٢٢ ]