(وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول باسم الله وتتناول بيمينك فإذا فرغت فلتقل الحمد لله):
[ ٢ / ٤٦٣ ]
يريد: إذا أردت الأكل والشرب كقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [النحل: ٩٨]
عند الأكثر وكقوله ﷺ "من أتى الجمعة فليغتسل" والأصل فيما ذكر الشيخ ما خرجه مسلم في صحيحه عن عمر بن أبي سلمة قال كنت في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".
وفي الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ "وإذا أكل أحدكم طعاما فليقل باسم الله في أوله والحمد لله في آخره" قال هذا الحديث حسن صحيح، وفي مسلم عن أبي عمر أن رسول الله ﷺ قال "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله" وفي أيضا عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها".
قال الفاكهاني: وقول الشيخ فواجب عليك أن تقول باسم الله أي وجوب السنن التي لا إثم على من تركها قال ابن الحاجب، ويستحب للمرء أن يسمي الله عن طعامه وشرابه، قلت: وأراد بقوله يستحب السنة لأنها عبارة العراقيين الذين يطلقون على السنة الاستحباب كما تقدم له في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء.
قال الفاكهاني: قال بعض من شرح الرسالة: وليس له أن يقول الرحمن الرحيم فإن فعل فلا شيء عليه، قلت: واختار شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى راجحية الرحمن الرحيم ويكفي باسم الله فقط وبه أقول.
(وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها):
خرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا أكل أحدكم طعاما فليعلق أصابعه فإنه لا يدري في أيتهم البركة".
(ومن آداب الاكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للماء وثلثا للنفس):
هذا لما في الترمذي عنه ﷺ: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من البطن حسب ابن
[ ٢ / ٤٦٤ ]
آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا محالة فثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه وثلثا لنفسه"، وقال حديث حسن صحيح، وقال إبراهيم بن أدهم ﵁: صحبت أكثر رجال الله في جبل لبنان فكانوا يوصوني إذا رجعت إلى أبناء الدنيا فعظهم بأربع قل لهم: من يكثر الأكل لا يجد لذة العبادة ومن ينام كثيرا لم ير في عمره بركة ومن طلب رضى الناس فلا ينظر رضى الرب، ومن يكثر الكلام بالفضول والغيبة فلا يخرج من الدنيا على دين الإسلام.
قال سهل ﵀: الخير كله في هذه الخصال الأربعة وبهذا صارة الأبدال أبدالا أخماص البطون والصمت والاعتزال عن الخلق وسهو الليل، قال بعض العراقيين: الجوع رأس مالنا ذكره الغزالي في منهاج العابدين ولا شك أن الشبع من الجوع فقط وقد سأل سحنون وابن سعيد كل شيء يعمل على الشبع إلا ابن آدم فإذا شبع رقد.
(وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى):
قال ابن رشد: هذا إذا كان الطعام صنفا واحدا كالثريد واللحم وشبهه وأما إذا كان أصنافا مختلفة كأنواع الفاكهة في طبق مما يختلف أغراض الآكلين فلا بأس للرجل أن يتناول ما بين يدي غيره، وذلك منصوص عن النبي ﷺ إذا أكل الرجل مع أهله وبنيه له أن يتناول مما بين أيديهم إذ لا يلزمه أن يتأدب معهم ويلزمهم أن يتأدبوا معه في الأكل فإن لم يفعلوا أمرهم بذلك كما فعله النبي ﷺ لعمر بن أبي سلمة، ومن أدب الأكل إذا أكل الرجل مع القوم أن يصغراللقمة ويترسل في الأكل وإن خالف ذلك عادته فيه.
(ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت):
هذا لما في النسائي عن أنس عن رسول الله ﷺ قال "إذا شرب أحدكم فليتنفس ثلاث مرات فإنه أهنا وأهدى" وفي مسلم عن أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه نهى عن النفخ في الشراب فقال له رجل: يا رسول الله لا أروى من نفس واحدة فقال رسول الله ﷺ " فبن القدح وتنفس".
(ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه):
هو بفتح العين لأمره ﷺ بالمص وقول الشيخ وتلوك طعامك معلوم وجهة العادة لكونه أنفع في الأدب.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
(وتنظف فاك بعد طعامك):
لأن الفم محل الأذى فكان المطلوب تنظيفه على حسب الإمكان.
(وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن):
الغمر بفتح الغين ريح اللحم والسمن قاله الجوهري ولم يحك الفاكهاني غيره وهو خلاف قول عياض الغمر بفتح الغين المعجمة وفتح الميم هو الودك وزاد غيره وبسكونها الماء الكثير وأما بضم الغين وسكون الميم فهو الرجل الجاهل وبكسر الغين هو الحقد وظاهر كلام الشيخ أن الغسل مطلوب سواء أراد الصلاة أم لا، وهو كذلك صرح بذلك غير واحد كالمغربي وابن عبدالسلام ولذلك نسب ابن الحاجب هذه المسألة المدونة فقال: وفيها أحب إلى أن يتمضمض من اللبن ويغسل الغمر إذا أراد الصلاة فإن مفهومها أنه إذا لم يرد الصلاة أنه لا يغسل وليس كذلك، نعم يتأكد الغسل إذا أراد الصلاة.
وتردد المتأخرون من التونسييين هل قول المدونة: ويغسل الغمر معطوف على قوله يتمضمض فيكون الاستحباب على حد السواء أو هو مستأنف فيكون الأمر فيه أكد من الذي قبله، والأصل فيما ذكر الشيخ ما خرجه أبو داود عنه ﷺ قال: "من بات وفي يده غمر لمن يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه".
(وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام):
لأن ذلك من معنى التنظيف.
(ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال):
هذا ما تقدم أن الشيطان يأكل بشماله.
(وتناول إذا شربت من علي يمينك):
الأصل في هذا ما روى مالك عن ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ أتى بلبن قد شيب بماء وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر فأعطاه الأعرابي وقال "الأيمن فالأيمن" وفي حديث آخر عن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام "أتأذن لي يا غلام" فقال لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصبي منك أحدا فناوله رسول الله ﷺ يعني أعطاه في يده.
قال الفاكهاني: هذه قاعدة الشرع أن القرب منه لا يؤثر به ولم أر ما خرج عن
[ ٢ / ٤٦٦ ]
هذه القاعدة إلا مسألة واحدة وهي إذن عائشة ﵂ لعمر ﵁ في دفنه عند النبي ﷺ بعد أن كانت أعدته لنفسها فانظر لماذا خرجت عن القاعدة وما تأولت عائشة عن ذلك.
(ونهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب):
هذا لما تقدم فابن القدح عن فيك قال الفاكهاني: وأما الطعام فهو بذلك أولى والله أعلم لأن الماء يدفع عن نفسه بخلاف الطعام ولأن فيه الاستقذار وكراهة الغير كما في الماء وفي البزار أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب وأما الكتاب فإجلاله له خيفة أن يخرج ريق فيحماء والله أعلم.
(وعن الشراب في آنية الذهب والفضة):
أي ونهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة وهو كذلك في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال "الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" قال الفاكهاني رويناه يجرجر بالكسر ونار بالضم ومعنى يجرجر بصوت فنار فاعليجرجر فاعرف هذا فإنالبحث يقع فيه كثيرا، واعلم أن أهل المذهب ألحقوا سائر الاستعمالات بالأكل والشرب في التحريم وذهب بعض الظاهرية إلى قصور المنع على الشرب خاصة فإن قلت: قد قدمتم غير ما مرة أن ابن الحاجب إذا قال باتفاق ويكون الاتفاق خارج المذهب بخلاف الإجماع وهو قد قال في هذا المحل من الذهب والفضة حرام استعمالها على الأصح على الرجل والمرأة اتفاقا، فيقتضي كلامه إن ثم من يقول بجواز الاستعمال فهل ثم من قال به؟
قلت: نعم قال عياض: في الإكمال ذهب بعض السلف إلى جواز الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة واستعمالها والظن به لم تبلغه السنة، واختلف في الاقتناء فقال ابن الجلاب وهو مذهب الأكثر، كذلك خلافا للباجي وألحق الأبهري بالأواني ما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان، وقال القاضي أبو الوليد بعدم الإلحاق.
واختلف في المغشي من ذهب وأصله من غيره أو العكس على قولين واختار ابن عبدالسلام الجواز في الأول دون الثاني وكذلك اختلف في المضيب وذي الحلقة على ثلاثة أقوال ثالثها يكره.
(ولا بأس بالشراب قائما):
الأصل في ذلك ما رواه ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما، وروى
[ ٢ / ٤٦٧ ]
جابر بن مطعم: قال رأيت أبا بكر الصديق ﵁ يشرب قائما قال الفاكهاني: وفي الصحيح خلاف هذا ورى مسلم عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ زجر عن الشرب قائما قال قتادة: فالأكل أخبث وأخبث وفيه أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لا يشرب أحدكم قائما فمن نسي فليستقئ" قال عبد الحق في إسناده عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف قال الشافعي: وإنما كره الشرب قائما لداء يأخذ في البطن قال بعض متأخري أصحابنا: ولم ير مالك به بأسا إذ لم يصح عنده النهي فبوب في موطئه باب شرب الرجل قائما وأدخل في باب عن عمر أنهم كانوا يشربون قياما.
(ولا ينبغي لمن أكره الكراث أو الثوم والبصل نيئا أن يدخل المسجد):
قال عياض: نيئا ممدود مهموز والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد السلام عن النبي ﷺ قال: "ومن أكل ثوما أو بصلا نيئا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" وأتى أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال "قربوها" إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها قال "كل فإني أناجي من لا تناجي" وألحق بذلك آكل الفجل يتجشأ به أو غير ذلك مما يستقبح ريحه، ويتأذى به.
وكذلك ذكر أبو عبد الله بن المرابط في شرحه أن حكم من به داء البخر في فيه أو جرح له رائحة حكمه حكم البصل والثوم ومن هذا المعنى خروج الريح في المسجد ونص عليه بعض الشيوخ وبه أفتى بعض من لقيناه من القرويين قائلا: خلافا للبخاري ﵀ وأما من يغتاب الناس في المسجد فالأدب فيه كاف وبه أفتى شيخنا أبو مهدي ﵀ وتقدم ما نقله ابن عبد البر في الاستذكار عن أحمد بن عبد الملك الإشبيلي أنه يخرج من المسجد عملا بهذا الحديث وإنما ذكر المسجد لأنه مظنة الاجتماع وإلا فمجامع الصلاة في غير المسجد كمصلى العيدين والجنائز ونحوهما كالمسجد.
قال عياض: ذكر بعض فقهائنا أن الحكم كذلك في مجالس العلم والولائم وحلق الذكر وظاهر كلام الشيخ أن الحكم عاما في سائر المساجد وهو كذلك عند جمهور العلماء وذهب بعضهم إلى أن هذا خاص بمسجد المدينة لأجل ملائكة الوحي وتأذيهم بذلك ويحتج بقوله ﷺ "فلا يقرب" وحجة الجماعة قوله ﷺ "فلا يقرب
[ ٢ / ٤٦٨ ]
المساجد" ذكر الروايتين مسلم.
وظاهر كلامه أن دخوله مكروه لا محرم لقوله: ولا ينبغي وهو كذلك في سماع ابن القاسم قال: يكره ريح الثوم قيل: البصل والكراث مثله قال ما سمعت فيه شيء وما أحب أن يؤذي الناس، وسمع عيسى إن آذى فمثله قال ابن رشد: عليه يجب حمل قول مالك لوجود علة النهي وقوله لا أحب أن يؤذي الناي تجوز لأن ترك إذايتهم واجب لا مستحب.
(ويكره أن يأكل مكئا):
هذا لما في البخاري عن أبي حذيفة قال: كنت عند رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده: "أما أنا فلا آكل متكئا" قال عبد الوهاب: والمنع في ذلك للعجب والخيلاء ولأنه من فعل الأعاجم والجبابرة وقال الباجي: قال مالك: ومن السنة الآكل جالسا على الأرض على هيئة يطمئن عليها ولا يأكل مضطجعا على بطنه ولا متكئا على ظهره لما فيه من البعد عن التواضع والتشبه بالأعاجم ووقت الأكل وقت تواضع وشكر الله تعالى على نعمه.
قال عياض: والاتكاء هو التمكن من الأرض والتقعد في الجلوس كالتربع من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها ما تحته فإن الجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه والنبي ﷺ إنما كان جلوسه جلوس المستوفز وقال "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على الشق عند المحققين واعترضه الفاكهاني بل الذي يتحقق أنه الميل على لاشق لأنه يسبق إلى الذهن من لفظ الاتكاء وأنه غير الجلوس، وكذلك قال الداودي في الحديث الصحيح وكان متكئا فجلس فيلزم على ما قال عياض: أن يكون معنى الكلام كان جالسا فجلس وهذا محال وبالله تعالى التوفيق.
(ويكره الأكل من رأس الثريد):
هذا لما رواه أبو داود عن النبي ﷺ قال "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فإن البركة تنزل من أعلاها" بيان هذا أن تخصيص الشيخ الكراهة بهذا الثريد لا مفهوم له.
(ونهى عن القران في التمر وقيل إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك
[ ٢ / ٤٦٩ ]
مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم):
ذكر مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن يقرن الرجل بين التمرتين حتى يستأذن أصحابه يقال قرن يقرن بالكسر والضم، ووجه عبد الوهاب القول الثاني أن الشركة تستدعي النساوي فإذا أراد أحد الشركاء القران فينبغي أن يعلم صاحبه ليساويه إن أراد لا يستبد دونه بالزيادة، واعترضه الفاكهاني بأن قوله فينبغي ظاهر في عدم الوجوب وظاهر الحديث الوجوب لقوله ابن عمر نهى.
(ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه):
هذا واضح جلي ولا أعلم فيه خلافا.
(وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى):
ما ذكر الشيخ أنه إذا كانت يده طاهرة ليس من السنة غسلها هو قول ابن القاسم في العتيبة قائلا: لأنه من زي الأعاجم، قال المغربي وقال ابن وهب: يغسلها وكان نحا إلى قول ابن حبيب أن يد الجنب محمولة على النجاسة قلت: ما ذكر عن ابن وهب لا أعرفه وقوله ﷺ "المؤمن لا ينجس" يرد ما ذكر والاستثناء من قول الشيخ إلا أن يكون بها أذى الأقرب فيه أنه متصل والمعنى أن الأمر بالغسل جاء بالسنة والمراد به الوجوب لأن حكمه السنة والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ أن إذا كان بها أذى أنه يغسل ولو كان الطعام باردا جامدا وهو كذلك قاله أبو عمران الجورائي كيلا يتهاون بالطعام وإليه كان يذهب بعض من لقيناه من القرويين مصرحا بوجوب الغسل وقال أبو محمد صالح رحمه الله تعالى: له أن يأكل من غير غسل وهو بعيد.
(وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر وليمضمض فاه من اللبن):
ما ذكر قد تقدم له مثله فلا معنى لاعادته.
(ويكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك):
قال الفاكهاني ﵀: القول بالجواز في الطعام نقله ابن يونس عن مالك وعلل ذلك بأن الصحابة كانوا يتمندلون بأقدامهم وكانوا يأكلون الطعام الدسم.
مثله نقل ابن شاس عن ابن وهب في المختصر قال: سمعت مالكا يقول في الجلبان والقول وما أشبهه من الطعام لا بأس أن يتوضأ منه ويتدلك به في الحمام، وسئل
[ ٢ / ٤٧٠ ]
مالك عن الدقيق يغسل به اليدين، قال غيره أعجب إلي ولو فعله لم ار به بأسا قد كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمندل ببطن رجله، قلت القول بالكراهة هو مقتضى الروايات قال ابن رشد: الغسل بالعسل واللبن والنخالة وامتشاط المرأة بالنضوخ يعمل من التمر والزبيب الروايات كراهته لحرمته وسمع أشهب: لا يعجبني غسل الرأس باليض وغسل اليدين بالأرز وهو أخف كالأشنان ابن رشد الأرز بكسر الراء إن لم يكن طعاما فلا وجه لكراهتهم الغسل به وإن كان طعاما فمكروه وروايته بتحريك الراء خطأ ولا وجه لتخفيف الغسل به لأنه من رفيع الطعام ومرض بعض شيوخنا قوله هذا بأنه يلزم في الغسل وهو حمل سماع عيسى بن القاسم لا تعجبني الكراهة وإذا ثبت في الطعام القول بالجواز فالنخالة أولى من أن يختلف فيها كمال قال الشيخ.
قال الفاكهاني: ورأيت لبعض شراح الرسالة أن قول الشيخ وقد اختلف في ذلك أي في النخالة وهو غلط ظاهر أعني تخصيصه الخلاف بالنخالة بل الخلاف في كل ما تقدم وقد قال مالك في الجلبان وما أشبهه: لا بأس أن يتوضأ منه ويتدلك به في الحمام فهذا نص في الإباحة والجواز وأما الكراهة فقد نقلها الشيخ أبو محمد وغيره، قلت: واختار بعض من لقيناه من القرويين زمان الرخاء والشدة فالكراهة في زمان الرخاء لعدم استقصاء الطعام منها، والجواز في زمان الغلاء لاستقصائه منها وكأنه أراد به أن يجمع بين القولين وليس ببعيد والاحتياط أولى.
(ولتجب إذا دعيت إلى وليمة العرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها):
اختلف هل الوليمة مستحبة أم لا؟ فقل: إنها مستحبة وجعله غير واحد المذهب كابن رشد والمازري، وقال ابن سهل الصواب: القضاء بها على الزوج لقوله ﷺ "أولم ولو بشاة" مع العمل به عند الخاصة والعامة.
واختلف في وقتها فقيل: قبل البناء رواه ابن المواز فلما ذكر عياض الرواية التي في المدونة قال: والرواية الأخرى جوازها بعد البناء وحكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء قلت: قال بعض شيوخنا وأشار بقوله الرواية الأخرى إلى ما ذكره الباجي من رواية أشهب لا بأس أن يولم بعد البناء قال ونظرت العتبية فلم أجدها فيها.
وظاهر كلام الشيخ أن الإجابة واجبة وهو كذلك قاله مالك وقيل إنها لا تجب
[ ٢ / ٤٧١ ]
نقله الباجي عن رواية ابن حبيب ليس ذلك فرضا ولا حتما وأحب أن يأتيه فجعلها ندبا وحكاه ابن الحاجب عن ابن القصار عن المذهب، وقال اللخمي: إن كان المدعو قريبا أو جارا أو صديقا أو من يحدث بتأخيره عداوة وتقاطعا وجبت إجابته وإن كان المدعو غير ذلك فإن لم يأت من الناس ما تقوم شهرة النكاح به ندبت وإلا أبيحت.
فإن قلت: والقول بأن الإباحة واجبة مع أن الدعوة مندوبة متنافيان قلت: ليس في ذلك تناف بل هو أصل المذهب ألا ترى أن الابتداء بالسلام سنه ورده فرض فإن قلت والقول بأنها مندوبة مشكل أيضا لقوله ﷺ "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" قلت: أجيب عن ذلك بوجهين أحدهما أن يقصد بعدم إجابته الترفع عنها والرغبة عن السنة، وهذا تأويل عبدالوهاب الثاني لبعض البغداديين من أصحابنا بأنه لا يمنع أن يطلق على من أخل بالمندوب تسمية عاص لأن المعصية مخالفة الأمر المأمور به والمندوب مأمور به، واعترضه الفاكهاني بوجهين.
أحدهما: أنه خلاف عرف حملة الشريعة وغير مصطلحهم واستعمالهم، الثاني: أن المندوب قد اختلف فيه أهل الأصول هل هو مأمور به أم لا؟ قال الباجي: لا نص لأصحابنا في وجوب أكل المجيب وفي المذهب ما يقتضي القولين روى محم: عليه أن يجيب وأن لم يأكل أو كان صائما وقال أصبغ: ليس ذلك بالوكيد وهو خفيف فحمل قول مالك على أن الأكل ليس بواجب وقول أصبغ على وجوبه قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأن رواية محمد يجب وإن لم يأكل نص فقهي في عدم وجوب الأكل وعليه حملة اللخمي فكيف يقول: لا نص قلت: ويعترض عليه أيضا بقول الشيخ أبي محمد وأنت في الأكل بالخيار.