في أحكام ابن زياد:
إذا ثبت ما قاله المملوك أو ترددت شكيته بذلك، أمر ببيع نصيبه منه، ولا يحل له أذاه، وإن ظهر منه استصلاح إليه ورجوع ما كان عليه من أذاه له أقر عنده. قال ابن لبابة، ويحيى بن عبدالعزيز، وغيرهما.
وفي المدونة في عبد بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه ثم أعتق الثاني نصيبه، فتقديم نصيب الثالث على الأول لا على الثاني، وكذلك لو كان الأول معسرًا، وكان الثاني موسرًا، لم يقوم عليه؛ لأنه لم يبتدأ فيه فسادًا، ولو أعتق اثنان معًا لزم عليهما، فإن كان أحدهما معسرًا قوم جميع نصيب الثالث على الموسر. وقال ابن حبيب: لا يلزمه إلا ما كان يلزمه لو كانا موسرين، ومن أعتق نصيبه من عبد وهو صحيح، فلم يقوم عليه حتى مرض، قوم عليه في الثلث قال ابن القاسم: وإن لم يعلم إلا بعد موته لم يقوم عليه شيء.
وفي سماع أهب في العتبية:
إن مات بحدثان ذلك قوم عليه في رأس ماله، بخلاف معتق لبعض عبده فلم يستتم عليه حتى مات. هذا لا يتم عليه، وقال مالك في كتاب ابن حبيب وابن المواز وابن سحنون: من أوصى بعتق نصيبه من عبد لم يقوم عليه نصيب شريكه، وفي آخر رسم نقدها قال مالك: إن أوصى بعتق نصيبه من عبد وإن يعتق عنه نصيب صاحبه، لزم ذلك شريكه وإن أبى.
وفي مسائل ابن حبيب:
عن سحنون: من اشترى وصيفًا صغيرًا فقيل له: ما تريده وهو صغير لا منفعة فيه. فقال: هو ولد وهو حر. ثم قال: لم أر بهذا الكلام شيئًا ولا كانت لي فيه نية.
وفي كتاب السلطان:
في أول سماع أصبغ قال أشهب، في العبد يستبيع من سيده لضرورته به: إن كان ضررًا قد عرف وكثر بيع عليه، وإن كان إنما هي الزلة والفلتة من سيده كف عنه ونهي، قال: حسبته مرة بعد مرة، فإن عاد بيع عليه.
ونحوه لمالك في سماع ابن القاسم، وفي موضع آخر منه سئل مالك عن عجوز
[ ١٦٥ ]
أكلت لحم جاريتها فأثرت بجلدها أثرًا شديدًا، فأمر صاحب الشرطة أن يبيعها عليه ولم ير في ذلك عتقًا. وقال أشهب في غير العتبية: ولو يثبتها لم تعتق.
وفي مسائل ابن زرب:
قال: من أعتق نصيبه من عبد، فلما طلبه شريكه بقيمة نصيبه قال: يقوم علي أنه سارق آبق؛ لأنه كذلك. وقال شريكه: بل هو سالم من ذلك، وعلى السلامة يقوم، فعلى مدعي السلامة اليمين؛ لأنه مال يريد أن يأخذه بغير حق فيما يزعم المطلوب؛ لأن قيمته بعيوبه قد لا تكون مثل نصف قيمته سالمًا. فيقول: أنت تريد أن تأخذ مني نصف القيمة بغير حق.
قال القاضي أبوالأصبع:
هذه المسألة في رسم العتق من سماع أشهب وابن نافع عن مالك: يسأل الذي لم يعتق عما ذكره المعتق، فإن أقر له به فكذلك، وإن أنكر ذلك لم أر عليه يمينًا، وقوم صحيحًا سليمًا، وفي سماع أبي زيد عن ابن القاسم مثله، إلا أن يأتي المعتق ببينة.
وفي أصل ابن زرب في سماع عيسى رجع ابن القاسم وقال: يحلف، وإن أبي حلف المعتق، وقوم العبد آبقًا سارقًا، فكره أيوب وأراه قد وقع في الرهون لعيسى، كذا في مستخرجه ابن زرب، وكذلك في كتاب ابن حبيب من رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه يقوم سليمًا، ولا يحلف إلا أن يقيم شاهدًا، ثم رجع فقال: بل يحلف له. قال أصبغ: وبه آخذ. قال ابن حبيب: والأول أحب إلي.
وفي النوادر قال أشهب:
إن أقام شاهدًا واحدًا حلف معه، فإن نكل حلف الآخر ما علمته سارقًا ولا آبقًا، وإن لم يكن عدلًا لم يحلف معه وحلف المتمسك على العلم. قال محمد: لا يوجب عليه غير العدل يمينًا. ولابن حبيب عن ابن الماجشون مثل قول أشهب، وقاله ابن عبدالحكم.
وفي مسائل ابن زرب:
سأله أبو الأصبغ الحشا عن امرأة جاهلة انعقدت عليها وثيقة ذلك فيها في مملوكة لها: مولاتها، فقامت المملوكة عيها بهذه اللفظة تزعم أنها حرة، فزعمت السيدة أنها لم تعرف الفرق بين المولاة والمملوكة، وظنت أن المولاة هي المملوكة، فهل تخرج حرة بهذه اللفظة؟ فقال القاضي: نزلت هذه المسألة عندنا، فأفتى فيها أبوإبراهيم واللؤلؤي بأنها
[ ١٦٦ ]
تخرج حرة، قيل له: فما تقول أنت؟. فقال: بقولهما أقول، ومن قال في مملوكته: مولاتي، أو في مملوكة: مولاي، وانعقد ذلك عليه ببينة في وثيقة أو غيرها فإن المقول له ذلك يخرج حرًا، وكان أهل المجلس قد خاضوا فيها واختلفوا، فقال القاضي بالحرية في ذلك ولم يعذر الجاهل في ذلك يجهله.
ويدل على ما ذهب إليه القاضي - أن المولى لا يقع إلا على حر - ما في سماع عيسى عن ابن القاسم عن مالك فيمن قال في مرضه: ثلثي لموالي. وفيهم المدبر والمكاتب والمعتق إلى سنة. قال مالك: أما المدبرون فلا وصية لهم حتى يعتقوا في ثلث الميت، فأفضل منه عن عتقهم دخل فيه هؤلاء المدبرون، ومواليه الذين كانوا في حياته، والمعتقون إلى أجل، والمكاتبون يقسم باقي الثلث بينهم بالسوية، ويوقف ما صار للمكاتبين والمعتقين إلى أجل، فإذا أعتقوا دفع إليهم، وإن عجز المكاتبون ومات المعتقون إلى أجل، قبل الأجل، رجع حقهم إلى ما بقي من الموالي، قال: ولو كان له ولاء أنصاف عبيد، وأنصاف مدبرين دخلوا مع الموالي بأنصاف ذلك الولاء، فأعطوا بقدر ذلك، قد بين في هذه المسألة أن المولى لا يقع إلا على المعتق، وفي المجموعة لابن وهب عن مالك: تدخل أمهات أولاده فيما أوصى به لمواليه أو تصدق به عليهم.
قال ابن الماجشون: والموصي بعتقه بعد موته. وقال ابن زرب: من استرعى في عتق أو طلاق فقال: متى عقدت لعبدي فلان عتقًا فإني إنما أفعله خوفًا من أن أكره على بيعه من حيث لا أستطيع أن أمتنع وإنما أفعله لوجه يذكره مثل هذا وشبهه وأنا غير ملتزم لعتقه، فإن أعتقه بعد الاسترعاء لم يلزمه العتق، وكذلك إن قال: إن طلقت امرأتي فلانة فإني إنما أفعله خوفًا أن تؤخذ عني من جهة السلطان بأشياء أطلب بها، وأنا غير ملتزم طلاقها، ثم طلقها بعد ذلك لم يلزمه الطلاق.
قال القاضي:
أصل هذا أن كل من استرعى في شيء تطوع لا يضم إليه كالعتق والطلاق وشبهه؛ يريد كالحبس نفعه الاسترعاء ولم يلزمه، ونحوه في وثائق ابن العطار قال: ويصدق المسترعي فيما يذكره من المتوقع وإن لم يعرف شهود الاسترعاء ذلك. قال: وإنما يجوز الاسترعاء في الحبس، وشبهه؛ لأنه تبرع بالحبس، ولو شاء لم يفعل، ولا يجوز الاسترعاء في البيوع إنه إنما يبيع لأمر يتوقعه، وإنه راجع فيه لأنه حق للمبتاع وقد أخذ البائع فيه ثمنًا إلا
[ ١٦٧ ]
أن عرف الشهود فيه الإكراه والإخافة أو التوقع فيكون له ذلك. قال: وإن استرعى في العتق أنه متى عقد لملوكه فكان عتقًا بتلًا أو مؤجلًا، فإنه إنما يفعله لتخلقه عيه مسترضيًا له، مستجلبًا لاستقامته، فيفسخ العتق بهذا الاسترعاء، وإن لم يعرف الشهود التخلق الذي ذكره.
والأصل في ذلك ما في سماع ابن القاسم فيمن فر عبده إلى العدو، وغزى المسلمون تلك الدار، فرآه سيده فقال له: أخرج إلي وأنت حر، فإن كان قد قال ذلك لشهود قبل أن يقول هذا للعبد أنه إنما يفعله استجلابًا له؛ نفعه وإلا فهو حر ولا يصدق في قوله، فإن قيد الاسترعاء في العتق نفع؛ لأن سببه ظاهر معروف وهو فراره إلى العدو، والحبس بخلافه، لأن السبب فيه لا يعرف فالجواب: إن من المحال أن يلزم ما قد أشهد على نفسه أنه لا يلزمه متى فعله وقد أجمع عليه الشيوخ.
وفي أحكام ابن زياد في امرأة ادعت الحرية:
كشفتنا - وفقك الله - في امرأة ألفيت بيد رجل فادعت أنها حرة من موضع سمته بجيان وإن متغلبًا في ذلك الجانب أغار عليهم فسباها فيمن سبي وهي حرة، وذكر الذي ألفيت بيده أنه ابتاعها في ذلك الجانب الذي زعمت أنها من أهله، فالذي نقول به في ذلك: أن يكون إثبات الرق على من ادعاه لتصديقه إياها على ذلك الناحية التي ادعتها، وللذي فشى من فساد تلك الناحية، وقد قال سحنون بهذا، وقد قال ربيعة: تحدث للناس أقضية لما يحدثون، فنرى أن تؤجله، فإن أتى بما يحق رقها لمن باعها بأصل حق ثبت له وإن لم يأت بشيء من ذلك أطلقها حرة إن شاء الله. قال محمد ابن وليد، وقال بذلك يحيى بن عبدالعزيز، إلا أن فيه اختلافًا؛ لأنها قد أقرت بالرق فعليها البينة.
والذي نختاره من ذلك الذي قاله المتقدم بالجواب في هذا الكتاب؛ لفساد البلد والناحية التي ابتاعها بها والذي يقول ابن لبابة: إن البينة على مدعي الحرية إذ هي في ملك الرجل ومعروفة بالرق.
ومسألة أخرى في معناها:
إذا وجب أهل العلم حمل البينة على ابن عسلون أنها ملك يده، فحملته البينة وأجلته آجالًا وسعت عليه فيها فقد كان لك أن تنظر إن شاء الله للمرأة وتطلق سبيلها بالحرية؛ لأنهم إنما رأوا البينة على ابن عسلون من قبل إقراره بابتياعها بموضع الفتنة،
[ ١٦٨ ]
وحيث تتابع الأحرار ولا يقدرون على الامتناع فأطلق سبيلها وأقطع علق ملك ابن علسون عنها إذا يثبته فإنك في ذلك مثاب، ما له وأشار به ورآه صوابًا من النظر محمد بن غالب، وعبيد الله بين يحيى، وأيوب بن سليمان، ويحيى بن عبدالعزيز، وسعد بن معاذ، ومحمد بن وليد، وأحمد بن يحيى ابن أبي عيسى، وقال ابن لبابة: كان عبدالأعلى يفتي بما قال أصحابنا لفساد الزمان. قال: أو لست تراه وكل من كان بيده شيء فهو له.
وفي مسائل ابن زرب في ذلك: عبد بين رجلين زعم أنه حر، وعلم أنه قد كان بيع في بلده، وبيع الأحرار فيها فاش معلوم. قال القاضي: يخرج المملوك عن يد الذي هو بيده حتى يقيم البينة أنه ابتاعه ممن كان له ملكًا وجعل الإثبات على السيد وقال: قد أفتيت بهذا فيما بيع في بلد الحسن؛ إذ كان الغالب فيه بيع الأحرار، وبذلك كان شيوخ بلدنا يفتون فيما بيع في بلد ابن حفصون، كانوا يكلفون السيد إقامة البينة على صحة ابتياعه، وأن المملوك كان ملكًا لبائعه، وقد ذلك لنا ابن عتاب مثل هذه من اتفاق الشيوخ على ذلك إذا كثر بيع الأحرار في فتنة ابن حفصون.
قال: ونزلت بابن عبدالرؤوف صاحب المظالم بقرطبة أبي عبدالله مسألة: ادعت مملوكة أنها حرة الأصل، وأنها من باجرة ولها بها أهل، فوقفت أيامًا ثم رجعت عن دعواها وقالت: كذبت ما أنا إلا مملوكة، فشاور في ذلك فقالت طائفة: لا يسمع رجوعها عن دعواها؛ لأنها قد استحقت حريتها بدعواها فليس لها أن ترق نفسها، وقالت طائفة: يسمع منها وتبقى مملوكة لسيدها قال: وهو رأيي وبه أفتيت واختاره القاضي ابن بشير. قال: وهو في أحكام ابن زياد على هذا الاختلاف.
والذي ألفيت أنا في هذه الأحكام من هذا المعنى: أتتنا رحكمه الله وإيانا امرأة تزعم أنها حرة، وادعى رقبتها رجل، فوضعتها على يدي أمين حتى أنظر في أمرها، ثم أتاني الرجل بعد أيام فذكر أنها مقرة بالرق الذي كانت أنكرته.
فقالوا: الذي يجب في ذلك أنها إن كانت مجهولة الأصل فإقرارها بالرق له لازم لها وجائز عليها وترد إليه بعد الإعذار إليها في إقرارها بمملكته لهذا، قاله ابن لبابة وغيره.
هذا الذي في أحكام ابن زياد، ولم يذكروا فيها خلافًا، ولم يذكر لنا ابن عتاب إذ ذلك ذلك ما فيسماع ابن لاقاسم من ذلك من قول مالك أنه يسمع نزوعها إلا أن يخاف أنها نزعت شيء خافته وأرادت ذكره فاستجيب منه وخفت أن يقال لي: ليست
[ ١٦٩ ]
كالتي أنفق الشيوخ عليها قال لنا: وقلت في جوابي: وإن أمكنك الكشف عن أمرها وكتبك إلى جهتها التي سمتها بقصتها كان حسنًا، وربما حقت عندك دعواها.
وكان ابن حفصون المذكورة قد ثار في بر بشير في أيام الأمين منذر بن محمد بن عبدالرحمن بن الحكم، وكانت وفاة المنذر في سنة خمس وسبعين ومائتين، وولي بعده أخوه عبدالله بن محمد، ثم ولي بعدها أخوهما عبدالرحمن بن محمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين ﵃ جميعهم.
ونزلت من هذا المعنى مسألة بقرطبة:
قامت امرأة متملكة عند إبراهيم بن يحيى المعروف بابن السقا تدعي الحرية، وأنها ابنة فلان من سبته، وشهد لها عنده شاهدان على عينها أنهما يعرفانها بسبتة منذ سبعة أعوام أو نحوها تتصرف تصرف الحرائر، زاد أحدهما: أنها حرة، وقال الآخر: وأعرف لزيد الذي ذكرت ابنة إلا أني لا أعلم أهي هذه أم لا؟ وقيل شهادتهما، وأعذر إلى مالكها فلم يكن عنده مدفع وحكم بحريتها وإطلاقها.
وذكر في كتاب حكمة أنه شاور في ذلك أهل العلم فأفتوه بالحكم لها بذلك، وخاطب للمحكوم عليه قاضي طليلطلة أبا زيد بن الحشا ليعديه على بائع امرأة منه إذا كان ساكنًا بها، وثبت عند أبي زيد الخطاب والحكم وأعدى المحكوم عليه على البائع منه وسجل بذلك وكتب السجل، وانتسخ فيه حكم ابن السقا، وسأل المحكوم عليه بطليطلة أن يخاطب له قاضي بطليوس، وقال: إن بائعها منه بها فكتب له إلى قاضيها يومئذ أبي عبدالملك مروان بن محمد، فوصل إليه الكتاب والمكتوب له وقد هلك ابن السقا، فامتنع القاضي من إعدائه وقال: أحكام ابن السقا غير جائزة عندي، وانصرف الطليطلي دون شيء أخبرنا بذلك بطليطلة.
ثم صرت أنا إلى قرطبة وبلغني أن أبا زيد شاور فقهاء طليطلة في أحكام ابن السقا هل هي نافذة أم مردودة؟ فأفتوا أنها جايزة، وخاطب بذلك قاضي بطليوس للمحكوم عليه المذكور فاعترض بعض فقهائنا في شهادة الشهيدين للمرأة عند ابن السقا؛ لأن أحدهما كان شهد أنه يعرفها حرة تتصرف تصرف الحرائر الأمد المذكور. وقال الآخر: أعرفها تتصرف تصرف الحرائر هذه المدة، ولا أعرف أهي ابنة فلان أم لا. فقال أبومحمد بن الخزاز منهم وآخر معه: شهادتهما مختلفة فلا يجوز الحكم بها فكتب قاضي بطليوس
[ ١٧٠ ]
أبوعبدالملك إلى قرطبة يستفتي عن ذلك.
فجاوب ابن عتاب: الشهادة عاملة وحرية المرأة ماضية والحكم لها بذلك نافذ غير مردود.
وجاوب ابن القطان: أحكام ابن السقا وغيره مردودة لا يجوز إمضاؤها، ويجب ردها ونقضها؛ لأنه كان من أهل الجور والاعتداء وأن الشهادة ناقصة غير تامة إذا لم يشهد بأنها حرة.
وجاوب ابن مالك: إن الشهادة المشهود بها للمرأة غير عاملة؛ لقولهما يعرفانها تتصرف تصرف الحرائر، ولم يقولا جميعًا: إنها حرة تتصرف تصرف الحرائر، وقال لي: إذا تكلمت معه فيها: والآبق يتصرف تصرف الحرائر قلت: له فإن شهدا أنها حرة ولم قال لي: هي شهادة جائزة إذا لم يسميا المعتق، ولو سمياه لوجب الإعذار إليه إن كان حيًا، أو إلى ورثته إن كان ميتًا بعد ثبوت الملك والموت والوراثة.
ثم قال: شاهدت عد أبي بكر بن ذكوان أن القاضي قد شاور في عقد حبس كان أبوعمرو الشاطبي كتبه، وفيه يعرفون الدار التي بموضع كذا حبسًا من تحبيس فإن وأنها تحرم بحرمة الإحباء وتحاز بما تحاز به الإحباس، قال ابن عتاب لابن ذكوان: ليس هذا العقد بشيء، ولا يجوز به حكم إلا بعد ثبوت ملك المحبس وموته وعدة ورثته والإعذار في ذلك قال لي: وكان أبوعمور بالحضرة فقال لابن عتاب: كيف لا يكون العقد شيئًا وقد شهد شهوده بأنها تحرم بحرمة الإحباس، فقال له: اسكت إنما عليك أن تسمع ولا تعترض، قلت له: فهل الشهادة بأنها يعرفونها حرة كاملة دون أن يقولوا حرة ولا بنت حرين، قال لي: نعم.
وكتب إلى ابن عتاب: في سنة ثلاث وأربعين وأربع مائة يعقد استرعاء في إثبات حرية، نصه: يشهد من يتسمى في هذا الكتاب من الشهداء أنهم يعرفون فلان ابن فلان بعينه واسمه ونعته كذا حرًا ابن حرين لم يجر لأحد من الناس عيه ملك ولا شعبة رق في علمهم إلى حين شهادتهم هذه وتاريخه كذا.
وسألته عن فوائد قول الموثق: حرًا ابن حرين، وهو لو كانت أمه حرة وأبوه عبدًا لكان حرًا، وعن قوله في العقد في علمهم هل يوهن العقد، وكتب أي بخط يده العقد عامل فيما قصد به إليه من إثبات الحرية ولا علة في قوله: ابن حرين؛ لأنه وصفه بحرية
[ ١٧١ ]
أنبوبة وأراد التعريف بأنه ليس ابن عيد من حرة ولو قال ابن حرة اكتفى.
وقوله: في عملهم، يرجع على قوله: لم يجر عليه ملك لأحد على آخر الكلام، وهو الذي يجب أن يقال فيه؛ إذا تقدم القطع على المعرفة بالحرية في صدر العقد بقوله يعرفونه حرًا ابن حرين وهذا لا يكون إلا على البت، ولو كان على العلم لم تكن شهادة توجب حكمًا وبالله التوفيق.
وفي دعوى الحرية في كتاب الجدار لعيسى بن دينار أن قاضي الجزيرة كتب إليه يسأله عن عبد ادعى حرية، وسأله أني رفع إلى قرطبة لمنفعة يرجوها بها، فكتب إليه أن سبب العبد عندك سببًا في دعواه كالشاهد العدل يقيمه عندك والشهود غير العدول فارفعه على حيث يرجو منفعته وإثبات حريته.
وإن لم يسبب شيئًا مما أعلمتك به فنرى أن يتخذ على صاحبه حميلًا ليلًا يبرح به ثم يسأل العبد عن موضعه الذي رجي فيه شهوده ومنفعته، فيكتب كتابًا إلى قاضي ذلك العبد أنه حر، وزعم أن بينته ومن يعرف حريته بناحيتك وقد وقفناه حتى يأتينا كتابك فانظر في أموره واكشف عن حريته ثم اكتب بلك إلينا لننظر فيه إن شاء الله تعالى.
والكتابة جائزة محضوض عليها ولا يجبر السيد عليها وإن طلبها العبد وهي بما يتراضيان عليه من قليل أو كثير منجم على المكاتب، والتدبير إيجاب وإلزام وهو قول مالك لعبده: أنت مدبر، أو قد دبرتك، أو أنت حر عن دبر مني أو إذا مت فأنت بالتدبير حر، وهو يخرج من الثلث.
ومن تسرى أمة فحملت منه حملًا ووضعته أو أسقطته فهي به أم ولد ولا يجوز بيعها ولا إجارتها ولا إسلامها في جناية إن جنتها، وإنما له فيها الاستمتاع وخفيف الخدمة وغذا مات خرجت من رأس ماله.
وغاب إنسان من قرطبة عن أم ولده وقامت بعدم النفقة عند القاضي محمد بن أحمد بن بقي وذكرت أنه غاب عنها مدة أزيد من ثلاثة أعوم بجهة المشرق وأنها بحال ضيقة ليس لها شيء تنفقه على نفسها، وأثبتت ذلك كله عنده، وشاور في ذلك.
فأفتى ابن عتاب: تصفحت خطابك وما ثبت عندك، ووجه العمل في ذلك أن تكشف عمن أسند الغائب إليه أمر أم ولده، فإن عثرت عليه أو على أحد من قرابته أو
[ ١٧٢ ]
غيرها ورجوت التوسع منهم لها إن كانوا مياسير، يسلف ما ينفق عليها مدة يسيرة فذلك حسن، وما أراد تجد أحدًا يجيب إلى ذلك لضيق الوقت وشدة الحال.
فإن لم تجد أحدًا أو جدت تلومت شهرًا أو أزيد منه، واستخرت الله تعالى وأنفذت عتقها على الغائب عتقًا تلحق به بأحرار المسلمات فيما لهن وعليهن، وتقيد ذلك من نظرك وتشهد عليه ولا يكون عليها بعد ذلك سبيل غير سبيل الولاء إلا أنك تذكر في نظرك أنك لم تقطع له حجة لما جرى به العمل قديمًا في هذا المعنى.
ومن أصحاب مالك من يرى في هذه القصة ولا في غيرها أعني ما يكتب أنه أرجى الحجة للغائب ولم يقطعها وطول مدة المغيب وأنها أزيد من ثلاثة أعوام يسقط عنها اليمين أنه لم يتخلف عندها ما تنفقه.
هذا الواجب في ذلك والله أعلم، وإليه أرغب في التوفيق والهداية لما فيه النجاة برحمته، ثم زاد في جوابه بعد قوله في آخر الجواب، قاله محمد بن عتاب.
وعن رواية صحيحة واقعة في ديوان معلوم قاله: ونص الرواية: قال أشهب: إذ عجز الرجل عن نفقة أمهات أولاده استحسنا أنها بمنزلة أزواجه إذا لم يقم بأمرهن ولم يكن شيء مثله يستعمل فيه مثلهن ما يكفيهن، ورأيت أن يضرب له أجر الشهر ونحوه فإن وجد لهن ما وصفت لك من أدنى ما يكفي ويعيش وإلا عتقن عليه فيسكبن على أنفسهم فيما أحل الله من نكاح الأيامى، وما يشبه ذلك من أسباب الرزق لأنهن إذا تركن بلا إنفاق عليهن متن جوعًا فهذا نص الرواية، والله أسأل التوفيق برحمته.
وأخبرت أن أبا عمر بن القطان أفتى أنها لا تعتق وأنها تبقى حتى ينصرف سيدها أو يصح موته أو ينقضي تعميره فتخرج حينئذ حرة. وقال: هذا الذي أراه على أصول ابن القاسم، وقد نزلت وأفتى أبومحمد بن الشقاق فيها بذلك، قال: وقال لي ابن الشقاق: فيها رواية لعلي بن زياد أنها تعتق ولم يأخذ في جوابه بهذه الرواية.
وأخبرني أبوبكر محمد بن منظور القاضي عن القرشي اليتمي أنه أفتى بإشبيليه أنها تعتق، قال: وخولف في ذلك، والصواب عندي ما أفتى به ابن عتاب والتيمي من تعجيل عتقها عليها ذكره ابن عتاب عن أشهب وابن الشقاق عن علي بن زياد وإن كان ابن العطار قد قال في وثائقه إنها لا تعتق وتسعى في إقامة معاشها، ولم أرد أحدًا من الفريقين ذلك قول ابن العطار هذا، ولا شك أنه غاب عن ذكرهم والله أعلم.
[ ١٧٣ ]
قلت لابن عتاب: هل عليها عدة إذا حكم بعتقها؟ قال: نعم، تعتد بحيضة، قلت له: وهل عليها يمين أن سيدها لم يتخلف عندها شيئًا ولا أرسل إليها بشيء، كما تلزم زوجة الغائب إذا طلقت نفسها بعدم النفقة؟ فقال لي: لا يمين عليها وبذلك أفتيت لطول أمد المغيب وهي لخلاف الحرة في هذا، لابد للحرة من أن تحلف.
[ ١٧٤ ]